في التوتر بين البناء النظري والواقع الإنساني
منذ أن وعى الإنسان ذاته واقفاً على تخوم الوجود المترامي وهو يمارس فعلين متلازمين لا ينفكان: فعل الإحساس بالعالم من حوله وفعل التفكير في ذلك الإحساس ذاته. لكنه سرعان ما اكتشف أن التفكير في طبيعته المتأصلة لا يقنع بتلك الانطباعات الأولية المتناثرة بل يتطلع إلى ما وراءها من أنساق وعلاقات وقوانين ليقيم صرحاً من المفاهيم يحميه من فوضى الحواس ويعصمه من شراهة اللحظة الآنية التي لا تبقي ولا تذر. هكذا ولدت سلطة المفهوم، ذلك الكيان المجرد الذي يمتلك من القوة ما يجعله مهيمناً على مداركنا وتجاربنا إلى حد أننا صرنا ننظر إلى الأشياء من خلاله لا إليه ونخضع واقعنا له لا منه. لكن هذه السلطة التي منحتنا القدرة على التنبؤ والسيطرة والتصنيف سرعان ما كشفت عن وجهها الآخر الأكثر إزعاجاً: أنها تحجب عنا بقدر ما تكشف وأنها تبسط النظام وتزرع الفوضى في آن لأنها تجعل من الواقع الإنساني المنساب مرآة لمقولاتها هي لا مرآة لحقيقته هو. وقد انفتحت هوة لا تردم بين ما نظن أننا نعرفه وما نعيشه فعلاً، بين البناء النظري الأنيق الذي نشيده بأدوات العقل والمنطق وبين التجربة المعاشة التي تفيض عن كل إطار وتتملص من كل ضبط وتصر على أن تكون هي الحكم الأخير على كل معرفة تدعي الشمول والاكتمال. هذا التوتر الأزلي الذي يشبه في عنفه توتر القوس قبل إطلاق السهم هو ما جعل الفلسفة منذ نشأتها الأولى تتأرجح بين قطبي المثال والواقع، بين ما ينبغي أن يكون وما هو كائن وبين طموح العقل إلى الاستيعاب الكلي وعجز الحواس والوجدان عن التكيف مع تلك النماذج الجامدة. إنه التوتر الذي جعل أفلاطون يعلن أن عالمنا مجرد ظلال وجعل أرسطو يعيد الاعتبار للأرض بوصفها مصدر المعرفة الأولى وجعل كانط يرسم حدوداً صارمة بين ما ندركه وما لا ندركه وجعل كيركغور يصرخ في وجه المنظومات المغلقة معلناً أن الحقيقة في الفرد القلق لا في المطلق الساكن. هذا التوتر هو نبض الفلسفة ذاتها وهو ما يحيلنا في كل مرة إلى السؤال الأصعب كيف يمكن لنا ونحن كائنات مفكرة أن نمسك بالحياة من دون أن نقتلها وأن نعبر عنها من دون أن نشوهها وأن نعطيها معنى من دون أن نفرض عليها معنى مسبقاً؟ هذا السؤال هو الذي سيأخذنا في ثنايا هذا المقال في رحلة عبر أغوار هذه المعضلة القديمة المتجددة، حيث نحاول أن نرصد ملامح سلطة المفهوم وهي تمارس هيمنتها وأن نكشف حدود التجربة وهي تقاوم وتتملص وأن نبحث في خضم هذا الصراع عن إمكانية لتجاوز لا يلغي التوتر بل يخصبه ولا يسقط أحد الطرفين بل يجعلهما في حالة شد دائم يولد المعنى كما يولد النور من اصطدام الظلمات.
المفهوم في طبيعته الأولى طاغية لا يحتمل. هو سلطة قائمة بذاتها تقيم نفسها على أنقاض الفوضى الحسية التي تموج بها التجربة الإنسانية الأولى. فالإنسان حين وجد في هذا العالم لم يجد أمامه سوى فيض من الانطباعات المتنافرة وطوفان من المعطيات الحسية التي لا نظام لها ولا ترتيب، فكان لزاماً عليه لكي يبقى أن يخضع هذا الفيض لشبكة من المفاهيم التي تمنحه شكلاً وتكسبه معنىً وتنجز له هوية يمكن التعلق بها. لكن هذه الشبكة وهذه السلطة المفهومية سرعان ما تنقلب إلى سجن تظل التجربة فيه أسيرة لانتظامات قبلية تفرض نفسها على الواقع لا تنكشف عنها فيه. هكذا يتشكل التوتر الأزلي بين البناء النظري الذي يقيم صرح المعرفة على أسس من العقل والمنطق وبين الواقع الإنساني المتمفصل في حيز الوجود اليومي بما يحمله من تناقضات واستثناءات وعناد سافر لكل محاولات التصنيف والتبويب.
لم يكن الفلاسفة غافلين عن هذه الهوة التي تشق كيان المعرفة البشرية منذ أقدم عصور التفكير التأملي. لقد أدرك أفلاطون في مثاليته المتعالية أن عالم المثال أو المثل هو عالم الحقيقة الثابتة الذي لا تتغير فيه الأشياء ولا تتبدل وأن ما نعيشه في هذا العالم المحسوس ليس إلا ظلالاً متغيرة لتلك الحقائق الأبدية.
إن السلطة المفهومية عند أفلاطون هي سلطة المثل التي تسبق التجربة وتحدد مسارها وتجعل من الواقع الإنساني مجرد مرآة مشوهة لتلك الكينونات العليا. غير أن هذا الترسيم الأفلاطوني على روعته وجلاله لم يخل من إشكالية كبرى هي إشكالية التطبيق أو بالأحرى إشكالية النزول من عوالم المفاهيم النقية إلى أرض التجربة المتربة التي تعج بالاستثناءات والمفارقات التي لا تندرج تحت أي قانون كلي. فكيف لمثل العدل والخير والجمال أن تتجسد في واقع البشر الذين يخطئون ويتناقضون ويتلونون بحسب ظروفهم وأهوائهم؟ ذلك هو السؤال الذي ظل يؤرق كل بناء نظري يطمح إلى الشمول والكمال.
وفي مقابل هذه النزعة المثالية نجد أرسطو تلميذ أفلاطون الناقد، يعيد الاعتبار للتجربة بوصفها المصدر الأوحد للمعرفة، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع التخلي عن سلطة المفهوم تماماً إذ يعمد إلى بناء منطقه القياسي الذي سيبقى لقرون طويلة، الإطار الجامد الذي تفكر فيه العقول البشرية. فأرسطو وإن كان يقر بأن المفاهيم تستقى من الجزئيات المحسوسة عبر عملية التجريد فإنه يخضع هذه الجزئيات نفسها لمنطق صارم من الأجناس والأنواع والفصول التي تعيد إنتاج سلطة المفهوم ذاتها، لكن هذه المرة في ثوب أرضي أكثر قرباً من الواقع وإن ظلت هذه السلطة قائمة على استبعاد كل ما هو شاذ أو غير قابل للتصنيف. لقد أسس أرسطو بمنطقه لصورة من العالم تقوم على مبدأ الهوية وعدم التناقض، متناسياً أو متغافلاً عن أن الواقع الإنساني في كثافته وتعددياته لا يمكن اختزاله إلى أقوال محددة ولا إلى قضايا قطعية بل هو حقل من التوترات والمفارقات التي تستعصي على أي إحاطة منطقية.
لكن الإشكالية تتضاعف حدتها عندما ننتقل إلى العصر الحديث، حيث تصبح سلطة المفهوم أكثر رسوخاً بفضل الثورة العلمية التي وضعت العقل البشري في موقع المشرع الأعلى للطبيعة. فكان ديكارت، بـ "أنا أفكر إذن أنا موجود"، قد أسس لقطيعة معرفية كبرى بين الذات المفكرة والعالم الممتد وجعل من الوضوح والتمييز معيارين للحقيقة لا يقبلان الجدل. وصارت المفاهيم الرياضية والهندسية هي النموذج الأسمى لكل معرفة صحيحة وأصبح الواقع الإنساني بما فيه من تعقيدات نفسية واجتماعية وتاريخية محكوماً بهذه المعايير الصارمة التي تقصي كل ما هو غامض أو مبهم أو غير قابل للقياس. غير أن هذه السيادة المفهومية الديكارتية لم تلبث أن كشفت عن حدودها الفادحة عندما تبين أن الحياة الإنسانية في تدفقها الزمني وفي تشابك علاقاتها الداخلية لا يمكن اختزالها إلى خطوط مستقيمة وإلى كميات قابلة للحصر بل هي كما عبر عنها باسكال لاحقاً "منطق القلب" الذي لا يخضع لمنطق العقل ولا يندرج تحت قوانينه الجبارة.
وإذا كان كانط قد حاول في نقده للعقل المحض أن يوفق بين سلطة المفهوم وحدود التجربة من خلال تمييزه بين ظاهرة الشيء و"الشيء في ذاته"، فإنه في حقيقة الأمر لم يفعل سوى إعادة إنتاج التوتر ذاته بل ربما زاده حدة. فكانط حين جعل من الزمان والمكان صورتين قبلتين للحساسية ومن المقولات الفهمية قوانين قبلية للطبيعة كان قد منح الذات المتعالية سلطة مطلقة في تشكيل العالم الذي تعرفه، لكنه في الوقت نفسه أقر بأن ثمّة ما هو غير قابل للمعرفة وهو "الشيء في ذاته" الذي يظل بعيداً عن متناول العقل البشري مهما بلغت أدواته المفهومية من دقة وصرامة. ويكون كانط قد رسم حدوداً صارمة لسلطة المفهوم، لكنه في اللحظة ذاتها أعاد إنتاج الهوة بين ما نعرفه وما هو موجود في حقيقته أي بين البناء النظري والواقع الإنساني الذي يظل في عمقه الميتافيزيقي عصيا على كل محاولات الإمساك به.
غير أن أقسى اختبار واجهته سلطة المفهوم كان على يد هيغل، ذلك الفيلسوف الذي جعل من المفهوم ذاته قوة محركة للتاريخ والوجود، إذ رأى في "الروح المطلقة" الكينونة الحقيقية التي تتجلى من خلال مسيرة الوعي الإنساني صراعاً وجدلاً لا ينتهي. لكن هيغل وعلى عكس من سبقوه لم يكتف بفرض سلطة المفهوم على الواقع بل حاول أن يحلل حركة الواقع نفسها بوصفها تجسيداً جدلياً للمفهوم المتطور باستمرار. فهو لم يشيد للمفهوم صرحاً جامداً مفروضاً من الخارج بل جعله ينمو ويتمايز ويتحد مع نقيضه في مسيرة لا تتوقف مما يجعل من التوتر بين البناء النظري والواقع الإنساني توتراً ديناميكياً خلاقاً وليس قطيعة ميتة لا ترجى منها فائدة. ففي فلسفة هيغل يصبح الواقع الإنساني بكل تناقضاته وآلامه وصراعاته، اللحمة الضرورية التي ينسج منها المفهوم نفسه ويتجاوز بها حديته الأولى نحو كلية ملموسة تستوعب الجزئي دون أن تلغيه. لكن هذا الحل الهيغلي على عبقريته ظل أسيراً لنزعة مثالية تمنح المفهوم الأسبقية المطلقة على الواقع وتخضع التاريخ البشري لمنطق جدلي يبدو في كثير من الأحيان متعالياً على العبث والمعاناة اللذين يشكلان جوهر الحياة الإنسانية.
لقد كان سورين كيركغور، ذلك المفكر الوجودي المتمرد أكثر الفلاسفة حساسية لهذا التوتر الذي لا يحتمل، حين وجه نقده اللاذع إلى منظومة هيغل، متهماً إياها بأنها تبني قصراً من المفاهيم المجردة بينما تعجز عن أن تؤوي فيه إنساناً واحداً يعيش واقعها الملموس بقلقه ويأسه وإيمانه. فكيركغور الذي رأى في "الفرد" محور الوجود الحقيقي كان يدرك أن سلطة المفهوم العام لا تقتصر على تجاهل خصوصية التجربة الإنسانية بل إنها تقتلها وتجفف ينابيعها الأعمق. فالخوف الرعديد والكآبة الصامتة والعشق المستحيل والالتزام الأخلاقي الذي لا يبرره أي قانون خارجي كل هذه الأبعاد الوجودية تفلت من شباك المفاهيم وتستعصي على أي تصنيف أو تحليل موضوعي. ولهذا كان نداء كيركغور الأبدي هو العودة إلى الذات الفردة في تفردها المطلق، إلى تلك البقعة الموحشة التي لا يصلها ضوء العقل ولا تبلغها سلطة المفهوم، حيث الإنسان هناك وحده مع عدمه وقلقه في مواجهة مباشرة مع الوجود الذي لا يمكن التعبير عنه ولا إحاطته.
ومما يعزز هذا الإحساس بحدود التجربة في وجه سلطة المفهوم، ذلك السيل الجارف من الانتقادات التي وجهتها فلسفات الوجود والظواهرية إلى كل محاولة لاختزال الكينونة الإنسانية إلى بنى نظرية جاهزة. فقد كان إدموند هوسرل مؤسس الظاهريات، قد أدرك أن على الفلسفة أن "تعود إلى الأشياء نفسها"، أي إلى التجربة الحية التي تسبق كل تنظير، والتي تمنح المفاهيم معناها الأصلي. ولكن وحتى في مشروع هوسرل هذا تظل سلطة المفهوم حاضرة من خلال "الإيپوخي" أو التعليق الظاهرياتي الذي يعلق الحكم على وجود العالم الطبيعي ويعيد بناء المعنى انطلاقاً من البنية القصدية للوعي. فالظاهريات وإن كانت تضع التجربة في مركز اهتمامها فإنها لا تخلو من بناء نظري يعيد إنتاج نوع من السلطة المفهومية وإن كانت سلطة أكثر مرونة وانفتاحاً على تعددية المعاني وسيولة الدلالات. لكن هذا الانفتاح على أهميته لم يحم الظاهريات من الوقوع في شرك المثالية المتعالية ذاتها إذ ظل التركيز على البنية القصدية للوعي يخضع الواقع الإنساني لشبكة من المفاهيم التي قد لا تستوعب الجانب الجسدي واللاواعي والعاطفي الذي يشكل جزءاً كبيراً من وجودنا اليومي.
أما مارتن هايدغر تلميذ هوسرل وناقده الأكبر، فقد ذهب إلى أبعد من ذلك حين وضع "الكينونة" نفسها موضع التساؤل معلناً عن أزمة المفهوم في مواجهة سؤال الوجود الأعمق. فهايدغر في "الكينونة والزمان"، يحاول أن يفكر خارج إطار الميتافيزيقا التقليدية التي أخضعت الوجود لمقولات جامدة ويسعى إلى استعادة معنى الكينونة من خلال تحليل "الدازاين"، أي الكائن الإنساني الذي يفهم وجوده والذي ينفتح على العالم عبر حالاته المزاجية ومشاريعه وتوقعاته. ويكون المفهوم هنا أداة محدودة لا تستطيع الإمساك بحقيقة الكينونة التي تظهر وتختفي في الآن نفسه والتي تتجلى في لحظات القلق والموت والملل العميق أكثر مما تتجلى في أي تأمل نظري. وكأن هايدغر يقول لنا إن سلطة المفهوم لا تنبسط على كينونة الإنسان إلا لتشوهها وتبعدها عن نفسها وأن على الفلسفة أن تتعلم الإصغاء إلى لغة الوجود قبل أن تحاول ترجمتها إلى منطوقات مفهومية تخونها دائماً.
لكن هل يعني هذا كله أن على الفكر الإنساني أن يتخلى عن سلطة المفهوم وأن يستسلم لفوضى التجربة الخام؟ كلا بل إن التوتر نفسه هو الذي ينتج المعرفة الحية والديناميكية فبدون المفهوم لا تكون هناك معرفة وبدون التجربة لا تكون هناك حقيقة. إن العلاقة بينهما هي علاقة توتر بناء، أشبه بعلاقة القوس والوتر في آلة الكمان، حيث لا ينتج النغم الجميل إلا من خلال هذا الشد المتبادل بين القوة والمرونة وبين الصلابة والانسابية. فالمفهوم من دون أن ينغمس في التجربة ويستقبل صدماتها ويعيد ترتيب نفسه باستمرار يتحجر ويصبح أيديولوجية قاتلة تعمي البصيرة وتجمد الحياة في قوالب ميتة. والتجربة من دون أن تستعير من المفهوم أدواته التنظيمية تظل فوضى عابرة لا معنى لها ولا اتجاه، كأنهار جارفة لا ضفاف لها تذوب في رمال اللاشيء. والسؤال الحق ليس كيف ننتصر لأحد الطرفين على حساب الآخر بل كيف نبقي هذا التوتر حياً خلاقاً وكيف نجعل من سلطة المفهوم سلطة ناقدة لذاتها وكيف نفتح التجربة على إمكانية تجاوز حدودها بفضل ما تستمد من المفهوم من شفافية ورؤية.
في هذا المستوى من العمق الفلسفي حيث تترنح المفاهيم على حافة الهاوية الوجودية وتنخلع التجربة من أثوابها البديهية نجد أنفسنا مضطرين إلى الاعتراف بأن سلطة المفهوم ليست مجرد أداة معرفية بل هي كينونة ثقافية وتاريخية تتشكل ضمن سياقاتها الخاصة وتفرض نفسها بوصفها "إبيستيمية" مهيمنة على نحو ما عبر ميشيل فوكو عنه حين كشف عن العلاقات الخفية بين المعرفة والسلطة وكيف أن كل عصر ينتج حقائقه وفق قواعده الداخلية التي لا علاقة لها بالضرورة بواقع الأشياء، بل بمنظومة الخطابات التي تخضع الوجود إلى شبكة من التصنيفات والإقصاءات. فالمفهوم في هذا المنظور ليس انعكاساً لتجربة ما بل هو فعل إقصاء واستبعاد ينتقي بعض الجوانب ويهمش أخرى، يؤكد حدوداً وينفي أبعاداً ويمارس عنفاً رمزياً على سيولة الواقع وتعددياته التي لا تحتمل الضبط والتحديد. وهنا تبرز مفارقة كبرى كلما ازدادت دقة المفاهيم وصرامة المنطق، ازدادت المسافة بينها وبين الحياة المعاشة وكأن محاولاتنا لفهم العالم تؤدي بالضرورة إلى إبعادنا عنه وتفقدنا القدرة على الملامسة المباشرة مع ما هو حي ومتغير ومفاجئ في كل آن.
ولعل في أعماق الأدب والشعر ما يجسد هذا التوتر بأعلى درجات الحساسية إذ أن اللغة الشعرية بما تحمله من استعارات وتكثيف، هي أقدر الفعاليات الإنسانية على كسر جمود المفهوم وإعادة بعث التجربة من جديد. فالشاعر حين يكتب لا يعمل ضمن أفق المفاهيم الجامدة بل يخلق عوالم لغوية طازجة تسبق كل تصنيف وتتجاوز كل حد وتقيم في تلك المنطقة الحدودية حيث ينتهي المعنى المقرر ويبدأ المعنى الممكن. ولهذا كان هيجل نفسه يرى في الفن وقبله شيلنغ، تعبيراً عن المطلق لا يقل سمواً عن الفلسفة بل ربما يكون أقرب إلى روح الوجود من الفلسفة ذاتها لأن الفن لا يختزل الواقع إلى قضايا وقوانين بل يظهره في كثافته المحسوسة وتفرده الذي لا يتكرر. وهنا ندرك أن التحدي الحقيقي ليس في التخلص من سلطة المفهوم فهذا محال بل في تعلم كيف نعيش في داخلها بوعي نقدي دائم، كيف نستعملها ولا نستسلم لها، كيف نخضعها للاختبار التجريبي المتواصل دون أن نمنحها قداسة أو أبدية. وهذا يتطلب منا أن نتبنى موقفاً تأويلياً على غرار ما طرحه هانز جورج غادامير، حيث لا تكون معرفتنا بالعالم مجرد تطبيق لآليات منهجية باردة بل هي حوار مستمر بين أفق النص (أو المفهوم) وأفق التجربة، حوار يغيرنا ويغير ما نعرفه حوار لا ينتهي لأن المعنى الحقيقي لا يستنفد في أي حضور.
إلا أن الحدث الأكثر هولاً في تاريخ هذا التوتر بين المفهوم والتجربة تمثل في الواقع العملي، أي في تلك الممارسات الاجتماعية والسياسية التي حاولت أن تخضع البشرية بأكملها إلى بنى نظرية كبرى، زاعمة أنها تمتلك المفتاح الأخير للسعادة والخلاص. فالتجربة التاريخية للقرن العشرين بمآسيها الهائلة من حروب وإبادات واستبدادات، كانت درساً قاسياً في حدود سلطة المفهوم حين تنفصل عن نبض الحياة اليومية، حين تصبح أيديولوجيات جامدة تقدس نفسها وتحتقر الواقع لخيانته إياها. كل تلك المشاريع العقلانية الكبرى التي وعدت بتحقيق الجنة على الأرض انتهت إلى جحيم لا يطاق، لأنها أهملت ما هو فوضوي وغير قابل للاختزال في الإنسان، ذلك العناد الميتافيزيقي الذي يجعل من الحرية في جوهرها رفضاً لأي قالب نهائي وإصراراً على أن تكون التجربة الإنسانية مفتوحة على كل الاحتمالات ومتمردة على كل تحديد نهائي. وهنا لا ننسى بصيرة إيمانويل ليفيناس الذي وضع الأخلاق قبل الوجود وجعل من "وجه الآخر" حدثاً يتجاوز كل مفهوم ويفضي إلى مسؤولية لا حد لها، مسؤولية لا تنبثق من عقد اجتماعي أو حساب نفعي، بل من تلك المواجهة المباشرة بين الذات والآخر التي تهز كيان المفهوم وتقلب موازينه وتفتح الباب أمام لانهائية المعنى التي لا تحصر في أي لغة أو نظام.
لهذا فإن خلاص الفكر الإنساني لا يكمن في اختراع مفاهيم أكثر دقة أو في بناء نظريات أكثر شمولاً بل في تنمية قدرة متواصلة على المفارقة، على أن نحمل في وعينا ما لا يستوعبه وعينا وأن نحتفظ في تجربتنا بمساحة من الغموض تظل عصية على التفسير الجازم وكأننا نراوح بين يقين العقل وشك القلب، بين نور المعرفة وظل الوجود الذي لا يشرق عليه أي نور. إن الفلسفة الحقيقية كما أدركها فيتغنشتاين في مراحله الأخيرة ليست بناء أنظمة فكرية بل هي نشاط نقدي مستمر يذيب المشاكل الوهمية التي تولدها اللغة حين تخرج عن سياقها الحيوي ويعيد الأسئلة الكبرى إلى حيث توجد فعلاً في طريقة عيشنا، في مواقفنا اليومية، في قراراتنا الصغيرة التي تبدو عابرة لكنها تحمل في طياتها أبعاداً وجودية لا تحصى. وهنا يصبح المفهوم أداة مرنة في يد التجربة لا سجناً يكبلها وتصير التجربة مادة خصبة تمنح المفهوم حياة ودلالة لا مجرد حالة استثنائية يصار إلى إلغائها أو تهميشها. ويتجلى التوتر في صورته الخلاقة كعلاقة جدلية لا تستقر على حال، وكرقصة أبدية بين الضرورة والحرية، بين الكلي والفردي، بين ما يوحدنا وما يميزنا، بين كبرياء العقل وتواضع الحواس، بين سلطة الكلمة وسلطان الصمت الذي يكمله ويعطيه عمقه الأخير.
لكنَّ الأمر ليس إعلان نصر لأحد الفريقين ولا حلا وسطاً في نسق هجين بل رؤية تجاوزية تُقرُّ بأنَّ الوجود الإنساني تعترف بأن الوجود الإنساني في جوهره المأساوي والجميل معاً، هو نتاج هذا الاحتكاك الدائم بين قوى متضاربة لا يمكن الفصل بينها ولا يمكن الجمع بينها دون بقية من ألم التناقض. إننا كبشر، مخلوقات تحيا على حافة التوتر، نستمد قوتنا بين قطبي المفهوم والتجربة، بين ما نعرفه وما نشعر به، بين ما نبني من نظريات وما تصطدم به من واقع يفضحها ويجددها في آن. وإذا كان المفهوم يعبر عن طموحنا إلى النظام والمعنى فإن التجربة تعبر عن ارتباطنا الجوهري بالحياة بكل مفاجآتها وروعتها وبكل عشوائيتها وألمها. والمهمة الأبدية للفكر هي ألا يغفل يوماً عن هذا التوازن المأساوي وأن يظل وفيا للإنسان في تفرده وأن يكرم في الوقت نفسه قوة التعميم التي جعلت منه كائناً عاقلاً متحضراً. والحكمة في آخر تحليلها هي أن نعرف كيف نسكن هذا التوتر دون أن نمرضه باليأس وكيف نعيش فيه دون أن نحوله إلى صراع عقيم بل إلى إيقاع حيوي تنتجه علاقتنا بالوجود كل يوم من جديد، كتلك الموجة التي لا توجد خارج صدامها بالصخر وكالنغمة التي لا تنشأ إلا من شد الوتر ونبض الهواء. بهذا المعنى يبقى التوتر بين سلطة المفهوم وحدود التجربة هو الضمانة الأخيرة لبقاء الإنسانية في حالة من السؤال الدائم والدهشة المتجددة، بعيداً عن يقين العقول الميتة وارتياح النفوس الخاملة لأن الحياة الحقيقية كما قال كيركغور في سياق مختلف "لا تعاش إلا إلى الأمام ولا تفهم إلا إلى الخلف"، أي في تلك اللحظة التي يتوقف فيها الزمن لكي نمسك بمعنى ما قد فاتنا في عجلة العيش اليومي ثم نعود من جديد إلى المجهول محملين بما تعلمنا غير نادمين على ما جهلنا ومدركين تماماً أن الحقيقة ليست في النهاية التي نبلغها بل في الرحلة التي لا تنتهي.
***
د حمزة مولخنيف








