أقلام حرة

جميل شيخو: معادلة الشماتة

ربما يتسلل إلى نفس الإنسان شعورٌ خفي بالارتياح حين يرى تعثر غيره أو تألمه من حالة أو فشله في مسعى. هذه الحالة أو الظاهرة ليست حدثًا بسيطًا يمكن الحكم عليه بإطلاقٍ عاطفي أو إنكارٍ أخلاقي سريع؛ بل هي أعقد من أن تُدان جملةً، وأخطر من أن تُبرَّر بلا معيار. والمشكلة في كثير من الطروحات أنها تتعامل معها بوصفها عيبًا نفسيًا أو أخلاقيا محضًا، فتدينها مطلقًا؛ أو بوصفها جزءًا من الطبيعة البشرية، فتسوغها مطلقًا. وكلا الموقفين يفتقد المعيار الصحيح. والمعيار الصحيح الأصلي الفطري هنا هو معيار الحق والخير (والجمال)، لا بوصفه شعارًا أخلاقيًا، بل بوصفه أساسًا للحكم المطابق للحق والخير (والجمال) أو للحقيقة والواقع.

إن الانفعال لا يكتسب قيمته من ذاته، بل من موضوعه ومتعلَّقه ومن موقعه في شبكة العلاقات الواقعية. فليس كل نفورٍ أو كراهية خطأ وشرًّا، كما أنه ليس كل تعاطفٍ أو مودة صوابا وخيرًا. بل قد يكون النفور والكراهية استجابة صحيحة لتمييز الباطل والشر وأهله، وقد يكون التعاطف والمودة تواطؤًا مع الخطأ والباطل والشر. ومن هنا يصير من الضروري التمييز بين حالات متباينة تُخلط عادةً خلطًا يطمس الفروق الجوهرية ويضيع الحق والخير (والجمال) في تفاصيل الواقع أو الموضوع.

فإذا كان تعثر الآخر أو فشله أو ضرره في طريق الخطأ أو الظلم أو الفساد أو العدوان، وكان شعور الارتياح ناشئًا عن انحسار باطل وشر، فإن هذا الارتياح لا يصح تصنيفه (شماتة مذمومة)، بل هو موافقة وجدانية للحق، واصطفاف مع الخير. إذ لا يمكن أن يُطلب من النفس السليمة أن تحزن لانتكاس الباطل والشر، أو أن تتألم لانكسار العدوان. والنفور من الشر هنا ليس ضعفًا أخلاقيًا، بل علامة تمييز وتميز، ما دام متحررًا من التشفي الشخصي الآثم ومقصودًا به زوال الخطأ والباطل والشر، ومادام ليس موجها الى إنسان صالح وجيد أو بريء.

لكن الصورة تنقلب حين يكون الفرح بتعثر الآخر غير متعلق بانتصار حق ولا بانكشاف باطل، بل منبثقًا من مقارنةٍ نفسية ضيقة: غيرةٍ، أو تنافسٍ فارغ، أو رغبةٍ في الشعور بالتفوق. هنا لا يكون الارتياح موقفًا أخلاقيًا، بل تعويضًا نفسيًا هشًا. إنه لا يعبر عن قوةٍ، بل عن حاجة إلى تثبيت الذات عبر نقص غيرها. وهذا ما يكشف أن الشعور في هذه الحالة لا يقوم على معيار موضوعي، بل على اضطراب في تقدير القيمة وعلى غياب المعيار الأصلي معيار الحق والخير (والجمال) الذي يجب أن نؤكد في كل مناسبة ونلح على حضور في كل حالة ملائمة ومناسبة.

إن وهم التفوق الذي يُولد من تعثر الآخرين وهمٌ معرفي قبل أن يكون خللًا نفسيًا؛ لأنه يفترض ضمنًا أن قيمة الإنسان نسبية تُقاس بالآخرين، لا بالحق والخير والجمال المتحقق فيه. والحال أن الوقوف الحقيقي لا يتعزز بسقوط أحد، كما أن الاستقامة لا تُستمد من اختلال الآخرين. فالقيمة ليست مقارنة، بل تحقق بالحق والخير والجمال.

ويشتد الالتباس حين يتسلل هذا النزوع إلى دوائر المودة والقرب. ففي هذه العلاقات قد يختلط النفور المشروع — كرفض سلوك خاطئ أو مسار منحرف — بنشوةٍ خفية بمعاناة القريب ذاته. وهذا خلط خطير؛ إذ يجوز رفض الخطأ، بل يجب، لكن لا يجوز تحويل ذلك إلى ارتياحٍ بمعاناة الإنسان من حيث هو إنسان. معيار الحق والخير والجمال يقتضي التفريق بين رفض الفعل والرغبة في سلامة الفاعل، وبين تمني زوال الخطأ وتمني سقوط صاحبه. الأول إصلاح صائب ونافع، والثاني انحراف خاطئ وضار.

إن غياب معيار الحق والخير والجمال، الموضوعي يجعل الإنسان أسير انفعالاته غير المفحوصة؛ فيدين ما ينبغي قبوله، ويقبل ما ينبغي نقده. أما حضور هذا المعيار الموضوعي فيعيد ترتيب البوصلة الداخلية: فيُفرِّق بين النفور الذي يحرس الخير، والنفور الذي يغذّي الأنا؛ بين الفرح بانتصار الحق، والفرح بضعف الآخرين؛ بين موقفٍ نابع من إدراك، وآخر نابع من احتياج نفسي مستتر.

ولا يعني ذلك أن الإنسان قادر على محو هذه الانفعالات، بل إن المطلوب أعمق من القمع أو التبرير؛ المطلوب هو المراقبة الواعية؛ أن يواجه الإنسان نفسه دون تزويق، وأن يسأل، لا عمّا يشعر به فقط، بل عمّا إذا كان شعوره منسجمًا مع الحق ومثمرًا للخير. فتهذيب النفس لا يكون بإنكار ما فيها، بل بإعادة توجيهه الوجهة الصحيحة.

وعند هذا الحد يبدأ التحول الحقيقي؛ حين يدرك الإنسان أن نجاحه وسعادته ليست متعلقًة بتعثر غيره، بل بقدر تحقق الخير في ذاته وفي العالم من حوله. حين يصير دعاؤه للناس بالتوفيق صادرًا عن انسجام داخلي مع معيار الحق والخير والجمال، لا عن مجاملة ظاهرية واجتماعية. وحين يدرك أن الإرتياح بفشل وتألم وسقوط الآخرين لا تزيده نجاحا وتفوقا ارتفاعًا، بل تُبقيه في مدار المقارنة السيئة، بينما السعادة المنسجمة مع الحق والخير والجمال وحدها هي التي تمنحه ثباتًا لا يتزعزع، وحياة حسنة.

***

جميل شيخو

الجمعة 13 \ 2 \ 2026

 

في المثقف اليوم