أقلام حرة

أقلام حرة

إشكالية شيوع المحتوى الهابط وتراجع المحتوى الرصين

لاريب ان الثقافة الرقمية باتت اليوم، جزءا لا يتجزأ، من حياتنا اليومية، حيث أصبح الإنترنت، ووسائل التواصل الاجتماعي، منابر متاحة، مفتوحة للجميع، بلا قيود، لنشر ما يريدون نشره من المقالات والمعلومات والبيانات والأفكار.

وتعج ساحة الثقافة الرقمية بكتابات رصينة، واخرى هابطة، في نفس الوقت. ولان المعرفة هي القوة، والثقافة الهادفة هي وسيلة حماية الوعي الجمعي، فإن الأمر يتطلب ان يكون المحتوى رصين المضمون، وقويًا، تعزيزا لمكانة الثقافة الرقمية الإيجابية، وتعميق تأثيرها الهادف في وسط المتلقين.

 ولا شك أن المحتوى الرصين يساهم في نشر المعرفة الصحيحة ويدعم التعليم، ويعمق الثقافة الرشيدة على قاعدة (المعرفة هي قوة).

ولعل المحتوى الرصين، يتطلب حس تفكير نقدي، وتحليلي عند المتلقي، الأمر الذي يساهم في تلقي مضمون المحتوى الهادف بالقبول الحسن، والتفاعل الإيجابي معه، ورفض المحتوى السلبي، وإسقاطه. فالتفكير العميق هو مفتاح الحكمة، وسبيل تعميق الثقافة الرشيدة.

وتجدر الإشارة الى أن المحتوى الرصين يعزز القيم الفاضلة، ويرسخ الأخلاق الإيجابية باعتبار ان الأخلاق هي أساس المجتمع الفاضل.

ولاريب ان المحتوى المحتوى الهابط يؤثر سلبًا على المجتمع، لاسيما وانه ينتشر بسرعة كبيرة بين المتلقين عبر الإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي، مما يثير تفاعلات عبثية في اوساطهم، وما تتركه من تداعيات سلبية في مسخ ثقافتهم العامة.

وتجدر الإشارة الى ان المحتوى الهابط غالبًا ما يكون استهلاكيًا، ومبتذلا، وبالتالي فإنه لا يضيف قيمة ايجابية لثقافة المتلقين.

ولذلك يتطلب الأمر الحرص على تعزيز المحتوى الرصين، من خلال التثقيف الرقمي، وحث المتلقين على تقييم المحتوى الرقمي ونقده، لقبول ما هو رصين منه، والتخلي عن ماهو هابط.

على ان تشجيع، ودعم منشئي المحتوى الرصين، بالتفاعل البناء مع نتاجاتهم، والاشادة بابداعاتهم، سيحفزهم على المضي، في ابداع المزيد من المحتويات الرصينة، التي تعزز ثقافة المتلقين الرقمية، وتعمق عندهم حس تذوق المحتويات الرصينة، والتفاعل البناء معها.

***

نايف عبوش

كنتُ، كعادتي، أقرأ سورة الكهف صباح الجمعة. قراءةُ المألوف لا تُفاجئك غالبًا؛ تمضي فيها كما تمضي في طريق تعرف كل منعطفاته غير أنّ الطريق هذه المرة توقّف بي فجأة، لا بعثرةً في اللسان، بل ارتجافًا في القلب.

آياتٌ بعينها بدت كأنها خرجت من المصحف وجلست قبالتي. قرأتها، ثم عدت إليها، ثم أعدتُها مرة ثالثة.. لا لأن لفظها استعصى، بل لأن معناها كان ينظر إليّ مباشرة

﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾

تساءلت

لماذا الصبر؟

وهل مجالسة الذاكرين تحتاج صبرًا؟

أغلقت المصحف قليلًا، وفتحت كتب التفسير، لا طلبًا للعلم وحده، بل بحثًا عن نفسي بين السطور. هناك، أدركت أن الخطاب لم يكن للرسول ﷺ وحده، بل لكل من ظنّ يومًا أن القيمة في اللمعان، وأن النخبة تُعرف من المقاعد الأمامية، لا من سجود الفجر

فكتبت

إليّ أولًا: رسالة حين تخدعك العيون

اكتشفتُ أن العين خائنة لطيفة؛ لا تخونك فجأة، بل تُزيِّن لك الخيانة

ترى الوجوه المصقولة، والكلمات اللامعة، والضحكات الواثقة، فتظن أنك في حضرة الصفوة. لكن الآية تقول بهدوء صارم

﴿ولا تعدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا﴾

كأن الله يقول لي احذر.. فالعين إن قادتك، أضاعتك.

ليس كل من علا صوته صاحب قيمة، ولا كل من كثر أتباعه دليل هداية

الغفلة قد تلبس بدلة أنيقة، وتتحدث بلغة المثقفين، وتجلس في الصف الأول.. لكنها تظل غفلة.

رسالة إلى الأصدقاء: من تصحبون؟ ومن يُنقذكم؟

عدت أفكر في صداقاتي

من أجلس معهم؟

هل يذكرني أحدهم بالصلاة حين أنسى؟

هل يوقظني أحدهم إذا نعست روحي؟

أم نضحك معًا.. ونغفل معًا.. ونتسابق في اللهو وكأننا نملك الغد؟

قال أحدهم قديمًا: الصديق مرآة

والقرآن قال أبعد

الصحبة إمّا نجاة.. أو غرق جماعي أنيق

﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه﴾

ليس كل صديق شريرًا، لكن الخطر في الصديق الغافل الذي لا يشعر بغفلته، ويجرّك بلطف نحو الفراغ

رسالة لعامة المسلمين: النخبة ليست كما تتوهمون

نحن نعيش زمنًا غريبًا؛

يُقاس فيه الوعي بعدد المتابعين، ويُقاس الفكر بجرأة التصريحات،

ويُقاس التقدم بالتحرر من القيم لا بالسموّ بها

لكن القرآن يقلب المعادلة بهدوء رهيب

النخبة الحقّة لا تغفل عن الله، لا تستهين بالصلاة، لا تتصالح مع الفواحش باسم الواقعية، ولا تجعل القرآن زينة رفٍّ لا نبض حياة

النخبة الحقيقية قد تكون صامتة، لكنها ثابتة. قد لا تُرى، لكنها لا تضيع

رسالة إلى الإنسانية جمعاء: الغفلة أخطر من الكفر

الخطر ليس في أن تقول: لا أؤمن

الخطر في أن تنسى لماذا وُجدت أصلًا

الغفلة ليست لهوًا بريئًا، هي انسحاب بطيء من المعنى، وتعوّد على العيش بلا سؤال، وبلا خشية، وبلا بوصلة. ﴿وكان أمره فُرُطًا﴾

كلمة صغيرة، لكنها مرعبة

الفُرُط هو التفلت.. أن تعيش بلا حدود، ثم تتفاجأ أنك تجاوزت نفسك

عودة إلى سورة الكهف.. بعيون أخرى

أغلقت كتب التفسير، وعدت إلى المصحف. لكنني لم أعد القارئ نفسه

صرت أفهم أن سورة الكهف ليست حكايات نجاة فقط، بل إنذارًا ناعمًا من الغفلة المقنّعة، ومن نخبة زائفة، ومن حياة تُعاش بكاملها.. خارج المعنى

كلما قرأت: ﴿وقل الحق من ربكم﴾

أدركت أن الحق لا يطلب تصفيقًا، بل شجاعة أن تبقى يقظًا

في زمنٍ يحتفل فيه الجميع بالنوم.

***

بقلم: بلحمدي رابح – البليدة / الجزائر

البشرية تتقاتل على مصادر الطاقة، فمنذ الأزل والصراع يتأجج من أجل الإستحواذ على عناصر القوة وتأمين طاقات البقاء، فكان البشر يغزو بعضه ويستولي على النساء والأولاد والبنات والمواشي وباقي ممتلكات الناس المَغلوبة، والمنتصر يزداد قوة.

وبعد أن تأسست الدول وظهرت معالم الكينونات المتوطنة في بقاع معينة، إشتد الصراع على موارد الطاقة والقوة، إبتداءً من الطعام إلى الماء، والثروة البشرية.

وفي كل فترة تظهر مصادر معينة تستوجب النزاع عليها، كالتوابل والملح والقهوة والموز ومن ثم البترول، واليوم تجدنا في نزاعات على العناصر النادرة والغلاف الصخري، الذي بموجبه ستجتاح الدول القوية كل بقعة أرض تدلها الأقمار الإصطناعية على وجود العناصر النادرة فيها.

الحروب المعاصرة تظهر إعلاميا بوجه مخادع يخفي حقيقة تطلعاتها وأهدافها، فبعض منصات الإعلام كحصان طروادة المعاصر الذي يغشنا ويضللنا، ويريد تدويخنا، لكي تمضي قافلة الإستحواذات بهدوء وخفية.

الصراع الحقيقي تكنولوجي رقمي نانوي، لا تستوعبه المجتمعات التي يُراد لها أن تتدثر بالغابرات وتتمنطق بمعتقدات بالية، وتطارد أوهاما، وتحتسي سرابا.

إذا الطاقاتُ في بلدٍ تنامتْ

تُداهِمهُ الوحوشُ بما اسْتطاعتْ

هيَ الدنيا صِراعاتُ اقْتدارٍ

وصَولاتٌ على أمَمٍ تراخَتْ

فصُنْ بلدا كنوزُ الأرضِ فيهِ

ولا ترْهنْ مَصيراً إنْ تداعَتْ

***

د. صادق السامرائي

 

فلسفة البساطة في ملعب الرشيدة الدولي

في قرية نائية من قرى محافظة القادسية لم يكن ملعب الرشيدة الدولي مجرد ساحة لكرة القدم ولا مجرد اسم عابر في ذاكرة الرياضة بل كان معنى كاملًا قائمًا بذاته معنى يقول إن البساطة ليست نقصًا بل اختيارًا وليست فقرًا في الإمكانات بل غنى في الروح وفي ذلك الملعب البسيط كانت كرة القدم أقرب ما تكون إلى أصلها الأول حين لم تكن صناعة ولا استعراضًا ولا سوقًا مفتوحة بل فعلًا إنسانيًا خالصًا يولد من الحاجة إلى اللعب وإلى الفرح وإلى الاجتماع حول حلم صغير اسمه الهدف.

كان اللاعبون القادمون من القرية يدخلون الملعب كما يدخلون حياتهم اليومية بلا أقنعة ولا أزياء مستعارة وحفاة الأقدام يلامسون التراب مباشرة كأنهم يريدون أن يتأكدوا أن الأرض ما زالت تحتهم وأن اللعبة ما زالت متصلة بالمكان والقدم الحافية لم تكن علامة ضعف بل دليل ألفة مع الأرض ومع قسوتها وحرارتها وبرودتها وكانوا يعرفون كيف يركضون دون حماية زائدة وكيف يسقطون ثم ينهضون لأنهم تعلّموا ذلك قبل الكرة في الحقول والدروب الطويلة.

أما ملابسهم الدشداشة الريفية فلم تكن خروجًا عن اللعبة بل دخولًا صريحًا للحياة إلى داخلها ولم يكن هناك فاصل بين الفلاح واللاعب ولا بين العامل والهداف والشخص نفسه، بالجسد نفسه بالحلم نفسه ينتقل من تعب النهار إلى متعة العصر ةكانت الدشداشة وهي تتحرك مع الجري تحمل رائحة القرى وعرق التعب الشريف وتقول بصمت إن الرياضة ليست عالمًا منفصلًا عن المجتمع، بل مرآته الصادقة.

وفي وسط هذا المشهد يقف الحكم يحمل عصًا غليظة من توثية ولم تكن العصا تهديدًا ولا قسوة بل رمزًا لزمن كانت فيه السلطة أخلاقية قبل أن تكون تقنية ولم يكن الحكم محاطًا بعشرات القوانين المكتوبة ولا بالتقنيات التي تراقب كل حركة بل كان حاضرًا بهيبته، بشخصيته، باتفاق غير معلن مع اللاعبين والجمهور على احترام اللعبة والعصا كانت اختصارًا لفكرة النظام البسيط ذلك النظام الذي يقوم على الثقة لا على التعقيد.

الجمهور في ملعب الرشيدة لم يكن جمهورًا متفرجًا فقط بل شريكًا في الحدث ويعرف اللاعبين بأسمائهم وبقراهم وبحكاياتهم ويهتف لأنه يشعر أن الفوز يمسّ كرامته اليومية ويصمت حين يخسر لأنه يعرف أن الخسارة جزء من المحاولة ولم تكن هناك مدرجات والجمهور يفترش الارض لكن القرب كان شديدًا قرب يجعل اللعبة حقيقية ويجعل الصوت يصل إلى القلب بلا وسيط.

ويأتي صوت المعلّق أبو ريسان ليكمل الصورة ولم يكن صوته متكلّفًا ولا محمّلًا بمصطلحات مصقولة بل كان ابن اللحظة ويعلّق كما يشعر ويصف كما يرى ويترك للكلمة أن تخرج دافئة كما خرجت من صدره وكان صوته ذاكرة تمشي على الهواء لا تفصل بين الحدث ومعناه ولذلك بقي صوته عالقًا في الوجدان لأن الذاكرة لا تحفظ إلا ما كان صادقًا.

في ملعب الرشيدة الدولي كانت كرة القدم فلسفة تُعاش لا نظرية تُشرح وكانت تقول إن الجمال لا يحتاج إلى بهرجة وإن المهارة لا تحتاج إلى أحذية باهظة وإن العدل لا يحتاج دائمًا إلى شاشات وكانت البساطة هنا موقفًا أخلاقيًا تضع الإنسان قبل النظام والروح قبل الشكل والمعنى قبل الصورة ولم تكن ضد التطور لكنها كانت تحذيرًا مبكرًا من أن يتحول التطور إلى قطيعة مع الجوهر.

هكذا، في ذلك الملعب لم تكن المباراة تنتهي مع صافرة الحكم بل تستمر في الحكايات في الذاكرة في المقارنات الصامتة مع حاضرٍ صار أثقل مما ينبغي وحين ننظر اليوم إلى كرة القدم الحديثة بكل أضوائها وصفقاتها نفهم أن ما نفتقده ليس الإمكانات بل تلك العلاقة البسيطة بين الإنسان واللعبة ونفتقد اللاعب الذي يلعب لأنه يحب والحكم الذي يحكم لأنه عادل والمعلّق الذي يتكلم لأنه يشعر.

في ملعب الرشيدة الدولي كانت البساطة تبلغ ذروتها : لاعب حافٍ حكم بعصا جمهور قريب وصوت صادق ومع ذلك أو ربما بسبب ذلك كانت اللعبة أكثر نقاءً وكانت كرة القدم هناك تشبه الناس وتشبه الحياة وتشبه نفسها قبل أن تُثقَل بالزينة ولذلك لم يكن ملعب الرشيدة صغيرًا بل كان واسعًا بما يكفي ليحتوي معنى كاملًا عن العالم معنى يقول إن الأشياء حين تكون بسيطة تكون أصدق وحين تكون صادقة تصبح خالدة.

وما دام هناك من يتذكر لاعبًا حافيًا يركض فوق التراب وحكمًا بعصاه يقيم العدل الشعبي وصوت أبو ريسان يعلّق من القلب فإن تلك الكرة لم تتوقف عن الدوران وما زالت تدور في الذاكرة وفي الحنين وفي فلسفة البساطة التي لا تشيخ، لأنها كلما ابتعد عنها العالم ازداد احتياجه إليها.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

عجز الموازنة هو عجز معلوم مسبقاً ومخطط ويفترض ان تكون وسائل تمويل ذلك العجز معلومة ومتفق عليها قبل صدور قانون الموازنة اي ان العجز في الموازنة مخططاً وليس مفاجئاً.

ex ante

اما عجز ميزان المدفوعات فهو عجز يتحقق لحظوياً ويجب ان يغطى لحظوياً .اي يغطى في نفس لحظة حصوله.. وذلك بطرق تمويل ذلك العجز المعروفة..

فلا يوجد عجز ميزان مدفوعات معلق ويحتاج الى تمويل لأن ميزان المدفوعات يتعلق بالمعاملات الخارجية تصديراً واستيراداً (للسلع والخدمات) ولا يمكن اتمام اي صفقة بدون تسوية استحقاقاتها والاتفاق على طرق تسديد قيمتها..

فقد يتم الاستيراد عن طريق قرض وبذلك يذهب القرض لانجاز عملية الدفع ويترتب مبلغ القرض على البلد.. او ان يتم الاستيراد عن طريق التسديد بالدفع الآجل وهذا ايضاً التزام يشبه القرض لانه دين خارجي. وهكذا فأن اسلوب الدفع وطريقة التسوية تترافق مع عملية الاستيراد ولاتتبعها.

في النظام الاقتصادي الحر (اقتصاد السوق) لاتتدخل الحكومة بتحديد كميات الاستيراد والتصدير مسبقاً ولذلك لايوجد تصور دقيق عن حجم التعاملات الخارجية بدقة وبشكل مسبق..

لذلك فأنه عجز ميزان المدفوعات يُعرف ويحدد لاحقاً  Ex post

تعريفات توضيحية:

(مصطلح "Ex ante" هو عبارة لاتينية تعني "قبل وقوع الحدث"، وتشير إلى التوقعات والقرارات المالية والاقتصادية والقانونية التي تُتخذ بناءً على التنبؤات وليس على النتائج الفعلية).

(مصطلح "Ex post" هو عبارة لاتينية تعني "بعد وقوع الحدث" أو "بعد وقوعه"، وتشير إلى التحليلات أو الحسابات أو التقييمات التي تُجرى بناءً على النتائج الفعلية المحققة بدلاً من التوقعات).

***

د. صلاح حزام

ـ التكنولوجيا العليا العقلية او الفناء/ عودة الى مابين النهرين

هل يمكن تصور ممكنات محالة الى اشتراطات "العودة على بدء"؟ وهل يمكن الافتراض بان البدء الاول غير المتحقق والمنتكس في حينه، قد ظل ينتظر اللحظة الفاصلة العظمى حتى الساعة كي يعيد الكرة ويذهب الى اكتمال البدء المنتكس، بعدما تهيأت اسباب تحققه؟ من هنا تنفتح في ساعتها الباب امام قلب السردية المجتمعية برمتها على اعتبارها، او السائد المتعارف عليه منها، هو مفهوم الارضوية للتاريخ المجتمعي، والذي اساسه القول بان الظاهرة المجتمعية بدات بالتبلور مع (التجمع + انتاج الغذاء) وهو منظور تبسيطي وصفي قصوري، العقل فيه واقع تحت اشتراطات محدودية القدرات على الاحاطة المجتمعية، وبالذات كونها ظاهرة "ازدواج" من جهه، وانها تفاعليه تاريخيه اصطراعية لها بدء ومنتهى، به تتحقق وتكتمل كما مفترض بها، اتفاقا مع شروط كينونتها وماقد جعل وجودها حقيقة وامكان من جهة.

في المنظور الغائب عن العقل، تبدا المجتمعية غير مكتمله، وان هي انتجت الغذاء واجتمعت فانها بالاحرى تظل في حال قصور وعدم اكتمال تشكل، اذا علمنا بانها ظاهرة ـ خلاف الشائع ـ عقلية مفروض عليها المرور بطور جسدي انتقالي مؤقت، يظل راضخا للمنظور الابتدائي الارضوي الذي من نوعه، مادامت المجتمعية الاعلى العقلية لم تتحقق بعد، الا كتعبيرية متناسبه مع اشتراطات الغلبه المجتمعية الارضوية وشروطها، متخذة صيغة الحدس النبوي الالهامي وصيغته الاعلى الابراهيمه، لتبقى حاضرة من يومها بانتظار لحظة اكتمال اسباب تحققها الضرورية ماديا واعقاليا، مايتطلب العبور من الطور اليدوي من التاريخ الانتاجي الى الالي/ التكنولوجي.

وحتى حين تنبثق الاله اخيرا، فان وطاة الارضوية الجسدية تظل ثقيله الحظور ومضلله بالارتكاز الى كون العقل البشري محكوم كما ظل لزمن طويل، لوطاة اليدوية الارضوية ونوع مقارباتها العقلية، ومجمل مفاهيمها، مع قوة مفعول العادة الملازم لعلاقة الكائن البشري بالاشياء، لنصبح وقتها تحت طائلة حالة من الانتقالية الاليه بمنظور يدوي يشتمل حاكما عملية الانتقال ابان محطتين كبريين، الاولى اوربيه هي المفتتح والبداية، تكون مصنعية اقرب لليدوية، والثانيه امريكيه يضطلع بها الكيان المتشكل خارج التاريخ المجتمعي، ومن دون تفاعليته التاريخيه بما هوكيانيه " فكرة" متصادمه مع الكينونه الاصل السابقه عليها، وطامحه الى ازالتها من الوجود، وهي محطة مابعد مصنعية تكنولوجية، معولمه، نافية للكيانيه المحلوية الوطنيه القومية، مع العجز البنيوي عن ارساء نموذجية صالحة وراسخه قابله للاستمرار والتعميم النموذجي.

هنا ووقتها تاتي المحطة النهائية الاخيرة، ليخضع تاريخ الاله وتحوليتها لسردية المحطات الثلاث، الاولى والثانيه المنوه عنهما، ثم الثالثة الاصل والغاية المتطابقة مع الحقيقة الالية التكنولوجية العليا، الموصوله والمتفقه مع ضرورات اصل وابتداء مجتمعي ظلت الظاهرة المجتمعية بانتظاره منذ اول تبلوراتها، عندما عجزت وقتها بفعل نقص الاسباب الضرورية، عن ان تنتقل لاارضويا عقليا، وقتها يحضر الموضع البدئي المجتمعي حيث ارض سومر ومابين النهرين، ليصبح الانتقال الالي حينها انتقالا عقليا، بعد ان حضرت اخيرا الوسيله المادية التحولية التكنولوجيه الضرورة، لتبدا المجتمعات مغادرة طور الجسدية الارضوية المنتهي، الى حيث هي واجبه الذهاب اصلا، وموجوده لكي تصبح بعد مسار من التحولية الاصطراعية المجتمعية اليدوية الطويلة عقلية، لاارضوية.

هنا يقع الصدام التازمي المهول الشامل والرهيب، غير المسبوق، ولا القابل للتخيل بحكم الانسداد التحولي اللانطقي، مقابل توفر الاسباب الايهاميه بصيغتها العملية المرتكزه الى الرؤية والمفهوم التضليلي الاكثر مقبوليه، فمن يكون العراق الراهن، وماهي الاسباب الممكن الاستناد اليها حتى يعتمد على انه نقطه وثوب من هذا الصنف الاستثنائي الذي مايزال يتعدي قدرات العقل على الاحاطة، مقابل وهج المتحقق "وعلمويته" و" ملموسيته" التجريبيه الراسخه، وقدراته المادية الهائلة، هذا والعراق في احط ماقد عرفه على مر تاريحه الاطول بين التواريخ، خاضع لنوع من السحق الكياني والحثالية الريعيه، نوع الريعيه المخالف لكل انواع الريعيات، بما فيها الريعية التي ظلت تحكم هذا المكان مابين 1968/2003 مانحة النواة القرابيه والحزبيه المحورة الى اداة سلطوية، ممكنات من خارج "الدولة"، لاقامه دولة بلا ارتكاز للنصاب المجتمعي، محكومه لمفهوم خارج عن كينونة المكان وطبيعته التاريخيه البنيوية اللاارضوية الازدواجيه الكونية.

في حين يتحول الريع اليوم الى مضاد للكيانيه والدولة، وعامل تفتيت للسلطة، وتوزيع لها على ممثلي الفرعيات الطائفية والقومية، "نظريتها" الحاكمه لوجودها نفي الوحده الكيانيه لصالح وجود مشترك شكلي غرضة الغاء الذاتية" الوطنية" على المستويات الاساسيه، وكل هذا ياتي بعد قرابه نصف قرن من التاريخ الاحترابي، ابتداء من الحرب الاولى عام 1980 والسحق الامريكي الكوني، والاحتراب الداخلي، نمطية "العيش على حافة الفناء" مابعد البيئية التي ظلت تميز تاريخ هذا الموضع من العالم، وهي التي انتجت وظلت تنتج اللاارضوية على مر الدورات، الاولى السومرية البابلية الابراهيمية، والثانيه العباسية القرمطية الانتظارية، في بلاد التعرف فيها على الذاتيه تتعدى قدرات اهلها على الادراك، وهو مايظل حاكما تاريخ هذا المكان على مدى تاريخ المجتمعية منذ تبلورها الابتداء، والسبب كون طبيعة ونوع البنية والكينونة الناظمه للوجود هنا تتعدى المتوفر للعقل من قدرة حتى اليوم على الادراك، وهي قصورية ليست عراقية حصرا، بل شامله لاجمالي البشرية في علاقتها مع المسالة المجتمعية، الامر الذي نوهت اوربا الالية به مع القرن التاسع عشر اخيرا، من دون ان تفلح في فك الرموز الباقية مطوية في الظاهرة مدار البحث، والتي تتحول اليوم الى معضله ومصدر تحد هائل للعقل البشري.

واخيرا حلت الساعه ليصبح العراق وهو تحت طائلة مايقارب الفناء، صوت العالم والتاريخ المدخر، وموضع الانقلابيه التحولية اللاارضوية العظمى، تحت طائلة الاحتراب الناشيء بين التكنولوجيا الانتاجية الارضوية، وتدميريتها الشامله للكائن البشري، والتكنولوجيا العقلية المنطوية على الحقيقة الكبرى الوجودية، الغائبة عن العقل البشري ماتزال، والتي مع الوعي بها يصير العقل سيد الحياة، ومحورها المتحرر من وطاة ومتبقيات الحيوانيه، وكل ماقد ظل الى اليوم عالقا به منها.

وهذا ماسنحاول مقاربته في الملحق القادم.

يتبع : ملحق رقم 2 : بيان الانقلابيه التحولية العظمى.

***

عبد الأمير الركابي

الغرور ليس مجرد صفة سلوكية عابرة، بل حالة نفسية وقلبية عميقة، تبدأ بانخداع الإنسان بنفسه، وتتغذى على الإعجاب المفرط بها، والاعتزاز المبالغ فيه بما يملكه من جاه أو مال أو علم. ومع مرور الوقت، يتحول هذا الإعجاب إلى تعالٍ خفي على الآخرين، ويقود النفس البشرية نحو هوى لا يعرف حدودًا، فتقع في أفعال تضرها أكثر مما تنفعها.

الغرور في جوهره عزلة صامتة. عزلة لا يراها صاحبها، ولا يشعر بثقلها في بدايتها. لا ألم فيها ولا إنذار، وإنما تغيّر تدريجي في المسافة بينه وبين أقرب الناس إليه. يصبح العالم أضيق، محصورًا في ذاته، وأبعد عن الحقيقة. تلك هي الخطوة الأولى في طريق الغرور.

لا يرفع الغرور الإنسان كما يتوهم، بل يفصله عمّن حوله. يجعله يسير بين الناس وكأنه وحده، يسمع صوته أعلى من كل الأصوات، ويعتقد أن ما وصل إليه كان ثمرة جهده الخالص، ناسياً تلك اليد الخفية التي يسّرته، وسترت عيوبه، وفتحت له الأبواب حين كانت مغلقة.

وفي القرآن الكريم، لا يُذكر الغرور كعيبٍ سطحي، بل كحالة قلبية خطيرة تُفقد الإنسان قدرته على الرؤية السليمة. فالقلب حين يتعاظم يضيق، فلا يعود يتسع للدهشة، ولا للامتنان، ولا حتى للاعتراف بأن ما يملكه كان يمكن أن لا يكون. ولهذا، كانت عبارة «أنا وصلت» لدى كثيرين بداية الانحدار النفسي، لا بلوغ القمة.

التحذير القرآني من الاختيال والمرح في الأرض لا يستهدف الفرح، بل يقطع الوهم؛ وهم الاكتفاء الذاتي، ووهم القوة المطلقة، ووهم الاستغناء عن الله. فالقرآن لا يهدم الذات الإنسانية، بل ينقذها من الانتفاخ الذي يسبق الانفجار.

في المقابل، يأتي ذكر الله كمساحة أمان تعيد للقلب توازنه. فحين يقول الإنسان سبحان الله، لا ينفي النقص عن نفسه فقط، بل يعترف به بهدوء. وحين يقول الحمد لله، يعيد ترتيب النعمة إلى أصلها، فلا تضل طريقها إلى صاحبها الحقيقي. وحين يهمس الله أكبر، يتراجع كل ما تعاظم في داخله خطوة بعد خطوة.

الغرور يجعل الإنسان وحيدًا، حتى وهو محاط بأعزّ الناس. أما ذكر الله، فيعيده إلى صحبته الأولى: مع الله بقلبٍ سليم، ومع الناس بتواضع، ومع نفسه كما هي لا كما يتخيلها.

وفي النهاية، الغرور تعب طويل بلا استراحة، بينما التواضع راحة ورفعة لا تحتاج إلى إثبات.

فالانكسار بين يدي الله ليس سقوطًا، بل عودة إلى الأصل، إلى اليقظة، إلى الطين الأول الذي شُكّل بنفخة روح، لا بكِبر نفس.

يبقى الله كبيرًا كما هو، وتبقى النفس مطمئنة حين تدرك أنها لم تعد مضطرة لإثبات شيء.

فطوبى لقلبٍ عرف أن أعظم السموّ

أن يقول: يا رب

دون أن يسبقها شيء.

***

ذِكرى البياتي

 

أيها الكاتب، أنت كلماتك وأفكارك ضيوف في عقل القارىء، والضيف لا شك يحرص أن يكون مؤنسا لطيفا، يخلّف بعد رحيله ذكرى جميلة، وأثرا طيبا لدى المضيف.

كذلك شأنك مع القراء، فكلماتك تقع في عقولهم وقلوبهم، فإما أن تكون بذورا طيبة تنبت وتزهر فيها، فتنتعش بشذى عطورها، وإما أن تكون ألغاما وقنابل موقوتة، قد تنفجر في أي لحظة وتودي بهم للهلاك!

قد تقول لي بامتعاض: أنا حرّ أكتب ما يحلو لي، والقارئ إن شاء قرأ لي، وإن أبى فهو حر أيضا.

فأجيبك: كاد ينتهي عصر الكتاب الورقي والمطالعة التقليدية، فقلة قليلة من القراء، لازالت تحرص على اقتناء الكتب من المكتبات، وانتقاء ما تقرأه بعناية، في زمن هيمنة مواقع التواصل على شتى مناحي حياتنا، ومنها مجال الثقافة والقراءة، لا شك سيقرأ لك الكثير من القراء ولو مصادفة! باختلاف مستوياتهم التعليمية والثقافية وفئاتهم العمرية، لكن ليس كل قارئ يملك رؤية نقدية، وقدرا من الحصانة النفسية والفكرية تؤهله لغربلة ما يقرأ!

فبعضهم يغدو كالريشة في مهب الريح، يترنّح يمْنةً ويَسْرة، تتقاذفه أفكار وتوجهات من يقرأ لهم دونما وعي، فيدخل في غيبوبة فكرية، لا يصحو منها إلا وقد أُعيد تشكيله من جديد، بما تشرّبه من أفكار، أهواء وأيديولوجيات الكُتّاب الذين يقرأ لهم

كم من قارئ تخلى عن مرجعيته الدينية! بسبب قراءاته التي أودت به للتهلكة، وألقته في غيابات الحيرة والشك في أصل الوجود، وفي كل شيء بل وفي خالق الوجود جل جلاله! فتلقّفه دعاة الإلحاد والعلمانية وغيرهم، وكم من مراهق أهمل دراسته، وأضاع وقته في قراءة روايات خيالية، غيّبته تماما عن واقعه، أو روايات عاطفية في غاية الإسفاف والابتذال ولا طائل منها، بل تفتك بمنظومة الأخلاق لديه.

لذلك أيّها الكاتب! كلما هممت بالكتابة تذكر:

 "عقول وقلوب القرّاء مزارع، فَلتنظر ما أنت فيها زارع".

الكتابة فعل واع ومسؤول، يحمي منظومة القيم، ويعمل على الارتقاء بالوعي والفكر، لا لتدمير وهدم ماسبق.

***

بقلمي زينة لعجيمي - الجزائر

 

الفِراسة: قدرة ذهنية وحسية على إستنتاج الصفات الباطنة للإنسان من ملامحه، حركاته، نبرة صوته، إختياراته للكلمات وحتى صمته، كأن العقل يلتقط إشارات صغيرة ويحولها إلى صورة كبيرة، إنها حسن نظر مع نور من العقل والخبرة، وهي إستنتاج عقلي وإحتمالي.

"إتقوا فراسة المؤمن فأنه ينظر بنور الله"

فرس الشيئ: توسمه وتبينه بذكاء.

القائد التأريخي الصالح لبناء وطنه وأمته، هو الذي يتمتع بفراسة مؤثرة في صناعة الحياة.

في العصر الحديث ربما بوريس يلتسين عبّر عن فراسة حاذقة بإختيار بوتين، وفي تأريخ الأمة كان المأمون يمتلك قدرات فِراسة متميزة، وكان إختياره للعديد من الأشخاص يشير إلى ذلك، كتقريبه لأبي تمام وهو شاب يافع، وإختياره لشاكر وهو من قطاع الطرق وتوسم النبوغ في أولاده فرعاهم وقدموا إبداعات أصيلة في ميادين إهتماماتهم.

المجتمعات الخائبة لا تمتلك رموزا قيادية ذات فراسة عالية، لقلة الإيمان وضعف الإرتباط بالوطن، وغياب الخبرة، وعدم رؤية ما حولهم وغرقهم في مستنقعات ذاتهم ومعتقداتهم وكينوناتهم المتخندقة في الكراسي المتمايلة.

فِراسَتنا أضاعَتْ مُحْتواها

فأصْبحنا بلا رمزٍ عَلاها

قلوبٌ أعْتمَتْ حتى تَخابَتْ

فلا نورٌ أتى فرَعَتْ دُجاها

إذا نظروا إلى شخصٍ غَريبٍ

مَخاوفهمْ أزاحَتْ مُبتغاها

***

د. صادق السامرائي

 

وها هو الحلم الكبير الذي كان يراودنا دائما، ونطمح ان يكون بين ايدينا، وفي متناول الجميع من المهتمين من الدارسين والباحثين، قد اصبح حقيقة واقعية بنشر كتاب:

Renewable and sustainable energy technologies and resources

في احد دور النشر الهندية الآن، بعد أن كان الدكتور وكاع قد عكف على تأليف هذا الكتاب في مجال الطاقة الشمسية، باعتبارها الطاقة المتجددة البديلة للطاقة النفطية. حيث تجدر الإشارة إلى أن الطاقة المتجددة، هي الطاقة المستمدة من مصادر طبيعية لا تنفد، وتتجدد باستمرار، مثل (الشمس، والرياح، وحركة المياه، والحرارة الجوفية للأرض)، إذ توفر هذه المصادر بدائل نظيفة للوقود الأحفوري، وتتميز بتكلفة تشغيل منخفضة، وتخلق وظائف أكثر، وتساهم بفعالية في خفض انبعاثات الكربون، وبالتالي فهي صديقة للبيئة.

وتجدر الإشارة إلى أن الدكتور وكاع الجبوري، كان قد أنجز منه ستة فصول، يوم كنا نتطلع معه يوم ذاك، الى الإنتهاء من تأليف هذا الكتاب خلال صيف العام ٢٠٢٢، ليكون مرجعا علميا للباحثين والدارسين في مجال الطاقة المتجددة، ويسد فراغا في الساحة العلمية والاكاديمية لمثل هذا النوع من الإختصاصات المهمة .

ومعروف أن الدكتور وكاع الجبوري قد مارس التدريس الجامعي داخل وخارج العراق، بعد حصوله على الدكتـوراه من جامعة مانشستر / بريطانيا، في ثمانينات القرن الماضي، وألَّـفَ عددا من الكتب العلمية المنهجية في مجال اختصاصه، ونشر أكثر من مائة بحث علمي في مجلَّات علميّـة عالميـة وإقليمية، وأشرف على العشرات من طلاب الماجستيـر والدكتوراه، ويعتبر مرجِـعاً علميَّـاً عالميـاً في مجال تخصُّصِـه، ويرأس تحرير عدد من المجـلَّات العلمية، والمؤتمرات العلمية الدورية.

كل التوفيق والتبريكات والنجاح الدائم للدكتور وكاع على هذا الانجاز العلمي الرفيع، ليظل بانجازاته العلمية والاكاديمية الزاخرة، كفاءة علمية عالية، وطاقة أكاديمية متوقدة من كفاءات الديرة والبلد، تبعث على الفخر والاعتزاز.

***

نايف عبوش

لم يُلقَ الإنسان في هذا الوجود ليكون شاهدًا محايدًا، ولا رقمًا عابرًا في سجلّ الطبيعة، بل كائنًا مُسائِلًا. والسؤال ليس عيبًا في الإنسان، بل علامته الفارقة. غير أن السؤال، إن لم يُهتَدَ به إلى غاية، انقلب عبئًا، وإن لم يُحاط بالفكرة الهادفة، صار قلقًا لا ينتهي. من هنا يبدأ الخلاف القديم المتجدّد:

هل تكفي التجربة؟

هل يكتفي العقل بذاته؟

هل الإيمان تعطيل أم اكتمال؟

وهل نفي الغيب تحرير للإنسان.. أم عزله في كونٍ بلا وجهة؟

التجربة تفتح باب المعرفة، لكنها لا تُقيم فيها. نختبر النار فنعرف أنها تحرق، لكننا لا نعرف لماذا الإحراق قانون.. نرصد حركة الكواكب، لكننا لا نفسّر لماذا لا تختلّ. الكون، في أدقّ تفاصيله، يعمل بنظام سابق على الملاحظة، وكأن التجربة تصل متأخرة دائمًا عن الحقيقة ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ﴾.

ليست وصفًا شعريًا، بل تقريرًا كونيًا: الحساب سابق على الرصد. التجربة تقول ماذا يحدث، لكنها تعجز عن قول لماذا ينبغي أن يحدث. العقل أعظم أدوات الإنسان، لكنه ليس إلهًا. وحين ظنّ بعض الفلاسفة أن العقل مكتفٍ بذاته، انتهى إلى أحد طريقين:

إما عبثٍ كونيّ لا معنى له، أو أخلاقٍ بلا أساس، تُبرَّر بالمنفعة أو القوّة. العقل يستطيع أن يبني آلة، لكنه لا يستطيع أن يفسّر لماذا يجب ألا تُستخدم للقتل ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾. ليست تقليلًا من شأن العقل، بل وضعه في موضعه الصحيح العقل بلا غاية كالسفينة بلا بوصلة؛ تمخر البحر، لكنها لا تعرف أين ترسو.

 حين يُقال: الإلحاد ليس عيبًا، فهذا صحيح لغويًا، وخادع فلسفيًا. العيب ليس في التسمية، بل في النتيجة الوجودية.. الإلحاد لا يكتفي بنفي الإله، بل ينفي العلّة الأولى، والمعنى المتجاوز، والغاية النهائية. ثم يطلب من الإنسان أن يصنع معنىً مؤقتًا، وهو يعلم أنه سينهار أمام الموت، والظلم، والفقد ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾.. سؤالٌ ينسف العبث من أساسه...

أما الماركسية، فقد أرادت عدالة بلا غيب فحولت الإنسان إلى وظيفة في صراع والأخلاق إلى نتيجة اقتصادية والتاريخ إلى آلة لا ترحم وحين تعارض الإنسان مع الفكرة، سُحِق باسم المستقبل. وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾

آية لا يمكن لأي فلسفة مادية أن تُبرّرها أو تُحافظ عليها. الإيمان، في جوهره القرآني، ليس قفزة فوق العقل، بل عبور به إلى أفقه الأقصى.

إبراهيم لم يؤمن قبل أن يسأل: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ هذه فلسفة وجود كاملة: ما يزول لا يستحق المطلق والقرآن لا يخاطب الغريزة، بل العقل ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾﴿أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.. الإيمان هنا ليس نقيض الفلسفة، بل نقيض الغرور الفلسفي الكون لا يصمت، بل يهمس. كلّ ذرة تسبّح، وكلّ نظام يشير، لكن العين وحدها لا تكفي. ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾

فالآفاق تُقنع الحسّ، والأنفس تُوقظ التجربة، ﴿حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ وهنا يصل العقل إلى حدّ الاعتراف. المؤمن لم ينكر العالم، بل رآه أثرًا لا غاية. والفيلسوف المؤمن لم يقتل السؤال، بل أعاده إلى موضعه الصحيح. المعرفة سفر، تبدأ بالتجربة، تمرّ بالعقل، وتكتمل بالإيمان. من توقّف عند الحسّ، عاش سطحيًا. ومن توقّف عند العقل، عاش متكبّرًا. ومن نفى الغيب، عاش قلقًا. أما من سأل ثم آمن، فقد بلغ الطمأنينة. ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا﴾. ليست دعاءً فحسب، بل إعلانًا فلسفيًا أن المعنى أصل الوجود. وهنا فقط، لا يعود الإيمان هروبًا، ولا العقل خصمًا، بل يصبح الإنسان شاهدًا واعيًا . على كونٍ لم يُخلق عبثًا، ولا يُفهم إلا بنورٍ يجمع العين، والعقل، والقلب.

***

بلحمدي رابح

 

في دوّامة المحتوى الرقمي الذي أصبح جزءًا لا يتجزأ من حياة الناس اليومية وفي ظل ثقافة تفاعلية ابتلعت الجماهير برزت على المشهد ظاهرة غير اعتيادية تحمل اسم «جبس أبو جنة» بسيطة في ظاهرها عادية في عنوانها لكنها مشبعة بدلالات عميقة على الصعيدين الاجتماعي والنفسي والثقافي تستحق الوقوف عندها والتأمل فيها وتحليلها بدقة.

الفكرة تبدو للوهلة الأولى مجرد لعبة ترفيهية: أكياس من الجبس تغزو السوق وفي داخل كل كيس بطاقة تحمل حرفًا من حروف اسم «أبو جنة» ويُعلن لمن يجمع جميع الحروف أو الرموز المطلوبة أن أمامه فرصة للفوز بجائزة كبيرة مثل سيارة أو هدايا ثمينة ولعل الحقيقة الأهم هنا أن هذه الجوائز حقيقية بالفعل ما يزيد من تشويق التجربة ويعطيها بعدًا واقعيًا ملموسًا يميزها عن معظم الحملات الرقمية الأخرى التي تعتمد على الوهم فقط.

الفضول البشري والتوق إلى المفاجأة هما ما دفعا آلاف الأشخاص لمتابعة هذه الظاهرة والانخراط فيها فاللعبة على بساطتها تمزج بين التحدي والاستكشاف والربح المحتمل فتشعر المشاركين بأنهم في عالم من الإثارة حيث يمكن لكل كيس يُفتح أن يحمل مفاجأة تغير من واقع حياتهم لحظة بلحظة.

ومع انتشار الفيديوهات والصور على منصات التواصل الاجتماعي التي يظهر فيها أشخاص يفتحون الأكياس ويجدون الحروف التي يحتاجونها أو يعبرون عن خيبة أملهم عند عدم العثور على الحرف المطلوب اكتسبت الظاهرة زخماً هائلًا وأصبحت محور نقاش واسع بين التشويق والشك والتحليل النقدي وبين الاستسلام للمتعة العابرة والبحث عن فرصة الفوز الحقيقية.

لكن ما يجعل هذه الظاهرة مثيرة للاهتمام أكثر هو التوازن بين الواقع والخيال: فالهدايا ليست وهمًا وليست مجرد وعود تُلقى على الشاشة بل هي مكافآت حقيقية تتطلب من المشاركين الالتزام بجمع الحروف وإتمام التحديات المرتبطة بها. وهذا الواقع يطرح أسئلة نقدية مهمة: كيف يتم تنظيم هذه الحملات، وما مدى شفافيتها وهل تتوافق مع معايير العدالة والمصداقية في الجوائز؟

هنا تظهر الحاجة إلى وعي نقدي من الجمهور الذي يجب أن يتعلم التفرقة بين الترفيه الخالص وبين الحملات التي قد تحمل أهدافًا تسويقية وتجارية أوسع حتى وإن كانت الجوائز حقيقية.

فالسعادة المؤقتة التي تولّدها اللعبة والفرحة عند العثور على الحرف المفقود يجب أن توازن بالوعي بأن هذه الحملات جزء من منظومة أكبر من التسويق الرقمي وأن المشاركة لا تقتصر على اللعب فقط بل تدخل في دائرة اقتصادية واجتماعية تتطلب تفكيرًا ناقدًا والظاهرة أيضًا تكشف جانبًا نفسيًا مهمًا : الحب البشري للإثارة والبحث عن المفاجأة والرغبة في أن يكون للحظة العابرة قيمة ملموسة.

فالمشاركون لا يسعون فقط للفوز بالسيارة أو الجوائز الكبيرة بل للانخراط في التجربة الجماعية لمتابعة ما يفعله الآخرون للتفاعل معهم للضحك، للفرح، وأحيانًا حتى للشعور بالخذلان المؤقت. هذا التفاعل الجماهيري يغذي انتشار الظاهرة، ويحول اللعبة من مجرد تجربة فردية إلى حدث جماعي حيث يصبح فتح كل كيس خطوة نحو قصة أكبر تتشكل لحظة بلحظة على وسائل التواصل الاجتماعي، وتخلق شعورًا بالانتماء والمشاركة في حدث ممتع يشبه التحديات الكلاسيكية لكنه مدمج في عصر رقمي سريع الحركة ومن الناحية النقدية تعكس تجربة «جبس أبو جنة» الحدود الدقيقة بين الوهم والواقع.

فالجوائز حقيقية لكن طريقة العرض وآلية التشويق وإظهار المشاركين وهم يفتحون الأكياس ويجدون الحروف كلها أدوات تجعل الحدث يبدو أكبر مما هو عليه فتنتقل اللعبة من مجرد تحدٍ بسيط إلى تجربة نفسية معقدة تؤثر في السلوك الجماهيري وتكشف عن ميول البشر نحو الإثارة وعن استعدادهم للانخراط في ما هو لحظي ومؤقت وحتى على حساب الوقت أو الجهد المبذول وهنا تبرز مسؤولية الجهات المنظمة في الالتزام بالشفافية وتوفير تعليمات واضحة عن طرق الفوز وضمان توزيع الجوائز بعد العدالة وهو ما يميز هذه الحملات التي تحقق توازنًا بين المتعة والجدية.

وبينما يستمر المشاركون في فتح الأكياس وتجميع الحروف ومع كل لحظة فرح أو خيبة أمل تبرز الحقيقة الكبرى : هذه اللعبة ليست مجرد تسلية بل انعكاس لعالم رقمي يبحث عن الإثارة ويرغب في الربح ويتوق إلى المشاركة الجماعية وفي الوقت نفسه تكشف عن حاجة الناس المستمرة إلى التحقق والوعي، والتأكد أن ما يُعرض عليهم حقيقي وأن ما يلمع على الشاشة ليس مجرد خدعة بصرية واللعبة تعلم الجمهور بطريقة غير مباشرة قيمة الصبر والالتزام وفن الانتظار وفن التفريق بين الواقع والخيال وبين الوعد والإثبات وبين التشويق الحقيقي والذعر الرقمي.

وهذه الظاهرة ليست مجرد استنتاج، بل دعوة للتأمل والوعي العميق : ففي عالم يمتلئ بالمحتوى الرقمي والتجارب العابرة وفي زمن تتنافس فيه الألعاب التفاعلية على جذب انتباه الجماهير تبقى قصة «جبس أبو جنة» أكثر من مجرد لعبة ؛ إنها درس في النفس البشرية في الثقافة الرقمية.في التسويق الذكي وفي العلاقة بين الواقع والخيال.

إنها تحفز التفكير النقدي وتعلم كيف يمكن لمفهوم بسيط – جمع الحروف في أكياس جبس – أن يصبح محور تجربة اجتماعية نفسية واقتصادية واسعةوفي الوقت الذي يشعر فيه المشاركون بالفرح عند الفوز أو بالحيرة عند فقدان الحروف يتعلمون درسًا آخر : أن الوعي والمصداقية هما الفاصل الحقيقي بين المتعة الرقمية والواقع الحقيقي وأن كل لعبة مهما بدت بسيطة تحمل وراءها طبقات من المعنى الذي يختبر الصبر والدهاء والفضول والقدرة على التمييز بين ما هو وهم وما هو حقيقة بين لحظة سريعة من الإثارة وفرصة حقيقية للتغيير والربح.

«جبس أبو جنة» إذن ليست مجرد حملة ترفيهية أو فكرة تسويقية بل تجربة معقدة متعددة الأبعاد تجمع بين المتعة والتشويق والتحدي والجوائز الحقيقية والتفاعل الاجتماعي والتحليل النقدي لتصبح نموذجًا لما يمكن أن يقدمه العصر الرقمي من فرص وتجارب وفي الوقت نفسه تضع أمام الجمهور أسئلة عميقة عن القيمة والصدق والوعي والمصداقية وتترك أثرًا طويلًا في العقل والوجدان لتصبح أيقونة رقمية لا تُنسى مثالًا حيًا على التفاعل بين الإنسان والآلة بين الواقع والخيال بين الرغبة في الفوز والقدرة على التمييز بين المتعة العابرة والدرس الدائم.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

غيهب: ظُلمة، ضعيف، غافل

أجيال تسحق أجيالا، ومَن توسد التراب حفه النسيان، وعاش في غيهب، لا يذكره ولا يراه أحد، والمجتمعات كالنهر الجاري، أمواجه اللاحقة لا تتذكر أمواجه السابقة، وكل مَن عليها فان، ورحى الأرض الدوّارة تطحن الموجودات وتحيلها إلى عناصرها الأولية، فأبجديات الخلق المطلق مدونة في الجدول الدوري لديمتري مندلييف (1834 - 1907).

كل مخلوق يغيب ويذوب في الثرى، ويتحول إلى رميم بعد حين، وقد تبقى بعض عظامه، ويفقد أثره ودالته بعد أن تطحنه ماكنة الأرض الدوّارة، التي تأكل بقدر ما تعطي، وتطعم خلقها لتأكله، وهي الفاعل فيهم، وما فوق التراب مفعول به وفيه، والأيام تتعاقب على قطف وجوده وتحويله إلى لقمة لآفات التراب المتربصة لفريسة شهية.

وتنتشر عناصره في ما سيأتي من الموجودات التي يلدها التراب، فالنسيان الحقيقي إنتشار لجزيئات المخلوق في كينونات متعددة، فلكل عنصر دوره ورسالته، وما يُنسى لا يَفنى بل يتجدد في صيرورات متلاحقة.

ويبدو أن النسيان وسيلة البشر للتخلص من تداعيات الأحزان، ومواجهة الحقيقة ذات الأسنان.

سياكلهم تراب البين طرا... ومن موتٍ فما وجدوا مفرّا

هكذا يدور دولاب الدنيا ويبدل الأحوال، ويقتلع المخلوقات من مدينة الحياة، ويلقي بها في دياجير التلاشي والنسيان، الذي ينبعث في الوعي البشري حال الإنتهاء من دفن الذي مات.

أجيال الحاضر تناست أجيالا سبقتها في المسير المتفاعل مع التحديات، وأعطت ما تمكنت منه في مكانها وزمانها، وغادرت الدنيا بصمت وما عادت بحسبان المعاصرين، وكأنهم قطرات ماء إنسكبت في رمال الرمضاء اللاهبة، فما قيمة ما قالوا وما فعلوا، وأفعال الحاضر ذات عناوين مغايرة، وتطلعات متجددة وصاخبة.

غابَ موجودٌ تَطامى بالثرى

دامَ يَسعى في كياناتِ الوَرى

أبْجدياتُ الخليقِ المُنتقى

كلّها رهنٌ بميزانِ الضَرى

ماتَ خلقٌ وتَوارى وانْطوى

مُستجيرا بعَساعيسِ الكَرى

***

د. صادق السامرائي

 

العبودية: وتعني ملكية انسان لانسان اخر وتشمل حق التصرف به وحق ازهاق روحه اما مصدر العبيد او الرقيق فهو الحروب فبعد ان كان اسرى الحرب في الجماعات البدائية يقتلون او تتبناهم العشيرة اذا كانت نقصا اصبحت هناك مصلة اقتصادية هي مصلحة الاحتفاظ بهم لاستخدامهم في مختلف الاعمال وكان الشرق اول من عرف النظام العبودي ثم اوربا غير انه هناك فرقا بين الرقيق وما يسمى القن فالرقيق هو الشخص الذي يكون مملوكا لشخص اخر ...اما القن فهو شخص يمتلك وسائل الانتاج لكنه سيكون تابعا الى شخص اخر بصفته الشخصية.

تاريخية النظام العبودي

1 - التاريخ القديم: كانت بلدان الشرق القديمة كبابل وسومر واشور ومصر والهند وبلاد فارس والصين اول من عرف النظام العبودي ثم انتقل الى اوربا مثل اليونان وروما واريد ان مركز هنا على بلدان انتشر فيها النظام العبودي انتشارا واسعا وهي بلاد الرافدين ومصر وروما

أ - العراق: فقد كان المجتمع السومري في الفترة التي سميت بدويلات المدن السومرية مثل اور وكيش واريدو يقسم المجتمع فيها الى عده طبقات اجتماعية هي: الطبقة الاستقراطيه ملاك الاراضي اتباع المعبد الارقاء (بما في ذلك ارقاء المعبد والارقاء للمملوكين بصفة فردية.. وفي بلاد سومر كان العبيد يسمون في اللغه السومرية (موسكينوم) وكانوا يعدون بالرؤوس مثل المواشي تماماً وكانوا يشتغلون في المزارع او المعابد دون تحديد للوقت الذي يعملون فيه .

ب – مصر: اما فى مصر فقد ارتكز النظام الاقتصادي في عصر الدولة الوسطى والحديثة على العبودية كالزراعة وتجفيف المستنقعات كما أعطت لنا مسألة بناء الاهرامات صورة واضحة عن العبودية كما وصفها المؤرخ اليوناني (هيرودوتس) أثناء زيارته لمصر عام (٤٥٠) قبل الميلاد قائلا لقد اشتغل فى بناء هرم خوفو باستمرار (١٠٠) الف عامل يستبدل بهم غيرهم كل ثلاثة اشهر وقد استغرق بناء الهرم (20 سنة)

وقد نقش على جدران الهرم كميات الخبز والبصل والفجل والثوم التي اكلها العمال الذين شيدوه وذكر هيرودوتس ان العبد الذي يتوقف عن العمل ولو لفترة قصيره لغرض الاستراحة يجد من يلهب ظهره بالسياط من قبل المشرف على العمل وقد مات الآلاف من العبيد العاملين صيفاً لشدة الحرارة ويضيق هيرودوتس انه قد بلغت شرور الملك خوتو مبلغاً عظيماً لدرجة انه عندما انفق كل ما في خزائنه من اموال أرسل ابنته الى مواخير البغاء لكي تحصل على مبلغ من المال لاتمام عمل بناء هرمه وقد جاءت له ابنته بمبلغ كبير .

ج – روما: وفي روما كان لتوسع الامبراطورية بالفتوحات شرقاً وغرباً اثره في ملأ ايطاليا باعداد هائلة من العبيد الاسرى الذين استخدموا في الزراعة تحت ظروف قاسية واضطهاد مرير مما ادى إلى قيامهم بالثورات التي كان اخطرها ثورة العبيد بقيادة (سبارتكوس) عام (۷۲ قبل الميلاد)

2 – العصور الوسطى: ويمكن تقسيمها الى قسمين: العصور الوسطى الاوربية والعصور الوسطى الاسلامية .

ففي العصور الوسطى الاوربية صاحب انتشار المسيحية دعوات إلى التعامل الانساني وقد حاول بعض الملوك تحسين حالة الارقاء الا ان الزراعة كانت عائقاً لهذه الاتجاهات لانها كانت تقوم على نظام (القنانة) الذين امتزجوا بالعبيد فعانوا كثيراً من الاضطهاد والظلم، يضاف إلى ذلك فقد لعبت الاكتشافات الجغرافية دوراً جديداً في فتح باب الاسترقاق عندما بدأ الأوربيون من فرنسا وبريطانيا واسبانيا يجلبون العبيد من افريقيا لتشغيلهم في المستعمرات .

وفي العصور العربية التي سبقت ظهور الاسلام فقد كان الرق منتشراً بين القبائل العربية البدوية والمتحضرة على حد سواء وكانت أسواق النخاسة في مكة والهفوف ومسقط تزود النبلاء العرب بعدد كبير من العبيد وبعد ظهور الاسلام ظل نظام العبودية معمولاً به ولكن القرآن اوصا بهم خيراً وكان المصدر الرئيسي للرق في الإسلام الحروب التي خاضها المسلمون ضد الفرس والبيزنطين وقد عمدا المسلمون إلى استرقاقهم باعتبارهم غنائم حرب ذلك لان القرأن اجاز ضرب اعناق الكفار او استرقاقهم او المن عليهم بحريتهم وكانت الاسر الاسلامية الغنية تشتري الرقيق من السود والبيض باعتبارهم مصدر للثروة والرفاهية كما انتشروا في قصور الخلفاء والامراء ولم يكن للعبد كيان مستقل بل يعتبر جزء من املاك سيده يستطيع أن يبيعه او يرهنه الا ان الاسلام اعتبر تحرير العبد عملاً من اعمال التقوى كما اوجد نظام  (المكاتبة) وهو ان يحرر السيد عبده لقاء مبلغ من المال ولكنه لم يلغي الرق وتذكر بعض المصادر ان المسلم اذا اشترى عبداً وضع في عنقه حبلاً واقتاده إلى منزله كما تقاد الدابة وقد يخرجون العبد في جملة صداق العرائس كما حصل للشاعر بشار بن برد . ويذكر انه كان للنبي محمد أكثر من (٢٥) عبداً ابرزهم بلال الحبشي... وفي العصر العباسي قامت ثورة الزنج الذين كانوا يعملون في حفر الانهار في جنوب البصرة فاحتلوا البصرة وواسط وهددوا عاصمة الخلافة ... اما لماذا لم يلغي الاسلام الرق فان فقهاء الإسلام يقولون: ان الاسلام يؤثر التطور على الطفرة وان المجتمع الاسلامي كان بحاجة ماسة إلى الرق .

العبودية في العصر الحديث – الغاء تجارة العبيد

اتخذت بعض الحكومات الأوربية والولايات المتحدة عدة اجراءات وبرلمانية لالغاء تجارة العبيد ومنع نقلهم من افريقيا إلى تلك البلدان الا ان ظاهرة الرق استمرت لعقود طويلة في العديد من الدول الأوربية:

1 – قررت بريطانيا عام 1807 م الغاء تجارة العبيد في بريطانيا والمستعمرات التابعة لها

2- اعلنت الثورة الفرنسية لائحة حقوق الانسان عام ١٧٨٩م وجاء في المادة (٢) منها. الغاية من كل مجتمع انساني صيانة الحقوق الطبيعية للانسان وهي الحرية والملكية وطمأنينة النفس ومقاومة الاضطهاد اي عدم التمييز بين انسان وآخر من حيث القومية والدين والجنس واللون .

3 – اعلنت الولايات المتحدة الامريكية الغاء تجارة العبيد عام 1863 بعد الحرب الاهلية فيها .

4 - اعلنت الامم المتحدة لائحة (حقوق الانسان) عام ١٩٤٨ م وقد جاء في بنودها ما يأتي:-

١- لا يجوز استرقاق احد ويحرم الاسترقاق والاتجار بالرقيق في كافة اشكاله

2 - لا يجوز استعباد احد

- لا يجوز فرض ممارسة العمل على اي فرد بالقوة او الجبر . 3

***

غريب دوحي

 

كيف تتحقق المعجزات خارج حدود التفسير المادي؟

نحن نعيش في عالم يقدس 'الأسباب المادية' ويحاصرنا بأرقام الحسابات وتوقعات المستقبل، لدرجة أننا نسينا أن هناك 'قوانين أخرى' تحكم هذا الوجود؛ قوانين لا تدركها لغة الأرقام ولا تفهمها حسابات الأرباح والخسائر.

ونسينا أن ثمة أمم تعيش بيننا، تخترق كل الثوابت التي درسناها، وترى الحقيقة من منطقها.

تلك الكائنات لا تحمل خرائط للغد، ولا خزائن للمستقبل، لكنها تمتلك 'سرّاً' غامضاً جعلها تتجاوز حدود العجز البشري لتُعلمنا درساً لم تستطع أرقى الجامعات تلقينه لنا.

في السطور التالية، سنغوص في عالمٍ يبدو مألوفاً، لكن أسراره المذهلة ستعيد ترتيب مفاهيمك عن الرزق، البصيرة، واليقين الذي يتحدى المستحيل.

العالم الآخر: رحلة في الأمم الموازية لعالم البشر

من بين كل الكائنات، هناك كائنات لها منطق خاص، ولها تسبيح خاص، ولها ألوان وأشكال وأحجام مختلفة.  عرفنا أنها ذكية وأن لها حنكة من نبي الله سليمان -عليه السلام- لأنهم كانوا جنودًا في جيشه العظيم.

هذه المرة أنا لا أتكلم عن الجن الذي أثار عالمهم فضول بني جيلي، هذه المرة أنا أتكلم عن مخلوقات تستحق أن نشغل فضولنا بها وبعالمها؛

 إنها الطيور بأشكالها الجميلة وبأصواتها العذبة وتسبيحها الذي لا نفقهه. تلك المخلوقات التي تعلمنا منها حسن التوكل على الله والسعي لأرزاقنا، تلك الكائنات تُعلمنا كيف نعيش لحظتنا دون أن نخاف من الغد أو نحمل هموم الأمس.

 عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال، قال رسول الله ﷺ: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصاً وتروح بطاناً». أخرجه الترمذي والأمام أحمد

لطالما تساءلت في نفسي: كيف أتعلم التوكل منها وهي مخلوقات سخرها الله للإنسان؟ لكنني عندما عرفت أنها مخلوقات ذات منطق سليم وفهم صحيح للحياة، أيقنت أن التسخير كان في التعليم أيضاً.

دروس اليقين من جنود سليمان عليه السلام

وجدت هذه الحقيقة في أحد مقالات الدكتور علي محمد الصلابي: (الطير أمة من الأمم: الطير أمة من الأمم خلقها الله تعالى، وألهمها سبل الحياة، وجعلها برهاناً على عظمته وقدرته. قال تعالى: {وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الأنعام: 38].

وفي قوله: {إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم} أي: أصناف، وكل صنف من الدواب أو الطير مثل بني آدم في المعرفة بالله وطلب الغذاء وتوقي المهالك، وفي قوله: {أُمَمٌ أَمْثَالُكُم} أي: كما لكم حياتكم الخاصة بكم كأمم وشعوب، فهذه العوالم من الدواب والطيور مثلكم، لهم حياتهم الخاصة بهم كأمم مختلفة ألوانها وأشكالها، كل أمة تتميز عن أختها بما خصها الله تعالى من الخصائص والصفات، وهي جماعات مماثلة لكم في الخلق والرزق والحياة والموت والحشر، ينتابها ما ينتابكم من الحسرة أو الحزن أو الألم أو المرض أو الشفاء، وهي ستحاسب يوم القيامة إن طغى بعضها على بعض وظلم بعضها البعض، كما سيحاسب الإنسان، وتقتص كل منها من الآخر، وإن لم يكن من قصاص التكليف إذ لا تكليف عليها، بل قصاص مقابلة كما في الحديث الشريف عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال رسول الله ﷺ: «لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء».

منطق الطير:

قال تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ} [النمل: 16]. ومنطق كل شيء: صوته، وقد يقع لما يُفهم بغير كلام، وقد علم الله تعالى سليمان -عليه السلام- فهم أصوات الطير ولغاتها التي تسبح بها وتصلي: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور: 41].

وبهذه اللغة تتفاهم الطيور مع بعضها، وقد عكف العلماء على دراسة الطير وطباعه ولغته فوجدوا أنه بواسطة هذه اللغة يتفاهم الذكر مع الأنثى، وأن بعضها يحذر بعضاً كما تفعل العصافير بالزقزقة، ولاحظوا أن الطيور تغرد في فترات الصباح أكثر من فترة الظهيرة فتطرب الآذان وتأنس النفوس.)

ليس الإنسان وحده الذي يعرف الكلام ويفهمه، فكل المخلوقات تفهم بعضها وتتواصل مع بني جنسها، وما نحن إلا مخلوقات ممن خلق الله -عز وجل- ميزنا وسخر الكون كله لنا، ليس لأننا مميزون بل لأننا مكلفون.

فلسفة الوجود: المعرفة والجزاء في "أمم" الطير

الطيور مخلوقات عجيبة ذكية، وبعضها ماكره

عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «خمس من الدواب، كلهن فاسق، يقتلن في الحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور» رواه البخاري ومسلم

 ومعنى "فاسق" مؤذٍ؛ فالحدأة التي أحل رسول الله ﷺ قتلها في الحل والحرم، أثبت العلم الحديث أنها تمتلك سلوكاً إجرامياً غريباً، فهي "تتعمد" نشر الحرائق؛ حيث تلتقط الأغصان المشتعلة من حريق قائم وترميها في أماكن أعشاب يابسة لم تصلها النار بعد، لتوسع دائرة الحريق وتجبر الحيوانات المختبئة على الخروج فتصطادها بسهولة. هذا الطائر "محرّق الغابات" أخطر مما كنا نعتقد، وقتله يعني الحفاظ على توازن البيئة، وإنقاذ حيوانات كثيرة من شر أفعاله.

وكذلك الغراب، ذلك الطائر "الأبقع" الذي سماه النبي ﷺ من الفواسق الخمس التي تقتل في الحل والحرم. وسبب تصنيفه "فاسقاً" يرجع لطباعه العدائية؛ فهو طائر غادر، يسرق بيض الطيور الأخرى، ويهاجم عيون الدواب وضعفاء الكائنات، بل إنه يُعرف بفكره التخريبي وذكائه الموجه للأذى، وهو ما يفسر "خروجه" عن طبع الطيور المسالمة، وهذا هو المعنى اللغوي للفسق (الخروج عن الاستقامة).

هذا العالم فيه الخير وفيه الشر، في الدهاء والمكر، ولكن الغاية تبقى واحدة (الرزق) ومهما كان فهي لا تبرر الوسيلة، وكما أن للمجرم عقاب يناله جزاء أفعاله، فإن تلك الطيور التي اختارت أن تكون فاسقة أصبح قتلها حلال؛ بل أصبح واجب لما تسببه من تخريب وتدمير لما خولها.

ثنائية الخير والشر في الطبيعة

ما زال هناك أسرار غامضة تحملها تلك المخلوقات الطائرة، وسر التوكل هو الذي حيرني، والعلم الحديث أزال بعضًا من حيرتي، فقد اكتشفوا أن الطيور -بعكس كل الكائنات- لا تعتمد على الأكسجين في عملية النظر كما نتصور.

بينما تُعد شبكية العين في معظم الكائنات أكثر الأنسجة استهلاكاً للطاقة وتحتاج أكسجيناً دائماً، فإن شبكية عين الطيور تخلو تماماً من الأوعية الدموية.

ولقد ظل العلماء قروناً يظنون أن بنية غامضة تسمى "المشط العيني" (Pecten Oculi) هي التي تمد الشبكية بالأكسجين، لكن الاكتشاف الجديد أثبت أن المشط العيني لا يزودها بالأكسجين نهائياً، بل يعمل كـ "محطة إمداد غذائي" تضخ السكر للشبكية وتتخلص من الفضلات الأيضية السامة الناتجة عن عملية إنتاج الطاقة لاهوائياً.

فكما هيأ الله لعين الطائر "مشطاً" يطهرها من فضلات الاحتراق لتستمر في الرؤية، يهيئ الله للمتوكل "مخرجاً" من ضيق الأسباب ليستمر في الحياة؛ فالمسبب واحد والسنن في الكون والشرع تتطابق.

فيزياء التوكل: الرؤية من ثقب الحرمان

هل هذا هو التوكل؟! أم إن العلم حصره في كلمة "اكتشاف"؟ ربما يحاول هذا الاكتشاف أن يعلمنا كيف نتوكل على الله وألا نركن فقط إلى الأسباب أو نخشى المسببات. التوكل على الله حياة رغيدة تشبه حياة تلك الطيور التي تحلق بأجنحتها عالياً في السماء؛ تستيقظ في الصباح وبطونها خالية، ولكنها تخرج بأروع الألحان وتغرد في انسجام، وتجعل للصباح رونقاً مختلفاً وتضيف إليه الجمال.

خاتمة اليقين: أن تعيش يومك بقلب طائر

تنطلق مع بزوغ الضوء محلقة بأجنحتها، لا تفكر في كيف وأين ومتى تأكل؛ ليست معقدة كالإنسان، هي فقط تطير بحرية في سماء الرحمن وكلها نشاط وحيوية، فتأكل ما تجده أمامها طوال اليوم حتى تشبع، دون همٍّ أو قلق، فقط انسجام وسعي وبحث. تغدو خماصاً وتروح بطاناً؛ هكذا هي الحياة: يومك يومك. تلك الكائنات لا تدخر ولا تخزن الطعام للشتاء، وكأنها أخذت عهداً من الله سبحانه أن لن ينقص عليها شيء ولن تجوع أبدًا. وهذه هي الحقيقة، قال تعالى: {وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَّا تحمل رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [العنكبوت: 60].

هذا هو وعد الحق؛ أيقنت به الطيور وارتاحت من حمل هم رزقها، وقررت أن تعيش حياتها آمنة مطمئنة. ليتنا نستطيع أن نفعل مثلها، ألا نخشى ضيق الرزق وأن نعيش يومنا فقط، لا نخاف المستقبل ولا نحمل هم الماضي.

***

بقلم الحرية: فاطمة الدفعي

مؤسسة حرية قلم للإنتاج الفكري والفني

 

في زمنٍ ازدحمت فيه الأصوات وتكاثرت الشهادات وتنافست الألقاب على واجهة المشهد العام بات من الضروري أن نعيد طرح سؤالٍ جوهريٍّ طالما تجاهله الكثيرون ما الذي يمنح الإنسان قيمته الحقيقية؟

أهو مقدار ما يحمله من علم؟

أم عدد ما يملكه من كلمات؟

أم المكانة التي يشغلها في سلّم المجتمع؟

أم أن هناك قيمة أعمق وأكثر رسوخًا لا تُقاس بالأرقام ولا تُثبت بالوثائق بل تُعرف بالأثر، وتُحسّ بالحضور، وتُلمس في طريقة التعامل قبل طريقة الكلام؟

إنها الأخلاق.

الأخلاق ليست مفهومًا تجميليًا، ولا شعارًا يُرفع عند الحاجة ولا قناعًا اجتماعيًا نرتديه في المناسبات ثم نخلعه في الخفاء.

الأخلاق هي جوهر الإنسان حين تُغلق الأبواب وحين تغيب الرقابة وحين يصبح المرء وحده مع ضميره وهي الامتحان الحقيقي الذي لا تُنقذ فيه الشهادات صاحبها ولا تُجدي فيه البلاغة ولا يشفع فيه الذكاء.

قليل الأدب لا يستره العلم، ولكن قليل العلم يستره الأدب؛ عبارة تختصر تجربة إنسانية طويلة، وتجربة اجتماعية مريرة وتجربة تاريخية متكررة فالعلم، مهما بلغ من الاتساع إذا خلا من الأدب تحوّل إلى أداة جافة وربما إلى سلاحٍ بارد، يُستخدم للإقصاء بدل البناء وللتعالي بدل الإرشاد ولإثبات التفوق بدل تحقيق الخير والعلم بلا أخلاق قد يُنتج عبقريًا، لكنه قد يُنتج أيضًا متكبرًا، قاسيًا وفاقدًا للإنسانية.

أما الأدب حتى وإن رافقه نقص في المعرفة فإنه يمنح الإنسان مساحة من القبول وجسرًا من الاحترام وبابًا مفتوحًا للتعلّم والنمو والأدب لا يجمّل الجهل، لكنه يخفف حدّته، ويجعله قابلًا للتجاوز فالإنسان المؤدب يُعلّمك دون أن يُهينك ويُخالفك دون أن يحتقرك ويُنبهك دون أن يكسر كرامتك وهذا وحده كفيل بأن يجعل العلم رسالة لا وسيلة استعلاء.

ولم يكن التاريخ يومًا سجلًا لأذكى البشر فقط، بل كان دائمًا مرآةً لأرفعهم خُلُقًا فكم من عباقرة مرّوا عبر العصور امتلكوا عقولًا متقدة واكتشفوا نظريات ودوّنوا كتبًا لكن أسماءهم ذابت مع الزمن لأنهم لم يتركوا أثرًا إنسانيًا يُذكر وعلى النقيض خُلّد أناس لم يكونوا الأذكى ولا الأغنى ولا الأعلى منصبًا لكنهم امتلكوا صدقًا وعدلًا ورحمة وحكمة في التعامل مع الناس فجعلت سيرتهم تعيش بعدهم وتتحول إلى مرجع أخلاقي للأجيال.

التاريخ لا يحفظ الأرقام بقدر ما يحفظ المواقف ولا يخلّد الكلمات بقدر ما يخلّد السلوك وإنه لا يتذكر كم قلت، بل كيف تصرّفت حين كان الصمت أسهل وحين كان الظلم ممكنًا وحين كانت المصلحة الشخصية مغرية.

الأخلاق هي أقوى لغة تواصل بين البشر وهي لغة لا تحتاج إلى لسان فصيح ولا إلى شهادة معلّقة على الجدار ولا إلى منصة مرتفعة وهي لغة تُفهم دون ترجمة لأن الفعل الصادق لا يحتاج إلى شرح، والاحترام الحقيقي لا يحتاج إلى تفسير وحين يتعامل الإنسان بأخلاقه تصل رسالته إلى الآخرين قبل أن ينطق بكلمة، ويُحترم حتى من يختلفون معه، لأنه يخاطب فيهم جوهر الإنسان لا قناعاته السطحية ولا انتماءاته الضيقة.

في عالم تتعدد فيه الثقافات وتختلف اللغات وتتصادم المصالح تبقى الأخلاق القاسم المشترك الوحيد القادر على بناء الجسور وقد نختلف في الرأي، وفي الدين وفي الفكر وفي الموقف السياسي لكننا نتفق جميعًا على قيمة الصدق ونفور من الخيانة ونرفض الظلم ونحترم العدل ونقدّر الرحمة لذلك حين تفشل الخطابات وتنهار الشعارات وتسقط الادعاءات تبقى الأخلاق هي الملاذ الأخير الذي يُنقذ العلاقة الإنسانية من الانهيار الكامل.

ولعل أخطر ما يواجه المجتمعات اليوم هو وهم التفوق القائم على المعرفة وحدها فبعض الناس يظنون أن امتلاك الشهادة يمنحهم حق التعالي، وأن البلاغة تبيح لهم القسوة وأن الذكاء يبرر الاستهانة بالآخرين ويظنون أن قوة الحجة تسمح بإلغاء الاحترام وأن صحة الفكرة تعفيهم من مسؤولية الأسلوب ولكن الواقع يثبت عكس ذلك؛ فالكلمة التي تخرج بلا أخلاق تفقد معناها والفكرة التي تُطرح بلا احترام تُقابل بالرفض مهما بلغت قوتها المنطقية لأن الناس لا تستقبل الأفكار بعقولها فقط بل بكرامتها أيضًا.

من هنا يصبح الارتقاء بالأخلاق ضرورة وجودية لا ترفًا فكريًا فارتقِ بأخلاقك قبل أن تطلب من العالم أن يصغي لك فالعالم لا يصغي لمن يرفع صوته بقدر ما يصغي لمن يرفع قيمه والناس قد تُجبر على سماعك لكنها لن تُقنع بك ولن تثق بك ولن تتبعك ما لم يروا في سلوكك ما ينسجم مع ما تقوله فالانفصال بين القول والفعل هو أسرع طريق لسقوط الهيبة وفقدان التأثير

والأخلاق ليست زينة خارجية نرتديها عند الحاجة، بل هي بنية داخلية تُختبر في الخفاء قبل العلن وفي الاختلاف قبل الاتفاق وفي القوة قبل الضعف وتُختبر حين تستطيع أن تظلم ولا تفعل وحين تستطيع أن تكذب ولا تفعل وحين تستطيع أن تستغل ولا تفعل هناك، فقط هناك، تُقاس قيمة الإنسان الحقيقية.

وفي النهاية يبقى الإنسان بما يتركه من أثر، لا بما يملكه من معلومات ويبقى الصوت الأخلاقي هو الأعلى حتى وإن خرج همسًا فحين تتكلم الأخلاق يصمت الضجيج ويبدأ المعنى الحقيقي للإنسان وكل ما عدا ذلك… تفاصيل عابرة في زمنٍ لا يخلّد إلا من كانوا بشرًا بحق.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

ليست الثقافة ترفًا لغويًا، ولا تكديس معلومات، ولا مهارة كتابة. الثقافة، في معناها الجوهري، هي وعي بالذات، وبالتاريخ، وبالمصير، وقدرة على تحويل المعرفة إلى موقف، والموقف إلى مسؤولية.

المثقف ليس من يقرأ كثيرًا، بل من يرى أبعد، ويخاطر أكثر، ويدفع ثمنًا أعلى.

بهذا المعنى، فإن الأزمة الثقافية في الجزائر ليست أزمة إنتاج، بل أزمة معنى ووظيفة.

كثُر الكُتّاب، وقلّ المثقفون.

قبل ثورة التحرير، لم يكن المثقف الجزائري كائنًا محايدًا.

كان الشيخ، والمعلم، والصحفي، والشاعر، والمناضل، يتحركون داخل أفق واحد: التحرر أو الفناء.

لم تكن الثقافة مهنة، بل مقاومة.

لم يكن السؤال: ماذا أكتب؟ بل: لماذا أكتب؟ ولمن؟

في زمن الثورة، تماهى القلم مع البندقية.

لم يكن المثقف يبحث عن الاعتراف، بل عن الخلاص الجماعي.

وكانت الخسارة الفردية مقبولة إذا استعاد الوطن معناه

بعد الاستقلال، بدأ الانفصال الصامت.

دخلت الإيديولوجيات بوصفها بدائل جاهزة عن التفكير الحر: قومية بلا نقد،

اشتراكية بلا عدل، حداثة بلا جذور،

ثم ليبرالية بلا سيادة....

تحوّل المثقف من شاهد على الحقيقة إلى موظف داخل خطاب.

وهنا بدأت الخسارة الكبرى: خسارة الاستقلال الفكري.

اليسار الجزائري من نقد الاستعمار إلى قطيعة الهوية

مثّل عدد من المثقفين اليساريين

الجزائريين، لحظة نقدية مهمة في تفكيك الاستعمار وبُنى السلطة، لكن مشروعهم تعثّر حين تحوّل النقد إلى قطيعة مع المرجعية الحضارية للمجتمع.

في كثير من نصوصهم:

جرى اختزال الدين في كونه عائقًا تاريخيًا

والنظر إلى الهوية بوصفها عبئًا لا موردًا

والتعامل مع المجتمع ككتلة متخلّفة تحتاج إعادة تشكيل لا حوارًا.

هذا المسار أنتج مثقف ادّعاء:

يتحدث باسم التقدم، لكنه معزول عن وجدان شعبه.

ينتقد السلطة، لكنه يحتقر المجتمع.

يستعمل لغة تحررية، بينما يمارس وصاية فكرية.

أما ما يُسمّى بالمثقف الفرنكوبربري، فقد ذهب أبعد:

قطع مع العربية، وشيطن الإسلام، واستبدل الاستعمار العسكري باستعمار رمزي لغوي وثقافي، فصار خطابه مفهومًا في الخارج… وغريبًا في الداخل.

الإسلامية: حين تتحوّل الفكرة إلى قفص الراديكالية

في الجهة المقابلة، ظهر المثقف الإسلامي الراديكالي، لا بوصفه حامل مشروع حضاري، بل كحامل إيديولوجيا شمولية:

قراءة أحادية للدين، رفض للتاريخ وتعقيده، اختزال السياسة في التمكين

والعقل في النقل المجتزأ....

هذا النموذج لم ينضج فكريًا، ولم يبنِ مشروع دولة، بل أنتج خطاب تعبئة لا خطاب بناء.

ومع الوقت، سقط كثير منه في الأنانية والمصلحية، وتحوّل من معارض إلى أداة.

الدولة العميقة: حين دُجِّن الجميع

في غياب مشروع فكري جامع، وجدت الدولة العميقة فرصتها.

لم تواجه المثقفين، بل احتوتهم:

يساريًا بالفتات، وإسلاميًا بالمناصب،

وإعلاميًا بالمنصات......

فُضّلت الولاءات على الأفكار، والصمت على المواجهة، والمنفعة على المبدأ.

هكذا فُصلت الثقافة عن السياسة، وغابت السياسة عن الفكر.

فأصبحنا أمام معادلة خطيرة: سياسي غير مثقف… ومثقف غير سياسي.

مشهد الضياع : صورة سيريالية للواقع

المشهد اليوم سيريالي بامتياز: جامعات بلا مشروع، إعلام بلا ضمير، نقاشات بلا أفق، ونصوص بلا أثر.

الجميع يتكلم، ولا أحد يغيّر.

الجميع ينتقد، ولا أحد يدفع الثمن.

إنه تيه ثقافي:لا سببه قلة العقول، بل غياب البوصلة.

الجذر العميق للازمة

الجذر الحقيقي للأزمة هو غياب فكر مؤسس:فكر يجمع بين الروح الإسلامية والعقلانية النقدية، يحدد الهوية دون انغلاق، ويبني الدولة والاقتصاد والسياسة على معنى، لا على ردّ فعل، لا يسار بلا عدالة روحية، ولا إسلام بلا عقل تاريخي،

ولا دولة بلا أخلاق.

بين الهزيمة الأخيرة وفرصة النجاة

الثقافة لا تعيش بلا خطر.

والمثقف الذي لا يخاطر، لا يصنع تاريخًا، بل يدوّن هوامشه.

إن لم تستعد الثقافة الجزائرية شجاعتها الأخلاقية، سيظل المثقف شاهدًا صامتًا على انحدار، لم يصنعه وحده…

لكنه لم يمنعه أيضًا.

وذلك، في ذاته، شكل آخر من الهزيمة.

***

بقلم: بلحمدي رابح – الجزائر

أديب وناقد

الأنانية سلوك يتميز بالنرجسية الفاقعة، وهي تغليب مصلحة الذات على مصلحة الآخرين، دون الإكتراث لحقوقهم ومشاعرهم، وفيها تركيز مفرط على الأنا، وصعوبة التعاطف، وقراراتها تخدم الذات ولا يعنيها ما يصيب الآخرين بسببها.

الأنانية إعصار يصيب البشر ويجعله مدفونا في خندق نفسه المولعة بالسوء والشرور، فالأناني يمثل إرادة النفس الأمارة بالسوء، المهيمنة على وجوده والمترجمة لسماته الغريبة المتعجرفة (التكبر وإحتقار الآخرين).

وتتجسد الأنانية في الأشخاص الذين يمتلكون قدرا ما من السلطة، فتجدهم يتصرفون بما يخدم مصالحهم ويغضون الطرف عن مصالح المواطنين، فيحسبون كل شيئ يجب أن يكون لهم فيه حق، وعندما تسألهم عن المسؤولية والأمانة يحسبون ما تقوله من الفكاهة والتندر.

والأناني لا يرى الواقع بل يبصره من خلال عدسات ذاته المقعرة، فتبدو الأشياء من حوله كما يريدها أن تكون لصالحه ولتأمين رغباته.

الأنانية فعلت فعلها في واقع بعض المجتمعات وإبتلتها بأنظمة حكم لا وطنية، همها الكراسي وكيف تحافظ على وجودها فيها إلى حين، وما تعلمت كيف تبني وتتواصل وتتكاتف في مسيرتها، لأن الأنانية أعمتها وجردتها من طاقات التعبير عن إنتمائها لوطنها، والتفاعل الإيجابي مع شعوبها، بل جعلتها تحسب المواطنين أعداءَ وعليها أن تنال منهم بالجور المتعاظم لكي يستقر حكمها، وتتمتع بأنانيتها الطافحة.

أنا وَحدي ولا أحدٌ كَمِثلي

أنا المُختارُ في زمنِ التَخلي

كذا الدُنيا تواصلُها بأنّي

لأجْل رَغائبي وُجِدَ التسلّي

سَعيداً في مَرابعها تَراني

وباقي الخلقِ في قاعٍ مُذِلِّ

***

د. صادق السامرائي

 

السؤال الذي لا يشيخ منذ أن وعى الإنسان ذاته، وهو يسأل:  من أنا؟  ولماذا وُجدت؟ وإلى أين تمضي هذه الروح التي تسكن الجسد لحظة ثم تفارقه؟

هذا السؤال هو نفسه الذي أقلق هيجل في ليل أوروبا المضطرب (حروب نابليون)، وأضاء قلب محمد ﷺ في ليل مكة الهادئ.

سؤال واحد، لكن طريقين. طريقٌ يبدأ من العقل وينتهي عند العقل، وطريقٌ يبدأ من الوحي فينتهي عند الله

هنا تبدأ رحلتنا.. لا لنحاكم الفلسفة، ولا لنخاصم العقل، بل لنضع السؤال في موضعه الصحيح، ونرى أين تلتقي العقول، وأين تفترق المصائر؟.

مشهدان متقابلان: ليلُ يينا (جرت معركة بين يينا وأويرستيدت الاسم القديم: أويرستادت في 14 أكتوبر 1806 على الهضبة الواقعة غرب نهر زاله في الأراضي التي يطلق عليها ألمانيا اليوم، بين قوات نابليون الأول ملك فرنسا وفردريك وليام الثالث ملك بروسيا. ) وليلةُ القدر في مكة المكرمة بالحجاز.

في أوروبا، هيجل يكتب فينومينولوجيا الروح على وقع المدافع، يرى التاريخ صراعاً، والروح ابنة التناقض، والفكرة وليدة الألم..

وفي الجزيرة العربية، ينزل الوحي في ليلة القدر، لا كصدى حرب، بل كإعلان هداية

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ الفرق ليس في الزمن، بل في الرؤي.

هيجل يبحث عن نظام داخل الفوضى، والقرآن ينزل بالنظام ليُخرج الإنسان من فوضى الداخل

هل الروح: بذرةٌ تتطور أم خلقٌ يُربّى؟

يرى هيجل أن الروح كالبذرة، تحمل في ذاتها كل ما ستصير إليه، وتنمو بالصراع حتى تبلغ كمالها

أما القرآن فيعيد السؤال إلى أصله ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾

الفرق عميق في الفلسفة، الروح مشروعٌ ذاتيّ الاكتمال وفي الوحي، الروح مخلوقٌ مكرَّم، يُربّى بالهداية، ويُزكّى بالابتلاء.

ابن تيمية لخص المسألة بدقة الفلاسفة رأوا الشجرة، ونسوا البستاني

أما الإسلام، فرأى الشجرة، والماء، واليد التي ترعاها لحظة بلحظة هيجل يقول: لا تطور بلا تناقض

القرآن يقول: لا ارتقاء بلا ابتلاء ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾

التناقض الهيجلي ينتهي بذوبان الفروق في الروح المطلقة

أما الابتلاء القرآني فينتهي بوضوح الطريق: عبدٌ ورب، مخلوقٌ وخالق، مسؤولية لا ذوبان، وحرية لا تيه.

ابن القيم شبّه النفس بالفضة، لا تصفو إلا بالنار لكن النار هنا ليست صراع الأفكار، بل امتحان القيم

فكرة الكون هل هي فكرة عقلية أم آية إلهية؟

في فلسفة هيجل، الكون تجلٍّ للعقل المطلق، والنجوم أفكار تلمع في فضاء الفكر.

أما القرآن، فيضع الإنسان في موقع مختلف ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ﴾

الكون عند الفيلسوف موضوع تفسير وعند المؤمن خطاب هداية

ابن خلدون نبه إلى هذا الفارق

الفلسفة تسأل: كيف يعمل الكون؟

والوحي يسأل قبل ذلك: لماذا وُجد الكون؟

دوستويفسكي في رواياته رسم إنساناً ممزقاً راسكولنيكوف يقتل ليصنع لنفسه فكرة، فيغرق في العذاب.

أما القرآن فيقدّم صورة أخرى آدم يخطئ، فيتوب، فيُعلَّم، فيُستخلف ﴿فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾

الإنسان في الأدب الغربي يبحث عن الخلاص داخل ذاته

وفي الإسلام، يجد ذاته حين يعرف طريق العودة إلى ربه

من الظل إلى النور: أي نور نريد؟

هيجل يتحدث عن خروج الروح من ظلال الوهم إلى نور الوعي.

والقرآن يقول ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾

نور هيجل هو اكتمال المعرفة.

نور القرآن هو طمأنينة النفس.

الأول يملأ العقل، والثاني يسكُن القلب ويهدي العقل معاً.

سؤال واحد.. ونهايتان

لقد تبيّن لنا أن السؤال واحد في الشرق والغرب

من نحن؟

لكن الجواب هو الذي يصنع الحضارة والإنسان.

عند هيجل: الروح تصعد حتى تعي ذاتها بذاتها.

عند الأدباء الوجوديين: الإنسان يتعذب ليخلق معنى مؤقتاً.

عند القرآن: الروح تسافر.. لا لتكتشف نفسها فقط، بل لتعود إلى ربها

﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾.

هنا تنتهي مرحلة السؤال الفلسفي، وتبدأ مرحلة التاريخ والواقع

كيف تعيش هذه الروح في الأمم؟

وكيف تصنع الحضارات؟

وهل التاريخ حتمية عمياء أم سُننٌ تُدار بالحكمة؟

الروح في مسار التاريخ.. بين الجبر والاختيار

من نحن حين نصبح أمة؟

هنا لا تعود الروح فرداً يتأمل، بل تتحول إلى قوة تصنع التاريخ أو تُسحق فيه

وهنا يتقابل تصوران كبيران

تصور يرى التاريخ قدراً عقلياً لا يُقاوَم، وتصور يراه ميدان ابتلاء، تُكتب صفحاته بالأعمال لا بالأفكار وحدها.

إذا هل التاريخ: مسرح الروح أم ساحة الامتحان؟

هيجل يرى التاريخ سيرةً ذاتية للروح المطلقة، كل حضارة مرحلة، وكل حرب ضرورة، وكل سقوط خطوة للأمام .

التاريخ عنده عقلٌ يسير على الأرض، وإن بدا دموياً.

أما القرآن فيكسر هذه الحتمية الصلبة ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾

ليس التاريخ خطاً صاعداً لا ينكسر، ولا مسرحاً تُمثِّل فيه الأمم أدواراً مكتوبة سلفاً، بل حركة تداول، يعلو فيها من أخذ بالأسباب، ويزول فيها من خان القيم..

ابن خلدون هنا يقف في المنتصف، لا مع الجبر ولا مع الفوضى :التاريخ تحكمه سنن،

لكن السنن لا تعمل إلا إذا دخلها الإنسان بإرادته.

إذا صعود الحضارات وسقوطها: نهاية مفتوحة لا ذروة أخيرة.

هيجل توهّم أن الحضارة الأوروبية هي ذروة المسار الإنساني أما القرآن فلا يمنح شهادة (النهاية) لأحد

﴿وَكَذَٰلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا﴾.

الحضارات لا تُقاس بتقدمها التقني وحده، بل بميزان العدل والمعنى.

مالك بن نبي أضاء هذه النقطة بوضوح الأمة لا تسقط حين تفقد القوة، بل حين تفقد الفكرة التي تبرر القوة.

هل الأمة: روح العقيدة أم روح القومية؟ هيجل تحدث عن  روح الشعب ورأى الدولة التعبير الأعلى عنها

الدم، الأرض، اللغة.. كلها تصوغ هوية الروح الجمعية

لكن القرآن نقل الإنسان من ضيق العرق إلى سعة الرسالة ﴿إِنَّ هَٰذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾

الأمة في الإسلام لا توحِّدها الجغرافيا، بل توحِّدها البوصلة.

ابن تيمية حسم الأمر ما جمعته العقيدة لا تفرقه الحدود، وما جمعته المصالح تفرقه أول أزمة

هل الذاكرة التاريخية: تكرار أعمى أم بصيرة واعية؟

في الفلسفة الغربية، التاريخ يُقرأ للعبرة العقلية وفي القرآن، يُقرأ للهداية ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا﴾

قصص الأمم السابقة ليست حنيناً إلى الماضي، ولا ترفاً ثقافياً، بل مرايا نرى فيها وجوهنا اليوم.

ابن القيم قالها بعمق:

من لم يقرأ التاريخ بعين القلب، سيعيد أخطاءه بعين الرأس. .

الحرية والمسؤولية: بين الحتمية و الاختيار، في الفكر الفلسفي الحديث، إما تاريخ تحكمه القوانين الصماء، أو حرية مطلقة تُغرق الإنسان في القلق.

القرآن جمع بين الأمرين دون تناقض ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾

القدر ليس سجناً، والحرية ليست فوضى هي مساحة العمل بين علم الله السابق، وفعل الإنسان اللاحق

من الذات الفردية إلى الوعي الجمعي.

الغزالي قال: العقل يدرك، لكن القلب هو الذي يوجّه ولهذا ربط القرآن بين فساد القلوب وسقوط الأمم، لا بين ضعف العقول وانهيار الحضار.

﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ﴾

حين تضل القلوب، تتقدم الجيوش بلا معنى، وتتكدس الثروات بلا بركة، ويتحول التاريخ إلى مقبرة حضارات متشابهة إذا التاريخ ليس عذراً.. بل شهادة.

لسنا ضحايا تاريخٍ أعمى، ولا أبناء صدفة كونية نحن شركاء في صناعة مصيرنا، تحت سقف سنن لا تحابي أحداً.

الفلسفة رأت في التاريخ مساراً للعقل الأدب رآه مأساة إنسانية متكررة.

القرآن رآه محكمة مفتوحة، يُستدعى إليها الأفراد والأمم وهنا يبرز السؤال الأخير، سؤال عصرنا نحن

كيف تعيش الروح في زمن الآلة، والسرعة، والذكاء الاصطناعي؟

هل تذوب في التقنية؟

أم تستعيد معناها وتوظفها؟ ذلك هو أفق الرحلة الأخيرة..

حيث نغادر التاريخ، و ندخل العصر

الروح في زمن الذكاء الاصطناعي.. بين الإنسان والآلة، وبين العلم والافكار

الروح في زمن الآلة.. حين يسأل الإنسان نفسه من جديد

من تاريخ الأفكار إلى أفق الاستخلاف

نحن اليوم لا نعيش أزمة معرفة، بل أزمة فكرة

العقل لم يعد عاجزاً، بل متخماً والآلة لم تعد أداة، بل صارت شريكاً في التفكير

لكن السؤال القديم عاد بصيغة أكثر حدة إذا كانت الآلة تحسب، وتتعلم، وتكتب، وتقلّد..

فأين تقف الروح؟

وهل ما زال للإنسان امتياز في هذا العالم المتحوّل؟

هنا يبلغ مسار الرحلة ذروته من سؤال الذات، إلى حركة التاريخ، إلى امتحان العصر

الذكاء الاصطناعي: عقل بلا روح

التقنية الحديثة توحي بأن الوعي مسألة تعقيد حسابي، وأن الإنسان يمكن اختزاله إلى خوارزمية متقدمة

لكن القرآن يعيد رسم الحدود بدقة

﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾

الآلة قد تحاكي العقل، لكنها لا تعرف الدهشة، ولا الذنب، ولا التوبة، ولا الشوق.

عبد الوهاب المسيري نبه إلى هذا الفارق الجوهري

العقل أداة، أما الروح فهي مصدر القيمة.

وحين تُفصل المعرفة عن القيمة، يتحول التقدم إلى خطر ناعم

نهاية المادية أم بدايتها الأخيرة؟

الفيزياء لم تعد ترى الكون مادة صماء، بل شبكة احتمالات، ونظاماً بالغ الدقة، يكاد يشبه الفكرة أكثر مما يشبه الصخرة.

﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾

العلم كلما تعمق، اقترب من سؤال الغاية، لكنه يعجز عن الجواب.

وهنا يتدخل الوحي لا ليصادم العلم، بل ليمنحه أفقاً أخلاقياً ومعنى وجودياً

مصطفى محمود عبّر عن ذلك ببساطة عميقة :العلم يخبرك كيف يعمل الكون، لكن الإيمان وحده يخبرك لماذا.

علم الوراثة يقول: فيك برنامج سابق

والقرآن يقول ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾

لسنا أسرى الجينات، ولا آلهة نصنع ذواتنا من عدم

نحن كائنات مهيّأة، ومسؤولة

ابن القيم لخص المعادلة

السنن لا تلغي الإرادة، والإرادة لا تخرق السنن

وهنا تتجلى كرامة الإنسان.

ليس في قوته، بل في محاسبته.

الفضاء الرقمي: اغتراب جديد أم فرصة للمعنى؟

العالم الافتراضي يضغط الزمان والمكان،

لكنه يهدد بتسطيح الروح.

الإنسان قد يصبح متصلاً بكل شيء،

ومنقطعاً عن نفسه. ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾

الطمأنينة لا تُحمَّل من تطبيق، ولا تُستخرج من خوارزمية

لكن هذا العصر ليس شراً محضاً

هو فرصة لنشر الحكمة، ولبناء وعي عالمي،

إذا بقيت البوصلة واضحة.

بعد هذه الرحلة الطويلة، تتضح معالم طريق جديد: عقل منفتح.. ووحي موجِّه

العقل لا يُلغى، لكن لا يُؤلَّه.

التقنية تخدم الإنسان، ولا تعرّف الإنسان.

إنسان مستخلف لا مركز الكون كما قال طه عبد الرحمن.

الإنسان ليس سيد الوجود، بل أمين عليه.

حضارة لها معنى لا حضارة الاستهلاك.

القوة بلا قيم انهيار مؤجَّل.

إذا من السؤال إلى السكينة.

بدأنا الرحلة بسؤال الفلاسفة: من أنا؟

ومررنا بتاريخ الأمم: كيف نحيا معاً؟

وانتهينا بسؤال العصر: ما الذي يبقى إن تقدمت الآلة؟

والجواب لم يتغير.

﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ﴾

هيجل علّمنا أن التاريخ له معنى والفلاسفة علّمونا شجاعة السؤال

لكن القرآن علّمنا أن للمعنى نهاية، وللسؤال جواباً، وللرحلة لقاء

فالروح لا تتيه إلى الأبد، بل تعود.. حين تعرف الطريق

تمت الرحلة بحمد الله ومنّته.

***

الأستاذ بلحمدي رابح – شاعر، قاص، ناقد

البليدة الجزائر

النانو: جزء من مليار جزء من المتر.

تقنية النانو عالم صغير جدا بحجم الأفكار المطلقة الحجوم.

يمكن إستخدامه في الطب والصناعة والطاقة والتحسين البيئة وعيرها من المجالات التي تنفع البشرية، لكنه كغيره من المبتكرات لابد لها أن تكون عنصرا مهما في الحروب، كالديناميت والطائرة فكل مخترع عبارة عن سيف ذي حدين.

تقنيات النانوتكنولوجي نشاطات سرية تقوم بها أمريكا والصين وروسيا والهند وحتى إيران وباقي الدول التي تتكتم على هذه الدراسات والنشاطات والأبحاث.

تطبيقات النانوتكنولوجي مرعبة وذات تدميرية شاملة للأهداف التي تتوجه نحوها، وهي غير مرئية ويصعب تتبع مصادرها، لدقتها وتناهي حجمها، وعدم رؤيتها، فالعالم يتجه بنانويته إلى ميادين القارعة.

القرن الحادي والعشرون هو قرن النانوتكنولوجي، ومَن لا يجيد هذه التقنية التفاعلية اللامرئية سيتحول إلى فريسة على موائد النانويين.

فأسلحة النانوتكنولوجي ستسود والأسلحة التقليدية ستفقد صلاحياتها، والدول المُصنِّعة لها تحاول التخلص منها ببيعها للدول الجاهلة بالنانوتكنولوجي، فمعظم المجتمعات في ميادين الناموتكنولوجي، أي أنها تغط في نوم عميق وتتدحرج إلى ما وراء الوراء وتدس رأسها في رمال الغابرات، ولا تريد التفاعل الواعي مع العصر الذي سيفترسها وهي مطمورة بوحل الترنم برميم الأجداث.

مجتمعات تغوص في فضاءات النانوتكنولوجي وأخرى فيما مضى وما إنقضى، وتحسب أمواتها أحياءً، ومسيرتها إنتهت يوم باضت ديوك وجودها ياقوتا فريدا!!

بنانو لوْ وعيْتمْ مُرتقاها

فلا تنظرْ إلى أممٍ سِواها

أساطينٌ من الأفكارِ تَسعى

فكلّ قويّةٍ نَضجَتْ رؤاها

بها دولٌ مُعطِلةٌ لعقلٍ

ثراءُ تُرابها ألْغى نُهاها

***

د. صادق السامرائي

إن المشكلة التي يواجهها العالم الإسلامي وفكره المعاصر وعقيدته ما زالت قائمة ويزداد تأثيرها على العقل الجمعي العربي والإسلامي هي تطبيقها على أرض الواقع الإجتماعي والفكري لقد أخذ الفكر الإسلامي وعقيدته الدينية سحب المجتمع الإنساني إلى الكثير من المشاكل والتعقيدات والصراعات التي أفرزتها تطبيقات أسس العقيدة والفقه التي أراد الله تعالى منها نهضة للمجتمعات الإنسانية وتطورها بعدما شرع من الدين لها منهجا متكامل الفهم وواضح المعرفة متضمن بين دفة دستوره الكثير من الشرائع والسنن والشعائر التعبدية والقيم والمبادئ الإجتماعية والمناهج الفكرية الحرة والمتمعن بنصوص هذا المنهاج الدستوري الإلهي (القرآن) نجد فيه من القيم وسبل الهداية التي ترتقي بالإنسان فقد ركز سبحانه وتعالى على هذه القيم الإخلاقية السامية وأعطى له الحرية في التعامل مع النص الدستوري في جميع العصور وترك حرية الشعائر الدينية والعبادات محصورة بين الإنسان وربه والدليا على ذلك نرى أن أول نص تشريعي إلهي للإنسانية مع آدم عندما حذره من شهوة المال والثروة ومحبة الخلود وتبعها مع النبي نوح عليه السلام كأول رسالة للإنسان هي عبادة الله وحده والإحسان والبر بالوالدين ثم مع  النبي شعيب عبادة الله تعالى والعدل والقسط في التعاملات الإجتماعية وبعدها توالت النذر والرسل والشعائر حيث أصبحت واضحت تقريبا مع النبي موسى عليه السلام وخُتمت بالنبي محمد بن عبد الله سلام الله عليه وعلى صحبه فأن الإسلام مبني على ثلاثة أضلع لمثلث رأسه توحيد الله تعالى وحده لا شريك له والضلع الآخر هو العبادات من صوم وصلاة وزكاة وحج والثالث هو المعاملات مع الآخرين في المجتمعات بين الناس جميعا كوحدة متكاملة في العطاء للنهوض بالإنسان المختار من قبل الله تعالى وقد حث سبحانه وتعالى على التعامل بين الناس بالقيم والسلوك التي حددها الله تعالى في دستور الإسلام وكل ما جاء بها من سلوكيات بشرية وأخلاق ومبادئ وتعايش سلمي والبحث العلمي في دراسة الكونيات والعلم الذي يطور من قدرات الإنسان وتطوره وتنمية فكره وعقله ونضوج شخصية للتفاعل مع المجتمع فكلما زادت ثقافة وعقل ومعرفة الإنسان زادة حضارته  وسمت بدورها المجتمعات الإنسانية نحو الرقي والرفعة . لكن مع الأسف نرى ما يجري حاليا من تراجع في القيم وتردي الأوضاع في الوطن العربي والإسلامي بعدما حُجمت هذه القيم والأخلاق ورجحت على حسابها التركيز على العبادات والشعائر التعبدية وهمشت الأفكار التنويرية والبحوث المعاصرة لدراسة النصوص الدستورية لمنهاج الرسالة الإلهية بعقلانية وأكثر أنفتاحا  بعيدا عن التعصب والتناحر والتحزب أن تغليب الشعائر الدينية على القيم وسلوكيات الفرد يحول الدين الإسلامي إلى جماد وصوريا يقف عاجزا  أمام التحديات  الجديدة للتطور العلمي وتطور المجتمع في فكره وسلوكه لأن تطور الشعوب تحتاج إلى مقومات علمية وعملية وسلوك مجتمعي متحرر ومتتطور مع الزمن بعيدا عن التقييد علما أن الشعائر الدينية للمسلم هي الهوية الخاصة للإنسان فكلما زاد التوافق والتزاوج بين الشعائر المعتدلة الخالصة لله تعالى وبين عمل المسلم والتعايش السلمي والعمل الصالح في بناء المجتمع وحضارته.

***

ضياء محسن الاسدي

في عالمنا المعاصر حيث الضجيج والكلمات المعلّبة يملأ أرجاء حياتنا كثيرًا ما نجد أنفسنا في مواجهة أحكام الآخرين آراء الناس وانطباعاتهم المتفاوتة عنا وقد يظن بعض الناس بك سوءًا يبالغون في تفسير أفعالك ويطلقون الأحكام على ظواهر لم يعلموا منها إلا جزءًا يسيرًا أو قد يظن الآخرون أنك مثال للطهارة والنقاء يبالغون في تمجيدك ويمنحونك صفات قد لا تكون موجودة إلا في نواياك الطيبة وهذه التناقضات في تقدير الناس لك مهما كانت لن تضيف أو تنقص شيئًا من حقيقتك التي يعرفها الله وحده.

الإنسان كثيرًا ما يقف أمام مرايا المجتمع يحاول أن يرضي الجميع يركض وراء آراء الآخرين ويسعى لجمع محبة كل شخص يلتقيه ولكنه في كثير من الأحيان يغفل أن الحقيقة الكبرى ليست في ما يقوله الناس أو يظنونه عنك بل في ما يعلمه الله عنك: عن صدقك عن نواياك عن أفعالك عندما لا يراك أحد، وعن أمانتك عندما تُختبر في الخفاء وفي هذه الحقيقة يكمن جوهر الإنسان وهنا يبدأ التوازن الحقيقي بين الذات والعالم، بين المظاهر والحقائق بين التقدير البشري ورضا الخالق.

قد يحاول البعض تشويه صورتك أو أن يبالغ في وصفك وقد تحاول أنت أحيانًا الاندماج مع توقعات الآخرين لتبدو كما يريدونك أو لتكسب رضاهم ولكن في كل هذه المحاولات تتوه الحقيقة وتبتعد الروح عن السلام الداخلي فالإنسان الذي يعيش حياته ليرضي الناس يكون أسيرًا لمعايير متغيرة ونظرات متقلبة وأحكام قابلة للانقلاب في أي لحظة أما من يعي أن رضى الله هو الهدف ويعلم أن الحقيقة ليست في كلمات الآخرين بل في أفعال النفس وأمانتها فإنه يعيش حياة مستقرة متوازنة حرة من عبء الآراء المتذبذبة.

الحياة مليئة بالمواقف التي تكشف صدق الإنسان أو تزيف صورته أمام الناس ةهناك من يثني عليك بلا سبب وهناك من يعيبك بلا وجه حق وهناك من يبالغ في محبتك أو يبالغ في كراهيتك وكل هذا جزء من لعبة المجتمع والتصورات البشرية لكن قلبك يظل مرآة نواياك وضميرك هو الحكم الحقيقي على أفعالك فالصدق مع الذات ومع الله هو الذي يصنع السلام الداخلي وهو الذي يمنح الإنسان القدرة على مواجهة أي ظلم لفظي أو سوء فهم، دون أن يهتز أو يضطرب.

من هنا تتجلى قيمة الصبر وقوة الثقة بالنفس وعمق الإيمان بالله فالمؤمن الحقيقي لا يضطر للرد على كل سوء ظن ولا يسعى لإقناع كل مَن شكّ فيه لأنه يعلم أن الحقيقة الحقيقية هي في قلبه ونواياه وأعماله وأن الله وحده يعلم كل شيء عنها وإن إدراك ذلك يمنح الإنسان حرية نادرة وطمأنينة لا يستطيع أي مدح مبالغ فيه أو ذم مفرط أن يقوضها.

إن المجتمعات تتغير والناس يتبدلون لكن الحقيقة الثابتة لا تتغير، وهي معرفة الله لكل شيء : ما يخفى وما يُعلن ما يُقصد وما يُخطئ، ما يختبر وما يُكافأ وهذا الوعي يجعلنا أقل انشغالًا بما يظنه الناس عنا وأكثر انشغالًا بتطوير أنفسنا بترقية أخلاقنا، بصدق أفعالنا وبالإخلاص في نوايانا إنه دعوة للنقاء الداخلي للعيش بعزة دون الخوف من الظنون وللثقة في أن أفعالنا الطيبة ستظل محفوظة في سجل الحقائق الإلهية.

في النهاية تذكر أن الحياة قصيرة وأن الوقت الذي نقضيه في محاولة إرضاء الآخرين أو الدفاع عن صورتنا أمامهم هو وقت ضائع من عمرنا ولا تدع الظنون سواء كانت سلبية أو إيجابية تتحكم في مسار حياتك ولا تحاول أن تثبت للناس من أنت ولا تسمح لهم أن يحددوا قيمتك واجعل علاقتك مع نفسك ومع الله أساس كل شيء فالذي يعلم الحقيقة الكاملة عنك هو الله وحده فلا خوف من تقييم البشر ولا حاجة لموافقتهم.

الحقيقة هي من يقودك، والأمانة في أفعالك ونواياك هي التي تمنحك السلام الداخلي وكل من يظن بك سوءًا لن يضرك وكل من يبالغ في تمجيدك لن ينفعك لأن قيمة الإنسان الحقيقية ليست في عيون الآخرين بل في قلبه وأفعاله وفي ما يسجله الله عن أعماله ونواياه واجعل حياتك رحلة نحو الصدق والنقاء والإخلاص واجعل كل خطوة فيها موجهة بما يرضي الله لا بما يظنه الناس.

حينها ستعيش حياة خالية من الأعباء النفسية المرهقة حياة ثابتة لا تهزها الكلمات ولا يزعجها الظنون حياة حرة ومستقلة مليئة بالسلام الداخلي ممتلئة بالقوة وعميقة بمعنى المسؤولية الحقيقية تجاه نفسك وتجاه عالمك وتجاه الله وفي هذا السلام الحقيقي ستجد أن كل ما حاول الآخرون تفسيره عنك كل ما ظنوه عنك يصبح بلا معنى ويذوب أمام نور الحقيقة التي يعرفها الله وحده.

الحقيقة لا تُقاس بالمديح ولا بالذم بل بالنية والعمل وبالوفاء لما في القلب من نقاء وبالإخلاص لما تمليه الضمير فلتكن حياتك شهادة على صدقك ولتكن أفعالك مرآة لنقاء روحك ولتسكن دائمًا في رحمة الله الذي وحده يعلم كل شيء عنك والذي وحده يقيّمك حق التقييم.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

علمتني الحياة وجعلتني أدرك أنّ أصعب وأشرس المعارك التي يخوضها المرء في مشوار عمره، ليست تلك التي تكون مع ظروفه ولا مع الحياة، بدروبها الوعرة المحفوفة بمطبات الإحباط ومحطات الفشل واليأس، بل هي تلك التي تدور رحاها مع ذاته، وكوْن هذه الأخيرة هي حليفه والخصم في آن واحد هو مكمن وعلة الصعوبة.

النصر والهزيمة في هذه المعركة الطاحنة كلاهما مضاعف، إن انتصر المرء فيها، كسبها وكسب معها ذاته وإن هُزم خسر. المعركة، وفقد ذاته التي قد لا يَخلُص للعثور عليها مجدّدا. معركةٌ غنائمها مغانم عظيمة وخسائرها فادحة جدًّا بل كارثية قطعًا!

لا أعظم ولا أسوأ من أي يُضيّع المرء في درب الحياة ذاتَه، قيمَه ومبادئه، وكل ماكان من الثوابت ولم يتخيل يوما إفلاته، بفقدانها يظل ناقصا غير مكتمل، كائن لا يشبه أبدا ذاته ونسخته الأصلية، كونها جزءًا أصيلا ومتأصّلا من هويته وكينونته.

معركة صعبة للغاية، طويلة الأمد لا يحدّها نطاق زماني ولا مكاني، قد تبدأ بمجرد أن يشتد عود أحدنا، ويقبل بحماسة فيطأ شاطىء الحياة، ليبحر فيها ويخوض غمارها، وقد تمتد لآخر العمر، تزداد وطأةُ مكابدةِ عناء هذه المعركة، خاصة على من تشبّثوا بدرب الحقّ واتخذوا من الصدق شعارًا فارتقوا وسمت أرواحهم، ونَبُلت غاياتهم ومقاصدهم في الحياة.

من أعظم المكاسب في هذا الزمن، أن يتمسك المرء بقيمه ومبادئه ولا يتنازل عنها أبدا مهما حدث، حتى وإن كان كل ما حوله يدعوه لخلاف ذلك.

 ***

 بقلمي : زينة لعجيمي - الجزائر

 

التخليل: إخراج ما بقي من الطعام بين الأسنان، وله معاني أخرى، كصناعة الخل من الأثمار.

التحليل: عملية تقسيم الكل إلى أجزائه ورد الشيء إلى عناصره، والتحليل السياسي يفسر الأحداث ويربط الأسباب بالنتائج ويتوقع الإتجاهات ويحدد المستفيد والمتصرر وما الكلفة.

تواجهك كلمة "محلل سياسي" في وسائل الإعلام المرئية والمقروءة، وتتعجب من كثرتهم، وما يطرحونه من أقوال على أنها تحليلات، وما هي إلا تصورات لا تستند على أدلة وبراهين موثوقة، وأكثرها يُبنى على ما تتداوله الأخبار، والتصريحات التي يُراد منها التمويه والإلهاء والتضييع، ويختلط فيها الرأي وإسقاط الرغبات الشخصية..

وبناءً على ما يتم تداوله، يبدأون بالتحليلات السياسية، التي تفضحها الأحداث والتطورات وتكشف عوراتها وبهتانها.

السائد في الإعلام من أخبار وتصريحات لا يمكن أن تكون ذات قيمة تحليلية، مهما توهم المحللون، بإعتمادهم على تخريجات منطقية وإدعاءات علمية، مستندة على نظريات وبديهيات معرفية.

التحليل السياسي، يدلي به أصحاب المعلومة الدقيقة الصحيحة، من الذين لديهم القدرة على أن يكونوا على مقربة من صناع القرار.

فشتان بين المحللين المعروفين في الصحف العالمية، الذين يستقون معلوماتهم من مصادر موثوقة، وبين الذين يسمون أنفسهم "محللين سياسيين" في بعض المجتمعات المتأخرة.

الجميع محللون سياسيون، وكتّاب ومفكرون وشعراء وأدباء وفلاسفة، فاختلط حابلها بنابلها، وإبتلع الليل نجومه.

أنتم لا تحللون بل تخللون، وتضللون بما تطرحونه من تصورات لا تتصل بواقع يميز غضبا، ويتقلب على جمرات الحرمان والجور والإمتهان.

فهل تبتلعون بقايا الطعام بين أسنانكم، أم تلفظونه على رؤوس المساكين؟

أملنا أن تحللوا ولا تخللوا!!

نُحلّلُ موقفاً برؤى الرَغيبِ

فدُمنا في مَتاهاتِ العَجيبِ

موازينُ القِوى حَكمتْ وسادَتْ

سياقُ وجودِها نهجُ الغريبِ

تحلّلَ رسمُها وبدى قبيحاً

بتخليطٍ وإسْقاطٍ مُريبِ

***

د. صادق السامرائي

ينظر إلى أن الاستمرارية على أنها ليست قوة جسدية ولا اندفاعاً عابراً أو مؤقتاً يولده الحماس والشغف، بل هي قرار واعٍ يتخذ كل يوم، حتى في غياب الدافعية والتحفيز، وحتى عندما لا تسير الأمور كما نخطط لها. كثيرون يبدأون الطريق بطاقة عالية ونشاط عال المستوى، وما يكادون يواصلون المسير، بل إن القلة هم من يكملون المشوار ويستمروا رغم الصعاب التي تواجههم. والسؤال الجوهري والمهم ليس كيف نبدأ، بل كيف نستمر رغم التعب والإحباط وتقلب الظروف؟.

تكمن صعوبة الاستمرارية في أن الحياة والعمل لا تسير في خط مستقيم، بل في مسار مليء بالضغوط والتغيرات والخسارات والتحديات النفسية والمادية. وغالباً لا يتوقف الإنسان بسبب ضعف إمكاناته أو ما يملكه من مقدرات وطاقات، بل بسبب الإنهاك النفسي الداخلي وفقدان المعنى لذلك. عندما يستنزف الداخل، يصبح الاستمرار عبئاً شاقاً وكلفاً مهما كانت القدرات أو الموارد المتاحة لديه.

إن أحد أبرز معوقات الاستمرارية هو غياب المعنى والغاية، فعندما لا يعرف الإنسان لماذا يفعل ما يفعل؟، تصبح أي عقبة سبباً مباشراً وكافياً للتوقف وعدم اكتمال المسير. العمل بلا معنى يتحول إلى عبء ثقيل، والحياة بلا رسالة تفقد طاقتها وخاصيتها، ولذلك فإن الغاية هي الوقود الحقيقي للاستمرارية، لا الحماس والشغف المؤقت. ويشار إلى أن الاعتماد المفرط على الدافعية لوحدها، شعور متقلب يأتي ويذهب عند تبدل الأحوال والظروف التي تحيط بالفرد والجماعات، فمن يربط استمراره بالحماس وحده سيتوقف عند أول ضعف وفتور. فالاستمرار الحقيقي يقوم على الانضباط والرؤية الواثقة والالتزام الواعي، لا على المزاج المتقلب والمشاعر التي قد لا تسعف المرء في الظروف الصعبة والمفاجئة.

كما أن الإرهاق النفسي غير المعالج يلعب دوراً خطيراً في التوقف، فالضغوط المتراكمة والصدمات المرهقة والمتعبة والإجهاد العاطفي الصامت يستنزف الطاقة الداخلية دون أن نشعر. كثيرون انسحبوا من مسارات حياتهم أو أعمالهم لا لأنهم ضعفاء، بل لأنهم مرهقون بصمت ولم يمنحوا أنفسهم حق التوقف المؤقت أو التعافي. وتعد المثالية الزائدة من العوائق الخفية كذلك، إذ إن السعي الدائم للكمال يجعل الإنسان قاسياً في تقييم نفسه ومحاكمتها، فيعتقد أنه يجب أن ينجح دوماً وألا يخطئ أبداً، وحين يتعثر لأول مرة يتوقف بالكلية. إن الاستمرارية تحتاج ذهنية تسمح بالتقدم رغم النقص، والتعلم من الخطأ لا الهروب منه.

إن الخوف من الفشل أو النقد يشكل سداً وعائقاً آخر، فالتجارب السابقة المؤلمة أو القلق من نظرة الآخرين قد يشل الحركة ويجمد الإرادة. كثيرون لم يتوقفوا لأنهم فشلوا، بل لأنهم خافوا من أن يفشلوا مرة أخرى. وأن المقارنة المستمرة بالآخرين، فهي تسرق الطاقة وتضعف الشعور بالرضا عن الذات، وتخلق شعوراً سلبياً زائفاً بالتأخر أو العجز، مع أن لكل إنسان توقيته ومساره المختلف، والاستمرارية لا تقاس بخطوات الآخرين ونسلكهم بل بمدى التزام الشخص بطريقه الخاص.

ولا يمكن إغفال أثر البيئة المحيطة، فغياب الدعم أو العيش في بيئة محبِطة يضعف القدرة على الصمود طويلاً. الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، وحتى الأقوياء يتعبون إذا ساروا وحدهم دون مساندة أو تشجيع. لذلك يصبح الدعم، ولو كان بسيطًا، عنصراً أساسياً في القدرة على المواصلة.

أما الاستمرار رغم كل ذلك، فيبدأ بربط ما نفعله بمعنى أعمق وأوسع من المكاسب اللحظية، ومعنى يمنحنا سببًا للنهوض كلما تعثرنا. ويحتاج كذلك إلى تقسيم الطريق إلى خطوات صغيرة ثابتة، لأن الاستمرارية لا تحتاج قفزات كبيرة بقدر ما تحتاج أفعالاً يومية قابلة للتكرار. كما أن إدارة الطاقة لا تقل أهمية عن إدارة الوقت، فالراحة ليست ضعفاً ولا تراجعاً، بل استراتيجية ذكية تحمي الإنسان من الاحتراق النفسي. والتصالح مع التعثر ضرورة نفسية، فالتوقف المؤقت ليس فشلاً، بل فرصة لإعادة الشحن وإعادة توجيه المسار.

في النهاية، تبقى الاستمرارية في الحياة والعمل ليست أن نكون أقوياء طوال الوقت، بل أن ننهض كل مرة نسقط فيها، ولو ببطء. من يستمر لا يفعل ذلك لأنه لا يتألم، بل لأنه تعلم كيف يتقدم رغم الألم، وكيف يحول العثرات إلى وقود جديد للمضي قدماً.

***

د. أكرم عثمان

22-1-2026

رب استرني بسترك ولا تفضحني بين عبادك، عبارة استوقفتني كثيراً وأنا أنتبه لها رغم مرورها أمام ناظري في ذهابي وإيابي في بلد العتبات المقدسة.

والذي شدني وآلمني هو وجود صورة لامرأة محجبة تماماً، ذكرني الدعاء بموقف وقفت أمامه مدهوشة حيث سمعت: (الله يستر عليك خليهم)، وإذا بشاب خلفي في أحد محلات التغذية يحاول مساعدتي بحمل المشتريات ووضعها عند البائع، ولم أدرك لوهلة سبب الكلمة حيث لم أطلب مساعدة ولم يصدر مني سلوك غير مقبول، ما الذي فعلته ليستِر عليّ؟

خرجت يتملكني الغضب مهزوزة من الأعماق، وأعاد لفكري الكثير من المفاهيم المغلوطة التي تُشكل شخصياتنا وتُزعزع الثقة والدونية في تكوينها دون أن ندرك أننا نشارك بجريمة التمييز الجنسي الذي ما زالت تعاني منه الأمم.

حين نرتقي بإنسانيتنا ويزداد الوعي والبصيرة حينها ندرك فداحة الفقر والأمية ونحزن كثيراً لطفل يعمل تحت شمس حارقة ليوفر لقمة العيش لعائلة صغيرة يحملها، هذا الوعي ذاته هو الذي يحركنا لرفض هذا التمييز، ألم نصدح بكل منابرنا أن الإسلام دين مساواة لم تصلها القوانين الوضعية إلا بعد معاناة طويلة.

فما زالت أمريكا وهي أم الديمقراطية تعاني من تمييز عنصري بين السود والبيض، وما زالت مجتمعاتنا تعاني وتفقد ملايين البشر نتيجة فوارق دينية ومذهبية قولبت عقولنا فبتنا نستشعر أننا شعب الله المختار ونُدخل النار من نشاء.

وحسب تصوراتنا عن رب محابٍ يختص فئة دون فئة وأمة دون الأمم:

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَىٰ عَلَىٰ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَىٰ لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَىٰ شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ ۗ كَذَٰلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ ۚ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ).. البقرة: 113

ومن هذا التمييز المقيت هو هذا التمييز بين الذكر والأنثى، والواقع الأكثر ألماً هو حين تتضخم عندنا المثاليات وندعي أننا أكثر الأمم التي حققت المساواة واحترمت المرأة وأعطتها حقوقها.

قد أكون أنا المخطئة حين تستشعر مثيلاتي أن هذا عناية إلهية وأن الله خلقها هكذا وأن هذه الاختلافات طبيعية، لا أدري هل الخلل في عقلي الذي ربيته على أن يكون حراً ويرفض العبودية والانقياد لما فيه إهانة إنسانية، أم الخلل في هذه الثقافة التي نشأنا وتربينا في ظلالها حتى باتت تشكل فكرنا ونفسياتنا بحيث باتت نساؤنا أكثر دفاعاً عن مثل هذه المعتقدات والأعراف من الرجال.

وإلا لمَ لا يُرفع هذا الدعاء بجانب صورة لذكر؟

لمَ دوماً الدعاء الملازم لهويتي الستر؟

ماذا بي حتى أكون فضيحة وعاراً على الأهل والمجتمع؟

ما الفرق بين الذكر والأنثى بحيث يترتب عليها الشرف دونه؟

ألا يُشكل هذا عقلية ترسمنا ملامح إغواء وشيطنة أينما حللنا بحيث يدعو ذاك الشاب لي بالستر وأنا بمنزلة أمه غير مدرك للإهانة التي وجهها لي؟

ما الفرق الإنساني بيني وبينه بحيث أكون مثار فساد وذريعة لانحراف؟

عليّ أمام هذا أن أتوارى وأن لا أظهر إلا للضرورة، وأن مهمتي الأساسية هي المنزل، فصلاتي في بيتي أفضل، علاقتي بالله تحددت بحدود ماهيتي التي هي بحقيقتها عورة.

من أنا؟

أبسط تعريف: عورة.

العورة ليس من اللائق وليس من الذوق إظهارها، وجهي عورة، جسدي عورة، بل حتى صوتي عورة يجب أن لا يسمعه الآخرون فيفتنون.

ألا يحق لي أن أعترض وأن أطالب بالعدالة الإلهية وقد خلقني للإغواء فقط؟

أين إنسانيتي، ولمَ زاد في خلطتي الآدمية الصفات الشيطانية فبت أقرب له وقرينته التي يُدعى لها بالستر وعدم افتضاح أمرها أمام الملأ؟

ما أفهمه عندما ندعو اللهم استرنا أو اللهم الستر هي دعوة غير مباشرة لممارسة الستر بيننا نحن الناس، وكم المجتمع بحاجة إلى ثقافة الستر وعدم نشر الفضائح، فقد عانينا الكثير من هذا الأمر وهذا ما لا يختلف عليه اثنان.

سأعلن تمردي،

وأتبرأ من كل من لا يعترف بإنسانيتي،

من كل من يراني عورة.

أحد أحد، فإلهي رب الذكر والأنثى.

أحد أحد، فإلهي لا يُحابي ولا يستحي مما خلق.

أحد أحد، فإلهي الغفور الرحيم الذي يحب الستر.

***

منى الصالح

تعد العدالة الاجتماعية مقصد شرعي، وقيمة أخلاقية مهمة في نهضة المجتمعات وبناء الدول الراشدة. وتعتبر العدالة الأجتماعية غاية وليست وسيلة، وتطبيقها غالباً مايكون نسبياُ.. معالمها لاتأتي من فراغ أنما لغاية تتلخص فكرتها في تحقيق مبدأ المساواة، والعدل، والرخاء، وتحقيق التوازن بين حقوق الأفراد ومسؤولياتهم او التزاماتهم تجاه المجتمع.

وهي مفهوم ملتبس، والبعض يراه مجرد تجريد عقلي لا سبيل إلى تطبيقه في عالم الواقع، وما مطبق من العدالة الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، ليس إلا محاولات تهدف إلى الحفاظ على الحقوق التي اقرها القانون الطبيعي والأخلاقي.

والعدالة الاجتماعية مفتاح مجاني وطوعي لتحقيق مبدأ المساواة الذي ينطوي على شفرة اساس تبدأ من رأس الهرم (العدالة)، وتنتهي بتحقيق اهدافه.

ولن تتحقق عدالة اجتماعية كاملة، ولن يضمن لها التنفيذ والبقاء، ما لم تستند إلى شعور نفسي باطن باستحقاق الفرد لها، وبحاجة الجماعة إليها، وبعقيدة في أنها تؤدي إلى طاعة الله، وإلى واقع إنساني أسمى.

اول مبدأ لتحقيق العدالة هو الاسلام وقوانينه السمحة .

وترتبط اصولها بجملة اساسيات اهمها:

العلاقات الأسرية:

زهوها ينمو عندما يُمارَس العدل والمساواة داخل الأسرة، يشعر جميع أفراد الأسرة بالتقدير والاحترام، مما يعزز الروابط الأسرية ويُقوي العلاقات بين أفرادها.

وإن توفير بيئة صحية للأطفال: يشعر الأطفال بالأمان والقبول عندما يتم تطبيق العدل والمساواة في الأسرة هذا يساعدهم على النمو بشكل صحي وسليم.

ولابد من توفير طرق سليمة لمعيشة مترفة عن طريق الغاء ثقافة الإنكار، وتفكيك العنصرية النظمية، وتفعيل مبدأ الكل سواسية في العمل، وعدم استعمال اسلوب التفضيل، والأنحياز لشخص من دون آخر، والسعي الجاد لتحقيق العدالة الاجتماعية، عن طريق إلغاء تطبيق قانون (العفو العام للسجناء)؛ كونه يفسح مجالاً كبيراً لعدم المساواة.

ولابد من توظيف سمة (الاستماع)؛ لأنه يضمن احقية الاغلبية، وهو بداية لجبر الضرر.

وهنا يمكننا القول : بإن العدالة الأجتماعية تُعتبر احدى القيم الأساسية التي يسعى المجتمع العالمي الى تحقيقها، وتعني توفير الفرص المتساوية لجميع الأفراد، بغض النظر عن خلفياتهم الاجتماعية، والاقتصادية أو الثقافية.

ومع تزايد الفجوات في مختلف أنحاء العالم، تبرز التحديات التي تواجه مفهوم العدالة الاجتماعية، كما تظهر الفرص التي يمكن استغلالها لتحقيقها.

التحديات تُعد الفجوات الاقتصادية احدى أكبر التحديات للعدالة الاجتماعية، اذ يعيش جزء كبير من سكان العالم في فقر مدمج، بينما تتركز الثروات في أيدي قلة قليلة، وتساهم السياسات الاقتصادية غير المتكافئة، وزيادة التفاوت في توزيع الدخل في تفاقم هذه الفجوات، مما يعيق تحقيق العدالة الاجتماعية.

التمييز العنصري والجنسي، اذ لا يزال هذا التمييز يمثل عائقاً كبيراً أمام العدالة الاجتماعية، ففي هذا المجال تتعرض مجموعات اجتماعية للتهميش، وتُحرم من الفرص المتاحة، مما يزيد من حدة الفجوة بين الطبقات، ويتطلب التصدي لهذا التحدي وضع سياسات فعالة تهدف إلى مكافحة التمييز، وتعزيز الشمولية.

تغير المناخ، فهو تحد عالمي آخر يؤثر بشكل غير متساوٍ على الفئات الأكثر ضعفا، فالتأثيرات السلبية للتغير المناخي غالباً ما تؤثر بشكل أكبر على المجتمعات الفقيرة، التي لا تملك الموارد الكافية للتكيف مع تلك التغييرات.

لذا، فإن تحقيق العدالة الاجتماعية يستلزم التعامل مع قضايا البيئة، وبناء مجتمعات قادرة على مواجهة التحديات البيئية.

وزيادة الفرص لتعزيز التعليم، اذ يُعتبر احدى الأدوات الفعالة لتعزيز العدالة الاجتماعية، فمن خلال توفير فرص تعليمية متساوية، يمكن تقليل الفجوات، وزيادة قدرة الأفراد على تحسين أوضاعهم الاقتصادية والاجتماعية، ويجب أن تُبذل الجهود لتوفير التعليم الجيد للجميع، خاصة للفئات المهمشة.

التكنولوجيا والابتكار تُعد التكنولوجيا أداة قوية يمكن استخدامها لتعزيز العدالة الاجتماعية، فمن خلال الابتكارات التكنولوجية، يمكن تحسين الوصول إلى المعلومات والخدمات، مما يُسهم في خفض الفجوات، بشرط استغلال التكنولوجيا بشكل عادل لضمان استفادة الجميع.

وتوظيف السياسات العامة المستدامة، اذ تستطيع الحكومات وضع سياسات عامة تهدف إلى تعزيز العدالة الاجتماعية،عن طريق تنفيذ برامج تهدف إلى دعم الفئات الأكثر ضعفاً، مثل توفير الرعاية الصحية والإعانات الاجتماعية، وإمكانية تحسين الظروف المعيشية وتعزيز العدالة.

في الختام، تُعد العدالة الاجتماعية هدفاً مهماً يحتاج إلى جهود متكاملة لمواجهته، على الرغم من التحديات العديدة، إلا أن هناك فرصاً مهمة يمكن استغلالها لتحسين الوضع الحالي، فمن خلال التعاون بين الحكومات، المنظمات غير الحكومية، والمجتمع المدني، يمكن بناء عالم أكثر عدالة وإنصافا للجميع.

إن تحقيق العدالة الاجتماعية ليس مجرد هدف، بل هو ضرورة لتحقيق التنمية المستدامة والرفاهية للجميع.

***

د. وسن مرشد محمود

جامعة تكنلوجيا المعلومات والاتصالات

قراءة في غيرة الأرواح وفراغ العقول

الجن قبائل شتى، وأصناف متباينة، وعوالم غيبية يلفها الغموض؛ فمنهم الطويل والقصير، والجميل والقبيح. يُشاع عن عالمهم تطور تكنولوجي مذهل وآلات تفوق الخيال، حتى يُخيل للبعض أنهم يملكون "مجسات" قادرة على اختراق الجهاز العصبي للإنسان والسيطرة على إرادته. ولكن، أمام هذا الإبهار الصوري، يبرز سؤال العقل والمنطق: لو كانوا بهذه الدرجة من التطور والذكاء، لماذا لم يكونوا هم ورثة الأرض ومستخلفيها؟

جدلية الاستخلاف: لماذا الإنسان لا الجن؟

الحقيقة التي يغفل عنها الكثيرون هي أن العقل الذكي ينشغل بالإبداع والبناء، بينما العقل الفارغ لا يتقن سوى افتعال الأزمات والتشاكس. يقول الله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا ۚ الْحَمْدُ لِلَّهِ ۚ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 29]. هذه الآية العظيمة تشرح الفرق الجوهري بين عقل مليء بضجيج الأوهام والشركاء المتشاكسين، وبين عقل مطمئن بمركزيته وإيمانه، منصبٍّ على إبداعه.

والجن، رغم ما قد يُظهرونه من "تقنيات" أو قدرات خارقة، يفتقرون لجوهر العقل المبدع.

 لقد كرم الله الإنسان واستخلفه في الأرض، ومن غير المنطقي أن يكون الخليفة أدنى مرتبة أو أكثر غباءً ممن سكنوا الأرض قبله وسفكوا الدماء فيها.

الحجة القرآنية الدامغة التي تكسر هالة "الذكاء الخارق" المزعومة للجن.

 عقول الجن ليست كعقولنا؛ فهم مخلوقات تفتقر للذكاء الاستراتيجي، والدليل القاطع من القرآن الكريم في قصة نبي الله سليمان ﴿فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾ [سبأ: 14]. فكيف لمن لم يدرك حقيقة "موت" من يقف أمامه أن يدعي الذكاء أو التطور؟

المعادلة المفقودة: قوة الجسد مقابل سيادة الفكر

الفارق الجوهري يكمن في الآتي:

الإنسان: مُميز بالعقل التخيلي والتخطيطي الذي يُمكّنه من تنفيذ المعجزات بعد تفكير وعناء.

الجن: مُميزون بقدرات جسدية وطاقات حيوية (طيران، غوص، سرعة) منحت لهم كتعويض عن نقص الملكة الفكرية، فهم ينفذون دون وعي أو تخطيط عبقري.

سيكولوجية الغيرة: جذور الانحراف في "علوم الطاقة"

كل ما يُشاع اليوم عن "علوم الطاقة الخرافية" والمعلومات الغيبية التي يُدعى أنها تأتي من عوالمهم، ليس إلا محاولة "تعويضية" نابعة من غيرة قديمة؛ الغيرة التي أخرجت إبليس من الجنة ما زالت تحرك ذريته حتى اليوم، فهم يحاولون إبهار الإنسان وإشغاله بعالمهم لكي ينحرف عن مساره القويم ويترك دوره في عمارة الأرض.

هم يملكون القوة البدنية، ونحن نملك العقل المُدبر. هم يملكون التستر خلف الحجب، ونحن نملك النور والبيان. لذا، لنفكر بعقول مطمئنة، لا بعقول فضولية تائهة في سراديب الغيب. الجن عالم وظيفي له حدوده، والإنسان عالم إبداعي له سيادته، وما عدا ذلك من ادعاءات بتطورهم التقني ليس إلا سراباً يحاولون به تغطية "عذابهم المهين".

"ختاماً، هذا هو الواقع الذي يفرض منطقه أمام العقل المتأمل؛ فهل تتفقون مع هذا التحليل الذي يضع كل كائن في نصابه، أم أن لكم رؤية أخرى حول هذه الكائنات الفضولية وتأثيرها المزعوم؟

إن كان في جعبتكم فضول لمعرفة المزيد، أو رغبة في الغوص بعمق خلف كواليس هذه العوالم، فإن 'قلم الحرية' هنا، مستعدٌ ليكشف لكم وهم 'الكليات الخفية' ويفكك خداع البيان والبلاغة الذي يتستر خلفه مدعو علوم الطاقة. أخبروني في تعليقاتكم: هل أنتم مستعدون لرحلة كشف الحقائق الكبرى؟

***

بقلك الحرية: فاطمة الدفعي

مؤسسة حرية قلم للإنتاج الفكري والفني

 

لاشك ان للعصرنة والحداثة التي نعيشها اليوم، ايجابيات لاحصر لها، لعل في مقدمتها، سرعة التواصل الإجتماعي في اللحظة، وتبادل المعارف والثقافات، والوقوف على كل ماهو جديد في مختلف المجالات، في لحظة حدوثها، ناهيك عن ايجابيات أتمتة الخدمات، والعمليات الانتاجية، وما تمخض عنها من سرعة في الاداء، ووفورات في التكاليف.

على أن تداعيات العصرنة الصاخبة، تحمل في طياتها، من جهة اخرى، تحديات كبيرة،

لاسيما في الجوانب السلبية منها، الامر الذي يتطلب الإنتباه الجاد لها، من خلال تشخيصها، والتوعية بمخاطرها، والعمل على تجاوزها بالحوار الهادف .

 وتجدر الإشارة إلى أن من بين ابرز تحديات العصرنة، هو ما يتعلق منها بأتمتة الوعي الانساني، ومسخ القيم، مما يتطلب استكشاف الآثار السلبية لتداعيات العصرنة، على رقمنة الوعي، ومسخ القيم، وخلخلة التقاليد الإجتماعية، حيث تصبح القرارات، والآراء عند ذاك، أكثر تأثرًا بمغريات التقنية الرقمية، ورهينة بمخرجاتها، لتصادر بذلك، الوعي الانساني، باعتباره آخر ما يبقى للأفراد من مقومات حرية الإنسان.

 ولاريب أن أتمتة الوعي، تستلب حق الأفراد الأساسي باتخاذ القرارات، بما تتركه من اثار سلبية بمصادرة خياراتهم في اتخاذ القرارات بروح إنسانية، لتطرح بذلك تحديات أخلاقية، وعاطفية كبيرة، خاصة وان العواطف، والحس الوجداني، هي اهم ما يميز الإنسان عن الآلة الصماء، من خواص، عند اتخاذ القرار .

على أن مسخ منظومة القيم التقليدية، بتداعيات العصرنة الصاخبة، بما تتركه عليها من تغيير جذري، بسبب التأثيرات الحاسمة للعوامل الخارجية، يشوه ملامح الهوية، ويمس نقاء أصالتها في الصميم، وهو ما يؤدي إلى تغييب الهوية، فردية، كانت ام جماعية، على حد سواء، لنصبح عندئذ، الغير، بعد أن كانت الهوية يوم ذاك، هي ما يجعلنا، نحن.

وفي مواجهة تلك التحديات المتسارعة للعصرنة الصاخبة، بجوانبها السلبية، فإنه يتطلب التوعية الجادة، بأهمية الحفاظ على صيانة، الوعي، والقيم، والتقاليد الاجتماعية، من المسخ والتشويه، والضياع، من خلال تعليم الأفراد كيفية التفكير النقدي، والتمييز بين المعلومات، بهدف إسقاط المحتويات الهابطة، ونبذ الأفكار السلبية، والحرص على التفاعل البناء، مع كل ماهو ايجابي، ومفيد، في ساحة الفضاء الرقمي.

***

نايف عبوش

في زمنٍ لم يعد فيه الإنسان يكتفي بأن يكون، بل بات مطالبًا بأن يُرى، تتحول المرآة من أداة تأمل إلى محكمة اعتراف يومية. لم نعد نقف أمامها لنفهم أنفسنا، بل لنقيس مقدار الإعجاب الذي نستحقه. وهنا، تتسلل النرجسية من كونها صفة فردية إلى كونها روح عصر، أو كما قال عالم الاجتماع زيغمونت باومان: «الحداثة السائلة لا تنتج أفرادًا، بل صورًا تبحث عن جمهور».

"نرجس"، ذلك الفتى الأسطوري، لم يكن مريضًا بالحب، بل مسكونًا بالانعكاس. لم يمت لأنه أحب نفسه، بل لأنه لم يرَ سواها. ومن هذه الأسطورة القديمة، وُلد مفهوم حديث "النرجسية" الذي لا يزال يتبدل مع تبدل الوسائط.

النرجسية، في معناها النفسي، هي تضخم الإحساس بالأهمية الذاتية، تعطش دائم للإعجاب، وتآكل بطيء للتعاطف. لكنها اليوم لم تعد حكرًا على العيادات النفسية. لقد خرجت إلى الفضاء العام، إلى الشاشات، إلى الإعجابات، إلى اقتصاد الصورة.

فالشبكات الاجتماعية لم تعد مجرد أدوات تواصل، بل أصبحت مسارح دائمة، يُطلب فيها من الفرد أن يؤدي دور النسخة الأفضل من نفسه، حتى لو كانت هذه النسخة وهمًا مصقولًا بالفلاتر. وكما يقول الفيلسوف الفرنسي جان بودريار: «نحن لا نعيش في عالم الواقع، بل في تمثيلاته».

من هنا، لم تعد النرجسية مجرد غرور، بل ضرورة اجتماعية غير معلنة. أن تكون مرئيًا يعني أن تكون موجودًا، وأن تُنسى يعني أن تُلغى.

لكن الخط الفاصل بين النرجسية “الوظيفية” والنرجسية المرضية دقيق وخطير. فحين تصبح الرغبة في الاعتراف غاية في ذاتها، لا وسيلة للتواصل، يتحول الإنسان إلى سجين تقييم الآخرين. عندها، تختزل العلاقات في مظاهر، ويُقاس القرب بعدد التفاعلات، لا بعمق المعنى.

هنا تظهر النرجسية المرضية، حيث تتلاقى مع صفات أخرى فيما يسميه علماء النفس بـ «الثالوث المظلم»: النرجسية، الميكافيلية، والسيكوباتية. صفات لا تعني بالضرورة الجنون، لكنها تشير إلى خلل أخلاقي في العلاقة مع الآخر. وكما نبّهت حنّة أرندت: «أخطر الشرور هي تلك التي لا تبدو شريرة في ظاهرها».

نعيش اليوم في مجتمع لا يخاف الألم بقدر ما يخاف التجاهل. الخوف الأكبر لم يعد الفشل، بل عدم الاعتراف. وهكذا، تتحول الصورة الاجتماعية إلى قيمة عليا، تعيد تشكيل السلوك، وتعيد ترتيب القيم، بل وقد تبرر العنف الرمزي، والتنمر، والإقصاء.

حتى أماكن العمل لم تعد بمنأى عن هذا المنطق. فالسعي إلى السلطة، والظهور، والكاريزما المصطنعة، بات يُكافأ في بعض البيئات المهنية. ومع صعود “المؤثرين”، أصبحت الذات سلعة، وأصبح تحسين الصورة مهنة بحد ذاتها. يقول إريك فروم: «في المجتمع الاستهلاكي، الإنسان لا يبيع ما ينتجه، بل يبيع نفسه».

ورغم كل ذلك، لا يمكن اختزال النرجسية في كونها شرًا مطلقًا. فهي، في بعض تجلياتها، آلية تكيف، وطريقة للبقاء في عالم صاخب ومكتظ بالصور. الإشكال لا يكمن في حب الذات، بل في غياب التوازن بين الذات والآخر.

فكما أن إنكار الذات يُميت الإنسان، فإن تأليهها يعزله. وربما كانت الحكمة، كما قال أرسطو قديمًا: «الفضيلة تكمن في الوسط».

فالنرجسية اليوم ليست مجرد مرض نفسي، بل خطاب اجتماعي، وأداة ثقافية، وموقف وجودي. إنها مرآة نرى فيها أنفسنا، لكنها قد تتحول إلى جدار يحجب العالم عنا.

وفي عصر لا يكف عن المطالبة بالظهور، ربما يكون الفعل الأكثر شجاعة هو أن نتعلم متى نغلق الكاميرا، وننظر خارج الإطار، حيث لا تصفيق ولكن معنى.

***

محمد إبراهيم الزموري

لا تضحك في وجهي، ليس لأن الضحك جريمة، بل لأن بعض الضحكات تُشبه الصفعة حين تأتي في غير موضعها بل ثمة ضحك لا يولد من الفرح، بل من الفوقية، من شعور خفي بالتفوق، من رغبة مبطنة في كسر شيء ما في الداخل، ثم الادعاء بأن الأمر لم يكن سوى مزاح. هكذا تبدأ الإهانة غالبًا: خفيفة، مبتسمة، ناعمة الأطراف لكنها تعرف طريقها بدقة إلى أكثر النقاط هشاشة في الروح.

في هذا العالم، لم تعد الإهانة تحتاج إلى صراخ. يكفي أن تضحك في وجه إنسان وهو يتكلم بجدية، وهو يحاول أن يشرح ألمه، أو يدافع عن فكرة أو يبرر موقفًا لم يختره أصلًا والضحك هنا لا يكون تعبيرًا عن خفة الدم، بل إعلانًا صامتًا: أنا لا أراك ولا أراك جديرًا بأن أستمع إليك وإنها لحظة قصيرة لكنها كافية لتعيد ترتيب ميزان الكرامة داخل النفس.

الوجوه ليست صفحات بيضاء. كل وجه يحمل تاريخًا غير مكتوب: ليالي قلق خيبات مؤجلة أحلام أُجبرت على الصمت كي لا تُتَّهم بالسذاجة وحين تضحك في وجه شخص، فأنت لا تضحك على جملة قالها بل على كل هذا التاريخ المتراكم خلف عينيه وربما لهذا السبب يتغير شيء ما في النظرات بعد تلك الضحكة؛ شيء ينكسر ولا يعود كما كان.

تعلمنا المجتمعات، بوعي أو بدونه أن نقلل من شأن الآخر بلباقة وأن نُهين دون أن نُحاسب وأن نبتسم ونحن نطعن وصار الاستهزاء مهارة اجتماعية، وصار التقليل من الآخر دليل ذكاء في بعض المجالس ومن يرفع صوته يُدان ومن يسخر يُصفَّق له. كأن الوقار صار ضعفًا والاحترام سذاجة والصمت علامة عجز لا اختيارًا واعيًا.

لكن الإنسان، مهما بدا متماسكًا، لا ينسى الإهانات الصغيرة وتلك التي لا تُكتب في محاضر، ولا تُروى في القصص الكبيرة لكنها تبقى كشوكة تحت الجلد ولا تُميت، لكنها تُوجع مع كل حركة وضحكة واحدة في غير موضعها قد تجعل المرء يعيد النظر في نفسه، لا لأنه مخطئ، بل لأنه اعتاد أن يحمّل نفسه ذنب قلة احترام الآخرين له.

لا تضحك في وجهي، لأنني أعرف الفرق بين الضحك معي والضحك عليّ وأعرف متى يكون الضحك مشاركة، ومتى يكون إقصاءً متنكرًا في هيئة خفة وأعرف متى يكون الجلوس إلى جانبي اعترافًا بوجودي ومتى يكون انتظارًا للحظة سقوط كي يُعلن الضحك انتصاره الرخيص.

الضحك الحقيقي لا يُقلّل، لا يعلو فوق أحد لا يحتاج إلى ضحية ليكتمل. أما الضحك الذي يتغذى على كسر الآخرين فهو ضحك هشّ، يخفي خوفًا عميقًا من الندّية ومن يضحك ليُهين، يفعل ذلك لأنه لا يحتمل فكرة أن يكون الآخر مساويًا له في القيمة أو ربما متقدمًا عليه في الصدق.

في عالمٍ يطالبنا دائمًا بأن “نكون أقوياء” ننسى أن القوة الحقيقية تبدأ من احترام الضعف الإنساني، من الإصغاء بدل السخرية من الصمت حين لا يكون الكلام إلا أذىً إضافيًا. ليس كل ما يُقال يستحق ردًا وليس كل ما يُضحك يستحق ضحكة.

لا تضحك في وجهي، لأنني لست مسرحًا لعقدك المؤجلة ولا مساحة لتفريغ إحباطاتك اليومية وإن أردت الضحك فاضحك مع من يشاركك الفرح، لا مع من يقف أمامك أعزل إلا من كرامته فالكرامة حين تُجرح لا تصرخ لكنها تنسحب بهدوء ومعها ينسحب شيء من الإنسانية المشتركة.

وهنا، في هذا الانسحاب الصامت، تبدأ الحقيقة بالظهور فليس كل صمت قبولًا وليس كل ابتسامة رضا وكثيرًا ما تكون الوجوه مهذبة أكثر مما ينبغي، وتصمت لا لأنها لا تشعر، بل لأنها تعرف أن بعض المعارك تُربح بالانسحاب لا بالمواجهة ولكن هذا الانسحاب لا يعني النسيان بل يعني أن الذاكرة قررت أن تحفظ ما حدث كدرس لا كحكاية عابرة.

وفي النهاية، لا يبقى من كل هذا الصخب سوى لحظة صافية يواجه فيها الإنسان نفسه ولحظة يدرك فيها أن الكرامة ليست شعارًا يُرفع ولا كلمة تُقال عند الغضب بل إحساس داخلي دقيق، ينكسر بصمت ويُرمَّم بصمت، ويُهان أحيانًا بابتسامة عابرة أكثر مما يُهان بسكين واضحة وهنا نفهم أن الضحك ليس فعلًا بريئًا دائمًا، وأن الوجوه ليست مجرد ملامح، بل حدود أخلاقية غير مرئية.

لقد اعتدنا أن نمرّ فوق مشاعر الآخرين بخفة، أن نبرر القسوة بالمزاح، وأن نغلف الاحتقار بالابتسام. اعتدنا أن نقول: «لم أقصد»، وكأن القصد وحده هو ما يصنع الأذى متناسين أن الأثر أصدق من النية وأن ما يُكسر في الداخل لا يسأل عمّن قصد ومن لم يقصد. هكذا تتراكم الإهانات الصغيرة وتتحول إلى جدار صامت بين البشر، جدار لا يُرى لكنه يمنع الدفء، ويمنع الثقة، ويجعل كل اقتراب محفوفًا بالحذر

وحين نقول: لا تضحك في وجهي، فنحن لا نطلب صمتًا أبديًا، ولا وجوهًا عابسة بل نطالب بحدٍّ أدنى من الاعتراف ونطالب بأن يُنظر إلينا لا بوصفنا مادة للتسلية ولا هامشًا في حكاية غيرنا، بل كذوات كاملة لها ثقلها وتجربتها، وألمها الذي لا يحتاج إلى شهادة من أحد ليكون حقيقيًا ونطالب بأن يكون الضحك جسرًا لا جدارًا مشاركة لا إلغاء إنسانية لا استعراضًا فارغًا.

إن أخطر ما في الإهانة المغلّفة بالضحك أنها تُربك الإنسان تجعله يشك في حقه بالانزعاج، وتدفعه إلى محاسبة نفسه بدل محاسبة الفعل وهنا تُرتكب الجريمة الكاملة: حين يُقنع الإنسان بأن عليه أن يبتلع الإهانة كي لا يبدو حساسًا، وأن يصمت كي لا يُتهم بالمبالغة وعندها، لا تُهان كرامته مرة واحدة بل تُدرَّب على التراجع خطوة بعد خطوة.

لكن الوجوه، مهما طال صبرها تعرف لحظة الاكتفاء وتعرف متى تكفّ عن الشرح ومتى تصمت لا ضعفًا بل حماية أخيرة لما تبقى من احترام الذات وحين يحدث ذلك لا يعود الضحك قادرًا على إصلاح ما كُسر ولا الاعتذار المتأخر يعيد ما ضاع. فالكرامة لا تحب الضجيج لكنها لا تقبل المساومة

لهذا يبقى هذا النص تذكيرًا لا تهديدًا وبيانًا هادئًا لا صراخًا وتذكير بأن أبسط أشكال الأخلاق هو أن تنتبه لوجه من أمامك أن تقرأ عينيه قبل أن تطلق ضحكتك، وأن تسأل نفسك بصدق: هل أضحك لأنني إنسان، أم لأنني أبحث عن تفوق لحظي على حساب إنسان آخر؟

فبين هذين السؤالين تتحدد المسافة الفاصلة بين الضحك بوصفه حياة والضحك بوصفه إهانة.

وفي عالم يزداد قسوة وتسارعًا، قد يكون أعظم أشكال النضج هو أن نختار الاحترام فعلًا يوميًا بسيطًا لا بطولة فيه ولا تصفيق أن نكفّ عن الضحك في وجوه الآخرين وحين لا يكون الضحك مشاركة، وأن نمنح الوجوه حقها في أن تُعامل بجدية حتى وهي صامتة فليس كل من صمت ضعيفًا وليس كل من ابتسم راضيًا وبعض الضحكات… لا تستحق أن تُولد أصلًا.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

علّمتني سورة يوسف أن الله لا يكتب الوجع عبثا وأن دموعي التي سقطت في الخفاء قد تكون بداية طريقٍ لا اراه، لكنه عند الله واضحٌ كالنور.

علّمتني أن القلب حين يكسر لا يكسر ليضيع بل ليُعاد تشكيله على هيئة أقوى، أنقى، وأقرب إلى الله

في الجب كان يوسف وحيدا، لكن الله كان حاضرا.

وفي السجن ضاقت الجدران، لكن الأمل اتسع.

وكأن السورة تهمس لي: لا تحزني إن ضاقت بك الدنيا، فالله يصنع لك مكانا في قلب الضيق.

سورة يوسف علمتني أن الصبر الجميل قادني للنصر الإلهي، وأن الله غالب على أمره، وأن المحن قد تكون مفاتيح لفرص عظيمة علمتني الحذر من المكائد ممن يتظاهرون بالموده والتغافل عن الأذى، قوة الدعاء، وأن الستر محمود، وأن التوبة سبيل للتغيير، وأن الفرج يأتي بعد الضيق. هي درس وجرس عظيم في التوكل على الله واليقين بأن قدرته غالبة، وأن البلاء يهذب النفوس  وأن الظلم لايدوم مهما طال الظلم،

علّمتني أن الصبر ليس صمت الضعفاء، بل صلاة الصادقين حين تعجز الكلمات. صبر يعقوب كان بكاءً لا يشكو إلا إلى الله، وصبر يوسف كان طُهرًا لا تلوّثه الفتنة ولا يكسره الظلم.

علّمتني أن ما نكرهه اليوم، قد يكون هو نفسه ما سنحمد الله عليه غدا، وأن الأقدار لا تفهم من أول صفحة، فالقصة عند الله تكتمل دائمًا.

علّمتني أن العفة نجاة وأن كلمة «معاذ الله» قد تكون بابا يغلق جحيما، ويفتح جنّة لا نراها بعد.

علمتني أن الإحسان لا يحتاج إلى مكان جميل، بل إلى قلبٍ حي. يوسف كان محسنا وهو عبد، ومحسنا وهو سجين ومحسنا وهو عزيز، لأن الروح إذا صلحت، صلح كل ما حولها.

وعلّمتني أن العفو ليس ضعفًا، بل رفعة.

حين قال يوسف لإخوته: «لا تثريب عليكم اليوم»، كان يعفو ليُنقذ قلبه قبل قلوبهم، وليعلّمنا أن السلام الداخلي يولد من الصفح.

وفي ختام الحكاية، تعلمنا أن الله يجمع الشمل بعد طول فراق، وأن الحلم الذي يتأخر لا يموت، بل ينتظر الوقت الذي يليق به.

سورة يوسف لم تعلمني كيف تنتهي الأحزان،

بل علمتني كيف أعيشها وأنا واثقه أن الله معي سينصرني ويفرحني… حتى النهاية.

***

ذكرى البياتي

 

قراءة في تحويل الفن إلى سلعة

عندما تعلن جوائز "جوي" في نسختها لعام ٢٠٢٦ أن الحفل لا معنى له دون العراق، فإن هذا الإعلان لا يخلو من تناقض صارخ. فهو يأتي ضمن سياق تحويل الفن والثقافة إلى سلع تخدم مصالح طبقة رأسمالية جديدة تسعى لإعادة تشكيل الوعي الجمعي العربي وفق رؤيتها.

لطالما كان الفن، جزءاً من البنية الفوقية التي تعكس صراعات القاعدة الاقتصادية. وعندما يتحدث البعض عن تفوق فنان مثل كاظم الساهر (هنا اقصد معنى العراق)، فإن هذا التفوق لا ينفصل عن السياق التاريخي الذي أنتج فن المقاومة والكبرياء العربي في حقبة معينة، مقابل تحويل الفن اليوم إلى أداة لترسيخ قيم الاستهلاك والخضوع. ولهذا (القيصر) هو الجائزة الحقيقية للعالم العربي.

ما نراه في فعاليات "موسم الرياض" ليس سوى إعادة إنتاج لعلاقات اجتماعية بالية تحت غطاء الترفيه. حيث لا تكمن خطورة استدعاء أعمال مثل مسلسل “باب الحارة” في نوستالجيا الماضي فحسب، بل في إعادة تدوير نموذج اجتماعي يُقدم بوصفه هوية أصيلة، بينما هو في جوهره اختزال أيديولوجي يخدم استقرار البنى الذكورية والسلطوية. فالمرأة فيه ليست فاعلاً تاريخياً، والفقير ليس ذاتاً سياسية، والصراع الطبقي يستبدل بصراعات أخلاقية سطحية تفرغ التاريخ من تناقضاته الحقيقية.

إن تحويل الفن إلى سلعة لا يتم فقط عبر الرعاية والتمويل، بل عبر إخضاعه لمعايير الربح، نسب المشاهدة، وعدد التفاعلات الرقمية. في هذا السياق يصبح العمل الفني الذي لا يُدرّ أرباحاً أو لا ينسجم مع الصورة الترويجية المرغوبة عملاً غير قابل للحياة، مهما بلغت قيمته الجمالية أو النقدية. هكذا يُستبعد الفن المقلق، ويُعاد إنتاج الفن الآمن، القابل للاستهلاك السريع، والمنزوع الدسم السياسي.

تعمل الرأسمالية في مرحلتها الاحتكارية، التي تمثلها دول مثل السعودية، على تركيز إنتاج الثقافة والفن في أيدي قلة. هذا الاحتكار ينتج في معظمه كمّا هائلا من المسلسلات والأفلام الفارغة، التي تكرس القيم الاستهلاكية وتقدم وعياً زائفاً للجماهير. النتيجة الحتمية هي إهمال المواهب الحقيقية وترويج لنماذج فنية مقلدة تخدم السوق لا الفن.

الفن الحقيقي، كما تشير التجربة السورية مؤخراً في بعض اعمالها، هو ذلك الفن الذي يمارس "المشاكسة" النقدية، ويكشف تناقضات المجتمع، ويفتح آفاقاً للتغيير. لكن الرأسمالية تسعى دائماً لاستيعاب الفن التقدمي وتحويله إلى سلعة، أو إقصائه لمصلحة إنتاج ثقافي يكرس الخضوع.

إن معركة الفن الحقيقي اليوم ليست جمالية فحسب، بل هي معركة ضد تحويل الفن (وحتى الثقافة) الى صناعة تخدم مصالح الطبقة الرأسمالية المسيطرة. الفن التقدمي في العالم العربي مطالب باستعادة دوره النقدي، وكسر احتكار الإنتاج الثقافي، والانحياز للطبقات الكادحة في صراعها من أجل عالم أكثر عدلا.

إن انتشار هذا النمط من الإنتاج الثقافي لا يعود إلى “سذاجة الجماهير”، كما يُروج أحياناً، بل إلى شروط مادية قاهرة: الفقر، القلق، غياب البدائل، وهيمنة منصات ضخمة تحدد ما يشاهد وما يُهمّش. في ظل هذا الواقع، يصبح الترفيه المُفرغ من أي بعد نقدي ملاذاً مؤقتاً من بؤس يومي، لا خياراً حراً بالكامل.

فن المقاومة ليس ترفاً، بل ضرورة تاريخية في زمن تحاول فيه الرأسمالية احتواء كل أشكال الوعي وصبها في قوالب استهلاكية عقيمة.

لذا، الفن التقدمي لا يُقاس فقط بشعاراته أو نواياه، بل بقدرته على زعزعة المسلّمات، كشف علاقات القوة، وفتح أفق تخيلي بديل. هو فن لا يقدّم إجابات جاهزة، بل يطرح أسئلة محرجة، ويعيد للمتلقي موقعه كذات ناقدة لا كمستهلك سلبي.

***

حسام عبد الحسين

يمكن تشبيه النسخة الأخيرة من كأس إفريقيا بالمغرب (2026) بقمة جبل الجليد التي كانت تخفي تحتها شتى العجائب والغرائب؛ فما إن أسدل الستار على هذه التظاهرة الكروية، حتى انكشف المستور، وظهر ما كان خفيا، فكان أعظم!

كرة القدم، في أصلها، لعبة جميلة وممتعة، يمارسها الإنسان مثل باقي الألعاب، إما لغرض صحي يهدف إلى ترويض الجسد وتهذيب النفس معا، أو بقصد المنافسة الشريفة التي تختبر قدرة الإنسان على التحمل والصبر والانضباط. أما المتفرج، فينحصر هدفه الأساس في التسلية والترويح عن النفس بعد عناء العمل وتعب الحياة اليومية. بهذا المعنى، تظل الرياضة فعلا إنسانيا بسيطا وعفويا، مرتبطا بالفرح الجماعي، وبحاجة الإنسان الفطرية إلى اللعب والانبساط.

غير أن الرياضة عموما، وكرة القدم على وجه الخصوص، شهدت في العقود الأخيرة تحولات عميقة في الوسائل والأهداف والاستراتيجيات. فقد تحولت إلى مجال واسع للإشهار والترويج والبروباغندا، لا سيما على المستوى التجاري والتسويقي، وأضحت صناعة ضخمة تتداخل فيها الأموال والسياسة والإعلام. ومع ذلك، كان من المفترض أن يبقى الهدف المركزي لكل هذا التطور هو التسلية، بالمعنى السيكولوجي الإيجابي الذي عرفته البشرية منذ أقدم العصور، حين كان الناس يستمتعون بمشاهدة المصارعة، وسباقات الخيل، ومختلف أشكال التحدي الجسدي.

إلا أن التسلية نفسها قد تنقلب إلى نقيضها، عندما تتحول الرياضة إلى أداة لتخدير الشعوب، وصرفها عن القضايا الكبرى، وإشغالها عن همومها المصيرية. عندئذ، لا تعود الرياضة وسيلة للترفيه، بل تصبح أداة للهيمنة والتحكم، تُستعمل لتوجيه الجماهير وتنفيس غضبها في قضايا هامشية، بدل مساءلة الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وهذا ما أصبح يطبع عصرنا الراهن، حيث تزاحم الرياضة، وعلى رأسها كرة القدم، مجالات المعرفة والعلم والتعليم والبحث العلمي، فتدفع بها إلى مراتب ثانوية، خاصة في المجتمعات المتأخرة أو ما يصطلح عليه بالعالم الثالث. بل تكاد كرة القدم، في بعض السياقات، تتحول إلى ما يشبه "دينا جديدا"، تُستثمر فيه العواطف والولاءات، ويُمنح قداسة "إلهية" لا تليق بلعبة، مهما بلغت شعبيتها.

وهكذا، أصبح لاعب كرة القدم يُباع بملايين الأورو، ويُوفر له من الامتيازات والمتع والإمكانات ما لا يخطر على بال، في حين تُهجر مجالس العلماء والمفكرين والباحثين، الذين لا يطلبون مالا ولا جاها، ولا يحضر دروسهم ومحاضراتهم إلا القليل. امتلأت الملاعب عن آخرها، رغم غلاء تذاكر الدخول، بينما ظلت بيوت الله، حيث السكينة والطمأنينة واليقين، في كثير من الأحيان شبه خاوية. ونعتقد أن هذا التناقض الصارخ يعكس خللا عميقا في سلم القيم والأولويات داخل مجتمعاتنا.

وليس الغرض من هذا الكلام تحريم كرة القدم، ولا التبخيس من أهمية الرياضة البدنية والنفسية والعقلية في حياة الإنسان، وإنما التنبيه إلى أننا اليوم أمام ظاهرة أخلاقية وسوسيو-اجتماعية معقدة، انحرف فيها الإنسان، خصوصا في المجتمعات الجنوبية، عن المقاصد الأصلية للرياضة. فالترويح، وهو مقصد تحسيني وتكميلي في منطق علم المقاصد، يأتي في المرتبة الثالثة بعد الضروريات والحاجيات. غير أننا قلبنا المعادلة رأسا على عقب، وأصبحنا نُعلي من شأن ما هو تحسيني على حساب ما هو ضروري وحاجي، كالدين، والصحة، والتعليم، ومحاربة الفقر، وترسيخ الأخلاق.

وعند مقارنة تعامل الشعوب الإفريقية والعربية والآسيوية والأمريكية اللاتينية مع الرياضة، بتعامل المجتمعات الأوروبية معها، يظهر الفرق جليا. ففي كثير من دول الجنوب، تُجعل الرياضة أولوية الأولويات، فتُستنزف الثروات، وتُهدر الميزانيات، وتتفاقم المديونيات من أجل بناء الملاعب وتنظيم التظاهرات وتمويل الآلات الإعلامية، في الوقت الذي تعيش فيه فئات واسعة من الشعب تحت خط الفقر، وتعاني المستشفيات من الإهمال، ويتراجع التعليم، وتستشري الرشوة. في المقابل، تُنظر إلى الرياضة في أوروبا نظرة مغايرة؛ فهي ضرورة اجتماعية وصحية، لكنها ليست أبدا على حساب الأولويات الكبرى. لقد جاءت مأسسة الرياضة وتقنينها في أوروبا بعد أن حققت الشعوب قدرا معقولا من الرفاه، ونالت حقوقها الأساسية، وبلغت قطاعات الصحة والتعليم والإدارة مستويات متقدمة. لذلك، نجد أن المدارس والجامعات والمستشفيات والإدارات العمومية، من حيث البناء والتنظيم والخدمات، تضاهي، بل أحيانا تفوق، الملاعب والمرافق الرياضية.

ثم إن الرياضة في السياق الأوروبي لا تختلط، في الغالب، بما هو إيديولوجي أو سياسي. لكل مجال منطقه ووظيفته؛ فالرياضة تُعنى بإمتاع المواطنين والحفاظ على صحتهم، والسياسة تُعنى بتسيير الشأن العام وتحقيق المصلحة العامة. قد تقع أحداث شغب معزولة بسبب نتائج المباريات، لكنها نادرا ما تتحول إلى صراعات ذات طابع سياسي أو عرقي أو ثقافي. وهو ما يختلف عما تابعناه في النسخة الأخيرة من كأس إفريقيا بالمغرب، حيث كشفت "قمة جبل الجليد" عن حجم التوتر والشحناء بين بعض الشعوب الإفريقية، وعن انقلاب البعض على البلد المضيف، رغم ما أبداه من كرم وحفاوة تنظيمية وإنسانية. فغابت الروح الرياضية، وحل محلها خطاب عدائي لا يمت بصلة إلى معنى الرياضة ووظيفتها الإنسانية في التقريب بين الشعوب.

إن الرهان في اتجاه العمق الأفريقي أو نحو المشرق ينبغي أن لا يتجاوز ما هو شكلي ورمزي؛ لن يحترمك الغير إلا عندما تكون قويا بتاريخك وثقافتك وتراثك وشعبك. ولعل المغرب يتمتع اليوم بهذه المزايا الجميلة، ولا ينقصه إلا الالتفات الحقيقي إلى شعبه، ورد الاعتبار لمواطنيه، والرقي بمؤسساته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. إن الاستثمار الرياضي كشف عن أن المغرب قادر على أن يحقق المستحيل في التشييد والتنظيم والأمن، ونأمل أن يليه بشكل عاجل استثمار صحي واستثمار تربوي واستثمار إداري وغيرها. لقد آن الأوان لننزع أنفسنا من وحل العالم المتأخر، ونحلق إلى الأفق الكوني البعيد، حيث النجاح الحضاري لا يتحقق بلعبة ترفيهية، بل بالمعرفة والتربية والتكنولوجيا والبحث العلمي.

وفي الختام، يمكن القول إن أياما معدودات كانت كافية لتعلمنا، نحن المغاربة، دروسا عميقة، لعل أبرزها ثلاثة: مقصد الرياضة، وحقيقة الجوار، وضرورة العودة إلى الذات. فالرياضة، مهما بلغت أهميتها، تظل مجالا تحسينيّا وتكميليّا، لا يجوز أن يُقدَّم على الأولويات الحقيقية كالصحة والتعليم والأمن والعدالة الاجتماعية. وحقيقة الجوار الإفريقي، كما كشفتها هذه التظاهرة، تستدعي إعادة قراءة هادئة ومسؤولة، بعيدا عن الأوهام والشعارات. أما العودة إلى الذات المغربية، فتعني التركيز على الإنسان، والاستثمار في المجتمع، ورد الاعتبار للمواطن، لأن قوة المغرب الحقيقية لا تكمن في كرة القدم وحدها، بل في المعرفة، والتربية، والتكنولوجيا، وبناء الإنسان. فالتاريخ يعلمنا أن الأمم لا تُقاس بألقابها الكروية، بل بما تحققه من كرامة وعدالة وتنمية بشرية مستدامة.

***

الإختصار هو تقليل الكلمات أو الحروف مع الحفاظ على المعنى، أي التعبير عن الفكرة بألفاظ أقل دون الإخلال بها، والإيجاز من محاسن كلام العرب

ومختصر: موجز

أكتب بإيجاز: بإقتضاب، عدم الإطالة، تضمين اللفظ القليل المعنى الكثير.

أجدادنا تعلموا الإختصار وحثوا عليه، وإن أسهبوا (أطالوا وتوسعوا في كلامهم) إعتذروا من القارئ، ونحن في عصرنا المتسارع نجيد الإسهاب ونتوهم بأن ما نجود به سيجد مَن يقرأه ويتنور به.

والواقع الأليم يؤكد بأننا نساهم في تنفير الناس من القراءة، بإمعاننا في حشو السطور بالكلمات التي لا تنفع، وما إستوعبنا قول الأجداد منذ عصور : "خير الكلام ما قل ودل".

فلماذا ندور حول الفكرة والمعلومة ولا تكتبها بوضوح وكثافة لغوية ذات قيمة معرفية؟

الإسهاب يشير إلى جهل صاحبه بما يريد قوله، أو أنه يتوهم بأن القارئ جاهل ويسعى لتوضيح موضوعه، لكنه يثقل عليه ويقدم له بطاقة نفران وسأم وإبتعاد عن المكتوب، في زمن صارت الصورة تنطق جميع اللغات وبآليات ومضية تحفز الأدمغة على المتابعة والتفاعل، فصوَر التواصلات المتنوعة تغني البشر عن ركام الكتب والمقالات الخالية من الشد والتشويق، فهي تقيؤات فوق رمال الهجير.

الإختصار والإيجاز من ضرورات التفاعل اللغوي بين البشر المعاصر، فما عادت الكلمات بلا قيمة وهدف، بل لكل كلمة ما تدل عليه من فعل حاصل أو سيحصل، فالكلام مقوّد البشر.

فهل سنكتب بلا إسهابٍ ممل؟!!

إذا دلّتْ بما قلّتْ عليها

فقد وَصلتْ مَقالتنا إليها

بإسْهابٍ غثيثٍ في كلامٍ

ننفّر قارئا لا يَشتريها

بإيجازٍ جميلٍ ما كتبنا

رسالتنا تَتاءتْ عن أبيها

***

د. صادق السامرائي

الحياة ليست دائمًا ما نراه في الأخبار أو ما نسمعه عن الأحداث الكبرى، بل هي اللحظات الصغيرة التي تمر بلا انتباه تلك اللحظات التي قد تبدو للبعض عابرة أو غير مهمة، لكنها في حقيقتها تحمل الكثير من الدروس والخبرات التي تشكّل الإنسان فكل مشهد صغير، كل شعور عابر، كل فكرة تمر في العقل بصمت، هو نص شخصي صغير يمكن أن يتحول إلى تجربة إنسانية غنية أو درس عميق عن الحياة.

في طفولتي، كنت أمضي ساعات طويلة في مراقبة العالم من حولي. أتذكر أحد الأيام حين كنت أجلس في فناء بيتنا، تحت ظل شجرة نخيل عالية، أراقب الشمس وهي تتسلل بين أغصانها، تلعب بأوراق الشجر فتخلق ظلالًا متحركة على الأرض، كأنها رقصة خفية لا يفهمها إلا من يتأملها بصمت والطيور كانت تتحرك برشاقة بين الأغصان أحيانًا تقفز من غصن إلى آخر، وكأنها تتحدث بلغة صامتة، لغة لا يفهمها العقل مباشرة، لكنها تترك أثرًا في القلب ولم يكن لذلك اليوم أي أهمية واضحة بالنسبة للآخرين، لكن هذا المشهد البسيط أصبح لاحقًا جزءًا من كتاباتي، مثالًا حيًا على أن التفاصيل الصغيرة يمكن أن تُغذي الروح وتفتح أمام الإنسان أبواب التأمل والتفكر في الحياة.

في قريتي قرية فرج كل زاوية تحمل قصة صغيرة، وكل بيت يحفظ نصًا شخصيًا، وكل شارع يحمل ذاكرة خاصة لسكانه وكنت أمشي يومًا في أحد الطرق، ولاحظت جارتي العجوز وهي تساعد طفلًا صغيرًا على ربط حذائه. لم يكن المشهد ملفتًا في نظر الآخرين، لكنه بالنسبة لي كان نصًا صغيرًا عن العطاء، عن الإنسانية التي لا تحتاج إلى مناسبة كبيرة لتظهر وهذا المشهد الصغير علمني أن الرحمة واللطف يمكن أن يكونا في أبسط التصرفات اليومية، وأن الإنسانية الحقيقية تكمن في التفاصيل الصغيرة التي تتكرر يوميًا دون انتظار شهرة أو تقدير.

في مرحلة لاحقة من حياتي، أثناء عملي في مكتب صغير، لاحظت أن زملاء العمل يتركون لي أحيانًا ملاحظات قصيرة على مكتبي، عبارة عن كلمات تشجيعية أو اقتباسات صغيرة وفي البداية لم أكن أعطي هذه الورقات الصغيرة أي أهمية، لكن مع مرور الوقت، اكتشفت أنها كانت تحمل دفئًا إنسانيًا هادئًا، نوعًا من التواصل الصامت الذي يخفف الضغط ويذكّر الإنسان بقيمة البساطة وكل ورقة كانت نصًا قصيرًا، لكنها مليئة بالمعاني والدروس عن الصداقة والاهتمام بالآخر، والتقدير الصامت للجهود الصغيرة.

النصوص الشخصية الصغيرة ليست مجرد حكايات عن الأشخاص أو الأماكن، بل هي صوت الروح في أعمق تفاصيلها وأمي، التي رحلت منذ زمن، كانت دائمًا تضع ملاحظات صغيرة على أطباق الطعام أو في دفتر المنزل تقول فيه: "ابتسم مهما كانت الظروف صعبة" وهذه الكلمات الصغيرة التي ربما يراها البعض تافهة، أصبحت نصًا دائمًا في حياتي، تذكيرًا بأن القيمة الحقيقية لا تكمن في ضخامة الأحداث، بل في عمق الشعور، وفي القدرة على التأمل في التفاصيل اليومية.

حتى لحظات الخسارة تحمل نصوصًا صغيرة ودروسًا عظيمة وأذكر يومًا فقدت شيئًا ماديًا بسيطًا لكنه كان عزيزًا علي وكيف لاحظت في أعماق نفسي رد فعل مختلف عن أي فقدان آخر ولم يكن مجرد فقدان، بل نصًا صغيرًا عن الصبر، عن القدرة على إعادة ترتيب المشاعر، وعن استيعاب الحياة بما فيها من ألم وخيبة أمل وكل لحظة خسارة، مهما كانت بسيطة، يمكن أن تحمل درسًا كبيرًا إذا ما فهمناها وتأملناها بعمق.

النصوص الصغيرة اليومية تشبه شظايا المرايا؛ كل قطعة تعكس جانبًا مختلفًا من الحياة. ابتسامة طفل، كلمة طيبة، مساعدة غير متوقعة، فكرة عابرة تمر في العقل، كل هذا نص صغير يحمل دلالات كبيرة وحتى في الأعمال اليومية البسيطة، مثل ترتيب الغرف، تحضير الطعام، أو الحديث مع جارٍ هناك نصوص صغيرة يمكن أن تتحول إلى تأملات عميقة عن الحياة، عن طبيعة الإنسان، وعن الروابط الخفية بين الناس.

قررت أن أجمع هذه النصوص الصغيرة لأنني أؤمن بأن الإنسان لا يُقاس بما يصنعه في الأحداث الكبرى فقط، بل بما يشعر به ويعيشه في تفاصيل يومه الصغيرة وإن كتابة هذه النصوص هي محاولة للتوقف للتأمل، لإعادة النظر في الحياة من منظور مختلف، منظور يقدّر اللحظة، ويبحث عن المعنى في البسيط قبل الكبير.

النصوص الشخصية الصغيرة تمنح الكتاب حياة وروحًا، وتجعل القارئ يشعر بأن كل تجربة إنسانية، مهما كانت عادية أو متكررة لها معنى وقيمة وإنها ليست مجرد سرد للأحداث، بل محاولة لفهم النفس والآخرين ومرايا للوجود البشري في أدق لحظاته. كل نص قصير، سواء كان موقفًا يوميًا، فكرة عابرة، أو مشهدًا من الطفولة، يهدف إلى إظهار جمال التفاصيل والعمق الخفي وراء الأشياء العادية وهذه النصوص عند جمعها تشكل لوحة كبيرة للحياة، لوحة لا تُرى في الأحداث الكبرى فقط، بل تُرى في الصمت في حركة الأيدي، في الضوء والظل، في التفاصيل الصغيرة التي غالبًا ما نتجاهلها.

إن الحياة الحقيقية ليست محصورة في الأحداث الكبرى أو اللحظات التاريخية، بل تتشكل من سلسلة متصلة من اللحظات الصغيرة التي نعيشها كل يوم، غالبًا دون أن نلاحظها وكل ابتسامة عابرة، كل كلمة طيبة كل حركة صغيرة، كل فكرة تمر في العقل بصمت، هي نص شخصي صغير يحمل معه دروسًا عميقة عن الإنسانية والحياة وهذه النصوص الصغيرة هي التي تشكّلنا، تعلمنا الحب، الصبر، اللطف، الرحمة، والتأمل في كل ما حولنا.

حتى الروتين اليومي يحمل نصوصه الخاصة والاستيقاظ صباحًا تناول الطعام السير في الشارع مشاهدة الناس وهم يمارسون حياتهم، كلها نصوص صغيرة يمكن أن تتحول إلى تأملات عميقة عن الإنسان والعالم وكل لحظة صمت تحمل نصًا عن التفكير الداخلي عن القدرة على الانتباه لما هو مهم وما هو عابر.

والحياة نفسها عند النظر إليها من خلال هذه اللحظات الصغيرة تتحول إلى سلسلة من النصوص المستمرة نصوص عن الفرح والحزن عن النجاح والفشل عن الحب والرحمة عن الوحدة والصداقة عن الحلم والواقع وكل نص صغير يحمل جزءًا من قصة أكبر، قصة الإنسان والوجود وكلما أدركنا هذه التفاصيل أصبحنا أكثر وعيًا وأكثر امتنانًا، وأكثر قدرة على تقدير الحياة بكل تعقيداتها وبساطتها في آن واحد.

إن جمع النصوص الشخصية الصغيرة والتأمل فيها ليس مجرد هواية أدبية بل هو ممارسة فلسفية وروحية وكل نص صغير هو مرآة تعكس جزءًا من الإنسان جزءًا من مشاعره أفكاره أحلامه وذكرياته وهذه النصوص تعلمنا أن الحياة ليست فقط ما يحدث على نطاق واسع أو ما نراه في الأخبار بل هي في التفاصيل اليومية التي نعيشها في المشاعر التي نشعر بها بصمت في العلاقات الصغيرة التي نبنيها وفي اللحظات العابرة التي قد لا نلاحظها إلا بعد مرور الوقت.

إن النصوص الصغيرة تجعلنا نتوقف ونتأمل، تجعلنا نرى الجمال في البسيط ونقدر اللحظة الحالية وتعلمنا أن الحب والرحمة والصبر يمكن أن تظهر في أبسط التصرفات وأن الإنسانية الحقيقية تكمن في التفاصيل اليومية لا في الأحداث الكبرى وحدها والنصوص الصغيرة هي شهادة على حياة الإنسان على نضجه على قدرته على التعلم من كل موقف، وكل تجربة، وكل لحظة حتى لو بدت بسيطة أو غير مهمة.

عند كتابة النصوص الشخصية الصغيرة نحن لا نسجل الأحداث فقط بل نسجل المشاعر الأفكار الأحاسيس والعمق الإنساني الذي يختبئ خلف كل تفصيل وإنها رحلة في الذات رحلة لفهم الآخرين رحلة لاكتشاف معنى الحياة من خلال كل لحظة عابرة وكل نص صغير هو دعوة للتأمل دعوة للتوقف، دعوة للانتباه لما يحيط بنا وما يمر بنا بصمت.

وفي النهاية يمكن القول إن الحياة تتكون من لحظات صغيرة كل منها يحمل في طياته درسًا شعورًا فكرة أو ذكريًا وهذه اللحظات هي التي تصنع معنى وجودنا وكل ابتسامة كل كلمة كل حركة صغيرة هي نص شخصي صغير يمكن أن يغير طريقة رؤيتنا للعالم ويمكن أن يعلمنا كيف نعيش بوعي أكبر كيف نحب بصدق أكبر وكيف نكون إنسانيين حقًا في تفاصيل يومنا البسيطة وإن الاهتمام بالنصوص الصغيرة هو اهتمام بالحياة نفسها، هو محاولة لفهم النفس والآخرين وهو إدراك أن كل لحظة عابرة قد تكون نصًا طويلًا من المعاني والدروس إذا ما نظرنا إليها بعين التأمل والفهم.

وهكذا تبقى اللحظات الصغيرة نصوصًا خالدة في ذاكرتنا في كتاباتنا وفي قلوبنا تشكل روح حياتنا وتذكرنا دائمًا بأن الإنسان في النهاية يُقاس بما يعيش ويشعر به في تفاصيله اليومية لا بما يحدث حوله فقط. إنها شهادة على قيمة كل لحظة على عمق كل شعور وعلى قوة التفاصيل الصغيرة في تشكيل حياة كاملة مليئة بالمعنى والجمال حتى لو كانت الحياة في الظاهر بسيطة أو عابرة.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

في متابعتي لمباريات كأس إفريقيا لكرة القدم، لم أكن أتابع مجرّد كرةٍ تتقاذفها الأقدام، بل كنتُ أراقب ـ بحسرةٍ متزايدة ـ ما يتسرّب من تحت المدرّجات إلى الوعي الجمعي: شقوقًا في الروح، وتصدّعاتٍ في المعنى، ونيرانًا صغيرة تُشعلها العصبيّة ثم تتركها تحترق في جسد العلاقات بين شعوبٍ يفترض أنّها شقيقة في الذاكرة والمصير.

لقد تحوّلت بعض هذه التظاهرات الرياضية، مع الأسف، من فضاءٍ للفرح والتنافس النبيل إلى مسرحٍ لإثارة النعرات القُطرية، وإيقاظ الأحقاد الطائفية، واستدعاء الخلافات السياسية إلى حيث لا ينبغي لها أن تكون. صار الجمهور الكروي، في لحظات التشنّج والانفعال، يُفرغ ما فيه من غضبٍ مكبوت، فيخلط بين الهزيمة الرياضية والهزيمة الوجودية، وبين هدفٍ ضائع وكرامةٍ موهومة، فتُقال كلمات لا تُقال، وتُرفع شعارات لا تشبه إلا الخسارة الأخلاقية.

ومع كلّ ذلك، يمكن ـ على مضض ـ تفهّم صدور هذه السلوكيات عن جمهورٍ متعصّب، تحكمه اللحظة، وتستدرجه الغريزة، وتغلبه الحماسة العمياء، دون أن يملك أدوات النقد أو مسافة الوعي. غير أنّ المأساة الحقيقية، والجرح الأعمق، هو انخراط بعض المثقفين، ممّن يُفترض أنّهم ينتمون إلى النخبة الثقافية، في هذا التيار الخلافي المشحون بالكراهية والتحريض على التفرقة، وكأنّ الثقافة عندهم قميصٌ يُخلع عند أول مباراة، والعقلُ رفاهيةٌ مؤجّلة إلى ما بعد صافرة الحكم.

هنا يصبح السؤال أخلاقيًا قبل أن يكون فكريًا: ما قيمة المثقف إن لم يكن ضميرًا نقديًا في زمن الانفعال؟ وما جدوى المعرفة إن لم تتحوّل إلى حكمةٍ تضبط اللسان وتُهذّب الموقف؟ لقد كان الأجدر بالمثقف الحقيقي أن ينأى بنفسه عن هذه الصغائر، لا تعاليًا، بل مسؤولية ، وأن يتخذ لنفسه دور الواعظ بالمعنى الثقافي العميق، ذاك الذي يُعيد الأمور إلى نصابها، ويذكّر بأنّ الرياضة لعبة، وأنّ الأوطان لا تُختزل في نتائج، وأنّ الشعوب لا ينبغي أن تتخاصم لأنّ كرةً عبرت خطًّا أبيض أو أخطأت المرمى.

إنّ المثقف، في لحظات كهذه، ليس مشجّعًا إضافيًا يصرخ أعلى من الآخرين، بل هو مساحة عقل داخل الضجيج، ونقطة ضوء في عتمة التعصّب، وصوتٌ يقول: يمكننا أن نختلف دون أن نتشظّى، وأن نشجّع دون أن نكره، وأن نفرح دون أن نُهين الآخر.

ومع الأسف، باتت هذه التظاهرات الرياضية، حين تُفرَّغ من قيمها الجمالية والإنسانية، معولَ هدمٍ لا بناء، وسببًا من أسباب الفرقة بين أبناء الأمة الواحدة، بدل أن تكون جسرًا للتلاقي والتعارف. والخطر ليس في كرة القدم ذاتها، بل في ما نُسقطه عليها من عقدنا وهشاشتنا وغياب وعينا.

لعلّنا نحتاج، اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى استعادة المعنى: أن نعيد للرياضة روحها، وللثقافة دورها، وللمثقف مكانته كحارسٍ للقيم، لا كوقودٍ للفتنة. فالأمم لا تتفكك بسبب مباراة، بل بسبب صمت العقل حين يجب أن يتكلم، وبسبب خيانة الوعي لوظيفته في اللحظة التي يُطلب منه أن يكون إنسانيًا… قبل أي شيء آخر.

***

مجيدة محمدي

 

في خريطة العلاقات الإنسانية المعقدة، هناك خط رفيع بين القرب الذي يولد التعلق، والبعد الذي يخلق الجفاء. هذا الخط هو ما نسميه "المسافة الآمنة"؛ وهي ليست جدارًا نبنيها بيننا وبين القلوب، بل هي منطقة حماية تجعل العلاقة أكثر إتزاناً وواعيًا، تحفظ الود وتمنع التعدي، وتسمح للعلاقات بأن تتنفس.

الحفاظ على هذه المسافة فن وهو احترام متبادل ينبع من إدراك عميق بأن لكل إنسان دائرته الخاصة من المشاعر والأفكار التي لا يجوز اقتحامها دون إذن.

هكذا نخلق لنا مساحة من الحرية المنضبطة التي تمنح النفس راحة، وتمنح العلاقات استقرارًا.

المسافات الأمانة تعتبر بوصلة العقل: فكيف نحافظ على هذه المسافة؟ الحفاظ على هذا التوازن الدقيق ليس سهلاً، فهو يتطلب وعيًا وحكمة. إنه يبدأ بتحكيم العقل لا القلب وحده. فالقلب قد يندفع، وقد يغريه الحب أو يدفعه الغضب، بينما العقل يزن الأمور بميزان الواقع المنطقي.

فأنت قد تحب شخصًا ما جدًا لكنه يخطئ كثيرًا، هنا يأتي دور المسافة التي تُبقي الود دون أن تفقدك اتزانك، وفي المقابل قد تكره شخصًا، ولكنك تعلم في قرارة نفسك أنه على حق؛ فالعدل يقتضي أن تنصفه. لذلك فإن الأمر يتطلب أيضًا إنصاف الآخر مهما كانت مشاعرك تجاهه.

المسافة الآمنة لا تحميك من التعلق فحسب، بل تحميك أيضًا من ظلم الآخرين تحت تأثير الهوى.

إنها مهارة تحديد الحدود بوضوح ولكن دون جفاء. فالتقرب المفرط يفقدك مساحتك الشخصية، والابتعاد الزائد يجعلك قاسيًا ومنغلقًا. الحكمة تكمن في أن تكون قريبًا بقدر يسمح لك بالتواصل، دون أن تنصهر في الآخر أو تفقد فرديتك.

ما وراء الدفاع: ماذا لو كانت المسافة ليست مجرد درع دفاعي؟ ماذا لو كانت أداة إصلاح بناءة، هدفها تقويم العلاقة لا قطعها؟ هنا نرتقي بفهمنا للمسافات... عندما نحتفظ بالود تجاه الآخرين، مع وضع حدود تحفظ احترامنا ومبادئنا، نكون قد فتحنا بابًا للحوار الهادئ دون أن نسمح للأذى بالاستمرار. وتصبح المسافة "إصلاحية" عندما تكون النوايا صادقة ومفتوحة للإصلاح، لا للكبرياء أو إثبات الذات. عندما نبرر مواقفنا بلطف ووضوح، نمنح الآخر فرصة ليراجع نفسه دون أن يشعر بالإدانة، فتتحول المسافة إلى طريق للحوار بدلاً من وسيلة للانسحاب. هذه المسافة الإصلاحية تعيد ترتيب العلاقة على أساس الاحترام المتبادل، وتمنح الطرفين فرصة لإعادة التفكير دون انفعال. إنها ترسخ النية الطيبة، لأننا لا نهرب من العلاقة، بل نسعى لرفعها إلى مستوى أنضج.

قيمة المسافة: لماذا هي ضرورية؟ لأنها تحافظ على كرامة الفرد ووضوح شخصيته، وتحمي العلاقات من التآكل الناتج عن التعلق المرضي أو التطفل الزائد. إنها تسمح بالنضج العاطفي والفكري، لأن الإنسان حين يعرف حدوده وحدود غيره يصبح أقدر على فهم الآخرين وتقديرهم. في جوهرها، المسافة الآمنة هي مظهر من مظاهر العدل، فلا إفراط في المودة يجعلنا أسرى، ولا تفريط في البغض يجعلنا ظالمين.

الاقتراب الجميل هو الذي لا يلغي المسافة، والمسافة الحكيمة هي التي لا تطفئ دفء القرب.

***

بقلم الحرية: فاطمة الدفعي

 

عُرف البشر منذ القدم بإقبالهم على القيام بكل ما يدخل السعادة على قلوبهم، ويمكنهم من العيش في مرح وبهجة، ومن أقدم الحكايات التي تصور لنا مظاهر ولع الناس بالحفلات والرقص والغناء والتمتع بأوقات الفراغ تلك التي سجلتها كتب الآثاريين وعلماء المصريات الأجانب، نقلاً عن مئات الجداريات، والرسوم، والنقوش، التي تركها قدماء المصريين على جدران مقابرهم ومعابدهم القديمة، وسجلوا من خلالها تفاصيل حياتهم اليومية قبل آلاف السنين، ومن تلك الجداريات والنقوش والرسوم التي تحتفظ بألوانها على جدران تلك المقابر والمعابد في الأقصر وأسوان وأبيدوس والمنيا ودندرة وغيرها حتى اليوم. تحكي لنا كتب الآثاريين وعلماء المصريات، عن أن شعب مصر القديمة كان من أكثر شعوب العالم حرصًا على تحويل أوقات الفراغ إلى أوقات للسعادة والمرح بعد كل يوم من الكدّ والعمل الجاد في الزراعة والصيد، ووصل الأمر إلى حدّ أن جعل قدماء المصريين للسعادة أربابًا وآلهة تُعبد، وكانوا يمارسون طقوس مرحهم داخل المعابد.

وليس أكثر دهشة من أن مظاهر الحياة اليومية، التي سجلتها الجداريات والنقوش والرسوم التي تركها قدماء المصريين داخل مقابرهم ومعابدهم، وبخاصة مقابر النبلاء والصناع والتجار والزراع، نقلت لنا تفاصيل ذلك الصراع بين القط والفأر، والذي استلهمت منه قصص تومي وجيري، وهو صراع أزلي عرفته مصر القديمة وسجلته نصوصهم ورسومهم القديمة قبل آلاف السنين. تناول الفلاسفة القدامى الضحك والكوميديا من منظور أخلاقي، فثمنوه أو قللوا من شأنه كلٌ حسب مشروعه الفكري والسياسي. فالضحك والإضحاك عند أفلاطون هو فعل هدام من شأنه أن يضر بالدولة، إذ إنه في اعتقاده قادر على: "تخريب الوضع الراهن وإفساده بكفاءة عالية وتحويل خطوط الدفاع القوية للسلطة إلى مجرد أبنية هشة من القش" (شاكر عبد الحميد، كتاب "الفكاهة والضحك رؤية جديدة، أرسطو فتحتل الكوميديا مرتبة هامة في سلّم الفنون، إلى جانب التراجيديا والرسم. بينما يعبّر الضحك عند ديوجين الكلبي عن أسلوب حياة مضاد للتعقيدات والقوانين المزيفة، وفعل انعتاقٍ وتماهٍ مع الطبيعة.

قد يعتقد البعض أن كتابة فن الكوميديا وصناعة الضحك أمر يسير، وهو ما يكتنف ذلك الاستسهال والتهريج في بعض الأعمال التي نراها اليوم، على أنها نوع من أنواع الكوميديا

فإذا كانت الكتابة المسرحية من أصعب أنواع الخلق والابتكار، فإن الكوميديا تبلغ ذروة هذه الصعوبة وهذا العناء. ومن الغريب في فنون هذه الصناعة أننا نجد جذورها عند الفلاسفة العرب، وقد تعرض الكثير من المنظرين والعلماء والفلاسفة لصناعة الضحك؛ ومنهم على سبيل المثال جان كوهن في كتابه "الهزلي والشعر"، وقد احتوت نظريته على وجهة نظر فلسفية حيث كانت السخرية تتأرجح بين الجد والهزل في نظرتها للعالم غير أنها تعتمد على الضحك والسخرية عن طريق التعامل مع الوجدان

صناعة الضحك هي إعطاء جرعة من الطاقة تعمل على التخلص من الطاقة الزائدة في الجسد مما ينتج عنه السرور والانبساط.. وكلمة الانبساط هنا نجدها دارجة عند العامة من الناس حين الضحك أو السرور، ويرجع أصل هذه الكلمة إلى انبساط العضلات والتخلص من التوتر الزائد عن طريق شحنة مضافة من هذا التوتر، فنجدهم يقولون "نضحك وننبسط

ولعل أكثر نظريات الضحك التي تبناها الفلاسفة هي نظرية "التوقع" (يختلف الاسم طبعًا من فيلسوف إلى آخر، لكنها تظل في الإطار العام نفسه، والمقصود منها أن الضحك يأتي كنتيجة لتوقّعنا حصول شيء أو صدور قول عن أحدهم، ثم نفاجأ بعدم وقوع ذلك. وقد عُرف إيمانويل كانط أكثر من غيره بنظرية "اللاشيءأو الرجاء الخائب، حيث يحل اللاشيء محل انتظارنا لمسار الحكاية، ثم جاءت نظرية شوبنهاور للمفارقة المنتجة للضحك بمثابة تفصيل لرؤية

وليس أكثر دهشة من أن مظاهر الحياة اليومية، التي سجلتها الجداريات والنقوش والرسوم التي تركها قدماء المصريين داخل مقابرهم ومعابدهم، وبخاصة مقابر النبلاء والصناع والتجار والزراع، نقلت لنا تفاصيل ذلك الصراع بين القط والفأر، والذي استلهمت منه قصص تومي وجيري، وهو صراع أزلي عرفته مصر القديمة وسجلته نصوصهم ورسومهم القديمة قبل آلاف السنين

***

نهاد الحديثي

لقد أصبح الإنترنت الذي نستخدمه اليوم مثالاً حياً على قوة التعاون الدولي، بفضل الجهود المشتركة للعالم البريطاني تيم بيرنرز لي والمهندس البلجيكي روبرت كايليو، الذين عملا معاً في المنظمة الأوروبية للأبحاث النووية (CERN).

في ظل التحديات العالمية الملحّة مثل تغير المناخ، والصحة العامة، وندرة الموارد، تزداد أهمية التعاون العالمي بشكل استثنائي. غير أن العديد من العلماء يحذرون من أن التوترات الجيوسياسية باتت تعيق دراسة هذه القضايا وإيجاد حلول فاعلة لها.

خلال فعالية استضافتها جامعة هونغ كونغ يوم الاثنين السابق، جمعت ستة من الحائزين على جائزة نوبل من دول متنوعة كالمجر وبريطانيا وروسيا وسويسرا والولايات المتحدة، أشار (وانغ يانغ)، نائب رئيس الجامعة وعالم الرياضيات البارز، إلى أن بيئة التعاون العلمي الدولي تواجه تحديات كبيرة حالياً في ظل المناخ السياسي السائد.

وأوضح وانغ أنه "في الماضي، كانت التبادلات العلمية تسير بسلاسة، لكننا نشهد الآن حواجز متزايدة، لا سيما مع الولايات المتحدة. وهذه المشكلات في الغالب من صنع الإنسان." يُشار إلى أن وانغ حصل على درجة الدكتوراه من جامعة هارفارد وبدأ مسيرته الأكاديمية في الولايات المتحدة قبل انتقاله إلى هونغ كونغ.

وأضاف وانغ أن الباحثين الدوليين الذين يزورون الصين يواجهون صعوبات متزايدة بفعل القيود التي تفرضها الحكومة الأمريكية، مثل إجراءات الإبلاغ المتعددة وغيرها. ومع ذلك، يجد هؤلاء الباحثون مرونة نسبية عند العمل في هونغ كونغ. وأكد أن التعاون مع الباحثين الأوروبيين ما زال مستمراً بسلاسة.

وعند التطرق إلى التوترات بين الولايات المتحدة والصين، شدد وانغ على أن العديد من الباحثين الأمريكيين من أصول صينية يشعرون بضغط السياسات التقييدية الأمريكية، ما يدفع البعض منهم للعودة إلى الصين.

ولفت النظر أيضاً إلى أن التخفيضات الكبيرة في تمويل الأبحاث منذ عهد إدارة ترامب أثرت سلبًا على الباحثين من مختلف الجنسيات. نتيجة لذلك، يتجه العديد من العلماء لمغادرة الولايات المتحدة والاستقرار في الصين أو أوروبا، مما يوفر فرصاً جديدة للعالم العلمي، خاصة لهونغ كونغ.

من جانبه، أوضح رئيس جامعة هونغ كونغ والمهندس الميكانيكي البارز (شيانغ تشانغ) أن التحديات الجيوسياسية تحول دون مشاركة دول معينة في البحث العلمي. وعلّق قائلاً : رغم إيمان العلماء بأن العلم لا يعرف حدوداً، إلا أن الواقع الجيوسياسي الحالي يجعل التعاون العلمي الدولي أكثر تعقيداً.

وأشار تشانغ إلى أن تقدم العلم يعتمد كثيراً على قدرتنا على التعاون ونقل المعرفة عالمياً. وقد أعرب عن أمله في أن تصبح هونغ كونغ جسراً للتعاون بين الصين والمجتمع الدولي قائلاً: في جامعة هونغ كونغ، نحاول ربط هذه العلاقات بالرغم من وجود مجال محدود حالياً للتعاون.

وفي نفس السياق، عبّر (فيرينك كراوس)، الحائز على جائزة نوبل في الفيزياء لعام 2023 وأستاذ كرسي فيزياء الليزر بجامعة هونغ كونغ، عن قلقه حيال صعوبة استمرار التعاون الدولي بسبب الانقسامات السياسية. وأشار إلى وجود قادة سياسيين بارزين يعملون على تقسيم العالم بين نصفه الشرقي والغربي.

وأضاف كراوس محذراً: "هناك خطر متزايد بأن يؤدي تقسيم العالم إلى احتكار المعرفة داخل كل نصف من الكرة الأرضية على حدة، وهو ما سيكون كارثياً". وشدد قائلاً: "إن العلماء يتحملون مسؤولية كبيرة لتوحيد الجهود والتأكيد على أن المعرفة المكتسبة هي ملك للبشرية جمعاء".

رغم المعوقات التي تعترض طريق التعاون العلمي العالمي، يواصل العلماء الرائدون التزامهم بدفع عجلة البحث إلى الأمام بلا هوادة.

***

شاكر عبد موسى/ ميسان

باحث وكاتب - العراق

في المثقف اليوم