عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

صادق السامرائي: سُرَّ وساءَ مَنْ رأى!!

من الصعب تفسير وفهم ما حصل لجوهرة حضارية ساطعة في ذروة تألق الدولة العباسية، وإشعاع عصرها الذهبي المشرق في أرجاء الدنيا.

مدينة أرادها مؤسسها أن تتفوق على جمال حواضر بلاد الأندلس، التي إشتهرت ببهائها ومنطلقاتها المعرفية المتميزة، وحقق رؤيته، وشيدها وفقا لمعاير جمالية " تسر الناظرين " لكنها وبعد مقتل المتوكل تحولت إلى مدينة "تسوء الناظرين"، فكيف يتحقق ذلك في وقت قصير، وكأنها إنهارت من علو وتبعثرت أجزاؤها، وتهدمت رموزها العمرانية وفي مقدمتها الجامع الكبير بملويته الشماء الذي بدأ البناء فيه سنة (234 ) هجرية.

قتلوا المتوكل سنة (247) هجرية، وبعدها تهاوت معالم المدينة وإنمحقت قصورها، ومواقعها المتنوعة بطرزها العمرانية الفريدة، والتي شكلت ثورة عمرانية إنتشرت في أرجاء الدنيا.

جامع بن طولون في القاهرة بدأ العمل فيه سنة (263) هجرية، متأثرا بفكرة الجامع الكبير في سامراء، وجامع قرطبة في إسبانيا بدأ بناؤه سنة (169) هجرية، أما الجامع الأموي في دمشق، فبدأ بناؤه سنة (86) هجرية، وجميعها باقية إلى يومنا الحاضر، وجوامع سامراء إنمحقت وتحولت إلى ركام، وكذلك قصورها ومعسكراتها ومنشآتها المتنوعة التي كانت تدار الدولة العباسية منها.

ماذا جرى؟

لماذا الإنتقال الحاد من الجمال إلى القبح؟

مَن هي الأقوام التي محقت وجودا فائق الروعة والبهاء؟

كيف يعم الخراب الجامع الكبير وجامع أبي دلف؟

لا قيمة للأجوبة الجاهزة التبريرية التقنيطية التي تتهم الآخرين، بينما الحقيقة المريرة أن مَن كان في المدينة وحولها هم الذين فتكوا بعمرانها، فتعرضت البنايات فيها لهدم متواصل، وخلع لأحجارها وبيعها للناس لبناء بيوتهم، فمعظم بيوت سامراء القديمة مبنية بالطابوق (لفرشي) المخلوع من بناياتها السامقة، ويبدو أن تجارة الناس بالطابوق كانت منتشرة، كما أن بناء السور (1250) هجرية،  قد إستحوذ على معظم طابوق القصور العباسية والمواقع الإدارية.

ومن المفيد ذكر أن العباسيين قد شيدوا معامل للطابوق لتوفير حجارة البناء، وكذلك معامل للجص، كلها تخربت، وإعتاشت المدينة على هدم قصورها لبناء ما يسمى بالبيوت.

التفسير والتحليل لا نفع منهما بعد أن "وقع الفأس بالرأس"

 ويبدو أن المدينة تحت طائلة الهدم والتخريب في معظم العصور، ولم تتمتع بالقدرة على إدامة ما تبقى فيها من معالم آثارية عباسية، إلا في العهد الملكي، رغم هدم ساطع الحصري لسورها (وهو ليس عباسيا) سنة (1936)، أما باقي العهود فخربتها وما عمرتها، ولا يزال ناعور النيل منها يدور ويعبر العصور.

 عند زيارة إسبانيا تحضر سامراء بما قيل عن قصورها الفارهة وجمالها العمراني الخلاب الذي إندثر، وبقيت معالم الأندلس متشامخة تجتذب السائحين من أرجاء الدنيا.

فأين العيب؟

هم حافظوا على آثارنا وإعتنوا بها، ونحن أعداء تأريخنا وقساة على تراثنا ومدمرون لمعالم وجودنا!!

مَعالمُها توارتْ واسْتحالتْ

خرائبُ كمْ نُعاديها فماتَتْ

بها الدنيا تَسامَتْ في رؤاها

وأطلقتِ المَحاسنَ واسْتزانَتْ

بها هَجَعتْ مَعالمُ مُرتقانا

وحينَ بلوغِها مَجْداً تهاوَتْ

***

د. صادق السامرائي

........................

الطابوق الفرشي: طابوقة بمساحة قدم مربع، وسمكها خمسة سنتيمتر.