عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أقلام حرة

بحماس صحفية شابة، كنت قد خالفت في اوائل التسعينات الاصوات الداعية الى ضرورة صعود قيادات شابة واستخدام دماء جديدة في ألمواقع القيادية في الدولة وطالبت وقتها بالابقاء على اصحاب الخبرة والتجارب الطويلة لقدرتهم على تفادي الاخطاء والادارة بحكمة واستندت في ذلك على آراء المواطنين الذين التقيت بهم، لكن مدير قسمي رفض نشر تحقيقي آنذاك على الرغم من اعجابه بحماسي وجرأتي لأنه كان من (اصحاب الخبرة) ولذلك نبهني الى حقيقة لم تخطر في بالي، ففي تلك الفترة بالذات، كان نجل الرئيس المخلوع قد تبوأ عدة مناصب قيادية لاتتناسب مع عمره مثل نقيب الصحفيين ورئيس اللجنة الاولمبية ورئيس تحرير صحيفة بابل، وكذلك كان الأمر مع شقيقه الاصغرالذي ترأس أهم جهاز أمني في البلاد وهو جهاز الأمن الخاص ...قال لي مديري ان تحقيقي لن ينشر أبدا لأن (أصحاب الخبرة) في صحيفتي لن يخاطروا بذلك ففي ذلك ربما نهايتي ونهايتهم .. من يومها وأنا انظر الى كبار القياديين في مواقع الدولة باكبار وتقدير فهم يرون مالايراه الشباب ويدركون حجم المخاطر الناجمة من التهور والحماس ..

تذكرت هذه الحادثة عندما جرى تكليف رئيس وزراء جديد شاب بقيادة الدولة وتشكيل حكومة جديدة، وفي الحال تصدر المشهد مصطلح (الازاحة الجيلية) وبرزت العديد من الاصوات لتنادي به كعلاج ناجع لأوضاعنا المزرية بينما انتقدت أصوات أخرى عديدة تسليم مقدرات الدولة بأياد شابة قد يتفوق لديها التهور والحماس على الخبرة والحكمة ..

لقد فرض علينا رئيس الوزراء الحالي كما فرض علينا نجلا الرئيس المخلوع لكن هنالك اختلاف بين الحالتين ففي الماضي، كانت القيادة تحكم بسياسة الصوت الواحد، اما اليوم، فلابد ان يكون للحكم الديمقراطي (حسنة) وحيدة وهي أن يشارك مجلس نواب من الشعب في الحكم وان يستنير الحاكم بآراء مستشاريه ...أليست هذه فرصتنا الوحيدة لنستقبل القيادات الشابة بالقبول والاستحسان فيما لو لجأ رئيس الوزراء الى اختيار تشكيلة وزارية على أساس الكفاءة والخبرة والتاريخ النزيه والاستعانة بمستشارين أمينين يحملون هم بناء الوطن وحمايته ؟

اذن، لن يكون بمقدورنا رفض الازاحة الجيلية المفروضة علينا او حتى انتقادها لأن كلامنا سيكون هواء في شبك ولكن بمقدورنا أيضا أن ندعو الى التخلص من تأثير الاحزاب والمحاصصة واستبعاد الوجوه المستهلكة والالتجاء الى الخبرة والروح الوطنية والنزاهة فهي الحل الحقيقي الناجع لأوضاعنا المزرية !

***

عدوية الهلالي

هناك نساء لا يمكن اختصارهن بكلمة، ولا احتواؤهن داخل وصف عابر. نساء يشبهن الضوء حين يدخل الأماكن المعتمة دون استئذان، فيعيد ترتيب المعنى في كل شيء. المرأة الاستثنائية ليست تلك التي تبحث عن الأضواء، بل التي تصنع أثرها بهدوء، وتترك في الأرواح شيئًا لا يُنسى.

هي امرأة تعرف أن القوة لا تعني القسوة، وأن الرقة ليست ضعفًا. تحمل قلبًا ممتلئًا بالحياة، لكنها في الوقت ذاته تعرف كيف تواجه العواصف دون أن تنكسر. تمرّ عليها الأيام الثقيلة، فتزداد نضجًا لا انطفاءً، وتتعلم من خيباتها كيف تمضي بثبات أكبر نحو ذاتها.

المرأة الاستثنائية لا تعيش على هامش الحياة، بل تكون جزءًا أصيلًا من معناها. تمنح من حولها الطمأنينة، وتزرع الأمل حتى في أكثر اللحظات قسوة. تشبه الأرض الطيبة؛ مهما أثقلها التعب، تبقى قادرة على الإزهار من جديد. وفي حضورها شيء من السلام، وشيء من الكبرياء، وشيء من الحنان الذي لا يُشبه أحدًا.

هي لا تنتظر من العالم أن يمنحها قيمتها، لأنها تدرك جيدًا من تكون. تعرف أن الاستثنائية لا تُقاس بالمظاهر، بل بالقدرة على البقاء نقية رغم كل ما يتركه الزمن من تعب. لذلك تراها تمضي بخطوات واثقة، حتى وإن كانت الطريق مليئة بالعثرات.

وحين تحب، تمنح حبًا يشبه الدفء الحقيقي؛ حبًا يرمم ولا يهدم، يضيء ولا يطفئ. فهي لا تكون ظلًا لأحد، بل روحًا كاملة تسير بجانب من تحب دون أن تفقد نفسها. وفي داخلها دائمًا مساحة من النور تقاوم العتمة، ومساحة من الإيمان تجعلها قادرة على البدء من جديد مهما حدث.

المرأة الاستثنائية ليست امرأة مثالية، بل امرأة حقيقية. تشعر، وتتعب، وتخاف أحيانًا، لكنها لا تسمح للهزيمة أن تسكنها. ولهذا تبقى مختلفة؛ لأنها تعرف كيف تحوّل الألم إلى قوة، والخذلان إلى نضج، والصمت إلى حضور يليق بها.

إنها امرأة تشبه الحياة حين تكون أكثر صدقًا… وأكثر جمالًا.

***

بقلمي: ربى رباعي - الاردن

 

الفرق بين التفكير الوثني، والتفكير الإلحادي؛ هو أن المُلحد يسأل ليُعجز مناظريه بمحاولات فاشلة منه لإثبات أن الكون لا خالق له، وأما الخطاب الروحاني فهو يجيب عن كل ما لم نسأل عنه في الدين؛ ليوهمنا أن الكون تفاعل مع ذبذباته، وأن عقله الباطن يستجيب لرغباته فيجلب له السعادة ويجذب له النجاح بفضل إيجابيته السطحية.

الحج بين التلبية الخالصة والبحث عن "الطاقة الإيجابية"

مناسك الحج لله وحده، لكن هناك من أصبح يمارسها للشفاء وللمباركة بالحجر الأسود وأصبحت نية الطواف هي التخلص من الطاقات السلبية، وليس تلبية لله وحده ولقضاء فريضة الإسلام…

فهم يقولون (أن الكعبة مركز الكون وليست مركز الأرض فقط، وعندما ندور حول الكعبة ندور عكس عقارب الساعة فتتجمع الطاقة الإيجابية نتيجة الإيمان بالله).

الحج لديهم مجرد وسيلة لجمع الطاقة الإيجابية، فإيمانهم إيمان مشروط، بل إنه نفاق، وفتنة عظيمة تسحر العقول الضعيفة وتريب القلوب.

فهل أصبحت مناسك الحج وثنية؟

وأما موضوع مناسك الحج فقد لفق الشيطان فيه، ونفث، وهمز حتى أقنع الملحدين بأن مناسك الحج طقوس وثنية يمارسها المسلمون مثل الوثنيين، وحاشا لله، وحاشا عباده المسلمين من هكذا وصف لا يليق بحق الإسلام.

لا دخل لي في الملحدين ولا في أفكارهم؛ لأني أخاطب هنا مسلمين فقط، لكن للإنذار، وللتحذير، ولأن هذه الأفكار للأسف قد أصبحت منتشرة بصورة مبطنة، ومبهرجة، وبطريقة إسلامية تجعلك لا تعرف أنها نفسها أفكار الشيطان الشركية، والإلحادية؛ بل إنهم يسمونها علم الطاقة الكونية، وعلم الروحانية.

وللأسف فقد وجدت أن هذه الوثنية تُمارس فعلاً في عصرنا هذا ويطبقها أصحاب القلوب المريضة.

رد الدكتور مصطفى محمود على شبهة "الوثنية" في المناسك.

عندما قرأت كتاب "حوار مع صديقي الملحد" قرأت موضوع أفزعني جدًا وهو (هل مناسك الحج وثنية؟) وهذا يعتبر تفكيراً شيطانياً بحتاً، وكل الأفكار التي تناولها الكتاب كانت أفكاراً شيطانية من الدرجة الأولى، ذكر فيه كل الأساليب الخبيثة التي يقنع الشيطان بها أهل الضلال أن ضلالهم نور، وأن نور الإسلام ضلال.

سأل الملحد الدكتور مصطفى محمود قائلاً: (ألا تلاحظ معي أن مناسك الحج عندكم هي وثنية صريحة؟ ذلك البناء الحجري الذي تتمسحون به، وتقبيل الحجر الأسود، والسبع طوفات والسبع رجمات وهي بقايا من خرافة الأرقام الطلسمية..).

أجاب الدكتور مصطفى محمود في هدوء:

«ألا تلاحظ معي أنت أيضاً أن في قوانين المادة التي درستها أن الأصغر يطوف حول الأكبر؟ الإلكترون في الذرة يدور حول النواة، والقمر حول الأرض، والأرض حول الشمس.. إلى أن نصل إلى "الأكبر مطلقاً" وهو الله.. ألا نقول "الله أكبر"؟ وأنت الآن تطوف حوله ضمن مجموعتك الشمسية رغم أنفك ولا تملك إلا أن تطوف، فلا شيء ثابت في الكون إلا الله هو الصمد الصامد الساكن والكل في حركة حوله. أما نحن فنطوف باختيارنا حول بيت الله.. وهو أول بيت اتخذه الإنسان لعبادة الله، فأصبح رمزاً وبيتاً لله.»

«ألا تضعون باقة ورد على نصب حجري وتقولون إنه يرمز للجندي المجهول؟ فلماذا تلوموننا لأننا نلقي حجراً على نصب رمزي نقول إنه يرمز إلى الشيطان؟ ألا تعيش في هرولة من ميلادك إلى موتك؟ أليست هذه هي الحركة البندولية لكل المخلوقات؟ ورقم 7 الذي تسخر منه.. ما السر في أن درجات الطيف الضوئي 7، والإلكترونات تدور حول نواة الذرة في نطاقات 7، وأيام الأسبوع 7؟ ألا يدل ذلك على شيء؟ أم أن كل هذه العلوم هي الأخرى شعوذات طلسمية؟ نحن لا نتجه بمناسك العبادة نحو الحجارة ذاتها.. وإنما نحو المعاني العميقة والرموز والذكريات.»

الروحانية المعاصرة: تقديس الذات والكون بديلاً عن الخضوع

في عالمنا الجديد أصبح للقمر طاقة تمد الإنسان بها وللشمس طاقة وللكون طاقة، ليست تلك الطاقة المعروفة لديك "الطاقة الحرارية والضوئية" وليس تفكيرهم في الكون مثل تفكيرك فيه أنه مسخر لنا بكل ما فيه رحمة ولطف من الله وحده… لا أبدًا فتفكيرهم تخطى الزمان والمكان وتجاوز كل حدوده، فقسموا الطاقة إلى جزئين فقط إيجابية وسلبية، فهم يرون أن التأمل في الكون وعظمة خالقه تصدر ذبذبات للكون، وتتواصل معه بها، وذلك التأمل يزيد طاقتك، ويمكنك

من التواصل مع عقلك الباطن الذي بدوره يستطيع أن يجلب لك كل ما تفكر فيه، هذا الخطاب يبدو بسيطًا وبريئًا، ويبدو في الظاهر أنه لا يضر ولا ينفع؛ لكنه سمٌ فتاك بالعقيدة والإيمان إن تم أخذه أخذًا سطحيًا، وفهمه بطريقة مخلة بالنيات النقية والطاهرة، فتتحول المفاهيم الإيمانية العميقة لسطحية متذبذبة في الأخلاص والاستقامة لله وحده.

هذه هي الوثنية الحديثة قد لا تقوم على الأصنام الحجرية، لكنها تقوم على تقديس الذات والكون والطاقة، حتى تقبيل الحجر الأسود يقبلونه تقديسًا لذواتهم فهو لأنه من الجنة، يرون أن طاقته عظيمة في علاج أمراضهم النفسية، هم يربطون كل شيء بالعلاج النفسي، مثلاً: تفعيل للشاكرات في الصلاة، وتنظيف الهالة بالأذكار، والارتقاء الروحي بالحج، والتطهير الذاتي بالصوم.

لقد جعلوا العبادة مجرد تركيزًا على العلاج الروحي، ولتحقيق أغراض شخصية ودنيوية فقط، حتى انسلخوا عن الله انسلاخاً تاماً وعن الدين والعقيدة وتركوا الغاية (رضى الله) انشغالاً بالوسيلة.

الروحانيون اليوم يجعلون الإنسان يقدس نفسه، وهو لا يعلم أنه قد انسلخ عن دينه، بعد أن أوكله الله لعقله الباطن، يجلب له السعادة، ويصرف عنه التعاسة، وما أتعس هؤلاء وما أشقاهم!

وللأسف فإن كثيرًا من المنجذبين إلى هذه التيارات يدخلونها بحثًا عن علاج لقلقٍ داخلي أو فراغٍ روحي، ويتم استغلالهم بالوهم حتى يسهل استدراجهم، ونزع عقيدتهم وإيمانهم بعد أن تتغير معتقداتهم ومفاهيمهم حول دينهم وعبادتهم.

وقد انتهى الأمر ببعضهم إلى الانغماس في ممارسات تقترب من الشعوذة والخرافة، فقد استخدموا علم التنجيم، وعلم الأرقام والحروف، ثم أخذوا آيات من القرآن، وقالوا علم طاقة إسلامي!!!

اليوم لا أحد يسأل لماذا سبع جمرات وسبع هرولات؟! ولماذا أرقام محددة؟! بل هم يؤمنون أن لله حكمة في كل ذلك، ولكنهم بدل أن يطيعوا الله فيما أمرهم، انصرفوا للتفكير في الأرقام نفسها، و قدسوها لذاتها، وقد تلاعبوا بوظيفتها الأساسية فجعلوها ساعي بريد يسعى لتوصيل رسائلهم، ففي عقيدتهم الغير مقبولة يدعون أن كل رقم يتكرر فهو يحمل رسالة كونية لصاحبة، ولكل حرف رقم يمثل مكانته في الأبراج الكونية، ولأسمك عدد يميزون به شخصيتك ويعرفون به حظك إن تم جمعه معه مع عدد حروف أسم أمك، نحن قد نكون مجرد أرقام زائلة تزداد ثم تندثر ليأتي الرقم الذي بعده، لكن الأرقام لا تمثل شخصياتنا وأسلوب حياتنا، ولن تحدد عدد حروف اسمائنا نسبة حظوظنا أو أقدارنا، حاشا لله، كل شيء أحصاه في كتاب مبين، ليس في نجمة شاردة أو رقم تائه بين أرقام الكون الوسيع، الرقم مجرد توضيح لنا وهو لا ولن يكون توضيحنا وتوضيح لذواتنا.

أصبح هذا علماً يُدرس أسموه علم الأرقام، يستدلون على خيالهم بفرائض الله التي جعل لكل فريضة رقم، فهم تركو الفريضة وركزوا على الرقم، ليس لهم من أمر الكون شيء سوى التسليم والطاعة فحكمة الله هي التي تسير هذا الكون العظيم بدقة متناهية ونظام بديع، ونحن مجرد مخلوقات ممن خلق نعيش في كونه ولا دخل لنا في تدبيره فلله في خلقه شؤون، نحن خلقنا لعبادته وتسبيحه، فلننشغل بما خلقنا له ولا يلهينا عن ذلك انشغالنا بما خُلق لنا، ولنكن كما قال الفيلسوف مصطفى محمود رحمة الله: ( نحن لا نتجه بمناسك العبادة نحو الحجارة ذاتها.. وإنما نحو المعاني العميقة والرموز والذكريات.) لكن الشيطان اليوم يحاول أن يصرفنا عن العبادة العميقة،  والتفكير السليم، ويجرنا نحو عبادة شكلية سطحية، ولتفكير عقيم لا يؤدي إلى نتيجة سوى زيادة البعد عن الإيمان الكامل والتوكل السليم، وبدل الخضوع بالسمع والطاعة أصبحنا نفكر لماذا وكيف وماذا؟

متاهة الأرقام والحروف: محاولة تفسير الغيب وخطر الانزلاق إلى الشعوذة

ولا ننسى أنه قد تم تأليف علم الأرقام في القرآن؛ وأصحابه يدعون أنهم يجمعون عدد الآيات وعدد الكلمات فيتنبئون بتواريخ مستقبلية غيبية لا دخل لهم فيها، أما ما طابق كلامهم وتوقعاتهم مع تلك الدلائل والبراهين؛ فهو فتنة يمحص الله بها إيمان عباده ليرى وهو العليم الخبير من المؤمن ومن الذي في قلبه زيغ وقد قال الحق سبحانه:

{ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ ۚ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَـٰكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا } [ سورة النساء : 46 ]

إن أول فكرة تنصرف عن الإنسان حين يدخل في هذا العلم، ويبدأ في التصديق هي أنه عبد، وعليه أن يطيع فقط لايجادل في آيات الله التي في الكون والأنفس والآفاق وكل ماحوله هو آية تؤكد أن الخالق واحد وأن عظمته تفوق أدراك المخلوق.

 تغيب فكرة التسليم والتسبيح لله عند أول تصديق لخطاب يسحر العقول بحسن بيانه وكثرة تظليلة، وقد يُجلب برهان حسي يُفتن به من يُفتن وينجو من ينجو، هذا هو الدجل الذي يُدخلك في متاهة الشيطان وأنت لا تفهم وتظن أنك كنت تفكر فقط وتحلل وتحاول الغوص في معاني الحروف والأرقام.

وقد نصّ العلماء على أن استخدام "حساب الجمل" في القرآن لا أصل له في الشريعة، ولا يجوز فهم القرآن بغير طرائق فهم العرب (التفسير واللغة)، كما أنه يفتح أبواب الباطل. وهناك استثناء بسيط فقد أجاز بعض العلماء استخدامه فقط في "التاريخ" (التأريخ لحدث ما) دون بناء عقائد أو تنبؤات غيبية عليه، لكن استخدامه للكشف ومحاولة معرفة الغيب هو محرم بإجماع.

والعلم هذا بكاملة علم أرقام الحروف، أو أسرار الحروف، وأسمه الآخر (علم الجفر) فقد نهى أهل العلم عن الاشتغال به، ونُقل الإجماع على تحريمه إذا تضمن التنبؤ بالغيب أو ادعاء معرفة حوادث المستقبل، فهو من الدجل وعلوم الجاهلية

وقال عنه ابن خلدون: (هو المسمى لهذا العهد بالسيمياء نقل وضعه من الطلسمات إليه في اصطلاح أهل التصرف من المتصوفة فاستعمل استعمال العام في الخاص وحُدث هذا العلم في الملة بعد صدر منها وعند ظهور الغلاة من المتصوفة وجنوحهم إلى كشف حجاب الحس وظهور الخوارق على أيديهم.. وهو من تفاريع علم السيمياء لا يوقف على موضوعه ولا تُحاط بالعدد مسائله) مقدمة ابن خلدون.

وفي الختام، فإنَّ جوهر علاقتنا بالله عزوجل يقوم على التسليم والمحبة وعلى السمع والطاعة، لا على معادلات الطاقة ولا حسابات الأرقام.

وانشغالنا بالبحث عن قوى خفية في العبادات، سيُفقدنا خشوعنا وسيصرفنا عن المقصد الأسمى وهو إخلاص العبودية لله وحده.

فما أجمل أن نعود إلى رحاب الإيمان الفطري؛ حيث يطمئن القلب بذكر الله، وترتقي الروح بالامتثال لأمره.

***

إعداد وتقديم: فاطمة محمد الدفعي - كاتبة وباحثة في الشؤون الفكرية والنفسية

في المشهد الثقافي العربي، تبدو بعض دور النشر وكأنها تخلّت عن دورها التاريخي في اكتشاف الأصوات الجديدة والمغامرة الأدبية الحقيقية، لصالح الرهان على الأسماء الإعلامية السهلة والتسويق السريع. ومن بين هذه الدور تبرز دار المدى، التي يراها كثير من القرّاء العراقيين وقد انحازت، خلال السنوات الأخيرة، إلى مشاريع لا تضيف الكثير إلى الرواية العربية بقدر ما تعتمد على شهرة الكاتب وحضوره الإعلامي.

الرهان المتكرر على الكاتب المصري بلال فضل، عبر أعمال مثل «أم ميمي» و«جيزة جيزة جيزة»، يثير أسئلة حقيقية حول المعايير التي تحكم عملية النشر اليوم: هل أصبحت الشهرة التلفزيونية والانتشار الرقمي أهم من القيمة الأدبية؟ وهل تحوّل الكتاب إلى منتج استهلاكي سريع بدل أن يكون مشروعًا فنيًا متماسكًا؟ المفارقة أن بلال فضل، الذي يُقدَّم أحيانًا بوصفه «اسمًا أدبيًا عربيًا»، لم يصنع، في الأصل، مشروعًا روائيًا متماسكًا بالمعنى الفني، بل بنى حضوره أساسًا عبر المقالة الساخرة والإطلالة الإعلامية واللغة اليومية القريبة من منشورات مواقع التواصل. وحتى نصوصه الأخيرة تبدو أقرب إلى تدوينات مطوّلة تستثمر المزاج الشعبي واللغة الخفيفة أكثر مما تشتغل على الجماليات الروائية أو العمق الفني.

ثم إن الكاتب الذي ابتعد عن مصر لأكثر من عقد، مقيمًا في الولايات المتحدة، واكتفى بحضور متقطّع عبر تيك توك وفيسبوك ويوتيوب كان قد فقد تدريجيًا صلته الحقيقية بالشارع المصري الذي كان يستمد منه مادته الأساسية. فالكتابة التي تعيش على نبض الشارع تفقد الكثير من طاقتها حين تتحول الذاكرة الشعبية إلى مادة مستهلكة يُعاد تدويرها من الخارج.

وحتى لو افترضنا أن هذا النوع من الكتابة ما يزال يجد من يتفاعل معه داخل مصر، بحكم الخصوصية المحلية واللهجة والسياق الاجتماعي، فما الذي يعنيه ذلك للقارئ العراقي؟ وما الذي يربط القارئ العراقي بهذه الخلطة الشعبية المصرية الخالصة، التي تقوم على الإفيه اليومي والسخرية العابرة أكثر مما تقوم على الأدب بوصفه فنًا إنسانيًا عابرًا للحدود؟ ومن هنا تبرز الأسئلة المشروعة: لماذا يستمر هذا الرهان تحديدًا؟ ولماذا يجري تقديم هذه الأعمال وكأنها حدث ثقافي كبير، بينما يتم تجاهل عشرات الأصوات العراقية الشابة والجادة؟ وهل تحكم اختيارات النشر اعتبارات ثقافية فعلية، أم أن هناك شبكة مصالح وعلاقات شخصية وتفاهمات غير معلنة أصبحت تتحكم بما يُطبع ويُسوَّق ويُقدَّم بوصفه "الأدب العربي المعاصر"هذه الأسئلة ليست اتهامات، لكنها تعكس شعورًا متزايدًا لدى كثير من القرّاء والكتّاب بأن المشهد الثقافي العراقي لم يعد يُدار دائمًا وفق معيارالقيمة الفنية، بل وفق اعتبارات العلاقات والانتشار السريع والضجيج الإعلامي وهذا محبط للكثير من كتاب العراق في الداخل والخارج.

الأكثر إثارة للاستغراب أن القارئ العراقي، الذي يمتلك ذاكرة ثقافية شديدة الحساسية تجاه الأدب الحقيقي، لم يعد يتفاعل مع هذه الأسماء كما تفترض بعض إدارات النشر. فبلال فضل، مهما كانت جماهيريته السابقة، لم يعد يشغل المساحة نفسها حتى داخل الشارع الثقافي المصري، مقارنة بأسماء روائية شابة استطاعت أن تطور أدواتها وتبني مشروعًا أدبيًا أكثر رسوخًا. القارئ العراقي، الذي تربّى على إرث سردي عميق وقاسٍ ومشحون بالتجربة التاريخية، لا يبحث غالبًا عن نص يشبه منشورًا غاضبًا على فيسبوك أو تعليقًا جنسياًً ساخرًا مباشراً . ولذلك يبدو الإصرار على تسويق هذه الأعمال داخل الوسط الثقافي العراقي أقرب إلى سوء تقدير حقيقي لذائقة القارئ العراقي.

وفي المقابل، يشعر كثير من الكتّاب العراقيين بأن هناك فجوة واضحة في تعامل بعض دور النشر المصرية مع الأدب العراقي. فبرغم الثقل التاريخي للرواية العراقية، وبرغم الجوائز العربية والدولية التي حصدها كتّاب عراقيون، ما تزال فرص النشر والترويج داخل السوق المصرية محدودة ومدفوعة الثمن مسبقاً عند النشر ولاتقامر دور النشر المصرية بطباعة رواية لكاتب عراقي والترويج له عدا عن زج روايته في جوائز الرواية العربية كما حصل مع المذى بتقديم رواية أم ميمي قبل سنوات لجائزة البوكر العربية، وكأن الثقافة العربية تُدار أحيانًا بمنطق المركز والهامش، لا بمنطق الجودة والإبداع.

القضية هنا ليست صراعًا روائياً بين مصر والعراق، ولا اعتراضًا على كاتب بعينه، بل اعتراض على عقلية مسؤولي النشر في المدى التي ترى في الاسم المتداول ضمانة تجارية، حتى لو كان النص عاديًا، بينما تُغلق الأبواب أمام أصوات جديدة تمتلك شجاعة التجريب والاختلاف.

***

ياسين غالب

رغم انشغالي هذه الأيام ببناء منزلي الجديد، وما يرافق ذلك من تعب وضيق وقت وتفاصيل لا تنتهي، إلا أنني أحاول في الوقت نفسه أن أبني شيئاً آخر أكثر عمقاً من الجدران والسقوف؛ أحاول أن أبني أفكاري ووعيي وأسئلتي، مستعيناً بما يقدمه عبد الجبار الرفاعي من قراءة مختلفة للإنسان والدين والتراث. فبعض الكتّاب يمنحونك معلومات، أما الرفاعي فيمنحك طريقة جديدة للنظر إلى العالم.

 في كل مرة يقترب فيها عبد الجبار الرفاعي من التراث، لا يقترب منه بوصفه مخزناً للمقدسات الجاهزة، بل بوصفه غابة كثيفة من الأسئلة، والرموز، والأقنعة، والطبقات التاريخية المتراكمة. هو لا يدخل إلى النصوص القديمة حاملاً مطرقة الهدم، كما يتهمه خصومه، ولا يحمل مبخرة التقديس الأعمى كما يفعل حراس الموروث، بل يدخل وفي يده مصباح التأويل، محاولاً فك الألغاز التي تراكمت عبر القرون حول الدين، والإنسان، والمعنى.

لقد تعامل كثيرون مع التراث وكأنه صندوق مغلق لا يجوز فتحه، بينما رأى الرفاعي أن الأزمة ليست في النصوص وحدها، بل في العقول التي جمدت التاريخ وحولت التجارب البشرية إلى يقينيات نهائية. ولهذا كان مشروعه أقرب إلى محاولة تحرير الروح من سجون الشروح والحواشي والخوف المتراكم. حين يقرأ التصوف لا يقرأه كطقوس غامضة، بل كبحث عميق عن المعنى الإنساني. وحين يناقش الفقه أو علم الكلام، فإنه يحاول كشف اللحظة التاريخية التي أنتجت تلك الأفكار، لا تحويلها إلى قوانين أبدية فوق الزمن، إنه يفتش دائماً عن الإنسان المختبئ خلف ركام المصطلحات.

 ميزة الرفاعي أنه لا يقدم إجابات نهائية بقدر ما يوقظ القلق الفكري. يعيد فتح الملفات التي أغلقتها السلطات الدينية والسياسية معاً، ويذكّر القارئ بأن الحقيقة ليست ملكاً لأحد، وأن التراث ليس متحفاً للصمت، بل مادة حية قابلة للفهم والنقد وإعادة القراءة.

بعد إعادة قراءة كتب عبد الجبار الرفاعي أكثر من مرة، يتبين أن الرجل لم يُكتشف كما ينبغي بعد، وأن كثيرين مرّوا على مشروعه الفكري مروراً سريعاً دون التوقف عند طبقاته العميقة. فكل قراءة جديدة تكشف زاوية مختلفة، وكأنك لا تقرأ كاتباً واحداً، بل عوالم متجاورة من الفلسفة، والعرفان، وعلم الكلام، وأسئلة الإنسان القلقة.

 شخصياً، كلما تعمقت في نصوصه ازددت اقتناعاً أن الرفاعي ليس مجرد مفكر يكتب عن الدين، بل عقل يحاول إعادة ترميم العلاقة بين الإنسان وروحه في زمن امتلأ بالضجيج والتعصب واليقين الأعمى. ولهذا يبدو الإعجاب به ليس انبهاراً عابراً بكاتب، بل تقديراً نادراً لشخص امتلك شجاعة السؤال، وهدوء الحكيم، وجرأة العبور داخل المناطق التي يخشى كثيرون الاقتراب منها. في عالمنا العربي، حيث يُكافأ المكرر ويُحاصر المختلف، تبدو محاولة فك الألغاز التراثية مغامرة خطرة. لكن من دون هذه المغامرة سنبقى ندور داخل المتاهة نفسها، نكرر الأسئلة القديمة، ونخاف حتى من مجرد التفكير خارج الجدران التي بناها الأسلاف.

***

ستار الزهيري – كاتب عراقي

ليست الجريمة التي هزّت العراق أخيراً مجرد حادثة قتلٍ عائلية عابرة، ولا يمكن اختزالها في عبارة “غسل عار” كما تفعل اللغة الاجتماعية الكسولة التي اعتادت أن تُخفّف بشاعة الجرائم عبر تسميات موروثة. نحن أمام لحظة انهيار أخلاقي عميق، لحظة تكشف تصدّع البنية النفسية والاجتماعية للإنسان العراقي المعاصر، وتفضح المسافة الهائلة بين كثافة الخطاب الديني وبين ضمور الضمير الإنساني. فأن تُقتل فتاة في الرابعة عشرة من عمرها لأنها رفضت الزواج ممّن فرضه الأب عليها، فهذا وحده مأساة. لكن أن يتحول القتل إلى مناسبة للغناء والرقص والاحتفال، فذلك يعني أن الجريمة لم تعد فعلاً فردياً شاذاً، بل أصبحت طقساً اجتماعياً يجد من يبرره ويصفق له ويمنحه شرعية جماعية.

إن أخطر ما في هذه الحادثة ليس الدم وحده، بل انهيار الإحساس بالذنب. ففي علم النفس الاجتماعي، حين يفقد الإنسان شعوره الداخلي بالخطأ، ويتحوّل العنف إلى قيمة جماعية محمية بالعُرف، يصبح المجتمع مهيأً لإنتاج جرائم أشد قسوة. الإنسان الطبيعي قد يرتكب خطأ تحت ضغط الغضب أو الخوف أو الانفعال، لكنه يبقى مطارَداً بوخز الضمير. أما حين يرقص القاتل بعد جريمته، فهذا يعني أن الضمير نفسه قد أُعيد تشكيله وفق ثقافة ترى القسوة بطولة، وترى السيطرة على المرأة شرفاً، وترى الطاعة العمياء للعائلة أعلى من حق الإنسان في الحياة.

لقد دخل المجتمع العراقي منذ سنوات طويلة في أزمة مزدوجة: تضخم في المظاهر الدينية، وتراجع في القيم الأخلاقية الحقيقية. فالمشكلة ليست في الدين، بل في تحويل الدين إلى طقوس صوتية فارغة تُستهلك في المنابر والخطابات والمواكب والشعارات، بينما تُهمَل جوهرية الإنسان وكرامته وحقه في الاختيار والرحمة والعدل. إن الدين الذي لا يمنع أباً من ذبح ابنته، ثم الاحتفال بذلك، ليس ديناً غائباً فحسب، بل دين جرى تشويهه وتحويله إلى قشرة اجتماعية تُستخدم أحياناً لتغطية أكثر الغرائز بدائية ووحشية.

ومن المؤلم أن هذه الظواهر تتفاقم في بيئات تُعدّ من أكثر البيئات امتلاءً بالمجالس الدينية والخطب والوعظ والمنابر. هنا يبرز السؤال المرعب: كيف يمكن لمجتمع يسمع المواعظ كل يوم أن يزداد عنفاً وقسوة؟ كيف يمكن لبيئة غارقة بالشعائر أن تنتج هذا الكم من التوحش الأسري؟ الجواب يكمن في الفرق بين “التديّن الشكلي” و”الأخلاق الإنسانية”. فليست كثرة الشعائر دليلاً على نضج الضمير، كما أن ارتفاع الصوت بالموعظة لا يعني بالضرورة حضور الرحمة في النفوس.

لقد تحولت المواعظ في كثير من الأحيان إلى خطاب تعبوي عاطفي لا يعالج البنية النفسية العميقة للإنسان، ولا يربيه على احترام الفرد وحقوقه واستقلاله الإنساني. يتم التركيز على الطقوس أكثر من التركيز على الإنسان نفسه. يُربّى الفرد على الخوف من الجماعة أكثر من خوفه من الظلم. وعلى الطاعة أكثر من التفكير. وعلى الانتماء القبلي والطائفي أكثر من الضمير الكوني. وهنا ينشأ إنسان قادر على البكاء في مجلس ديني، ثم ممارسة القسوة المطلقة داخل بيته دون أي تناقض نفسي يشعره بالخجل.

إن المجتمع العراقي اليوم يعيش أزمة “ازدواج الشخصية الاجتماعية”. ففي الفضاء العام يبدو متديناً، محتشداً بالشعارات، غارقاً في الرموز الدينية، لكنه في العمق يعاني تصحراً أخلاقياً خطيراً. ولعل أخطر ما أصاب المجتمع هو هذا الانفصال بين الخطاب والسلوك. بين ما يُقال وما يُمارس. بين القداسة المعلنة والعنف المخفي. حتى أصبح بعض الناس يتعاملون مع الدين بوصفه هوية جماعية لا مشروعاً أخلاقياً.

وفي علم الاجتماع، حين تتراجع سلطة القانون ويتضخم نفوذ القبيلة والعرف، تبدأ العائلة بالنظر إلى نفسها كدولة مستقلة تمتلك حق الحياة والموت على أفرادها. وهنا تتحول المرأة، خصوصاً الفتاة الصغيرة، إلى “ملكية عائلية” لا إنساناً مستقلاً. ويصبح جسدها وقرارها ومستقبلها جزءاً من مفهوم الشرف الجمعي. لذلك لم يكن رفض تلك الطفلة للزواج يُنظر إليه بوصفه حقاً إنسانياً، بل عُدَّ تمرداً على سلطة الأب والعشيرة. ومن هنا جاء العنف بوصفه “إعادة فرض النظام”، لا بوصفه جريمة في نظرهم.

لكن الحقيقة الأشد مرارة أن المجتمع نفسه كثيراً ما يشارك في الجريمة بالصمت أو التبرير أو التواطؤ النفسي. فحين تنتشر التعليقات التي تبحث للقاتل عن أعذار، أو تعتبر الضحية “سبب المشكلة”، فإننا لا نكون أمام قاتل واحد، بل أمام ثقافة كاملة تُنتج القاتل وتحميه. وهنا تصبح الجريمة نتيجة منطقية لبنية اجتماعية مأزومة، لا حادثة معزولة.

لقد تعرض الإنسان العراقي خلال عقود طويلة إلى حروب وحصار وعنف طائفي وانهيارات اقتصادية وسياسية متتالية. وكل مجتمع يعيش زمناً طويلاً تحت العنف، يبدأ تدريجياً بفقدان حساسيته تجاه الألم. تتبلد المشاعر، ويصبح الموت خبراً عادياً، وتتحول القسوة إلى سلوك يومي. ومع غياب التربية النفسية السليمة، وضعف التعليم، وتراجع دور الثقافة والفنون، ينمو جيل مضطرب يرى العنف لغة طبيعية للتعامل مع الخلافات.

كما أن الخطاب الذكوري المتضخم لعب دوراً خطيراً في ترسيخ فكرة امتلاك المرأة. فالفتاة في بعض البيئات لا تُعامل كإنسان كامل الإرادة، بل كرمز لشرف الجماعة. لذلك يُنظر إلى حريتها الشخصية كتهديد لسلطة الرجل، لا كحق طبيعي. وهذه العقلية لا علاقة لها بالدين الحقيقي، بل هي امتداد لتقاليد قبلية قديمة أُلبست أحياناً لباساً دينياً زائفاً.

إن الدين الحقيقي يبدأ من حرمة الدم، ومن الرحمة، ومن كرامة الإنسان. يبدأ من قوله تعالى إن قتل نفس واحدة كقتل الناس جميعاً. لكن حين يتحول الدين إلى مجرد هوية صوتية وصراخ منابر، دون بناء أخلاقي وإنساني، فإنه يفقد أثره التربوي العميق. ولهذا يمكن لمجتمع أن يكون ممتلئاً بالمآذن والرايات والخطب، لكنه فارغ من الرحمة.

ما حدث لهذه الطفلة ليس جريمة ضد فرد فقط، بل صفعة لضمير مجتمع كامل. إنها مرآة مخيفة تكشف ما تراكم تحت السطح من عنف وكبت وتشوهات نفسية واجتماعية. والمشكلة لن تُحلّ بإدانة عابرة أو موجة غضب مؤقتة، بل تحتاج إلى مراجعة جذرية لفكرة التربية والدين والرجولة والشرف والعائلة والقانون.

نحن بحاجة إلى إعادة بناء الإنسان العراقي من الداخل، لا إلى زيادة الضجيج فوق رأسه. بحاجة إلى تعليم يُربي على التفكير لا الطاعة العمياء، وعلى احترام المرأة لا امتلاكها، وعلى قيمة الإنسان لا سلطة الجماعة. بحاجة إلى خطاب ديني يزرع الرحمة لا الخوف، والوعي لا الانفعال، والضمير لا الاستعراض. وإلا فإن المجتمع الذي يرقص فوق جثمان طفلته اليوم، قد يستيقظ غداً ليجد أنه يرقص فوق جثمان إنسانيته كلها.

***

د. علي الطائي

13-5-2026

حربان خاضتهما الكيانيه المفقسه خارج رحم التاريخ في الشرق الاوسط تحت  لافتة "اسلحة الدمار الشامل"، الاولى كذبة وتلفيق لااساس له والثانيه كاحتمال، وفي الحالتين كان الهدف الفعلي مغيبا كليا، ومخطط الشرق الاوسط كمرتكز حماية ضد روسيا والصين وحماية لاوربا مع نوع كيانيه معممة عالميا باسم "الابراهيميه المفبركة" ارتكازا الى التسّيد الاسرائيلي،  وتفاعل " دول الابار" بالضد من دول الانهار التاريخيه، الاصل ومولد الرؤية الابراهيمه خاصية هذا المكان التعبيرية الكونيه فوق القومية الاوربيه.

ذك ماقد جعل اقدام صدام حسين على احتلال الكويت يتحول الى جنون امريكي، وقد ولد  عقبة كبرى امام امكان تحقق مشروع امريكا الذي تجلى في حينه ب "الشرق الاوسط الكبير" على انقاض كيانيه هي بذاتها ريعيه نفطية من نوع اخر غير اباري، بل "نهري" مضاد ل "الابارية"،  وهو المزدوج كينونة مجتمعية، مايجعل  الريعيه فيه اداة اصطراع داخلي محفزة  الى اقصى حد ممكن للاصطراعية الذاتيه، ويعظم وتائرها وانعكاساتها الاقليميه، وفي المقدمه محركات ومتغيرات الاوضاع في ايران، وماعرفته من ثورة انطلقت من "النجف"، وماتبعها من حرب  هي الاطول بين بلدين بعد الحرب العالمية الثانيه، تلك التي اسقطت فعاليه النفط السلطوية الاصطراعية عراقيا بسبب تكلفة الحرب الباهضة، ما قد عاد مغيرا وتيرة الاصطراع المجتمعي، واودى بالحكم الى  الاختلال  الجنوني  وقد صار وقتها "حكم بلا ركيزه اساس "، ماقد ولد حال من الاضطراب غير المسبوق، انعكس على مجموعه "دول الابار المحاذية"، وهو ماحصل بالفعل مع احتلال الكويت، ليستثير جنونا مقابلا لدى راعي مشروع الشرق الاوسط المصد والنموذج.

وقتها صرح شخص مثل كيسنجر قائلا:"مشكلتنا نحن الغربيون ليست مع صدام بل مع العراق، هذا البلد القوي ربما ياتي احد بعد صدام ويقوده باتجاه مضاد لمصالحنا في الشرق الاوسط وعليه يجب تحطيم العراق" بمعنى ان ماقد اقدمت عليه الولايات المتحدة في حينه ليس حربا معتادة  القصد منها تحطيم قدرات الاخر العسكريه، بل ازاله البلد المقصود وحذفه من الخارطة كوجود، بحسب ممكنات الادراك المتاحة لجهة ارضوية من حيث الجوهر، مع تخلخل رؤاها وتذبذبها العاجز عن رؤية حقيقة وخلفيات ماهي بصدد الخوض في غماره، بالذات وخصوصا في مكان مثل الشرق الاوسط بكينونته غير المماط عنها اللثام، وبدئيته التاريخيه المجتمعية ومنطوياتها الكبرى المغفله، المتعدية للقدرات المتاحة للعقل البشري وماهو مؤهل لادراكه من الحقيقة المجتمعية، خصوصا في ارض مابين النهرين حيث اعلى المجتمعات البشريه ديناميات ازدواجية اصطراعية، هي المنطوى البدئي على الغرضية والهدف المودع في الظاهرة المجتمعية، والتعبيرية الكونية المحققة للازدواج المجتمعي خارج ارضها، وكلها قضايا خارج الممكنات العقلية المتاحة استيعابا.

ومرة اخرى يسقط السؤال  فوق الضروري الواجب طرحه من الاعتبار، فلا احد عربيا عراقيا ولا عالميا، تساءل يوما يوما: لماذا وجدت الظاهرة النفطية الريعية لدرجة توليد نمطية "دول الابار"، وبمقدمها  الجزيرة العربيه المحورة ريعيا قبليا من نمطيتها  التاريخيه " كمجتمع لادولة احترابيه تاريخيه" واسلام ايديلوجي سلطوي استعادي، والاهم لماذا لم تستقل الدول المذكورة المتشكله اليوم بظل الغلبة الغربية، من دون حضور نمطية نفطية اخرى نهرية ازدواجيه اصل واساس بدئي،  اصطراعي مجتمعي وراعي بامتياز الدور الاول للريعية النفطية فيه كما يمكن تصورها بداهة، دخولها كعنصر ضرورة ضمن وسائل الاصطراع الارضوي اللااارضوي مجتمعيا.

ومرة اخرى لابد من التنويه ب " دياكتيك الطبيعه والمجتمع" المغفل، غير الممكن ادراك اشكال تجسده كينونة، بالاخص اذا قصدنا العقول القاصرة والاتباعية  التبسيطية في طورها الحديث الاول المرهون للنموذجية الغربيه وتوهميتها، بالاخص وقد وجد لها اساس في المنطقة يمكن ان تعتمده نواة لاتباعيتها الغربيه، اساسها بلد نهري اخر مهم مع عامل اخر مساعد من المجال الوسط الشامي، اذ اعتبرت مصر نموذجية لاحتمالية التحول المعاصر على الطريقة الاوربيه، وماتمخض عن الانقلاب الالي عند بدايته الاولى بين ظهرانيها، وهو ماتمثل بظاهرة الالباني محمد علي نموذجيته العليا.

فكيف كان الغرب الحديث ينظرمن ناحيته الى الشرق المتوسطي كالحاقية اقصادية ومفهومية،  اهم لحظاتها ذهاب الانكليز الى الكويت لاستجلاب ال سعود المنفيين هناك  بعد اكتشاف النفط وتوفر القاعدة والاساس الالحاقي العضوي بالغرب وتوهميته الكبرى، لتغدو "الوهابية " من وقتها اساسا وجوديا وكيانيا فريدا لحكم القبيله في مجتمع اللادولة المحاربة الجزيري الذي لايحكم،  ومن هنا تبدا عملية بناء الشرق الاوسط الحديث الراهن، مع قيام "جبهة الابار" دولا موصولة عضويا اقتصاديا بالغرب الاوربي، ثم الامريكي، من دون نسيان الجانب الاخر الهام الاستعادي الابراهيمي المزور على حساب الابراهيمة التاريخية النهرية، ممثلا بالكيانيه الصهيوينه ركيزه  الكيانيه الشرق متوسطية الحديثة بالمنظور الغربي الامريكي.

هنا يوجد الشرق الاوسط العربي، خصوصا الحديث،  بالنفط الريعي، لابالصناعة والبرجوازية ودول التحرر، والصيغه الانقلابيه التي تقابل الاليه الاوربية شرق متوسطيا هي النفط ومكانته في الهيكلية الراسمالية العالمية، وهو مشكل النظم والكيانيه، الامر الفريد قطعا على المستوى العالمي، بما يجعل من تاريخ المنطقة تاريخا انتقاليا من " دول الانهار" الى " دول الابار" ومجتمعاتها التي من دون تاريخ، وهو ماقد صار في النصف قرن الاخير انتقالية ذات حضور عالمي مباشر، تضطلع في تشكيله الولايات المتحده بناء على حكم بنيتها الناقصة، وديناميات التحول الالي التكنولوجي، وقرب حضور مفعول التكنولوجية مافوق الجسدية الارضوية، ومابدأ يترتب على مثل هذا الانتقال الفاصل  وينجم عنه من اختلال بنيوي شامل.

وقد يكون من باب الصدفه او العبقرية الديالكتيكيه التاريخيه، ان توجد بين الظاهرتين  المشار لهما،اخرى ثالثة هي حالة ( النهرية/ الريعيه)،تقوم في الموضع البدئي الاول، ومحل اللاارضوية والازدواج المقابل والمضاهي  للانقلابيه الغربيه، والمتشكل المنبعث منذ القرن السادس عشر فترات تبدا قبلية ثم انتظارية مستعادة نجفية، مع اكتشاف القارة الامريكيه وقبل بزوغ الاله في الغرب، في دورة ثالثة راهنه  بعد الدورة الاولى السومرية البابلية الابراهيمه، والثانيه العباسية القرمطية الانتظارية، هي دورة الانقلاب العقلي  المتوافقه مع مجريات الانبثاق الالي وتحوراته الصاعدة، من اليدوية الارضوية الاوربية تباعا  عبر مجطات الالية المصنعية، ثم التكنولوجيا الانتاجية الراهنه، الى التكنولوجيا العليا العقلية الاخذه بالتبلور من هنا فصاعدا، حين تكتمل اسباب الانقلاب العقلي اللاارضوي، وسائل مادية، ومستلزمات ادراكية، وهو مايستوجب اعادة قراءة للتاريخ الحديث، والعام ككل، بناء للسردية التحولية العظمى المقررة مسبقا للكائن البشري والمجتمعات، من الحيوانيه الى "الانسان/ العقل"، عبر مرحلة "الانسايوان" المعاشة الى الان، والمشارفه على الزوال.

ـ يتبع ـ

***

عبد الأمير الركابي

 

بعد أن كانت الكلمات تذرف دموعا صارت تنزف دما، في مجتمعات لا تعرف الإستقرار، وتعاني من مراحل التجارب الفادحة الخسائر، فما إستطاعت أن تبني نظاما دستوريا راسخا لتدبير أمورها وشؤون بلادها، ودخلت في دوامة تغيرات لكل منها تجاربه التي تتلخص بلاحق يجتث سابق، وليلها كأن نجومه شدت بجلاميد العصور المتناطحة.

وأضحت المجتمعات لا تمتلك أكثر من الكلمات المتوجعة، بكائيات ورثاء وغموض وإبهام كلها محفوفة بالخوف من آفات الكراسي الشرسة.

وعندما يتسلط المتأدينون على الحكم، يكون التعبير عن الرأي كفر، والتظاهر جريمة تستحق الإعدام الفوري، والمهم أن يبقى الكرسي إماما وقائدا.

نكتب وما نفع الكتابة أمام فوهات الأسلحة المنفلتة التي لا تميز بين الصالح والطالح، ولا تعرف سوى لغة البارود التي تكتب ملاحم مآسيها بدماء الأبرياء.

الكلمات تحولت إلى هباء منثور وبعثرة فوق أمواج الأنين، فلا خلاص للغزالة من قبضة أنياب الأسد على عنقها.

عاشت المجتمعات التي تهذرب فوق أجيج التداعيات، وبراكين النكبات، وهي تجعجع ولا ترى لها طحينا أو خبزا يسد رمق الجائعين.

مجتمعات تتعثر بمفرداتها، وتأكل ذاتها وتسحق موضوعها، وكل مًن عليها خان وإستهان، وتدحرج في الوديان، يلملم ما غنمه من السحت الحرام المُدان، ويبرره بأقوال الذين يرغبون بالأخذ الفتان.

كانت الكلمة عهدا وميثاقا وصراطا منيرا، وتحولت إلى نثار كالغبار في ديار تغزوها آفات الرمال.

ما عادت الكلمة ذات قوة، إنها عبارات خلبية، تحقق الخيبات وتدّعي بأنها أبية.

الكل يعرفون، وبخيوط الشر ينسجون، وعلى بعضهم يتناصرون، وللطامعين بهم يتقربون، فكيف سيتحررون، وبسيادتهم يتمتعون، وآكليهم لهم يفترسون؟

كلامٌ من تباريحِ الجِسامِ

تُردّدهُ الضحايا باخْتصامِ

ومُفترسٌ يُداهمها مِرارا

يُمزّقها ويَدعوها للسلامِ

غريبُ عَقيدها أزْرى بخَلقٍ

فيُحُرقها بأوْديةٍ الحِمامٍ

***

د. صادق السامرائي

من المفارقة التاريخية أن العراق يعد تقريباً أول دولة في العالم تخصص يوماً وطنياً يشتمل على تكريم لضحايا المَقابِرِ الجماعيَّةِ وذكرى لها. جاء هذا اليوم مشرعاً في (قانون العطلات الرسمية العراقي) بموجب القرار (12 لسنة 2024)، في حين لم يرد له ذكر في (قانون المقابر الجماعية رقم 15 لسنة 2015)، ولا حتى توصية بهذه المناسبة؛ رغم أن القانون الأخير أوصى وزارة حقوق الإنسان (في مادته السادسة) ببناء وتشييد صروح ومعالم للمقابر الجماعية، وهي المادة التي لم تنفذ لغاية يومنا هذا!

بينما ما تزال الجهات الرسمية -وأقصد مديرية شؤون المقابر الجماعية- تعلن إلى اليوم بأن هناك كثير من المقابر الجماعية لم تفتح بعد، على الرغم من تحديد مواقعها ! ويعزى ذلك لأسباب كثيرة لا سبيل إلى الخوض فيها الآن.

مثل هذا التصريح يجعل ملف المقابر الجماعية عبارة عن حزن دائم، وملف حِدادٍ لم يكتملْ بَعدُ! على خلاف من انتهت قصتهم بمعرفة مصير ذويهم، فارتاحت بذلك النفوس التي بقيت في حِدادٍ مُعلَّقٍ على فكرة العثور على قبورهم واكتشاف رفاتهم.

إن فكرة الفَقْدِ الدائمِ هي فكرة قلق دائم وحزن دائم، وحداد لم تكتمل أيامه بعد! وهذا يفاقم من مشاعر الأهالي الذين لديهم ضحايا في عداد مفقودي المقابر الجماعية، ويزيد من فكرة الظُّلمِ المُستمرِّ الذي لم يتحقق الإنصافُ فيه بعد. بخلاف من وجد ذووه رفاته ليطالب بتعويض مادي أو معنوي، فيتحول الضحية هنا من فكرة الحزن والانتظار إلى فكرة الاطمئنان لمصيره وطي سؤال الضياع المؤرق.

لذلك جاء قانون شؤون المقابر الجماعية ليضع مكافأة مادية لمن يعثر على مقبرة ويخبر عنها، ووضع نصاً جزائياً بحق من لم يخبر عنها أو يعبث بها أو ينكر حادثتها، كما جاء في المادة التاسعة من القانون. وهذا يعني أن مسألة العثور على مقبرة يجب أن تكون في منزلة الإنصافِ المَعنويِّ إلى جانب إنصاف الضحايا مادياً.

إن "اليوم الوطني للمقابر الجماعية" الذي جاء ضمن قانون العطل الرسمية، هو جزء من تلك النتيجة التي توحي بأهمية مضاعفة لرفض تكرار الجريمة بعناوينها المتعددة؛ مثل (حلبجة، والأنفال، وقتل العلماء وحظر الأحزاب). علماً أن نص القانون يقرن بين قتل العلماء والأحزاب معاً في سياق واحد.

فالحداد المعتاد يمكن كمراسيم أن تنقضي أيامه بما جاء به العرف الاجتماعي، ولكن الحداد الرسمي على ضحايا المقابر الجماعية هو ما يجب أن يكون حالياً غيرَ مكتملٍ بَعدُ! لحين ما يتم فتح آخر مقبرة والعثور على آخر رفات وطي ملف المقابر الجماعية في العراق إلى الأبد. وتبقى ذكراها كجزء من الإنصافِ الدائمِ لمشاعر ذويهم وتكريماً لأرواح من فقدوا بها.

لذلك نعد المقابر الجماعية في العراق هي حِدادٌ لم يكتملْ بَعدُ!

***

د. رائد عبيس

يُعَدُّ استخدامُ المغريات بأنواعها المادية والجسدية والعاطفية واحدًا من أنجح وسائل جذب الآخر وإثارة فضوله، ثم الإيقاع به. فالاغراء، بطرقه المذكورة، تسبّب في إيقاع كثير من الأشخاص في مهاوي الخيانة والتجسس والسقوط الأخلاقي والسياسي. وكان واحدًا من الوسائل التي استخدمتها دوائر المخابرات في استدراج المعارضين واصطيادهم، عن طريق تجنيد فتيات جميلات يتسللن إلى حياة الخصم أو المعارض السياسي ليقع فريسةً سهلةً لهن.

ويبدو أن هذه الطريقة في الاصطياد باستخدام الاغراء لم تقتصر على إيقاع الإنسان فحسب، بل تعدّت إلى اصطياد الحيوانات أيضًا. وقد استهوت هذه الفكرةُ الكتّابَ والروائيين، فوظّفها بعضهم ضمن أعمالهم الأدبية. ففي روايته (بيضة النعامة) يذكر مؤلفها "رؤوف مسعد" حكايةً طريفةً تتعلق بصيد القرود بالطريقة السودانية، يقول فيها : (إن الصيادين في ود مدني ـــ مدينة صغيرة في السودان ـــ يعرفون مكان قبيلة القرود في الغابة، حيث يدخلون إليها حاملين جرار الخمر، يعبّون منها جرعاتٍ صغيرة، ثم ينصرفون إلى مكان قريب خلف الأشجار الكثيفة وينتظرون. حينئذٍ يهبط كبيرُ قبيلة القرود متوجسًا إلى الجرار، يتشممها ويدور حولها ويتقافز ويصيح، ثم يبدأ في عبِّ الشراب، فتُهرع إليه بقية أفراد القبيلة، يتحلقون حول الخمر ويشربون منها حتى ترتخي مفاصلهم ويتطوحون مثل البشر السكارى، فيقفز إليهم الصيادون ويمسكونهم بسهولة ويسر، ثم يعرضونهم للبيع ص15) .

وقد تبدو هذه الحكاية، للوهلة الأولى، مجرد قصة طريفة عن الصيد، لكنها في الحقيقة تحمل بُعدًا رمزيًا واضحًا، مفاده أن دناءة النفس والاستسلام للشهوات بلا وعي غالبًا ما يقودان إلى الوقوع في الفخ. فالإنسان لا يختلف كثيرًا في سلوكه عن القرد أمام اللذة.

وفي السياق ذاته، يسرد الكاتب " توفيق يوسف عواد " في كتابه (غبار الأيام) حكايةً أخرى يقول فيها إن مجموعةً من الفئران، في مدينة مرسيليا الفرنسية، قامت بالسطو على قبو يضم دنانًا من الخمر المعتّق، وراحت تكرع بلا هوادة. وعندما دار الخمر برؤوسها وانتشت، خرجت بلا وعي إلى الشوارع، فأصبحت عرضةً للاصطياد من قبل المارة. فالاستسلام للنشوة هو الذي قاد الفئران إلى مصيرها المحتوم.

ويظهر هذا الاستنتاج أيضًا في رواية (ابنة الضابط)، وهي من أبرز أعمال " ألكسندر بوشكين،" إذ يعتقد «بيوتر أندرييفيتش»، أحد الشخصيات الرئيسية في الرواية، أن الإغراء اللفظي طريقٌ سالك إلى قلب الفتاة الجميلة «ماشا ميرونوفا»، فيأخذ بنظم القصائد وإرسالها إليها، لكنه لا يحظى منها بأي اهتمام يُذكر، مما يدفع صديقه «شافابرين» إلى نصحه قائلًا: «إذا أردتَ أن تزورك ماشا ميرونوفا عند المغيب، فقرطٌ تهديه إليها أنجعُ من قصائدك الغزلية الركيكة»، في إشارة إلى أن الإغراء المادي قد يكون الطريق الأقصر إلى قلب الحبيبة.

ويؤكد الكاتب الأمريكي "روبرت غرين " هذا المعنى في كتابه (فن الإغواء)، إذ يورد ضمن خطواته الأربع والعشرين قوله: «استدرجِ الهدفَ بعمق إلى إغوائك من خلال خلق الإغراء المناسب». وهي حقيقة يلتقطها من الواقع؛ فهناك من يضعف أمام المال، وآخر ينهار أمام الجسد، وثالث يلين أمام الكلام المعسول والمنمق.

***

ثامر الحاج أمين

 

بغياب الهوية الوطنية العليا وسيادة العشائرية والولائية، لا بد من النظر إلى العشيرة على أنها مؤسسة إجتماعية ذات إنتاجية بمردودات ربحية على أبنائها، فالقائد شيخ العشيرة الذي عليه أن يدير شؤون مؤسسته بدراية ووفقا لما ينجم عنه تشاوره مع أبناء العشيرة المتمرسين بميادين الحياة.

المؤسسة  كيان لتحقيق هدف معين إقتصادي، تعليمي، إجتماعي أو ثقافي ، وتعمل بطريقة منظمة للوصول إلى غاياتها، والمؤسسة العشائرية، يجب أن تكون خيرية وخدمية، وتحفيزية لإطلاق القدرات الذاتية الكامنة في أبناء العشيرة، وأن يكون لها إطار إقتصادي يحث على الإكتفاء الذاتي.

المؤسسة العشائرية، تتبنى إطلاق القدرات الإبتكارية والمشاريع الصالحة لحياة أفضل، وتخلق آليات تفاعل للإعتصام بإرادة المدينة التي هي فيها، فالمؤسسات العشائرية المتفاعلة بإيجابية تؤلف قوة متكاملة ذات تأثيرات حيوية معاصرة.

ومن الواضح أن هناك توجهات خفية لتحويل العشائر إلى موجودات متناحرة، تنخر كيان مكانها، وتبدد طاقات مجتمعها، وتستدعي القوى الطامعة للإستحواذ على مقدرات وجودها، وهي في غفلة مما يتحقق، ليتم أكلها كما أُكل الثور الأبيض.

فهل توجد قدرة على إستيعاب مفهوم المؤسسة العشائرية، أم أن اللعب على المشاعر وتأجيج العواطف السلبية سيكون سلاحا للإطاحة بها؟

وهل ستتحول العشائرية إلى سُبة؟!!

تَكاتفنا بأرضِ الحقّ نَصرُ

وأيُّ تَناحرٍ شرٌّ وقهرُ

عَشائرُنا رموزٌ لإتلافٍ

وآصرةٌ وإخوانٌ وصِهرُ

فكنْ فيها عزوماً لانْطلاقٍ

يقودُ مَسيرَها رأيٌ وفِكرُ

***

د. صادق السامرائي

إن المتأمل في لوح ملكوت السماوات والأرض بعين الفكرة والعبرة والبصيرة، يدرك أن حركة الأفلاك والاجرام والمجرات ليست في الحقيقة مجرد تعاقب ميكانيكي للزمن، بل هي إشارات قدسية ورموز علوية تخاطب الروح أكثر من كونها تخاطب العقل او الجسد في رحلة ابدية للانسان نحو سماوات العرفان القدسية . ومن أعظم هذه الرموز تجليا هو مفهوم الغسق؛ تلك اللحظة البرزخية التي يودع فيها النهار ضياءه المادي، ليفسح المجال لسواد الليل الذي ليس هو في الحقيقة عند أهل الشهود والمعنى إلا ستارا يسدل على عالم الشهادة ليفتح أبواب عالم الغيب.

لا غرو ان الغسق انما هو بوابة الانخلاع عن عالم الحس حيث يعد الغسق في المنظور العرفاني لحظة النزع الروحي من قيود المادة. فبينما تغيب الشمس الحسية، يبدأ العارف بالله الغارق بقلبه في شهود المعنى في استشعار غياب الأغيار عن مرآة قلبه.

 إن الضوء الباهر للنهار، برغم جماله، قد يكون حجابا كثيفا، لأنه يغرق النفس في تفاصيل الكثرة، ويشغل الحواس بصور المكونات وزخرفها.

أما الغسق، فهو بداية الخمول المحمود، حيث تبدأ الصور المادية في التلاشي، ويخفت ضجيج العالم الخارجي، مما يهيئ الروح لعملية الفناء عن الحس.

إن الليل لا يعطي للناظر في نظره سوى نفسه، فهو يدرك ولا يدرك به، فإنه غيب وظلمة.

 في هذه الظلمة، يفقد الحس أدواته، فالعين لا ترى، والأذن تسكن، واللمس يتراجع، وهنا تبدأ الروح في استعادة سلطتها. إن سواد الليل ليس عدما، بل هو امتلاء بالمعنى الذي لا تدركه الحواس المحدودة. انه هو الحالة التي يسود فيها نور الغسق، وهو النور الذي من شدة سطوعه في عالم الغيب، يظهر للعين الحسية كظلمة، تماما كما تبدو الشمس بقعة سوداء لمن حدق فيها طويلا.

لا مندوحة ان سواد الليل انما هو في الحقيقة بقاء بأنوار المعنى فعندما يتحقق الفناء عن الحس بسواد الليل، يشرق في باطن العارف فجر المعنى، هذا هو البقاء الذي يتلو الفناء، بقاء الروح بمشاهدة الحق منزهة عن شوائب التشبيه والصور المادية. إن الظلمة هنا تعمل كـ غرفة مظلمة (Camera Obscura) تتركز فيها أشعة الحقيقة لتنطبع على لوح القلب الصقيل.

***

د محمد غاني، كاتب - المغرب

لقد تعلّم الإنسان الحديث كيف يشطر الذرّة، لكنه لم يتعلّم بعد كيف ينفذ الى أعماق ذاته. استطاع أن يختصر المسافات بين القارات وأن يملأ العالم بالضجيج والاتصال لكنه ازداد بعدًا عن نفسه. وهذه ليست أزمةً أخلاقية عابرة، بل مأزق حضاري كامل لأن الإنسان حين يفقد صلته بذاته، لا يفقد مجرد معرفة داخلية، بل يفقد البوصلة التي تمنح المعرفة معناه والقوة غايتها والحياة اتجاهها.

إن أخطر أنواع الجهل ليس الجهل بالعالم، بل الجهل بالنفس. فالأول قد يُنتج إنسانًا متأخرا أما الثاني فيُنتج إنسانًا يمتلك أدوات الحضارة ويعجز عن فهم لماذا يستخدمها. ولهذا لم يكن قول الامام علي (ع): ”من عرف نفسه فقد عرف ربه“ حكمة أخلاقية فحسب، بل كان كشفا عن قانون وجودي عميق: الإنسان لا يبلغ الحقيقة الكبرى الا عندما يمر عبر حقيقة ذاته.

غير أن الذات التي يكتشفها الإنسان أول الأمر ليست ذاتاً مطمئنة. إنه لا يعثر في أعماقه على الكمال الذي تخيّله، بل على النقص. يكتشف أن علمه محاط بالمجهول وأن قوته يجاورها الضعف وأن يقينه نفسه قابل للاهتزاز. وهنا تحديداً تبدأ الرحلة الحقيقية، لأن معظم البشر لا يعيشون داخل حقيقتهم، بل داخل صورة متخيلة عنها. إنهم يقاومون رؤية هشاشتهم فيلوذون بالغرور أو الاستهلاك أو الضجيج أو أوهام النجاح. ذلك أن الإنسان يخشى الاعتراف بنقصه أكثر مما يخشى الفشل نفسه.

لكن النقص ليس مأساة الإنسان، بل مصدر حركته. فالكائن الكامل لا يبدع لأنه لا يحتاج الى الإبداع أصلًا. أما الإنسان فإنه يتحرك لأنه يشعر - بوعي أو بغير وعي - بأن هناك مسافة تفصله عما ينبغي أن يكونه. ومن هنا أدرك ألفرد أدلر أن الشعور بالنقص هو المحرك الخفي للفعل البشري. غير ان الرؤية الروحية تمنح هذه الفكرة بُعدا أعمق، فالإنسان لا يهرب من نقصه فقط، بل ينجذب من خلاله نحو معنى أعلى نحو صورة من الكمال تتجاوز وجوده المحدود.

ولهذا فان الإبداع في جوهره ليس ترفا ثقافيا، بل قلق وجودي يبحث عن خلاصه. فالمبدع الحقيقي لا يكتب لأنه مكتف ولا يرسم لأنه مرتاح ولا يكتشف لأنه راض عن العالم. إنه يفعل ذلك كله لأنه يشعر بأن هناك شيئاً ناقصاً وفجوة خفية بين الواقع وما ينبغي أن يكون. وكل عمل عظيم في التاريخ كان بطريقة ما محاولة لرأب هذا التصدع بين الإنسان وصورته المثالية.

ولعل هذا ما يفسّر أن الحضارات والدول لا تولد في لحظات الرفاه، بل في لحظات القلق الكبرى. فحين تفقد أمة ما شعورها بالنقص تبدأ في التآكل من الداخل. الحضارات والدول التي تظن أنها بلغت نهايتها تدخل - دون أن تدري - في مرحلة أفولها. ذلك أن الشعور بالاكتفاء هو بداية الجمود، والجمود هو الصورة البطيئة للموت الحضاري. أما المجتمعات الحية فهي تلك التي تظل مشدودة الى أفق أعلى من واقعها، تشعر دائماً بأن ما لم تحققه أعظم مما حققته.

ومن المفارقات الجوهرية أن الإنسان لا يستطيع ادراك نقصه الا لأنه يحمل في داخله فكرة ما عن الكمال. فالإحساس بالقصور يتضمن ضمنًا الإيمان بوجود معيار أسمى. العالم لا يشعر بجهله الا لأنه يلمح اتساع الحقيقة خلف ما يعرفه والفنان لا يعاني من محدودية عمله الا لأنه يرى جمالاً أعظم من قدرته على التعبير. ولذلك فإن معرفة النفس لا تنتهي عند حدود النفس، بل تتجاوزها نحو المعنى الأعلى للوجود، لأن الإنسان في أعمق أعماقه ليس كائناً يطلب الأشياء بقدر ما يطلب المعنى.

وبهذا يظل القلق ملازمًا للعظماء. كلما اقتربوا من الحقيقة اكتشفوا اتساع المجهول وكلما أنجزوا شيئًا أدركوا حدود ما أنجزوه. ان الإنجاز الحقيقي لا يولّد الغرور، بل يولّد التواضع لأن الإنسان حين يقترب من المعرفة يرى بوضوح أكبر حجم ما يجهله. أما الغرور فغالبًا ما يكون تعويضا عن فراغ داخلي ومحاولة يائسة لإخفاء هشاشة لم تُفهم بعد.

لقد منحت الحضارة الحديثة الإنسان قدرة هائلة على السيطرة لكنها لم تمنحه بالضرورة القدرة على الفهم. وهنا تكمن المأساة: فالعلم يستطيع أن يخبرنا كيف نفعل الأشياء لكنه لا يجيب دائما عن سؤال: لماذا نفعلها؟ ولهذا فإن العالم الذي يفقد البعد الروحي والأخلاقي يتحول بسهولة إلى آلة ضخمة بلا غاية. ان القوة حين تنفصل عن معرفة النفس تصبح قادرة على تدمير الإنسان باسم تقدّمه نفسه.

أما الإنسان الذي يعرف نفسه حقًا فإنه لا يسقط في عبودية الإنجاز ولا في وهم الاكتمال. إنه يدرك أن نقصه ليس عيبًا ينبغي اخفاؤه، بل طاقة ينبغي تحويلها إلى خلق وتجاوز. ومن هنا يصبح الوعي بالذات فعلًا حضاريا لا تمرينا نفسيا. فالحضارة لا يصنعها الإنسان الواثق بنفسه على نحو اعمى، بل الإنسان القادر على رؤية هشاشته وضعفه دون أن ينهار، وعلى إدراك محدوديته دون أن يفقد شجاعته.

وربما كانت مأساة الإنسان الكبرى أنه تعلّم كيف يقيس المجرّات البعيدة، قبل أن يتعلّم كيف يفهم الفراغ الكامن في روحه.

***

حميد علي القحطاني

الأديان هدفها تهذيب النفس الأمّارة بالسوء، ومعضلتها أنها أيضا تبرر أفعالها، فهي حمّالة أوجه متعددة، وتسمح بالتشظي والتفرق والإحتراب، وفقا لما تستحضره من منطلقات ورؤى تحسبها حقائق مطلقة ولا سواه من صحيح.

الأديان تمزّق، وذلك من صلب طبيعتها وتأثيرها على السلوك البشري، لأن البشر محكوم بالإختلاف، ولا يتطابق مخلوقان في الوجود، كما لا تتطابق بصمات الأصابع بل لكل منا بصماته، ووفقا لذلك آليات تفكيرنا تتباين، والإختلاف بين المخلوقات تحصيل حاصل.

الأديان بطرفيها المتناقضين لا تصلح لصناعة الحياة، بل تسعى لتأمين الإستعدادات للموت، وتعتبر الدنيا بلا قيمة ولا معنى إلا للإبتلاء  وتنكر ما فيها من الإبداع والتفاعل البناء، وتكون جذوة للحروب وسفك الدماء، ومعظم الحروب التي خاضتها البشرية ذات دوافع دينية، ومن أمثلتها الحروب الصليبية، وغيرها من الحروب العديدة التي فتكت بالبشر.

الدين حالة قابلة للتفرع وتنوع الإعتقادات وتأكيد الصراعات، ففي كل دين مذاهب وفرق وجماعات وأحزاب وفئات، كل منها يرى أنه على حق وعنده علم اليقين، وعليه أن يمحق غيره وإن كان من نفس الدين، لأنه يبرر ذلك بأنه من المعادين لجوهر الدين الذي يقبض على عنقه.

المسيرة المعاصرة تقتضي أن يكون الدين للدين والدنيا للدنيا، ولا يجوز الخلط بينهما، لأن في ذلك عدوان على الدنيا والدين.

فإذا حطّ الدين في الكرسي فأنه سيضطر للخداع والتضليل لتمرير إرادة السلطة وقوة الحكم، فيتحول الدين إلى عبد للكرسي، وبهذا يفقد سماته ويتحرر من قيمه ومبادئه ويلوثها بما يمليه عليه الكرسي من مناهج وتصورات وتفاعلات مع محيطه.

فلكي تقضي على أي دين ضعه في كرسي السلطة، وستبرز حقيقة أدعيائه، وستنفلت أمّارات السوء التي فيهم وتمتطي الدين كحصان يأخذها إلى حيث الرغبات المأمولة.

المجتمعات المتقدمة متدينة، لكنها تعلمت أن لا تضع الدين في الكرسي، وأن تعمل لدنياها بمطلق طاقتها، وكذلك تواصل إيمانها بما تستطيعه من القدرات، والأمثلة لا تعد ولا تُحصى.

فلماذا نتوهم بأن الحياة لا تصلح إلا بدين يتربع على كرسي السلطة؟!!

وهل لدينا مثال على صلاح الدنيا بالدين؟!!

دياناتٌ بها الأيامُ سارتْ

على طرقٍ من الأمْواتِ عانتْ

تفرّقَ دينُها وغدى شظايا

على بَعضٍ أصالتْ واسْتثارتْ

هَدرْنا في مَسيْرتنا دماءً

لأوْهامٍ أصابَتنا ودامَتْ

***

د. صادق السامرائي

بكثير من الجزم والقناعة، تتردد في سردياتنا بعض المقولات الشعبية المتداولة وكأنها حقائق مطلقة لا تقبل الاستثناء والشك، بينما يطرح الواقع الإنساني أمثلةً معاكسة لها، ومن هذه المقولات " لا تطلب الخير من بطون جاعت ثم شبعت " التي تعكس خوفًا اجتماعيًا من أن من ذاق الحرمان قد يميل إلى الأنانية حين يمتلك المال والسلطة، ومن المؤكد ان للتحولات الاجتماعية في حياة البعض وسلوكياتهم بعد التحول دورٌا في انتشار هذه المقولة وشيوعها بين العامة، في حين هناك أمثلة وتجارب عديدة تنسف هذا المحتوى ولا تعتبره قاعدة عامة يركن اليها . فكتب التاريخ تذكر أن قادةً وشخصياتٍ تاريخية خرجت من الفقر وأصبحت رموزًا في العدل، وكان أغلبهم ينتمون إلى الطبقات الفقيرة من المجتمع، ومن بينهم الأنبياء والرسل، إذ إن جلّهم خرجوا من الفقر وأصبحوا أكثر إحساسًا بالعدالة والعطاء؛ لأنهم يعرفون معنى الحاجة.

ومن دون شك، فإن الذي ساهم في تكريس هذه المقولة في أذهان العامة وتداولها بينهم هو بعض الحكام الذين أساؤوا استخدام السلطة، وأشاعوا الفساد، وانشغلوا بالتهافت على المغانم، فالسلطة، كما هو معروف، تكشف معادن الناس، ثم لا ننكر أن الفقر قد يدفع البعض الى سلوكيات سلبية، ولكن من الصعب تعميم هذا الاتجاه، فليس كل (ابن خير وعينه شبعانه) هو منزّه من آفة الطمع وليس كل حاكم أو صاحب سلطة صعد من الفقر سيكون فاسدًا، بل هناك العديد من النماذج المضيئة في التاريخ أثبتت أن القيم الفردية أقوى من الخلفية الاجتماعية في تحديد السلوك، وأن الفقر لا يمنع من النبل، وبالتالي من الخطأ ربط الاخلاق بالأصل الطبقي .

وهناك أمثلة تعزز هذه الحقيقة، حيث يذكر المؤرخ ابن الأثير في كتابه الكامل في التاريخ أنه كانت لدى الخليفة العباسي الثالث والثلاثين (المستظهر بأمر الله، 530–575هـ) جارية تُدعى "بنفشة"، وهي رومية الأصل، اشتراها بعشرة آلاف دينار. وقد ساعدها حُسن وجهها على الوصول إلى دار الخلافة، فأصبحت حظيّة لدى الخليفة وذات مكانة رفيعة في القصر العباسي، وكان حكمها نافذًا في الأمر والنهي. وقد قامت هذه الجارية بأعمال خيرية عديدة، فأعتقت خلقًا كثيرًا من الموالي والجواري والمماليك الذين كانوا في خدمتها، إضافةً إلى ما عُرف عنها من الإحسان والصدقة. وكانت تُخرج في عيد الفطر من كل سنة صاعًا من التمر، وتقول: "هذا ما فرضه الشرع عليّ، وأنا لا أقتنع من مثلي بهذا"، فتُخرج صاعًا من الذهب العين، وتأمر بتفريقه على الفقراء، في حين تجد حاكمًا ينحدر من أسرة غنية يتباهى بتوزيع حفنة من العدس على شعبه في الأعياد.

إن قصة "بنفشة" التي أوردها ابن الأثير في كتاب الكامل في التاريخ مثالٌ لافت على أنه ليس كل من جاء من خلفية فقيرة يكون فاسدًا، بل إن هناك نماذج سياسية واجتماعية مضيئة خالفت في سلوكها وأدائها هذا المفهوم. فالأخلاق لا يحددها الأصل الطبقي بقدر ما يحددها الضمير والتربية والقيم، والتاريخ في كل زمان يجمع بين نماذج مضيئة وأخرى مظلمة. 

***

ثامر الحاج أمين

عبَسَ الشخص: قطّب ما بين عينيه وتجهم لإبداء الإستياء وعدم الرضا، ظهر أثر الحزن على وجهه.

العلاقة بين مزاج الأرض والبشر صَدَوية، فهي كائن حي ومرآة لما تحمله على ظهرها، فإن كانت المخلوقات ذات مزاج إيجابي فأنها ستعكس ذلك وتساهم في تعزيزه وإدامته، وإن كان سلبيا، فستواجهه بغضب وإنفعالية قد تصل للعدوانية الفائقة.

والبشر الذي يحترم أرضه، ينال منها الخير والبركة، والذي يدوسها ويحتقرها وينكر نعمتها عليه، فأنها لا ترحمه ولا ترضعه من أثداء ثراها.

البشر الذي يعذب التراب يتعذب، والذي يحارب الشجر يتحجر، ومَن عشق أرضه أولته ما تستطيعه من الرعاية والعطاء.

فهل نحن لأرضنا أوفياء؟

الأرض بطبيعتها تريد ماءً، ولهذا تأتها السماء بالمدرار الوفير، والبشر المتخاصم معها يريد أن يسقيها دماءً، ويطعمها أبدانا غضة على بدايات مسار الحياة.

الأرض أم البشر، وما أكثر الذين لا يراعون عقوقها في مجتمعاتنا، ولهذا فهي تبخل علينا بما تكنزه من الطعام، وترفضنا لأننا نعاديها، ونسعى لكسوها باللون الأسود، وهي المغرمة باللون الأخضر وبالشجر.

من قوانين الطبيعة العلاقة الخفية بين اللون الأخضر والمطر، فكلما إحتاج الزرع للماء تكاثفت الغيوم وهطل المطر مدرارا، وهذه سمفونية تخاطبية ذات أنغام متواشجة يدركها الذين يعيشون في البيئات الجبلية والسهول، فالزرع يستحضر المطر، والماء رزقه مثل أي مخلوق فوق التراب.

ترابٌ من بواطنهِ وُلدْنا

فيأوينا ويُطعمنا الثَمينا

هيَ الأرضُ التي فيها انْتشرنا

ومِنْ نُهُرٍ وينبوعٍ شَرِبْنا

نُخاصِمها ولا ندري سِواها

وتأكلنا إذا وَهنتْ قِوانا

***

د. صادق السامرائي

يقولون إنّ الخبز لم يعد ذاك الخبز الذي عرفته البيوت القديمة، فقد امتدّت إليه أيدي المختبرات، تعبث بجينات القمح كما تعبث الرياح بسنابل الحقول، فتغيّرَ لونه، وخبا طعمه، وفقدت الأرغفة شيئًا من روحها الأولى.

وكذلك الجبن، والدجاج، والغنم، والبقر، كلّها أصابتها يد الاقتصاد حين تحالفت الرأسمالية مع العلم، فصار الشيء يشبه نفسه في الصورة فقط، بينما تبدّلت حقيقته في العمق، إلا ما استعصى على التغيير واحتفظ ببعض براءته الأولى.

غير أنّ الكارثة الكبرى لا تبدو في الطعام، بل في الإنسان نفسه. فكأنّ هندسة الجينات لم تتوقف عند النبات والحيوان، بل انسحبت خفيةً إلى الأخلاق. حتى غدت النفوس لا ترتجف أمام الظلم، ولا تنفر من القبح، ولا تثور في وجه الباطل.

صرنا نرى هذا السيل الهائل من القتل والإجرام يمرّ أمام العيون بلا دهشة، وبلا غضب، وبلا ذلك الوجع الإنساني الذي كان يومًا علامة على وجود حياة ووجود حياء.

ولعلّ العرب كانوا من أكثر الشعوب تعرضًا لهذه “الهندسة الأخلاقية”، حتى بدا كثير منهم بلا مذاق عربي، ولا حسّ إنساني، ولا هوية أخلاقية واضحة.

وحين أقول “العرب”، فأنا لا أعني قوميةً بعينها، بل هذا العالم الممتدّ الذي جمعته الجغرافيا والتاريخ والحضارة. العالم الذي يضمّ المسلمين والمسيحيين والصابئين والأيزيديين واليهود والملحدين وغيرهم، ويضم العرب والأكراد والأمازيغ والنوبيين والكلدان والآشوريين وسائر القوميات التي اختلطت دماؤها وتشابكت حكاياتها وتعانقت أعراقها وامتزجت ثقافاتها عبر القرون.

وإذا كان خمود عامة الناس مؤلمًا، فإنّ ما يثير الصدمة حقًا هو حال بعض من يُفترض أنهم أهل الوعي والثقافة؛ أولئك الذين مضت سنوات على المآسي المشتعلة في المنطقة، ولم يقطر لقلم أحدهم دمعٌ، ولو كان كَذبًا.

ومع ذلك، لا يكفّ بعضهم عن الغرق في هويات ضيقة، يستحضرون مناسبات غابرة، وكأنّ التاريخ منفصل عن حاضر الدم والنار، مع أنّ تلك الوقائع نفسها كانت وما تزال جزءًا من هذا الواقع الاجتماعي والسياسي المضطرب.

إنّ أكثر ما يبعث الخوف، أن تمتدّ هذه الهندسة الوراثية المرعبة إلى جوهر الإنسان ذاته، إلى تلك المنطقة الخفية التي تحفظ في دواخلنا الرحمة وتحافظ على الشفقة و تحمي زرع المودة.

وعندها لن نغدو كالحيوانات التي تتجاور وتتعايش في الطبيعة بقدر واضح من الإنسجام، بل سنصبح وحوشًا ينهش بعضنا بعضًا بلا قلب ولا ذاكرة ولا رحمة.

***

أحمد راضي

 

بقلم: جيريمي إل. فوست

ترجمة: د. محمد عبد الحليم غنيم

***

إن معرفة الأسباب التي تدفع الناس إلى اختيار عدم المعرفة - وعواقب هذا الاختيار - قد تساعدنا في معرفة متى يصبح الأمر مشكلة.

أخيرًا، ستحل عليك غدًا العطلة التي كنت تنتظرها. ستنطلق أنت وأصدقاؤك في رحلة بحرية لمدة أسبوعين، خالية من المسؤوليات ومليئة بالمرح. تبدأ بتجهيز أمتعتك ثم تشعر بدوار خفيف. لا تُفكر كثيرًا في الأمر لأنك كنت متوترًا مؤخرًا في محاولة الاستعداد للرحلة. لاحقًا، تبدأ بالسعال. ربما مجرد حساسية، هذا ما تفكر فيه وأنت تُكمل يومك. عندما تستيقظ في الصباح - يوم الرحلة - تشعر بالتهاب في الحلق وقشعريرة. تُفكر للحظة: يبدو أن هذا قد يكون كوفيد. ربما عليّ إجراء فحص ذاتي. تبدأ في السير نحو خزانة الأدوية، لكنك تتوقف. إذا جاءت نتيجة الاختبار إيجابية، ستشعر بأنك مضطر لعزل نفسك عن الآخرين وستفوّت الرحلة. لقد قضيت وقتًا طويلًا في التخطيط لها، ودفعْت مبلغًا كبيرًا من المال مقابل التذاكر. أصدقاؤك سيشعرون بخيبة أمل. " أنا متأكد أنني بخير ."تُقرّر أن من الأفضل ألّا تعرف.

سواء مررتَ بمثل هذا الموقف أم لا، فإن كثيرين منّا قد اختاروا "ألّا يعرفوا" بطرق أخرى: على سبيل المثال، تأجيل زيارة الطبيب لإجراء فحص، أو الامتناع عن الاطلاع على تقريرك الائتماني، أو تجنّب بعض المواضيع في النقاش لأنك تفضّل ألّا تعرف رأي الآخرين الحقيقي. تُعرف هذه العملية — أي اختيار عدم معرفة معلومة متاحة لك مجانًا — باسم تجنّب المعلومات.

لدينا اليوم إمكانية الوصول إلى معلومات تخصّنا شخصيًا أكثر من أي وقت مضى وفرصٌ أكبر للبحث عنها أو تجنبها. فالأجهزة الذكية تتابع نشاطنا البدني وأنماط نومنا، والخدمات المصرفية الإلكترونية تتيح لك مراقبة أمورك المالية في أي وقت، ويمكنك مقارنة نمط حياتك مع حياة أصدقائك أو المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي. لدينا أيضًا وصول دائم إلى معلومات ذات تبعات كبرى، مثل معلوماتٍ حول أزمة المناخ، وحقوق الإجهاض، والآثار الاقتصادية للرسوم الجمركية الأمريكية. إذا صحّ القول المأثور "المعرفة قوة"، فإنّ معظم الناس يمتلكون قدرًا غير محدود من السلطة في جيوبهم. وفي هذا السياق، من الغريب أن يختار أحدهم التخلي عن هذه السلطة بتجنب المعلومات.

عندما بدأت دراسة هذه الظاهرة، نظرت إليها على أنها نوع من "البحث عن الذات"، فأنا نفسي كنت قد تجنبت المعلومات في الماضي. ورغم كوني مهووسًا بالإحصاءات ومولعًا بالبيانات، إلا أني تساءلت: كيف يمكنني أن أكون محاطًا بالأرقام والحقائق، ومع ذلك أختار أحيانًا تجنب معرفة معلومات تتعلّق بي شخصيًا؟

أكدت أبحاثي أنني لست وحدي في هذا الشأن. مؤخرًا، أجريتُ دراسة مع زميلتي جينيفر إم. تابِير، طلبنا فيها من طلاب جامعيين المشاركة في استطلاع يومي، يجيبون فيه عمّا إذا كانوا قد تجنّبوا أي نوع من المعلومات في ذلك اليوم. وجدنا أن المشاركين تجنّبوا المعلومات — في سياق واحد على الأقل — في أكثر من 30% من الأيام. أكثر المعلومات التي تمّ تجنّبها كانت تتعلق بالمعلومات المالية والأخبار والنشاط البدني .ومن اللافت للنظر أن 14 مشاركًا فقط (من أصل 181) لم يبلغوا عن أي تجنب للمعلومات خلال أسبوعين، بينما أفاد عدد مماثل بتجنب المعلومات في 10 أيام أو أكثر. هذه النتائج توضح أن غالبية الأشخاص يمارسون تجنبًا معتدلًا للمعلومات، بينما يبالغ البعض في هذه الممارسة بشكل واضح.

نظرًا لأن تجنّب المعلومات يبدو سلوكًا شائعًا، فلماذا يلجأ الناس إليه؟ في مراجعة علمية أعدّتها كيت سويـني وزملاؤها، جرى تصنيف الأسباب المحتملة لتجنّب المعلومات ضمن ثلاث فئات رئيسية: حماية معتقد قائم، وتجنّب اتخاذ إجراء غير مرغوب فيه، وتقليل المشاعر السلبية.

أولًا، قد تهدد المعلومات أنواعًا مختلفة من المعتقدات الراسخة لدى الفرد.  فعلى سبيل المثال، قد يؤمن شخص ما بأنه يتمتع بموهبة في استثمار الأموال في سوق الأسهم. ثم، في أحد الأيام، ينهار السوق فجأة وبشكل غير متوقّع. ومن المحتمل جدًا أنه خسر جزءًا من استثماراته. لكن بدلًا من التحقق من أدائه، يختار تجنّب معرفة التفاصيل، آمِلًا أن يتعافى السوق من تلقاء نفسه. وطالما أنه لا يرى الخسائر بعينه، فإن إيمانه بقدرته الاستثمارية يظلّ سليمًا دون أن يُمسّ. وقد درست عدة أبحاث ظاهرة تجنّب المعلومات في السياق المالي. ففي إحدى الدراسات، كان الناس أكثر ميلًا لتجنّب معرفة الخسائر المحتملة في الأسهم الافتراضية، مقارنةً بالأرباح المحتملة. وفي دراسة أخرى، تبيّن أن حاملي الأسهم في الولايات المتحدة والدول الإسكندنافية كانوا يدخلون إلى حساباتهم ليفحصوا محافظهم الاستثمارية بشكل أكبر عندما كانت الأسواق مرتفعة.

بصورة أوسع، حين تكون هناك معلومات تهدّد معتقدًا معينًا — سواء كان عن الذات، أو عن شخص آخر، أو عن حالة العالم — فإن الميل الطبيعي يكون تجنّب تلك المعلومة والبحث بدلًا من ذلك عن معلومات تدعم المعتقد القائم. وقد أظهرت الدراسات أن الناس يفكرون مسبقًا في مدى تحيّز الخبر قبل قراءته، ويميلون إلى قراءة المصادر التي يتوقعون أنها تتفق مع آرائهم. وهذا قد يفسّر سبب ميل الناس إلى متابعة القنوات الإخبارية التي تتماشى مع معتقداتهم السياسية.

*

يميل الناس إلى تجنب المعلومات المزعجة عندما يشعرون بأنهم لا يملكون سيطرة على الموقف.

لكن تجنّب المعلومات لا يقتصر فقط على الدفاع المسبق عن المعتقدات. فكما في مثال اختبار كوفيد، قد تتطلّب المعلومات التي تكتشفها — مثل معرفتك بأنك مريض - أن تغيّر سلوكك بطريقة لا ترغب فيها. وقد يتيح لك تجنّب المعلومات أيضًا أن تتخذ قرارات ثم تدّعي لاحقًا أنك لم تكن تعلم. على سبيل المثال، في إحدى الدراسات، قال حوالي 63% من المشاركين إنهم لا يريدون معرفة عدد السعرات الحرارية في قطعة الكعك - حتى لا يشعروا بالذنب عند تناولها. إن الدافع لدى هؤلاء يشبه دافع المسافر الذي يشتبه بأنه مريض، لكن يفضل ألا يعرف. (رغبة في حماية أنفسهم من العواقب غير المريحة للمعرفة)

وأخيرًا، هناك بُعد عاطفي لتجنّب المعلومات: فهذا السلوك قد يساعد على تجنّب مشاعر غير مرغوب فيها. في دراستنا اليومية (التي اعتمدت على مذكرات المشاركين)، وجدنا أن الأفراد كانوا أكثر ميلًا لتجنب المعلومات في الأيام التي شعروا فيها بمشاعر سلبية مكثفة. كما كانوا أكثر عرضة لفعل ذلك بعد أيامٍ عاشوا فيها مشاعر إيجابية قوية  وقد افترضنا أن الأشخاص الذين يشعرون بالحزن أو الغضب، قد يتجنّبون أي معلومة من شأنها أن تزيد حالتهم سوءًا. وبالمثل، بعد الشعور بسعادة كبيرة، يسعى الناس أحيانًا للمحافظة على هذه الحالة الإيجابية عبر تجنّب أي شيء قد يعكّر صفوهم. بشكل عام، وبما يتوافق مع النظريات النفسية، يبدو أن الناس يستخدمون تجنّب المعلومات كاستراتيجية لتنظيم المشاعر أي أنهم يحاولون السعي وراء المعلومات أو تجنبها بهدف تعزيز مشاعرهم الإيجابية وتقليل السلبية منها.

تشير أبحاث أخرى إلى أن الناس يتجنّبون المعلومات أحيانًا لأنهم يشعرون بأنهم غارقون فيها بالفعل. فعندما يشعر شخص ما بأنه مثقل بالمعلومات، فمن الطبيعي أن يقرر "أخذ استراحة" من متابعة الأخبار أو تصفّح الهاتف — حتى وإن كانت هناك أحداث كثيرة تدور حوله. كما توجد دلائل على أن الناس يميلون إلى تجنّب المعلومات المقلقة - مثل خطر الإصابة بمرض ما - عندما يشعرون بعدم وجود أي سيطرة لديهم على الموقف فإذا لم يكن بوسعهم فعل شيء حيال ما قد يكتشفونه، فقد يفضّلون البقاء في جهل مريح بدلًا من مواجهة حقيقة مزعجة لا يمكنهم تغييرها.

ثمة عامل آخر محتمل قد يؤثر في قرار تجنُّب المعلومات، وهو إدراك الفرد لرغبة الآخرين في أن يعرف هذه المعلومات. فخلال بحثي مع زميلتي " جينيفر تايبِر " حول تتبع معلومات كوفيد-19 في بداية الجائحة (قبل توفر اللقاحات)، سألنا المشاركين عن استعدادهم لإجراء فحص كوفيد في سيناريوهات مختلفة — مثلًا: إذا تعرّضوا لشخص مصاب، ثم سنحت لهم فرصة مقابلة صديق لم يروه منذ وقت طويل. وتبيّن أن الدافع الرئيسي لإجراء الفحص كان اعتقاد المشاركين أن أصدقاءهم أو عائلاتهم يريدون منهم ذلك. أي أننا — حين نعتقد أن الأشخاص المهمين في حياتنا يريدوننا أن نطّلع على معلومات معينة — نكون أكثر ميلًا لمعرفتها. والعكس صحيح أيضًا: إذا بدا أن الآخرين غير مهتمين بمعرفتنا لأمر ما، فقد نقلِّل نحن بدورنا من اهتمامنا به. هذا يسلّط الضوء على كيف يمكن للضغوط الاجتماعية — حتى غير المباشرة منها — أن تُشكّل خياراتنا المعلوماتية، سواءً في السياقات الصحية أو غيرها. فالتفاعل بين رغبتنا الشخصية وتوقعات المحيطين بنا قد يُحدد في النهاية ما نختار معرفته... وما نختار تجاهله.

لكن تجنّب المعلومات لا يخلو من المخاطر - بعضها بسيط، وبعضها قد يكون بالغ الخطورة. فقد يأكل شخص كمية من كعكة الشوكولاتة أكثر مما كان ينوي. وقد يتجاهل المستهلكون سياسات معيبة تتبعها شركة ما، ويواصلون شراء منتجاتها. وقد يتأخّر مريض في طلب العلاج من مرض كان يمكن اكتشافه مبكرًا، مما يؤدي إلى تفاقم حالته.

هناك أيضًا مخاطر أعمق يجب أخذها في الاعتبار. فتجَنُّب المعلومات التي تتعارض مع معتقدات المرء يُفسِّر - ولو جزئيًا - الاستقطاب السياسي. فالأشخاص الذين يتجاهلون وجهات النظر المخالفة لآرائهم يميلون إلى تعزيز ثقتهم بمعتقداتهم بشكل متزايد، بغض النظر عن الأدلة المتوفرة. إنهم بذلك يقتصرون على ما يريدون سماعه ويتجنبون ما لا يرغبون فيه. وفي سياق وسائل التواصل الاجتماعي، قد تسهم هذه النزعة في تعزيز خوارزميات تغذّي المستخدمين بمحتوى أكثر تطرفًا مع مرور الوقت.

*

قد لا يُشكّل تجنّب المعلومات مشكلة دائمًا؛ فهناك حالات يمكن أن يكون فيها مفيدًا.

في كثير من الأحيان، يتطلب تجنب المعلومات قدرًا من الامتياز الاجتماعي أو الاقتصادي. على سبيل المثال، يكون تجنب المعلومات المتعلقة بأمورك المالية أسهل عندما يكون لديك ما يكفي من المال. وبالمثل، يكون تجنب المعلومات حول السياسات العامة – بما في ذلك السياسات الضارة – أسهل عندما لا تتأثر مباشرةً بتلك السياسات.

ومع ذلك، وكما أشرتُ سابقًا، فإن تجنّب المعلومات لا يكون دائمًا مشكلة؛ ففي بعض الأحيان، يمكن أن يكون مفيدًا. فعادة "التمرير الكئيب" (doomscrolling)، أي الاستهلاك المستمر للأخبار السلبية عبر الإنترنت، ترتبط بارتفاع مستويات القلق وتدهور الصحة النفسية.

لذا فإن تجنّب هذا النمط، ووضع حدود للتعرّض للمعلومات السلبية، قد يعود بفائدة على  سلامة الصحة النفسية.

صحيح أن التجنّب المزمن للمعلومات المزعجة قد يؤدي إلى مشكلات، إلا أن تأثيراته قد تكون ضئيلة في مواقف معينة. ففي دراستنا مع طلاب الجامعات، لم نجد أدلّة قوية على أن تجنّب المعلومات حول الدرجات، أو المال، أو الصحة في يوم معين أثّر على سلوكهم في اليوم التالي، مثل الوقت الذي قضوه في الدراسة، أو الإنفاق، أو ممارسة الرياضة. لكن أبحاثًا مستقبلية قد تكشف الآثار بعيدة المدى لتجنّب المعلومات الحاسمة (مثل المعلومات عن كيف يمكن لعدم النشاط البدني أن يزيد من خطر الإصابة بالأمراض).

إذا كنتَ - أو شخص تعرفه-  قد تجنب مؤخرًا أنواعًا معينة من المعلوما ، فقد يكون ذلك لأسباب متنوعة، ولا توجد قاعدة واضحة تحدد متى يكون التجنب "جيدًا" أم لا. لكن أثناء تفكيرك في قراراتك المتعلقة بالسعي وراء المعرفة أو الابتعاد عنها، من المفيد أن تسأل نفسك:هل هناك ما يمكنني فعله بناءً على هذه المعلومة؟

تشير الدراسات الكمية والنوعية على حد سواء إلى أن الناس يميلون لتجنّب المعلومات عندما يشعرون بالعجز عن التأثير في نتائجها. فإذا كنت تغرق في الأخبار السيئة حول أمر لا تملك حياله شيئًا، وكانت هذه المتابعة تؤثر سلبًا على صحتك النفسية، فربما من الأفضل أن تأخذ استراحة.

أما إذا صادفت معلومات قابلة للتطبيق — تتعلق بصحتك، أو أموالك، أو أحداث يمكن أن تؤثر فيها أنت أو غيرك — فربما يستحق الأمر أن تتعرّف عليها، حتى لو كنت مُيالًا إلى تجنبها.

***

........................

* جيريمي إل. فوست/Jeremy L Foust: أستاذ مساعد في قسم علم النفس في جامعة كونفرس بمدينة سبارتنبرغ، ولاية كارولاينا الجنوبية، الولايات المتحدة. وهو أيضا عالم نفس تجريبي متخصص في علم النفس الاجتماعي وعلم النفس الصحي.

https://psyche.co/ideas/why-we-choose-to-avoid-information-thats-right-in-front-of-us

لا انتقال من اليدوية من دون مغادرة الاحادية الارضوية وقصوريتها الاعقالية، بما يضع هذا الجانب من عملية الانتقال بموقع الاساس والهدف المقصود، اي الغاية التي تقع الالة بموضع العامل المساعد على تحققها للضرورة، مايجعل من "اكتشاف" و "اماطة اللثام" الجارية هنا في ارض اللاارضوية بمثابة المنطلق والاساس الانتقالي المنوه عنه بغض النظر عن التوهميه الابتدائية، فالعقل البشري عقلان عقل يدوي ارضوي، وعقل انقلابي متعد للقصورية البدائية الارضوية اليوم  ومن هنا فصاعدا يبدا بالحضور بعد مايقارب العقدين المنصرمين من السعي غيرالملاحظ ولا المنوه عنه، مادام بالامكان عجزا وقصدا اخراجه من الدائرة، علما بان تدني مستوى الادراكية وزرايته الغامرة، يحول مثل هذا الموقف الى ممارسة بداهة بازاء انقلاب كلي، وثورة كبرى تنحو الى ولادة المنظور الوطن كوني  العراقي المغيب منذ مايزيد على السبعة الاف عام، بانتظار طور من التاريخ البشري المجتمعي من اليدوية، المجتمعية والانتقال الى المجتمعية العقلية، وقت تتوفر الاسباب عقلا لادراك ماقد كان خارج الطاقة العقلية البشرية الادني، وتظل كذلك مادامت اليدوية سائدة.

هذا ولابد من اخذ حال متبقيات الارضوية وحثالات الريعيه الراهنه، ومع بدء  وتيرة الانتقال الكبرى بالاعتبار وقد وصلت مستويات من الانحدار والتردي الشامل  والاميه التي تجعلها قاصرة حتى بازاء ذاتها التي تنتسب لها، وقد  تهالكت وامتلات عجزا وتشوها على الصعد كافة، الامر الذي من المستحيل تصور امكانيه او حتى احتمال مقاربته كما الحال مع عمل من نوع " ارضوتوبيا العراق وانقلاب التاريخ: من الابراهيمه الى ظهور المهدي هكذا يرد التاريخ العراقي على التحدي الامريكي" الصادر عن "دار الانتشار العربي/ بيروت"  عام 2008 ب 460 ص، عدا عن عشرات  لابل مئات المقالات المنشورة في "الحوار المتمدن" في الفترة اللاحقة  على صدر الكتاب المشار اليه والى اليوم، هذا غير كتاب من نوع "تجديد النبوة"بلا ناشر، وصولا اخيرا الى " كتاب العراق" الصادر عن نفس الدار التي اصدرت الكتاب الاول في 2025 لنتعرف على ظاهرة غير ملاحظة ولا مؤشر عليها باية صيغة كانت، خصوصا مع وبعد تشرين 2019، حيث نتوفر على  مسار راهن للنطقية اللاارضوية العظمى المؤجله، واقعا يكرر  مناسبات سابقة  غير ناطقة، اولها ثورة ،1920 تبعتها ثورة 1958، وصولا الى الثورة الراهنه المولودة في غمار بدء النطقية المؤجلة، وحلول لحظة الانتفاض الواقعي اللاارضوي غير الناطق بصيغته الاخيرة والنهائية، بانتظار لحظة الانقلاب الكبرى الكونيه وحلول تاريخ النطقية الموجله اللاارضوية العظمى.

انه  "زمن النطقية" المتجهه نحو " تشرين  اللاارضوية الناطقة"، وهو يواكب متفاعلا  تحولات الانتقالية  المجتمعية من الارضوية اليدوية، بعد التوهمية الاوربيه الامريكيه بانتظار اكتمال اسبابها  بحلول لحظة وسيلة الانتاج العقلية اللاحقة على التكنولوجية الانتاجية الغالبه حاليا، بعد الفترة الاليه المصنعية، وتعاظم ازمه الكيانيه  المفقسه خارج رحم التاريخ مع احتدام وتعاظم الرغبة في اختلاق اسباب كيانيه مفبركه مستعادة ابراهيميا، وهو ماقد صار اليوم منهجيه كيانيه، ترامب  ممثلها ومنفذها النموذج.

ومن غير المفترض عند معاينه لحظة انقلاب كبرى فاصلة وانتقاليه نوعيه، تجاهل ضخامه  المجريات والاحداث الملازمه للحظة من هذا النوع،  بالاخص تحت طائلة الانقلابيه الكلية في المنظور والرؤية والقدرة العقلية على النظر، مابين معتاد مترسخ متراكم، واخر صار اليوم لزوما في حال تحقق، مابين منظور الارضوية التاريخي الراسخ الذي انتهت صلاحيته، والانبجاس الشامل اللاارضوي الازدواجي  الذي صار حاضرا وهو يصارع داخلا من بين الشقوق التي تولدها الشروط والاليات الموضوعيه، مع كل مايتلازم مع عمليه عظمى من هذا النوع من مصاعب كبرى غير مالوفة ومتعددة الاشكال والتجليات.

هذا غير مامتوقع ان يستغرقه الانتقال الكبير من زمن وتراكميه حدثية كما الحال في العراق من التسعينات الى اليوم، مع ما منتظر وقد لايكون في الحسبان، ويحضر هنا للتذكير تاريخ الاصطراعيه الامريكية العراقية من التسعينات، وظهور تيار "المعارضة الوطنيه" بمختلف مواقفها المضادة للعدوان الامريكي، وصولا لوقوع العدوان وعملية السحق الكياني عام 2003 والاتجاه الى وضع خيار مضاد للذي كانت الولايات المتحدة بصدده وتخطط له بما يكرس انهاء حضور العراق، حين اقترح تيار المعارضة الوطنية "المؤتمر التاسيسي العراقي" وقتها، وعقد لهذا الغرض في 2004 مؤتمرا تحضيريا  للمؤتمر التاسيسي في بيروت، حضره 350 شخصية جاءوا من العراق، تهيئة للخيار الاخر، ولابد من الاعتراف بان مقاربة الحقيقة الاصطراعية الكونيه التي دخل غمرتها العراق في حينه، لم تكن قد جرت مقاربتها بكل ابعادها وقتها، وربما الى اليوم، وان غلبه المنظور الارضي كانت ماتزال مهيمنه بانتظار  بداية تلمس الطريق الواجب من يومه، وبدء ادراك الاهمية الفصل للناحية الفكرية التصورية والموقع الحاسم للمسالة الكبرى المعلقة على مر تاريخ عراق الازدواج المجتمعي، ماقد رجح من حينه المكانة الفاصلة للمهمه الفكرية الوطن كونيه، اي لوجود العراق الذي امضى تاريخه الثر الاستثنائي السيزيفي الكوني بلا رؤية للذات ظلت متجاوز للقدرات العقلية المتاحة للكائن البشري، مع ان الوصول اليها ضرورة قصوى، ولحظة انقلاب بشرية استثنائيةعلى مستوى المعمورة.

وعلى سبيل المثال، فان موضوعا مثل ازدواجية المواجهه المفترضة من قبل مجتمع مزدوج كينونة وبنية ماكانت، وهي ليست مقبوله او قريبه للتداول حتى الساعه، ولنتصور لو ان احدهم قال بان ماحصل بين العراق والولايات المتحدة وحملتها التدميرية الكونيه لم يكن معركة مع العراق، بقدر ماهو معركة مع العراق الارضوي، وان المجابهه الاشمل والابعد، اي الاصطراعية اللاارضوية مع العدوان التدميري ظلت وماتزال  لها تجليات وسياقات اخرى، وتفاعليه مستمرة الى الساعة، بعد ان انتهى الطرف الارضوي، وفقد  اية امكانات تصد او استمرارية باية صيغة كانت، ويصعب جدا على اي كان، ان يقبل مثل هذه الفكرة، او يتخيلها كاحتمال، مع انها موجودة في تاريخ هذا المكان وحاضره،  بالامكان متابعتها واظهار الامثلة عليها في اكثر من حالة وفترة تاريخيه، منها ولعل ابرزها تلك التي تعود الى انهيار الدورة الثانيه العباسية القرمطية الانتظارية مع سقوط بغداد عاصمة الدورة الثانيه عام 1258 وتحولها الى مركز براني، تتناوب عليه الدول واشباه الامبراطوريات من هولاكو الى العثمانيين والانكليز ممن كانوا  يستعملون العاصمة المنهاره موقعا رمزيا لاحتلال ماكانت اسبابه قائمه او ممكنه، اذ ظلت الدول المتعاقبة معزوله في  العاصمه بغداد، سلطاتها لاتتعدى اسوار المدن الكبرى.

والاهم هنا ليس فقط اقتصار السلطات البرانية على بغداد وحدها من دون بقية ارجاء العراق، وبالاخص منه ارض السواد اسفل بغداد، فالحاصل وقتهاماكان مجرد تعذر سيطرة، بقدر ماكان استمرار الديناميات الخاصة الذاتيه الوطن كونيه في التشكل، من دون اعلان كيانوي هو اصلا امر غير وارد ضمن تكوين المجتمعية اللاارضوية، فما ان حل القرن السادس عشر حتى ظهرت علائم التشكل الانبعاثي مع " انحاد قبائل المنتفك" في ارض سومر، بعد تفاعليه استمرت من سقوط بغداد في القرن الثالث عشر، متخذه شكل فوضى عارمه ظلت شاملة لارض السواد حتى القرن الخامس عشر، عندما بدات  عملية نضج التشكل الانبعاثي الثالث الراهن بالتبلور، متخذه صيغة " القبليه" الاولى التي ستتبعها مع القرن الثامن عشر صيغة ثانيه انتظارية نجفية، وصولا الى الثالثة المواكبه للبرانيه الحداثية الاستعمارية مع القرن العشرين.

ـ يتبع ـ

***

عبد الأمير الركابي

قراءة في آليات التساهل الاجتماعي في العراق

يُعدّ علي الوردي من أبرز من اشتغلوا على تفكيك البنية النفسية والاجتماعية للمجتمع العراقي، وقد وجّه نقدًا لاذعًا لما يمكن تسميته بالتفكير التبسيطي أو “الخطّي”، أي ذلك النمط الذي يختزل الظواهر المعقّدة في تفسيرات مباشرة وحلول أحادية، متجاهلًا تشابك العوامل النفسية والثقافية والاقتصادية. هذا النقد لا يقف عند حدود التنظير، بل يجد امتداده في الممارسات اليومية للمجتمع، والتي تعبّر عنها اليوم مفردات دارجة مثل “ميخالف” و“غَلِّس”.

فالخطّية عند الوردي لا تعني مجرد التسامح، بل تعني الاعتقاد بأن الحل البسيط كافٍ لمعالجة مشكلة معقّدة؛ كأن يُظنّ أن العفو وحده كفيل بإصلاح المخطئ، دون الحاجة إلى تنبيه أو تقويم أو فهم للأسباب العميقة التي أدّت إلى الخطأ. وهنا تتجلّى إحدى إشكاليات المجتمع، حيث يُستبدل الفعل الإصلاحي الحقيقي بردود أفعال عاطفية سريعة.

في هذا السياق، تبرز عبارة “ميخالف” بوصفها تجسيدًا معاصرًا لهذا النمط من التفكير. فهي، في ظاهرها، تعبير عن التسامح وتخفيف التوتر، لكنها في باطنها قد تتحوّل إلى آلية لتجاوز الخطأ دون معالجته. إن تكرار “ميخالف” في المواقف التي تستدعي التنبيه أو المساءلة، يفضي إلى ترسيخ سلوكيات خاطئة، إذ يُفهم منها ضمنًا أن الخطأ يمكن أن يمرّ بلا تبعات، وأن العلاقات الاجتماعية أهم من تقويم السلوك.

غير أن التطور الأخطر يتمثل في شيوع مفردة “غَلِّس”، التي لا تكتفي بتجاوز الخطأ، بل تشير إلى تجاهل متعمّد ومقصود، بل وربما إلى دعوة ضمنية لإخفاء الخلل وعدم الخوض فيه. وإذا كانت “ميخالف” تعبيرًا عن تسامح قد يكون ساذجًا، فإن “غَلِّس” تمثّل انتقالًا إلى مستوى أكثر خطورة، حيث يصبح التجاهل سياسة، ويغدو السكوت عن الخطأ خيارًا واعيًا، بما يفتح المجال أمام تكرار الانحرافات وتطبيعها. ولعلها ابرز ممارسات تفشي الفساد في مجتمعنا العراقي اليوم.

إن الجمع بين هذه المستويات الثلاثة – الخطّية كإطار فكري، و“ميخالف” كسلوك اجتماعي، و“غَلِّس” كآلية واعية للتجاهل – يكشف عن منظومة متكاملة من التساهل غير المنتج، الذي لا يفضي إلى إصلاح بقدر ما يساهم في إعادة إنتاج المشكلات. فالمجتمع الذي يعالج أخطاءه بالعفو المجرد، أو يتجاوزها بدافع المجاملة، أو يتعمّد إخفاءها، إنما يؤجل أزماته ولا يحلّها.

من هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة الاعتبار لقيم النقد البنّاء والمساءلة الواعية، بوصفهما شرطين أساسيين لأي إصلاح اجتماعي حقيقي. فالتسامح، وإن كان قيمة إنسانية نبيلة، يفقد معناه إذا لم يُقترن بالتوجيه، كما أن الحفاظ على العلاقات لا ينبغي أن يكون على حساب ترسيخ الخطأ. ولعل في استعادة نقد الوردي للتفكير الخطّي مدخلًا مهمًا لفهم هذه الظواهر، والعمل على تجاوزها نحو وعي اجتماعي أكثر نضجًا وتعقيدًا.

***

د. وليد الزيدي

 

سواء كان عربياً مؤمنا أم شيوعياً كافراً!

الأنظمة العربية، البائد والقائم منها، على حد سواء، وجميعها كانت ومازالت معادية للشيوعية وأحزابها، أخذت أسوأ ما في الماركسية ودعت إليه، الشيوعية كايديولوجية وأحزاب، وهو مفهوم (الواقعية الاشتراكية) وهو من بين أكثر مفاهيم الشيوعية التباساً وتخلفاً وعدائية للشعوب والمثقفين بالفعل، لأنه، في واقع الحال، كان سيف السلطة القمعي والرقابي المسلط على الثقافة والمثقفين وحرية الرأي والتعبير.

فهذا المصطلح الملتبس في واقعه وهدفه، نادى بأن تكون وسائل التعبير الثقافية، وبكافة أشكالها ومجالاتها، محصورة في التعبير عن مشاكل الطبقات المسحوقة في المجتمع، وهي طبقة العمال والفلاحين، هاتان الطبقتان الفقيرتان اللتين سعت الأحزاب الشيوعية لاستغلال جهلهما، من حيث كونهما تمثلان الأغلبية في جميع مجتمعات كوكب الأرض، لتمرير إشكالياتها مع الثقافة ومن يمثلونها، (كجهاز توعية ورقابة ثقافيّان وإنسانيان) وجعلهما تحت السيطرة والرقابة، بحجة أن النتاج التعبيري - الثقافي، وبكافة أوجه تمثله، يجب أن يعبر عن مشاكل العمال والفلاحين وباقي الطبقات المسحوقة، لا التوعية بتجاوزات القمع وكشف جرائم ممارسات السلطة وأربابها.

الغريب أن المؤسسات الثقافية العربية (وللغرابة بما فيها الأنظمة الملكية، الأنظمة التي تدعوها الأنظمة الجمهورية - الثورجية بالأنظمة الرجعية والمتخلفة) أخذت هذا الفهم وجعلت منه المعيار الأول لتقييم الأعمال الأدبية والفنية، وميزان جودتها، وخاصة في مجال الرواية، التي استشرت جوائزها في الخمسة وعشرين سنة الماضية، بشكل مثير للشك والريبة معاً، أكثر مما هو مثير للتساؤل الثقافي البريء.

الطريف (هل هو طريف فعلاً!) أن فهم الشيوعية لتطويع واستغلال التعبير الثقافي، قد تحول إلى وجهة الرؤية والتقييم الوحيدة للطبقة الأكاديمية العربية، مجاراة لأنظمتها، وعليه فهي أصبحت معيارهم الأوحد لتقييم جودة الروايات، في مسابقات الجوائز التي صاروا ينتدبون لتقييم ما يقدم إليها، تحت شعار كلمة الحق الباطلة (إذا لم يعبر الأدب عن مشاكل المجتمع، فعن أي شيء يعبر ولم يكتب وسيكتب)؟!

وبالمقابل سأسأل ككل الروائيين، كما ينبغي (ومن قال أن الأدب - الرواية منه على وجه الخصوص- قد كتب، ويجب أن يكتب، من أجل التعبير عن مشاكل المجتمع وهموم طبقاته المسحوقة، بتعبير الفهم الشيوعي)؟

هل كتبت رواية (دونكي خوته) من أجل التعبير عن هموم العمال والفلاحين أم للمتعة؟ ومثلها يسري القول على رواية روبنسون كروزو ورواية باميلا، كروايات أولى وأولية، معروفة ومعتمدة،  لمسيرة نشوء الرواية، بشكلها الذي نتعارفه ونعتمده اليوم وتطورها أيضاً.. وإلى يومنا هذا؟

على الإطلاق، الرواية لم تكتب إلا للمتعة... ومنذ يومها الأول.. إذن لماذا تقبلت أنظمتنا (الرجعية والمتخلفة.. عفواً المؤمنة!) إهانة الأحزاب الشيوعية والفكر الماركسي لنفسها، بقبولها لهذا الفهم الشيوعي حزبياً والماركسي فكرياً؟

ببساطة لأن هذا الفهم يأتي على هوى جميع الأنظمة العربية، كبيوت لتفريخ السلطة وأدواتها القمعية. فجميع الأنظمة العربية، وسواء كانت ثورية - تقدمية، جمهورية، أو كانت رجعية - متخلفة، ملكية، فإن رؤيتها واحدة تجاه الثقافة ومنتجيها (جهاز زعزعة للاستقرار والسلم الوطني، قبل أن يكون أداة لترويج الأفكار السامة والهدامة، المنافية للأخلاق والآداب والمثل والقيم الاجتماعية السليمة والمرضي عنها.. والتي يجب أن تسود وتبقى ليبقى النظام.. إلى الأبد.. وأبد الآبدين)!

الحقيقة، وهذا ما يثبته تاريخ الأحزاب الشيوعية التي وصلت للحكم وتمتعت بفيوض نعيمه، في دول المعسكر الاشتراكي السابق، على وجه الخصوص، فإن دعوى الواقعية الاشتراكية، لم تكن سوى (كلمة حق يراد بها باطل) وهدفها السيطرة على ما تنتجه أقلام المثقفين في دولهم، من أجل أن يبقى النتاج الأدبي والفكري، بل وحتى الديني، تحت السيطرة ولا يقول إلا ما يرى ويريد أركان النظام وما يديم بقائهم في السلطة، مهما كانت مساحة استبدادهم وظلمهم واستعبادهم للشعوب، لا لشيء سوى دوام بقائهم في نعيم السلطة وبحبوحة أموالها وامتيازاتها الأخرى.

وكل ما يرضي الحاكم العربي ويديم بقائه على كرسي السلطة، يأتي باسم الأخلاق والقيم والمثل.. والسلم والسلام الأهلي والاجتماعي.. والوطن طبعاً أيضاً.. أليست هذه هي الحقيقة المرة؟

الحاكم، سواء كان عربياً أم غربياً، وسواء كان ملحداً وكافراً أم مؤمناً ووطنياً، لا يهمهم غير البقاء في السلطة، وعليه فإن الثقافة والإعلام، كوسائل توعية وتحريض، هي معاول هدم وتفتيت لوحدة الوطن. أما بركات (الواقعية الشيوعية الملحدة) فهي الروح والثقافة الوطنيتان، ولأركانها وحدهم يجب دفع الثمن.. وعطايا الجوائز الكبرى وامتيازاتها!.. وطبعاً الموت والخذلان لمن يقول أن هذا المفهوم شيوعياً وليس وطنياً وهدفه المحافظة على وحدة الوطن والسلم الأهلي ووحدة الشعب و.. إلى آخره من شعارات رسمية تؤثث الصفحات الأولى للصحف الرسمية ولأروقة الجامعات ونوادي إبداعها الذي يجب أن يبقى وطنياً جداً ومنضبطاً جداً!

ولكن ماذا عن المتعة في الرواية، التي من أجلها وحدها نقرأها؟

من أفهم كارل ماركس أن الرواية قد (اخترعت) لتكون بوقاً دعائياً للزعيم أو رأس السلطة والحزب القائد؟ سرفانتس؟ روبنسن كروزو؟ شكسبير؟ ريشاردسون؟ كآباء مؤسسين؟

والأهم من كل هذا هو، لماذا كل شيء طرحه كارل ماركس، في رؤيته الشيوعية، كان كافراً ولا أخلاقياً، في نظر الأنظمة العربية الديموقراطية والأخلاقية، فيما عدا دعوته النتنة هذه (الواقعية الاشتراكية)؟

المشكلة الكبرى هي أن دعوى الشيوعية الكافرة هذه، صارت وحدها هي المعيار الذي يجب أن تصدر الرواية بموجبه من دور النشر العربية، ووحدها المعيار الذي تطبل بموجبه وسائل الإعلام (للأعمال الروائية الكبيرة والخالدة).. وأيضاً وحدها التي تبتسم لها شرفات قصور الحكم العربية.. ببساطة لأن كان غابريل غارسيا ماركيز قد شهد لأحد أركان الحكم الشيوعي (فيدل كاسترو) بقراءة الرواية، فأنا أقطع بأن ما من حاكم عربي قد قرأ رواية يوماً.. وربما لن يفعلها يوماً حتى بطريق الخطأ!

ربما لأن الحاكم العربي يعد نفسه صانع حدث الرواية الكبير.. والأوحد؟

ربما.. من يدري... فما يفكر به سيدي وحده هو الذي يعرفه، كما يقول ماركيز في روايته (الجنرال في متاهة).

***

د. سامي البدري

 

وكما الحال الناجم عن سلسله القصورية العقلية ازاء الظاهرة المجتمعية اجمالا وعموما، تحضر ناحية جوهر من عدم تبين الاهمية الاستثناء والخارجة عن ارادة الفاعلين متسيدي المشهد العالمي، اخطر مظاهرها العجز عن ادراك الاهمية غير العادية للموضع الجاري التعامل معه وكانه ملعب القصد من استعماله تحقيق منجز بعينه، فلا يخطر على البال على الاطلاق، كون الاضطرار الى التركيز على هذا الجزء من الكرة الارضية هو ضروره متجاوزه للادراكية والغرضية المحدوده، ولحظة صارت لازمه لاجل تحقق الانقلاب الالي المؤجل تحت طائلة الانتقالية التوهمية الاوربية الامريكية السابق التنويه بها.

 وهنا وفي هذا المضمار ندخل عالم اللاارضوية وتفاعليتها الخارجة عن الادراك الارضوي، باعتبارها مقصد  العملية الانقلابيه الالية، بعدما ظلت خارج الادراك مبعدة عن الاحاطة العقلية، بحكم ماكان متاحا للعقل من ممكنات تحت طائلة الانتاجية اليدوية  الجسدية الارضوية، وثقل وطاة سردياتها المفبركة، ومن ذلك مما هو راهن، اسقاط التبلور اللاارضوي مابين النهريني العراقي الحديث مع القرن السادس عشر، حين ظهر "اتحاد قبائل المنتفك" في ارض سومر الحديثة كبداية تبلور دورة ثالثه تاريخيه، بعد الدورة الثانيه العباسية القرمطية الانتظارية، والاولى السومرية البابلية الابراهيمية،على حواف الانبجاس الالي الاوربي، بالمقابل يتم اسقاط ظاهرة مابعد اوربا  وظهور المجتمعية المفقسة خارج رحم التاريخ، حاملة ومستندة الى ازدواج( ابراهيمي/ حداثي آلي اوربي)، يوم كان المهاجرون الاوربيون على سواحل القارة الجديده يرفعون شعار "سنبتي مدينه على جبل"، ويظلون يرون انفسهم ك " شعب الله المختار" بينما هم يمارسون بقوة الالة نموذجية الممارسة الاوربيه " الليبراليه" الحديثة على مستوى الدولة من دون اساس بنيوي ولا تكويني،  بل كفكرة تبقى ممكنه مادامت الاله لم تبلغ الطور الاخير الثالث من تحورها، مابين المصنعية الاولى، والتكنولوجية الانتاجية، قبل ماصار في حالة تبلور راهن تكنولوجي/ عقلي، معه  تنتهي متبقيات الجسدوية الانتاجية.

فاذا تكفلت الكيانيه المفقسه خارج رحم التاريخ بمهمه نقل العملية الالية من المصنعية الى التكنولوجية الانتاجية، فاننا  نصير بخلاف التوهميه الطاغية عن السردية الاليه الارضوية الاوربيه  في مجرى محطتين، اولى مصنعية يضطلع بها الجزء الازدواجي "الطبقي" اعلى اشكال المجتمعية اليدوية الارضوية ديناميات، تنتهي بتوقف المجتمعات المذكورة الاوربيه تحديدا دون تجاوز متبقيات وفعل اليدوية وترسباتها، تتبعها محطة ثانيه هي الامريكية زعيمة الغرب الطبقي،  مع انها بلا تاريخ  مجتمعي ولا طبقي، مفعمه في الجوهر بالتعبيرية اللاارضوية الشرق متوسطية الابراهيميه، بالتداخل مع المرتكز النموذجي الكياني  الاوربي العملي بلا اساس ولاتاريخ، وهو بحد ذاته وجود ازمه واشتراطات غير قابله للاستمرار، تظل باحثه عن حل على مستوى النموذج الكياني مفتقد الاساس على مستوى التراكم التاريخي  ومغرق بالتوهم الرسالي، مايحول مع الوقت الاله نفسها الى وسيلة غاية في الخطورة، قد تصل حد الاجهاز على الظاهرة المجتمعية، ويدفع بها لان  تحاول فبركة واعادة صياغة المبتدا اللاارضوي الشرق متوسطي وقد صار مادة اساس وليس مجرد خيار، وبهذا ندخل في احتدامية مصيرية تتحول في الجوهر الى افنائية يعززها حضور نفس القصور العقلي التاريخي، وذات حالة العجز عن كشف النقاب عن السيرورة التاريخه المجتمعية، غاياتها وجوهر مقاصدها الاصل.

  ان التحول الذي بدا يشمل المعمورة بعد القرن الخامس عشر، اثر تفاعليه استمرت من القرن الثاني عشر اوربيا، كحصيلة  لاحقة وناتجه عن القمة الاقتصادية التجارية الريعية العالمية الممتدة من الصين والهند  الى غرب اوربا، ومركزها بغداد التي فكر باستعادتها الامريكيون اليوم بالشرق الاوسط الكبير، وما قد اوجدته في قلب اوربا الطبقية من اسباب ايقاظ وتحفيز للاصطراعية الطبقية  مع التراكمية الاقتصادية، هي بالاحرى  مطلع علامات الانقلابيه التحولية الكبرى الى اللاارضوية المنتظرة منذ بدء التبلور المجتمعي، والمستمرة ديناميات عبر تاريخ الازدواج المجتمعي لمابين النهرين، المحكومة كيانويا بقانون الدورات والانقطاعات تحت طائلة الاصطراعية المجتمعية، الاعلى والاشمل من تلك المقابله الازدواجية الطبقية الاوربيه.

   هذا يعني كشرط لازم غير قابل للتاجيل المستمر عجزاالى اليوم، وجوب تعديل قاعدة ومنطلق السرية التاريخيه الشاملة للبشرية خلال القرون التحولية الاخيره، باعتماد مبدا التحول العقلي اللاارضوي، لا الانتقال الالي كما جرت العادة التوهمية القصورية على القول، فظهور الاله هو  لحظة افتتاح، واشارة بدء حاله شامله انقلابيه على مستوى الوجود والنوع المجتمعي، هو في الاساس ومنذ البدئية الاولى، هدف وغاية المجتمعية كظاهرة، والكائن البشري، بما هما حالة انتقال من اشتراطات الحيوانيه ومتبقياتها العالقة ماتزال من الطور الحيواني، الى ( الانسان/ العقل) غاية ومستهدف العملية الحيوية ككل.

  الظاهرة المجتمعية "ازدواج" تنشا بالاصل ( ارضوية / لاارضوية)،  الارضوية فيها هي الغالبه بناء لحكم وسيلة الانتاج اليدوية الجسدية الحاجاتيه، في حين تظل  اللارضوية وقتها تعبيرية مستندة الى مايناظرها في الكينونه البشرية الازدواجية هي الاخرى، ( عقل / جسد) والى بؤرة واقعية اساس،  متفردة، عندها يبدا التبلور المجتمعي في ارض سومر جنوب ارض مابين النهرين، لخصوصية اشتراطات الانتاج في الموضع المذكور، وخضوعها لحالة من الاصطراعية شبه الافنائية انتاجيا، تفرض على الكائن البشري بفعل الشروط الطبيعية حيث تدميرية النهرين، وانفتاح الحدود شرقا وغريا وشمالا على السيول البشرية النازلة الى ارض الخصب  بهدف الاخضاع المستحيل للنوع المخالف، والذي لايوجد الا بذاته وكينونته، وتحت اشتراطات وجوده وبنيته اللاارضوية الخارجه عن اعتبارت التمايز الارضي السلطوي والتملكي، والماخوذه بالبحث عن ملجا وموضع استقرار اخر يتبلور سماويا، ليتحول الى النموذج الاكمل على هذا الصعيد بالمنظور الابراهيمي بصيغته النبوية الحدسية  غير القابلة للتحقق ابتداء، مادامت الارضوية غالبه، واليدوية هي الفاعلة، مع انها تحقق باختراقها غالبية المجتمعات الارضوية، الازدواج المجتمعي الشامل، بما في ذلك في مجتمعات الازدواج الطبقي، بانتظار توفر الوسيلة الانتاجية اللاارضوية العقلية، بعد الخروج من وطاة القصورية العقلية الارضية، وهو مايتجلى في دورات تاريحيه، وفعل قانون متجه في غمرة الاصطراعية المجتمعية عبر دورتين غير قابلتين للتحقق لنقص الاسباب، الى الدورة الثالثة الراهنه، ومجددا من ارض سومر التاريخيه.

   ـ يتبع ـ

***

عبد الأمير الركابي

essage clipped]  View entire message

يعد سقراط الشهيد الأول للفلسفة حيث حكمت عليه محكمة اثينا بالموت عن طريق تناول كأس السم بحجة انه يفسد عقول الناس. عندما كان يدعوهم إلى عبادة اله واحد، اما الشهيد الثاني فهو الفيلسوف (سينيكا) الذي اجبره الامبراطور الروماني (نيرون) على الانتحار ويقال انه هو الذي قتله رغم ان والدة (نيرون) هي التي عهدت بأمر تربيته وتثقيفه إلى (سينيكا) والذي جعله (نيرون) فى بداية الأمر رئيساً لوزرائه ولكن (نيرون) خاض بحور الشر وتحول الى طاغية مجنون لا تعرف الرحمة طريقاً الى قلبه مجرداً من كل اخلاق او كرامة او عاطفة.

اما سيفيكا فهو فيلسوف روماني اسباني المولد حيث ولد عام 4 قبل الميلاد في مدينة قرطبة ونشأ فيها وكان مولعاً بالادب والبيان والخطابة انتقل الى روما وهو لا يزال صبيا، درس في روما الفلسفة والاخلاق وابتعد عن ملذات الدنيا وعاش عيشة الكفاف وقد توجه الى الكتابة والخطابة حتى أصبح محامياً ذاع صيته في انحاء روما وقد حقد عليه ملك روما وامر بقتله لولا تدخل احدى النساء التي انقذته من الموت فترك مهنة المحاماة و الخطابة وعاد الى الفلسفة التي شغلت كل تفكيره وبعد ذلك اتهم بـ (الزنا) ونفي إلى جزيرة بعيده ظل فيها لمدة (٨) سنوات محروماً من كل شيئ الا الفلسفة التي كانت بمثابة عوناً له في محنته ثم سمح له بالعودة الى روما ومارس نشاطه مرة اخرى كفيلسوف

وكان معجباً بالفلسفة اليونانية حيث انتهج خطاً متميزاً فيها واستطاع خلال عودته ان يكتب مؤلفاته الفلسفية مثل كتاب (المبادئ الأخلاقية) وكانت فلسفته في الاخلاق ذات تأثير كبير على الايديولوجية المسيحية وقد اعتبره الفيلسوف الالماني فردريك انجلز (عم المسيحية) كما جاء هذا في    (المعجم الفلسفي الروسي).

مقتل سينيكا

ذكرت في بداية مقالي هذا ان الامبراطور (نيرون) عندما اصبح امبراطوراً على روما عهدت والدة نيرون الى الفيلسوف سينيكا تربية ولدها وتثقيفه فاخذ هذا الفيلسوف يعلم نيرون الفلسفة ومبادئ الاخلاق وسار الامبراطور في السنوات الخمس الأولى سيرة حسنه الا انه انحرفه فيما بعد و انغمس في ملذاته كأمبراطور مجنون لذلك حاول سينيكا في ان يعتزل الحياة العامة والتنازل عن جميع املاكه ولكن نيرون عارض هذه الفكرة واستمر في التمتع بملذات الحياة واصبح يتخم نفسه باندر انواع الاطعمة الراقية وتحول الى وحش كاسر فقتل امه وزوجته اضافة إلى عدد آخر من الاقرباء والاصدقاء واصبح يعيش في حالة رعب دائم خوفاً من الاغتيال

وكان مجرد ذكر اسمه مصدر خوف ورعب من قبل الشعب الروماني ثم تخيل نفسه شاعراً ونظم الاغاني التي كان يؤديها بنفسه كذلك جعل نفسه ممثلاً حيث أخذ يصعد إلى المسرح يمثل المسرحيات الرومانية وينسب اليه حريق مدينة روما حيث ظلت النيران مشتعلة فيها من الصباح الى المساء وقد جلس نيرون في شرفة قصره الباذخ وهو يمسك قيثارته وينشد اغنية كان قد الفها هو وبعد هذه الحادثة اتهمه نيرون الفيلسوف بانه قد اشترك فى مؤامرة ضده لقلب نظام الحكم واستلام السلطة و حكم عليه نيرون بالاعدام وطلبا منه ان ينتحر على عادة الرومان في ذلك الزمان ورغبت زوجة الفيلسوف ان تموت معه واجتمع الناس لمشاهدة المنظر فقطع سينيكا شرياناً من شرايين يده وكذلك فعلت زوجته واخذ الفيلسوف يلقى خطاباً من ابلغ خطاباته على رفاقه والدم يسيل من ذراعه حتى مات اما زوجته فتم علاجها بامر من نيرون حتى شفيت من جراحها وهكذا استشهد هذا الفيلسوف الذي اعتبر شهيد الفلسفة الثاني بعد الفيلسوف سقراط شهيد الفلسفة الاول والى لقاء مع شهيد ثالث.

***

غريب دوحي

 

إنّ المأزق الجذري للحضارات والدول التي تتكئ على ريع المادة لا يتجلّى في عوزها، بل في فائضها الخادع، إذ يتحول الغنى من وسيلة إلى قيد ومن أفق إلى حجاب. هناك حيث تُختزل الكينونة في ما هو زائل، تُسلَّم الارادة إلى ما لا ارادة له وتُستبدل حركة التاريخ بسكون الامتلاك. فالثروة التي لا تُنجب وعيا انما تُورّث خمولا وتُربي في الإنسان قابلية الاستهلاك بدل قدرة الخلق، فيغدو تابعا للجغرافيا بدل أن يكون صانعا للمعنى.

ومن هنا يتبدّى أن الغنى ليس تراكما في الموجودات، بل تخلّق في القدرات. انه ملكة الفعل لا وفرة الوسائل، هو أن يكون الانسان حيث تضعه كفاءته لا حيث تُقيمه موارده. فحين يمتلك المرء علما ومهارة تتسع له الأمكنة وتضيق به الغربة، وحين يفتقدهما يضيق به العالم وإن اتّسعت حوله الثروات. الغنى الحق ليس ما نملك، بل ما نحسن أن نصنعه بما نملك.

على هذا المعنى قامت نهضات لم تُؤت رفاهية الموارد لكنها امتلكت يقظة البداية. فالبدايات الحقيقية لا تُكتب في دفاتر الثروة، بل في ”الورشة الأولى“  التي يتكوّن فيها الضمير قبل المؤسسة. هناك، حيث يلتقي الجهد بالمعنى، تتشكل اخلاق العمل بوصفها نواة الدولة القادمة. ان التاريخ لا يبدأ من وفرة الأشياء، بل من صرامة القيم التي تنظم علاقتنا بها. ومن هذا التأسيس الأخلاقي تنبثق الدولة المنتجة بوصفها امتدادا طبيعيا لإنسان تعلّم ان يصنع قدره بيديه.

والمعرفة، في جوهرها ليست ترفاً ذهنيا بل طاقة تحرر. غير أنها لا تتولد في هواء الراحة بل في احتكاك الضرورة، حين ينكشف الوجود بلا وسائط ويُجبر العقل على أن يبتكر أو يندثر. في تلك اللحظة، يتحول النقص الى دافع والندرة إلى محرّك ويغدو العدم نفسه مادة أولى لإنتاج القيمة. إن الشدّة ليست عائقا دائما، بل قد تكون الشرط الخفي لولادة القدرة.

في المقابل، تحمل الوفرة مفارقتها: فهي حين تنفصل عن المعنى، تُعطل الفكر وتُخدر الارادة، فتغدو الثروة عبئا على صاحبها. فالأرض ليست مجرد مورد، بل امتحان للوعي الذي يُحسن توظيفها. والأنهار التي تجري في الجغرافيا تحتاج إلى ضفاف في العقل والا تسربت إلى الفراغ. من هنا يتجلى أن الثروة الحقيقية ليست في باطن الأرض، بل في باطن الإنسان، في تكوينه، في انضباطه، في قدرته على تحويل الإمكان إلى فعل.

إن السيادة لا تُستخرج بل تُصنع. لا تُستمد من عمق الآبار، بل من عمق التربية. هي ثمرة امتزاج بين الفكرة والعمل، بين القلم والأداة وبين المعنى والتطبيق. وحين يختل هذا التوازن لا يكون العجز نقصا في الموارد، بل خللا في البنية القيمية التي تنظم علاقتنا بالعمل والمعرفة.

لقد أدركت الأمم التي صنعت مجدها من شُحها أن نفطها الحقيقي يسري في عصب الجهد لا في أنابيب الأرض، في إيقاع المطرقة وفي صمت القلم. فحولت فقرها إلى مختبر وعدمها إلى بداية واستخرجت من القليل طاقة تُراكم الكثير. وعلى الضد من ذلك، يفضي الترف إذا اقترن بالاتكال إلى تفكك القوة الدافعة للبناء، إذ يُضعف تلك الروح الجامعة التي تجعل من الأفراد مشروعاً واحدا.

من هنا، بات لزاما علينا إعادة تعريف الثروة: أن نخرج من ضيق المادة الناضبة إلى رحابة الإرادة المتجددة. فالوطن لا يقوم بما نملك، بل بما نكون، والنهضة لا تهبط من سماء الموارد، بل تصعد من أرض الإنسان. إن القيمة الحضارية لا تُقاس بحجم الامتلاك، بل بعمق الإتقان، فبقدر ما يُحسن الإنسان تكون منزلته بين الأمم. هكذا فقط يتحول الوجود من انتظار سلبي إلى فعل خلاق ومن ميراث يُستهلك إلى مستقبل يُصنع.

***

حميد علي القحطاني

المقال ليس عرضاً أو قراءةً لكتاب «إنباء الأمراء في أنباء الوزراء»، لمصنّفه شمس الدِّين بن طولون (952هج)، إنما جاء الاعتبار والتذكير به، لما فيه من الدَّلالة على ما يحصل بالعراق اليوم من اختيار وتوزير رؤوساء الوزراء عن طريق الأمراء، وقديماً كان الوزير يعني رئيس الوزراء اليوم، وفي بعض الأنظمة عُرف بالوزير الأول، مثلما هو الحال بالمغرب العربي، أو الصَّدر الأعظم مثلما في النِّظام العثمانيّ.

وبشكل عام يُؤرَّخ لظهور مجلس الوزراء، بهذا الاصطلاح، مع النظام الأميركي، وبدأ بأربع وزارات، وما كان معمولاً به بالأنظمة الأوروبيَّة، وفي الدولة العثمانية حيث الصدارة العظمى، أي رئاسة الوزراء، وللتذكير والتفريق في تعدّد الوزراء عُرف في النظام الإسلامي العباسي وزيران: وزير التفويض ووزير التنفيذ، والأول هو المعنيُّ بدور رئيس الوزراء، فالأمير أو الخليفة يكلّفه بإدارة الدّولة، والثاني يكون مساعداً، تُحصر مهمته بين الأمير والرعيّة، ويمكن تعيين شخصية مِن أهل الذِّمة لهذا المنصب (الماوردي، الأحكام السُّلطانيَة)، لأنه لا يمسّ التشريع الديني.

وقد يسأل سائل: ومَن هؤلاء الأمراء، الذين ينتظرون أنباء الوزراء كي يعتمدوهم وزراء؟ ويستمعون لأخبارهم وحكاياتهم، ووفقها يوضعون بين الرضا والسُّخط، فكم وزير رُفعت منزلته في الآفاق، ثم نزلت حتى لم يجد قوت يومه، ناهيك عن التعرض للعذاب والقتل، وليس أشهر من «نكبة البرامكة» في عهد هارون الرشيد (169-193هج).

في حال العراق اليوم، يُعد رؤساء الكتل السياسية، حتى مِن غير المنتخبين في البرلمان، أمراءً، وبالتالي لا يوزر رئيس وزراء، وليس له التصرف باختيار أعضاء حكومته، من دون الاتفاق بين أمراء الكُتل، لترتيب شأن الوزارة، بغضّ النظر عمَّا ستقوم به الأخيرة، مِن حل المعضلات التي ابتلى بها هذا البلد، فصارت شعارات يرفعها الأمراء في تعيين رئيس الوزراء، ويظهرون كأنهم اختاروا الأوفق في التدبير.

اختير رئيس وزراء جديد للعراق، الذي لا يزال به أمراء الكتل، أصحاب الجماعات المسلحة، التي بها صاروا أمراءً وما زالوا، والأقرب هم «أمراء حرب» من غيرها مِن التسميات، فهذه الإمارة مختلفة عمَّا ظهرت في التاريخ، وجعلها ابن طولون عنواناً لكتابه، الذي جمع فيه أخبار أكثر من ثلاثين وزيراً، مِن مختلف عهود الدولة العباسية، التي بفضلها ظهر نظام الوزارة في تاريخ الإسلام.

فإذا كان الأمير، في ما مضى، ينفرد في تعيين الوزير، غدا اليوم بجمع مِن الأُمراء، كلٌّ يأخذ طرفاً مِن أطراف الوزارة، بعيداً عن مشروعه الوطني إن كان لديه مشروع، وبهذا يكون النظام الدّيمقراطي، المعلن في الدستور العراقيّ (2005) في حلٍّ مِن تعيين الرئيس ووزارته، حتى ظهر رؤساء وزراء لم يكونوا أعضاءً في البرلمان من الأساس، إنما اتفق على تعيينهم أمراء الكتل، وهؤلاء مصنفون على الانتماء الطائفي، وليس الوطني، فرئاسة الجمهوريّة حصة كرديّة، ورئاسة البرلمان حصة سُنيَّة، ورئاسة الوزراء حصة شيعيَّة، أي نظام المحاصصة المُعطل، في كل دورة، لحضور وعمل رئيس الوزراء، فالمنصب لم يأته مِن البرلمان أو حضوره في الانتخابات، وإنما بتعيين وتزكية مِن الأمراء، والتي منها ما لم تحصل على مقاعد برلمانيَّة كافية لهذا التحكم بتعيين أعلى سُلطة تنفيذيَّة، وهي مثلما معمول به الآن، أصبحت قياداتها تتوارث بين العائلات أو الأُسر، وهذا هو الجانب المعطِّل لأي تقدم في نهوض البلاد، ويكون تعيين الوزارة لصالح أمراء الكتل، التي ضمنت الكبرى منها رئاسة من الرئاسات.

إذا كان أمراء الأمس يهبون ما يملكون، وفق النّظام الوراثيّ السائد، وليس منهم مَن ادّعى بديمقراطية أو انتخاب، فأمراء اليوم يهبون ما لا يملكون، يدّعون شيئاً ويمارسون شيئاً آخر، وفي هذا العُرف لم يعد «الوزير» مَن يحمل ثقل، أو وزرَ أمير واحد، بل أوزار أمراء وحواشٍ، ليسوا أحراراً بدورهم مِن وزر أنظمة يراعون مصالحها قبل بلادهم.

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

تردني عشرات المقالات والخطابات والنصوص المعبرة عن واقع حال، وتريد الوصول إلى آفاق العصر وبناء المجتمع الآمن السعيد، وهي تتكرر وتدور كالناعور منذ أكثر من عقدين، وما تغيرت الأحوال إلى الأحسن، بل تدحرك في دائرة مفرغة من التداعيات والتفاعلات السلبية الإستنزافية، الموشحة بالأضاليل وبإعلام الخداع والبهتان، وما تستوجبه نظريات محو الأذهان، وحقنها بما يعزز إرادة العدوان.

زميلي يكتب بألم وحسرة وإمعان في القراءة التحليلية والمقارنات المعرفية، وما تجد كتاباته أي صدى، ولا ينجم عنها أي أثر، وكأنه يكتب على وجه الماء، بينما الكراسي تكتب بأبجديات النار وتقضي على من يقف أمامها ويمنع تأكيد إرادتها.

زميلي فياض المعارف واسع الإدراك، ويبدو وكأنه موسوعي في المواضيع التي يتناولها، وهدفه الخير والرحمة وبناء روح الإنسان وإستعادة جوهر المشاعر الوطنية، والإعتصام بحبل المودة والألفة والكرامة والعزة الإنسانية.

وماذا جنى مما كتبه؟

لا شيئ سوى الآلام والحسرات، والتهم البائسات، ومقت من أعوان الكراسي الحاكمة بأمر الأقوياء المحجبين بدين.

كان أستاذي موسوسا بالكوميديا السوداء، وكم قلت له ستقتلك هذه المشاعر السلبية القاتمة لأنك تبدو كنافورة أوجاع ومرجل أنين.

ومات أستاذي حزنا على ما يراه ويعانيه من مرارات، ليصنع كوميديته السوداء !!

وأجدني اليوم أمام زميل يكتب بمداد عروقه، ويسكب أفكاره المضمخة بالدموع والآهات والمشاعر الغيورة الصاخبة الصاعدة إلى مدارات ما فوق الخيال، وكأنها الغيوم الهاربة من أشعة الشمس النافذة في أبدانها.

يا زميلي لا تحترق، فهم يحرقون كل شيئ ونحن نتحول إلى رماد، وما إستطعنا أن نغير بعضا من شيئ، فهم يحسبونك من أعدائهم، وعليك أن تصمت وتغيب، فلا قيمة لما تكتب، ولن يكون في الإمكان خير مما كان، وفقا لرؤيتهم الأنفالية، وياليت الذي بينك وبين الذي تريد عامرٌ!!

يقول صديقي لا تكتب أكثر من بضعة أسطر، فالناس ما عادت تقرأ المكتوب، إنها قادرة على النظر إلى مقطع صغير وحسب، فالصورة أقوى في تأثيرها ومتابعتها!!

كتاباتٌ بها الأذهانُ حارتْ

وأفكارٌ بما رصدتْ تهاوتْ

حقائقُ قولنا تَجني عَلينا

بكذبٍ في مَواطننا تواصَتْ

فسادُ وجودٍنا رهنٌ بغيرٍ

يُبرمٍجُنا كما يهوى فَخابَتْ

***

د. صادق السامرائي

نتكلمُ حتى يستمرَّ النور في تعاشقِهِ الأزلي مع الماء.. نتكلم حتى لا يغادر القمرُ النهرَ، وحتى تنبثقَ الشمسُ وهي نار من افق البحر وهو ماء..

نتكلم حتى لا يجزعَ المحبّون من ابداع أحلى قصائد الحب وهم تحت الأشجار فتسمع الطيور وجيب قلوبهم وتاتي لتحط على أغصان الأشجار لتسمع هذا الوجيب أوضح وأجمل وأشفى..

حتى ندين القبيح ونبارك الجميل، نتكلم..

نتكلم حتى نشاكس الانتهازيين ونقول لهم الحقيقة: انهم أغبياء..

نتكلم لأننا نشفق على ما تبقى من كواكب النبل والجمال والحُب في هذه الدنيا ونرفع هذه الكواكب الى أعلى مداراتها كي تظلَّ تدور..

نتكلم لأنَّ مامن سوانا يتكلم اذا سكتنا واذا أسكتونا..

نتكلم حتى نرعب الدكتاتور حيّاً أو ميتاً..

نتكلم حتى يعود النهر الى الضفاف التي وقفت عليها بيوتنا ويتمر النخيل في البستان ويتعاشق اليمام..

حتى لا ينفرد سيف القبح بعنق الأرض، نتكلم..

نتكلم حتى نستنطق هذا الحقل العجيب: الذاكرة، فنرى فيه أروع أفلام السينما..

نتكلم حتى نتذكر ان السومري العراقي هو من أبدع كلمة الحرية فأسماها (امارجي) في فجر عصور سومر بينما السجّان العراقي الغبي الجبان هو أقسى سجّان ومِن ضحاياه أجمل وأذكى وأشجع وأنبل الناس..

نتكلم ونصرُّ على الكلام حتى نقول: سوف نجيء بالحق ونزهق الباطل.

***

كريم الأسدي - العراق

3/5/2026

 

نقف أمام الغياب، فلا نجد كلمات تكفي، لأن ما يفقد هنا ليس صوتا بل زمن كامل كان يمر عبره… وكان يجعلنا أكثر احتمالا للحياة.

كيف نرثي من علمنا أن نقول: “يا حبيبي وحشتني” قبل أن نعرف معنى الفقد؟. وكيف نودع من جعل “نسيانك صعب أكيد” ليست مجرد جملة، بل قدرا إنسانيا لا يقاوم؟

لقد كان يغني، فنحب… ويغيب، فنشتاق…ويعود، فنؤمن أن القلب مهما تهشم قادر أن ينهض من رماده.

في صوته، لم تكن حكاية كل عاشق مجرد أغنية، بل سيرة خفية لكل واحد منا. كنا نكتشف أنفسنا فيها، كأننا لم نكن استثناء، بل امتدادا لحكاية كونية تتكرر بأسماء مختلفة وقلوب واحدة

وحين كان يغني “كده برضه يا قمر” كنا نفهم أن العتاب ليس انكسارا، بل بقايا حب يرفض أن يموت. وحين همس “يا ريتك معايا” لم يكن الغياب فراغا، بل حضورا موجعا يملأ الروح حتى حافتها..

حين أعلن “مشتريكي متبعيش” فقد رفع الحب من نزوة عاطفية إلى موقف وجودي، إلى وعد لا يقال فقط، بل يعاش… حتى النهاية.

أما “وعد مني” فتصبح الآن وصية عكسية؛ نحن من نعدك أن تبقى، لا في الذاكرة فقط، بل في الطريقة التي نشعر بها

واليوم… نقف اليوم  أمام الرحيل، فنسمع صداه القديم يسألنا: أصاحب مين؟.. لا كأغنية بل كسؤال وجودي يواجهنا حين يرحل من كان يملأ فينا هذا الفراغ.

يا من قلت يومًا “بكل العمر حبيته”… ها نحن نردها إليك، لا ككلمات، بل كحقيقة:

لقد أحببناك بعمر كامل.. فمعك اكتشفنا أن الكلمات، مهما بدت عادية، يمكن أن تصبح أوطانا نسكنها حين تضيق بنا الحياة..

فكيف نرثيك الآن؟

هل نقول إنك غبت… أم نعترف أننا نحن من أصبح أكثر غيابًا بعدك؟

أيها الراحل الحاضر… لم تمت، لأن الأصوات التي تعيد تشكيل أرواحنا لا تعرف الفناء.

ولأن ما زرعته فينا من مشاعر وأحاسيس وحنين، سيظل ينمو، حتى ونحن نحاول أن نبدو أقوياء. سنمشي في الحياة، وحين يخذلنا العالم، سنهمس دون أن نشعر بشيءٍ منك…

ستغيب الأغنية عن مسرحها، لكنها لن تغيب عن قلوب تعلمت أن تحفظك لا كصوت بل كجزء من تكوينها.

سلام على صوتك، حين كان يربّت على أرواحنا دون أن نراه.

وسلام على حزنك النبيل، الذي جعلنا نؤمن أن الألم يمكن أن يكون شكلا من أشكال الجمال.

وسلام على ذلك الوفاء الخفي، الذي زرعته فينا دون أن تدري… فصرنا أوفياء لكل ما شعرنا به معك.

سلام عليك…

يوم غنيت،

ويوم أحببنا على وقع كلماتك

ويوم بكينا أيضا عليها دون أن نخجل،

ويوم رحلت…

تاركا لنا ما لا يرثى،

لأنه ببساطة… لا يموت

وداعا هاني شاكر

***

ابتهال عبد الوهاب

 

الفنان التشكيلي والخطاط العبقري، والإعلامي البارز، والسينمائي المشاغب، والشاعر المعاصر المجدد؛ هو واحد من جيل المثقف الشامل الذي مارس أغلب ألوان الفنون. غيّبه الموت اليوم، وترك إرثًا ثقافيًا ثريًا ومتنوعًا. لكنني سأحدثكم عن الزاوية التي أعرفها جيدًا عنه: زاوية الشعر.

فهو صوت شعري تشكّل في ظل التحولات العاصفة التي عرفها العراق سياسيًا واجتماعيًا، فخرجت قصيدته محمّلة بقلق المرحلة، ومشبعة بروح التمرد والأسئلة الوجودية. صحيح أنه لا يُعد من الأسماء الجماهيرية الصاخبة، بل من الأصوات التي تكتب في منطقة أكثر هدوءًا، لكنها كتابات عميقة بعمق جروح هذه الأمة المنكوبة. فقصيدته ليست زخرفة لغوية، بل محاولة لالتقاط ما يتسرّب من المعنى بين الأشياء. يكتب وكأنه يخاف أن يفلت الزمن من بين أصابعه، لذلك تأتي نصوصه مشدودة إلى لحظة إنسانية مكثّفة.

من أبرز مميزاته الشعرية والفنية اقتصاده اللغوي وتكثيفه للمعنى؛ لا يكتب كثيرًا ليقول قليلًا، بل يقول الكثير بأقل عدد ممكن من الكلمات. الجملة عنده مثل حجر صغير يرميه، لكنه إذا سقط في الماء أحدث دوائر ارتدادية لا تنتهي.

تشدك نصوصه التي تبدو أقرب إلى التأملات الفلسفية منها إلى البوح المباشر، حيث يطرح أسئلة عن الوجود، والعزلة، والفقد، والهوية، دون أن يقدّم إجابات جاهزة. يشتغل على الصورة البسيطة العميقة، معتمدًا على صور يومية مألوفة، لكنه يعيد شحنها بدلالات غير متوقعة؛ فقد يحوّل تفصيلًا عابرًا—نافذة، ظل، أو كرسي مهمل—إلى مركز دلالي للنص.

تتسم قصيدته بحزن عميق؛ لا تجد فيها الانفعال الحاد، بل انكسارًا داخليًا يُكتب بهدوء، كأنه يهمس بدل أن يصرخ. وبهذه الصياغة ينفتح أسلوبيًا على فضاء قصيدة النثر العربية الحديثة، حيث تتحرر اللغة من القيود الوزنية دون أن تفقد موسيقاها الداخلية.

الحس الوجودي في نصوصه عالٍ، إذ تطرح أسئلة العبث والمعنى بقوة، من حيث الروح لا التقليد، في أجواء تستحضر تجارب شعرية قريبة من أنسي الحاج وسركون بولص؛ حيث اللغة ليست أداة وصف، بل وسيلة حفر في المجهول والقيمة. وهكذا يكتب صادق الصائغ كمن يمسك بإبرة ينبش بها المعاني المخفية؛ لا ينتظر إجابة، بل يبحث عن أثر، عن ندبة ما على شغاف القلب. لذلك لا يقدّم الحقيقة، بل يلمّح إليها، ثم يترك القارئ وحيدًا أمامها.

ولا يقل اشتغاله بالفن التشكيلي، وبالخط العربي خاصة، قيمة عن اشتغاله بالكلمة؛ إذ حمّل لوحاته أبعادًا سريالية عميقة، منتقدًا من خلالها الأوضاع السياسية والاجتماعية في العراق، وباثًا فيها إحساسه بالغربة المزدوجة: غربة شعورية وغربة مكانية.

صادق الصائغ، الشاعر والفنان والإعلامي والسينمائي المخضرم، الذي حمل الوطن ومات غريبًا… وداعًا.

***

مجيدة محمدي – تونس

إذا أردت أن تعرف قيمة النعمة، فجرّب فقدها للحظة

تُعَدّ “ألفة النعمة” من أخطر ما قد يواجهه الإنسان في حياته. إنها ذلك الاعتياد الذي يجعل عطايا الله العظيمة تبدو وكأنها استحقاق طبيعي لا يستوجب الشكر. فحين ينشأ الأبناء في ظلال حياة مريحة، حيث تُلبّى رغباتهم قبل أن تنطق بها شفاههم، تبدأ الأشياء تدريجياً بفقدان بريقها. فلا السكن المريح يُعدّ إنجازاً، ولا الملبس الأنيق يثير الامتنان، ولا وفرة الطعام تمنح شعوراً بالرضا. بل قد ينقلب الأمر إلى إحساس دائم بالنقص، وكأن ما يوفّره الأهل من مستلزمات الحياة الكريمة لا يكفي مهما تعاظم، وما يتوافر بين أيديهم لا يرضيهم، رغم ما يفيض حولهم من نِعَم لا تُحصى. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية؛ إذ يُنتج هذا النمط من التربية إنساناً يفتقر إلى القناعة والرضا، فيعيش أسير ما ينقصه لا ما يملكه، فتغدو حياته مثقلة بالتذمّر، قاسية في شعوره وإن كانت ميسّرة في ظاهرها، ويغيب عنه ذلك السلام الداخلي الذي لا يتحقق إلا بالامتنان.

الإنسان الذي لم يختبر “الحرمان” ولو مؤقتاً، لا يدرك قيمة “الامتلاك”. وقد ينشأ وهو يظن أن العالم مُسخّر لخدمته كحق مكتسب، لا كنعمة تستوجب الحمد والثناء. إن النِّعم التي تحيط بنا ولا نراها هي كالهواء: لا نشعر بها إلا حين نفتقدها. فالبيت الدافئ، والفراش الوثير، والملبس الأنيق، والطعام الوفير.. هي في حقيقتها أحلام وكنوز لدى كثيرين أقل حظاً. لكنها، بفعل “الاعتياد القاتل”، تصبح غير ملموسة لدينا. والخطر في ذلك هو نشوء جيل ماديّ النظرة، غير قانع بنعمته، يقيس سعادته بمنطق “المقارنة” لا بمنطق “الكفاية”، فيسجن نفسه داخل دائرة ما ينقصه، غافلاً عمّا يملكه وهو وفير.

هنا يأتي دور الأهل في تربية الأبناء على القناعة والرضا، مع التركيز على غرس وعي عميق بقيمة المال. فالمال ليس غاية للتفاخر أو الإسراف، بل هو ثمرة للجهد والتعب، ووسيلة لتحقيق الاستقرار. ومن المهم أن نُشرك أبناءنا، بقدر من الحكمة، في فهم كيفية إدارة الموارد، وأن نعلّمهم التمييز بين الحاجة والرغبة، وبين الضروري والكمالي مع ترسيخ سلوك الاعتدال وتجنب التبذير والإسراف غير الضروري. كما أن تعويدهم على الادخار، وربط الإنفاق بالمسؤولية، يمنحهم حصانة أخلاقية واقتصادية في مواجهة مغريات الحياة. فحين يدرك الابن أن كل درهم يُنفق يقابله جهد بُذل ووقت استُثمر، تنمو لديه فضيلة الاعتدال، فيكون إنفاقه واعياً: لا إسراف فيه ولا تقتير، بل حكمة تعبّر عن نضج ومسؤولية. ومن أنجع الوسائل لترسيخ هذا الفهم تشجيع الأبناء — بما يناسب أعمارهم — على خوض تجارب عمل بسيطة، ليختبروا بأنفسهم قيمة الوقت والجهد للحصول على المال.

ولا يقتصر ترسيخ هذا الوعي على دور الأسرة فحسب، بل تتكامل معه مسؤولية المدرسة والجامعة بوصفهما بيئتين تربويتين وتعليميتين مؤثرتين. فمن خلال المناهج والأنشطة، يمكن غرس مفاهيم الثقافة المالية، وتعليم الطلبة أسس التخطيط والادخار والاستثمار الرشيد، وربط المعرفة النظرية بالواقع العملي. كما أن تشجيع المبادرات الطلابية، والمشاريع الصغيرة، وبرامج التدريب العملي، يسهم في بناء شخصية متوازنة تدرك قيمة العمل والإنتاج. وعندما تتبنى المؤسسات التعليمية هذا الدور بجدية، فإنها تُخرّج جيلاً أكثر وعياً وقدرة على اتخاذ قرارات مالية مسؤولة، بعيداً عن الاندفاع أو التقليد، وقريباً من التفكير الرشيد والاستقلالية.

كما تُظهر تجارب العديد من الدول الأوروبية أهمية الدمج بين التعليم والعمل، حيث يحرص عدد كبير من طلبة الجامعات على العمل الجزئي خلال فترة الدراسة، أو استثمار العطل في برامج التدريب العملي (Internship). وهذه التجارب لا تهدف فقط إلى تحسين الدخل، بل تُعد جزءاً أساسياً من بناء الشخصية المهنية، إذ تُمكّن الطالب من اكتساب مهارات حقيقية، وفهم بيئة العمل، وربط ما يتعلمه نظرياً بالتطبيق العملي. كما تُعزّز لديه قيمة الوقت والانضباط، وتُنمّي حس المسؤولية والاستقلالية. وعند تخرّجه يكون قد امتلك خبرة أولية تؤهله للاندماج السريع في سوق العمل، واتخاذ قرارات أكثر نضجاً ووعياً في مسيرته المهنية والمالية.

كما تُسهم هذه التجارب بعمق في تنمية وعي الطلبة بقيمة المال ذاته؛ فعندما يعمل الطالب خلال دراسته أو يشارك في برامج التدريب العملي، يبدأ بإدراك العلاقة المباشرة بين الجهد المبذول والعائد المادي. وهذا الإدراك العملي يُرسّخ في نفسه أن المال هو نتاج مشقة وجهد. ومن هنا تتكوّن لديه نظرة أكثر توازناً في الإنفاق، فيُصبح أكثر ميلاً إلى التقدير والاعتدال، وأبعد عن الإسراف أو الاستهلاك غير الواعي.

ومن المؤسف أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت تلعب دوراً متزايداً في تعزيز النزعة الاستهلاكية لدى الشباب، من خلال ما تعرضه من صور نمطية لحياة الرفاهية والنجاح المادي. فالإعلانات الموجّهة، والمؤثرون على هذه المنصات، يقدّمون باستمرار أنماطاً حياتية مثالية ترتبط بالشراء والاقتناء كعلامة على الوجاهة الاجتماعية. ومع التعرّض اليومي المكثف لهذا المحتوى، تتشكل لدى كثير من الشباب رغبة متنامية في المحاكاة والاستهلاك، حتى لو تجاوزت إمكاناتهم الحقيقية، مما ينعكس على أولوياتهم ويؤثر أحياناً في سلوكهم الاقتصادي وقيمهم الاجتماعية. في خضم هذا التأثير، يزداد انجذاب الأبناء إلى الكماليات التي تتضاعف يوماً بعد يوم، خاصة مع ما تروّجه تلك المنصات من أنماط استهلاكية جذابة تصل إليهم بسهولة، دون وعي حقيقي بكلفتها. في المقابل، يستنزف الأهل طاقتهم ومواردهم لتأمين أساسيات الحياة الكريمة، بينما تُعامل هذه الأساسيات وكأنها أمر مفروغ منه لا يستحق الالتفات. وهنا تبرز مسؤولية الوالدين في ترسيخ قيمة الامتنان وبناء وعي متوازن، من خلال تعريف الأبناء بواقع الحياة، وتعويدهم على أن بعض الأمور تحتاج إلى صبر وجهد وانتظار. كما يمكن إشراكهم في أعمال الخير، لفتح أعينهم على أثر النعمة في حياة الآخرين، فيتعلّمون الشكر من خلال العطاء.

ومن العادات الخاطئة التي يقع فيها بعض الأهل، بدافع العاطفة غير المنضبطة، الإفراط في توفير كل ما يطلبه الأبناء، حتى لو كان ذلك فوق قدرتهم المادية، وبخاصة لدى العائلات ذات الدخل المحدود. هذا السلوك، رغم حسن النية، يتحول إلى سبب غير مباشر في إضعاف تقدير الأبناء لما يُقدَّم لهم، مما يفقد الأشياء قيمتها. حتى وصل الامر الى ان بعض الأبناء يطرحون أسئلة تحمل في طياتها قدراً من الجحود: “ماذا قدّمتم لنا؟ ولماذا أنجبتمونا؟” وكأن توفير حياة كريمة لم يعد كافياً، بل أصبح المطلوب تلبية كل الرغبات وفق أعلى المستويات، لا وفق ما تسمح به الإمكانات. وتُطرح هذه الأسئلة أحياناً دون إدراك لحجم التضحيات التي يبذلها الأهل، أو للحدود الواقعية لقدرتهم على العطاء.

في النهاية، حين يفقد الإنسان قدرته على الامتنان، يفقد معها إحساسه الحقيقي بطعم الحياة. وما نخشاه اليوم أن يكبر أبناؤنا بلا تقدير لقيمة ما يملكون، وأن ينظروا فقط إلى ما يفتقدون، دون شعور بأن ما بين أيديهم من نِعَم يستحق الشكر والثناء للخالق سبحانه وتعالى. فالتربية الحقيقية تُقاس بما نزرعه في نفوسهم من قيم. وبذلك فقط نُنشئ جيلاً يرى الحياة بعين الرضا، لا أسيراً لما ينقصه، ولو ملك كل شيء.

اللهم ارزق أبناءنا قلوباً شاكرة، ونفوساً قانعة، وعيوناً ترى النعمة قبل أن تفقدها

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

تمثل الحرب الدائرة في الشرق الاوسط اليوم، محطة غير عادية، ومحفز ضرورة يوجب بالحاح استكمال اسباب المنظور اللااارضوي، وصولا الى اللحظة التاريخيه الكبرى والفاصلة على المستوى التاريخي البشري، مع انتهاء فعل الاحادية والغلبة التامه للمنظور التوهمي الارضوي الراسخ، والمستمرعلى مدى تاريخ المجتمعات البشرية من بداية التبلور المجتمعي بصيغته اليدوية الى اليوم.

 ويعني ذلك انتقالا فاصلا وكليا مايزال مضمرا وخارج اي مستوى من الادراكية الوجودية التي لااكتمال للمنظور العقلي للحقيقة الوجودية، ولمسارات وآليات حركة التاريخ ومستهدفاتها، من دون مقاربتها وكشف النقاب عنها، الامر الذي ماكان ممكنا ولا واردا ابان الطور اليدوي الجسدي من تار يخ الظاهرة المجتمعية، واستمر خارج التحقق ابان الفترة المنصرمة من تاريخ الانتقال من الانتاجية اليدوية بحقبتيها، الافتتاحية الازدواجية الطبقية الاوربيه المصنعية، واللاحقة الامريكيه المفقسه "مجتمعيا" خارج الرحم التاريخي، بقوة الاستعاضة ب "الفكرة"، والنموذج الجاهز بلا مقومات كيانيه موروثة من الطور الاسبق، والتي لم يكن لها فيه حضور على الاطلاق.

 ماتقدم وضع البشرية في غمرة حالة استثنائية من التوهمية الكبرى، اساسها التناقض بين الوعي والواقع الانقلابي النوعي الحاصل، فقد استمر الادراك البشري "يدويا" متخذا صيغا انتقالية شكلية محايثة للمتغيرات الانية الناجمه عن حضور الاله وفعل دينامياتها، حدودها وممكناتها قاصرة دون اللحظة وطبيعتها التحولية المجتمعية النوعية العظمى، تبقي على الافق المنتظر والمهياة اسبابه كاساس خارج البحث، بينما تظل اليدوية بخطوطها العامة الاساس تسبغ متبقياتها كمقياس لماقد اعتبر بمثابة "العصر" و "الحداثة"، بحيث وجدت على هذا الصعيد حالة من الانتقالية الالية الاولى التي تلحق الانقلاب الالي بالعالم اليدوي المنتهي، وهو ماقد استمر حتى اليوم، ورافق منظورات ونموذجية الغرب الاوربي على هذا الصعيد لماقد انبجس بين ظهرانيه، تبعه الاستكمال الامريكي الراهن، والمتولد عن انتهاء الدور وممكنات الاستمرارية الاوربية، لصالح حضور المجتمعية المفقسه خارج رحم التاريخ ونموذجيتها الكيانيه الفكروية.

 وليس الانقلاب الالي بالحدث العادي او التكراري المعدل او المحسن حتى يفترض اكتمال تحققه ساعة ابتداء حصوله، بعد القرون الطويله التي مرت على العقل والمجتمعات البشرية وهي محكومة لغلبة ورسوخ طور من التاريخ البشري المجتمعي، ماقد كان من الطبيعي ان المرور بمرحلة انتقالية غير عادية، قبل ان يصير من الجائز مقاربة مقتضياته، والشروط التي تقف وراءه، بالاخص وفي المقدمة منها، احتمالية تباين النوع المجتمعي وتعدديته ودلالتها، بحيث يغدو واردا النظر الى المجتمعية المعاشة والباقية الى الان على انها ليست "واحده" و "احادية"، بلا احتمالية اخرى ظلت غير مرئية، الالة تنبثق محققة حضورها وانهاء اغفالها الذي كرسه الانتاج الجسدي اليدوي الارضوي، الذي كان من البديهي ان تنبثق الاله بين تضاعيفه، مع انها مضادة له ونافيه لاستمراره، دالة على، وذاهبة الى مايحيي ويميط اللثام عن صنوه والعنصر الذي به يتحقق "الازدواج" المجتمعي الطبيعي الذي لااكتمال للظاهرة المجتمعية ولدينامياتها والاغراض التي تطورت على اساسها وجودا من دونه، بما يبيح لابل يوجب قطعا، القول بان " لاظاهرة مجتمعية من دون الازدواج المجتمعي، وان ظل احدها، نموذجه ونوع اعقاله غالبا، هو الارضوية الكاسحه بحكم غلبة الوسيلة الانتاجية الابتدائية اليدوية"، بانتظار التعاقب في الوسيله الانتاجية، ومايتولد عنه من تعاقبية نوعية مجتمعية.

 ويبقى الاهم والاخطر هو كيف وضمن اية سياقات يمكن للمنظور اللاارضوي المطابق للانبثاق التحولي الالي، ان يظهر قالبا العالم، ومحققا الكمال التحولي المتضمن اصلا في الاله ومسارات تحورها النوعي، من المصنعية، الى التكنولوجية الانتاجية، الى الطور التكنولوجي الاعلى العقلي، الامر الذي يظل مستبعدا كليا، لابل خارج البحث ضمن مجمل الشروط الانتقالية الابتدائية، علما بان الامر لهذه الجهه قائم موضوعيا "ماديا"، فالاله وتحولاتها هي عنصر اساس غالب الفعالية، مضاد للارضوية والمجتمعية اليدوية، يظهر اصلا ضمن لحظة انتهاء صلاحيتها، وهو ماقد عرفته البشرية ونموذجيتها الكيانوية مع سلسله الحروب المدمره، وعشرات الملايين من الضحايا، والخراب المطلق مع الحربين الاولى والثانيه، ودخول البشرية عالم الافنائية الشامله، بقوة مايعرف ب " العلم" و "التقدم"، الى ان انهارت اوربا وخرجت من الفعل لتتكرس قيادة وغلبة مجتمعية من خارج المجتمعية، اقامت للمندحرين " مشروع مارشال"، مع ان وجودها هي الاخرى آلي، تبرره افتراضية نموذجية ميته باسم الكيانيه الحديثة الليبرالية والدولة المدنيه القوميه، انما مع اساس استلهامي لاارضوي ابراهيمي مفبرك بالاصل، تكريسا لرسالية زائفة هي في الجوهرغائية ابادية لماقبلها، وجدت بعد الاجهاز على ستين مليونا من اهل الارض التي استباحتها بقوة المنجز الانقلابي الالي، ونزعة استغلاله لاغراض ارضوية هيمنيه استغلالية على مستوى الكوكب الارضي.

 الالة هي لحظة الانقلاب التحولية من "الارضوية اليدوية" الجسدية الحاجاتيه منتهية الصلاحية، الى "اللاارضوية العقلية"، العبور بينهما يستغرق بضعة قرون من التوهمية والقصور بمثاله "الديمقراطي " داخليا، الذي يبيح سلب ارادة الشعوب الاخرى سواه وينهبها بالقوة مستغلا ماقد توفر له من وسائل الغلبه بلا افق ولا دالة على امكان او احتمالية توافقية مجتمعية مع الاشتراطات الانتاجية المستجده، ان لم يكن العكس هو الصحيح بحيث تحضر"الاحتمالية الافنائية" شاخصة تحت طائلة مازق متعاظم بلاحل، اقرب الممكنات التي تجده البؤرة المفقسه خارج رحم التاريخ، هي استحضار لاارضوي في صيغته الاولى الحدسية النبوية المختتمه تاريخيا نبويا، والموائمه لاشتراطات غلبة الارضوية اليدوية دون ان تعي بان شعار "سنبتي مدينه على جبل" و " اورشليم الجديده"،هو بالاحرى التمييز الحدسي الذي تلجا له اللاارضوية على طريق الافتراق عن الارضوية كحضور من دون كيانيه، ومايتماثل مع الاختلاف النوعي المجتمعي الكوني اللاارضوي في حينه، عن الكيانيه المحلية ( الوطنيه/ القومية) الارضوية.

 اليوم يحدث ضمن مجرى التوهميه الامريكيه امران، الاول بروز منطقة الشرق الاوسط كضرورة مكانيه مع تكريس للكيانيه اللاكيانيه "ترامبو صهيونيا"، اضافة لقرب انتهاء ممكنات الكيانيه المتبقية من اليدوية، والمتعاظمة ازمتها بحكم بدء انتهاء فعل الطور التكنلوجي الثاني الانتاجي، وتبلور مرحله وسيلة الانتاج اللاجسدية العقلية، القابله لاحضار المفعول العقلي المضمر غير الحاضر برغم وجوده وعدم توفر اسباب استعماله الى الان ضمن اشتراطات وهيمنه الجسدية، وممكناتها المتداخلة بالانتاجية اليدوية، وهذان العنصران يشكلان، الثاني منهما بصورة غير مباشرة، والاول مباشرة اخر محاولات الكيانيه المفقسه خارج التاريخ لاقامه كيانيه مفترضة، الكيانيه الصهيونيه فيها عنصر كينونه لايجاد سد عازل يحمي اوربا بمواجهه الوضع الشرقي الصيني الروسي، بدا مظهرها الاول مع الحرب، حرب الابادة ضد الكيانيه العراقية بين التسعينات ومفتتح القرن الحالي، ومشروع " الشرق الاوسط الكبير" والسفارة الامريكية التي يكلف بناؤها سته مليارات دولارفي بغداد، من قبيل استعادة نموذج العراق العباسي الممتد حضورا، من الهند والصين الى المغرب العربي، لتستعاد الان وقد تعاظمت الازمه متحولة الى مازق متسارع ليس بعيد الانفجار.

***

عبد الأمير الركابي

كانت الأمسية ثقيلة، كما هي كل الأمسيات عندما يجتمع الأدباء في صالون أحدهم. يتحدثون عن الرواية الجديدة، عن قصيدة النثر، عن التزام الأدب وقضايا الأمة. وفجأة، انكشف لي الخيط الرفيع الذي يربط بين أسمائهم جميعاً؛ هم أبناء عصابة أدبية واحدة.

دعوني أبدأ بالاعتراف، قد يكون صادما وضعه، كنت من الذين آمنوا بأن الأدب عالم شفاف. وأن الموهبة وحدها هي المفتاح الذهبي الذي يفتح للكاتب قلوب القراء وصدور الناشرين. كنت أتصور أن لجان التحكيم تجلس خلف طاولاتها لا يهمها إلا النص، لا يبالي أعضاؤها إلا بالجمال والحقيقة. لكن الزمن، أيها السادة، كاشف عظيم ومقلب كبير. فقد علمتني السنون أن خلف الأضواء تتحرك أيادي، لا تراها العيون، وأن هناك من يديرون الخريطة الثقافية من خلف الستار، كالعرائس التي يحركون خيوطها خفية!

شبكة العنكبوت

 تأملوا معي هذه الصورة؛ دار نشر كبرى في القاهرة أو بيروت، وصحيفة يومية لها وزنها، وجائزة أدبية مرموقة، وبرنامج ثقافي على شاشة التلفزيون الرسمي. تبدو هذه المؤسسات مستقلة؛ أليس كذلك؟! لكن المفاجأة أن كل هذه المؤسسات تخضع لتوجيهات غير مكتوبة، وأسوء من ذلك، إنها مترابطة بعلاقات مريبة من المصالح والزمالات القديمة والولاءات الشخصية.

فإذا جاء شاب بشخصية جديدة، برؤية مختلفة، وأرسل مخطوطته إلى تلك الدار، فسيردون عليه بعد شهور بأنه غير ناضج. وإذا حاول النشر في صحيفة، فسيجد أن الصفحات الثقافية لا تفتح إلا لأسماء معروفة ومباركة. وإذا رشح نفسه لجائزة، فسيتفاجأ بأن القائمة القصيرة لا تضم إلا الوجوه نفسها التي يراها دائما على الأغلفة في معارض الكتاب.

والأدهى من ذلك، أيها الأصدقاء، أن هذه العصابات تمتلك آلة نقدية كاملة الصنع. آلة نقد الموضوعية، آلة الإنصاف، ثم آلة البحث عن الجمال الخالص. فإذا أرادوا أن يمجدوا أحد أبنائهم، كتبوا عنه مقالات مطولة تنهال عليه بالمدائح. ويصفونه بأنه عبقري زمانه! وإذا أرادوا أن يمحوا صوتاً خارجاً عن طوقهم، صمتوا عنه تماما. والصمت أسوأ ألف مرة من الهجوم. لأن الهجوم يعني أنهم يعترفون بوجودك. أما الصمت، فيعني أنك لا وجود لك أصلاً في الخريطة الأدبية.

وهنا أتوقف عند لحظة خطيرة؛ شاب يكتب قصته الأولى. يضع فيها روحه، يبكي عليها سويعات الليل، يظن أنه سيغير الأدب العربي. ثم يجد أمامه هذا الجدار الصلب. "أنا حقيقي" يصرخ في نفسه، "أنا مبدع". لكن لا أحد يسمعه. ولأنه يريد أن يقرأ، يضطر أن يتنازل. يضطر أن يرقص على أنغام العرابين. يكتب ما يطلبون لا ما يريد. وهنا، في هذه اللحظة بالذات، تقتل موهبة جديدة، ويخلق كاتب مستنسخ يكرر ما قيل من قبل بأسلوب هزيل ميت!.

جذور قبلية

اسمحوا لي أن أتجرأ أكثر.. هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم ولا وليدة هذا الجيل. إنها امتداد لبنى اجتماعية عميقة فينا. ترسخت عبر الحقب والقرون نحن مجتمع الأب الأكبر، مجتمع الشيخ الذي لا يسأل، مجتمع العائلة والمدرسة والقبيلة. كان الرجل في الماضي يفتخر بانتمائه إلى قبيلة عريقة، واليوم يفتخر بانتمائه إلى تيار أدبي أو مدرسة حداثية!.

لكن الفرق عظيم، فقد كانت القبيلة القديمة تعرف بمعاركها العلنية، وبسيوفها المصمتة التي تري بالعين المجردة. أما عصابات الأدب اليوم، فإنها تعمل بابتسامة عريضة وأريحية مزيفة، تحت شعارات رنانة عن الحرية والتنوير والنقد البناء. وهذه، بصراحة، هي أسوأ أنواع القبيلة؛ تلك التي ترتدي ثوباً مثقفاً وتتحدث بلسان المدنية، وقلبها بدائي لم يخرج من الغابة بعد.

ألم الضمير

وإني لأتساءل بصدق، ألا يعاني العرابون أنفسهم من هذا الوضع؟ ألا يشعرون بالفجوة بين ما يكتبونه بحبر أسود عن النزاهة وبين ما يفعلونه خلف الأبواب المغلقة؟

أظن أنهم يعانون. فالكاتب الحقيقي، حتى لو صار عراباً، يعرف في قرارة نفسه أن الأدب أكبر من هذه المناورات الصغيرة التافهة، وأكبر من هذه المصالح الدنيئة لكنه وقع يوماً في شرك المصالح، ووجد نفسه مضطراً للاستمرار، وإلا لأنهار كل ما بناه من أوهام. هي مثل دوامة المخدرات، تبدأ بتجربة صغيرة فضولية، ثم تصبح إدماناً لا يحتمل. إدمان السلطة، إدمان التحكم في مصائر الآخرين، إدمان الشعور بأنك أنت من يصنع الثقافة العربية ويمحوها بإشارة من يدك !.

كيف نتحرر؟

دعوني الآن أطرح سؤالاً ثقيلاً علي القلب هل هناك خلاص من هذه المتاهة المظلمة؟

الجواب، بكل صدق، لا أعرفه يقيناً. لكني أظن أن الطريق يبدأ من احتجاج فردي واع. أن يقرر كاتب ما أنه لن يدخل هذه اللعبة القذرة أبدا، حتى لو تأخرت شهرته عشر سنوات أو مات ولم يعرفه أحد. أن يقرر ناقد صادق أنه سينتقد الأدب لا الأشخاص. وأن يقرر قارئ عادي، يشتري كتاباً من مكتبة صغيرة، أنه سيبحث عن الموهبة الحقيقية بعيداً عن الضجيج الإعلامي.

وهنا دور عظيم للمكتبات المستقلة، وللمواقع الإلكترونية النزيهة، وللمبادرات الصغيرة التي لا تخضع لأحد ولا تتبع أحدا. إن كانت العصابة قد سيطرت على المؤسسات الكبرى والأبواب العريضة، فما زالت هناك فجوات واسعة في الجدران. وما زالت هناك قلوب صادقة تعشق الأدب أكثر مما تعشق السلطة والكراسي الوثيرة.

في النهاية، أيها القراء، أنا أكتب كمن يئس من الإصلاح، لكنه لم ييأس من الكتابة نفسها. فالقارئ الحر، عبر التاريخ، كان دائماً يكتشف الجواهر الأصلية. كان دائماً يميز بين الذهب والألماس الشفاف وبين بقايا الصخور والزجاج المكسور التي تزين واجهات المكتبات الكبري.

الزمن، أيها السادة، وهذا الحكم النزيه الذي لا يرتشي ولا يخضع لأحد، الزمن وحده يطحن العصابات ويطوي صفحاتها، ويبقي فقط على الأدباء المبدعين الصادقين ولو جاءوا متأخرين أو ماتوا جائعين.

أما أنا، فقد اخترت غرفتي الصغيرة وقلمي المتواضع. سأكتب ما أشعر به، لا ما يريده هؤلاء العرابون. سأخطئ وأصيب، ولكن سأبقى حراً.

فليحتفظوا بعصاباتهم، وليصنعوا مجدهم الوهمي، وليوزعوا جوائزهم في الاحتفالات المزدحمة. بينما في الخلف، في عزلة الكاتب المبدع، تولد كلمات لا تشبه أحداً.

وهذه الكلمات، وحدها، هي التي ستبقى.

***

د. عبد السلام فاروق

كيف يُخترع ماضي الحضارات العربية.. عامر عبد الرزاق نموذجًا

لم يعد التاريخ في الفضاء العربي المعاصر مجالًا معرفيًا يقوم على التوثيق والتحليل، لكنه للآسف تحوّل في كثير من الأحيان إلى مادة سريعة الاستهلاك، تُنتَج وتُسوَّق وفق منطق المنصات الرقمية. لم يعد السؤال: ما الحقيقة؟ ولكن: ما الأكثر إثارة وانتشارًا وجذبًا للمشاهدات؟ ومن هنا، ظهر نمط جديد يمكن تسميته بـ“مؤرخ تيك توك”، الذي يعيد تشكيل الماضي وفق سرديات حاسمة، مبسطة، وغالبًا بلا أي أساس علمي.

يقدّم عامر عبدالرزاق نموذجًا واضحًا لهذا التحول. فهو لا ينشر أبحاثًا محكّمة، ولا يشتغل داخل مؤسسات أكاديمية، يعتمد على فيديوهات قصيرة في منصات مثل تيك توك وفيسبوك وإنستغرام، يطرح فيها أطروحات صادمة من قبيل: أن الجزيرة العربية ليست سوى العراق، وأن النبي يوسف عاش في العراق لا في مصر، بل ويذهب إلى الحديث عن “آثار لمركبات فضائية” في بلاد الرافدين. هذه الطروحات، رغم غرابتها، تجد جمهورًا واسعًا، وهذا يلزمنا أن نتوقف عند بنيتها وليس عند مضمونها فقط.

الشيء البارز في هذا الخطاب هو تفكيك الجغرافيا وإعادة تركيبها اعتباطيًا. فمصطلح “الجزيرة العربية” ليس تعبيرًا حديثًا أو قابلًا لإعادة التعريف وفق مزاج فرد أو قوم، كونه مفهوم ترسخ منذ قرون طويلة في مصادر متعددة، من الكلاسيكية اليونانية إلى الجغرافيا الإسلامية. اختزاله داخل حدود العراق لا يُعد اجتهادًا، بل إلغاءً تامًا لتراكمات معرفية طويلة، واستبدالها برسم ذهني فردي لا يستند إلى أي دليل.

ثانيًا، يقوم الخطاب على نقل الأحداث الدينية من سياقاتها دون سند. فشخصية مثلا النبي يوسف مرتبطة في النصوص القرآنية والتوراتية بمصر، ضمن منظومة لغوية وتاريخية متماسكة. نقل هذا الحدث إلى العراق يتطلب أدلة نصية بديلة أو تقاليد تاريخية موازية، وهو ما لا يُقدَّم. بدلًا من ذلك، يتم القفز من فرضية إلى “حقيقة” دون المرور بأي مسار استدلالي.

ثالثًا، نواجه تفسيرًا خارقًا للظواهر، مثل الحديث عن مركبات فضائية. هذا النمط ليس جديدًا، بل يتقاطع مع ما روّج له زكريا سيتشين، حيث تُفسَّر الفجوات المعرفية بإدخال عنصر خارق يحل كل الإشكالات دفعة واحدة. هنا يتحول الجهل إلى يقين، والغموض إلى دليل.

المشكلة الأعمق ليست في خطأ هذه الأطروحات، لكن في غياب المنهج. البحث في تاريخ وادي الرافدين، على سبيل المثال، يقوم على قراءة الألواح المسمارية لكن عامر وغيره لا يمثلون  أي مسار علمي، تُطرح ٱفكارهم وفق موجة الهشتاج والترند .

يبقى السؤال: لماذا ينتشر هذا النوع من الخطاب؟ الجواب يرتبط بطبيعة المنصات الرقمية نفسها. تيك توك وإنستغرام لا تكافئ الدقة، هي تكافئ الإثارة. الفيديو الذي يقول “كل ما تعرفه عن التاريخ خطأ” يحقق انتشارًا أكبر من محاضرة علمية موثقة.

إن ما نشهده اليوم هو تحوّل التاريخ إلى محتوى ترفيهي قابل للتلاعب. لم يعد الماضي يُقرأ، بل يُعاد اختراعه. ولم يعد الباحث هو من يحدد السردية، بل الخوارزمية. ومن هنا، لفإن  عامر عبد الرزاق ليس حالة فردية، بل نموذجًا وعرضًا لخلل أوسع في بنية الثقافة الرقمية العربية.

ما نحتاجه أن نعيد احترام المناهج العلمية، نشر المعرفة المبسطة دون تفريط، ربط الجمهور بالمصادر وتفكيك هذه السرديات بهدوء ودقة

إن الخطر الحقيقي ليس في خطأ معلومة، مصيبتنا في انهيار معيار التمييز بين المعرفة والادعاء.

***

حميد عقبي

...........................

للاطلاع على مداخلة كاملة وتفاصيل أكثر فيديو إليكم الرابط

https://youtu.be/yHtS1oK3YWw?si=PVvgSIxa3AyeQvZO

المخلوقات بأسرها تموت، فهل الموت واحد أم يختلف بينها؟.. سؤال يحضر أمام المتفكرين بماهية الموت ومنطلقات الحياة.

المخلوقات بأنواعها ذات نظام بايولوجي فسيولوجي متشابه وإن تعددت أشكالها، فالبنية البدنية للحيوانات تتكون من رأس وبدن وأطراف، والبدن فيه أجهزة معروفة ومتسابهة في وظائفها، والموت يعني توقفها عن العمل.

وتوجد تفاعلات بايولوجية وبايوكيميائية وغيرها في المخلوق منذ إنطلاق تكوينه في بودقة نشاته، (رحم أو  بيضة)، وهذه التفاعلات المتواصلة ربما تمثل الروح، وحال توقف التفاعلات تخمد نبضات الحياة في البدن، فيتحول إلى لقمة سائغة للتراب.

التراب لا يأكل الأحياء بل الأموات من الموجودات بأنواعها، ولهذا تعيش في أعماقه العديد من الأحياء وفي مقدمتها الديدان.

المخلوقات بأسرها لديها ذات الجهاز المعرفي والأحاسيس، وتدرك ما حولها وتحاول الحفاظ على بقائها، وكان البشر أقل منها قدرة في غابر الأزمان، لكنه تطور وتمكن وتسيّد عليها، وتوهم بأنها ليست كمثله بما فيها ولديها من قدرات إدراكية وأحاسيس ومشاعر.

لو أخذنا الكلاب كمثل فأنها ذات مشاعر وأحاسيس، وتعرف أنها سوف تموت، ولهذا تجدها تتوقى من الأخطار وتمارس دورها لإرضاء سيدها، وتتفاعل معه بسلوكيات واضحة وكأنها تجيد لغة الإشارة، لعدم قدرتها على الكلام، لكن الأصوات التي تطلقها ذات معنى وتشير إلى موضوع ما.

الكلب عندما يحضره الموت يصاب بنوبة رعب شديدة، وكذلك المواشي عندما يتقدم منها القصاب، فإنها تشعر بقرب موتها فتحاول الإستغاثة ولكن دون جدوى.

والحيوانات لديها مشاعر الأمومة كالبشر وربما أكثر حرصا منه على صغارها.

لا يوجد فرق بين سلوك الحيوانات والبشر إلا في الكلام والتفاعلات العقلية، المعبَر عنها بما إبتكره وتوصل إليه من إختراعات تمكنه من التحكم بمصير الآخرين من أبناء جنسه، وما حوله من المخلوقات الأخرى التي لا تمتلك سلاحا أمضى مما أوجده.

هو الموتُ الذي فينا تَنامى

يُحاصرنا ويُطعِمنا الحِماما

يُباغتنا إذا حضرتْ قِواهُ

ويُلقينا لأفواهٍ يَتامى

تَناسى كلُّ مَخلوقٍ مَماتا

بنفسٍ غامَرتْ، نكرتْ خِتاما

***

د. صادق السامرائي

بين الادعاء والاكتشاف.. تفكيك غياب المنهج العلمي والتجريب في طرحها

يُقدَّم ما يُسمّى “نظرية الصفر اللغوي” على أنه اكتشاف يكشف آلية تولّد اللغة في الدماغ، بل وتطرحه صاحبته الدكتورة سناء حميد البياتي أحيانًا كإنجاز غير مسبوق عالميًا. هذا الادعاء، بحجمه وطبيعته، يستدعي أن نناقشه ونقيّمه بشكل موضوعي وفق معايير اللسانيات وعلم الأعصاب، وليس وفق الانطباعات أو الحضور الإعلامي. وحضور البياتي في برنامج د. باسم الجمل لا يعني العالمية، فلسنا أمام منصة أكاديمية؛ كما أننا نتكشف فجوة واضحة بين ما يُدّعى وما هو مُثبت، وسناء البياتي تردد الأسطوانة نفسها منذ 2005.

تقوم النظرية على افتراض “مرحلة صفر” تقع بين الفكرة والجملة، تمرّ خلالها عملية إنتاج اللغة بثلاث خطوات: تحديد نوع الفكرة، ربط مكوّناتها بعلاقات معنوية (الإسناد، التخصيص، الإضافة، التوضيح)، ثم اختيار الألفاظ. هذا البناء، في أفضل أحواله، نموذج تفسيري مبسّط لشرح كيفية بناء الجملة، وليس اكتشافًا لآلية دماغية. الفارق جوهري: الاكتشاف العلمي يقتضي أدوات قياس، وتجارب قابلة للتكرار، وبيانات منشورة في مجلات محكّمة؛ بينما الطرح المعروض يقوم على الاستبطان الذهني—أي تأمل ذاتي في كيفية صياغة الجمل—ثم تعميمه على الدماغ البشري. في حقل يشتبك مباشرة مع علم الأعصاب، لا يكفي هذا المنهج لإثبات أي آلية.

إشكالية المصطلح تكشف بدورها طبيعة الطرح. “الصفر” مفهوم رياضي رمزي، لا يدل على بنية فيزيائية يمكن رصدها في الدماغ. نقله إلى اللغة دون تعريف إجرائي قابل للاختبار يحوّله إلى استعارة جذابة، لا إلى مفهوم علمي. وهذا ما أشار إليه د. ضياء خضير حين نبّه إلى أن ما يُسمّى “الصفر” أقرب إلى المجاز منه إلى حقيقة قابلة للإثبات. قوة هذا النقد أنه يضبط المصطلح قبل مناقشة نتائجه: لا يمكن بناء نظرية على مفهوم غير قابل للتحديد التجريبي.

على مستوى المضمون، لا تحمل الفكرة جديدًا جذريًا. القول بوجود قدرة ذهنية لإنتاج اللغة، ومرور الفكرة بمراحل قبل التعبير، ومركزية العلاقات بين المعاني—كلها أفكار نوقشت منذ عقود، وتبلورت في أعمال نعوم تشومسكي ضمن إطار النحو الكلي، كما لها جذور في نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني. الجديد هنا هو إعادة ترتيب هذه الأفكار وتسميتها، وهو جهد قد يكون مفيدًا تعليميًا، لكنه لا يبرّر إعلان “اكتشاف لم يُسبق إليه”.

الأخطر هو التعميم الكوني. اختزال العلاقات النحوية في أربع، وتقديمها كقواعد مشتركة لكل اللغات، يتطلب برهنة مقارنة على طيف واسع من اللغات المختلفة بنيويًا. دون ذلك، يبقى هذا الاختزال أداة تبسيط، لا قانونًا كونيًا. وهذا ما يجعل القفز من الشرح التعليمي إلى الادعاء العلمي قفزًا غير مبرر.

في المقابل، يقدّم نقد د. ضياء خضير إطارًا متماسكًا: يطالب بالدليل، ويضع الفكرة في سياقها التاريخي، ويميّز بين القيمة التعليمية والادعاء العلمي. قد تبدو لهجته هادئة، لكنها منهجيًا دقيقة؛ إذ يضرب أساس الادعاء دون شخصنة. وهو يذكّر بأن العلاقة بين الفكر واللغة مسألة مفتوحة، تنازعها رؤى متعددة من تشومسكي إلى لودفيغ فيتغنشتاين، ولم تُحسم نهائيًا حتى اليوم.

أما القول بأن “أحدًا لم يسبق إلى اكتشاف كيفية تولّد اللغة في الدماغ”، فهو يتجاهل تاريخًا طويلًا من البحث منذ القرن التاسع عشر، من تحديد مناطق اللغة إلى دراسات التصوير العصبي الحديثة. هذا السؤال لم يُحسم عالميًا، وأي ادعاء بحسمه يتطلب أدلة استثنائية—وهي غير متوفرة هنا. كذلك، التقليل من جهود تشومسكي أو غيره لا يغيّر حقيقة أن تلك الأعمال خضعت لعقود من النقد والتطوير، بينما يبقى هذا الطرح ثابتًا تقريبًا منذ 2005 دون اختبار مستقل أو مراجعة جوهرية.

تزداد الإشكالية حين يُربط الطرح بإثبات الإعجاز أو بتفوق حضاري شامل. الانتقال من نموذج لغوي إلى أحكام نهائية من هذا النوع قفزة خطابية لا سند علمي لها. كما أن استدعاء عبارات الترويج - كالدعوة إلى اعتبار العمل “اكتشافًا عالميًا” أو الإيحاء باستحقاق جوائز كبرى - لا يعوّض غياب المنهج، بل يكشفه.

مع ذلك، ليت الدكتورة البياتي دعت مثلًا إلى دعم الجهود والدراسات الداعية إلى تبسيط النحو، والتركيز على المعنى والسياق، والانتقال من الجملة إلى مكوّناتها؛ فكلها اتجاهات مفيدة تربويًا، وتتقاطع مع اللسانيات التطبيقية.

استنتاجات مختصرة:

ما يُقدَّم ليس اكتشافًا، بل نموذج تفسيري مبسّط.

مصطلح “الصفر” استعارة، لا مفهومًا علميًا قابلًا للاختبار.

لا توجد أدلة تجريبية أو نشر محكّم يدعم الادعاء.

الأفكار الأساسية مطروحة سابقًا في اللسانيات والفلسفة.

التعميم الكوني للعلاقات النحوية غير مُثبت.

ربط الطرح بالإعجاز أو التفوق الحضاري قفزة غير مبررة.

كلامها يخلو من أي اكتشاف أو منهجية.

***

حميد عقبي

........................

لسماع ومشاهدة مداخلة نقدية لعشرين دقيقة مرفق الرابط

https://youtu.be/lRb43ivvxnM?si=korLVhW6waEJGdOA

تقف في منتصف شارع محمد الخامس بالدار البيضاء، المغرب، في يوم يوليو الحار، في يدك مثلجات فانيليا مغطاة بالكركديه. وأنت تعلمها. تعلم أنها سوف تسقط.

منذ أول ثانية أمسكتها بدأت الطاقة الكاملة في جسدك تتحول إلى مهمة واحدة وحيدة: منع أي نقطة منصهرة من أن تلمس قميصك الأبيض الجديد. تمسكها بزاوية متوترة. تمسح طرفها كل ثانيتين بمنشفة ورقية. لا تسمع الصديق الذي يمشي بجانبك ويكلمك. لا تشم رائحة الياسمين التي تأتي من الحديقة المقابلة. لا تتذوق حتى المثلجات التي في فمك. كل ما تفعله هو انتظار السقوط.

وثم تسقط. بالطبع تسقط. بعد كل هذا الجهد تسقط نقطة كبيرة سميكة تماماً في منتصف قميصك.

وهذه ليست قصة عن المثلجات. هذه هي القصة الكاملة للحياة.

نحن نقضي كل حياتنا بهذه الحركة المتوترة نفسها. نمشي في أجمل شاطئ في العالم ومشغولون أن الرمل لا يدخل الحذاء. نأتي لحفلة رائعة ونقضي كل ساعاتها نخاف أن نلطخ الفستان. نجلس مع أحب الناس إلينا ونقضي الوقت نتفقد الهاتف كل عشر ثوانٍ خوفاً من رسالة فائتة. نعيش اللحظة كاملة ونحن نجهز لننشرها. وكل هذا الوقت، المثلجات تنصهر في يدنا.

لقد أقنعنا العالم أن فن العيش هو فن منع الأشياء من السقوط. أن الحياة الجيدة هي الحياة النظيفة، المرتبة، الخالية من البقع، الخالية من أي شيء لم نخطط له مسبقاً.

والحقيقة الأكبر التي لا يخبرنا أحد بها هي: كل الأشياء الجيدة في الحياة هي البقع.

بعد عشر سنوات لن تتذكر أبداً أنك كنت تمتلك قميصاً أبيض نظيفاً في ذلك اليوم من يوليو. لكنك ستتذكر المثلجات التي سقطت. ستتذكر ضحكك الذي استمر نصف ساعة. ستتذكر أن صديقك اشترى لك مثلجة أخرى وأقام يرمي عليها عن قصد.

جميع الذكريات التي نحبها ليست الذكريات التي سارت تماماً. هي الذكريات التي حدث فيها شيء خاطئ. المطر الذي نزل في الرحلة الجبلية. الكيك الذي احترق في عيد الميلاد. القطار الذي فاتنا فمشينا ثلاث كيلومترات تحت القمر. المثلجات التي سقطت على القميص. هذه هي العلامات التي تختم على اللحظة كحقيقية.

فن الانسياب ليس عدم الاكتراث. هو أن تعلم أن البقعة على القميص ليست خطأ حدث للحظة. هي الجزء الأصلي من اللحظة. هو أن تتوقف لثانية واحدة وتقول لنفسك: حسناً. دعها تسقط.

لا يوجد شيء أسوأ في كل الحياة من أن تنتهي المثلجات وتكتشف أنك لم تتذوقها حتى مرة. فقط لأنك كنت مشغولاً كل الوقت بمحاولة منعها من السقوط.

اليوم عندما تذهب وتأخذ مثلجاتك التالية. لا تمسكها كأنها قنبلة. لا تمسحها كل ثانية. لا تخف. كُلْهَا مثلجات. واتركها تسقط على قميصك.

البقعة سوف تزول عند الغسل. اللحظة لن تعود أبداً.

***

بقلم: ذ. يونس الديدي - أستاذ باحث

في كثير من المؤسسات العراقية، نلاحظ سلوكاً يتكرر بصورة لافتة: مسؤول يتزلف لمن هم أعلى منه، يبالغ في الثناء، يخفي الحقائق غير المريحة، وربما يلجأ إلى الكذب أو تجميل الواقع فقط لينال الرضا أو يتجنب الغضب. هذه الظاهرة ليست مجرد ضعف أخلاقي فردي، بل هي نتيجة تداخل عوامل نفسية وتنظيمية وثقافية.

ففي المكاتب الواسعة ذات الطاولات اللامعة، لا تُسمع الحقيقة دائماً. هناك لغة أخرى تُقال بصوت منخفض؛ لغة مليئة بالثناء المبالغ فيه، والابتسامات المصطنعة، والتقارير التي تُصاغ بعناية لتخفي ما يجب أن يُقال إنه مشهد مألوف: مسؤول يجلس أمام مسؤول أعلى منه، يتحدث بلهجة الواثق، لكنه في داخله يحسب الكلمات كما يحسب التاجر أرباحه وخسائره. لا يقول ما يعتقد، بل ما يُرضي. لا يعرض الواقع كما هو، بل كما ينبغي أن يبدو.

وفي بيئة تُدار بالأمزجة لا بالأنظمة، يصبح الرضا الشخصي معيار البقاء. وأن كل مسؤول يدرك أن كلمة واحدة قد ترفعه أو تطيح به، فيتعلم بسرعة أن يقول ما يُحب الرئيس سماعه، لا ما يجب أن يُقال. فالتملق ليس سلوكاً عابراً في دهاليز الإدارة، بل مرضاً بنيوياً ينهش المؤسسات من الداخل. حين ترى مسؤولاً يبالغ في الثناء على رئيسه، ويجمل التقارير، ويخفي الإخفاقات، ويكذب باسم "اللباقة"، فأنت لا تشاهد شخصاً ضعيفاً فحسب، بل ترى نظاماً كاملاً يُكافئ النفاق ويعاقب الصدق.

من أخطر ما يرسّخ التملق أن تتحول العلاقة بين الرئيس والمرؤوس إلى علاقة ولاء شخصي. في الوقت الذي يجب أن تُبنى القرارات على لجان، ومحاضر رسمية، وتوثيق شفاف، لا على جلسات مغلقة.

لماذا يحدث هذا؟

يكمن الجذر الأول في هشاشة المنصب. ففي بعض البيئات ترتبط الترقية والعقوبة برضا المسؤول الأعلى، حيث يصبح المنصب لا تكليف بل امتياز، ولا مسؤولية بل غنيمة. وحين يتحول الموقع الإداري إلى مصدر نفوذ شخصي، يصبح الحفاظ عليه أولوية تتقدم على الصدق والكفاءة. ويصبح الخوف هو المحرك الأول: الخوف من الإبعاد، ومن التهميش، ومن فقدان الامتيازات. في هذه البيئة، يتراجع الصدق أمام غريزة البقاء، ويتصرف المسؤول كمن يسعى إلى حماية نفسه لا إلى خدمة المؤسسة.

فعندما يكون مصير المسؤول مرتبطاً برضا شخص واحد، يصبح هذا الرضا بوصلته الوحيدة. وهنا تبدأ المأساة؛ وتتحول الإدارة إلى علاقة عاطفية مشوهة بين الأعلى والأدنى، لا إلى علاقة مهنية تحكمها معايير واضحة.

المسؤول الذي يخاف، لا ينقل المشكلة كما هي، بل يخففها. لا يعترف بالفشل، بل يبرره. لا ينتقد القرار، بل يمدحه. لأنه يرى في الحقيقة خطراً، وفي العراق، وتحديداً في المؤسسات التي تُقدَّس فيها السلطة ويُجرَّم فيها الاختلاف، يصبح التملق مهارة بحد ذاته. العبارات الرنانة تحل محل الأرقام، والثناء يحل محل التقويم الموضوعي. ومع الزمن، لا يعود التملق سلوكاً فردياً، بل يتحول إلى ثقافة عامة. من يرفضه يبدو شاذاً عن القاعدة، وربما ساذجاً في نظر الآخرين.

في المؤسسات التي تُبنى على هرم سلطوي صارم، حيث القرار مركزي، والنقد يُفهم كتمرد، ينشأ مناخ يشجع التملق. فكلما كانت المسافة بين القمة والقاعدة كبيرة، وكلما قلّت المساءلة، ازداد الميل إلى إرضاء الأعلى بدل خدمة المصلحة العامة. هنا يتحول المنصب إلى علاقة شخصية لا مسؤولية مهنية.

بعض المسؤولين يفتقرون إلى الثقة بقدراتهم، فيعتقدون أن قوتهم مستمدة من رضا من فوقهم. فيبالغون في إظهار الولاء، ويتجنبون أي موقف قد يُفسَّر على أنه اختلاف أو اعتراض. الشخص الواثق يستطيع أن يقول: "هذا القرار يحتاج إلى مراجعة"، أما غير الواثق فيقول: "فكرة عظيمة" حتى لو كان مقتنعاً بعكس ذلك.

الطموح بحد ذاته ليس خطأ، لا بل مشروع ومطلوب. لكن حين يُختزل النجاح في الصعود بأي ثمن، تنفصل الوسيلة عن القيمة. وحين ينفصل عن القيم يتحول إلى انتهازية.

بعض المسؤولين لا يرون في التزلف تنازلاً أخلاقياً، بل استراتيجية ذكية. يبررون لأنفسهم الكذب بأنه "تكتيك"، ويبررون المجاملة المفرطة بأنها "لباقة سياسية". غير أن الفرق كبير بين الدبلوماسية والكذب، وبين اللياقة والنفاق.

عندما لا توجد آليات واضحة لتقييم الأداء، يصبح الانطباع الشخصي هو المعيار. والانطباع يمكن التأثير فيه بالكلمات المعسولة والتقارير المجمّلة. أما في المؤسسات التي تعتمد على مؤشرات أداء واضحة وتقييم موضوعي، فإن التملق يفقد قيمته لأنه لا يغير النتائج.

أن قول الحقيقة يتطلب شجاعة، خاصة إذا كانت الحقيقة تتضمن اعترافاً بالخطأ أو نقداً لقرار سابق، لكن حين يُعاقب الصادق ويُكافأ المادح، تتشكل بيئة تدفع الناس إلى الكذب حفاظاً على مصالحهم. وعندما تُخفى المعلومات الحقيقية، يتخذ المسؤول الأعلى قرارات مبنية على صورة غير دقيقة.

التملق الإداري ليس مجرد سلوك فردي معزول، بل هو انعكاس لبيئة تسمح به أو تشجعه. فالمؤسسة الصحية هي التي تجعل الصدق أأمن من الكذب، وتجعل الكفاءة أهم من المجاملة، وتجعل قول الحقيقة فضيلة لا مخاطرة.

إن التملق الإداري ليس مجرد ضعف أخلاقي، بل علامة على خلل أعمق في بنية المؤسسة وثقافتها. وحين تصبح الحقيقة مكلفة، يصبح الكذب رخيصاً. لكن المؤسسات التي تبنى على المجاملة لا تصمد طويلاً؛ لأنها، ببساطة، لا ترى نفسها كما هي.

الشجاعة ليست صفة فطرية فقط، بل مهارة تُدرّس في المدارس والمعاهد المهنية. وبرامج تدريب القيادات يجب أن تتضمن مهارات إدارة الخلاف، وقول الحقيقة بطريقة مهنية، وإدارة الضغوط دون انزلاق إلى الكذب.

المشكلة ليست في موظف يمدح رئيسه، بل في نظام يجعل المدح شرطاً للبقاء. وحين يصبح الصدق مخاطرة، يصبح الفساد خياراً عقلانياً. فالمؤسسات القوية لا تُبنى على الانحناء، بل على الاستقامة.

ولا تنهار بسبب النقد، بل بسبب الصمت.

ليس أخطر على أي مؤسسة من الفساد المالي، بل الفساد الصامت الذي يسبقه: فساد الكلمة. وحين يتحول المسؤول إلى مروّج لرئيسه، ويصبح التقرير لوحة تجميل، وحين تُخفى الحقيقة خوفاً من إزعاج صاحب القرار- فاعلم أن المؤسسة دخلت مرحلة الانحدار، حتى لو بدت من الخارج مستقرة.

أن المسؤول الذي يتملق لا يفعل ذلك بدافع الأدب، بل بدافع الخوف أو الطموح الأعمى. فهو يعرف أن البقاء لا يعتمد على الإنجاز بقدر ما يعتمد على الرضا الشخصي. لذلك يتعلم بسرعة: قل ما يحب أن يسمعه، لا ما يجب أن يسمعه.

وهكذا، تتحول الإدارة إلى دائرة مغلقة من المجاملات. المدير الأعلى يسمع ما يعجبه، فيظن أن الأمور تسير بخير. والمسؤول الأدنى يخفي المشكلات، فيظن أنه يحمي نفسه. والنتيجة؟ قرارات تُبنى على وهم. إذن، المشكلة ليست في شخص يجامل، بل في بيئة تجعل المجاملة شرطاً للنجاة.

أما الثمن الذي تدفعه المؤسسة، فهو باهض: تتضخم الأخطاء الصغيرة لأنها لا تُكشف مبكراً، وتُقصى الكفاءات المستقلة لأنها "غير منسجمة"، ويسود منطق الولاء بدل منطق الإنجاز، وتتآكل الثقة حتى داخل الفريق الواحد. فالمؤسسة التي تُدار بالتصفيق، تتفاجأ يوماً بأنها بلا إنجاز حقيقي.

إن التملق الإداري ليس مجرد عادة سيئة، بل هو مؤشر خطر. فحين يفضّل المسؤول رضا رئيسه على مصلحة مؤسسته، فهو لا يحمي نفسه، بل يساهم في إضعاف الكيان الذي يعمل فيه. فالمؤسسات القوية لا تخشى الحقيقة، أما التي تخاف منها، فهي تعرف في أعماقها أنها بنيت على هشاشة.

***

جورج منصور

في رحاب الآية الكريمة: "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ومن دخله كان آمناً"، تتجلى لنا أبعاد روحية عميقة تتجاوز ظاهر المكان إلى باطن الحال. إن مقام إبراهيم ليس مجرد حجر نقش عليه أثر قدم خليل الرحمن ابراهيم عليه السلام، بل هو رمز لمقام التسليم المطلق والتوكل الصادق على الله، الذي تحقق منه ذلك العبد الصديق الصادق، وهو دعوة لكل سالك أن يتخذ من هذا المقام الروحي مصلى لقلبه، وملاذا لروحه.

فعندما تتزعزع أرض الأسباب، وتضطرب النفوس في بحر القلق والسعي، يبرز مقام إبراهيم آنذاك كمنارة روحية وقمة أمن وطمأنينة. فمن دخل هذا المقام بباطنه، أي من استسلم لله تسليماً كليا، وتعرى من حوله وقوته، ألبسه الله لباس التسليم ورداء الأمن وسلام الثقة المطلقة به. هذا الدخول ليس بالقدم، بل بالقلب، وليس بالجسد، بل بالروح. إن الأمن الحقيقي، الذي وعد به من دخل مقام إبراهيم، هو أمن من خوف غوائل النفس وتقلباتها، ومن قلق السعي ونتائجه. إنه أمن يورثه اليقين بأن الحكيم المدبر لا يأتي إلا بالخير، وأن كل ما يجري في الكون هو بمشيئته وحكمته البالغة. فمن ثبت على أرض الثقة بالله، لم يعد يخشى شيئاً، لأن قلبه قد استقر في حضرة الأمن والامان الإلهيين.

وليس هذا المقام حكرا على من يحج البيت الحرام، بل هو متاح لكل قلب متفكر حج لهجرة القراءة على لوح الازل.

ففي بيت الله الحرام، تتجلى آيات بينات متجوهرة في أفضل البقاع، لا يفك شيفرتها ولا يستلهم أسرارها إلا من جوهر آلة القلب المتفكر. هذا القلب الذي يتجاوز الرؤية الظاهرية إلى الإدراك الباطني، فيرى في كل آية كونية أو قرآنية دليلا على عظمة الخالق وحكمته.

فيا أيها السالك إلى حضرة الحق، اتخذ من مقام إبراهيم مصلى ومحرابا لروحك، ودع قلبك يرتوي من معين رحيق المحبة والتسليم والثقة، لتنعم بأمن لا يزول، وسكينة لا تتبدل، في حضرة من بيده ملكوت كل شيء.

 في رحاب الآية الكريمة: "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ومن دخله كان آمنا" البقرة 125، تتجلى لنا أبعاد عرفانية عميقة تتجاوز ظاهر المكان إلى باطن الحال. إن مقام إبراهيم ليس مجرد حجر نقش عليه أثر قدم خليل الرحمن، بل هو رمز لمقام التسليم المطلق والتوكل الصادق على الله، وهو دعوة لكل سالك  لطريق القوم أن يتخذ من هذا المقام الروحي مصلى لقلبه، وملاذا لروحه وووجه الله تعالى الحبيب المحبوب هو المبتغى.عندما تتزعزع أرض الأسباب، وتضطرب النفوس في بحر القلق والسعي، يبرز مقام إبراهيم كمنارة أمن ومرسى طمأنينة. فمن دخل هذا المقام بباطنه، أي من استسلم لله تسليما كليا، وتعرى من حوله وقوته، ألبسه الله لباس التسليم ورداء الأمن وسلام الثقة المطلقة به. هذا الدخول ليس بالقدم، بل بالقلب، وليس بالجسد، بل بالروح.إن الأمن الحقيقي، الذي وعد به من دخل مقام إبراهيم، هو أمن من خوف غوائل النفس وتقلباتها، ومن قلق السعي ونتائجه. إنه أمن يورثه اليقين بأن الحكيم المدبر لا يأتي إلا بالخير، وأن كل ما يجري في الكون هو بمشيئته وحكمته البالغة. فمن ثبت على أرض الثقة بالله، لم يعد يخشى شيئا، لأن قلبه قد استقر في حضرة الأمن والأمان الإلهي ين. وليس هذا المقام حكرا على من يحج البيت الحرام، بل هو متاح لكل قلب متفكر قارئ في باطنه. ففي بيت الله الحرام، تتجلى آيات بينات متجوهرة في أفضل البقاع، لا يفك شيفرتها ولا يستلهم أسرارها إلا من جوهر آلة القلب المتفكر. هذا القلب الذي يتجاوز الرؤية الظاهرية إلى الإدراك الباطني، فيرى في كل آية كونية أو قرآنية دليلاً على عظمة الخالق وحكمته.

فيا أيها السالك إلى حضرة الحق، اتخذ من مقام إبراهيم مصلى لروحك، ودع قلبك يرتوي من معين التسليم والثقة، لتنعم بأمن لا يزول، وسكينة لا تتبدل، في حضرة من بيده ملكوت كل شيء، ومن دخلها كان من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

***

د. محمد غاني – كاتب / المغرب

الاحتراق الوظيفي في بيئات العمل المعقدة

يعد الاحتراق الوظيفي بين المتخصصين في جودة السلامة المهنية تحدياً متنامياً في بيئات العمل الحديثة، لا سيما في المؤسسات التي تفرض التزاماً صارماً بالمعايير والإجراءات الوقائية. إذ يتحمل هؤلاء الموظفون مسؤولية جسيمة تتعلق بحماية الأرواح والحد من المخاطر، مما يضعهم في حالة دائمة من اليقظة والضغط النفسي. ومع غياب آليات الدعم الفعالة، يتراكم لديهم الإجهاد البدني والذهني، وصولاً إلى الاحتراق الوظيفي الذي يؤثر سلباً على كفاءة الأداء وجودة اتخاذ القرار.

تتعدد مصادر الضغط على العاملين في هذا المجال؛ فتبدأ من ثقل المسؤولية الأخلاقية والمهنية في منع الحوادث، مروراً بمتطلبات التدقيق والتقارير المستمرة، وصولاً إلى مواجهة الطوارئ والتعامل مع المخاطر الميدانية. كما يواجه الموظف تحدياً إضافياً يتمثل في التوفيق والتوازن بين متطلبات الإدارة ومقاومة العاملين لتطبيق إجراءات السلامة، مما يجعله في صراع مهني مستمر يزيد من إنهاكه.

ومع تفاقم هذه الضغوط، تظهر مؤشرات تحذيرية مثل الإرهاق المزمن، وتشتت الانتباه، وتراجع الدافعية، والتردد في اتخاذ القرارات الحاسمة، بالإضافة إلى الميل نحو العزلة. وقد يتطور الأمر إلى شعور بالإحباط والتشاؤم، مما يضعف المبادرة والابتكار في تطوير برامج السلامة. وفي هذه المرحلة، قد يلجأ الموظف إلى استراتيجيات سلبية للتعامل مع الضغوط، كالمماطلة أو تجنب المواجهة أو الهروب من المسؤوليات الأساسية أو العنف اللفظي والبدني والتنمر.

ولا يقتصر أثر الاحتراق الوظيفي على الفرد فقط، بل يمتد ليؤثر على جودة السلامة المهنية داخل المنظمة والمؤسسة، حيث يؤدي الإرهاق الذهني إلى ضعف القدرة على اكتشاف المخاطر، وانخفاض جودة التقارير المهنية، والتغاضي عن بعض الملاحظات المهمة التي تحتاج إلى متابعة وتقييم مستمر، إضافة إلى تراجع التواصل الفعال مع العاملين. كما أن انخفاض الحماس لدى موظف السلامة ينعكس على ثقافة السلامة العامة، فتقل المشاركة في الأنشطة التنموية والوقائية، وتضعف المبادرات التطويرية، ويصبح الالتزام بإجراءات السلامة شكلياً بدلاً من كونه سلوكاً مؤسسياً راسخاً. وقد يؤدي ذلك في النهاية إلى زيادة الحوادث المهنية وارتفاع معدلات الإصابات والغياب أو الدوران الوظيفي الذي يؤدي إلى ترك العمل، وهو ما ينعكس سلباً على الأداء والإنتاجية وسمعة المؤسسة وصورتها الذهنية والواقعية أمام العملاء والزبائن.

ومن ناحية أخرى، فإن الضغوط المهنية في مجال السلامة ليست دائماً سلبية، إذ يمكن أن تكون محفزاً إيجابياً للتميز وتحقيق الإنجاز إذا ما تمت إدارتها بصورة متوازنة وصحية. فوجود تحديات مهنية قد يدفع الموظف إلى تطوير مهاراته التنظيمية وتحسين قدرته على إدارة وتنظيم الوقت، وتعزيز التفكير الاستباقي في اكتشاف المخاطر قبل وقوعها. كما أن التعامل مع المواقف الطارئة قد يسهم في بناء الثقة بالنفس وتنمية مهارات اتخاذ القرار تحت الضغط. إلا أن هذه الضغوط تتحول إلى عامل هدم عندما تتجاوز قدرة الفرد على التكيف وضعف قدرته على الاندماج والانسجام مع زملائه ومديريه، أو عندما يغيب الدعم المؤسسي والتنظيمي الذي يساعد على إدارة هذه الضغوط بصورة صحية.

وتلعب بيئة العمل دوراً محورياً في الحد من الاحتراق الوظيفي، فالمؤسسات التي توفر مناخاً داعماً للصحة النفسية والاجتماعية تسهم في تعزيز الاستقرار المهني للعاملين في السلامة المهنية. ويشمل ذلك توزيع الأعباء بصورة عادلة، وتوفير الموارد اللازمة لتطبيق إجراءات السلامة، وإشراك الموظفين في اتخاذ القرارات المتعلقة بالمخاطر المهنية، إضافة إلى تقديم برامج تدريبية تنموية وتطويرية متخصصة في إدارة الضغوط والتعامل مع الأزمات والصراعات في العمل. كما أن تقدير جهود موظفي السلامة والاعتراف بدورهم في حماية العاملين يسهم في رفع مستوى الرضا الوظيفي وتقليل الشعور بالإجهاد ويوفر الراحة والشعور بالأمن والطمأنينة.

وتسهم العلاقات الاجتماعية الإيجابية داخل بيئة العمل في تقليل آثار الاحتراق الوظيفي، إذ إن الدعم المتبادل بين الزملاء يعزز الشعور بالانتماء والولاء المؤسسي ويخفف من حدة الضغوط اليومية والإرهاق الذي يحدث أثناء العمل. كما أن التواصل المفتوح بين الإدارة وموظفي السلامة المهنية يساعد على مناقشة التحديات وتبادل الحلول بصورة واقعية. ويعد إشراك العاملين في برامج ترفيهية وتفريغية واجتماعية، وتنظيم لقاءات دورية مستمرة، وتوفير مساحات للحوار البناء والتعبير عن الضغوط المهنية بإيجابية، من العوامل التي تدعم الصحة النفسية والروح الاجتماعية والجمعية وتعزز التوازن بين العمل والحياة الشخصية والاجتماعية للموظفين.

كما أن تنمية الوعي بالصحة النفسية في بيئة العمل تعد من الأساليب البنائية والوقائية المهمة؛ حيث يمكن نشر مواد توعوية حول إدارة الإجهاد، وتقديم ورش تدريبية حول المرونة النفسية والعاطفية، وتشجيع العاملين على ممارسة النشاط البدني التفريغي، والحصول على فترات راحة واستجمام منتظمة أثناء العمل. ويسهم تطوير مهارات التواصل الفعال في تقليل الأزمات والصراعات المهنية، وتحسين التعاون بين الأقسام المختلفة؛ مما يقلل من الضغوط الواقعة على موظفي السلامة المهنية. إن الاستثمار في الصحة النفسية والاجتماعية للعاملين في مجال السلامة المهنية لا ينعكس فقط على رفاه الموظفين ونفسيتهم وزيادة اللحمة الاجتماعية في العلاقات الصحية مع الزملاء والمدراء، بل يؤدي إلى تعزيز ثقافة السلامة داخل المؤسسة، وتحسين جودة الأداء، وتقليل الحوادث المهنية، وزيادة الإنتاجية؛ فالموظف الذي يتمتع بالاستقرار النفسي والاجتماعي والمهني يكون أكثر قدرة على ملاحظة المخاطر، وأكثر التزاماً بالإجراءات الوقائية، وأكثر فاعلية في نشر ثقافة السلامة بين العاملين. وبالتالي فإن الاهتمام بالاحتراق الوظيفي يعد جزءاً أساسياً من منظومة الجودة الشاملة في السلامة المهنية؛ حيث يسهم في بناء بيئة عمل صحية وآمنة ومستدامة تدعم الإنسان وتحقق أهداف المؤسسة في آنٍ واحد.

***

د. أكرم عثمان

1-5-2026

الأول من أيّار يوم العمال العالمي

يُعدّ يوم العمال العالمي مناسبةً رمزيةً عميقة الدلالات، تتجاوز حدود الاحتفاء التاريخي بهذه المناسبة، لتغدو حالة جديدة للتأمل النقدي في سياق تحوّلات العمل وشروطه في العصر الرقمي، فهو في جوهره تعبير عن تاريخ طويل من النضال الاجتماعي والاقتصادي للطبقة العاملة، التي أثمر نضالها في ثمانينيات القرن التاسع عشر، بتحديد ساعات العمل وتحسين شروطه. يعود أصل المناسبة إلى أحداث تاريخية في أيّار 1886 في مدينة شيكاغو، وقعت حادثة انفجار قنبلة أثناء مظاهرة عمالية مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى من الشرطة والمتظاهرين.

تسببت هذه الحادثة بإعلان الأممية الثانية (منظمة اشتراكية دولية) أن يكون الأول من أيّار يوماً عالمياً لتكريم العمال تخليداً لتلك الأحداث. وبذلك ظلّ الأول من أيّار عالقاً في ذاكرة التاريخ كمرآة يعكس موازين القوة بين رأس مال السوق والعمل التقليدي، ومؤشّراً على طبيعة التزام العمال بالعقد الاجتماعي خلال المراحل التاريخية المختلفة، غير أنّ القرن الحادي والعشرين، بما يحمله من تطورات تقنية هائلة متسارعة، أعاد طرح العديد من الأسئلة الجدلية التي تتعلق بالأعمال المهنية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية في إطار جديد يتناغم مع التحولات السريعة التي تتداخل فيها مفاهيم العمل على كافة الأصعدة.

أدّت التقنيات الحديثة، من الذكاء الاصطناعي إلى المنصّات الرقمية، إلى إعادة تشكيل بنية الطبقة العاملة، ليس فقط من حيث طبيعة الأعمال، بل من حيث تعريف دور العامل ذاته، الذي لم يعد دوره محصوراً في ميدان العمل المكاني، المصنع أو الحقل، بل بات حاضراً في مجالات جديدة مرتبطة بطبيعة عمل الاقتصاد الحر، والعمل عن بُعد، والأعمال الأخرى القائمة على الطلب. هذه التحولات الكبيرة حملت معها اشكالات جديدة من الصعوبات التي يتعرّض لها العديد من العاملين في المنصّات الرقمية، فالعامل لم يعد يتمتع بضمانات التوظيف التقليدية، كالأمان الوظيفي والتأمينات الاجتماعية وغياب التمثيل النقابي، بل أصبح عرضة لتقلبات السوق وخوارزميات المنصات التي تتلاعب بمصيره المهني. إن انتشار أنماط العمل غير المستقرة تستدعي قراءة نقدية متأنية لطبيعة المتغيرات والتحولات في مختلف ميادين العمل.

كانت الرؤية الماركسية الكلاسيكية، كما صاغها كارل ماركس، بأن الطبقة العاملة (البروليتاريا) هي القوة الأساسية التي تُنتج القيمة في المجتمع الرأسمالي، لكنها تُستغل لأن أصحاب وسائل الإنتاج (الرأسماليين) يستحوذون على فائض القيمة. ولكن في العصر الرقمي، اتخذت أشكالاً جديدة ومعقّدة، حيث يُعاد تفسير الطبقة العاملة التي مازال وجودها ضمن مُسمى "البروليتاريا الرقمية"، والصراع الطبقي مازال قائماً وأُعيد تشكيله لأن الوعي الطبقي ضروري للتغيير، لكن وجود العامل لم يعد كما كان في المصنع، بل أصبح عمله ينطلق من منصات أخرى وبمسيات معاصرة.

والشركات التقنية الكبرى تستخرج (قيمة) من بيانات المستخدمين، بما يشبه نوعاً جديداً من فائض القيمة، مقرونة بمفاهيم جديدة (كالبيانات كوسيلة إنتاج، والخوارزميات كأداة سيطرة) بدلاً من (الآلات والمصانع)، أي هنا القيمة لم تعد تُنتج بالعمل الجسدي، بل عبر الذكاء، اللغة، والعلاقات الاجتماعية، مما جعلت مساحة الاستغلال أوسع انتشاراً لكن أقل وضوحاً. فالشركات الرقمية لا تبيع الخدمات فقط، بل تستخرج البيانات وتحولها إلى أرباح، وامتلاك هذه الوسائل من الشركات التكنولوجية الكبرى يعني استمرار نفس علاقات القوة التي وصفها ماركس، لكن بأدوات حديثة.

التحدي الأبرز الذي يواجه الطبقة العاملة في العصر الرقمي يكمن في الفجوة المتزايدة بين سرعة التطور التكنولوجي وبطء الأطر التشريعية والمؤسساتية التي تنصف الطبقة العاملة في الكثير من بلدان العالم. فالقوانين التي تنظّم العمل أكثرها أسيرة الأساليب التقليدية التي تحتاج إلى إعادة النظر في مضامينها بما يتلاءم مع تطورات العصر، بحيث تكون قادرة على استيعاب تعقيدات العمل الرقمي. كما تبرز الحاجة إلى سياسات عامة تضمن العدالة الرقمية، وتوفير الحماية الاجتماعية للعاملين في الاقتصاد غير التقليدي، مع ضمان الشفافية في الخوارزميات التي تتحكّم في توزيع العمل وتقييم الأداء في كل مجالات العمل، لأن التقدم التكنولوجي يجب أن يُوجَّه بما يخدم تطلعات الإنسان العامل ويصون حقوقه في عالم تتسارع فيه المتغيرات بوتيرة غير مسبوقة.

بدء الاحتفال بشكل رسمي بعيد العمال العالمي في العراق بعد قيام ثورة 14 تموز 1958، حيث تم إدخال الأول من أيّار ضمن العطل الرسمية للدولة، بعدما كان العمال يحيون المناسبة قبل ذلك بشكل غير رسمي أو سري بسبب الظروف السياسية في العهد الملكي. إنّ استذكار هذه المناسبة، في ظل المشهد المعقّد، يدعو إلى تجديد الالتزام بقيم العدالة الاجتماعية، بأدوات تتناغم وتتلاءم مع روح العصر الرقمي. فالتحديات لم تعد فقط من أجل تقليل ساعات العمل ورفع الأجور، بل من أجل ضمان إنسانية العمل في عالم تهيمن عليه الخوارزميات، وتتفاوت فيه الكفاءة وقيم العدالة والحقوق.

الطبقة العاملة في العراق المعاصر تواجه إطار معقّد يجمع بين التحولات الاقتصادية البنيوية، والصراعات السياسية والأمنية منذ عام 2003. عدم الاستقرار السياسي له تأثيره السلبي المباشر على بيئة الاستثمار، وفرص العمل المستدامة أدى إلى استمرار ضعف دور الطبقة العاملة. إعتماد العراق على الاقتصاد الريعي أضعف تنويع القطاعات الإنتاجية التي جعلت الطبقة العاملة تعاني من محدودية فرص العمل المستقر، لأن الجزء الأكبر من العمالة يتركز في ميدان القطاع العام وفي أنشطة غير رسمية منخفضة الإنتاجية، وظائف لا تتناسب مع مهاراتهم، وحرمتهم من الحماية القانونية والتأمينات الاجتماعية، رغم وجود تشريعات تنظم العمل، ولكن تطبيقها يواجه تحديات كبيرة بسبب ضعف المؤسسات الرقابية، والحركة النقابية ما زالت تعاني من قيود كثيرة تحدّ من قدرتها على تمثيل العمال والدفاع عن حقوقهم القانونية.

قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015 من القوانين المهمة نظرياً التي نظّمت حقوق العمال، في تحديد ساعات العمل والإجازات وتنظيم عقود العمل ومنع الفصل التعسفي، وضمان بعض أشكال الحماية الاجتماعية. هذه التشريعات قريبة من المعايير الدولية، خاصة تلك التي تروج لها منظمة العمل الدولية في مجال حماية الطبقة العاملة، لكن من حيث التطبيق الواقعي فهي لم تُنصفها بشكل كافٍ بسبب ضعف القضاء العمالي والرقابة والتفتيش، واتساع الاقتصاد غير الرسمي بالإضافة إلى التدخلات السياسية التي تعرقل تطبيق القانون، وبذلك فإن ضعف تنفيذها يعود لعوامل كثيرة أهمها غياب بيئة مؤسسية داعمة.

ولدينا إشكالية مجتمعية أكثر تعقيداً تتعلق بالفئات الأكثر تضرراً، النساء العاملات والشباب، بالإضافة إلى معضلة عمالة الأطفال المنحدرين من الأُسر ذات الدخل المنخفض أو المتضررة من النزاعات، أو من جراء تفكك الأُسر وفقدان مصادر الدخل، وضعف الحماية الاجتماعية. جلَّ عمل هؤلاء الأطفال مرتبط بعدة مخاطر، يعيشون في بيئات خطرة، كثيراً ما يتعرضون إلى العنف أو الاستغلال والحرمان من فرص التعليم. ظاهرة مقلقة ذات أبعاد اجتماعية انسانية اقتصادية وقانونية، لا يمكن فهمها بمعزل عن بنية الاقتصاد، ومستويات الفقر المرتفعة، وآثار الصراعات السياسية والاجتماعية.

تشير تقديرات صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ومنظمة العمل الدولية إلى أن نسبة غير قليلة من الأطفال في العراق منخرطون في أنشطة اقتصادية ضمن القطاع غير الرسمي، لا سيما العمل في مجال الورش الحرفية كالميكانيك والنجارة، أو جمع النفايات وتدويرها، وفي مسح زجاج السيارات، وفي المناطق الزراعية الريفية. علماً أن العراق طرف في اتفاقيات دولية مهمة مثل: اتفاقيات منظمة العمل الدولية المتعلقة بعمل الأطفال، اتفاقية حقوق الطفل، وقانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015، يحظر تشغيل الأطفال دون السن القانوني، وينظم عمل الأحداث بشروط صارمة كما ينص قانون رعاية الأحداث العراقي على حماية الأطفال من الاستغلال، ولكن المشكلة الأساسية تكمن في صعوبة التنفيذ.

أما تأثير تصاعد العمالة الأجنبية، بشقّيها الشرعي وغير الشرعي، بوصفها ظاهرة مركّبة تتقاطع فيها البنى الاقتصادية مع الترتيبات السياسية والتحولات الاجتماعية، نتج عنها فائض في العمالة المحلية (بطالة مرتفعة بين الشباب من الجنسين)، مقابل طلب فعلي على عمالة منخفضة التكلفة أو ذات مهارات محدودة، هذا الأمر دفع أصحاب العمل إلى تفضيل العمالة الأجنبية، ليس فقط لرخصها، بل لمرونتها ولضعف قدرتها على المطالبة بحقوقها. هذه الحالة تستدعي التأمل وإعادة التفكير في السياسات العامة، ليس لكونها مشكلة سوق عمل، بل كونها خللاً كبيراً في توجهات الدولة والاقتصاد والمجتمع.

التكنولوجيا خلقت مجالات عمل جديدة (تحليل البيانات، تطوير البرمجيات، إدارة الأنظمة الرقمية)، هذه الأعمال تتطلب مهارات مختلفة لا يمتلكها الكثير من الطبقة العاملة التقليدية. التكنولوجيا لم تلغِ الطبقة العاملة وإنما نمط عملها قد اختلف وتحتاج إلى مهارات عالية تقاوم فيها التحديات وتكون قادرة على التكيف من خلال التعليم، التدريب، والسياسات التي تحميها في ظل تطور مجالات العمل في العالم الرقمي.

المجد لكل نضالات الطبقة العاملة في يومها العالمي.

***

د. عبد الحسين الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا