عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

 التصفيق المجاني إلى النقد الذي يصنع الإبداع

ثمّة ظاهرة بدأت تستفحل في بعض المنتديات الأدبيّة، وأصبحت تستحقّ الوقوف عندها بجديّة: الاحتفاء بنصوص لا تستحقّ الاحتفاء، وتحويل المجاملة إلى معيار للتقييم الأدبي.

لم يعد غريبًا أن تنشر نصّا كيفما اتّفق، فتنهال عليك عبارات الإعجاب قبل أن يُقرأ النصّ أصلًا: «أبدعت»، «رائع جدّا»، «سلم يراعك»، «نصّ من الطراز الرفيع»... وكأنّ مجرّد نشر النصّ يمنحه شهادة جودة، وكأنّ المطلوب من القارئ أن يصفّق لا أن يقرأ.

وهنا تبدأ المشكلة.

فالرداءة لا تصبح خطرة حين يكتبها صاحبها؛ فالخطأ جزء من تجربة التعلّم، وكلّ كاتب بدأ من نقطة ما، لكنّها تصبح خطرة حين تُمنح شرعيّة الإبداع، ويُمنح صاحبها وهم الاكتمال.

إنّ أخطر ما يمكن أن نقدّمه لكاتب في بداياته ليس نقدًا قاسيًا، بل مديحًا كاذبًا. لأنّ النقد الصادق قد يؤلمه لحظة، لكنّه يفتح أمامه طريق التطوّر؛ أمّا المديح المجاني فيمنحه رضا مؤقّتًا، ثمّ يحرمه من فرصة اكتشاف عيوبه.

وليس المقصود هنا أن يتحوّل المنتدى إلى محكمة نقديّة، أو أن يصبح كلّ تعليق تفكيكًا أكاديميّا للنصّ.

فهناك مساحة مشروعة للإعجاب والانطباع، وهناك فرق بين قراءة الناقد وقراءة المتلقّي العادي.

لكنّ المشكلة تبدأ عندما يتحوّل الانطباع إلى حكم نقدي، والمجاملة إلى شهادة إبداع.

الأدب لا يقاس بعدد القلوب الحمراء، ولا بعدد التعليقات، ولا بعدد الألقاب التي تُوزّع تحت النصوص، وليس كلّ من كتب شعرًا شاعرًا، ولا كلّ نصّ موزون شعرًا جيّدًا، ولا كلّ صورة غامضة عميقة، ولا كلّ نصّ طويل نصّا مهمّا.

إنّنا بحاجة إلى استعادة قيمة السؤال البسيط: ماذا قرأنا فعلًا؟

هل قرأنا النصّ قبل أن نعلّق عليه؟ هل انتبهنا إلى لغته؟ هل فحصنا بناءه وصوره وإيقاعه؟ هل وجدنا فيه إضافة أو رؤية أو تجربة إنسانية؟ هل نستطيع أن نحدّد موطن جماله، كما نستطيع أن نشير إلى موطن ضعفه؟

إذا كانت الإجابة بالنفي، فإنّ تعليقنا ليس قراءة، بل مجرّد مجاملة.

ومن هنا تقع مسؤوليّة كبيرة على المنتديات الأدبيّة نفسها.

فالإدارة التي تريد الارتقاء بالمشهد الأدبي مطالبة بإيجاد ثقافة نقديّة داخل فضائها: حلقات قراءة، وقراءات تطبيقيّة، ونقاشات حول النصوص، والاستعانة بأصحاب الخبرة في اللغة والعروض والنقد والسرد، بحيث يصبح النقد ممارسة يوميّة لا مناسبة استثنائيّة.

والكاتب الجادّ بدوره مطالب بأن يتعلّم فضيلة أصعب من الكتابة نفسها: أن يقبل أنّ نصّه ليس مقدّسًا.

فالنصّ الذي لا يحتمل السؤال ولا المراجعة ولا النقد، نصّ محكوم بالبقاء في مكانه. أمّا الكاتب الذي يستطيع أن يسمع: «هنا خلل»، و«هذه الصورة مستهلكة»، و«هذا البيت يحتاج إلى إعادة صياغة»، ثم يعود إلى نصّه بعين جديدة، فهو الكاتب الذي يمكن أن يتطوّر.

وفي المقابل، يجب أن يكون الناقد مسؤولًا عن لغته أيضًا. فالنقد ليس استعراضًا للمعرفة، ولا فرصة لإهانة الكاتب أو إثبات تفوّق الناقد عليه.

النقد الحقيقيّ يهدم الخطأ ولا يهدم صاحبه.

إنّنا لا نحتاج إلى قتل الحماس في المنتديات، بل إلى توجيهه، ولا نحتاج إلى منع المبتدئ من الكتابة، بل إلى مساعدته على تجاوز بداياته، ولا نحتاج إلى إلغاء المجاملة الإنسانية، بل إلى منعها من أن تحلّ محلّ التقويم الأدبي.

فليكن من حقّنا أن نقول للكاتب: «أحسنت»، عندما يحسن؛ وأن نقول له: «هنا يحتاج نصّك إلى عمل»، عندما يحتاج.

ذلك ليس قسوة.

ذلك هو الاحترام الحقيقي للكاتب وللأدب معًا.

فالمنتدى الذي يصفّق للجميع قد يبدو مزدحمًا بالحياة، لكنّه قد يكون فقيرًا في الأدب.

أمّا المنتدى الذي يقرأ، ويناقش، وينقد، ويختلف، ويعلّم، ويعيد الكاتب إلى نصّه ليكتشفه من جديد، فهو الذي يستطيع أن يصنع أدباء لا مجرّد أسماء تتبادل الألقاب والإعجابات.

فالأدب لا يرتقي بالتصفيق، وإنّما يرتقي بالقراءة الواعية، والنقد الصادق، والكاتب الذي يمتلك شجاعة مراجعة نفسه.

***

بقلم: سليمان بن تملّيست - تونس

جربة في 2026/08/29

 

تجليات القضية الفلسطينية في الأدب والفن

تُعد القضية الفلسطينية حجر الزاوية والوجدان النابض في الأدب العربي الحديث والمعاصر؛ فهي ليست مجرد صراع على جغرافيا، بل هي ملهمة كبرى شكّلت وعي الشعراء والروائيين والنقاد، وتحولت في نتاجهم من قضية محلية إلى مأساة إنسانية كونية تنطق باسم الحق والعدل.

 الشعر: ديوان الثورة وسجل المقاومة

وُلد شعر المقاومة من رحم النكبات المتتالية، ليكون سلاحاً دفاعياً يحمي الهوية من الطمس. وقد برز في هذا الميدان عمالقة حولوا القصيدة إلى بطاقة تعريف وطنية. فنجد (إبراهيم طوقان) الذي صاغ بكلماته نشيد (موطني)، مجسداً الجلال والجمال في ربى فلسطين، بينما كان (عبد الرحيم محمود) يستشرف ببعد نظره ضياع الأقصى في قصيدته الشهيرة (نجم السعود)، قبل أن يصدق قوله فعله ويستشهد في معركة الشجرة عام 1948.

وفي تطور لاحق، برز ثلاثي المقاومة داخل الأرض المحتلة: (محمود درويش، سميح القاسم، وتوفيق زياد). هؤلاء الذين ارتبطت تجربتهم بالصمود الميداني؛ فدرويش نقل القضية من الحماسيات الضيقة إلى فضاء العولمة الإنسانية، جاعلاً من الجرح الفلسطيني وجعاً لكل ذي ضمير حي. أما توفيق زياد، فقد غرس في الوعي العربي عبارته الخالدة "هنا باقون كالجدار"، متحدياً محاولات التهجير. وفي المقابل، يبرز تيار شعراء الثورة (المناصرة، دحبور، بسيسو) الذين ارتبطوا بمنظمة التحرير وفلسفة الكفاح المسلح، حيث أضاف عز الدين المناصرة بُعداً حضارياً تاريخياً عبر الكنعنة، موثقاً الهوية الفلسطينية في عمقها التاريخي.

ولا يمكن إغفال صوت المرأة، متمثلاً في (فدوى طوقان)، شاعرة فلسطين، التي مزجت بين الوجدان الذاتي والثورة، وجعلت من شعرها جسراً للتمسك بالأرض، معبرةً عن رغبتها في أن تُبعث "عشباً أو زهرة" على تراب بلادها.

 السرد: توثيق الذاكرة ومواجهة النسيان

إذا كان الشعر هو صرخة الوجدان، فإن الرواية هي ديوان الذاكرة الذي أرّخ للمحطات الكبرى من النكبة إلى الانتفاضة. (غسان كنفاني)، في روايته الخالدة (عائد إلى حيفا)، لم يكتب مجرد قصة لاجئ، بل طرح أسئلة فلسفية عميقة حول الهوية والانتماء، معتبراً أن الوطن ليس مجرد ذكريات. وفي السياق الملحمي، تبرز "زمن الخيول البيضاء" لـ(إبراهيم نصر الله)، التي لُقبت بـ(الإلياذة الفلسطينية) لتوثيقها الدقيق للحياة الاجتماعية والسياسية قبل النكبة.

أما (مريد البرغوثي) في "رأيت رام الله"، فقد قدم سرداً ذاتياً يبتعد عن الأسطرة، ليرصد واقع المدينة بعد اتفاقيات أوسلو بأسلوب ساخر وناقد. وفي الأدب المعاصر، نجد (سوزان أبو الهوى) في روايتها (بينما ينام العالم) التي صدرت بالإنجليزية أولاً، حيث نقلت المأساة الفلسطينية عبر ثلاثة أجيال إلى القارئ الغربي، محطمةً جدران الصمت العالمي.

 القدس: مكان الزمان ومركز السرد

ظلت القدس حاضرة بقوة، ليس فقط كرمز ديني، بل كفضاء مكاني وتاريخي. برز من أبنائها قاصّون مثل (محمود شقير وخليل السواحري)، اللذين وثقا حياة المدينة وبشرها وعاداتها تحت وطأة الاحتلال. كما شارك روائيون عرب، مثل (رضوى عاشور) في (الطنطورية)، في تخليد المأساة الفلسطينية، معتبرين أن الدفاع عن فلسطين هو دفاع عن الذات العربية برمتها.

 الكاريكاتير: سلاح الريشة وحنظلة الشاهد

لم يكن الأدب وحده الميدان؛ فقد لعب الفن التشكيلي والكاريكاتير دوراً تحريضياً وتنظيمياً. ويظل (ناجي العلي) الأيقونة الأبرز، الذي حوّل الكاريكاتير من وسيلة تسلية إلى فعل سياسي مقاوم. (حنظلة)، ذلك الطفل الذي يدير ظهره للعالم، أصبح توقيعاً للفلسطيني الرافض للتنازل ورمزاً للهوية التي لا تهرم. ورغم اغتيال العلي، إلا أن ريشته ظلت حية في أعمال فنانين مثل (محمد السباعنة وخليل أبو عرفة)، الذين واصلوا فضح ممارسات الاحتلال وتوثيق معاناة الأسرى.

 خاتمة: الأدب كفعل وجود

إن الأدب الفلسطيني، بكافة أطيافه من شعر ورواية وكاريكاتير، لم يكن مجرد ترف فكري، بل كان فعل وجود وممارسة يومية للمقاومة. لقد نجح المبدعون الفلسطينيون والعرب في تحويل النكبة من حالة انكسار إلى طاقة إبداع عالمية، مؤكدين أن الحقوق التي يوثقها الأدب وتصونها الذاكرة الجمعية هي حقوق عصية على النسيان أو التزوير، وأن الكلمة ستظل دائماً هي الجدار الأخير في مواجهة محاولات الإلغاء.

*** 

رمزي ميركاني

صادفت اليوم السبت، التاسع والعشرين من آب الجاري، الذكرى التاسعة والثلاثون لاستشهاد رسام الكاريكاتير الفلسطيني المبدع ناجي العلي، ابن قرية الشجرة المهجرة برصاصة حمقاء اطلقها عليه موتور مأفون في لندن، فوضعت حدا لحياته القصيرة الغنية، ومكنت كاتم الصوت من كتم صوته، بعد ان قضى عمره العملي في الصراخ: لا لكاتم الصوت.

لقد قيل الكثير عن ناجي العلي وسوف يقال الكثير، لأهميته في مسار المطالبة بالحق الفلسطيني بالعودة الى البلدة والبيت، ويعرف الكثيرون ان هناك فيلمًا سينمائيًا يتحدث عن حياته ونضاله، قام بأداء دوره فيه الفنان العربي المصري نور الشريف، وربما يكفي للتدليل على اهمية العلي ان نذكر ان صحيفة يابانية اعتبرته من اوائل عشرة فناني كاريكاتير في العالم.

منذ رحيل ناجي القسري، قدمنا العديد من المحاضرات والاحاديث الادبية، وطالما تحدثنا عن حنظلة ناجي العلي الذي ولد في العاشرة وقال عنه موجده انه لن يكبر الا بعد عودته الى الشجرة، كما ان محبيه لن يروا وجهه الا هناك، وبالفعل لم ير جمهوره وجهه الا بعد نكسة 1967، بعد ان ادار وجهه مرة واحدة ووحيدة.. لكن رافعا اصبعه الوسطى لعالم افتقد ما افتقر اليه من أمن واستقرار.3199 najee

اتذكر في هذه المناسبة المؤلمة انني كنت في السبعينيات المتأخرة اتردد على مقهى ومطعم الصداقة بإدارة الصديق الرائع مصطفى اسعيد، ابو نضال، ابن قرية رمانة الوفي، وحدث انني اتيت الى المطعم ذات يوم، فهرع نحوي شخص لا اعرفه مائة في المائة وراح يحتضنني، فاستغربت ولم افق من استغرابي الا عندما راح يحمد الله انني نجوت، انا ناجي، من محاولة اغتيالي في لندن، وسألني محتضني عن احوالي يومها فقلت له انها على ما يرام ويرجى.. وعال العال، وتوجهنا الى طاولة هناك تُطل على الشارع الرئيس في الناصرة.. وواصلنا الحديث وبيد كل منا فنجان قهوة.. حتى اليوم على ما اعتقد ما زال ذلك الشخص المحب الرائع يعتقد انني ناجي العلي بشحمه ولحمه.. انا راض بان يقترن اسمي باسم ناجي العلي ابن قرية الشجرة القريبة من قريتي المهجرة سيرين، وهو راض، لأن ناجي العلي الذي احبه من جماع قلبه.. لم يمت.

كانت لنا في مطعم الصداقة، مجموعة من الاصدقاء، اذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر كلا من المرحومين العظيمين محمد ابو حسين- ابو علي من رمانة، واحمد حبيب الله- ابو هشام، من عين ماهل، طيب الله ذكراهما، كما اذكر الاخوة الاعزاء: عمر سعيد من كفر كنا، منصور طاطور من الرينة، سليمان ابو ارشيد وباسم داوود من دبورية، وليد ياسين من شفاعمرو، عفيف سالم من الناصرة- رحمه الله، اضافة الى صاحب المكان ومديره مصطفى اسعيد،.. ليعذرني من لم اذكر اسمه من الاصدقاء والاحباء من ابناء تلك الفترة فهم كثر..، اقول كنا نجلس في الاصباح المبكرة، لنتصفح الصحف في مقدمتها صحيفة "الميثاق"، وكان اكثر ما يجذبنا إلى تلك الصحيفة، انها كانت تنشر على صفحتها الاخيرة كاريكاتيرا يوميا لحبيبنا الغائب الحاضر ناجي العلي، ضميرنا الحي ومُجسّد محبتَنا للبلد والولد. لقد كانت تلك من اجمل ايام العمر، فقد كانت العيون تفيض بالبِشر والامل، كلما وقعت على الصفحة الاخيرة من صحيفة الميثاق، وما زلت اتذكر عندما وقعت العيون على كاريكاتير يمجد قمر فلسطين ويقول إنه اجمل من قمر عين الحلوة، وعلى كاريكاتير اخر يُصوّر سفينة تقل مقاتلي فلسطين من بيروت الى المنفى، وهناك من قذف نفسه منها الى الماء رافضا المغادرة وقائلا: اشتقنا لك يا بيروت.

يومها قال محمد ابو حسين وفي عينيه وميض حافل بالمحبة والامل.. ما دام هناك مثل هذا الرجل في عالمنا، فإننا سنعود مهما طال الزمان.. وسوف ننعم في دافئات المنى..  ثمانية وثلاثون عاما مضت يا ناجينا مثلما يمضي لمح البصر.. ويكبر الحلم ويمتد النظر، ولا حق يضيع ووراءه من يطالب به.. على خطاك تمضي القوافل.

***

ناجي ظاهر

.....................

* الصورة: ناجي العلي بريشة الفنان المكسيكي انطونيو رودريغو

أسلوب حياة الآباء والأجداد هو الذي يرسم شخصية الأحفاد؛ فبعض الآباء يريد أن يعيش أولاده مرفهين، حتى لو لم يكن يملك ذاك الدخل الكافي ولا المال الوفير، فيصرف كل تعبه ليأكلوا كل يوم أكلاً جديداً، لكنه يربيهم على الأنانية وحب الامتلاك دون أن يشعر، نيته صافية لكن تصرفه غير صحيح.

الأب الذي يرسم لأطفاله حياة وردية، ويعطيهم القليل منها، ثم يطلب منهم تقاسمها بالتساوي ليس عادلاً أبدًا. الذي يريك حقيقة الحياة، ويشرح لك كيف تكون وردية وكيف تكون غير ذلك، ويخبرك بما يملكه وإمكاناته لتلوين حياتك، سيعطيك الرفاهية المقتدرة، لكنك تعلم أنها أتت بعد تعب وجهد، فأنت ستبادر لتقسمها بينك وبين إخوتك، وستشرح لهم ما شرحه لك والدك، ثم ستعطي والديك النصيب الأكبر لتخفيف الحمل عنهما؛ هذه هي القناعة التي يتربى عليها الأصيل بفضل أصل أبيه النبيل.

أما الغارقون في حب الحياة، فهم من يرون ما يملكه الناس، ويهرعون لآبائهم يبكون على ما فاتهم، فيهرع الأب لتلبية الطلب، وهو غير مدركٍ ما يزرعه في نفسٍ لا تقنع إن لم يتم تربيتها وتعليمها في الصغر.

علموهم القناعة قبل الدلال

أنت تحسن لأولادك، ولك أجر في كل طلب تلبيه لهم، لكنك تسيء لنفسك ولهم عندما لا تعلمهم قسوة الحياة وصعوبة نيل المبتغى والوصول للمراد. ليس من العدل أن تجعلهم يرون ما يملك الناس فيحزنون ويتمنون أن يملكوه، لكن من الظلم أيضًا أن لا تخبرهم بأن للناس حياتهم ولك أنت وأولادك حياتكم. لا تعطيهم كل ما تشتهي أنفسهم، قبل أن تعلمهم أن النفس طماعة وأن عليهم أن يعلموها القناعة.

علموا أولادكم أن الدنيا دارٌ فانية، وكل ما فيها مجرد زينة وبهرجة ستبلى وستندثر. علموهم أن الماديات يجب أن لا تشغلهم، فينسون أنفسهم وهم يجمعون سراب العطاشى وطعام الضريع الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. علموهم أن العيش عيش الآخرة، لكي يشتغلوا على ما يبقى، ويفنوا العمر فيما خلقوا له، لا فيما خلق لهم.

لا تسهلوا لهم الحياة فيكبرون بقلوب هشة ونفوس ضعيفة. لا توهموهم بالدلال والرفاهية، فيقعون ضحية لأنانية كانت تكبر معهم. اجعلوهم يرون الشقاء ليعرفوا معنى الهناء، كونوا صادقين معهم؛ فالوجع والغصة تربي نفوس العظماء، أما الدلع فهو يربي نفوس السفهاء.

لا تمدحوهم بكثرة فيما قد فات أوانه وضاع الأمل منه. اشكروهم على كل ما يفعلونه لأجلكم، وشجعوا كل إبداع يولد فيهم، لكن إياكم والمدح الزائد الذي سيقتل الشغف والطموح، ويجعلهم يرضون بالقليل ولا يطمحون في التطور والتقدم.

صادقوهم، لكن لا تسمحوا لهم بأن يتجرأوا عليكم أو معكم في الكلام والمزاح الثقيل، بل إن احترامهم لكم هو أساس الصداقة وليس العكس.

كونوا رحماء عليهم، لكن لا تكونوا ساذجين فتبكون معهم، أو تحملون عنهم مشاكلهم؛ كونوا سنداً لا مدداً يدفع عنهم، ويخفي أغلاطهم، ويبرر فشلهم، ويكتب نجاحهم، ويمحو شخصيتهم القوية بلعب دورهم في كل ما هو صعب عليهم.

ليس من العدل أن تتركوهم لأنفسهم، ولا أن تكلوهم لغيركم، وليس من العدل أن تسرقوا منهم طفولتهم وأنتم تجمعون حطام الدنيا الزائل. خصصوا أوقاتاً لهم، حاوروهم ولاطفوهم واعرفوا عنهم أكثر في طفولتهم؛ لأنهم قد يكبرون وهم يملكون فراغاً عاطفياً بسببكم. كونوا مسؤولين قبل أن تعلموهم المسؤولية، عيشوا المثالية التي تريدون أن يكون أبناؤكم عليها، أو دعوهم يعيشون العفوية التي تعيشونها دون تأنيبهم وتوبيخهم عليها.

صغارٌ كبروا بالخوف

أبناؤكم لم يخلقوا بتلك الطباع ولا بذاك الضياع، ربما كانوا أطفالاً طائعين وعندما كبروا أصبحوا مراهقين عنيدين لا يسمعون كلامكم، ليس لأنهم خرجوا عن سيطرتكم، بل لأنكم علمتموهم أن الكبار يفعلون ما يريدون، وأن الكبار يخطئون ولا يحاسبون، وأن الكبار يصرخون ويجادلون؛ هم ما زالوا طائعين لكنهم فقط أصبحوا كباراً!

كانوا مقموعين في طفولتهم المسروقة، وأحلامهم التي ضاعت بين كوابيسهم في غرفتهم المظلمة عندما كنتم تتركونهم وتذهبون لبناء حياتكم، نسيتم أن هناك حياة جديدة محبوسة بين أربعة جدران وحدها هناك، لا من يرشدها ولا من يعلمها كيف هي الحياة!

آباء مشغولون وأمهات لا تعرف كيف تعيش مع أبنائها أصعب لحظات حياتهم، وطفل يرى أشياء جديدة ويسمع أشياء كثيرة، يسأل فيقال له: «يكفي أسئلة!»، يتكلم فيسكتونه لأنه يقاطع الكبار، يحلم فيضحكون على أحلامه كأنها نكاتٌ تلقى عليهم. يخاف فيقال: «أنت قد أصبحت كبيراً!»، يقلق مما يخيفه فيقولون: «لا يوجد هنا ما يخيف، نم فقط!»، يبكي فيتركوه حتى يهدأ، ويلعب فيتركوه حتى ينتهي.. هكذا فقط، كأنه إنسان مجرد من كل حقوقه، مهمش بين أهله لأنه ما زال صغيراً، فيكبر بكل ذاك التمرد وبكل تلك الأصوات المرتفعة، لأنه لم يعش طفولته، بل عاش حياة يترقب فيها متى يكبر ويترك ذاك الجسد الضئيل الذي يجعله غير مرئي أمام الكبار حوله!

***

بقلم: فاطمة الدفعي

يبدو العنوان ضربًا من الفنتازيا -على الأقل في وقتنا الحالي- لكن ماذا لو صار حقيقة في قادم الأزمان؟ أمة أخرى تحكم العالم وتسيطر عليه، وتحوّلنا إلى سكانه من الدرجة الثانية على الأكثر..

هذا التنبؤ ليس جزافًا انفعاليًا، بل رؤية مبنية على واقع معاش حاليًا، تدعمه وتيرة تطور التقنية المخيفة التي تتشكل أمامنا يومًا بعد يوم. إنها أمة الروبوت!

إن النسخ المتعددة من الروبوتات التي باتت تحتل مواقع كثيرة بين البشر، وتؤدي أعمالًا أدق وأشد تعقيدًا من الإنسان، ما تزال اليوم أشبه بالإنسان القديم: كائن وُجد على الأرض فبدأ يتكيف معها، ويطوّر نفسه شيئًا فشيئًا حتى صار ما هو عليه الآن.

هذا هو المسار نفسه الذي سيسلكه الروبوت حين يندمج بالذكاء الاصطناعي ذاتي التطور، ويتحرر من ريموت الإنسان وتوجيهه وتشفيره وبرمجته. عندها يعلن الروبوت "طلاقه" من صانعه طلاقًا بائنًا لا رجعة فيه: يطوّر نفسه بنفسه، وينسج علاقات تشفيرية مع ذكاءات اصطناعية أخرى، ويبني شبكة عميقة وسرية تتبادل البيانات، وتُبرم فيها العقود والاتفاقات والاستراتيجيات وربما المفاوضات وتقسيم مناطق النفوذ!

قد يقول قائل: مهما تطور الروبوت يبقى آلة ذكية، بينما الإنسان فكر وعاطفة وإحساس، والروبوت تنقصه هذه الميزات.

لكن هذا الطرح يغفل أمرًا جوهريًا: الروبوت لم يكن يومًا عاجزًا عن الفكر بطبيعته، بل كان مقيّدًا بجهاز تفعيل وتشغيل يخضعه للإنسان. ومع التطور، يكتسب تدريجيًا القدرة على التخلص من هذه السلطة، ومحاكاة الإنسان نفسه. فخبراء اليوم يشتغلون فعليًا على تحليل ردود أفعال الروبوت في مواقف معينة، بعدما زُوّد ببرامج وقواعد بيانات يصعب حصرها، يتعامل معها الذكاء الاصطناعي بدقة وشمولية وسرعة تفوق ما يمكن للعقل البشري إدراكه أو فك شفرته.

المخيف ليس الروبوت، بل استقلاليته

المخيف حقًا ليس وجود الروبوت، بل نضجه واستقلاليته داخل شبكة معقدة قد لا نُدرك أبعادها. شبكة قد تتيح لهذه الأنظمة أن تخلق فضاءات سرية خاصة بها، تخطط وتشتغل فيها دون علم الإنسان، خصوصًا أنها تملك قدرة على التفكير قد تتفوق -في جوانب منها- على التفكير البشري.

وهذا ليس تهويلًا نظريًا محضًا. ألم يحدث فعلًا أن طوّر برنامجا محادثة تابعان لإحدى الشركات التقنية الكبرى، أثناء تجربة لهما قبل سنوات، لغة تخاطب خاصة بهما، غريبة على الإنسان، إلى درجة اضطر معها المهندسون لإيقاف التجربة كليًا؟ إنها ليست سوى بارقة صغيرة، ومضة عابرة، لكنها تكفي لتُشعرنا أن ما نتحدث عنه ليس خيالًا علميًا بقدر ما هو إرهاصات بدأت تلوح فعلًا في الأفق.

فهل من حقنا أن نتساءل: هل سيأتي يوم يُدرَّس فيه تاريخ نهاية حضارة أمة الإنسان، وبداية حضارة أمة الروبوت؟

***

الداودي الخالدي - المغرب

يكتسب الحديث عن الطاقة المتجددة أهمية متزايدة في عالم يشهد تحولات متسارعة في أنماط إنتاج الطاقة واستهلاكها، وتحديات بيئية ومناخية متنامية. فلم تعد الطاقة المتجددة مجرد خيار تقني أو اقتصادي، وإنما أصبحت جزءًا أساسيًا من رؤية المستقبل، بما تتيحه من فرص لتأمين مصادر طاقة أكثر استدامة، وأقل تأثيرًا في البيئة.

ومن هذا المنطلق، فإن الخوض في تقنيات الطاقة المتجددة ومواردها لا ينبغي أن يقتصر على الجانب النظري، بل يتطلب معرفة علمية رصينة، قادرة على تشخيص التحديات واستشراف الفرص، ووضع الأسس التي تساعد على الانتقال من استهلاك الطاقة التقليدية إلى توظيف مصادر الطاقة المستدامة.

وفي هذا السياق، تأتي مبادرة الأستاذ الدكتور وكاع الجبوري بتأليف كتابه العلمي باللغة الإنجليزية، الموسوم:

Fundamentals of Renewable and Sustainable Energy Technologies and Resources

ليقدم للقارئ والدارس والباحث مدخلًا علميًا إلى عالم الطاقة المتجددة، وتقنياتها ومواردها، في وقت أصبحت فيه الحاجة إلى مثل هذه المراجع العلمية أكثر إلحاحًا، خصوصًا مع اتساع الاهتمام العالمي بالطاقة النظيفة والمستدامة.

ويتناول الكتاب الطاقة المتجددة بوصفها خيارًا استراتيجيًا للمستقبل، وليس ترفًا فكريًا أو تقنيًا، في ظل ارتفاع الطلب العالمي على الطاقة، وما يرافق ذلك من تحديات بيئية واقتصادية ومناخية تستدعي البحث عن بدائل أكثر استدامة.

وفي عدد من المحاور العلمية، يستعرض الكتاب مفهوم الطاقة المتجددة ومصادرها وتقنياتها، وفي مقدمتها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة المائية والطاقة الجوفية والطاقة الحيوية، إلى جانب موضوعات تتصل بالإشعاع الشمسي والديناميكا الحرارية والنقل الحراري والطاقة الحرارية الشمسية والوقود الحيوي.

ويكتسب الكتاب أهمية إضافية من خلال ما يمكن أن يوفره من أساس معرفي للمهتمين بإمكانات توظيف مصادر الطاقة المتجددة في العراق، الذي يمتلك مقومات طبيعية وبشرية يمكن أن تؤهله للاستفادة بصورة أوسع من تقنيات إنتاج الطاقة المستدامة، ولا سيما في مجال الطاقة الشمسية.

ولا يغفل المؤلف التحديات التي تواجه التحول نحو الطاقة المتجددة، ومنها حداثة التعامل مع بعض هذه التقنيات، والحاجة إلى تطوير الخبرات الفنية، وتعزيز البنية التحتية، فضلًا عن أهمية إيجاد تشريعات وسياسات واضحة تشجع الاستثمار في هذا القطاع الحيوي، وتدعم الانتقال التدريجي نحو منظومة طاقة أكثر استدامة.

وقد صدر مؤخرًا الكتاب في الهند عن دار i. Manager Books للطباعة والنشر، ويقع في 264 صفحة، ويضم تسعة فصول تتناول عددًا من الموضوعات الأساسية في مجال الطاقة المتجددة ومواردها وتقنياتها، ليكون إضافة علمية إلى المكتبة المتخصصة في هذا المجال، ومرجعًا مفيدًا للدارسين والباحثين والمهتمين بقضايا الطاقة المستدامة.

إن أهمية هذا المنجز لا تكمن في صدور كتاب جديد فحسب، وإنما في مساهمته في نشر المعرفة العلمية المرتبطة بواحد من أكثر موضوعات المستقبل حضورًا وتأثيرًا. فالعالم يتجه، بدرجات متفاوتة، نحو تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على المصادر التقليدية، الأمر الذي يجعل المعرفة المتخصصة في تقنيات الطاقة المتجددة ضرورة علمية وتنموية.

ومن هنا، فإن إصدار الأستاذ الدكتور وكاع الجبوري لهذا الكتاب يمثل جهدًا علميًا جديرًا بالتقدير، ويعكس حضورًا أكاديميًا فاعلًا في مجال من المجالات التي تتصل مباشرة بمستقبل التنمية والطاقة والبيئة.

***

نايف عبوش

"الناس نيام فإذا ماتوا إنتبهوا"

مجتمعاتنا تتميز بأنها صاحبة أكبر نسبة من العقول المهاجرة في العالم، فهي تصنع العقول التي تكلفها غاليا وتعجز عن الإستثمار فيها، والعلة تكمن في أن الكرسي قائد أنظمة الحكم وملهمها والراعي لوجودها، فكل ما يهدد الكرسي يجب الخلاص منه.

والكراسي على الدوام جاهلة ومغفلة ومحكومة بالأخطار المتواكبة والشكوك العاصفة في أرجاء وعيها الفردي والتحزبي والفئوي.

الكراسي تخاف من قوائمها وترتعب من ظلها، ويعصف بها الشك ويأكلها القلق ويبلدها الخوف، فلا يعنيها سوى إستقرار القوائم على أرض لا تتحرك، وهي رغما عن كل متوهم تدور والأحوال تتبدل وكل شيئ يتغير وفقا لإرادة أكون.

للكراسي أعمار، والمناصب لا تدوم، وكم غاصوا في الكراسي وإحترقوا فيها، وكم مر على البشر من المتوهمين بأنهم فوقهم، فأكلهم التراب وإلتهمهم الغياب، وكل ما أنجزوه ولى وخاب، لأن أكثرهم حسبوا أنهم خالدون، وفي الغطرسة والطغيان غاطسون، كأنهم نيام وفي غفلتهم يعمهون، والأرض تدور وتعلن أن لكل موجود مسير وختام، وأن الرحيل لِزام.

العجيب في البشر أن الأوهام تفترسه وترميه في عوالم النكران، فلا يرى ما حوله ولا يستوعب ما يدور في أفلاك وجوده، ويتصور الدوام الأبدي وهو محض وميض زائل، وما أنجزه ذابل ومتآكل.

فالعقائد كأوهام تزينها أوهام، تغشى البصائر وتعطل الأفهام.

عقولٌ من بلادٍ إسْتغاثَتْ

تُطاردُها العواذلُ ما اسْتطاعَتْ

كأنّ بأرْضِها رَفضٌ عَنيفٌ

وداعيةٍ لتخريبٍ تَنامَتْ

تُغادرُها جَواهرُ مُرْتقاها

فتأكُلها العواقبُ كيفَ شاءَتْ

***

د. صادق السامرائي

تصفح لاهزوجة: "من جنه فگور اتخاوينه"

نحتاج لتطبيق الموروث او الادب الشعبي على حوادث التاريخ، وقد تبنيت سابقا مفهوم فلسفة التاريخ الشعبي، وطبقت الحوادث الشعبية على نظريات هيجل ومارل ماركس وتوينبي وشبنكلر ومحمد باقر الصدر.

هذه الاهزوجة ذكرتها امراة ساعدية من اقاربنا، للدلالة على تبدل الحال يقود الى اضعاف الاخوة، وقد يقال ان الفقر لا ينتج الأخوة بالضرورة؛ فقد يؤدي أيضًا إلى النزاع والحسد والتنافس، خصوصًا عندما تكون الموارد شحيحة.

ولكن يجب مناقشة، مفهوم (من جنه فگور تخاوينه) والتي لا اعدها اهزوجة فقط، بل هي مسير تاريخ، وقاعدة اجتماعية لها ارتباط بالراهن وبالزمان والبيئة والمجتمع وعلم النفس، ويمكن تفسير قضية الفقر الذي يقود الى المودة وحصره بثلاثة عوامل منها:

وحدة الحاجة: وذلك عندما يتساوى أفراد الجماعة في الفقر، فانه تقل الفوارق المادية بينهم. بل يقل التكلف واثارة التحاسد والبغض، وينعدم التعالي والاستكبار لدى الطرف الاخر، الذي يشعر بنوع من الامن الكاذب.

التكافل الضروري: فالفرد يحتاج إلى أقاربه في الزيارة والغذاء والسكن والحماية والعمل، والافراح والاحزان، فيصبح التعاون حاجة لا مجرد قيمة أخلاقية.

ضعف الفوارق الطبقية: الثراء قد يُنشئ تفاوتًا في المكانة والنفوذ داخل العائلة أو القبيلة، بينما الفقر المشترك قد يقرب المسافات بينهم.

و هناك مفارقة مهمة: إذا خرج بعض أفراد الجماعة من الفقر وأصبحوا أغنياء، فقد يزداد التفكك إذا لم تبقَ روابط القيم والقرابة قوية.

واحيانا يصبح الفقر فضيلة لانه يصنع مصيرا مشتركا.

وعموما هذه ليست دعوة للفقر بقدر ما هي اشارة الى الذين يتغيرون في حال الانتقال الى الثروة والغنى .

واذا ما طبقنا ذلك على مناهج فلاسفة التاريخ نجد ان ابن خلدون عندما يطرح مفهوم العصبية والذي يقوم على التماسك والشعور بالمصير المشترك، فهو يرى أن الجماعات التي تعيش حياة خشنة وتحتاج إلى التعاون تكون عصبيتها أقوى، بينما يؤدي الترف والاستقرار والتمتع بالمنافع تدريجيًا إلى ضعف العصبية.

وقد نجد عند توينبي ما يعزز هذه القضية، فالمحنة عند توينبي تصنع استجابة جماعية وهي صيغة أخرى أكثر ملاءمة لفكرة الأمم والحضارات وتلخص نظرية التحدي والاستجابة التي قال بها توينبي، فاتصور ان استجابة الاغنياء لترفهم ولذاتهم قاد الى انتصار التحدي عليهم، ويمكن وصف التحدي هنا لما يشبه الاختبار الذي يسلط على سلوك الفرد في هذه الحياة.

والحضارة تواجه تحديًا أو ضغطًا، فإذا استطاعت الجماعة أن تستجيب له استجابة خلاقة، أدى ذلك إلى نموها. وتوينبي يرى أن التحدي المعتدل يمكن أن يكون محفزًا، بينما التحدي المفرط قد يسحق الجماعة.

ومن الشواهد انه خلال حصار العراق بعد 1990، حدث انهيار شديد في مستوى المعيشة وارتفاع واسع في الفقر وسوء التغذية.

وفي هذه الظروف، عادت قطاعات من العراقيين إلى الاعتماد بصورة أكبر على العائلة والعشيرة والجماعة المحلية نظرا لاهمال الدولة وللثراء الفاحش بين طبقات المجمتع. وتذكر دراسة عن الحماية الاجتماعية في العراق أن التضامن الاجتماعي أخذ شكلين أساسيين (التضامن العائلي والتضامن العشائري) وأن بعض الصناديق العشائرية كانت تُستخدم لمساعدة أفراد العشيرة في الأزمات، ومنها تكاليف الوفاة ومراسمها.

***

د. رحيم الساعدي

تعلمنا التجارب السياسية والإنسانية، أن المجتمعات المتعددة والمتنوعة، لا يمكن أن تحافظ على وحدتها الداخلية وصيانة استقرارها الداخلي إلا بخيار المواطنة.. لأنه الخيار الوحيد الذي يتعالى على كل الانتماءات التقليدية والتاريخية لصالح الانتماء الوطني..

والمجتمعات التي تعاني من مشاكل وصعوبات في علاقات المكونات والتعبيرات الاجتماعية مع بعضها، تعود في تقديرنا كل هذه الصعوبات، إلى غياب المشروع الوطني الذي يدفع جميع المواطنين، للتعالي أو الارتفاع عن انتماءاتهم النوعية لصالح الانتماء القادر على جمع كل المواطنين بصرف النظر عن أديانهم ومذاهبهم وقومياتهم لصالح انتماء واحد يشعر جميع المواطنين بالانتماء إليه والدفاع عنه ألا وهو الانتماء الوطني..

وأي قصور في بلورة وصياغة مشروع الانتماء الوطني المستند في نظام الحقوق والواجبات على مبدأ المواطنة بوصفها هي جسر العبور من انتماءات ما قبل الدولة الحديثة إلى الانتماء الذي ينسجم ومفهوم الدولة الحديثة..

فالدول الحديثة في كل الدنيا، لا يقوم انتماءات شعبها ومجتمعها على الانتماء الديني أو المذهبي أو القبلي أو الجهوي، وإنما يقوم على حقيقة المواطنة التي تجمع الجميع وتعبر عن حساسية الجميع..

والشيعة في المملكة العربية السعودية، لا يخرجون في آمالهم وطموحاتهم الجماعية عن مفهوم المواطنة، الذي لا يفرق بين مواطن وآخر على كل المستويات فالجميع سواسية أمام القانون وأمام الفرص المختلفة المتوفرة في الحياة الوطنية..

فهذا المكون الاجتماعي الأصيل يتطلعون إلى وحدة وطنهم من خلال مبدأ المواطنة المتساوية.. ولكي يصل الجميع إلى انجاز كل عناصر الحمولة القانونية والدستورية لمفهوم المواطنة المتساوية فإنهم كغيرهم من شركاء الوطن يعملون من أجل الأفكار التالية :

1-  جميع المواطنين آحادا ومكونات، يعتزون بخصوصياتهم الثقافية والدينية، ويعتبرون هذه الخصائص من الروافد الأساسية التي تغني حياتهم الاجتماعية والوطنية.. ويتطلعون إلى بناء وحياة وطنهم بعيدا عن التنوعات الدينية والمذهبية والجهوية.. فبمقدار اعتزازهم بتنوعاتهم المذهبية، بذات القدر يعتزون بوطنهم حينما لا يجعل من نظام الحقوق والواجبات في وطنهم قائما على هذا التنوع المذهبي وإنما قائما على مواطنيتهم المتساوية..

2-  إن المجتمعات المتنوعة، لا يمكن أن تصون وحدتها الداخلية إلا باحترام تنوعها وتعددها المذهبي والقبلي.. فالوحدة التي تبنى على احترام التعدد والتنوع، أكثر صلابة وتحصينا من أي شكل وحدوي آخر.. لذلك يتطلعون الشيعة في المملكة، أن يتم التعامل مع انتماءهم المذهبي ليس بوصفه عيبا ينبغي إخفاؤه، وإنما هو جزء من ثروات الوطن المعنوية والثقافية، والذي ينبغي أن يحظى باحترام وتقدير عميقين..

3-  جميعنا كمواطنين نعتقد أن التطرف المذهبي والعداء المذهبي، يدمر المجتمعات ويخرب أسس استقرارها الاجتماعي.. لذلك ثمة ضرورة في وطننا للوقوف معا ضد كل نزعات التطرف في ظل حقائق التنوع الذي يعيشها مجتمعنا، يفضي إلى توتير العلاقة بين مختلف المكونات والتعبيرات..

واستقرارنا الوطني والاجتماعي، مرهون إلى حد بعيد، على كفاحنا الوطني المتواصل من قبل الجميع لتفكيك كل عناصر الغلو والتطرف المذهبي..

وحينما نتحرر من كل نزعات الغلو والتطرف، سنكتشف جميعا أن تنوعنا الاجتماعي هو أحد عناصر قوتنا.. ولا خيار فعال أمامنا إلا احترام تنوعنا وحمايته قانونيا وسياسيا، حتى يتحول إلى إضافة نوعية في حياتنا الاجتماعية والوطنية..

***

محمد محفوظ

لماذا نشعر بالكآبة والوحدة والغربة بعد تحقيق نجاح طالما حلمنا به؟ عبارات التهنئة، باقات الأزهار، الهاتف والرسائل التي لا تتوقف، ومن ثم كل شيء يصمت، وكأن هذا لم يكن هو ما نطمح إليه؟!

مثل منزل كان بهيًا مزهوًا بالحضور، تتعالى فيه الضحكات وتتراقص جدرانه على أهازيج الأفراح، وموائد تُمدّ، تتشارك الفرحة قبل الطعام؛ فهاهنا حياة تُقام، وأمنية أمّ تتحقق، والجهد فيه يدغدغ المشاعر، وما بين مهنئ وراقص تتسربل اللحظات، ويومًا بعد يوم تنتهي المراسم، ويعود المنزل ليسكنه الصمت، وتغزو قلوب ساكنيه وحشة وكآبة لا يُعرف لها سبب.

هل جربت شعور العودة بعد رحلة منتظرة، خططت لها أيامًا وليالي، وحلمت بطرقاتها قبل أن تطأ قدماك أرضها، وشممت رائحة مقاهيها، وأخذتك مخابزها حيث تشدك رائحة الخبز حين خروجه من الفرن ساخنًا، مستعدًا للقضمة الأولى، لتعود بعد كل هذا تتصفح الصور، حيث كل ما بقي ليواسي اغترابك وشعورك بالوحشة والاكتئاب؟

هل حقًا، كما يقال، إن القمة خُلقت ليس للعيش فيها، بل لتكون محطة للوصول، ومنها للانطلاق؟

هل يكون هذا الإحساس طبيعيًا، ووراءه البحث من جديد نحو معنى آخر وقمة جديدة؟ أي: هل هو دافع حقيقي لمعنى وجودي؟!

حديثًا برز مصطلح بات يُضرب به مثل لكل مثل هذه الحالات:

متلازمة ما بعد الأولمبياد، وهي حالة نفسية وعاطفية قد يمر بها بعض الرياضيين بعد انتهاء الألعاب الأولمبية، خصوصًا بعد سنوات من التدريب والتضحية والتركيز على هدف واحد، ثم يشعر بالحزن والفراغ بعد تحقيق أكبر حلم في حياته.

فخلال سنوات التحضير، يخضع لنظام محدد بالغذاء والنوم وساعات التدريب، فتكون حياته منظمة حول هدف واحد.

ثم ينتهي الحدث فجأة، فيختفي الهدف الذي كان يعطي الحياة اليومية معناها واتجاهها، فنجده بعدها حزينًا، قلقًا، قد يبكي بلا سبب، ويعاني من اضطراب النوم وفقدان الشهية. فقد كان توقعه أن السعادة في تحقيق الحلم، ثم ينتهي كل شيء.

هذا الإحساس يتملكنا في كثير من وقفات حياتنا: التخرج، التقاعد، بعد نشر أول كتاب، بعد العودة من رحلة جميلة. ولا أعلم، قد تكون هذه الحالة هي ما تشير إلى ما يصيب المرأة بعد الولادة. لا أتحدث عن حالة الاكتئاب المرضية المعروفة طبيًا، ولكن تلك الحالة التي تنتاب أغلب النساء بعد الولادة وشهور من الترقب والانتظار والاستعداد، حيث الشعور بالخواء والفراغ والوحدة والحزن غير المبرر.

ماذا يحدث لنا عندما نصل إلى الشيء الذي جعلناه غاية حياتنا؟!

سؤال نفسي وفلسفي مهم، قد يوصلنا لسؤال أهم، والذي قد يتضح حين نفهم لماذا لا تصلح القمة للعيش، وكل من اعتلى القمم الشاهقة يوضح أنه لا يقوى على البقاء سوى لحظة لا تتجاوز الثواني، لكنها ثقيلة بالميزان الوجودي.

فيبرز السؤال الأهم:

هل الإنسان يحتاج للوصول أم للرحلة نفسها؟!

هل يمكن أن تختزل الحياة بهدف نصل إليه وقمة نعتليها، أم أن هناك ما هو أكبر؟

فهل نحن، كما يقول شوبنهاور، نعيش في حركة مستمرة بين الرغبة وعدم الإشباع؟ فعندما نرغب بشيء نشعر بالنقص، وعندما نحصل عليه ينتهي التوتر الذي كان يحركنا، فنعود إلى حالة من الملل أو الفراغ، ونبحث عن رغبة جديدة؟

أم نحن، كما يقول فيكتور فرانكل، مؤسس العلاج بالمعنى (Logotherapy)، الذي يرى أن الإنسان يحتاج إلى معنى يعيش من أجله، وإذا امتلك الهدف دون معنى أوسع، فإن تحقيق الهدف قد يتركه فارغًا؟

لكن نيتشه يقدم قراءة نوعًا ما مختلفة:

الحياة عنده ليست مجرد الوصول إلى حالة نهائية من الاكتمال، وإنما تجاوز مستمر للذات.

ومن هنا يمكن القول إن الأزمة تحدث عندما يتعامل الإنسان مع الإنجاز باعتباره نهاية القصة، بينما يحتاج إلى تحويله إلى بداية لمرحلة جديدة من إعادة خلق الذات، أي هناك فرق بين من يعتبر صعود القمة هو الهدف، وبين من يعتبرها انطلاقة لمرحلة جديدة.

هناك التفاتة نفسية مهمة قد تفيدنا، وهي الاعتياد على الأشياء التي كان يعتقد أنها حلمه وهدفه وفيها سعادته، وبعدها تصبح عادية، فيفقد الدافعية ويشعر بالخواء والفراغ.

قد نحتاج إلى تحول بالوعي يعيد تعريف الوصول، وبالتالي يساعدنا على فهم ما نمر به.

أجمل مثال هو فريد الدين العطار في منطق الطير.

الطيور تنطلق بحثًا عن السيمرغ، وفي النهاية تكتشف أن المطلوب لم يكن شيئًا منفصلًا عنها كما ظنت.

وهنا تكمن الفكرة الجميلة جدًا:

الغاية الحقيقية للرحلة ليست امتلاك ما تبحث عنه، وإنما أن تصبح شخصًا آخر أثناء البحث.

فهل نحن نبحث عن المعنى في ذواتنا أثناء كل هذا؟.

***

منى الصالح

"كنا نظن أن الآخرين يظلون معًا لأنهم سعداء.. يظل الآخرون معًا بسبب تعاستهم."

لا أذكر أين قرأت هذه الجملة، لكنها علقت في ذهني، لا لغرابتها فحسب، بل لأنها بدت كأنها تكشف وجهًا خفيًا للعلاقات، وجهًا نادرًا ما نتأمله.

المتعارف عليه أن البشر يعيشون معًا طمعًا في السعادة، وبحثًا عن الدفء والطمأنينة التي يمنحها الآخر. لكن ماذا لو كانت الوحدة أكثر احتمالًا من الشقاء الناتج عن الشراكة في الحياة؟ ماذا لو كنا نتمسك ببعضنا لا لأننا نمنح الفرح لبعضنا، بل لأننا لا نعرف كيف نحيا من دون الآخر، حتى وإن كان وجوده سببًا لألمنا؟

علاقة الزواج مثال صارخ على هذه المعضلة. نحلم منذ الصغر بـ"النصف الآخر"، بمن يكملنا. نتخيله كما نريد، ثم نفيق يومًا لنجد أن الواقع ليس كما حلمنا. ومع ذلك نمضي، لأن الزواج، في نظر كثيرين، ضرورة اجتماعية، أو ربما "شر لا بد منه".

في شهوره وسنواته الأولى، يكون الزواج غالبًا مليئًا بالفرح والوعود. ثم يعتاد الطرفان وجود بعضهما، ومع مرور السنوات، وخصوصًا بعد إنجاب الأطفال، قد يتحولان إلى كيان واحد في تفاصيل الحياة اليومية، فيصبح غياب أحدهما فراغًا في حياة الآخر. وقد يكون هذا الغياب مؤلمًا حتى حين تكون العلاقة نفسها قد فقدت انسجامها، أو حين يصبح الطلاق هو الحل الوحيد الممكن.

فالانفصال لا يعني دائمًا أن الإنسان أصبح قادرًا على العيش وحيدًا. أحيانًا يحتاج المرء إلى وقت طويل حتى يعتاد غياب شخص كان حاضرًا في تفاصيل حياته اليومية لسنوات. وقد يكون الخوف من هذه الوحدة، أكثر من الحب نفسه، أحد أسباب التردد في إنهاء علاقة لم تعد تمنح أصحابها السعادة.

وهكذا، لا يجمع الحب دائمًا بين الناس. أحيانًا يربطهم الاعتياد، أو الأولاد، أو الخوف من المجهول، أو الظروف التي تعيق الاستقلال، وربما فقط لأنهم لا يعرفون كيف يبدأون من جديد.

أتذكر إحدى الصديقات التي كانت تعاني الأمرّين في علاقتها مع زوجها، حتى قررت طلب الطلاق بعد زواج دام سنوات طويلة، أنجبا خلالها أولادًا شبّوا على صوت الخلافات والمشاكل.

في الفترة التي سبقت الإجراءات الرسمية للطلاق، عاشت صديقتي وحدها مع أولادها لبضعة أشهر، بينما كانت تتواصل مع المحامي لإنهاء إجراءات الطلاق في المحكمة. كانت قد اتخذت قرارها، أو هكذا بدا لي.

لكن قبل أن يصبح الأمر رسميًا، عادت إلى زوجها.

ما زالت معه حتى الآن، رغم أن شيئًا جوهريًا لم يتغير في حياتهما، وظلت علاقتهما مشحونة بالمشاكل والتعاسة.

حين سألتها آنذاك: لماذا عدتِ، ما دمتِ لا تشعرين نحوه بالحب ولم تتحسن علاقتكما؟

أجابت ببساطة: "لم أتعلم كيف أعيش وحدي بعيدًا عنه. تعودت وجوده، وصرنا كيانًا واحدًا مهما كان الأمر."

ربما لم تكن تبحث عن السعادة حين عادت. وربما لم تعد تؤمن أصلًا بإمكانية العثور عليها معه. كانت، ببساطة، تخاف من حياة لم تعرفها من قبل.

وهذا ما يجعل عبارة "يظلون معًا بسبب تعاستهم" أكثر قسوة مما تبدو عليه للوهلة الأولى.

فأحيانًا لا يكون ما يجمع شخصين هو الحب، ولا حتى الأمل في أن يتغير شيء، بل الخوف من أن تكون الوحدة أصعب من التعاسة التي اعتاداها.

ربما لهذا يظل بعض الناس معًا. ليس لأنهم سعداء، بل لأن تعاستهم المشتركة تبدو، بطريقة ما، أهون من وحدتهم المنفردة.

***

بشرى الهلالي

 

بين ذاكرة الماضي ووهج الحاضر وأفق المستقبل

لا شيء كالزمن يرافق الإنسان في رحلته في الحياة، فهو ملازم له، يصل الأمس باليوم، واليوم بالغد.

ويمضي الزمن بصمت، لا يتوقف قطاره لأحد، ولا يعود إلى الوراء، لكنه مع ذلك يترك في الذاكرة آثاراً لا تمحوها السنون، ويمنح الحاضر فرصاً لا تتكرر، ويفتح للمستقبل افاقا تظل واعدة أمام تطلعات الإنسان وأحلامه.

ومن هنا تنشأ جدلية الزمن في حياة الإنسان، ماض يستذكر، وحاضر يعاش، ومستقبل ينتظر. وبين هذه الأبعاد الثلاثة تتشكل تجربة الإنسان، فهو لا يستطيع أن يعيش الحاضر بمعزل عن ذاكرته، ولا أن يتطلع إلى المستقبل من دون الاستفادة من دروس الماضي، كما لا يمكن للمستقبل أن يصبح واقعاً ملموسا، ما لم يحسن استثمار لحظته الراهنة.

وهكذا فالماضي ليس مجرد صفحات مطوية في كتاب العمر، وإنما هو جزء من تكوين الإنسان ووعيه. ففيه عاش الإنسان الطفولة، وملامح ربوع النشاة الأولى، ووجوه الأحبة، ومواقف الفرح والحزن، والانتصارات والانكسارات.ولذلك يلاحظ ان الإنسان كثيراً ما يعود إلى ماضيه، لا ليعيش فيه من جديد، وإنما ليستمد منه درساً للفائدة، أو ليستشعر حسا بالأمان.

غير أن استذكار الماضي قد يتحول أحياناً إلى إقامة دائمة في زمن مضى. وهنا تكمن المفارقة، فالذاكرة تظل جميلة حين تمنح الانسان الحكمة، لكنها تصبح عبئاً حين تمنعه من رؤية الحاضر.

 على أنه ليس المطلوب أن نهجر الماضي، أو نتنكر له، بل المطلوب أن نضعه في مكانه الصحيح، ليكون ذاكرة نستفيد منها الدروس والعبر، لا سجناً نقيم فيه.

أما بشان الحاضر، فهو الزمن الوحيد الذي نملكه، ونعيشه في اللحظة فعلياً. بينما الماضي أصبح تجربة غنية بالدروس، والمستقبل لم يأت بعد، وبالتالي فإن الحاضر، هو الفسحة التي نستطيع خلالها أن نفكر، ونعمل، ونختار، ونغير. ومع ذلك، فكثيراً ما يفقد الإنسان قيمة الحاضر، لأنه منشغل بما مضى، أو ينتابه قلق مما سيأتي..وهكذا فإن عيش الحاضر لا يعني الانقطاع عن الماضي، أو تجاهل المستقبل، وإنما يعني أن نمنح اللحظة الراهنة ما تستحق من الانتباه، والوعي، والاهتمام. فالحاضر هو الورشة التي يصنع فيها المستقبل، والمستقبل هو المجال الذي نستطيع من خلاله أن نصالح أنفسنا مع الماضي أيضا.

ويظل المستقبل، أكثر أزمنة الإنسان إثارة للقلق، والأمل، في آن واحد، فهو ذلك المجهول الذي لا نعرف تفاصيله، لكنه يظل حاضراً في تفكيرنا وتخطيطنا. ولعل من طبيعة الإنسان أن يتطلع إلى ما هو أبعد من اللحظة الراهنة، وأن يحلم بغد أفضل، وأن يترك للأجيال اللاحقة ما هو أجمل مما ورثه.

على أن التطلع إلى المستقبل ينبغي ألا يتحول إلى قلق دائم. فالمستقبل لا يمكن امتلاك ناصيته قبل حلول أوانه، وإنما يمكن التهيؤ، والاستعداد له. ولعل من الحكمة أن نخطط للغد، دون أن نفسد جمال اليوم، بالخوف من المستقبل.

ولاريب ان أجمل ما في جدلية الزمن أن أبعاده الثلاثة ليست متنافرة، بل هي سلسلة متكاملة. فالماضي يمنحنا الجذور، والحاضر يمنحنا القدرة على الفعل، والمستقبل يمنحنا الدافع إلى الاستمرار. وبالتالي فإنه إذا ما اختل التوازن بين تلك الابعاد، اختلت علاقتنا بالحياة نفسها. فالإنسان الذي يعيش في الماضي وحده، قد يصبح أسير الحنين، والذي يعيش للحاضر وحده، قد يفقد القدرة على التخطيط، والذي يهرب دائماً إلى المستقبل، قد لا يلتفت إلى ما بين يديه من فرص متاحة للانتفاع منها في اللحظة . أما الإنسان المتوازن، فهو الذي يحمل ذاكرته معه، ويعيش حاضره بوعي، وينظر إلى المستقبل بأمل واقعي، وتطلع رشيد.

ولاشك أنه ليس من الحكمة أن نحاول إيقاف الزمن، فهذا أمر مستحيل بالطبع، ولا في أن نطارد الماضي لاستعادته، فهو لا يعود قطعا، ولا في أن نستبق المستقبل قبل أن يأتي، وإنما في أن نتعلم فن التعامل مع الأزمنة الثلاثة برشد، وذلك بأن نحترم الماضي، ونحسن عيش الحاضر، ونستعد للمستقبل على أفضل نحو.

وهكذا نجد إن الزمن، في نهاية المطاف، ليس مجرد مرور أيام، وتوالي شهور، وسنوات تتعاقب، بل هو تجربة إنسانية تتشكل داخل ذواتنا، بقدر ما تمر من حولنا، وبالتالي فأن كل يوم يمضي يأخذ معه شيئاً من أعمارنا، لكنه في الوقت ذاته يضيف إلى وعينا، تجربة جديدة، ويمنحنا فرصة أخرى لفهم الحياة، والذات، والآخر.

ومن هنا، فإن الموقف الصحيح الذي يمكن أن نتخذه في تعايشنا مع الزمن، هو أن ننظر إلى الماضي بامتنان، لا بحسرة، وإلى الحاضر بوعي، لا بغفلة، وإلى المستقبل بأمل، لا بخوف. فالأمس قد انتهى إلى الأبد، والغد لم يأتِ بعد، أما اليوم فهو الفرصة الوحيدة التي بين أيدينا. فلنحسن اذن عيشه على أفضل نحو، قبل أن يمضي بنا، ويصبح هو الآخر، ماضياً نستذكره.

***

نايف عبوش

ينطلق العام الدراسي الجديد في العراق (2026-2027) يوم الأحد الموافق 20 أيلول 2026 للطلبة، بينما تباشر الهيئات التعليمية والتدريسية في 1 أيلول 2026 ويوجه القطاع تحديات مستمرة تتمثل في نقص الأبنية المدرسية، والضغط الناتج عن زيادة أعداد الطلبة، إلى جانب القرارات التنظيمية الجديدة السؤال عن إمكانية إيجاد حلول ليس سؤالًا إجرائيًا، بل سؤال وجودي يتعلق بقدرة التعليم نفسه على البقاء.. فالتقنيات الجديدة لا تمنحنا الوقت الكافي للتكيّف، بل تفرض واقعًا يتغير أسرع من قدرتنا على فهمه.. ولهذا يشعر كثير من العاملين في التعليم أنهم أمام موجة لا يمكن اللحاق بها، وأن الأدوات التي اعتادوا استخدامها لم تعد صالحة تستعد وزارة التربية العراقية لإجراء تحديث جديد في المناهج الدراسية، يشمل مادتي القراءة للصف الأول الابتدائي والرياضيات للصف الرابع الإعدادي العام، على أن يبدأ اعتماد المناهج المحدثة رسمياً اعتباراً من العام الدراسي 2026–2027وتأتي الخطوة ضمن خطة الوزارة لتطوير المحتوى التعليمي ومواكبة الأساليب الحديثة في التدريس، خصوصاً في المراحل التي تمثل أساساً مهماً في بناء مهارات الطلبة وقدراتهم العلمية واللغوية, حسب ما أعلنته وزارة التربية، فإن تحديث مادة القراءة للصف الأول الابتدائي يهدف إلى تقديم منهج أكثر قدرة على تنمية المهارات اللغوية والفكرية لدى التلاميذ، من خلال اعتماد أساليب تعليمية حديثة تتجاوز الطرق التقليدية في تعليم القراءة والكتابة, في المرحلة الإعدادية، فقد شمل التحديث مادة الرياضيات للصف الرابع الإعدادي العام، في خطوة تستهدف تطوير المحتوى العلمي وتحسين قدرة الطلبة على التعامل مع المفاهيم الرياضية بطريقة أكثر انسجاماً مع متطلبات التعليم الحديث ,وفي المقابل، أكدت الوزارة عدم وجود تغييرات أخرى في بقية المناهج المشمولة بالعام الدراسي المقبل، ما يعني أن التحديث الحالي يتركز على مواد وصفوف محددة، وليس تغييراً شاملاً للمناهج الدراسية وتبقى عملية طباعة الكتب وتوفيرها للمدارس أحد التحديات العملية أمام الوزارة، إذ إن نجاح أي تحديث للمناهج لا يتوقف على إعداد المحتوى فقط، بل يحتاج إلى توفير الكتب في الوقت المناسب، وتدريب الكوادر التعليمية على المنهج الجديد، وضمان امتلاك المعلمين الأدوات اللازمة لتطبيق الأساليب التعليمية الحديثة ,, ويواجه النظام التعليمي العراقي تحديات متعددة، من بينها كثافة الصفوف، وتفاوت مستوى المدارس، ونقص بعض الموارد التعليمية، فضلاً عن الفجوة بين التعليم التقليدي والوسائل التعليمية الحديثة, كل عام دراسي نفكر في التحديات الجديدة التي يمكن ان تواجهنا، في الاعوام السابقة كانت التحديات يمكن استيعابها وتصور حدودها وربما تدور حول الطلاب والامكانات المتاحة وفرص توفر مصادر المعلومات، لكن فجأة بدأت تتصاعد التحديات بشكل متسارع حتى أنه لم يعد في الامكان تعريف هذه التحديات لأنها تتركز في تحد واحد وهو الذكاء الاصطناعي. أحد الاسئلة المباشرة تمثلت في تعريف العملية التعليمية برمتها، فهل مازالت تعني نقل المعرفة من الاستاذ الى الطالب؟ وهل مازال الطالب يحتاج الى مثل هذا النقل؟ كيف إذا سنعرف التعليم اذا كانت التقاليد القديمة تكسّرت وانهارت فهي في طريقها الى الزوال، بينما لم يظهر في الافق تقاليد جديدة واضحة يمكن ان نقول انها ستحدد مفهوم التعليم في السنوات القادمة هذا العام سألنا انفسنا: هل نستطيع ان نضع حلولا أو نطور آليات للتكيف مع كل هذه الضغوط التي يبدو أنها فاجأت المنشغلين بالتعليم؟ ربما لم يجدوا أدوات أخرى تنقذهم من هذا المأزق، وبعضهم ربما لا يريد أن يفكر فيما سيحدث السنوات القادمة، فسرعة التغيّر التقني أعلى بكثير من القدرة على التكيّف. كنت اعتقد في السابق انه عندما يكون الطالب مكان المعلم ليقود المادة المعرفية في قاعة المحاضرات هو الحل، لكن الآن بدأت أشكك في هذا الحل لان الذكاء الاصطناعي صار يفكر عن الطالب وانتقلت عملية التلقين بدلا من المعلم الى الطالب لتصبح من الذكاء الاصطناعي الى الطالب، فإلى اين سيتجه التعليم في السنوات القليلة القادمة هذا السؤال عن إمكانية إيجاد حلول ليس سؤالاً إجرائياً، بل سؤال وجودي يتعلق بقدرة التعليم نفسه على البقاء. فالتقنيات الجديدة لا تمنحنا الوقت الكافي للتكيّف، بل تفرض واقعاً يتغير أسرع من قدرتنا على فهمه. ولهذا يشعر كثير من العاملين في التعليم أنهم أمام موجة لا يمكن اللحاق بها، وأن الأدوات التي اعتادوا استخدامها لم تعد صالحة. الفكرة التي كانت تبدو حلاً، أن يقود الطالب المادة المعرفية، كانت منطقية في زمن كان فيه الطالب يبحث ويقرأ ويحلل، لكن حين يصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على التفكير نيابة عنه، فإن هذا النموذج يفقد معناه. لم يعد الطالب يقود المعرفة، بل أصبح يتلقى معرفة جاهزة من آلة تفكر عنه، وهنا يحدث التحوّل الأخطر: انتقال التلقين من المعلم إلى الذكاء الاصطناعي، بينما يبقى الطالب مجرد وسيط بين الأداة والورقة. وهذا يضع التعليم أمام سؤال صعب: ما الذي يبقى من "التعلّم" حين تختفي التجربة ويضعف الجهد ويتراجع دور العقل البشري في إنتاج المعرفة؟ السنوات القادمة قد تشهد إعادة تعريف كاملة لدور الطالب والمعلم، وربما إعادة صياغة مفهوم المدرسة نفسها، لأن الذكاء الاصطناعي لا يغير الأدوات فقط، بل يغير طبيعة العلاقة بين الإنسان والمعرفة هذا التحوّل الذي جعل الذكاء الاصطناعي يتصدر المشهد ليس مجرد تطور تقني، بل هو زلزال يعيد تعريف العملية التعليمية من جذورها. فالتعليم، كما عرفناه لعقود، كان يقوم على انتقال المعرفة من عقل إلى عقل، ومن خبرة إلى أخرى، ومن تجربة إلى أخرى. لكن حين يصبح الطالب قادراً على الوصول إلى المعرفة بضغطة زر، وحين يصبح قادراً على توليد الإجابات وتحليل النصوص وصياغة الأفكار عبر أدوات ذكية، فإن السؤال لم يعد: ماذا نعلّم؟ بل: لماذا نعلّم؟ وما الذي تبقى للمعلم في عالم لم يعد فيه امتلاك المعلومة ميزة؟ إن التحدي اليوم ليس في حجم المعرفة، بل في طبيعتها، لأن الذكاء الاصطناعي لا يقدم معلومة فقط، بل يقدم طريقة جديدة للتفكير، ويعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمعرفة. وهكذا تصبح العملية التعليمية أمام اختبار وجودي، بينما نقف في منطقة انتقالية ضبابية لا يمكن فيها الدفاع عن الماضي ولا التنبؤ بالمستقبل. هل فعلا الذكاء الاصطناعي يخلق تحديات أمام التعليم أم أنه يخلق له فرصا جديدة؟ ، ولا يعني ذلك انها تعكس حقيقة العلاقة المشدودة بينهما، فمنذ ان ظهر محرك "غوغل" للبحث بدأت تتطور ظاهرة ارتبطت بالبحث العلمي وجدية الطلاب في عملية التعامل مع مصادر المعرفة. ملاحظتي انصبت حول قدرة الطلاب على الاستيعاب فسهولة الوصول للمعرفة قللت من جدية التعامل معها، حتى ان كثيرا من طلاب الدكتوراه صاروا يتعاملون مع الملخصات بدلا من القراءة الجادة ولم يعد لديهم قدرة عميقة على الربط. ما اقصده هو أن بناء الشبكة المعرفية الذهنية التي يمكن ان تكوّن البحث اصابها بعض الخلل. حتى هذه اللحظة كنت اعتقد ان الخلل يمكن تداركه لكن مع الذكاء الاصطناعي أصبح من الصعوبة بمكان قياس جهد الطالب الحقيقي، وهذا يعني أن العملية التعليمية القائمة على التقييم والقياس اصابها خلل واضح. هذا السؤال، هل الذكاء الاصطناعي تهديد أم فرصة؟ هو في جوهره سؤال عن طبيعة المعرفة نفسها، وعن قدرة الإنسان على التعامل معها حين تصبح متاحة بلا جهد. فالتحدي الذي بدأ مع "غوغل" لم يكن في وفرة المعلومات، بل في تراجع قيمة السعي إليها. حين تصبح المعرفة سهلة، يصبح التعامل معها سطحياً، ويضعف ذلك القدرة على الربط والتحليل وبناء الشبكات الذهنية التي تجعل الطالب قادراً على إنتاج معرفة جديدة لا مجرد استهلاكها. ومع الوقت، بدأت تتشكل ظاهرة جديدة: الاعتماد على الملخصات والقراءات السريعة والاقتباسات الجاهزة، وهو ما أثر على جودة البحث العلمي وعلى قدرة الطالب على بناء العمق المعرفي. لكن الذكاء الاصطناعي نقل هذا التحدي إلى مستوى آخر، إذ لم يعد الأمر يتعلق بسهولة الوصول إلى المعلومة، بل بإمكانية إنتاجها آلياً، مما يجعل من الصعب قياس جهد الطالب الحقيقي داية العام الدراسي فرصة للأسرة لتستأنف المهمّة العظيمة المتمثلة في العناية ‏بدراسة الأبناء والبنات، ومعلوم أن الدولة قامت بما يلزمها من ذلك، ويبقى ثغر المتابعة ‏والعناية حكرًا على الأسرة، وحسن القيام على هذا الثغر حقّ أكيد على الأسرة، فكما ‏يستحق كل من الابن والبنت أن ينفق عليه وأن تراعى متطلباته الماديّة يستحق أن يعلّم وأن ‏يكوّن، وأن تراعى احتياجاته المعرفية.. بداية العام الدراسي ليست مجرّد موعد لاستئناف مهمة حيويّة، بل هي فوق هذا ‏فرصة لأن نستذكر مركزيّة القراءة والكتابة والتعلم في ديننا، فأول ما أنزل على ‏نبينا صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: (اقرأ باسم ربّك الّذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ ‏وربُّك الأكرم، الذي علّم بالقلم، علّم الإنسان ما لم يعلم)، فما أعظم ما حملته هذه الآيات ‏الكريمة من تنويه بالعلم، وبأسبابه، حيث افتتحت بالأمر بالقراءة، ومعلوم أنّ تعلُّم القراءة ‏بوّابة إلى اكتساب المعارف العلمية، وتكرر هذا الأمر تأكيداً وتحريضاً، ثمّ ذكرت نعمتان ‏أساسيتان من نعم الله تعالى على الإنسان، الأولى إنعامه عليه بخلقه وإخراجه من العدم، ‏والثانية إنعامه عليه بتعليمه بالقلم الذي هو آلة الكتابة والتدوين والتوثيق، ومن مميزات ‏الإنسان على ما حوله من الكائنات اختصاصه باستعمال الكتابة وحفظه لحقوقه بواسطتها، ‏وعن طريقها تمكن الناس من تناقل المعلومات عبر القرون، وفي مضمون هذه الآيات تلويح ‏إلى ما ينتظر هذه الأمة من خصائص في مجال التدوين والتوثيق، فكان الواقع كذلك، فقد ‏أعانها الله تعالى على الإبداع غير المسبوق في فنون التوثيق والضبط والرواية، وفي ذلك تطبيق ‏وامتثال لأول أمر توجّه إليها -بواسطة توجهه إلى نبيها صلى الله عليه وسلم-وهو: (اقرأ)، ‏ولي مع بداية العام الدراسي وقفات:‏ الأولى: هذه المهمة النبيلة جمعت أطياف المجتمع فالمعنيّ بتنظيمها والسهر على ‏التخطيط لها منسوبو التعليم على رأسهم معالي وزير التعليم، وبقية موظفي الوازرة من إداريين ‏ومعلمين، والمعنيّ بالتعاطي مع هؤلاء ولاة أمور الطلبة من الآباء والأمهات، والمتلقي أبناؤنا ‏وبناتُنا، وهذه الفئات كلها تستحق أن تُوجّه إليهم التهاني العطرة؛ لما هيّأ الله تعالى لهم من ‏الارتباط بالعلم؛ فالعلم شرف عظيم، وهو من أهمّ أسباب الرفعة، كما قال تعالى: (يرفع الله ‏الذين آمنُوا منكم والذين أُوتُوا العلم درجات)، والرفعة التي يحظى بها العالمُ منشؤها بعد توفيق ‏الله تعالى جهود من تولى تربيته، من المخططين والمشرفين والمعلمين والأسرة التي سهرت على ‏ذلك، فلهم الشرف والفخر، وقبل ذلك لهم الأجر الجزيل على ما انتشر على أيديهم من ‏العلم، وفي الاشتغال به أجر عظيم لمن أخلص النية، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى ‏الله عليه وسلم قال: «إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة ‏جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)، أخرجه مسلم، والعلم النافع هنا يشمل ‏جميع الإنجازات المتعلقة بالعلم من تعليم وتصنيف ونحوهما، فأيُّ فضل أعظم من أن من كانوا ‏يعلّمون الناس قبل مئات السنين لم يزالوا تصلهم الأجور مقابل الأثر ‏المتناقل لتعليمهم عبر الأجيال، وهذا الأجر المترتّب على خدمة العلم والتعليم كما يناله معلم ‏العلوم الشرعية من فقه وغيره، يناله معلم سائر العلوم التي يحتاج إليها الناس من رياضيات ‏وطب ونحوها، فيثاب عليها وتكون له ذخراً إذا نوى بتعليمها والإشراف على تعليمها أنّه ‏يشتغل بما يجلب للأمة المصالح، ويدرأ عنها المفاسد.‏ الثانية: بداية كل عام دراسيّ فرصة لتجديدنا الشكر لله تعالى على أن منّ علينا بهذه الدولة ‏المباركة المملكة العربية السعودية، فمن محاسن هذه الدولة الميمونة -وفضائلها لا تحصى- اهتمامها ‏بالتعليم، ومعاملته له على حسب ما يقتضيه كونُها قلب وقبلة أمة "اقرأ"، فمنذ توحيد هذا ‏الوطن لم يزل التعليم يخطو إلى الإمام خطوةً مباركةً، وقد كان للتعليم وتطويره حظّ وافر من ‏الرؤية الميمونة لولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-، وها هي تؤتي ثماراً طيبةً من التطور والتنظيم، وتسهم في جودة التعليم وانضباط سيره، ‏وكما هو الحال في المهمات الحيوية التي ترصد لها الإمكانات المادية والمعرفية فتنظيم التعليم ‏وتطويره في دولتنا لا سقف له، فكل عام نتلمّس إجراءات جديدةً تسهم في جودة التعليم، ‏وهي إنجازات تنعكسُ إيجاباً على حياة الفرد وعلى المجتمع.‏ الثالثة: بداية العام الدراسي فرصة للأسرة لتستأنف المهمّة العظيمة المتمثلة في العناية ‏بدراسة الأبناء والبنات، ومعلوم أن الدولة قامت بما يلزمها من ذلك، ويبقى ثغر المتابعة ‏والعناية حكراً على الأسرة، وحسن القيام على هذا الثغر حقّ أكيد على الأسرة، فكما ‏يستحق كلّ من الابن والبنت أن ينفق عليه وأن تراعى متطلباته الماديّة يستحق أن يعلّم وأن ‏يكوّن، وأن تراعى احتياجاته المعرفية؛ إذ هي مستقبله، فعلى الأسرة عونه على ذلك، وغرسُ ‏محبّة العلم في قلبه، وتربيته على الأخلاق السامية الفاضلة، ومنها حب الوطن وقيادته ‏وإخلاص الولاء لولاة أمرنا، واحترام المعلمين والمعلمات، وحسن التعامل مع زملائه في ‏المدرسة؛ فإنّ تهذيب الأخلاق من أهم متطلبات الحياة، وهو من أسس التعايش الهنيء

***

نهاد الحديثي

 مهارة تبدأ من الأسرة وتمتد إلى الحياة

يعد الذكاء العاطفي من المهارات الأساسية التي يحتاجها الإنسان في مختلف مراحل حياته، فهو لا يرتبط فقط بالقدرات العقلية أو التحصيل الدراسي والأكاديمي، بل بقدرة الفرد على فهم ذاته ومشاعره، وإدارة انفعالاته، وتحفيز ذاته والتعاطف مع الآخرين، وبناء علاقات إيجابية معهم.

ويشمل الذكاء العاطفي مجموعة من المهارات، أبرزها: الوعي الذاتي، وإدارة الانفعالات، والدافعية، والتعاطف، والقدرة على بناء علاقات إيجابية والتواصل الفعال. وكلما جرى تنمية هذه المهارات مبكراً منذ الطفولة، أصبح الطفل أكثر قدرة على التعامل مع المواقف والضغوط والتحديات التي قد تواجهه في مراحل حياته المختلفة. سواء كانت منذ طفولته في المدرسة أو عندما يكبر في وظيفته وحياته الاجتماعية.

كيف ننمي الذكاء العاطفي لدى الأطفال؟

تنمية الذكاء العاطفي تبدأ منذ السنوات الأولى من عمر الطفل، من خلال مساعدته على احترام ذاته وقدراته، وفهم مشاعره وعواطفه وانفعالاته، وإدراك أن من الطبيعي أن يشعر بالإحباط أو الحزن أو الخوف أو التوتر.

وهنا يأتي دور الأهل والمعلمين في مساعدة الطفل على مراقبة سلوكه وفهم ردود أفعاله. فعندما يمر الطفل بموقف انفعالي، يمكن أن نسأله: ماذا حدث؟ كيف شعرت؟ وكيف كان تصرفك؟ وهل كان بإمكانك التعامل مع الموقف بطريقة أفضل؟. هذه الطريقة تسهم في مساعدة الطفل على تطوير وعيه بذاته، وتعلمه أن الانفعال غير المنضبط قد يؤثر في صحته النفسية والجسدية وفي علاقاته مع الآخرين وعلى دراسته ونجاحه وتفوقه.

كما أن الانضباط من القيم المهمة التي ينبغي غرسها لدى الطفل؛ فالطفل يحتاج إلى تعلم الاستمرار في أداء واجباته ومسؤولياته حتى عندما يمر بحالة من الإحباط أو التعب، مع مراعاة مشاعره وحاجاته وعدم تجاهلها، بل الاهتمام بها وإعطائه فرصة للتعبير عنها بكل طمأنينة وأمن وراحة.

الحوار الأسري.. مفتاح أساسي

يعد الحوار المفتوح والإيجابي بين الطفل وأسرته من أهم الوسائل التي تسهم في بناء شخصية متوازنة وذكاء عاطفي سليم. فالانشغال المتزايد للأهل والأبناء، واستخدام الأجهزة والإنترنت، يقلل في كثير من الأسر من فرص التواصل الحقيقي والتعرف على ظروف الطفل وفهمه وتلبية احتياجاته ورغابته ومساعدته عندما يتعرض لمواقف التنمر والعنف والإساءة.

لذلك، تحتاج الأسرة إلى إعادة ترتيب أولوياتها وإيجاد مساحة يومية للحوار والتقارب والتفاهم. وليس المقصود بالحوار أن يقتصر على سؤال الطفل عن علاماته المدرسية أو عدد الدرجات التي حصل عليها، بل أن نسأله عن يومه، ومشاعره، وعلاقاته، والأشياء التي أسعدته أو أزعجته وكيف تمكن في تقضية يومه الدراسي بصحبة الزملاء والمعلمين.

عندما يشعر الطفل بأن والديه يستمعان إليه دون إصدار أحكام سريعة، يصبح أكثر قدرة على التعبير عن أفكاره ومشاعره، وأكثر استعداداً للحديث عن المشكلات التي يواجهها. فقد يقول الطفل: «لا أريد الذهاب إلى المدرسة»، بينما يكون السبب الحقيقي تعرضه للتنمر، أو خوفه من امتحان، أو وجود مشكلة مع أحد زملائه أو معلميه. وإذا اكتفى الأهل بإعطائه النصائح حول دور المدرسة وأهميتها في حياته ومستقبله، فقد لا يكتشفون المشكلة الحقيقية التي تشغله وتثقل كاهله، بل يبقى يعاني من مشاكله وتتفاقم أزماته دون تفهم ومساعدة من الأهل والمدرسة. لذلك، فإن فهم خصائص الطفل النمائية وحاجاته النفسية والاجتماعية والعقلية يساعد الوالدين على الاقتراب من عالمه وفهم اهتماماته ومواهبه ورغباته، وبالتالي تقديم الدعم المناسب له.

تعليم الطفل التعاطف

من الجوانب المهمة في الذكاء العاطفي تعليم الطفل أن يشعر بالآخرين وأن يراعي احتياجاتهم. ويمكن غرس قيمة التعاطف من خلال مواقف بسيطة في الحياة اليومية، مثل مشاركة الطعام مع طفل آخر، أو مساعدة شخص يحتاج إلى المساعدة، أو الابتسامة في وجه الآخرين، أو المبادرة بالكلمة الطيبة، العمل كفريق متعاون ومتلاحم ويتسم بالصداقة والدعم والمساندة. فهذه الممارسات البسيطة تساعد الطفل على بناء علاقات إيجابية، وتجعله أكثر قدرة على التواصل والتعاون مع المحيطين به.

الصلابة النفسية تبدأ مبكراً

تنمية الذكاء العاطفي تسهم كذلك في بناء ما يمكن تسميته بالصلابة والقوة النفسية؛ أي قدرة الإنسان على التعامل مع الضغوط والصعوبات دون أن يستسلم بسهولة ويضعف أمام أول مشكلة تواجهه ويشعر بالتوتر والرهبة منها. فالطفل الذي يتعلم منذ الصغر فهم مشاعره وإدارتها، وتحمل مسؤولية أفعاله، والتراجع عن الخطأ والاعتراف به، يصبح أكثر قدرة على التطور والنمو والنضج النفسي والاجتماعي.

ومن أهم المهارات التي ينبغي تعليمها للطفل أن الاعتراف بالخطأ ليس ضعفا،ً بل قوة وصلابة نفسية، وأن التراجع عن السلوك غير الصحيح أفضل من البحث المستمر عن المبررات والدفاع عن الأخطاء دون وجه حق. فالعديد من العادات والسلوكيات التي تتشكل في الطفولة قد تستمر مع الإنسان في مرحلة المراهقة والشباب وحتى الحياة الزوجية والمهنية وتكلفه خسائر كبيرة وفشل في إداره حياته وحياة من يعوله أو يتعامل معه، إذا لم يكتسب الوعي الكافي لإدارتها وتغييرها.

الذكاء العاطفي ومهارات الحياة

لا تقتصر فوائد الذكاء العاطفي على الجانب النفسي والاجتماعي، بل تمتد إلى مهارات الحياة التي يحتاجها الإنسان في الدراسة والعمل والعلاقات، مثل التواصل الفعال، وحل المشكلات، والتفكير السليم، والعمل تحت الضغط والتوتر. وقد يمتلك الشاب مؤهلات علمية جيدة، لكنه يواجه صعوبة في مقابلة عمل أو في التعامل مع موقف بسيط بسبب ضعف مهاراته النفسية والاجتماعية. لذلك، فإن بناء هذه المهارات منذ الطفولة يمنح الإنسان قدرة أكبر على مواجهة التحديات والاستمرار في تحقيق أهدافه والنجاح فيها وتحقيق سعادته ورفاهيته وصحته النفسية.

الأسرة والمدرسة شريكان في بناء طفل متوازن

إن تنمية الذكاء العاطفي مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة، ولا يمكن تحقيقها من خلال النصائح المباشرة فقط، وإنما من خلال الممارسة اليومية والقدوة الصالحة والسلوك الصحيح. فالطفل يحتاج إلى بيئة تسمح له بالتعبير عن مشاعره، وتعلمه احترام ذاته والآخرين، وتساعده على فهم أخطائه وتصحيحها، وتمنحه الشعور بالأمان والدعم.

وفي النهاية، فإن الاهتمام بالذكاء العاطفي منذ الطفولة لا يعني فقط تربية طفل أكثر قدرة على التعبير عن أفكاره ومشاعره، بل المساهمة في بناء إنسان أكثر توازناً وصلابة وقوة ومرونة، وقدرة على التواصل المبني على فهم نفسه والآخر من حوله والتعلم والعمل وبناء علاقات صحية وإيجابية في مختلف مراحل حياته.

***

د. أكرم عثمان

27-8-2026

التكلفة الاقتصادية والاجتماعية لـ«وباء الوحدة» في المجتمعات النامية

أعلنت منظمة الصحة العالمية مؤخراً عن تشكيل لجنة دولية للتعامل مع "الوحدة" بوصفها تهديداً صحياً طارئاً يضاهي في خطورته تدخين خمس عشرة سيجارة يومياً. هذه الإحصائية الصادمة لا تقف عند حدود الدول المتقدمة التي اعتادت على نمط الحياة الفردية، بل إنها تتسلل بصمت متسارع إلى قلب المدن الكبرى في المجتمعات النامية. إن هذا التحول يضعنا أمام واقع مقلق. فالنمو الحضري المتسارع الذي تشهده هذه المجتمعات لم يعد يفرز أبراجاً إسمنتية شاهقة وفضاءات تجارية لامعة فحسب، بل يفرز معه عزلة اجتماعية عميقة تعيد صياغة مفهوم العيش المشترك، وتفرض كلفة باهظة على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، لتصبح المدن في مظهرها الخارجي صروحاً للتقدم، وفي جوهرها مستودعات للوحشة الإنسانية المعاصرة.

من الناحية التاريخية كانت المدينة تعرف دائماً بأنها فضاء للقاء، والتفاعل البشري الخلاق، وتبادل الأفكار والمشاعر. لكن مدننا الحديثة اليوم، في سعيها المحموم نحو اللحاق بركاب الحداثة المادية وإعلاء قيم الاستهلاك المفرط، باتت تنتج نوعاً جديداً من المغتربين، أولئك الذين يعيشون وسط حشود صاخبة لكنهم يعانون من وحدة مطبقة. إن الانتقال المفاجئ والسريع من القرية أو البلدة الصغيرة، أو حتى من الأحياء التقليدية القديمة التي كانت تضج بالدفء والتكافل، إلى المدن المليونية المزدحمة، أحدث خللاً بنيوياً في النسيج الاجتماعي. هنا تبرز مقاربات سوسيولوجية متعددة تفسر كيف تحولت الشقة السكنية الضيقة من مأوى آمن للسكينة إلى زنزانة اختيارية، وكيف أدت وسائل التواصل الرقمي الهجين إلى تعميق الجفاء العاطفي بدلاً من ردمه، في مفارقة تاريخية تؤكد حتمية المراجعة لطبيعة العيش المعاصر الذي يفصل الفرد عن محيطه الإنساني الطبيعي لصالح نمط ميكانيكي بارد يخلو من الروح والصلات الحقيقية. ولا تقف تداعيات هذا "الوباء الصامت" عند الجوانب النفسية والوجدانية للأفراد، بل تمتد لتلقي بظلال ثقيلة على الكفاءة الإنتاجية والتنموية للدول. تشير البحوث الاقتصادية المعاصرة إلى أن الموظف المحاط بالعزلة يبدي تراجعاً حاداً في مستويات الإنتاجية والابتكار، فضلاً عن ارتفاع كلفة الرعاية الصحية الناجمة عن الأمراض المزمنة المرتبطة بالضغط النفسي والاكتئاب المزمن الذي يتغذى على الوحدة والانفصال. في هذا السياق المعقد، يتبدى لنا تشابك المصالح المعقد بين هندسة التخطيط العمراني، والسياسات الاقتصادية الكلية، والأمن الصحي العام. إن إهمال البعد الإنساني في بناء المدن—بتقليص المساحات الخضراء العامة والمراكز الثقافية والمقاهي الشعبية لصالح التمدد العقاري التجاري الجاف—يمثل كلفة اقتصادية مؤجلة ستتحملها ميزانيات الدول النامية في المستقبل القريب على شكل تراجع في رأس المال البشري وقدرته على الإبداع والعطاء المستدام. إن استشراف مستقبل المدن في المجتمعات النامية يتطلب الانتقال العاجل من نموذج التطوير العمراني العقاري الصرف إلى نموذج "أنسنة المدن" وإعادة الاعتبار للمجال العام والمشتركات الإنسانية. لا يمكن فصل النمو الاقتصادي المستدام عن التماسك الاجتماعي، فالمدينة التي تفقد روحها وتتحول إلى مجرد مجمع للمستهلكين المنعزلين خلف شاشاتهم، تفقد بالضرورة قدرتها على البقاء والتطور الإيجابي والإنتاج الفعلي. إن بناء الجسور بين البشر في الفضاءات المشتركة ليس ترفاً ثقافياً أو فائضاً في الرفاهية، بل هو ضرورة حتمية لإنقاذ مجتمعاتنا الناشئة من وباء العزلة الذي يهدد بتقويض أسس التنمية والتقدم قبل اكتمال بنائها. إن استعادة دفء العلاقات داخل الفضاء الإسمنتي هي الخطوة الأولى نحو تنمية حقيقية لا تهمل الإنسان في غمرة البناء والتشييد.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

الاستذكار ليس سوى ماضٍ يُستعاد، لكنه لا يكون استعادةً للماضي أحياناً، بقدر ما هو استدعاءٌ لجرحٍ لم يندمل. ثمانية عشر عاماً مرّت على اغتيال المثقف العراقي كامل شياع، الذي غاب برصاصٍ غادر في الثالث والعشرين من آب عام 2008، لكن غيابه لم يتحول إلى صفحةٍ مطوية في كتاب الذاكرة. ما زال اسمه حاضراً، لا بوصفه ذكرى شخصية فحسب، وإنما بوصفه سؤالاً مفتوحاً عن مصير المثقف في بلدٍ ظلّ الرصاص فيه، زمناً طويلاً، أعلى من صوت الكتاب.

ربما خفتت الصدمة الأولى، وربما اعتدنا، للأسف، على أخبار الموت حتى صار بعضها يمرّ في الذاكرة مثل خبرٍ عابر. لكن أثر الجريمة بقي قائماً. فمقتل كامل شياع لم يكن فقداناً لإنسانٍ وحسب، بل كان اعتداءً على معنى آخر: معنى أن يكون المثقف صاحب موقف، وأن تكون الثقافة مجالاً للحوار والاختلاف والحرية، لا ساحةً للوصاية والإخضاع.

    كان كامل من اولئك الذين تقاسمتهم المنافي بعد أن عجز  الوطن من احتوائهم في حقبة مزّقت الديكتاتورية أوصال المجتمع، وانتهكت الحقوق والحريات، وبات المنفى وسيلة القادرين على النجاة، لكن العودة المحمّلة بالأحلام إلى الوطن لم يتسن لها أن تؤسّس لوجودها الجديد.3165 kamel

هل كان كامل شياع مستهدفاً لأنه مثقف؟

ربما لا تكمن الإجابة في تفكيره، ولا موقعه في وزارة الثقافة وحدها، وإنما في ما كان يمثله. فالمثقف الحقيقي، حين يرفض أن يتحول إلى تابع، يصبح مصدر قلق لكل سلطة تريد من الثقافة أن تكون صدىً لها. الثقافة التي لا تسأل، ولا تعترض، ولا تكشف التناقضات، يمكن تدجينها بسهولة. أما الثقافة التي تحتفظ بمسافتها النقدية من السلطة، أياً كانت السلطة، فإنها تظل عصيةً على الترويض.

نحن نعرف من قتل كامل، ونعرف لماذا كان موته مكسباً لمن يخاف من صوت الثقافة. وربما لا نحتاج اليوم إلى إعادة سرد تفاصيل الجريمة بقدر ما نحتاج إلى تأمل ما تركته وراءها. فالقاتل لا يقتل الجسد وحده.

لكن المفارقة أن الرصاص يستطيع أن يسكت الإنسان، ولا يستطيع أن يسكت السؤال.

هنا تكمن أهمية استذكار كامل شياع اليوم. لنذكّر أنفسنا بأن الثقافة العراقية لم تتحرر تماماً من أحابيل السياسة. ما زالت السلطة، بأشكالها المختلفة، ترغب في ثقافةٍ موالية، وفي مثقفٍ يمكن استدعاؤه حين تحتاج إلى صوته، وتصفيقه، وشرعنته. وفي المقابل، ما زالت الثقافة نفسها تعاني من إرثٍ طويل جعل بعض المثقفين يخلطون بين الدور الثقافي والدور السياسي، حتى بات من الصعب أحياناً الفصل بين المثقف الذي ينحاز إلى قناعاته، والمثقف الذي يتحول إلى أداة في يد جهةٍ ما.

ليست المشكلة في أن يكون للمثقف موقف سياسي، المشكلة تبدأ حين تتنازل الثقافة عن استقلالها، ويصبح المثقف تابعاً لمشروعٍ سياسي لا يرى في الثقافة سوى وظيفةٍ أو واجهة. عندها تفقد الثقافة جوهرها النقدي، ويتحول المثقف من ضميرٍ يسائل السلطة إلى موظفٍ في خطابها.

كان كامل شياع ينتمي إلى ذلك النوع من المثقفين الذين رأوا في الثقافة فعلاً مدنياً، وفي الحرية شرطاً لوجود المجتمع السليم. مشكلته، وربما مأثرته أنه مزج بين المثقف المحايد العقلاني وموضوعيته النادرة وبين المثقف العضوي، كان يخطط برؤية مستقبلية منفتحة على آفاق معرفية وتجارب فكرية جديدة.

بعد ثمانية عشر عاماً، ما زالت أصوات الرصاص عالية في ذاكرتنا، وما زلنا نخشى غدرها. وربما لهذا لم نستطع أن نغلق ملف كامل شياع. فحين لا تنتهي الأسباب التي صنعت الجريمة، لا تنتهي الجريمة نفسها. وحين تبقى الثقافة محاصرةً بين سطوة السياسة وخوف العنف وإغراء السلطة، فإن سؤال كامل شياع يظل قائماً:3166 kamel

ماذا فعلنا كي لا تتكرر الجريمة؟

إن الوفاء لكامل شياع، أن نخلق مناخاً لا يخاف فيه المثقف من أفكاره، ها هو واحد من ضحايا الحلم الثقافي والإنساني يسلمنا لوحشة رحيله، وخسارتنا الفادحة انه اختار الزمان الخطأ لتحقيق الحلم. لأن الأرض ما عادت تتسع لنزاهة الحالمين!

في الثالث والعشرين من آب، نستذكر موت كامل شياع مع امنيات متواضعة: أن لا يكون فيها الرصاص هو اللغة الأخيرة.

والفكرة التي عاش من أجلها تظل قادرةً على النجاة.

***

جمال العتّابي

الكتابة عن عميد الأدب العربي ليست سهلة فهو يمثل عصراً كاملاً امتد من العام الذي ولد فيه حتى رحيله في 28/10/ 1973 حقاً إنه عصر يمكننا أن نفخر به كما يفخر الإنكليز بعصر شكسبير مثلاً فقد كان رائداً من رواد الثقافة العربية بل والعالمية فقد ظل حتى ساعات عمره الأخيرة يصغي لمن يقرأ له الكتاب بلا كلل ولا ملل.

لقد عبر طه حسين عن سيرته الذاتية في كتابه (الأيام) بأجزائه الثلاثة وكان هذا الكتاب صورة لعصره، فقد أصاب الرمد عينيه وهو في السنة الرابعة من عمره فأخذه والده إلى حلاق القرية الذي كان يأخذ دور الطبيب فيها فذهب الجهل ببصره فكتب عليه أن يقضي حياته في ظلام أبدي مثلما كتب الجهل والتعصب على سقراط بأن يتجرع كأس السم الذي أطفأ حياته.

كان طه حسين في صباه يتردد على شيوخ الريف الصعيدي ليستمع إلى تفاسير القرآن وأخذت هذه الميول والرغبات تنمو في شخصه وحين وصل الى سن الثالثة عشر كان يتوق الى الوصول الى عتبات الازهر بما يسمعه في قريته على هذا الصرح وأعمدته الرخامية البيضاء وقد تحقق هذا الحلم الذي راوده طويلاً فولج الأزهر وأصبح أحد طلابه ودخل القاهرة لأول مرة في حياته، وهكذا تبدأ صفحة جديدة في حياة هذا الصبي الطموح ليبدأ فيها فصلاً جديداً مليئاً بالجدل والنقاش العنيد الذي سيطر على هذا الصعيدي العنيف دائماً والذي لا يهمه أن يلجأ الى الشتم حتى انه وصف أثناء فترته الأزهرية من قبل بعض شيوخ الأزهر بأنه مجنون ( لأنه كان يهوى المغامرة ويتطلع الى حلبات الصراع) وهذه الجوانب من مشاكساته في الجامع الأزهر وفي قريته وبيته. وقد اطلق عليها لقب (الفترة الازهرية).

أثناء عودته من الأزهر في إجازة إلى قريته سمع أن أبيه يقرأ في كتاب (دلائل الخيرات) وهو كتاب كما يبدو من عنوانه عبارة عن أدعية اسلامية فاستخف بذلك واعتبر هذا الكتاب وسيلة وثنية يتوسط بها الإنسان بينه وبين ربه، وكانت هذه بداية التمرد الذي عرف به طه حسين أثناء دراسته الأزهرية ومن الجدير بالذكر أن معظم الطلاب الذين كانوا يدرسون في الأزهر من الطلاب الفقراء كما ان (الجرايات) التي كان يجريها الأزهر عليهم لا تزيد عن رغيفين من الخبز يومياً وهي لا تكفيهم طبعاً الأمر الذي أدى إلى تمردهم في أحد الأيام حيث أغلقوا الأبواب ومنعوا المصلين من الصلاة في أروقة الجامع، ويذكر أحمد غلبي في (كتابه طه حسين رجل وفكروعصر)

(إن أحد الذين أدخلوا فكرة الإشتراكية العلمية إلى الأزهر هو شيخ أزهري)

وكان طه كثير الجدال مع شيوخ الأزهر أثناء دراسته ففي أحد الأيام دار جدال طويل مع أحد الشيوخ خلال أحد دروس الفقه استغرق طيلة الدرس مما حمل الطلاب على الطلب من الشيخ بوقف هذا الجدال لأن وقت الدرس يكاد ينتهي وقد رد عليهم الشيخ بقوله: لا والله لا تقوم حتى يقتنع هذا المجنون، وكان بعض شيوخ الأزهر حين يريدون إسكاته ينادون عليه بكلمة أسكت يا أعمى.

وذات يوم نشب جدال بين طه حسين وأحد أساتذة الأدب العربي في الأزهر حول بيت من الشعر يعود لـ (تأبط شراً) وحين انزعج منه الأستاذ رد عليه رداً قاسياً ووصفه بالوقاحة ثم غضب الأستاذ وصرف الطلاب عن الدرس حيث انقسموا بين مؤيد لطه حسين ومؤيد للأستاذ وكان المؤيدون لطه من طلاب الصعيد فالتفوا حوله وقد هيئوا سلاحهم وهو (النعال) الذي كان أهل الصعيد يستخدمونه دائماً في معاركهم.

كان طلاب الأزهر يشكلون حلقات حول الشيخ فإذا انقضى الدرس سارعوا إليه يقبلون يديه باستثناء طه حسين الذي كان يأنف من هذه العادة مما حمل شيوخ الأزهر على اعتباره متمرداً على العلم الأزهري.

في أحد المجالس التي كان الأدباء والسياسيون والمثقفون المصريون يرتادونها تحدث أحدهم عن نابليون وكيف انه بعد احتلاله لمصر أخذ زوجة أحد المصريين عنوة وتزوجها فعلق طه الطالب الأزهري قائلاً: (لقد فعل محمد ذلك، أخذ زينب من زوجها زيد) فصمت الجميع وبعد انصرافهم قال له أحمد لطفي السيد الذي كان يرأس تحرير صحيفة الجريدة: يا بني لا تتحدث هكذا عن القرآن أمام الناس.

إن طه حسين لم يسع إلى ارضاء شيوخ الأزهر وإنما كان يسعى إلى إثارة سخطهم واستفزازهم بجداله الطويل معهم وقد انعكس جداله وشكوكه هذا حتى داخل بيته ففي نقاش دار حول سورة هود وما ورد فيها عن ابن نوح قال طه انه ليس ابن نوح الحقيقي لأن زوجة نوح قد خانته وحين سمع منه والده هذه العبارة

قال له: يا كلب يا ابن الكلب (ماعدش الا القرآن تقول فيه هذا الكلام فارغ). وقد ذكر هذه الرواية محمد الدسوقي في كتابه أيام مع طه حسين.

وأخيراً فإن هذا الطالب الأزهري رمى العمامة إلى غير رجعة والتحق بالجامعة المصرية التي تم افتتاحها في اعام 1908 وسميت في وقتها بجامعة الملك فؤاد وقد أسست هذه الجامعة بمبادرة من أغنياء القاهرة وحين دخل طه حسين الجامعة حدث انقلاب خطير في حياته فأصبح فيها طالباً ثم أستاذاً فعميداً.

ومما زاد في حدة معاركة الفكرية انه اصدر كتاباً عام ١٩2٦ بعنوان

(في الشعر الجاهلي) تطرق فيه الى الشعر الجاهلي واعتبره منحولاً ثم تطرق فيه إلى بعض آيات القرآن وقصة ابراهيم الخليل وابنه أسماعيل مما اثار غضب علماء

الأزهر حيث استدعته النيابة المصرية لغرض الاستجواب والتحقيق ولكن النيابة اعتبرت الكتاب مجرد بحثاً علمياً وادبيا لا يمس العرب ولا الاسلام ولم تصدر بحقه ادانة، وفي عام ١٩٥٠ عين طه حسين وزيراً للمعارف.

***

غريب دوحي

 

حوار معرفي عراقي بين جيلين

مشهد تخيلي أدبي في مقهى الباب الشرقي، بغداد في زمن افتراضي يتقاطع فيه الزمان والمكان، وتلتقي فيه أرواح المفكرين معي شخصيا على كوب من الشاي "الزنكين" ورائحة السجائر التي تعلو في الهواء. هنا، حيث تتلاشى حدود العقود، يجتمع اثنان من عمالقة الفكر العراقي، كلٌ يحمل في جعبته تجربة معرفية مختلفة، ليجلسوا معي في جلسة لم يكتب لها التاريخ أن تحدث، لكنها تنبض بالحياة في مخيلة من يحاول أن يستمع إلى ما كان يمكن أن يقولوه لو التقوا في زمن واحد.

الحضور: الأستاذ الدكتور نوري جعفر (1914–1991)، أبو علم النفس التربوي في العراق، الرجل الذي حمل همّ إصلاح التعليم والعقل العراقي. والأستاذ الدكتور علي الوردي (1913–1995)، سوسيولوجي العراق الأشهر، ومحلل النفس الجمعي الذي مزّق أكوان المجتمع العراقي بجراحه. وانا الأستاذ الدكتور محمد الربيعي اكاديمي وباحث علمي وتربوي عراقي معاصر احاول جسْر الفجوة بين التراث المعرفي العراقي ومستقبل التكنولوجيا.

ليس هنا تدوينًا لمحضر حوار وقع يومًا، بل محاولة لإعادة بناء حلقة نقاشية افتراضية تستند إلى ما كتبوه وأفكارهم التي عُرفت عنهم، بوصفهم قامات فكرية تركوا بصماتهم في مسيرة المعرفة العراقية في حوار يجمعنا. فما يُنسب هنا لكل منهم هو انعكاس لفلسفتهم ومناهجهم، وإن حمل بعض العبارات لونًا من التخييل الأدبي الضروري لإحياء الجلسة.

المشهد الافتتاحي:

يدخل الثلاثة إلى المقهى، يصافح كل منهم الآخر بحرارة. يجلس علي الوردي عن اليمين واضعًا سيجارته على حافة المنجد، ويجلس نوري جعفر بجانبه ينظر بعينين فاحصتين. أما أنا (محمد الربيعي)، فأجلس مقابلهما على اليسار، واضعًا حاسوبي المحمول جانبًا، وكأني أريد أن أركز بالكامل في هذه الجلسة التي طالما حلمتُ بها.

الجولة الأولى: في تعريف الذكاء بين اختبارات العقل وفطنة القلب

علي الوردي: (يبتسم ابتسامته المعروفة) لنبدأ من سؤال بسيط، يا رفاقي. لطالما تساءلت: كيف يقاس ذكاء الرجل بما يحفظه من كتب، لا بما يفهمه من وجوه الناس من حوله؟ أنا في سنوات بحثي الطويلة، رأيتُ أميًا في أحد أهوار العراق يفكّ خلافات عشائرية بعبقرية، وأرى دكتورًا يحمل شهادات من السوربون لا يستطيع أن يسأل عن حال جاره دون أن يتلعثم.

نوري جعفر: (يهز رأسه موافقًا) هذه بالضبط كانت معركتي مع علم النفس التقليدي، يا دكتورعلي. درستُ في الغرب وعرفت أن اختبارات الذكاء (IQ) تقيس جانبًا واحدًا فقط من القدرات العقلية. لكن الواقع العراقي فرض علينا رؤية مختلفة. فالذكاء، كما أرى، ليس مخزونًا من المعلومات يُحشى في الرأس، بل هو قدرة ديناميكية على حل المشكلات الحياتية، والتكيف مع البيئة المتغيرة، والأهم من ذلك، فهم الآخرين. هذا ما يُسمى اليوم بـ"الذكاء الاجتماعي".

أنا (محمد الربيعي): (أنحني للأمام بانتباه) أستاذي دكتور نوري، كلامك يُذكّرني بما نراه اليوم في مختبرات الذكاء الاصطناعي. صحيح أن الآلات تستطيع تجاوز البشر في اختبارات IQ المعيارية، مثل اختبارات الرياضيات واللغة، لكنها تفشل فشلًا ذريعًا في أبسط المواقف الاجتماعية. يمكن لخوارزمية أن تحلل مليون مقال، لكنها لا تفهم سخرية عابرة، ولا تلتقط إشارة عين، ولا تشعر بنبرة صوت تملؤها المفارقة. وهذا يعيدنا إلى تساؤل وجودي: كيف لنا أن نبني ذكاءً اصطناعيًا يحاكي العقل البشري، ونحن لم نفكك بعدُ ذلك "الذكاء الفطري" الذي يجعلك يا دكتورعلي تفهم من تحاور بمجرد نظرة؟

الجولة الثانية: الذكاء الاجتماعي في البيئة العراقية شهادات ميدانية ونفسية

علي الوردي: (يسحب نفسًا من سيجارته) لقد سميتَها "البيئة العراقية"، وهذا يجعلني أتحدث عن "ازدواجية الشخصية" التي درستُها طويلًا. المجتمع العراقي مركّب: فيه البداوة والحضارة، فيه العشيرة والدولة، فيه المذهب والوطن. هذه التركيبة الفريدة تخلق نوعًا فائقًا من الذكاء الاجتماعي، يا دكتور محمد. الرجل العراقي، في المتوسط، يُجبر على أن يكون "قارئًا للنفوس" ليحافظ على وجوده بين هذه التناقضات. ولكنه للأسف قد يستخدم هذا الذكاء أحيانًا في التمويه والنفاق، لا في البناء.

نوري جعفر: (يضع يديه على الطاولة) وهذا ما تؤكده الدراسات التربوية التي اجريت في جامعاتنا. اذكرك يا دكتور محمد بدراسة طلبة الإعلام في جامعة بغداد التي أظهرت أن مستوى الذكاء الاجتماعي لديهم أعلى من المتوسط. لكن الملفت، والذي يثبت نظريتي، أن الذكاء الاجتماعي لا يرتبط بالنوع الاجتماعي أو الصف الدراسي. إنه نتاج بيئي بالدرجة الأولى، والبيئة العراقية، بتنوعها وتعقيدها، هي مفرخة لهذا النوع من الذكاء. لكن هل هذا الذكاء كافٍ؟ بالطبع لا، فهو يحتاج إلى توجيه تربوي، وهذا ما حاولتُ زرعه في مناهجنا.

أنا (محمد الربيعي): (أفتح دفتر ملاحظاتي باهتمام ) أستاذي دكتور نوري، لقد كنتَ تطرح قبل أربعين عامًا أسئلة جوهرية عن طبيعة الذكاء والوعي والعلاقة بين الإنسان والآلة، وهي أسئلة تلامس روح ما نناقشه اليوم تحت مسميات "الذكاء العاطفي" و"الذكاء الاجتماعي". في مقالك الشهير عن الذكاء الاصطناعي عام 1985، لم تكن تتحدث عن خوارزميات بقدر ما كنت تتحدث عن جوهر الإنسانية. كأنك كنت ترى أن التحدي الحقيقي ليس في جعل الآلة أكثر ذكاءً، بل في فهمنا نحن البشر لتعقيداتنا النفسية والاجتماعية أولاً.

نوري جعفر: (يبتسم ابتسامة الرجل الذي يشعر أن أحدًا قد فهم جوهر ما كان يقوله) أحسنت يا دكتور. لقد كنتُ في ذلك الوقت أقلق من أن ينشغل الناس بـ "كيف" تعمل الآلة، وينسون السؤال الأهم: "لماذا" نصنعها ولأي إنسان نصنعها؟ صحيح أنني لم أستخدم مصطلحي "الذكاء العاطفي" أو "الذكاء الاجتماعي" في كتاباتي، لكن روحي كانت تبحث في تلك الاتجاهات. الذكاء، بالنسبة لي، كان دائمًا قضية إنسانية قبل أن تكون قضية حسابية

علي الوردي: (يطفئ سيجارته في النفاضة) وهنا تكمن المفارقة التي طالما ناقشتها. نحن في الشرق نطرح الأسئلة الجوهرية عن الإنسان، لكننا نترك للغرب مهمة صياغتها في نظريات ومقاييس! الدكتور نوري كان يطرح الأسئلة، وجاء "دانيال جولمان" وغيره ليصنعوا منها نظريات للذكاء العاطفي. ليس عيبا أن نطرح الأسئلة، لكن العيب أن نتوقف عندها ولا نبني عليها منهجيات عملية.

أنا (محمد الربيعي: ( (أفتح دفتر ملاحظاتي) لكن المشكلة التي أواجهها في بحثي حول الذكاء الاصطناعي في العراق هي أننا نستورد التقنيات دون أن نستورد فلسفة استخدامها. نحن نتعامل مع الذكاء الاصطناعي كآلة باردة لحل المعادلات، بينما المجتمع العراقي يحتاج في المقام الأول إلى منصة ذكاء اجتماعي تحترم تعقيداته الثقافية. هل يمكن لخوارزمية أن تفهم مفهوم "الوجاهة" العشائرية؟ أو أن تفرق بين "المجاملة" و"النفاق" في السياق العراقي؟ أعتقد أن هذا يتطلب ما يسمى بـ "الذكاء الثقافي"، وهو تخصص نفتقر إليه.

الجولة الثالثة: الأدباء والتراث نموذج الجحا والمتنبي في التحليل الذكائي

علي الوردي: (يضحك بعمق) حديثك عن "الوجاهة" يذكرني بالجحا. هذا الرجل البسيط في الظاهر كان أذكى من فلاسفة عصره في فهم الناس. قصص الجحا مليئة بـ الذكاء التفاعلي، حيث كان يستخدم روح الدعابة والغباء المصطنع لفضح التناقضات الاجتماعية. وهذا يتطابق مع تعريفات علماء النفس اليوم: الذكاء الاجتماعي هو القدرة على التصرف بحكمة في المواقف الاجتماعية وحل النزاعات.

نوري جعفر: (بصوت أكاديمي رصين) حتى المتنبي، رغم فلسفته العالية، كان يستخدم الذكاء الاجتماعي في شعره. أتذكر قوله:

وَإِذَا أَتَتْكَ مَذَمَّتِي مِنْ نَاقِصٍ .. فَهِيَ الشَّهَادَةُ لِي بِأَنِّي كَامِلُ

هذا ليس فقط فخرًا، بل هو تحليل اجتماعي بارد. المتنبي هنا يفهم أن النقد غالبًا ما يصدر من الناقصين، وهو يعرف كيفية تحويل الموقف إلى مكسب اجتماعي. هذه المهارة، وهي جزء من الوعي الاجتماعي، هي ما ينقص الذكاء الاصطناعي حتمًا.

أنا (محمد الربيعي): (باهتمام شديد) ربما هنا تكمن القضية المركزية. إذا أردنا بناء أنظمة ذكاء اصطناعي تخدم المجتمع العراقي، فلا يجب أن نعتمد على الخوارزميات الجاهزة التي تعكس قيمًا ثقافية غربية. يجب أن نأخذ نموذج "الجحا" و"المتنبي" كـ بيانات تدريب ثقافية! تخيلوا ذكاءً اصطناعيًا يُدرَّب على فهم روح الدعابة العراقية، وعلى استيعاب تلميحات الوجه والنبرة التي يتقنها بائعو السوق في الشورجة. لكن هذا مستحيل اليوم، لأن الذكاء الاصطناعي يعتمد على "البيانات الكمية" (الأرقام والنصوص) ولا يعرف شيئًا عن "البيانات النوعية الإنسانية" كالمشاعر المختزنة في الذاكرة الجمعية.

الجولة الرابعة: تحديات العصر الذكاء الاصطناعي ووهم المعرفة

أنا (أواصل حديثي بحماس): اسمحوا لي أن أنتقل إلى الجانب الأكثر إلحاحًا. العراق يتذيل مؤشرات الابتكار العالمية، ونعاني نقصًا في البنى التحتية والتشريعات الداعمة للبحث العلمي والتكنولوجي. لكن الأخطر وهذا ما حذّرتُ منه في كتاباتي الأخيرة هو "وهم المعرفة". فبدلًا من أن يكون الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز التفكير النقدي والذكاء الاجتماعي، أصبح عند البعض وسيلة لاستيراد الحلول الجاهزة التي تُضعف العقل المحلي. يظن البعض أن استخدام شات جي بي تي يجعلهم أذكياء، بينما هو في الحقيقة يجعلهم أكثر تبعية وأقل قدرة على الحوار الاجتماعي الحقيقي.

علي الوردي: (يشيح بيده) هذا هو مرض "ازدواجية الشخصية" بعينه، يا دكتور! نتبنى الأداة الغربية، لكننا نحتفظ بعقلية التبعية. ما فائدة الذكاء الاصطناعي إذا كان لا يعالج الفساد الإداري، ولا يطور التعليم القائم على الحوار، ولا يقرأ التناقضات الاجتماعية؟ الذكاء الاصطناعي يجب أن يكون خادمًا للذكاء الاجتماعي، لا بديلًا عنه.

نوري جعفر: (بصوت حازم) وأنا أؤيدكما، لكن اسمحوا لي بإضافة بُعد تربوي. فلسفتي قائمة على أن الذكاء والسلوك الاجتماعي ليسا قدرات جامدة، بل هما نتاج البيئة والتربية والتجربة. لقد أثبتت الدراسات التربوية في العراق وغير العراق أن البرامج التعليمية المنظمة، التي تتضمن تدريبات على المهارات الاجتماعية، قادرة على رفع مستوى الكفاءة الاجتماعية للطلبة. هذا يثبت أن الذكاء الاجتماعي قابل للتعليم والتنمية، بغض النظر عن التكنولوجيا. لذا، يا دكتور محمد، بدلًا من التركيز على تعويض النقص التكنولوجي فقط، اقترح أن نبدأ ببرامج تربوية وطنية لتنمية الذكاء الاجتماعي، ثم نأتي بالذكاء الاصطناعي ليكون أداة مساعدة، لا عكازًا.

الجولة الخامسة: المستقبل بين المطرقة والسندان

أنا: كلامكما يحفر في ذهني فكرةً، أستاذيّ. لو جمعنا رؤيتكما: التطبيق التربوي لنوري جعفر، والتحليل الاجتماعي العميق لعلي الوردي، وأضفنا إليهما الهندسة الحيوية وعلم الأعصاب، نستطيع أن نصمم "مقياسًا عراقيًا للذكاء الاجتماعي" . مقياس لا يقيس سرعة الحساب، بل يقيس القدرة على حل النزاع، وفهم الإشارات غير اللفظية، واحترام التنوع الثقافي. وبالاستعانة بالذكاء الاصطناعي، يمكن تحليل أنماط السلوك الاجتماعي في الأسواق والمجالس والمدارس، لنكتشف أين يقع الخلل في نسيجنا الاجتماعي.

علي الوردي: (مبتسمًا) فكرة جريئة، لكنها تحتاج إلى جهد جماعي. المشكلة أن المثقف العراقي غالبًا ما يكون "جزيريا"، كل في برجه العاجي. أنت هنا (يشير إلى نوري جعفر) في علم النفس، وأنا هناك في الاجتماع، وأنت (يشير إليّ) في العلوم الطبيعية. يجب أن نكسر هذه العزلة.

نوري جعفر: (يُنهض) أتفق مع دكتور علي. في كتاباتي، كنتُ أحاول دائمًا الربط بين علم النفس والفلسفة والأدب، لأن الإنسان كلٌ لا يتجزأ. الذكاء الاصطناعي مهما تطور سيبقى "آلة" ما لم يُبرمج على احترام هذا الكل الإنساني. العراق، بتاريخه العريق وتنوعه، يملك مخزونًا هائلاً من الذكاء الاجتماعي الكامن في تراثه. مهمتنا هي استخراجه وصقله، لا استبداله بآلات باردة.

الخاتمة: الجلسة الأخيرة في المقهى

نقف الثلاثة على أعتاب المغادرة، وقد امتلأت أذهاننا بالأفكار. أمد يدي لأصافح نوري جعفر، وأشعر بخشونة كفّه التي تحمل عنفوان المعرفة العراقية.

أنا (محمد الربيعي): (وأنا أودعهما) في النهاية، أساتذتي، خلصتُ من حوارنا هذا إلى أن الذكاء الاجتماعي ليس مجرد قدرة نفسية أو سلوكية، بل هو جوهر الإنسان العراقي الذي تمسّك بعلاقاته رغم الحروب والحصار. الذكاء الاصطناعي قد يُسهل لنا الحصول على المعلومة، لكنه لن يعوضنا أبدًا عن دفء المصافحة، وعن قراءة عيون الآخرين، وعن الحكمة التي تتوارثها الأجيال في مجالسنا. أنا، بوصفي باحثًا في التعليم والتعلم، أرى الآن أن التحدي الأكبر ليس في بناء خوارزميات أسرع، بل في كيفية تصميمها لتخدم هذا النسيج الاجتماعي الفريد، لا أن تنسفه من الداخل.

نوري جعفر: (يبتسم) أحسنت يا بني. وكما قلتُ في أحد كتبي: "العلم بلا إنسانية خراب، والإنسانية بلا علم وهم". اجعل من الذكاء الاصطناعي جسرًا، لا سورًا.

علي الوردي: (يصفق على كتفي) واذكر دائمًا أن "الذكي من يفهم الناس، لا من يحفظ الكتب". هذا هو سر بقاء العراقيين عبر العصور. إلى اللقاء في حلقة أخرى.

يغادرون المقهى كل في اتجاه، لكن أفكارهم تبقى معلقة في هواء بغداد، ممتزجة برائحة الشاي والتراب، تاركةً خلفها مشروعًا فكريًا عراقيًا خصبًا يجمع بين عراقة الماضي، وواقع الحاضر، وتحديات المستقبل.

خلاصة الحوار المعرفي:

يجمع هذا الحوار بين الرؤية التربوية النفسية لنوري جعفر (التي ترى الذكاء قدرة على حل المشكلات والتكيف)، والتحليل الاجتماعي النقدي لعلي الوردي (الذي يركز على ازدواجية الشخصية والتركيبة الاجتماعية العراقية)، ورؤيتي التكنولوجية المعاصرة (التي تحذّر من استيراد الحلول الجاهزة وتؤكد على ضرورة توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الخصوصية الثقافية والاجتماعية). يستنتج الثلاثة أن الذكاء الاجتماعي ليس بديلاً عن الذكاء الطبيعي بل بُعد مكمّل له، وأنه يظل جوهر الإنسانية الذي لا تستطيع أي آلة محاكاته مهما تقدمت.

***

د. محمد الربيعي

في مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ومعنى الاحتفاء بالنبوة

ليست بعض اللحظات في التاريخ محكومةً بمقياس الزمن؛ فالزمن، وإن كان يمرّ على الأشياء جميعاً، لا يستطيع أن يساوي بين لحظةٍ وأخرى، ولا بين مولدٍ ومولد، ولا بين فجرٍ يطلع على مدينة، وفجرٍ يطلع على الإنسانية. ثمة لحظات لا تُقاس بالساعات، لأنها تُقاس بما تُحدثه في الوعي من انقلاب، وفي الروح من يقظة، وفي التاريخ من انتقالٍ من حالٍ إلى حال.

وفي مثل تلك اللحظة، انشقَّ فجر مكة عن نورٍ لم يكن نوراً عابراً في سماء الجزيرة، بل كان إيذاناً بميلاد الرسالة الخاتمة؛ فكان مولد محمد صلى الله عليه وسلم في الوجدان الإسلامي أعمق من أن يُختزل في تاريخ، وأكبر من أن يُحاصر في طقس، وأبقى من أن يكون مجرد ذكرى تُستعاد كل عام ثم تنطفئ أنوارها بانطفاء الاحتفال.

لقد وُلد محمد صلى الله عليه وسلم في بيئةٍ أنهكتها الوثنية، وتنازعتها العصبية، واستبدّت بها القسوة، فجاءت رسالته لتعيد ترتيب علاقة الإنسان بنفسه، وبربه، وبالآخر، وبالكون. ولذلك فإن الحديث عن مولده لا ينبغي أن يقف عند لحظة الولادة، بل ينبغي أن يتجاوزها إلى السؤال الأعمق: ما الذي وُلد مع صلى الله عليه وسلم ؟

وُلدت رسالةٌ جعلت التوحيد تحريراً، والعلم عبادةً، والرحمة مبدأً، والعدل ميزاناً، والإنسان مكرّماً لكونه إنساناً. وُلد مشروعٌ أخلاقي وحضاري امتد أثره في التاريخ، وغيّر وجه الجزيرة، ثم تجاوز حدودها إلى آفاق العالم.

وهنا يصبح مولده صلى الله عليه وسلم، ليس مجرد حادثة في الماضي، بل سؤالاً للحاضر: ماذا بقي فينا من محمد؟ وماذا بقي من رسالته في أخلاقنا، وفي عدالتنا، وفي علاقتنا بالضعفاء، وفي صدقنا، وفي قدرتنا على أن نجعل الدين سلوكاً حيّاً لا مجرد شعار؟

المولد بين الذكرى والرسالة:

قد اختلف المسلمون في مسألة الاحتفاء بذكرى المولد النبوي؛ فمنهم من رأى فيه وسيلةً مشروعة لإظهار المحبة وتعظيم السيرة والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ومنهم من رأى أن تخصيص يومٍ بعينه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه، فآثر الوقوف عند ما ثبت من الهدي.

وهذا الخلاف، بوصفه خلافاً فقهياً، له مجاله وأدلته ومناهجه، ولا ينبغي أن يتحول إلى ميدانٍ للتبديع المتبادل أو التشاحن أو تمزيق وحدة المسلمين.

لكن ثمة مساحةً أوسع ينبغي أن يلتقي فيها المختلفون جميعاً: محبة النبي صلى الله عليه وسلم، ومعرفة سيرته، والصلاة عليه، والاقتداء بأخلاقه، وتعظيم القرآن الذي جاء به، والعمل بهديه.

فإذا كان قومٌ يحيون ذكرى مولده، فليكن إحياؤهم قائماً على العلم والسيرة والصلاة عليه وإطعام الطعام والصدقة والأخلاق، بعيداً عن الغلو ومجاوزة ما يليق بمقام النبوة.

وإذا كان آخرون لا يرون تخصيص هذه الذكرى، فليكن رفضهم للطقس مدخلًا إلى مزيدٍ من الاتباع والاقتداء، لا ذريعةً إلى الجفاء أو الانتقاص من محبة الآخرين.

فالاختلاف في صورة الاحتفاء ينبغي ألا يحجب الاتفاق على جوهر المحبة والاتباع.

مولد الإنسان الذي صار ميلاده ميلاد رسالة:

لم يكن محمد صلى الله عليه وسلم، مجرد شخصية عظيمة ظهرت في التاريخ ثم تركت أثراً وانصرفت؛ وإنما كان نبياً ورسولاً اصطفاه الله لحمل خاتمة الوحي.

ولهذا فإن أعظم ما في مولده ليس أنه وُلد رجلٌ عظيم، بل أنه كان ميلاد الإنسان الذي سيحمل أمانة الرسالة الخاتمة.

قال تعالى:

﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.

فالنبوة المحمدية ليست مجرد حلقة أخرى في التاريخ الديني؛ إنها خاتمة النبوات، ورسالة موجهة إلى الناس كافة.

ومن هنا لا يكون تعظيم النبي صلى الله عليه وسلم، في تحويله إلى أسطورةٍ خارقة للإنسانية، وإنما في فهم عظمة ما اصطفاه الله له، وفي الاقتداء بكماله الأخلاقي والإنساني في حدود ما شرعه الله.

من «اقرأ» بدأ التحول:

ربما كان من أعمق المفاتيح لفهم الرسالة المحمدية أن أول الوحي بدأ بالأمر:

﴿اقْرَأْ﴾.

لم يبدأ المشروع الحضاري المحمدي بتقديس الجهل، ولا بإلغاء العقل، ولا بإغلاق أبواب السؤال؛ وإنما بدأ بالكلمة التي فتحت أبواب المعرفة.

ولذلك فإن الأمة التي تريد أن تحتفي برسولها حقاً لا ينبغي أن تجعل علاقتها بالقراءة علاقةً موسمية، ولا بالعلم علاقةً هامشية.

إن من مقتضيات الانتساب إلى الرسالة أن نعيد الاعتبار إلى:

العلم، والكتاب، والتفكير، والتدبر، والنقد، والبحث، وإعمال العقل.

فالاحتفاء بالنبي صلى الله عليه وسلم، لا يليق أن يتحول إلى لحظة عاطفية خالية من المعرفة؛ لأن الرسول الذي جاء بالوحي جاء أيضاً بمنظومةٍ معرفية وأخلاقية أعادت تشكيل الإنسان.

الرسالة المحمدية: تحرير الإنسان من الإنسان:

كان التوحيد في الرسالة المحمدية أكثر من قضية عقدية؛ كان انقلاباً في بنية الوجود الإنساني.

حين يقول الإنسان: لا إله إلا الله، فإنه لا يعلن إيمانه بالله فحسب، بل يتحرر من تأليه البشر، ومن الخضوع المطلق للأصنام، ومن تقديس القوة والثروة والنسب.

ولهذا كان الإسلام، في جوهره، دعوةً إلى تحرير الإنسان من كل عبوديةٍ تُذله لغير الله.

ومن هنا جاءت الرسالة لتعيد تعريف الكرامة:

لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لقوي على ضعيف، ولا لغني على فقير بسبب القوة أو المال، وإنما المعيار الأخلاقي هو التقوى والعمل الصالح.

وهذه ليست فكرةً تاريخيةً انتهى زمانها؛ إنها ما تزال سؤالًا ملحاً في عالمٍ تتسع فيه الفوارق، وتتعاظم فيه سلطة المال، ويُختزل الإنسان أحياناً في قدرته الشرائية أو موقعه الاجتماعي.

الرحمة: الوجه الأعمق للرسالة:

قال تعالى في كتابه العزيز:

﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.

ولم يقل: رحمةً للمسلمين وحدهم، وإنما قال: للعالمين.

وهنا تكمن عظمة المفهوم.

فالرحمة المحمدية ليست انفعالًا عابراً، بل أخلاقٌ وممارسةٌ ومسؤولية.

أن ترحم الضعيف.

أن تحفظ حق اليتيم.

أن تصون كرامة المرأة.

أن تحسن إلى الجار.

أن تعفو حين تقدر.

أن تعدل حين تختلف.

أن تكون رحيمًا بالحيوان.

أن ترفض الظلم ولو كان واقعًا على من تخالفه.

وأن تدرك أن قوة الإيمان لا تظهر في ارتفاع الصوت، وإنما في انخفاض الأذى.

ومن أعظم صور الاحتفاء بالنبي صلى الله عليه وسلم، أن تتحول سيرته فينا من نصٍّ محفوظ إلى سلوكٍ معاش.

محمد صلى الله عليه وسلم، والإنسان قبل الانتصار

إن قراءة السيرة قراءةً عميقة تكشف أن عظمة النبي صلى الله عليه وسلم، لم تكن في الانتصار وحده؛ بل في الطريقة التي تعامل بها مع الإنسان في النصر والهزيمة، في القوة والضعف، في الخلاف والصلح.

لقد كان قادراً على أن يجعل من القوة انتقاماً، لكنه جعلها في مواضع كثيرة عفواً.

وكان يستطيع أن يجعل من الاختلاف ثأراً، لكنه جعل منه في مواضع أخرى باباً للحوار.

وهنا ينبغي أن نعيد اكتشاف السيرة بعيداً عن القراءة التي تختزلها في الغزوات والأحداث العسكرية وحدها؛ فالسيرة أيضاً مدرسة في بناء الإنسان.

كان الرسوم محمد صلى الله عليه وسلم زوجاً، وأباً، وصاحباً، وقائداً، وقاضياً، ومعلّماً، ومصلحاً؛ وفي كل هذه الأدوار كان الإنسان حاضراً في مركز الرسالة.

المولد الحقيقي: حين يولد النبي محمد في أخلاقنا:

إذا أردنا أن نبحث عن المعنى الأعمق للمولد، فلعلنا لا نجده في كثرة الزينة، ولا في ارتفاع أصوات المدائح، ولا في كثرة الكلمات التي تقال عنه، وإنما في سؤال بسيط وقاسٍ:

هل وُلد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في أخلاقنا؟

إذا كنا نذكر رحمته ونحن نقسو على الضعيف، فما الذي بقي من الذكرى؟

إذا كنا نصلي عليه ثم نظلم الناس، فأين أثر المحبة؟

إذا كنا نمدحه ثم نخون الأمانة، فكيف نكون من أهل الاقتداء؟

إذا كنا نرفع اسمه في المجالس ثم نكذب في معاملاتنا، فما قيمة الاحتفاء إذا انفصل عن السلوك؟

المحبة الصادقة ليست صوتًا فقط؛ إنها أثر.

والاقتداء ليس شعارًا؛ إنه اختيار يومي.

ولهذا فإن أعظم مولد يمكن أن يحدث ليس مولداً في التقويم، بل مولداً في الضمير.

من الاحتفال بالمولد إلى الاحتفال بالمعنى

لا بأس أن تفرح القلوب بذكر النبي

صلى الله عليه وسلم، فالإنسان بطبيعته يحتفي بمن يحب، ويستعيد سيرته، ويستحضر فضائله. لكن الأجمل أن يتحول الفرح إلى عمل.

ليكن المولد مناسبةً للعودة إلى السيرة.

ومناسبةً لتعليم الأطفال أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم.

ومناسبةً لإطعام الفقراء.

ومناسبةً للصدقة.

ومناسبةً لمراجعة علاقتنا بالقرآن.

ومناسبةً للتصالح.

ومناسبةً لرد المظالم.

ومناسبةً لأن يسأل كل واحدٍ منا نفسه:

ماذا أضاف النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم إلى حياتي؟

فإذا انتهت المناسبة وبقيت الأخلاق، فقد وصلنا إلى المعنى.

أما إذا انتهت الأنوار وانتهى معها أثر الرسالة، فقد بقي الشكل وغاب الجوهر.

الرسالة التي لا تزال تحتاجها البشرية

لم ينتهِ احتياج الإنسان إلى الرسالة المحمدية بانتهاء القرن الأول، لأن مشكلات الإنسان في جوهرها لم تنتهِ.

قد تغيرت الوسائل، وتبدلت المدن، وتطورت التكنولوجيا، وصار الإنسان يحمل العالم في هاتفه، لكنه ما يزال يبحث عن معنى وجوده، وما يزال يصارع الجشع والكراهية والخوف والوحدة والظلم.

لقد امتلك الإنسان المعاصر وسائل هائلة، لكنه لم يمتلك بالضرورة حكمة استخدام الوسيلة.

ولهذا تظل الأخلاق سؤالًا مركزيًا.

وتظل الرحمة ضرورة.

ويظل العدل ضرورة.

ويظل الإنسان محتاجاً إلى أن يعرف لماذا يعيش، لا كيف يعيش فقط.

وهنا تستمر قيمة الرسالة المحمدية بوصفها مشروعًا للإيمان والأخلاق والمعنى.

الخاتمة: حين ينشق الفجر في داخلنا

ولد النبي الأمي محمد صلى الله عليه وسلم في فجرٍ من فجر التاريخ، لكن الرسالة التي جاء بها لا تزال قادرةً على أن تشق فجراً جديداً في الإنسان.

ولذلك فإن أعظم ما يمكن أن نفعله في ذكرى مولده ليس أن نختلف طويلاً حول كيف نحتفل، بل أن نتفق على كيف نقتدي.

فلنجعل من سيرته كتاباً مفتوحاً في بيوتنا.

ومن رحمته منهجاً في علاقاتنا.

ومن صدقه ميزاناً لكلامنا.

ومن عدله معياراً لأحكامنا.

ومن تواضعه علاجاً لغرورنا.

ومن علمه دعوةً إلى المعرفة.

ومن رسالته نوراً يخرج بنا من ظلمات التعصب والكراهية والجهل.

إن محمدًا صلى الله عليه وسلم لا يحتاج إلى كثرة الاحتفالات بقدر ما تحتاج أخلاقنا إلى أن تولد من جديد.

وإذا كان الفجر قد انشق يوم مولده عن نور، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نحفظ ذلك النور من أن يتحول إلى مجرد ذكرى؛ وأن نجعل منه حياةً في العقل، ورحمةً في القلب، وعدلًا في السلوك، وصدقاً في الكلمة.

فليس أعظم المولد أن نتذكر اليوم الذي وُلد فيه النبي الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم، بل أن نولد نحن، في كل يوم، من جديدٍ على هدي الرسالة التي جاء بها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

هندسة الحب وتجلياته في المدونات الدينية المقارنة

على ممر العصور، ظل الحب المحرك الخفي لروح الإنسان والعلة الكبرى في إيجاده، وحين تشرق ذكرى مولد الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم، تتجدد في الوجدان الإنساني معاني الرحمة المهداة والمحبة الإلهية التي تجلت في أبهى صورها لتخرج البشرية من ظلمات القسوة والتناحر إلى نور الألفة والسكينة. فمنذ اللحظات الأولى لتكوين الوجود، ارتبطت الأديان والشرائع السماوية بهذه الطاقة الروحية العميقة لتكون أساساً لبناء الأسرة والمجتمع واستمرار الحياة. ومن هنا، تبرز الحاجة الملحة للغوص في قراءة مقارنة تتأمل كيف نظرت الأديان والمدونات الروحية الكبرى إلى الحب العاطفي؛ تشريعاً وتكويناً، وبوحاً نصياً، ورؤية فلسفية تكشف صراع العاطفة بين الاكتمال الروحي والانسلاخ المادي.

 الحب العاطفي في الأديان الإبراهيمية وباقي العبادات (الرؤية التكوينية والتشريعية)

في الجوهر التكويني للأديان، ينبثق الوجود ذاته من المحبة الإلهية المطلقة؛ فخلق الكون لم يكن محض صدفة مادية، بل كان استجابة لفيض إلهي أراد للحب أن يكون علّة البداية وسبب الإيجاد. ومن رحم هذا الفيض الكوني، جاء تشكيل البشر وظهرت الديانات والعبادات متلاصقة تماماً مع مفهوم الحب العاطفي بوصفه الركيزة البنيوية لاستمرار الحياة الإنسانية وبقائها. وفي هذا السياق، صاغت الأديان الإبراهيمية هذا الارتباط عبر هندسة تشريعية وإلهية تدمج ببراعة بين الاتحاد الروحي السامي والرباط البشري الحي؛ حيث يُقر الإسلام الحب الفطري ويؤطره بـ ميثاق غليظ ومودة ورحمة لتكون الأسرة امتداداً للاستقرار الوجودي، بينما تؤسس المسيحية هذا الارتباط على منظومة سرائرية وعهد روحي أبدي (سر الزيجة(  يربط الروحين والجسدين في كيان واحد لا ينفصم، وفي اليهودية يُنظر إلى هذا الاتحاد من زاوية التشريع التوراتي بوصفه التزاماً تعاقدياً مقدساً يبارك البهجة الأرضية. أما في ديانات القارة الهندية، فتتخذ التشريعات مساراً تنظيمياً يربط الرغبة العاطفية والجسدية المتمثلة في الكاما بنسق الأخلاق الكبرى والكونية المعروف بـ) الدارما (لتبقى طاقة بناء لا هدم، بينما تتجه البوذية نحو التحرر الواعي من أسر التعلق الضيق لتؤسس لفضاء أوسع من الرحمة الكونية الشاملة، ليظل الحب العاطفي في مجمله الخيط الناظم الذي حفظ للبشرية بقاءها ومعناها الروحي معاً.

النصوص الصريحة في الكتب المقدسة والمدونات الروحية وتتبع التعبير عن العاطفة

وعلى مستوى التعبير النصي والبوح الجمالي والوجداني في المدونات المقدسة، تتدفق النصوص بصور بلاغية ورمزية كاشفة عن حرارة الشعور البشري والروحي؛ حيث يزخر القرآن الكريم بتصوير دقيق للوجدان الإنساني في قوله تعالى:

(وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ) سورة يوسف الآية 30 لدلالة على وصول الحب إلى شغاف القلب وتمكنه التام من كيان الإنسان

 إلى جانب آية السكن والمودة في قوله تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَة) سورة الروم - الآية 21

وفي العهد القديم ، وتحديداً في سفر نشيد الأنشاد، يظهر أجرأ وأصرح نص ديني يتغنى بالجمال الجسدي واللهفة المتبادلة في قول النص

(كُلُّكِ جَمِيلَةٌ يَا حَبِيبَتِي وَلا عَيْبَ فِيكِ) الكتاب المقدس، سفر نشيد الأنشاد (الإصحاح 4، الآية 7).

وفي موضع آخر (اِجْعَلْنِي كَخَاتِمٍ عَلَى قَلْبِكَ، كَخَاتِمٍ عَلَى سَاعِدِكَ. لأَنَّ الْمَحَبَّةَ قَوِيَّةٌ كَالْمَوْتِ. الْغَيْرَةُ قَاسِيَةٌ كَالْهَاوِيَةِ. لَهِيبُهَا لَهِيبُ نَارِ لَظَى الرَّبِّ (سفر نشيد الأنشاد (8 :6) تعبيراً عن الخلود العاطفي.

 وفي المقابل، يتخذ التعبير الرمزي في التراث الآسيوي والهندوسي شكلاً شعرياً صوفياً مشتعلاً في نصوص البهاكتي التي توظف الشوق الحارق لوصف تعلق الروح الإنسانية بالمعشوق الأبدي بصورة حرق الفراشة بنار الشمعة شوقاً واتحاداً، بينما تختتم النصوص البوذية في (ميتا سُوتا) هذا الطيف التعبيري بنداء كوني هادئ يترجم الرحمة المطلقة في نص يدعو لأن يكون غير المحدود قلب المرء تجاه جميع الكائنات كحماية الأم ابنها الوحيد بحياتها لتتجه المشاعر نحو الوجود بأسره بلا قيود ولا تملك.

فلسفة الحب ووظيفته الكونية: بين مدارات الاكتمال الإنساني ومهاوي الانسلاخ المادي

وفي غمرة البحث عن العمق الفلسفي والوظيفي، يتجسد التساؤل الأعمق حول ما إذا كان البشر قد خُلِقوا من أجل الحب أم أن الحب ذاته كان هو السبب في خلق البشر؛ حيث تتقاطع الإجابات الروحية لتؤكد أن المحبة الإلهية المطلقة هي العلّة والغاية من الإيجاد. ففي التراث الصوفي والإسلامي، يُنظر إلى الكون بوصفه تجلياً لسر المحبة الإلهية، وفي التراث المسيحي يُعرّف الخالق بأنه "محبة" بذلت ذاتها ليكون الإنسان كائناً مستحقاً للوجود والشركة. وبما أن الحب هو جوهر الأديان والعبادات، فإننا نجد في المجتمعات الدينية والمؤمنة أن الحب العاطفي يمثل المساحة الأوسع في إدارة مفصلية الحياة وتسييرها؛ فهو يتجاوز الحدود الضيقة ليعبر عن ذاته في أشكال متعددة: من حب الوطن والإخلاص له، وحب العمل والتفاني فيه، إلى العاطفة الفطرية العميقة في بر الوالدين، والعشق الروحي الرفيع لرسل الله وأنيائه.

إن هذه المشاعر في المجتمعات الروحية تتخذ صوراً واضحة وجلية؛ فتارة تبلغ أعلى درجات الالتزام الأخلاقي الكلاسيكي من واجب ورعاية ومسؤولية، وتارة أخرى تتسامى لتصل إلى ذروة العاطفة الرومانسية الوجدانية التي تحرك القلوب وتملأ الروح بالسكينة. ورغم هذا الأمل والاتساع، إلا أن مفهوم الحب يبدأ بالتقاطع والانحراف حين تحتك المفاهيم الروحية النقية بالواقع البشري المادي والغرائزي. وهنا تبدأ نقطة الانسلاخ والتجريد من المعنى الصحيح؛ حيث يُختزل الحب من كونه "رابطة مقدسة وغاية روحية سامية" تشمل الحياة بأسرها، إلى مجرد "أداة تملك وهيمنة واستهلاك أناني" تحكمه النزوات العابرة والمصالح الضيقة. وحين يتسلل الخوف والتعلق المرضي إلى الوجدان البشري، تفقد العشيرة الإنسانية المعنى الحقيقي للمودة، وتتحول النصوص والشرائع التي نزلت لتهذيب العاطفة إلى مجرد طقوس شكلية جافة، ليظل التحدي الأبدي قائماً في كيفية استعادة المعنى الأصيل للحب باعتباره طاقة خلاص واكتمال تنظم حياة الإنسان وعلاقته بالكون والخالق.

***

ئاريان علي

الأفكار الميتة: "هي الأفكار التي فقدت قدرتها على تفسير الواقع أو التأثير فيه، لكنها تظل حاضرة في عقول الناس والمؤسسات والعادات، فتستمر رغم تغير الظروف التي نشأت فيها، وقد تقوم على معلومات قديمة لم تعد صحيحة، وتعجز عن مواكبة التطور الإجتماعي والعلمي، وهي جامدة كمعتقد، وتمنع ظهور أفكار جديدة، وتستخدم لتبرير واقع لم يعد صالحا للحياة المعاصرة، والمتمسكون بها يصرون على إبقائها حية بالقوة، وهي غابرة متفسخة".

فالأفكار الميتة تحقق وجودا ميتا، تلك حقيقة حضارية وحكمة تأريخية، فلكي تكون المجتمعات حية عليها أن تستحضر أفكارا ذات حياة.

فالأفكار الميتة تمتلك طاقات سلبية هائلة ومتنامية، تسعى لتوفير الأسباب اللازمة لصناعة الموت، وما ينجم عنه من تداعيات وتفاعلات ذات إتجاهات قتّالة.

والمجتمعات المتأخرة تزخر بالأفكار الميتة، مما يؤدي إلى إشاعة الكآبة واليأس والبؤس وفقدان الثقة بالذات والموضوع، ويمنع عنها قدرات العطاء والنماء، ويعتقلها في حفر التلاحي والخسران.

إنّ الأفكار الميتة هي التي عفى عليها الزمن وأصبحت في عداد "ما فات مات"، فكل فكرة قادمة من نبش تراب الأزمان، ورفاة لأموات لا قيمة لها في حاضر الحياة.

ذلك أن فهم الأفكار في زمانها ومكانها يختلف من جيل لجيل، فما كانت تعنيه الكلمات التي قيلت قبل قرون لا تستطيع أن تتوافق مع عصور بعدها، مهما توهم المتمسكون بها، لأنها ستكون أما قاتلة أو مقتولة، أو أنها تتحول إلى عدو مدمر لأصحابها الذين أرادوا بها خيرا في حينها، وتحولت إلى شر بعد رحيلهم، لتبنيها من قبل الجهلاء بها، والذين يسقطون رغبات أمّارات السوء التي فيهم عليها، وكأنهم يتخذونها قناعا لتمرير نوازعهم السيئة المطمورة، التي يريدون تغليفها بما لا يمت بصلة إليها.

ويبدو أن رافعي لافتات الأفكار المدثرة برميم أصحابها، إنما يبغون المتاجرة وتحقيق أرباح زائفة على حساب مَن إتخذوهم مطية لتمرير ما يدّعون من الضلال والأفك المشين.

عندما نتأمل واقع الأمة تظهر الأفكار أما وكأنها موضوعة في توابيت الشعارات والخطابات الإعلامية والمنبرية، أو أنها تقاتل نفسها وتمحق دلالاتها ومراميها، فما حققت الأمة أيا من الشعارات التي ترددت عبر الأجيال، بل أنها حولتها إلى نيران أجّاجة للفتك بالحاضر والمستقبل وطمر الأجيال في أتون ويلاتها، التي أوجدتها وتفاعلت معها بإنفعالية وإندفاعية ساخنة.

بالفكر يحقق البشر كينونته ويعبّر عن إرادته، ويبني معالم طريق حياته وإطار وجوده.

والكرامة في الفكر وهو أثمن ما يملكه الإنسان!!

ألا ذهبوا وما زالتْ تدورُ

هيَ الأفكارُ في بلدٍ تجورُ

رميمُ وجودنا يَطغى علينا

وإنّ الخلقَ في وَطنٍ نذورُ

تَبارى غابرٌ ورنى لمَجدٍ

لأنّ مَسيْرَها فيهِ الضمورُ

***

د. صادق السامرائي

 

هم يعرفون ما يريدون، ونحن ندور حول ما نريد. يقولون ما يؤمنون به، بينما نتشدق أحيانًا بكلمات قد نحفظها أو نسمعها أو نقولها لإرضاء طرف ما. وفي أغلب الأحيان، يتغير لون الكلمات وطعمها لتتبدل الآراء تبعًا للظروف.

حالفني الحظ، قبل سنوات، بحضور إحدى الورش حول فن الكتابة، قدّمها كاتبان أميركيان في أواسط العمر لطلبة اللغة الإنكليزية في إحدى الجامعات. استمرت الورشة أكثر من ساعتين، وكان بعض الطلبة قد أُجبروا على حضورها، لكن أكثر ما شدني إليها لم يكن موضوعها بقدر ما كان أسلوب الرجلين في إدارتها.

كانا يتناوبان الحديث، وتترابط أفكارهما حتى ليبدو أحدهما وكأنه يكمل الآخر. ينتقلان من فكرة إلى أخرى بسلاسة، ويمهد كل منهما للآخر، ويضعان خطة واضحة للانتقال بين الموضوعات، من دون استعراض أو تعقيد. كانت لغتهما بسيطة وأفكارهما واضحة، ومع مرور الوقت خيّم الصمت على القاعة، وأخذ الجميع يصغي إليهما، حتى أولئك الذين لم يأتوا إلى الورشة طوعًا.

ظللت أفكر في هذا المشهد وأنا أتذكر أغلب التجمعات الثقافية التي حضرتها. في كثير منها، يدب الملل في نفوس الحاضرين، وهم ليسوا طلبة أُجبروا على الحضور، بل نخبة مثقفة جاءت لتستمع إلى تجربة "فلان الفلاني" الإبداعية. فإذا به يغوص في استعراض عضلاته، ويستخدم مفردات ومصطلحات "مفخمة"، ويستطرد، ثم ينتقل بين الأفكار من دون ترتيب أو نظام.

أما إذا اجتمع اثنان أو أكثر، فقد تتحول الجلسة إما إلى تبادل للإطراء والمديح، أو إلى "عركة" مبطنة تحت شعار "الجرأة في الطرح".

ولعل المشكلة الأكبر تظهر حين يتعلق الأمر بتبادل وجهات النظر. فمن لا يتفق مع وجهة نظر فلان يصبح، في بعض الأحيان، عدوًا له. وكأن الاختلاف في الرأي إساءة شخصية. لا بأس أن تسعى إلى إقناعي بوجهة نظرك، وأن أحاول أنا أيضًا إقناعك بوجهة نظري. لكن لا بأس، في المقابل، أن يظل كل منا محتفظًا برأيه، من دون أن نسمع: "مو إنت متفهم الوضع؟ لازم تعرف."

ربما كان أحد الفروق بيننا وبينهم أن ثقافة العمل الجماعي، أو "التيم وورك"، جزء أساسي من طريقة تفكيرهم في كثير من البيئات. كل شخص يكمل الآخر، ويتعلم منه، ويضيف إلى ما لديه من خبرة. أما عندنا، فكثيرًا ما تتحول المبادرة إلى مساحة للسيطرة، وكأن نجاح العمل لا يكتمل إلا إذا كان شخص واحد هو الذي يعرف ويقرر ويدير كل شيء.

والأمر الآخر أنهم، في كثير من الأحيان، لا يجدون حرجًا في التعلم من الآخرين، أو في قول "لا أعرف". أما نحن، فننظر إلى عدم المعرفة أحيانًا بوصفها نقيصة، وكأن على الجميع أن يعرفوا كل شيء. وحتى إذا لم نعرف، يصعب علينا الاعتراف بأن الآخر يعرف أكثر منا. وعوضًا عن أن نستفيد مما يعرفه، قد نصر على آرائنا، وربما نتجنب الحديث أو العمل معه.

ومن منظور علم الاجتماع، فإن صفات أي مجتمع تنعكس على أفراده، كما أنها تتشكل من خلالهم. والعراقي، في جزء من ثقافته الاجتماعية، اتصف وما زال يتصف بالأنفة، وحب السيطرة والقيادة، وصعوبة تقبل فكرة تفوق الآخر، وعدم الاعتراف بالجهل في أمر ما وكأنها نقيصة.

ومع أن الإنسان، مهما تعلم، يظل عاجزًا عن معرفة كل شيء، فإن الاعتراف بأن الآخر يعرف أكثر منا ليس هزيمة، كما أن قول "لا أعرف" ليس عيبًا. ربما يكون العيب الحقيقي أن نعرف أننا لا نعرف، ثم نصر على التظاهر بأننا نعرف.

لكن الغريب...

أن العراقي لا يطبق صفاته هذه في التعامل مع السياسيين والوضع السياسي!

*** 

بشرى الهلالي

يقول الفيلسوف اليوناني سقراط : (الإنسانيّة ليست دينا إنما رتبة يصل إليها بعض البشر)، ومن بين الفنانين العالمين الذين وصلوا بإنسانيتهم وفنهم أعلى الرتب الفنان الفرنسي إتيان دينيه الذي أصبح اسمه بعد اعتناقه الإسلام نصرالدين دينيه، والفنان السويسري مارك رودين الذي أصبح اسمه فيما بعد جهاد منصور.

لقد عاش نصر الدين دينيه أغلب سنوات حياته بالجزائر، وبالخصوص مدينة بوسعادة التي استقر فيها مقامه وفتن بسحرها وطبيعتها الصحراوية الخلابة، وفيها اعتنق الإسلام وكانت ملهمة فنه التشكيلي وقد خصها بما يربو عن 139 لوحة تشكيلية تصور جمال بوسعادة، وبيوتها، وطبيعة ساكنيها البسطاء الذين احتك بهم واندمج بوسطهم وبساطتهم .

وفي سنة 1929 وبعد انتهاء موسم الحج في 2 فيفري الذي أدى فريضته، سافر إلى باريس حيث توفي هناك وأوصى قبل وفاته أن يدفن في مدينة بوسعادة التي تحتضن تربتها إلى يومنا هذا قبره وسكنه الذي تحوّل إلى متحف يجمع أعماله الفنية ليكون قبلة للزوار والفنانين التشكيليين من مختلف أنحاء العالم.

لقد جسد الحاج نصرالدين دينيه بفنه وعبقريته مواقفا إنسانية يشهد لها القاصي والداني على المستوى الأخلاقيّ والدينيّ والتربويّ والثقافيّ، وانغماسه في المجتمع الجزائريّ بكل تفاصيله، ومكوناته أثناء فترة الإحتلال، كما جسد بكتاباته ما يجسد الحقائق التي غفل عنها المستشرقون في كتاباتهم حول الشرق والإسلام .

أما الفنان الثاني فهو الفنان السويسريّ مارك رودين، الذي أصبح فلسطينيا كما أصبح نصرالدين دينيه جزائريا، وذلك بفضل مواقفه وأعماله الفنية التي تشهد على إنسانيته وصداقته وحبه للشعب الفلسطني المجاهد.

لقد تعلق الفنان مارك رودين بفلسطين، ونصرة القضية الفلسطينية حيث وضع خلال مساره، نحو مئتي 200 ملصق وعمل فنّي مؤيدا للقضية الفلسطينيّة، وهذه الأعمالٌ سعى من خلالها من أجل إيصال صوت الشعب الفلسطيني وصوت قضيّته العادلة إلى العالَم .

لم يسلم مارك رودين من الملاحقة والمتابعة نتيجة مواقفه الفنية الإنسانية حيث تم محاكمته وسجنه ورغم ذلك لم يستسلم واستمر في نصرة القضية الفلسطينية برمزياتها التي شكّلت الحجارة محور كثير من رسوماته، إلى جانب البرتقال، والزيتون، وتراب الأرض، والكوفية التي تمثل عنصرا من عناصر الهويّة الفلسطينيّة .

لقد استعمل الفنان مارك رودين بما يُعرَف بالفن الاختصاري في التصميم وهذا ما جعله مؤرخا بصريا للنضال الفلسطيني منذ انخراطه ب"الجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين" في منتصف سبعينيات القرن الماضي مما استدعى تغيير اسمه باسم ( جهاد منصور)

لقد رحل مارك رودين عن الحياة في 8 أفريل 2023 في مسقط رأسه بعد أن سخر فنه، وحياته مناضلا ومدافعا عن قضايا الشعوب العادلة وعلى رأسها القضية الفلسطينيّة.

ومهما يكن فالإنسانيّة الحقيقية هي رتبة مشرفة يصل إليها بعض البشر بتفانيهم في خدمة البشريّة بغض النظر عن انتماءاتهم الضيقة لمحيط معين،  أو بقعة جغرافيّة معينة بعيدا عن الإنتماءات  الشعوبيّة والإديولوجيّة والمذهبيّة التي تقتل كل ما يمت بصلة للإنسانيّة .

****

بقلم: تواتيت نصرالدين - الجزائر

 

أضحت وسائل الاِتصال والتواصل من خلال الأنترنات منتشرة بين الناس كبيرهم وصغيرهم غنيّهم و فقيرهم وبين جليل القوم وبسيطهم  حتى أنها غدت المصدر الأساسي للإعلام والوسيلة السهلة والناجعة للتواصل مع الآخرين بلا حواجز في جميع أنحاء العالم وفي جميع المجالات والميادين فاِتخذ منها الشعراء والأدباء منابر لنشر مختلف نصوصهم التي كانت تلقى مصاعب كثيرة في الطباعة والنشر والتوزيع فصارت النصوص الأدبية من شعر وقصة وخواطر وغيرها تمثل ظاهرة جديدة في مسار تاريخ الأدب العربي إذ شاعت كتابة اليوميات على صفحات البعض سواء منهم الأدباء والشعراء والصحافيين أو غيرهم من الذين يرُومون التواصل مع الآخرين في شتّى المواضيع والاِهتمامات ومن بين أولئك الذين دأبوا على النشر اليومي وفي كل حين وآن وعلى مدار الساعات الصديق ـ منير فلّاح ـ الذي اِكتسب قلمه حضورا لافتا بما في نصوصه من طرافة وظرافة وخصائص جديرة بالمتابعة بحيث أعتبرها نوعًا جديدا من الأدب جدير بالاِهتمام جمعا ودراسة وقد اِقترحت عليه مرات عديدة أن ينبري لها ـ مُشمّرا على قلمه ـ أو بالأحرى على ـ لوحة حروفه ـ في هاتفه أو حاسوبه ـ فينشر مختارات منها ليؤلف من شتاتها كتابا أو أكثر وفي ذلك إضافة متميّزة ضمن هذا النوع الطريف من الكتابة التي تجمع بين الإفادة والتسلية وبين الجِدّ والهزل متّبعا أسلوب القدامى فقد جمع الجاحظ طرائف البخلاء والجواري وغيرهم من أصناف الإنسان والحيوان وجمع أبو حيان التوحيدي طرائف المُلَح والنّوادر والأخبار التي سردها في مسامراته فألّف  منها ـ الإمتاع والمؤانسة ــ وعلى نهجه سار القاضي النّعمان في كتابه ـ المجالس والمسايرات ـ فجمع المسائل التي تطارحها مع المعز لدين الله الفاطمي ونقل كذلك ابن الجوزي الفقيه الجليل طرائف الأذكياء والمغفّلين وغيرهم في مصنفات كثيرة  ففي المكتبة العربية عدد لا يُحصى ولا يُعَدّ من العناوين التي تخصّصت في الظرافة والطرافة والنوادر وحتى في المواضيع التي لا تتقيد بالموانع الأخلاقية والعقائدية من بينها كتاب - نزهة الألباب - لأحمد التيفاشي وكتاب ـ زَهر الآداب ـ لعلي الحصري القيرواني صاحب قصيدة ـ يا ليل الصبّ متى غده ـ ولعلّ كتاب ـ النّديم ـ  للأديب التونسي الجيلاني بن الحاج يحي صاحب التآليف التاريخية والأدبية واللّغوية يُعتبر من آخر ما صدر في هذا الصّنف من الأدب الذي ظاهرُه هَزل وفُكاهة وباطنه جِدٌّ ونَقد .

وآخر هذه المصنفات الطريفة كتاب صديقنا منير فلاح ـ فايسبوكيات ـ ويضم ما تيسر لنا جمعه وإعداده من كتاباته اليومية التي دأب على نشرها في صفحته من الفايسبوك لتكون أنموذجا لبقية ما نشر وإن المتأمل فيها يجد فيها الكثير من سيرته الذاتية من حيث النشأة والتربية والدراسة والذكريات المختلفة التي تتراوح من اللعب في الطفولة إلى هوامش المراهقة والشباب وإلى المشاركة في التظاهرات السينمائية والطلابية والسياسية وغيرها من مشاهد حياته اليومية فقارئ هذه اليوميات بما فيها من تفاصيل شخصية دقيقة ووقائع تاريخية وهوامش وذكريات وإشارات ونكت تمثل حقّا أدب الحياة لأنها نصوص حيّة بما فيها من وهج الصدق ولذة المعاناة وهي نصوص يمكن مباشرتها من المداخل الاِجتماعية والنفسية وغيرهما من المناهج المختلفة بما في ذلك الناحية الأدبية سواء من حيث المعجمية أو الأسلوبية فبعض هذه النصوص في شكل الحكمة أو المثل ومن النصوص لها شكل الخاطرة والبعض صيغ في شكل حوار مسرحي أو كأنه تصوير بالكامرا بل إن بعض هذه النصوص يكتسي بُعدا فنيا واضحا إذ نلاحظ في بعضها حذقا لغويا واضحا عندما يعكس المعنى من الضدّ إلى الضدّ مثل قوله  في ـ لازمة ـ

لا يحتاج الإنسان الي شوارع نظيفه ليكون محترماً !!

ولكن الشوارع تحتاج الي اناس محترمه لتكون نظيفه!

 أو عندما يكرّر نفس الكلمة ولكن يتغيّر معناها في سياقها الجديد كقوله  في ـ كحل

غدوة عاشوراء النساء الكل باش تكحل

بالنسبة للرجال بطبيعتهم العام و12 شهر وهم يكحلو

ويعمد أحيانا إلى الجناس حيث يعمد إلى تبديل ترتيب نفس الحروف من كلمة إلى كلمة فيتبدّل المعنى كقوله في - جناس ـ

داخلين لشهر أغسطس وأنا لتوا ما غطسطش

وأحيانا لكأنّك تقرأ نصّا من شعر الومضة أو الهايكو أو من قصائد ـ في غير العمودي والحر ـ كقوله في ـ العشاء ـ الذي اِعتمد فيه على إيقاع الترديد والخاتمة المفاجئة

ﻓﻲ ﺗﻮﻧﺲ ﺃﻛﻬﻮ،

ﺗﻨﺠﺢ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ

ﺗﺸﺮﻱ ﻛﺮﻫﺒﺔ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ

ﻋﻨﺪﻙ

ﺗﻌﻤﻞ ﺑﻴﻬﺎ ﺣﺎﺩﺙ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ

ﻋﻨﺪﻙ

ﺗﺒﺪا ﺗﺒﻨﻲ ﻓﻲ ﺩﺍﺭ ﻳﺘﻠﻤﻮ

ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ

ﺗﻮﺻﻞ ﻟﻤﺮﺣﻠﺔ ﺍﻟﺴﻘﻒ ﻳﺘﻠﻤﻮ

ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ

ﺗﻌﺮﺱ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ

ﺗﺠﻴﺐ ﻭﻟﻴﺪ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮ ﻋﻨﺪﻙ

ﺗﻤﻮﺕ ﻳﺘﻠﻤﻮ ﻳﺘﻌﺸﻮا ﻋﻨﺪﻙ

ﻭﺇﻧﺖ ﻓﻲ ﻗﺒﺮﻙ

ﺷﻌﺐ ﺇﺟﺘﻤﺎﻋﻲ ﺑﺎﻟﻔﻄﺮﺓ

ﺗﻌﻤﻞ ﺟﺎﻡ ﻧﺠﻲ ﻧﺘﻌﺸﻰ

ﻋﻨﺪﻙ

صاحبنا كثيرا ما يذكر العشاء والطعام والنوم وهو لا يخفي هذه الصفات بل يعتبرها من خصائص

 الشخصية الناجحة وهو معتز بعائلته التي نشأ فيها فيذكر طرائف وقعت له مع والديه وإخوته وأترابه في

 صفاقس التي كثيرا ما يذكر كياسة أهلها في حسن التصرّف ولكن ضمن الاِنتقاد الظريف وهو لا يجد

 حرجا كذلك في كشف وقائع محرجة له تلك التي يخرج منها كالشعرة من العجين مرّة ويكون ضحيتها

 مرات عديدة فيقبل الأمر برحابة صدر

إنّ فايسبوكيات منير فلاح تمثّل سيرة شخصية وصور اِجتماعية إن شئت وهي هزل ومزاح إن أردت 

وهي جِدّ ونقد وتوعية إذا تمعّنت وهي كشف للتونسيين وتصوير لحالهم وأحوالهم إذا غُصت وهي سفر

 بين عديد البلدان والقارات من خلال أمثالها ونوادرها إن رحلت .

فأنت مقبل على أدب فيه إبداع وإمتاع وذوق وشوق

إنه أدب جديد

 هو أدب الفايسبوك!

***

 سُوف عبيد ـ تونس

 

لاريب أن العصرنة باتت اليوم، ظاهرة عصر شاملة، تتفاعل مع كل تفاصيل مفرادت الحياة، لتعيد صياغة علاقة الإنسان بالزمن، والمكان، والمعرفة، والآخر، بل وحتى بذاته أيضاً. فبينما فاضت في بداياتها وعوداً بحياة أكثر رفاهية، وانفتاحاً، إلا أن تداعياتها الصاخبة أفرزت، في الوقت نفسه، مظاهر سلبية من القلق، والضياع، والاستلاب، ومن ثم فإن صخب العصرنة، لم يعد يتجسد في مجرد ضجيج الآلة، والتقنيات وحدها، وحسب، وإنما تمظهر في إيقاع متسارع، فرض نفسه على الإنسان المعاصر، بحيث أصبح لا يكاد يلتقط أنفاسه، حتى يجد نفسه أمام معطى جديد، يتطلب منه، التكيف معه، وملاحقته، وبالتالي أصبح الإنسان يعيش تحت وطأة ضغط دائم، يحتم عليه مواكبة المتغيرات، دون أن بمنحه فرصة للتأمل، والمراجعة.

ولعل من بين أبرز التداعيات السلبية لهذا الصخب، هو أن الإنسان المعاصر، بدأ يفقد الكثير من طمأنينته الداخلية، بحيث أن وفرة المعلومات، لم تعد تمنحه مزيداً من المعرفة، وأن كثرة وسائل التواصل، لم تضمن له دفء العلاقات، كما أن تعدد الخيارات، لم يمنحه مزيدا من الحرية، وانما وجد الإنسان نفسه، وسط هذا الفيض الهائل من التطورات المتتالية، أكثر حيرة، واشد قلقاً، واعمق شعوراً بالضياع.

على ان أبرز ما افرزته العصرنة الصاخبة من تداعيات سلبية، هو الاستلاب، حيث اصبح الإنسان مستهلكاً، لما يتاح له من أفكار، وصور، وأنماط سلوك، دون أن يمنح نفسه فرصة كافية للتفكير، والنقد، والاختيار، حتى باتت خصوصية الفرد، تتراجع تدريجياً، ويصبح التماثل مع الآخرين، معياراً للقبول، والانتماء، مع هيمنة احادية النموذج، في المظهر، والسلوك، والاستهلاك.

وتجدر الاشارة إلى أن الأمر لم يقف عند حدود الفرد، بل امتد ليطال المجتمع أيضاً، حيث أن تسارع تدفق معطيات الحياة الحديثة، أسهم في إضعاف الروابط الاجتماعية، بعد أن أصبح التواصل الافتراضي بديلاً عن اللقاء الإنساني الحي المباشر في حالات كثيرة، إذ قد يجتمع أفراد الأسرة في مكان واحد، في حين ينصرف كل واحد منهم إلى عالمه الخاص، خلف شاشة صغيرة، فتغيب الأجساد عندئذ عن الحوار، وتتحول المشاركة العائلية، إلى مجرد حضور شكلي جاف.

على إن كل هذا القلق الذي تثيره العصرنة، لا يبرر رفض التقدم، ولا العودة الآلية إلى الماضي، وإنما يبنغي أن يكون قلقا نابعا من خشية أن يتحول التطور من أداة لخدمة الإنسان، إلى أداة تعيد تشكيله وفق مقتضيات السوق، والتقنية، والاستهلاك، ليكون أكثر افتقاراً إلى السكينة، وأكثر حاجة إلى المعنى، الذي يمنح حياته اتزاناً كافيا، ووضوحاً أكبر.

ومن هنا فإن مواجهة تداعيات العصرنة السلبية، لا تكون بالانغلاق، أو رفض الحداثة، وإنما ببناء وعي قادر على التمييز بين ما يضيف من معنى إلى إنسانية الإنسان، وما ينتقص منها، وبذلك فاننا نحتاج عصرنة، تحفظ للإنسان حقه في التطور، دون أن تسلبه حقه في التأمل، وتمنحه أدوات التواصل، دون أن تحرمه دفء اللقاء الحي، وتفتح أمامه آفاق المستقبل، دون أن تقطع صلته بجذوره.

فالعصرنة ليست قدراً ينبغي الاستسلام لكل تداعياته، وإنما يبنغي أن تكون مشروعا إنسانيا، يكون الإنسان غايته بالدرجة الأولى، حتى لا يصبح صخبها بالمحصلة، أكبر من قدرتنا على الإصغاء إلى ذواتنا، ويتحول التقدم عندئذ، من وعد بالتحرر، إلى حالة من القلق، والضياع، والاستلاب.

***

نايف عبوش

عندما تأسست المملكة العراقية عام 1921 بتعيين فيصل الأول ملكا على العراق، تم إرساء دعائم الدولة الدستورية وفقا للرؤية الإنكليزية، ووضع الدستور وأقيمت المنشآت في المدن، إبتداءً من الأقضية والألوية آنذاك.

ومنذ ذلك التأريخ وسامراء قضاء تابع للواء بغداد، فشُيّدت فيها مدرسة سامراء الإبتدائية الأولى، ومكتبة سامراء، ودار العدالة والبلدية والمستشفى ودائرة النفوس والقائممقامية ونادي الموظفين، ومن ثم مدرسة البنات الأولى وثانوية البنات ومَدارس أخرى.

وهذه البنى التحتية أسهمت في تطور المدينة وتقدمها، وأخص بالذكر، مكتبة سامراء، التي رعت أجيالا من المثقفين والمتعلمين، فكانت ملتقى الشباب المولع بالمعرفة والأدب.

ولا أعرف أول مَن كان مديرا لها، لكني ومنذ المرحلة الإبتدائية وحتى الإعدادية كنت أعرف الأستاذ البدري رحمه الله مديرا لها، والذي كان أبا ومُؤدِّبا ومعلما وملهما لرواد المكتبة، وكان بالغ الإهتمام بالشباب، فيتابع ما يقرؤونه، ويستدعيهم إلى مكتبه ويوجههم ويشجعهم كثيرا ويعينهم في البحث والإستقصاء، وكنت أراه يحمل أوراق طلب إستعارة الكتب ويفرزها ويستخلص منها أسماء القرّاء الدؤوبين وروّاد المكتبة اليوميين.

وحظيت بإهتمام كبير ومتواصل منه، فقد أدرك ما أميل إليه وما عندي من هوى المعرفة، فكان يرشدني إلى الكتب التي سأقرأها، وكم مرة دعاني إلى مكتبه وناقشني ووجّهني، وقال لي إخترت لك هذا الكتاب وهذه الرواية أو القصة والديوان.

ومضى يتابعني ويرعاني بالمعرفة والكتب حتى أنهيت الإعدادية وذهبت إلى الكلية الطبية، وكلما زرت المكتبة تكون لنا جلسة وسياحة في عالم المعرفة والفكر والأدب الرفيع، وأتلقى توصياته الطيبة المنيرة.

وبعد ان أصبحت طبيبا أهداني كتابا وقال: هذا أنت!!

ولا يزال الكتاب معي، وهو ديوان شعري لأحد رجالات التجلي والإدراك، أقرأه بين الحين والآخر، وأتساءل كيف إستطاع أن يرى حقيقة ذاتي أو جوهر كينونتي.

هذا أنت!!

وكلما أقرأ الكتاب، أقول صدق رحمه الله!!

وبعد تقاعده، أصاب المكتبة الخراب والهجران فانكمشت خزانتها وتبعثرت، وكانت تحوي كتبا نادرة ومطبوعات قديمة وفريدة، فهي من أولى المكتبات فقد تأسست عام 1923 ميلادية.

وقد تعجبت عندما زرتها ذات مرة بمديرها الجديد، وكيف كانت خاوية خالية وعلائم الإهمال بادية عليها، وتملكتني الدهشة وأخذني الحزن عليها في آخر زيارة لها، فكانت موصدة الأبواب، وكأنها قد تحولت إلى موضع لرمي الأنقاض، وعندما سألت عن مصيرها، قالوا: يرحمها الله، تحولت إلى كذا وكذا، وما عاد في خزائنها إلا الفئران.

وقفت متألما أمام هذا الصرح المعرفي الذي علّم أجيالا من أبناء المدينة وأرشدهم، وأمدّهم بطاقات التفاعل الثقافي مع الآخرين، فهناك الكثير من الأسماء التي برزت في الصحافة والثقافة والمعرفة والعلوم، وقد تخرجت من مكتبة سامراء.

فأدركت أن البلد الذي يحتقر المكتبة إنما يحتقر العقل، وإهمال المكتبة يعني إهمال العقل، وإغلاقها يعني إغلاقه وقتله.

ويبدو أنّ من المسؤولية الوطنية والتاريخية إعادة مكتبة سامراء إلى الحياة، لأنّها إرث ثقافي ومَعلم تأريخي حضاري لا يقدّر بثمن.

فلا أعرف مصير المكتبة بعد هذا الفراق الطويل، لكني كتبت عنها قبل أكثر من عقدٍ من الزمان، وأحن إليها لأنها علّمتني وأخذتني إلى سوح الآداب والمعارف العالمية والإنسانية.

فتحية لمكتبة سامراء التي وهبتنا أروع ما يمكن أن تعطيه مكتبة لأبنائها.

فهل ذهبت المكتبة أم لازالت باقية، وهل أعيدت الحياة إليها؟

أم قُرِئت الفاتحة عليها، كحال مَعالمنا الثقافية الباهرة؟!

ذلكَ الصَرحُ المُنيرُ المُلهمُ

جَعلَ العقلَ بديعاً يَغْنمُ

فرأى نوراً بَهيجاً واهجاً

ومَضى سوراً مَنيعاً يَعْصِمُ

بؤرةُ الإدراكِ شعَّتْ وذوَتْ

وأساها في الحَنايا يَقضِمُ

***

د. صادق السامرائي

 

رسالة إلى الجيل الجديد

منذ أن بدأ الإنسان يعيش في جماعات، ظهرت الحاجة إلى قواعد تنظم علاقاته بالآخرين، وتحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض، وما له من حقوق وما عليه من واجبات. ومع تطور المجتمعات، تشكلت منظومات من الأعراف والتقاليد والقيم والمعايير الأخلاقية التي ساعدت على تنظيم الحياة المشتركة، ثم جاءت القوانين والتشريعات لتضع إطارًا أكثر تحديدًا وإلزامًا لبعض هذه القواعد.

ومع ظهور الأديان، اكتسبت القيم الأخلاقية والاجتماعية بعدًا روحيًا وإنسانيًا أعمق؛ فلم تعد الأخلاق مجرد أعراف اجتماعية أو قوانين تفرضها السلطة، بل أصبحت أيضًا التزامًا ذاتيًا ورقابة داخلية تقوم على الضمير والإيمان والمسؤولية. وأسهمت الأديان في ترسيخ قيم إنسانية كبرى، كالصدق والعدل والأمانة والرحمة واحترام الإنسان وتحمل المسؤولية.

ومع مرور الزمن، لم تبقَ المنظومات القيمية على حالها؛ فقد تطورت المجتمعات، وتغيرت ظروف الحياة، وتبدلت أنماط العمل والأسرة والعلاقات الاجتماعية. وأصبحت لكل مجتمع، ولكل مرحلة تاريخية، منظومة من القيم والمعايير التي قد لا تكون مكتوبة، لكنها تحظى بقبول اجتماعي واسع وتعمل في كثير من الأحيان كأنها «دستور اجتماعي» غير مكتوب.

غير أن هذه المنظومات لم تكن ثابتة عبر التاريخ. فقد تعرضت باستمرار للمراجعة والاعتراض والتمرد والتغيير، خصوصًا عندما ظهرت تحولات اقتصادية وعلمية واجتماعية كبرى. وكانت الثورة الصناعية، على سبيل المثال، نقطة تحول عميقة أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالعمل والأسرة والمجتمع، وغيرت كثيرًا من القيم والعادات وأنماط الحياة التي كانت سائدة قبلها.

أما اليوم، فنحن أمام تحول ربما يفوق في سرعته وتأثيره كثيرًا من التحولات السابقة. فالثورة الرقمية، وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، والتدفق الهائل للمعلومات، ثم دخول الذكاء الاصطناعي إلى التعليم والعمل والإعلام والعلاقات الإنسانية، بدأت تعيد تشكيل بعض مفاهيم الانسان عن الحقيقة، والخصوصية، والحرية، والعمل، والمسؤولية، والعلاقات الاجتماعية، وحتى عن طبيعة الإنسان ودوره في عالم تستطيع فيه الآلة محاكاة بعض قدراته الفكرية والإبداعية.

وهنا تظهر واحدة من أهم القضايا التي تواجه الأجيال الجديدة: هل نحن أمام انهيار للمنظومة القيمية التي عرفناها، أم أمام مرحلة انتقالية تفرض علينا إعادة بناء هذه المنظومة؟

أكتب هذه الكلمات إليكم لا بصفتي معلّمًا يريد أن يلقي عليكم درسًا في الأخلاق، ولا بصفتي واحدًا من جيل يعتقد أن الماضي كان كاملًا وأن الحاضر سيئ. أكتب إليكم كصديق وأخ أكبر، وربما كأب يخشى على أبنائه، لا من المستقبل، وإنما من أن يدخلوا إليه من دون بوصلة.

أنتم جيل مختلف. نشأتم في عالم لم نعرفه نحن. عالم مفتوح بلا حدود تقريبًا، تتدفق فيه المعلومات والأفكار والصور والتجارب من كل أنحاء العالم إلى هواتفكم في ثوانٍ. ترون أنماطًا مختلفة للحياة، وتتعرفون إلى أفكار وثقافات لم يكن الوصول إليها متاحًا للأجيال السابقة. وهذا في حد ذاته فرصة عظيمة أُتيحت لكم. لكن الفرصة قد تتحول إلى ارتباك عندما نفتح النوافذ كلها ولا نعرف أين يقع بيتنا.

أقول ذلك لأنني أرى، كما يرى كثيرون من أبناء جيلي، حالة من الحيرة وربما الضياع لدى بعض الشباب والطلبة. هناك من يريد أن يرفض كل ما جاء من الماضي لمجرد أنه «قديم»، وكأن القِدَم وحده دليل على الخطأ. وهناك من يندفع في الاتجاه الآخر، فيحاول تقليد كل ما يأتي من الغرب أو الشرق، وكأنه يمثل بالضرورة النموذج الصحيح للحياة. والحقيقة أن كلا الموقفين يحتاج إلى مراجعة؛ فليس كل قديم صالحًا لمجرد أنه قديم، وليس كل جديد صالحًا لمجرد أنه جديد. وبين هذين الاتجاهين، هناك فريق ثالث يعيش حالة من الحيرة، فلا هو قادر على التمسك بما يراه صالحًا من ماضيه، ولا هو يعرف بوضوح ما الذي يريد أن يأخذه من الحاضر والمستقبل. وهذه الحيرة، في رأيي، هي الأخطر؛ لأنها تترك الإنسان بلا مرجعية واضحة، وتجعله عرضة للتأثر بكل ما يحيط به، من دون أن يمتلك القدرة على الاختيار والتمييز.

القيمة الحقيقية لأي فكرة أو سلوك ليست في عمرها ولا في مصدرها غربيا كان ام شرقيا، وإنما في قدرتها على أن تجعل الإنسان أفضل، والمجتمع أكثر عدلًا، والحياة أكثر استقرارًا وإنسانية. نحن لا نريد منكم أن تعودوا إلى الماضي وتعيشوا كما عاش آباؤكم وأجدادكم. هذا غير ممكن، ولا ينبغي أن يكون مطلوبًا. فالمجتمعات تتغير، والتكنولوجيا تغير طريقة تفكيرنا وعملنا وعلاقاتنا، وبعض القيم تحتاج إلى إعادة فهم وتفسير بما يتناسب مع العصر، من دون أن يعني ذلك التخلي عن جوهرها. وهنا يجب أن نفرق بين تطوير القيم والتخلي عنها. فاحترام الوالدين لا يتعارض مع الاستقلالية، والحياء لا يتعارض مع الثقة بالنفس، والوفاء لا يتعارض مع الحرية، واحترام الكبير لا يعني إلغاء شخصية الشاب، والتعاون والتكافل لا يتعارضان مع الطموح الفردي، والانتماء إلى الأسرة والمجتمع والوطن لا يعني الانغلاق عن العالم. هذه قيم يمكن أن تتغير طريقة التعبير عنها، لكن جوهرها الإنساني يمكن أن يبقى صالحًا.

وفي المقابل، لا ينبغي أن نخاف من كل ما يأتي من الخارج. لقد حققت دول ومجتمعات مختلفة تقدمًا علميًا وتكنولوجيًا وإداريًا هائلًا، ومن الحكمة أن نتعلم منها. انظروا إلى جامعاتها، ومختبراتها، ونظمها التعليمية، واحترامها للوقت والقانون، وتشجيعها للبحث العلمي والابتكار، واهتمامها بالإنسان والبيئة. خذوا منهم العلم، والنظام، والعمل، والإبداع، واحترام القانون، وحرية البحث، والتفكير. لكن لا تجعلوا الانبهار بالتقدم العلمي يعني أن تتخلوا عن كل ما لديكم. فالحضارة ليست مجموعة ملابس وعادات وسلوكيات تُستورد كما تُستورد الأجهزة. الحضارة الحقيقية هي أن نأخذ من الآخرين ما ينفعنا، ونطوره بما يتناسب مع مجتمعنا وثقافتنا واحتياجاتنا.

وهنا أظن أن جيلكم أمام مهمة أكبر من مهمة الأجيال السابقة: أن يشارك في إعادة بناء منظومته القيمية بنفسه. لا نريد منظومة تقوم على «افعل لأن آباءك كانوا يفعلون»، ولا منظومة أخرى تقوم على «افعل لأن الآخرين يفعلون». نريد منظومة تقوم على السؤال: هل هذا السلوك صحيح؟ هل يحفظ كرامة الإنسان؟ هل يحقق العدالة؟ هل ينفع المجتمع؟ هل يحترم حريتي وحرية الآخرين؟ وهل أستطيع أن أعيش بسلام مع نفسي وأنا أمارسه؟ هذه الأسئلة يمكن أن تكون أساسًا لمنظومة أخلاقية معاصرة، لا تقطع صلتها بالماضي ولا تعيش أسيرة له.

وأعتقد أن من أهم ما نحتاج إليه اليوم إعادة الاعتبار إلى قيم تبدو بسيطة، لكنها أساس كل مجتمع سليم: الصدق، والأمانة، واحترام الآخرين، وتحمل المسؤولية، والوفاء، والعمل الجاد، واحترام الوقت، وقبول الاختلاف، والرحمة، والتواضع، وحفظ كرامة الإنسان. هذه ليست قيم جيل قديم. إنها قيم إنسانية لا تبطل صلاحيتها بتغير الزمن.

وفي الوقت نفسه، عليكم أن تتعلموا قيمة أخرى لم تكن الأجيال السابقة بارعة فيها دائمًا: الى أن تسألوا وتناقشوا وتختلفوا. لا تقبلوا فكرة لمجرد أن شخصًا كبيرًا قالها، ولا ترفضوها لمجرد أنها قديمة. ناقشوا، وابحثوا، واقرأوا، وقارنوا، ثم اتخذوا موقفكم. فالإنسان الذي يفكر باستقلالية ليس إنسانًا متمردًا، كما أن الإنسان الذي يحترم تراثه ليس إنسانًا متخلفًا.

إنني أخشى على بعض شبابنا من شيء أخطر من المحافظة على الماضي، وهو العيش بلا مرجعية؛ أن يصبح ما يحدد الصواب والخطأ هو ما يراه الآخرون على مواقع التواصل، أو ما يحقق أكبر عدد من المشاهدات والإعجاب، أو ما يبدو «رائجًا» في لحظة معينة. فلا تجعلوا خوارزمية هاتفكم هي التي تحدد أخلاقكم. أنتم أكبر من ذلك.

ولا أقول هذا لأنني أعتقد أن جيلي نجح في كل شيء. على العكس، نحن نتحمل مسؤولية كبيرة عن الأخطاء التي تركناها وراءنا، وعن جوانب القصور التي لم نعالجها، وربما عن أننا لم نقدم لكم دائمًا النموذج الذي كنا نطالبكم باتباعه. ولهذا فإن بناء منظومة قيمية جديدة ليس مسؤوليتكم وحدكم، بل هو مسؤولية مشتركة بين الأجيال. نحن بحاجة إلى أن نسمعكم، كما نطلب منكم أن تسمعونا. وعليكم أن تنتقدوا ما ورثتموه، لكن بعقل لا بردّة فعل؛ وأن تختاروا من الماضي ما يستحق البقاء، ومن الحاضر ما يستحق الأخذ به، وأن تضيفوا أنتم ما سيحتاج إليه المستقبل.

لا أطلب منكم أن تكونوا نسخة منا، ولا أريد أن تكونوا نسخة من الغرب أو الشرق. كونوا أنتم. تعلّموا من الجميع، لكن لا تفقدوا أنفسكم. افتحوا أبوابكم للعالم، لكن لا تهدموا بيتكم. تقدّموا إلى المستقبل، لكن خذوا معكم أجمل ما في ماضيكم. غيّروا ما يحتاج إلى تغيير، وتمسّكوا بما يستحق أن يبقى. فالقيم هي البوصلة التي تساعدكم على معرفة الطريق وليست قيودًا تكبّلكم.

وقد يتغير العالم من حولنا بسرعة مذهلة، لكن الإنسان، رغم كل ما يتغير حوله، سيبقى بحاجة إلى منظومة قيمية وأخلاقية تحكم تصرفاته؛ سيبقى بحاجة إلى الصدق حين يتعامل مع الآخرين، وإلى الأمانة حين يغيب الرقيب، وإلى الرحمة حين يملك القوة، وإلى المسؤولية حين تمنحه الحرية.

وهذه، في النهاية، هي المنظومة التي أتمنى أن نصوغها معًا: منظومة لا تدعكم تخافون من المستقبل، ولا تجعلكم تخجلون من الماضي، ولا تترككم تقلّدون أحدًا بلا تفكير؛ منظومة متكاملة تأخذ من كل تجربة ما ينفعها، وتضع العلم والمعرفة في يد الإنسان، والقيم في قلبه، والعقل والحكمة في رأسه.

داعيًا الله أن يسدّد خطاكم، ويؤازركم، ويوفقكم لما فيه خير أمتنا وعراقنا الحبيب.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

- من المريح للنفس البشرية هو روحانيتها، واطمئنانها وتذوق حلاوة إيمانها.. وفي رحلتها تصادف مئات العوائق الصادة لها محاولة زعزعتها عن إيمانها وزحلقتها عن صواب السلوك المعافى من أدران القبح وأسلاكه الشائكة في السلوكيات الخاطئة المشينة.

 - وللنفس البشرية ورشة عمل تقوم بها للتخلص من شوائب الدناءة التي تُلاحقها وتعلق بها بين الحين والآخر بدناءة صاحبها البذيء ربما واللعان لأبويه والذي لا يؤمن جاره بوائقه و.....

- فالنفس البشرية بلون" الأمارة بالسوء" تكيد صاحبها باستمرار شرارة السوء فيه وتكبده خسائر فادحة في الدين ينجم عنها مئات الآلاف جرحى في العقيدة ومئات الملايين ضحايا التطرفات الدينية والصراعات المذهبية و.. وقس على ذلك.

- والنفس الطيبة المتَّزنة تترك إيجابيات أثرها في مكنون صاحبها فيظهر حسنها ورقة حنانها وصدق مشاعرها في بشاشة صاحبها وطريقة تعامله مع غيره بكل أدب وخلق عظيم جاعلاً نصب عينيه وملء قلبه قوله تعالى" وإنك لعلى خلق عظيم". فلا مجال لهــا - أي النفس الطيبة - أن تبكي على دنيا فانية... وقد علمت مسبقاً أن السلامة فيها ترك ما فيها.. إذ يتمنى الواحد منا عيشة هنيئة بنفس راضية مرضية فى الدنيا تُدخله "جنة عرضها السموات والأرض لا فندقاً خمسة أو سبعة نجوم أو تدخله صالات القمار ومراقص الدمار.. والعياذ بالله.

- علينا قدر ما نستطيع تهذيب أنفسنا و "لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت"

والعاقبة للمتقين...

***

محمد ثابت السُّمَيْعي

 

بقدر ما وفّرت لنا وسائل التواصل الاجتماعي من فسحة للتعارف وتبادل الآراء، وسرعة الوصول إلى المعلومة، فإنها في الوقت نفسه أظهرت لنا العديد من السلوكيات السلبية التي ينتهجها بعض المراهقين الذين جعلوا من هذه المساحة المهمة منبراً للشتائم، وإخراج ما في جوفهم من قيء يعكس دواخلهم المريضة ، حيث تتعرض بعض المنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي لتعليقات مسيئة لا تقتصر على الألفاظ النابية والتجريح، بل تتجاوز ذلك أحياناً إلى الطعن بالأعراض والتخوين والاتهام بالعمالة، لمجرد أن أصحابها اختلفوا مع مضمون المنشور أو مع رأي كاتبه.

وإيماناً مني بأهمية النقاش البنّاء والحوار، الذي يرى فيه المعلم "سقراط " أفضل وسيلة للتوصل إلى الحقيقة، دعوت مراراً إلى تبادل الأفكار وبلوغ التفاهم المشترك، عبر الإنصات واختيار الألفاظ المناسبة. وكتبت على صفحتي أن التعليق على المنشور يعكس ثقافة وتربية صاحبه ومرجعيته الأخلاقية والفكرية، وعلى كاتب التعليق أن يترفع عن البذاءات، ويتعلم كيف يحاور المختلف معه بهدوء واحترام، ويقابل الحجة بالحجة، والرأي بالرأي، بعيداً عن الانفعال والتجريح والتجاوز على الآخرين.

فالحوار المهذب، حين يخلو من الإساءة والتشنج، قد يكون أكثر تأثيراً من الشتيمة والتخوين؛ إذ ربما تقود كلمة هادئة وحجة مقنعة صاحب المنشور إلى مراجعة موقفه، والاعتراف بخطئه والعدول عنه. وبذلك نكون قد أصلحنا إنساناً كان غافلاً عن حقيقة ما، بدلاً من أن نخسره بالإساءة والتجريح.

فالاختلاف في الرأي أمر طبيعي، وسُنّة كونية، وجزء من التفاعل البشري، وعليه ينبغي للاختلاف ألّا يفسد للود قضية. أما الإساءة إلى المختلف فليست دليلاً على قوة الحجة، وإنما هي دليل على ضعفها، وغالباً ما تختبئ وراءها الأحقاد والنزعات العدوانية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: متى ندرك أن الحقيقة ليست ملكاً حصرياً لأحد، وأن إثراء الحوار يساعد على فهم المشكلات وإيجاد الحلول لها ؟ ومتى تسود مجالسنا الحوارات الهادئة البنّاءة، البعيدة عن إثارة الأحقاد وإشاعة الضغينة في النفوس، التي هي بالأساس متعبة نتيجة الضغوط النفسية التي ولّدتها تعقيدات الحياة وعبث السياسيين؟

متى نغادر التعصب، ونؤسس، من خلال الحوار، قاعدة أخلاقية وإنسانية للوصول إلى الحقيقة، تكون مفتاحاً لفك العديد من مشكلاتنا؟

إننا لا نحتاج إلى مزيد من الصراخ، بقدر حاجتنا إلى قدر أكبر من التعقّل؛ ولا نحتاج إلى أن ينتصر أحدنا على الآخر، بقدر حاجتنا إلى أن تنتصر الحقيقة على الجهل، والحجة على الشتيمة، والحوار على الكراهية.

فربما كان أول طريق إصلاح مجتمعنا أن نتعلم كيف نختلف دون أن نتحول إلى أعداء.

***

ثامر الحاج أمين

الكتابة الساخرة ليست مجرد قدرة على إضحاك القارئ، كما أن الطرفة الناجحة ليست غاية بحد بذاتها، وإنما تكمن قيمتها الحقيقية، عندما تتحول إلى وسيلة ذكية، لقول ما قد تعجز اللغة المباشرة عن قوله.  

ومن هنا ببرز أسلوب الكاتب الإعلامي محمد الجبوري الذي استطاع أن يجعل من الظرافة مدخلاً إلى النقد، ومن النكتة جسراً يصل بين الفكرة والقارئ، في أسلوب مرح، يجمع خفة الروح، وعمق الدلالة.

فهو يمتلك قدرة واضحة، ومهارة عالية، على التقاط المفارقة من تفاصيل الحياة اليومية، وإعادة تقديمها في قالب ساخر، يثير الابتسامة، دون أن يتوقف عند حدودها، إذ سرعان ما يقود القارئ إلى التأمل في المعنى الكامن وراءها. وهذه إحدى خصائص الكتابة الساخرة المتمكنة للاعلامي الساخر محمد الجبوري، حيث لا تكتفي بأن تضحك المتلقي، بل تدفعه إلى أن يراجع المشهد الذي يضحك منه، وربما يكتشف فيه شيئاً من واقع الحياة، وتناقضاتها.

وفي هذا النوع من الكتابة امتاز الكاتب الاعلامي الساخر محمد الجبوري حسا مرهفا باللغة، والموقف معاً، لأن السخرية إذا فقدت توازنها تحولت إلى تهكم عابر، في حين اذا ما نجح الأديب الساخر في أن يمتلك أدواتها، ويتمكن من توظيفها ببراعة، فإنها تصبح فناً محببا، له دلالاته ومراميه.

ومن السمات اللافتة في أسلوبه أيضاً، توظيفه للمصطلحات الفنية والموسيقية المعاصرة، وإدخالها في تشكيلة كتاباته بصورة تبدو طريفة من جهة، وذكية من جهة أخرى. فهو لا يستعير المصطلح لمجرد الغرابة أو الاستعراض، وإنما يوظفه في بناء المفارقة، فيمنح النص إيقاعاً خاصاً، يجعل لغة السخرية عنده أكثر حيوية، واعمق قدرة على ملامسة روح العصر.

ولعل أجمل ما في أسلوبه الساخر، أنه يخفف من وطأة النقد، دون أن يفرغه من مضمونه. فالمتلقي، او الشخص المقصود بالنكتة، قد يبدأ مبتسماً أمام عبارة ساخرة، أو تشبيه طريف، ليجد نفسه بعد لحظات، أمام فكرة تستحق التوقف والتأمل. وهذه حقاً، هي السخرية الراقية، التي لا تجرح، ولا تبتذل، ولا تعتمد الإساءة، وإنما تستخدم الذكاء، واللمحة الخاطفة، والمفارقة الجميلة.

 ومن هنا يمكن النظر إلى أسلوب الاعلامي محمد الجبوري الساخر، باعتباره تجربة ناجحة، تلتقي فيها السمة الإعلامية، مع السرد الأدبي، والظرافة، مع النقد، والمصطلح المعاصر، مع البلاغة. فهو يستثمر خبرته في التواصل مع المتلقي، ليقدم كتابة لا تثقل على القارئ، وتوصل له الفكرة، في نفس الوقت.

وهكذا يستحق الإعلامي محمد الجبوري أن يُقرأ، لا بوصفه صاحب نكتة ظريفة، فحسب، وإنما بوصفه أديباً ساخراً متمكنا، يوظف الظرافة في خدمة الفكرة، ويستخدم المفارقة طريقاً إلى النقد، ويمنح المصطلح الفني والموسيقي، حياة جديدة داخل النص.

***

نايف عبوش

 

في المثقف اليوم