عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

إن المشكلة التي يواجهها العالم الإسلامي وفكره المعاصر وعقيدته ما زالت قائمة ويزداد تأثيرها على العقل الجمعي العربي والإسلامي هي تطبيقها على أرض الواقع الإجتماعي والفكري لقد أخذ الفكر الإسلامي وعقيدته الدينية سحب المجتمع الإنساني إلى الكثير من المشاكل والتعقيدات والصراعات التي أفرزتها تطبيقات أسس العقيدة والفقه التي أراد الله تعالى منها نهضة للمجتمعات الإنسانية وتطورها بعدما شرع من الدين لها منهجا متكامل الفهم وواضح المعرفة متضمن بين دفة دستوره الكثير من الشرائع والسنن والشعائر التعبدية والقيم والمبادئ الإجتماعية والمناهج الفكرية الحرة والمتمعن بنصوص هذا المنهاج الدستوري الإلهي (القرآن) نجد فيه من القيم وسبل الهداية التي ترتقي بالإنسان فقد ركز سبحانه وتعالى على هذه القيم الإخلاقية السامية وأعطى له الحرية في التعامل مع النص الدستوري في جميع العصور وترك حرية الشعائر الدينية والعبادات محصورة بين الإنسان وربه والدليا على ذلك نرى أن أول نص تشريعي إلهي للإنسانية مع آدم عندما حذره من شهوة المال والثروة ومحبة الخلود وتبعها مع النبي نوح عليه السلام كأول رسالة للإنسان هي عبادة الله وحده والإحسان والبر بالوالدين ثم مع  النبي شعيب عبادة الله تعالى والعدل والقسط في التعاملات الإجتماعية وبعدها توالت النذر والرسل والشعائر حيث أصبحت واضحت تقريبا مع النبي موسى عليه السلام وخُتمت بالنبي محمد بن عبد الله سلام الله عليه وعلى صحبه فأن الإسلام مبني على ثلاثة أضلع لمثلث رأسه توحيد الله تعالى وحده لا شريك له والضلع الآخر هو العبادات من صوم وصلاة وزكاة وحج والثالث هو المعاملات مع الآخرين في المجتمعات بين الناس جميعا كوحدة متكاملة في العطاء للنهوض بالإنسان المختار من قبل الله تعالى وقد حث سبحانه وتعالى على التعامل بين الناس بالقيم والسلوك التي حددها الله تعالى في دستور الإسلام وكل ما جاء بها من سلوكيات بشرية وأخلاق ومبادئ وتعايش سلمي والبحث العلمي في دراسة الكونيات والعلم الذي يطور من قدرات الإنسان وتطوره وتنمية فكره وعقله ونضوج شخصية للتفاعل مع المجتمع فكلما زادت ثقافة وعقل ومعرفة الإنسان زادة حضارته  وسمت بدورها المجتمعات الإنسانية نحو الرقي والرفعة . لكن مع الأسف نرى ما يجري حاليا من تراجع في القيم وتردي الأوضاع في الوطن العربي والإسلامي بعدما حُجمت هذه القيم والأخلاق ورجحت على حسابها التركيز على العبادات والشعائر التعبدية وهمشت الأفكار التنويرية والبحوث المعاصرة لدراسة النصوص الدستورية لمنهاج الرسالة الإلهية بعقلانية وأكثر أنفتاحا  بعيدا عن التعصب والتناحر والتحزب أن تغليب الشعائر الدينية على القيم وسلوكيات الفرد يحول الدين الإسلامي إلى جماد وصوريا يقف عاجزا  أمام التحديات  الجديدة للتطور العلمي وتطور المجتمع في فكره وسلوكه لأن تطور الشعوب تحتاج إلى مقومات علمية وعملية وسلوك مجتمعي متحرر ومتتطور مع الزمن بعيدا عن التقييد علما أن الشعائر الدينية للمسلم هي الهوية الخاصة للإنسان فكلما زاد التوافق والتزاوج بين الشعائر المعتدلة الخالصة لله تعالى وبين عمل المسلم والتعايش السلمي والعمل الصالح في بناء المجتمع وحضارته.

***

ضياء محسن الاسدي

في عالمنا المعاصر حيث الضجيج والكلمات المعلّبة يملأ أرجاء حياتنا كثيرًا ما نجد أنفسنا في مواجهة أحكام الآخرين آراء الناس وانطباعاتهم المتفاوتة عنا وقد يظن بعض الناس بك سوءًا يبالغون في تفسير أفعالك ويطلقون الأحكام على ظواهر لم يعلموا منها إلا جزءًا يسيرًا أو قد يظن الآخرون أنك مثال للطهارة والنقاء يبالغون في تمجيدك ويمنحونك صفات قد لا تكون موجودة إلا في نواياك الطيبة وهذه التناقضات في تقدير الناس لك مهما كانت لن تضيف أو تنقص شيئًا من حقيقتك التي يعرفها الله وحده.

الإنسان كثيرًا ما يقف أمام مرايا المجتمع يحاول أن يرضي الجميع يركض وراء آراء الآخرين ويسعى لجمع محبة كل شخص يلتقيه ولكنه في كثير من الأحيان يغفل أن الحقيقة الكبرى ليست في ما يقوله الناس أو يظنونه عنك بل في ما يعلمه الله عنك: عن صدقك عن نواياك عن أفعالك عندما لا يراك أحد، وعن أمانتك عندما تُختبر في الخفاء وفي هذه الحقيقة يكمن جوهر الإنسان وهنا يبدأ التوازن الحقيقي بين الذات والعالم، بين المظاهر والحقائق بين التقدير البشري ورضا الخالق.

قد يحاول البعض تشويه صورتك أو أن يبالغ في وصفك وقد تحاول أنت أحيانًا الاندماج مع توقعات الآخرين لتبدو كما يريدونك أو لتكسب رضاهم ولكن في كل هذه المحاولات تتوه الحقيقة وتبتعد الروح عن السلام الداخلي فالإنسان الذي يعيش حياته ليرضي الناس يكون أسيرًا لمعايير متغيرة ونظرات متقلبة وأحكام قابلة للانقلاب في أي لحظة أما من يعي أن رضى الله هو الهدف ويعلم أن الحقيقة ليست في كلمات الآخرين بل في أفعال النفس وأمانتها فإنه يعيش حياة مستقرة متوازنة حرة من عبء الآراء المتذبذبة.

الحياة مليئة بالمواقف التي تكشف صدق الإنسان أو تزيف صورته أمام الناس ةهناك من يثني عليك بلا سبب وهناك من يعيبك بلا وجه حق وهناك من يبالغ في محبتك أو يبالغ في كراهيتك وكل هذا جزء من لعبة المجتمع والتصورات البشرية لكن قلبك يظل مرآة نواياك وضميرك هو الحكم الحقيقي على أفعالك فالصدق مع الذات ومع الله هو الذي يصنع السلام الداخلي وهو الذي يمنح الإنسان القدرة على مواجهة أي ظلم لفظي أو سوء فهم، دون أن يهتز أو يضطرب.

من هنا تتجلى قيمة الصبر وقوة الثقة بالنفس وعمق الإيمان بالله فالمؤمن الحقيقي لا يضطر للرد على كل سوء ظن ولا يسعى لإقناع كل مَن شكّ فيه لأنه يعلم أن الحقيقة الحقيقية هي في قلبه ونواياه وأعماله وأن الله وحده يعلم كل شيء عنها وإن إدراك ذلك يمنح الإنسان حرية نادرة وطمأنينة لا يستطيع أي مدح مبالغ فيه أو ذم مفرط أن يقوضها.

إن المجتمعات تتغير والناس يتبدلون لكن الحقيقة الثابتة لا تتغير، وهي معرفة الله لكل شيء : ما يخفى وما يُعلن ما يُقصد وما يُخطئ، ما يختبر وما يُكافأ وهذا الوعي يجعلنا أقل انشغالًا بما يظنه الناس عنا وأكثر انشغالًا بتطوير أنفسنا بترقية أخلاقنا، بصدق أفعالنا وبالإخلاص في نوايانا إنه دعوة للنقاء الداخلي للعيش بعزة دون الخوف من الظنون وللثقة في أن أفعالنا الطيبة ستظل محفوظة في سجل الحقائق الإلهية.

في النهاية تذكر أن الحياة قصيرة وأن الوقت الذي نقضيه في محاولة إرضاء الآخرين أو الدفاع عن صورتنا أمامهم هو وقت ضائع من عمرنا ولا تدع الظنون سواء كانت سلبية أو إيجابية تتحكم في مسار حياتك ولا تحاول أن تثبت للناس من أنت ولا تسمح لهم أن يحددوا قيمتك واجعل علاقتك مع نفسك ومع الله أساس كل شيء فالذي يعلم الحقيقة الكاملة عنك هو الله وحده فلا خوف من تقييم البشر ولا حاجة لموافقتهم.

الحقيقة هي من يقودك، والأمانة في أفعالك ونواياك هي التي تمنحك السلام الداخلي وكل من يظن بك سوءًا لن يضرك وكل من يبالغ في تمجيدك لن ينفعك لأن قيمة الإنسان الحقيقية ليست في عيون الآخرين بل في قلبه وأفعاله وفي ما يسجله الله عن أعماله ونواياه واجعل حياتك رحلة نحو الصدق والنقاء والإخلاص واجعل كل خطوة فيها موجهة بما يرضي الله لا بما يظنه الناس.

حينها ستعيش حياة خالية من الأعباء النفسية المرهقة حياة ثابتة لا تهزها الكلمات ولا يزعجها الظنون حياة حرة ومستقلة مليئة بالسلام الداخلي ممتلئة بالقوة وعميقة بمعنى المسؤولية الحقيقية تجاه نفسك وتجاه عالمك وتجاه الله وفي هذا السلام الحقيقي ستجد أن كل ما حاول الآخرون تفسيره عنك كل ما ظنوه عنك يصبح بلا معنى ويذوب أمام نور الحقيقة التي يعرفها الله وحده.

الحقيقة لا تُقاس بالمديح ولا بالذم بل بالنية والعمل وبالوفاء لما في القلب من نقاء وبالإخلاص لما تمليه الضمير فلتكن حياتك شهادة على صدقك ولتكن أفعالك مرآة لنقاء روحك ولتسكن دائمًا في رحمة الله الذي وحده يعلم كل شيء عنك والذي وحده يقيّمك حق التقييم.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

علمتني الحياة وجعلتني أدرك أنّ أصعب وأشرس المعارك التي يخوضها المرء في مشوار عمره، ليست تلك التي تكون مع ظروفه ولا مع الحياة، بدروبها الوعرة المحفوفة بمطبات الإحباط ومحطات الفشل واليأس، بل هي تلك التي تدور رحاها مع ذاته، وكوْن هذه الأخيرة هي حليفه والخصم في آن واحد هو مكمن وعلة الصعوبة.

النصر والهزيمة في هذه المعركة الطاحنة كلاهما مضاعف، إن انتصر المرء فيها، كسبها وكسب معها ذاته وإن هُزم خسر. المعركة، وفقد ذاته التي قد لا يَخلُص للعثور عليها مجدّدا. معركةٌ غنائمها مغانم عظيمة وخسائرها فادحة جدًّا بل كارثية قطعًا!

لا أعظم ولا أسوأ من أي يُضيّع المرء في درب الحياة ذاتَه، قيمَه ومبادئه، وكل ماكان من الثوابت ولم يتخيل يوما إفلاته، بفقدانها يظل ناقصا غير مكتمل، كائن لا يشبه أبدا ذاته ونسخته الأصلية، كونها جزءًا أصيلا ومتأصّلا من هويته وكينونته.

معركة صعبة للغاية، طويلة الأمد لا يحدّها نطاق زماني ولا مكاني، قد تبدأ بمجرد أن يشتد عود أحدنا، ويقبل بحماسة فيطأ شاطىء الحياة، ليبحر فيها ويخوض غمارها، وقد تمتد لآخر العمر، تزداد وطأةُ مكابدةِ عناء هذه المعركة، خاصة على من تشبّثوا بدرب الحقّ واتخذوا من الصدق شعارًا فارتقوا وسمت أرواحهم، ونَبُلت غاياتهم ومقاصدهم في الحياة.

من أعظم المكاسب في هذا الزمن، أن يتمسك المرء بقيمه ومبادئه ولا يتنازل عنها أبدا مهما حدث، حتى وإن كان كل ما حوله يدعوه لخلاف ذلك.

 ***

 بقلمي : زينة لعجيمي - الجزائر

 

التخليل: إخراج ما بقي من الطعام بين الأسنان، وله معاني أخرى، كصناعة الخل من الأثمار.

التحليل: عملية تقسيم الكل إلى أجزائه ورد الشيء إلى عناصره، والتحليل السياسي يفسر الأحداث ويربط الأسباب بالنتائج ويتوقع الإتجاهات ويحدد المستفيد والمتصرر وما الكلفة.

تواجهك كلمة "محلل سياسي" في وسائل الإعلام المرئية والمقروءة، وتتعجب من كثرتهم، وما يطرحونه من أقوال على أنها تحليلات، وما هي إلا تصورات لا تستند على أدلة وبراهين موثوقة، وأكثرها يُبنى على ما تتداوله الأخبار، والتصريحات التي يُراد منها التمويه والإلهاء والتضييع، ويختلط فيها الرأي وإسقاط الرغبات الشخصية..

وبناءً على ما يتم تداوله، يبدأون بالتحليلات السياسية، التي تفضحها الأحداث والتطورات وتكشف عوراتها وبهتانها.

السائد في الإعلام من أخبار وتصريحات لا يمكن أن تكون ذات قيمة تحليلية، مهما توهم المحللون، بإعتمادهم على تخريجات منطقية وإدعاءات علمية، مستندة على نظريات وبديهيات معرفية.

التحليل السياسي، يدلي به أصحاب المعلومة الدقيقة الصحيحة، من الذين لديهم القدرة على أن يكونوا على مقربة من صناع القرار.

فشتان بين المحللين المعروفين في الصحف العالمية، الذين يستقون معلوماتهم من مصادر موثوقة، وبين الذين يسمون أنفسهم "محللين سياسيين" في بعض المجتمعات المتأخرة.

الجميع محللون سياسيون، وكتّاب ومفكرون وشعراء وأدباء وفلاسفة، فاختلط حابلها بنابلها، وإبتلع الليل نجومه.

أنتم لا تحللون بل تخللون، وتضللون بما تطرحونه من تصورات لا تتصل بواقع يميز غضبا، ويتقلب على جمرات الحرمان والجور والإمتهان.

فهل تبتلعون بقايا الطعام بين أسنانكم، أم تلفظونه على رؤوس المساكين؟

أملنا أن تحللوا ولا تخللوا!!

نُحلّلُ موقفاً برؤى الرَغيبِ

فدُمنا في مَتاهاتِ العَجيبِ

موازينُ القِوى حَكمتْ وسادَتْ

سياقُ وجودِها نهجُ الغريبِ

تحلّلَ رسمُها وبدى قبيحاً

بتخليطٍ وإسْقاطٍ مُريبِ

***

د. صادق السامرائي

ينظر إلى أن الاستمرارية على أنها ليست قوة جسدية ولا اندفاعاً عابراً أو مؤقتاً يولده الحماس والشغف، بل هي قرار واعٍ يتخذ كل يوم، حتى في غياب الدافعية والتحفيز، وحتى عندما لا تسير الأمور كما نخطط لها. كثيرون يبدأون الطريق بطاقة عالية ونشاط عال المستوى، وما يكادون يواصلون المسير، بل إن القلة هم من يكملون المشوار ويستمروا رغم الصعاب التي تواجههم. والسؤال الجوهري والمهم ليس كيف نبدأ، بل كيف نستمر رغم التعب والإحباط وتقلب الظروف؟.

تكمن صعوبة الاستمرارية في أن الحياة والعمل لا تسير في خط مستقيم، بل في مسار مليء بالضغوط والتغيرات والخسارات والتحديات النفسية والمادية. وغالباً لا يتوقف الإنسان بسبب ضعف إمكاناته أو ما يملكه من مقدرات وطاقات، بل بسبب الإنهاك النفسي الداخلي وفقدان المعنى لذلك. عندما يستنزف الداخل، يصبح الاستمرار عبئاً شاقاً وكلفاً مهما كانت القدرات أو الموارد المتاحة لديه.

إن أحد أبرز معوقات الاستمرارية هو غياب المعنى والغاية، فعندما لا يعرف الإنسان لماذا يفعل ما يفعل؟، تصبح أي عقبة سبباً مباشراً وكافياً للتوقف وعدم اكتمال المسير. العمل بلا معنى يتحول إلى عبء ثقيل، والحياة بلا رسالة تفقد طاقتها وخاصيتها، ولذلك فإن الغاية هي الوقود الحقيقي للاستمرارية، لا الحماس والشغف المؤقت. ويشار إلى أن الاعتماد المفرط على الدافعية لوحدها، شعور متقلب يأتي ويذهب عند تبدل الأحوال والظروف التي تحيط بالفرد والجماعات، فمن يربط استمراره بالحماس وحده سيتوقف عند أول ضعف وفتور. فالاستمرار الحقيقي يقوم على الانضباط والرؤية الواثقة والالتزام الواعي، لا على المزاج المتقلب والمشاعر التي قد لا تسعف المرء في الظروف الصعبة والمفاجئة.

كما أن الإرهاق النفسي غير المعالج يلعب دوراً خطيراً في التوقف، فالضغوط المتراكمة والصدمات المرهقة والمتعبة والإجهاد العاطفي الصامت يستنزف الطاقة الداخلية دون أن نشعر. كثيرون انسحبوا من مسارات حياتهم أو أعمالهم لا لأنهم ضعفاء، بل لأنهم مرهقون بصمت ولم يمنحوا أنفسهم حق التوقف المؤقت أو التعافي. وتعد المثالية الزائدة من العوائق الخفية كذلك، إذ إن السعي الدائم للكمال يجعل الإنسان قاسياً في تقييم نفسه ومحاكمتها، فيعتقد أنه يجب أن ينجح دوماً وألا يخطئ أبداً، وحين يتعثر لأول مرة يتوقف بالكلية. إن الاستمرارية تحتاج ذهنية تسمح بالتقدم رغم النقص، والتعلم من الخطأ لا الهروب منه.

إن الخوف من الفشل أو النقد يشكل سداً وعائقاً آخر، فالتجارب السابقة المؤلمة أو القلق من نظرة الآخرين قد يشل الحركة ويجمد الإرادة. كثيرون لم يتوقفوا لأنهم فشلوا، بل لأنهم خافوا من أن يفشلوا مرة أخرى. وأن المقارنة المستمرة بالآخرين، فهي تسرق الطاقة وتضعف الشعور بالرضا عن الذات، وتخلق شعوراً سلبياً زائفاً بالتأخر أو العجز، مع أن لكل إنسان توقيته ومساره المختلف، والاستمرارية لا تقاس بخطوات الآخرين ونسلكهم بل بمدى التزام الشخص بطريقه الخاص.

ولا يمكن إغفال أثر البيئة المحيطة، فغياب الدعم أو العيش في بيئة محبِطة يضعف القدرة على الصمود طويلاً. الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، وحتى الأقوياء يتعبون إذا ساروا وحدهم دون مساندة أو تشجيع. لذلك يصبح الدعم، ولو كان بسيطًا، عنصراً أساسياً في القدرة على المواصلة.

أما الاستمرار رغم كل ذلك، فيبدأ بربط ما نفعله بمعنى أعمق وأوسع من المكاسب اللحظية، ومعنى يمنحنا سببًا للنهوض كلما تعثرنا. ويحتاج كذلك إلى تقسيم الطريق إلى خطوات صغيرة ثابتة، لأن الاستمرارية لا تحتاج قفزات كبيرة بقدر ما تحتاج أفعالاً يومية قابلة للتكرار. كما أن إدارة الطاقة لا تقل أهمية عن إدارة الوقت، فالراحة ليست ضعفاً ولا تراجعاً، بل استراتيجية ذكية تحمي الإنسان من الاحتراق النفسي. والتصالح مع التعثر ضرورة نفسية، فالتوقف المؤقت ليس فشلاً، بل فرصة لإعادة الشحن وإعادة توجيه المسار.

في النهاية، تبقى الاستمرارية في الحياة والعمل ليست أن نكون أقوياء طوال الوقت، بل أن ننهض كل مرة نسقط فيها، ولو ببطء. من يستمر لا يفعل ذلك لأنه لا يتألم، بل لأنه تعلم كيف يتقدم رغم الألم، وكيف يحول العثرات إلى وقود جديد للمضي قدماً.

***

د. أكرم عثمان

22-1-2026

رب استرني بسترك ولا تفضحني بين عبادك، عبارة استوقفتني كثيراً وأنا أنتبه لها رغم مرورها أمام ناظري في ذهابي وإيابي في بلد العتبات المقدسة.

والذي شدني وآلمني هو وجود صورة لامرأة محجبة تماماً، ذكرني الدعاء بموقف وقفت أمامه مدهوشة حيث سمعت: (الله يستر عليك خليهم)، وإذا بشاب خلفي في أحد محلات التغذية يحاول مساعدتي بحمل المشتريات ووضعها عند البائع، ولم أدرك لوهلة سبب الكلمة حيث لم أطلب مساعدة ولم يصدر مني سلوك غير مقبول، ما الذي فعلته ليستِر عليّ؟

خرجت يتملكني الغضب مهزوزة من الأعماق، وأعاد لفكري الكثير من المفاهيم المغلوطة التي تُشكل شخصياتنا وتُزعزع الثقة والدونية في تكوينها دون أن ندرك أننا نشارك بجريمة التمييز الجنسي الذي ما زالت تعاني منه الأمم.

حين نرتقي بإنسانيتنا ويزداد الوعي والبصيرة حينها ندرك فداحة الفقر والأمية ونحزن كثيراً لطفل يعمل تحت شمس حارقة ليوفر لقمة العيش لعائلة صغيرة يحملها، هذا الوعي ذاته هو الذي يحركنا لرفض هذا التمييز، ألم نصدح بكل منابرنا أن الإسلام دين مساواة لم تصلها القوانين الوضعية إلا بعد معاناة طويلة.

فما زالت أمريكا وهي أم الديمقراطية تعاني من تمييز عنصري بين السود والبيض، وما زالت مجتمعاتنا تعاني وتفقد ملايين البشر نتيجة فوارق دينية ومذهبية قولبت عقولنا فبتنا نستشعر أننا شعب الله المختار ونُدخل النار من نشاء.

وحسب تصوراتنا عن رب محابٍ يختص فئة دون فئة وأمة دون الأمم:

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).. البقرة: 113

ومن هذا التمييز المقيت هو هذا التمييز بين الذكر والأنثى، والواقع الأكثر ألماً هو حين تتضخم عندنا المثاليات وندعي أننا أكثر الأمم التي حققت المساواة واحترمت المرأة وأعطتها حقوقها.

قد أكون أنا المخطئة حين تستشعر مثيلاتي أن هذا عناية إلهية وأن الله خلقها هكذا وأن هذه الاختلافات طبيعية، لا أدري هل الخلل في عقلي الذي ربيته على أن يكون حراً ويرفض العبودية والانقياد لما فيه إهانة إنسانية، أم الخلل في هذه الثقافة التي نشأنا وتربينا في ظلالها حتى باتت تشكل فكرنا ونفسياتنا بحيث باتت نساؤنا أكثر دفاعاً عن مثل هذه المعتقدات والأعراف من الرجال.

وإلا لمَ لا يُرفع هذا الدعاء بجانب صورة لذكر؟

لمَ دوماً الدعاء الملازم لهويتي الستر؟

ماذا بي حتى أكون فضيحة وعاراً على الأهل والمجتمع؟

ما الفرق بين الذكر والأنثى بحيث يترتب عليها الشرف دونه؟

ألا يُشكل هذا عقلية ترسمنا ملامح إغواء وشيطنة أينما حللنا بحيث يدعو ذاك الشاب لي بالستر وأنا بمنزلة أمه غير مدرك للإهانة التي وجهها لي؟

ما الفرق الإنساني بيني وبينه بحيث أكون مثار فساد وذريعة لانحراف؟

عليّ أمام هذا أن أتوارى وأن لا أظهر إلا للضرورة، وأن مهمتي الأساسية هي المنزل، فصلاتي في بيتي أفضل، علاقتي بالله تحددت بحدود ماهيتي التي هي بحقيقتها عورة.

من أنا؟

أبسط تعريف: عورة.

العورة ليس من اللائق وليس من الذوق إظهارها، وجهي عورة، جسدي عورة، بل حتى صوتي عورة يجب أن لا يسمعه الآخرون فيفتنون.

ألا يحق لي أن أعترض وأن أطالب بالعدالة الإلهية وقد خلقني للإغواء فقط؟

أين إنسانيتي، ولمَ زاد في خلطتي الآدمية الصفات الشيطانية فبت أقرب له وقرينته التي يُدعى لها بالستر وعدم افتضاح أمرها أمام الملأ؟

ما أفهمه عندما ندعو اللهم استرنا أو اللهم الستر هي دعوة غير مباشرة لممارسة الستر بيننا نحن الناس، وكم المجتمع بحاجة إلى ثقافة الستر وعدم نشر الفضائح، فقد عانينا الكثير من هذا الأمر وهذا ما لا يختلف عليه اثنان.

سأعلن تمردي،

وأتبرأ من كل من لا يعترف بإنسانيتي،

من كل من يراني عورة.

أحد أحد، فإلهي رب الذكر والأنثى.

أحد أحد، فإلهي لا يُحابي ولا يستحي مما خلق.

أحد أحد، فإلهي الغفور الرحيم الذي يحب الستر.

***

منى الصالح

تعد العدالة الاجتماعية مقصد شرعي، وقيمة أخلاقية مهمة في نهضة المجتمعات وبناء الدول الراشدة. وتعتبر العدالة الأجتماعية غاية وليست وسيلة، وتطبيقها غالباً مايكون نسبياُ.. معالمها لاتأتي من فراغ أنما لغاية تتلخص فكرتها في تحقيق مبدأ المساواة، والعدل، والرخاء، وتحقيق التوازن بين حقوق الأفراد ومسؤولياتهم او التزاماتهم تجاه المجتمع.

وهي مفهوم ملتبس، والبعض يراه مجرد تجريد عقلي لا سبيل إلى تطبيقه في عالم الواقع، وما مطبق من العدالة الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، ليس إلا محاولات تهدف إلى الحفاظ على الحقوق التي اقرها القانون الطبيعي والأخلاقي.

والعدالة الاجتماعية مفتاح مجاني وطوعي لتحقيق مبدأ المساواة الذي ينطوي على شفرة اساس تبدأ من رأس الهرم (العدالة)، وتنتهي بتحقيق اهدافه.

ولن تتحقق عدالة اجتماعية كاملة، ولن يضمن لها التنفيذ والبقاء، ما لم تستند إلى شعور نفسي باطن باستحقاق الفرد لها، وبحاجة الجماعة إليها، وبعقيدة في أنها تؤدي إلى طاعة الله، وإلى واقع إنساني أسمى.

اول مبدأ لتحقيق العدالة هو الاسلام وقوانينه السمحة .

وترتبط اصولها بجملة اساسيات اهمها:

العلاقات الأسرية:

زهوها ينمو عندما يُمارَس العدل والمساواة داخل الأسرة، يشعر جميع أفراد الأسرة بالتقدير والاحترام، مما يعزز الروابط الأسرية ويُقوي العلاقات بين أفرادها.

وإن توفير بيئة صحية للأطفال: يشعر الأطفال بالأمان والقبول عندما يتم تطبيق العدل والمساواة في الأسرة هذا يساعدهم على النمو بشكل صحي وسليم.

ولابد من توفير طرق سليمة لمعيشة مترفة عن طريق الغاء ثقافة الإنكار، وتفكيك العنصرية النظمية، وتفعيل مبدأ الكل سواسية في العمل، وعدم استعمال اسلوب التفضيل، والأنحياز لشخص من دون آخر، والسعي الجاد لتحقيق العدالة الاجتماعية، عن طريق إلغاء تطبيق قانون (العفو العام للسجناء)؛ كونه يفسح مجالاً كبيراً لعدم المساواة.

ولابد من توظيف سمة (الاستماع)؛ لأنه يضمن احقية الاغلبية، وهو بداية لجبر الضرر.

وهنا يمكننا القول : بإن العدالة الأجتماعية تُعتبر احدى القيم الأساسية التي يسعى المجتمع العالمي الى تحقيقها، وتعني توفير الفرص المتساوية لجميع الأفراد، بغض النظر عن خلفياتهم الاجتماعية، والاقتصادية أو الثقافية.

ومع تزايد الفجوات في مختلف أنحاء العالم، تبرز التحديات التي تواجه مفهوم العدالة الاجتماعية، كما تظهر الفرص التي يمكن استغلالها لتحقيقها.

التحديات تُعد الفجوات الاقتصادية احدى أكبر التحديات للعدالة الاجتماعية، اذ يعيش جزء كبير من سكان العالم في فقر مدمج، بينما تتركز الثروات في أيدي قلة قليلة، وتساهم السياسات الاقتصادية غير المتكافئة، وزيادة التفاوت في توزيع الدخل في تفاقم هذه الفجوات، مما يعيق تحقيق العدالة الاجتماعية.

التمييز العنصري والجنسي، اذ لا يزال هذا التمييز يمثل عائقاً كبيراً أمام العدالة الاجتماعية، ففي هذا المجال تتعرض مجموعات اجتماعية للتهميش، وتُحرم من الفرص المتاحة، مما يزيد من حدة الفجوة بين الطبقات، ويتطلب التصدي لهذا التحدي وضع سياسات فعالة تهدف إلى مكافحة التمييز، وتعزيز الشمولية.

تغير المناخ، فهو تحد عالمي آخر يؤثر بشكل غير متساوٍ على الفئات الأكثر ضعفا، فالتأثيرات السلبية للتغير المناخي غالباً ما تؤثر بشكل أكبر على المجتمعات الفقيرة، التي لا تملك الموارد الكافية للتكيف مع تلك التغييرات.

لذا، فإن تحقيق العدالة الاجتماعية يستلزم التعامل مع قضايا البيئة، وبناء مجتمعات قادرة على مواجهة التحديات البيئية.

وزيادة الفرص لتعزيز التعليم، اذ يُعتبر احدى الأدوات الفعالة لتعزيز العدالة الاجتماعية، فمن خلال توفير فرص تعليمية متساوية، يمكن تقليل الفجوات، وزيادة قدرة الأفراد على تحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، ويجب أن تُبذل الجهود لتوفير التعليم الجيد للجميع، خاصة للفئات المهمشة.

التكنولوجيا والابتكار تُعد التكنولوجيا أداة قوية يمكن استخدامها لتعزيز العدالة الاجتماعية، فمن خلال الابتكارات التكنولوجية، يمكن تحسين الوصول إلى المعلومات والخدمات، مما يُسهم في خفض الفجوات، بشرط استغلال التكنولوجيا بشكل عادل لضمان استفادة الجميع.

وتوظيف السياسات العامة المستدامة، اذ تستطيع الحكومات وضع سياسات عامة تهدف إلى تعزيز العدالة الاجتماعية،عن طريق تنفيذ برامج تهدف إلى دعم الفئات الأكثر ضعفاً، مثل توفير الرعاية الصحية والإعانات الاجتماعية، وإمكانية تحسين الظروف المعيشية وتعزيز العدالة.

في الختام، تُعد العدالة الاجتماعية هدفاً مهماً يحتاج إلى جهود متكاملة لمواجهته، على الرغم من التحديات العديدة، إلا أن هناك فرصاً مهمة يمكن استغلالها لتحسين الوضع الحالي، فمن خلال التعاون بين الحكومات، المنظمات غير الحكومية، والمجتمع المدني، يمكن بناء عالم أكثر عدالة وإنصافا للجميع.

إن تحقيق العدالة الاجتماعية ليس مجرد هدف، بل هو ضرورة لتحقيق التنمية المستدامة والرفاهية للجميع.

***

د. وسن مرشد محمود

جامعة تكنلوجيا المعلومات والاتصالات

قراءة في غيرة الأرواح وفراغ العقول

الجن قبائل شتى، وأصناف متباينة، وعوالم غيبية يلفها الغموض؛ فمنهم الطويل والقصير، والجميل والقبيح. يُشاع عن عالمهم تطور تكنولوجي مذهل وآلات تفوق الخيال، حتى يُخيل للبعض أنهم يملكون "مجسات" قادرة على اختراق الجهاز العصبي للإنسان والسيطرة على إرادته. ولكن، أمام هذا الإبهار الصوري، يبرز سؤال العقل والمنطق: لو كانوا بهذه الدرجة من التطور والذكاء، لماذا لم يكونوا هم ورثة الأرض ومستخلفيها؟

جدلية الاستخلاف: لماذا الإنسان لا الجن؟

الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن العقل الذكي ينشغل بالإبداع والبناء، بينما العقل الفارغ لا يتقن سوى افتعال الأزمات والتشاكس. يقول الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 29]. هذه الآية العظيمة تشرح الفرق الجوهري بين عقل مليء بضجيج الأوهام والشركاء المتشاكسين، وبين عقل مطمئن بمركزيته وإيمانه، منصبٍّ على إبداعه.

والجن، رغم ما قد يُظهرونه من "تقنيات" أو قدرات خارقة، يفتقرون لجوهر العقل المبدع.

 لقد كرم الله الإنسان واستخلفه في الأرض، ومن غير المنطقي أن يكون الخليفة أدنى مرتبة أو أكثر غباءً ممن سكنوا الأرض قبله وسفكوا الدماء فيها.

الحجة القرآنية الدامغة التي تكسر هالة "الذكاء الخارق" المزعومة للجن.

 عقول الجن ليست كعقولنا؛ فهم مخلوقات تفتقر للذكاء الاستراتيجي، والدليل القاطع من القرآن الكريم في قصة نبي الله سليمان ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: 14]. فكيف لمن لم يدرك حقيقة "موت" من يقف أمامه أن يدعي الذكاء أو التطور؟

المعادلة المفقودة: قوة الجسد مقابل سيادة الفكر

الفارق الجوهري يكمن في الآتي:

الإنسان: مُميز بالعقل التخيلي والتخطيطي الذي يُمكّنه من تنفيذ المعجزات بعد تفكير وعناء.

الجن: مُميزون بقدرات جسدية وطاقات حيوية (طيران، غوص، سرعة) منحت لهم كتعويض عن نقص الملكة الفكرية، فهم ينفذون دون وعي أو تخطيط عبقري.

سيكولوجية الغيرة: جذور الانحراف في "علوم الطاقة"

كل ما يُشاع اليوم عن "علوم الطاقة الخرافية" والمعلومات الغيبية التي يُدعى أنها تأتي من عوالمهم، ليس إلا محاولة "تعويضية" نابعة من غيرة قديمة؛ الغيرة التي أخرجت إبليس من الجنة ما زالت تحرك ذريته حتى اليوم، فهم يحاولون إبهار الإنسان وإشغاله بعالمهم لكي ينحرف عن مساره القويم ويترك دوره في عمارة الأرض.

هم يملكون القوة البدنية، ونحن نملك العقل المُدبر. هم يملكون التستر خلف الحجب، ونحن نملك النور والبيان. لذا، لنفكر بعقول مطمئنة، لا بعقول فضولية تائهة في سراديب الغيب. الجن عالم وظيفي له حدوده، والإنسان عالم إبداعي له سيادته، وما عدا ذلك من ادعاءات بتطورهم التقني ليس إلا سراباً يحاولون به تغطية "عذابهم المهين".

"ختاماً، هذا هو الواقع الذي يفرض منطقه أمام العقل المتأمل؛ فهل تتفقون مع هذا التحليل الذي يضع كل كائن في نصابه، أم أن لكم رؤية أخرى حول هذه الكائنات الفضولية وتأثيرها المزعوم؟

إن كان في جعبتكم فضول لمعرفة المزيد، أو رغبة في الغوص بعمق خلف كواليس هذه العوالم، فإن 'قلم الحرية' هنا، مستعدٌ ليكشف لكم وهم 'الكليات الخفية' ويفكك خداع البيان والبلاغة الذي يتستر خلفه مدعو علوم الطاقة. أخبروني في تعليقاتكم: هل أنتم مستعدون لرحلة كشف الحقائق الكبرى؟

***

بقلك الحرية: فاطمة الدفعي

مؤسسة حرية قلم للإنتاج الفكري والفني

 

لاشك ان للعصرنة والحداثة التي نعيشها اليوم، ايجابيات لاحصر لها، لعل في مقدمتها، سرعة التواصل الإجتماعي في اللحظة، وتبادل المعارف والثقافات، والوقوف على كل ماهو جديد في مختلف المجالات، في لحظة حدوثها، ناهيك عن ايجابيات أتمتة الخدمات، والعمليات الانتاجية، وما تمخض عنها من سرعة في الاداء، ووفورات في التكاليف.

على أن تداعيات العصرنة الصاخبة، تحمل في طياتها، من جهة اخرى، تحديات كبيرة،

لاسيما في الجوانب السلبية منها، الامر الذي يتطلب الإنتباه الجاد لها، من خلال تشخيصها، والتوعية بمخاطرها، والعمل على تجاوزها بالحوار الهادف .

 وتجدر الإشارة إلى أن من بين ابرز تحديات العصرنة، هو ما يتعلق منها بأتمتة الوعي الانساني، ومسخ القيم، مما يتطلب استكشاف الآثار السلبية لتداعيات العصرنة، على رقمنة الوعي، ومسخ القيم، وخلخلة التقاليد الإجتماعية، حيث تصبح القرارات، والآراء عند ذاك، أكثر تأثرًا بمغريات التقنية الرقمية، ورهينة بمخرجاتها، لتصادر بذلك، الوعي الانساني، باعتباره آخر ما يبقى للأفراد من مقومات حرية الإنسان.

 ولاريب أن أتمتة الوعي، تستلب حق الأفراد الأساسي باتخاذ القرارات، بما تتركه من اثار سلبية بمصادرة خياراتهم في اتخاذ القرارات بروح إنسانية، لتطرح بذلك تحديات أخلاقية، وعاطفية كبيرة، خاصة وان العواطف، والحس الوجداني، هي اهم ما يميز الإنسان عن الآلة الصماء، من خواص، عند اتخاذ القرار .

على أن مسخ منظومة القيم التقليدية، بتداعيات العصرنة الصاخبة، بما تتركه عليها من تغيير جذري، بسبب التأثيرات الحاسمة للعوامل الخارجية، يشوه ملامح الهوية، ويمس نقاء أصالتها في الصميم، وهو ما يؤدي إلى تغييب الهوية، فردية، كانت ام جماعية، على حد سواء، لنصبح عندئذ، الغير، بعد أن كانت الهوية يوم ذاك، هي ما يجعلنا، نحن.

وفي مواجهة تلك التحديات المتسارعة للعصرنة الصاخبة، بجوانبها السلبية، فإنه يتطلب التوعية الجادة، بأهمية الحفاظ على صيانة، الوعي، والقيم، والتقاليد الاجتماعية، من المسخ والتشويه، والضياع، من خلال تعليم الأفراد كيفية التفكير النقدي، والتمييز بين المعلومات، بهدف إسقاط المحتويات الهابطة، ونبذ الأفكار السلبية، والحرص على التفاعل البناء، مع كل ماهو ايجابي، ومفيد، في ساحة الفضاء الرقمي.

***

نايف عبوش

في زمنٍ لم يعد فيه الإنسان يكتفي بأن يكون، بل بات مطالبًا بأن يُرى، تتحول المرآة من أداة تأمل إلى محكمة اعتراف يومية. لم نعد نقف أمامها لنفهم أنفسنا، بل لنقيس مقدار الإعجاب الذي نستحقه. وهنا، تتسلل النرجسية من كونها صفة فردية إلى كونها روح عصر، أو كما قال عالم الاجتماع زيغمونت باومان: «الحداثة السائلة لا تنتج أفرادًا، بل صورًا تبحث عن جمهور».

"نرجس"، ذلك الفتى الأسطوري، لم يكن مريضًا بالحب، بل مسكونًا بالانعكاس. لم يمت لأنه أحب نفسه، بل لأنه لم يرَ سواها. ومن هذه الأسطورة القديمة، وُلد مفهوم حديث "النرجسية" الذي لا يزال يتبدل مع تبدل الوسائط.

النرجسية، في معناها النفسي، هي تضخم الإحساس بالأهمية الذاتية، تعطش دائم للإعجاب، وتآكل بطيء للتعاطف. لكنها اليوم لم تعد حكرًا على العيادات النفسية. لقد خرجت إلى الفضاء العام، إلى الشاشات، إلى الإعجابات، إلى اقتصاد الصورة.

فالشبكات الاجتماعية لم تعد مجرد أدوات تواصل، بل أصبحت مسارح دائمة، يُطلب فيها من الفرد أن يؤدي دور النسخة الأفضل من نفسه، حتى لو كانت هذه النسخة وهمًا مصقولًا بالفلاتر. وكما يقول الفيلسوف الفرنسي جان بودريار: «نحن لا نعيش في عالم الواقع، بل في تمثيلاته».

من هنا، لم تعد النرجسية مجرد غرور، بل ضرورة اجتماعية غير معلنة. أن تكون مرئيًا يعني أن تكون موجودًا، وأن تُنسى يعني أن تُلغى.

لكن الخط الفاصل بين النرجسية “الوظيفية” والنرجسية المرضية دقيق وخطير. فحين تصبح الرغبة في الاعتراف غاية في ذاتها، لا وسيلة للتواصل، يتحول الإنسان إلى سجين تقييم الآخرين. عندها، تختزل العلاقات في مظاهر، ويُقاس القرب بعدد التفاعلات، لا بعمق المعنى.

هنا تظهر النرجسية المرضية، حيث تتلاقى مع صفات أخرى فيما يسميه علماء النفس بـ «الثالوث المظلم»: النرجسية، الميكافيلية، والسيكوباتية. صفات لا تعني بالضرورة الجنون، لكنها تشير إلى خلل أخلاقي في العلاقة مع الآخر. وكما نبّهت حنّة أرندت: «أخطر الشرور هي تلك التي لا تبدو شريرة في ظاهرها».

نعيش اليوم في مجتمع لا يخاف الألم بقدر ما يخاف التجاهل. الخوف الأكبر لم يعد الفشل، بل عدم الاعتراف. وهكذا، تتحول الصورة الاجتماعية إلى قيمة عليا، تعيد تشكيل السلوك، وتعيد ترتيب القيم، بل وقد تبرر العنف الرمزي، والتنمر، والإقصاء.

حتى أماكن العمل لم تعد بمنأى عن هذا المنطق. فالسعي إلى السلطة، والظهور، والكاريزما المصطنعة، بات يُكافأ في بعض البيئات المهنية. ومع صعود “المؤثرين”، أصبحت الذات سلعة، وأصبح تحسين الصورة مهنة بحد ذاتها. يقول إريك فروم: «في المجتمع الاستهلاكي، الإنسان لا يبيع ما ينتجه، بل يبيع نفسه».

ورغم كل ذلك، لا يمكن اختزال النرجسية في كونها شرًا مطلقًا. فهي، في بعض تجلياتها، آلية تكيف، وطريقة للبقاء في عالم صاخب ومكتظ بالصور. الإشكال لا يكمن في حب الذات، بل في غياب التوازن بين الذات والآخر.

فكما أن إنكار الذات يُميت الإنسان، فإن تأليهها يعزله. وربما كانت الحكمة، كما قال أرسطو قديمًا: «الفضيلة تكمن في الوسط».

فالنرجسية اليوم ليست مجرد مرض نفسي، بل خطاب اجتماعي، وأداة ثقافية، وموقف وجودي. إنها مرآة نرى فيها أنفسنا، لكنها قد تتحول إلى جدار يحجب العالم عنا.

وفي عصر لا يكف عن المطالبة بالظهور، ربما يكون الفعل الأكثر شجاعة هو أن نتعلم متى نغلق الكاميرا، وننظر خارج الإطار، حيث لا تصفيق ولكن معنى.

***

محمد إبراهيم الزموري

لا تضحك في وجهي، ليس لأن الضحك جريمة، بل لأن بعض الضحكات تُشبه الصفعة حين تأتي في غير موضعها بل ثمة ضحك لا يولد من الفرح، بل من الفوقية، من شعور خفي بالتفوق، من رغبة مبطنة في كسر شيء ما في الداخل، ثم الادعاء بأن الأمر لم يكن سوى مزاح. هكذا تبدأ الإهانة غالبًا: خفيفة، مبتسمة، ناعمة الأطراف لكنها تعرف طريقها بدقة إلى أكثر النقاط هشاشة في الروح.

في هذا العالم، لم تعد الإهانة تحتاج إلى صراخ. يكفي أن تضحك في وجه إنسان وهو يتكلم بجدية، وهو يحاول أن يشرح ألمه، أو يدافع عن فكرة أو يبرر موقفًا لم يختره أصلًا والضحك هنا لا يكون تعبيرًا عن خفة الدم، بل إعلانًا صامتًا: أنا لا أراك ولا أراك جديرًا بأن أستمع إليك وإنها لحظة قصيرة لكنها كافية لتعيد ترتيب ميزان الكرامة داخل النفس.

الوجوه ليست صفحات بيضاء. كل وجه يحمل تاريخًا غير مكتوب: ليالي قلق خيبات مؤجلة أحلام أُجبرت على الصمت كي لا تُتَّهم بالسذاجة وحين تضحك في وجه شخص، فأنت لا تضحك على جملة قالها بل على كل هذا التاريخ المتراكم خلف عينيه وربما لهذا السبب يتغير شيء ما في النظرات بعد تلك الضحكة؛ شيء ينكسر ولا يعود كما كان.

تعلمنا المجتمعات، بوعي أو بدونه أن نقلل من شأن الآخر بلباقة وأن نُهين دون أن نُحاسب وأن نبتسم ونحن نطعن وصار الاستهزاء مهارة اجتماعية، وصار التقليل من الآخر دليل ذكاء في بعض المجالس ومن يرفع صوته يُدان ومن يسخر يُصفَّق له. كأن الوقار صار ضعفًا والاحترام سذاجة والصمت علامة عجز لا اختيارًا واعيًا.

لكن الإنسان، مهما بدا متماسكًا، لا ينسى الإهانات الصغيرة وتلك التي لا تُكتب في محاضر، ولا تُروى في القصص الكبيرة لكنها تبقى كشوكة تحت الجلد ولا تُميت، لكنها تُوجع مع كل حركة وضحكة واحدة في غير موضعها قد تجعل المرء يعيد النظر في نفسه، لا لأنه مخطئ، بل لأنه اعتاد أن يحمّل نفسه ذنب قلة احترام الآخرين له.

لا تضحك في وجهي، لأنني أعرف الفرق بين الضحك معي والضحك عليّ وأعرف متى يكون الضحك مشاركة، ومتى يكون إقصاءً متنكرًا في هيئة خفة وأعرف متى يكون الجلوس إلى جانبي اعترافًا بوجودي ومتى يكون انتظارًا للحظة سقوط كي يُعلن الضحك انتصاره الرخيص.

الضحك الحقيقي لا يُقلّل، لا يعلو فوق أحد لا يحتاج إلى ضحية ليكتمل. أما الضحك الذي يتغذى على كسر الآخرين فهو ضحك هشّ، يخفي خوفًا عميقًا من الندّية ومن يضحك ليُهين، يفعل ذلك لأنه لا يحتمل فكرة أن يكون الآخر مساويًا له في القيمة أو ربما متقدمًا عليه في الصدق.

في عالمٍ يطالبنا دائمًا بأن “نكون أقوياء” ننسى أن القوة الحقيقية تبدأ من احترام الضعف الإنساني، من الإصغاء بدل السخرية من الصمت حين لا يكون الكلام إلا أذىً إضافيًا. ليس كل ما يُقال يستحق ردًا وليس كل ما يُضحك يستحق ضحكة.

لا تضحك في وجهي، لأنني لست مسرحًا لعقدك المؤجلة ولا مساحة لتفريغ إحباطاتك اليومية وإن أردت الضحك فاضحك مع من يشاركك الفرح، لا مع من يقف أمامك أعزل إلا من كرامته فالكرامة حين تُجرح لا تصرخ لكنها تنسحب بهدوء ومعها ينسحب شيء من الإنسانية المشتركة.

وهنا، في هذا الانسحاب الصامت، تبدأ الحقيقة بالظهور فليس كل صمت قبولًا وليس كل ابتسامة رضا وكثيرًا ما تكون الوجوه مهذبة أكثر مما ينبغي، وتصمت لا لأنها لا تشعر، بل لأنها تعرف أن بعض المعارك تُربح بالانسحاب لا بالمواجهة ولكن هذا الانسحاب لا يعني النسيان بل يعني أن الذاكرة قررت أن تحفظ ما حدث كدرس لا كحكاية عابرة.

وفي النهاية، لا يبقى من كل هذا الصخب سوى لحظة صافية يواجه فيها الإنسان نفسه ولحظة يدرك فيها أن الكرامة ليست شعارًا يُرفع ولا كلمة تُقال عند الغضب بل إحساس داخلي دقيق، ينكسر بصمت ويُرمَّم بصمت، ويُهان أحيانًا بابتسامة عابرة أكثر مما يُهان بسكين واضحة وهنا نفهم أن الضحك ليس فعلًا بريئًا دائمًا، وأن الوجوه ليست مجرد ملامح، بل حدود أخلاقية غير مرئية.

لقد اعتدنا أن نمرّ فوق مشاعر الآخرين بخفة، أن نبرر القسوة بالمزاح، وأن نغلف الاحتقار بالابتسام. اعتدنا أن نقول: «لم أقصد»، وكأن القصد وحده هو ما يصنع الأذى متناسين أن الأثر أصدق من النية وأن ما يُكسر في الداخل لا يسأل عمّن قصد ومن لم يقصد. هكذا تتراكم الإهانات الصغيرة وتتحول إلى جدار صامت بين البشر، جدار لا يُرى لكنه يمنع الدفء، ويمنع الثقة، ويجعل كل اقتراب محفوفًا بالحذر

وحين نقول: لا تضحك في وجهي، فنحن لا نطلب صمتًا أبديًا، ولا وجوهًا عابسة بل نطالب بحدٍّ أدنى من الاعتراف ونطالب بأن يُنظر إلينا لا بوصفنا مادة للتسلية ولا هامشًا في حكاية غيرنا، بل كذوات كاملة لها ثقلها وتجربتها، وألمها الذي لا يحتاج إلى شهادة من أحد ليكون حقيقيًا ونطالب بأن يكون الضحك جسرًا لا جدارًا مشاركة لا إلغاء إنسانية لا استعراضًا فارغًا.

إن أخطر ما في الإهانة المغلّفة بالضحك أنها تُربك الإنسان تجعله يشك في حقه بالانزعاج، وتدفعه إلى محاسبة نفسه بدل محاسبة الفعل وهنا تُرتكب الجريمة الكاملة: حين يُقنع الإنسان بأن عليه أن يبتلع الإهانة كي لا يبدو حساسًا، وأن يصمت كي لا يُتهم بالمبالغة وعندها، لا تُهان كرامته مرة واحدة بل تُدرَّب على التراجع خطوة بعد خطوة.

لكن الوجوه، مهما طال صبرها تعرف لحظة الاكتفاء وتعرف متى تكفّ عن الشرح ومتى تصمت لا ضعفًا بل حماية أخيرة لما تبقى من احترام الذات وحين يحدث ذلك لا يعود الضحك قادرًا على إصلاح ما كُسر ولا الاعتذار المتأخر يعيد ما ضاع. فالكرامة لا تحب الضجيج لكنها لا تقبل المساومة

لهذا يبقى هذا النص تذكيرًا لا تهديدًا وبيانًا هادئًا لا صراخًا وتذكير بأن أبسط أشكال الأخلاق هو أن تنتبه لوجه من أمامك أن تقرأ عينيه قبل أن تطلق ضحكتك، وأن تسأل نفسك بصدق: هل أضحك لأنني إنسان، أم لأنني أبحث عن تفوق لحظي على حساب إنسان آخر؟

فبين هذين السؤالين تتحدد المسافة الفاصلة بين الضحك بوصفه حياة والضحك بوصفه إهانة.

وفي عالم يزداد قسوة وتسارعًا، قد يكون أعظم أشكال النضج هو أن نختار الاحترام فعلًا يوميًا بسيطًا لا بطولة فيه ولا تصفيق أن نكفّ عن الضحك في وجوه الآخرين وحين لا يكون الضحك مشاركة، وأن نمنح الوجوه حقها في أن تُعامل بجدية حتى وهي صامتة فليس كل من صمت ضعيفًا وليس كل من ابتسم راضيًا وبعض الضحكات… لا تستحق أن تُولد أصلًا.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

علّمتني سورة يوسف أن الله لا يكتب الوجع عبثا وأن دموعي التي سقطت في الخفاء قد تكون بداية طريقٍ لا اراه، لكنه عند الله واضحٌ كالنور.

علّمتني أن القلب حين يكسر لا يكسر ليضيع بل ليُعاد تشكيله على هيئة أقوى، أنقى، وأقرب إلى الله

في الجب كان يوسف وحيدا، لكن الله كان حاضرا.

وفي السجن ضاقت الجدران، لكن الأمل اتسع.

وكأن السورة تهمس لي: لا تحزني إن ضاقت بك الدنيا، فالله يصنع لك مكانا في قلب الضيق.

سورة يوسف علمتني أن الصبر الجميل قادني للنصر الإلهي، وأن الله غالب على أمره، وأن المحن قد تكون مفاتيح لفرص عظيمة علمتني الحذر من المكائد ممن يتظاهرون بالموده والتغافل عن الأذى، قوة الدعاء، وأن الستر محمود، وأن التوبة سبيل للتغيير، وأن الفرج يأتي بعد الضيق. هي درس وجرس عظيم في التوكل على الله واليقين بأن قدرته غالبة، وأن البلاء يهذب النفوس  وأن الظلم لايدوم مهما طال الظلم،

علّمتني أن الصبر ليس صمت الضعفاء، بل صلاة الصادقين حين تعجز الكلمات. صبر يعقوب كان بكاءً لا يشكو إلا إلى الله، وصبر يوسف كان طُهرًا لا تلوّثه الفتنة ولا يكسره الظلم.

علّمتني أن ما نكرهه اليوم، قد يكون هو نفسه ما سنحمد الله عليه غدا، وأن الأقدار لا تفهم من أول صفحة، فالقصة عند الله تكتمل دائمًا.

علّمتني أن العفة نجاة وأن كلمة «معاذ الله» قد تكون بابا يغلق جحيما، ويفتح جنّة لا نراها بعد.

علمتني أن الإحسان لا يحتاج إلى مكان جميل، بل إلى قلبٍ حي. يوسف كان محسنا وهو عبد، ومحسنا وهو سجين ومحسنا وهو عزيز، لأن الروح إذا صلحت، صلح كل ما حولها.

وعلّمتني أن العفو ليس ضعفًا، بل رفعة.

حين قال يوسف لإخوته: «لا تثريب عليكم اليوم»، كان يعفو ليُنقذ قلبه قبل قلوبهم، وليعلّمنا أن السلام الداخلي يولد من الصفح.

وفي ختام الحكاية، تعلمنا أن الله يجمع الشمل بعد طول فراق، وأن الحلم الذي يتأخر لا يموت، بل ينتظر الوقت الذي يليق به.

سورة يوسف لم تعلمني كيف تنتهي الأحزان،

بل علمتني كيف أعيشها وأنا واثقه أن الله معي سينصرني ويفرحني… حتى النهاية.

***

ذكرى البياتي

 

قراءة في تحويل الفن إلى سلعة

عندما تعلن جوائز "جوي" في نسختها لعام ٢٠٢٦ أن الحفل لا معنى له دون العراق، فإن هذا الإعلان لا يخلو من تناقض صارخ. فهو يأتي ضمن سياق تحويل الفن والثقافة إلى سلع تخدم مصالح طبقة رأسمالية جديدة تسعى لإعادة تشكيل الوعي الجمعي العربي وفق رؤيتها.

لطالما كان الفن، جزءاً من البنية الفوقية التي تعكس صراعات القاعدة الاقتصادية. وعندما يتحدث البعض عن تفوق فنان مثل كاظم الساهر (هنا اقصد معنى العراق)، فإن هذا التفوق لا ينفصل عن السياق التاريخي الذي أنتج فن المقاومة والكبرياء العربي في حقبة معينة، مقابل تحويل الفن اليوم إلى أداة لترسيخ قيم الاستهلاك والخضوع. ولهذا (القيصر) هو الجائزة الحقيقية للعالم العربي.

ما نراه في فعاليات "موسم الرياض" ليس سوى إعادة إنتاج لعلاقات اجتماعية بالية تحت غطاء الترفيه. حيث لا تكمن خطورة استدعاء أعمال مثل مسلسل “باب الحارة” في نوستالجيا الماضي فحسب، بل في إعادة تدوير نموذج اجتماعي يُقدم بوصفه هوية أصيلة، بينما هو في جوهره اختزال أيديولوجي يخدم استقرار البنى الذكورية والسلطوية. فالمرأة فيه ليست فاعلاً تاريخياً، والفقير ليس ذاتاً سياسية، والصراع الطبقي يستبدل بصراعات أخلاقية سطحية تفرغ التاريخ من تناقضاته الحقيقية.

إن تحويل الفن إلى سلعة لا يتم فقط عبر الرعاية والتمويل، بل عبر إخضاعه لمعايير الربح، نسب المشاهدة، وعدد التفاعلات الرقمية. في هذا السياق يصبح العمل الفني الذي لا يُدرّ أرباحاً أو لا ينسجم مع الصورة الترويجية المرغوبة عملاً غير قابل للحياة، مهما بلغت قيمته الجمالية أو النقدية. هكذا يُستبعد الفن المقلق، ويُعاد إنتاج الفن الآمن، القابل للاستهلاك السريع، والمنزوع الدسم السياسي.

تعمل الرأسمالية في مرحلتها الاحتكارية، التي تمثلها دول مثل السعودية، على تركيز إنتاج الثقافة والفن في أيدي قلة. هذا الاحتكار ينتج في معظمه كمّا هائلا من المسلسلات والأفلام الفارغة، التي تكرس القيم الاستهلاكية وتقدم وعياً زائفاً للجماهير. النتيجة الحتمية هي إهمال المواهب الحقيقية وترويج لنماذج فنية مقلدة تخدم السوق لا الفن.

الفن الحقيقي، كما تشير التجربة السورية مؤخراً في بعض اعمالها، هو ذلك الفن الذي يمارس "المشاكسة" النقدية، ويكشف تناقضات المجتمع، ويفتح آفاقاً للتغيير. لكن الرأسمالية تسعى دائماً لاستيعاب الفن التقدمي وتحويله إلى سلعة، أو إقصائه لمصلحة إنتاج ثقافي يكرس الخضوع.

إن معركة الفن الحقيقي اليوم ليست جمالية فحسب، بل هي معركة ضد تحويل الفن (وحتى الثقافة) الى صناعة تخدم مصالح الطبقة الرأسمالية المسيطرة. الفن التقدمي في العالم العربي مطالب باستعادة دوره النقدي، وكسر احتكار الإنتاج الثقافي، والانحياز للطبقات الكادحة في صراعها من أجل عالم أكثر عدلا.

إن انتشار هذا النمط من الإنتاج الثقافي لا يعود إلى “سذاجة الجماهير”، كما يُروج أحياناً، بل إلى شروط مادية قاهرة: الفقر، القلق، غياب البدائل، وهيمنة منصات ضخمة تحدد ما يشاهد وما يُهمّش. في ظل هذا الواقع، يصبح الترفيه المُفرغ من أي بعد نقدي ملاذاً مؤقتاً من بؤس يومي، لا خياراً حراً بالكامل.

فن المقاومة ليس ترفاً، بل ضرورة تاريخية في زمن تحاول فيه الرأسمالية احتواء كل أشكال الوعي وصبها في قوالب استهلاكية عقيمة.

لذا، الفن التقدمي لا يُقاس فقط بشعاراته أو نواياه، بل بقدرته على زعزعة المسلّمات، كشف علاقات القوة، وفتح أفق تخيلي بديل. هو فن لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يطرح أسئلة محرجة، ويعيد للمتلقي موقعه كذات ناقدة لا كمستهلك سلبي.

***

حسام عبد الحسين

يمكن تشبيه النسخة الأخيرة من كأس إفريقيا بالمغرب (2026) بقمة جبل الجليد التي كانت تخفي تحتها شتى العجائب والغرائب؛ فما إن أسدل الستار على هذه التظاهرة الكروية، حتى انكشف المستور، وظهر ما كان خفيا، فكان أعظم!

كرة القدم، في أصلها، لعبة جميلة وممتعة، يمارسها الإنسان مثل باقي الألعاب، إما لغرض صحي يهدف إلى ترويض الجسد وتهذيب النفس معا، أو بقصد المنافسة الشريفة التي تختبر قدرة الإنسان على التحمل والصبر والانضباط. أما المتفرج، فينحصر هدفه الأساس في التسلية والترويح عن النفس بعد عناء العمل وتعب الحياة اليومية. بهذا المعنى، تظل الرياضة فعلا إنسانيا بسيطا وعفويا، مرتبطا بالفرح الجماعي، وبحاجة الإنسان الفطرية إلى اللعب والانبساط.

غير أن الرياضة عموما، وكرة القدم على وجه الخصوص، شهدت في العقود الأخيرة تحولات عميقة في الوسائل والأهداف والاستراتيجيات. فقد تحولت إلى مجال واسع للإشهار والترويج والبروباغندا، لا سيما على المستوى التجاري والتسويقي، وأضحت صناعة ضخمة تتداخل فيها الأموال والسياسة والإعلام. ومع ذلك، كان من المفترض أن يبقى الهدف المركزي لكل هذا التطور هو التسلية، بالمعنى السيكولوجي الإيجابي الذي عرفته البشرية منذ أقدم العصور، حين كان الناس يستمتعون بمشاهدة المصارعة، وسباقات الخيل، ومختلف أشكال التحدي الجسدي.

إلا أن التسلية نفسها قد تنقلب إلى نقيضها، عندما تتحول الرياضة إلى أداة لتخدير الشعوب، وصرفها عن القضايا الكبرى، وإشغالها عن همومها المصيرية. عندئذ، لا تعود الرياضة وسيلة للترفيه، بل تصبح أداة للهيمنة والتحكم، تُستعمل لتوجيه الجماهير وتنفيس غضبها في قضايا هامشية، بدل مساءلة الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وهذا ما أصبح يطبع عصرنا الراهن، حيث تزاحم الرياضة، وعلى رأسها كرة القدم، مجالات المعرفة والعلم والتعليم والبحث العلمي، فتدفع بها إلى مراتب ثانوية، خاصة في المجتمعات المتأخرة أو ما يصطلح عليه بالعالم الثالث. بل تكاد كرة القدم، في بعض السياقات، تتحول إلى ما يشبه "دينا جديدا"، تُستثمر فيه العواطف والولاءات، ويُمنح قداسة "إلهية" لا تليق بلعبة، مهما بلغت شعبيتها.

وهكذا، أصبح لاعب كرة القدم يُباع بملايين الأورو، ويُوفر له من الامتيازات والمتع والإمكانات ما لا يخطر على بال، في حين تُهجر مجالس العلماء والمفكرين والباحثين، الذين لا يطلبون مالا ولا جاها، ولا يحضر دروسهم ومحاضراتهم إلا القليل. امتلأت الملاعب عن آخرها، رغم غلاء تذاكر الدخول، بينما ظلت بيوت الله، حيث السكينة والطمأنينة واليقين، في كثير من الأحيان شبه خاوية. ونعتقد أن هذا التناقض الصارخ يعكس خللا عميقا في سلم القيم والأولويات داخل مجتمعاتنا.

وليس الغرض من هذا الكلام تحريم كرة القدم، ولا التبخيس من أهمية الرياضة البدنية والنفسية والعقلية في حياة الإنسان، وإنما التنبيه إلى أننا اليوم أمام ظاهرة أخلاقية وسوسيو-اجتماعية معقدة، انحرف فيها الإنسان، خصوصا في المجتمعات الجنوبية، عن المقاصد الأصلية للرياضة. فالترويح، وهو مقصد تحسيني وتكميلي في منطق علم المقاصد، يأتي في المرتبة الثالثة بعد الضروريات والحاجيات. غير أننا قلبنا المعادلة رأسا على عقب، وأصبحنا نُعلي من شأن ما هو تحسيني على حساب ما هو ضروري وحاجي، كالدين، والصحة، والتعليم، ومحاربة الفقر، وترسيخ الأخلاق.

وعند مقارنة تعامل الشعوب الإفريقية والعربية والآسيوية والأمريكية اللاتينية مع الرياضة، بتعامل المجتمعات الأوروبية معها، يظهر الفرق جليا. ففي كثير من دول الجنوب، تُجعل الرياضة أولوية الأولويات، فتُستنزف الثروات، وتُهدر الميزانيات، وتتفاقم المديونيات من أجل بناء الملاعب وتنظيم التظاهرات وتمويل الآلات الإعلامية، في الوقت الذي تعيش فيه فئات واسعة من الشعب تحت خط الفقر، وتعاني المستشفيات من الإهمال، ويتراجع التعليم، وتستشري الرشوة. في المقابل، تُنظر إلى الرياضة في أوروبا نظرة مغايرة؛ فهي ضرورة اجتماعية وصحية، لكنها ليست أبدا على حساب الأولويات الكبرى. لقد جاءت مأسسة الرياضة وتقنينها في أوروبا بعد أن حققت الشعوب قدرا معقولا من الرفاه، ونالت حقوقها الأساسية، وبلغت قطاعات الصحة والتعليم والإدارة مستويات متقدمة. لذلك، نجد أن المدارس والجامعات والمستشفيات والإدارات العمومية، من حيث البناء والتنظيم والخدمات، تضاهي، بل أحيانا تفوق، الملاعب والمرافق الرياضية.

ثم إن الرياضة في السياق الأوروبي لا تختلط، في الغالب، بما هو إيديولوجي أو سياسي. لكل مجال منطقه ووظيفته؛ فالرياضة تُعنى بإمتاع المواطنين والحفاظ على صحتهم، والسياسة تُعنى بتسيير الشأن العام وتحقيق المصلحة العامة. قد تقع أحداث شغب معزولة بسبب نتائج المباريات، لكنها نادرا ما تتحول إلى صراعات ذات طابع سياسي أو عرقي أو ثقافي. وهو ما يختلف عما تابعناه في النسخة الأخيرة من كأس إفريقيا بالمغرب، حيث كشفت "قمة جبل الجليد" عن حجم التوتر والشحناء بين بعض الشعوب الإفريقية، وعن انقلاب البعض على البلد المضيف، رغم ما أبداه من كرم وحفاوة تنظيمية وإنسانية. فغابت الروح الرياضية، وحل محلها خطاب عدائي لا يمت بصلة إلى معنى الرياضة ووظيفتها الإنسانية في التقريب بين الشعوب.

إن الرهان في اتجاه العمق الأفريقي أو نحو المشرق ينبغي أن لا يتجاوز ما هو شكلي ورمزي؛ لن يحترمك الغير إلا عندما تكون قويا بتاريخك وثقافتك وتراثك وشعبك. ولعل المغرب يتمتع اليوم بهذه المزايا الجميلة، ولا ينقصه إلا الالتفات الحقيقي إلى شعبه، ورد الاعتبار لمواطنيه، والرقي بمؤسساته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. إن الاستثمار الرياضي كشف عن أن المغرب قادر على أن يحقق المستحيل في التشييد والتنظيم والأمن، ونأمل أن يليه بشكل عاجل استثمار صحي واستثمار تربوي واستثمار إداري وغيرها. لقد آن الأوان لننزع أنفسنا من وحل العالم المتأخر، ونحلق إلى الأفق الكوني البعيد، حيث النجاح الحضاري لا يتحقق بلعبة ترفيهية، بل بالمعرفة والتربية والتكنولوجيا والبحث العلمي.

وفي الختام، يمكن القول إن أياما معدودات كانت كافية لتعلمنا، نحن المغاربة، دروسا عميقة، لعل أبرزها ثلاثة: مقصد الرياضة، وحقيقة الجوار، وضرورة العودة إلى الذات. فالرياضة، مهما بلغت أهميتها، تظل مجالا تحسينيّا وتكميليّا، لا يجوز أن يُقدَّم على الأولويات الحقيقية كالصحة والتعليم والأمن والعدالة الاجتماعية. وحقيقة الجوار الإفريقي، كما كشفتها هذه التظاهرة، تستدعي إعادة قراءة هادئة ومسؤولة، بعيدا عن الأوهام والشعارات. أما العودة إلى الذات المغربية، فتعني التركيز على الإنسان، والاستثمار في المجتمع، ورد الاعتبار للمواطن، لأن قوة المغرب الحقيقية لا تكمن في كرة القدم وحدها، بل في المعرفة، والتربية، والتكنولوجيا، وبناء الإنسان. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم لا تُقاس بألقابها الكروية، بل بما تحققه من كرامة وعدالة وتنمية بشرية مستدامة.

***

الإختصار هو تقليل الكلمات أو الحروف مع الحفاظ على المعنى، أي التعبير عن الفكرة بألفاظ أقل دون الإخلال بها، والإيجاز من محاسن كلام العرب

ومختصر: موجز

أكتب بإيجاز: بإقتضاب، عدم الإطالة، تضمين اللفظ القليل المعنى الكثير.

أجدادنا تعلموا الإختصار وحثوا عليه، وإن أسهبوا (أطالوا وتوسعوا في كلامهم) إعتذروا من القارئ، ونحن في عصرنا المتسارع نجيد الإسهاب ونتوهم بأن ما نجود به سيجد مَن يقرأه ويتنور به.

والواقع الأليم يؤكد بأننا نساهم في تنفير الناس من القراءة، بإمعاننا في حشو السطور بالكلمات التي لا تنفع، وما إستوعبنا قول الأجداد منذ عصور : "خير الكلام ما قل ودل".

فلماذا ندور حول الفكرة والمعلومة ولا تكتبها بوضوح وكثافة لغوية ذات قيمة معرفية؟

الإسهاب يشير إلى جهل صاحبه بما يريد قوله، أو أنه يتوهم بأن القارئ جاهل ويسعى لتوضيح موضوعه، لكنه يثقل عليه ويقدم له بطاقة نفران وسأم وإبتعاد عن المكتوب، في زمن صارت الصورة تنطق جميع اللغات وبآليات ومضية تحفز الأدمغة على المتابعة والتفاعل، فصوَر التواصلات المتنوعة تغني البشر عن ركام الكتب والمقالات الخالية من الشد والتشويق، فهي تقيؤات فوق رمال الهجير.

الإختصار والإيجاز من ضرورات التفاعل اللغوي بين البشر المعاصر، فما عادت الكلمات بلا قيمة وهدف، بل لكل كلمة ما تدل عليه من فعل حاصل أو سيحصل، فالكلام مقوّد البشر.

فهل سنكتب بلا إسهابٍ ممل؟!!

إذا دلّتْ بما قلّتْ عليها

فقد وَصلتْ مَقالتنا إليها

بإسْهابٍ غثيثٍ في كلامٍ

ننفّر قارئا لا يَشتريها

بإيجازٍ جميلٍ ما كتبنا

رسالتنا تَتاءتْ عن أبيها

***

د. صادق السامرائي

الحياة ليست دائمًا ما نراه في الأخبار أو ما نسمعه عن الأحداث الكبرى، بل هي اللحظات الصغيرة التي تمر بلا انتباه تلك اللحظات التي قد تبدو للبعض عابرة أو غير مهمة، لكنها في حقيقتها تحمل الكثير من الدروس والخبرات التي تشكّل الإنسان فكل مشهد صغير، كل شعور عابر، كل فكرة تمر في العقل بصمت، هو نص شخصي صغير يمكن أن يتحول إلى تجربة إنسانية غنية أو درس عميق عن الحياة.

في طفولتي، كنت أمضي ساعات طويلة في مراقبة العالم من حولي. أتذكر أحد الأيام حين كنت أجلس في فناء بيتنا، تحت ظل شجرة نخيل عالية، أراقب الشمس وهي تتسلل بين أغصانها، تلعب بأوراق الشجر فتخلق ظلالًا متحركة على الأرض، كأنها رقصة خفية لا يفهمها إلا من يتأملها بصمت والطيور كانت تتحرك برشاقة بين الأغصان أحيانًا تقفز من غصن إلى آخر، وكأنها تتحدث بلغة صامتة، لغة لا يفهمها العقل مباشرة، لكنها تترك أثرًا في القلب ولم يكن لذلك اليوم أي أهمية واضحة بالنسبة للآخرين، لكن هذا المشهد البسيط أصبح لاحقًا جزءًا من كتاباتي، مثالًا حيًا على أن التفاصيل الصغيرة يمكن أن تُغذي الروح وتفتح أمام الإنسان أبواب التأمل والتفكر في الحياة.

في قريتي قرية فرج كل زاوية تحمل قصة صغيرة، وكل بيت يحفظ نصًا شخصيًا، وكل شارع يحمل ذاكرة خاصة لسكانه وكنت أمشي يومًا في أحد الطرق، ولاحظت جارتي العجوز وهي تساعد طفلًا صغيرًا على ربط حذائه. لم يكن المشهد ملفتًا في نظر الآخرين، لكنه بالنسبة لي كان نصًا صغيرًا عن العطاء، عن الإنسانية التي لا تحتاج إلى مناسبة كبيرة لتظهر وهذا المشهد الصغير علمني أن الرحمة واللطف يمكن أن يكونا في أبسط التصرفات اليومية، وأن الإنسانية الحقيقية تكمن في التفاصيل الصغيرة التي تتكرر يوميًا دون انتظار شهرة أو تقدير.

في مرحلة لاحقة من حياتي، أثناء عملي في مكتب صغير، لاحظت أن زملاء العمل يتركون لي أحيانًا ملاحظات قصيرة على مكتبي، عبارة عن كلمات تشجيعية أو اقتباسات صغيرة وفي البداية لم أكن أعطي هذه الورقات الصغيرة أي أهمية، لكن مع مرور الوقت، اكتشفت أنها كانت تحمل دفئًا إنسانيًا هادئًا، نوعًا من التواصل الصامت الذي يخفف الضغط ويذكّر الإنسان بقيمة البساطة وكل ورقة كانت نصًا قصيرًا، لكنها مليئة بالمعاني والدروس عن الصداقة والاهتمام بالآخر، والتقدير الصامت للجهود الصغيرة.

النصوص الشخصية الصغيرة ليست مجرد حكايات عن الأشخاص أو الأماكن، بل هي صوت الروح في أعمق تفاصيلها وأمي، التي رحلت منذ زمن، كانت دائمًا تضع ملاحظات صغيرة على أطباق الطعام أو في دفتر المنزل تقول فيه: "ابتسم مهما كانت الظروف صعبة" وهذه الكلمات الصغيرة التي ربما يراها البعض تافهة، أصبحت نصًا دائمًا في حياتي، تذكيرًا بأن القيمة الحقيقية لا تكمن في ضخامة الأحداث، بل في عمق الشعور، وفي القدرة على التأمل في التفاصيل اليومية.

حتى لحظات الخسارة تحمل نصوصًا صغيرة ودروسًا عظيمة وأذكر يومًا فقدت شيئًا ماديًا بسيطًا لكنه كان عزيزًا علي وكيف لاحظت في أعماق نفسي رد فعل مختلف عن أي فقدان آخر ولم يكن مجرد فقدان، بل نصًا صغيرًا عن الصبر، عن القدرة على إعادة ترتيب المشاعر، وعن استيعاب الحياة بما فيها من ألم وخيبة أمل وكل لحظة خسارة، مهما كانت بسيطة، يمكن أن تحمل درسًا كبيرًا إذا ما فهمناها وتأملناها بعمق.

النصوص الصغيرة اليومية تشبه شظايا المرايا؛ كل قطعة تعكس جانبًا مختلفًا من الحياة. ابتسامة طفل، كلمة طيبة، مساعدة غير متوقعة، فكرة عابرة تمر في العقل، كل هذا نص صغير يحمل دلالات كبيرة وحتى في الأعمال اليومية البسيطة، مثل ترتيب الغرف، تحضير الطعام، أو الحديث مع جارٍ هناك نصوص صغيرة يمكن أن تتحول إلى تأملات عميقة عن الحياة، عن طبيعة الإنسان، وعن الروابط الخفية بين الناس.

قررت أن أجمع هذه النصوص الصغيرة لأنني أؤمن بأن الإنسان لا يُقاس بما يصنعه في الأحداث الكبرى فقط، بل بما يشعر به ويعيشه في تفاصيل يومه الصغيرة وإن كتابة هذه النصوص هي محاولة للتوقف للتأمل، لإعادة النظر في الحياة من منظور مختلف، منظور يقدّر اللحظة، ويبحث عن المعنى في البسيط قبل الكبير.

النصوص الشخصية الصغيرة تمنح الكتاب حياة وروحًا، وتجعل القارئ يشعر بأن كل تجربة إنسانية، مهما كانت عادية أو متكررة لها معنى وقيمة وإنها ليست مجرد سرد للأحداث، بل محاولة لفهم النفس والآخرين ومرايا للوجود البشري في أدق لحظاته. كل نص قصير، سواء كان موقفًا يوميًا، فكرة عابرة، أو مشهدًا من الطفولة، يهدف إلى إظهار جمال التفاصيل والعمق الخفي وراء الأشياء العادية وهذه النصوص عند جمعها تشكل لوحة كبيرة للحياة، لوحة لا تُرى في الأحداث الكبرى فقط، بل تُرى في الصمت في حركة الأيدي، في الضوء والظل، في التفاصيل الصغيرة التي غالبًا ما نتجاهلها.

إن الحياة الحقيقية ليست محصورة في الأحداث الكبرى أو اللحظات التاريخية، بل تتشكل من سلسلة متصلة من اللحظات الصغيرة التي نعيشها كل يوم، غالبًا دون أن نلاحظها وكل ابتسامة عابرة، كل كلمة طيبة كل حركة صغيرة، كل فكرة تمر في العقل بصمت، هي نص شخصي صغير يحمل معه دروسًا عميقة عن الإنسانية والحياة وهذه النصوص الصغيرة هي التي تشكّلنا، تعلمنا الحب، الصبر، اللطف، الرحمة، والتأمل في كل ما حولنا.

حتى الروتين اليومي يحمل نصوصه الخاصة والاستيقاظ صباحًا تناول الطعام السير في الشارع مشاهدة الناس وهم يمارسون حياتهم، كلها نصوص صغيرة يمكن أن تتحول إلى تأملات عميقة عن الإنسان والعالم وكل لحظة صمت تحمل نصًا عن التفكير الداخلي عن القدرة على الانتباه لما هو مهم وما هو عابر.

والحياة نفسها عند النظر إليها من خلال هذه اللحظات الصغيرة تتحول إلى سلسلة من النصوص المستمرة نصوص عن الفرح والحزن عن النجاح والفشل عن الحب والرحمة عن الوحدة والصداقة عن الحلم والواقع وكل نص صغير يحمل جزءًا من قصة أكبر، قصة الإنسان والوجود وكلما أدركنا هذه التفاصيل أصبحنا أكثر وعيًا وأكثر امتنانًا، وأكثر قدرة على تقدير الحياة بكل تعقيداتها وبساطتها في آن واحد.

إن جمع النصوص الشخصية الصغيرة والتأمل فيها ليس مجرد هواية أدبية بل هو ممارسة فلسفية وروحية وكل نص صغير هو مرآة تعكس جزءًا من الإنسان جزءًا من مشاعره أفكاره أحلامه وذكرياته وهذه النصوص تعلمنا أن الحياة ليست فقط ما يحدث على نطاق واسع أو ما نراه في الأخبار بل هي في التفاصيل اليومية التي نعيشها في المشاعر التي نشعر بها بصمت في العلاقات الصغيرة التي نبنيها وفي اللحظات العابرة التي قد لا نلاحظها إلا بعد مرور الوقت.

إن النصوص الصغيرة تجعلنا نتوقف ونتأمل، تجعلنا نرى الجمال في البسيط ونقدر اللحظة الحالية وتعلمنا أن الحب والرحمة والصبر يمكن أن تظهر في أبسط التصرفات وأن الإنسانية الحقيقية تكمن في التفاصيل اليومية لا في الأحداث الكبرى وحدها والنصوص الصغيرة هي شهادة على حياة الإنسان على نضجه على قدرته على التعلم من كل موقف، وكل تجربة، وكل لحظة حتى لو بدت بسيطة أو غير مهمة.

عند كتابة النصوص الشخصية الصغيرة نحن لا نسجل الأحداث فقط بل نسجل المشاعر الأفكار الأحاسيس والعمق الإنساني الذي يختبئ خلف كل تفصيل وإنها رحلة في الذات رحلة لفهم الآخرين رحلة لاكتشاف معنى الحياة من خلال كل لحظة عابرة وكل نص صغير هو دعوة للتأمل دعوة للتوقف، دعوة للانتباه لما يحيط بنا وما يمر بنا بصمت.

وفي النهاية يمكن القول إن الحياة تتكون من لحظات صغيرة كل منها يحمل في طياته درسًا شعورًا فكرة أو ذكريًا وهذه اللحظات هي التي تصنع معنى وجودنا وكل ابتسامة كل كلمة كل حركة صغيرة هي نص شخصي صغير يمكن أن يغير طريقة رؤيتنا للعالم ويمكن أن يعلمنا كيف نعيش بوعي أكبر كيف نحب بصدق أكبر وكيف نكون إنسانيين حقًا في تفاصيل يومنا البسيطة وإن الاهتمام بالنصوص الصغيرة هو اهتمام بالحياة نفسها، هو محاولة لفهم النفس والآخرين وهو إدراك أن كل لحظة عابرة قد تكون نصًا طويلًا من المعاني والدروس إذا ما نظرنا إليها بعين التأمل والفهم.

وهكذا تبقى اللحظات الصغيرة نصوصًا خالدة في ذاكرتنا في كتاباتنا وفي قلوبنا تشكل روح حياتنا وتذكرنا دائمًا بأن الإنسان في النهاية يُقاس بما يعيش ويشعر به في تفاصيله اليومية لا بما يحدث حوله فقط. إنها شهادة على قيمة كل لحظة على عمق كل شعور وعلى قوة التفاصيل الصغيرة في تشكيل حياة كاملة مليئة بالمعنى والجمال حتى لو كانت الحياة في الظاهر بسيطة أو عابرة.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

في متابعتي لمباريات كأس إفريقيا لكرة القدم، لم أكن أتابع مجرّد كرةٍ تتقاذفها الأقدام، بل كنتُ أراقب ـ بحسرةٍ متزايدة ـ ما يتسرّب من تحت المدرّجات إلى الوعي الجمعي: شقوقًا في الروح، وتصدّعاتٍ في المعنى، ونيرانًا صغيرة تُشعلها العصبيّة ثم تتركها تحترق في جسد العلاقات بين شعوبٍ يفترض أنّها شقيقة في الذاكرة والمصير.

لقد تحوّلت بعض هذه التظاهرات الرياضية، مع الأسف، من فضاءٍ للفرح والتنافس النبيل إلى مسرحٍ لإثارة النعرات القُطرية، وإيقاظ الأحقاد الطائفية، واستدعاء الخلافات السياسية إلى حيث لا ينبغي لها أن تكون. صار الجمهور الكروي، في لحظات التشنّج والانفعال، يُفرغ ما فيه من غضبٍ مكبوت، فيخلط بين الهزيمة الرياضية والهزيمة الوجودية، وبين هدفٍ ضائع وكرامةٍ موهومة، فتُقال كلمات لا تُقال، وتُرفع شعارات لا تشبه إلا الخسارة الأخلاقية.

ومع كلّ ذلك، يمكن ـ على مضض ـ تفهّم صدور هذه السلوكيات عن جمهورٍ متعصّب، تحكمه اللحظة، وتستدرجه الغريزة، وتغلبه الحماسة العمياء، دون أن يملك أدوات النقد أو مسافة الوعي. غير أنّ المأساة الحقيقية، والجرح الأعمق، هو انخراط بعض المثقفين، ممّن يُفترض أنّهم ينتمون إلى النخبة الثقافية، في هذا التيار الخلافي المشحون بالكراهية والتحريض على التفرقة، وكأنّ الثقافة عندهم قميصٌ يُخلع عند أول مباراة، والعقلُ رفاهيةٌ مؤجّلة إلى ما بعد صافرة الحكم.

هنا يصبح السؤال أخلاقيًا قبل أن يكون فكريًا: ما قيمة المثقف إن لم يكن ضميرًا نقديًا في زمن الانفعال؟ وما جدوى المعرفة إن لم تتحوّل إلى حكمةٍ تضبط اللسان وتُهذّب الموقف؟ لقد كان الأجدر بالمثقف الحقيقي أن ينأى بنفسه عن هذه الصغائر، لا تعاليًا، بل مسؤولية ، وأن يتخذ لنفسه دور الواعظ بالمعنى الثقافي العميق، ذاك الذي يُعيد الأمور إلى نصابها، ويذكّر بأنّ الرياضة لعبة، وأنّ الأوطان لا تُختزل في نتائج، وأنّ الشعوب لا ينبغي أن تتخاصم لأنّ كرةً عبرت خطًّا أبيض أو أخطأت المرمى.

إنّ المثقف، في لحظات كهذه، ليس مشجّعًا إضافيًا يصرخ أعلى من الآخرين، بل هو مساحة عقل داخل الضجيج، ونقطة ضوء في عتمة التعصّب، وصوتٌ يقول: يمكننا أن نختلف دون أن نتشظّى، وأن نشجّع دون أن نكره، وأن نفرح دون أن نُهين الآخر.

ومع الأسف، باتت هذه التظاهرات الرياضية، حين تُفرَّغ من قيمها الجمالية والإنسانية، معولَ هدمٍ لا بناء، وسببًا من أسباب الفرقة بين أبناء الأمة الواحدة، بدل أن تكون جسرًا للتلاقي والتعارف. والخطر ليس في كرة القدم ذاتها، بل في ما نُسقطه عليها من عقدنا وهشاشتنا وغياب وعينا.

لعلّنا نحتاج، اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى استعادة المعنى: أن نعيد للرياضة روحها، وللثقافة دورها، وللمثقف مكانته كحارسٍ للقيم، لا كوقودٍ للفتنة. فالأمم لا تتفكك بسبب مباراة، بل بسبب صمت العقل حين يجب أن يتكلم، وبسبب خيانة الوعي لوظيفته في اللحظة التي يُطلب منه أن يكون إنسانيًا… قبل أي شيء آخر.

***

مجيدة محمدي

 

في خريطة العلاقات الإنسانية المعقدة، هناك خط رفيع بين القرب الذي يولد التعلق، والبعد الذي يخلق الجفاء. هذا الخط هو ما نسميه "المسافة الآمنة"؛ وهي ليست جدارًا نبنيها بيننا وبين القلوب، بل هي منطقة حماية تجعل العلاقة أكثر إتزاناً وواعيًا، تحفظ الود وتمنع التعدي، وتسمح للعلاقات بأن تتنفس.

الحفاظ على هذه المسافة فن وهو احترام متبادل ينبع من إدراك عميق بأن لكل إنسان دائرته الخاصة من المشاعر والأفكار التي لا يجوز اقتحامها دون إذن.

هكذا نخلق لنا مساحة من الحرية المنضبطة التي تمنح النفس راحة، وتمنح العلاقات استقرارًا.

المسافات الأمانة تعتبر بوصلة العقل: فكيف نحافظ على هذه المسافة؟ الحفاظ على هذا التوازن الدقيق ليس سهلاً، فهو يتطلب وعيًا وحكمة. إنه يبدأ بتحكيم العقل لا القلب وحده. فالقلب قد يندفع، وقد يغريه الحب أو يدفعه الغضب، بينما العقل يزن الأمور بميزان الواقع المنطقي.

فأنت قد تحب شخصًا ما جدًا لكنه يخطئ كثيرًا، هنا يأتي دور المسافة التي تُبقي الود دون أن تفقدك اتزانك، وفي المقابل قد تكره شخصًا، ولكنك تعلم في قرارة نفسك أنه على حق؛ فالعدل يقتضي أن تنصفه. لذلك فإن الأمر يتطلب أيضًا إنصاف الآخر مهما كانت مشاعرك تجاهه.

المسافة الآمنة لا تحميك من التعلق فحسب، بل تحميك أيضًا من ظلم الآخرين تحت تأثير الهوى.

إنها مهارة تحديد الحدود بوضوح ولكن دون جفاء. فالتقرب المفرط يفقدك مساحتك الشخصية، والابتعاد الزائد يجعلك قاسيًا ومنغلقًا. الحكمة تكمن في أن تكون قريبًا بقدر يسمح لك بالتواصل، دون أن تنصهر في الآخر أو تفقد فرديتك.

ما وراء الدفاع: ماذا لو كانت المسافة ليست مجرد درع دفاعي؟ ماذا لو كانت أداة إصلاح بناءة، هدفها تقويم العلاقة لا قطعها؟ هنا نرتقي بفهمنا للمسافات... عندما نحتفظ بالود تجاه الآخرين، مع وضع حدود تحفظ احترامنا ومبادئنا، نكون قد فتحنا بابًا للحوار الهادئ دون أن نسمح للأذى بالاستمرار. وتصبح المسافة "إصلاحية" عندما تكون النوايا صادقة ومفتوحة للإصلاح، لا للكبرياء أو إثبات الذات. عندما نبرر مواقفنا بلطف ووضوح، نمنح الآخر فرصة ليراجع نفسه دون أن يشعر بالإدانة، فتتحول المسافة إلى طريق للحوار بدلاً من وسيلة للانسحاب. هذه المسافة الإصلاحية تعيد ترتيب العلاقة على أساس الاحترام المتبادل، وتمنح الطرفين فرصة لإعادة التفكير دون انفعال. إنها ترسخ النية الطيبة، لأننا لا نهرب من العلاقة، بل نسعى لرفعها إلى مستوى أنضج.

قيمة المسافة: لماذا هي ضرورية؟ لأنها تحافظ على كرامة الفرد ووضوح شخصيته، وتحمي العلاقات من التآكل الناتج عن التعلق المرضي أو التطفل الزائد. إنها تسمح بالنضج العاطفي والفكري، لأن الإنسان حين يعرف حدوده وحدود غيره يصبح أقدر على فهم الآخرين وتقديرهم. في جوهرها، المسافة الآمنة هي مظهر من مظاهر العدل، فلا إفراط في المودة يجعلنا أسرى، ولا تفريط في البغض يجعلنا ظالمين.

الاقتراب الجميل هو الذي لا يلغي المسافة، والمسافة الحكيمة هي التي لا تطفئ دفء القرب.

***

بقلم الحرية: فاطمة الدفعي

 

عُرف البشر منذ القدم بإقبالهم على القيام بكل ما يدخل السعادة على قلوبهم، ويمكنهم من العيش في مرح وبهجة، ومن أقدم الحكايات التي تصور لنا مظاهر ولع الناس بالحفلات والرقص والغناء والتمتع بأوقات الفراغ تلك التي سجلتها كتب الآثاريين وعلماء المصريات الأجانب، نقلاً عن مئات الجداريات، والرسوم، والنقوش، التي تركها قدماء المصريين على جدران مقابرهم ومعابدهم القديمة، وسجلوا من خلالها تفاصيل حياتهم اليومية قبل آلاف السنين، ومن تلك الجداريات والنقوش والرسوم التي تحتفظ بألوانها على جدران تلك المقابر والمعابد في الأقصر وأسوان وأبيدوس والمنيا ودندرة وغيرها حتى اليوم. تحكي لنا كتب الآثاريين وعلماء المصريات، عن أن شعب مصر القديمة كان من أكثر شعوب العالم حرصًا على تحويل أوقات الفراغ إلى أوقات للسعادة والمرح بعد كل يوم من الكدّ والعمل الجاد في الزراعة والصيد، ووصل الأمر إلى حدّ أن جعل قدماء المصريين للسعادة أربابًا وآلهة تُعبد، وكانوا يمارسون طقوس مرحهم داخل المعابد.

وليس أكثر دهشة من أن مظاهر الحياة اليومية، التي سجلتها الجداريات والنقوش والرسوم التي تركها قدماء المصريين داخل مقابرهم ومعابدهم، وبخاصة مقابر النبلاء والصناع والتجار والزراع، نقلت لنا تفاصيل ذلك الصراع بين القط والفأر، والذي استلهمت منه قصص تومي وجيري، وهو صراع أزلي عرفته مصر القديمة وسجلته نصوصهم ورسومهم القديمة قبل آلاف السنين. تناول الفلاسفة القدامى الضحك والكوميديا من منظور أخلاقي، فثمنوه أو قللوا من شأنه كلٌ حسب مشروعه الفكري والسياسي. فالضحك والإضحاك عند أفلاطون هو فعل هدام من شأنه أن يضر بالدولة، إذ إنه في اعتقاده قادر على: "تخريب الوضع الراهن وإفساده بكفاءة عالية وتحويل خطوط الدفاع القوية للسلطة إلى مجرد أبنية هشة من القش" (شاكر عبد الحميد، كتاب "الفكاهة والضحك رؤية جديدة، أرسطو فتحتل الكوميديا مرتبة هامة في سلّم الفنون، إلى جانب التراجيديا والرسم. بينما يعبّر الضحك عند ديوجين الكلبي عن أسلوب حياة مضاد للتعقيدات والقوانين المزيفة، وفعل انعتاقٍ وتماهٍ مع الطبيعة.

قد يعتقد البعض أن كتابة فن الكوميديا وصناعة الضحك أمر يسير، وهو ما يكتنف ذلك الاستسهال والتهريج في بعض الأعمال التي نراها اليوم، على أنها نوع من أنواع الكوميديا

فإذا كانت الكتابة المسرحية من أصعب أنواع الخلق والابتكار، فإن الكوميديا تبلغ ذروة هذه الصعوبة وهذا العناء. ومن الغريب في فنون هذه الصناعة أننا نجد جذورها عند الفلاسفة العرب، وقد تعرض الكثير من المنظرين والعلماء والفلاسفة لصناعة الضحك؛ ومنهم على سبيل المثال جان كوهن في كتابه "الهزلي والشعر"، وقد احتوت نظريته على وجهة نظر فلسفية حيث كانت السخرية تتأرجح بين الجد والهزل في نظرتها للعالم غير أنها تعتمد على الضحك والسخرية عن طريق التعامل مع الوجدان

صناعة الضحك هي إعطاء جرعة من الطاقة تعمل على التخلص من الطاقة الزائدة في الجسد مما ينتج عنه السرور والانبساط.. وكلمة الانبساط هنا نجدها دارجة عند العامة من الناس حين الضحك أو السرور، ويرجع أصل هذه الكلمة إلى انبساط العضلات والتخلص من التوتر الزائد عن طريق شحنة مضافة من هذا التوتر، فنجدهم يقولون "نضحك وننبسط

ولعل أكثر نظريات الضحك التي تبناها الفلاسفة هي نظرية "التوقع" (يختلف الاسم طبعًا من فيلسوف إلى آخر، لكنها تظل في الإطار العام نفسه، والمقصود منها أن الضحك يأتي كنتيجة لتوقّعنا حصول شيء أو صدور قول عن أحدهم، ثم نفاجأ بعدم وقوع ذلك. وقد عُرف إيمانويل كانط أكثر من غيره بنظرية "اللاشيءأو الرجاء الخائب، حيث يحل اللاشيء محل انتظارنا لمسار الحكاية، ثم جاءت نظرية شوبنهاور للمفارقة المنتجة للضحك بمثابة تفصيل لرؤية

وليس أكثر دهشة من أن مظاهر الحياة اليومية، التي سجلتها الجداريات والنقوش والرسوم التي تركها قدماء المصريين داخل مقابرهم ومعابدهم، وبخاصة مقابر النبلاء والصناع والتجار والزراع، نقلت لنا تفاصيل ذلك الصراع بين القط والفأر، والذي استلهمت منه قصص تومي وجيري، وهو صراع أزلي عرفته مصر القديمة وسجلته نصوصهم ورسومهم القديمة قبل آلاف السنين

***

نهاد الحديثي

لقد أصبح الإنترنت الذي نستخدمه اليوم مثالاً حياً على قوة التعاون الدولي، بفضل الجهود المشتركة للعالم البريطاني تيم بيرنرز لي والمهندس البلجيكي روبرت كايليو، الذين عملا معاً في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (CERN).

في ظل التحديات العالمية الملحّة مثل تغير المناخ، والصحة العامة، وندرة الموارد، تزداد أهمية التعاون العالمي بشكل استثنائي. غير أن العديد من العلماء يحذرون من أن التوترات الجيوسياسية باتت تعيق دراسة هذه القضايا وإيجاد حلول فاعلة لها.

خلال فعالية استضافتها جامعة هونغ كونغ يوم الاثنين السابق، جمعت ستة من الحائزين على جائزة نوبل من دول متنوعة كالمجر وبريطانيا وروسيا وسويسرا والولايات المتحدة، أشار (وانغ يانغ)، نائب رئيس الجامعة وعالم الرياضيات البارز، إلى أن بيئة التعاون العلمي الدولي تواجه تحديات كبيرة حالياً في ظل المناخ السياسي السائد.

وأوضح وانغ أنه "في الماضي، كانت التبادلات العلمية تسير بسلاسة، لكننا نشهد الآن حواجز متزايدة، لا سيما مع الولايات المتحدة. وهذه المشكلات في الغالب من صنع الإنسان." يُشار إلى أن وانغ حصل على درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد وبدأ مسيرته الأكاديمية في الولايات المتحدة قبل انتقاله إلى هونغ كونغ.

وأضاف وانغ أن الباحثين الدوليين الذين يزورون الصين يواجهون صعوبات متزايدة بفعل القيود التي تفرضها الحكومة الأمريكية، مثل إجراءات الإبلاغ المتعددة وغيرها. ومع ذلك، يجد هؤلاء الباحثون مرونة نسبية عند العمل في هونغ كونغ. وأكد أن التعاون مع الباحثين الأوروبيين ما زال مستمراً بسلاسة.

وعند التطرق إلى التوترات بين الولايات المتحدة والصين، شدد وانغ على أن العديد من الباحثين الأمريكيين من أصول صينية يشعرون بضغط السياسات التقييدية الأمريكية، ما يدفع البعض منهم للعودة إلى الصين.

ولفت النظر أيضاً إلى أن التخفيضات الكبيرة في تمويل الأبحاث منذ عهد إدارة ترامب أثرت سلبًا على الباحثين من مختلف الجنسيات. نتيجة لذلك، يتجه العديد من العلماء لمغادرة الولايات المتحدة والاستقرار في الصين أو أوروبا، مما يوفر فرصاً جديدة للعالم العلمي، خاصة لهونغ كونغ.

من جانبه، أوضح رئيس جامعة هونغ كونغ والمهندس الميكانيكي البارز (شيانغ تشانغ) أن التحديات الجيوسياسية تحول دون مشاركة دول معينة في البحث العلمي. وعلّق قائلاً : رغم إيمان العلماء بأن العلم لا يعرف حدوداً، إلا أن الواقع الجيوسياسي الحالي يجعل التعاون العلمي الدولي أكثر تعقيداً.

وأشار تشانغ إلى أن تقدم العلم يعتمد كثيراً على قدرتنا على التعاون ونقل المعرفة عالمياً. وقد أعرب عن أمله في أن تصبح هونغ كونغ جسراً للتعاون بين الصين والمجتمع الدولي قائلاً: في جامعة هونغ كونغ، نحاول ربط هذه العلاقات بالرغم من وجود مجال محدود حالياً للتعاون.

وفي نفس السياق، عبّر (فيرينك كراوس)، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2023 وأستاذ كرسي فيزياء الليزر بجامعة هونغ كونغ، عن قلقه حيال صعوبة استمرار التعاون الدولي بسبب الانقسامات السياسية. وأشار إلى وجود قادة سياسيين بارزين يعملون على تقسيم العالم بين نصفه الشرقي والغربي.

وأضاف كراوس محذراً: "هناك خطر متزايد بأن يؤدي تقسيم العالم إلى احتكار المعرفة داخل كل نصف من الكرة الأرضية على حدة، وهو ما سيكون كارثياً". وشدد قائلاً: "إن العلماء يتحملون مسؤولية كبيرة لتوحيد الجهود والتأكيد على أن المعرفة المكتسبة هي ملك للبشرية جمعاء".

رغم المعوقات التي تعترض طريق التعاون العلمي العالمي، يواصل العلماء الرائدون التزامهم بدفع عجلة البحث إلى الأمام بلا هوادة.

***

شاكر عبد موسى/ ميسان

باحث وكاتب - العراق

متى تُدرك الزوجة قيمة زوجها؟

في زحمة الحياة اليومية، وبين مسؤوليات البيت وضغوط العمل وتفاصيل الخلافات الصغيرة، (النق) قد يغيب عن بعض الزوجات إدراك القيمة الحقيقية للزوج، لا لأنه مقصّر، بل لأنه حاضر دائمًا. فالحضور المستمر، قد يُفقد الأشياء بريقها، ويجعل العطاء يبدو أمرًا عاديًا لا يستحق التوقف عنده

كثير من الأزواج يحملون صفات إنسانية نادرة؛ ثقافة واعية، قلب يتسع للآخرين، احترام في القول والفعل، سخاء في المشاعر قبل المال، ونقاء في العلاقات. ومع ذلك، تمر هذه القيم بصمت، تُنسى تحت وطأة الاعتياد،

في كثير من العلاقات الزوجية، لا تُقاس قيمة الشريك بما يقدّمه يوميًا من دعم واحترام وتضحية، بل تُدرك هذه القيمة أحيانًا بعد الغياب أو عند حدوث الفقد، حين يصبح الحضور ذكرى، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى حقائق مؤلمة.

تشير تجارب اجتماعية متعددة إلى أن بعض الزوجات لا يلتفتن إلى قيمة أزواجهن إلا بعد فوات الأوان، ليس تقليلًا من شأن المرأة أو تحميلها مسؤولية أحادية، بل بوصفها ظاهرة إنسانية ناتجة عن الاعتياد، وضغط الحياة، وتسارع الإيقاع اليومي الذي يُغيب التقدير المتبادل.

فالزوج الذي يتحلى بالثقافة، وحب الآخرين، والاحترام، والسخاء، ونظافة العلاقات، غالبًا ما يُنظر إلى صفاته بوصفها أمرًا طبيعيًا أو مضمونًا، لا يستدعي التوقف عنده أو شكره. ومع مرور الوقت، تتراكم الغفلة العاطفية، وتُهمَّش القيم الجوهرية لصالح تفاصيل عابرة أو خلافات يومية، حتى يأتي الغياب ليكشف حجم الخسارة.

وعند الفقد، تبدأ المقارنة القاسية؛ حيث تدرك الزوجة أن كثيرًا من الصفات التي كانت متوفرة في شريكها ليست بالضرورة متاحة في الآخرين، وأن ما كان يُؤخذ على أنه أمر اعتيادي كان في الحقيقة نعمة نادرة. حينها، لا يكون الندم مجرد شعور عاطفي، بل وعي متأخر بقيمة إنسان لم يُمنح التقدير الكافي في وقت حضوره.

هذا الموضوع يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول أهمية الوعي العاطفي داخل الأسرة، وضرورة تعزيز ثقافة الامتنان والتقدير المتبادل بين الزوجين، قبل أن تتحول العلاقات إلى مساحات صامتة من الاعتياد، أو قبل أن يأتي الفقد ليعلّم دروسه القاسية.

فالاعتراف بالقيمة في وقتها ليس فقط إنصافًا للشريك، بل حماية للعلاقة، وصون للأسرة، وتأكيد على أن المشاعر، مثل القيم، إن أُهملت طويلاً قد لا تُستعاد.

***

اعداد /خليل الحلي

رئيس تحرير صحيفة العهد/سدني

إنحط: نزل وانحدر

الفِرية: الكذب

الإنحطاط فكرة آثمة ترددت في كتاباتا على مدى القرن العشرين ولا تزال، وهي مصطلح ربما مدسوس لإيهام الأمة بأنها منحطة: هابطة.

والقراءة الموضوعية تشير إلى أن الأمة لم تمر بهذه المرحلة الموصوقة بها في مسيرتها منذ ما قبل الإسلام، وإنما تفاعلت مع عصورها وفقا لمقتضياتها وظروفها المتاحة.

أما القول بالإنحطاط لأن القوة السياسية للأمة قد تغيرت، فهذا سلوك طبيعي يسري على كل الأمم، فلماذا لا يُقال على الإمبراطوريات التي إنهارت بأنها منحطة؟

لماذا لا توصف ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية بالمنحطة وكذلك إيطاليا؟

لماذا الإنحطاط وصمة في جبين أمتنا لوحدها لا غيرها؟

لا أجد في هذا التوصيف إنصاقا وصدقا، بل أنه مفردة عدوانية تفندها الموروثات والمدونات المتواصلة وبكميات هائلة تتفوق على مخزونات الأمم الأخرى.

فلو قارنا مدونات أي فترة من فترات مسيرة الأمة مع غيرها لوجدناها تتفوق عليها بالنوعية والكمية، مما يشير إلى أن عقول الأمة كانت في نشاطات متواصلة ومتراكمة ومتفاعلة، وما توقفت عن الإبداع الأصيل في جميع المراحل، ومهما قست الظروف وتفاقم الدمار.

إن أدعياء الإنحطاط والتداعي المرير، والذي بموجبه يجدون أجوبة جاهزة لتساؤلات "لماذا"، يغفلون الحقائق الدامغة الواضحة التي تبرهن على عدم صدقهم، ونهج التبعية للآخرين الذي يعبرون عنه في كتاباتهم المسطورة بمداد المغرضين.

يقولون أن الأمة إنهارت بسقوط بغداد والقضاء على بيت الحكمة، ويغفلون أن بيت الحكمة كان أشبة بدار نشر وترجمة، وتوجد مكتبات أمثاله في حواضر الدولة العباسية، وهي تضم نسخا عديدة مما موجود في بيت الحكمة الذي إنتهى دوره الحقيقي منذ خلافة المعتصم بالله.

كما أنهم يتجاهلون إستمرار الخلافة العباسية ولو بشكلها الرمزي في مصر، حتى تسليم رايتها للعثمانيين..

أمّةُ الأنوارِ تحيا عِزّها

سَرمدياً في أعالي مَجدِها

لا تقلْ كانتْ وعاشتْ عَصرَنا

بانْحِطاطٍ مُستبيحٍ فِكرَها

أمّةٌ فيها رسالٌ خالدٌ

تَتحدّى كلَّ نهجٍ ضُدَّها

***

د. صادق السامرائي

 

لم نصل إلى زمن التفاهة صدفة. حين تتصدّر الوجوه الفارغة الشاشات، وتُقصى العقول الجادّة، فاعلم أن ما تراه ليس مجرّد "ذوق عام"، بل سياسة ناعمة تُدار بذكاء.

التفاهة تُصنع، وتُموَّل، وتُسوَّق، لأنها تضمن عقلًا مشغولًا لا يسأل، ومجتمعًا سطحيًا لا يُطالب. فليس من الضرورة أن يكون الناس هم من اختاروها، بل السؤال الحقيقي هو: من قدّمها لهم؟ ومن سحب البدائل من تحت أقدامهم؟

التفاهة ليست بريئة، بل أداة. فمن الرابح حين يُصبح التافه نجمًا، والعميق غريبًا؟

في عصر تتسارع فيه وتيرة الإعلام الرقمي وتنتشر المنصّات الاجتماعية، بات من الصعب التمييز بين ما هو جدير بالاهتمام وما هو فارغ المضمون. فهل التفاهة التي نشهدها اليوم في الخطاب العام والسياسة الفن والإعلام هي نتيجة خيارات المجتمع؟ أم جزء من مشروع سياسي مقصود؟

يرى البعض أن التفاهة ظاهرة اجتماعية طبيعية، تعكس اهتمامات الناس وسلوكياتهم في زمن العولمة والانشغال بالمظاهر. غير أن هذا التفسير يغفل الدور البنيوي الذي تمارسه الأنظمة السياسية في توجيه الذوق العام، إمّا بالتضييق على الإنتاج الثقافي العميق، أو بدعم المحتوى السطحي بهدف إشغال العقول عن القضايا الكبرى.

على سبيل المثال، في بعض الدول التي تمرّ بأزمات سياسية أو اقتصادية، تُفتح الأبواب على مصراعيها لبرامج الواقع، والمسلسلات التي تتاجر بالمشاعر، وحفلات الترفيه المبالغ فيها، بينما يُضيَّق على الأعمال النقدية أو التوعوية. ليس لأن الناس لا يريدون العمق، بل لأن التفاهة أسهل في السيطرة وأقل خطرًا على البنى القائمة.

وتتفاقم التفاهة أيضًا تحت تأثير الحروب، والعقم السياسي، وفقدان الأمل بالتغيير، وهي عوامل تقتل الحافز في الناس، وتزرع فيهم شعور اللاجدوى، فتدفعهم إلى البحث عن المتعة السريعة بأي شكل، لينحدروا من دون وعي إلى ضحالة التفكير وسطحيّة المعنى.

أما الوجه الأشدّ وضوحًا للتفاهة، فيبدو جليًا في بعض الوجوه المتصدّرة للمشهد الانتخابي. حين تقلّب صفحات تاريخهم، وتعليمهم، ومواقفهم، تشعر بالخيبة من ضحالتهم. وحين تتابع تصريحاتهم ومنشوراتهم، تدرك أن البلاد تسير نحو الهاوية إن احتلّ هؤلاء التافهون مقاعد البرلمان.

وفي نهاية المطاف، وإن حاربت السلطة ما يُسمّى بـ"المحتوى الهابط"، إلا أن هذا المحتوى هو أكثر ما يخدم وجودها فعليًا. فالتفاهة وسيلة للهيمنة.. وتغييب الوعي يصنع مجتمعًا يتكيّف مع التفاهة، بل يستهلكها، إلى أن يفقد المعنى قيمته.

***

بشرى الهلالي

 

ولد في مدينة فاس المغربية (20\1\1910)، وتوفي في رومانيا \ بوخارست (13\5\1974)، زعيم وطني ومن كبار الخطباء والعلماء في المغرب، وسياسي ومفكر وكاتب، وزعيم ورمز الحركة الوطنية المغربية التي طالبت بالإستقلال، ومؤسس حزب الإستقلال، عين وزيرا عام (1960)، وأستاذا للشريعة في جامعة القرويين، وجامعة محمد الخامس، ودار الحديث الحسنية في الرباط. رئيس حزب الإستقلال وأمينا عاما له (1960 - 1967).

أساتذته:

الفقيه محمد الخمسي، الفقيه محمد بن العربي في جامع القرويين، الشريف المفتي الحسين العراقي، القاضي أحمد بن المأمون البلغيثي، القاضي عبدالله الفصيلي، الفقيه الشيخ إبي شعيب الدكالي

من كتبه:

 التقد الذاتي، الحركات الإستقلالية في المغرب العربي، مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها، حديث المغرب في المشرق، منهج الإستقلالية، معركة اليوم والغد، دفاعا عن وحدة البلاد، وغيرها العديد من الكتب والمقالات والخطابات.

علال الفاسي مفكر عربي فذ، من رعيل محمد عبدة، والكواكبي، والأفغاني، وعلي عبد الرازق، نادى بالعودة الواعية لجوهر الدين والتعلم من الأخطاء، والإنفتاح على باقي الأمم والثقافات كما جاء في كتابه النقد الذاتي.

هذه ظاهرة في مسيرة الأمة تبرهن على يقظتها ووعيها للتحديات ولمفاتيح حل المشكلات، والسؤال الصعب كيف لم تتمكن الأجيال من الإستثمار في أنوارها الفكرية، وتعاصر زمانها وتعمّر مكانها؟!!

أمّة الأنوارِ ألغتْ نورَها

فاْستضامَتْ وأضاعَتْ عَصرَها

كمْ حصيفٍ في رُباها إنْبرى

لجديدٍ سوفَ يَرعى مَجْدَها

عطّلتْ عَقلا وعَقلاً هجّرتْ

وتواصَتْ بغريبٍ ضُدَّها

***

د. صادق السامرائي

في البدء كان الحق، وهو الله تعالى، الحق الأول والأعظم. ووصفه بالأعظم إنما هو من باب المقارنة مع غيره، وإلا فهو في ذاته لا يحتاج إلى أن يُسمّى بذلك. كان الله هو (الحقّ الأول)، لا شيء معه، ثم خلق المخلوقات، فصار خالقًا بالفعل، وكان أهلًا (للخالقية) قبل الخلق. ثم أمر المخلوقات أن تؤلهه وتعبده، فصار إلاهًا بالفعل، وكان أهلًا للألوهية قبل ذلك.

والحق تعالى هو (مصدر الحق) و(الحقوق)، ولا يصح نسبة الحق أو الحقوق إلى غيره إلا تَبعًا له تبعيةً مشروعة. وهو تعالى وحده له الحق في أن يحكم بالحق لصاحب الحق. والله تعالى هو أيضًا (مصدر الخير)، والخير هو مظهر تعامله مع المخلوقات.

وقبل خلق المخلوقات لم يكن محتاجًا إلى النفع ولا إلى التعامل بالخير مع أحد، إذ هو (الغني). وإنما يتعامل بالخير مع المخلوقات لما فيه نفعهم هم، لا لنفعٍ يعود إليه، فالغني (الأعظم) لا يحتاج إلى نفعِ نافع.

الحق الأول هو الحق الذي وجوده بذاته، وكل حق سواه قائم به ومستمد منه. والحق تعالى لا ينتفع من خير أو عدل يُقام، بل المخلوقات هي التي تستقيم بهما. فالله هو الخير بالتحقق وبالصفة، بالنسبة إلى المخلوقات.

والخير عند الله مظهر كماله، وتعاملُه بالخير هو مظهر رحمته.

والحق الإلهي سابق على التشريع، والتشريعات إنما تكشف عن الحق ولا تُنشئه.

وكل ما لا يستند إلى الحق الأول، بشكل مباشر أو غير مباشر، فهو باطل وشر.

وغاية هذه المقاربة هي إثبات وتأكيد أن الله تعالى هو (الحق الأول)،

ولكونه الحق الأول فهو وحده يستحق أن يكون خالقًا وإلهًا كما أنه أهل لذلك وجدير به.

وهو وحده مصدر الحق والخير (والجمال) كمعايير وموازين أولية أصلية، والحاكم الذي له سلطان على ما سواه.

ولا يحق لأي موجود أن يكون مصدرًا أصليًا للحق أو الخير (أو الجمال)؛ لأن ذلك يتطلب الحقانية والملك، والقدرة، والأهلية الكاملة، وكل ذلك له وحده تعالى دون غيره.

وجعلُ غيرِ الله مصدرًا للحق أو الخير (أو الجمال) اعتقاد باطل وعمل باطل، واعتداء على حقه في الحقانية (الأولى والعظمى) واعتداء على حقه في الألوهية.

وانتماء الموجودات أو الأشياء إلى الحق والخير و(الجمال)، أو إلى الباطل والشر (والقبح)، إنما يكون بحقانية الحق الأول الأعظم ثم بجعله وحكمه وأمره تعالى.

وحياد الأشياء عموماً، في ذاتها، هو مبدأ عام، وهو مظهر من مظاهر تجلي (الحق الأول) في عالم الوجود، ودليل أساسي على وجود الله تعالى وعلى حقانيته وألوهيته وكما قدرته وهي صفاتٌ متعالقةٌ متلازمةٌ كما هو بديهي وضروري وواضح.

والإنسان كائن خالط كما هو معلوم، يخلط الأمور ويخلط المعايير والموازين. ومن أكبر وأخطر أشكال الخلط خلط القيم الثلاثة المعايير، (الحق والخير والجمال) أثناء الممارسة النظرية والعملية بأضدادها وهي الباطل والشر والقبح، توهّماً، حيث يستعمل الباطل والشر والقبح معايير وموازين وهو يتوهم أنه يستعمل الحق والشر والقبح. خاصة عند غلبة فساد الواقع والنفوس والعقول.

ولا حُجة بعد التناقض، الذي يهدم كل حجة.

ومعلوم كذلك أن الباطل والشر والقبح، الصريحة أهون وأقل شرا وسوءا وضررا من الباطل والشر والقبح المتستر أو المغطى بالحق والخير والجمال. خاصة أن البشر غالبا بارعون في الخداع بارعون الإنخداع معا.

كذلك من الأسباب الأساسية لضياع واختلاط المعيار الأصلي أو المعايير الأصلية هو التفصيل والتفاصيل، حيث يتوهم الإنسان عادة أن التفصيل كل تفصيل يعني المطابقة، مطابقة الحكم الذهني للواقع؛ أو مطابقة التفاصيل للموضوعات، خاصة إذا كانت تفاصيل دقيقة أو غامضة أو معقدة. وهذا وهم أساسي وشائع وخطير. لا يسلم منه إلا من أدرك وفهم وأتقن أن الحق ألأول هو مصدر الحقائق ومصدر المعيار أو الميزان الأصلي الأعلى، معيار أو ميزان الحق والخير والجمال.

***

جميل شيخو

16 / 1 / 2026

عبد السلام جاد الله في البرنامج الإذاعي طربيات (نموذجا)

لم يسبق لي أنْ التقيتُ به، ولكني صحبته قرابة سنتين عبر الأثير، في برنامجه الإذاعي طربيات في إذاعة صوت الخليج القطرية، إنه الإعلامي الكبير عبد السلام جاد الله، ومن خلال المعلومات المنشورة عنه فهو مقيم في قطر من خمسين عاما، من أصل فلسطيني، وقد صدرت له دواوين شعرية.

برنامج طربيات بحسب الموقع الرسمي لإذاعة صوت الخليج هو: "برنامج يسلط الضوء على الأغاني الطربية القديمة بالإضافة إلى تلبية طلبات المستمعين ويوثق ما قدمه الرواد في مجال الغناء العربي سواء من حيث الكلمات والألحان عبر تنوع المخزون الثقافي والحضاري للشعوب العربية من المحيط إلى الخليج، مع السعي لتعريف الأجيال العربية الشابة بموروثها الشعري والموسيقي العريق".

اعتدتُ على سماعه صباحا ما أمكنني ذلك، وأحرص على ضبط جدولي كلما سنحت الفرصة، ورغم أنه تربطني بالموسيقى علاقة وثيقة خصوصا طرب الزمن القديم إلا أنه ما يستهويني جدا هو عذوبة التدفق الثقافي وفرادته، والذي يبديه الأستاذ عبد السلام في المجال الموسيقي والشعري.

وما زلت أذكر المرة الأولى التي تابعته فيها، إذْ كنت أظن بادئ ذي بدء أنني أمام نسخة أخرى من مثل برامج ما يطلبه المستمعون، لا يعدو أن يكون دور المذيع فيها تلقّي طلبات الجمهور من الأغاني، إلا أنه ما هي إلا هُنَيْهة حتى تبدَّّد ذلك الظن وتلاشى، لأجدني متابعا دائما حتى اليوم، حريصا على أن أنهل من ثقافة لا نتعثّر بها كل يوم.

ما شدّني - وما زال - في الأستاذ عبد السلام أنه باذخ العطاء حين يتعلق الأمر بالتعقيب على الأغاني بكلماتها وألحانها وتاريخها وما يتصل بها في مختلف فقرات البرنامج، متنقلا برشاقة بالغة بين تصحيح معلومة سائدة، إلى تقديم معلومة صادمة جديدة، إلى كشف حقائق مرتبطة بالأغاني ليست مما يمكن العثور عليه بسهولة، بنبرة خالية من عجرفة الصغار أو جلافة الكبار، كل ذلك يقوم به بأسلوب إعلامي راقٍ، وبلغة فصيحة بليغة، وتفاعل متخم بدماثة الأخلاق مع الجمهور، فتخرج من الحلقة الواحدة بحصيلة قيّمة ليس على صعيد الموسيقى فحسب بل وعلى صعيد الوعي المستنير على حد سواء، فهو بذلك يعطي للموسيق موسيقى، وللإيقاع طبقةً متعالية من المعنى.

وحينما يكون أحد المتخصصين في ضيافته، فإنك ترى محاورًا ضليعا في مجاله، يطرح أسئلة لا تخرج إلا مشكاة الإلمام الدقيق والفاحص، فتنقل الحوار إلى درجة متقدمة من الطرح، وكأني بالضيف المتخصص تتهلَّل أساريره جذلًا أنْ ساقته مجريات الأحداث إلى مَن لديه قدرة فائقة على أن يُخرج ما في جَعبته ببراعة، ويغرف من قِدْره أعزّ ما يكون، فيتلقى المشاهد جرعة زائدة من الوعي الفني القيّم، منتشلا إيّانا من كومة السطحية التي نتلقاها من الإعلام ليل نهار، فمثل هذه البرامج تستحق ما يُستثمر فيها من وقت، وأنْ يُدعى الآخرون إلى مائدتها.

إن ثقافة المذيع الواسعة، وأسلوبه الحواري الاحترافي له شأْوٌ عظيم في قوة الرسالة الإعلامية من حيث أمران: أولهما ضمان تحقيق الرسالة الإعلامية رسالتها التأثيرية المتوخّاة منها، وثانيهما أن يكون فحوى الرسالة الإعلامية قيمة مضافة عالية، تعزز رصيد ثقافة المتابع، وكلا الأمرين يطفحان بوضوح مع الأستاذ عبد السلام.

إن خامة الصوت، وجمالية المظهر - في الإعلام المرئي -  وغيرها من العوامل هي بلا ريب عوامل فاعلة في الرسالة الإعلامية، ولكن الحضور الثقافي للإعلامي والتمكّن من أدوات الحوار تعقيبا ومساءلة لهو عنصر يتربّع عرش نظيراته التي تدفع بالإعلامي للتموضع عاليا في صف الكبار.

ما نجده في جملة واسعة من ممارسات الإعلاميين هو مستوى غريب ومقزز من السطحية، والسوقية في أحايين كثيرة، ولعل من أبرز الأدوات التي تُظهِر حقيقة هذا المستوى هو حين يمارس الإعلامي دور المحاوِر مع قامة سامقة، لتتلجلج في صدرك أمنية واحدة: (ليته سكت!) فالحوار مع الكبار يستلزم تحضيرا جادا وثقافة واسعة وتمكنا من إدارة الحوار واقتناص الأفكار التحويلية، فإن قصُر الإعلامي عن ذلك فيكاد يخلو الحوار من قيمته المرجوّة، ويتشتّت معه بريق الضيوف المتخصصين، فأنّى لملعقة الشاي أن تغرف من قِدْر ضخم.

إن الأستاذ عبدالسلام يجمع مقومات الإعلامي الفذ، وهو مدرسة بذاته، وأعتقد أن مسيرته الإعلامية من الاستحقاق بمكان أن تسلّط عليها الأضواء من المتخصصين في الإعلام والتواصل؛ لتصديره لإعلاميينا بما هو نموذج يستحق الاحتذاء به، وإنني بحق لا أدري إن كان الأستاذ عبدالسلام سيطلع على ما كتبت، ولكني أرجو أن تصله كلماتي، من باب متابع قَدَّر، وممتنٍ عَبَّر، فهي شهادة من محب استفاد، وليس من ناقد من علٍ، فشهادتي في الكبار مجروحة، وهي مناسَبة أستغلها لألفت النظر إلى وجود قامات إعلامية يمكن الاهتداء بهم وسط مستنقع السطحية والسوقية التي يغرق فيها إعلاميونا حتى الأذقان، فرسالة الإعلام مقدّسة وخطيرة في آن، ومقدّمها ينبغي أن يعي أنها أكبر بكثير من (سكريبت) يُلقى بصوت رخيم! أو الاكتفاء بأسئلة عقيمة سطحية معدّة سَلَفًا في حوار في موضوع ذي أهمية بالغة، إنها ليست مجرد وظيفة، بل رسالة.

يمتلك وطننا العربي عيّنات من عمالقة الإعلام بلا ريب، وحينما أطلق وصف عملاق فلا أعني به البتة عدد سنين الممارسة، فكم من إعلامي أمضى عدة عقود لكنك تجد حرجا كبيرا في وضعه مع الصف الأول من الإعلاميين في كفة واحدة، فمعيار السنين لا يعدو أن يكون إشارة لمدة الممارسة، وبين التمكّن والممارسة بَوْن شاسع، قد يجتمعان، ولكن يَرِدُ جدا أن يفترقا، وإنما أعني بالعملاق هو ذلك الذي يقدم مادة إعلامية عميقة متمكنا من أدواته الإعلامية، وبمثلهم يمكن المراهنة على توجيه المجتمعات نحو الممارسات المُثلى والوعي الذي من شأنه أن يقلب المعادلة.

***

محمـــد سيـــف – سلطنة عُمان

المكان والذاكرة والسرد الشخصي

المكان يحمل في ثناياه كل ما عشته كل ما شعرت به كل همسة فرح وكل دمعة حزن وهو ليس مجرد فراغ نتحرك فيه بل هو عالم حي يتنفس معنا يشهد خطواتنا ويسجل أصغر التفاصيل التي قد نظن أنها عابرة، لكنه في الحقيقة يحمل مفاتيح فهمنا لأنفسنا وللعالم الذي نعيش فيه وأحيانًا حين أسير في شارع قديم أو أعود إلى بيت طفولتي أشعر وكأن جدرانه تتحدث بصمت وكأن الأركان تنطق بذكريات لم تمحها السنوات وكأن كل ضوء يسلل من نافذة وكل ظل يتراءى على الأرض يحمل قصة لم تُروَ بعد قصة عني أنا وعن الآخرين وعن لحظة واحدة من الزمن ربما لم ينتبه لها أحد، لكنها كانت حية في وجدان المكان.

المكان هنا يصبح ليس مجرد خلفية للأحداث بل شريكًا في السرد يشارك في تشكيل الأحداث يوجه المشاعر يحرك الذكريات ويحفز التأمل وأجد نفسي أستعيد تفاصيل لم أكن أظن أنها مهمة رائحة الخشب القديم حفيف الريح بين الأشجار صوت خطوات أحدهم على الرصيف، حتى أصوات المدينة البعيدة التي كنت أسمعها وأنا صغير كل ذلك يعود إليّ في نصوصي الشخصية وكأنها شعلة مضيئة تنير لي الطريق بين الماضي والحاضر.

الزمن في هذا المكان ليس خطيًا بل هو متشابك ومتموج يتداخل فيه الحاضر بالماضي بطريقة لا تشبه أي حساب زمني دقيق، بل تشبه إحساسًا داخليًا بالوجود والرحلة وعندما أكتب عن يومياتي، عن اللحظات التي تبدو بسيطة أكتشف أن كل تلك التفاصيل الصغيرة تحمل معاني عميقة ونظرة عابرة من شخص لا أعرفه، ابتسامة طفل همسة الريح بين أغصان الشجر كل ذلك يصبح جزءًا من نصوصي، جزءًا من تجربتي الذاتية التي أحاول فهمها وتفسيرها. هذا السرد الشخصي يجعل اللحظة حية يخلق رابطًا بيني وبين المكان بيني وبين نفسي، وبين القارئ الذي ربما يشعر بما شعرت به في تلك اللحظة وكأن النص يفتح له نافذة على وجداني.

الذاكرة هنا تلعب دورها الكامل، فهي ليست مجرد استدعاء للأحداث بل هي إعادة تجربة الشعور الكامل بكل تفاصيله وأستطيع أن أشعر برائحة المطر على الأرض بعد سنوات، أن أسمع صدى ضحكات أصدقاء الطفولة أن أستحضر لون السماء عند غروب أحد الأيام التي لم أكن ألاحظ فيها أي شيء سوى صمت داخلي يملأ المكان كله وهذه القدرة على استدعاء الذكريات على إحياء اللحظات القديمة تجعل المكان أكثر من مجرد مساحة وتجعل النص الشخصي أكثر من مجرد حكاية، بل تجربة حياتية متكاملة تجربة تشعر بها بكل حواسك تجربة تتحرك فيها بين الماضي والحاضر بين المكان والروح بين الذاكرة والوجود.

هناك شيء غريب وعميق يحدث حين نتوقف عند هذه المشاهد اليومية فالأشياء التي كانت عادية تبدو فجأة مليئة بالمعنى أصغر التفاصيل تصبح دروسًا تعكس علاقاتنا مع الآخرين تثير تساؤلات عن هويتنا عن الزمن عن الطريقة التي نعيش بها حياتنا وربما يكون ضوء شمس ينسل من نافذة الغرفة القديمة أو صوت خطوات على رصيف متصدع، أو رائحة خبز في أحد الصباحات البعيدة كل ذلك يصبح نافذة لفهم أوسع للوجود والمكان هنا ليس ثابتًا بل يتحرك معنا يتغير بتغيرنا يحمل ذكرياتنا ويخزنها في طياته ليعيدها لنا في لحظات التأمل والكتابة.

إن السرد الشخصي الذي يتعامل مع المكان والذاكرة لا يكتفي بالسرد السطحي للأحداث بل يحقق تفاعلًا حيًا بين الإنسان وما حوله وحين أصف غرفة في البيت القديم لا أصف الجدران فقط بل أصف ما تحمله من صدى ضحكاتي من أصوات أمّي وأبيّ من رائحة الكتب القديمة التي كانت تنتشر في كل ركن من الشعور بالأمان أو الحنين الذي شعرت به وأنا أجلس هناك ساعات طويلة أتأمل العالم من نافذة صغيرة وكل هذه العناصر تجعل النص معيشًا نابضًا بالحياة ومفتوحًا لتجربة القارئ الخاصة.

وعندما أمشي في الشارع العام ألاحظ التفاصيل الدقيقة للمدينة ألوان المحلات ضحكات الأطفال أصوات السيارات حركات الناس كل ذلك يصبح جزءًا من نصي وكل حركة تحمل معنى وكل التفاصيل اليومية تتحول إلى رموز إلى إشارات لفهم الحياة للسؤال عن علاقاتنا عن تجاربنا عن طرقنا في التعامل مع العالم والحياة اليومية البسيطة، التي نمر بها عادة دون الانتباه إليها، تصبح عند الكتابة عنها مصدرًا لا ينضب للفهم والتأمل لأنها تعكس الصدق الكامل لتجربتنا البشرية بعيدًا عن المبالغة أو التصنع.

الذاكرة هنا تصبح جسرًا بين الماضي والحاضر بين اللحظة التي نعيشها واللحظات التي مرت بنا والنصوص الشخصية هي المكان الذي يمكن أن تعبر فيه هذه الذكريات بحرية أن تنبض بالحياة مجددًا أن تحمل كل ألوان المشاعر والأفكار. وحتى أصغر تفاصيل الحياة اليومية تصبح عند هذه الكتابة مشاهد عميقة للتجربة الإنسانية.

في النهاية عندما أعود إلى هذه النصوص أشعر أن كل مكان كتبته، كل شارع، كل بيت كل لحظة يومية ليس مجرد ذكرى أو وصف، بل رحلة كاملة في الزمن رحلة بين نفسي والمكان بين ذكرياتي والعالم من حولي والنصوص الشخصية عن المكان والذاكرة تمنحنا القدرة على استعادة الزمن على فهم أعماق مشاعرنا، على رؤية العالم من منظورنا الخاص على أن نعيش التجربة كاملة بكل حواسنا لا مجرد سرد الكلمات وإنها تجربة تفتح لنا نافذة على النفس والوجود تجعل من كل زاوية وكل ضوء وكل صوت نافذة للحياة وتجعل من الكتابة رحلة مستمرة عبر المكان والذاكرة رحلة لا تنتهي رحلة تستمر معنا في كل لحظة في كل خطوة في كل نفس نتنفسه في كل لحظة نعيشها.

وهكذا يصبح المكان ليس مجرد موقع بل روح متحركة والذاكرة ليست مجرد استدعاء بل حياة ثانية نعيشها مرة أخرى والسرد الشخصي ليس مجرد حكاية بل رحلة متواصلة عبر الزمن والوجود والوعي رحلة تجعل من حياتنا اليومية نصًا عميقًا وممتدًا نصًا يحمل كل الألوان كل المشاعر كل التفاصيل نصًا يعكس الإنسان بكل أبعاده بكل خباياه بكل أحلامه وآلامه، نصًا يظل حيًا طالما نحن أحياء، طالما نستعيد اللحظات طالما نكتب طالما نتذكر طالما نعيش.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

الآيديولوجيات بأنواعها تتحطم في عصر العلم والتكنولوجية المتطورة المتسارعة الخطوات نحو آفاق مطلقة، فما عادت هناك قيمة لغيرها، وبموجب ذلك ستتهاوى منظومات الأخلاق، وتتفشى التفاعلات الجافة المبنية على المصالح وحسب.

وتجدنا أمام آيديولوجيات تلفظ أنفاسها الأخيرة، وتنهار معنويا وتكتشف أنها كانت تطارد خيط دخان وتشرب من السراب وتحسبه ماءً.

آيديولوجيات حزبية ودينية وقومية، وإدعاءات مقاومة وتحدي ومشاريع تحرير وتنوير، كلها ذهبت مع الريح ورفرفت رايات المصالح فوق الرؤوس المعفرة بالأوهام، والمباركة بالتضحيات الجسام.

أصحاب الآيديولوجيات يستفيقون من غفلتهم، وخدرهم الذي إستنزف أعمارهم، وزعزع أوهامهم، وحولهم إلى عصف مأكول.

فهل إستفاقت الشعوب المؤدلجة من صدمتها الكبرى، وظهرت أمامها الحقائق، وقدرات العلوم التكنلوجية، والإبتكارات العلمية، لتجد نفسها تهرول وراء الأوهام، والدنيا تنطلق نحو آفاق كونية، ومعظمها يندحر في خنادق الأجداث التي ما بقي فيها رميم.

الا هبّي يا أمة الأفكار المتعفنة، وتحرري من قيود الضلال والبهتان، وواجهي التحدبات بعقل فاعل رشيد، "فما فات مات وكل ما هو آتٍ آت"، فالدموع لا تنفع، وجلد الذات لا يدفع الويلات المهلكات، ولا يقلل من أعاصير التداعيات القاصمات.

"لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم

ولا سراة إذا جهالهم سادوا

فإن تولى سراة القوم أمرهم

نما على ذاك أمر القوم فازدادوا

تلفى الأمور بأهل الرشد ما صلحت

فإن تولوا فبالأشرار تنقاد

كيف الرشاد إذا كنت في نفر

لهم عن الرشد أغلال وأقياد

أعطوا غوايتهم جهلا مقادتهم

فكلهم في حبال الغي منقاد"

***

د. صادق السامرائي

 

في بلادٍ أنهكتها التناقضات، لا يبدو المشهد الأكاديمي أقلَّ التباسًا من المشهد الاجتماعي العام، بل لعلّه أشدّ خطورة؛ لأنّ الأكاديمي، بحكم موقعه، لا يُنتِج معرفةً فحسب، بل يُعيد إنتاج الوعي، ويُشرعن ما يمرّره من أفكار، صامتًا كان أم ناطقًا. وهنا تكمن المأساة: أن ترى حملة الدكتوراه، والأساتذة، وأصحاب الماجستير، وقد بلغوا مراتب عالية في التحصيل العلمي، لكنّهم ما زالوا يدينون بالخرافة، ويخضعون لها خضوع العامّة، بل ويدافعون عنها دفاعًا مستميتًا، وكأنّ الشهادة التي يحملونها لم تمرّ يومًا على عقولهم، بل مرّت على أوراقهم فقط.

ليس الحديث هنا عن الجهل البسيط، ولا عن الإيمان الشعبي العفوي، فذلك مفهوم في سياقه الاجتماعي والنفسي، بل الحديث عن انحرافٍ معرفيٍّ عميق لدى من يفترض بهم أن يكونوا حرّاس العقل، وأمناء المنهج، وحملة أدوات التحقق والنقد. إنّ الأكاديمي الذي يمتلك مفاتيح الشكّ المنهجي، وأدوات التفكيك، ومناهج النقد التاريخي والنصي، ثمّ يعطّلها طوعًا، لا بدّ أن يُساءل أخلاقيًا قبل أن يُساءل علميًا.

تراهم، في مشهدٍ يكاد يكون سورياليًا، يجلسون تحت منابر وعّاظ لا يملكون من العلم إلا صوته، ولا من المعرفة إلا تكرارها، يستمعون إلى خرافات تُلقى كما تُلقى النفايات في عقول الناس، فلا يهتزّ لهم عقل، ولا ينتفض لهم سؤال، ولا يتحرّك لهم لسان. خرافات منقولة من كتبٍ كتبت في عصور الصراع السياسي والطائفي، ودوِّنت بأيدٍ عرفت كيف تحرّف التاريخ، وكيف تُلبس الأسطورة لباس العقيدة، وكيف تجعل الكذب مقدّسًا حين يخدم السلطة أو الطائفة.

والأدهى من ذلك، أنّ هذه الخرافة لا تبقى في فضاء الوعظ الشعبي، بل تتسرّب إلى قاعات الدرس، وإلى عقول مئات الطلاب الذين يتلقّون “علمًا” لم يُمحّص، ولم يُنقَّد، ولم يُفكَّك، رغم أنّ من يدرّسه يملك القدرة الكاملة على ذلك. لكنّه لا يفعل. لا عن جهل، بل عن خوف. خوف من المجتمع، من التسقيط الاجتماعي، من تهمة “الخروج عن المألوف”، من وصمة “المساس بالمقدّس”، وكأنّ العلم خُلِق ليكون تابعًا للمجتمع، لا ناقدًا له.

إنّ هذا الخوف، في جوهره، ليس ضعفًا شخصيًا فحسب، بل خيانة للعلم نفسه، وخيانة للمنهج، وخيانة حتى للعقيدة التي يدّعي الأكاديمي الدفاع عنها. لأنّ العقيدة، إن كانت حقًا، لا تخاف من السؤال، ولا ترتعد أمام النقد، ولا تحتاج إلى حراسة الجهلة، بل تزداد صفاءً كلما خضعت للتمحيص.

وكم من مثالٍ يفيض به واقع جامعاتنا، ولا سيما في العراق، حيث تُكسر أقلام الباحثين قبل أن تُنشر أفكارهم. أحدهم، وقد نال الدكتوراه حديثًا، توصّل في أطروحته إلى نتائج علمية دقيقة تنقض كتابًا تاريخيًا ودينيًا متداولًا، مليئًا بالأحاديث المكذوبة والروايات المختلقة. لكنّ النتائج، بدل أن تُناقَش علميًا، وُضعت تحت مقصلة “المقدّس الطائفي”. قيل له صراحة: هذا لا يُنشر، وهذا لا يُمرَّر. لا لأنّه ضعيف المنهج، بل لأنّه يمسّ كتابًا “مقدسًا” عند طائفة معيّنة. وهنا، تخلّى المشرفون عن كل ما درّسوه من معايير البحث، وارتدّوا إلى موقع الحارس الاجتماعي، لا العالم.

في مثل هذه اللحظة، لا يعود الأكاديمي ضحيةً فقط، بل يصبح جزءًا من الجريمة حين يقبل، ويجامل، ويعدّل، ويصمت. فالصمت هنا ليس حيادًا، بل انحياز. والانحياز ليس بريئًا، بل مشاركة في تكريس الوهم، وفي تعميق المستنقع الذي يغرق فيه المجتمع.

إنّ الأكاديمي الذي لا يجرؤ على مراجعة ما ورثه من الآباء، ولا على نقد الكتب البالية التي يدرّسها، ولا على مواجهة المقدمات التاريخية الفاسدة التي بُنيت عليها معتقدات بأكملها، هو أكاديمي بلا رسالة. شهادته، مهما علت، تصبح ورقة بلا روح، ولقبه العلمي يتحوّل إلى قناع اجتماعي، لا أكثر.

المجتمعات لا تنهض بالوعّاظ، ولا بالخطباء، ولا بحفَظة الروايات، بل تنهض بأصحاب الأسئلة الشجاعة، وبالعقول التي تضع الحقيقة فوق الطائفة، والمنهج فوق الموروث، والعلم فوق الخوف. وحين يغرق الأكاديمي في مستنقع الخرافة، فإنّه لا يغرق وحده، بل يسحب خلفه أجيالًا كاملة، ويؤجّل خلاص المجتمع عقودًا أخرى.

ولذلك، فإنّ أخطر ما نواجهه اليوم ليس الجهل الشعبي، بل الجهل المتعلّم؛ ذلك الجهل الذي يرتدي عباءة الدكتوراه، ويتحصّن بلقب الأستاذية، ويخون العلم باسم الحكمة، ويخون العقل باسم السلامة، ويخون الحقيقة باسم المقدّس. هنا، فقط، نفهم لماذا تتعثر نهضتنا، ولماذا يبقى المستنقع أعمق من أن يُجفَّف، ما دام حرّاس العقل أنفسهم قد قرروا السباحة فيه بدل أن يخرجوا الناس منه.

***

بقلم: د. علي الطائي

15-1-2026

الحنين الزائف ليس ذكرى، بل خيالًا عاطفيًا. لا يأتي من ماضينا، بل من ماضٍ مستعار ورثناه من الأفلام والكتب والصور والحكايات. إنه حنين إلى ما لم يُعَش، شوق قد يذكّرنا بمصطلح بالـ saudade باللغة البرتغالية، وإن لم يكن هو نفسه تمامًا. كما يسميه الفرنسيون mémoire inventée – «ذاكرة مُختلَقة» – وله خاصية غريبة: يتجذّر فينا بالقوة نفسها التي تتجذّر بها الذكريات الحقيقية. وقد استشعر "والتر بنيامين" هذا المعنى حين كتب أن الماضي يُبنى انطلاقًا من الحاضر، لا بوصفه زمنًا ميتًا، بل «زمنًا ممتلئًا بالآن».

لقد ضاعفت شبكات التواصل الاجتماعي من حدة هذا الإحساس. نعيش محاطين بصور تقترح علينا نسخة جمالية، وغالبًا مثالية، من الماضي: فلاتر، أسطوانات الفينيل وهي تدور، سيارات قديمة، أزياء عتيقة، وأصوات تناظرية. كأن الماضي تحوّل إلى صنف جديد من الاستهلاك. نحن مستهلكو ماضٍ، لكنه ليس ماضينا. إنه حنين مُصنَّع سلفًا، كديكور من كرتون مزيّف، ومع ذلك ينجح في إثارة مشاعرنا. غير أن ما يحرّكنا ليس حقيقة ذلك الماضي بقدر ما هي الوعد الذي يحمله: ما نتخيله أنه كان، وما نودّ لو أنه كان كذلك.

كانت الشاعرة "ماري أوليفر" تتساءل: «ماذا ستفعل بحياتك الوحيدة، المتوحشة والثمينة؟». وهناك من، لعجزهم عن الإجابة من داخل الحاضر، يديرون وجوههم نحو أمسٍ لا ينتمي إليهم. يتشبثون به كما لو كانوا سيجدون هناك جوابًا أو اتجاهًا أو طمأنينة. لكن في العمق، وكما يقول ميلان كونديرا في روايته خفة الكائن التي لا تُحتمل: «الإنسان لا يستطيع أبدًا أن يعرف ما الذي ينبغي أن يريده، لأنه لا يملك سوى حياة واحدة، ولا يمكنه مقارنتها بحيوات سابقة أو تصحيحها في حيوات لاحقة». بعبارة أخرى: ليس أننا نشتاق إلى الماضي، بل نحاول أن نمتلك حياة مختلفة.

يحمل الحنين الزائف في طياته شيئًا من الملاذ وشيئًا من الفخ. يستقبلنا برفق، بموسيقاه الناعمة، وألوانه الدافئة، ومشاهده التي تبطئها الذاكرة. لكنه قد يتحول أيضًا إلى شكل من أشكال الهروب: أن نتوقف عن النظر إلى الأمام لأن الماضي — حتى وإن كان متخيّلًا — يبدو أكثر أمانًا. هناك مثالية لا مفر منها. فالماضي البعيد يظهر بلا صراعات أو تناقضات. نتذكر عشرينيات القرن الماضي من خلال موسيقى الجاز، لا من خلال الكساد العظيم الذي أعقبها. نُفتَن بموضة الخمسينيات، لكننا ننسى البُنى الاجتماعية القمعية التي كانت سائدة آنذاك.

هناك شباب اليوم من يشعر بالحنين إلى الديكتاتورية دون أن يعرف حقيقتها؛ أو إلى مرحلة الانتقال الديمقراطي كما لو كانت زمن نظام وانسجام؛ أو إلى ثمانينيات القرن الماضي، وكأنها لم تكن سوى موسيقى سينثيسايزر وصداقة بلا شاشات.

ولا يقتصر الأمر على الأفراد وحدهم، بل يطال المجتمعات أيضًا. فهناك حركات سياسية تتغذى على هذا الحنين، واعدة باستعادة عظمة مفقودة، أو عصر ذهبي لم يوجد في الواقع قط. تُحرَّك الرموز، والأعلام، وخطابات ماضٍ مُؤطَر. لكن، كما حذّر جورج أورويل: «من يسيطر على الماضي يسيطر على المستقبل». لذا، من الضروري تعلّم النظر إلى الماضي بعمق، لا كبطاقة بريدية، بل كحيّز معقّد ومتناقض؛ أن نتذكر أن لكل حقبة جمالها وألمها، موسيقاها وصمتها.

ومع ذلك، فهذه المشاعر المصنوعة ليست عديمة الجدوى تمامًا. فقد قال غابرييل غارسيا ماركيز: «الحياة ليست ما عاشه المرء، بل ما يتذكره». وربما يكون هذا الحنين المختلَق طريقتنا في إعادة كتابة العالم، وفي البحث داخل ما كان — أو ما كان يمكن أن يكون — عن بذور لما يمكن أن يكون. حين تؤثر فينا أغنية قديمة لا نعرفها، أو صورة غريبة نشعر بأنها تخصّنا، فنحن لا نهرب فحسب، بل نرسم، في العمق، خريطة رغباتنا الأعمق: التوق إلى التواصل، إلى الأصالة، إلى الجمال. وفي هذا الشعور أيضًا بعدٌ تربوي: رغبة في فهم من أين أتينا، حتى وإن لم نعشه بأنفسنا.

في النهاية، الحنين الزائف مرآة. لا يعكس ما كان، بل ما نشتاق إليه؛ ما ينقصنا، ما نظن أننا فقدناه، وما لم نبنه بعد. إنه بوصلة عاطفية تشير إلى مكان لا وجود له، لكن اتجاهه يحمل معنى بالنسبة لنا. لذلك، بدل أن نخجل من الإحساس به، علينا أن نتعلم التعرّف عليه: أن نفهم أنه ليس ذاكرة، بل رغبة؛ ليس تاريخًا، بل خيالًا؛ ليس ماضيًا، بل صورة من المستقبل متنكرة في هيئة ماضٍ.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

في المثقف اليوم