أقلام حرة
توفيق آلتونچي: كتابات فوق السحاب (4): بلاد المعصومين
كلما يحين السفر بالطائرة يدخل المرء بحالة استنفار والأكثر تأثراً البشر من ضعفاء القلوب. هذا ما يسمى حمى السفر لكني بعد اكثر من نصف قرن من السفر والترحال لم اعد اهتمّ لتلك الأمور. يقول المثل العراقي (المبلل ما يخاف من المطر).
اليوم شاهدت مجموعة من الشباب من السويديين والمشاركين في مخيمات الألعاب الرياضية التي تقام في المدينة بمجموعاتهم يتنزهون فرحين وسط المدينة. الجدير بالذكر بان من الملاحظ ان معظمهم من أصول مهاجرة ولكنهم يهتفون محبة باسم وطنهم أ لسويد. لان السويد هويتهم الوطنية الوحيدة وربما بينهم من لا يعرف كلمة من لغة أبويه لكنهم رفعوا علم السويد . يفتخرون بوجود هذا العلم مطبوع على قمصانهم. في حين هناك ذئاب مسعورة تهددهم يوميا من على منصات التواصل الاجتماعي والإعلام بطردهم و"رميهم في البحر " وأخرجهم عنوة من البلاد. هم أعضاء في البرلمان ويمثلون اليوم ثاني اكبر حزب في البلاد ومؤازرين في الظل لحكومة اليمينية الائتلافية التي يقودها السيد أؤلّف كريسترسون اقصد هنا وبالتحديد (حزب ديمقراطيي السويد) ذو الأصول القادمة من النازية الاوربية الجديدة.هذآ التناقض ليس بجديد في معظم الدول الاوربية مع تزايد الهجمة من قبل حملة الأفكار القومية العنصرية والسلبية المتطرفة. لا ريب ان بعض أعضاء تلك الأحزاب هم انفسهم من أصول مهاجرة ولكنهم لسبب ما جاحدون ناقمين على قومهم واخيرًا سياتي النار إلى عقر دارهم فتراهم خارج الحدود.
بعد أشهر سيبدأ حملة الانتخابات النيابية في السويد والتي ستجري في أيلول لاختيار أعضاء البرلمان ومجالس المدن ومن تجربتي الشخصية من خلال مشاركتي الفعلية في أربع دورات انتخابية وفوزي مقعدا في مجلس مدينتي أتمكن القول بان معظم الأحزاب سيبدءون الحملة لترويج برامجهم الانتخابية. بالتأكيد سوف يكون سياسة الهجرة والمهاجرين احد النقاط المهمة في تلك البرامج. تصور احد المرشحين من قبل هذا الحزب هو بنفسه من أصول مهاجرة ويروج برنامجا قد يكون سببا لطرده هو واهله من البلاد.
أليس هذا صورة سريالية قاتمة؟
ليس من المعقول ان يقوم احد بنشر كتاب كاتبه في اعلى سلطة قضائية في البلاد ضد دين يتجاوز المؤمنين به اكثر من مليارد مسلم. ان حرية الرأي والتعبير مقدسة ولكن ليس في العبادات و"كل قوم بما لديهم فرحون" قد تعبد النار او البقرة او نصا معينا فأنت حر في عبادتك وإيمانك. الكتاب الموسوم " الكفار" من تأليف السيد ريكارد يومسهوف وغير لقبه عدد من المرات واخيراً استقر اختياره على لقب زوجته ( Richard Johannes Jomshof, tidigare Johansson och Lohikoski)، وهو خريج من جامعة لوند العريقة في جنوب البلاد أستاذ وشخصية سياسية برلمانية وعضو في لجنة العدل التابعة للبرلمان السويدي. الناشر طبعا دار نشر خاص يملكه رئيس الحزب السيد جيمي اوكاسون. وربما الكاتب بنفسه كذلك من أصول مهاجرة إذا لاحظنا لقبه الأول قبل عملية التبديل.
أعود إلى هؤلاء الشباب من ابناء المهاجرين والقادمين من مدينة فيستراوس القريبة من العاصمة السويدية ستوكهولم واللذين يهتفون فرحين باسم وطنهم السويد في هذا المنتجع السياحي البديع ، برج الطاحونة، وعلى ضفاف البحر الأبيض المتوسط وما قد يواجهوه يوما ما ، لا قدر ولا سامح الله ، ان يسيروا في الطرق الإجرامية. لان قائلا سيقول بان تلك الأحزاب العنصرية تدعوا فقط لطرد المجرمين من البلاد ويبقى من هم من نسل الملائكة في البلاد وتغلق السجون.
لكني أتساءل فقط أليس بين أعضاء تلك الأحزاب من لهم ماضي إجرامي؟ ومن يقول بان جميع الناس هم من الملائكة لا يخطئون في حياتهم ولو لمرة واحدة؟
" وَلَمَّا اسْتَمَرُّوا يَسْأَلُونَهُ، انْتَصَبَ وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!»" (يو 7:8).
هذه الصورة القاتمة لمستقبل الشباب ذو الأصول المهاجرة واقعية وهذا لا يعني بأنهم أنفسهم من المهاجرين بل بان احد من أجدادهم كانوا من المهاجرين وهم أنفسهم من مواليد البلاد. الصورة لا تدعوا أبداً للتفاؤل في بلاد لم تعيش اجواء حرب قرابة اكثر من قرنين من الزمان. وصلت الطائرة متأخرة للمطار والغريب انها اختارت طريقا جديدا لم أعهده من قبل فبعد ان تركنا أجواء باريس عرج إلى لندن ومن هناك إلى الدنمارك والغريب ان كابتن الطيارة طلب من المسافرين إغلاق التلفون وإطفاء جميع الأجهزة. بعد ان كان احد الركاب الجالس خلفي يعلق على الصغيرة والكبيرة كأنه خبير ملاحة جوية فقد توازنه بالكامل واذا به يبقى صامتا دون ان يفتح فمه بكلمة، ولله الحمد.
هبطت الطائرة أخيرا بسلام في المطار وهرعت راكضا كي أصل إلى محطة الباص الذي سوف يقلني إلى مدينتي لكن رجال الجمارك كانوا لي بالمرصاد ورصدوني من بعيد ليكتشفوا الكنوز ربما قالو في نفسهم هذا (صيد ثمين) وأعادوني إلى الوراء لمكتبهم وربما اشتبهوا لأني كنت اركض كي الحق الباص وبعد ان أتم الكلب البوليسي المحترم شم حقيبتي الصغيرة أؤم برأسه كانّه يؤشر على اللون الأخضر ويقول فشلته بعض الملابس للأطفال وشيء من الحلويات. أعطوني الإذن بالخروج ولكن باصي كان قد ترك المحطة وعلي الانتظار في المطار في هذا الليل الداجي والبارد.
هاتفت بسرعة زوجتي لأخبرها بالنبأ السعيد وان علي اما البقاء هنا في بيت احد الأصدقاء او الفندق في المطار والمجيء غدا صباحا او احتمالات اخرى. هل اطلب من أولادي ان ياتون في الليل لاصطحابي إلى البيت وهي مسافة ليست بقليلة ام الرقود هنا؟
تمكنت اخيرا من شراء بطاقة باص ومن حسن الحظ وجدت آخر باص متجة صوب العاصمة قبل منتصف الليل… وهكذا كل سياحة مغامرة لا تنتهي قطعا كما خطط لها. كما قالت زوجتي كل شيء يمكن حله مادمت وصلت بالسلامة والى كتابة اخرى فوق السحاب.
على متن طائرة الخطوط الجوية النرويجية القادمة من الأندلس
2026
***
د. توفيق رفيق آلتونچي
.......................
https://www.almothaqaf.com/aqlam-2/985364-% https://www.qoraish.com/2025/10/%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8 https://elaph.com/Web/AsdaElaph/2009/7/461212.htm






