عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

صبيح الكعبي: أمن الطاقة في العراق

قراءة تحليليّة في خيارات التنويع ومآلات الارتهان للريع النفطي

تشير الديناميكيات الراهنة في سوق الطاقة العالمي إلى تحولات هيكلية ملموسة؛ إذ لم يعد الحديث عن تنويع مصادر الطاقة فكرة بيئية مجردة، بل أضحى محوراً رئيساً في حسابات الأمن القومي والاقتصادي للدول المنتجة للنفط. وفي هذا المشهد المتغير، يقف العراق أمام ضرورة مراجعة نموذجه الاقتصادي الريعي، حيث تشكل العوائد النفطية أكثر من 90% من موازنة الدولة المالية العامة وتأمين نفقاتها التشغيلية واستيراداتها الحيوية. وتفرض هذه الهيكلية أحادية المصدر على البلاد انكشافاً مستمراً أمام تقلبات الأسواق الدولية، مما يستدعي قراءة هادئة ومتزنة للبدائل المتاحة لضمان الاستقرار المالي على المدى الطويل.

وفي هذا السياق، يعيش العراق في مفارقة مريرة؛ فهو يمتلك خامس أكبر احتياطي نفطي مؤكد في العالم، وينتج ملايين البراميل يومياً، لكنه يعاني في الوقت ذاته من أزمة طاقة خانقة وعجز مزمن في تجهيز التيار الكهربائي لمواطنيه. ويكشف هذا الواقع عن خلل هيكلي واضح، حيث تعتمد محطات التوليد المحلية بشكل ملحوظ على استيراد الوقود والغاز، في حين تخسر البلاد كميات ضخمة من طاقتها الكامنة بسبب عدم اكتمال البنية التحتية اللازمة لمعالجة وتدوير كافة مواردها الثانوية. وتتفاقم هذه المعضلة عندما يُنظر إليها بعين المراقب الاقتصادي، إذ ينطوي اعتماد المالية العامة على مورد واحد يتسم بالتذبذب الدوري على مخاطر بنيوية تؤثر على مرونة الاقتصاد الوطني وتجعل التخطيط بعيد المدى عرضة للاهتزاز؛ فقد وثقت بيانات البنك المركزي العراقي الحساسية العالية للاقتصاد تجاه المتغيرات الأقليمية ومنافذ التصدير، حيث أنخفضت الاحتياطيات الأجنبية من 97.4بحلول منتصف عام 2025 الى 80.6 في نهاية عام 2026دولار نتيجة الضغوط التشغيلية وكلف الشحن

ويتزامن هذا التراجع المحلي مع تبدل ملموس في خارطة الطلب الدولي، حيث تشير بيانات وكالة الطاقة الدولية إلى تباطؤ مستمر في نمو الطلب العالمي على النفط الخام، مدفوعاً بالتوسع الصيني والأوروبي في الاستثمار الأخضر وصناعة المركبات الكهربائية، مما يضع سقفاً زمنياً منطقياً لذروة العوائد النفطية التقليدية. ويمثل ملف الغاز المصاحب لعمليات استخراج النفط أحد أوضح الأمثلة على كلف الفرص البديلة المهدرة في هذا الإطار، فوفقاً لتقارير تعقب حرق الغاز الصادرة عن البنك الدولي، يحل العراق في المرتبة الثالثة عالمياً في معدلات الحرق الروتيني. وتشير التقديرات الرسمية إلى أن استمرار حرق الغازالمصاحب يكلف الدولة خسائر مالية تتراوح بين 3.5 الى 4 مليارات دولار سنويا .

فإن العبء المالي الإجمالي المترتب على هذا الملف يقارب 12 مليار سنوياً

وعلى الرغم من قتامة هذه الأرقام، إلا أن خيارات التنويع لا تبدو بعيدة عن المتناول بالنظر إلى المقومات الطبيعية والجغرافية التي يمتلكها العراق. ويأتي في مقدمة هذه البدائل الاستثمار الشامل في الطاقة الشمسية، مستفيداً من وقوع البلاد ضمن الحزام الشمسي العالمي بمعدلات إشعاع فائقة، إلى جانب تسريع المشاريع المبرمة مؤخراً لإنهاء حرق الغاز وتحويله إلى وقود للمحطات وصناعات بتروكيماوية ذات قيمة مضافة. كما يبرز خيار استعادة الطاقة المهدورة عبر تحديث شبكات النقل والتوزيع، والحد من الضياعات الفنية والتجاوزات التي تستهلك نحو 40% من الطاقة المولدة، مما يوفر طاقة تعادل بناء محطات توليد جديدة دون كلف وقود إضافية.

وتأسيساً على معطيات الواقع، يتطلب الانتقال الآمن بالاقتصاد العراقي تبني خطة إنقاذ وطنية وإجراءات تنفيذية هادئة، يبدأ أولها بالالتزام الحاسم بالوصول إلى صفر حرق للغاز بنهاية عام 2027 وتذليل العقبات أمام الشركات المستثمرة لضمان تدفق الغاز للمحطات. ويلي ذلك تشريع إطار قانوني واضح ينظم استثمارات الطاقة النظيفة، ويمنح تسهيلات ائتمانية وحوافز ضريبية للمستثمرين في القطاع الخاص لتوطين منظومات الطاقة المتجددة. كما يتطلب هذا الانتقال تأسيس حساب استثماري سيادي مستدام يعزل جزءاً من العوائد النفطية في فترات الانتعاش السعري لتوجيهه فحسب نحو البنية التحتية الخضراء. وينتهي هذا المسار بضرورة إعادة توجيه المناهج الجامعية والتعليم التقني نحو تخصصات وظائف المستقبل وتكنولوجيا الشبكات الذكية لتهيئة جيل قادر على قيادة السوق الجديد.

إن معالجة ملف الطاقة في العراق لا تعني الاستغناء عن النفط كأصل استراتيجي، بل تعني استثمار عوائده الحالية لبناء بوابات أمان بديلة. إن التحرك الواعي والمدروس نحو استغلال الغاز المحلي والطاقة الشمسية يمثل الخيار الموضوعي الوحيد لحماية السيادة الاقتصادية للبلاد، وتجنيب موازنتها العامة صدمات مستقبلية في عالم يعيد صياغة مصادر قوته بعيداً عن الوقود التقليدي.

***

بقلم صبيح الكعبي

في المثقف اليوم