هل يمكن ان تكون أفكار كانط مصدرا لإلقاء الضوء على آخِر فرع من فروع الفيزياء؟ يرى سايمون ايفرسون (1) ان عمانوئيل كانط يمكنه تقديم المساعدة في مجال ميكانيكا الكم. ان فيزياء الكم معروفة جدا بغرابتها. انها تأخذنا الى عالم مضاد للبديهة شديد الغرابة لدرجة ان الفيزيائيين يُطلب منهم في كثير من الأحيان التوقف عن محاولة فهم النظرية والاكتفاء بإجراء الحسابات فقط، لكن مع ذلك قد تكون هناك طريقة للتعامل مع هذه الغرابة وفهمها. احد الطرق الممكنه هو إعادة فحص المشاكل من خلال منظور فلسفة عمانوئيل كانط. قبل ان ننظر في أهمية أبرز فيلسوف في القرن الثامن عشر، يجب ان نعرّف طبيعة المشاكل التي سنحاول حلها.
الغرابة
أول مشكلة هي ان الكثير من الفيزياء تصف عالما مزيج من إمكانات possibilities بدلا من التجربة الخطية المنفردة للعالم الذي تصفه كل يوم. في الحياة اليومية، الأشياء تبدو تقوم بشيء واحد في وقت واحد ومكان واحد. عندما تلقي كرة فان الكرة تتبع مسارا يمكنك رسمه باصبعك. هذه هي الفيزياء الكلاسيكية. لكن حتى ضمن عالم الفيزياء الكلاسيكية، يظهر هناك مزيج من الحقائق.
العديد من الظواهر الكلاسيكية (الضغط، درجة الحرارة، الصلابة) ليست أساسية – انها تبرز من تفاعلات ميكروسكوبية لا متناهية. المنضدة الصلبة تبدو صلبة، لكن 99.99% منها فراغ تمسك به تفاعلات كهرومغناطيسية. نحن نمزج ترليونات من الاحداث الكوانتمية الصغيرة جدا في "شيء" واحد. طبقا لـ فايمن Feynman، في فيزياء الكوانتم، الحركة يتم وصفها من خلال جمع جميع المسارات المحتملة، حيث يبرز المسار الكلاسيكي لكونه يهيمن من خلال التداخل البنّاء. الكرة الملقاة على اللوحة، التي تتعقّبها باصبعك هي في النهاية ليست بهذه البساطة .
لكن عندما تركز على المقياس الكوانتمي، فان هذا المزج يبدو واضحا: أفضل اوصافنا لا تعطينا نظرية واحدة محددة سلفا، هي تعطينا مجموعة من الاحتمالات، و"النتيجة الواحدة" one outcome هي ما نسجله في النهاية.
ما هي الأمثلة الأخرى لـ "الواقع المزيج"؟ دعونا نبدأ بثنائية الجسيم – الموجة. الضوء والمادة كلاهما موجات وجسيمات – ليس بالتناوب بل في آن واحد. ما نراه من (جسيم يضرب شاشة) يخفي أعمق دالة موجية تصف الاحتمالات المنتشرة عبر المكان.الاشياء ليست (اماـ او) وانما كلاهما مرة واحدة، اعتمادا على السياق. او لو قلبنا العبارة ونصف الضوء والمادة باعتبارهما لا موجات ولا جسيمات وانما شيء ما آخر تماما. نحن نرى هذه الآخرية otherness من منظور المفاهيم التي يمكن ان تستوعبها عقولنا. بعد ذلك هناك التراكب superposition و فقدان النظام الفيزيائي لخصائصه الكمية المتفردة. على المستوى الكمومي، أشياء يمكن وصفها باعتبارها توجد في مزيج من الحالات المحتملة.
نحن نواجه نتيجة واحدة محددة لأن الأنظمة الكمومية لا تبقى منعزلة: هي تتفاعل مع بيئتها، وهذا التفاعل يحوّل المزيج الأولي للاحتمالات فورا الى شيء واحد: شيء يتصرف طبقا للفيزياء الكلاسيكية. ما يجب ان نقوله بالضبط حول هذا التحوّل "الانهيار" يعتمد على التفسير – لكن المسألة العملية هي ذاتها: ما يمكن وصفه يعتمد على ظروف الملاحظة والقياس.
الآن لننظر في العلاقة بين الزمان والمكان. نظريات اينشتاين في النسبية تقول لنا ان الواقع ليس مكانا زائد زمان وانما هو زمكان موحد رباعي الابعاد. لكن، الانسان يفهم المكان والزمان بشكل مختلف كليا. طبقا لاينشتاين، الماضي والحاضر والمستقبل يشكّل كتلة واحدة. "لحظتنا الحالية" هي شريحة من الادراك الحسي، وليست سمة فيزيائية للواقع. قوانين الفيزياء (مثل معادلة شرودنغر) هي متماثلة زمنيا – الزمن يسير رجوعا بنفس السهولة التي يسير بها الى الامام. نحن نواجه الزمن كتسلسل سلس، حتى لو ان هذه ليست الطريقة التي تعمل بها عقولنا. الدماغ يبدو يعمل من خلال تقسيم المعلومات الملتقطة في فترات زمنية قصيرة بدلا من الاعتماد على مدخلات مستمرة وثابتة . بكلمة أخرى، الوعي يبدو انه يستخدم أنظمة تنبؤية وتحليلية لاحقة للحدث لفهم ما يُرى. أي، الزمن كما نتعامل معه هو نتاج للطريقة التي نفكر بها بدلا من العالم كما هو.
الجسيمات هي ليست ما تبدو عليه. في نظرية المجال الكمومي، في معظم نموذج المادة الدقيق لدينا، الجسيمات ليست أشياء صلبة، هي طاقة محفزة excitations او موجة صغيرة للمجالات الأساسية التي تملأ كل الفضاء. نحن نفهم وحدات جسيمات منفصلة، لكن في الواقع هي حقول مستمرة و محفزات طاقة متفاعلة وفراغ يعج بالجسيمات الافتراضية . جسيمان يمكنهما الاشتراك بحالة كمومية واحدة حتى عندما يكونان في مسافة بعيدة، هذا يسمى تشابك كمومي quantum entanglment . لا توجد هناك طريقة واضحة تصبح فيها الجسيمات مترابطة – وما هو اكثر غرابة ان هذا الترابط لايوجد الاّ عند القياس. "الانفصالية" في الأشياء التي نفهمها هي وهم جزئيا. باختصار، فيزياء الكوانتم هي غريبة تماما – مضادة للبديهة لكن في نفس الوقت يمكن اثباتها. من بين أشياء أخرى، الزمن، السببية، والمسافة كلها تبدو غير ملائمة في العالم الكمومي.
المشكلة هي كيف نوضح كل هذا. نظريتان بارزتان في هذا المجال هما تفسير العوالم المتعددة و تفسير كوبنهاغن لميكانيكا الكم. الأولى تفترض وجود عدد يقرب من اللانهائي من العوالم الممكنة، التي تبدو معقدة جدا وشديدة الفوضى. مع ذلك، الخيار المتفق عليه عموما هو تفسير كوبنهاغن الذي يتطلب منا قبول ان وعينا يغيّر بشكل ما طبيعة العالم الذي حولنا.
مشكلتنا الأخيرة هي امتداد لما سبقها: كيف يمكن للعالم ان يكون مفهوما بالنسبة لنا؟ الامر لا يجب ان يكون بمقدور عقولنا المحدودة ان تصف وتتنبأ – بدقة فائقة – شيء معقد وغريب كالكون، وذلك باستخدام أداة – الرياضيات – التي نحن من ابتكرها. لكن هذا يبدو ليس هو الحال - الكون قابل للفهم بدرجة كبيرة بالنسبة لذلك النوع من الثدييات القصيرة العمر (تعيش من 5 الى 12 سنة فقط) التي تطورت لتعيش في السافانا. نتفق مع J.B.S. Haldane الذي قال: "انا لدي شك بان الكون ليس فقط أغرب مما نفترض، وانما هو أغرب مما يمكننا تصوره" .
كيف يمكننا فهم كل هذا؟
ديفيد هيوم (1711-76) كان فيلسوفا اسكتلنديا ومؤرخا، شكوكيا ومتحديا. احدى اهم تحديات هيوم هي ان السببية (اصطدام كرة البليارد باخرى بما يؤدي الى الحركة) جرى افتراضها لكنها لم تُلاحظ ابدا. كل ما نرى هو رابط متسق وليس ضرورة. ان مفهوم السببية لايرتكز على العقل وانما على العادة والعرف. هيوم أيضا عرض لنا معضلة الاستقراء التي تؤكد بان كل الدليل الذي تقدمه قوانين العلوم يرتكز على ملاحظة الأشياء التي حدثت. نحن نرى احداثا متكررة لنوع واحد من الحدث يتبعه نوع اخر – وهو ما أسماه هيوم "ارتباطات متسقة" constant conjugations – ونحن نستنتج ان السابق يجب ان يسبب اللاحق. لكننا لا نستطيع ان نفترض ان المستقبل سيكون نفس الماضي. لذلك، قوانين العلم لا ترتكز على العقل وانما على العادة والعرف.
كان هذا جرس انذار لمفكر آخر عظيم في ذلك الوقت، وهو عمانوئيل كانط، الذي كتب ان هيوم أيقظه من سباته الدوغمائي. لكن كانط سوف لن يقبل بمحصلة تفكير هيوم التي كانت ان العلم ليس له أساس في العقل وانما هو فعل الايمان. جواب كانط على تحدي هيوم كان ثوريا وراديكاليا. بدلا من الموافقة على ان الذهن يستقبل سلبيا انطباعات عن العالم (كما افترض هيوم)، جادل كانط في (نقد العقل المحض،1781) ان الذهن يشكّل التجربة بشكل فعال.
نحن عموما مرتاحون بفكرة ان العالم الذي نعيشه يتحدد بأعضائنا الحسية. سيكون هناك بعض القرّاء لهذه المقالة الذين هم مصابون بعمى الألوان يفهمون العالم بشكل مختلف عن أولئك الغير مصابين.
ما ترى وتسمع وتشم سوف يؤثر في العالم الذي تعيش فيه. لا يمكننا معرفة كيف يبدو الامر بالنسبة للخفاش الذي يحدد الموقع بالصدى. هذا يبدو واضحا وبديهيا. لكن كانط ذهب أبعد. هو رأى ان فهمك للعالم يعتمد على اكثر من اعضائِك الحسية: انه يعتمد على الاطار المفاهيمي لذهنك. العالم الذي نعيشه هو نتاج طريقة تفكيرنا بقدر ما هو نتاج طريقة فهمنا. هو جادل ان مفاهيم مثل السببية، المادة، الوحدة تُفرض بواسطة الذهن كجزء من اطاره الادراكي الأساسي.
وبالتالي، بالنسبة لكانط في الرد على هيوم، نحن لا نكتشف ضرورة سببية في تجربتنا للعالم. نحن نعرضها كشرط تصبح في ظله تلك التجربة مفهومة. مشاكل هيوم الخارجية تُستبطن لتصبح عنصرا ضروريا للفهم البشري.
مع ذلك، من خلال القول بان الاذهان تضيف مبادئ أساسية (كلمات كانط) للتجربة، بما في ذلك الزمن، المسافة، التمدد في الفضاء، السببية، فان كانط كان يؤسس فرقا حاسما بين ما نفهم من الأشياء وكيف هي حقا. هو طور هذه الفكرة الى مديات أبعد: الشيء في ذاته هو ما يوجد بشكل مستقل عن اذهاننا. و تتم مقارنته بالظواهر phenomena التي هي ما يبدو لنا من الأشياء. يصر كانط على ان المعرفة البشرية محصورة بالظواهر، اما الشيء في ذاته noumena ليس اشياءً يمكن تجربتها. حسب التعريف، نحن لا يمكننا فهمها ولا نستطيع معرفتها. حالما نحاول ان نراها او نعرفها، سوف تتحول الى ظاهرة.
يرى كانط ان هذا الإنجاز الهام ينقذ العلم: مشكلة هيوم في الاستقراء سوف تختفي. السببية ليست سلسلة من الصدف، انها نتاج ضروري لإدراكنا. وطالما نحن لا نستطيع التعامل مع الجوهر او الشيء في ذاته، فيمكننا ان نضعه جانبا بأمان ونمضي قدما في حياتنا.
قلنا توا نحن لا نستطيع التعامل مع الشيء في ذاته لكن هناك بعض الأشياء يمكننا قولها حول الشيء في ذاته.
اولاً: نحن نستطيع ان نتأكد ان الشيء في ذاته موجود. كانط يؤمن ان الظهور يجب ان يكون ظهور لشيء. نحن لا نخلق كل هذا من العدم. هو لا يوافق مع مثالية اسقف بيركلي، الذي يرى هناك فقط عقول وأفكار. اسقف بيركلي قال ان الأشياء هي فقط أفكار في العقول. كانط يقول ان هناك أشياء . فقط ان طبيعة الشيء التي تدفعنا الى تجربة ظاهرة معينة تختلف عن طبيعة الظاهرة نفسها.
ثانيا: الأشياء في ذاتها ليست مكانية ولازمانية. لأن المكان والزمان هما اشكال من الحدس يساهم بها العقل، الشيء في ذاته ليس في زمان او مكان.
ثالثا: السببية، المادة، الضرورة والوحدة تنطبق فقط على الأشياء التي نتعامل معها كظاهرة. لذا الشيء في ذاته لا يمكن وصفه من حيث الأسباب او المواد او الكائنات الموحدة.
أخيرا الشيء في ذاته يمكن التفكير فيه ولكن لا يمكن معرفته. انا افكر حولها الان ولكن لم ولا استطيع أعرف عنها شيئا. هي بالتأكيد تبدو حقا غريبة. ولكن مهما كانت غرابتها، طالما هي لا يمكن معرفتها، هي تبقى في عالم النظري. يبدو انها محجوبة الى الابد، لذا يتوقف تفاعلنا معها عند هذا الحد. ربما بسبب هذا ورغم ان هناك العديد من النقاشات الفلسفية حول فكر كانط، فان بصيرته الثاقبة لم يكن لها التأثير على الطريقة التي يفكر بها الناس حول العالم. من المفترض ان يكون التفكير في ان عقولنا تبني الواقع الذي نعيشه انطلاقا من "الآخر" الغريب امرا مروعا. لكن معظم الناس يرون أفكار كانط كنوع من الانفجار المسيطر عليه. انه متفجر لكنه بعيد جدا. نحن يمكننا الاستمرار في حياتنا اليومية ولا يجب ابدا ان نفكر في الوجود بذاته، فقط في الظاهرة.
لكننا نرغب القول ان الفيزياء الحديثة تعطينا طريقة جديدة للتعامل مع كانط بجدية. ما كان يوما ما فرقا نظريا كبيرا – بين العالم كما هو في ذاته والعالم كما يبدو لنا – الان يبدو يُعبّر عنه بطرق جديدة، نجريها في المختبرات.
من ما وراء الظهور، الى الواقع
اذا كان كانط صائبا بان المكان والزمان والسببية لم تُجهز بواسطة العالم وانما كجزء من اطارنا الذهني، من خلاله تصبح التجربة مفهومة، عندئذ لا يجب ان نندهش بان نظرية الكوانتم تبدو في تقارب تام مع أفكاره. "الغرابة" التي وصفناها مبكرا ربما تعكس حدود ما نستطيع إنجازه من خلال وصف مذهل على نطاق انساني، عندما نحاول التعامل مع ما يكمن تحته. مع أفكار كانط ، تصبح "الغرابة" الكمومية أقل سخافة واكثر قربا من لمحة فكرية. هل يمكن ان يكون ما نعتبره "غرابة" الكم هو في الواقع رؤية حقيقية للعالم الجوهري قبل ان يقوم وعينا بتعديله ليتناسب مع أجهزتنا الحسية والمفاهيمية؟ مع هذه الفكرة، فجأة لم تعد الغرابة الكمومية غريبة ابدا. انها بالضبط ما قد نتوقع ان نجده اذا كان ما نواجهه في العالم الكمومي هو شيء في ذاته. وبهذا، يكون من المعقول ان العالم كما وُصف من جانب نظرية الكوانتم لا يتمتع بالصفات التي يقول كانط ان عقولنا تفرضها عليه عند ادراكنا لها. وعليه، بالطبع (قبل ان نختزل الواقع الأساسي الى ظواهر)، لا توجد علاقة سببية. اذا كان الزمن كما نعرفه موجود بسبب ان اطارنا المفاهيمي يتطلبه، لكن الواقع الأساسي لا يتطلب الزمن، عندئذ على سبيل المثال انها ليست مشكلة لو كانت معادلات شرودنغر تسمح للزمن بالسير الى الخلف والى الامام أيضا. اذا كان الامر كذلك خارج نطاق ادراكنا، ولا شيء هناك مثل مسافة، عندئذ لا توجد هناك مشكلة بما أسماه اينشتاين "التأثير الغامض عن بعد" بين الجسيمات المتشابكة. في الحقيقة، ان "الفعل الغامض" spooky action ربما يُنظر اليه كمشكلة في السببية أيضا.
كل ما يبدو من غرابة يصبح معقولا، عندما يؤكد كانط اننا نفرض مفهوم السببية والزمان والمسافة على الشيء في ذاته حين نحوّله الى مظهر. ان غياب هذه العوامل وعدم صلتها بالعالم الكمومي يتوافق تماما مع ما يتوقعه المرء. طرحنا السؤال حول ما اذا كانت نظرية العوالم المتعددة او تفسير كوبنهاغن هي افضل توضيح للعالم الكمومي. ان رؤية كانط تتيح لنا سهولة عدم الاضطرار الى الاختيار. كلا الامرين صحيحان. ان عالم الشيء في ذاته يحتوي على عدد لا يحصى من العوالم المحتملة المتداخلة مع بعضها البعض. انها لا توجد كخطوط زمنية منفصلة بل كأحتمالات قائمة في آن واحد. عندما تنهار الأشياء في ذاتها لتتحول الى ظواهر من خلال تفاعلها مع وعينا، عندئذ نحن نرى السلوك الذي نربطه بتفسير كوبنهاغن.
اذن نعم في الحقيقة، ما نلاحظ او نقيس يتغير بواسطة تلك العملية. نعم وعينا في الحقيقة يؤثر في طبيعة الكون. لكن، نحن يجب ان لا نرى التفاعل يؤدي الى تغيير شيء ما وراء أذهاننا: من الأفضل يُرى كتفاعل بين وعينا وما ندركه، والذي يحول الشيء في ذاته الى ظاهرة. الأشياء في ذاتها كما هي دائما، انها فقط عندما نلاحظها او نقيسها، نحن ننقلها عبر اجهزتنا الحسية والفلاتر المفاهيمية. هذا يفسر لماذا الموجات (الواقع المختلط) تصبح جسيمات عندما ننظر اليها. ما نراه هو كون يعدّل ذاته ليعرض نسخة لذاته مفهومة لنا، نظرا لطريقة تفكيرنا.
فكرة أخرى: نحن نعرف انه عندما نقيس شيئا ما ونجعله ظاهرة، فهو يبقى نفس ما قيس في الأصل. لماذا؟ ربما بسبب، من خلال القياس، نحن دخلنا في حالة تشابك كمي مع الظاهرة ونبقى متشابكين معها بعد ذلك. في البداية، نحن اردنا ان نفهم لماذا الكون قابل للتفسير لنا، عندما لا يوجد سبب واضح يدعو ليكون الامر كذلك. ولكن اذا كان صحيحا، كما قال كانط، ان وعينا يخلق الكون الذي ندركه حولنا، بالطبع ذلك يعني ان الكون الذي نلاحظه يمكن تفسيره في حدود قدراتنا. بالطبع نحن نستطيع فهمه واجراء تنبؤات دقيقة للغاية. هذه بالطبع يعمل وفقا لنظام رياضي نحن ابتكرناه. أليس كذلك؟
في الحقيقة، هل يمكن ان يكون هذا تفسيرا للغز هو الوعي ذاته؟ نحن لم نكن ابدا قادرين على تفسير طبيعة الوعي. هل يمكن اعتباره عملية تحويل او اختزال الشيء في ذاته الى ظواهر؟ في النهاية، نحن أنفسنا جزء من الكون – نحن أنفسنا شيء في ذاته. نحن غير منفصلين عن الكُل الأكبر. عندما نفكر، فنحن ربما نشهد الكون وهو يخلق نفسه من خلال التفكير.
التقارب والتمايز
يمكن القول اننا عالجنا كل المشاكل التي بدأنا بها. نحن الان نفهم كيف ان الفيزياء تستطيع ان تصف عالما هو مزيج من احتمالات بدلا من تجربة منفردة للعالم الذي نعيش به كل يوم. اثناء العملية، نحن فهمنا الغرابة الكمومية. وجدنا طريقة لإحتضان كل من نظرية العوالم المتعددة وتفسير كوبنهاغن. أخيرا، وجدنا جوابا للسؤال عن الكيفية التي يمكننا بها فهم العالم في المقام الأول. بعمل كهذا، نحن لم نستعمل اكثر من فلسفة العبقري عمانوئيل كانط .
على سبيل الاستطراد، هذا قد يسبب مشاكل لو صادفنا يوما ما كائنات فضائية. الحيوانات التي حولنا، حتى وان كانت مختلفة جدا كالاخطبوط، هي مشابهة لنا بشكل عام – نحن نشترك بجذور تطورية مشتركة. الحيوانات والبشر لن يعيشوا تجربة العالم من حولنا بنفس الطريقة تماما، لكن بيننا ما يكفي من القواسم المشتركة. ومن جهة أخرى، حسب التعريف، الكائنات الفضائية ستظل فضائية. انها سيكون لها جهاز حسي وادراكي مختلف تماما.
الكائن الفضائي ربما في يوم ما يشترك بغرفة مع الانسان، لكن الاثنين سوف يقيمان في واقع مختلف، لأن كل واحد منهم يبني عالمه الظواهري المنفصل. ان صح هذا، ليس فقط ستكون الاتصالات مستحيلة، بل ان جهازنا البيولوجي المختلف (ومن ثم مختلف الأطر المفاهيمية) سوف يعني ايضا اننا في الحقيقة نمتلك فيزياء وكيمياء مختلفتين لكل واحد منا. تكنلوجية الفضائيين ستكون قادرة لعمل أشياء لا نستطيع القيام بها وبالعكس.
هذه المقالة سُميت "طبيعة الواقع"، ربما يظن البعض ان استعمال كلمة "طبيعة" هنا تعني الشخصية، النوع، او الفئة. ذلك صحيح جزئيا لكن أيضا تعني ان ادراكنا للواقع هو نتاج طبيعتنا وبايولوجيتنا. الهرمية التقليدية للعلوم ترى الفيزياء كموضوع أساسي، منه تبرز الكيمياء التي منها يبرز البايولوجي. نحن يمكننا الذهاب قدما في هذا النموذج: يمكننا وضع الرياضيات تحت الفيزياء لأنها موضوع أساسي، والموضوع الأساسي للرياضيات هو الفلسفة. لو كان افتراضنا في هذا المقال صحيحا، نكون قد استخدمنا الفلسفة لقلب الهرم – فاصبح علم الاحياء هو المادة الأساسية حيث ان بيولوجيا وعينا هي التي تولد كيميائنا وفيزيائنا من الاحتمالات اللامحدودة الكامنة في الشيء في ذاته.
ربما أفضل مكان ننهي فيه المقال هو ابيات شعرية كتبها وليم بلك William Blake عام 1803 من قصيدة سميت بشائر البراءة Auguries of Innocence التي تعبّر عن احساسه بالترابط بين جميع أشكال الحياة:
"لنرى عالما في حبة الرمل
وسماء في زهرة برية
إحتضن اللانهاية في راحة يدك
والخلود في ساعة واحدة"
يرى بلاك، ان أعظم الأشياء (العالم، السماء، اللانهاية، الخلود) هي متضمنة ويتم تفسيرها من خلال التفاعل مع الأصغر (حبة رمل،زهرة برية،راحة يدك وساعة). كل شيء متشابك بشكل جوهري. من منظور كانط وفيزياء الكوانتم، نحن نعيد تصور كلمات بلاك ونفهم انها ليست صوفية او شعرية.
بالنظر الى ما افترضناه في هذا المقال، لا يمكن ان يكون هناك ما هو اكثر صحة منه من الناحية العملية.
***
حاتم حميد محسن
....................
The Nature of Reality, Philosophy Now, Oct/Nov 2026
الهوامش
(1) سايمون ايفرسون مدير مدرسة ميرشانت تايلور Merchant Taylor في لندن/ المملكة المتحدة.








