لا يمكن الحديث عن مجتمع ديمقراطي من دون وجود حرية حقيقية للتعبير ولا يمكن الحديث عن دولة تحترم مواطنيها إذا كان الإنسان يخشى عواقب رأيه أو يتردد في نشر صورة أو كتابة تعليق أو المشاركة في تظاهرة سلمية. فحرية التعبير ليست شعارا يرفع في المناسبات بل حق أساسي ينبغي أن يمارس فعليا وأن يجد المواطن في ظله مساحة آمنة للاعتراض والنقد والمساءلة من دون خوف من الاعتقال أو الترهيب.
إن ما يثير القلق في واقعنا اليوم هو اتساع الفجوة بين الحديث عن الحريات وممارستها على أرض الواقع. فعندما يصبح التعبير عن الرأي محفوفا بالمخاطر ويعامل النقد بوصفه تجاوزا وتتحول المطالبات بالحقوق إلى موضع للاتهام والتشكيك فإن المشكلة لا تعود مرتبطة بحالة فردية أو موقف عابر بل تمس جوهر العلاقة بين المواطن والدولة. فالحق الذي لا يستطيع الإنسان ممارسته من دون خوف يبقى ناقصا مهما كان حضوره في النصوص والقوانين.
ولا يجوز أن يكون الاعتقال هو الرد على متظاهر سلمي يطالب بحقوقه أو صحفي يؤدي عمله وينقل الوقائع أو مواطن يعبر عن موقفه من خلال تعليق أو صورة. فالأصل هو حماية حرية التعبير والتظاهر السلمي لا التعامل معهما باعتبارهما تهديدا يستوجب العقاب. وأي إجراء قانوني بحق فرد يجب أن يستند إلى أساس قانوني واضح وأن يخضع لضمانات المحاكمة العادلة لا أن يكون وسيلة لمعاقبة الآراء المخالفة أو ترهيب الآخرين من التعبير عن مواقفهم.
وتزداد خطورة الأمر حين تترافق محاولات إسكات الأصوات مع حملات التشويه والسخرية والتشهير إذ لا يعود الضغط مقتصرا على منع الكلمة بل يمتد إلى تخويف صاحبها ودفعه إلى الصمت. وقد يسهم تداول الاتهامات والصور والمقاطع خارج سياقها في تحويل النقاش من مضمون القضية إلى استهداف من يطرحها بما يضعف النقاش العام ويصرف الانتباه عن المطالب الحقيقية.
إن حرية الصحافة والتعبير والتظاهر السلمي ليست امتيازات تمنحها جهة وتحجبها أخرى بل حقوق لا تستقيم الحياة العامة من دونها. ولا تعني هذه الحقوق غياب القانون أو إعفاء الأفراد من المسؤولية عن الأفعال المخالفة له وإنما تعني ألا يستخدم القانون ذريعة لتقييد النقد المشروع أو ملاحقة الأشخاص لمجرد آرائهم. فهناك فرق جوهري بين المساءلة القانونية عن فعل محدد وبين معاقبة الإنسان لأنه عبر عن موقف لم يرق لجهة ما.
إن الدولة التي تريد بناء الثقة مع مواطنيها لا ينبغي أن تخشى صوت المتظاهر ولا سؤال الصحفي ولا تعليق المواطن بل عليها أن تضمن حقهم في التعبير وأن تحميهم من التعسف. فالاستقرار لا يتحقق بإسكات الاعتراضات وإنما بمعالجة أسبابها ولا تصان هيبة المؤسسات بمنع نقدها بل بقدرتها على الاستجابة للمطالب وتصحيح الأخطاء.
إن وجود حرية حقيقية للتعبير ضرورة لا يمكن الاستغناء عنها وليس مطلبا ثانويا يمكن تأجيله. فمن حق المواطن أن يتكلم ومن حق الصحفي أن ينقل الحقيقة ومن حق المتظاهر السلمي أن يرفع صوته مطالبا بالتغيير من دون أن يتحول أي من هذه الحقوق إلى سبب للخوف من الاعتقال. فحين يحاصر التعبير تتراجع المساءلة وحين يغيب النقد تتسع مساحة الخطأ وحين يدفع الناس إلى الصمت لا يعني ذلك أن المشكلات قد انتهت بل قد يعني أن أصحابها لم يعودوا يشعرون بالأمان الكافي للحديث عنها.
فحرية التعبير ليست خطرا على المجتمع بل إن الخطر الحقيقي هو مجتمع يحرم أفراده من حقهم في الكلام وتواجه فيه المطالبات السلمية بالإسكات بدلا من الاستماع إليها.
***
حيدر كرار عدنان








