أقلام حرة
صادق السامرائي: مَن يملك الحقيقة لا يكتب!!
الحقيقة مرّة، ومَن يملكها يلوذ بالصمت، لأن عواقب البوح بها وخيمة، ولهذا تسيد منهج السمع والطاعة، عبر العصور، وتخنّع البشر ليعيش ويحافظ على وجوده الأمين.
قال لي: الصمت دريئتي لأنني أعرف الحقيقة ومَن ينطقها يموت!!
تأريخ البشرية يحتشد بأنظمة الحكم القمعية، التي تحيل الكلمة إلى رصاصة تقتل صاحبها، أو سيفا يبتر عنقه، فما أكثر ضحايا الكلمات في دنيانا المعفرة بالدماء والدموع.
وعصرنا الوثاب إبتكر ما لا يخطر على بال من وسائل القتل الفتاك، وبصمت وكتمان، وبأهوال وعدوان، والأرض تدور، ويخور مَن يخور، وكل مَن عليها جان (أي جاني).
وفي تراثنا المدون أشعار وأقوال تحذر من حرية القول والتفكير، وما ينطقه اللسان، ومنها:
"كم في المقابر من قتيل لسانه...كانت تهاب لقاءه الشجعان"
الحياة مخادعة والظهور بقناع على قياس المطمورات الكامنة فينا، ومن الصعب التوصل إلى حقيقة الشخص مهما إجتهدنا، فالنفوس كالسائل الذي يأخذ شكل الوعاء الذي يوضع فيه، وتنطبق عليها قاعدة الأواني المستطرقة، فبرغم إختلافاتها تجدها ذات أفق متشابه إزاء الموقف الذي توضع فيه.
البشر لا يحتمل مواجهة الحقيقة ويستلطف التضليل والخداع، ويهرول وراء الأكاذيب والإدعاءات الباطلة لأنها تغذي أوهامه وتحافظ على قوامه النفسي من التصدع والإنهيار.
ولهذا فالسياسي البارع هو كذاب ماهر ويمتلك شطارة عالية في التلفيق ومخاطبة النفوس المستترة وراء حجاب الكلمات الإطرائية وقسمات الوجوه الفاتنة.
حَقائقها لنفسٍ إسْتباحَتْ
عيونُ الخلقِ عن حقٍّ تعامتْ
برعْبٍ صامتٍ رسمتْ خُطاها
فلا تجهرْ بأصْواتٍ تعالتْ
كتاباتٌ مطعمةٌ بشهدٍ
ومِن سمٍّ وعلقمةٍ تَساقتْ
ومَن نطقَ الحقيقةَ نالَ قهرا
وإجْحافا وموجعةً توالتْ
وإنّ الصدقَ حِرْمانٌ وبؤسٌ
لكاذبها غنائمُها تدانتْ
***
د. صادق السامرائي






