في بعض المراحل، قد يرى الإنسان نفسه أكثر مما هي عليه في الواقع؛ فيشعر بامتلاك قدرات كبيرة، وإبداع متفوق، ورؤية تجعله دائماً في موقع “الأصح” و“الأفضل و” الأكمل” ”. ومع هذا الشعور يتراجع أحياناً في تقبل النقد، ويضعف الاستعداد لتصحيح المسار، وكأن أي ملاحظة تمس صورة مكتملة يرى أنها لا تحتاج إلى مراجعة أو تطوير.
لكن الحقيقة أن هذا النمط من الإدراك قد يفقد الإنسان واحدة من أهم أدوات النمو: القدرة على رؤية الذات بموضوعية وشفافية. فحين يبالغ الإنسان في تقدير ذات هوي ضخمها دون توازن أو تواضع، قد يغلق على نفسه أبواب التطوير والترقي نحو الأفضل، ويحول النقد من فرصة للنمو إلى تهديد يجب مقاومته أو إنكاره وتجنبه.
إن التواضع مع الذات لا يعني التقليل منها، بل يعني فهمها بعمق وسبر أغوارها، ومعرفة نقاط القوة كما هي ومواجهة نقاط الضعف كما هي أيضاً، دون تهويل أو إنكار. فالنضج الحقيقي يبدأ حين يدرك الإنسان أن التعلم لا يتوقف، وأن التصحيح ليس انتقاصاً، بل ارتقاء ونهوض بالشخصية وصعود لها.
وفي التاريخ الإسلامي نماذج عظيمة تجسد هذا المعنى وتضفي معنى له. فقد روي أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أراد تحديد مهور النساء، لتسهيل الزواج ما بين الشباب. فقامت امرأة واعترضت مستشهدة بقوله تعالى ﴿وَإِنْ آتَيْتُم إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا ” “. فقال عمر رضي الله عنه بكل تواضع: أصابت امرأة وأخطأ عمر: إنها لحظة تختصر جوهر القيادة الواعية في إيمانها وقيمها وقوة في القرار، وتواضعها أمام الحق.
وفي واقعنا المهني والاجتماعي تتكرر هذه المواقف يومياً. قد يتلقى الموظف ملاحظة من مديره حول طريقة أداء مهمة ما، بدلاً من أن يراها فرصة للتحسين والتطوير في الأداء، قد يفسرها كتقليل في ذاته وتشكيك في قدراته وكفاءته، بينما الموظف الناضج يدرك أن النقد المهني ليس حكماً على شخصه، بل خطوة لتطوير الأداء.
وفي بيئة العمل، كثيراً ما يقدم اقتراح لتعديل أسلوب أو تحسين إجراء، فيقابله البعض بالرفض السريع دفاعاً عن الذات، بينما يرى فيه آخرون فرصة لبناء نظام أفضل. الفارق هنا ليس في الذكاء، بل في درجة الوعي والانفتاح على التعلم حتى في العلاقات الاجتماعية، قد يواجه الإنسان ملاحظة من صديق أو قريب، فيختار إما الانغلاق أو الاستماع. الاستماع الواعي هنا ليس ضعفاً، بل قوة داخلية تسمح بإعادة تقييم الذات دون انهيار الصورة الشخصية. إن أخطر ما قد يواجه الإنسان ليس الخطأ نفسه، بل الاعتقاد بأنه فوق الخطأ أو فوق التصحيح فكلما زادت القدرة على استقبال النقد بوعي، زادت فرص النمو، واتسعت آفاق التطور، وارتقى الإنسان في مسار أكثر نضجاً واتزاناً
وفي النهاية، يبقى التوازن هو المفتاح: أن نثق بأنفسنا دون غرور أو تعال، وأن نراجع أنفسنا دون جلد نفتح باب التطوير دون خوف أو ارتباك. فالحياة لا تمنح الامتياز لمن يظن أنه كامل، بل لمن يدرك أنه في رحلة مستمرة نحو النمو المضطرد والكمال.
***
د. أكرم عثمان
17-6-2026







