عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

محمد عبدالرحيم نمر،  الفتى الذي كان متفردا من ناحية القيم، والنزعة الصوفية، وقواعد التفكير، لن تستطيع هذه الحياة الواسعة بكل ما فيها من صخب، وزخم، وحركة، وألوان، وأصوات، وأصداء، أن تلهيني عن فلسفته التي كانت تقوم على تعاليم الصوفية، ومذاهبهم التي لا تضج بالحركة، والمراجعات، وطرح الأسئلة، بقدر ما تحتفي بالاذعان، والتسليم، والركون الى ما يدعيه الشيخ من نظريات ومفاهيم، ظلت "الصوفية التقليدية المتوارثة" هي المسيطرة على وعي "محمد نمر" ولم يجهد نفسه مطلقا-رحمه الله- في تقليب النظر في قالبها الايقاعي الذي كان يرضيه في سكونه وهياجه، أقول كل هذا رغم أني لا أعلم للغالي" محمد نمر" زعيم صوفي ملهم، عناصر صياغته ورؤيته موجودة في أكوان نفسه الفسيحة، وتستدعي هذه الهوية والتداعيات الأنظار بتباين ألوانها وتناسقها، كلا لم تكن روح محمد "الغضة الشفافة" التي تؤثر أن ترتهن الى مكانها الضيق، الذي يمقت أن يقيم صلات مع المدينة والمكان، ترصد اضطراب "الأقطاب" وتتطاير غدائرهم في أشعة الشمس، كان ما يعني "محمد" من الصوفية بكل تموجاتها الواسعة هو ثقافتها الجمالية السائدة، واندماجه مع "أورادها" التي لم يسعى أن يبحث عن تقنيات تشكيلية طارئة،  مغايرة لما عرف عنها من قبل.

لم يكن المبتغى والغاية المقصودة من كتابة هذا المقال الموشى بخيوط الحزن،  أن استهدف الصوفية، وأتحدث عن غموضها وتجلياتها،  ولكن لأنها كانت تعجب الراحل "محمد نمر" وترضي نزعاته النفسية، فالصوفية التي كانت ممسكة بالعنان الرفيع لروح "محمد نمر" الهائمة في ملكوت الله،  هي التي تجعلنا "أنا وهو" نطرق هذه المواضيع، ونحرص على تجديدها وتنميتها بشكل يومي،  ونعيد قراءة تراثها النقدي، ونشخص المستجدات التي تربعت على ساحتها، كان أكثر ما يثير امتعاض" محمد نمر" مني، أني أنظر للمتصوفة بأنهم فئة تعيش خارج اطار الزمن، وأن الصورة السائدة في ذهني عنهم شديدة القتامة،  فهي بكل مستوياتها، وأشكالها، واتجاهتها المختلفة، استعصت على التطور، وعجزت أن تفتح آفاقا جديدة، تجعلها تتوهج لتحيا حياة عنيفة خصبة، لم تعرف عنها منذ أمد بعيد،  فالحقيقة التي تلوح بشكل متزايد أن مجتمعاتنا التي تريد أن ترتبط بالوعي والاقتصاد الابداعي، لا يمكن أن تعتمد على نهجها في توطيد نظمنا التربوية والجامعية.

 الصوفية الحافلة بالصور، والرموز، والصدق، والمبالغة، والتهويل،لم تزور نفسي عنها، ولكن أنشد صوفية تحمل في طياتها ومكوناتها أنساقا فكرية تكون نسقا ما، يعالج اختلالات المجتمعات المسلمة وتعرجاتها، ورحم الله صديقي الحفي البار بوالديه وخاصته "محمد نمر" الذي عشق الصوفية، وهام بفكرها، ودار في فلكها، ولكنه على كل ذلك، كان متحفظ محتاط لم يخرج بالتصوف عن أصوله.

***

د. الطيب النقر

قراءة بين فجوات الإدارة وممرات الإصلاح المستدام

ضعنا آية: {الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْف} أمام حقيقة راسخة؛ وهي أن استقرار المجتمعات يبدأ من تأمين قوتها، وصيانة أمنها الغذائي، غير أن القراءة الموضوعية لواقع ملف التموين في المشهد العراقي اليوم تكشف عن مفارقة واضحة بين كلفة الإنفاق والنتائج الملموسة على  أرض الواقع. وتشير المؤشرات الرسمية لعام2026 إلى تحدٍ لوجستي هائل؛ إذ يبلغ عدد الافراد المسجلين في نظام البطاقة التمونية 45مليون فرد، وهي كلفة مالية وبشرية ضخمة تضع المنظومة تحت طائلة التساؤل المستمر حول مدى كفاءة قنوات التوزيع، والقدرة على حماية السلة الغذائية من ثغرات البيروقراطية وسوء الإدارة التي ترهق جيب المواطن البسيط، وتجعله عرضة لتقلبات الأسواق التجارية .

إن تشخيص واقع الأمن الغذائي يطرح خللاً بنيوياً متمثلاً في المفارقة الصارخة بين حجم المبالغ المرصودة دورياً للاستيراد، وبين جودة المواد الواصلة إلى مائدة المواطن ذي الدخل المحدود؛ فالاعتماد شبه الكامل على الاستيراد الخارجي لتأمين مفردات السلة، بدلاً من تنشيط وتحفيز الإنتاج الزراعي والصناعي المحلي، يشكل استنزافاً مستمراً للعملة الصعبة ومخاطرة استراتيجية برهن لقمة العيش بالأسواق العالمية وضغوطها السياسية والاقتصادية. ويتجلى هذا التراجع بوضوح في قطاع تصنيع الحبوب والصوامع (السايلوهات)؛ حيث لا تزال العديد من المطاحن، سواء أكانت حكومية أم أهلية متعاقدة، تعمل بخطوط إنتاجية قديمة تؤثر سلباً على جودة الطحين الموزع، فضلاً عن افتقار بعض الصوامع للأتمتة الحديثة، مما يجعل المخزون الاستراتيجي من المحاصيل الأساسية، كالقمح، عرضة لمخاطر التلف أو شبهات الهدر والتلاعب الكمي والنوعي.

وفي محاولة للالتفاف على هذه الثغرات وتقليص مساحات الهدر المالي، برزت خطوات نحو التحول الرقمي من خلال إطلاق التطبيقات الإلكترونية التمونية والربط عبر أجهزة الدفع الإلكتروني (POS) لضبط القطع المالي للوكلاء ورغم أهمية هذه الإجراءات التقنية في محاولة تنقية القوائم من الأسماء الوهمية، إلا أن التجربة الميدانية تشير إلى أن الرقمنة وحدها لا تكفي ما لم تقترن بإجراءات صارمة على الأرض تقودها جهات رقابية مستقلة؛ فالمواطن لا يزال يواجه تذبذباً في مواعيد تجهيز الحصص، ونقصاً في بعض المواد الأساسية، مما يضطره إلى إكمال حاجته اليومية من الأسواق الحرة بأسعار مضاعفة، وهو ما يؤكد وجود فجوة حقيقية في ضبط الخزين الاستراتيجي الذي يُفترض أن يغطي الحاجة الفعلية بشكل مستمر دون انقطاع.

وتأسيساً على هذه المعطيات، فإن الانتقال بملف الأمن الغذائي العراقي من عقلية "الاستيراد الروتيني الخامل" إلى "الإنتاج والتنشيط المستدام" يتطلب معالجات بنيوية جذرية تتجاوز الحلول الإسعافية المؤقتة. ويأتي في مقدمة هذه الحلول تفعيل شراكة حقيقية وشفافة مع القطاع الخاص لإعادة تأهيل وتحديث المطاحن المحلية والصوامع وفق تكنولوجيا حديثة تضمن الجودة العالية، مع إلزامية عزل إنتاج الطحين المخصص للدعم عن المضاربات التجارية (طحين الصفر). إن صياغة مشهد اقتصادي متزن لحماية القوت اليومي تعتمد بالدرجة الأولى على حوكمة عقود التوريد، وإخضاعها لرقابة مالية مكشوفة، وتوجيه الدعم المالي نحو تشجيع الفلاح العراقي والمصانع الوطنية، بما يضمن صيانة الأمن الغذائي واستقراره بعيداً عن أعباء البيروقراطية وأثرها على كاهل المواطن .

ثبت الوثائق والإحصاءات المعتمدة (لحماية المادة الصحفية)

***

بقلم: صبيح الكعبي

.......................

المصادر:

- بيانات دائرة التخطيط والمتابعة (2026): توثيق تسجيل 45 مليون فرد بنظام التموين، ورصد الكلف التشغيلية المرتبطة به.

- تقارير الرقابة التجارية والمالية (تحديث 2026): المؤشرات المتعلقة بتقييم كفاءة الخزين الاستراتيجي وفترات التجهيز الفعلي للسلة الغذائية.

- محاضر مراجعة قطاع تصنيع الحبوب (2026): البيانات الخاصة بالطاقات الإنتاجية للمطاحن ونسب الحاجة للتحديث التكنولوجي لخطوط إنتاج الطحين.

في غمرة تساؤلاتنا الوجودية الممتدة، نقف مذهولين أمام مرآة مجتمعاتنا. لماذا نتحفظ في إبراز الحب والمشاعر الإيجابية كأنها عورة نخشى كشفها، بينما نندفع بجرأة فائقة نحو التعبير عن القسوة والعنف، لفظياً وجسدياً؟ لماذا ينظر مجتمعنا إلى الابتسامة العفوية في الطرقات بريبة، بينما يمر العبوس والتجهم كعلامة على الوقار والجدية؟

إننا نعيش في مفارقة مرعبة؛ حيث يتربى الفرد فينا على احتواء العلاقات السامة، وتجرع مرارة الخيبات خلف أقنعة الصمت والتأقلم. نهرب من المواجهة الصادقة التي قد تنقذ أرواحنا، ونفضل عليها بقاءنا في مستنقع مألوف مؤذٍ، خائفين من تعرية الحقيقة.

وإذا فتّشنا في عمق هذه المعضلة، لوجدنا أن هذا الجفاف ليس فِطرة في عروقنا، بل هو نتاج تكتلات ثقيلة صاغتها الأيام والتربية؛ فقد ورثنا مفهوماً مشوهاً للوقار يربط الهيبة بـ"تقطيب الجبين" وصناعة المسافات، وكأن اللين يخدش الرزانة! وبسبب ثقافة العيب والخوف من أحكام الآخرين، تحول التعبير عن الحب في الوعي الجمعي إلى مرادف للضعف أو الانكشاف، وزاد الأمر تعقيداً ذلك الخوف المتجذر من الحسد، والذي يدفع الناس لإخفاء المسرات وإظهار التجهم كدرع حماية زائف.

أضف إلى ذلك، أننا جُبلنا على تمجيد التضحية على حساب الذات، فصار الصبر على الأذى في العلاقات السامة يُسمّى "أصلاً طيباً"، وصارت المواجهة تبدو كفعل تخريبي يُهدد الاستقرار. هذا التكلس ليس إلا انعكاساً لتاريخ محمل بالصدمات المتلاحقة والأزمات التي عاشتها المنطقة، والتي وضعت الإنسان في حالة دفاع مستمر عن النفس، فتقدمت القسوة كآلية للبقاء، وتراجعت الرقة كرفاهية مؤجلة.

وهنا يبرز السؤال المقلق: هل نحن وحدنا من تلوثت بذرتنا الإنسانية الأولى بفعل هذه التراكمات؟ أم أن الشعوب الأخرى تعاني من ذات التكلس عندما تُدنس فطرتها؟

الحقيقة أن تشويه البذرة النقية ليس حكراً على جغرافيا دون غيرها؛ فكل إنسان، وفي أي بقعة من الأرض، عندما يُحرم من مساحات التعبير الآمن ويقع تحت وطأة الخوف والقمع الاجتماعي، يرتدي قناعاً جافاً ليحمي هشاشته الداخلية. لكن الفرق يكمن في أن مجتمعاتنا حولت قناع القسوة إلى درع شرف.

إلا أن حكماً بالإعدام لم يصدر من قاضٍ سماوي، بل نحن من وقّعنا على وثيقته بجهلنا الخوفَ المستشري في زوايا نفوسنا. ولكي ننجو من زنزانة هذا الإعدام المفروض، لا بد لنا من امتلاك شجاعة التمرد الروحي؛ التمرد على المألوف السام، والاعتراف بأن اللين ليس وهناً، بل هو أعلى درجات الصلابة الإنسانية. لقد حان الوقت لنخلع هذه الأقنعة الثقيلة ونواجه ذواتنا بصدق؛ فالالشعوب لا تمرض لأن بذرتها فاسدة، بل لأنها تخاف من سقاية مشاعرها الحقيقية، والنجاة تبدأ بقطرة وعي تعيد النبض لتلك البذرة المنسية قبل أن يفوت الأوان.

***

الكاتبة: ايمان عبد الحكيم خريسات

 

حين تبتسم المكاتب وتبكي الإدارة

حين تضيق دروب الروتين وتنهك ضغوط العمل الأرواح، يبتكر المجتمع مساحات موازية للفرح، فيخلق مناسبات لم تكن مسطورة في كتب التاريخ ولا في الأجندات الرسمية، مثل "عيد المدير"، وعيد الأب، وعيد الأم، ويوم العلم. إنها ليست سوى ذرائع إنسانية نبيلة للتواصل، تذوب فيها جدران الرسميات وتتكسر حدة الوظيفة. في هذا اليوم تحديداً، تتحول المكاتب الصارمة والباردة إلى واحات من الألوان والبهجة؛ تزين الطاولات بالورود العطرة، وتتزاحم الابتسامات الصادقة، وتُتبادل الهدايا الرمزية والدروع التذكارية وسط عبارات الثناء والتقدير. هي لحظات إنسانية جميلة تُشعر المدير بأنه جزء من عائلة واحدة، وتمنح الموظفين متنفساً من الود والتقدير المتبادل الذي تقتطعه أوقات الدوام الطويلة.

غير أن هذا الودّ الزائل على أعتاب المكاتب ما انفكّ يرتطم بمرارة الواقع؛ فحين ننفض غبار هذه الاحتفالات البهيّة ونعود إلى قراءة تفاصيل المشهد الإداري في عراقنا الحبيب، تتكشف لنا مفارقة صادمة؛ إذ تخرج كلمة مدير تماماً عن مألوفها الوظيفي، لتتحول في كثير من الدوائر والمدارس والمراكز الإخبارية والنقابات المهنية، ما يشبه الإقطاعية الخاصة أو الملكية المحفوظة التي تأبى الزوال.

وتتجلى هذه المفارقة بوضوح في أروقة مؤسساتنا التي تختصر قصصاً متباينة تكشف عورات هذا النظام؛ فأولها قصة أبي حسن، وهو مدير مدرسة أمضى أربعة عشر عاماً متسلطاً على مقعده. في سنواته الأولى كان شعلة نشاط، لكن طاقة الرجل نفذت، وانطفأت أفكاره، وأصبح المكان متحجراً يشبه أثاثه القديم؛ لا تطوير، بل استنزاف صامت للجهود والزمن، حتى صار المعلمون والطلاب ينتظرون تقاعده خلاصاً حتمياً. وإلى جواره، تبرز قصة سالم، وهو مدير دائرة خدمية تعثر في إدارته منذ اليوم الأول؛ تكالبت الملفات على مكتبه وضاعت مصالح الناس وسط عجز بيّن وتردد قاتل، وبسبب غياب آليات التقييم، ظل رابضاً في مكانه يراكم الفشل ويزيد المؤسسة وهناً، محرماً الدائرة من طاقات شابة قادرة على الإنقاذ. وفي المقابل من هذين النموذجين، يطل علينا وجه منى، وهي مديرة مركز إخباري اعتمدت التدوير والتجديد، فأدارت المكان بروح الفريق، مؤمنة بأن النجاح ليس حكراً على أحد، وأن العطاء الإداري له أمد افتراضي؛ لقد تركت بصماتها الواضحة ثم غادرت الموقع بثقة وسلام، تاركة خلفها مؤسسة تنبض بالحياة والكفاءة.

وهذه النماذج الحية تقودنا إلى حقيقة راسخة مفادها أن الإبقاء على مدير لمؤسسة أو مدرسة لمدة تتجاوز عقداً من الزمن، يعدّ عائقاً إدارياً بحق المكان وتنمية المجتمع. فالإدارة ليست تشريفاً أبدياً، بل هي مسؤولية وتكليف مؤقت تتطلب حيوية متجددة. المدير الذي يستنفذ طاقته وجهده خلال سنوات معدودات يتحول بمرور الوقت إلى حاجز أمام التطور، فالعقل البشري يصل حتماً إلى مرحلة النضوب والنمطية إذا ما أحيط بهالة من الحصانة المطلقة والبقاء الأبدي.

من هنا، ينبغي ألا يكون الاحتفال بمثل هذه المناسبات مجرد طقس استهلاكي أو روتين مصطنع، بل وقفة تقييم جادة لتصحيح المسار الإداري. ولتحقيق المأمول، تبرز الحاجة الملحة إلى اتخاذ خطوات عملية حاسمة، تبدأ بوضع سقف زمني صارم لبقاء أي شخص في منصبه الإداري لا يتجاوز ثلاث سنوات قابلة للتجديد لمرة واحدة فحسب، لضمان ضخ دماء جديدة وأفكار مبتكرة. كما تقتضي الضرورة سن تشريعات واضحة تفصل تماماً بين المسؤول الإداري والكرسي الوظيفي، وتمنع تحول المؤسسات إلى ممتلكات شخصية، فضلاً عن إخضاع القيادات الإدارية لعمليات تقييم دورية ومستقلة، وإقصاء الفاشلين والمستنزفين فوراً دون مجاملة، وفتح الأبواب أمام الكفاءات الشابة والمبدعة لتولي زمام القيادة، فالإدارة الناجحة هي التي تتجدد باستمرار ولا تقف عند شخص واحد.

***

بقلم صبيح الكعبي

أتصفح العديد من المقالات لمفكرين كتبوها في ثمانينيات القرن العشرين، وأجدها ذات نزعة إنشائية وإسهابية عصية على التحقيق، فهي كتابات لا تقترب من الواقع ولا تمتك القدرة على إبتكار أدوات تغييره، والإتيان بضوابط نظرية ذات قيمة إرشادية صالحة للبناء، ومنها إتضح أهم سبب من أسباب تأخرنا، لغياب المنظار العملي القادر على صناعة الحياة الأفضل.

العراق ومصر كانا أكثر تقدما من الصين والكوريتين في النصف الأول من القرن العشرين، وبدايات النصف الثاني منه، لكنهما تدحرجا إلى الوراء، ووصلت الصين والكوريتان إلى مراتب حضارية متقدمة.

فالكتابات الإنشائية الفكرية إنشغلت بالمصطلحات المستوردة من بلاد الآخرين، كالديمقراطية والديكتاتورية والحرية وأمثالها من المفردات التي عجزنا عن تطويعها لصالح تطورنا، بل جعلناها معوقات ومدمرات لوجودنا.

فالمشكلة ليست في الديمقراطية والديكتاتورية، وإنما في القيادات المحدودة الرؤى والقاصرة المعرفة. فالمجتمعات بقادتها، والدول والأمم برجالاتها الذين يتمكنون من التعبير عن رؤاها وتحرير طاقاتها الكامنة، فليكن أسلوب الحكم ما يكن، المهم التفاعل الخلاق مع المجتمع، وتحويل الطاقات البشرية إلى ينابيع متدفقة بالإبتكار والعطاء الأصيل.

يُقال أن الراحل فيدل كاسترو جمع المختصين بالمايكروبات بأنواعها وطلب منهم أن تكون كوبا الأولى في إنتاج أمصال اللقاحات، ووفر لهم الدعم المطلوب، فحققوا رغبته، ويذكر أن كوريا الجنوبية قد شجعت القطاع الخاص ودعمته وطلبت منه أن ينتج للتصدير، فكان لها ما أرادت، وكوريا الشمالية بنظامها المعروف ذات إرادة إنتاجية فائقة جعلتها تتحدى أعتى القوى الأرضية.

اما في مجتمعاتنا، فبالتأميم قضينا على القطاع الخاص وصارت الدولة تملك كل شيئ، وفي الإصلاح الزراعي قضينا على الزراعة، وعجزنا عن الإستثمار المعقول بواردات النفط، فتبلدت قدراتنا الإنتاجية وشلت أيادينا، وصرنا نعتمد على غيرنا في كل شيئ!!

وقد أدهشني أن النظام الشيوعي في الدول الإشتراكية الذي لم يحارب الملكية الخاصة، بل دعمها بما يوفر إنتاجية عالية، وعندنا صارت الأرض لمن يزرعها، والقطاع الخاص تحت أقدام المتسلطين، ولا حياة إلا للكراسي المتأسدة في غاب وجيعنا الحامي.

تَدحْرجْنا إلى خلفَ الوراءِ

وأجْهزْنا على روحِ السَماءِ

بعِلمٍ سادَتِ الأجْيالُ فيها

ومِن كَسلٍ أُصِبْنا بالخَواءِ

فلا إقرأ ولا إصْنعْ عَرفْنا

ولا إزْرَعْ بدائرةِ النماءِ

***

د. صادق السامرائي

معالي الوزير،

نرحب بكم في موقع المسؤولية، ونشد على ايديكم في مهمتكم الجديدة. انها مهمة ثقيلة، بل هي من اخطر وادق المواقع في الدولة، لانها تتصل مباشرة بمستقبل العقول، ومصداقية العلم، وكرامة الاساتذة، وحق الطلبة في تعليم رصين.

نكتب اليكم ونحن ندرك ان الوزارة ليست بحاجة الى وعود جديدة بقدر حاجتها الى خطوات عملية، والى ارادة صلبة، والى قرارات تضع الشخص المناسب في المكان المناسب، وتوقف النزيف الذي اصاب التعليم العالي والبحث العلمي في العراق.

معالي الوزير،

ان المرحلة السابقة تركت جراحا عميقة، ولا يجوز ان نطوي صفحتها دون ان نتعلم منها. لقد شهدنا تجاهلا صارخا لكرامة التدريسيين، وتدخلا في نتائج الامتحانات ورفع درجات الطلبة الفاشلين، وتعيينات ولائية جعلت من منصب العميد ورئيس الجامعة مكافاة سياسية لا استحقاقا علميا. وشهدنا فرض اتاوات على الطلبة، وتحويل الوزارة الى جهاز رقابي بوليسي يراقب ويعاقب بدل ان يطور ويحفز. كما شهدنا توسعا هائلا وغير منضبط للتعليم الاهلي، وفسادا في الجامعات الاهلية، واهمالا كاملا لحقوق الهيئة التدريسية واحتياجاتها، وغيابا شبه تام لبرامج التدريب والتطوير المستمر.

والاخطر من ذلك كله، ذلك الارتفاع الكبير في النشر الزائف، ودكاكين النشر، ومصانع الاوراق، التي تغلغلت في المؤسسات، حتى اصبح بعض المسؤولين الكبار في الوزارة والجامعات جزءا من هذه الممارسات. لقد صار البحث العلمي في كثير من الحالات اما مسروقا، او مقتبسا بشكل غير امين، او مزورا، او من انتاج تجاري لا علاقة له بالعلم. وبلغ الامر ان بعض الباحثين ينشرون بمعدل 100 بحث سنويا، مع تزايد عمليات سحب الاوراق من المجلات العلمية، وانعدام التاثير العالمي والمجتمعي، وغياب اي دعم مالي مباشر للبحث العلمي، حتى تحمل الباحثون تكاليفه بانفسهم.

هذه ليست تفاصيل ثانوية، بل هي جوهر الازمة. ومن هنا، فان مهمتكم ليست مجرد ادارة روتينية، بل هي اصلاح شامل اذا اردتم انقاذ مصداقية البحث العلمي ومستقبل التعليم العالي في العراق.

معالي الوزير،

نضع بين ايديكم بعض المحاور التي نراها ضرورية لبدء اصلاح حقيقي:

1. الاصلاح الاداري والتحول الرقمي:

انهاء الاداء الورقي، والاتمته الشاملة للمعاملات، والقبول المركزي، والخدمات الطلابية، وماكنة التعيينات والتنقلات والترقيات، لضمان الشفافية والعدالة والحد من التدخلات البشرية والروتين القاتل.

2. تطوير المناهج وربطها بسوق العمل:

اعادة النظر المستمرة في البرامج الدراسية، وتطبيق معايير عالمية مثل نظام بولونيا، وتفعيل المنصات الذكية، والتقليل من التكدس في تخصصات لا يحتاجها سوق العمل.

3. استقلالية الجامعات ودعم البحث العلمي:

منح الجامعات الرصينة مرونة ادارية ومالية واكاديمية وفق مبدا اللامركزية، وربط البحوث بازمات الدولة الحقيقية مثل شحة المياه، الطاقة، التغير المناخي، التنمية المستدامة، التلوث، الصحة العامة بدلا من البحوث النظرية البحتة، مع تخصيص ميزانيات كافية للابتكار وبراءات الاختراع.

4. الجودة والاعتماد الأكاديمي الدولي:

التسريع في حصول الكليات والجامعات على الاعتماد المؤسسي والبرامجي، وتشجيع النشر في المجلات المتميزة والرائدة، مع محاسبة من يلوث المشهد العلمي بالنشر الزائف.

5. اصلاح التعليم الاهلي والموازي:

فرض رقابة صارمة على الجامعات والكليات الاهلية، ومنع التوسع العشوائي، ومراجعة او الغاء اجور التعليم الموازي والمسائي، وضمان العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، والجودة الأكاديمية. والمطلب الملح هو جعل الجامعات والكليات الاهلية غير ربحية، لا ان تتحول الى تجارة تعليمية.

6. الدبلوماسية الأكاديمية والابتعاث:

توجيه البعثات نحو التخصصات المهمة والنادرة والدقيقة وفي جامعات الدول المتطورة: الطب والصحة المجتمعية، الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، الطاقات المتجددة، مع الاستفادة القصوى من العائدين، وتطوير العلاقات مع جامعات الدول المتقدمة وبرامج التوامة.

7. انصاف الهيئة التدريسية:

لا اصلاح بلا اساتذة مكرمين، وحقوق مصونة، وبرامج تدريب وتطوير مستمرة. ان اهمال التدريسيين كان ولا يزال احد اخطر اسباب تدهور التعليم.

8. مكافحة الفساد والنشر الزائف:

فتح ملف دكاكين النشر ومصانع الاوراق، ومحاسبة المتورطين، ووضع ضوابط صارمة للنشر العلمي، واعادة الاعتبار للبحث الجاد والنزيه.

9. تخصيص ميزانية مستقلة ومحمية للبحث العلمي:

لا بحث علمي حقيقي بدون تمويل كاف ومستقر. لذلك نطالب بتخصيص ميزانية مستقلة للبحث العلمي، تدار عبر صندوق وطني او هيئة مستقلة، وتحدد لها نسبة ثابتة من موازنة الوزارة او موازنة الدولة، بحيث لا تبقى البحوث رهينة المزاج الاداري او التقشف العشوائي. ويجب ان توجه هذه الميزانية الى:

- تمويل المشاريع البحثية التنافسية وفق معايير الجودة والاثر.

- دعم الباحثين، وخاصة الشباب منهم، وتغطية تكاليف بحوثهم بدل تحميلهم اياها شخصيا.

- دعم المجلات العلمية العراقية الرصينة، وبراءات الاختراع، والابتكار، ونقل المعرفة.

- ربط التمويل بحل مشكلات البلد الحقيقية: المياه، الطاقة، المناخ، الصحة، التعليم، والتنمية المستدامة.

- محاسبة من يحول البحث العلمي الى دكاكين ومصانع اوراق على حساب المال العام.

10. تشريع تعليمات وقوانين جديدة للترقية العلمية:

لا يجوز ان تبقى الترقية العلمية رهينة عدد البحوث او العلاقات او المحاصصة. نطالب بتشريع تعليمات وقوانين جديدة للترقية تقوم على تقييم شامل وعادل، يشمل:

- الجهود التعليمية والتربوية للتدريسي، لا مجرد ارقام النشر.

- الاشراف على طلبة الدراسات العليا، والمناقشات، واللجان العلمية.

- النشاطات التي تخدم المجتمع، وتقدم حلولا عملية لمشكلاته.

- البحوث الاصيلة ذات الاثر العلمي والمجتمعي، وبراءات الاختراع، ونقل المعرفة.

- وضع ضوابط صارمة لمحاسبة النشر الزائف، وسحب الترقيات او الامتيازات ممن ثبت تورطه فيه.

- تشكيل لجان ترقية رصينة ومستقلة، تعلن معاييرها وقراراتها بشفافية.

11. اعادة النظر في اساليب القبول للجامعات والدراسات العليا وشروط الحصول على الشهادات:

ان اصلاح التعليم يبدا من باب القبول، ولا يمكن ان ننتظر مخرجات رصينة ونحن نتسامح في المدخلات. لذلك نطالب بـ:

- اعادة النظر في اساليب القبول للجامعات، واعتماد معايير موضوعية وشفافة، وامتحانات ومقابلات تكشف الكفاءة الحقيقية، لا مجرد درجات الاعدادية.

- اصلاح نظام القبول في الدراسات العليا، وربطه بخطة بحث واضحة، واختبار علمي رصين، ومقابلة جادة، لا بمزاج الادارات او الضغوط.

- وضع شروط صارمة للحصول على الشهادات: اصالة الرسالة او الاطروحة، اشراف علمي حقيقي، امتحان شامل، لجان مناقشة رصينة، ومنع التلاعب او الشراء او الاستنساخ، ومهرجانات الامتحان.

- مراجعة المناهج ومسارات الدراسة لتكون متوافقة مع حاجة سوق العمل ومتطلبات التنمية.

12. ضبط معادلة الشهادات ومنع استيراد الشهادات غير الرصينة:

من اخطر ما يهدد مصداقية التعليم العالي انتشار الشهادات غير الرصينة والوهمية، وبخاصة تلك التي تستورد من بعض دول الجوار دون دراسة حقيقية او تقييم علمي رصين. لذلك نطالب بـ:

- انشاء لجنة مركزية لمعادلة الشهادات، تعتمد على تصنيفات جامعية معتمدة، وتتحقق من مدة الدراسة، والمناهج، والاقامة، والبحوث، واللغة.

- اخضاع حاملي الشهادات من الجامعات الضعيفة لاختبارات علمية ومهنية قبل المعادلة او التعيين او الترقية.

- منع معادلة الشهادات الفورية او الممنوحة من جامعات غير معترف بها، او التي لا تستند الى دراسة حقيقية وتقييم رصين.

- حماية سوق العمل الأكاديمي من الشهادات الوهمية التي تسرق حقوق الكفاءات وتشوه سمعة التعليم العراقي.

معالي الوزير:

لا بحث علمي بلا تمويل، ولا ترقية علمية بلا معايير عادلة، ولا شهادة بلا دراسة حقيقية، ولا جامعة بلا هيبة. ونأمل منكم ان يتم التعامل مع هذه المطالب بجدية، وان تجعل من مكافحة النشر الزائف والشهادات الوهمية والقبول غير العادل معركة مفتوحة، حتى لا يبقى الاصلاح شعارا، بل يتحول الى واقع ملموس يحفظ كرامة العلم واهله، ومستقبل العراق وابنائه.

معالي الوزير،

نرحب بكم، ونتمنى لكم النجاح، لكننا نريد نجاحا يلمس على الارض، لا شعارات تقال على المنابر. نريد وزارة تفتح ابوابها للكفاءات، وتغلق ابوابها امام المحاصصة والفساد، وتستمع الى الاساتذة والطلبة، لا الى الوسطاء والسماسرة. نريد اصلاحا تربويا وتعليميا شاملا، يعيد للجامعة العراقية هيبتها، وللبحث العلمي قيمته، وللتدريسي كرامته، وللطالب حقه في تعليم جيد ومتكافئ.

نامل ان يكون عهدكم عهد جديد للتعليم العالي والبحث العلمي في العراق.

***

محمد الربيعي

 

بين عدالة القبول الجامعي وتنوع الاختصاصات العلمية والأدبية

1. التضخم الأكاديمي وفقدان المعيارية (ظاهرة ال 100%)

في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن الماضي، كان معدل القبول في كلية الطب يتراوح ما بين 60% إلى 75%. وعلى سبيل المثال، يذكر الأستاذ الدكتور رياض محمد صالح (أستاذ مادة النسائية في الجامعة المستنصرية) أنه قُبل في كلية الطب عام 1962 بمعدل 72%، وكان معدل آخر طالبة قُبلت في الكلية حينها 65%.

لم يكن هناك مئات أو آلاف الطلاب الذين يحصلون على معدل 100%، رغم جدية الدراسة والصرامة العالية التي تميز بها النظام التعليمي آنذاك. ومع هذه المعدلات البسيطة بالمقياس الرقمي الحالي، تخرج أرقى أطباء ومهندسي ومحامي وإداريي العراق الذين بنوا الدولة الناشئة وكانوا رواداً بحق.

فكيف بدأت الدرجات تتصاعد بشكل مفرط حتى أصبحت معدلات المئات أمراً عادياً؟

2. تسليع التعليم والتفاوت الطبقي (الدروس الخصوصية)

بعد الانتعاش الاقتصادي في السبعينيات وما بعدها، برزت بقوة ظاهرة التعليم الخصوصي وظهرت أسماء لمدرسين لامعين وتوسعت ظاهرة الملازم المجهزة. وتهافتت العوائل الميسورة والمتوسطة على هذه الدروس، مما أدى إلى ارتفاع أجورها بشكل مذهل.

أدى ذلك إلى حظر أو تقييد التدريس الخصوصي في العديد من الدول بناءً على دوافع تعليمية واجتماعية واقتصادية، أبرزها:

* تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص:

يتسبب التعليم الخصوصي في توسيع الفجوة الطبقية؛ حيث يمتلك أبناء الأسر الميسورة قدرة أكبر على "شراء" التفوق الأكاديمي، بينما يُحرم منه أبناء الأسر محدودة الدخل، فتبقى إمكانياتهم الذاتية محجوبة بسبب الفقر. إن التدريس الخصوصي لا يعكس القدرة الحقيقية للطالب، بل يعد مجرد عملية شراء للدرجة الأكاديمية.

* تخفيف العبء المالي على الأسرة: تشكل مصاريف الدروس الخصوصية نزيفاً استهلاكياً يرهق الميزانيات الأسرية، وتحاول الدول بحظره أو تنظيمه حماية القدرة الشرائية للمواطنين، فضلاً عن الحد من تقصير بعض المعلمين داخل الفصل الرسمي لدفع الطلاب نحو المجموعات الخاصة.

3. الاختلال الاقتصادي وغياب نظام التوجيه والضمان

انطلق السباق نحو الطب والصيدلة بسبب رغبة العوائل في ضمان مصدر سريع للثروة، في مقابل عدم استقرار الخدمات الطبية الحكومية.

وقد أدى هذا إلى ظاهرة يندر وجودها خارج العراق، وهي وجود أربعة أو خمسة أطباء أو صيدلانيين في عائلة واحدة! وذلك لأن تكلفة دراسة الطب في مختلف دول العالم تتجاوز 60,000 دولار للطالب الواحد كأجور دراسية فقط دون السكن والمستلزمات.

ومع غياب نظام ضمان صحي متطور، ازدهرت المستشفيات والمختبرات وعيادات الأشعة والعيادات الخاصة بشكل غير مسبوق.

بينما نجد في دول أخرى (مثل تركيا) أن العيادات الخاصة أمر نادر وتغلق مبكراً، ويكون دوام الأطباء الحكومي منظماً وتوفر الدولة أغلى الأدوية والفحوصات مجاناً للمرضى وفق نظام ضمان صحي شامل.

4. اختزال النجاح وقتل التنوع المعرفي (فلسفة القبول الجامعي)

إن من أخطر النتائج الاجتماعية لسباق المعدلات أن تتجه طموحات الطلبة وأسرهم بصورة شبه جماعية نحو عدد محدود من الاختصاصات (الطب والصيدلة)، وكأن النجاح لا تحقق إلا عبر أبوابها.

وهذا التوجه لا يضر بطلبة الطب فحسب، بل يضر بسائر الاختصاصات التي تحتاجها الدولة والمجتمع.

 فالمجتمعات الحديثة لا تنهض بالأطباء وحدهم، بل تحتاج كذلك إلى:

* المهندسين: بما يمتلكونه من قدرات تحليلية وتصميمية.

* القانونيين: بما يتطلب تخصصهم من ملكة استدلال وفهم للنصوص.

* الاقتصاديين وعلماء الاجتماع والمربين والباحثين: للنهوض بالعلوم الأساسية والإنسانية والآداب والفلسفة والتكنولوجيا والإدارة.

لذا، ينبغي ألا تنحصر وظيفة نظام القبول الجامعي في ترتيب الطلبة تنازلياً بحسب المعدلات، بل يجب أن تكون جزءاً من سياسة تربوية أوسع تشخص قدراتهم وتوجههم للاختصاصات التي يبدعون فيها.

5. خارطة الطريق للإصلاح (من سباق الدرجات إلى بناء القدرات)

إن الغاية الأساسية من التعليم ليست إنتاج أكبر عدد من أصحاب الدرجات المرتفعة، وإنما إعداد أفراد يمتلكون المعرفة والمهارة والقدرة على التفكير والإبداع. فالدرجة المرتفعة قد تفتح باب الجامعة، لكنها لا تكفي وحدها لصناعة الطبيب الكفء أو المهندس المبدع أو القانوني المتمكن.

يتطلب الإصلاح خطوات أساسية:

1. تطوير المناهج والتقويم: بدء الإصلاح من المدرسة عبر تقليل الاعتماد المفرط على الحفظ والتدريب النمطي، وتعزيز الفهم والتحليل واستقلالية التفكير واختبارات الذكاء.

2. تطوير الإرشاد التربوي والمهني: تقديم معلومات واقعية عن طبيعة الاختصاصات وفرص العمل، وإجراء اختبارات ملائمة للاستعدادات للقبول دون الإخلال بشفافية المفاضلة.

3. توفير فرص عادلة: الحد من تأثير القدرة المالية للأسرة في نتائج المنافسة، وإعطاء الاختصاصات العلمية والأدبية مكانتها المستحقة في خطط التنمية.

إن العراق الذي استطاع سابقاً رفد مؤسساته بكفاءات متميزة، قادر اليوم على مراجعة نظامه التعليمي وتصحيح الاختلالات لتطوير معايير عادلة وفعالة لاختيار الطلبة وإعدادهم.

الخلاصة

إن قضية معدلات الطب ليست مجرد مسألة أرقام، بل هي قضية عدالة اجتماعية وفلسفة تعليم وسياسة تنمية. إن الاعتماد المجرد على معيار الدرجة الرقمية ودون مراعاة المعايير القيمية والأخلاقية والميول الذاتية قد يقود إلى ممارسة مهنية لا تلتزم بالضوابط والتقاليد المهنية الرسمية والعرفية، فتتكاثر الشكاوى بشأن الإخلال بأخلاقيات المهنة وتتراجع رسالته الإنسانية.

إن المجتمع الذي يقيس النجاح بمعدل القبول وحده قد يخسر مواهب كثيرة في اختصاصات يحتاج إليها، بينما المجتمع الذي يكتشف قدرات أفراده ويوجهها توجيهًا سليمًا يكون أقدر على بناء مؤسساته وتحقيق تقدمه. فليس الهدف أن يدخل الطب كل من يطمح إليه، ولا أن يُحرم منه من يستحقه، وإنما أن تتاح الفرصة العادلة للطالب المؤهل، وأن يجد كل صاحب استعداد طريقه إلى الاختصاص الذي يستطيع أن يبدع فيه ويخدم مجتمعه من خلاله.

***

فارس حامد عبد الكريم

قضى الإنسان قروناً طويلة وهو يناضل من أجل امتلاك حرية الاختيار، معتبراً الانعتاق من ضيق البدائل وشحّها ذروة الانتصار البشري؛ غير أن المفارقة الصارخة التي يواجهها إنسان اليوم تكمن في أن هذا الفوز استحال قيداً من نوع آخر. نحن نعيش في عصر الوفرة المفرطة، حيث تتدفق المسارات اللانهائية في كل تفاصيل الوجود، من مئات التخصصات المهنية والمهارات الرقمية، إلى آلاف الكتب والمواد المعرفية المتاحة بلمسة زر. ولم تعد الأزمة المعاصرة كامنة في غياب الفرصة، بل في فيضانها الذي تحول من ميزة تحررية إلى زنزانة نفسية تؤرق العقل. إن هذا التدفق لم يمنح المرء السلام، بل ولّد داخله قلقاً مزمناً يُعرف في علم النفس بـ "الشلل التحليلي"، حيث يقضي الفرد وقتاً في تمحيص البدائل والمقارنة بينها أطول بكثير من الوقت الذي يقضيه في السعي الفعلي والاستفادة منها، مدفوعاً بخوف دائم من أن انتقاءه الحالي يعني تضييع فرصة أخرى قد تكون أكثر مثالية

ويتجلى هذا الفخ الفكري بوضوح في تحول الخيارات إلى عبء ذهني يستنزف طاقة القرار اليومية؛ فكثرة النوافذ المفتوحة ترفع سقف التوقعات بشكل غير واقعي، مما يجعل المرء عاجزاً عن الرضا بما استقر بين يديه. وحين يجد الشخص نفسه محاطاً باتجاهات لا حصر لها، يتسلل إليه وهم القدرة على نيل كل شيء، فيتنقل بين البدايات دون أن يبلغ أي نهاية، ويموت عطشاً على ضفاف بحر من المعرفة والفرص. وتكمن العلة هنا في غياب الفلترة الذهنية وتشتت البوصلة، حيث يظن العقل أن مراكمة الخيارات تزيد من قوته، في حين أنها تعمق شتاته وتورثه شعوراً خفياً بالتقصير؛ فالإنسان المعاصر بات يجلد ذاته باستمرار، لاعتقاده أن وجود آلاف الطرق الممهدة أمامه يعني أن تعثره هو خطأ شخصي محض، غافلاً عن أن طاقته البشرية وعمره يظلان محدودين مهما اتسعت شاشات العرض من حوله.

هذه المعضلة الوجودية تختصرها تجربة سارة (31 عاماً، مصممة جرافيك) التي تقول إنها أمضت ثلاث سنوات وهي تتنقل بين عشرات البرامج التدريبية والمهارات الجديدة في ذكاء الآلة، وفي كل مرة تبدأ مساراً، تتركه سريعاً لشعورها بأن هناك دليلاً آخر أفضل وأكثر ربحية. وتضيف سارة بصوت هادئ أن هذا السيل لم يطورها، بل جعلها تقف في مكانها غارقة في التشتت، واكتشفت أخيراً أن رغبتها في الإحاطة بكل شيء انتهت بها إلى ألا تتقن أي شيء، وأن المشكلة لم تكن في قلة الشغف، بل في عدم قدرتها على إغلاق الأبواب الأخرى والتركيز على وجهة واحدة .

إن مأساة سارة تؤكد أن النجاة الفكرية في عصر الوفرة لا تبدأ من الجري وراء المزيد، بل من تبني فلسفة "التنازل الذكي" والرضا بالخيار المتاح؛ فالوعي الإنساني الناضج يتطلب إدراكاً حتمياً بأن السير في طريق ما يتضمن بالضرورة التضحية بالاتجاهات الأخرى، وأن هذه التضحية هي الثمن الطبيعي للعمق والإنجاز. ويستلزم هذا النضج فرض ما يمكن تسميته بـ "الحجر الصحي للأفكار"، عبر تقليص البدائل عمداً والاكتفاء بمسار واحد يُعطى له كامل الوقت والجهد حتى يؤتي ثماره. وهو ما بدأت سارة في تطبيقه بالفعل حين قررت إغلاق كافة المنصات والتركيز على مهارة واحدة لستة أشهر كاملة، معترفة بأن التوقف عن البحث عن الخيار الأفضل حرر عقلها من قلق المقارنة، وأعاد لقدميها القدرة على السير بثبات فوق أرض الواقع بدلاً من التخبط في سراب العالم الافتراضي .

في نهاية المطاف، ليست الحرية في أن تملك خيارات لا تنتهي، بل في القدرة على التزام مسار محدد والمضي فيه حتى النهاية. إن الاستسلام لدوامة الوفرة هو انتحار فكري هادئ، يجعلنا نعيش على هامش الحياة دون أن نترك بصمة حقيقية في أي مجال. تذكر دائماً أن بحراً بعمق شبر واحد لن يصنع منك غواصاً مهما اتسعت مساحته؛ فافتح دفاتر طموحاتك الآن، واختزل تطلعاتك المشتتة إلى هدف متواضع يوافق قدراتك، واملك الشجاعة لإغلاق بقية النوافذ التي تملأ عقلك بالضجيج. إن العظمة الإنسانية لم تولد يوماً من التشتت في طرقات عديدة، بل من المشي طويلاً وبصبر في طريق واحد، فالإرادة الحقة ليست في أن تفتح كل الأبواب، بل في أن تملك الحكمة لتختار باباً واحداً وتلج منه.

***

بقلم صبيح الكعبي

ليست كل شخصية تتصدر المشهد الاجتماعي تحظى بالقبول والاحترام؛ فهناك فرق بين من يكتسب مكانته بمواقفه النبيلة وعطائه وخدمته للناس، وبين من يحاول فرض نفسه بالظهور والضجيج والتقرب من الآخرين، متوهماً أن ذلك يصنع مكانة لا يملك مقوماتها.

فالمكانة الاجتماعية لا تُنتزع بالإصرار على الظهور، بل تُبنى بالاحترام والثقة وحسن السيرة. والعمل الاجتماعي مسؤولية أخلاقية قبل أن يكون لقباً أو واجهة؛ إذ يتكون القبول عبر المواقف الصادقة والمبادرات النافعة والقدرة على جمع الناس، لا عبر السعي المحموم إلى الصدارة الذي قد يتحول إلى عبء على المجتمع.

ولا تقتصر المشكلة على من يفرض نفسه، بل تشمل من يحيطون به بالتصفيق والتأييد، حتى حين تكون مواقفه موضع اعتراض. فعندما يتقدم التملق على الصراحة، والمصلحة الشخصية على العامة، يصبح التصفيق بديلاً عن التقييم، وتضعف معايير المجتمع وتتراجع قيمة أصحاب الخبرة والعطاء.

ومع ذلك، لا ينبغي أن تكون قلة الشعبية أو الاختلاف في الرأي حكماً نهائياً على قيمة الإنسان؛ فالمعيار الحقيقي هو السلوك، ونوعية العمل، واحترام الآخرين، والقدرة على تقديم ما ينفع المجتمع. كما يجب أن يتناول النقد المواقف والتصرفات، لا أن يتحول إلى انتقاص أو تصفية حسابات.

إن مأساة بعض المجتمعات ليست في وجود من يبحث عن الأضواء، بل في وجود من يمنحه شرعية لا يصنعها العمل ولا تؤيدها المواقف. فحين يغيب الوعي، يصبح الضجيج حضوراً، والمجاملة شهادة استحقاق، وكثرة المصفقين دليلاً زائفاً على المكانة.

وفي النهاية، لا تُفرض المكانة ولا يُشترى الاحترام؛ فقد يفرض الإنسان حضوره مؤقتاً، لكنه لا يستطيع فرض احترامه إلى الأبد. والمجتمع لا يحتاج إلى مزيد من المتصدرين، بل إلى مخلصين يحملون همومه ويقدمون المصلحة العامة، فتلك هي المكانة التي تبقى حين تنطفئ الأضواء ويتوقف التصفيق.

***

خليل الحلي

رئيس تحرير صحيفة العهد - سدني

ليس بالأمر الهين أن تكتب مرثية في وداع مؤرخ.> ذلك أن المؤرخين هم الذين يكتبون عن الناس، ويوشك أن لا يكتب عنهم إلا عرَضًا. وإذا كتب عنهم، كتب عنهم كما يكتب عن الأثر، يوصف ولا يقرأ. وهكذا كان الشأن دائمًا، وهكذا سيبقى، إلا أن يأذن الله بأمر آخر.

غير أن أحمد زكريا الشلق الذي رحل عن ثمانية وسبعين عامًا في الرابع عشر من أكتوبر 2026 كان من الصنف الذي لا يستقيم معه هذا التصنيف. كان مؤرخًا، نعم. ولكن كان فوق ذلك صاحب مشروع معرفي متكامل، ومربيًا للأجيال، وذاكرة حية تمشي بيننا، يقرأ مصر في الريف كما يقرؤها في العاصمة، ويرى في المهمش ما لا يراه غيره في المتصدر.

وإذا رحل باحث من هذا الطراز، فإن الخسارة لا تقيم بما تركه من كتب فحسب، بل بما كان يحمله في صدره من ذاكرة حية لم تدون كلها ولن تدون. وهذه هي المصيبة التي لا يعرفها إلا من كان قريبًا من أمثال هؤلاء العلماء، أو من حاول أن يقرأ التاريخ بوصفه ذاكرة الأحياء والمهمشين، ومن لا يدخلون الكتب الرسمية إلا هامشًا.

وزكريا الشلق، في هذا السياق، أستاذ التاريخ في جامعة عين شمس، وعضو مجمع اللغة العربية. كان واحدًا من أولئك الذين فهموا أن التاريخ ذاكرة الأحياء والمهمشين، وليس سردًا للمعارك والملوك. وهذه حقيقة لو وعاها الناس، لتبدلت أحوالهم، ولكن الناس لا يوعون إلا بعد فوات الأوان.

لقاء عابر

التقيت الدكتور أحمد زكريا الشلق مرة واحدة في حياتي، ولم يكن بيننا موعد، ولم يكن اللقاء مرتبًا له. كنت في مكتب الدكتور أحمد بهي الدين، رئيس الهيئة العامة للكتاب، لشأن آخر. وجاء الدكتور الشلق بصفته رئيس تحرير سلسلة التاريخ، لمناقشة شئون السلسلة مع رئيس الهيئة.

كان اللقاء في ظاهره إداريًا: سلسلة، وميزانية، وخطة نشر، وأسماء مؤلفين. ولكن اللقاء تحول سريعًا، كما يحدث مع الرجال الكبار، إلى درس في التاريخ والذاكرة.

جلس الدكتور الشلق، ولم يتحدث عن نفسه كثيرًا. تحدث عن سلسلة التاريخ، وعن ضرورة أن يجد القارئ المصري كتابًا يفهم منه بلده، لا كتابًا يجامله أو يخدعه. ثم انصرف. وأنا جلست أستمع، وشعرت أنني لم أشهد مؤرخًا يطلب شيئًا، بل شهدت رجلًا يشرح لماذا لا يقرأ أحد.

وهذه التفصيلة الصغيرة، التي قد تبدو عابرة في أي سيرة ذاتية، هي التي تفسر كل شيء. فالإنسان الذي يقابل مؤرخًا في مكتب رئيس هيئة الكتاب، ولا يسمع منه طلبًا شخصيًا، بل سؤالًا عن القارئ، يختلف عن غيره الذي يقابل المسئولين ليقبضوا. الشلق كان من النوع الأول جاء بصفته رئيس تحرير سلسلة التاريخ، وخرج كما دخل، ولم يحمل معه إلا هم السلسلة وهم القارئ. رحمه الله، فقد كان من أنبل من عرفت.

التكوين والمنهج

وُلد أحمد زكريا الشلق في قرية كفر الحما، بمركز طنطا، عام 1948.

ونحن نعرف أن البدايات لا تفسر كل شيء، لكنها تكشف الكثير. فقد كان والده تاجرًا بسيطًا، يملك أقل من خمسة أفدنة، لكنه كان رجلًا متعلمًا، يحمل الشهادة الابتدائية، وعنده مكتبة غنية بالموسوعات ومؤلفات العقاد وطه حسين.

وهذه التفصيلة الصغيرة، هي التي تفسر كل شيء. فالإنسان الذي ينشأ في بيت فيه مكتبة، يختلف عن غيره الذي ينشأ في بيت فيه راديو. المكتبة تصنع مؤرخًا يقرأ النص في سياقه الاجتماعي والثقافي، ويفهم أن المعرفة ذاكرة تبنى وتنسج.

درس الدكتور أحمد زكريا الشلق في كلية الآداب بجامعة عين شمس، وتدرج في السلم الأكاديمي من معيد إلى أستاذ، ثم رئيسًا لقسم التاريخ، ثم وكيلًا للكلية. لكن هذه السيرة الرسمية لا تقول شيئًا.

ما يقول شيئًا هو أنه كتب عن حزب الأمة، وحزب الأحرار الدستوريين، والحركة الوطنية، والاستشراق، والإمبريالية، وطه حسين، ومصطفى عبد الرازق. وكتب عن الريف المصري في القرن الثامن عشر، وعن تطور الكتابة التاريخية نفسها.

وهذا النوع من التاريخ، الذي يكتب من أسفل، من زاوية المهمشين والمنسيين لا من منظور السلطة وحدها، هو ما كان يشغل الباحث. وفي هذا المنهج، نلمس وعيًا عميقًا بأهمية التاريخ الاجتماعي. فالمؤرخ الحقيقي، كما كان يفهم الشلق، ليس من يحفظ التواريخ ويرص الأحداث في جداول، إنما هو من يقرأ في الحكاية الشعبية نبض الوعي الجمعي، ويسمع في المهمش والمنسي ما لا تقوله الوثائق الرسمية. وهذه نظرة لو وعاها مؤرخو بلادنا، لتبدل تاريخنا كله.

قراءة في مشروع

في عام 2022، أصدر زكريا الشلق كتابه «من النهضة إلى الاستنارة في تاريخ الفكر المصري الحديث»، وهو جولة تمتد من الشيخ حسن العطار إلى أحمد فتحي زغلول، مرورًا برفاعة الطهطاوي ومحمد عبده وقاسم أمين وأحمد لطفي السيد. والكتاب محاولة جادة لفهم كيف تحول المصريون من رعايا إلى مواطنين، ومن مواطنين إلى ما هم عليه الآن.

لكن العنوان نفسه يحمل مفارقة قاتلة. «من النهضة إلى الاستنارة» وكأن الشلق كان يعرف أن هذا المسار سينكسر. والمؤرخون، بطبيعتهم، يعرفون النهايات. يدرسون سقوط الدول، وانقراض السلالات، وموت الأفكار. ثم يستمرون في الكتابة.

والشلق لم يكن استثناء. كتب وكأنه يبني جسرًا بين ماض لا يريد أن ينسى ومستقبل لا يريد أن يتكرر.

والأهم من ذلك أن الشلق لم يكتف بالتاريخ السياسي. كتب عن «الحداثة والإمبريالية: الغزو الفرنسي وإشكالية نهضة مصر»، وكتب «من الحوليات إلى التاريخ العلمي: نهضة الكتابة التاريخية في مصر»، وكتب عن «الاستشراق» و«الإمبريالية» بوصفهما إطارين معرفيين لا يمكن فصل التاريخ المصري عنهما. وهذا الوعي بالإمبريالية كبنية معرفية، لا مجرد حدث عسكري، هو ما يميز المؤرخ النقدي عن المؤرخ الوصفي. وهذه تفرقة لا يعرفها إلا من غاص في بحر التاريخ غوصًا.

الأحزاب والنخبة

في ديسمبر 1979، أصدر أحمد زكريا الشلق كتابه الأول عن «حزب الأمة ودوره في السياسة المصرية»، بعد سبع سنوات من الدراسة المتواصلة. ولم يكن الكتاب مجرد تأريخ لحزب سياسي، بل كان تشريحًا اجتماعيًا لطبقة الأعيان والمثقفين الذين ظنوا أنهم يستطيعون قيادة مصر إلى دولة مدنية.

ثم جاء كتابه الثاني عن «حزب الأحرار الدستوريين» (1982)، ليكمل هذا المشروع الذي بدأه في الماجستير. أنفق قرابة عشر سنوات من عمره متفرغًا لدراسة حزب الأمة أولًا، الذي أصبح تاليًا حزب الأحرار الدستوريين، وبينهما كانت تجربة الحزب الديمقراطي المصري.

والحقيقة التي تبلورت في هذه الأعمال الثلاثة هي أن النخبة المصرية، سواء كانت حزب الأمة أو الأحرار الدستوريين، ظلت تدور في حلقة مفرغة تريد الإصلاح دون الثورة، والاستقلال دون مواجهة الاحتلال، والحداثة دون مصادمة السلف.

وهذه المعادلة المستحيلة هي التي تفسر مأساة مصر كلها. حزب يريد كل شيء، ولا يريد أن يخسر شيئًا. والنتيجة للأسف الشديد معروفة؛ لا إصلاح، ولا استقلال، ولا حداثة.

وهنا يبدو الشلق، في كتاباته، صاحب قدرة على ربط الأحداث التاريخية بالواقع المعاصر، مما يجعل أعماله مرجعًا مهمًا للباحثين والمهتمين. وهذه قدرة لا يملكها إلا من أوتي بصيرة في التاريخ، وفهمًا في الاجتماع، وصدقًا في القول.

سؤال محرج

هنا نصل إلى السؤال المحرج الذي لا يريد أحد أن يجيب عليه هو لماذا يرحل مؤرخ بحجم أحمد زكريا الشلق في صمت، بينما يملأ موت لاعب كرة بهلوان أو فنان كل الشاشات والعناوين؟

الإجابة قاسية وواضحة لأن المؤرخ لا يعدك بشيء. البهلوان يعدك بمستقبل. والفنان يعدك بمتعة. أما المؤرخ فيذكرك بماضيك. وحين يرحل مؤرخ، يتراجع الماضي خطوة إلى الوراء. ولا أحد يريد أن يسمع هذا.

في مصر، حيث تطبع ملايين النسخ من كتب الطبخ والتنمية البشرية، ويترك كتاب عن حزب الأحرار الدستوريين ينتظر قارئًا واحدًا، يعيش المؤرخون في بلادنا مأساة خاصة؛ يكتبون لجمهور لا يقرأ. ثم يموتون، فيكتب عنهم صحفيون لم يقرأوا لهم كلمة. وهذه مأساة لو تأملها العقلاء، لكانت عبرة. ولكن العبرة لا تنفع من لا يعتبر.

ابتسامة مرة!

لكن الشلق لم يكن مؤرخًا نكدًا. كان يعرف السخرية. كان يتحدث عن مصر القديمة كأنه عاشها، وعن طه حسين كأنه قابله أمس. كان عنده دم خفيف، وكان يعرف أن يضحك على كل شيء، حتى على التاريخ نفسه.

وهذا النوع من المؤرخين، الذي يجمع بين صرامة الباحث وخفة ظل الصحفي، هو الأندر والأهم. لأن المؤرخ الذي لا يعرف أن يضحك، لا يعرف أن يكتب تاريخًا. التاريخ ليس نكدًا. التاريخ حكاية. والحكاية لابد أن يكون فيها ضحك، حتى لو كان الضحك مرًّا. والضحك المر، في تقديري، أصدق الضحكات وأعمقها.

في النهاية، كل ما نكتبه عن الراحلين في تقديري هو محاولة يائسة لالتقاط شيء لا يمكن التقاطه. نكتب لنواسي أنفسنا، لا لنرثي من رحل. الدكتور أحمد زكريا الشلق، الذي كتب عن التاريخ وكأنه يعرف نهايته، يعرف جيدًا أن رثاءه سيكتب بنفس الطريقة التي كتب بها هو عن الآخرين؛ بكلمات لا تفي، وبحزن لا يمحى.

تبقى الكتب، نعم. تبقى. لكن تبقى أيضًا أشياء أخرى لا تكتب في السير الذاتية وهي طريقة شرحه لطلابه، وحديثه عن التفاصيل الصغيرة التي لا تدخل في الكتب، وسخريته اللطيفة من كل شيء. ويبقى ذلك اللقاء العابر كان في مكتب الدكتور أحمد بهي الدين، رئيس الهيئة العامة للكتاب السابق، حيث كان الدكتور الشلق رئيسًا لتحرير سلسلة التاريخ، وحيث لم يكن اللقاء بين مسؤولين، بل بين رجلين يعرفان أن الكتابة عن التاريخ ليست وظيفة، بل مسئولية.

المؤرخون لا يرحلون. يبقون في الكتب، وفي عقول طلابهم، وفي الأسئلة التي طرحوها ولم يجب عليها. يبقون في ذلك السؤال المحرج الذي لا يريد أحد أن يجيب عليه: من سيقرأ التاريخ بعدنا؟

والجواب، في تقديري، أن التاريخ سيظل يكتب، وسيظل يقرأ، ولكن قراءه سيكونون قليلين، كما كانوا دائمًا. والمؤرخون سيكتبون، كما كتب الشلق، لا لأن الناس يقرأون، بل لأن الكتابة واجب، ولأن الحقيقة أمانة، ولأن التاريخ ذاكرة لا يجوز أن تموت. وهذه هي الرسالة التي حملها الدكتور أحمد زكريا الشلق، وستظل في كتبه وفي أعناق من جاء بعده، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

رحم الله الدكتور أحمد زكريا الشلق. وعزاءنا في كتبه، وفي طلابه، وفي كل من قرأ له حرفًا واحدًا.

***

عبد السلام فاروق

لقد فقدت السيطرة على إحساسي في تلك الليلة!.. لم أعرف ما هو التصرف السليم في أزمة لا تشبه غيرها.. أطير من السعادة، أم أستسلم للحزن بلا رجعة؟! أسمح لزغروطة من القلب أن تنطلق، أم أسكب دموعي دفعة واحدة؟!

لغبطة.. كما لو أن مشاعري ضربها الواقع في خلاط الحقيقة، وأصبحت أنا كتلة إنسانية من الفرحة والألم في الوقت ذاته!

إنه أمر حاسم عشته بكل جوارحي قبل أيام وألهمني بالسر الذي لطالما فتشت عنه في سبيل إنسانيتي.. سر الحياة بأسرها.

كان ذلك حين زينت الأنوار شارعنا من أوله لآخره، وتسابقت الخطوات لتهنئة شاب بزفافه السعيد على حب حياته، وسط أجواء مفعمة بالجمال والحب ولذة الانتصار، فهو عريس قاوم الظروف لتجهيز عش الزوجية بكل قرش في جيبه، وهي عروسة تتلخص أحلامها الوردية في زفة وفستان أبيض فحسب ويبدو أن أحلامها انتصرت بالفعل.

وحينما كان الكل يبارك لأهل العروسين بحرارة، كنت أبارك أيضًا من بلكونة بيتي وأترقب المشهد مثلهم تمامًا.

"عقبال عندكم يا أم نورا.."

مرت الأيام في احتفالات ما بين طبل وزمر، حتى جاءت الليلة الموعودة، أو كما نقول "الليلة الكبيرة".

موتوسيكلات تغزو المنطقة بحركاتها البهلوانية لتعلن قدوم العرسان أخيرًا، زحام عطل الحركة كلها، حتى إن الدوشة وقتها كادت تمزق طبلة أذني، ولكن لا بأس، المهم فرحة الإنسان بالإنسان في هذا العالم البائس.. وها قد حانت اللحظة المنتظرة.

منذ أن كنت صغيرة بضفائر الطفولة وأنا أتسلل على أطراف أصابعي لأخطف نظرة على زفة العرسان، فضول بريء من طفلة تحلم بيومها السعيد كذلك، أتأمل فستان العروسة وأتخيلني هي، فأشعر بما تشعر، بالكسوف أمام الجماهير العريضة ممن يتفحصونها من فوق لتحت وفي حالة ترصد لأي غلطة تافهة، وبرجفة يدها وهي تمسك بوكية الورد، وبعض التُقل على العريس حين يغازلها بعين الحب، وبصراحة، كانت جميلة بحق، خطفت أنظار الجميع واستحقت الغزل وذلك المهرجان في الشارع لأكثر من أسبوع قبل الفرح.

وفجأة.. اقتطع ذلك المشهد السينمائي صوت حاد ينبعث من مسجد على الجانب الآخر من شارعنا: "لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول.. انتقل إلى رحمة الله فلان الفلاني، وصلاة الجنازة بعد صلاة العشاء.."

تسمرت في مكاني من صدمة الخبر!

تبخرت الضحكة من على وجهي في الحال، وانقبض قلبي بعد أن كان يرقص على "اتفرج ع الحلاوة حلاوة".

صرت أردد في أعماق نفسي "لا حول ولا قوة إلا بالله.. دلوقتي!"، بعدما كان لساني يتغنى بفرحة ليلة ولا ألف ليلة وليلة!

الآن اتضحت الرؤية أمامكم.. أحدهم يدخل دنيا، والآخر خرج منها وإلى الأبد.

وفي لحظة واحدة ترى الشيء ونقيضه، ويتحول اللون الأبيض لأكثر من لون وأكثر من إحساس، لون النعيم تارة، ولون الوداع تارة أخرى.. ليتخبط الإنسان بين الحياة والعدم!

بين قماش كفن سادة، وقماش فستان من اللؤلؤ والدانتيل، وبين أهل تزف العرسان لبيتهم في الدنيا، وأهل تزف لدار الآخرة.. هكذا سارت الأمور في غمضة عين!

انقسم الشارع حينها إلى نصفين، نصف تغمره الأضواء، ونصف يغرق في الظلام ينتظر جثمان بارد لإلقاء النظرة الأخيرة عليه، وأنا أقف متجمدة الشعور بين هذا وذاك.

حائرة!

لا أعرف لأي نصف أنتمي في تلك اللحظات المصيرية.. لإنسان يحتفل بالبداية، أم لإنسان ترك الأرض بما فيها!

أدركت وقتها معنى الدنيا أكثر..

فهمت أن الإنسان في الأرض هو مجرد مراحل..

يفرح يوم، ويعصف به الوجع يوم، يقترب مرة، ويفارق مرات بعدها، وأن "دوام الحال من المحال" هي الحقيقة الثابتة لعالمنا هذا، أما الأصل في الدنيا هو التغيير ومن ثم الزوال.

نحن هنا لنمر بكل الأحوال في أي وقت وأي مكان، لنشعر بكل التقلبات الوجودية التي تصنعنا وتشكل إنسانيتنا بمرور الزمن والتجارب، فنختبر خلالها حقيقتنا ونصبح أكثر مرونة لأشكال الحياة مع كل صباح جديد.. إن كان صباح بنسمات الربيع الدافئ، أو صباح يرتعش من غياب الشمس.

فلم يُكتب علينا أن نسلك اتجاه واحد طوال الوقت، نحن نتخبط في الدنيا ما بين ولادة وموت، وعي وجهل، وبين بداية ونهاية، وربما البشرية بدون تلك التخبطات لن تنجح تجربتها الإنسانية أصلًا، لن نلمس حقيقة من نكون، ولن ندرك أوجه الخير والشر بداخلنا، فكيف هي الحياة إن كانت مسكرة على الدوام؟! ستجزع نفسك بعد فترة بلا شك، والعكس صحيح، فهل يُعقل أن تأكل مخلل كل يوم ولا تشتاق لحلاوة الشيكولاتة؟!

ربما الفكرة كلها في مواجهة اللحظة، الخبطة والصدمة الأولى، والسؤال الآن هو: كيف نستقبل صفعة الألم ونحن في أقصى درجات النشوة؟!

لعل الحل أن نسبح مع التيار، ونتسلح بالإيمان الكافي لتقبل كل الدوامات في بحر الدنيا، أن يصبح مبدأنا الأهم هو "المكتوب على الجبين لازم تشوفه العين"، فتهدأ سرعتنا مع المطبات، ونعود لننطلق من جديد حين يتسع الطريق، وحين نصطدم بالعتمة من بعد النور، نكررها بأنفاس واعية مطمئنة: "دنيا.."

"اللهم أبدله دارًا خيرًا من داره.. آمين.."

"ادخلي برجلك اليمين يا عروسة.."

هكذا هي الحياة.. وجهان لحقيقة واحدة.

***

بقلم: نورا حنفي - كاتبة مصرية

يقول احد الفلاسفة "لا تهدر توحّشك؛ فهو ثمين وضروري"! للوهلة الأولى تبدو كلمة التوحش قاسية، وربما تحمل معنى الفوضى أو العدوانية أو الخروج على المألوف، لكنها هنا تعني شيئًا مختلفًا تمامًا؛ إنها ذلك الجزء الفطري في الإنسان الذي لم تستطع الحياة أن تروّضه بالكامل، الجزء الذي مازال يحب المغامرة، ويطرح الأسئلة، ويجرب، ويخطئ ، ويقول الفيلسوف الروسي أنطون تشيخوف لاتهدر حواسك الخمس، ينبهنا إلى حقيقة إنسانية دقيقة حين يبخل شخصٌ بإحساس واحد تجاهك "بالتعاطف أو الإصغاء، أو الفهم" فإنه يقطع أي جسر للتواصل الحقيقي والصحي بينكما قيمة العلاقة لا تُقاس بما نبذله نحن، بل بقدرة الآخر على استقبال هذا العطاء. فالحسّ الذي لا يجد صدى يتحول إلى استنزاف، والاهتمام الذي لا يُقابله اهتمام مقابل يذبل

هذه العبارة العميقة تحمل في طياتها دعوة قوية لـ الحفاظ على الأصالة والغرائز الفطرية التي تميز الإنسان قبل أن تشكله قيود المجتمع وقوانينه صارمة الجفاف، ، على شخص لم يستخدم إحساس واحد ليشعر بك ." - كأنه وُجه إلى فراغ. تشيخوف يذكّرنا بأن الإحساس المتبادل هو ما يمنح الروابط معناها، وأن الكرامة الوجدانية تقتضي ألّا نهدر طاقتنا الوجودية على من يعيش مغلقاً على ذاته، لا يرى ولا يسمع ولا يشعر. إنها دعوة للحفاظ على نقاء مشاعرنا: أن نوجّهها لمن يستحق، ولمن يملك القدرة والشجاعة ليشعر بنا حق ، نقضي جزءًا كبيرًا من حياتنا في عملية "ترويض" مستمرة، ندخل المدرسة، فنتعلم متى نتحدث ومتى نصمت، ثم نتعلم في الجامعة كيف نفكر ضمن تخصص محدد، ثم نُدجن بالأنظمة والإجراءات والتسلسل الإداري حين نتوظف، دون أن نغفل الالتزامات الاجتماعية والمهنية والعائلية، حتى يصبح لكل شيء تقريبًا موعدٌ ونظام وتوقع مسبق

الطفل يستطيع أن يقضي نصف ساعة يتأمل حشرة صغيرة تمشي على الأرض، أو يسأل عشرة أسئلة متتالية عن شيء نراه نحن عاديًا، ليس لأنه يريد أن يعرف فقط، بل لأنه لم يفقد بعد قدرته على الدهشة، ومع تقدمنا في العمر، نعرف أشياء أكثر، لكننا -ويا للمفارقة - نندهش أقل! وهنا ربما تكمن إحدى خسائر النضج التي لا نتحدث عنها أننا لا نفقد طفولتنا فقط، بل نفقد تدريجيًا شيئًا من فضولنا، ولهذا أعتقد أن الإنسان يحتاج من حين إلى آخر إلى أن يستعيد شيئًا من توحشه، أجمل المسارات المهنية ليست دائمًا مستقيمة، والأمر نفسه يحدث في الإبداع، فالكاتب الذي يكتب دائمًا بالطريقة نفسها سيتحول يومًا إلى نسخة من نفسه،، ليس تمردًا عل حتى في المسار المهني، نحتاج إلى شيء من هذا التوحش، كثيرون يرسمون حياتهم كما لو كانت خطًا مستقيمًا، شهادة، ثم وظيفة في التخصص نفسه، ثم ترقية، ثم منصب أعلى، وهكذا حتى التقاعد، لكن أجمل المسارات المهنية ليست دائمًا مستقيمة، والأمر نفسه يحدث في الإبداع، فالكاتب الذي يكتب دائمًا بالطريقة نفسها سيتحول يومًا إلى نسخة من نفسه

أمضى البريطاني "جاي غريفيث" سنوات يتنقل بين بقاع العالم، باحثًا عن "البرية"؛ ليس في الغابات والجبال والأنهار، بل في داخل الإنسان نفسه، وتناول ذلك في كتابه "البرية: رحلة أساسية"، الذي وجدت فيه أفكارًا تستحق التأمل ; لا أعتقد أن المطلوب أن نهرب من المدن إلى الغابات، ولا أن نترك أعمالنا ونعيش حياة فوضوية، الفكرة أبسط من ذلك: أن نبني حياتنا دون أن نراكم حول أرواحنا جدارًا، أن نكبر دون أن نشيخ من الداخل، أن ننضج دون أن نفقد دهشتنا

***

نهاد الحديثي

لا شك ان الإنسان هو مزيج من حكمة العقل، ومشاعر العاطفة، في رحلة سلوكه اليومي، فهو ليس عقلاً خالصا فقط، يمضي به في دروب الحياة، بحسابات المنطق، وحده، ولا هو مجرد عاطفة منفلتة، تسوقه كيفما تشاء.

وهكذا يظل العقل، نافذة الإنسان إلى التأمل، والتبصر، ووسيلته في قراءة الوقائع، واتخاذ القرارات الصائبة بصددها، بعيدا عن ضجيج الانفعال.

أما العاطفة، فهي حرارة نبض الوجدان، ومن خلالها تأخذ حياة الإنسان ألوانها الإنسانية، وتغدو العلاقات أكثر دفئاً، ونبضا بمشاعر المحبة، والتعاطف.

ومن هنا فإن الحكمة، لا تكمن في انحيازه المطلق، إلى جانب العقل، على حساب العاطفة، ولا في إطلاق العنان لمشاعره، وعواطفه، دون ضوابط، وإنما تتطلب حقيقة السلوك الرشيد، إقامة توازن واع بينهما، يجعل منه إنسانا رصينا، وفاضلا.

وهكذا فالإنسان الناضج، يعرف متى يصغي إلى مشاعره، ومتى يمنح عقله، فرصة مراجعة ما تمليه عليه تداعيات انفعالات اللحظة، من المعالجات الرشيدة.

وفي خضم حركة حياة متسارعة، حيث تتزاحم تداعيات المؤثرات، وتتعدد مصادر القلق، يصبح تدبر العقل، عندئذ، ضرورة لا مناص منها، كما يصبح حفظ العاطفة من التبلد، واجباً إنسانياً.

ولذلك فإن قوة بصيرة الإنسان، تتجسد في ان يمتلك من الحكمة الرصينة، ما يجعل العقل بصيراً، والعاطفة مهذبة، والضمير حاضراً في كل موقف. فبالعقل يتدبر الحكمة الرصينة، وبالعاطفة يستشعر المعنى، وبالتوفيق بينهما، يحقق التوازن المطلوب في الحياة.

***

نايف عبوش

نجيد النظر إلى الواقع وتشخيص أمراضه، ونعجز عن الإتيان بنظرية تساهم بضبط آليات تغييره . ولا نعرف كيف نستحضر أدوات التغيير، والمسافة شاسعة في مجتمعاتنا بين النظرية والتطبيق.

ثوراتنا ثؤراتنا، وإنقلاباتنا وسائل تدمير لحاضرنا ومستقبلنا، وكل مَن يتصدر المشهد الكرسوي يحسب البلاد بما فيها وعليها ملكه الشخصي وغنيمته التي عليه أن يحارب بشراسة كل مَن ينافسه عليها.

أحزابنا ماكنة إصدار شعارات فارغة ما تحقق منها إلا ما يناهضها، فقتلُنا بما نريد سلوك مضت عليه الأجيال وتجيده القوى الطامعة بوجودنا.

هل لديكم هذف أو مشروع أردناه ولم يكن من أهم أسباب قتلنا وتدمير مسيرتنا؟

لا أستطيع إستحضار هدف أعلناه وأنجزناه، وما نحَرَنا ونحرناه!!

الوحدة هدف تسبب بفرقتنا وتناحرنا وتصارعنا، وما عرفنا بموجبه أي تقارب أو تكامل على جميع المستويات، وهو الذي شجعنا على النيل من بعضنا.

ما مضى ينهار وما أتى يُثار ويمضي نحو الإنهيار، فلماذا نتشبث بالماضيات ونغفل حاضرا متحمسا للآتيات؟

الأرض تدور ولا تبقي حالا على حال، فالدوران يساهم يإعداد قفزات مستقبلية ذات مؤثرات تفاعلية بتراكم متناقضاتها وتداخل إتجاهاتها، وما حصل من تراكم علمي عبر العصور تسبب بإنفجارات إبداعية لا تخطر على بال، وذلك أن التراكم العلمي تحقق التعامل معه بعقل علمي إستوجب المراجعة والتقييم الموضوعي مما أدى إلى ولادات متميزة.

ماضوياتٌ أبادتْ مُبتغانا

وعقولٌ ما أعانتْ مُرْتقانا

جَمْعُ أهدافٍ أجارتْ مُسْتحيلا

وتوارتْ بضَياعٍ إحْتوانا

نظرياتٌ تهاوتْ دونَ آلٍ

فغدى التغييرُ من صُنعِ عِدانا

***

د. صادق السامرائي

مثلب: عيب والجمع مثالب اي عيوب

"عندما يتضور الناس جوعا تنتهي شرعية الملك" حكمة سومرية

هذه بعض الملاحظات عن الاقتصاد في بلدنا، بالمقارنة مع بلدان اخرى معاصرة:

اولا: التسويق

دول العالم المعاصرة فيها اليات لتسويق المحاصيل الزراعية وانواع الطعام الاخرى، ولا تتوفر في مجتمعاتنا شبكات تسويق للمنتوجات الزراعية، مما يتسبب بخيبات امل لدى الفلاحين، فما قيمة ان يزرع الفلاح وتبور محاصيله لعدم توفر القدرة على ايصالها للمستهلك.

ثانيا: الدعم الحكومي السائب

الدعم الحكومي بانواعه يكون سائبا ومجردا من الشروط التي تستوجبه، بينما المفروض ان يقرن بهدف واضح، كان تكون الانتاجية بكذا كمية او نوعية، وغيرها من الشروط التحفيزية اللازمة لتطوير الواقع الانتاجي.

فالحكومات المتعاقبة تمنح قروضا ومساعدات لقطاعات متنوعة، وتكون بلا شروط او متطلبات على المستفيد منها ان يؤديها، فمثلا من المفروض ان تمنح قروضا لمشروع ما بشرط ان تكون انتاجيته كذا وكذا، او ان يكون المشروع المطلوب انجازه بمواصفات واضحة وملزمة، ان لم يتطابق العمل معها يتم ابطال الدعم او القرض.

الدول تقدمت بدعم مشروط للقطاع الخاص، والمثال المعاصر كوريا الجنوبية.

ثالثا: الشركات الزراعية

يجب ان يتبدل مفهوم الزراعة من الفلاحة الى الشركة الزراعية، اي ان المزارع يجب ان يتمكن برفد السوق بانواع المواد الغذائية من المحاصيل الزراعية الى اللحوم ومنتوجات الالبان، وان يحصل على دعم وتشجيع حكومي لكي يتحقق الامن الغذائي.

رابعا: قانون النفط

النفط ثروة سائبة ومعظم عائداته يتم حرقها في نشاطات تدميرية وفي مقدمتها الحروب والتفاعلات السلبية البينية والداخلية، وقد اسهم النفط بتعطيل قدرات الابداع والاهتمام بالزراعة والصناعة، وغيرها من النشاطات اللازمة لاقتصاد متعافي.

فلابد من قانون وطني يحافظ على الثروة النفطية ويستثمر عائداتها لخدمة المواطنين، ويكون سدا منيعا امام عبث الفاسدين والاغتنام الجائر من قبل ذوي العاهات الرغبوية.

خامسا: المشاريع السكنية

لا زلنا نتعامل بعقلية توزيع قطع الاراضي، ولا نمتلك او نطور شركات البناء والاعمار ودعمها بانشاء المشاريع السكنية المعاصرة التي توفر للمواطن سكن لائق.

ان اساليب توزيع قطع الاراضي يتسبب باضرار اقتصادية واستنزاف للقدرات الخدمية، بينما المشاريع السكنية المعاصرة تساهم في التنمية والعطاء المثمر.

سادسا: عدم دعم المهندسين

المهندس المدني والزراعي بحاجة لدعم حكومي مشروط للانطلاق بالمشاريع العمرانية والزراعية، فما اكثر المهندسين الزراعيين وضعف الزراعة في بلادنا، المفروض ان ينطلقوا بمشاريعهم القابلة للنمو والتوسع والازدهار، لتوفير الطعام للاجيال.

سابعا: الامية المائية

الحفاظ على الثروة المائية نشاط اقتصادي مهم، ولا نزال نتشكى وما نجد ونجتهد في تنمية الثروة المائية، ولا نستفيد من ماء المطر، ولا يخطر على بالنا مشاريع تخزينه، وانشاء البحيرات الاصطناعية التي يغذيها المطر.

وكم تذمرنا واستغثنا من شدة النوبات المطرية التي تتسبب بالفيضانات.

وهناك العديد من المثالب الاخرى التي على المختصين التصدي لها بعلمية، وثقة بالقدرة على ابتكار الحلول الناجعة لبناء اقتصاد معاصرمكين.

مَثالبُنا تَنامَتْ في رُبانا

تُعوِّقُنا فيَسْبِقُنا سِوانا

بافكارٍ مُعتَّقةٍ بخُسرٍ

نكرّرُ فعلةً خَذلتْ رؤانا

كانّا من عُصورٍ داجياتٍ

مُحَنْدسَةٍ ببُهْتانٍ عَلانا

***

د. صادق السامرائي

 

استهوته شوارع القدس العتيقة فانطلق جائبا اياها ومطوفا فيها طاويا ايام طفولته، صباه ويفاعته، وعندما أصلب عوده الشعرى راح يتغنى بتلك الشوارع، معرجا على ما تفرع عنها من أزقة وإدراج عالية، مقاما وقدرا، وبما أنه اعتبر نفسه جوابا لآفاق مدينته الحبيبة/ القدس، فقد اتخذ له صفة عربية أصيلة وضاربة في أعماق الصحراء العربية، ومنها الجاهلي التليد، تلك الصفة كانت صعلوك القدس، وسوف ترافقه هذه طوال أيام حياته، حتى يوم رحيله الاسي الحزين الاثنين الثالث عشر من تشرين الاول من العام الماضي ٢٠٢٥.. يومه الأخير بيننا ومعنا.

هذا هو الشاعر فوزي البكري، ابو إسلام، المولود في بيت المقدس عام ١٩٤٦ لعائلة مقدسية معروفة بثقافتها وميولها الإنسانية البارزة، وقد يكفي في هذا السياق أن نشير إلى أن والده هو المناضل الفلسطيني الشيخ المرحوم ياسين البكري، إمام المسجد الأقصى، في فترة سابقة بالطبع، وان والده هذا هو من تولى تثقيفه.. وأن شاعرنا تولَّى، بعد أن اشتد عوده الأدبي، امر تثقيف نفسه بنفسه. عمل الشاعر الراحل في التدريس بضع سنوات، ثم عمل صحفياً ومحرراً في عدد من الصحف الصادرة في مدينته الحبيبة. بعدها عمل محرراً ومدقِّقاَ للمطبوعات في جمعية الدراسات العربية. وتذكر سيرته الذاتية المدونة.. التي يعرفها البعض جيدا، أن ديوانه الشعري الأول "صعلوك من القدس القديمة"، صدر في أواسط الثمانينيات عن مؤسسة دار الصوت في الناصر، وان جمعية الدراسات العربية المقدسية أصدرت له عام 1987 كراسة شعرية ضمت ثلاثا من قصائده المكرسة للقدس بعنوان "شدِّي حيلك يا بلد". أما ديوانه الشعري "قناديل على السور الحزين"، فقد صدر في القدس عام 1997.

هذه الحياة الثرية الغنية بكل ما هو وطني، شعري وانساني، جعلت منه علما ومعلما، وما زال كاتب هذه السطور يتذكر جيدا، اهتمام أصدقائه من طلائع الحركة الوطنية الفلسطينية، بهذا الشاعر، ودأبها على دعوته ليصدح بأعمق ما يمكن أن يصدح به انسان شاعر، من شعر في محبة القدس والوطن عامة، بل إنه ما زال يتذكر أولئك الشعراء الوطنيين المخلصين لقضيتهم وانتمائهم النضالي الإنساني الشامل، مثل الشاعرين الوطنيين المفلقين، الأخوين راشد حسين صاحب المجموعة الشعرية الشهيرة صواريخ، وأحمد حسين، صاحب قصيدة الزناطم المنتشرة الشهيرة، وصاحب الملحمة الشعرية "عناة" الفريدة والمميزة في أدبنا العربي الفلسطيني، وعناة لمن لا يعرف، هو اسم الآلهة الكنعانية القديمة، عريقة الوجود والذكر في التاريخ القديم لهذه البلاد. ولعل كاتب هذه السطور لا يبتعد كثيرا عن سياقه الكتابي، عندما يتذكر أمرين أحدهما يتعلق بالآخرين، والآخر يتعلق به شخصيا، فيقول إنه ما زال يتذكر تلك الابتسامة التي أطلقها صديقه الكاتب عفيف صلاح سالم، طابت ذكراه، عندما ذكر أمامه الشاعر فوزي البكري، فابتسم عفيف وهو يقول.. اعرفه انه صعلوك القدس، مضيفا أن علاقة صعلوكية، والتعبير لعفيف، ربطت ما بين الاثنين عفيف الكاتب وفوزي الشاعر، أما فيما يتعلق بكاتب هذه السطور شخصيا، فإنه يعود إلى أكثر من أربعين سنة، يوم دعي الشاعر فوزي البكري إلى أمسية أدبية شعرية في الناصرة، يشارك فيها عمليا وانشاديا جنبا إلى جنب مع عدد من الشعراء، مثل الشاعرين المرحومين جمال قعوار وميشيل حداد، وهو ما زال يتذكر أن شاعرنا، ما ان سمع كلامه عن الشعر والشاعر العراقي الثوري مظفر النواب تحديدا، حتى قال له تعال لنمضي متصعلكين في شوارع مدينتك الناصرة، وقد جبنا نحن الاثنين في تلكم اللحظات، أزقة الناصرة البلدة القديمة وادراجها، وما زالت اتذكر ما قاله لي مرافقي الشاعر المقدسي الزائر، وهو أن بلدتكم تشبه مدينتي تمام الشبه.. الوطن واحد والهم واحد  . بعدها فيما اتذكر اقتصرت لقاءاتي به على عدد قليل جدا، لا يتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة، اذا حدث وحصل، الا بالقليل. ويهمني أن أشير هنا إلى أن تلك اللقاءات على قلتها، كانت كفيلة بأن تمكن أحدنا من معرفة الآخر في العمق وفي الصميم، والان وانا اتخيل تلك اللقاءات مستعيدا تفاصيلها ودقائقها الصغيرة الدالة، أتأكد مما وقر في الذهن ووعته بالتالي الذاكرة، وهو أن الهموم الوطنية الشعرية المشتركة، التي جمعت كلا منا بالآخر، كانت من الوضوح بموقع يمكنها من ربط القلب بالقلب والعقل بالعقل.. والشعر بالشعر أيضا.

يهمني أن أشير في هذه المناسبة المفجعة في الذكرى الأولى لرحيل شاعرنا الاثير، إلى أنه كان نجما متألقا في سماء الحركة الوطنية الفلسطينية، وأنه شكل مع زملائه الشعراء المشابهين امثال الإخوة حسين المنوه إليهما انفا، اقنوما شعريا وطنيا، لا يمكن للذاكرة الوطنية أن تنساه، مهما مضى من زمن وتعاقب من عقود، مع هذا التألق يمكننا التنويه إلى أن فوزي البكري وزملاءه المذكورين اقتنعوا و ارتضوا بالأهمية الإبداعية الأدبية، وعزفوا عن الشهرة، وربما يدفعنا هذا لأن نلمح  إلى أن هذه القلة من الشعراء انشغلت بالقصيدة ذاتها ولم تعمل على تسويقها المجاني، مصرة على أنها تريد أن يكون إنتاجها الأدبي الشعري الإبداعي، هو رسولها وليس العكس، كما يحدث لدى السواد الأعظم من ناشدي الشهرة في فترتنا الجارية تحديدا وفي الفترات السابقة تفصيلا. 

بهذا المعنى اخلص شعراؤنا الوطنيون، وفوزي البكري واحد من المعهم، كل الاخلاص لقضيتهم الوطنية، إنسانيا وشعريا ابداعيا ايضا، ايما اخلاص، فآثروا الأهمية في القول على الشهرة في الفعل، مصرين على أن النار نوعان أحدهما ينشب في الهشيم وهو سرعان ما يشتعل لكنه سرعان ما ينطفئ، والآخر هو نار الفحم الحجري الذي يحتاج إلى وقت مديد حتى يشتعل، بالضبط كما يحتاج إلى وقت طويل حتى ينطفئ ويخبو اواره. ما أود قوله هنا هو أن الشعراء الحقيقيين وفوزي البكري واحد منهم، إنما يختارون أن بتشابهوا مع النوع الناري الحجري.. وان ما يغريهم ويثيرهم.. إنما هو الأهمية وليس الشهرة المجانية الرخيصة والعابرة.

***

ناجي ظاهر

التجارب الحياتية والعيش في المجتمع تؤكد أن الثقة هي أساس النجاح، ليس مجرد شعور، بل هو إيمان عميق بالقدرات والقيم. إنها القوة الدافعة التي تدفع نحو الطموحات، سواء كانت تقدما مهنيا، أو مشروع تجاري جديد، أو تحول شخص، بدون ذلك، يكون طريق الإنجاز شاقا ومرعبا. لكن بثقة لا تتزعزع، تفتح الأبواب إلى الإنجازات الاستثنائية على مصراعيها. كثيراً ما تكون مشكلات الثقة هي العقبة الأولى أمام التواصل والحميمية وبناء العلاقات الوطيدة بالآخرين ومن اهم الأولويات لنظام الحكم ان يلبي احتياجات المواطنين ودمج مشاركة المواطنين في عملية وضع السياسات وعندما تواجه مشكلات الثقة في علاقة ما لا يمكنك الشعور بالحرية والأمان من المقابل يدعوك للحيطة، ويعني أنك قد تعرضت للأذى فيجب الحذر، لان الجهاز النفسي الدفاعي يمنعك من الثقة في الآخرين، على اعتبار أن الحذر سيحميك من التعرض للخيانة أو الإذلال أو الاستغلال أو التلاعب. ان بين أزمة الثقة وتعزيزها هناك مساحة فاعلة للحوار، بالحساسية المفرطة لهذه المفردة “الثقة” كيف بها اذا كانت تصاعدية وإذا انفجرت لا يمكن حصرها بسهولة، في صفاتها وبائية ومعدية ومزمنة في الأغلب، وهي كارثة أخطارها محيقة بأي مجتمع أو مؤسسة أو بيت، فهي تسد أفق المستقبل وتشوه الحقائق وتبدل المسارات وتقزم الأهداف وتشتت الجهود وتضعف القوة بأي مستوى تصيبه وهي التي تستدعي النظر في شأنها، لأهميتها الموضوعية في أي علاقة قائمة بين طرفين، فالمكسب والخسارة في مختلف هذه العلاقات القائمة بين مختلف الأفراد والمؤسسات، تعلي من نتائج مكاسبها الثقة، وتضاعف من خسارتها الثقة، وبالتالي فمتى تعززت هذه الـ “ثقة” بين أي طرفين كتب لمشاريعهم المشتركة النجاح، والتقدم، وتحقيق الطموحات والآمال، وأهم ما في هذه العلاقات كلها، هي تلك الثقة القائمة بين الشعوب وحكوماتها، وتأتي هذه الأهمية في هذا الموضع بالذات لأنها متعلقة بمشاريع مهمة، ومصيرية، في حياة كل فرد يستوطن محددا جغرافيا ما، وهو الوطن وتبادل الثقة …تعني انتصار القيم والمبادئ، المواطن العراقي اليوم يواجه غياب الثقة في المنظومة الحاكمة، وتزداد عندما لم تقدم الحكومات المتعاقبة خدمات تلبي احتياجات المواطنين اولاً. ولم تُبنى الثقة في القيم عندما تُظهر عدم النزاهة والانفتاح ولم تمارس السلطة مسؤولياتها من أجل المصلحة العامة ثانياً، هناك أزمة ثقة بين المواطنين من جانب، وكافة المؤسسات المدنية التنفيذية والتشريعية ، وغيرها من المؤسسات من جهة أخرى ، وخلال السنوات التي تلت 2003 وسقوط حكومة البعث شهدت تراجعاً اكثر من السابق في الثقة و تلعب الأحداث الجسيمة والمحورية كالارهاب والطائفية والأزمات دورا محوريا في زعزعت الثقة والازمات، في الوطن، حيث ضربت بشدة وبقوة في صميم الإرادة الوطنية، وتنمو وتورق وتؤرق وتقلق وتبتز وتهدد الجميع بخبث وتعمل على تآكل الثقة وتدمير النسيج الاجتماعي والسياسي، وتفقد المواطنين إيمانهم بوجودهم الفعال وترمي بالجميع، دون استثناء، في عمق الأسى، وتفقد هم مكانتهم وتوجهاتهم، وتفقدهم أيضاً ثقتهم بالحكومات وصانعي القرار وبالجموع، وتتعاظم أزمة الثقة حتى تطل من كل واجهة معلنة الغياب على جميع الأصعدة، ومشعلة نيران شك عميق بالهدف والحياة وكيف تكون ازمة الثقة بسيطة ويمكن عبورها اذا كان أكبرها في الحكومة والسلطة التشريعية والقضائية ، وحتى في الهيئات والمؤسسات المفروض أن تمثل المواطنين كالأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني ،استعادة الثقة بين المواطنين والحكومة ليست ضرورية فقط انما مهمة ، بعد تجربة شاقة نتيجة لتراكم الاخطاء والاجراءات التي أدت الى تراجعها عبر فترة طويلة من السياسات الغير ممنهجة و حتمية لتمكين الثانية من تنفيذ برامجها وتتطلب الارادة وخططها المختلفة ، تعتمد طرق مبدئية تشمل تعزيز قدرة الحكومة وأجهزتها المختلفة على الاستجابة لحاجات الناس وتجويد تقديم الخدمات للمواطنين بأفضل السبل ، ولكافة الفئات الاجتماعية والمناطق الجغرافية وخاصة الفئات أو المناطق التي تأثرت سلباً أكثر من غيرها في الفترة الزمنية الماضية نتيجة للمنهجيات التي لم تأخذ هذه المسألة بعين الاعتبار.

الثقة هي أحد المفاهيم المهمة في ظل ما تشهده الدولة من أزمات واتساع فجوة الثقة السياسية بينها وبين المواطنين، فضلاً عن إتساع دوائر عدم الثقة بين أفراد المجتمع وتعزيزها تفرزها مجموعة من السلوكيات، والممارسات المتبادلة بين مختلف الأطراف، ولا تحتمل أية مساومات من شأنها أن تناقض ما في كل هذه الممارسات والسلوكيات، وبالتالي فأي إخلال في هذا التعاقد بين مختلف الأطراف، من شأنه أن يحدث ثلمة في منظومة النظام وبالتالي يؤدي بلا أدنى شك، إلى زعزعة هذه الثقة، وبالتالي من يمنح الثقة هو من ينتصر إلى المبادئ والقيم، وليس غيره

***

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

النفاق: إطهار المرء خِلاف ما يُبطن

والنفاق آلية دفاعية بمارسها البشر من أجل البقاء، وتفرضها الظروف التي لا قدرة له على تغييرها، أو تطويعها لإرادته.

وكلما كانت البيئة قاسية وشديدة الطغيان، كلما تنامى سلوك النفاق وتطور.

ولا يوجد مجتمع في الدنيا تولته يد من حديد لم تستولده نفاقا مستشريا، فما حيلة الضعيف لكي يبقى في الحياة، غير أن يبدو على عكس ما يُبطن.

وتدفع للنفاق المصلحة والخوف وضعف الشخصية والإنتهازية ويتسبب بتدمير الثقة ونشر الفساد وضعف العدالة، وتفكيك العلاقات وإفساد الوعي العام.

ومن وجهة نظر سلوكية، لا يمكن وصم أي مجتمع بالنفاق، لأنه ظاهرة بشرية عامة، تفرضها الظروف الموضوعية والذاتية، وما أكثر المنافقين في أي مجتمع مهما كان متطورا.

فعندما تعبر القوة عن نفسها فستفرز حالات سلوكية متنوعة، مرهونة بخيط البقاء الذي يوفر لها أسباب العيش في النار دون أن تحترق.

ومن الآيات:

"إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم"

" يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون"

ومن الأحاديث النبوية:

"آية المنافق ثلاث، إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان"

ومن الأقوال في النفاق:

"النفاق أن ترتدي ثوب الفضيلة وقلبك لا يعرف منها شيئا"

"المنافق لا يملك وجها واحدا بل وجها لكل مصلحة"

"النفاق تجارة مربحة في المجتمعات التي تشتري الكلام ولا تفحص الأفعال".

ومن الأمثال الشائعة:

"بالوجه مراية وبالكفه سلاية"

والمنافق يقول ما لا يفعل ويظهر الود ويخفي الغدر، بحضورك يمدح وبغيابك يقدح، يأكل مع الذئب ويبكي مع الراعي.

وكلها طباع بشرية عامة لا تخص مجتمعا بعينه، بل تمليها الظروف السائدة في أي مجتمع.

إذا قسَتِ الظروفُ نمى النفاقُ

ليردَعَها فيستُرُها الوفاقُ

تعددتِ الوجوهُ في أرضِ جَورٍ

وأوْجَبَها لها فِعلٌ يُطاقُ

ومَن شَرِبَ الوَجيعَ بها لهيباً

أتاهُ الخوفُ والقولُ الصَداقُ

***

د. صادق السامرائي

إن بناء المجتمعات المتقدمة لا يبدأ من المؤسسات وحدها، ولا يتحقق بالتطور المادي والتكنولوجي فحسب، بل يبدأ من الإنسان، من فكره ووعيه وقيمه، ومن الأسرة التي تشكّل اللبنة الأولى في بناء المجتمع. وفي قلب هذه الأسرة تقف المرأة الواعية بدورها العظيم، بما تمتلكه من فكر وثقافة وحكمة، وبما تؤديه من مسؤولية في تربية الأجيال وصناعة العقول وغرس المبادئ التي تقوم عليها المجتمعات المستقرة والمتقدمة.

فالمرأة ليست مجرد أم ترعى أبناءها، أو زوجة تدير شؤون أسرتها، بل هي شريكة في بناء الإنسان وتشكيل وعيه، وصاحبة أثر عميق في تكوين شخصيته وتوجيه سلوكه. فمن وعيها تنطلق كثير من المفاهيم التي يتعلمها الأبناء في سنواتهم الأولى، ومن أسلوبها في التربية والحوار تنشأ لديهم القدرة على التمييز بين الصواب والخطأ، واحترام الآخرين، وتحمل المسؤولية، والتعامل مع الحياة بعقل متفتح ونظرة متزنة.

فالأسرة الواعية هي البداية الحقيقية للمجتمع المتقدم، والمرأة الواعية إحدى أهم ركائز بنائها.

إن وعي المرأة لا يقتصر على ما تحمله من شهادات علمية أو ما تمتلكه من معلومات، بل يتجلى في طريقة تفكيرها، وفي قدرتها على فهم الحياة ومتغيراتها، وفي أسلوب تعاملها مع أفراد أسرتها والمحيطين بها. فالوعي ثقافة وسلوك، وحكمة في اتخاذ القرار، وقدرة على احتواء الخلافات ومعالجة المشكلات بعيدًا عن التعصب والانفعال، وهو إدراك عميق بأن التربية ليست أوامر تُفرض على الأبناء، بل قيم تُغرس في نفوسهم، وقدوة يرونها في تصرفات الكبار قبل أن يسمعوها في كلماتهم.

والمرأة التي تدرك أهمية دورها التربوي تحرص على أن تنشئ أبناءها على الحوار لا الخوف، وعلى الثقة بالنفس لا الاتكالية، وعلى احترام القانون وحقوق الآخرين لا تجاوزها. وتعلمهم أن النجاح لا يتحقق بالأماني وحدها، بل بالعلم والعمل والاجتهاد، وأن الاختلاف بين الناس لا يبرر الكراهية، وأن الأخلاق هي الأساس الذي يمنح المعرفة قيمتها الإنسانية.

ومن هنا، فإن أثر المرأة الواعية يتجاوز حدود منزلها؛ فالأبناء الذين ينشؤون في بيئة أسرية قائمة على الوعي والاحترام والمسؤولية، يحملون هذه القيم معهم إلى المدرسة ومكان العمل والشارع وسائر مؤسسات المجتمع. وهكذا تنتقل التربية السليمة من الأسرة إلى المجتمع، وتتحول القيم التي غُرست في الطفولة إلى سلوك اجتماعي يسهم في تعزيز الاستقرار، والحد من المشكلات، ونشر ثقافة التعاون والتسامح واحترام الآخر.

إن تقدم المجتمع يبدأ حين يتحول الوعي داخل الأسرة إلى ثقافة عامة في حياة الناس.

ولا يمكن إغفال الدور الذي تؤديه المرأة في توجيه الأسرة نحو مواكبة التطورات العلمية والثقافية والاجتماعية. فالعالم يتغير باستمرار، وتظهر في كل مرحلة تحديات جديدة تحتاج إلى عقل واعٍ قادر على الفهم والتكيف والاختيار السليم. والمرأة المثقفة تدرك أن التربية لا تتوقف عند حدود ما ورثناه من عادات وتقاليد، بل تحتاج إلى مراجعة واعية تميز بين القيم الأصيلة التي ينبغي الحفاظ عليها، والممارسات التي تحتاج إلى تصحيح وتطوير.

إنها تحافظ على هوية أسرتها، وفي الوقت نفسه تفتح أمام أبنائها أبواب المعرفة، وتشجعهم على القراءة والتعلم والتفكير المستقل، وتمنحهم المساحة للتعبير عن آرائهم ومناقشة أفكارهم. وبهذا تسهم في إعداد جيل لا يكتفي بتلقي المعرفة، بل يمتلك القدرة على فهمها وتوظيفها في حياته، جيل يعتز بجذوره، وينفتح على العالم، ويشارك في صناعة المستقبل بدلًا من الوقوف على هامشه.

أما على المستوى الاجتماعي، فإن المرأة الواعية تستطيع أن تكون عنصرًا فاعلًا في نشر الثقافة الإيجابية، وتعزيز الروابط الإنسانية، والمساهمة في معالجة القضايا التي تواجه مجتمعها. فهي، من خلال عملها وعلاقاتها ومشاركتها في المبادرات التعليمية والثقافية والاجتماعية، تستطيع أن تنقل أثر وعيها إلى محيط أوسع، وأن تسهم في ترسيخ قيم المسؤولية والتعاون والمواطنة الصالحة.

وكلما أُتيحت للمرأة فرص اكتساب المعرفة وتطوير قدراتها، واتسعت مساحة مشاركتها في اتخاذ القرارات داخل الأسرة والمجتمع، أصبحت أكثر قدرة على توظيف إمكاناتها في خدمة التنمية والتقدم. فالمجتمع الذي يحترم وعي المرأة ويستفيد من خبرتها لا يمنحها حقها فحسب، بل يستثمر في طاقات إنسانية قادرة على الإسهام في بناء الحاضر وصناعة المستقبل.

ومن المهم أن ندرك أن مسؤولية بناء الأسرة المتماسكة لا تقع على المرأة وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة بينها وبين الرجل، تتكامل فيها الأدوار وتتوزع فيها المسؤوليات على أساس التعاون والاحترام المتبادل. فالمرأة الواعية تحتاج إلى شريك يدرك أهمية الحوار والتفاهم، وأسرة تؤمن بأن التربية مسؤولية مشتركة، ومجتمع يقدّر العلم والثقافة ويهيئ للأجيال بيئة تساعدها على النمو السليم.

إن المجتمعات المتقدمة لا تُقاس بما تمتلكه من أبنية شاهقة أو إمكانات مادية فحسب، بل بما يتحلى به أفرادها من وعي وأخلاق، وبما يسود بينهم من احترام للقانون، وتقدير للعلم، وحفاظ على الحقوق، وشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين. وهذه القيم لا تولد فجأة، بل تتشكل عبر سنوات من التربية والتوجيه والممارسة، وتبدأ جذورها الأولى في الأسرة التي تُعد المدرسة الأولى للإنسان.

ومن هنا تتضح مكانة المرأة الواعية في معادلة التقدم الاجتماعي؛ فهي تسهم في بناء شخصية الفرد، وتساعد على ترسيخ ثقافة الأسرة، وتشارك في تشكيل ملامح المجتمع من خلال ما تغرسه من قيم وما تقدمه من فكر وعمل. وليس المقصود أن تتحمل وحدها مسؤولية صلاح المجتمع أو تقدمه، بل أن يُعترف بدورها الحقيقي بوصفها شريكًا أساسيًا في هذه المسيرة الإنسانية.

ختامًا، إن المرأة الواعية لا تبني أسرتها بالحضور والرعاية وحدهما، بل تبنيها بالفكر والحكمة والقدوة الحسنة، ولا يقتصر أثرها على تربية أبنائها، بل يمتد إلى الإسهام في تكوين مجتمع أكثر نضجًا واستقرارًا وتقدمًا. فحين تنمو المعرفة في عقل المرأة، وتترسخ القيم في سلوك الأسرة، وينتقل الوعي من جيل إلى آخر، يصبح المجتمع أكثر قدرة على مواجهة تحدياته وتحقيق نهضته.

فالمرأة الواعية ليست مجرد جزء من بناء المجتمع، بل هي شريك في تشكيل وعيه، وعنصر فاعل في تقدمه، وصوت من أصوات الحكمة التي تحتاج إليها الأجيال. وإن بناء مجتمع متقدم يبدأ من أسرة واعية، والأسرة الواعية تنمو بالعلم والثقافة والحوار، وبامرأة تدرك أن رسالتها لا تنتهي عند حدود بيتها، بل تمتد بقدر أثرها في الإنسان الذي تصنع معه مستقبل الوطن.

***

   ذكرى البياتي

 

تُعدّ ظاهرة الرياء واحدة من أخطر الظواهر الاجتماعية التي تفشّت في العديد من المجتمعات في العصر الحديث، وللأسف، شاعت ثقافة الرياء في مجتمعنا العراقي وتغوّلت بشكل كبير، إذ أسهم الفساد في استقطاب أعداد كبيرة من المنافقين، رغبةً في الحصول على الجاه والمنزلة والتفاخر وحب الظهور، أو تحقيق منافع شخصية غير مشروعة، أو بدافع نفسي يتمثل في الرغبة بالتعويض عن الشعور بالدونية وأحيانًا بالحقارة، وتحقيق نوع من التوازن النفسي.

وحين أصبح الفساد ظاهرة تنخر مفاصل الدولة والحياة العراقية عمومًا، وباتت رائحته تزكم الأنوف، أخذ العراقيون يتندّرون بعدد من الطرائف التي تتعلق بفساد الطبقة السياسية، وهي طرائف تكشف عن عمق الازدواجية التي يعيشها بعض أفراد هذه الطبقة، وعن الرياء الذي يطبع سلوكهم وتعاملهم، من زيف في الالتزام، وتظاهر بنبذ الحرام، وغير ذلك من الادعاءات التي أثبتت الممارسة كذبها وبطلانها،

ومن هذه الطرائف أن السياسي العراقي، عندما يدخل أحد المطاعم في بلاد الغرب، يكون أول سؤال له عن نوع اللحوم المتوفرة وطريقة ذبحها، إذ يتظاهر بالحرص على ألّا يتناول لحمًا ما لم يكن مذبوحًا على الطريقة الإسلامية، لكنه في الوقت نفسه يتناسى مال السحت الذي حصل عليه بطرق الفساد والرشوة وغيرها، والذي مكّنه من الوصول إلى تلك البلاد!، وهذه الازدواجية في السلوك المشين لها جذور تاريخية؛ فقد ذكرت كتب التاريخ العديد من الحكايات التي تتحدث عن الورع الزائف، وتستنكر التناقض الأخلاقي والديني الذي يصل أحيانًا إلى حدّ التطرف. ومن ذلك الحكاية التي تروي أن جماعة ذهبت في موسم الحج إلى عبد الله بن عمر، وسألوه عن حكم قتل البق في الأشهر الحرم، فتأمل عبد الله قليلًا ثم سألهم: "من أي البلاد أنتم؟" فقالوا: "من الكوفة"، فانتفض واقفًا وصاح: "لعنكم الله! أتقتلون الحسين وتسألون عن حشرة البق؟" .

وبغضّ النظر عن مدى صحة هذه الرواية من الناحية التاريخية، فإن دلالتها الرمزية واضحة في الكشف عن مفارقة أخلاقية تقوم على التشدد في مسألة صغيرة، مع التغاضي عن جريمة كبرى، وهذا يؤكد أن الرياء ليس سلوكًا حديثًا، بل ظاهرة رافقت المجتمعات البشرية منذ نشأة الحضارات الأولى . فقد تناولت الرياء أدبيات تاريخية كثيرة، ليس بوصفه سلوكًا أخلاقيًا فرديًا مذمومًا فحسب، وإنما بوصفه أداة للبقاء السياسي، والترقي الاجتماعي، وتحقيق الوجاهة الدينية، ففي مصر القديمة، تذكر بعض الدراسات التاريخية أن حاشية الفراعنة بالغوا في تقديس الملك وإظهار الطاعة العمياء والولاء المطلق في النقوش والنصوص، ليس حبًا فيه بالضرورة، بل تزلفًا للحصول على المكاسب والمناصب وحمايةً للمصالح، وفي الحضارة الرومانية ظهر نوع من الرياء الاجتماعي والسياسي ارتبط بما عُرف بنظام الزبائنية، حيث كان بعض الأفراد الأقل شأنًا يتملقون النبلاء والأثرياء ويتبعونهم بوصفهم حاشية لإظهار الولاء، مقابل الحصول على الدعم المالي أو الحماية والمساندة، أما في الفلسفة اليونانية، فقد قاد الفيلسوف ديوجين الكلبي موقفًا فكريًا وسلوكيًا ناقدًا للرياء الاجتماعي في أثينا، إذ رأى في كثير من عادات المجتمع وتقاليده نوعًا من التصنع، وعاش حياة زهد وقناعة جعلت من سلوكه نفسه وسيلة لفضح زيف بعض ادعاءات النخبة الأثينية، وقد نال الرياء اهتمام المفكرين وعلماء الاجتماع، واتخذوا منه موقفًا نقديًا صارمًا، ومن بينهم المفكر والمؤرخ العراقي علي الوردي، الذي ربط كثيرًا من مظاهر الرياء المجتمعي بما سماه ازدواج الشخصية، وأولى هذه الظاهرة أهمية كبيرة في مؤلفاته، ومنها كتابه المعروف "وعّاظ السلاطين"، متناولًا مظاهر التناقض بين القول والممارسة، وبين القيم المعلنة والسلوك الفعلي.

ولعل من أكثر صور الرياء وضوحًا ما نلمسه في بعض الممارسات الثقافية والاجتماعية، إذ نجد من يكتب عن الفساد، وفي الوقت نفسه يكون غارقًا في علاقاته ومصالحه المرتبطة به، ومستعدًا لبيع قلمه ومواهبه بأبخس الأثمان. كما نجد من يتحدث عن الثقافة والحداثة والمدنية والتحرر، لكنه لا يتورع عن المجاهرة بالولاء المطلق لقيم القبيلة أو الحزب، ويحارب المختلفين معه في الرأي والتوجه

و تتجلى خطورة الرياء في التناقض بين ما يقوله الإنسان وما يفعله، وذلك عندما يتحدث الفاسد عن النزاهة، والكاذب عن الصدق، والانتهازي عن المبادئ، والمتعصب عن التسامح . واتخاذ هذا السلوك وسيلة لتزييف الوعي وتجميل القبح ومنح السلوك المنحرف غطاءً أخلاقيًا زائفًا.

 ***

ثامر الحاج أمين

ليس الجوار مجرد علاقة مكانية تنشأ من تقارب البيوت وتجاور الأبواب، بل هو علاقة إنسانية وأخلاقية واجتماعية تتداخل فيها المصالح والمشاعر والحقوق والواجبات. فالجار ليس شخصًا يسكن بمحاذاة بيتنا فحسب، وإنما هو أقرب الناس إلينا حين تفاجئنا الشدائد، وأول من قد يسمع استغاثتنا إذا ألمّت بنا نازلة، وأكثر الناس اطلاعًا على تفاصيل حياتنا اليومية، بما فيها من أفراح وأحزان وأسرار. ولهذا أدركت المجتمعات القديمة، وفي مقدمتها المجتمع العربي، أن استقرار الحياة لا يتوقف على جودة المسكن واتساعه، بل يتوقف أيضًا على طبيعة العلاقة الجيران أفرادا وجماعات وعائلات ودول وشعوب فالإنسان لا يعيش في جزيرة معزولة، والدول، مهما بلغت قوتها، لا تستطيع تغيير حقائق الجغرافيا أو الهروب من مقتضيات التاريخ. وبهذا المعنى جاء المثل العربي : «الجار قبل الدار» و«الجار القريب خير من الأخ البعيد»، لتؤكد أن القرب ليس مسافة مكانية فحسب، وإنما مسؤولية متبادلة تفرضها ضرورات الحياة المشتركة. وغير ذلك من الحكم والامثال التي زخرت بها الذاكرة البشرية ومنها: الجار الصالح يهب السلام، والجار السوء يجلب الخصام! مثل أوروبي إذا كان جارك بخير، فأنت بخير! حكمة إفريقية. يمكنك أن تختار أصدقاءك، ولا يمكنك اختيار جيرانك! وعندما يشتعل الحريق في بيت جارك، فإن بيتك في خطر! أو الحكمة اليونانية القديمة؛ السلام مع الجيران هو درع حماية أقوى من الحصون والجدران ." حكمة يونانية قديمة والجار القوي يسند الجار الضعيف! ومن جاور السعيد سُعد! ..الخ من الحكم والامثال والخبرات التي زخرت بها ذاكرة الشعوب وتجاربها الجوارية.

فالجوار السليم لا يعني إلغاء الاختلاف، بل إدارة الاختلاف دون عدوان، وصيانة الخصوصية دون قطيعة، والتعاون دون وصاية.

ولسنا بحاجة إلى التذكير بأن الخصومة بين الجيران لا تستنزف المتحاربين وحدهم، بل تمتد آثارها إلى الأجيال والاقتصادات والأمن الإقليمي.

وما تحتاجه الشعوب ليس تطابق المصالح أو المعتقدات، وإنما حكمة الاعتراف المتبادل، والاحتكام إلى القانون، وتغليب الحوار على القوة. فالنار التي تشتعل في بيت الجار لا تتوقف دائمًا عند حدوده، والسلام الذي يحمي الجار يعزز أمن الجميع. إن حسن الجوار ليس مجاملة عابرة، بل استثمار في المستقبل والجغرافيا قد تفرض الجيران، لكنها لا تفرض العداوة.

وقد زخرت الثقافة ال«الجار قبل الدار»، ليختزل خبرة اجتماعية طويلة في كلمات قليلة، ويضع الإنسان قبل المكان، والعلاقة الأخلاقية قبل الامتيازات المادية. فما قيمة الدار الواسعة إذا تحولت الحياة فيها إلى قلق دائم بسبب جار سيئ الطباع، أو خصومة لا تنطفئ، أو نزاع على حدود أو ممر أو صوت أو حق مشترك؟ وما قيمة جمال المكان إذا فقد ساكنه الطمأنينة التي تمنح الحياة معناها؟ إن الدار قد تُشترى بالمال، أما السكينة التي يصنعها حسن الجوار فلا تُشترى بسهولة.

وبهذا المعنى يمكننا فهم الحكمة العربية التي تقول: «ليس حسن الجوار كفَّ الأذى، ولكن حسن الجوار الصبر على الأذى». والمقصود هنا أن حسن الجوار لا يقتصر على الامتناع عن الإساءة، بل يتطلب قدرًا من التسامح، واحتمال الهفوات، والتغاضي عن الزلات التي لا تستحق أن تتحول إلى معارك يومية. فالناس مختلفون في طباعهم وعاداتهم وطرائق عيشهم، وما يراه أحدهم أمرًا عاديًا قد يراه غيره مصدرًا للضيق. ولو جعل كل جار من كل هفوة قضية كرامة، ومن كل اختلاف مناسبة للخصام، لتحولت الأحياء إلى ساحات للنزاع، ولغدت الحياة المشتركة عبئًا لايطُاق.

والصبر على الأذى لا يعني التفريط في الحقوق، ولا القبول بالاعتداء المتكرر، ولا السكوت عن الظلم. فثمة فرق بين التسامح مع هفوة عابرة والتساهل مع سلوك مؤذٍ متعمد؛ وبين الترفع عن صغائر الأمور والتنازل عن الحقوق الأساسية. إن الحكمة في الجوار تقوم على التوازن بين صيانة الكرامة وتجنب التصعيد، وبين المطالبة بالحق واختيار الوسيلة التي لا تحول الخلاف المحدود إلى قطيعة طويلة الأمد.

ولذلك كان الترفع عن العورات، أي ستر العيوب وعدم تتبع الخصوصيات، من أرفع مراتب الأخلاق في علاقة الجيران. فالجار يعرف من أحوال جاره ما قد لا يعرفه غيره؛ يسمع أصوات بيته، ويلاحظ تغيرات حياته، وقد يطلع بحكم القرب على مواطن ضعفه وأزماته. وهذه المعرفة ينبغي أن تكون مصدرًا للرحمة والمساعدة، لا وسيلة للابتزاز أو التشهير أو الانتقام.

وبهذا انشد حاتم الطائي:

أُغاضي كَريمَ النَفسِ في خَلَواتِهِ

.وَأَغفِرُ عَوراءَ الكَريمِ إِذا عَثَر

وَأَمنَحُهُ نُصحي وَأَرعى ذِمامَهُ

وَأَستُرُ مِنهُ كُلَّ ما ساءَني بَطَر

وَما كُلُّ ذي لُبٍّ بِمُؤتيكَ نُصحَهُ

وَلا كُلُّ مُؤتٍ نُصحَهُ بِلَبيبِ

وَلَكِن إِذا ما اِستَجمَعا عِندَ ماجِدٍ .

فَحَقٌّ لَهُ مِن طاعَةٍ بِنَصيبِ

أو قوله في اولوية الجار ونجدته دائماً:

أَيَا ابْنَةَ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنَةَ مَالِكٍ

إِذَا مَا صَنَعْتِ الزَّادَ فَالْتَمِسِي النَّدَى

لَعَمْرُكِ مَا أَبْقَى النَّدَى بَعْدَ قُرْبِهِ

لِمَنْ كَانَ يَبْغِي المَجْدَ وَالجُودَ مَقْعَدَا

أَرَى الجَارَ حَقاً هُوَ الأَوَّلُ بِالقِرَى

إِذَا مَا أَتَى بَعْدَ الهُدُوءِ لِيَرْقُدَا

إن الكريم لا يجعل من زلة غيره مناسبة لإذلاله، ولا يتخذ من أسراره سلاحًا في لحظة غضب، ولا ينسى فضائل العلاقة كلها بسبب خطأ عابر.

فهذا ابو العتاهية ينصح ؛

اصْبِرْ عَلَى كُلِّ مَا يَأْتِي الزَّمَانُ بِهِ

صَبْرَ الحُسَامِ إِذَا مَا فَلَّهُ الغَرْبُ

وَاحْمِلْ لِجَارِكَ مَا تَلْقَى مِنَ الأَذَى

إِنَّ الحِمَالَ لِثِقْلِ المَجْدِ مُسْتَعْبُ

إن حسن الجوار، بهذا المعنى، هو فن إدارة الاختلاف في المسافة الأقرب إلى حياتنا اليومية. فليس مطلوبًا أن تتطابق الآراء، أو تتشابه الأذواق، أو تتوحد أنماط العيش، وإنما المطلوب أن يتعلم الناس كيف يختلفون من دون أن يتحول اختلافهم إلى عداوة، وكيف يطالبون بحقوقهم من دون أن يهدروا كرامة الآخرين، وكيف يحافظون على حدودهم الخاصة من دون أن ينسوا أن بينهم مصالح مشتركة لا تستقيم الحياة من دون احترامها.

وبهذا انشد الشاعر الجاهلي مسكين الدارمي

نَارِي وَنَارُ الجَارِ وَاحِدَةٌ

وَإِلَيْهِ قَبْلِي تَنْزِلُ القِدْرُ

مَا ضَرَّ جَاراً لِي أُجَاوِرُهُ

أَنْ لا يَكُونَ لِبَيْتِهِ سِتْرُ

أَعْمَى إِذَا مَا جَارَتِي خَرَجَتْ

حَتَّى يُوَارِي جَارَتِي الخِدْرُ

وإذا كان حسن الجوار يبني الطمأنينة ويعزز الثقة، فإن الخصام بين الجيران يفعل العكس؛ إذ يبدأ في كثير من الأحيان بخلاف محدود، ثم يتسع بفعل سوء الظن، وتبادل الاتهامات، وتدخل الآخرين، واستدعاء وقائع قديمة لا علاقة لها بأصل المشكلة. وهكذا يتحول خلاف على موقف سيارة أو حدود أرض أو ضوضاء أو ممر مشترك إلى نزاع شخصي تتراكم فيه الأحقاد، وتصبح فيه كل حركة قابلة للتأويل، وكل كلمة سببًا لمواجهة جديدة.

وأولى مخاطر هذا الخصام أنه يسلب الإنسان شعوره بالأمان في المكان الذي يفترض أن يجد فيه راحته. فالبيت ملاذ من ضجيج العالم، لكن الخصومة مع الجار قد تجعل صاحب البيت يترقب ما يحدث حوله، ويحسب حسابًا لكل لقاء، ويتوجس من كل صوت أو تصرف. وقد يجد نفسه مضطرًا إلى تغيير عاداته اليومية تجنبًا للاحتكاك، أو يعيش أفراد أسرته في توتر دائم لا ذنب لهم فيه.

والأخطر أن الخصومة لا تبقى دائمًا بين شخصين؛ فقد تنتقل إلى الزوجات والأبناء والأقارب، ويكبر الأطفال وهم يرثون عداوة لم يختاروها، ويُطلب منهم أحيانًا أن يخاصموا أبناء الجيران لمجرد أن آباءهم مختلفون. وعندئذ تتحول المشكلة من خلاف عابر بين بالغين إلى ذاكرة اجتماعية تتوارثها الأجيال، وتُغذّي أحكامًا مسبقة يصعب التخلص منها.

ومن مخاطر الخصام أيضًا أنه يبدد رأس المال الاجتماعي الذي تقوم عليه الحياة المشتركة. فالثقة بين الجيران ليست قيمة معنوية فحسب، بل مورد عملي له أثر مباشر في جودة الحياة. الجار الذي نثق به يمكن أن يتفقد منزلنا عند غيابنا، أو يساعد طفلًا يحتاج إلى المساعدة، أو يسعف مريضًا، أو يقدم العون في ظرف طارئ. أما حين تنقطع الثقة، فإن كل طرف يفقد موردًا إنسانيًا قريبًا، وقد يجد نفسه وحيدًا في أوقات كان يستطيع فيها الاعتماد على الآخرين.

فالخصام مع الجار يضعف مكانة الفاعل في محيطه، لا لأنه يفقد حليفًا في مواجهة الأعداء فحسب، بل لأنه يساهم في عزل نفسه عن شبكة العلاقات التي تمنح الحياة الاجتماعية تماسكها. وليس المقصود أن يتنازل عن حقه خوفًا من الوحدة والعزلة، وإنما أن يدرك أن العلاقات الإنسانية أوسع من لحظة الغضب، وأن خسارة الثقة قد تكون أثقل من المكسب المؤقت الذي يحققه الانتصار في مشادة كلامية.

وبهذا أنشد المقنع الكندي:

وَإِنْ زَجَرُوا بَعِيراً لِي صَفَحْتُ

وَإِنْ هَدَمُوا لِيَ بَيْتاً بَنَيْتُ

وَإِنْ هَبَطُوا بَطْنَ وَادٍ لِخَيْرٍ

سَبَقْتُهُمُ بِالفَعَالِ المَجِيدِ

إن أخطر ما في الخصومة بين الجيران أن القرب الذي كان مصدرًا للألفة والأمان قد يتحول إلى نافذة للعداوة والأذى. فالجار بحكم الجوار يعرف من أسرار جاره وتفاصيل حياته ما قد لا يعرفه أقرب الناس إليه؛ فإذا فسدت العلاقة، تحولت المعرفة التي تصون الثقة إلى سلاح للتشهير والانتقام.

وهنا تُختبر أخلاق الإنسان ومروءته؛ فليس كل ما نعرفه يجوز أن نكشفه، وليس كل ما نستطيع فعله يليق بنا أن نفعله. ثمة فرق بين المطالبة بالحق والرغبة في الانتقام، وبين العتاب الذي يصلح العلاقة والتشهير الذي يهدمها.

ولا تقف خسائر الخصومة عند المشاعر، بل تمتد إلى استنزاف المال والوقت، وتبديد الطمأنينة، وإفساد العلاقات الأسرية والاجتماعية. وربما بدأ الخلاف بكلمة عابرة، ثم تضخّم بفعل العناد والرغبة في الغلبة.

لذلك، ليس الصلح ضعفًا، ولا الاعتذار هزيمة، ولا التسامح تفريطًا بالحقوق. فالحكمة أن تتمسك بحقك دون أن تتخلى عن إنسانيتك، وأن تختلف مع جارك دون أن تحوّله إلى عدو؛ فليس الانتصار أن تهزم جارك، بل أن تنتصر على رغبة الانتقام في داخلك.

وبهذا المعنى انشد الشاعر الحكيم عبد الله البردوني:

لماذا العدوّ القصي اقترب؟

لأن القريب الحبيب اغترب

لأن الفراغ اشتهى الامتلاء

بشيء فجاء سوى المرتقب

لأنّ الملقّن واللاعبين

ونظّارة العرض هم من كتب

فلا الصدق يبدو كصدق ولا

أجاد أكاذيبه من كذب

أن حسن الجوار ليس حكرًا على المتدينين أو المنتمين إلى ثقافة بعينها؛ فهو قيمة إنسانية مشتركة تحتاج إليها المجتمعات على اختلاف معتقداتها وأصولها. وقد تتباين المرجعيات التي يستند إليها الناس في تفسير هذه القيمة، لكنهم يلتقون عند الحاجة إلى احترام الخصوصية، والامتناع عن الإضرار بالآخرين، والتعاون في الشدائد، وتسوية الخلافات بالطرق السلمية.

يقول الشاعر الجاهلي خرنق بن بدر مفتخرا بقومه:

لا يَبْغُونَ عَلَى الجَارِ لَهُمْ

وَهُوَ مَخْذُولٌ قَلِيلُ النَّاصِرِ

يُكْرِمُونَ الجَارَ مَا دَامَ فِيهِمُ

وَيَذُودُونَ عَنْهُ كُلَّ ضَائِرِ

وفي المجتمعات الحديثة، حيث تتعدد الثقافات واللغات والخلفيات الاجتماعية، تزداد أهمية هذه القيم. فقد يعيش في المبنى الواحد أناس يختلفون في عاداتهم ومعتقداتهم وأوقات عملهم وطرائق تربيتهم لأبنائهم. ولا يمكن أن تستقيم الحياة المشتركة إذا اشترط كل طرف أن يعيش الجميع وفق عاداته الخاصة، أو اعتبر كل اختلاف اعتداءً على هويته. المطلوب هو التفاهم على قواعد عادلة تحمي حقوق الجميع، وتسمح لكل فرد بممارسة حياته ما دام لا يعتدي على حقوق الآخرين.

وَأَكْرِمْ جَارَ بَيْتِكَ مَا أَقَامَا

فَإِنَّ الضَّيْفَ مُرْتَحِلٌ سَرِيعَا

وَلَسْتَ بِمُدْرِكٍ خَلَلاً لِجَارٍ

إِذَا مَا كَانَ لِلْحُقُوقِ سَمِيعَا

ختاما نكرر التأكيد أن حسن الجوار ليس مجرد أدب اجتماعي أو فضيلة أخلاقية نتجمل بها أمام الآخرين، بل هو اختبار حقيقي لقدرتنا على العيش المشترك، واحترام الاختلاف، وصيانة الحقوق والكرامات. والتسامح لا يعني بالضرورة أن نحب جارنا أو يحبنا بقدر ما علينا أن نجتهد لاحترامه حتى ولو بالقدر الضئيل.

إن الوقاية من الخصام تبدأ من التفاصيل الصغيرة: تحية صادقة، وكلمة طيبة، واحترام للخصوصية، وتسامح مع الهفوات، وحوار هادئ قبل أن تتحول الخلافات العابرة إلى عداوات مستحكمة. وإذا وقع الخلاف، فإن الحكمة تقتضي أن نناقش التصرف بدلًا من إدانة صاحبه، وأن نبحث عن حلول تحفظ الحقوق بدلًا من البحث عن انتصارات زائفة تُرضي الغرور وتُفسد الحياة. فالصلح ليس هزيمة، والاعتذار ليس انتقاصًا من الكرامة، والتسامح لا يعني التنازل عن الحقوق، بل القدرة على الجمع بين قوة الموقف ونبل الأخلاق.

ولعل أعمق ما تعلمنا إياه تجارب الشعوب وحكمة التاريخ أن السلام الكبير يبدأ من العلاقات الصغيرة، وأن المجتمعات التي تعجز عن إدارة خلافاتها اليومية يصعب عليها بناء الثقة في دوائرها الأوسع. فما بين الجار وجاره من مصالح مشتركة ومصائر متشابكة يشبه، في جوهره، ما بين الشعوب والدول من روابط تفرضها الجغرافيا وتختبرها السياسة.

فالجار قبل الدار، وحسن الجوار قبل اتساع المكان، والعدل قبل الخصام، والصلح قبل استفحال العداوة. ذلك أن البيوت لا تحمي ساكنيها بجدرانها وحدها، بل تحميهم أيضًا الطمأنينة والثقة والاحترام المتبادل. وليس أعظم انتصار يحققه الإنسان فردا أو جماعة أو مؤسسة أن يُخضع جاره أو يكسر إرادته، بل أن يحفظ حقه وكرامته دون أن يصنع عدوًا، وأن يجعل من الاختلاف جسرًا للتفاهم، لا خندقًا للعداء..

***

د. قاسم المحبشي

 

لماذا ليست الحياة مصممة لتلبية كل الرغبات؟

يمتد طموح الإنسان إلى عنان السماء، وتتسع مخيلته لأمنيات لا تحدها حدود؛ غير أن هذه الرغبات الجارفة غالباً ما تصطدم بجدار الواقع الصلب. بين طموح جامح وواقع معقد، يجد الكثيرون أنفسهم في شباك إحباط ممتد، يتساءلون معه إن كانت المشكلة تكمن في طبيعة أمنياتهم أم في تركيبة عالمهم. ولم يكن التمني يوماً مجرد ترف فكري، بل هو حاجة نفسية ملحة تُصاغ داخل الوعي كآلية دفاعية للهروب من ضغوط الحياة اليومية، أو للتعويض عن إخفاقات حقيقية يعيشها المرء في حاضره. يضاف إلى ذلك فخ "سقف الطموح العالي" الذي تغذيه ثقافة النجاح السريع السائدة في العصر الرقمي، واعدة بالثراء الفوري والنجومية بلا جهد، مما يدفع الأفراد إلى رفع توقعاتهم بشكل يتجاوز قدراتهم الطبيعية، مدفوعين بعقدة "الكمال المطلق" التي ترفض النقص، وتظل تبحث عن توليفة مستحيلة تجمع بين المتناقضات كالثراء الفاحش مع الراحة التامة. غير أن هذا الإبحار في عالم الأخيلة لا يطول؛ فسرعان ما تخرج الرغبة من مهدها النفسي لتواجه شروط الأرض الصارمة، حيث تتحطم أكثر الأحلام بريقاً على صخرة عوائق أساسية تحكم حركة الحياة.

يبرز في مقدمة هذه العوائق الفجوة المالية وغياب التمويل اللازم لتحويل الأفكار الكبرى إلى مشاريع ملموسة، بالتوازي مع أزمة الوقت والطاقة الناتجة عن استهلاك المسؤوليات والالتزامات الأسرية والمهنية لجهد المرء. ولا تتوقف المعوقات عند حدود المادة، بل تتقاطع مع القيود الاجتماعية والثقافية الصارمة التي تحارب كل ما هو غير مألوف، لتنضم إليها فجوة التأهيل العلمي والتحصيل الدراسي؛ حيث يرغب الكثيرون في بلوغ مراتب مهنية رفيعة مع تكاسلهم عن العودة لمقاعد الدراسة وتطوير معارفهم. وهنا يظهر عائق أعمق يرتبط بضعف الشخصية وهشاشة الإرادة، وما يصاحبها من تردد دائم واتكالية تجعل الشخص عاجزاً عن قيادة خططه، بالتزامن مع نقص المهارات العملية والتنفيذية اللازمة لترجمة الطموح كإدارة الوقت والتخطيط. وتكتمل هذه المنظومة المعقدة بالتغيرات الاقتصادية والسياسية المفاجئة، وغياب عامل الحظ أو الفرص المتكافئة، وينتهي الأمر بالشلل الفكري الناجم عن الخوف من الفشل، والذي يمنع الإنسان من اتخاذ خطوته الأولى خشية ألا تكون النتيجة مثالية.

هذه العوائق المتشابكة يختصرها يوسف (38 عاماً) في حكايته الهادئة قائلاً إن حلمه الأكبر لأكثر من عشر سنوات كان تأسيس مركز تكنولوجي يطور برمجيات ذكية تخدم قطاع التعليم. ويضيف أنه كان يملك الفكرة والشغف، لكنه كان يفتقر للتأهيل الأكاديمي المتخصص في هذا المجال الدقيق، ويمنعه التردد من اتخاذ أي قرار مصيري، ومع غياب الدعم المالي وتراكم المسؤوليات التي تلتهم طاقته، تحول الحلم بمرور السنين إلى مجرد فكرة دافئة يهرب إليها قبل النوم لتعوضه عن روتين وظيفته البسيطة، معترفاً بأنه تمنى كثيراً لكنه لم يتحرك خطوة واحدة لبناء الأدوات.

إن قصة يوسف تقودنا إلى حقيقة أن النضج الإنساني لا يعني التخلي عن الأحلام، بل إعادة هندستها لتبدأ من حيث ينتهي الوهم، وذلك عبر الوعي بحدود الممكن وإدراك أن الحياة ليست مصممة لتلبية كل الرغبات. ويتطلب هذا النضج اعتماد تقنية التفكيك، أي تحويل الأمنية الضخمة والعائمة إلى أهداف ذكية، صغيرة ومحددة وقابلة للقياس، مع تحلي الذات بالمرونة النفسية لتقبل السيناريوهات البديلة؛ فإذا استعصت غاية كبرى، وجب فتح مسارات جديدة أصغر ولكنها حقيقية. وهو تماماً ما يصفه يوسف عند حديثه عن لحظة استيقاظه، مؤكداً أن التغيير بدأ عندما توقف عن تمني المستحيل دفعة واحدة وقام بتفتيت الحلم، فتعلم أساسيات البرمجة ذاتياً عبر الإنترنت، وصمّم تطبيقاً بسيطاً لمساعدة طلاب الحي في تنظيم أوقاتهم، مبيناً أن المركز الضخم لم يولد بعد، لكنه على الأقل غادر مقاعد الانتظار وأصبح يسير على الأرض بقدمين حقيقيتين.

في نهاية المطاف، ليست المشكلة في كثرة الطموحات ولا في صعوبة بلغها، بل في ذلك الاستسلام الهادئ الذي يجعلنا نعتاد التمني كبديل مريح عن السعي، حتى تمضي بنا قطارات العمر ونحن واقفون على أرصفة الترقب. وتذكر دائماً أن الرغبات المتروكة في العقول دون عمل هي مجرد ديون مؤجلة تدفع النفس ثمنها إحباطاً متراكماً عند خريف العمر. لا تسمح لروتين الأيام أو الهجس أن ينسيك أحلامك، وفي الوقت ذاته، لا تبقَ أسيراً لسراب وردي بعيد، بل افتح دفاترك القديمة الآن، وشذّب تطلعاتك لتلائم واقعك، وجزّئها إلى خطوات صغيرة، وابدأ اليوم بجهد حقيقي؛ فأن تخطو خطوة واحدة ملموسة نحو هدف متواضع، خير لك ألف مرة من أن تعيش عمراً كاملاً تتمنى فيه المستحيل، فالإرادة الحقة ليست في أن تتمنى، بل في أن تملك الشجاعة لتبدأ.

***

بقلم: صبيح الكعبي

أن القيم تتشكل من التجارب الفردية، نشأة وتربية، فضلاً عن الثقافة والتعليم، فتجد من يعود من رحلة ابتعاث إلى أكثر البلدان تطوراً، يعتنق قيماً مثل احترام الوقت، والحرية، والمسؤولية، والمثابرة. وتبدأ الأزمة حينما يعتنق قيماً تناقض القيم السائدة في مجتمعه التقليدي في تصادم معه، حسب فهمي واعتقادي ان عند كل الديانات والمعتقدات  — تجد الاخلاق الحسنة في اول مبادئها و أسس عقيدتها. ولكن يخونهم التطبيق سواء كان مسلماً او غير مسلم،وقال تعالى يخاطب الرسول (ص) {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم} [القلم: 4، الخلق لغة: هو السَّجيَّة والطَّبع والدِّين، وهو صورة الإنسان الباطنية وهي عبارة عن هيئة في النفس راسخةٍ تصدُرُ عنها الأفعالُ بسهولةٍ ويُسرٍ، من غير حاجة إلى فكرٍ ولا رويَّة أما صورة الإنسان الظاهرة فهي الخُلق، جعله النبيُّ صلى الله عليه واله وسلم أساسَ الخيريَّة والتفاضل يوم القيامة، فقال: «إن أحبَّكم إليَّ، وأقربَكم مني في الآخرة مجلسًا، أحسنُكم أخلاقًا، وإن أبغضَكم إليَّ وأبعدَكم مني في الآخرة أسوَؤُكم أخلاقًا، الثَّرثارون المُتفَيْهِقون المُتشدِّقون» (السلسلة الصحيحة: 2/379).

.فديننا دين الأخلاق والتسامح، ونبيّنا القدوة والمثل الأعلى الذي يُحتذى به بالأخلاق، فالأخلاق ثمرة من ثمرات الإيمان لأنّها تنبع من عقيدة وقلب سليم، وهي أساس التعامل بين الناس. قال تعالى: «وقل لعبادي يقولوا التي هى أحسن» الإسراء 53 وقال: «يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديدًا»،الاحزاب 70 وفى الحديث الشريف: ». قال: (إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ الأخلاقِ)… وهكذا ان كان يهودياً، اومسيحياً او كان هندوسياً، أو سيخاً…الخ، كجزء منه و غريزة لا يمكن التخلي عنها حتى وان كانت تبهت شموعها في بعض الأحيان. وقد تتصدع ما بين مختلف الدول التي تتنازع بشأن مصالحها الخاصة. يقول  “ابن خلدون” على القائد السياسي أن يكون القدوة للآخرين، بأن يحترم الأخلاق الفاضلة ويدافع عن الحق، وعليه أن يتعامل بحكمة واعتدال مع غيره.

واذاً تعتبر القيم والمبادئ والأخلاق ضرورية لأي مجتمع يطمح إلى البناء والرقي والتطوير، لأنه اذا فقدت القيم والمبادئ والاخلاق تفكك المجتمع وانهار بناؤه، هنا يجب أن نعرف أن الدعوة للتمسك بالأخلاق والقيم والمبادئ لايعني التخلي عن العمل الجاد الذي يساهم في تقدم البلاد وتطويره وهما الاساس لأي مشروع ناهض، فلا تقوم اي نهضة حقيقية بدون اسس ومبادئ أخلاقية قيمية، واذا كانت هناك اى مشاكل او رياح مسمومة ومختلطة بالحقد السياسي فانها تضرب وتنعكس على أصحابها، وتكشف زيفهم . إذا كانت السياسة في تعريفها البسيط طريق لقيادة الجماعة البشرية وأساليب تدبير شؤونها لما يعتقد أنه خيرها ومنفعتها إلا ان افتقارها للاخلاق “كمنهج علمي و يقوم على مبدأي الالتزام والجزاء ويستمد وجوده من حرية الإنسان ، وإرادته في الاختيار، وتحمل المسؤولية، لان الفرد مسؤول عن عمله وعليه الربط بين مفهوم الأخلاق , وبين التطبيق العملي”، تصبح السياسة وسيلة غير نافعة بل هدامة والتي يعتقدها البعض بانها غلبت على العلاقات، كذلك الدولية منها التي اصبحت  تحكمها المصالح السياسية والتحالفات الاستراتيجية ولا تحكمها الأخلاق، فالأخلاق والقيم هما يجب ان تكون غطاء للمصالح الاقتصادية والثقافية والاصطفافات العسكرية، وأن طابع المبادئ والعلاقات التي تعالجها السياسة تختلف نوعيا عن تلك التي تتناولها الأخلاق و لان الأخلاق يجب ان تتجسد في العلاقات بصورة شفافة وتجد تعبيراً لها في السلوك البشري ضمن نطاق الأسرة و الجماعة و تجاه المجتمع و أجهزة السلطة…والذي يجمع بين الأخلاق و السياسة هو انهما كانتا من اولى  ألادوات في تنظيم الحياة الأجتماعية  ومجال الأختيار السوسيولوجي، ومن هنا قد خرج الفيلسوف الألماني “إيمانويل كانت” في اعتبار أن الحروب تندلع فقط عندما لا يتوصل الناس إلى تحقيق مجتمع مدني قائم على الأهداف الأخلاقية، الأمر نفسه بالنسبة للإمام الغزالي الذي اعتبر السياسة أشرف العلوم ووظيفتها استصلاح الخلق وإرشادهم إلى الطريق المستقيم المنجي في الدنيا والآخرة، لذا فأنهما تتسمان بالديناميكية والتغير وتنظم سلوك المجتمع اذا ما توحدت اهدافهما .

الغالب في سياسة الدول في الزمن الحالي هي المصالح وليس الأخلاق، وذلك على الرغم من ادعاء الدول المتقدمة على التمسك بالمبادئ والأخلاق، باعتبارها الحصن الذي يحمي الدول والحضارات من الوقوع في براثن التدهور والانهيار وهي على ما يبدو ان الحديث عن الأخلاق عموماً والأخلاق في السياسية اليوم مجرد نزلة نوستالجيا اخترقت شرفات الحلبة المشتعلة التي تأوي مايُفترض أن يكون أسرة سياسية واعية بدورها وأسباب وجودها ؛ ولأن الإحتقان العلائقي الذي يعيشه أفراد الأسرة السياسية المنكوبة يوشك أن يُفجر الفعل السياسي ويبدو من المفيد والضروري استدعاء الأخلاق في السياسة لإنقاذها من بين طواحين أفراد اسرهم الذين يتمادون في التنكيل بها فالأخلاق والسياسة ماهيتان مختلفتان بطبيعتها عندهم ومن المحال احتواء إحداهما للأخرى ، نظرياً قد يكون ثمة «معايير أخلاقية» للعمل السياسي، لكن إسقاط ذلك على الواقع يبدو أقرب للخيال، فالعلاقة معقدة بين قيم الأخلاق المعروفة، مثل «الصدق والنزاهة والوفاء..الخ «، والوسائل اللازمة لتحقيق الأهداف السياسية، التي تعتمد غالباً على ممارسة الكذب والخداع، لكون السياسة تشكل بيئة خصبة لتحقيق المكاسب المادية وصفقات الكواليس والامتيازات المعنوية والوجاهة والألقاب، وقد ساهم في تعزيز هذا السلوك طغيان وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة. ويمكن التمييز بين بلدان الخضوع والخنوع التي تحكم بالنار والحديد و الدول الديمقراطية المستقرة سياسيا، التي تشكل صناديق الاقتراع وتكريس مبدأ تداول السلطة من خلال الأحزاب السياسية، مخرجا للرد على كذب السياسيين واستبدالهم، عندما يفشلون في تحقيق برامجهم ويكتشف الجمهور خداعهم، وهذه ميزة مفقودة في الدول التي تحكمها أنظمة بوليسية وأبوية،أو تصل الى الحكم عبر الانقلابات العسكرية . إن سر نجاح الدول المتقدمة كان في تبني قيم ومبادئ أخلاقية أصبحت راسخة لدى شعوب هذه الدول، إلا أن هذه الدول أو معظمها خرجت عن هذه الضوابط والقواعد الأخلاقية في سياساتها الخارجية، فكانت معاييرها مزدوجة وفق مصالحها التي تدعيها، والتي لا تخدم بالتأكيد مصالح الشعوب الاخرى .مع وجود التناقض الشديد ما بين المبادئ والقيم الداخلية التي ترعاها وتحافظ عليها، وبين سياساتها الخارجية التي تعتمد مبدأ المصلحة كمبدأ في التعامل مع العالم الخارجي، خاصة مع العالم الإسلامي و بالرغم من أضراره الخطيرة على علاقاتهم ومصالحهم.

رغم ذلك يمكن دمجها في زوايا محددة (اي السياسة والاخلاق) في تفاعل متبادل ترعاه أجواء الحرية والاعتدال، لأن الفضيلة السياسية أو الأخلاق في السياسة لا يمكن أن تنمو عيانياً في مناخات التطرف والعنف والغلو ومع غياب حقوق المواطنة والعدالة والمساواة والمشاركة. وقد ميز المفكرون والفلاسفة منذ أفلاطون الفارق الكبير في البنية الأخلاقية بين الفرد الذليل والمدفوع وراء أهوائه ونزواته عن الذي يتمتع بكامل حقوقه الطبيعية، المدنية والسياسية ويصبو لقيم الخير والحق والجمال والعدل، فالأخلاق هي مجموعة القيم والمثل الموجهة للسلوك البشري نحو ما يعتقد أيضاً أنه خير وتجنب ما ينظر إليه على أنه شر، وكلاهما، السياسة والأخلاق، تستهدفان تمليك الناس رؤية مسبّقة تجعل لحياتهم هدفاً ومعنى، وبالتالي تلتقيان على الدعوة لبناء نمط معين من المبادئ والعلاقات الإنسانية والذود عنهما، لكن تفترقان في أن طابع المبادئ والعلاقات التي تعالجها السياسة تختلف نوعياً عن تلك التي تتناولها الأخلاق تصل إلى حد التعارض عند ميكيافيللي الذي يغلّب السياسة على الأخلاق في كتابه ” الأمير”، ليظهر السلوك الميكافيللي كما لو أنه يتنكر صراحة لجميع الفضائل الأخلاقية حين يبرر استعمال كل الوسائل لتحقيق الغايات السياسية!!.. أن ممارسة الفرد لاي عمل وفي جميع المجالات يتحتم عليه الالتزام بالمعايير الأخلاقية الثابتة، وأن تلتزم الدول والمؤسسات بالالتزامات الأخلاقية. سوف يُستنتج من أن المعايير والضوابط تلك لها دور مهم في إرساء قواعد الممارسة المهنية والروابط السياسية والاجتماعية الفاضلة .

***

عبد الخالق الفلاح – باحث واعلامي

 

حين تبلغ الخمسين، وتكون كهذه الشجرة التي امتدت جذورها في باطن الأرض، رغم كل عوامل التعرية التي حفرت أخاديدها عليك، تكتشف أنك ما زلت قادرًا على أن تورق أغصانًا جديدة.

في هذا العمر، حين يصبح الزمن أمامك، وتلتفت إلى ما خلفك، تدرك كم جُرت على جانب من حياتك لحساب جانب آخر، وتكتشف أنك وحدة متكاملة، وأن ما يصيب جزءًا منك تتداعى له بقية أجزائك.

حين يتألم جسدك، تهرول به إلى طبيب حاذق، وتظن أنك الإنسان الحكيم الذي يولي حياته اهتمامًا، ويحرص على ما يضمن توازنها وقدرتها على الاحتمال في هذا الزمن الأغبر.

وما إن ترى كتابًا أو بحثًا إلا وتسارع إلى اقتنائه، في محاولة يائسة للإفلات من آفة النسيان التي تنتظرك، وفي خضم كل هذا، تنسى أن تأخذ شهيقًا طويلًا، لتزفر معه أوجاع الروح وآلام النفس.

في وسط هذا اللهاث المحموم بين وظيفة لها متطلباتها، ومنزل تحاول إحكام سيطرتك عليه، وأطفال تتوهم أنك تصنع منهم نسخًا منك، تحمل أحلامك وطموحاتك، تتراكم القرارات المؤجلة، وتقبع المشكلات تحت الوسادة في انتظارك، وربما تتكدس في أعماقك دموع كثيرة لم تجد وقتًا لتذرفها.

وفي لحظة يتسرّب فيها الزمن من بين يديك، حين تقف عاريًا في خريف عمرك، كهذه الشجرة، تبدأ في إدراك كم أهملت نفسك، وكم غابت عن ثقافتنا أهمية الصحة النفسية، وغاب عنا امتداد آثارها إلى أجسادنا وأفكارنا، بل إلى تفاصيل حياتنا كلها.

تدرك أن العناية بنفسك ليست أنانية، وأن الاقتراب منها ليس ترفًا مؤجلًا إلى ما بعد الفراغ من مسؤولياتك، بل هو بداية الطريق الحق لفك شفرة الوجود. فكيف لنا أن نفهم العالم من حولنا، ونحن لم نتعلم بعد كيف نصغي إلى ما يحدث في أعماقنا؟ وكيف نعتني بمن نحب، ونحن نغفل عن ذلك الإنسان الذي يسكننا ويحتاج إلينا؟

ولعل أجمل ما يمكن أن نتعلمه في خريف العمر، أن نعود إلى أنفسنا قبل أن يفوت الأوان، وأن نمنح أرواحنا ما تستحقه من الإصغاء والرعاية؛ فحتى الأشجار التي أثقلتها السنون، تستطيع أن تورق من جديد.

تحية في اليوم العالمي للصحة النفسية لكل العاملين في هذا المجال، من أطباء وأخصائيين، ولكل الجهود العظيمة التي يبذلونها في الأخذ بأيدي المتعبين، ومساندة الذين أثقلتهم الحياة، ونشر ثقافة الوعي بالصحة النفسية.

تحية لكل يد تمتد لتنتشل إنسانًا من عتمته، ولكل من يذكّرنا بأن النفس، مثل الجسد، تحتاج إلى الرعاية، وأن الاعتراف بالألم ليس ضعفًا، وأن طلب المساعدة ليس انكسارًا، بل شجاعة تستحق التقدير.

***

منى الصالح

 

لا يوجد أبٌ يتمنّى أن يرى ابنَه ضائعًا أو هاربًا من البيت، لكنَّ الواقع يُثبت أنَّ بعض الأبناء لا يهربون من البيت بقدر ما يهربون من القسوة التي يعيشونها داخله!

في كثيرٍ من البيوت، يظنُّ الأب أنَّ الحزم يعني التسلّط والقسوة، وأنَّ التربية تعني السيطرة الكاملة بالصراخ والضرب والتوبيخ المستمر.

فيتحوّل الأب من قدوةٍ إلى جلّاد، ومن مُربٍّ إلى مصدر خوفٍ ورفض. والأب المتسلّط غالبًا ما يُنظر إليه كإنسانٍ بلا عاطفة، فينمو الكُره في قلوب الأبناء، ويُولد لديهم شعورٌ بالقهر، ورغبةٌ في الهروب من بيئةٍ لا تمنحهم الحب، بل تُشعرهم بالدونية والمهانة.

إنَّ الهروب من البيت ليس دائمًا علامةً على فساد الولد، بل يكون أحيانًا ألمًا مكتومًا في قلب ولدٍ مظلوم، يبحث عن الأمان في مكانٍ آخر، وقد يترتّب على ذلك ضياع الطريق، والانحراف عن جادّة الصواب.

يروي أحد المرشدين التربويين قصةَ مراهقٍ هرب من منزل أسرته ثلاث مرات خلال عامٍ واحد، بسبب الأسلوب العنيف الذي كان والده يعامله به. كان يتلقّى الضرب على أقلّ خطأ، ويُقابَل بالكلمات الجارحة بدلًا من الحوار.

وخلال إحدى الجلسات الإرشادية، قال المراهق

«كنتُ أتمنّى أن يعاملني كإنسان، لا كخصمٍ أو قاضٍ. كنتُ أشعر أنني سجينٌ لا ابن».

هذه الكلمات ليست سوى مثالٍ واحد من مئات الأمثلة التي تؤكّد أنَّ العنف لا يُربّي، بل يكسر، ولا يُصلح، بل يترك في النفس جروحًا قد يصعب اندمالها.

وكثيرٌ من الأبناء الذين يُربَّون بالعنف يُصبحون عدوانيين خارج البيت، أو ضعفاءَ منكسري الشخصية، يحملون في داخلهم آثارًا نفسيةً عميقةً قد لا تزول بسهولة.

إنَّ التربية لا تعني فرض السيطرة، بل تعني بناء علاقةٍ تقوم على الاحترام والحب والاحتواء. ومن أهم ما يجب أن يتعلّمه الآباء اليوم فنُّ التأديب الإيجابي؛ أن يتعرّف الأب على الخطأ، ويسأل عن أسبابه، ويشرح لابنه أثره، ويمنحه فرصةً للتصحيح.

وإن لم يستجب، فليكن العقاب بأسلوبٍ تربويٍّ هادئ، كتنظيم وقت استخدام الأجهزة، أو تقليل بعض الامتيازات، أو تنظيم وقت الخروج، بدلًا من أن يُفرغ الأب غضبه في ضربٍ أو صراخٍ يهدم ولا يبني.

فالأب ليس شرطيًّا في بيته، ولا القاضي الذي يصدر الأحكام، وإنما هو السند والقدوة والملاذ الآمن. وكلمةٌ طيّبة من الأب قد تُعيد إلى قلب ابنه ثقته بنفسه، وحضنٌ صادق قد يختصر سنواتٍ من الألم.

واليوم، تتوفّر برامج ودورات تساعد الآباء على تطوير مهاراتهم التربوية، فكلّما ارتفع وعي الأب، ارتفعت جودة التربية، وقلّت أخطاء الأبناء. فالتربية علمٌ وفنٌّ ومسؤولية، وليست مجرد أوامر ونواهٍ وعقوبات.

فلنُعِد النظر في علاقتنا مع أبنائنا قبل أن نخسرهم إلى الأبد، ولنتذكّر أنَّ الابن الذي يجد في أبيه حنانًا وأمانًا، لن يبحث عنهما في الطرق المجهولة.

فالأبوة ليست سلطةً تُمارَس، بل أمانةٌ تُحمَل، ورحمةٌ تُمنَح، وحبٌّ يبقى أثرُه في القلب ما بقي الإنسان.

ومن وحي المقال

يا أبَاهُ، إنَّ الفؤادَ أمانةٌ

فاحفظْهُ بالحبِّ الجميلِ وصُنْهُ

لا تجعلِ التأديبَ نارَ قسوةٍ

فالحبُّ أبلغُ ما يكونُ بفنِّه

وابنُكْ إذا وجدَ الحنانَ بأبِهِ

مَضَى إلى دربِ الحياةِ بأمنِهِ

***

بقلم صبيح الكعبي

لكي لا يُساء فهم المقال، فهو إقتراب سلوكي نفسي بحت من التأريخ بمتوالياته المأساوية، ومحاولة للفهم!!

ولا بد من العودة إلى الأساسيات التي إنطلق منها، فالمقال ليس معنيا بالإنجازات، ويركز على نظام الحكم الذي بقي متأرجحا حتى اليوم، وبسبب إنعدام الرؤية الواضحة الراسخة تمكنت الفردية والإجتهادات الشخصية من مسيرة الحكم في بلاد المسلمين.

فالخلفاء الراشدون الذين هم الأعرف بالشرائع وجوهر الدين، لرفقتهم لنبيه وأخذهم الدين من منبعه، لم يضعوا دستور حكم تمضي عليه الأجيال، ولم يجدوا حلا لعلاقة الدين بالدولة، أو كيف يكون الحكم في دولة الدين.

فلم يأتوا بصيغة عملية لمعنى "وأمرهم شورى بينهم "، "وإذا حكمتم فاحكموا بالعدل"، وغيرها من أمّهات الأفكار التي بموجبها يكون الحكم ، واعتبروا القرآن هو الدستور، وتركوا الأمور لإجتهادات فردية وتأويلات وتفسيرات أدّت إلى تداعيات مأساوية دامية.

هذا  الإخفاق تسبب بقتل ثلاثة منهم، ولو إستمر حكم الخليفة الأول أطول لربما كان مصيره القتل أيضا، لكنه توفى مبكرا وحكم أقل من ثلاث سنوات.

وعند وفاة النبي لم يكن للمسلمين دستور حكم مدني واضح، فنهضت القبلية والإجتهادات الشخصية والتأويلات المتضاربة، وبرزت إنشقاقات وتناحرات قاسية بينهم، بل بين الصحابة أنفسهم الذين صاروا يتقاتلون.

وفي زمنهم إزدحمت المدينة بأولاد الصحابة وما عرفوا حلا لها، مما تسبب بتصارعات حامية بينهم، لطلب السيادة والحكم والرئاسة أيا كان نوعها.

وتوسع دولة الإسلام أيقظ نوازع الرغبات الدفينة ومنطلقات الغنيمة، فهم يريدون الإغتنام والقيادة والإقتحام، لكنهم في المدينة مقيمون، ومع بعضهم يتجادلون ويتخاصمون .

وهذه الحالة أدّت إلى تداعيات تواصلت بعد إنتهاء فترة حكمهم، وكانت مروعة ولا علاقة لها بالدين، وإنما حروب متوحشة إنتهكت فيها جميع الحُرمات.

ووفقا للإجتهاد ولما هو متعارف عليه آنذاك، بدأت فكرة التوريث، التي كانت سائدة في أنظمة الحكم من حولهم، وأضافوا إليها البيعة، وإنطلقت عندما تولى الخلافة الحسن بعد مقتل أبيه في الكوفة، ولو أنها أعتبرت بيعة، ولا دخل لعلي بها، لكنها ظهرت بثياب التوريث، ومضى على نهجها معاوية وفقا للمنطق القبلي التناحري بين الأمويين والهاشميين، فأرادها توريثا.

ومنذ إنطلاق نظام الحكم بالوراثة وحتى اليوم، والعرب في مضطربات الحكم الفردي الخالي من الثوابت الدستورية والقوانين التي تحمي الدولة وحقوق المواطنين، فكلٌّ يحكم على هواه ومنطواه، وبسبب ذلك تأكد الضعف وما تمكنت الأمة من الإرتقاء إلى جوهر ما فيها من الطاقات والقدرات.

فتراكمت الأخطاء والخطايا في مسيرة دولة الدين، وما أعقبها من دول وحكومات معاصرة، إدّعت الدين.

ولا يزالون عاجزين عن كتابة عقد إجتماعي يصون كرامتهم وعزتهم، ويحافظ على وجودهم القوي الأبي المكين.

وبموجب ما تكرر وترسخ في الوعي الجمعي، صار الحاكم أو السلطان يمثل الزمان، ولهذا قالوا " إذا تغير السلطان تغير الزمان"، مما يشير إلى عدم وضوح نظام الحكم، وفقدانه للثوابت والأسس والمنطلقات الراسخة.

 ترى لماذا لم يتقدم أي من الخلفاء الراشدين برؤية واضحة، ولا بصورة دستورية وشرعية، لبيان أسس ومنطلقات الحكم وثوابته التي على المسلمين إتباعها؟

لماذا تقيّدوا بالبيعة وبإجتهادات لم تفلح في المنظور البعيد؟

الخلفاء الراشدون، لو نظرنا إلى نظام حكمهم لتبين أنه فردي يرتكز على مفهوم الخليفة صاحب الصلاحيات المطلقة، والإجتهادات التي تدعو لطاعتها وتمثلها.

وفكرة الخليفة من الخطايا التي لا تزال فاعلة فينا، لأنها تطورت وإكتسبت معان وتوجهات ما كانت تقصدها في بدايتها، لكنها صارت تعني نواب الله أو الحاكمين بأمره، فتعدت معنى النبوة، فالخليفة طاعته واجبة، وإن كان بلا إيمان ولا فهم بسيط لمعنى الدين.

ويبقى المسلمون يتصارعون في دوامة مفرغة مبهمة، لا توجد فيها صورة واضحة لمعنى الخليفة، ولا يترتب عليها دستور حكم ذو قيمة إنسانية معاصرة، وما تعنيه في جوهر ترجمتها هو الفردية المقدسة والطغيان والإستبداد والقول بالسمع والطاعة، وهو ديدن الكراسي التي سفكت دماء المسلمين، وربما يكون المسلمون هم الذين قتلوا من المسلمين أكثر مما قتله منهم أعداؤهم مئات المرات، فمسيرتهم مفعمة بقتلهم لبعضهم، ولا يزال المسلمون أعداء المسلمين، وتلك مصيبة أمة بدين.

فهل من قدرة على الخروج من هذا المستنقع، والتمعن بالمقال لا رميه بألف حجر ؟!!

بدستورٍ يُجمِّعُنا نكونُ

بأفرادٍ كما تَهوى نهونُ

إذا انْفلتتْ عِقالُ الفعلِ فينا

بصائرُنا سَتُعْمى أو نَخونُ

قِوانا في تَلاحُمِها اقْتدارٌ

بعُصْمَتها لوَحْدَتِنا نَصونُ

***

د. صادق السامرائي

أمس، الخميس الموافق الثامن من أكتوبر عام ٢٠٢٦، سعدت للمرة الثانية بمرافقة صديقي الدكتور إريك مولدر، كبير الباحثين في متحف التاريخ الطبيعي، إلى مدينة أوتومارسوم الهولندية الجميلة، والاستماع إلى محاضرته في إحدى قاعات دار الرعاية المخصصة لكبار السن. كانت المرة الأولى قبل نحو ثلاثة أشهر، وتحديدًا في الثامن من يوليو، إذا لم تخني الذاكرة، حين استمعت إليه يتحدث عن التنوع البيولوجي وأهميته في حماية البيئة. أما محاضرته الثانية، فقد اختار لها موضوعًا لا يقل إثارة عن الموضوع الأول: الطيور وتطورها.

لم أكن أعرف، قبل هذه التجربة، أن محاضرة علمية عن الطيور يمكن أن تتحول إلى ذلك اللقاء الإنساني البهيج، الذي تتداخل فيه المعرفة بالذاكرة، والعلم بالمتعة، والدهشة بفضول الإنسان الذي لا يشيخ بالضرورة حين يشيخ جسده. كانت القاعة مرتبة، والحاضرون من النساء والرجال، ومعظمهم تجاوزوا الثمانين من العمر، يجلسون في أماكنهم بانتظار المحاضر. وما إن بدأ إريك حديثه حتى وجدت نفسي أمام مشهد يستحق التأمل، ليس بسبب المعلومات العلمية التي قدمها فحسب، وإنما بسبب الطريقة التي استطاع بها أن يستحوذ على انتباه الحاضرين، ويستثير حماستهم، ويحافظ على تفاعلهم طوال ساعة كاملة.

تجربة تستحق أن تُسجل. فقد اعتدت أن أقف في قاعات الجامعة أمام طلاب تقل أعمار معظمهم عن الخامسة والعشرين، وأن أبذل جهدي لاستدراج انتباههم إلى أسئلة الفلسفة والتاريخ والحضارة، لكنني كثيرًا ما كنت أجد بعضهم شارد الذهن، وبعضهم الآخر يقاوم النعاس، فيما يبدو أن أفكار المحاضر تسير في اتجاه، وأذهان بعض المستمعين في اتجاه آخر. أما هنا، في قاعة دار الرعاية، فقد كان المشهد مختلفًا تمامًا. رجال ونساء تقدم بهم العمر، ومع ذلك كانوا ينصتون بشغف، ويتفاعلون بحيوية، ويشاركون في الحوار، وكأنهم يستعيدون شيئًا من شبابهم أمام موضوع يوقظ فيهم ذكريات الطبيعة وأسئلة الحياة.

والسؤال هو: كيف يستطيع إنسان أن يجعل المعرفة حدثًا حيًا، فيما تتحول المعرفة ذاتها، في بعض المؤسسات التعليمية، إلى عبء ثقيل على عقول المتلقين؟ وما الذي يجعل محاضرة علمية في قاعة صغيرة بدار رعاية أكثر حيوية من بعض المحاضرات الجامعية التي يفترض أنها موجهة إلى شباب يتقدون فضولًا وطاقة؟

أظن أن جزءًا من الإجابة يكمن في شخصية إريك مولدر، وفي خبرته الطويلة، وفي قدرته على تحويل العلم من معلومات تُلقى إلى تجربة تُعاش.

إذ يُعدّ الدكتور إريك مولدر عالم أحياء وحفريات هولنديًا، كرّس أكثر من أربعين عامًا من حياته المهنية للعمل في متحف ناتورا دوشيت (Natura Docet) بمدينة دينيكامب، منذ عام 1983 حتى تقاعده رسميًا في أكتوبر 2022. عمل قيّمًا للمتحف ومحاضرًا ومصممًا للمعارض، وأسهم في نشر المعرفة العلمية وتقريب علوم الطبيعة والحفريات من الجمهور. وتتركز أبحاثه في حفريات الفقاريات وجيولوجيا العصر الطباشيري، وله عشرات المنشورات والكتب العلمية. كما شغل منصب قيّم شرفي في متحف التاريخ الطبيعي بمدينة ماستريخت، وألقى محاضرات ضيفًا في جامعة تفينتي، وشارك خبيرًا في برامج تلفزيونية، منها برنامج الأطفال الهولندي الشهير Het Klokhuis. وتقديرًا لمسيرته العلمية والثقافية، مُنح عام 2022 وسام أورانج-ناسا الملكي برتبة فارس، وأُقيم معرض تكريمي بعنوان «خزانة غرائب إيريك»، احتفاءً بإسهاماته الممتدة في خدمة العلم والثقافة.

لم يدخل إريك القاعة محملًا بالأوراق والجداول والمصطلحات العلمية التي قد تفصل العالم عن جمهوره، وإنما اصطحب معه مجموعة من العينات المحنطة لطيور مختلفة، صغيرة وكبيرة، وضعها أمام الحاضرين لتكون جزءًا من المحاضرة، لا مجرد وسائل إيضاح هامشية. كانت الطيور حاضرة بأجسادها وألوانها وأشكالها، وأصبحت كل عينة مدخلًا إلى سؤال، وكل سؤال فرصة لاستثارة فضول الحاضرين بمثابة دعوة مفتوحة للمشاركة. كان يمنح الحاضرين فرصة للتخمين والتعليق وإبداء الرأي، ويستقبل إجاباتهم باهتمام، ويستثمرها في الانتقال إلى معلومة جديدة. وبهذه الطريقة، لم يعد المستمع متلقيًا سلبيًا ينتظر انتهاء المحاضرة، بل أصبح شريكًا في بنائها.

وهنا تتجلى براعة المحاضر الحقيقي. فليس المهم أن يعرف العالم أكثر مما يعرفه جمهوره، وإنما أن يعرف كيف يفتح أمامهم أبواب المعرفة، وكيف يجعلهم يشعرون بأن أسئلتهم جديرة بالاهتمام، وأن مشاركتهم جزء من قيمة اللقاء. العلم الذي لا يستطيع مغادرة لغته المتخصصة يظل حبيس المختبر والكتاب، أما العلم الذي يتحدث بلغة الناس، ويحترم خبراتهم وذاكرتهم، فإنه يصبح جزءًا من حياتهم اليومية.

وقد بدا لي أن إريك يمتلك هذه الموهبة عن جدارة. فهو لا يختصر المعرفة إلى حد الإخلال بها، ولا يعرضها في صورة أكاديمية جافة، بل يمارس ما يمكن أن نسميه فن التبسيط العميق؛ أي القدرة على تقديم الفكرة العلمية بلغة سهلة من دون التضحية بجوهرها. وهذا، في تقديري، من أصعب فنون التعليم والتواصل العلمي.

تجربة امس أيقظت في الذاكرة فكرة طالما وشغلتني طويلًا، وهي أن الاهتمام مفتاح المعرفة والفهم، وأنه ليس مجرد حالة نفسية عابرة، بل قوة دافعة تتصل بأصل الحياة نفسها. فالجوع يدفع الكائن الحي إلى البحث عن الطعام، والعطش إلى البحث عن الماء، والحاجة إلى الحب تدفع الإنسان إلى البحث عن حبيب، والحاجة إلى الاعتراف وتأكيد الذات تحفزه على الإنجاز والإبداع. وحين تموت الدافعية، تتراجع الحركة وتضعف المبادرة؛ فالأسد الذي لا يغادر عرينه بحثًا عن الغذاء يموت جوعًا، والثعلب النائم لا يصطاد الدجاج

كانت البومة من أكثر الطيور التي استوقفتني في محاضرته. فقد عرض منها ثلاثة أشكال مختلفة، فبدت لي فرصة مناسبة للانتقال من علم الأحياء إلى تاريخ الفلسفة، ومن جسد الطائر إلى المعاني الرمزية التي حملها في الذاكرة الإنسانية. وانا استمع اليه واشاهد البومة التي يتحدث عنها تذكرت مقال نشرته قبل أيام بعنوان «وداعًا بومة منيرفا الهيجلية»، ولفتت نظره إلى رمزية البومة في الميثولوجيا اليونانية، وارتباطها بالإلهة أثينا، إلهة الحكمة والمعرفة، التي عُرفت في الميثولوجيا الرومانية باسم مينيرفا.

تقول العبارة المنسوبة إلى هيجل إن بومة مينيرفا لا تبدأ طيرانها إلا عند الغسق؛ أي إن الفلسفة تفهم التاريخ غالبًا بعد اكتمال تجاربه وانكشاف تناقضاته. لكن فهم الواقع لا يعني الاكتفاء بتأمله، بل قد يمهّد لتغييره. وقد وجدت في البومة التي عرضها الدكتور إريك مولدر جسرًا بين عالم الطبيعة وعالم المعنى، وفرصة لاستكشاف جذور ارتباطها بأثينا ومينيرفا. هكذا أضافت المحاضرة بُعدًا جديدًا إلى تأملي الفلسفي، وأكدت أن المعرفة لا تعرف حدودًا فاصلة بين العلم والفلسفة؛ فقد تفتح عينة طائر محنط أبوابًا واسعة للتفكير في الحكمة والإنسان والطبيعة.

اصطحب المحاضر معه أنوع مختلفة من أزواج الطيور الأثرية في متحف التاريخ الطبيعي؛ قرابة عشرة أنواع من الطيور الصغيرة والكبيرة، غير أن المحاضرة لم تتوقف عند الأشكال الخارجية للطيور أو عند الفروق بين الذكور والإناث، بل قادتنا إلى السؤال الأوسع المتعلق بتاريخها التطوري. فالطيور التي نراها اليوم تحلق في السماء، أو تقف على أغصان الأشجار، أو تبحث عن غذائها في الحدائق والمروج، تحمل في أجسادها قصة تمتد ملايين السنين إلى الماضي السحيق.

وحين نفكر في أن أكثر من أحد عشر ألف نوع من الطيور يعيش اليوم في بيئات مختلفة حول العالم، ندرك حجم التنوع الذي أنتجته هذه المسيرة التطورية للكائنات الطايرة . تتباين الطيور في أحجامها وألوانها ومناقيرها وأصواتها وأساليب تغذيتها، لأن كل نوع يواجه شروطًا بيئية خاصة، ويطور ما يساعده على البقاء والتكاثر. ويكشف اختلاف المناقير، مثلًا، كيف ترتبط البنية الجسدية بوظيفة الكائن وبنوع الغذاء الذي يعتمد عليه ففي أنواع كثيرة، يمتلك الذكر ريشًا أكثر بريقًا، بينما تكون ألوان الأنثى أكثر هدوءًا، بما يساعدها على التمويه خلال حضانة البيض. لكن هذه القاعدة ليست عامة، فأنواع الطيور تختلف في أنماطها السلوكية والتكاثرية، وقد تتشابه الذكور والإناث في المظهر أو تنعكس بعض الفروق بينهما. وهنا تتيح ملاحظة الطيور نافذة لفهم العلاقة بين الشكل والوظيفة، وبين التكيف والبيئة، وبين البقاء والتكاثر.

وبينما كنت أتابع تفاعل الحاضرين مع هذه المعلومات، وجدت نفسي أعود إلى السؤال الذي رافقني منذ بداية المحاضرة: ما سر هذا الحضور الذهني الذي أبداه كبار السن؟ لقد كان بعضهم يبتسم، وبعضهم يجيب عن الأسئلة، وبعضهم يتأمل العينات بتركيز، وكأن كل طائر يعيد إليه ذكرى أو يوقظ لديه سؤالًا قديمًا. ولم تكن حماستهم مجرد استجابة لموضوع محبب، بل كانت أيضًا ثمرة أسلوب المحاضر الذي عرف كيف يحترم عقولهم، ويخاطب خبراتهم، ويمنحهم مساحة حقيقية للمشاركة فالتعلم ليس حكرًا على مرحلة عمرية، كما أن الفضول ليس امتيازًا للشباب. وقد يكون الإنسان، في الثمانين أو التسعين، أكثر استعدادًا للإنصات إلى المعرفة من شاب لم يتعلم بعد كيف يصغي.

خرجت من محاضرة إريك مولدر وأنا أشعر بأنني لم أستمع إلى درس عن الطيور وحدها، بل شهدت درسًا في فن التواصل الإنساني، وفي معنى أن تظل المعرفة قادرة على جمع الناس وإثارة دهشتهم، مهما اختلفت أعمارهم وخلفياتهم وتجاربهم. كان إريك عالمًا حين تحدث عن تطور الطيور، ومحاضرًا بارعًا حين استدرج الحاضرين إلى الحوار، وإنسانًا يعرف أن المعلومة تصبح أكثر رسوخًا حين تصل إلى القلب عبر باب العقل.

أشكر صديقي الدكتور إريك مولدر على هذه المحاضرة الممتعة، وعلى الدرس الإنساني العميق الذي قدمه، بقصد أو من دونه، في كيفية تحويل العلم إلى حوار، والمعرفة إلى بهجة، والتخصص إلى جسر يصل العالم بالناس. ففي ساعة واحدة بدار الرعاية، أدركت من جديد أن التعليم ليس حشدًا للمعلومات في العقول، وإنما إيقاظ لفضولها، وتحرير لأسئلتها، وفتح لنوافذ الدهشة أمامها. فالمحاضر الحقيقي ليس من ينتهي دوره بانتهاء حديثه، بل من يترك في نفوس مستمعيه أسئلة تواصل الحياة بعد مغادرته القاعة. وحين غادرنا، بقيت الطيور صامتة، وظلت البومة في مكانها، لكن نظرتي إليها لم تعد كما كانت؛ فقد رأيت فيها كائنًا من تاريخ الطبيعة، ورمزًا من تاريخ الفلسفة، وشاهدًا على قدرة المعرفة على وصل الأزمنة والعقول. وتلك أجمل هدايا اللقاء: أن نظل، مهما تقدم بنا العمر، قادرين على الدهشة، متعطشين للتعلم، رافعين رؤوسنا نحو العالم، نسأل ونكتشف ونبحث عن المعنى.

***

د. قاسم المحبشي

 

مع الشاعرة والكاتبة الكندية آن كارسون الفائزة هذا العام 2026.

ترجمة: د.محمد عبد الحليم غنيم

***

نشر موقع الجائزة نص المكالمة الهاتية اليون الجمة 9 من أكتوبر 2026. وفيما يلي نص المقابلة التي أجرتها لجنة نوبل أمس بالفائزة بنوبل فى الأدب آن كارسون :

جيني ريدين: مرحباً، أنا جيني ريدين من جائزة نوبل.

آن كارسون: أوه، جيد. حسناً، وصلنا. تفضلي.

جيني ريدين: حسناً، شكراً جزيلاً. أولاً وقبل كل شيء، تهانينا الحارة!

آن كارسون: شكراً. الأمر جنوني نوعاً ما.

جيني ريدين: كيف تشعرين الآن وكيف تلقيتِ الخبر؟ هل يمكنك أن تصفي لنا المشهد، من فضلك؟

آن كارسون: أنا فقط آكل بسكويتاً وأشرب كوب شاي. لا شيء دراماتيكي حقاً بعد. ما زالنا فى فترة الصباح. لذا لا أفعل سوى مجرد الجلوس في المطبخ أقرأ لندن ريفيو للكتب وأشرب الشاي. لاحظت أن الأرضية تحتاج إلى كنس، ، فقفزت لأقوم بذلك. ثم انهالت تلك المكالمات الهاتفية، وكنت أواصل إغلاقها لأني دائماً أغلق الهاتف عندما يرن.

روبرت كوري: أنا الزوج، وأنتِ مدينة لي لأنني من جعلها تتصل فعلاً برقمكم.

آن كارسون: أجل، هو يرد على الهاتف. عادةً أطفئ الهاتف. هو يرد ثم يجعلني أعاود الاتصال. يبدو الأمر جنونياً قليلاً. أعتقد أنكم جميعاً مجانين.

جيني ريدين: لماذا يبدو الأمر جنونياً ومجنوناً؟ ألم تتوقعي هذا؟

آن كارسون: حسناً، من سيتوقع ذلك بحق السماء؟

جيني ريدين: قلتِ إنك في منزلك، وأين ذلك؟

آن كارسون: في ريكيافيك، على البحر. لذا يطل على القطب الشمالي. آسفة أنني لست دراماتيكية جداً معك. مجرد يوم عادي هنا.

جيني ريدين: هل فكرتِ في ما تعنيه لك جائزة نوبل هذه؟

آن كارسون: لا، لم أفكر. نحن فقط نفكر في طرق للتبرع بالمال. لدينا صديق يحتاج منزلاً، ونحن دائماً نتبرع كثيراً لأطباء بلا حدود. أجل، أشياء من هذا القبيل.

جيني ريدين: كيف ستحتفلين بهذا الخبر غير المتوقع؟

آن كارسون: سنخرج ونسير في الغابة حتى لا نضطر للرد على الهاتف، بصراحة. ثم سنستمع إلى الهدوء.

جيني ريدين: جميل. بالحديث عنك ككاتبة وعن عملك؛ لشخص ربما لا يعرفك جيداً، كيف تصفين كتابتك؟

آن كارسون: غير مقصودة، هكذا أصفها. دائماً أحاول أن أفعل شيئاً آخر.

جيني ريدين: إذا كان شخص لا يعرفك جيداً ويرغب في معرفة المزيد عن كتبك وعملك، من أين تقترحين أن يبدأ؟

آن كارسون: لا أعرف. الأمر في أي مكان. معظم الناس يقرأون السيرة الذاتية. لقد قرأتها، تبدو سهلة الاستيعاب. لكن لا أعرف. ابدأ من الوسط، أقول دائماً.

جيني ريدين: بالحديث عن البداية؛ عندما تبدأين مشروع كتاب جديد، كيف تبدأين وكيف تبدو عملية كتابتك؟

آن كارسون: ابدأ من الوسط. إنها القاعدة الوحيدة لدي.

جيني ريدين: كيف ذلك؟

آن كارسون: حسناً، أياً كان ما تأخذينه من ذلك، اعثري على الوسط، ابدئي هناك.

جيني ريدين: هل لديك أي مصادر إلهام تعودين إليها؟

آن كارسون: هومر.

جيني ريدين: إذن أنتِ معلمة في الكلاسيكيات واستخدمتِ الكثير من هذه القصص لوضعها في سياق أكثر حداثة. لماذا تعتقدين أن لهذا علاقة بالناس اليوم؟

آن كارسون: إنه ليس كذلك. لا أعتقد أنني مهتمة بالعلاقة أو الصلة. أنا مهتمة بأن نكون ذوي صلة بهم.

جيني ريدين: قرأت أنك قلتِ إنه من المهم بالنسبة لك تجنب الشعور بالملل، الملل. لماذا ذلك؟

آن كارسون: حسناً، لا أحد يحب الشعور بالملل، أليس كذلك؟ ألا تتجنبينه؟

جيني ريدين: لماذا هو مهم جداً بالنسبة لك، في اعتقادك؟

آن كارسون: حسناً، ليس مهماً جداً. إنه مجرد معيار لما أفعله بعد ذلك في اليوم، كما تعلمين، أكنس الأرضية، أقرأ هومر. إنها مسألة تجنب الملل في كثير من الأوقات. الحياة مملة.

جيني ريدين: أتعتقدين ذلك؟

آن كارسون: افعلي شيئاً بها.

جيني ريدين: هذه نصيحة جيدة. وإذا كان شخص ما يطمح لأن يكون كاتباً، هل لديك رسالة له؟

آن كارسون: لا، نفس الرسالة، ابدأ من الوسط.

جيني ريدين: أستطيع سماع هواتفك ترن في الخلفية. شكراً جزيلاً لك على وقتك. تهانينا مرة أخرى.

آن كارسون: شكراً جزيلاً لك.

جيني ريدين: إلى اللقاء الآن.

آن كارسون: إلى اللقاء.

(انتهت المكالمة)

ليس كل من تعرض للظلم ضحية، وليس كل من مر بظروف قاسية وصعبة محكوماً عليه أن يعيش بقية حياته أسيراً لها وضعيفاً. فالإنسان قد يتعرض للفشل أو الخيانة أو الإهمال والتقصير وفقدان شخص عزيز أو  يعيش تجربة مؤلمة لم يخترها أو يكون سبباً فيها، وقد يكون بالفعل قد تعرض للظلم والجور أحياناً، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول ما حدث له من تجربة مؤلمة وصادمة إلى طريقة دائمة في النظر إلى الحياة على أنها مظلومية، فيرى نفسه دائماً مجني عليه أو مظلوماً، وأن الآخرين دائماً مسؤولين عن ذلك، والظروف دائماً ضده وتعانده وتعاكسه، ويصبح لديه القناعة بأنه لا يستطيع تغيير شيء. هنا تبدأ ما يمكن أن نسميه عقلية الضحية الذي يظن نفسه مستهدف ويتعرض للعقاب والنيل منه.

عقلية الضحية ليست مجرد شعور عابر بالحزن أو الإحباط، وإنما نمط عام من التفكير يجعل الإنسان يفسر معظم ما يحدث في حياته من خلال فكرة واحدة: "أنا لا أستطيع، لأن الآخرين أو الظروف منعوني وقيدوا حركتي". فإذا فشل في عمله، قال إن المدير لم ينصفه وأنه ظلمه ومايز زملائه عليه، وإذا لم يحقق هدفاً أو إنجازاً. قال إن الظروف لم تساعده وتقف في جانبه، وإذا اختلف مع شخص، رأى نفسه الطرف المظلوم والمعتدى عليه، وإذا ضاعت منه فرصة، انشغل بالحديث عن حرمانه منها بدل أن يسأل نفسه عن سبب ذلك وأنه قد يتحمل جزءاً كبيراً من ضياعها، وأن الخير في القادم من الفرص وكيف يمكن الاستعداد لها. ومع تكرار هذا النمط يصبح الإنسان أكثر تعلقاً بدور وعقلية الضحية، ليس لأنه يحب الألم بالضرورة، وإنما لأن هذا الدور يمنحه هامشاً من الهروب من مسؤوليته ويعفيه أحياناً من مسؤولية التغيير والسعي.

والإنسان عندما يعتاد أن يرى نفسه ضحية يبدأ تدريجياً بفقدان الإحساس بقدرته على التأثير وصناعة المواقف والأحداث. فهو لا يبحث عن الحل بقدر ما يبحث عن الشخص الذي يحمله المسؤولية. ويضع عاتق ما يحصل له على رقبة غيره ومسؤوليته، ولا يسأل: ماذا يمكنني أن أفعل؟ بل يسأل: لماذا يفعلون بي هذا؟ ولماذا أنا على وجه الخصوص دون غيري من الناس؟ ولماذا لا يساعدني أحد ويقفون في جانبي؟ وهنا تتحول المشكلة من حدث خارجي إلى مشكلة داخلية الشكوى والتذمر وإتهام الآخرين، لأن الإنسان لا يعود يتعامل مع الواقع كما هو، وإنما يتعامل معه من خلال عدسة عقلية ونفسية تجعله يرى العجز أكثر مما يرى الإمكانات المتاحة والفرص السانحة.

والأخطر أن عقلية الضحية قد تصبح مريحة بطريقة خفية؛ دون ان يدري ويعلم تأثيرها السلبي عليه، لأنها تمنح الإنسان مبرراً ومسوغاً لعدم المحاولة والتجريب مرة أخرى. فإذا كان الآخرون هم السبب في كل شيء، فلماذا أتعب نفسي أو اشقى بها؟ وإذا كانت الظروف هي التي تمنعني، فلماذا أبدأ وأكرر المحاولة؟ وإذا كان الجميع ضدي، فلماذا أثق بأحد أو أشعر بالراحة والطمأنينة منه؟ وهكذا يصبح اللوم ورمي الحمل على الغير وسيلة للهروب من المسؤولية والتنصل منها، وتصبح الشكوى بديلاً عن الفعل والعمل التصحيحي، ويصبح انتظار إنصاف الآخرين أهم من صناعة الإنسان لخياراته بنفسه وتطويرها والسعي الجاد للبحث عن سبل الحياة وطرق النجاح والتميز فيها.

لكن تحمل المسؤولية لا يعني أن ننكر الظلم أو نتجاهله أو نحمل الإنسان مسؤولية كل ما حدث له. هناك أشياء تقع خارج إرادتنا يرتكب منها الناس بالأخطاء، وهناك أشخاص قد يؤذوننا فعلاً، وهناك ظروف قد تكون أقوى من قدرتنا على التحكم فيها وقيادتها. إلا أن هناك فرقاً كبيراً بين أن يكون الإنسان ضحية لحدث وبين أن يجعل من الضحية هوية يعيش بها ويعتاش منها. قد لا أكون مسؤولاً عما حدث لي، لكنني مسؤول بدرجة كبيرة عن الطريقة التي سأتعامل بها مع ما حدث ومع من أتعامل معه ويسهم في الحدث نفسه، وعن الخطوة التي سأخذها بعد ذلك، وعن الطريقة التي سأبني بها حياتي من جديد حتى أتجاوز الأخطاء.

وهنا تظهر القوة الحقيقية في الإنسان وقدرته على التغيير وصناعة الفرص. فالقوي ليس هو الذي لم يتعرض للألم أو الفشل، وإنما هو الذي استطاع أن يمنع الألم من أن يصبح مفهوماً وتعريفاً كاملاً لشخصيته. قد تفشل، لكن الفشل لا يعني أنك فاشل أو عديم النفع والفائدة. وقد تتعرض للخيانة، أو تعمد الاخرين من حولك عدم مساعدتك أو الوقوف إلى جانبك، لكن ذلك لا يعني أن جميع الناس خائنون ويتعمدون الإيذاء لك والنيل منك. وقد تخسر فرصة، لكن ذلك لا يعني أن فرص الحياة انتهت وأن الحياة مليئة بالمحطات التي يتمكن منها المرء من النجاح. وقد تتعرض للظلم، لكن ذلك لا يعني أن مستقبلك أصبح ملكاً ورهناً لمن ظلمك. أو تجاوز حده معك. فالإنسان أكبر من التجربة التي مر بها، والماضي جزء من قصته، لكنه ليس بالضرورة خاتمة قصته، فهو قادر على تجاوز معاناته والعبور منها إلى نفق أكثر إشراقاً وضوءاً.

ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا ليس دائماً: "لماذا حدث هذا لي؟"، وإنما: "ماذا أستطيع أن أفعل الآن حيال ما حدث معي؟". السؤال الأول قد يعيدنا إلى الماضي ويستنزف طاقتنا ويضعفنا في البحث عن تفسير أو مذنب، أما السؤال الثاني فيعيدنا إلى الحاضر ويضع أمامنا إمكانية الفعل والتعديل والتبديل للأحسن والأفضل. قد لا أستطيع تغيير ما حدث، لكنني أستطيع أن أتعلم منه. وأخرج فوائد جمة لكي أقف من جديد وأحاول لكي أتمكن من الوصول والسير نحو الطريق الموصلة للخير والنفع. قد لا أستطيع تغيير الآخرين، لكنني أستطيع أن أضع حدوداً واضحة معهم. وأستطيع أن أقود حياتي بشكل أفضل وأتحكم في الظروف كلها، لكنني أستطيع أن أبحث عن الخيارات المتاحة داخل هذه الظروف. وأصنع منها واجهة سليمة وموفقة.

ولعل من أكثر الأمور التي تساعد الإنسان على الخروج من عقلية الضحية أن يتعلم التفريق بين ما يستطيع التحكم فيه وما لا يستطيع قيادته والسيطرة عليه. فلا يهدر طاقته في محاولة تغيير الناس أو الماضي أو الظروف الخارجة عن إرادته، وإنما يوجه اهتمامه إلى أفكاره وقراراته وسلوكه ومهاراته وعلاقاته وحدوده وأهدافه. عندما يفعل ذلك يبدأ باستعادة شيء مهم جداً فقده أثناء شعوره بالعجز، وهو الإحساس بالقدرة والقوة على الفكرة الإيجابية والفعل والممارسة الفضلى.

وهذه الفكرة ينبغي أن تبدأ منذ الطفولة. فالطفل الذي يتربى ويتنشأ ويتعود أن يحل والداه كل مشكلة نيابة عنه قد يكبر وهو ينتظر من الآخرين إنقاذه ومساعدته، بينما الطفل الذي يجد من والديه دعماً وتشجيعاً مع مساحة للمحاولة والخطأ والتجريب يتعلم تدريجياً علأى الصبر ويعتقد أنه قادر على مواجهة المشكلات. والأزمات. لذلك لا ينبغي أن تكون التربية مجرد حماية الطفل من الصعوبات، وإنما يجب أن تكون كذلك تدريباً له على التعامل مع ظروف الحياة وتعاملاته مع غيره. ليس المطلوب أن نقول له دائماً: "لا تقلق، سأحل المشكلة"، وإنما أن نقول له: " أنا إلى معك وإلى جانبك، وسأساعدك عندما تعجز عن حل مشاكلك وتحدياتك حتى تتعلم كيف تحل المشكلة بنفسك وتتعود على مواجهة المواقف والأشخاص في حياتك.

إن التخلص من عقلية الضحية لا يعني أن نتوقف عن الحديث عن الظلم أو الجور الذي يحدثه الآخر، ولا أن نبرر أخطاء الناس وأفعالهم، ولا أن نطلب من الإنسان أن يتقبل الإساءة أو يسكت عن حقوقه ويضعف أمام جشع وعنجهية غيره. بل يعني أن ندرك أن المطالبة بالحق شيء، والعيش الدائم في دور المظلوم شيء آخر. يمكن للإنسان أن يطالب بحقه وفي الوقت نفسه يواصل بناء حياته. يمكنه أن يعترف بألمه دون أن يسمح للألم إضعافه أو قيادة ظروفه  ومستقبله. ويمكنه أن يقول: "لقد تأذيت"، دون أن يقول: "لقد انتهيت أو تآمر علي فلان وسبب لي هذه الأفعال".

في النهاية، قد لا نختار كل ما يحدث لنا، لكننا نملك مساحة من الاختيار في كيفية الاستجابة له والتعامل معه. وبين الإنسان الذي يقول: "لقد حدث هذا لي، ولذلك لا أستطيع"، والإنسان الذي يقول: "لقد حدث هذا لي، ولكن ماذا أستطيع أن أفعل الآن؟"، يكمن فرق كبير في طريقة النظر إلى الحياة والتعامل معها. الأول يبقى أسيراً لما حدث، أما الثاني فيبدأ في استعادة زمام حياته وقيادتها.

لذلك لا تجعل جرحك هويتك، ولا تجعل ماضيك سجناً لمستقبلك، ولا تمنح الآخرين سلطة أكبر مما يستحقون على حياتك. قد تكون قد تعرضت للظلم، لكنك لست الظلم. وقد تكون قد فشلت، لكنك لست الفشل. وقد تكون قد خسرت، لكنك لست الخسارة. أنت الإنسان الذي يستطيع أن يتعلم، ويتغير، ويبدأ من جديد. فالحياة لا تسألنا دائما عما حدث لنا، بقدر ما تسألنا عما سنفعله بما حدث لنا كيف نعبره ونتجاوزه.

***

د. اكرم عثمان

9-10-2026

ليس أمراً عسيراً على من اعتاد التنقيب في أروقة الأدب العربي الحديث أن يتبين أن ساحة الإبداع السردي في مصر، على ما لها من سعة وامتداد وتنوع، تخضع لمنطق لا صلة له بالضرورة بجودة النص. منطق السوق، وشبكات العلاقات، وأضواء الإعلام، ومنظومة الجوائز. وفي ظل هذا المنطق، يبرز عدد من الكتاب اختاروا، أو فُرض عليهم، أن يكتبوا بعيداً عن الضجيج، مكتفين بالنص وحده شاهداً على تجربتهم. ومن هؤلاء الكاتب البارع خالد إسماعيل، الذي ينتمي جيلياً وجمالياً إلى ما اصطلح على تسميته «جيل التسعينيات»، وإن اتخذ منه موقفاً نقدياً صارماً، فلم يجد في انتمائه الجيلي ما يعفيه من مساءلة التجربة ذاتها.

السياق التاريخي والثقافي

تتشكل التجارب الأدبية الكبرى، في الأغلب، في سياقات تاريخية محددة تترك بصماتها في الرؤية واللغة والاختيار السردي. وجيل التسعينيات في مصر ليس استثناء من هذه القاعدة؛ إذ نشأ وتربى في ظل انفتاح اقتصادي وثقافي أفرز تحولات عميقة في بنية المجتمع المصري. أنتج هذا الجيل عدداً من الأصوات السردية المهمة، لكنه تفكك ولم يقدم مشروعاً جماعياً متماسكاً. وملاحظة كهذه، تصدر عن كاتب ينتمي إلى الجيل ذاته، تكشف عن وعي نقدي نادر، لأن الانتماء الجيلي في الثقافة العربية كثيراً ما يتحول إلى امتياز غير قابل للمساءلة، لا إلى موضوع للتحليل.

النشأة والتكوين

وُلد خالد إسماعيل في قرية «كوم العرب» قرب طما بمحافظة سوهاج. وهذه المنطقة ذات دلالة خاصة في التاريخ الثقافي المصري؛ فهي تقع في نطاق تجاورت فيه الحضارات المصرية القديمة والقبطية والعربية الإسلامية. ولم يكن هذا التجاور تعايشاً سطحياً، بل كان تفاعلاً عميقاً أنتج أشكالاً ثقافية مركبة، من بينها السيرة الهلالية، التي لا تزال حاضرة في الوجدان الشعبي في الجنوب، والتي سيستلهم منها خالد إسماعيل لاحقاً بعض أعماله.

جاء خالد إسماعيل إلى القاهرة عام 1992، وهو عام شهد تصاعداً وتحولاً في المزاج الثقافي العام، وبداية مرحلة جديدة في العلاقة بين الدولة والمثقفين. عمل في الصحافة، أولاً في «الأهالي»، ثم في مجلة «الإذاعة والتلفزيون»، حيث انتهى نائباً لرئيس التحرير. وهنا تبرز مسألة جوهرية في تجربته، وهي تعريفه لنفسه بأنه «كاتب يعمل في الصحافة»، لا «صحفي يهوى الأدب». وهذا التعريف، على بساطته اللغوية الظاهرة، ذو دلالة عميقة في تاريخ العلاقة بين الصحافة والأدب في مصر، تلك العلاقة التي أنتجت ظواهر أدبية مهمة منذ عشرينيات القرن الماضي وصولاً إلى جيل نجيب محفوظ ويوسف إدريس، حيث كانت الصحافة غالباً الميدان الاقتصادي للكاتب، لا مقياسه الجمالي.

الكتابة والالتزام

ما يميز خالد إسماعيل في هذا السياق أنه يتعامل مع الصحافة بوصفها تجربة معرفية تثري الكتابة، حيث يرى أن الصحافة علمته أن يسأل عند كل جملة هل يفهمها القارئ؟ وهذا السؤال، البسيط في ظاهره، عميق في مضامينه، لأنه يشير إلى مفهوم متأصل للكتابة يقوم على التواصل لا على الاستعراض اللغوي؛ وهو المفهوم الذي يميز أهم الساردين المصريين، من محفوظ إلى يوسف إدريس إلى خيري شلبي. كما أن هذا المفهوم هو ما يميز السرد المصري في أفضل حالاته عن كثير من السرد العربي المعاصر الذي يميل إلى الانغلاق والغموض.

غير أن الملمح الأكثر إثارة في تجربة خالد إسماعيل هو موقفه من «الوسط الثقافي». فقد انسحب منه منذ عام 2005، وتوقف عن حضور اللقاءات والندوات والمهرجانات، منتقداً ما سماه حفلات «تجميل المشاهير» في وسائل الإعلام، ورأى أن الجوائز الأدبية في مصر ليست سوى شبكة علاقات عامة. وهو موقف نقدي صريح يستحق التوقف، لأنه يصدر عن كاتب عاش داخل المؤسسة الثقافية، ومن ثم يعرف آلياتها الداخلية معرفة مباشرة.

الجانب الأكثر دلالة في هذا الموقف هو ما يتعلق بمسألة النشر. فقد نشر خالد إسماعيل ستة كتب في دار «ميريت»، التي أسسها الراحل محمد هاشم، والتي تعد من أهم دور النشر الخاصة في مصر والعالم العربي، إذ انطلق منها عدد كبير من الأسماء التي تشكل اليوم خريطة السرد المصري. ومع ذلك، لم يوقع إسماعيل عقداً واحداً مع هاشم. وهذه المسألة، التي تبدو إدارية أو قانونية في ظاهرها، ذات دلالة ثقافية عميقة؛ لأنها تكشف عن مفهوم مختلف لعلاقة الكاتب بالناشر، لا يقوم على الالتزام التعاقدي بل على الثقة المتبادلة، أو ربما على رفض الانضواء في «شبكة» النشر التي تحكم سوق الكتاب في العالم العربي.

من القرية إلى النص

على المستوى الأدبي، تشكل القرية الصعيدية المتن السردي الأساسي في أعمال إسماعيل. بدأ نشر أعماله في أواخر التسعينيات مع «درب النصارى» (1997) و«غرب النيل» (2002)، ثم توالت أعماله: «عقد الحزون»، و«قهوة الصحافة»، و«زهرة البستان»، و«العباية السوداء»، و«حكايات عائلية». وكل هذه الأعمال تشترك في كونها تستكشف الصعيد كفضاء اجتماعي وثقافي معقد، تتشابك فيه العلاقات الطبقية بعلاقات القرابة، وتتصادم فيه الحداثة بالتقاليد، وينتج عنهما معاً أشكال من الوعي واللاوعي الجماعي.

في «عرق الصبا»، على سبيل المثال، يعود خالد إسماعيل إلى ثورة الفلاحين في «قاو الشرق» في عهد الخديوي إسماعيل، وهي ثورة نسيها أو تناساها التاريخ الرسمي، لكنها ظلت حية في الذاكرة الشعبية على شكل مواويل وأحاجي. وهذا النبش في التاريخ غير المكتوب هو ما يمنح كتابة خالد إسماعيل ثقلاً خاصاً، ويضعها في تقليد أدبي عربي مهم، هو تقليد الرواية التاريخية الشعبية الذي يمتد من «حديث عيسى بن هشام» للمويلحي إلى أعمال أمثال عبد الرحمن الشرقاوي وخيري شلبي.

وفي «قهوة الصحافة»، يتناول خالد إسماعيل المهنة التي يعرفها جيداً، لكنه لا يكتب «فضيحة»، بل يكتب نماذج بشرية من الصحفيين: من قهر فقهر، ومن خرّب مهنة نبيلة. وهذه المقاربة، التي تتجنب الفضيحة لصالح التحليل، تشير إلى نضج سردي مهم، وإلى رفض للكتابة الاستعراضية التي تبحث عن الإثارة السريعة.

أما آخر أعماله في «ميريت»، فهي المجموعة القصصية «مقتل بخيتة القصاصة» (2022)، وتضم سبع قصص ورواية قصيرة بعنوان «مذكرات رفيق سلاح»، وتمتد أحداثها من أربعينيات القرن الماضي إلى تسعينياته. وفي هذه المجموعة، يظهر إسماعيل متمكناً من تقنيات القصة القصيرة، قادراً على اختزال عقود من التاريخ الاجتماعي في مشهد واحد. ففي القصة التي تحمل عنوان المجموعة، يلتقي عائد من المدينة في المحطة بامرأة كانت تبيع الفطائر أمام المدرسة في طفولته، فصارت تبيع المناديل والكبريت. هذا المشهد الصغير، الذي لا يشكل حدثاً بالمعنى التقليدي، يحمل في طياته نصف قرن من التحولات الاجتماعية والاقتصادية في مصر، من دون شرح أو تعليق، تاركاً للقارئ مهمة إكمال المعنى.

وفي عام 2024، صدرت روايته «أبو القمصان»، وهي مستوحاة من السيرة الهلالية، إذ إن «أبو القمصان» هو العبد الذي ولد في اليوم نفسه الذي ولد فيه الفارس أبو زيد الهلالي، وظل الثنائي حاضراً في المخيلة الشعبية الجنوبية. وهنا يظهر إسماعيل مرة أخرى ككاتب يعرف أن التراث ليس ديكوراً يمكن استعارته لتزيين النص، بل هو مادة بناء حية يمكن أن تنتج سرداً معاصراً.

على الرغم من هذه التجربة الأدبية الممتدة لأكثر من ربع قرن، وأن نقاداً بارزين مثل محمد سليم شوشة ومصطفى الضبع ومجدي توفيق ويسري عبدالله وشريف الجيار كتبوا عنه، وأن أعيان الثقافة المصرية مثل عبد الوهاب الأسواني وعبد الرحمن الأبنودي وفاروق عبد القادر قدّموا تجربته، فإن خالد إسماعيل لا يزال في هامش المشهد الثقافي المصري. وهذا الهامش، الذي اختاره الكاتب جزئياً، وفرض عليه جزئياً، يستحق التأمل؛ لأنه يكشف عن آليات الاعتراف في الثقافة العربية، حيث لا يكفي النص الجيد وحده لضمان المكانة، بل لا بد من «الشبكة» و«الظهور» و«الجائزة».

في المحصلة، تجربة خالد إسماعيل تستحق أن تقرأ بوصفها شهادة على لحظة تاريخية في الثقافة المصرية، وعلى آليات الاعتراف والتهميش فيها، وعلى إمكانية الكتابة الجادة خارج «الشبكة» و«الأضواء» و«العقود». وهذا كله يجعل من هذا الكاتب الصعيدي نموذجاً يحتاج إلى دراسة أعمق، وإلى قراءة أكثر إنصافاً.

***

د. عبد السلام فاروق

في المثقف اليوم