عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أقلام حرة

يُقال أن (200000) رسالة دكتوراه من (170) جامعة عربية، لم تنتج شيئا نافعا، سوى زيادة الألقاب والمرتبات.

لا يُعرف مدى صحة القول، لكن الملاحظ أن الرسائل السائدة تبحث في موضوعات لا تساهم في البناء والتغيير، وتجنح إلى الإستنتاجات النظرية المستندة على مصادر بائدة ومكررة.

الرسائل تبحث في الشعر والأدب واللغة والتأريخ، وتندر الرسائل المهتمة بموضوعات معاصرة ذات قيمة معرفية تؤهل الأجيال للإنطلاق في مسيرة بناء ورقاء.

يزداد عدد الجامعات ومعها يتكاثر الخريجون، وتتنامى الأمية ويسود الجهل، وتهيمن على الوعي الجمعي الخرافات والأضاليل، ويتحولون إلى أرقام تابعة خانعة وقابلة للمحو والفعل بها كما يشاء الفاعلون.

وهذه ظاهرة عجيبة، لأن الجامعات من المفروض أن ترتقي بالمجتمع الذي تكون فيه، وتساهم في تحولات معرفية وحضارية ذات قيمة إجتماعية، وتطلعات إنسانية واعدة بالأفضل والأرقى.

لماذا المدن التي فيها جامعات تتوطنها مجتمعات خاوية، مهضومة مظلومة، تطارد لقمة عيشها وتبحث عن أمنها وسلامتها من الشرور المدلهمة في ربوعها؟

هل أن الجامعات مستقلة وذات حرمة أكادمية؟

من المرجح أن الجامعات التي لا تستنهض مجتمعاتها ذات أجندات متصلة بأنظمة الحكم، وتسعى لتأكيد السلوك المنحرف لأصحاب الكراسي والذين يريدون الخداع والتدجيل، لكي تمضي سفن فسادهم متهادية في مياه القهر والحرمان والإذلال.

وكأن الجامعات طرف في تثبيط الوعي وتدمير الرؤى الصالحة للحياة، وتنأى بنفسها عن المجابهة والتحدي والإعتصام بالحقيقة الساطعة.

فالجامعات – على ما يبدو – مطية للكراسي المتنفذة، وتترجم إرادات الحكام وذوي السلطان.

فهل تستطيع الجامعات أن ترعى رسائل ذات قيمة علمية وتأثير واضح في المجتمع؟

***

د. صادق السامرائي

تأملت في حال الدنيا ومن فيها، فتحسرت حينا واستغربت حد الذهول أحيانا لحال بعض أهلها، فأبكاني قهر الفاقة للفقراء، زلزلتني دموع اليتامى والثكالى، وتألمت لأنين المضطهدين، لكن ما هالني، ولطالما استوقفني كثيرا، حال أولئك الذين لا يعرفون الله، ولا يقدرونه حق قدره تبارك اسمه وعزّ شأنه، فوضعهم مثير حقا للشفقة، ويدعو للحسرة والحيرة في آن واحد، أجدني أتساءل كيف يحيا من لم يعرف الله! ولم يذق لذة القرب منه، وإن صام وصلى، وديدنه على الغي والزيغ قائم لا يتخلى، رُبَّ صائم لم ينل من صومه إلا الجوع والظمأ!

تُرى كيف يهنأ بعيشه من ظلم الأنام، تجبر في الأرض وعاث فيها فسادا!

كيف يغمض له جفن من خان الأمانة، وكيف تقر له عين من ضيع المسؤولية ولم يُبال بالرعية، أي قسوة تلك التي رانت على قلوبهم، عميان رغم الإبصار، فعمى البصيرة أشد وطأة وأخطر من عمى البصر بكثير، فثمة الهلاك قطعا.

كيف يدعي الإيمان من لم يخش الله بالغيب! ولم يتقه ويجانب سخطه وعذابه! وكيف يزعم التقوى من لا يراعي في المؤمنين إلاًّ ولا ذمة، يهين عباد الله، يكذب ويخون، يمكر بهم ويكيد، أما علم أن دعوة المظلوم تخرق الغمام، وأن ديوان المظالم لن ينجو منه ظالم في الدنيا ولا يوم الزحام!

وبعد كل هذا الطغيان والخسة يحسبون أنهم حازوا جوامع الإيمان، كلاّ! لا دين لمن لا أمانة ولا أمان له، وليس مؤمنا بحق من لا يخاف الله، ولا يتقيه، ولم يظهر جليا عليه أثر الإيمان في خلُقه ومعاملاته مع خلقه، مهما صلى وصام، ثم ظن أنه على النهج استقام.

من أشد المصائب والبلايا في الحياة الدنيا أن لا يعرف العبد ربه، فيعيش غافلا بعيدا عنه وعن مراده منه، جاهلا بقدرته وعظمته عز شأنه وجلّ ثناؤه.

لا أستوعب حقا كيف لِروحٍ أن تطمئن وتغشاها السكينة في عالم الشهادة، وهي لا تحلق عاليا في عالم الغيب ولا تسبح في ملكوت الله، بل وصِلَتها مقطوعة ببارئها! أي جفوة وغربة تلك تتخبط في غَياباتها!

برأيي ذلك أقصى وأقسى الحرمان، وبلوى ما بعدها بلوى، فلا يمكن تصور حجم الشقاء الذي يحلّ بمن حُرم أنوار المعية والعناية الإلهية، جاهل جهول، عن مآله والمصير لاهٍ غافل، ركَن إلى الفانية، فطغى واستغنى، وهو العبد الفقير الضعيف، جهل قدرة القهار الجبار، لم يدرك حقيقة الحياة الدنيا وعلة وجوده فيها، فتراه لا يدخل الآخرة في حساباته، يمضي لدنياه ومطيّتُه فيها إبليس والهوى، جاعلا إياها كل غاياته ومنتهى المقاصد.

أكاد أجزم أن من كانت همته دنيّة أرضية، وروحه غير موصولة بالسماء، هو ميت يزاحم الأحياء!

غارق هو في جحيم الجهل والبعد عن رب البريات، فلا حياة لقلب لم تخالطه بشاشة الإيمان، لم تُنِره معرفة الله، ولم تشرق بين ثناياه أنوار محبته والأنس به جل في علاه، فتلك جنة الدنيا التي عاش فيها العارفون بالله، وحدثونا عنها، فوصفوا لنا جمال أحوال مقامات العُبّاد الزّهاد، الذين أكرمهم الوهاب، فصارت أرواحهم تتقلب في نعيم عظيم، لا يقايضونه، ولو عرضت عليهم الدنيا بأسرها!

كيف لا وقد ذاقوا لذة وسعادة لا تعادلها كل ملذات وسعادات الحياة الدنيا، إنها لذة القرب والأنس بخالق الأكوان، ولهج القلب واللسان بذكره على الدوام، تلك هي جنة الدنيا والنعيم المعجل لأولياء الله من الصالحين، الذين اصطفاهم بمحبته ورضاه.

معرفة الله والأنس به حياة للقلب وسعادة لا تضاهى..

 من دخلوا جنة القرب وذاقوا نعيمها، في الحياة الدنيا هم وحدهم الأحياء، وأولئك حقا هم السعداء.

***

بقلمي: زينة لعجيمي - الجزائر

 

البشرية أمضت القرون السابقة وللقلم فيها سيادة ودور فاعل في صناعة الأحداث والتطورات، وما أن بدأ القرن العشرون بالأفول، حتى أخذت تزحف "الكي بورد" لتنافس القلم وتبعده عن سوح الحياة اليومية، وأضحت الأصابع تضرب على مفاتيحها، وسيتناسى أبناء الأجيال القادمة إسم القلم، وسيجهلون كيف يكتبون به .

أمامي كومة من الأقلام التي أخذت تفقد قيمتها ويضمحل دورها، لأن أصابعي تعوّدت الضرب على مفاتيح "الكي بورد"، وللقلم دور أقل في التعامل مع الورق، بل وريما ستحتار أصابعي في المستقبل كيف ستمسك بالقلم!!

هذا حال جيل القلم والورق، فكيف سيكون حال أجيال " الكي بورد"؟!!

كم منا يمسك بالقلم مثلما كان من قبل؟

إن مدة كتابتنا بالقلم تميل للإضمحلال والتلاشي، وتجذبنا الشاشة فننفر من الورق!!

فهل يمكن القول "رحم الله القلم"؟

إنه عصر التكنولوجيا الإليكترونية وما بعدها، وعصر الذكاء الإصطناعي الذي سيستحوذ على عقولنا، وسيستعبدنا.

فإلى أين ستمضي البشرية؟

قد يقول قارئ أن هذا نوع من الإسفاف البعيد، والتوهم الشديد، غير أن وقائع الأيام المتحركة على صفيح ساخن، والمتفاعلة مع عالم طاحن، تخبرنا بأن التبدلات ستتفوق بسرعتها الإنجابية على أي كينونة في كوننا الملتهب الدوّار.

ستغرق البرايا في بحر النون، وستفقد بصرها العيون، وسيصاب القلم بالجنون، وستنطلق العجائب والظنون، وستتحول الأماكن إلى سجون، ولن يعرف البشر إلى أين يسير وكيف يكون!!

إنها رقصات إبداعية على حافات التغيرات الإبتكارية، في زمن يتمادى بالحرية، والعقول الذكية، الطامحة إلى الكواكب العلوية.

فكل مَن عليها كان، وفي الإمكان أحسن مما كان، فهل سينتصر على نفسه الإنسان؟!!

قلمٌ ضاعَ بعَصرٍ إحْتوى

جوهرَ الأفكارِ والعقلُ اسْتوى

كلّ يومٍ بجَديدٍ طالعٍ

لا بقرنٍ أو بعقدٍ إنْضَوى

أضْحَتِ الأحقابُ برقاً خاطفاً

أو كطيرٍ نحوَ ماءٍ قد هَوى

***

د. صادق السامرائي

استنادًا لدراسات غربية؛ الصيام بأشكاله المختلفة، بما فيها الصيام الجاف المتقطع في رمضان، يدعم الذاكرة والتركيز، ويحسن الحالة المزاجية، ويزيد من قدرة الدماغ على التكيف مع المتغيرات والضغوط، ويعزز من طاقة الجسم بالكامل، وهذه الأمور الإيجابية لا تحدث إلا بالحصول على ساعات نوم مشبعة خلال الليل، وبوجود التزام بالأكل الصحي

توصل استطلاع تم إجراؤه عام 2025، بواسطة المركز الوطني لاستطلاعات الرأي إلى أن 28 % من الصائمين لا ينامون ليلاً في رمضان، وهو يفسر أسباب الكسل والخمول وتراجع الإنتاجية في الشهر الفضيل، وأشار الاستطلاع إلى تغير العادات اليومية في المجتمع خلال شهر الصيام، وذلك فيما يخص أنماط النوم والأكل والمشاهدة التلفزيونية، وعن توقيت النوم، أكد 33 % من المشاركين أنهم ينامون ثلاث ساعات ليلية لا أكثر، أو ما بين الساعة الواحدة والثالثة فجرا، وهم يمثلون الأغلبية، و43 % يفضلون تناول إفطارهم دفعة واحدة، بعد أذان المغرب وقبل الصلاة، والنتيجة معروفة بطبيعة الحال، والمفاجأة أن 53 % لا يشاهدون التلفزيون إطلاقا، ونسبة المشاهدة في فترة السحور لا تتجاوز 11 %، وفي الإفطار تقف عند 2 %، والمعنى أن ما يعرف بالبرايم تايم، أو الوقت الذي تقفز فيه أرقام المشاهدات إلى ذروتها، ربما كان موجودا في مكان آخر كالسوشال ميديا، أو منصات البث الرقمية

نظام العمل يخفض ساعات العمل في رمضان ، ولكنه تقليص غير مؤثر، فالثابت أن الإنتاجية تكون في أدنى مستوياتها أثناء الصيام، ولا يعود هذا إلى الجوع والعطش، وإنما إلى قلة النوم، وإلى عدم تناول معدلات المزاج كالكافيين أو النيكوتين، عند المدمنين عليهما، بالإضافة لوجود موظفين يفضلون أخذ إجازتهم في هذا الشهر، ويقدر خبراء الاقتصاد ، التراجع بنسبة 25 % في المتوسط، ولاحظت دراسة نشرت في 2016، إلى أن الدول العربية، تخسر في المتوسط سبعة أيام من الإنتاجية في رمضان، وما سبق يكلف دول الخليج خسائر اقتصادية، تصل لنحو خمسة مليارات و800 مليون دولار,, زيادة على ذلك، وجد استطلاع ثانٍ للرأي، تناول بيئة العمل الرمضانية في الشرق الاوسط، في ذات العام، إلى أن 85 % من مديري الشركات والمؤسسات الحكومية يؤجلون اتخاذ القرارات المهمة لما بعد رمضان، والمسألة تعود لأمرين، الأول ظروف الشهر التعبدية، والرغبة في تجنب الإضرار بالآخرين نفسياً أو مهنياً، والثاني لأن القرار قد يأتي في ساعة غضب أو بدون دراسة كافية، ويؤدي لنتائج كارثية لا تخدم مصلحة العمل , كما ان الإفراط في تناول الأطعمة والسكريات بأنواعها، وما تحتويه من سعرات حرارية مرتفعة، يعتبر بمثابة المحرك الأول لكل مشكلات الصيام المهنية والصحية، والمفروض أن يركز الشخص على السوائل، ما بين الإفطار والسحور، لأن 90 % من الناس لديهم دهون داخل أجسادهم، وبإمكانهم الاستغناء عن الطعام لمدة أسبوع بدون مشكلات، وفي الإفطار لا يجب تناول أكثر من مئتي ميليغرام من القهوة، ونسيناها تماماً في السحور، حتى لا يشعر الشخص بالجفاف والعطش أثناء الصيام

الصيام موجود في معظم الديانات، وفي المسيحية يسمونه الصوم الكبير، ومدته أربعون يوما، ويمتنع فيه الصائمون عن المنتجات الحيوانية، تأسياً بصيام السيد المسيح عليه السلام، لأن اللحوم في رأيهم، تجعل الإنسان شهوانيا وثقيلا، وتمنع روحه من السمو والارتفاع، وفي اليهودية لديهم: صيام الغفران، الذي يمتد لـ25 ساعة، يمتنعون فيها عن الأكل والشرب والاستحمام والتعطر، أو لبس الأحذية الجلدية، ويستبدلونها بالأحذية القماشية أو بقدمين عاريتين، والصيام عند الهندوس يختلف باختلاف الآلهة، وأشهرها صيام الخميس لعبادة الإله: فيشنو، وصيام الاثنين لعبادة الإله: شيفا، وصيام: ايكاداشي، وفيه يمتنع الصائمون عن تناول الحبوب كالأرز والقمح، وفي البوذية التي تعتبر فلسفة أكثر من كونها ديناً، يصوم الرهبان طوال حياتهم لمدة 18 ساعة يوميا، للوصول إلى الصفاء الذهني، وبطريقة تجعل العقل يصل لمرحلة النيرفانا، أما بقية البوذيين فلا يصومون إلا في أيام اكتمال القمر.

اللافت هو وجود شركات في أميركا تلزم موظفيها بالصيام لزيادة الإنتاجية، واستنادا إلى الدراسات الغربية، فالصيام بأشكاله المختلفة، بما فيها الصيام الجاف المتقطع في رمضان، يدعم الذاكرة والتركيز، ويحسن الحالة المزاجية، ويزيد من قدرة الدماغ على التكيف مع المتغيرات والضغوط، ويعزز من طاقة الجسم بالكامل، وهذه الأمور الإيجابية، لا تحدث إلا بالحصول على ساعات نوم مشبعة خلال الليل، وبوجود التزام بالأكل الصحي، وتوصلت دراسة خليجية تم نشرها في 2023، إلى أن الإنتاجية في رمضان ترتفع بنسبة 66 %، عند الأخذ بنظامي العمل المرن والعمل عن بعد،

***

نهاد الحديثي

لم يكن رمضان مجرد امتناع عن الطعام والشراب فحسب، بل هو انتقال مدرك وواع من مستوى العادة اليويمة التي يعيشها الناس إلى مستوى العبادة والتقرب لله عز وجل، ومن دائرة الجسد إلى آفاق الروح الصافية، ومن الفوضى إلى الانضباط والالتزام. إنه موسم إيماني تتكامل فيه الأبعاد المختلفة والمتعددة الصحية، النفسية، الاجتماعية، التنموية والاقتصادية، ليخرج الإنسان منه أكثر نقاء وطهارة، وأقوى إرادة، وأصفى روحاً.

فقد قال رسول الله ﷺ فيما أخرجه البخاري ومسلم" كل عمل ابن آدم يضاعف… إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به… وللصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه". وهنا تكمن عظمة الصيام؛ عبادة سرية بين العبد وربه، تربي الإخلاص القلبي الذي يتوجه عباداً لله سبحانه وتعالى، وتنمي المراقبة الذاتية، وتحرر الإنسان من أسر الشهوة المكبلة للفرد والجماعة والعادة إلى عبادة إيمانية خالصة.

البعد الصحي: إعادة ضبط الجسد وتهذيبه

إن الصوم ليس حرماناً، بل تنظيم ذكي لدورة الأكل والشراب والطاقة. لقد أثبتت الدراسات الحديثة حول الصوم المتقطع – المشابه لصيام المسلمين – دوره في: تحسين حساسية الإنسولين وخفض مخاطر السكري. تقليل الالتهابات المزمنة. دعم صحة القلب والشرايين. المساعدة في خفض الوزن وضبط ضغط الدم. تحفيز عمليات “الالتهام الذاتي” (Autophagy) التي تسهم في تجديد الخلايا.

كما أن تقليل الإفراط في الطعام يريح الجهاز الهضمي ويمنحه فرصة للتعافي والشفاء. وقد أرشد النبي ﷺ إلى الاعتدال بقوله:  " ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطن… فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" (الترمذي).

ولا تقف الفوائد عند ذلك، بل تشير أبحاث حديثة إلى أن الصوم المنتظم قد يسهم في تقليل عوامل الخطورة المرتبطة ببعض أنواع الأورام، وتأخير مظاهر الشيخوخة المبكرة، ودعم وظائف الدماغ، بما قد يحد من تدهور الذاكرة مع التقدم في العمر.

البعد النفسي: تهذيب المشاعر وتقوية الإرادة

فالصيام مدرسة انضباط داخلي. فحين يمتنع الإنسان عن المباحات طواعية ورغبة منه، يتعلم التحكم في رغباته وانفعالاته. قال ﷺ: " فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق… فإن سابه أحد فليقل إني صائم" (متفق عليه).

إنها رسالة نفسية وتنموية عميقة: أن الصوم ليس جوعاً وعطشاً فحسب، بل تدريب على إدارة الذات بكل توتراتها وانفعالاتها كالغضب والنرفزة والضغوط التي يتعرض لها، وضبط اللسان بكل ما يصدر عنه، وتهذيب السلوك وفق قواعد وضوابط أخلاقية وقيمية. وهو علاج عملي لكثير من العادات السلبية التي ينتهجها العديد من الصائمين، كالتدخين والعصبية والاندفاع والعنف والغيرة والحسد والبغضاء وغيره. كما أن الصوم يعزز الطمأنينة الداخلية والسلام الذاتي، إذ يرتبط بزيادة التأمل والذكر والدعاء والصلة، مما يخفف مستويات التوتر والقلق والاضطراب الذي يمس الفرد ويصيبه. ولعل في قوله تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ الرعد: 28 ، فهذه دلالة واضحة على أن الروح إذا مارست العبادة والتقرب لله عز وجل بإخلاص وتبتل هدأت اضطرابات النفس وثورتها وهيجانها وتخلت عن هفواتها وضعفها وتحلت بكل أصناف الممارسات الإيجابية والفائدة والخير النافع.

البعد السلوكي: صناعة الإرادة والصلابة

ينمي الصيام مهارة الصبر، ويدرب النفس على احتمال المشقة والتعب. فالإنسان الذي ينجح في ضبط رغباته الأساسية، يصبح أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة وصعوباتها. وتشير الدراسات النفسية إلى أن قوة الإرادة مهارة قابلة للتدريب والصقل، والصيام أحد أعظم ميادين هذا التدريب السنوي المكثف الذي يستمر إلى ثلاثين يوماً. قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ البقرة: 183، والتقوى هنا ليست شعوراً عابراً، بل حالة وعي دائم ينعكس على الفكر والقرار والسلوك.

إدارة الوقت والانضباط

رمضان يعيد تشكيل علاقتنا بالوقت؛ من خلال الالتزام بمواقيت دقيقة للسحور والإفطار والعبادة. وهو فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وتقليل الهدر، واستثمار الساعات فيما يعود بالنفع الروحي والدنيوي والآخروي. فالصائم الحقيقي لا يعيش الفوضى، بل يتعلم التوازن بين العبادة والعمل والأسرة والراحة. وهنا يتحقق التكامل بين “الساعة” (تنظيم الوقت) و”البوصلة” (القيم والاتجاه).

البعد الاجتماعي: روح العطاء والوحدة

إن رمضان موسم الكرم والتكافل الاجتماعي والتواصل. قال ﷺ: " من فطر صائماً فله مثل أجره" (الترمذي). ويتحول الصيام من عبادة فردية إلى حالة تضامن جماعي؛ حيث يشعر الغني بحاجة الفقير، ويتجدد التواصل بين الأرحام والأقارب والأحباب، وتتقوى روابط المجتمع. وتتماسك لحمته وأواصره، إنه شهر تتوحد فيه الأمة في شعيرة واحدة، رغم اختلاف الأعراق والثقافات والتقاليد، في مشهد حضاري يعكس روح الأخوة الحقة والرحمة.

التربية الإيمانية للأبناء

فقد استثمر الصحابة رمضان في تربية أبنائهم على الصبر والانضباط منذ الصغر. فكانوا يعودونهم على الصيام تدريجياً، ويشغلونهم باللعب حتى يتموا يومهم. إنها تربية عملية على التحمل والمسؤولية وتنمية للصغار حتى يكونوا كباراً، وغرس مبكر لقيمة الالتزام والانضباط.

البعد الاقتصادي: ثقافة الترشيد

من المفترض أن يكون رمضان شهر اعتدال في الإنفاق، لكنه يتحول أحياناً إلى موسم إسراف وتبذير. والحكمة تقتضي إعادة توجيه الفائض نحو الصدقات وكفالة المحتاجين والفقراء والمعوزين، فالسعادة الحقيقية ليست في كثرة الاستهلاك، بل في معنى العطاء والبذل.

خلاصة: فرمضان ليس موسماً عابراً، بل دورة سنوية لإعادة تأهيل الإنسان جسدياً ونفسياً وروحياً وتنموياً واقتصادياً، فهو فرصة للتجديد الشامل، وبناء الإرادة، تنقية النفس،  تهذيب السلوك، وتعميق الصلة بالله عز وجل وإدامه التعبد له. من صام بوعي وفهم وإخلاص، خرج من رمضان أقوى جسداً، وأهدأ نفساً، وأكثر وعياً وأصفى قلباً، وأكثر إنتاجية وقدرة على مواجهة الحياة بثبات واتزان وتعقل بنفس راضية مطمئنة.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

6-3-2026

في الذكرى السنوية لاستشهاد القائد الشيوعي سلام عادل

 وا حسرتاه

على ما اصاب (لكش)

وكنوزها

ما اشد ما يعاني الاطفال من بؤس!

أي … مدينتي…!

متى تستبدلين الوحشة بالفرح؟.

تنجي رامو/ شاعر سومري

مرة اخرى ساتحدث عن فصيل الاعلام الجديد، المكون من كوادر حزبية معروفة على الصعيد الاعلامي العراقي والعربي، عملوا ويعملون في مؤسسات اعلامية مختلفة ونشروا لهم كتبا ومقالات ومطبوعات ابداعية في صنوف الابداع العربي في اكثر من بلد عربي، وفي اكثر من اختصاص وموضوع. وفي حضورهم بشائر العودة الى الوطن، والتعرف من جديد على الاوضاع من الداخل ودون انتظار او تفرج من بعيد، رغم ان ظروف الجغرافية والصراع السياسي قد تبعد المكان حتى من موقعه الجغراسياسي، ولو كان موضع جدل.

فجاة دب نشاط وجلبة… انصار معروفون باسمائهم العلنية الصريحة التي كانوا يكتبون بها، وينشرون في الصحافة العربية واحيانا بجانب صورهم الشخصية… دخلوا باسماء حركية انصارية، اكثرها كعادة ابناء المنطقة او الفصائل الفلسطينية تبدا بكلمة ابو، وباختلاف بسيط في اسم الابن الاول او الثاني او الغائب الدائم. وتوزعت الغرف الطينية الاعداد اولا، وانتشرت السرج والفوانيس واشكاليات توفر النفط والحصص وتوزيعها وواجبات المتابعة والاطلاع والاستماع لما يحصل من جديد على الارض، في المقرات وفي الساحات الاخرى، وتبادل للزيارات بين الفصائل والمقرات الاخرى، للحزب او الاحزاب الحليفة والصديقة. وجولات اعلامية مصاحبة وافكار متعددة في اعادة بناء مؤسس لمهمات الاعلام والتعبئة في تلك الظروف والصعوبات المتوقعة او المفاجئة.

في محاضراتي عن الشهيد سلام عادل، التي جاءت متسلسلة بعد محاضرات عن الرفيق فهد وعن تاريخ الحزب لاعضاء في المكتب السياسي، تركزت على حياته النضالية والفكرية. من ولادته ودراسته الاولية وتعدد مواهبه وانتمائه الحزبي وزواجه، ومن تسلمه مواقع القيادة في الحزب والعمل السياسي، وحتى ايام استشهاده البطولي. كنت قد التقيت شقيق زوجته، الرفيق ابوليلى، نزار ناجي يوسف، وانا اتحدث معه عنه وهو باعتزاز واجلال كبيرين ينقل لي قصصا عما سمعه وقراه عنه، ولخص لي ما ورد في كراس صدر عن الحزب في الخارج بعد استشهاده ممجدا حياته، وعن مقالات هنا وهناك في الصحافة الحزبية عنه او افتتاحيات في ذكراه. وكنت اسجل كل ما احصل عليه، و بجراة الباحث، بعد ان حصلت على/ وتوثقت من كثير من المعلومات التي جمعتها عنه والتي اعرفها مسبقا من قراءات ومساهمات سابقة، ان احاضر عنه امام من عاش معه او عرفه عن كثب او عمل تحت قيادته، واتحاور معهم واناقشهم عنه. ورغم بعض ملاحظات من هنا ومن هناك ليست باتجاه ما حاضرت فيه، ورغم حساسية بعض المواقف عنده وفي ظروف حساسة الان، في زوايا الجبال، فقد انتقد نشاط وسلوك بعضهم ممن كانوا يحملون ميولا قومانية وانفصالية وهم في قمة حزب شيوعي، وما زالوا كذلك او من تاثر بهم وظل في القيادة منتخبا في المؤتمرات والكونفرنسات الحزبية بدون منازع. المهم هنا وانا اتحدث عن بطل من هذا الزمان العراقي، عن ماثرة قدمت اغلى ما لديها من اجل مبادئها وحزبها وشعبها، فبالتاكيد بكل هذه المواصفات والمواقف تبقى شخصيته منارة هادية والمهم هنا حتى من الاخرين الذين لديهم اختلافات معه ومهما اختلفوا معه او حملوا عليه من ايام ماضية ما ليس لصالحه تسابقوا في التصريح ببطولته والاستشهاد بها عبرة ومثالا.

بعد الجولة في عدد من الفصائل كنت اسجل كل الملاحظات التي اسمعها واغربلها مدققا فيما اكتبه عنه، وما يسجل صفحات من تاريخ تلك الماثرة وذلك الحزب والنضال الشيوعي العراقي. وفي كل مرة كنت اناقش الرفيق ابا ليلى واستشير الرفيق ابا ابراهيم، واعيد السؤال والاهتمام واتحاور باكثر من موضوع ودرس راهن ومستمد من الخبرات الماضية. وفي مرة دعتني الرفيقة ام ابراهيم للبقاء بعد انتهاء السجال الاعتيادي، بطريقة احسستني بان وراء الدعوة شيئا ما، حيث اكون في كثير من المرات معهم واعمل مع الرفيق في كتابة مواضيع ومناقشة قضايا حزبية وفكرية لاعداد مجلة الحزب الداخلية.. وهذه المرة كنت متعبا حقا، حيث انقضى النهار كله في اعمال متواصلة، من بينها نقل حطب وتكسيره وتوزيعه وقد شملتهما حصة منه، زادت هذه المرة عن سابقاتها، حيث قلت لهما وانا اضرب الفاس بالخشب اليابس، كل قطعة تتجه صوبكم تكون من حصتكم، وفعلا يحصل صاحب النوايا الطيبة في احيان كثيرة مربحا كبيرا، حتى من الخشب، المهم جدا في تلك الظروف والصعوبات والضرورات. وتساءلت بعد ذلك، وانا بحاجة الى راحة قليلة، وعرفت انها طبخت مساء ذلك اليوم بامية، وارادت ان اشاركهما بها، فوافقت بدون تردد او اعتذار، فقد جاءتها هدية من عائلة صديقة، والبامية في كردستان، وكذلك في خارج العراق، هدية حقيقية، وكانها بضاعة عراقية صرفة، ونادرة ولا تاكل الا من الشعب العراقي، فيحن لها او يحن لطبخات امه او زوجته او اخته او.. ويتذكر الجلسات العائلية والموائد العامرة والباميا ايضا. وتعشينا في غرفة أبي ابراهيم بامية دون نقاشات سياسية هذه المرة.

***

د. كاظم الموسوي

...............

* فصل من كتابي: بشت آشان.. فصيل الاعلام، يوميات نصير في كردستان العراق، دار خطوات للنشر، ط 1، دمشق 2007.

 

الكتابة تعبير عن فكرة تريد التفاعل مع الواقع الذي تنطلق فيه، ولكي تتحرك بكامل حريتها وطاقتها، عليها أن تتخلص من الثقل الشخصي لكاتبها.

وفي واقعنا الثقافي أن المنشور يكون محملا بشخص كاتبه، ومتماهيا مع أناه فلا يمكن الفصل بينهما.

ولهذا ما أن تتعرض للفكرة المطروحة حتى تجدك أمام سَوْرة إنفعالية سلبية ذات درجات متباينة من العدوانية.

فالذي ينشر يتوقع مديحا وأكاذيبَ ومجاملات، ولا تعنيه فكرة المقال بل شخصه العالي المتعال.

وهذا ينطبق على الجنسين وبدرجات متنوعة بعواطفها وإنفعالاتها وردود أفعالها، التي ترى ما تتصوره لا ما تقرأه أو تتفحصه.

فإذا تفاعلت مع أي منشور تجد صاحبه قد إستجاب لكلمة ما قدحت فيه ثورته الإنفعالية أو ثؤرته.

فكيف تجرؤ أن تتحرش بما هو مكتوب، وصاحبه يرى أنه سيد العارفين ومن العلماء الحاذقين، الذين علينا أن نحيط ما يكتبونه بهالة التقديس الوهمي الفتاك؟

هذه السلوكيات تدفع إلى عدم بذل الجهد للنظر بالمنشور، ولذلك تكون نسبة القراءة متدنية، ويتحقق الفشل في صناعة التيار الثقافي القادر على التقدم والتغيير.

فالحالة السلوكية اليائسة مهيمنة على الواقع الثقافي، خصوصا في زمن النشر السريع والغير مقيد بشروط، ولا خاضع لمعايير التحرير وحسن الإخراج والتنوير.

ومن هنا فمَن ينشر مقالا أو نصا يحسب نفسه كاتبا أو شاعرا أو أديبا وغير ذلك، بل أن إطلاق المسميات البراقة والألقاب على الآخرين صارت من أساليب إستعباد الأدمغة وزيادة أعداد القطيع.

وفي هذا الخضم الخالي من القدوة الثقافية الحَسنة، والنفوس الإنسانية السامية، تجدنا نتحرك في قيعان المستنقعات المتعفنة التي تمحقنا وبلا إستثناء.

فهل لنا أن نتعلم كيف نطرح الأفكار ونفاعلها، ولا ننتمي إلى ما نكتب وكأنه يمثلنا ويجسد ذاتنا، فالفكرة طاقة حيوية تريد التواصل والتطور والنماء.

إنها مثل الوليد الذي يترعرع في أحضان أمه، ليخرج منطلقا وفقا لإرادته وما فيه من القدرات والطاقات، ولا يمكن للوليد أن يتماهى مع أمه وأبيه إلا في حالات نادرة وشاذة، وبهذا تتواصل الحياة بتنوعاتها ومعطياتها المتلاقحة!!

كتاباتٌ بها الأفهامُ حارتْ

تُداهِمُنا بأفكارٍ تداحَتْ

كأنّ يَراعها يُسقى بجَهلٍ

وأنَّ حُروفَها مِنْ بيتِ سادَتْ

وضوحٌ في عِباراتٍ سقامٌ

بإبْهامٍ وغامِضَةٍ تَبارتْ

***

د. صادق السامرائي

حين يحكم العالمَ الحمقى، تصبح الكلماتُ جريمة، ويُصبح الصمتُ فضيلةً ترتعد من الخوف. حين يحكم العالمَ الحمقى، ينام الأطفالُ على بطونهم الفارغة ويستيقظون على أناشيد الحرب. يُدرَّسون الجغرافيا بخرائط لا تعترف باللاجئين، ويُطلَب منهم أن يرسموا الوطن. بالألوان التي لم يرَها أحد.

حين يحكم العالم الحمقى، يُصبح الحاكمُ بطلاً إن صرخ، ويُصبح الشاعرُ خائنًا إن بكى. تُصبح العدالة إعلانًا تجاريًا، وتُوزَّع الحقيقة مثل الرصاص:

عشوائيّة، غير دقيقة، وتقتل الأبرياء أكثر مما تصيب الهدف.

حين يحكم العالمَ الحمقى، تتحوّل السماء إلى شاشة، تُبثّ منها أكاذيب الأنبياء الجدد، وتمطر القنابل بدل المطر. يسمّون المجازر "حملات"، واللاجئين "أرقامًا"، والكوارث "تكاليف جانبية"، ثم ينحنون بخشوعٍ أمام مؤشرات البورصة.

حين يحكم العالمَ الحمقى، تُقطع الأشجار باسم التنمية، ويُسمّم الهواء باسم التقدّم، ويُصلب الحبّ على أبواب المدن لأنّه "ضعفٌ" في زمنِ الآلات الحديدية.

أيّها العالم، هل تسمع نفسك؟ هل ترى وجهك في المرآة. أم في شاشة؟ هل تعرف كم طفلًا فقدَ أمه هذا الصباح لأنّ أحد الحمقى ضغط على زرّ… وهو يحتسي قهوته؟

نحن لسنا أعداء، نحن أبناء العدم ذاته، نحن نسير حفاة على جلد الأرض، نحمل رغيفًا، وحلمًا، واسماً مهددًا بالمحو. نحن، الذين لا نملك طائرات، ولا قنابل، ولا حدودًا نرسمها بالدم، نقول لكم:

ارحلوا. ارحلوا عن كراسيّكم، عن خطاباتكم، عن صدورنا. لقد سئمتنا الحروب، وسئمنا ارتداء أقنعة الموت كلّما أردنا أن نحبّ.

حين يحكم العالم الحمقى، تولد القصيدة سيفًا من نور، لا يُسفك به دم، بل تُشقُّ به الظلمات. ونحن ـ الذين نكتب الآن من قلب الدخان ـ ما زلنا نؤمن أن الإنسانية لن تركع طويلًا. وأن الزمن، مهما تأخر، سيعود إلى أصحابه.

***

بقلم: كريم عبد الله

بغداد - العراق

 

في مجتمعاتنا، كثيراً ما نسمع قصص شابات وشباب لم يُكتب لهم النصيب، فانفصلا الطريقان رغم المحبة والتفاهم. والأكثر إيلاماً أن تتكرر القصة مع رجال ونساء مرّوا بتجربة زواج سابقة، ثم يجدون من يشاركهم القسمة والتقارب والانسجام، لكن تقف أمامهم ظروف اجتماعية أو عائلية تحول دون إتمام الزواج.

هذه الظاهرة لم تعد حالات فردية، بل أصبحت قضية تستحق نقاشاً موضوعياً ومسؤولاً، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو النظرة الضيقة. فالرجل أو المرأة المنفصلان ليسا أقل استحقاقاً للسعادة، بل ربما يكونان أكثر نضجاً ووعياً لمعنى الشراكة ومسؤولياتها.

أبرز التحديات التي تعترض طريق هذه الزيجات تتمثل في:

رفض بعض أفراد الأسرة بدافع الخوف أو العادات المتوارثة.

تحفظ الأبناء خشية تغيير نمط حياتهم أو شعورهم بالغيرة.

نظرة المجتمع التي قد تضع قيوداً غير مبررة على الزواج الثاني.

القلق من التجربة السابقة وما خلفته من آثار نفسية.

غير أن هذه العقبات، مهما بدت كبيرة، يمكن تجاوزها بالحوار الصادق، والتفاهم، وتغليب مصلحة الاستقرار النفسي والعاطفي على الاعتبارات الشكلية.

تشجيع الزواج بين المطلقين أو الأرامل، حين يتوافر التفاهم والاحترام، ليس ترفاً اجتماعياً، بل هو:

حماية من الوحدة والعزلة التي قد تؤثر سلباً على الصحة النفسية.

تعزيز لقيمة الأسرة بوصفها مؤسسة قائمة على المودة والرحمة.

توفير بيئة مستقرة للأبناء حين يُدار الأمر بحكمة وشفافية.

رسالة إنسانية بأن لكل إنسان فرصة جديدة في الحياة.

إن الزواج ليس حكراً على عمر أو تجربة معينة، بل هو شراكة تقوم على التوافق والاحترام المتبادل. وعندما تتوافر هذه الأسس، يصبح من الظلم أن تُجهض العلاقة بسبب ضغوط خارجية

المطلوب اليوم خطاب اجتماعي أكثر انفتاحاً، يُعيد النظر في بعض المفاهيم التقليدية لكونها مطلقةً او مطلق ، ويضع مصلحة الأفراد واستقرارهم في المقدمة. كما أن دور الأهل ينبغي أن يكون داعماً ومرشداً، لا عائقاً أو رافضاً دون مبرر منطقي.

أما الأبناء، فالحوار معهم بصدق وطمأنتهم بأن مكانتهم محفوظة، كفيل بتخفيف كثير من المخاوف. التجارب أثبتت أن الاحترام والوضوح منذ البداية يختصران طريقاً طويلاً من التوتر.

الحياة لا تتوقف عند تجربة فاشلة، ولا ينبغي أن يُحكم على إنسان بالبقاء أسيراً للماضي. لكل رجل وامرأة الحق في أن يمنحا نفسيهما فرصة جديدة، ما دام الاختيار قائماً على القناعة والاحترام.

تشجيع هذه الزيجات هو تشجيع للحياة ذاتها… للحب الناضج، وللاستقرار، وللشجاعة في مواجهة التقاليد حين تعيق السعادة. فالمجتمع الذي يفتح أبوابه للأمل، هو مجتمع أكثر تماسكاً وإنسانية

***

خليل الحلي - رئيس تحرير صحيفة العهد

لست بصدد مناقشة نظرية الثقوب السوداء أو نظرية الكم أو لإثبات أن الشيء يمكن أن يكون موجودا في مكانين في وقت واحد عندما يغيب الزمن ويفقد المكان قيمة ارتباطه به ويتحول كل ما في الكون إلى وجود طاقوي فحسب.

والبشر رغم مادية الوجود ومعالم المكان، فانه طاقة ووجود متحرك في فضاءات يحيطها الغلاف الجوي الأرضي ويضغطها بقوة، قد تستخرج غضبها وإنفعالاتها وتحولها إلى ثقوب سوداء لا تعرف الضوء من شدة الضغط، الذي يتسبب بإرتفاع درجة الحرارة وإقتراب المفردات المضغوطة من بعضها، مما يدفع إلى إحتكاكها وزيادة الحرارة المنبعثة منها، والتي تزيد في الأجواء الإختناقية داخل الصندوق الأرضي المضغوط وفوق سطح الأرض، التي تغلي في أعماقها وتتلاطم أمواج بحارها ومحيطاتها وتهيج، فتصنع سونامي وبراكين متكررة وزلازل لا ترحم البشر بل تبتلعه وكأن الأرض تجوع فتلتهمه.

الأرض تدور وهي ليست ثابتة، بل تغلي كالقدر الذي يفور وتئز من شدة الحرارة التي يسببها الضغط الجوي وحرارة الشمس التي تبعث الحياة والموت معا.

والأرض تحاول أن تحني ظهرها من كل الآتيات من فضاءات الأكوان، لكنها قد تُصاب بالتعب والحزن والكآبة والقلق وقد تقرر الإنتحار ذات يوم.

وإنتحار الأرض بسيط إذ تحتاج للتوقف عن الدوران بضعة ساعات فقط، هذه الساعات كافية لمحو الحياة من على ظهرها لأن نصفها سيتحول إلى جحيم ونصفها سيكون في زمهرير الفناء الأكيد، فتتحول إلى وجود صامت حالها حال الأجرام الأخرى في المجموعة الشمسية التي تنتمي إليها.

وبما أننا نعيش عليها فان أخلاقنا من أخلاقها وسلوكنا من سلوكها، والكثير منا يعاني من أوجاع الضغط الجوي ويصاب بالغثيان من شدة دورانها وعدم مثولها إلى الراحة.

فالأرض تدور من أجلنا لكنها تصاب بالكثير من أضرار الدوران.

القِدر الأرضي يغلي ونحن في مائه نفور ونتحول من حالة إلى أخرى، نبدأ من التراب ونعود إلى التراب، وما بين التراب والتراب حالة فعالة ومعبرة عن صوتها وإرادتها في تحقيق الكثير من رغباتها وسعيها للبقاء والخلود في جسد الكون المتنامي.

ومن على سطحها امتلكنا القدرة على أن نبصر مجموعات شمسية في أعماق الكون وأدركنا الثقوب السوداء، والتي هي عبارة عن نقاط إرتباط بين الأكوان يُلغى فيها دور الزمن، ويتحقق الوجود الشامل في أكثر من مكان في جسد الكون المتمدد إلى حيث يشاء الله.

وبرغم هذه الثقوب الكونية السوداء التي أعيت الناظرين إليها وأصابتهم بإضطرابات فكرية وعقائدية وفلسفية، تجدنا لا نعي الثقوب السوداء البشرية وما يعتمل في النفوس من إنحدارات وإبتلاعات هائلة، كأنها  سَوْرة مياه تبتلع مَن يدخلها وتدفنه في قاعها، الذي يتحول إلى بقعة تشفط من يدخل مجالها الشفاط المرعب.

وهكذا نحن البشر نتحول إلى حالات ظلماء وكأننا ثقوب سوداء في الأرض المبتلاة بحملنا على ظهرها والدوران بنا حول الشمس، فتقلبنا تقليبا  لكي تحافظ على أسباب وجودنا وبقائنا المتنامي.

إنها تريدنا وأظنها تتغذى علينا وتستمد طاقات الدوران من الأجساد التي تحملها، وما أكبر شراهتها وجوعها وإدمانها على أكلنا. وأحيانا تصاب بنوبات نهم شديدة فتدفع بنا إلى حروب طاحنة، لكي تأكل أجسادا طرية وتشرب دماء حارة. وأحيانا تجلب علينا الأوبئة لتحصدنا بالملايين.

الأرض لا تشبع منا فطعم أجسادنا لذيذ والأرض شرهة وبحاجة إلى طاقة لكي تدور، وهي تريدنا لأننا طعامها وسبب كل شيء فيها.

إن الأرض تموت بدوننا ونحن نموت بدونها. فعلاقتنا بها علاقة تكافلية.

وبعد هذه المقدمة الثقيلة دعونا نعود إلى ثقوب البشر السوداء، وكيف نخرج منها ونرى الحياة، ولا نريد أن نكون في مكانين في آن واحد.

نريد أن نكون مع أنفسنا وواقعنا ولا نعيش في غربة وتشرد وتشظي وإنشقاق ونحسب أننا فينا وفي غيرنا.

إن نظرية الكم النفسية والفكرية تسحقنا وتقضي علينا لأنها تحولنا إلى موجودات ذات تأثير في المكان والزمان، بل تلغي وجودنا الزماني وتحقق لنا وجودا مكانيا واسعا، وتخرجنا من حدود الذات إلى هلامية الملامح وميوعة الوجود في المكان المحدود والزمن المفقود.

النفوس البشرية السيئة العمياء هي ثقوبنا السوداء، التي تلتهم مقومات الخير والمحبة والألفة والتفاعل الإيجابي ما بين المخلوقات الآدمية.

هذه النفوس التي تختزن طاقات مروعة من الرغبات المفلوتة التي لا تعرف الإنضباط والإحترام والتواصل الرحيم مع الآخرين، وإنما هي ذات درجة عالية من العدوانية والتوحش والإفتراس، الذي يفضي إلى تفاعلات آدمية دامية ومروعة.

"أنت جرم صغير إنطوى فيك الجرم الأكبر" هكذا هو حالنا ومساحة رؤانا وتواصلاتنا اللامرئية، التي تجلب علينا الويلات وتؤسس للمعاناة القائمة على سطح الأرض منذ آلاف السنين.

هذا الجرم البشري الصغير الذي يدور في فلك النفوس المتنوعة، والتي تتحكم بحركته وإتجاهات إراداته وتطلعاته الأرضية، وتمنحه القدرة على الإنقضاض أو التداعي والإنتحار مثلما تنتحر الأجرام السماوية، وتتحول إلى هباء كوني لا نراه بعيوننا القاصرة، ولا نحن بقادرين على سماع صراخ النجوم الأجرام، التي تئن من عذابات العصر والضغط والتمدد والإنفجار، ولا نحن بحواسنا المحدودة بقادرين على فهم ما يدور حولنا من الأحداث، التي تؤثر فينا وتعيد تخليق نفوسنا وبرمجة عقولنا لكي تحقق ما تريده من خلالنا.

فنحن ندري ولا ندري ونرى ولا نرى ونسمع ولا نسمع، لأننا مكبلين بالمحدودية الخلقية التي أرادت لنا أن نعيش في هذا الفضاء ونراها وفقا لحواسنا لا كما هو، وأن نفسر ما يدور من حولنا وفقا لمحدودية قدراتنا وليس وفقا لما هو حاصل حقا، فنتوهم المعرفة ونحن في غاية الجهل واللامعرفة واللادراية والوعي.

نحن نتفاعل وكأننا ندري وفي حقيقة أمرنا لا ندري، وبرغم كل هذا الجهل العاصف فينا والأدلة الكونية والرسالات السماوية، التي تريد أن تساعدنا على فهم أنفسنا ودورنا فوق الأرض، فأننا نتعنت ونكابر ونرفض، ونحسب أننا ندري ونزداد جهلا ومكابرة وطغيانا على بعضنا البعض، ونمضي في دروب الظلام ونقرر وفقا لرؤانا مما يزيد العالم سوءا وألما، ونرى ما نفعله خيرا ومفيدا لنا ولغيرنا من الأحياء الراكضة إلى مصيرها بسرعة فائقة لكننا نراها تمشي ببطء شديد. وهكذا ترى كلا منا عبارة عن ثقب أسود متحرك في دروب المجهول، ولا هم له إلا أن يشفط ما يحلو له من المخاطر الذاتية والجمعية، ويكتنز بكل الوسائل حتى لتراه ينفجر فجأة ويقضي على ما فيه ويندس لقمة طرية في فم الأرض، الذي لا يتعب من هضم الأجساد الحية بعد أن تغادر معاقل القدرة على الحياة، وتمنح طاقتها للأرض لكي تدور وتتمتع بالحياة الكونية التي وجدت نفسها فيها، ورأت أن عليها أن تدور وتبقى في حالة غثيان دائم، لكي لا تفكر وتتحسس بل تبقى مشغولة بنفسها وبطعامها الذي يسعدها كثيرا ويمنحها مبررات الحياة الكونية السعيدة، وإلا فأنها ذات يوم ستتعب وتقرر أن تقضي نحبها وتكون هباءً كونيا يبحث عن ثقب أسود يشفطه، وينقله إلى عالم آخر قد يبدأ مشواره فيه من جديد.

إن معادلة الصيرورة الآدمية الأرضية فيها من الجهل واللاأدري الكثير، وأن دوران الأرض الدائب فينا هو الذي يمنعنا من الرؤية، ويوفر لنا ما يتجمع من طاقة الدوران من الأفكار التي ربما قد تنفعنا وقد تضرنا، وذلك يعتمد على نوع الشوائب الفكرية التي تأتي إلى الأرض، وهي في دورانها وقدرتها على تكثيفها وتحويلها إلى طاقات قادرة على الإستحواذ على العقول الآدمية، وإستخدامها لتحقيق دورها فوق الثرى.

ويبدو وجود الكثير من التسريبات الفكرية التي تهرب من أجرامها وتدفعها الثقوب السوداء بسرعة فائقة، وتعجيل مطلق يخترق غلاف الأرض ويأتي إليها ليتوطن الرؤوس ويفعل فعله بالأحياء المسجونة على سطحها، والتي تزيدها لتنقصها وتتطعم بمذاق أجسادها الدامية أو المشوية بنيران الحروب والصراعات المتواصلة.

وربما جهد البشر السلبي الذي أدى إلى خلخلة الغلاف الجوي قد دفع بالكثير من الإختراقات والجرثومية الكونية التي ستصيب البشرية بالآفات النفسية والفكرية وبالعديد من الأمراض العقلية والروحية والعضوية ويحولها إلى مستنقع من المخلوقات المترنحة من شدة الداء الذي لا تستطيع أن تجد له دواءً ناجعا.

***

د. صادق السامرائي

 

في مدينة تُباع فيها الأفكار بالكيلو، وتُعلَّق على واجهات المواقع كما تُعلَّق الأعلام الصغيرة على أعمدة الريح في يوم احتفال وهمي، هناك سوق خفي لا تُضاء مصابيحه إلا بعد منتصف القراءة، سوق يبيع ظلال النصوص النقدية بعد أن تُسحب أرواحها وتُعاد تغليفها بورق لامع كأنّه اكتشاف جغرافي جديد، لا تتفاجأ بمُتطفل، تأريخه مُرتبك مُتقلّب، مثل سيرته، أن يلعب في سيرك مدينة النقد بقراءتك لرواية أو نص شعري، وغيرها. سوق تشمّ فيه رائحة الحبر القديم والضجر العالق بين الصفحات. في هذا السوق يتجوّل لصوصُ المدينة بأحذية مصقولة من حبر مستعار، يحملون مقصات صغيرة لقص الأسماء من الجمل، يقطفون زهرة من حديقة غيرهم ثم يضعونها في مزهريتهم ويعلنون بفخر: انظروا… لقد أنبتت الربيع.

أحدهم كان بارعًا في زراعة القشور، يدفن العظم التأويلي في حديقة غيره، يبدّل لون الأوراق ويعلن موسمًا جديدًا للدهشة، يعرف كيف يُبدّل ترتيب الغرف ويبقي الجدران كما هي، كيف يحرّك النوافذ قليلًا ويترك المشهد نفسه خلف الزجاج. كانوا يسمون ذلك تناصًّا، وكأن الكلمة معطف طويل يخفي آثار الأقدام فوق التراب الطري، لكن التناص الحقيقي، لو سألت الغابة، هو أن تذكر اسم البذرة وأن تشكر المطر الأوّل، وأن تعترف بأنك لم تكن أول من سمع همس الشجرة. أما أن تقتلع جذعًا كاملًا وتغرسه في حديقتك وتقول: اكتشفت الغابة، فهذه ليست قراءة، بل عملية نقل أثاثي تحت جنح البلاغة.

في المدينة مختبرات سرية لتغيير ملامح الجمل، يحقنون الأفكار بحقنة مرادف، ويستبدلون فعلًا بفعل كما تُستبدل لوحات السيارات الهاربة، ثم يطلقون النص في الشارع واثقين أن القارئ لن يتعرّف إلى بصمته الأولى. لكن النصوص، مثل القطط، تعرف بيوتها القديمة وتعود ليلًا إلى عتباتها، تموء تحت نافذة الكاتب الأوّل وتخدش باب الضمير، لتقول له: لقد مرّوا بي مرّة أخرى، مشّطوا شعري، غيّروا عطري، لكنهم لم يبدّلوا قلبي.

يا لصوص مدينة النقد، أي مجد هذا الذي يُبنى من صدى؟ وأي بطولة تُعلَّق على جدار لم تُرفع طابوقة واحدة من أساسه بيدكم؟ إن النقد ليس مرآة تُسرق صورتها، ولا قناعًا يُستعار لليلة احتفال، بل هو مواجهة عارية بين قارئ ونص، بين سؤال وجُرح، بين ضوء يغامر بأن يكون مختلفًا ولو خالف القافلة.

سيأتي يوم تتعب فيه الأقنعة من وجوهها، وتسقط القشور عن خشبها الرخيص، ويعرف القارئ، ولو متأخرًا، أن العمود الفقري لا يتكرر صدفة، وأن الغابة التي ادّعوا اكتشافها كانت مزروعة باسم آخر في دفاتر الأمس. وحينها لن يبقى في المدينة إلا النصوص التي اعترفت بأمهاتها، والقراء الذين شمّوا رائحة التربة الأولى، والنقاد الذين فهموا أن الفرق بين التناص والاستنساخ ليس مجرد مصطلح في كتاب، بل فرق بين يد تستعير بذرة وتذكر صاحبها، ويد تقتلع شجرة كاملة وتقسم أمام الجمهور أنَّها أول من رأى الغابة.

***

بولص آدم

يعيش المسلمون أجواء شهر رمضان المبارك المفعمة بالطمأنينة والسكينة، حيث تتجدد معاني الحياة والإنسانية والعطاء، ويستحضر جميع المسلمين مقاصد الصيام السامية التي لا تقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل تمتد إلى تهذيب النفس وتزكيتها، وتعزيز قيم الصبر والتراحم والانضباط، ومع ذلك، فإن أحد أهم الجوانب التي يجب التركيز عليها خلال هذا الشهر الفضيل هو الاعتدال في الأكل والمشرب. حيث إن الاعتدال في المأكل والمشرب، لا يحمي الفرد من الإسراف فحسب، بل يسهم في تعزيز الصحة العامة، ويقي الصائم -بإذن الله- من الإصابة بأمراض العصر المزمنة المرتبطة بالإفراط في الطعام والشراب، مثل ارتفاع نسبة الكوليسترول الضار في الدم، ومرض السكري، وأمراض السمنة وغيرها من المشاكل الصحية. كما أن الاعتدال في المأكل والمشرب، يَحد من مشاكل الهضم والكسل الناتج عن الإفراط في الطعام، ويحفظ الموارد الغذائية، ويحد من هدرها الذي يشكل عبئًا اقتصاديًا وبيئيًا عظيمًا على الاقتصاد العام وعلى ميزانيات العوائل والأسر،، وباتباع مبادئ الاعتدال والاعتراف بقيمة النعمة التي أنعم الله بها علينا، يُمكن للمسلم أن يحقق الاستفادة الكاملة من الصيام كعبادة تغذي الروح والجسد معًا، وتُترجم قيم الصيام إلى سلوكيات عملية تعود بالنفع على الفرد والمجتمع على حد سواء

إن الشهر الفضيل ليس مجرد فترة زمنية نمتنع فيها عن الطعام لساعات محددة، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة تُعلّم الإنسان كيف يضبط سلوكياته، ويوازن بين إنفاقه واحتياجاته من المأكل والمشرب، بما يحقق المحافظة على النعمة ويصونها من الهدر، لكيلا ينتهي بها المطاف في صناديق النفايات، إكرام النعمة وحسن تدبيرها ليس سلوكًا حضاريًا فحسب، بل هو واجب ديني وأخلاقي يحفظها من الزوال ويجعل شكرها عمليًا قبل أن يكون قولًا.

لقد أراد الإسلام من الصيام أن يكون تدريبًا عمليًا على الاقتصاد في الاستهلاك، واستشعار قيمة النعمة، وتعزيز الشعور بمعاناة المحتاجين، ولذلك جاء التوجيه القرآني والرباني الواضحين: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا"، ليؤسس لمنهج متكامل في التعامل مع الطعام والشراب، يقوم على التوازن والوعي والمسؤولية،، فالاعتدال في المأكل والمشرب في شهر رمضان ليس خيارًا صحيًا فحسب، بل هو متطلب والتزام ديني، للمحافظة على الصحة العامة، وتجنب الهدر الغذائي

الوعي المجتمعي ضروري لتفهم الامن الغذائي، واهمية التوازن في شراء المواد الغذائية، مع التأكيد بأن الجميع مسؤول عن ظاهرة الهدر الغذائي وآثارها السلبية على الصحة والبيئة والاقتصاد، الاسرة يجب ان تفهم وتشجع الافراد على مشاركة تجاربهم وممارساتهم اليومية في حفظ النعمة وتجنب إهدارها، بما يسهم في ترسيخ ثقافة مجتمعية قائمة على المسؤولية والاعتدال

***

نهاد الحديثي

فضفضة.. أزاحت الستار عن ألم خفي

حدثتني صديقة لي عن أزمة تمر بها منذ فترة طويلة، والمؤسف أن أزمتها الحقيقية تكمن في إحساسها بعدم الأمان في بيتها!

وفي "قعدة فضفضة" حررت ما في قلبها وكسرت حواجز الصمت أخيرًا، ولكن بألم عميق تعجز كل لغات العالم عن وصفه!

"أخاف من التعبير عن أحلامي أمام والدي!"

لم تكن المرة الأولى التي أسمع فيها كلمات من هذا القبيل، فأنا كثيرًا ما قرأتها على صفحات التواصل الاجتماعي بصوت يستغيث من خلف الشاشة، ولكن فيما يبدو الآن أن الأزمة مشتركة..

الخوف والكبت والاحتياج الآدمي لأسرة متفهمة تعرف حقوقها وواجباتها فحسب.

لقد ضاعت الكثير من الأحلام في لحظة الخوف من المواجهة، وكم من أهداف قيدتها كلمة "لا" بدون أسباب منطقية!

"مش موافق".. قنبلة موقوتة أمام استقرار العلاقة الأسرية.

إن القسوة في التعامل مع الأبناء قد تدفعهم إلى سلوك لا يتسم بالانضباط، حيث تلجأ الغالبية العظمى في هذه الحالة إلى العزلة التامة، فيتخذ الطفل غرفته "حبس انفرادي" له ولأحلامه المستقبلية، وذلك ليتجنب الصدام في أي نقاش خارج حدود غرفته، وهو بدوره يصنع فجوة عظيمة لا يُصلحها الزمن!

 مما يعني أن كلمة "لا" هي الخطوة الأولى لبناء جدار يُعيق التواصل ويهدم الثقة المتبادلة في غمضة عين، والأخطر أنه يُهدد مستوى الثقة بالنفس لدى الأبناء، وبالطبع ينتج عن ذلك سلوكيات مُشوهة تؤثر على المجتمع بأكمله ولا تقف عند المستوى الشخصي فحسب.

"محفظة مليانة.. وقلب فاضي!"

كما وتعتقد بعض الأسر أن معنى الدعم يقتصر على "الماديات" فقط، المعنى الذي يضمن حماية الأبناء من ضربات الدنيا التي لا ترحم إلا أصحاب المال، ولكن للدعم قيمة أشمل وأعمق من مجرد ورقات تبتلعها ماكينات الصراف الآلي، حيث أن "الدعم المعنوي" يمنح الأبناء بطاقة عبور للحياة مهما اشتدت الأزمات من حولهم، وهو ما لا يمكن الحصول عليه إلا من خلال البيت أولًا.. فإن المال لا يشتري توازن الإنسان.. بكل بساطة!

"لوي الدراع".. الحل الأخير أمام تسلط أهل البيت!

"أنا همشي بعيد عنهم.."

وهُنا تقع الفأس في الرأس!

فبعد محاولات مريرة لفتح صفحة جديدة عنوانها "الصلح خير"، تفشل الجهود وتسلك العلاقة طرق شائكة يراها الكثيرون الخلاص الوحيد في علاقة رفضت الاستجابة لكل وسائل الإنعاش، لتكون بذلك الحرية المطلقة من تحكمات وسيطرة الأهل، ويصبح الهروب هو أنسب مشهد لتتر النهاية!

والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا لو وقع الهارب في قبضة أصدقاء السوء، أو انتهى به المطاف بالتسول والسرقة والنوم في الشوارع؟!

ربما تتضح الصورة أكثر بعد الإجابة.

صفر على الشمال..

“شوفت يا بابا أنا عملت ده كله لوحدي”-

عادي يعني، عملتي إيه جديد؟!"”=

وكذلك، فإن التصدي لأي فعل يقوم به الأبناء بلا مبالة وإهمال واضح، هي شعلة تنطلق منها حرائق الكراهية بداخل الطفل تجاه والديه.

إن عدم التقدير "شوكه" تقف في حلق أي إنسان سوي، أليس كذلك؟

الاحتقار والتجاهل و و ... ، كلها مشاعر مُهلكة لن يشعر بمدى قسوتها إلا من مر بها، وهو ما يغرس بداخل الأبناء الغلظة والجحود فيما بعد، فتجد أن بذرة الإهمال التي غرستها بقلوبهم اليوم، تنمو وتنعكس عليهم بمرور الأيام، حتى يتجنبهم البشر لكلماتهم التي تفتقر إلى المرونة واللطف وجبر الخواطر.

وإننا لو نظرنا إلى بداية المشكلة، سنجد أن أول الخيط هو أسلوبنا الفظ معهم، وهو ما يظهر وقعه عليهم بعد وقت، ويُشكل حينها التحدي الأهم: بناء شخصية خالية من عُقدة النقص.

"اوعى تغلط.. فاهم؟"

قد تدفع الصورة المثالية للتربية بنظر الآباء والأمهات إلى الضغط الزائد على أطفالهم بمسؤوليات هائلة قد تكون أكبر من مستوى استيعابهم وقدراتهم وقتها، وهو ما يجعل الأبناء في صراع دائم بين طفولتهم وما يتوجب عليهم فعله، فلا مجال للخطأ من الأساس!

بحسب معتقدات البعض، فإن "رمي الحِمل" على الأبناء في سن صغير هو ما يضمن لهم القوة والصلابة وتحمل صعوبات الحياة في سن المراهقة، وهو ما ينزعج منه الكثير من الأبناء ويجدونه كثقل الجبال، ولكن لا خيار لهم في ذلك، فإما القبول الإجباري واستنزاف الطاقة، أو إعلان العصيان الذي يلحقه "بهدلة" واتهامات باطلة بـ "الدلع الماسخ"!

وبناءً عليه، ينظر الطفل إلى أهله نظرة غضب وتمرد، و لنفسه نظرة هزيمة أمام إرادته الحرة.

سمعت إحداهن تقول: "لا أصدقاء لي، عشت عمري أبحث عن صديقة مخلصة فلم أجد، حتى فقدت الأمل في العثور على عقل يحتضن كلماتي دون ملل، وأما عن أسرتي، فلم تمنحني الصداقة التي كنت أنتظرها، كل ما وجدته هو صوت يصرخ في وجهي كلما نطقت بحرف واحد، واليوم اخترت الصمت!"

الأب، هو الصديق والحبيب الأول في حياة ابنته، وهو الملاذ  الآمن لمشاعرها وأفكارها في أهم مراحل حياتها، التي قد تكون غير مستقرة مثلها كمثل أي فتاة تمر بفترات متقلبة في تكوين عاطفتها والوعي بنقاط قوتها وضعفها.

فماذا لو لم يلعب الأب دوره على أكمل وجه في هذا الوقت المصيري؟

هي مأساة أخرى نطقت بها فتيات وقعن ضحية جفاف عاطفة الأب!

الأمر الذي يسحبها وراء تنازلات وعواقب جسيمة، نتيجة عاطفة لم تُشبع بشكلها الصحيح، بل وقد يدفعها لقبول طلب الزواج برجل في مقام جدها، وذلك لأنها وجدت به حضن الأب الذي فقدته طويلًا، والأصل في هذه الجريمة هو الأب الذي لم يفتح قلبه لصغيرته في أيام نضجها واحتياجها الطبيعي لإحساس الونس.

فما الحل؟

كل ما ذكرته هو نقطة في بحر الظلمات!

نحن نقف دائمًا في المنتصف، بين تحقيق الرغبة، أو السيطرة كي لا يفلت الحبل، ولكن القضية ليست في من ينتصر ومن يخسر الجولة، فإن التربية ليست ساحة قتال، وإنما هي علاقة صحية بين أطراف المعادلة، علاقة تخلو من القسوة والتوبيخ والرفض المطلق والتخاذل والإحساس بالغربة في بيت العيلة، علاقة واعية فحسب، تعبر الزمن من إنسان لآخر، وحينها تنجح عملية تكوين جيل لا يُعرقله ألم نفسي أو نزف جرح قديم!

الحرمان ليس علاجًا..

العنف صفعة على وجه الطفولة..

وغياب لغة الحوار تحكم على الأبناء بسجن الصمت المؤبد..

كل هذا وأكثر من منغصات العيش بمثابة خنجر مسموم يطعن أصول التربية في مقتل!

وهُنا الخلاصة: البيت هو البوصلة، فقد ينطلق منه الصلاح للأمة بأكملها، أو يوجه الإنسانية لطريق مسدود.

***

بقلم: نورا حنفي

ورد ما يشير إلى العلم في القرآن (779) مرة!!. ومن الآيات:

"هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون..."، "وقل ربي زدني علما" . "وما أؤتيتم من العلم إلا قليلا"

ومن الحديث:

"أطلب العلم ولو في الصين"، "أطلبوا العلم من المهد إلى اللحد"، "طلب العلم فريضة على كل مسلم"

"إن العلماء ورثة الأنبياء".

ومن الأقوال:

"....إن الجمال جمال العلم والأدب"، "...إن اليتيم يتيم العلم والأدب"، " العلم يرفع بيتا لا عماد له...."

" العلم في الصغر كالنقش في الحجر"، "رأس مالك علمك وعدوك جهلك".

تراثنا الحضاري يكنز الكثير الوفير من العبارات الحاثة على طلب العلم، وقدحة ثورة الدين كانت كلمة "إقرأ" التي بموجبها تفكر وتعقل وتدبّر وتأمل المسلمون، وأطلقوا طاقاتهم الروحية والنفسية والعقلية، وصنعوا وجودهم المتوهج الفياض.

فلماذا أهملنا ما عندنا، وهرولنا كالمتسولين وراء ما عند الآخرين؟

الماضي يدلنا على مميزات حاضرنا ومستقبلنا إذا هضمناه وتمثلناه، وما غطسنا في دياجيره وأنتقينا أحداثا منزوعة عن سياقها،  وغبنا في الأوهام والسرابات والهذيانات المضللة.

أين نحن من مواكب العلم والمشاركة في بناء كينونتنا العلمية وحاضرنا الإبداعي، ومستقبلنا الواعد بالمعطيات الأصيلة؟

يُقال أن قادة الأمة إنتبهوا إلى أهمية العلم في بدايات القرن التاسع عشر، وأرسلوا البعثات إلى الدول الغربية لمعرفة أسباب التقدم فيها، فكان الجواب البحث العلمي والإهتمام بالعلم، فأُعتبر بعضهم ذلك بدعة، فصار العلم بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وهكذا نام العلم في دول الأمة، وتألق في اليابان التي أرسلت بعثتها في ذات الوقت، وإستمعت للأجوبة التي تماثلت مع أجوبة بعثات أمتنا، وعملت بها فأسست دورها المعاصر الفعّال.

فأين العيب؟!!

بعلمٍ لا بجهلٍ مُرتقانا

فهلْ عَرفتْ مَناهِجَها نُهانا

علومٌ في مَواطنها انْطلاقٌ

وتَجْسيدٌ لواعيةٍ تَرانا

فصُنْ عِلما وكُنْ عَلما مُضيئا

وحاولْ أنْ تُبادلهُ احْتضانا

***

د. صادق السامرائي

العقيدة: الحكم الذي لا يُقبَل الشك فيه لدى معتقده. والعقيدة أيا كان نوعها (فردية، حزبية، دينية)، لا تصلح للجلوس على كرسي السلطة في أي مجتمع، لأنها لا تعترف بالسياسة ولا تجسدها، وتتصرف وفقا لأوهامها التي تحكمها، وتنفي وجود الآخر.

العقائدي يتحرك بناءً على ثوابت راسخة في وعيه، ويرى أنه مُحق وغيره على باطل، ولديه الحقيقة المطلقة، ولا يؤمن بدوران الأرض، بمعنى التغيير والتواكب مع معطيات الزمان المتجدد، ولديه رغبة في سحق الأجيال وتدمير تطلعاتها، والتمسك بما يراه ويفرضه بالقوة، ومَن يعارضه يكون في عداد الراحلين.

لا يوجد نظام حكم عقائدي في مسيرة البشرية تحرر من قبضة أوهامه، التي أخذته إلى مصير مشؤوم بعد أن دار الزمن وتوافدت الأجيال.

العقادي يمعن بالفساد ويرى أنه نزيه، ويمارس الخيانة ويصف سلوكه بالوطني، ويسرق أموال الدولة وحقوق الناس، ويبرر ذلك على أنه من حقه، وتعبير عن إرادة الخير الكامنة فيه، وإياك أن تعترض عليه، لأنه سيراك عدوا له، ومناوئا لمصلحة البلاد والعباد وسيرميك بما يسوّغ القضاء عليك.

والأغرب من كل شيئ، أنه يرى نفسه مسنودا من قوى خارجية، وحينما يأخذه وهمه إلى أن القوة التي معه إلهية وربانية، فعندها تقع الواقعة وتتطور الفاجعة، ويتحول إلى وحش مطلوق العنان، حتى يتسلط عليه مَن يفترسه بشراسة الضواري السابغات.

إن مشكلة العديد من المجتمعات في الكراسي العقائدية القاسية على ذاتها وموضوعها، وفقا لأوهامها التي تعميها وتسلب بصيرتها، فتمعن بالظلم وتدّعي بأنه العدل، وتعتمد على الولاء وفي طياته ما لايخطر على بالها من المفاجآت، وتمضي في حكمها كالمنومة التي تطلق ردود أفعال إنفعالية تزري بها وتعقد مشاكلها، وتأخذها إلى أتون النيران.

الكراسي العقائدية لا تؤمن بالعقل، وتفرض مناهج السمع والطاعة، ونفذ ولا تناقش، وتبقى تطارد أوهامها، حتى تسقط في مهاوي الفناء، ومَن ينظر إلى مصير الأحزاب العقائدية في بعض المجتمعات ستتضح له صورة المآسي التي أوجدتها في ديارها، وكيف جنت على نفسها ومواطنيها.

تعقّدتِ الحياةُ بما اعْتقدنا

ومِنْ وَجعٍ إلى وجعٍ مَضيْنا

سراة وجودنا وَهمٌ حَداهمْ

يُقيّدنا ويُسيّدهمْ علينا

فما ربحتْ تجارتهمْ بحُكْمٍ

بسوءِ مَرامِهمْ نَحنُ ابْتلينا

***

د. صادق السامرائي

هل ننتظرُ المعجزاتِ بقلوبٍ مرتعشة؟.. اذهب إلى الله بلا التفات

هناك يقين لا يخالطه ظن، وهناك ظن يأتي ليُربك الإنسان لكن قلبه مطمئنٌ بالإيمان. وفي المقابل فإن هناك ظن دون يقين في القلب يطمئنه ويطبطب عليه، هذا ظن مهما ظل في القلب فلا يمكن أن يصبح يقيناً. والإيمان الخالص لله لا يخالطه ظنٌ أبدًا، وأكمل الإيمان هو إيمان الأنبياء فقط.

قال تعالى: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)} [سورة الصافات].يقين وثبات وإيمان لا يخالطه شك، وقال: "إني ذاهب إلى ربي سيهدين"، ثم دعا: "رب هب لي من الصالحين". بعد خذلان قومه له وتكذيبهم ورميهم له في النار، وقف بكل ثبات وقال كلماته بكل ثقة، ودعا ربه وكله يقين بالإجابة، فبشره الله عز وجل بالأستجابة. هذا هو الإيمان؛ يقين لا يخالطه شك حتى في أصعب اللحظات، الأنبياء عليهم السلام يقفون بكل ثبات وبكل ثقة أمام كل جبار وكل طاغية، لأنهم مع الله، فلا قلوبهم تخاف ولا أرواحهم تخالطها الظنون.

مِعراج الأنبياء؛ هو يقينٌ صلد لا ينكسر أمام مطارق الشك، ومددٌ سماوي لا يدركه إلا من قطع حبال الظنون وعلق قلبه برب الأسباب. قال الحق سبحانه: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)} [سورة الشعراء].

"إن معي ربي سيهدين". ضع نفسك مكان قوم موسى؛ كنت ستخاف وتهرَب وتظن بل ستتأكد أنك مدرك لا محالة، فالجنود وراءك والبحر أمامك والطريق مسدود. فالواقع يقول أنك هالك، والظروف لا تسمح لك بالمقاومة، لكن الفلب الذي كله يقين بالله لا يتزحزح ولا يخاف من مواجه الصعاب، والإيمان الخالص يجعل القلب لا يرتاب ولا يشك بمعية ربه له. ووحدهم الأنبياء قد حازوا عليه وفازوا بذاك المدد العظيم بتصديق قلوبهم ويقينها الذي لا يتجرأ الشك والجزع من الاقتراب منها.

ثم ماذا؟ ثم جاء المدد. لم تنزل الملائكة ولم يفرق البحر من تلقاء نفسه، بل أتت الهداية الربانية لنبي الله موسى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [سورة الشعراء].

حين يكون البحر أمامك والعدو خلفك

قف أيها الحائر الجبان بعقلك، المضطرب بقلبك اللهفان؛ قف هنا وتأمل حال إيمانك ويقينك بالله. هل تدعوه بالهداية ثم تنتظر حتى تأتي إليك الملائكة ترشدك إلى الطريق؟ تخيل أن تقف بثبات أمام قومك وكلك إيمان بربك فتقول: "يا رب اهدني"، فتسمع كأن قائلاً يقول لك: "خذ عصا واضرب بها". تخيل هكذا موقف؛ سوف تتلفت حولك وتظن أنك أصبحت مجنوناً، لن تسير وراء قلبك لخوفك أن يضحك عليك قومك. ماذا سيقولون إن أخذت عصاك وضربت بها البحر أو الحجر؟ أنت لن تفعل ذلك أبداً، وإن فعلتها فستكون خائفاً من سخرية قومك لك إذا لم يحدث شيء.

هذا هو سبب دعواتك التي لم تُستجب إلى الآن، أو التي تجاهلتَ نور هداية الله لك فيها ولم تتبع سوى ظلام اليأس وخيبات ظنونك الهوجاء. عندما تدعو تأتيك الهداية من الله لتحقيق ما تريد، لكنك تتجاهل وتظن أنه لجنون أن تفعل شيئاً مخالفاً لعاداتك وتقاليدك يا قليل اليقين بربك. قلبك وجل وتريد إجابة دعواتك في عجل. راجع نفسك؛ فالأنبياء بذلوا أسباباً عادية لمعجزات عظيمة. نبي الله موسى وقف أمام فرعون وتحدى السحرة بعصا خشبية، لم يخف من السخرية ولم يلقِ بالاً لاستهزاء قومه، ولم يتزعزع يقينه بالله أبداً. ليس بالعصا، بل برب الكون كله، إنما العصا سببٌ لمعجزة عظيمة. هذا هو إيمان الأنبياء؛ لا تردد فيه ولا حيرة. يواجهون أكبر الطغاة ولو بعصا صغيرة مادام وإثقتهم بالله وبقدرته؛ فهو سبحانه بجلاله وعظمته يشق البحر لعباده المؤمنين، حتى ولو ضربوه بعصا عجفاء لا حول فيها ولا قوة لها غير أن كانت سبب لمعجزة ممتده من السماء.

فلسفة "العصا": عظمة المبدأ وبساطة السبب

لا يهم ما مدى قوة السلاح الذي تحمله، فكل ما يهم هو ما مدى يقينك بربك. هل تؤمن به يقيناً وبإجابته لدعائك فتهمس بقلبك: "إن معي ربي سيهدين"؟ ثم تشعر بتلك المشاعر المضطربة قد خضعت ولانت وسكنت، لأنه تسمع وتشعر بهداية الله لها. هل سمعت كلمة بعد دعواتك وتلك الكلمة أو الجملة تجيب على سؤال حيرك؟ أو شاهدت صورة طمأنت قلبك؟ قرأت عبارة تشبهك تماماً؟ وصلتك رسالة تطمئنك؟ كلها هداية من الله عز وجل، لكنك لا تملك اليقين الكافي لتستبشر وتوقن بأن دعواتك قد صعدت للسماء السابعة وأن الإجابة أتت إليك على شكل هداية مغلفه بأسباب عادية، وتحتاج ببذلاً لسبب ومهما كان صغيراً في نظرك أو عاديًا، فهو لن يكون أصغر من عصا موسى الصغيرة التي شقت البحر بأكمله وقسمته إلى نصفين. ولو أنزل الله إليه سيفاً في تلك اللحظة ليتأكد قومه من نبوته ما كان ليفيدهم. فلا تخشى سخرية البشر أكثر من خشيتك فوات نصر الله؛ ولا تقتلك نظرة الاستهزاء في عيونهم، فتواري يقينك خجلاً من حماقةٍ يظنونها فيك، فالأنبياء كانوا يعبرون البحار بكلمة ويشقون الصخور بعصا، ولا تلتفت قلوبهم لنباحِ من خلفهم.

هل ننتظر "المعجزات" بأقدامٍ مرتعشة؟

الإيمان الذي يرتبط بالأسباب لا يصنع معجزات، بل يأتي لك بطرق ووجهات وتيسير من كل اتجاه، لكنه لا يفتح لك طريق النجاة والهرب من الطغاة والمفسدين. لكن الإيمان بالله دون النظر للأسباب يجعل العصا تفجر الصخر عيوناً، وتفلق البحر نصفين، وتبطل سحر السحرة والمشعوذين، وكله بعصا. هل العصا بتلك القوة أم إنه الإيمان المطلق بالله؟ بل إنه الإيمان بالله، هو الذي يجعل كل ما حولك هداية وإنارة وإرشاداً.

{وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (35)} [سورة ص].

الإيمان الخالص لله في قلب المؤمن، من الطبيعي أن يطرأ عليه ظناً، لحظة قلق وخوف خارجة عن سيطرة الإنسان، لكن يبقى صاحبه مؤمن وموقن رغم تصرفه وقلقه الذي يظهر في بعض المواقف الصعبة.

{إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} [سورة الأحزاب: 10].

{فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الصافات: 87].

فما ظنكم برب العالمين؟

إن كان الله قد جعل من جسدٍ أُلقي على كرسي سليمان باباً للإنابة، ومن 'عصا' خشبيةٍ صماء طريقاً للنجاة، فما عذر عقلك المكبل بالخوف؟ الإيمان ليس طقساً تؤديه حين تستقيم الظروف، بل هو القوة التي تستلّها حين يحيط بك 'الجمعان' وتظن أنك مُدركٌ لا محالة.

كفَّ عن انتظار 'الظروف المثالية' لتدعو؛ فالذي شقَّ البحر لم ينتظر جفاف الأمواج، والذي فجّر الحجر لم يبالِ بصلابة الصخر. أجعل يقينك  يقين الأنبياء، وكن ثابتًا على عقيدتك في زمن التيه والتضليل، اضرب بعصا توكلك كلَّ بحورِ يأسك.. فالهداية لا تأتي لمن ينتظر المعجزات، بل لمن يصنعها بالامتثال.

***

بقلم الحرية: فاطمة محمد

هل أن الإبداع يعكس الواقع أم الواقع يعكس الإبداع؟.. سؤال يستحق التأمل والدراسة والنظر العميق!!

قال لي زميل صيني ذات يوم وهو من المفكرين المعاصرين: "إن الرئيس ماو غيّرنا بشعره، ولديكم آلاف الشعراء ولا تتغيَّرون"!!

حينها جعلني أفكر بالموضوع، وما توصلت إلى جواب مقنع، واليوم حضرني كلامه، ورحت أقلبه وأقارنه وأتفكر فيه، واستخلصت أن إبداعاتنا تعكس الواقع وتبرره وترسِّخه وتعززه، فالإبداع عندنا مرآة الواقع، وليس العكس، أي أن الواقع لا يعكس الإبداع.

وعندما نتأمل الإنتاج الإبداعي على مدى عقود، يتبين أنه يتصف بالرثائيات القاسية، إذ يسوده الحزن والتأسي والنحيب، وجلد الذات، وذرف الدموع على الماضيات، ويفتقد للإرادة المتطلعة للتحدي والرقاء.

فالغرض التقليدي قد تطور وتجسم أكثر مما في سابق العصور، وأضيف للإبداع غرض آخر هو الهروب والإنزواء.

وحينما ندرس إبداعنا الشعري – على سبيل الحصر – نكتشف أنه بكائيات على الأطلال، وقد لخصه إمرؤ القيس بقوله: " قفا نبكي...."!!

وأحيانا تتخلله غزليات عودة الشيخ إلى صباه!!

بينما الشعر في المجتمعات المتقدمة، يمثل فكرة ذات صدى مؤثر في الواقع، فهو لا يعكس الواقع بل أن الواقع يجتهد للتعبير عما يطرحه من رؤى وأفكار.

فإبداعنا تبريري، تخديري، وإبداعهم إستنهاضي إستشرافي متطلع إلى مستويات من الصيرورات الإنسانية السامقة.

وهذا الفارق الحضاري، يجعلنا ندرك أسباب تأسننا في مشاكلنا، وتنامي قدراتنا على تعضيلها وتدمير سوحها، وتثبيط همم الأجيال الوافدة.

وعليه، فلابد من إعادة النظر بفحوى الإبداع، وتنقيته من الأفكار والمفردات السلبية، وضخه بطاقات إيجابية لها قيمة تحفيزية وتنويرية، لرفع الهمة وبناء العزيمة المقدامة.

فهل لنا أن نأتي بإبداعٍ منيف؟!!

نُبررُ حالنا برؤى هَوانا

ونَبْتدعُ الغَوامِضَ والهَوانا

نُعلّلُ ضُعفَنا بقِوى بَعيدٍ

يُباغِتُنا لتأكُلنا عِدانا

مُشرّعةٌ شَبابيكُ المَنايا

ومِنها جاءَنا شَرٌّ غَزانا

***

د. صادق السامرائي

 

قد يكون من باب الدعابة لو دُعي خبير في العزف على البيانو لتلقين فتيات صغيرات دروسا في الحياكة. أو أن يقدم خبير في صنع الأدوية رأيا، من واقع خبرته تلك بطبيعة الحال، حول تعديلات على مدونة الانتخابات. سيكون الخبير بدون شك عرضة للسخرية لأن هناك قناعة بعدم انتقال الخبرة من مجال إلى آخر، وبالتالي ضرورة الاستعانة بالخبير في مجال تخصصه الذي قضى سنوات يمارسه، ويُعمق فهمه لاستيعاب قضاياه وإشكالاته، ويُمرّن قدراته في التشخيص وإيجاد الحلول.

لا يتعلق الأمر بالمهارة فقط، يقول الصحفي الكندي مالكوم جلادويل، وإنما بالفهم العميق الذي يتجاوز المعرفة الأساسية. ورغم أنه لا يوجد تقدير ثابت للمدة المطلوبة، إلا أن عشرة آلاف ساعة من الممارسة المنتظمة، هي بالتأكيد قاعدة ذهبية لتصبح خبيرا! نعم، عشرة آلاف ساعة أو عشر سنوات لنقبل بوصفك خبيرا، وليظهر تباين الأداء بينك وبين ممارس عادي.

 إلا أن نظام التفاهة، كما يصفه آلان دونو في كتابه الشهير، ألغى كل القواعد التي لطالما تولت مهمة تشذيب المؤسسات ومواقع القرار من الطفيليات والأعشاب الضارة؛ معلنا ميلاد خبير "متحور"، قادر على إعادة التشكل داخل الحقول المعرفية، دون اعتبار للأضرار التي يحدثها على مستوى الفهم والوعي واتخاذ القرار.

كانت ثورة دونو على خبير في أوروبا وأمريكا ينتج المعرفة والتقنية، لكنه يضعهما في خدمة المال والسلطة، ويتاجر بضميره على حساب الحقيقة. أما في عالمنا العربي فخبراء الطفرة الرقمية لا ينتج أغلبهم سوى الثرثرة في مواقع التواصل الاجتماعي، أو على أثير إذاعات فاقدة للبوصلة.

يعلن الخبير في الحياة أن السعادة ليست مرتبطة دائما بالجانب المادي. وفي مدرج بكلية للعلوم، يقدم مثالا "عمليا" للبحث عن السعادة، حيث يطلب من الحاضرين أن يبحثوا عن الأشياء ذات اللون الأبيض، ثم عن أشياء ذات لون أحمر، ليقرر بعدها أن السعادة أو التعاسة يمكن العثور عليهما بنفس السهولة!

أما الخبير التربوي فلا تستوقفه نتائج الأبحاث والدراسات، ومعطيات العلوم العديدة والمتشابكة التي تستهدف تطوير العملية التربوية؛ وإنما يقرر بنزعة تبسيطية ساذجة، أن حل المشكلة التربوية أو الأسرية، أو حتى المهنية ممثلة في علاقة المدرسين بالجهات الوصية، تتلخص في المفاتيح السبعة، أو الخطوات الخمس، أو الوصايا العشر التي تفتقت عنها خبرته! وتهتز طبلة أذنك حين تسمع خلطة فريدة من الانطباعات والتمثلات، ورواسب حكم شرقية وأحاديث نبوية، يفسر الخبير دلالتها دون الحاجة للرجوع إلى مصادر!

ويوهم خبير العلاج بالطاقة متابعيه بالقوة الاستشفائية المتناثرة في الكون، والتي بإمكان عباراته المحفزة، ومفرداته العائمة أن تجلبها لتستقر في بدن المريض وروحه، وتخلصه من أشكال الطاقة السلبية المتعددة. ورغم أن الدراسات التطبيقية لم تثبت حتى الآن علمية هذا العلاج، واعتبرت أن التصرفات الرائجة في برامجه ودوراته خرافية تفتقر للمنطق العلمي، إلا أن الخبير لايزال يراهن على مخاوف الناس، وحاجتهم إلى بدائل تحقق الشفاء السريع وعودة الشيخ إلى صباه!

هيأت مواقع التواصل الاجتماعي فرصة ذهبية للخبير كي ينتصب وسيطا بين العلم الزائف، وحاجة الناس المتزايدة إلى حلول لمشاكلهم وهمومهم. يحاول إقناعك بأنه البديل الأنسب لطريق المعرفة الوعر والشاق، وأنه يعفيك من رحلة التعلم الطويلة والمرهقة التي لا يسمح بها الإيقاع المتسارع للحياة اليومية.

وبجرأة تدعو للدهشة، يحيط الخبراء بجوانب حياتنا كافة، ليعرضوا حلولا سحرية للنجاح والسعادة والحزن والشيخوخة، ويقدموا وصفات التخلص من الاضطرابات النفسية والإدمان والعلاقات الرومانسية الفاشلة ورهاب المرتفعات وغيرها؛ معتمدين في سعيهم ذاك على مئات، وربما آلاف المصطلحات الزائفة، وأنصاف الحقائق المضللة التي تتلاعب بالطبيعة الإنسانية، وتهدد بارتكاب حماقات واتخاذ قرارات مفجعة.

ربما لازال العديد منا يتذكر كيف انتشرت كتيبات الدكتور إبراهيم الفقي منذ أواخر التسعينات على الأرصفة، جنبا إلى جنب مع كتيبات تفسير الأحلام وأهوال القيامة. كانت أغلفة إصداراته مزينة بمفردات: خبير، ومفكر، ومحاضر عالمي، إلى جانب عدد كبير من الدبلومات في التسويق والمبيعات والتنمية البشرية.

تزامن الظهور الإعلامي للفقي في العالم العربي مع وضع اجتماعي متأجج، تغذيه احتجاجات الشباب المحبط بفعل البطالة، وغياب برامج سياسية واقتصادية محفزة. وكان أسلوبه الاستعراضي، وتقديمه لمسار حياته كنموذج مفعم بالأمل، بالإضافة إلى تأكيده المستمر على علمية ما يقدمه في عروضه ودوراته سببا في شهرته، وإقبال الشباب على جرعاته الحماسية التي لا تختلف كثيرا عن مشاهدة عرض مسرحي أو مباراة في كرة القدم.

فتح الفقي بابا على مصراعيه أمام "خبراء" يستعيرون أسلوبه، ونهجه التسويقي لما يعتبره استراتيجيات للعلاج النفسي، وضخ الأمل في محيط من اليأس. وساعد الاتساع الهائل لشبكة الانترنيت على مزج الخرافات بالحقائق، وظهور ما يصطلح عليه بعلم النفس الشعبي الذي يرتكز على مفاهيم مغلوطة، لها أربع خصائص رئيسية، بحسب أستاذ العلوم ديفيد هامر: (1) أفكار ثابتة عن العالم، (2) تتناقض مع أدلة ثبتت صحتها، (3) تؤثر في الطريقة التي يفهم بها الناس العالم، (4) لابد من تصحيحها لبلوغ المعرفة الصحيحة.

كان الخبير حتى زمن قريب، يسوّق منتجاته من خلال عروض ودورات مؤدى عنها. ثم سارعت وسائل الإعلام المسموعة والمرئية إلى احتضان الوافد الجديد، وتقديمه كمنتوج مربح لمن قرروا اليوم المتاجرة بعالم الأفكار، والأحاسيس، وتوق الإنسان للإيمان ومعنى الحياة!

***

حميد بن خيبش

التصديق بما ُيراد لنا أن نكون عليه، سياسة محكمة ذات آليات معقدة تترجمها وسائل الإعلام، والعديد من الرموز والأقلام.

وتطحن واقعنا منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، ولما يزيد عن قرن شديد التفاعلات والتداعيات والإنهيارات المتنوعة، التي عبثت بوجودنا وأنهكتنا وأتلفت جوهرنا، وصدق إنتمائنا للأمة والحياة.

ومن الواضح أن العديد من أنظمة الحكم التي إعتلت كراسي السلطة، كانت تتحرك ضمن تلك الدائرة، لكي تبقى في الحكم حتى ينتهي دورها المناط بها، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. 

فمعظم أنظمة الحكم تحوّلت إلى أدوات لتنفيذ الأجندات الأجنبية، بسبب فرديتها وردود أفعالها الإنعكاسية المطلوبة، للإنطلاق نحو مشاريع أكبر ربحا وأعظم إنجازا.

وبسبب التفاعل المعقد والمعادلات المركبة التي يُدام تفعيلها والإستثمار بنتائجها، أصبحت مجتمعاتنا  في أفواه الوحوش المفترسة، التي  تريد فرائسها حارة طرية  لترضي بعض شرهها، وتطلعها إلى مزيد من الإفتراس والإلتهام.

بل أن بعض القوى تسرط ما تستطيعه، فكم من الشعوب والبلدان قد سُرطت، بعد أن نفثت فيها سموم الأحقاد والكراهيات والطائفيات والمذهبيات، وغيرها من أسباب التمزق والتهتك والإنتهاء.

وتجدنا في معظم بلداننا نتحرك على سكة ما يُراد لنا أن نكون عليه ونصل إليه، ولا يستطيع الواحد منا أن يشق طريق وجودٍ صحيح.

إنها معضلة المواجهة ما بين إقتدار يسرط ويلتهم، وحِملان تريد أن ترتع في حظائر القابضين على مصيرها بإسم الدين، والدين منهم براء، وهم له من ألد الأعداء.

فالدين تجارتهم والناس بضاعتهم، وما أرخص الأرقام!!

يا رحيقَ الصدقِ يا روحَ المَعاني

كذِبٌ فيها شَموخٌ لا يُعاني

كيفَ أصْبحنا سَبايا لبعيدٍ

وانْغمسنا في مَتاهاتِ التواني

بعضُنا شيخٌ وبعضٌ لا يُدانى

إبنُ أشْرافٍ سَليلُ الإرْتهانِ

***

د. صادق السامرائي

 

تعتبر فترة رئاسة حكمت سليمان عام 1936 على عهد انقلاب بكر صدقي فاتحة زمن التصفيات الجسدية للشيوعيين العراقيين. وقد بادر حكمت سليمان لإعلان الحرب المكشوفة ضدهم في خطبته أمام مجلس النواب، مما دفع الشاعر العراقي معروف الرصافي للرد عليه وتنبيهه في نفس المجلس بالقول (أن هذا المبدأ السامي، ويقصد الشيوعي، لا يقاوم إلا بشيئين إما بثقافة عالية أو بقوة غاشمة عظيمة جدًا). وكانت تلك لمحة ذكية جدًا من الشاعر، شخص فيها وجهي المعادلة عن كيفية التعامل مع الفكر الشيوعي، وقد فضل وحوش السلطات الأوباش، وعلى مر العهود الخيار الأسوأ فيها، وسلكوا منطق القوة الغبية الغاشمة في هجومهم على الفكر الشيوعي والتقدمي. فالتجأت السلطات أولاً لأسلوب الاغتيالات والتصفيات الجسدية مفتتحة عهد اغتيال الفكر وخنقه بتغييب شخوص حامليه والتنكيل بمعتنقيه، أو إسقاط الجنسية عنهم وطردهم خارج الحدود. ورغم تلك الإجراءات الغاشمة فقد أخذت طلائع الفكر الشيوعي بالنمو والانتشار، وبدأ يؤسس لواقع موجود وفعال وأخذت قواعده تنتشر باطراد بين جماهير الشعب، وتركزت وقويت شوكته بين الجماهير الشعبية وشغيلة اليد والفكر، وتغلغلت تنظيماته في المؤسسات الاجتماعية والمهنية، وقدم هذا الفكر معادلة جديدة للعمل المهني، بإعطائه طابعًا سياسيًا قدر له أن يرفع وتيرة الوعي الحديث بالأهداف الطبقية للشغيلة، وساعد ذلك في فرض الكثير من الشروط الجديدة على السلطات الحاكمة وأصحاب العمل من المتنفذين. وجاءت تلك المطالب والتغييرات لصالح الشغيلة، فساعدت على تحسين ظروف العمل وسن قوانين جديدة تخدم العمل والعمال. وكمثل على ما أفرزته قوة نضال الشيوعيين في المسيرة الظافرة لتغيير الواقع الحياتي للطبقة العاملة، تلك المستجدات التي طرأت حينها على قانون العمل، الذي شمل تحسين ظروف عمل النساء وزيادة الأجور وخاصة أيام العطل وكذلك تنظيم العمل الإضافي، وإجازة بعض النقابات وغيرها من المكاسب.

لم يترك الحزب جانبًا من ضروب الحياة دون أن يزج مناضليه للمشاركة في تفعيلها ودفعها قدمًا. وقد لعب الحزب أدوارًا رائده وفريدة في الكفاح من أجل حقوق الجماهير العمالية والفلاحية والطلابية والنسائية، وأوجد نوعًا فريدًا من التلاحم بين قطاعات الشعب للتكاتف والمطالبة بالحقوق وفرضها على السلطة والمستعمر. وأعار جل اهتمامه لوحدة الشعب العراقي بمختلف طوائفه وأثنياته مؤكدًا على الوطنية الجامعة الخالية من عقدة العنصرية القومية الطائفية. وقاد الشيوعيون بجهادية عالية الجماهير للخروج من ربقة تلك النعرات المؤذية للحمة الشعب العراقي، وحشد قواه من أجل الديمقراطية والسلام الاجتماعي. كل هذه الانتصارات والنجاحات التي واكبت عمل الشيوعيين العراقيين في العهود الأولى من عمر الدولة العراقية ومنذ نشأة الحزب الشيوعي، أثارت حفيظة القوى الاستعمارية وحلفائها في السلطة من القوى الرجعية والقومية مما دفع بهم لتصعيد حملات القمع والترويع ضد الشيوعيين ومؤازريهم، وتكللت تلك الحملات باعتقال قادة الحزب وعلى رأسهم مؤسس الحزب وعقله المفكر الشهيد فهد ومعه كوكبة من رفاقه. وأصدرت المحكمة الكبرى بتاريخ 22 من حزيران 1947 حكمها بإعدام الرفيق فهد وحازم وصارم. وبفضل الضغوط الداخلية والدولية والاستنكار الواسع لأحكام الإعدام اضطرت السلطات لتخفيف الحكم. ولكن السلطات الرجعية كانت قد بيتت خططها في الخفاء لتطبيق نهجها الداعي للتصفيات الجسدية والذي تبنته منذ المراحل الأولى كخيار لمواجهة الفكر الشيوعي ومشايعيه،وبنت عليه ظنها البائس، بأنه الطريق الوحيد للخلاص من الشيوعية. ولذا فقد وجدت السلطات الرجعية في تصاعد وتيرة النضال الشيوعي اليومي وانتفاضات الشارع العراقي التي يقودها الشيوعيون من مثل وثبة كانون وإضرابات الطلبة والتظاهرات المطلبية اليومية، حجة لتوجيه التهم وإيجاد الذرائع لتقديم قادة الحزب مرة أخرى إلى المحكمة للتخلص منهم والحكم عليهم بالإعدام. ونفذ حكم الإعدام بالرفاق فهد وحسين محمد الشبيبي (صارم) يوم 14 شباط والرفيق زكي محمد بسيم (حازم) يوم 15 شباط. وقد جرت عملية الإعدام في مناطق مختلفة من بغداد وأبقت السلطة أجسادهم معلقة في الشوارع ليومين من أجل بث الرعب وترويع أبناء الشعب.

هل كانت مصادفة أم إنها حقيقة بينة تثبت تشابه الأحقاد وتوأمتها واستمرارها على ذات النهج وضمن ذات الشروط وبنفس الاتجاه؟ حقيقة تثبت أن هناك تشابهًا كبيرًا بين كل هؤلاء القتلة وورثة أحقادهم وإن اختلف الزمن واختلفت الوجوه. فثمة لوثة طاغية وشرخ واسع داخل تلك الأرواح الشريرة الضالة الكارهة للطبيعة السوية للبشر. ثمة سوداوية حاقدة ووحشية تعتمر بها قلوب جميع المجرمين تجعلهم يتمادون بشراستهم وجرائمهم دون واعز من ضمير أو أخلاق. شباط هو ذات الشهر الذي غُدر فيه أيضًا بخيرة الرفاق الشيوعيين والديمقراطيين وأصدقائهم على يد قطعان الذئاب الفاشية من البعثيين في انقلابهم الأسود عام 1963 وكانت مجزرة ذهب ضحيتها الآلاف من الأبرياء دون ذنب اقترفوه سوى حملهم لفكر تقدمي وطني، ولكن نظرية الاستئصال الموغلة ببشاعتها ولؤمها والمتأصلة في أرواح ضباع الفاشست، غالبًا ما كانت تستحضر لقتل المخالفين واجتثاثهم. ذلك الخيار يمثل الوجه الحقيقي لخواء عقل القتلة وعجزهم الفكري، ولذا تراهم يعيدون الكرة مع الحزب الشيوعي في عامي 1978 و 1979 وكذلك مع مخالفيهم بالرأي من الأحزاب العراقية الأخرى. وليس غريبًا أن تكون الجريمة وتصفية الخصوم تعبيرًا ومظهرًا مرافقًا ومتممًا لجميع الأيديولوجيات الفاشية.

كانت ردود الفعل الدائمة لمنفذي تلك الجرائم مزيجًا من الفخر والغبطة والاعتقاد بأن تلك المجازر سوف تدحر الحزب الشيوعي، ويكون ذلك حدثًا تاريخيًا ونقطة تحول في تاريخ العراق حين يختفي الحزب الشيوعي من الواجهة بعد تكرار تلك التصفيات الجسدية. وما كانت تلك المجازر وأكوام الجثث والعوائل المنكوبة تعني لهم سوى أفعال دفاعية وعمليات تجميل كان من الموجب لها أن تتم باعتبارها دعامة لاستقرار ورفاه قادمين للسيطرة على مقدرات العراق. ولكن الأيام أثبتت خواء وخطل رهاناتهم، وأثبت الزمن بأن لا نصر للفاشية ولن تنال غير الإدانة ولعنة التاريخ جراء ما اقترفته من جرائم بحق خيرة أبناء الشعب.

***

فرات المحسن

حروب القرن الحادي والعشرين متطورة جدا، ومغايرة لقواعد ومناهج الحروب عبر العصور، إنها حروب مدهشة ذات أدوات غير مرئية، يتسيّد فيها الإليكترون والتفاعللات النانوية الخفية ما بين مفردات لا يمكن التصديق بدورها ووجودها.

أمواج، نبضات، إشعاعات، إطلاقات كهرومغناطيسية، إرتجاجات صوتية، وقذائف ليزرية، وعناصر فائقة التدمير يعجز العقل البشري العادي على إستيعابها.

تهاوت قيمة البارود، والمدافع تعطلت، فالقول الفصل للصواريخ والمسيرات وغيرها من أدوات التدمير الصامت الرهيب التأثير.

الذكاء الإصطناعي في قلب المعارك المعاصرة، وهو من الوسائل التدويخية والتشويشية القادرة على تحقيق الشلل والإصمات الإليكتروني للقدرات الدفاعية والهجومية.

الأسلحة ما عادت تقليدية، بل في غاية التجدد والإبتكار، وتسخير ما لايمكن رؤيته بالعين المجردة المترقبة والمتوجسة، فالإعماء بواسطة القذائف الإليكترونية بات يسيرا وسريعا ومؤثرا.

أما المسيرات التي تناهت في الصغر والدقة والتدمير فستتحول إلى ذباب أو نمل أو بعوض يداهمنا وينال منا عندما نتحول إلى أهداف.

العقل البشري ربما مصاب بجنون الشرور الفادحة، وقدراته على تصنيع ما يترجمها لا حدود لها، وبإمكانه أن يحيل الماء إلى نيران لاهبة.

صراعاتٌ توالتْ في رُبانا

بعصرٍ في عجائبهِ ابْتلانا

ذكاءٌ فاقَ ما ندري بعقلٍ

بآلتنا تلاشى مُحتوانا

عقولُ نوابغٍ هزّت وجودا

وأولعتِ التنافسَ والرِهانا

***

د. صادق السامرائي

كتب الراحل عامر عبد الله (توفي29 كانون الثاني | يناير 2000) في ورقة جديدة بخط يده عنوان المذكرات واسمه وملاحظة في زاوية الورقة العليا اليمنى، (ارجو التصرف بهذا النص بالشكل الذي ترونه مناسبا) وملاحظة اخرى على هامش الورقة الايمن غير واضحة بسب حبر الاستنساخ وطريقة الكتابة. وكتابة الورقة ليست من خط الراحل، و(اكرر الملاحظة التي كتبتها بالجزء الاول الذي نشر بمخاطبة من قام بالكتابة بالافصاح عنها واسلوب العمل مع الراحل فيها، حيث معروف ان الراحل اعتمد على عدد من المحررين والكتاب لمساعدته في انجاز طبع ونشر المذكرات) وبدات الاوراق التالية في تسجيل نقاش دار بينه و(صدام) وآخر بينه وبين (البكر)، كما يلي نصا:

- انتهى اخيرا الى ما اعتبره "النقطة المركزية " -على حد تعبيره- فقال: غالبا ما تمر امامنا حالة او احساس بعدم الانفتاح، اي اللجوء الى المناقشة الديمقراطية، بمعنى الاستماع الى آراء الاخرين، والتفاعل مع الاراء الصحيحة، من اي مصدر، من ناحية الاتجاه السياسي او الموقف. وانا ارى مثلا ان نسبة تفاعل البعثيين مع الفكر والتجربة الانسانية اعلى من نسبة تفاعل الشيوعيين مع هذه "التجربة الشامخة".. وهذه نقطة خطيرة اذا ما استمرت، لانها ستبقي الخنادق منفصلة. (وضع تحت كلمة خطيرة والخنادق منفصلة خطا). وتلحق اذى كبيرا. وانا هنا احاول ان لا اكون متحيزا، ولكنني لا اقدر الا اكون متحيزا بنسبة، لانني بعثي.

يلاحظ في هذا الحديث، كما ذكرت تصاعدا ملحوظا في الاحساس بوطأة المنافسة مع الحزب الشيوعي وشعور مفرط بالقوة الى جانب ما ختم به حديثه من التاكيد على عواقب الاخفاق في ترويض الحزب الشيوعي واعدام استقلاله واعتبار ذلك امرا خطيرا.

وليس هذا وحسب، بل بادر ايضا بعد انفضاض الاجتماع، الى دعوتي الى مكتبه لاستكمال الحديث وكنا على وشك الخروج من قاعة الاجتماعات.

فقد وجدت (سعدون شاكر) المسؤول عن جهاز المخابرات يتجه نحوي مسرعا، فقلت له ممازحا: هل جئت لاعتقالي؟

قال: السيد النائب ينتظرك في مكتبه.

وهناك وجدت مع جميع اعضاء القيادة، فجلست معهم، لاحظت انه كان في مزاج مستثار نوعا ما، وعدواني الى حد ما، رغم انه حاول ان يبدو متماسكا.

قال موجها كلامه لي: آتوني باية تجربة للجبهة في اي بلد اشتراكي ونحن مستعدون للاخذ بها، كصيغة للتعامل مع الحزب الشيوعي.

قلت له: الاوضاع في البلدان الاشتراكية لا تنطبق علينا.

لم يعجبه الجواب، فانتقل الى ما كان يبغي بنبرة وعيد مقصود.

انتم تستغلون وجودكم في الجبهة لغرض واحد هو " الكسب الحزبي" وهذا ما نتابعه منذ مدة، ونحذركم منه، ولما وجدنا ان لا فائدة، قلنا، يا بعثيين حودوهم (اي طاردوهم).

وهنا دخلنا في سجال، وتازم الجو. واشترك بعض الحاضرين في نقاش لا استذكره.. وانتهى اللقاء بهذه الصورة.

ولما خرجنا سوية، قلت له قبل ان نتوادع: لدي غير هذه المذكرة التي درسناها، مذكرة اخرى حول الاوضاع المالية والنقدية ساقدمها للمناقشة ايضا.

بالفعل اعددت مسودة تقرير هذه المسألة، بعد ذلك بايام ، ولكن اللجنة الاقتصادية المركزية التابعة للحزب، انتقدتها دون ان تقترح بديلا عنها، ولم يكن في الوقت آنذاك متسع لمثل هذه الامور.

 فقد حل الربيع مصحوبا ، كما قلت، بالزوابع والاعاصير التي آلت الى اقتلاع الجبهة الوطنية من الارض السياسية في العراق.

احمد حسن البكر

 ذات مساء من شهر آذار من عام 1978، قرع جرس الدار، واذا بجندي من الحرس الجمهوري يحمل لي رسالة شخصية من رئيس الجمهورية، احمد حسن البكر، (هامش: كانت هذه الرسالة بخط يده، وقد احتفظت بها، ثم اودعتها للحفظ عند الرئيس السابق لليمن الاخ علي ناصر محمد مع وثائق شخصية اخرى)، وكان مضمون هذه الرسالة، كما اذكر هو: معاتبتي على الانقطاع عنه مدة طويلة، وابداء رغبته في التداول في امور البلد والعمل مشتركا على خدمته، كل من موقعه، مع تحيات الى الرفاق.

في اليوم الثاني بعثت له رسالة جوابية عبرت فيها عن رغبتي في اللقاء به بل وضرورة هذا اللقاء، وذلك للتداول مشتركا في امور هامة. وقد قلت له، على ما اذكر، ان هناك مسائل خطيرة ساهمس لك بها همسا، ومسائل اخرى ساحدثك بها جهرا.

وبعد اتصال معه بالتلفون، اقترح ان لا يكون هذا اللقاء في مكتبه في القصر الجمهوري، متعللا بتوعك صحته، طالبا ان يتم هذا اللقاء في بيته. وافقت على اقتراحه، وقصدته منذ الصباح في بيته، واستطال هذا اللقاء حتى المساء، حيث تناولنا طعام الغداء في بيته، ثم واصلنا الحديث في اليوم الثاني بطوله، ومنتصف اليوم الثالث.

كان حديثا مسهبا، تطرقت فيه الى كل شيء، تردي الاوضاع، تصاعد حملة القمع، مظاهر الاستبداد والتعسف، امثلة من انتهاكات ترتكب من قبل اجهزة المخابرات، نزعات حزب البعث للهيمنة على مقدرات المواطنين، تفاقم العداء للشيوعية والشيوعيين، محاولة تقويض الجبهة، تردي التعامل مع الاتحاد السوفييتي، التوجهات الخاطئة في السياسة العامة وفي العلاقات الاقتصادية… الخ.

 وبالتالي، طالبت بحسم موضوع المحكومين بالاعدام والسجن من الشيوعيين وأصدقائهم (وكنت من قبل قد قدمت له اربع مذكرات وتفاصيل عن كل المحكومين) وطالبت باصدار امر باعفائهم (هامش: النقاط التي تضمنها هذا الحديث مدونة على بضع اوراق، هي بضمن ما اودعته مع وثائق شخصية لدى الاخ على ناصر محمد، وهي ليست تحت تصرفي الان، ولذا ساستعين بالذاكرة لاستذكار بعض ما جرى في هذا اللقاء). .

لا تتسع هذه الصفحات بسرد كل هذا الحديث، ولذا ساقتطف منه ما يرتبط بموضوع العلاقة مع الحكم في تلك الفترة.

وجدت الرجل مثقلا بالهم والوحشة، وفسرت ذلك لاول وهلة بالمآسي العائلية التي تعرض لها. وكنت بالفعل قد لمحت فتاة تخطو في البيت بلباس اسود. وكان هو في البداية قد عبر لي عن حزنه على وفاة زوجته حيث استذكرها بحسرة وتوجع، معربا باسى عن تقصيره ازاءها، اذ لم يستطع لمشاغله ان يسعدها، واضاف انه ما كاد يفكر بالعناية بها والاهتمام بصحتها، حتى اخذ الله روحها. ولكن الهم والغم الذي كان باديا عليه والرسالة التي بعثها الي وطلب فيها ان نتداول معا في شؤون البلد، وابلاغ السلام والتحيات للرفاق ومنهم عزيز محمد، قد استثارت في نفسي فضولا لاستطلاع وضعه ومراده.

 وهذا ما استنتجه في خاتمة هذا اللقاء حيث وجدته محاصرا، وكانه يستنجد بنا لمعاونته على ما كنا نجهله. فلقد كنا - كما ذكرت- نقيم الامور داخل الحكم وداخل حزب البعث بصورة مغلوطة، حيث ترسخ في الاذهان، لسبب ما، انطباع او حكم مفاده، ان احمد حسن البكر واعوانه الاقربين اليه من قادة الحزب، والدولة، والمؤسسة العسكرية، يمثلون الوجهة او الجناح "اليميني "، او يقفون الى يمين صدام والملتفين حوله، وكانت الصورة معقدة، ومتداخلة فيما يتصل بالخلافات والصراعات داخل الاسرة او المنتسبين الى مدينة (تكريت) فلم يجر استقصاء او تدقيق في وقائع ما يجري، كما لم يجر تشخيص مبكر لنوازع وخطط صدام حسين للهيمنة والنفوذ في الحكم.

تم هذا اللقاء بعد بضعة اسابيع من اقصاء احمد حسن البكر ان وزارة الدفاع وتعيين (عدنان خير الله طلفاح) وزيرا للدفاع.

كان هذا اول سؤال وجهته الى البكر.. سالته: لماذا تخليت عن وزارة الدفاع؟،

اجاب: لا استطيع، ليس لدي القدرة.

قلت له: لقد تعرفت حديثا على هذا الشاب - اعني عدنان طلفاح- فوجدته دمثا ومتواضعا، ولكنك تعرف ان العمر والرتبة والخبرة مطلوبة لمثل هذا الموقع.. وانت اعرف مني، لم الاحظ لك الحماس والاحتفاء الذي كنت تقابل به في مثل هذه المناسبة. وبالعكس لاحظت تساؤلا وفتورا بين الضباط والحاضرين في هذا الحفل الذي لم تحضره، وحضر (صدام) واضفت: كان الافضل في اعتقادي لو انك عينت (عدنان) وكيلا لك في وزارة الدفاع، ياخذ عنك المشاغل اليومية الادارية وتبقى انت في الموقع الذي لا اشك ان زملاءك العسكريين وكبار الضباط يريدونك ان تكون فيه ويرتضونك قائدا لهم.

كان يلوذ بالصمت ويحدق، كما لاحظت، في نقطة امامه في الجدار المقابل له والدمع يسكب بطيئا من عينيه، وقد ظل على هذه الحالة طوال اليوم.. اذ لم يكن يحاورني او ينظر الي عندما كان يعلق او يتكلم، الا في لحظات نادرة.

انتقلت الى موضوع اخر، فرويت له سلسلة من وقائع الانتهاكات والممارسات اللاانسانية التي كانت تقوم بها دوائر الامن وجهاز المخابرات على وجه الخصوص ووصفت له اساليب الاكراه والتعذيب والاعتداءات المنكرة على المواطنين، ولما ذكرت له قصة تعرية زوجة (محمد الدامرجي) امام زوجها والتهديد باغتصابها، لم اتمالك نفسي، فانفجرت قائلا بانفعال: اهذه هي الفروسية التي يدعي بها البعثيون؟.

كما اطلعته على الاتفاق بين ادارة (سجن ابو غريب) و(مستشفى الرمد) في الكرخ على اقتلاع عيون المحكومين بالاعدام وارسالها الى المستشفى في صناديق مبردة بالثلج ومعدة لهذا الغرض.

 قلت له: يتداول الناس، من بينهم سفراء للدول الاجنبية، اخر قصة عن هذه الكبائر، وهي اقتلاع عيون خمسة وعشرين فتى من طلاب جامعة السليمانية مؤخرا وارسالها الى مستشفى الرمد.

ابدى ارتياعا من هذه الواقعة، فقام الى التلفون، وخابر جهة ما، ثم عاد الي يقول: يبدو ان هناك قانونا بشأن ذلك، على غرار ما هو موجود في بلدان كثيرة، كما يقولون.

اجبته: مثل هذه القوانين التي يدعونها، تقوم على قاعدة التبرع وخاصة من جانب الطاعنين بالسن، والجرحى، الذين لا يرجى شفاؤهم، وليس ثمة قانون او شريعة في العالم تبيح هذه الطريقة التي حدثتك عنها.

بدا متفهما ولكن مغلوبا على امره، كما لاحظت.

وحول واقعة اختطاف رفيق وخطيبته في منتزه الزوراء، اخبرني في اليوم التالي، انه ذهب ليلا الى هذا المنتزه بصحبة (عزة الدوري) فوجد الناس يلهون باستمتاع وبراءة، وانه لم يجد مبررا لمثل تلك الذرائع والاتهامات التي يلقون بها القبض على الناس. واخبرته بان هذا الشخص اختصاصي بفرع من العلوم،. قد تطوع للقدوم الى العراق لخدمة بلده، بعد ان عرف رغبة الدولة باستقدام اصحاب الكفاءات والمواهب، ولكن ما حدث جراء ذلك، وبعد اعتقال خطيبته، واطلاق سراحها فيما بعد، اضطر الى فسخ عقد الخطوبة، وعودته الى حيث كان يعمل سابقا في اوروبا، حيث الامن وضمانة الكرامة والحرية، بدلا من وطنه، حيث المهانة وانتهاك الكرامة .

وعرجنا على مواضيع اخرى، قلت له: هناك نزعة غاشمة في التعامل مع المواطنين والنظرة الى الوطن، واليك مثلا: التعبير السائد حاليا في الصحافة ووسائل الاعلام، الذي يسمي العراق ب"عراق البعث"، وكأنه ملكية خاصة او بستان مملوكة مثل "بستان بيت الباجه جي"، او ما شابه ذلك.. ان العراق ليس عراق البعث ولا عراق الشيوعيين، بل عراق الشعب… صدام يقول مثلا ان عدد البعثيين قد تجاوز النصف مليون، حسنا ولكن ما الذي يعنيه ذلك؟، اتمنى ان لا يقع للعراق مكروه.. وقد راينا، كما تروي وقائع التاريخ، كم حزبا او حكومة ادعت الوطنية او الدفاع عن الوطن ولكنها بالنتيجة ركعت على احذية الغزاة..بينما تصدى الشيوعيون في العديد من البلدان ، وحدهم احيانا، للمعتدين على اوطانهم، وقد تجاوزوا في تضحياتهم ومآثرهم، ابان الحرب العالمية الاخيرة، كل ما عرفته البشرية من مآثر وتضحيات.

وانتقلت في اليوم الثاني الى الحديث عن الجبهة ومحاولات اضعافها وتفكيكها من خلال حملات الاعتقال والتعذيب والاسقاط السياسي، وغير ذلك من المواقف. واوردت له طائفة من الوقائع والشواهد. ولدى تطرقي الى القضايا السياسية والاقتصادية، ومنها العلاقات مع الاتحاد السوفييتي، اقترح علي ان اقوم بزيارة للاتحاد السوفييتي، وان اتحدث باسمه عن كافة الشؤون، ولغرض التعرف مسبقا على كل شيء، قال ان من الافضل ان تلتقي باصحابك الوزراء ليطلعوك على كل ما يتصل بالاتفاقات مع الاتحاد السوفييتي.اخبرته بان هناك من لا يريد ذلك، وقد لا يساعدني فيما تراه. فنهض الى التلفون واتصل بوزير التخطيط، ثم بوزارة الدفاع لهذا الغرض..وقال: كل ما يتعلق بالوزارات والمؤسسات موجود في وزارة التخطيط، ومع ذلك تستطيع استطلاع الامور من اية وزارة.

 وهذا ما تحقق بالفعل، حيث سافرت بعد هذا اللقاء الى الاتحاد السوفييتي، وقد نظم لي الرفاق في اللجنة المركزية لقاءات مع رئاسة لجنة الدولة للعلاقات الاقتصادية، ومع رئاسة الاركان العامة.

عرضت وقائع لقائي مع البكر بالتفصيل على المكتب السياسي، عشية اجتماع اللجنة المركزية ، غير ان احدا لم يتوقف لدى هذا الحديث، او يستفسر عن اي من فقراته او مغزاه. اي انه قوبل بصمت يفتقر الى التأمل في التطورات التي كانت تجري في قمة الحكم، وغاية ما قيل بعد مغادرتي الاجتماع، حسبما عرفت فيما بعد، هوو تعليق موجز اعتاد احدنا ان يلقيه بصورة حكم قاطع مفعم بالحكمة وبعد النظر، حيث اوجز الامر بقوله: "يبدو ان الرفيق لا يزال يصدق باقوال هذا الثعلب"، والمقصود به احمد حسن البكر، هذا ولكي نعفي القاريء من عناء الاستطراد ومتابعة التفاصيل، ننتقل الى الفقرة الرئيسية والاخيرة في هذا الحديث، وهي تلك التي تتعلق بالسجناء من الشيوعيين واصدقاءهم، الذين حكموا بالاعدام والاشغال الشاقة، بتهمة النشاط التنظيمي في الجيش،. كانت هذه المسالة موضع لقاءات وجدل متواصل مع القيادة البعثية، ومع البكر وصدام خاصة. فقد بحثنا (انا وعزيز محمد) هذه المشكلة مع البكر في احد اللقاءات، ثم عدت وتداولت فيها معه اكثر من مرة، واذكر اني احرجته باقتراح مقصود، قلت له:

- ما رايك في ان تتعاملوا مع رفاقنا في الجيش كما كان يتعامل نوري السعيد مع اليهود، (حيث لم يكونوا يجندون للخدمة العسكرية).

- ابدى استنكاره من هذا الاقتراح، وقال: الله اكبر، هل يصح ان نتعامل مع مواطنين بهذه الصورة او نستغني عن خدمتهم لوطنهم.

- سألت بمرارة: ما الحل اذن؟، والى متى نظل منشغلين بهذه المشكلة؟، ماذا نقول لرفاقنا الذين يستدعون للخدمة العسكرية.. قل ماذا؟

- قال-: يذهبون شأن سواهم الى معسكرات الخدمة، وعندما يعودون الى اهاليهم يومي الخميس والجمعة يتصلون بمنظماتهم الحزبية ويمارسون واجباتهم الحزبية، أوصوهم فقط ان لا يصحبوا معهم وثائق او كتبا شيوعية الى المعسكرات.

- سالته: هل نعتبر هذا قرارا نهائيا؟

- اجاب، نعم طبعا، قلت له: اتفقنا اذن!

 على اساس ذلك اصدر المكتب السياسي نشرة داخلية للمنظمات الحزبية بهذا المعنى، ولكن الاحداث اللاحقة قد برهنت على عكس ما اتفقنا عليه تماما.

***

اعداد وتقديم: كاظم الموسوي

أثار مسلسل حمدية، من تأليف نوري البدري، واخراج بيتر قلام، الكثير من اللغط منذ عرض حلقته الأولى، لكن الحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن العمل جاء محمّلاً بروح درامية صادقة أعادتنا إلى زمن مختلف.. زمن البساطة والدفء الإنساني.

شكرا للممثلين المبدعين: اميمة جواد الشمرحي، رويدى شاهين، ومهند ستار، ابطال المسلسل

العمل قدّم حبكة درامية متماسكة بأسلوب هادئ وعميق، تناول قصة عائلة فقيرة تعيش على قوت يومها ورب الاسرة عامل مسطر، تتحمل أعباء الحياة وضغوطها، لكنها لا تتخلى عن قيمها وعلاقاتها الاسرية . الضيوف لم يكونوا مجرد عابرين في حياتهم، بل اعتبروهم أبناءً، فامتزجت المعاناة بالمحبة، وضيق الحال بسعة القلب.

ما ميّز المسلسل حقاً هو تصويره لبساطة العيش؛ تفاصيل صغيرة لكنها كبيرة في الذاكرة:

النوم فوق السطوح في ليالي الصيف، الأحاديث العائلية تحت ضوء القمر، روح التكافل، والرضا بالقليل. هذه المشاهد لم تكن مجرد ديكور، بل كانت استعادة حقيقية لذاكرة جيل كامل عاش سبعينات العراق، أيام الخير والأمان والطمأنينة.

بالنسبة لنا في الغربة، كان المسلسل أكثر من دراما؛ كان نافذة على زمن مضى، أعاد إلينا صور الطفولة والدفء الاجتماعي والعلاقات الطيبة بين الاهل والاصدقاء والجيران، وذكّرنا بأن السعادة لم تكن في الرفاهية، بل في القناعة والمحبة والتلاحم الأسري.

قد يختلف البعض في التقييم أو الطرح، لكن يبقى أن حمدية نجح في لمس وجدان المشاهد، وأعاد إحياء مرحلة من تاريخنا الاجتماعي بروح إنسانية تستحق التقدير

***

خليل إبراهيم الحلي – رئيس تحرير جريدة العهد

 

لا يوجد مخترع في التأريخ لم يتحقق إستخدامه لغرضين متأرجحين بين الخير والشر، ولا أظن الذكاء الإصطناعي سيحيد عن هذا المسار، لأن البشر يكنز نفسا أمّارة بالسوء، وهي القادرة في معظم الأحيان على طرد طاقات الخير والمحبة في دنياه وترسم معالم سلوكه وتقرر نواياه.

لو أخذنا الطائرة فأن مخترعيْها لم يخطر على بالهما أنها ستستخدَم لقتل البشر، وتكون آلة حرب مروعة.

وكذلك السيارة، والبارود واليورانيوم، والعديد من المخترعات والأفكار الفيزيائية والكيميائية والبايولوجية، ومن الصعب تفسير إنتهاج البشر لسلوك العدوانية وتسخير ما لديه للنيل من إبن جنسه بعد أن يجرده من حق الحياة.

واليوم تجدنا أمام فلتة إختراعية إسمها الذكاء الإصطناعي، والتي بموجبها يمكن فعل ما لا يخطر على بال، وسيتوفر جيل من القادرين على تسخير برامجه للتشويش وتمرير ما لا يمكن تصديقه من الحالات، فنحن نعيش في عصر إضطربت فيه الموازين، وتهالكت القوانين، وأصبحت الشاشة هي الخصم والحكم.

تصلك عبر وسائل التواصل صورا لا وجود لها حتى في الخيال، لكنها ستكون ما دامت تلألأت كفكرة في رأس ما، فالفكرة ما أن تولد حتى تتجسد ولو بعد حين، كفكرة الطيران التي توالت في رؤوس الأجيال لقرون حتى تجسدت في بداية القرن العشرين.

الذكاء الإصطناعي، يكتب ما تريد، ويقرر ويتنبأ، ويحلل ويحاور، ويفعل ما لا يستطيع البشر القيام به من تفاعلات مع المحيط.

فهل ستنتصر الآلة على البشر؟

العقل البشري لا يستطيع إستيعاب هذا الفيض المعلوماتي والثورة الإبتكارية العارمة، وعليه أن ينكمش وينزوي في بقعة صغيرة ويترك للآلة حرية العمل والجد والإجتهاد.

غابَ عقلٌ وتنامَتْ آلةُ

وتردّتْ في حَضيضٍ قُدرةٌ

صَنعَ العقلُ عقولاً ضُدّهُ

لِهوانا في رؤانا سُلطةٌ

تُبّعا صِرْنا ودُمْنا عالةً

كُلّما عِشنا أتَتنا فِكْرةٌ

***

د. صادق السامرائي

أن الكثير من المسلمين يخلطون في فهم معنى الروح والنفس ويصر الكثير منهم على أن النفس هي الروح المركبة في داخل جسم الإنسان والكائنات الحية وهي ديمومة الحياة الدنيوية وان خروجها من هذا الجسم هو الموت وتوقف الفعاليات الجسدية التي تحركه لكن هذا الفهم الذي يصر عليه الكثير لا يصمد امام تدبرآيات القرأن الحكيم من خلال تفصيل الآيات وترتيبها حسب سياق ومفهوم الآيات المتناثرة في المصحف وجمعها وفق السياق والنظم القرآني واللسان العربي المبين الخاص بمعنى الآيات وليس أسقاطها على اللغة العربية والتراث الإسلامي السائد والمفروض على العقل الجمعي العربي والإسلامي كون القرآن الحكيم أقدم من أي لغة في العالم وأن مفهوم الآيات ومعناها قابل الفهم من قبل كل لغات العالم وشعوبه وفي كل زمان ومكان لهذا يجب أن لا يُفسر القرآن على سياق اللغة العربية وحدها على أساس أن الرسالة المحمدية والقرآن نزل على العرب في الجزيرة العربية خصوصا . لو أستعرضنا هذان المفهومان أي (الروح والنفس) حسب سياقاتها البلاغية للقرآن وجمع آياته الخاصة بالروح والتي تقابلها الآيات التي ذُكرت بها النفس نجد أن مفهوم الروح ذُكر حوالي (23) موضعا ومن دراستها وتدبرها مجتمعة نفهم أنها تعني الأوامر التي أنزلها الله تعالى على الناس والإنسانية والأقوام بالتتابع من خلال الرسل بواسطة الملائكة المكلفين بالتبليغ وأنزال الشرائع والسنن الإلهية على المجتمعات البشرية منها على سبيل المثال قال تعالى (تتنزل الملائكة والروح بأذن ربهم من كل أمر) القدر 4 فأن هذه الأوامر الربانية التي تكفل بها الرسل للبلاغ لذا فأن الروح هي مجموعة الأوامر الصادرة من الحق إلى خلقه الأحياء حسب الزمان والمكان والغرض والظرف لتسيير الكون وفق سنن وضعها وكتبها للخلق في الدنيا وقد تكون معرفتها ملموسة للإنسان والرسل ومنها حصرا على الخالق وحده حيث يقول (يسألونك عن الروح قل هي من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قيلا) الإسراء 85 وهذه الأوامر الإلهية مستمرة في الصعود والنزول بين السماء والعرش والأرض على عباده وخلقه مستمرة حتى قيام الساعة لرفع الصحائف والأعمال اليومية للإنسان وضبط السلوكيات للفرد . والمعاملات بين الناس لتكون حجة على الخلائق أمام الخالق عز وجل (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ) المعارج 4 وكذلك (يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا) النبأ38 وكذلك (يا بني أذهبوا وتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله أنه لا ييأس من روح الله إلا الكافرون) يوسف 87  ولما ختم الله تعالى رسالته السماوية على الإنسان بأرسال الرسائل والأوامر التشريعية والمحرمات والمنهيات والكتب والفرائض والمعاملات المجتمعية على النبي محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه بالتتابع الزمني لمدة 23 سنة من نبوته ورسالته حيث قال تعالى (قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين) النحل 102 أما النفس التي ذُكرت في القرآن تعني من خلال تدبرها وفهما الصحيح وأسقاطها على النظم الكلامي والسياق القرآني لهذه الكلمة والتي ذُكرت بصيغة الأسم حوالي (296) موضعا وجاءت كلمة النفس من أصلها الجذري (النون . والفاء. والسين) كلمة (النفس) أي خروج النسيم من الجو وهي القوة الأثيرية النسيمية والمحركة لفعاليات الجسم في الأحياء والمهيمنة على جميع فعاليات الجسم من التفكير والأحساس والحركة والألهام وأتباع الهوى والشهوات والطغيان والعدل والظلم والتقوى والصلاح والطاعة والعصيان قال تعالى (ونفس وما سواها) الشمس 7) و(.فألهمها فجورها وتقواها) الشمس 8 و(وأتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئأ ولا يُقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون) البقرة 123 و(وأتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يُظلمون) البقرة 281 وقد أخبر الله تعالى الإنسان أن كل أفعاله مكتوبة عليه في صحيفة أفعاله يوم القيامة محضرة أمامه يُحاسب عليها (يوم تجد كل نفس ما عملت محضرا وما عملت من سوء .....) آل عمران 30 فأن صلاح الإنسان وصلاح عمله في مجتمعه وعلاقته مع خالقه الله تعالى حسب ما أرادها الله تعالى له بنفس مطمئنة راضية يرضى عنها الله سيكون له المقام الرفيع والمآب في الجنة التي أعدها الله له (يا أيتها النفس المطمئنة) الفجر 27 و(أرجعي إلى ربك راضية مرضية) الفجر28 (فأدخلي في عبادي) الفجر29 (وأدخلي جنتي) 30 وأن هذه النفس لها مستقر ومستودع في الحياة الدنيا حتى قيام الساعة بخروجها مؤقتا من جسمه حين يقضي بها الله تعالى بالموت بكتاب مؤجل (كل نفسس ذائقة الموت) آل عمران 185

***

ضياء محسن الاسدي

الذي هزم فشله بالحب في ابتسامة الموناليزا!

في حوارنا مع فرويد (موثق في غوغل) سألناه:

- في العام 1908تفحصت جنابك حياة دافينشي وأعماله الفنية وتوصلت الى أن دافينشي كان رجلا يعاني من كف جنسي متطرف ناجم عن الشعور بقلق الاخصاء، وتعني به خوفه من عقاب أبيه على رغبته الجنسية نحو أمه بقطع عضوه الذكري، وأنه قام بتحويل مجرى الطاقة الجنسية لديه نحو انتاج لوحات فنية مميزة لاسيما لوحته (الموناليزا)، وفسّرت ابتسامتها الغامضة بأنها ابتسامة والدة دافينشي، فكم أنت على يقين من استنتاجك هذا؟.

فرويد

+ أنا أرى أن الأعمال الفنية الابداعية اشباع لرغبات محجوزة في اللاشعور لكونها غير مقبولة أخلاقيا واجتماعيا، وانها بارتقائها الى مستوى الابداع تنجح في التحايل على تجاوز القيود التي تمنعها من التصريح بها بشكل مكشوف، ولو لم أكن على يقين لما نشرت ذلك.

دافينشي.. جنسي مثلي!

+ انسجاما» مع نفس المنطق، فانك تعتبر طفولة « دافينشي « ذات الطابع الشبقي هي العوامل المحددة لسلوكه. فما فشل « ليوناردو دافينشي « في تكوين علاقات عاطفية ناضجة، والجنسية المثلية عنده، وابتسامة الموناليزا، واتحاد الانوية والذكورة في لوحة يوحنا المعمدان، وانشغاله في محاولاته الفنية المبكرة بتصوير رؤوس نساء باسمات، الا ـ من وجهة نظرك ـ كون دافينشي كان اسير ابتسامة امه وانوثتها التي انفصل عنها في سن مبكرة.

فرويد

يقول (موتر) عن (دافينشي):

لقد رسم ( ليوناردو من الجراد آكل الانجيل، باخوس ابولو، الذي ينظر الينا بأبتسامته الغامضة على شفتيه وبساقيه المتقاطعتين الناعمتين ــ بعينين ساحرتين).

ان هذه لصور تنفث تصرفا( في السر الذي لا يجرؤ المرء على النفاذ اليه. فالمرء يستطيع ـ غالبا) ان يبذل الجهد لاقامة صلة ذلك باعمال (ليوناردو) المبكرة..  فالاشخاص فيها مخنثون .. وهم :

 صبيان وسام، يتسمون بالرقة، ولهم اشكال أنثوية،

 وهم لا ينكسون روؤسهم وانما يحملقون في غموض بنظرة انتصار، كما لو كانوا منهمكين في حادثة هائلة سعيدة، وعليهم ان يحفظوها في كتمان،

 وتقودنا الابتسامة الفاتنة المألوفة الى ان نستنتج انه سر الحب. ومن الممكن ان يكون (ليوناردو) قد اخفى في هذه الاشكال تعاسة حبه وهزمها بفنه، حيث مثّل تحقيق رغبة الصبي الذي فتنته امه في وحدة هائلة للطبيعة الذكرية والانثوية.

ولنكن على يقين من ان الاب أيضا (كانت له اهمية في تطور (ليوناردو) من الناحية النفسية الجنسية. والاكثر من ذلك ان تلك الاهمية لم تكن بمعنى سلبي اثناء غيبة الاب خلال السنين الاولى من طفولة الصبي، وانما كانت اهمية مباشرة اثناء حضوره في طفولته المتأخرة. انه لا يستطيع الامتناع ـ وهو طفل يرغب في أمه ـ عن الرغبة في ان يضع نفسه في مكان ابيه، وان يمثل نفسه به في مخيلته، واخيرا» ان يجعل مهمة حياته ان ينتصر عليه.

+ ولكنك تشير الى ان حديثك عن (دافينشي) لم يتناوله الا من ناحية الباثوجرافيا، وهذه لا تكشف عن نواحي النبوغ لدى (دافينشي) العظيم، لان منهج التحليل النفسي لا يستطيع اطلاعنا على طبيعة العمل الفني.

فرويد

هذا صحيح، ولكن ينبغي تثبيت نقطة مهمة هي انه في الفن وحده يندفع الانسان بفعل رغباته اللاشعورية فينتج ما يرضي أو يشبع هذه الرغبات. خذ مثلا (ديستويفسكي)ـ ففي شخصيته الخصبة وجوه عدة:

الفنان الخالق، والاخلاقي، والعصابي، والآثم ـ فان الصلة التي لا يمكن ان يخطيء المرء في ادراكها بين قاتل الاب في الاخوة كارامازوف ومصير (ديستويفسكي) نفسه قد هزت اكثر من واحد من كتّاب السيّر وادّت بهم الى الرجوع الى مدرستنا (التحليل النفسي). لقد كان الحكم على (ديستويفسكي) بالاعدام ـ كسجين سياسي ـ حكما» ظالما». ولا بد أنه كان يعلم ذلك، لكنه قبل هذا العقاب الذي لم يكن يستحقه بين يدي الاب البديل ـ القيصر ـ كعوض عن العقاب الذي يستحقه على خطيئته ضد أبيه الفعلي، فهو بدلا من ان يعاقب نفسه، عوقب بواسطة أبيه الحقيقي.

***

د. قاسم حسين صالح

منذ زمن طويل وأنا أتمرد من أجل ما أريد.. وما أُحب..  لم أهتم بأي عقبات في طريقي لتلك الرغبات، فأي ضريبة هينة أمام الخسارة وقتها، كل ما كان يهمني أن أصل إليها بأي ثمن، ولو كانت رغبات لا قيمة لها.

ولكن.. أدركت اليوم أنه ليس بالضرورة أن يناسبني كل ما أطلبه وأحارب له، وربما "الطفاسة" هي من علمتني الدرس هذه المرة.

أتذكر أنني كنت طفلة تعشق الحلويات بكل أنواعها، وكم نسيت نفسي أمام قالب تورتة أو بولة آيس كريم! حتى كبرت، فأصبحت دستة الجاتوة سر من أسرار سعادتي، ومن يود الاقتراب مني عليه أن يهاديني بأحب أصناف السكريات إلى قلبي، ولا عزاء للورد والذي منه.

سكر.. حلوة الدنيا سكر...

هكذا هو شعاري حتى وقت قريب.. فلم تعد أمعائي تحتمل هذا الكم من السكريات، من بعد ربع قرن قضيته بأكمله بين البونبون والشيكولاتات وطواجن أم علي.. ويحق لها أن تعترض بعدما استهلكت صبرها وثباتها أمام كل ما لذ وطاب.

صرخت معدتي أخيرًا: "كفى.. لقد طفح الكيل!" ولكن الأمر اختلف الآن، وذلك بفضل حقيقة أعادتني إلى صوابي من جديد، قبل أن أضطر لحجز موعد مع دكتور جهاز هضمي يُصلح ما أفسدته بنفسي!

الخميس – 19 فبراير 2026 أول أيام الشهر الكريم.. يوم الحدث الملهم. ورغم تكرار المشهد بكل تفاصيله، إلا أن تمردي كان يغلبني كل رمضان.

"عايزة كنافة بالمانجا.."

كلمات تبدو عادية لكم، ولكنها تُمثل أزمة جديدة في البيت! تبدأ حينها الحيرة الكبرى، بين الرفض خوفًا على نورا من انغماسها في طبق الكنافة حتى أذان الفجر، وبين الشفقة عليها من رفض طلبها البسيط.

في بيتنا مشكلة!

فكرت كثيرًا في حل القضية، فإما أن أحارب، أو أتنازل.. أحارب صوت العقل وأتمسك برغبتي في افتراس طبق كنافة بلمسات رمضانية، أو أتنازل عنه وتمر الليلة بطبق سلطة والسلام. ولكن التنازل هُنا صعب، بل هو مستحيل، فإن الدسامة بطعم المانجا هي انتعاشة أنتظرها من السنة للسنة، والحقيقة أن أجواء رمضان تُزيد من حلاوتها أكثر. فكيف أخضع للعقل وكل عوامل "الطفاسة" متوفرة؟!

ولمَ أتنازل عن تمردي اليوم بالذات؟!

"خلاص، انتِ حرة.."

كلمات سمعتها بعد خناقة معتادة، ولكنها من وجهة نظري خناقة مسكرة، مرارة تحمل معها الشهد كله، فلا مانع أن أتحمل الغضب وكلمات التهديد من مخاطر اندفاعي وراء متعة.. مؤلمة!

وبعد ساعة من الإلحاح والأحداث المتصاعدة، كنت قد أنهيت السهرة أمام حلقة من مسلسل درامي اعتصرت له القلوب من حولي، بينما قلبي أنا يتراقص فرحًا مع طبقي المفضل، لم يشغلني سوى طعم السكر الذي يتسرب إلى روحي برشاقة ونعومة وكوليسترول!

البال رايق والجو هادي ورمضان جانا و... بطني!!

هذه الطعنات أعرفها جيدًا!. نفس السيناريو ونفس السبب والنتيجة. لقد تغافلت عن ساعة الألم من أجل لحظة النشوة، وبصراحة، لم أستطع الشكوى ولم أجرؤ على طلب أي مشروب دافئ يُلطف لهيب الوجع، فأنا من تمسكت بما يضرني وحسبته سعادتي الأبدية!

"اشربي بقى!".. هكذا قال لسان حالي.

مرت الليلة بسحور خفيف جدًا، لكي لا تتفاقم أوجاعي غير المهضومة ومعها الندم، ومع كل وخزة في أمعائي، كان عقلي ينتفض متسائلًا: هل فهمت الدرس الآن؟

كانت الكنافة سبب بسيط، مجرد سبب لفهم معنى كبير ومصيري في حياتي.. يا إنسان، أنت في هذا العالم ستُحب ما يضرك! ستقودك الرغبة في محبة أحدهم إلى ألمك، ستضيع في سبيل إرضاء قلبه، ستتخبط وتضل الطريق وأنت تعلم تمامًا أنه ليس طريقك، لتجد نفسك تدخل معركة أطرافها المنطق والوهم.

المؤسف أنك أول ضحية تسقط منهم، وحينها سينفض الكل من حولك وتواجه أنت اختيارك.. وحدك! لن يحق لك أن تطلب النجاة وأنت تغرق في أعماق المحيط، فأنت من طلبت الغرق منذ لحظة البداية، فكيف تنتظر مركب الإنقاذ وأنت الغريق بالقرار والتنفيذ؟!

ذلك الطبق المثير للحواس قد منحني السعادة للحظات، أبعدني عن مرارة عالمنا بمذاقه اللذيذ، وعلمني درسًا لن أنساه حتى أنفاسي الأخيرة.. ليس كل ما نشتهيه يُسعدنا، وليس كل نريده ينفعنا، أليس كذلك؟

الحقيقة أن أكثر ما نرغب به هو أشواك تغطيها ألوان الربيع، فالأمر يكمن في إدراكنا لأبعاد الرغبة، وأن ننظر إليها نظرة صادقة..

هل ستجدي نفعًا؟

هل ستأخذنا إلى مكان نستحقه؟

وهل سنأمن بها أم أنها ستلقي بنا في بحور الضياع؟

لمثل هذه الحقائق أحببت معنى "الطفاسة" وأثرها الآن على إنسانيتي، حين اندفعت بكامل إرادتي لتلبية رغبة تضغط على روحي، وحين واجهت البشر بالإصرار عليها وما دونها فهو كلام فارغ، وحين تلذذت بها وانتصرت على كل ما عرقل سيري نحوها، وحين دفعت الثمن في النهاية، أنا فحسب!

تغيرت اليوم كثيرًا، ربما لم أكن لأصل إلى هذا التغيير إلا بضريبة الفهم. أعترف بأنني قضيت الليلة أتألم من فرط ما التهمته وأصابني بالتخمة الفكرية قبل سوء الهضم، ولكنها الحكمة التي تظهر من قلب المغامرة، وإن كانت خطرة أو على الأرجح مميتة، نعم مميتة، فإن بعض الطرق اتجاه واحد لا عودة منه.. يا صابت يا خابت!. لقد دفعت الثمن من عمري، فإن عقوبة العمى عن الحقيقة هي الهلاك المحتوم، أن تُغلق عين عقلك عن مشقة الطريق، من أجل أن يذوب السكر في فمك، لتشعر بالنعيم، فهذا لو تعلمون موت بالبطيء!

وعلى الجانب الآخر، حين تعود لترى الواقع، وترى أين أنت بعد المتعة الزائلة، ستصدمك الرؤية بلا شك، فما راهنت عليه هو أول ما يوجه لك طعنة الغدر!

لذلك، انتبهوا، فإن المشهد لا يمر بسلام في كل مرة. نحن في زمن يُعلمنا أن "الطفاسة" هي جرس إنذار.. حتى وإن أذابت الكنافة مرارة واقعنا، فبعض مواسم المانجا ليست لنا.

***

بقلم: نورا حنفي

تزخر المجتمعات البشرية على مختلف مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية بالعديد من الثروات الطبيعية والطاقات الدافعة للتقدم ومنها المواهب الفردية التي يمتلكها البعض، ذلك أن المواهب ثروة وطنية مخبّأة قادرة على أن تعطي للمجتمع وترفع من شأنه وسمعته في مجالات عدة اذا ما توفرت لها البيئة السليمة لإنضاجها وإكتمالها، ومن أجل النهوض بالموهبة ووضعها على السكة الصحيحة لكي تتحول إلى أداء متميّز وقدوة للآخرين يحتاج الموهوب إلى برامج تعليمية مخصّصة تتجاوز المناهج التقليدية والجامدة، وهو ما كان معمولًا به في الماضي، حيث كانت المناهج التعليمية تعمل على بناء شخصية الطالب وصقلها بما هو نافع لحياته وللمجتمع، ففي مجال النشاطات اللاصفية كانت تقام فعاليات رياضية وفنية وثقافية يتم التعرف من خلالها على المواهب التي تجد في هذه الفعاليات فرصة لإظهار إمكانياتها  ومن ثمّ تطورها وشقّها طريق العطاء والشهرة.

ولكن للأسف في السنوات الأخيرة غابت هذه الأنشطة من نظامنا التعليمي ويبدو أصبح عاجزًا عن اخذ دوره التربوي كما كان في الماضي ومنها رعاية أصحاب المواهب وتوفير الفرص للموهوبين، وقد لا نستغرب قول جبران خليل جبران بأن (الشرق مقبرة المواهب) فالقائمون على التربية والتعليم لا يدركون أن الموهبة كالنبتة تحتاج إلى سقي ورعاية لتنميتها، فإذا ما أُهملت فسيكون مصيرها الذبول والاندثار.

خلال مراحل دراستنا المختلفة، زاملنا العديد من أصحاب المواهب الناضجة والمتطورة خصوصًا في مجالي الرياضة والفن، حيث كان لهؤلاء نشاطاً ملحوظا وقدرات رائعة في هذين المجالين، ولكن للأسف ذهبت مواهبهم ضحية الدروس التي لا علاقة لها بملكتهم الفطرية، حيث وقفت الدروس الهامشية حائلًا أمام اجتيازهم الامتحان النهائي وقطعت طريق ذهابهم إلى المجال الكفيل بتطوير وصقل مواهبهم وتحقيق طموحاتهم، فالمسؤولون عن رعاية هذه المواهب لا يدركون ان لاعب الكرة يفكر بقدميه حين يتعامل مع الكرة، وكذلك الفنان إن كان رسامًا فإنه يفكر بيديه حين يتعامل مع الفرشاة وينجز لوحاته، ومن الظلم أن تتوقف هذه المواهب عن شق طريقها إلى الأمام، ويتوقف عطاؤها بسبب تعثرها بدروس لا علاقة لها بمواهبها وأمامنا شواهد كثيرة على ان الامتحان النهائي ليس مقياسا وحيدا على نضج الانسان وقدرته على العطاء، فمثلًا، بيتهوفن، هذا الموسيقار العظيم، لم يستطع طيلة حياته أن يحفظ جدول الضرب، ولكن هذا لم يمنعه من تأليف أجمل السيمفونيات التي نالت إعجاب واهتمام جمهور واسع من العالم، كما أن الشاعر حسين مردان والروائي حنا مينا كتبا أجمل الأشعار والروايات وهما لم يحصلا على شهادة الدراسة الابتدائية، كما أن الكاتب مصطفى لطفي المنفلوطي كان رائدًا في تعريب الروايات الأجنبية مع أنه لم يكن يتقن أية لغة أجنبية، إنما اعتمد على عبقريته الإنشائية في تعريب نماذج قصصية رومانسية مؤثرة أمثال (ماجدولين)، و(تحت ظلال الزيزفون)، و(الشاعر)، و(في سبيل التاج)، و(بول وفرجيني)، حيث كان يتمتع بحسّ مرهف، وذوق رفيع، وملكة فريدة في التعبير عن المعنى الإنساني من خلال اللغة، وتمكّن من إعادة صياغة هذه الأعمال الأدبية بأسلوبه الخاص، وهي بلا شك موهبة قادته إلى الشهرة وخدمة الثقافة العربية في نقل جانب من الأدب الفرنسي  .

الذي نطمح له أن تكون هناك مؤسسة نزيهة ومستقلة، بعيدة عن المحسوبيات، تقوم بوضع آلية لفرز أصحاب المواهب وتذليل الصعوبات امام تطور مواهبهم، وذلك من خلال لجان اختبار من ذوي الاختصاص تتولى هذه المهمة، تعمل على فرز الموهبة وإزالة العثرات أمامها، لكي تشق طريقها صوب التكامل والتألق، وتصبح عنصرًا فاعلًا في الحياة الثقافية.

***

ثامر الحاج أمين

وكأنّ الرحمة ليست وصفًا لزمن، بل حالةً تصيب القلب حين يتذكّر أصله. في هذه الأيام، لا نصوم عن الطعام فقط، بل نصوم عن القسوة، عن العجلة، عن ذلك الصوت الداخلي الذي ينسى أنّ الله أرحم بنا من أنفسنا.

العشر الأوائل هي لحظة الاصطفاء الأولى، حين يدخل الإنسان إلى نفسه كما يدخل بيتًا قديمًا، ويبدأ بفتح النوافذ واحدةً تلو الأخرى.

تدخل أنفاس النور، ويخرج غبار الأيام. فيها يتدرّب الجسد على الجوع، وتتدرّب الروح على الامتلاء.

يتناقص الرغيف.. ويزداد الأجر.

تقلّ الشهوة.. ويعلو الوعي.

وكأنّ الله، في مطلع هذا الشهر، لا يطلب منك الكمال، بل يطلب منك أن تعود؛ أن تعود بقلبٍ أقلّ صخبًا، وأكثر إنصاتًا.

العشر الأوائل ليست بداية الشهر فحسب، بل بداية الإنسان حين يختار أن يكون ألين؛ أن يرى قسوة العالم، ويُصرّ رغم ذلك أن يكون رحيمًا.

فإذا كانت المغفرة في الوسط، والعتق في الختام، فالرحمة في البداية هي المفتاح. ومن دخل برحمةٍ، وصل بقلبٍ مطمئنّ. رمضان لا يبدأ في السماء، بل يبدأ حين يُزهر في صدرك.

***

صابر الحميدي

الأمم بتفاعل عقولها، ولا توجد أمة تعيش بخير وعقولها متنافرة. التفاعل لا يعني التواصل الكلامي أو النظري والخطابي فحسب، وإنما العملي الإنجازي الملهم للأجيال المتوافدة إلى مسرح الحياة.

من عجائبنا، وفرة العقول الألمعية (ذكية، نشيطة) وقلة الإنجازات العملية، والعلة تكمن في التنافر المتواصل، والأنانية بتأثيراتها السلبية.

مفكرون لكل منهم مشروعه الذي يراه الأصوب ويحقق إرادة الأجيال، وفي ما ينتهجه مفكرونا غلو وتطرف وإمعان بالتخدق بالرأي والفردية الطاغية، التي تتحكم بها الأنانية المفرطة والنرجسية البالغة.

وتظهر النرجسية المفرطة عندما يتحدثون للناس ويكتبون، إذ يمعنون بالإسهاب ويتوهمون جودة الخطاب وتأثيره في السامعين، وهم يقدمون أنفسهم بسلبية طاردة لما يطرحونه من الأفكار، التي يرونها كبيرة وجديرة بالإختيار، والسامع يجدها ضعيفة ومملة لسوء تقديمها.

إن القول أيا كان نوعه بحاجة إلى وسط ينقله بأروع ما يجب أن يكون عليه، لا أن يتحول إلى هذار وسيل من الكلمات والعبارات المبهمة الغثيثة، التي يتصور أصحابها بأنها سهلة ومفهومة، وهي معقدة وطاردة للإصغاء والتأمل والتمثل.

فلا تسهبوا ومارسوا مهارات التفاعل بالكلام!!

فهل أن أمرنا شورى بيننا؟!!

عُقولٌ في تَنافرِها انْهيارُ

وقَهقرةٌ يُباركُها انْكسارُ

إذا انْفرَدتْ عقولٌ في رؤاها

سيَرجمُها التجاهلُ والحِصارُ

فكنْ فيها سِراجاً مُسْتنيراً

وكوكبةً يوهِّحُها ابْتكارُ

***

د. صادق السامرائي

الدراما العراقية اليوم تقف على مفترق طرق بين إرث ثقافي عميق وتحديات معاصرة فرضتها التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فهي تمثل نبض المجتمع العراقي بكل تناقضاته وآماله وآلامه، وتظل مرآة صادقة لتجارب الناس اليومية، حيث تصوّر الواقع بحلوه ومره وتوثّق اللحظات التاريخية والمعيشية التي تمر بها البلاد وإن العراق يمتلك تاريخاً درامياً غنياً يعود إلى منتصف القرن العشرين، حين كانت المسرحيات الإذاعية والمسلسلات التلفزيونية الأولى تحاكي المجتمع وتتناول القضايا المحلية بروح الفن والدراما، مسلطة الضوء على القيم التقليدية والهوية الوطنية ومن ثم بدأت الأعمال العراقية تتطور تدريجياً لتصبح أكثر تنوعاً وثراءً، مع الحفاظ على جوهرها المرتبط بالواقع الاجتماعي والسياسي.

اليوم، يسعى صناع الدراما العراقيون إلى التجديد، حيث باتت الأعمال الجديدة تتناول موضوعات كانت في السابق حساسة أو ممنوعة، مثل الفساد، البطالة، الهجرة حياة المرأة وآثار الحروب على المجتمع. كما أصبح تصوير الشخصيات أكثر تعقيداً وعمقاً، بعيداً عن النمطية البسيطة مما يعكس فهمًا أعمق للإنسان العراقي وتجاربه المتعددة. التقنيات الحديثة في التصوير والمونتاج أصبحت حاضرة بشكل تدريجي في بعض الإنتاجات ما منح الأعمال القدرة على منافسة الإنتاجات الإقليمية في مستوى الصورة والصوت والإخراج الفني وهو ما يشكل نقلة نوعية في صناعة الدراما.

مع ذلك تواجه الدراما العراقية تحديات كبيرة، أهمها محدودية التمويل والدعم الإنتاجي، ما ينعكس مباشرة على جودة التصوير واختيار الممثلين والبنى التحتية المناسبة إضافة إلى ذلك تظل بعض الموضوعات محكومة بقيود اجتماعية ورقابية تمنع تناولها بجرأة بينما يعاني القطاع من نقص الكوادر الفنية المؤهلة نتيجة الهجرة الطويلة ما أدى إلى فجوة في الخبرات وتجربة صعبة لتشكيل فريق متكامل قادر على تنفيذ المشاريع الكبيرة. رغم ذلك يشهد الجمهور العراقي تنوعاً في الخيارات خصوصاً مع صعود المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي التي أتاحت فرصة للأعمال الجديدة للوصول إلى جمهور أوسع وفتحت المجال للتفاعل المباشر مع المشاهدين مما منح صناع الدراما مؤشراً حقيقياً على نجاح أعمالهم وتأثيرها الاجتماعي والثقافي.

الدراما العراقية إذاً ليست مجرد تلفزيون أو مسلسل بل هي تجربة ثقافية واجتماعية تحمل بين طياتها روح المجتمع وتستجيب لتحديات العصر وتبحث عن مساحة للتعبير عن الذات والهوية الوطنية. إنها مسرح لحياة العراقيين بكل تناقضاتها ومساحة للإبداع والتجريب الفني وميدان لتوثيق الواقع وتحليل الأحداث بطريقة درامية مؤثرة والمستقبل مرتبط بشكل كبير بقدرة صناع الدراما على الابتكار وتقديم محتوى يوازن بين الإرث الثقافي والحداثة واستثمار الكوادر الشابة وإنشاء بنية إنتاجية قوية تدعم الإبداع الفني وتفتح آفاق التعاون مع الخارج لتطوير الصناعة وتصديرها خارج الحدود.

إن ما يميز الدراما العراقية اليوم هو قدرتها على الصمود وسط الظروف الصعبة والاحتفاظ بصوتها الخاص رغم كل القيود. فهي ليست مجرد ترفيه بل تجربة اجتماعية وفنية تعكس تطلعات الشعب العراقي وصراعاته اليومية وتوثّق لحظاته المؤثرة على صعيد الفرد والمجتمع والدولة. المستقبل أمام الدراما العراقية مليء بالفرص والتحديات فمن خلال الاستثمار في الكوادر وتوفير الدعم المالي والإنتاجي وتشجيع حرية التعبير الفني يمكن للدراما أن تتحول إلى منصة قوية لإبراز الهوية الثقافية العراقية ونقل رسائلها إلى العالم وأن تصبح قوة ناعمة تعكس قوة المجتمع العراقي وصموده وإبداعه والدراما العراقية اليوم هي أكثر من مجرد حكاية تُروى إنها مرآة حضارية، وسجل حي لتاريخ الشعب وصوت حقيقي ينبض بالإبداع والتحدي يثبت أن الفن قادر على التأثير وإحداث التغيير، وأن العراق رغم كل صعوباته سيظل يحتفظ بروحه الفنية ويستمر في صناعة دراما تليق بتاريخ هذا الشعب العريق.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

فوجئت قبل أيام برسالة تأبينية موجزة، ومعبرة، تبعث على الحزن والأسى، من الصديق العزيز والأكاديمي المتميز إ.د. محمد الربيعي، عن وفاة صديقنا العزيز المشترك، الدكتور عقيل الناصري في السويد [يوم 19 شباط 2026 ]، وأرى من المفيد، وإكمالاً للصورة، ذكر الرسالة هنا فهي قصيرة ومعبرة، كالتالي: (وداعا نصير الزعيم، بمزيد من الحزن والأسى نودع اليوم الباحث العراقي القدير الدكتور عقيل الناصري الذي رحل عنا في مغتربه السويدي، تاركا وراءه ارثا غنيا من المعرفة وموقفاً مبدئياً لم يتزحزح. عرفناه باحثا دقيقا وانسانا نبيلا، وجمعتنا به لقاءاتنا كديمقراطيين تجمعهم وحدة الهدف، ويؤلف بين قلوبهم حبهم المشترك لذكرى الزعيم عبد الكريم قاسم ومنهجه الوطني. لقد كان الفقيد صوتا للعقل ومنارة لكل من سعى لفهم تاريخنا المعاصر بإنصاف. لا شك أن رحيله يترك فراغا في ساحات الفكر وفي قلوب اصدقائه الذين عرفوا فيه طيبة المعشر وصلابة الموقف. الذكر الطيب دوما للدكتور عقيل، وخالص المواساة لعائلته ومحبيه. محمد الربيعي).

نعم كانت الرسالة كالصاعقة عليً، فيها الكثير من الحزن والأسى، كيف لا، وكان الدكتور عقيل شاركنا مراراً في ندواتنا في مهاجرنا في المناسبات الوطنية مثل ذكرى ثورة 14 تموز 19158 المجيدة بقيادة الزعيم الطيب الذكر ابن الشعب البار عبدالكريم قاسم، الذي يحاول البعض تحميله كل جرائم البعث الصدامي بانقلابهم في 8 شباط 1963 الأسود، وبتهمة أنه فتح باب الإنقلابات العسكرية، وعدم الاستقرار السياسي في العراق. فالمعروف عن الزعيم قاسم أنه كان إنساناً مسالماً إلى أقصى حد، وهو الذي أدخل شعار "عفا الله عما سلف" في الشعب العراقي الذي تشرب بالعنف والثأر البدوي إلى أقصى حد أيضاً، ناسين، أو متناسين عن عمد، أن سبقت ثورة 14 تموز نحو 8 انقلابات عسكرية، منها ناجحة ومنها فاشلة، أولها كان انقلاب الفريق بكر صدقي عام 1936، وهو أول انقلاب عسكري في البلاد العربية في عصرنا الحديث.

كان الراحل عقيل الناصري قد كرس جل إمكانياته الأكاديمية والكتابية للدفاع عن الثورة وقائدها الزعيم عبدالكريم قاسم، فأصدر نحو 10 كتب في هذا الخصوص، حيث صار أصدق مرجع رصين للثورة وقائدها لدى أغلب الباحثين الأكاديميين لا يشق له غبار. ومن حقه الدفاع عن الثورة ومبرراتها، وقائدها خاصة وأن حكومة الثورة قد حققت من الإنجازات الوطنية في عمرها القصير أربع سنوات ونصف ضعف ما حققه العهد الملكي خلال 38 عاما من عمره. واغلب هذه الإنجازات كانت في صالح الفقراء مثل قانون الإصلاح الزراعي، وقانون الأحوال الشخصية الذي انصف المرأة، وبناء مدينة الثورة للفقراء المساكين الذين كانوا يعيشون مع حيواناتهم في صرائف بائسة خلف السدة ببغداد، ومدن أخرى خارجها، لذلك لقبوا الزعيم بأنه زعيم الفقراء. وهناك قائمة طويلة من الإنجازات لا يسع المجال لذكرها هنا.

 أما عن العنف الذي حدث في السنة الأولى من الثورة، وبشهادة الباحث الأمريكي من أصل فلسطيني، حنا بطاطو في كتابه القيم عن تاريخ العراق الحديث، حيث قال: أن عبدالكريم قاسم مارس العنف في حده الأدنى في مرحلة كانت تتطلب الكثير من العنف. كما ويشهد المستشرق الفرنسي ماكسيم رودنسن الذي قال: "إن ثورة 14 تموز 1958 العراقية، هي الثورة الوحيدة في البلاد العربية."

والجدير بالذكر أن الراحل عقيل الناصري هو أحد مؤسسي التيار الديمقراطي في العاصمة السويدية ستوكهولم، وكما ذكر لي الصديق المفكر العراقي الأستاذ فياض موسى في بيان لسكرتارية المجلس العراقي للسلم والتضامن جاء فيه: "كان الراحل [عقيل الناصري] عضواً في هيئة رئاسة المجلس العراقي للسلم والتضامن، وأسهم بإخلاص وفاعلية في نشاطاته منذ عام 2003 وحتى أيامه الأخيرة، مؤمناً بأن السلام والحرية والعدالة قضايا لا تقبل المساومة."

أما عن تفاصيل سيرته الذاتية الثقافية الأخرى فلا أرى ضرورة لأتطرق إليها هنا، فقد نشر فقيدنا سيرته الرائعة العريقة بقلمه الصادق في صحيفة الحوار المتمدن الإكترونية، أدرج رابطها في الهامش فهي جديرة بالاطلاع.

وأخيراً، نسأل الله تعالى أن يغمد روح فقيدنا الغالي فسيح الجنان، والذكر الطيب، ويلهم ذويه وأصدقائه وقرائه الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

***

عبد الخالق حسين

............................

مواد ذات علاقة

منظمة الحزب الشيوعي العراقي في السويد: وداعاً دكتور عقيل الناصري

https://www.iraqicp.com/index.php/sections/annauncement/69094-wda-aan-dktwr-qyl-alnasry

د. نبيل عبد الأمير الربيعي: حين يغيب الجسد ويبقى الفكر.. وداعاً عقيل الناصري

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=906633

السيرة الذاتية للراحل الدكتور عقيل الناصري في موقع الحوار المتمدن

https://www.ahewar.org/m.asp?i=454

شكلت الحريات مفهوماً واسعاً، وشاملاً حقق وجوده الطوعي على الإدارات المؤسساتية، والحياتية، وإلزامها بالوجود الكلي والطوعي لحرية الإنسان، ومن اهم مبادئها:

الحرية الإنسانية او الفردية وهي اشارة كبيرة لا يمكن تجاوزها او اهمالها ؛ كونها العمود الفقري للإنسان، وللوجود الكياني لحياته الكريمة، وشكل ظهورها طابعاً تتابعياً في الاهتمامات الفكرية الفردية، والعامة، ودونتها النصوص التشريعية، ضمن السلسلة الأولى لأولوياتها، وتوظيف وجودها ضمن نطاق حرية التمتمع بالأمن والأمان واحترام الإنسان ككائن قائم بذاته حراً، بلا تقييد وإهدار لكرامته وحرية الذهاب والإياب واحترام الذات الشخصية من عدم انتهاك حرمة المنزل أو المراسلة، وعليه تقسم هذه الحريات إلى:

1- حرية الأمن والشعور بالاطمئنان.

2- حرية الذهاب والإياب (التنقل).

3- حرية حرمة المنزل والحياة الخاصة.

4- حرية سرية المراسلات الشخصية.

وهذه تؤسس مفهوم الحرية المطلقة للوجود الإنساني ككل من دون تمايز وجودي بين الأفراد، واختلاف الطبقات .

ولتأتي الحرية الفكرية والثقافية ضمن نطاق التسلسل الثاني؛ لأنها تعنى بالوجود الإنساني ككل فهو حراً في تفكيره، وتكوين راية كما يشاء وحراً في التعبير عن راية بالطريقة التي يريد ومن دون معوقات سواء كان هذا التعبير بالقول أو الكتابة وتعبيرها بمختلف الوسائل المتاحة، وتقسم إلى:

1- حرية التعليم.

2- حرية الصحافة والاعلام والمعلومات.

3- حرية التجمع.

4- حرية العبادة والعقيدة.

5- حرية الرأي والتعبير.

وتندرج ضمن هذه التصنيفات ما يعرف بالحريات السياسية، وهي تتجه بإزاء الغموض باعتبارها نوعاً من انواع الحريات، وقد اختلف فقهاء السياسية وتباينت تعريفاتهم لها فيرى بعضهم بأنها"الحكومة الدستورية اي الحكومة التي يكون للشعب فيها صوت مسموع".

ويعرفها بعضهم بأنها:" شعور المواطن بالطمأنيينة والأمن في المجتمع وهذا الشعور يعني انعدام كل حكم تعسفي أو مستعبد"، وتقسم إلى:

1- حرية المشاركة السياسية.

2- حرية الاجتماع.

3- حرية تكوين الجمعيات.

4- حرية تكوين النقابات.

وتتخد الحريات الاقتصادية والاجتماعية المرتبة المتأخرة ضمن التصنيفات المدونة ويقصد بها الحريات العامة، والماديات، والثقافات، وحق الإنسان في الكفالة الأجتماعية.

1- حرية العمل.

2- حرية التملك.

3- حرية التجارة والصناعة.

4- حرية الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية.

اضيف، أن الحريات مهما تعددت تصنيفاتها، وتنوعت ادوارها لا تحقق وجودها، مالم تحقق حرية الإنسان، وتؤسس فكرة وجوده، وثباته، وحضوره المعلن في الذات الشخصية اولاً، والذات الاجتماعية العاملة ثانياً، فهو- الإنسان- الحق الأول في الأرادة الذاتية، والوجود الحياتي.

***

د. وسن مرشد

جامعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات

تكاتف: تعاضد، تعاون، تضامن

تآلف: إجتماع على وئام وأخاء ومحبة متبادلة

كنا طلابا في الكلية وزارنا أحد المفكرين المعروفين آنذاك، وكنا جمع من الطلبة نسير خلف مجموعته الحافة به، وبغتة توقف ونظر إلى بنايات الكلية وقال: "بنايات قديمة تتكاتف مع بنابات جديدة، يا ليت أجيالنا كذلك"، ومضت مسيرة التجوال في أروقة الكلية.

في وقتها لم أفهم معنى ما ذكر، لكنها بقيت راسخة في ذاكرتي، ودارت السنون، وتنامى الوعي وتوسع الإدراك، فوجدتني من الجيل الذي يعاني من المعوقات والتحديات التي يجتهد في إبتكارها الجيل السابق، والذي يريد التمترس في مواقعه ولا يعنيه الوطن والمواطنين.

والجيل الذي تسبب بقهرنا وإمتهاننا هو جيل الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، وأعني بهم الذين تسنموا مواقع سلطوية وتأبطوا كراسي الحكم.

عشنا في زمن لا توجد فيه تسهيلات وتحفيزات بل تعويقات وإحباطات، وإمعان بتدميرنا والقضاء على وجودنا، فالجيل المتمكن من الحكم لا يريد توافد أجيال واعية ذات ثقافة معاصرة ومعارف متنامية، فكان الذي كان منذ ثمانينيات القرن العشرين ولحد الآن.

واليوم ما عادت الأجيال تتصارع وحسب، بل أن الفرقة والنزاع صارا سلوكا متوطنا في كل جيل، وكأن الجيل عبارة عن كتلة متشظية متناثرة فوق التراب الذي سيبتلعها، وهكذا يتم طمر الأجيال بذاتها وبموضوعها، وتحويلها إلى مصدات تمنع جريان الأفكار ونماء الإبداع والعطاء.

ينما مجتمعاتالدنيا نهر أجيالها يجري بتدفق وثاب ويسقي مساحات غير مروية من ربوعها ويحولها إلى مروج غناء.

أجيالهم تتكاتف، وأجيالنا تتخالف، وتتناسف، والصراع السلبي ديدنها الفاعل فيها كأنه آفة لا تهجع!!

إذا الأجْيالُ في جيلٍ تطامَتْ

فما بلغَتْ مُراداً حينَ شاءَتْ

تعوّقها مَصدّاتٌ ترامَتْ

وتضْعِفها بقاضيةٍ أبادَتْ

نفوسٌ في كوامِنها وحوشٌ

تمزّقنا بما ابْتكرَتْ وشادَتْ

***

د. صادق السامرائي

في خضم تسارع الحياة وتراكم الضغوط، يبقى الإنسان في حاجة ماسة إلى محطة مراجعة، يعيد فيها ترتيب أولوياته، ويصحح مساره، ويسترد بوصلته الداخلية. ومن بين مواسم العام كله، يطل علينا رمضان بوصفه أعظم فرصة للتغيير الحقيقي؛ لا تغيير الشعارات، بل تغيير الجذور.

إن تطوير النفس ليس ترفاً فكرياً ولا خياراً مؤجلاً، بل هو ضرورة وجودية لرفعة الإنسان وزيادة فاعليته وإنتاجيته. والتغيير في جوهره عملية ديناميكية مستمرة، تنتقل بالفرد من حال إلى حال، ومن مستوى إلى مستوى أرقى. غير أن هذا التغيير يحتاج إلى بيئة روحية تغذيه، وإلى مناخ إيماني يحتضنه… وهنا تتجلى عظمة رمضان.

رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو “تجارة رابحة” مع الله عز وجل؛ تجارة تتضاعف أرباحها إلى سبعمائة ضعف، تجارة لا تبور ولا تخسر، ولا يندم عليها من عقدها بإخلاص. أي صفقة دنيوية، مهما عظمت مكاسبها، لا يمكن أن تضاهي صفقة مع الخالق، حيث العطاء مضاعف، والأجر محفوظ، والربح مضمون.

لقد فهم الصالحون رمضان على أنه موسم “انقلاب داخلي شامل”: انقلاب على تقصير النفس، وهفوات العقل، ونزوات الجسد، وكبوات العمل. إنه شهر يعيد تشكيل الإنسان من الداخل؛ يحرره من أسر العادة، ويكسر قيود الشهوة، ويعيد إليه سيادته على رغباته بعد أن كانت هي المتحكمة فيه. وكما قيل:  الصائم  حر والمفطر عبد؛ لأن الصائم يستيقظ كل يوم وهو يمارس حريته في أسمى صورها: حرية الإرادة وضبط الذات.

وفي الحديث الشريف" إذا كان أولُ ليلةٍ من شهرِ رمضانَ صُفِّدَتِ الشياطينُ ومَرَدةُ الجنِّ، وغُلِّقتْ أبوابُ النارِ فلم يُفتحْ منها بابٌ، وفُتِّحَتْ أبوابُ الجنةِ فلم يُغلقْ منها بابٌ، ويُنادي منادٍ كلَّ ليلةٍ : يا باغيَ الخيرِ أقبلْ، ويا باغيَ الشرِّ أقْصرْ، وللهِ عتقاءُ من النارِ، وذلك كلَّ ليلةٍ. رواه الترمذي وابن ماجة

إنه نداء مفتوح للتغيير، دعوة ربانية للانطلاق، فرصة لا تتكرر إلا مرة في العام، فمن لبى نداء الخير ارتقى، ومن تردد بقي أسير أمنيات بلا أفعال.

رمضان شهر السمو الروحي وتطهير النفس من شوائبها. في أيامه يتعلم الإنسان مهارات حياتية عميقة: الصبر، الإرادة، ضبط الانفعال، التواصل، التراحم، الشعور بالآخرين، العطاء دون انتظار مقابل. هو مدرسة متكاملة في تنمية الذات، حيث يرتقي الخلق، وتصفو العلاقات، وتتوحد القلوب تحت عبادة واحدة وشعور واحد.

إنّ التغيير في رمضان لا يكون بالأماني، بل بالمبادرة الداخلية والعزيمة الصادقة. فلا يكفي أن نتمنى أن نكون أفضل، بل لا بد من قرار واع، وتجريد للنفس من أعذارها، ومحاسبة دقيقة لمزالقها. مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾.الرعد: 11، فالتغيير يبدأ من الداخل، من الفكرة قبل السلوك، ومن النية قبل الفعل.

رمضان يعلمنا أن الحرية الحقيقية ليست في الانفلات، بل في الانضباط؛ وأن الكرامة ليست في كثرة الامتلاك، بل في قوة الإرادة؛ وأن العزة ليست في السيطرة على الآخرين، بل في السيطرة على النفس. إنه شهر يبني الإنسان القوي، الحر، الكريم، صاحب الهمة العالية.

ولذلك كان الحديث عن “رمضان شهر التغيير الشخصي” ضرورة فكرية وتربوية، لأن الصيام ليس عبادة موسمية فحسب، بل مشروع إصلاحي متكامل يمسّ جوانب الحياة كافة: الاستعداد والتهيئة، البرمجة الذاتية، الصحة النفسية والجسدية، إدارة الوقت، الصبر والإرادة، ضبط الغضب، التربية الأسرية، التكافل الاجتماعي، وحتى الوعي الاقتصادي.

إنها منظومة تغيير شاملة، تعيد صياغة الفرد، ومن ثم تسهم في نهضة الجماعة والمجتمع. فالمجتمعات لا تتغير بقرارات فوقية، بل بقلوب تغيرت، ونفوس تزكت، وإرادات تحررت.

وفي الختام، يبقى السؤال مع كل رمضان: هل سنخرج منه كما دخلنا؟ أم سنخرج بنفوس أقوى، وقلوبٍ أنقى، وهممٍ أعلى؟

رمضان فرصة إلهية متجددة، ومن أحسن استثمارها ربح الدنيا والآخرة، ومن أضاعها خسر موسماً قد لا يتكرر. فلنشمر عن سواعد العزم، ولنقبل على هذا الشهر بوعيٍ جديد، لنجعل من العبادة مشروع نهضة، ومن الصيام طريق حرية، ومن رمضان نقطة تحول حقيقية في مسار حياتنا.

***

د. أكرم عثمان

21-2-2026

من الطقس الديني إلى المعنى الحضاري

في المغرب لا يدخل رمضان فجأة، بل يُستدعى كما يُستدعى ضيف عزيز طال غيابه. يتهيأ له الناس منذ رجب وشعبان، وكأنهم يمهدون الطريق لنورٍ سيعبر الأزقة العتيقة ويستقر في الصدور قبل البيوت. هنا لا يُنتظر الهلال فحسب، بل يُنتظر ما يحمله من صفاءٍ ومراجعةٍ وحنين. وكما قال عبد الله العروي: «المجتمع الذي يحفظ طقوسه، يحفظ ذاكرته»، ورمضان في المغرب ذاكرةٌ تمشي على قدمين، تتجدد كل عام ولا تشيخ.

من الرباط إلى فاس، ومن العيون إلى تطوان، ومن أكادير الى طنجة، تبدأ الحكاية قبل الإعلان الرسمي لثبوت الشهر. تتغير ملامح المدن بهدوءٍ تدريجي، كأنها تدخل في حالة استعداد روحي. أول ما يتهيأ هو المسجد؛ تُغسل أرضياته، تُبدّل زرابيّه، يُعاد طلاء جدرانه، وتُختبر مكبرات الصوت كما يُختبر صدق النية. في الوجدان المغربي، المسجد بيت الجميع، و«اللي جا لدار الله مرحبا به»، لذلك ينبغي أن يكون في أبهى حلة. يُستدعى القرّاء من مدن بعيدة، بأصوات رخيمة تشبه جريان الماء في السواقي القديمة، ويجتمع الناس في التراويح صفوفاً متراصة، كأنهم يعيدون رسم صورة للبنيان كيف يجب أن يكون مرصوصا.

وفي البيوت، تبدأ طقوس لا تقل قداسة عن طقوس المحراب. تفوح رائحة العسل والسمسم واللوز المحمّص، فتعلن أن زمن «سلو» و«الشباكية» قد اقترب. ليس الأمر مجرد إعداد حلوى، بل استدعاء لذاكرة الطفولة، لذاك المشهد الذي تجلس فيه الأم أو الجدة وسط المطبخ، تُوجّه وتبتسم وتبارك. الكاتبة فاطمة المرنيسي كانت ترى أن المطبخ فضاء تصنع فيه النساء تاريخاً صامتاً، وفي رمضان يصبح هذا التاريخ مسموعاً برائحة العسل. ويقال في المثل الشعبي: «الدار اللي ما فيها شباكية، ما فيها حكاية»، وكأن الحكايات تحفظها الأطباق كما تحفظها الكتب.

ومع اقتراب الشهر، تمتلئ الأسواق بالأقمشة، ويجلس الخياطون كأنهم يحيكون الزمن نفسه. الجلابة، البلغة، القفطان… ليست مجرد ملابس تُشترى، بل هوية تتجدد. يعود كثيرون إلى لباس الأجداد، في مشهدٍ يختلط فيه الجمالي بالروحي. المفكر المهدي المنجرة قال يوماً إن الهوية طاقة متجددة وليست ماضياً جامداً، ورمضان يوقظ هذه الطاقة في تفاصيل صغيرة: في اختيار لون الجلابة، في تطريز قفطان، في انتعال بلغة جديدة مساء أول تراويح. كأن الجسد بدوره يصوم عن العادي ويرتدي ما يليق بالمناسبة.

الأسواق بدورها تدخل إيقاعاً خاصاً؛ حركة دائبة، سلال تُملأ، توابل تُوزن، تمرٌ يتكدس في الواجهات. أصوات الباعة تختلط بنداءات البركة، والناس يرددون: «اللي بغا البركة يبكر». لا أحد يريد أن يفوته شيء من استعدادات المائدة الأولى. ومع هذا الحراك، تحضر فكرة المراقبة في الأسعار وسلع التموين، لأن رمضان شهر البركة لا شهر الاحتكار، وشهر التيسير لا التعسير. إنه زمن يعيد ترتيب العلاقة بين الحاجة والأخلاق.

ولا يكتمل المشهد دون روح التضامن التي تتجلى في مبادرات الخير. «قفة رمضان» تنتقل من يد إلى يد، وموائد الرحمن تُنصب في الأحياء، والقلوب تتسع قبل الموائد. محمد عابد الجابري رأى أن الأخلاق هي العمود الفقري لأي مجتمع، وفي رمضان يظهر هذا العمود واضحاً لا لبس فيه. المغربي قد يقتسم نصف خبزه، لكنه لا يرضى أن ينام جاره جائعاً، فـ«الجار قبل الدار» ليست عبارة عابرة، بل قاعدة سلوك متجذرة.

وفي كل ذلك، تضاعف النساء جهودهن في صمت يشبه الدعاء. تُلمع الأواني، تُغسل الستائر، تُرتب الزوايا، وكأن البيت يستعد لاستقبال نورٍ مخصوص. النساء يعرفن، بفطرتهن، أن رمضان ليس امتناعاً عن الطعام فحسب، بل ترتيباً للفوضى الصغيرة في الداخل واستعداداً لصفاء أكبر.

هكذا يصبح رمضان في المغرب زمناً يُعاش بكل الحواس. تخفت الأصوات نهاراً، وتنبض الحياة بعد الأذان. تجتمع الأسرة حول مائدة واحدة، وتتجاور الأكتاف في صلاة واحدة، وتتصالح الأزقة مع سكونها القديم. هو شهر تختلط فيه العبادة بالعادة، والروح بالمجتمع، والماضي بالحاضر، حتى إذا ارتفع أول أذان مغرب، شعر الناس أن شيئاً عميقاً قد بدأ؛ أن الوطن نفسه يصوم ويصلي ويبتسم.

ومع الهلال، يهمس المغرب كله، مدنه وقراه وأمثاله الشعبية وذاكرته العتيقة: مرحباً بك يا سيدنا رمضان، يا ضيف الكرام.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

يزدهر الإعلامُ المُشيطِن حين تضيق السياسة وتشتعل الهويات، في لحظات الأزمات والصراعات لا يكتفي بعضه بنقل الخبر، بل يتحوّل إلى ماكينة لصناعة العدوّ وتغذية الخوف: يُجرِّد الآخر من إنسانيته، يختصره في صورة وحشٍ كاسر، ثم يُقنع الجمهور بالتدريج، أن إقصاءه أو سحقه ليس جريمة بل ضرورة.

هكذا تُعاد هندسة الوعي: لا لتفسير الواقع، بل لتلغيمه.

رأينا النموذج الأكثر فجاجة لهذا المنطق في دعاية (داعش)، حيث استُخدمت المقاطع الموجّهة لإنتاج الرعب وتضخيم القوة وإرباك الخصوم، عبر خطاب يخلط المقدّس بالدموي ويبيع الوحشية كأنها بطولة، لم تكن الغاية إخبار الناس بما يحدث، بل التحكّم بما يشعرون به: صدمةٌ تُعمَّم، وخوفٌ يتحوّل إلى قناعة، وقناعةٌ تتحوّل إلى قبولٍ ضمني بأي ردّ فعلٍ متطرّف، إنها "سياسة المشاعر" حين تُدار كحرب، وحين يصبح الخوف مادةً أولية تُصنع منها الطاعة.

اليوم لا تحتاج ماكينة الشيطنة إلى رايات سوداء كي تعمل؛ يكفي أن تنتقل تقنيتها إلى المجال السياسي والعرقي والطائفي، لتصبح "محتوى" يوميًا: فيديوهات مقتطعة من سياقها، عناوين تصرخ بدل أن تشرح، صور تُختار بعناية لتؤدي وظيفة واحدة: إثارة الغضب قبل أن يولد السؤال، وهنا تتحول اللقطة إلى حكم، والهاشتاغ إلى محكمة، والجمهور إلى هيئة محلفين لا تملك ملف القضية.

ومن أخطر تجليات الإعلام المُشيطِن أنه لا يكتفي بتضخيم الخلافات، بل يصنع من الآخر كائنًا خارج الإنسانية تمهيدًا لتبرير أي إجراء ضده لاحقًا، في التجربة العراقية، تبرز أمثلة عبر قنوات حزبية/طائفية تستهدف إقليم كوردستان بخطاب يومي يصنع الكراهية ببطء: تُروَّج أكاذيب من نمط "كوردستان تعتاش على نفط البصرة"، أو تُستدعى خرافات مهينة مثل "الكورد أبناء الجن"، أو تُرمى القيادات بتهم جاهزة من قبيل "لصوص يسرقون رواتب الموظفين"، مع إغراق المشاهد بسرديات متكررة عن "علاقات سرّية" مع إسرائيل وغيرها من المفبركات، هذه الأسطوانات لا تستهدف معلومة بعينها بقدر ما تستهدف صورة ذهنية كاملة، فوظيفتها ليست تفسير أزمة الرواتب أو الخلافات الدستورية، بل تحويل الإقليم إلى خصم أخلاقي بلا حقوق، كي يبدو أي ضغط اقتصادي أو تحشيد سياسي ضده أمرًا مستحقًا لا مدانًا.

ومثل هذه الحملات لا تعمل في الفراغ؛ غالبًا تسبق الأفعال وترافقها، مثال ذلك ما جرى في اجتياح كركوك حين سبقت التوترات موجة دعاية ركّزت على ما سُمّي "مظلومية العرب والتركمان"، في صياغات لا تبحث عن حلول إدارية عادلة بقدر ما تُصعّد الهوية على حساب الدولة، وتحوّل المدينة إلى ساحة اختبار لمعادلة: "نحن الضحية دائمًا… والآخر هو المتهم دائمًا"، وحين تُدفع المجتمعات إلى الاصطفاف بهذه الطريقة، تصبح شرارة صغيرة كافية لتبرير إجراءات كبيرة، وللأسف لا يقتصر هذا النمط على العراق، في سوريا مثلًا تحولت المقاطع المقتطعة، من مختلف الأطراف، إلى ذخيرة في حرب الروايات: كل جهة تنتقي ما يخدم سرديتها، تبني عدوًّا مطلقًا، وتستثمر في الانفعال بدل التحقق، تتنافس الصور على صناعة الحقيقة لا على كشفها، فيما يُدفن السياق تحت عناوين صاخبة تُصادر حق الناس في الفهم.

الشيطنة الإعلامية ليست خطأً مهنيًا فحسب؛ إنها مشروع تعبئة يبدأ بإلغاء إنسانية الخصم، ثم يُطبّع الإقصاء، ويُمهد نفسيًا لأي فعل عدواني محتمل ذات يوم، ومواجهة هذا المسار لا تكون بالرقابة وحدها، بل بإعادة الاعتبار لمعايير التحقق، وكشف آليات القصّ والانتقاء، وبناء مناعة مجتمعية تسأل قبل مشاركة أي مقطع:

من صمّمه؟ ماذا حذف؟ ولماذا الآن؟

لأن أخطر ما في هذا الإعلام أنه يجعل الكراهية تبدو منطقًا… ويجعل العنف يبدو خيارًا.

***

كفاح محمود

الأرض جرم مما لا يُحصى من الأجرام السماوية، وربما العديد منها يكون مأهولا وتتواجد فيه البيئات الملائمة لصناعة الحياة، ولا يمكن للماء أن يكون متوفرا في الأرض وحسب، ولا يصح القبول بوجود شمس واحدة، والدراسات المعاصرة تُظهر لنا عالما مطلقا من النيران والإنفجارات والتفاعلات الإمحاقية بين المجموعات الشمسية والأجرام التائهة وآفات الثقوب السوداء المرعبة.

في هذا الخضم المحتدم الصراعات، نعيش في الأرض وكأننا العالم الوحيد، والكينونة المثلى، ونتناسى بأننا نخضع لقوانين كونية فاعلة فينا لتبقينا.

وهي صارمة ومتوازنة، والأرض بصفتها كائن حي لا تقبل بما يتسبب بدمارها، وإلغاء وجودها الذي تتفاخر به بين الأجرام، وبسببه تبقى تدور وتتحرك في أفلاك السرمد؟

والذين يتوهمون الطغيان والإستبداد والتعبير عن الجبروت، تنقض عليهم إرادة الأكوان وتلغيهم وتعيد للأرض إنسجام إيقاعها، وسلاسة دورانها المحفوف بالمخاطر والذي يقيها من ويلات الفناء.

فالأرض ينتهي ما عليها إذا توقفت عن الدوران لوقت قصير، فداينمو الحياة عليها يكمن في إستمرارية دورانها.

وما يسمى بالعدالة الإلهية قوانين كونية تطبق على الأحياء كافة.

فمن يتمادى في إجرامه يقترب من نهايته، ومَن يظلم ينال ما لا يخطر على باله من الأوزار، وتكون نهايته أبشع من ظلمه.

مَوازينٌ بها الأكوانُ دامَتْ

عَدالتها كبرهانٍ تراءَتْ

فكلُّ زيادةٍ ذهبتْ لنقصٍ

وكلُّ مَطالمٍ طفحَتْ تَهاوَتْ

فبعْدَ العُسرِ يُسراً مُسْتطاباً

ففي فلكٍ عَناصرُها تآوَتْ

***

د. صادق السامرائي

 

حين يغيب الضمير العلمي، يتحول الاشراف البحثي من "صناعة للعقول" إلى "مقبرة للطموح". فما نراه اليوم في بعض الأوساط الأكاديمية ليس مجرد تقصير اداري، بل هو خيانة صريحة للأمانة العلمية، واعتداء على مستقبل أجيال كاملة.

أن تجد مشرفاً لا يقرأ، لا يتابع، ولا يوجه، فذلك كارثة بكل المقاييس. فلسفة الاشراف لا تقوم على رمي الطالب في عرض البحر ثم القول: "أنت باحث، تصرّف!". الباحث المبتدئ يحتاج إلى "مشرف حقيقي" يختصر عليه المسافات، لا الى موظف يكتفي بالتوقيع على الأوراق الرسمية في نهاية العام.

ومن أعجب ما نشهده في الأروقة الجامعية: مشرف يطرح موضوعاً لا يفقه فيه شيئاً، أو يصرّ على الإشراف في تخصص بعيد عن مجاله الدقيق. والنتيجة؟

- تخبط منهجي: الطالب يسير في ظلام دامس، والمشرف لا يملك "مصباح المعرفة" لينير له الطريق.

- إجابات معلبة: حين يُسأل المشرف عن جزئية علمية، يلوذ بعبارته الشهيرة "هذا شغلك أنت كباحث"، وهي في حقيقتها ستار يخفي جهله وعجزه.

الطالب ليس رقماً في سجل إداري، بل إنسان يستهلك وقته وماله وأعصابه. حين يضيّع المشرف سنوات من عمر الطالب بسبب إهماله، فهو لا يدمّر بحثاً فحسب، بل ينسف "مشروع حياة". التكاليف المادية المرهقة، والضغط النفسي القاتل، هي الثمن الذي يدفعه الطلاب مقابل لقب "مشرف" يحمله من لا يستحقه.

رسالتي إلى زملائي في الميدان: الإشراف ليس منصباً شكلياً، بل هو أبوة علمية ومسؤولية أخلاقية. فإذا لم تكن قادراً على القراءة والتدقيق والتوجيه، فاعتذر بشرف، ولا تتحول إلى "معول هدم" في حياة شاب وضع ثقته ومستقبله العلمي بين يديك.

*** 

محمد الربيعي

بروفسور متمرس ومستشار دولي

 

غادرنا بهدوء وصمت الرفيق والاخ العزيز عقيل الناصري، خبر مؤلم بالتاكيد وحزين بلا حدود، لسنوات غاب عقيل عنا وظل الانتظار الممل، بينه وبين محبيه، مملوءا بقسوة الحياة والغربة والمنافي، ارسل لي كتابه لتقديمه، فكتبت له الكلمة التالية، التي تستذكره وتقدمه للصداقة والمعرفة عقيلا … خسارة ولكن كتاباته والذكريات التي جمعته مع كل الرفاق والاصدقاء تبقى خالدة، مهما ذاقت الانفس مصيرها المحتوم.هذا ما كتبته مقدمة لكتاب الدكتور عقيل الناصري،  في حياته، نصا؛

يجتهد د.عقيل الناصري في قراءاته في التاريخ العراقي المعاصر، مختصا بفترة ثورة 14 تموز/ يوليو 1958 وزعيمها عبد الكريم قاسم، كما ينحت بعض المفردات التي يواصل فيها من سبقه في هذا المضمار، كالراحل الكبير هادي العلوي، فيحاول ان يميز في كتبه مصطلحات، منحوتة من المفردات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والنفسية، خصوصا، في مفردة واحدة. كما يحاول هو في البحث في اختصاص التاريخ السياسي ونشر العديد من الكتب التي اصبحت مصادر او من بينها لتلك الفترة الحرجة من تاريخ العراق المعاصر، من خارج اختصاصه الدراسي والتعرف او الامتياز به. واصبح الموضوع الذي تناوله مدار همه واهتمامه ومعرفته واختصاصه، وسجل له الاصرار عليه والتماهي مع سيرته ومسيرته. وكمثقف عربي يعيش خارج وطنه الاول ويكتب في التاريخ السياسي ويراجعه ويجتهد فيه يتميز في وفائه للبحث ومحاولة التجرد من الذاتية العاطفية والضغوط السياسية وغيرها. ولانه في منفاه الاوروبي الليبرالي لم يخضع الى ضغوط الكتابة المنحازة او المسيسة برقيب رسمي، بل نجح جاهدا في البحث الموضوعي او ما استطاع اليه سبيلا.

هذه الخصال تميز الباحث الجاد وتسجل له. وقد تمكن منها في تحريك اسئلة عن التاريخ السياسي في العراق المعاصر. كيف نقرأه وكيف نفهمه، وكيف ندرس حركته وشروطه وتحولاته وتاثيرات العوامل الموضوعية والذاتية عليه، وكيف اخيرا نقدمه لقارئ قد يكون عاش فترته او ساهم فيها او لم يعشها ولم يشترك في احداثها؟، وهو المؤمل او المرجو من فائدة الكتاب والتاليف والبحث. وهو ما عمل عليه الباحث الناصري في كتبه العديدة التي نشرها. والمنشود من غيره السير على منوالها او في طريقها، بحثا عن الحقيقة والمصداقية والامانة والنزاهة الاخلاقية والسياسية والتاريخية طبعا.

في هذا الكتاب اقترب الباحث في قراءاته من الجوانب الفكرية والصراعات الايديولوجية في زمن الثورة وفي شخصياتها الفاعلة فيها. وهو منحى مهم وخطير في الوقت ذاته. لان الوضع في العراق وفي صفحات تاريخه السياسي لها من الحساسيات ما يثير الحذر والترقب من اساليب البحث وكتابة التاريخ في جوانبها الموضوعية او الذاتية، العاطفية الشخصية او الانحيازات السياسية والحزبية. وثورة 14 تموز/ يوليو 1958 في العراق، احدثت قطعا تاريخيا ومرحليا وفتحت صفحة جديدة في التاريخ السياسي العراقي، وارست منعطفا كبيرا في وجدان الشعب والطبقات الشعبية والفقيرة منها. وبلاشك القيادات التي اسهمت فيها، العسكرية والمدنية، والادوار التي قامت بها الاحزاب السياسية والحركة الوطنية عموما، والتحولات التي انجزت ومديات التغيير والتقدم فيها وبعدها تعكس طبيعتها واستمرارها او نكوصها، والظروف والقدرات التي استوعبت العملية الثورية وتبنت فعاليتها.. هذه كلها تقتضي قراءات ودراسات اكثر من مرة ومن اكثر من باحث واحد او لجان بحث وتاليف اكاديمي ومؤسسي. وبلاشك انها مواضيع حيوية للبحث والرؤيا التاريخية الجديدة التي تدرسها في تاريخيتها الزمنية وتداعياتها المستمرة منها والى ما بعد زمنها او مرحلتها التاريخية. وما يميزها في البحث الجديد هو حيويتها وراهنيتها وبقاء اثرها وتاثيرها في بصمات وصفحات التاريخ السياسي للشعب العراقي. حيث ان التاريخ السياسي ليس دراسة او قراءة الماضي وحسب او تسجيل الاحداث التي انتهت او سير القيادات وحسب او تدوين ما كان وما برح وما انفك من الاحداث والمواقف الانسانية والقضايا التي تمس الحركة السياسية والوطنية ونضالاتها الكفاحية ضد الظلم والجور والاستبداد والدكتاتورية، وبالتاكيد ضد الاحتلال والغزو وانتهاكات حقوق الانسان وكرامته. وما احدثته الثورة وقياداتها احدث بمقابله ردات فعل عدائية لها من الاطراف التي تضررت منها والقوى الدولية التي لعبت لعبتها في اجهاضها وتخريب مشروعها الثوري. وهو ما تتطلبه مسؤولية الباحث في القراءة والبحث والتطوير المعرفي والثقافي لتلك الفترة ومسيرتها وصيرورتها. فالثورات ليست قاطرة وحسب بل وانها افاق معرفة وتحول وتجديد للكثير من المواضيع التي يعتمد عليها البحث التاريخي والسياسي خصوصا.

اختص الباحث د. عقيل الناصري في موضوعه هذا وبذل جهوده في استيعابه، حدثا وتجربة وقيادات وادوارا، ودقق في جوهرها وضميرها وقرأ تطوراتها وتغيراتها، وتمكن من جمع ما يتوفر من علم بها، من مصادر عدة، عربية ومترجمة، ونبش في اسرارها وفرسانها، وتعلم منها جميعا طريقه في البحث والكشف والنقد والمحاججة. فتداخل في صفحات التاريخ السياسي وقدر قيمته وجهده.

وهو يدرس ويؤرخ ويفكر، في الحدث وجوهره وفي الرجل ومعدنه، في طبائع العمران واختيار الزمكان ودور القائد في التاريخ. أي ان الباحث الناصري تمعن في معرفته لموضوعه وتاريخه وتوثق منها في الاسناد والرؤية وفي ابعاده الماضوية والمستقبلية ووضع ما توصل اليه على مشرحة البحث والدليل للاقناع والجدل فيه او العلم فيه والاقتداء بايجابه او نوافعه والاعتبار من سلبه او نكساته.

فالنقد البناء والتقويم في صفحات التاريخ مهم في مهمته التربوية والفكرية والثقافية عموما لما لها من اهمية وجدوى كبيرتين، ولما لها من دور في صناعة التاريخ، ليس الماضي ووقته وليس الحاضر وزمنه، بل لهما وللمستقبل وعصره. والتاريخ علم وصناعة، لهذا فله عدته وشروطه وارتباطاته، وهو سبيل الى التفكير والمعرفة، وسؤال مفتوح للفكر والفلسفة والتفاعل السياسي.

بعد كل هذا لابد لي من الاشارة لملاحظتين فيما قرات في هذا الكتاب، هما اعتماد المؤلف لمصدر واحد في تاريخيته للحدث الثقافي العراقي المعاصر، وهذا المصدر مجروح في شهاداته التي اصدرها والدوافع التي حركته اليها، وفي كل الاحوال لا يمكن للبحث الناجح ان يستند لراي واحد، وهذه من اواليات البحث. والاشارة الثانية تتعلق بخلط واضح وعدم تمييز في المفاهيم الفكرية والايديولوجية والسياسية، فيما يتعلق بمفاهيم القومية والعروبة، وفي استخدامه الايجابي لنقائضهما، القومانية والعروبية، لاسيما في مجال العسكر ومن ثم الحركة السياسية. اذ ان القومية كمفهوم سياسي ايديولوجي حديث، مرتبط بالهوية والانتماء والتميز عن الاخر المشترك في الوجود والتاريخ. بينما العروبة مفهوم اشمل واوسع منه كهوية جامعة ومعبرة عن المشترك في الوجود والتاريخ. كما ان التوصيف ينبغي ان يتطابق مع النتائج والعمل وليس بالتسميات والرغبات الفردية.

ان كتابات د. عقيل الناصري واهتماماته تقول لمن يقرأها ما يريده منها وما يتطلبه البحث وترسم مسارها كما هو في صفحات التاريخ السياسي في العراق.

(من تقديمي لمؤلف الدكتور عقيل الناصري: عبد الكريم قاسم، من ماهيات السيرة، من أوجه الصراع السياسي في الجمهورية الاولى، الذي صدر عن دار سطور للنشر والتوزيع، بغداد 2017، والكتاب هذا هو السادس من سلسلة كتب صدرت للمؤلف بالعنوان الرئيس؛ عبد الكريم قاسم، من ماهيات السيرة، وبعناوين فرعية لمضمون كل منها.)

 عقيل جواد الناصري، ابو نادية ومكسيم، وداعا

***

د. كاظم الموسوي

.........................

* الصورة مع الراحل العزيز والدكتور كامل مهدي في مطعم عراقي في لندن قبل اعوام