(الفلسفة الذكية مطالبة بأن تستيقظ عند الفجر)
أن تكون الفلسفة ابنة عصرها يعني أنها لا تستطيع أن تعيش خارج التاريخ، ولا أن تظل أسيرة للأسئلة التي صاغتها عصور مضت. فالفلسفة ليست متحفًا للأفكار القديمة، ولا مجموعة من الأجوبة المحفوظة، وإنما هي قدرة العقل على أن يندهش من العالم حين يتغير، وأن يسأل عن معناه حين تتبدل شروط وجوده. الفلسفة اليوم أمام لحظة تاريخية استثنائية تفرض عليها أن تجدد ذاتها ومناهجها وأساليب تدريسها، وأن تستعيد قدرتها على استئناف الدهشة وقول كلمتها في عالم يتغير بسرعة لم يعرفها الإنسان من قبل.
لقد كانت بومة منيرفا عند هيجل رمزًا بليغًا لطبيعة الفلسفة ووظيفتها. فالبومة لا تبدأ طيرانها إلا عند حلول الغسق؛ أي إن الفلسفة تأتي متأخرة، بعد أن يكون الواقع قد اكتمل، لكي تتأمله وتفهم منطقه وتمنحه معنى. وحين ينتهي النهار التاريخي، تطير بومة الحكمة لتقرأ ما حدث. وبذلك كانت الفلسفة، في التصور الهيجلي، وعيًا يأتي في نهاية المسار، لا لكي يصنع العالم، وإنما لكي يفهمه بعد أن يكون قد قطع شوطًا من مسيرته.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه علينا اليوم هو: هل ما زال بإمكان الفلسفة أن تنتظر الغسق؟
لقد تغير إيقاع التاريخ نفسه. فالأمس لم يعد يشبه اليوم، وغدًا لن يكون مجرد امتداد بسيط للأمس. الأحداث والمعارف والتقنيات والتحولات الاجتماعية تتحرك بسرعات متزايدة، وتظهر تحولات كبرى خلال سنوات قليلة، وربما خلال أشهر أو أيام ولذلك لم يعد كافيًا أن تأتي الفلسفة بعد اكتمال الحدث لتسأل: ماذا حدث؟ بل أصبح عليها أن تسأل أيضًا: ماذا يحدث الآن؟ وماذا يمكن أن يحدث غدًا؟ وما العالم الذي نريد أن نصنعه قبل أن تصنعه التكنولوجيا نيابة عنا؟
إذ إن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية جديدة تضاف إلى قائمة الاختراعات الإنسانية، مثل الطباعة أو الهاتف أو الحاسوب. نحن أمام تحول يمس بنية المعرفة والذاكرة والعمل واللغة والقرار، وربما يمس تعريف الإنسان ذاته. فالآلة لم تعد مجرد أداة تنفذ أوامر الإنسان، وإنما أصبحت قادرة على التعلم والتحليل والتنبؤ وإنتاج النصوص والصور والمحتوى والمشاركة في قرارات كانت إلى وقت قريب حكرًا على العقل البشري.
وبحسب الشيخلي؛ في عصر الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، تبدو المعرفة وكأنها تتحول بصورة متزايدة إلى بيانات، والذاكرة الإنسانية إلى خوارزميات، والخبرة إلى نماذج حسابية. وإذا كان الإنسان قد احتاج آلاف السنين لكي يراكم المعرفة، فإن الآلة تستطيع اليوم الوصول إلى كميات هائلة منها خلال لحظات وكلما ازدادت قدرتنا على الوصول إلى المعلومات، ازدادت حاجتنا إلى الحكمة التي تمكننا من معرفة ما الذي يستحق أن نعرفه، وكيف ينبغي أن نستخدم ما نعرفه، في عصرنا لم يعد السؤال: كيف نحصل على المعرفة؟ بل: ماذا نفعل بكل هذه المعرفة؟ وما الذي يجعل المعرفة ذات قيمة إنسانية؟ وكيف نحول المعلومات إلى فهم، والفهم إلى حكمة، والحكمة إلى فعل مسؤول؟
وهنا تحديدًا تستعيد أمّ العلوم وظيفتها .
فالعلم يستطيع أن يخبرنا كيف يعمل العالم، والتكنولوجيا تستطيع أن تمنحنا القدرة على تغييره، لكن الفلسفة تسأل: لماذا نغيره؟ وإلى أين نريد أن نصل؟ وما الذي ينبغي ألا نفعله، حتى لو كنا قادرين على فعله؟ وهذه هي المسافة الفاصلة بين القدرة والحكمة.
يرى تحسين الشيخلي التكنولوجيا تتقدم اليوم أسرع من قدرتنا الأخلاقية على استيعاب نتائجها. ويمكن تشبيه ذلك بمركبة تزداد قوة وسرعة، بينما لا تتطور منظومة توجيهها بالسرعة نفسها. والخطر ليس في السرعة ذاتها، وإنما في أن نمتلك قدرة هائلة على الحركة من دون أن نعرف تمامًا إلى أين نريد الوصول.
أن الخطر لا يتعلق بالمستقبل البعيد وحده، بل بأنظمة مستخدمة بالفعل. فقد أظهرت دراسة أجرتها منظمة «بروبابليكا» عام 2016 أن نظام تقييم المخاطر الجنائية المعروف باسم COMPAS كان يصنف المتهمين السود على أنهم أكثر عرضة لإعادة ارتكاب الجريمة بدرجة أعلى من المتهمين البيض، حتى عندما كانت بعض المؤشرات الأساسية متقاربة. وفي مجال التوظيف، اضطرت شركة أمازون إلى التخلي عن أداة تجريبية لفحص السير الذاتية بعد أن تبين أنها تفضل المرشحين الرجال؛ إذ تعلمت من بيانات تاريخية عكست هيمنة الرجال على الوظائف التقنية، فحوّلت التحيز الاجتماعي القديم إلى قرار آلي يبدو محايدًا.
وفي المجال الطبي، أظهرت دراسة منشورة عام 2019 أن خوارزمية واسعة الاستخدام لتحديد المرضى الذين يحتاجون إلى رعاية إضافية كانت تقلل من تقدير احتياجات المرضى السود، لأن النظام اعتمد على تكاليف الرعاية السابقة بوصفها مؤشرًا على الحالة الصحية، مع أن الإنفاق الأقل قد يكون نتيجة تفاوت في الوصول إلى العلاج لا نتيجة صحة أفضل. هذه الأمثلة توضح أن الخوارزمية لا تبدأ من فراغ؛ فهي تتعلم من بيانات تحمل تاريخ المؤسسات والمجتمعات، وقد تعيد إنتاج التمييز تحت غطاء الموضوعية الحسابية.
لذلك لم يعد كافيًا أن يأتي الفيلسوف بعد اكتمال التكنولوجيا ليسأل عن آثارها الأخلاقية، كما لا ينبغي للمهندس أن ينظر إلى الأخلاق باعتبارها قيدًا خارجيًا يضاف إلى التكنولوجيا بعد اكتمال تصميمها. المطلوب أن تدخل الأسئلة الفلسفية إلى المختبر منذ البداية: العدالة، والمسؤولية، والحرية، والكرامة، والخصوصية، والمساواة، والمعنى، وحدود التفويض للآلة.
فالسؤال الفلسفي لا ينبغي أن يأتي بعد صناعة الذكاء الاصطناعي، وإنما ينبغي أن يكون حاضرًا منذ البداية وفي كل مشروعات الذكاء الاصطناعي وهذا هو ما جعل الفلسفة اليوم من الوظائف المطلوبة بإلحاح متزايد.
فالمهندس الذي يصمم نظامًا ذكيًا يتخذ، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، قرارات ذات مضمون فلسفي، حتى لو لم يسمها كذلك: ما الذي يعد صحيحًا؟ ما الذي يعد عادلًا؟ من يتحمل المسؤولية عندما يخطئ النظام؟ ما مقدار السلطة التي ينبغي منحها للآلة؟
وتزداد هذه الأسئلة إلحاحًا حين يتعلق الأمر بمستقبل العمل. فقد أظهر تقرير «مستقبل الوظائف» الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي عام 2023 أن التحول التكنولوجي قد يؤدي إلى إزاحة ملايين الوظائف، لكنه قد يخلق وظائف جديدة في الوقت نفسه. غير أن المسألة ليست مجرد عدد الوظائف التي ستختفي أو تظهر، بل نوعية الحياة التي سينتجها هذا التحول. فالعامل في مستودع قد يخضع اليوم لتتبع مستمر لسرعة حركته وعدد الطرود التي يعالجها، وقد تؤدي خوارزمية تقييم الأداء إلى عقوبة أو فصل من دون أن يفهم العامل كيف اتُّخذ القرار أو كيف يمكنه الاعتراض عليه. وفي قطاعات مثل خدمة العملاء والترجمة والتحليل الإداري، قد لا تختفي المهن دفعة واحدة، لكنها قد تتحول إلى أعمال أكثر هشاشة، يراقب فيها الإنسان مخرجات الآلة ويتحمل مسؤوليتها من دون أن يملك استقلالية حقيقية.
هنا لا يكفي أن نسأل: هل سيحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان؟ بل ينبغي أن نسأل: من يملك مكاسب الإنتاجية؟ ومن يتحمل كلفة الانتقال؟ وهل سيُعاد تدريب العمال فعلًا، أم سيُطلب منهم التكيف مع أنظمة صممتها شركات لا تشاركهم أرباحها؟ وهل ينبغي أن يكون العمل مجرد وسيلة للبقاء، أم أنه مصدر للكرامة والانتماء والمعنى؟ هذه أسئلة فلسفية ينبغي أن تدخل في تصميم أنظمة العمل، لا أن تظهر بعد وقوع البطالة أو تدهور شروطها.
وفي المقابل، لا تستطيع الفلسفة المعاصرة أن تفكر في الإنسان كما لو أنه يعيش خارج عالم الآلات والخوارزميات والشبكات. فالآلة أصبحت جزءًا من بيئتنا المعرفية والاجتماعية، وتشارك في تشكيل ذوقنا وذاكرتنا وعلاقاتنا وقراراتنا، وربما في الطريقة التي نرى بها أنفسنا والعالم من حولنا.
وتظهر مسألة الخصوصية بوضوح في أنظمة التعرف إلى الوجوه والمراقبة الرقمية. فقد كشفت اختبارات أجراها معهد «المعايير والتكنولوجيا» في الولايات المتحدة أن معدلات الخطأ في بعض أنظمة التعرف إلى الوجوه كانت أعلى بكثير لدى النساء ذوات البشرة الداكنة مقارنة بالرجال البيض. كما أثارت قضية اعتقال روبرت ويليامز في ديترويت عام 2020، بعد أن أخطأ نظام للتعرف إلى الوجه في مطابقته مع صورة مشتبه به، سؤالًا خطيرًا عن معنى أن تتحول صورة عابرة إلى دليل يقيّد حرية شخص.
ولا تقتصر الخصوصية على الكاميرات. فالمساعدات الصوتية، وتطبيقات الصحة، والمنصات الاجتماعية، والسيارات المتصلة تجمع كميات هائلة من البيانات عن أصواتنا وتحركاتنا وعاداتنا وحالتنا الصحية وعلاقاتنا. وقد كشفت قضية شركة «كامبريدج أناليتيكا» عام 2018 كيف يمكن استخدام بيانات ملايين مستخدمي فيسبوك في الاستهداف السياسي من دون موافقة واعية منهم. وفي مثل هذه الحالات لا تكون المشكلة فقط في تسرب البيانات، بل في اختلال ميزان القوة: شركات تعرف عن الأفراد أكثر مما يعرف الأفراد عن كيفية جمع بياناتهم وتحليلها واستخدامها.
لذلك ينبغي أن يسأل تصميم الذكاء الاصطناعي منذ البداية: هل الموافقة واضحة وحرة فعلًا؟ هل يستطيع الفرد رفض جمع بياناته من دون أن يُحرم من خدمة أساسية؟ هل يحق له معرفة ما الذي استُنتج عنه؟ وهل يمكن محو هذه الاستنتاجات؟ إن الخصوصية ليست مجرد سرية تقنية، بل شرط للاستقلالية والكرامة والقدرة على تكوين الذات بعيدًا عن المراقبة الدائمة.
وهنا نصل إلى جوهر المسألة: الذكاء الاصطناعي لا يفرض علينا سؤالًا عن الآلة بقدر ما يفرض سؤالًا عن الإنسان فأي إنسان نريد أن نصبح ونحن نعيش إلى جانب آلات تزداد قدرة وذكاء؟
هل نريد إنسانًا يتخلى تدريجيًا عن قدرته على التفكير لأن الآلة تفكر عنه؟ أم نريد إنسانًا يستخدم الآلة لكي يوسع قدرته على الفهم والإبداع؟ هل سيحرر الذكاء الاصطناعي الإنسان من الأعمال الرتيبة لكي يتفرغ للإبداع، أم سيجعله أكثر اعتمادًا على أنظمة لا يملك السيطرة الكاملة عليها؟ وهل ستؤدي وفرة المعرفة إلى مزيد من الحكمة، أم إلى مزيد من الالتباس؟
إن الفلسفة، بهذا المعنى، ليست ترفًا فكريًا زائدًا على حاجات العصر، وإنما أصبحت مسؤولية إنسانية. فالتفكير يعني مقاومة الابتذال الفكري، ورفض العيش داخل الأفكار الجاهزة، ومقاومة تحويل الإنسان إلى مجرد مستخدم للأنظمة التي يصنعها الآخرون. والفيلسوف ليس من يملك الإجابات النهائية، وإنما من يحافظ على حيوية السؤال داخل المجتمع وهنا يمكن أن يكون عصر الذكاء الاصطناعي فرصة لنهضة فلسفية جديدة، إذا فهمنا النهضة لا بوصفها عودة إلى الماضي، وإنما بوصفها إعادة اللقاء بين الحكمة والقدرة.
الفلسفة اليوم مطالبة بتغيير طريقة حضورها في التعليم. فلا ينبغي أن يكون تعليمها مجرد تاريخ للفلاسفة والمذاهب والنظريات، وإنما ينبغي أن يكون تدريبًا على التفكير في المشكلات التي يعيشها الإنسان المعاصر: الذكاء الاصطناعي، والبيئة، والحرب، والهوية، والحرية، والعدالة، والسلطة، والتكنولوجيا، والهجرة، ومستقبل العمل، ومعنى الإنسان في عالم تتراجع فيه بعض وظائفه التقليدية ولهذا فإن السؤال المركزي في المرحلة الجديدة ليس: الإنسان أم الآلة؟ وإنما: أي إنسان نريد أن نصبح مع الآلة؟
فالمشكلة ليست في أن الآلة أصبحت ذكية، وإنما في احتمال أن يصبح الإنسان أقل حكمة. وليست المشكلة في أن التكنولوجيا تتقدم بسرعة، وإنما في أن قدرتنا على توجيهها قد لا تتقدم بالسرعة نفسها.
لقد كانت بومة منيرفا الهيجلية تنتظر الغروب لكي تطير، لأن الفلسفة كانت تأتي بعد اكتمال الواقع لكي تفهمه. أما نحن فنعيش في زمن لا ينتظر اكتمال النهار. إن التاريخ اليوم يكتب بعض صفحاته قبل أن نملك الوقت الكافي لقراءتها.
لذلك ربما حان الوقت لأن نودع بومة منيرفا، لا بمعنى التخلي عن هيجل أو إنكار قيمة حكمته، وإنما بمعنى تجاوز الوظيفة المتأخرة للفلسفة إلى وظيفة أكثر حضورًا في صناعة المستقبل.
فالفلسفة الجديدة مطالبة بأن تستيقظ مع الفجر؛ أن تكون في المختبر قبل أن تولد التقنية، وفي المدرسة قبل أن تتشكل عقول الأجيال، وفي السياسة قبل أن تتحول القرارات إلى أنظمة، وفي المجتمع قبل أن تتحول الخوارزميات إلى عادات، وفي قلب التكنولوجيا لا على هامشها.
وهكذا فإن عصر الذكاء الاصطناعي لا ينبغي أن يُفهم بوصفه انتصارًا للتكنولوجيا على الفلسفة، بل بوصفه لحظة تاريخية تعيد الفلسفة إلى وظيفتها الأولى: مساءلة الإنسان عن العالم الذي يريد أن يصنعه.
فالتكنولوجيا تستطيع أن تمنحنا القوة، والعلم يستطيع أن يمنحنا المعرفة، والذكاء الاصطناعي يستطيع أن يوسع قدراتنا، لكن الفلسفة تظل تسأل عن المعنى والغاية والحدود.
فإذا كانت بومة منيرفا قد طارت عند الغروب لكي تفهم العالم الذي انتهى، فإن فلسفة عصر الذكاء الاصطناعي مطالبة بأن تطير عند الفجر، لكي تسأل قبل أن يكتمل العالم: أي عالم نريد أن نصنعه؟ وأي إنسان نريد أن نكونه؟
***
ا. د. قاسم المحبشي








