عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

جمال العتابي: "المعلم الجديد".. مجلة تحتفظ بهيبة المؤسسة

في مكتبتي أشياء لا أتعامل معها بوصفها كتباً ومجلات فحسب، بل بوصفها قطعاً صغيرة نجت من الزمن. أوراق اصفرّت، وأغلفة أنهكتها الأصابع والرطوبة وتقلبات السنين، لكنها تستعيد شيئاً من حياة مضت، حين تكون صدفة بين يديك، حتى يبدو الورق القديم أحياناً أكثر قدرة من الذاكرة على مقاومة النسيان.

بين هذه الأشياء عدد من مجلة "المعلم الجديد"، صدر في بغداد سنة 1944 عن وزارة المعارف العراقية، التي تقابلها اليوم وزارة التربية. ثمانون عاماً وأكثر مرّت على هذا الغلاف الذي تمزقت أطرافه قليلاً، وترك الزمن علاماته على صفحاته، غير أن شيئاً فيه ظل عصياً على الشيخوخة: هيبة المعرفة.

أتأمل عنوان المجلة الذي خطّه الخطاط صبري الهلالي، من جيل الخطاطين الذي سبق هاشم محمد البغدادي، فأدرك أن العناية لم تكن بالمضمون وحده. حتى اسم المجلة كان ينبغي أن يدخل إلى عين القارئ جميلاً، متوازناً، محسوب النسب والمسافات. لم يكن الخط زينة أضيفت إلى الغلاف، بل كان جزءاً من ثقافة ترى الجمال والمعرفة وجهين لعملية تربوية واحدة. وكأن وزارة المعارف أرادت أن تقول لمعلمها منذ الصفحة الأولى: إن التربية تبدأ أيضاً من الذائقة.

أقلب الصفحات:

هنا مصطفى جواد، وهناك محمد آل ياسين، ويوسف يعقوب مسكوني، وبشير اللوس، وعباس طه النجم، ومحمد حسن الصوري، وعوني بكر صدقي، وحسن الدجيلي، وغيرهم من الأساتذة والمربين، هؤلاء سدنة المعنى، كانوا قد أرسوا ركائز التعليم بأسس صحيحة، وجعلوا منه قضية مجتمع ودولة ومستقبل.

ما يثير الانتباه، بعد كل هذه العقود، هو اتساع أفق المجلة. فلم تحبس نفسها في طرائق التدريس بمعناها المدرسي الضيق، بل فتحت صفحاتها للتربية والأدب والترجمة والآداب الأجنبية والمناهج وطرائق تدريسها والرياضة وسواها. كان المعلم، في تصورها، مثقفاً قبل أن يكون ناقلاً للمعلومة، إنساناً ينبغي أن يعرف ما يقع خارج حدود كتابه المدرسي، لأن مهمته ليست تلقين التلميذ درساً، بل المساهمة في تكوين عقله وشخصيته وذائقته.

هنا تحديداً تكمن قيمة هذه الأوراق القديمة. إنها تكشف عن فكرة التعليم التي كانت قائمة آنذاك، فمشاركة أسماء علمية وأدبية مرموقة في مجلة تصدرها وزارة المعارف يعني أن المؤسسة كانت تستعين بأفضل ما لديها من عقول كي تخاطب المعلم. فالثقافة كانت تتسلل إلى المدرسة، بل هي جزء من برامجها، والمدرسة بدورها كانت جزءاً من الحياة الثقافية العامة. والمجلة التربوية كانت مشروع معرفة لا نشرة عابرة.

لا ينبغي، بالطبع، أن نحوّل الماضي إلى فردوس متخيّل. كانت للعراق يومئذ مشكلاته السياسية والاجتماعية، وكان التعليم محدود الانتشار قياساً بما بلغه لاحقاً، ولم تكن المؤسسات خالية من النقص. إن المقارنة المنصفة لا تكون بين ماضٍ كامل وحاضر ناقص، فذلك ظلم للتاريخ. لكن الذي يستوقفنا هو معيار الرصانة العلمية: كيف كانت المؤسسة تنظر إلى ما تنشره باسمها؟ ومن تختار للكتابة؟ وكيف تحرر مادتها؟ وأي قارئ كانت تتخيله أمامها؟ تلك أسئلة يصبح طرحها اليوم مؤلماً.

لقد منحت الثورة الرقمية الإنسان إمكانات معرفية لم تكن تخطر ببال محرري "المعلم الجديد" سنة 1944. يستطيع المعلم اليوم أن يصل خلال ثوانٍ إلى مكتبات وموسوعات ودوريات ومحاضرات في أقصى الأرض. لكن وفرة الوسائل لم تنتج بالضرورة وفرة في المعرفة، كما أن سرعة النشر لم تضمن جودة المنشور. حدث، في أحيان كثيرة، العكس: تضاعفت المعلومات وتراجعت معايير الانتقاء.

صرنا نعيش وسط سيل لا ينقطع من المنشورات والمنصات والصفحات والمقاطع، تختلط فيه المعرفة بالرأي، والبحث بالانطباع، والخبرة بالادعاء. يستطيع أي شخص أن يصبح ناشراً في اللحظة نفسها التي يكتب فيها، من دون محرر يسأله عن المصدر، أو مدقق يراجع لغته، أو مؤسسة تتحمل مسؤولية ما يحمل اسمها.

ليست المشكلة في التكنولوجيا ذاتها، فهي أداة عظيمة حين توضع في سياق معرفي سليم. المشكلة في أن سهولة النشر أوهمتنا أحياناً بأن النشر بديل عن المعرفة، وأن كثرة الكلام دليل على حيوية الثقافة. بينما تعلمنا المجلات الرصينة القديمة أن قيمة المطبوع لم تكن في عدد صفحاته ولا في انتظام ظهوره وحده، وإنما في مقدار الثقة التي يبنيها بينه وبين قارئه.

حين أتصفح العدد القديم من "المعلم الجديد"، أشعر بالحنين إلى الورق، ليس حنيناً إلى وسائل الأربعينيات. إنما إلى احترام المعرفة. أعود إلى زمن كانت فيه الكلمة التي تصدر عن مؤسسة تربوية تشعر بثقل مسؤوليتها. وإلى ثقافة كانت ترى في المعلم صانع عقل، لا موظفاً يؤدي ساعات الدوام وينصرف.

لعل أكثر ما يبعث الحسرة أن الوسائل المتاحة لنا اليوم أوسع بما لا يقاس، لكن الرصانة لا تُقاس بحداثة الوسيلة. يمكن لشاشة مضيئة أن تحمل فكراً عظيماً، كما يمكن لورقة صفراء عمرها اثنان وثمانون عاماً أن تكون أكثر شباباً من آلاف الصفحات التي تولد كل صباح وتموت قبل المساء. وثمة سؤال يبقى مفتوحاً لا يغادر هذا الحيز: هل بمقدور مؤسساتنا التربوية أن تقدم مطبوعاً بهذا المستوى من العلمية والرصانة، اليوم؟

أعيد العدد إلى مكانه في المكتبة، بحذر يليق بشيء

عاش أكثر من معظم الذين كتبوا فيه وقرأوه. لا أستطيع أن أنظر إلى تمزق حافته بوصفه تلفاً في ورق فقط، ثمة معنى آخر يختبئ في هذه الشقوق الصغيرة. إنها آثار زمن كامل عبر من هنا.

***

جمال العتّابي

في المثقف اليوم