الفرق بين التفكير الوثني، والتفكير الإلحادي؛ هو أن المُلحد يسأل ليُعجز مناظريه بمحاولات فاشلة منه لإثبات أن الكون لا خالق له، وأما الخطاب الروحاني فهو يجيب عن كل ما لم نسأل عنه في الدين؛ ليوهمنا أن الكون تفاعل مع ذبذباته، وأن عقله الباطن يستجيب لرغباته فيجلب له السعادة ويجذب له النجاح بفضل إيجابيته السطحية.
الحج بين التلبية الخالصة والبحث عن "الطاقة الإيجابية"
مناسك الحج لله وحده، لكن هناك من أصبح يمارسها للشفاء وللمباركة بالحجر الأسود وأصبحت نية الطواف هي التخلص من الطاقات السلبية، وليس تلبية لله وحده ولقضاء فريضة الإسلام…
فهم يقولون (أن الكعبة مركز الكون وليست مركز الأرض فقط، وعندما ندور حول الكعبة ندور عكس عقارب الساعة فتتجمع الطاقة الإيجابية نتيجة الإيمان بالله).
الحج لديهم مجرد وسيلة لجمع الطاقة الإيجابية، فإيمانهم إيمان مشروط، بل إنه نفاق، وفتنة عظيمة تسحر العقول الضعيفة وتريب القلوب.
فهل أصبحت مناسك الحج وثنية؟
وأما موضوع مناسك الحج فقد لفق الشيطان فيه، ونفث، وهمز حتى أقنع الملحدين بأن مناسك الحج طقوس وثنية يمارسها المسلمون مثل الوثنيين، وحاشا لله، وحاشا عباده المسلمين من هكذا وصف لا يليق بحق الإسلام.
لا دخل لي في الملحدين ولا في أفكارهم؛ لأني أخاطب هنا مسلمين فقط، لكن للإنذار، وللتحذير، ولأن هذه الأفكار للأسف قد أصبحت منتشرة بصورة مبطنة، ومبهرجة، وبطريقة إسلامية تجعلك لا تعرف أنها نفسها أفكار الشيطان الشركية، والإلحادية؛ بل إنهم يسمونها علم الطاقة الكونية، وعلم الروحانية.
وللأسف فقد وجدت أن هذه الوثنية تُمارس فعلاً في عصرنا هذا ويطبقها أصحاب القلوب المريضة.
رد الدكتور مصطفى محمود على شبهة "الوثنية" في المناسك.
عندما قرأت كتاب "حوار مع صديقي الملحد" قرأت موضوع أفزعني جدًا وهو (هل مناسك الحج وثنية؟) وهذا يعتبر تفكيراً شيطانياً بحتاً، وكل الأفكار التي تناولها الكتاب كانت أفكاراً شيطانية من الدرجة الأولى، ذكر فيه كل الأساليب الخبيثة التي يقنع الشيطان بها أهل الضلال أن ضلالهم نور، وأن نور الإسلام ضلال.
سأل الملحد الدكتور مصطفى محمود قائلاً: (ألا تلاحظ معي أن مناسك الحج عندكم هي وثنية صريحة؟ ذلك البناء الحجري الذي تتمسحون به، وتقبيل الحجر الأسود، والسبع طوفات والسبع رجمات وهي بقايا من خرافة الأرقام الطلسمية..).
أجاب الدكتور مصطفى محمود في هدوء:
«ألا تلاحظ معي أنت أيضاً أن في قوانين المادة التي درستها أن الأصغر يطوف حول الأكبر؟ الإلكترون في الذرة يدور حول النواة، والقمر حول الأرض، والأرض حول الشمس.. إلى أن نصل إلى "الأكبر مطلقاً" وهو الله.. ألا نقول "الله أكبر"؟ وأنت الآن تطوف حوله ضمن مجموعتك الشمسية رغم أنفك ولا تملك إلا أن تطوف، فلا شيء ثابت في الكون إلا الله هو الصمد الصامد الساكن والكل في حركة حوله. أما نحن فنطوف باختيارنا حول بيت الله.. وهو أول بيت اتخذه الإنسان لعبادة الله، فأصبح رمزاً وبيتاً لله.»
«ألا تضعون باقة ورد على نصب حجري وتقولون إنه يرمز للجندي المجهول؟ فلماذا تلوموننا لأننا نلقي حجراً على نصب رمزي نقول إنه يرمز إلى الشيطان؟ ألا تعيش في هرولة من ميلادك إلى موتك؟ أليست هذه هي الحركة البندولية لكل المخلوقات؟ ورقم 7 الذي تسخر منه.. ما السر في أن درجات الطيف الضوئي 7، والإلكترونات تدور حول نواة الذرة في نطاقات 7، وأيام الأسبوع 7؟ ألا يدل ذلك على شيء؟ أم أن كل هذه العلوم هي الأخرى شعوذات طلسمية؟ نحن لا نتجه بمناسك العبادة نحو الحجارة ذاتها.. وإنما نحو المعاني العميقة والرموز والذكريات.»
الروحانية المعاصرة: تقديس الذات والكون بديلاً عن الخضوع
في عالمنا الجديد أصبح للقمر طاقة تمد الإنسان بها وللشمس طاقة وللكون طاقة، ليست تلك الطاقة المعروفة لديك "الطاقة الحرارية والضوئية" وليس تفكيرهم في الكون مثل تفكيرك فيه أنه مسخر لنا بكل ما فيه رحمة ولطف من الله وحده… لا أبدًا فتفكيرهم تخطى الزمان والمكان وتجاوز كل حدوده، فقسموا الطاقة إلى جزئين فقط إيجابية وسلبية، فهم يرون أن التأمل في الكون وعظمة خالقه تصدر ذبذبات للكون، وتتواصل معه بها، وذلك التأمل يزيد طاقتك، ويمكنك
من التواصل مع عقلك الباطن الذي بدوره يستطيع أن يجلب لك كل ما تفكر فيه، هذا الخطاب يبدو بسيطًا وبريئًا، ويبدو في الظاهر أنه لا يضر ولا ينفع؛ لكنه سمٌ فتاك بالعقيدة والإيمان إن تم أخذه أخذًا سطحيًا، وفهمه بطريقة مخلة بالنيات النقية والطاهرة، فتتحول المفاهيم الإيمانية العميقة لسطحية متذبذبة في الأخلاص والاستقامة لله وحده.
هذه هي الوثنية الحديثة قد لا تقوم على الأصنام الحجرية، لكنها تقوم على تقديس الذات والكون والطاقة، حتى تقبيل الحجر الأسود يقبلونه تقديسًا لذواتهم فهو لأنه من الجنة، يرون أن طاقته عظيمة في علاج أمراضهم النفسية، هم يربطون كل شيء بالعلاج النفسي، مثلاً: تفعيل للشاكرات في الصلاة، وتنظيف الهالة بالأذكار، والارتقاء الروحي بالحج، والتطهير الذاتي بالصوم.
لقد جعلوا العبادة مجرد تركيزًا على العلاج الروحي، ولتحقيق أغراض شخصية ودنيوية فقط، حتى انسلخوا عن الله انسلاخاً تاماً وعن الدين والعقيدة وتركوا الغاية (رضى الله) انشغالاً بالوسيلة.
الروحانيون اليوم يجعلون الإنسان يقدس نفسه، وهو لا يعلم أنه قد انسلخ عن دينه، بعد أن أوكله الله لعقله الباطن، يجلب له السعادة، ويصرف عنه التعاسة، وما أتعس هؤلاء وما أشقاهم!
وللأسف فإن كثيرًا من المنجذبين إلى هذه التيارات يدخلونها بحثًا عن علاج لقلقٍ داخلي أو فراغٍ روحي، ويتم استغلالهم بالوهم حتى يسهل استدراجهم، ونزع عقيدتهم وإيمانهم بعد أن تتغير معتقداتهم ومفاهيمهم حول دينهم وعبادتهم.
وقد انتهى الأمر ببعضهم إلى الانغماس في ممارسات تقترب من الشعوذة والخرافة، فقد استخدموا علم التنجيم، وعلم الأرقام والحروف، ثم أخذوا آيات من القرآن، وقالوا علم طاقة إسلامي!!!
اليوم لا أحد يسأل لماذا سبع جمرات وسبع هرولات؟! ولماذا أرقام محددة؟! بل هم يؤمنون أن لله حكمة في كل ذلك، ولكنهم بدل أن يطيعوا الله فيما أمرهم، انصرفوا للتفكير في الأرقام نفسها، و قدسوها لذاتها، وقد تلاعبوا بوظيفتها الأساسية فجعلوها ساعي بريد يسعى لتوصيل رسائلهم، ففي عقيدتهم الغير مقبولة يدعون أن كل رقم يتكرر فهو يحمل رسالة كونية لصاحبة، ولكل حرف رقم يمثل مكانته في الأبراج الكونية، ولأسمك عدد يميزون به شخصيتك ويعرفون به حظك إن تم جمعه معه مع عدد حروف أسم أمك، نحن قد نكون مجرد أرقام زائلة تزداد ثم تندثر ليأتي الرقم الذي بعده، لكن الأرقام لا تمثل شخصياتنا وأسلوب حياتنا، ولن تحدد عدد حروف اسمائنا نسبة حظوظنا أو أقدارنا، حاشا لله، كل شيء أحصاه في كتاب مبين، ليس في نجمة شاردة أو رقم تائه بين أرقام الكون الوسيع، الرقم مجرد توضيح لنا وهو لا ولن يكون توضيحنا وتوضيح لذواتنا.
أصبح هذا علماً يُدرس أسموه علم الأرقام، يستدلون على خيالهم بفرائض الله التي جعل لكل فريضة رقم، فهم تركو الفريضة وركزوا على الرقم، ليس لهم من أمر الكون شيء سوى التسليم والطاعة فحكمة الله هي التي تسير هذا الكون العظيم بدقة متناهية ونظام بديع، ونحن مجرد مخلوقات ممن خلق نعيش في كونه ولا دخل لنا في تدبيره فلله في خلقه شؤون، نحن خلقنا لعبادته وتسبيحه، فلننشغل بما خلقنا له ولا يلهينا عن ذلك انشغالنا بما خُلق لنا، ولنكن كما قال الفيلسوف مصطفى محمود رحمة الله: ( نحن لا نتجه بمناسك العبادة نحو الحجارة ذاتها.. وإنما نحو المعاني العميقة والرموز والذكريات.) لكن الشيطان اليوم يحاول أن يصرفنا عن العبادة العميقة، والتفكير السليم، ويجرنا نحو عبادة شكلية سطحية، ولتفكير عقيم لا يؤدي إلى نتيجة سوى زيادة البعد عن الإيمان الكامل والتوكل السليم، وبدل الخضوع بالسمع والطاعة أصبحنا نفكر لماذا وكيف وماذا؟
متاهة الأرقام والحروف: محاولة تفسير الغيب وخطر الانزلاق إلى الشعوذة
ولا ننسى أنه قد تم تأليف علم الأرقام في القرآن؛ وأصحابه يدعون أنهم يجمعون عدد الآيات وعدد الكلمات فيتنبئون بتواريخ مستقبلية غيبية لا دخل لهم فيها، أما ما طابق كلامهم وتوقعاتهم مع تلك الدلائل والبراهين؛ فهو فتنة يمحص الله بها إيمان عباده ليرى وهو العليم الخبير من المؤمن ومن الذي في قلبه زيغ وقد قال الحق سبحانه:
{ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَـٰكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا } [ سورة النساء : 46 ]
إن أول فكرة تنصرف عن الإنسان حين يدخل في هذا العلم، ويبدأ في التصديق هي أنه عبد، وعليه أن يطيع فقط لايجادل في آيات الله التي في الكون والأنفس والآفاق وكل ماحوله هو آية تؤكد أن الخالق واحد وأن عظمته تفوق أدراك المخلوق.
تغيب فكرة التسليم والتسبيح لله عند أول تصديق لخطاب يسحر العقول بحسن بيانه وكثرة تظليلة، وقد يُجلب برهان حسي يُفتن به من يُفتن وينجو من ينجو، هذا هو الدجل الذي يُدخلك في متاهة الشيطان وأنت لا تفهم وتظن أنك كنت تفكر فقط وتحلل وتحاول الغوص في معاني الحروف والأرقام.
وقد نصّ العلماء على أن استخدام "حساب الجمل" في القرآن لا أصل له في الشريعة، ولا يجوز فهم القرآن بغير طرائق فهم العرب (التفسير واللغة)، كما أنه يفتح أبواب الباطل. وهناك استثناء بسيط فقد أجاز بعض العلماء استخدامه فقط في "التاريخ" (التأريخ لحدث ما) دون بناء عقائد أو تنبؤات غيبية عليه، لكن استخدامه للكشف ومحاولة معرفة الغيب هو محرم بإجماع.
والعلم هذا بكاملة علم أرقام الحروف، أو أسرار الحروف، وأسمه الآخر (علم الجفر) فقد نهى أهل العلم عن الاشتغال به، ونُقل الإجماع على تحريمه إذا تضمن التنبؤ بالغيب أو ادعاء معرفة حوادث المستقبل، فهو من الدجل وعلوم الجاهلية
وقال عنه ابن خلدون: (هو المسمى لهذا العهد بالسيمياء نقل وضعه من الطلسمات إليه في اصطلاح أهل التصرف من المتصوفة فاستعمل استعمال العام في الخاص وحُدث هذا العلم في الملة بعد صدر منها وعند ظهور الغلاة من المتصوفة وجنوحهم إلى كشف حجاب الحس وظهور الخوارق على أيديهم.. وهو من تفاريع علم السيمياء لا يوقف على موضوعه ولا تُحاط بالعدد مسائله) مقدمة ابن خلدون.
وفي الختام، فإنَّ جوهر علاقتنا بالله عزوجل يقوم على التسليم والمحبة وعلى السمع والطاعة، لا على معادلات الطاقة ولا حسابات الأرقام.
وانشغالنا بالبحث عن قوى خفية في العبادات، سيُفقدنا خشوعنا وسيصرفنا عن المقصد الأسمى وهو إخلاص العبودية لله وحده.
فما أجمل أن نعود إلى رحاب الإيمان الفطري؛ حيث يطمئن القلب بذكر الله، وترتقي الروح بالامتثال لأمره.
***
إعداد وتقديم: فاطمة محمد الدفعي - كاتبة وباحثة في الشؤون الفكرية والنفسية