عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أقلام حرة

بين الادعاء والاكتشاف.. تفكيك غياب المنهج العلمي والتجريب في طرحها

يُقدَّم ما يُسمّى “نظرية الصفر اللغوي” على أنه اكتشاف يكشف آلية تولّد اللغة في الدماغ، بل وتطرحه صاحبته الدكتورة سناء حميد البياتي أحيانًا كإنجاز غير مسبوق عالميًا. هذا الادعاء، بحجمه وطبيعته، يستدعي أن نناقشه ونقيّمه بشكل موضوعي وفق معايير اللسانيات وعلم الأعصاب، وليس وفق الانطباعات أو الحضور الإعلامي. وحضور البياتي في برنامج د. باسم الجمل لا يعني العالمية، فلسنا أمام منصة أكاديمية؛ كما أننا نتكشف فجوة واضحة بين ما يُدّعى وما هو مُثبت، وسناء البياتي تردد الأسطوانة نفسها منذ 2005.

تقوم النظرية على افتراض “مرحلة صفر” تقع بين الفكرة والجملة، تمرّ خلالها عملية إنتاج اللغة بثلاث خطوات: تحديد نوع الفكرة، ربط مكوّناتها بعلاقات معنوية (الإسناد، التخصيص، الإضافة، التوضيح)، ثم اختيار الألفاظ. هذا البناء، في أفضل أحواله، نموذج تفسيري مبسّط لشرح كيفية بناء الجملة، وليس اكتشافًا لآلية دماغية. الفارق جوهري: الاكتشاف العلمي يقتضي أدوات قياس، وتجارب قابلة للتكرار، وبيانات منشورة في مجلات محكّمة؛ بينما الطرح المعروض يقوم على الاستبطان الذهني—أي تأمل ذاتي في كيفية صياغة الجمل—ثم تعميمه على الدماغ البشري. في حقل يشتبك مباشرة مع علم الأعصاب، لا يكفي هذا المنهج لإثبات أي آلية.

إشكالية المصطلح تكشف بدورها طبيعة الطرح. “الصفر” مفهوم رياضي رمزي، لا يدل على بنية فيزيائية يمكن رصدها في الدماغ. نقله إلى اللغة دون تعريف إجرائي قابل للاختبار يحوّله إلى استعارة جذابة، لا إلى مفهوم علمي. وهذا ما أشار إليه د. ضياء خضير حين نبّه إلى أن ما يُسمّى “الصفر” أقرب إلى المجاز منه إلى حقيقة قابلة للإثبات. قوة هذا النقد أنه يضبط المصطلح قبل مناقشة نتائجه: لا يمكن بناء نظرية على مفهوم غير قابل للتحديد التجريبي.

على مستوى المضمون، لا تحمل الفكرة جديدًا جذريًا. القول بوجود قدرة ذهنية لإنتاج اللغة، ومرور الفكرة بمراحل قبل التعبير، ومركزية العلاقات بين المعاني—كلها أفكار نوقشت منذ عقود، وتبلورت في أعمال نعوم تشومسكي ضمن إطار النحو الكلي، كما لها جذور في نظرية النظم عند عبد القاهر الجرجاني. الجديد هنا هو إعادة ترتيب هذه الأفكار وتسميتها، وهو جهد قد يكون مفيدًا تعليميًا، لكنه لا يبرّر إعلان “اكتشاف لم يُسبق إليه”.

الأخطر هو التعميم الكوني. اختزال العلاقات النحوية في أربع، وتقديمها كقواعد مشتركة لكل اللغات، يتطلب برهنة مقارنة على طيف واسع من اللغات المختلفة بنيويًا. دون ذلك، يبقى هذا الاختزال أداة تبسيط، لا قانونًا كونيًا. وهذا ما يجعل القفز من الشرح التعليمي إلى الادعاء العلمي قفزًا غير مبرر.

في المقابل، يقدّم نقد د. ضياء خضير إطارًا متماسكًا: يطالب بالدليل، ويضع الفكرة في سياقها التاريخي، ويميّز بين القيمة التعليمية والادعاء العلمي. قد تبدو لهجته هادئة، لكنها منهجيًا دقيقة؛ إذ يضرب أساس الادعاء دون شخصنة. وهو يذكّر بأن العلاقة بين الفكر واللغة مسألة مفتوحة، تنازعها رؤى متعددة من تشومسكي إلى لودفيغ فيتغنشتاين، ولم تُحسم نهائيًا حتى اليوم.

أما القول بأن “أحدًا لم يسبق إلى اكتشاف كيفية تولّد اللغة في الدماغ”، فهو يتجاهل تاريخًا طويلًا من البحث منذ القرن التاسع عشر، من تحديد مناطق اللغة إلى دراسات التصوير العصبي الحديثة. هذا السؤال لم يُحسم عالميًا، وأي ادعاء بحسمه يتطلب أدلة استثنائية—وهي غير متوفرة هنا. كذلك، التقليل من جهود تشومسكي أو غيره لا يغيّر حقيقة أن تلك الأعمال خضعت لعقود من النقد والتطوير، بينما يبقى هذا الطرح ثابتًا تقريبًا منذ 2005 دون اختبار مستقل أو مراجعة جوهرية.

تزداد الإشكالية حين يُربط الطرح بإثبات الإعجاز أو بتفوق حضاري شامل. الانتقال من نموذج لغوي إلى أحكام نهائية من هذا النوع قفزة خطابية لا سند علمي لها. كما أن استدعاء عبارات الترويج - كالدعوة إلى اعتبار العمل “اكتشافًا عالميًا” أو الإيحاء باستحقاق جوائز كبرى - لا يعوّض غياب المنهج، بل يكشفه.

مع ذلك، ليت الدكتورة البياتي دعت مثلًا إلى دعم الجهود والدراسات الداعية إلى تبسيط النحو، والتركيز على المعنى والسياق، والانتقال من الجملة إلى مكوّناتها؛ فكلها اتجاهات مفيدة تربويًا، وتتقاطع مع اللسانيات التطبيقية.

استنتاجات مختصرة:

ما يُقدَّم ليس اكتشافًا، بل نموذج تفسيري مبسّط.

مصطلح “الصفر” استعارة، لا مفهومًا علميًا قابلًا للاختبار.

لا توجد أدلة تجريبية أو نشر محكّم يدعم الادعاء.

الأفكار الأساسية مطروحة سابقًا في اللسانيات والفلسفة.

التعميم الكوني للعلاقات النحوية غير مُثبت.

ربط الطرح بالإعجاز أو التفوق الحضاري قفزة غير مبررة.

كلامها يخلو من أي اكتشاف أو منهجية.

***

حميد عقبي

........................

لسماع ومشاهدة مداخلة نقدية لعشرين دقيقة مرفق الرابط

https://youtu.be/lRb43ivvxnM?si=korLVhW6waEJGdOA

تقف في منتصف شارع محمد الخامس بالدار البيضاء، المغرب، في يوم يوليو الحار، في يدك مثلجات فانيليا مغطاة بالكركديه. وأنت تعلمها. تعلم أنها سوف تسقط.

منذ أول ثانية أمسكتها بدأت الطاقة الكاملة في جسدك تتحول إلى مهمة واحدة وحيدة: منع أي نقطة منصهرة من أن تلمس قميصك الأبيض الجديد. تمسكها بزاوية متوترة. تمسح طرفها كل ثانيتين بمنشفة ورقية. لا تسمع الصديق الذي يمشي بجانبك ويكلمك. لا تشم رائحة الياسمين التي تأتي من الحديقة المقابلة. لا تتذوق حتى المثلجات التي في فمك. كل ما تفعله هو انتظار السقوط.

وثم تسقط. بالطبع تسقط. بعد كل هذا الجهد تسقط نقطة كبيرة سميكة تماماً في منتصف قميصك.

وهذه ليست قصة عن المثلجات. هذه هي القصة الكاملة للحياة.

نحن نقضي كل حياتنا بهذه الحركة المتوترة نفسها. نمشي في أجمل شاطئ في العالم ومشغولون أن الرمل لا يدخل الحذاء. نأتي لحفلة رائعة ونقضي كل ساعاتها نخاف أن نلطخ الفستان. نجلس مع أحب الناس إلينا ونقضي الوقت نتفقد الهاتف كل عشر ثوانٍ خوفاً من رسالة فائتة. نعيش اللحظة كاملة ونحن نجهز لننشرها. وكل هذا الوقت، المثلجات تنصهر في يدنا.

لقد أقنعنا العالم أن فن العيش هو فن منع الأشياء من السقوط. أن الحياة الجيدة هي الحياة النظيفة، المرتبة، الخالية من البقع، الخالية من أي شيء لم نخطط له مسبقاً.

والحقيقة الأكبر التي لا يخبرنا أحد بها هي: كل الأشياء الجيدة في الحياة هي البقع.

بعد عشر سنوات لن تتذكر أبداً أنك كنت تمتلك قميصاً أبيض نظيفاً في ذلك اليوم من يوليو. لكنك ستتذكر المثلجات التي سقطت. ستتذكر ضحكك الذي استمر نصف ساعة. ستتذكر أن صديقك اشترى لك مثلجة أخرى وأقام يرمي عليها عن قصد.

جميع الذكريات التي نحبها ليست الذكريات التي سارت تماماً. هي الذكريات التي حدث فيها شيء خاطئ. المطر الذي نزل في الرحلة الجبلية. الكيك الذي احترق في عيد الميلاد. القطار الذي فاتنا فمشينا ثلاث كيلومترات تحت القمر. المثلجات التي سقطت على القميص. هذه هي العلامات التي تختم على اللحظة كحقيقية.

فن الانسياب ليس عدم الاكتراث. هو أن تعلم أن البقعة على القميص ليست خطأ حدث للحظة. هي الجزء الأصلي من اللحظة. هو أن تتوقف لثانية واحدة وتقول لنفسك: حسناً. دعها تسقط.

لا يوجد شيء أسوأ في كل الحياة من أن تنتهي المثلجات وتكتشف أنك لم تتذوقها حتى مرة. فقط لأنك كنت مشغولاً كل الوقت بمحاولة منعها من السقوط.

اليوم عندما تذهب وتأخذ مثلجاتك التالية. لا تمسكها كأنها قنبلة. لا تمسحها كل ثانية. لا تخف. كُلْهَا مثلجات. واتركها تسقط على قميصك.

البقعة سوف تزول عند الغسل. اللحظة لن تعود أبداً.

***

بقلم: ذ. يونس الديدي - أستاذ باحث

في كثير من المؤسسات العراقية، نلاحظ سلوكاً يتكرر بصورة لافتة: مسؤول يتزلف لمن هم أعلى منه، يبالغ في الثناء، يخفي الحقائق غير المريحة، وربما يلجأ إلى الكذب أو تجميل الواقع فقط لينال الرضا أو يتجنب الغضب. هذه الظاهرة ليست مجرد ضعف أخلاقي فردي، بل هي نتيجة تداخل عوامل نفسية وتنظيمية وثقافية.

ففي المكاتب الواسعة ذات الطاولات اللامعة، لا تُسمع الحقيقة دائماً. هناك لغة أخرى تُقال بصوت منخفض؛ لغة مليئة بالثناء المبالغ فيه، والابتسامات المصطنعة، والتقارير التي تُصاغ بعناية لتخفي ما يجب أن يُقال إنه مشهد مألوف: مسؤول يجلس أمام مسؤول أعلى منه، يتحدث بلهجة الواثق، لكنه في داخله يحسب الكلمات كما يحسب التاجر أرباحه وخسائره. لا يقول ما يعتقد، بل ما يُرضي. لا يعرض الواقع كما هو، بل كما ينبغي أن يبدو.

وفي بيئة تُدار بالأمزجة لا بالأنظمة، يصبح الرضا الشخصي معيار البقاء. وأن كل مسؤول يدرك أن كلمة واحدة قد ترفعه أو تطيح به، فيتعلم بسرعة أن يقول ما يُحب الرئيس سماعه، لا ما يجب أن يُقال. فالتملق ليس سلوكاً عابراً في دهاليز الإدارة، بل مرضاً بنيوياً ينهش المؤسسات من الداخل. حين ترى مسؤولاً يبالغ في الثناء على رئيسه، ويجمل التقارير، ويخفي الإخفاقات، ويكذب باسم "اللباقة"، فأنت لا تشاهد شخصاً ضعيفاً فحسب، بل ترى نظاماً كاملاً يُكافئ النفاق ويعاقب الصدق.

من أخطر ما يرسّخ التملق أن تتحول العلاقة بين الرئيس والمرؤوس إلى علاقة ولاء شخصي. في الوقت الذي يجب أن تُبنى القرارات على لجان، ومحاضر رسمية، وتوثيق شفاف، لا على جلسات مغلقة.

لماذا يحدث هذا؟

يكمن الجذر الأول في هشاشة المنصب. ففي بعض البيئات ترتبط الترقية والعقوبة برضا المسؤول الأعلى، حيث يصبح المنصب لا تكليف بل امتياز، ولا مسؤولية بل غنيمة. وحين يتحول الموقع الإداري إلى مصدر نفوذ شخصي، يصبح الحفاظ عليه أولوية تتقدم على الصدق والكفاءة. ويصبح الخوف هو المحرك الأول: الخوف من الإبعاد، ومن التهميش، ومن فقدان الامتيازات. في هذه البيئة، يتراجع الصدق أمام غريزة البقاء، ويتصرف المسؤول كمن يسعى إلى حماية نفسه لا إلى خدمة المؤسسة.

فعندما يكون مصير المسؤول مرتبطاً برضا شخص واحد، يصبح هذا الرضا بوصلته الوحيدة. وهنا تبدأ المأساة؛ وتتحول الإدارة إلى علاقة عاطفية مشوهة بين الأعلى والأدنى، لا إلى علاقة مهنية تحكمها معايير واضحة.

المسؤول الذي يخاف، لا ينقل المشكلة كما هي، بل يخففها. لا يعترف بالفشل، بل يبرره. لا ينتقد القرار، بل يمدحه. لأنه يرى في الحقيقة خطراً، وفي العراق، وتحديداً في المؤسسات التي تُقدَّس فيها السلطة ويُجرَّم فيها الاختلاف، يصبح التملق مهارة بحد ذاته. العبارات الرنانة تحل محل الأرقام، والثناء يحل محل التقويم الموضوعي. ومع الزمن، لا يعود التملق سلوكاً فردياً، بل يتحول إلى ثقافة عامة. من يرفضه يبدو شاذاً عن القاعدة، وربما ساذجاً في نظر الآخرين.

في المؤسسات التي تُبنى على هرم سلطوي صارم، حيث القرار مركزي، والنقد يُفهم كتمرد، ينشأ مناخ يشجع التملق. فكلما كانت المسافة بين القمة والقاعدة كبيرة، وكلما قلّت المساءلة، ازداد الميل إلى إرضاء الأعلى بدل خدمة المصلحة العامة. هنا يتحول المنصب إلى علاقة شخصية لا مسؤولية مهنية.

بعض المسؤولين يفتقرون إلى الثقة بقدراتهم، فيعتقدون أن قوتهم مستمدة من رضا من فوقهم. فيبالغون في إظهار الولاء، ويتجنبون أي موقف قد يُفسَّر على أنه اختلاف أو اعتراض. الشخص الواثق يستطيع أن يقول: "هذا القرار يحتاج إلى مراجعة"، أما غير الواثق فيقول: "فكرة عظيمة" حتى لو كان مقتنعاً بعكس ذلك.

الطموح بحد ذاته ليس خطأ، لا بل مشروع ومطلوب. لكن حين يُختزل النجاح في الصعود بأي ثمن، تنفصل الوسيلة عن القيمة. وحين ينفصل عن القيم يتحول إلى انتهازية.

بعض المسؤولين لا يرون في التزلف تنازلاً أخلاقياً، بل استراتيجية ذكية. يبررون لأنفسهم الكذب بأنه "تكتيك"، ويبررون المجاملة المفرطة بأنها "لباقة سياسية". غير أن الفرق كبير بين الدبلوماسية والكذب، وبين اللياقة والنفاق.

عندما لا توجد آليات واضحة لتقييم الأداء، يصبح الانطباع الشخصي هو المعيار. والانطباع يمكن التأثير فيه بالكلمات المعسولة والتقارير المجمّلة. أما في المؤسسات التي تعتمد على مؤشرات أداء واضحة وتقييم موضوعي، فإن التملق يفقد قيمته لأنه لا يغير النتائج.

أن قول الحقيقة يتطلب شجاعة، خاصة إذا كانت الحقيقة تتضمن اعترافاً بالخطأ أو نقداً لقرار سابق، لكن حين يُعاقب الصادق ويُكافأ المادح، تتشكل بيئة تدفع الناس إلى الكذب حفاظاً على مصالحهم. وعندما تُخفى المعلومات الحقيقية، يتخذ المسؤول الأعلى قرارات مبنية على صورة غير دقيقة.

التملق الإداري ليس مجرد سلوك فردي معزول، بل هو انعكاس لبيئة تسمح به أو تشجعه. فالمؤسسة الصحية هي التي تجعل الصدق أأمن من الكذب، وتجعل الكفاءة أهم من المجاملة، وتجعل قول الحقيقة فضيلة لا مخاطرة.

إن التملق الإداري ليس مجرد ضعف أخلاقي، بل علامة على خلل أعمق في بنية المؤسسة وثقافتها. وحين تصبح الحقيقة مكلفة، يصبح الكذب رخيصاً. لكن المؤسسات التي تبنى على المجاملة لا تصمد طويلاً؛ لأنها، ببساطة، لا ترى نفسها كما هي.

الشجاعة ليست صفة فطرية فقط، بل مهارة تُدرّس في المدارس والمعاهد المهنية. وبرامج تدريب القيادات يجب أن تتضمن مهارات إدارة الخلاف، وقول الحقيقة بطريقة مهنية، وإدارة الضغوط دون انزلاق إلى الكذب.

المشكلة ليست في موظف يمدح رئيسه، بل في نظام يجعل المدح شرطاً للبقاء. وحين يصبح الصدق مخاطرة، يصبح الفساد خياراً عقلانياً. فالمؤسسات القوية لا تُبنى على الانحناء، بل على الاستقامة.

ولا تنهار بسبب النقد، بل بسبب الصمت.

ليس أخطر على أي مؤسسة من الفساد المالي، بل الفساد الصامت الذي يسبقه: فساد الكلمة. وحين يتحول المسؤول إلى مروّج لرئيسه، ويصبح التقرير لوحة تجميل، وحين تُخفى الحقيقة خوفاً من إزعاج صاحب القرار- فاعلم أن المؤسسة دخلت مرحلة الانحدار، حتى لو بدت من الخارج مستقرة.

أن المسؤول الذي يتملق لا يفعل ذلك بدافع الأدب، بل بدافع الخوف أو الطموح الأعمى. فهو يعرف أن البقاء لا يعتمد على الإنجاز بقدر ما يعتمد على الرضا الشخصي. لذلك يتعلم بسرعة: قل ما يحب أن يسمعه، لا ما يجب أن يسمعه.

وهكذا، تتحول الإدارة إلى دائرة مغلقة من المجاملات. المدير الأعلى يسمع ما يعجبه، فيظن أن الأمور تسير بخير. والمسؤول الأدنى يخفي المشكلات، فيظن أنه يحمي نفسه. والنتيجة؟ قرارات تُبنى على وهم. إذن، المشكلة ليست في شخص يجامل، بل في بيئة تجعل المجاملة شرطاً للنجاة.

أما الثمن الذي تدفعه المؤسسة، فهو باهض: تتضخم الأخطاء الصغيرة لأنها لا تُكشف مبكراً، وتُقصى الكفاءات المستقلة لأنها "غير منسجمة"، ويسود منطق الولاء بدل منطق الإنجاز، وتتآكل الثقة حتى داخل الفريق الواحد. فالمؤسسة التي تُدار بالتصفيق، تتفاجأ يوماً بأنها بلا إنجاز حقيقي.

إن التملق الإداري ليس مجرد عادة سيئة، بل هو مؤشر خطر. فحين يفضّل المسؤول رضا رئيسه على مصلحة مؤسسته، فهو لا يحمي نفسه، بل يساهم في إضعاف الكيان الذي يعمل فيه. فالمؤسسات القوية لا تخشى الحقيقة، أما التي تخاف منها، فهي تعرف في أعماقها أنها بنيت على هشاشة.

***

جورج منصور

في رحاب الآية الكريمة: "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ومن دخله كان آمناً"، تتجلى لنا أبعاد روحية عميقة تتجاوز ظاهر المكان إلى باطن الحال. إن مقام إبراهيم ليس مجرد حجر نقش عليه أثر قدم خليل الرحمن ابراهيم عليه السلام، بل هو رمز لمقام التسليم المطلق والتوكل الصادق على الله، الذي تحقق منه ذلك العبد الصديق الصادق، وهو دعوة لكل سالك أن يتخذ من هذا المقام الروحي مصلى لقلبه، وملاذا لروحه.

فعندما تتزعزع أرض الأسباب، وتضطرب النفوس في بحر القلق والسعي، يبرز مقام إبراهيم آنذاك كمنارة روحية وقمة أمن وطمأنينة. فمن دخل هذا المقام بباطنه، أي من استسلم لله تسليماً كليا، وتعرى من حوله وقوته، ألبسه الله لباس التسليم ورداء الأمن وسلام الثقة المطلقة به. هذا الدخول ليس بالقدم، بل بالقلب، وليس بالجسد، بل بالروح. إن الأمن الحقيقي، الذي وعد به من دخل مقام إبراهيم، هو أمن من خوف غوائل النفس وتقلباتها، ومن قلق السعي ونتائجه. إنه أمن يورثه اليقين بأن الحكيم المدبر لا يأتي إلا بالخير، وأن كل ما يجري في الكون هو بمشيئته وحكمته البالغة. فمن ثبت على أرض الثقة بالله، لم يعد يخشى شيئاً، لأن قلبه قد استقر في حضرة الأمن والامان الإلهيين.

وليس هذا المقام حكرا على من يحج البيت الحرام، بل هو متاح لكل قلب متفكر حج لهجرة القراءة على لوح الازل.

ففي بيت الله الحرام، تتجلى آيات بينات متجوهرة في أفضل البقاع، لا يفك شيفرتها ولا يستلهم أسرارها إلا من جوهر آلة القلب المتفكر. هذا القلب الذي يتجاوز الرؤية الظاهرية إلى الإدراك الباطني، فيرى في كل آية كونية أو قرآنية دليلا على عظمة الخالق وحكمته.

فيا أيها السالك إلى حضرة الحق، اتخذ من مقام إبراهيم مصلى ومحرابا لروحك، ودع قلبك يرتوي من معين رحيق المحبة والتسليم والثقة، لتنعم بأمن لا يزول، وسكينة لا تتبدل، في حضرة من بيده ملكوت كل شيء.

 في رحاب الآية الكريمة: "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ومن دخله كان آمنا" البقرة 125، تتجلى لنا أبعاد عرفانية عميقة تتجاوز ظاهر المكان إلى باطن الحال. إن مقام إبراهيم ليس مجرد حجر نقش عليه أثر قدم خليل الرحمن، بل هو رمز لمقام التسليم المطلق والتوكل الصادق على الله، وهو دعوة لكل سالك  لطريق القوم أن يتخذ من هذا المقام الروحي مصلى لقلبه، وملاذا لروحه وووجه الله تعالى الحبيب المحبوب هو المبتغى.عندما تتزعزع أرض الأسباب، وتضطرب النفوس في بحر القلق والسعي، يبرز مقام إبراهيم كمنارة أمن ومرسى طمأنينة. فمن دخل هذا المقام بباطنه، أي من استسلم لله تسليما كليا، وتعرى من حوله وقوته، ألبسه الله لباس التسليم ورداء الأمن وسلام الثقة المطلقة به. هذا الدخول ليس بالقدم، بل بالقلب، وليس بالجسد، بل بالروح.إن الأمن الحقيقي، الذي وعد به من دخل مقام إبراهيم، هو أمن من خوف غوائل النفس وتقلباتها، ومن قلق السعي ونتائجه. إنه أمن يورثه اليقين بأن الحكيم المدبر لا يأتي إلا بالخير، وأن كل ما يجري في الكون هو بمشيئته وحكمته البالغة. فمن ثبت على أرض الثقة بالله، لم يعد يخشى شيئا، لأن قلبه قد استقر في حضرة الأمن والأمان الإلهي ين. وليس هذا المقام حكرا على من يحج البيت الحرام، بل هو متاح لكل قلب متفكر قارئ في باطنه. ففي بيت الله الحرام، تتجلى آيات بينات متجوهرة في أفضل البقاع، لا يفك شيفرتها ولا يستلهم أسرارها إلا من جوهر آلة القلب المتفكر. هذا القلب الذي يتجاوز الرؤية الظاهرية إلى الإدراك الباطني، فيرى في كل آية كونية أو قرآنية دليلاً على عظمة الخالق وحكمته.

فيا أيها السالك إلى حضرة الحق، اتخذ من مقام إبراهيم مصلى لروحك، ودع قلبك يرتوي من معين التسليم والثقة، لتنعم بأمن لا يزول، وسكينة لا تتبدل، في حضرة من بيده ملكوت كل شيء، ومن دخلها كان من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

***

د. محمد غاني – كاتب / المغرب

الاحتراق الوظيفي في بيئات العمل المعقدة

يعد الاحتراق الوظيفي بين المتخصصين في جودة السلامة المهنية تحدياً متنامياً في بيئات العمل الحديثة، لا سيما في المؤسسات التي تفرض التزاماً صارماً بالمعايير والإجراءات الوقائية. إذ يتحمل هؤلاء الموظفون مسؤولية جسيمة تتعلق بحماية الأرواح والحد من المخاطر، مما يضعهم في حالة دائمة من اليقظة والضغط النفسي. ومع غياب آليات الدعم الفعالة، يتراكم لديهم الإجهاد البدني والذهني، وصولاً إلى الاحتراق الوظيفي الذي يؤثر سلباً على كفاءة الأداء وجودة اتخاذ القرار.

تتعدد مصادر الضغط على العاملين في هذا المجال؛ فتبدأ من ثقل المسؤولية الأخلاقية والمهنية في منع الحوادث، مروراً بمتطلبات التدقيق والتقارير المستمرة، وصولاً إلى مواجهة الطوارئ والتعامل مع المخاطر الميدانية. كما يواجه الموظف تحدياً إضافياً يتمثل في التوفيق والتوازن بين متطلبات الإدارة ومقاومة العاملين لتطبيق إجراءات السلامة، مما يجعله في صراع مهني مستمر يزيد من إنهاكه.

ومع تفاقم هذه الضغوط، تظهر مؤشرات تحذيرية مثل الإرهاق المزمن، وتشتت الانتباه، وتراجع الدافعية، والتردد في اتخاذ القرارات الحاسمة، بالإضافة إلى الميل نحو العزلة. وقد يتطور الأمر إلى شعور بالإحباط والتشاؤم، مما يضعف المبادرة والابتكار في تطوير برامج السلامة. وفي هذه المرحلة، قد يلجأ الموظف إلى استراتيجيات سلبية للتعامل مع الضغوط، كالمماطلة أو تجنب المواجهة أو الهروب من المسؤوليات الأساسية أو العنف اللفظي والبدني والتنمر.

ولا يقتصر أثر الاحتراق الوظيفي على الفرد فقط، بل يمتد ليؤثر على جودة السلامة المهنية داخل المنظمة والمؤسسة، حيث يؤدي الإرهاق الذهني إلى ضعف القدرة على اكتشاف المخاطر، وانخفاض جودة التقارير المهنية، والتغاضي عن بعض الملاحظات المهمة التي تحتاج إلى متابعة وتقييم مستمر، إضافة إلى تراجع التواصل الفعال مع العاملين. كما أن انخفاض الحماس لدى موظف السلامة ينعكس على ثقافة السلامة العامة، فتقل المشاركة في الأنشطة التنموية والوقائية، وتضعف المبادرات التطويرية، ويصبح الالتزام بإجراءات السلامة شكلياً بدلاً من كونه سلوكاً مؤسسياً راسخاً. وقد يؤدي ذلك في النهاية إلى زيادة الحوادث المهنية وارتفاع معدلات الإصابات والغياب أو الدوران الوظيفي الذي يؤدي إلى ترك العمل، وهو ما ينعكس سلباً على الأداء والإنتاجية وسمعة المؤسسة وصورتها الذهنية والواقعية أمام العملاء والزبائن.

ومن ناحية أخرى، فإن الضغوط المهنية في مجال السلامة ليست دائماً سلبية، إذ يمكن أن تكون محفزاً إيجابياً للتميز وتحقيق الإنجاز إذا ما تمت إدارتها بصورة متوازنة وصحية. فوجود تحديات مهنية قد يدفع الموظف إلى تطوير مهاراته التنظيمية وتحسين قدرته على إدارة وتنظيم الوقت، وتعزيز التفكير الاستباقي في اكتشاف المخاطر قبل وقوعها. كما أن التعامل مع المواقف الطارئة قد يسهم في بناء الثقة بالنفس وتنمية مهارات اتخاذ القرار تحت الضغط. إلا أن هذه الضغوط تتحول إلى عامل هدم عندما تتجاوز قدرة الفرد على التكيف وضعف قدرته على الاندماج والانسجام مع زملائه ومديريه، أو عندما يغيب الدعم المؤسسي والتنظيمي الذي يساعد على إدارة هذه الضغوط بصورة صحية.

وتلعب بيئة العمل دوراً محورياً في الحد من الاحتراق الوظيفي، فالمؤسسات التي توفر مناخاً داعماً للصحة النفسية والاجتماعية تسهم في تعزيز الاستقرار المهني للعاملين في السلامة المهنية. ويشمل ذلك توزيع الأعباء بصورة عادلة، وتوفير الموارد اللازمة لتطبيق إجراءات السلامة، وإشراك الموظفين في اتخاذ القرارات المتعلقة بالمخاطر المهنية، إضافة إلى تقديم برامج تدريبية تنموية وتطويرية متخصصة في إدارة الضغوط والتعامل مع الأزمات والصراعات في العمل. كما أن تقدير جهود موظفي السلامة والاعتراف بدورهم في حماية العاملين يسهم في رفع مستوى الرضا الوظيفي وتقليل الشعور بالإجهاد ويوفر الراحة والشعور بالأمن والطمأنينة.

وتسهم العلاقات الاجتماعية الإيجابية داخل بيئة العمل في تقليل آثار الاحتراق الوظيفي، إذ إن الدعم المتبادل بين الزملاء يعزز الشعور بالانتماء والولاء المؤسسي ويخفف من حدة الضغوط اليومية والإرهاق الذي يحدث أثناء العمل. كما أن التواصل المفتوح بين الإدارة وموظفي السلامة المهنية يساعد على مناقشة التحديات وتبادل الحلول بصورة واقعية. ويعد إشراك العاملين في برامج ترفيهية وتفريغية واجتماعية، وتنظيم لقاءات دورية مستمرة، وتوفير مساحات للحوار البناء والتعبير عن الضغوط المهنية بإيجابية، من العوامل التي تدعم الصحة النفسية والروح الاجتماعية والجمعية وتعزز التوازن بين العمل والحياة الشخصية والاجتماعية للموظفين.

كما أن تنمية الوعي بالصحة النفسية في بيئة العمل تعد من الأساليب البنائية والوقائية المهمة؛ حيث يمكن نشر مواد توعوية حول إدارة الإجهاد، وتقديم ورش تدريبية حول المرونة النفسية والعاطفية، وتشجيع العاملين على ممارسة النشاط البدني التفريغي، والحصول على فترات راحة واستجمام منتظمة أثناء العمل. ويسهم تطوير مهارات التواصل الفعال في تقليل الأزمات والصراعات المهنية، وتحسين التعاون بين الأقسام المختلفة؛ مما يقلل من الضغوط الواقعة على موظفي السلامة المهنية. إن الاستثمار في الصحة النفسية والاجتماعية للعاملين في مجال السلامة المهنية لا ينعكس فقط على رفاه الموظفين ونفسيتهم وزيادة اللحمة الاجتماعية في العلاقات الصحية مع الزملاء والمدراء، بل يؤدي إلى تعزيز ثقافة السلامة داخل المؤسسة، وتحسين جودة الأداء، وتقليل الحوادث المهنية، وزيادة الإنتاجية؛ فالموظف الذي يتمتع بالاستقرار النفسي والاجتماعي والمهني يكون أكثر قدرة على ملاحظة المخاطر، وأكثر التزاماً بالإجراءات الوقائية، وأكثر فاعلية في نشر ثقافة السلامة بين العاملين. وبالتالي فإن الاهتمام بالاحتراق الوظيفي يعد جزءاً أساسياً من منظومة الجودة الشاملة في السلامة المهنية؛ حيث يسهم في بناء بيئة عمل صحية وآمنة ومستدامة تدعم الإنسان وتحقق أهداف المؤسسة في آنٍ واحد.

***

د. أكرم عثمان

1-5-2026

الأول من أيّار يوم العمال العالمي

يُعدّ يوم العمال العالمي مناسبةً رمزيةً عميقة الدلالات، تتجاوز حدود الاحتفاء التاريخي بهذه المناسبة، لتغدو حالة جديدة للتأمل النقدي في سياق تحوّلات العمل وشروطه في العصر الرقمي، فهو في جوهره تعبير عن تاريخ طويل من النضال الاجتماعي والاقتصادي للطبقة العاملة، التي أثمر نضالها في ثمانينيات القرن التاسع عشر، بتحديد ساعات العمل وتحسين شروطه. يعود أصل المناسبة إلى أحداث تاريخية في أيّار 1886 في مدينة شيكاغو، وقعت حادثة انفجار قنبلة أثناء مظاهرة عمالية مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى من الشرطة والمتظاهرين.

تسببت هذه الحادثة بإعلان الأممية الثانية (منظمة اشتراكية دولية) أن يكون الأول من أيّار يوماً عالمياً لتكريم العمال تخليداً لتلك الأحداث. وبذلك ظلّ الأول من أيّار عالقاً في ذاكرة التاريخ كمرآة يعكس موازين القوة بين رأس مال السوق والعمل التقليدي، ومؤشّراً على طبيعة التزام العمال بالعقد الاجتماعي خلال المراحل التاريخية المختلفة، غير أنّ القرن الحادي والعشرين، بما يحمله من تطورات تقنية هائلة متسارعة، أعاد طرح العديد من الأسئلة الجدلية التي تتعلق بالأعمال المهنية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية في إطار جديد يتناغم مع التحولات السريعة التي تتداخل فيها مفاهيم العمل على كافة الأصعدة.

أدّت التقنيات الحديثة، من الذكاء الاصطناعي إلى المنصّات الرقمية، إلى إعادة تشكيل بنية الطبقة العاملة، ليس فقط من حيث طبيعة الأعمال، بل من حيث تعريف دور العامل ذاته، الذي لم يعد دوره محصوراً في ميدان العمل المكاني، المصنع أو الحقل، بل بات حاضراً في مجالات جديدة مرتبطة بطبيعة عمل الاقتصاد الحر، والعمل عن بُعد، والأعمال الأخرى القائمة على الطلب. هذه التحولات الكبيرة حملت معها اشكالات جديدة من الصعوبات التي يتعرّض لها العديد من العاملين في المنصّات الرقمية، فالعامل لم يعد يتمتع بضمانات التوظيف التقليدية، كالأمان الوظيفي والتأمينات الاجتماعية وغياب التمثيل النقابي، بل أصبح عرضة لتقلبات السوق وخوارزميات المنصات التي تتلاعب بمصيره المهني. إن انتشار أنماط العمل غير المستقرة تستدعي قراءة نقدية متأنية لطبيعة المتغيرات والتحولات في مختلف ميادين العمل.

كانت الرؤية الماركسية الكلاسيكية، كما صاغها كارل ماركس، بأن الطبقة العاملة (البروليتاريا) هي القوة الأساسية التي تُنتج القيمة في المجتمع الرأسمالي، لكنها تُستغل لأن أصحاب وسائل الإنتاج (الرأسماليين) يستحوذون على فائض القيمة. ولكن في العصر الرقمي، اتخذت أشكالاً جديدة ومعقّدة، حيث يُعاد تفسير الطبقة العاملة التي مازال وجودها ضمن مُسمى "البروليتاريا الرقمية"، والصراع الطبقي مازال قائماً وأُعيد تشكيله لأن الوعي الطبقي ضروري للتغيير، لكن وجود العامل لم يعد كما كان في المصنع، بل أصبح عمله ينطلق من منصات أخرى وبمسيات معاصرة.

والشركات التقنية الكبرى تستخرج (قيمة) من بيانات المستخدمين، بما يشبه نوعاً جديداً من فائض القيمة، مقرونة بمفاهيم جديدة (كالبيانات كوسيلة إنتاج، والخوارزميات كأداة سيطرة) بدلاً من (الآلات والمصانع)، أي هنا القيمة لم تعد تُنتج بالعمل الجسدي، بل عبر الذكاء، اللغة، والعلاقات الاجتماعية، مما جعلت مساحة الاستغلال أوسع انتشاراً لكن أقل وضوحاً. فالشركات الرقمية لا تبيع الخدمات فقط، بل تستخرج البيانات وتحولها إلى أرباح، وامتلاك هذه الوسائل من الشركات التكنولوجية الكبرى يعني استمرار نفس علاقات القوة التي وصفها ماركس، لكن بأدوات حديثة.

التحدي الأبرز الذي يواجه الطبقة العاملة في العصر الرقمي يكمن في الفجوة المتزايدة بين سرعة التطور التكنولوجي وبطء الأطر التشريعية والمؤسساتية التي تنصف الطبقة العاملة في الكثير من بلدان العالم. فالقوانين التي تنظّم العمل أكثرها أسيرة الأساليب التقليدية التي تحتاج إلى إعادة النظر في مضامينها بما يتلاءم مع تطورات العصر، بحيث تكون قادرة على استيعاب تعقيدات العمل الرقمي. كما تبرز الحاجة إلى سياسات عامة تضمن العدالة الرقمية، وتوفير الحماية الاجتماعية للعاملين في الاقتصاد غير التقليدي، مع ضمان الشفافية في الخوارزميات التي تتحكّم في توزيع العمل وتقييم الأداء في كل مجالات العمل، لأن التقدم التكنولوجي يجب أن يُوجَّه بما يخدم تطلعات الإنسان العامل ويصون حقوقه في عالم تتسارع فيه المتغيرات بوتيرة غير مسبوقة.

بدء الاحتفال بشكل رسمي بعيد العمال العالمي في العراق بعد قيام ثورة 14 تموز 1958، حيث تم إدخال الأول من أيّار ضمن العطل الرسمية للدولة، بعدما كان العمال يحيون المناسبة قبل ذلك بشكل غير رسمي أو سري بسبب الظروف السياسية في العهد الملكي. إنّ استذكار هذه المناسبة، في ظل المشهد المعقّد، يدعو إلى تجديد الالتزام بقيم العدالة الاجتماعية، بأدوات تتناغم وتتلاءم مع روح العصر الرقمي. فالتحديات لم تعد فقط من أجل تقليل ساعات العمل ورفع الأجور، بل من أجل ضمان إنسانية العمل في عالم تهيمن عليه الخوارزميات، وتتفاوت فيه الكفاءة وقيم العدالة والحقوق.

الطبقة العاملة في العراق المعاصر تواجه إطار معقّد يجمع بين التحولات الاقتصادية البنيوية، والصراعات السياسية والأمنية منذ عام 2003. عدم الاستقرار السياسي له تأثيره السلبي المباشر على بيئة الاستثمار، وفرص العمل المستدامة أدى إلى استمرار ضعف دور الطبقة العاملة. إعتماد العراق على الاقتصاد الريعي أضعف تنويع القطاعات الإنتاجية التي جعلت الطبقة العاملة تعاني من محدودية فرص العمل المستقر، لأن الجزء الأكبر من العمالة يتركز في ميدان القطاع العام وفي أنشطة غير رسمية منخفضة الإنتاجية، وظائف لا تتناسب مع مهاراتهم، وحرمتهم من الحماية القانونية والتأمينات الاجتماعية، رغم وجود تشريعات تنظم العمل، ولكن تطبيقها يواجه تحديات كبيرة بسبب ضعف المؤسسات الرقابية، والحركة النقابية ما زالت تعاني من قيود كثيرة تحدّ من قدرتها على تمثيل العمال والدفاع عن حقوقهم القانونية.

قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015 من القوانين المهمة نظرياً التي نظّمت حقوق العمال، في تحديد ساعات العمل والإجازات وتنظيم عقود العمل ومنع الفصل التعسفي، وضمان بعض أشكال الحماية الاجتماعية. هذه التشريعات قريبة من المعايير الدولية، خاصة تلك التي تروج لها منظمة العمل الدولية في مجال حماية الطبقة العاملة، لكن من حيث التطبيق الواقعي فهي لم تُنصفها بشكل كافٍ بسبب ضعف القضاء العمالي والرقابة والتفتيش، واتساع الاقتصاد غير الرسمي بالإضافة إلى التدخلات السياسية التي تعرقل تطبيق القانون، وبذلك فإن ضعف تنفيذها يعود لعوامل كثيرة أهمها غياب بيئة مؤسسية داعمة.

ولدينا إشكالية مجتمعية أكثر تعقيداً تتعلق بالفئات الأكثر تضرراً، النساء العاملات والشباب، بالإضافة إلى معضلة عمالة الأطفال المنحدرين من الأُسر ذات الدخل المنخفض أو المتضررة من النزاعات، أو من جراء تفكك الأُسر وفقدان مصادر الدخل، وضعف الحماية الاجتماعية. جلَّ عمل هؤلاء الأطفال مرتبط بعدة مخاطر، يعيشون في بيئات خطرة، كثيراً ما يتعرضون إلى العنف أو الاستغلال والحرمان من فرص التعليم. ظاهرة مقلقة ذات أبعاد اجتماعية انسانية اقتصادية وقانونية، لا يمكن فهمها بمعزل عن بنية الاقتصاد، ومستويات الفقر المرتفعة، وآثار الصراعات السياسية والاجتماعية.

تشير تقديرات صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ومنظمة العمل الدولية إلى أن نسبة غير قليلة من الأطفال في العراق منخرطون في أنشطة اقتصادية ضمن القطاع غير الرسمي، لا سيما العمل في مجال الورش الحرفية كالميكانيك والنجارة، أو جمع النفايات وتدويرها، وفي مسح زجاج السيارات، وفي المناطق الزراعية الريفية. علماً أن العراق طرف في اتفاقيات دولية مهمة مثل: اتفاقيات منظمة العمل الدولية المتعلقة بعمل الأطفال، اتفاقية حقوق الطفل، وقانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015، يحظر تشغيل الأطفال دون السن القانوني، وينظم عمل الأحداث بشروط صارمة كما ينص قانون رعاية الأحداث العراقي على حماية الأطفال من الاستغلال، ولكن المشكلة الأساسية تكمن في صعوبة التنفيذ.

أما تأثير تصاعد العمالة الأجنبية، بشقّيها الشرعي وغير الشرعي، بوصفها ظاهرة مركّبة تتقاطع فيها البنى الاقتصادية مع الترتيبات السياسية والتحولات الاجتماعية، نتج عنها فائض في العمالة المحلية (بطالة مرتفعة بين الشباب من الجنسين)، مقابل طلب فعلي على عمالة منخفضة التكلفة أو ذات مهارات محدودة، هذا الأمر دفع أصحاب العمل إلى تفضيل العمالة الأجنبية، ليس فقط لرخصها، بل لمرونتها ولضعف قدرتها على المطالبة بحقوقها. هذه الحالة تستدعي التأمل وإعادة التفكير في السياسات العامة، ليس لكونها مشكلة سوق عمل، بل كونها خللاً كبيراً في توجهات الدولة والاقتصاد والمجتمع.

التكنولوجيا خلقت مجالات عمل جديدة (تحليل البيانات، تطوير البرمجيات، إدارة الأنظمة الرقمية)، هذه الأعمال تتطلب مهارات مختلفة لا يمتلكها الكثير من الطبقة العاملة التقليدية. التكنولوجيا لم تلغِ الطبقة العاملة وإنما نمط عملها قد اختلف وتحتاج إلى مهارات عالية تقاوم فيها التحديات وتكون قادرة على التكيف من خلال التعليم، التدريب، والسياسات التي تحميها في ظل تطور مجالات العمل في العالم الرقمي.

المجد لكل نضالات الطبقة العاملة في يومها العالمي.

***

د. عبد الحسين الطائي

أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا

في المعنى الأخلاقي للمعاناة الإنسانية

ليست المعاناة حادثة عابرة في حياة الإنسان، بل لحظة تتكشف فيها حقيقة معدنه الأخلاقي. ففي الألم لا يواجه الإنسان ما يؤلمه فحسب، بل يواجه ما يمكن أن يصير إليه بسببه. هناك في منطقة الجرح يتحدد أحد أعمق الخيارات الوجودية: اما أن يتحول الألم الى قسوة، واما أن يرتقي الى رحمة.

ومن أكثر الأوهام رسوخا أن نتصور الرحمة ثمرة مباشرة للرحمة، وأن اللطف لا يولد الا في ظلال الرفق والاحتواء. غير أن التجربة الإنسانية تكشف مفارقة اعمق: كثيراً ما تتخلق انبل صور الرحمة في النفوس التي خبرت الألم، وتولد الرقة الحقيقية في القلوب التي عرفت الانكسار.

ذلك أن الألم في ذاته ليس قيمة أخلاقية، فلا هو فضيلة ولا هو رذيلة، بل قوة خام يكتسب معناها مما يصنعه الإنسان بها. فقد يتحول الجرح إلى مرارة تعيد إنتاج الأذى، وقد يتحول إلى بصيرة توسّع الفهم وتعمّق الاحساس بالآخرين. ومن هنا لا تكون المعاناة سبباً في السمو أو الانحدار بذاتها، بل تصبح ميدانا تتجلى فيه حرية الإنسان الأخلاقية.

فالفضيلة الحقة لا تظهر حين يكون الخير سهلا، بل حين يكون الشر مفهوما وممكنا، ثم يُرفض. الرحمة ليست عظيمة لأنها خُلُق حسن فحسب، بل لأنها قد تكون انتصاراً على دوافع القسوة. واللطف لا يبلغ قيمته العليا الا حين يصدر عن نفس عرفت ما يبرر النقيض.

عند هذه النقطة يصبح الخير فعلا من أفعال السيادة الداخلية، اذ لا يعود الإنسان مجرد متلقٍ سلبي لتجاربه، بل يغدو قادرا على أن يختار موقعه الأخلاقي منها. وهذه من أسمى خصائص الإنسان: أن لا يكون أسير ما حدث له، بل سيداً على المعنى الذي يمنحه لما حدث.

فالمعاناة تمنح الإنسان معرفة لا تُكتسب في أوقات العافية، معرفة الهشاشة الإنسانية. فمن ذاق الانكسار أدرك أن وراء مظاهر القوة ضعفاً خفيا، وأن وراء تصرفات البشر جراحاً لا تُرى. وحين تتعمق هذه المعرفة لا تعود الرحمة مجرد انفعال وجداني، بل تصبح فهماً ناضجا للطبيعة الإنسانية.

ومن أرفع ما يمكن أن يبلغه هذا الوعي أن يمنح الإنسان غيره ما افتقده هو، أن يهب الطمأنينة التي حُرم منها وأن يفيض بالرفق من الموضع ذاته الذي عرف فيه القسوة. هنا تتحول المعاناة من أثر يُثقِل الروح الى قوة تعيد تشكيلها، ويصبح العطاء تعبيرا عن حرية داخلية لا عن وفرة خارجية.

وهذا هو المعنى الأعمق للنبل الأخلاقي: أن يرفض الإنسان أن يكون امتداداً لجرحه. أن لا يجعل من ألمه مبررا للقسوة، ولا من حرمانه ذريعة للمنع، بل أن يختار - على الرغم من كل شيء - أن يكون مصدر خير.

في هذه اللحظة يبلغ الإنسان ذروة قوته الروحية، لأن القوة الحقيقية ليست في القدرة على الرد، بل في القدرة على التجاوز. ليست في أن يعكس ما تلقى، بل في أن يسمو عليه. فحين يختار الرحمة بعد الألم لا ينتصر على الآخرين، بل ينتصر على أكثر دوافع النفس بداهة وإلحاحا.

وهنا تبلغ المعاناة معناها الأخلاقي الأسمى: أن تصبح طريقا الى انسانية أعمق، لا ذريعة لانطفائها. فالإنسان لا يبلغ نُبله الأعلى حين يتجنب الجراح، بل حين يحوّلها إلى وعي، لا حين ينجو من الألم، بل حين يمنع الألم من أن يختزل روحه. وحين يحدث ذلك، يغدو الجرح بداية ارتقاء لا بداية انكسار، وتصبح الرحمة ثمرة وعي عميق لا مجرد رقة عابرة.

وهذا هو أرفع ما يمكن أن يحققه الانسان أخلاقياً: أن يصير نقيض جرحه.

***

حميد علي القحطاني

 

آسف، سيداتي سادتي أني أقتحم خُلوة تفكيركم بكتاباتي التي تحمل بمرات متباعدة لمسة من الأرق والعياء، ومرات أُخرى مُتعفنة بإكراهات مدينة، وذات ساكنة بلا انتفاضة علنية على الرتابة. آسف، أني أتعسف على اللغة وأشنق كلماتي وهي حية بين أناملي، كي لا تبوح بالسر الكامن وراء الخلفية لغير الباحث عمَّا بين السطور من معاني الضيقة.

 آسف، أن حس الإرهاق يلحق بكلماتي المتناثرة بلا مسكنات طبية، وبلا منومات الإدمان على التفاهة والبلاهة. آسف، أني ألتقط كتاباتي من ألم الناس وعترتي، ومدينة تئن من فرط النسيان وقتل الزمن التنموي. آسف، من الأوغاد الجشعين حين لم نقدر على فضحهم بحكامة العدل، لكن التاريخ يفرك التمييز بين الخيرين والأشرار.

أسف، أني لا أحمل لا نظارات طبية، ولا ذات ماركة عالمية تُلون عالمي الخارجي وظلي المتدلي خلفي، وألتمس بعضا من التنقيب عن الحقيقة في واقع الحياة الاجتماعية، وبين أبناء وطني ومدينتي الطيبين. آسف، لكل من يصنفني ضمن خانة ضيقة أو زاوية منفتحة أو منعرج غائر، فأنا أحب اللهو بالكلمات مثل لعبة أوراق قارئات راحة الأيدي، وفبركة الأماني الفسيحة. آسف، حين آخذ نفسا طويلا ولا أقدر على الزفير من شدة حساسيتي للظلم والحكرة، ولحظتها تُفارقني كلماتي وكتاباتي بطلاق بائن، وأصير أعاشر بالتِيه مجدوب مكناس الذي يبحث عن ذاته وداره في غياهب النسيان وعتبات رباعيات البكاء والنحيب.

آسف، عن كل نظرة غير مريحة لوضعية ذاتي ومدينتي، والتي تنفر من الحلم النائم بالدوام المستريح، ولا تستيقظ من وهم السياسي المفرط في التدوير الانتخابي، واقتناص تصويبات جسور الكراسي المريحة. آسف، أني أعيش في قلق حرف لا يستسيغ لغة الإثراء والمدح، لأني لست من جيل أبي الطيب المتنبي. آسف، من كل حروفي التي لا تحمل سياسة الهرولة نحو مصالح الظل، ولا تنبطح عند أقرب باب يمارس سياسة صمت الريع حلال.

آسف، من سواد الظلام الليلي الذي لن يبرح مكانه إلا بنور شمس شارقة بالسعادة على مدينتي وذاتي، وعلى فئة شعب الهشاشة المتناثرين في ربوع جغرافية بلادي. آسف، سيداتي سادتي ممن أعرفهم عن قرب أو بالبعد الجغرافي، ومن أُكن لهم معرفة سابقة أو لاحقة من غمزات كلماتي وحروفي، حين أثقل عليكم بالإطناب والتطويل وبلا موانع عصر وجبات الكتابات السريعة (FAST FOOD). آسف، شمس مدينتي حين صنعت ضمادات لاصقة حنينة تحجب الرؤية. آسف، أيها الشاهد الكريم والذي يراني ألهو بكلماتي وأرمي بها للتاريخ والذكرى، قبل أن يمتلكنا الذكاء الاصطناعي بالركاكة والضحالة، ولا نقدر على التمييز بين الفعل الناصب في الاستكانة والخضوع، والفاعل الرافع للتنمية والتمكين. آسف، عندما أصبح شخصا وقحا بكلماتي التي تحمل حروف التفاحة المرة. آسف، وأنا مندمج بتفاعلكم وأفكر بصوت غير خافت، بل مسموع للجميع وبلا مواد حافظة.

آسف، من بسمتي الصامتة والساكنة بين الشفاه المطبقات، حين أستحضر الماضي فلا أقدر على إتمام ابتسامة طليقة وحرة. آسف، بعد تفكير عميق أني احترم احتياجاتي أولا ولا أنفق لهوا في بخس نفسي أمام مغريات الحياة. آسف، أن أكون قاسيا على ذاتي بالضبط والتصويب، ولم أستطع يوما من التخلص من ذكريات موت الحاضر في الماضي. آسف، أني أحاول استيقاظ الحاضر والدفع به قدما، وألا أقسو عليه بالرمي في المستقبل المتعدد البوابات.

آسف، ولو بلغة العذر على تطفلي عليكم، لكن لا أريد أدية أحد منكم فأنتم ملوكا في عالم كلماتي، وآمل الا تعيشوا بمرارة فمن الصعب إيجاد السعادة وعندما نجدها لا بد من التمسك بها. أنا متأسف لهذا الآن وبالتقدير المريح أن أنظر الى رؤوسكم وأعرف أنكم من نهاية قصة الحلم تبحثون عن جودة الحياة والسعادة. آسف، إن كنت أتسكع في أبراج الحياة عموديا، ولا أؤمن إلا بالخير منها وأترك الشر بعيدا عن أفقي الفسيح. آسف، بدل قابيل حين قتل أخاه هابيل، فإنه كان جهولا، وكان يؤرخ لأول جريمة في التاريخ وعلم الغراب. آسف، أني أطلت عليكم القول والحكي، فمن وصل لهذا المقطع فليترك كلمة طيبة لي ... وآمل ان تجد ولو جزء من السعادة.

***

محسن الأكرمين

"فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد"

و"علم الإنسان ما لم يعلم"

"وعلمنا آدم الأسماء كلها"

الثورة المعلوماتية فتحت أبوابا كانت مغلقة وبعيدة المنال، لكن التسارع الإبداعي الإبتكاري والغوص اللامتناهي في أعماق الذرات، أوصلنا إلى منطلقات لا حدود لها ومتناسبة في إتساعها مع نبضات الكون المتمدد إلى الأبد.

ما يتحقق فوق التراب لا يذهب هباءً، فالأحداث والتفاعلات الفردية والجماعية مدوّنة في جسيمات فضائية ذات قدرات تخزينية هائلة، مما يدفع للقول بأن المسيرة البشرية محفوظة في ثنايا الكينونات التي سنقترب منها ذات يوم ، وعندها ستتحول الحياة إلى شريط سينمائي، وسنمتلك القدرات التقنية اللازمة لإستحضار أية فترة زمنية وفي أي بقعة أرضية، وسنشاهدها بوضوح، وحينها ستتهاوى التصورات والأوهام، وتتعرى الأشياء، وتكون الأحداث ماثلة أمام الأعين، لتظهر الحقيقة ولتنهار أغشية العماء العقلي الذي سحق أجيال البشر ببعضهم، وفقا لأوهام وخرافات فاعلة فيهم.

ويمكن القول أن العقل العلمي ربما سيصل إلى إكتشاف أسرار إستحضار الماضيات بتفاصيلها الحية، وستتمكن الأجيال اللاحقة أن تقرأ التأريخ الحي وفقا للفترات الزمنية التي تختارها، وعندها ستتساقط الأقنعة الوهمية، وسينبلج وجه الحقيقة ناصع الصورة بعيدا عن الخيال والتصورات والآراء الأسطورية.

ما تقدم ليس رجما بالغيب، إنه عالم نقترب منه رويدا رويدا، فالذي يستطيع أن يتحكم بحركة مركبة على المريخ من الأرض لقادر على أن يأتي بما لا تستطيع تصوره الأفهام.

: وما أوتيتم من العلم إلا قليلا"!!

سَنبلغُها ونكشفُ مُحْتواها

فتذْهِلنا وندري ما غشاها

بأوْهامٍ مُكرّرةٍ مَضينا

وشمْسُ الحَقّ مِصْداقٌ سَناها

نعيشُ بكوكبٍ يَخشى سُكونا

وقُرْبَ رحيلِنا خلعتْ غِطاها

***

د. صادق السامرائي

 

تتجلى العلاقة بين الكورد والوجدان الشيعي في أفق معقد، كأنها صفحة من التاريخ كتبت على عجل في لحظة توتر، ثم أعيدت قراءتها في أزمنة لاحقة بعيون مختلفة، فهي لم تكن يوما علاقة مستقرة على معنى واحد، ولا خاضعة لحكم نهائي، بقدر ما تشكلت عند تقاطع الرواية والفقه والسياسة، حيث تتنازعها نصوص قديمة، وتعيد تشكيلها مواقف مرجعية، وتدفعها الوقائع نحو مسارات لم تكن دائما منسجمة مع أصولها الأولى.

في بعض المدونات الحديثية القديمة، ترد نصوص منسوبة إلى الإمام جعفر الصادق، تتناول الكورد بلغة تثير التساؤل أكثر مما تقدم جوابا، وتميل إلى توصيفات لا يستقيم معها الاطمئنان إلى ثبوتها أو تعميمها، غير أن العقل الشيعي، في بنيته الأصولية، لا يقف عند ظاهر النقل، بل يعيد مساءلته وفق معايير النقد السندي والدلالي، وهو ما دفع عددا من المحققين إلى اعتبار هذه الأخبار من قبيل الآحاد التي لا تنهض لبناء حكم عام، بل إن بعضها يبدو أقرب إلى انعكاس لظروف تاريخية مخصوصة، جرى اقتطاعها من سياقها، حتى بدت في قراءة لاحقة وكأنها حكم مطلق، ومن هنا، فإن استدعاءها خارج ميزان المقاصد الشرعية لا يفضي إلا إلى تشويه الفهم، خاصة (يفترض) في ضوء مبدأ إسلامي راسخ يجعل التقوى، لا الانتماء القومي، معيار التفاضل.

في مقابل هذه الروايات، يبرز موقف مرجعي حديث أعاد توجيه البوصلة نحو معناها الأصيل، تمثل في فتوى المرجع محسن الحكيم عام 1965، التي حرم فيها قتال الكورد، وأكد انتماءهم إلى الجماعة الإسلامية، وصيانة دمائهم وأموالهم وأعراضهم، لم تكن هذه الفتوى مجرد استجابة لظرف سياسي، بل كانت إعلانا صريحا عن أولوية المبدأ على الصراع، وانتصارا لفقه المقاصد على ضيق القراءة الحرفية، وفي تلك اللحظة، لم تعد الفتوى نصا فحسب، بل تحولت إلى موقف أخلاقي يعيد الاعتبار للإنسان قبل الهوية، وللعدل قبل الاصطفاف.

ولا ينفصل هذا الموقف عن واقع اجتماعي شهد، في مسارات متعددة، أشكالا من التداخل بين الكورد والشيعة، فالكورد الفيلية يمثلون نموذجا حيا لهذا التداخل، حيث التقت الهوية القومية بالانتماء المذهبي في سياق واحد، وأسهموا في الحياة الدينية والعلمية داخل بيئات الحوزات، كما أن محبة أهل البيت لم تغب عن قطاعات من الكورد السنة، خاصة في البيئات المتأثرة بالتصوف، بما يعكس وجود بعد وجداني مشترك يتجاوز الحدود الفقهية، وهكذا، تبدو الحياة الاجتماعية أوسع من أن تختزلها رواية، وأكثر تعقيدا من أن تحسمها فتوى منفردة.

أما في إيران، فإن المشهد يزداد تركيبا، لتداخل الديني بالسياسي في بنية الدولة، فالعلاقة مع الكورد هناك لا تفهم بوصفها صراعا مذهبيا خالصا، بقدر ما ترتبط بطبيعة الدولة المركزية وحساسيتها تجاه النزعات القومية في أطرافها، وبينما لا تنطلق المؤسسة الدينية، من حيث الأصل، من موقف إقصائي تجاه الكورد، فإن الدولة، بمنطقها السيادي، تتعامل مع أي نزوع نحو الاستقلال بوصفه تحديا لوحدة المركز، ومن هنا، جاءت التوترات في سياق سياسي-قومي بالدرجة الأولى، وإن لم تخل من توظيفات مذهبية في بعض المراحل، ومع ذلك، ظل التعايش اليومي بين الكورد والشيعة قائما في كثير من البيئات، بعيدا عن منطق القطيعة الشاملة.

وفي العراق بعد 2003، وجدت هذه العلاقة نفسها أمام اختبار قاس، مع تصاعد النزاعات في مناطق مثل كركوك وسنجار وطوز خورماتو، غير أن هذه التوترات، على شدتها، لا تعكس بالضرورة امتدادا لخصومة دينية مذهبية راسخة، بقدر ما تعبر عن صراع على السلطة والموارد في إطار دولة لم تستقر بعد على عقد جامع، وتكمن الخطورة حين يستدعى التراث لتبرير الحاضر، أو تلبس الأزمات السياسية لبوسا مذهبيا يمنحها شرعية مفتعلة، فيتحول النص من موضوع للنقد إلى أداة في الصراع.

إن فهم هذه العلاقة يظل رهينا بالتمييز بين ثلاثة مستويات متداخلة: المروي، بوصفه نصا تاريخيا يخضع للنقد؛ والمفتى به، بوصفه تعبيرا عن مقاصد الشريعة في حفظ الإنسان؛ والممارس سياسيا، حيث تتحرك الدول والجماعات وفق منطق المصلحة والقوة، ومن دون هذا التمييز، يغدو الحكم أسير قراءة مجتزأة، تختزل التاريخ في رواية، والواقع في أزمة.

وعليه، فإن القراءة المتوازنة لا تقف عند ما سطر في بطون الكتب، بقدر ما تنظر إلى ما استقر في الضمير الفقهي حين واجه الواقع، وإلى ما أنتجه التفاعل الاجتماعي من صيغ للتعايش.،فالكوردي، في هذا السياق، ليس موضوع رواية عابرة، ولا طرفا في خصومة دائمة، بل هو جزء من نسيج إنساني أوسع، تشكله قيم العدل بقدر ما تصوغه وقائع التاريخ.

***

د. جوتيار تمر

اقليم كوردستان 29-4-2026

فوليه: وهم أو جنون

دو: إثنان

هذا مصطلح بالفرنسية يطلق على الوهم المشترك، ويمكنه أن ينتشر ويصبح جماعيا، وعندها يطلق عليه

فوليه جروبالي: الوهم الجماعي

جروبالي: جماعي

ولكي يتحقق الوهم الجماعي، أو المجتمعي، لابد من توفر بعض العناصر الأساسية اللازمة لتدويخ البشر وصيدهم بحبائل الوهم المقيت المقيم المستهلك لوجودهم.

الرمز المؤثر: لابد من وجوده ودوره الساطع في بناء صرح الوهم الذي يدعو إليه، ويحاط بهالة مقدسة، حتى يصبح ما ينطق به فوق أي كلام.

المظلومية: من ضرورات إشاعة الوهم الجماعي وترسيخ مفاهيمه وإعتباره حق لازم الإتباع، وضروري التأكيد والفعل في المجتمع، لتحرير البشر من قبضة المظلومية، وهي في معظم الأحيان متخيلة ومرسومة وفقا لمنطلقات الوهم المبثوث.

الشحنات العاطفية الدامية: لكي يكون الوهم فعّالا ومنتشرا كالنار في الهشيم، ومتأججا في أعماق ضحاياه، يتوجب القيام بأعمال فظيعة تلهب العواطف وتعمي العقول؟

التكرار الممنهج: وهو من الوسائل الناجعة لترسيخ المفاهيم بالرؤوس المأسورة بما تسمع وترى وتعاني، وبه يتحقق إنبات التصديق في النفوس، فكل مكرر مُصَدّق.

بث الأساطير والخرافات: وهي متنوعة وذات غايات وتوجهات لتخنيع الناس وتحويلهم إلى عحينة توضع في قوالب مهيّأة لتحويلهم إلى فرائس وهم لا يشعرون، فتتطور الأساطير والخرافات إلى معتقدات إيمانية في وعيهم الجمعي.

تهويل الغاية وتقديس الوسيلة: للغيبية دور كبير في شد الناس إلى المتصوَّر المجهول، والراسخ في النفوس والرؤوس، وفقا لنشاطات التكرار والتهويل، وإفهام الناس بأنهم أضعف مما يدركون معاني المجهول، الذي يَعلمه صفوة القوم الراسخين في التعبير عن أوهامهم الإعتقادية التي تستوجب التبعية والتقليد.

القوة الساطية: للقوة ادورها الأكبر في تأمين ديمومة الوهم، وبدونها تتناثر حبات الأوهام، وتنتصر عليها العقول المتنورة، وتسفهها، فلهذا لا يمكن لوهم أن يسود من غير قوة تؤازره وترفع راياته في كل مكان.

 وغيرها من آليات التخنيع وتحويل البشر إلى قطيع، وإستلاب الأدمغة وتأجيج النفوس الأمّارة بالسوء والبغضاء والوجيع..

تَصاغَرّْنا لأن الوهمَ غدّارُ

وكلُّ فظيعةٍ فينا تُجارُ

تشوّهتِ العقولُ بما اعْتراها

وإنّ النفسَ غالبها احْتضارُ

بأوْهامٍ مؤدْينةٍ بشرٍّ

تُدحْرجنا فيمْحَقنا انْدثارُ

***

د. صادق السامرائي

 

في كل مرة تضيق بي الحياة… أعود إلى سورة يوسف، فأتعلم الصبر من جديد.

لا شكّ أن الصبر إنما يتحقق عندما يمرّ الإنسان بابتلاء أو امتحان، فيصبر عليه. ومن هنا ينبثق السؤال:

ما الابتلاء الذي مرّ به يوسف عليه السلام؟ وعلى ماذا صبر؟

كنتُ أتساءل في كل شدة مررت بها:

لماذا سكت نبي الله يعقوب عليه السلام على جريمة أبنائه عندما عادوا إليه بقميص يوسف وعليه دم كذب؟

خصوصًا أنه لم يصدقهم عندما رأى القميص سليمًا دون تمزيق، بل قال: (بل سوّلت لكم أنفسكم أمرًا).

لماذا لم يذهب إلى موقع الجريمة ليبحث عنه كما يفعل أي أب؟

ولماذا لم يُجبرهم على الاعتراف؟

ولماذا لم يحاصرهم بالأسئلة أو يتقصَّ أكثر بحثًا عن قرة عينه؟

واكتفى بقوله: (فصبرٌ جميل والله المستعان على ما تصفون).

وما زادني عجبًا تكرار نفس الرد بعد سنوات طويلة، عندما عاد إليه أبناؤه من مصر وقد نقص عددهم اثنين؛ الأخ الأصغر الذي احتجزه يوسف، والأخ الأكبر الذي بقي خجلًا. فقال مرة أخرى:

(بل سوّلت لكم أنفسكم أمرًا فصبرٌ جميل).

هل كان على يقين بنتائج صبره؟

(عسى الله أن يأتيني بهم جميعًا).

لم يُكاشف يعقوب أبناءه بما في صدره، واكتفى بالتوكل على الله، فهو العليم الحكيم.

ويزداد العجب من كتمانه لألمه: (وتولّى عنهم وقال يا أسفى على يوسف وابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم).

حتى إن أبناءه تعجبوا من صبره، فقالوا:

(تالله تفتأ تذكر يوسف حتى تكون حرضًا أو تكون من الهالكين)،

فأجابهم: (إنما أشكو بثّي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون).

هل أوحي إليه؟

لا نعلم، ولكن ربما كان ممتثلًا بفطرته لعبادة الصبر، أو أُلهِم الطمأنينة من ربه.

وكأن الصبر كان ميراثًا بين الأب وابنه… يتوارثانه في أشدّ المحن.

ننتقل إلى يوسف عليه السلام:

عندما أُلقي في غيابة الجب، هل كان يعلم أن وراء المكيدة حكمة إلهية؟

(وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون).

فصبر كصبر أبيه، وتحمل الغربة والأسر والسجن بضع سنين.

وهنا أتساءل:

لماذا لم يرجع يوسف إلى أهله بعد أن مكّنه الله في الأرض، وهو يعلم مكانهم؟

لماذا لم يسعَ للقاء أبيه؟

كلاهما كان ينتظر ويصبر ويكتم،

وكلاهما كان يؤدي رسالته في هداية الناس، ممتثلًا للصبر الجميل.

وعندما قال يوسف في السجن:

(اذكرني عند ربك)،

فلبث في السجن بضع سنين:

(فأنساه الشيطان ذكر ربه فلبث في السجن بضع سنين).

وعندما اكتمل الصبر، جاء الفرج،

فعاد البصر ليعقوب، واجتمع الشمل، وقال يوسف:

(يا أبتِ هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقًا).

ثم تأمل جمال أخلاقه بعد التمكين:

لم ينتقم، ولم يعاتب، بل قال:

(وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو)،

وقال: (من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي).

إنه الصبر الجميل…

الصبر الذي يطهّر القلب من الانتقام والعتاب.

ثم قال:

(إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم).

وتابع شكر نعم الله:

(رب قد آتيتني من الملك وعلّمتني من تأويل الأحاديث)،

ثم دعا بتواضع:

(توفّني مسلمًا وألحقني بالصالحين).

عندها أيقنت أن الأنبياء هم أشد الناس ابتلاءً،

وأن الابتلاء قد يكون في أقرب الناس:

في الابن، أو الأخ، أو الزوجة.

كما أدركت أن الفرج لا يأتي إلا بعد تمام الصبر،

كما قال تعالى:

(حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذِبوا جاءهم نصرنا).

فعجبت من نفسي… كيف ينفد صبر الإنسان،

وهو يرى كل هذا؟

إنها رسالة عظيمة:

(ما كان حديثًا يُفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون).

فالصبر ليس انتظارًا صامتًا…

بل يقينٌ بأن الله يدبّر كل شيء في الخفاء، حتى يأتي الفرج في أجمل صورة لم نتخيلها.

إنه الصبر الجميل…

فإذا ابتلاك الله، فلا تطلب إلا أن يرزقك الصبر الجميل.

اللهم اجعلنا من الصابرين المستغفرين… آمين

***

ذكرى البياتي

 

من المقابر الجماعية إلى المقابر النموذجية.. معالم من توثيق الوفاء

كثيرا ما نلقى اللوم على الذين أهملوا وضيعوا وتباطئوا وتأخروا في تدارك الأجساد الطرية من حفرة كانت مقبرة جماعية، قد احتضنتهم قسراً واحتضنوها موتاً فسميت بأجسادهم مقابر جماعية لأنها جمعت أكثر من قبر أو أكثر من جسد، فلعل تشريع القوانين وإصدار التعليمات وإعطاء الأوامر لا تشفي غليل الأمهات الثاكلات ولا أنين الأبناء وحسرة من تجلد من الآباء، لأن احتواء المواقف لا تتم بالإجراءات الرسمية ـ ولا يمكن أن نكبت تنهدات الموجعين فقدا بهم.

فيبقى السعي لتطييب الخواطر هو سعي ذوي النوايا الطيبة التي لا تدفعهم توجيهات الدوائر ولا تمضي بهم المخاطبات حيث وجود المقابر فحسب، بل هو استشعار دائم، واقتران وجودي بما وجدوا عليه هؤلاء الضحايا، فأصبحت فكرة التخليد أقوى من فكرة النسيان، وأصبح الواجب يتمثل فعلاً بما يقال ويفعل ويجسد لكل أهالي الضحايا الذين قضوا بأفعال كل أشكال التطرف.

هذه وأمثالها هي جهود من سعوا الى توثيق الوفاء الى جانب توثيق الألم، فحولوا المقابر العشوائية الى مقابر جماعية معلومة ومحددة، وحولوا أهل الوفاء المقابر الجماعية إلى قبور أو مقابر نموذجية سواء بمواقعهم أو بمواقع جديدة، تمثل تحدي واضحة لمحاولات الطمس والأخفاء والكتمان والنسيان واللا ذكر. فالجاني لا يخاف من فعلته بالعادة حتى يخفيها، بل هو إمعان حقد وعدوان وجناية بحق الضحية ليخفي له كل أثر شفاءا للغليل! من ذلك الحقد المتوارث تجسد في تهديد وتمثيل صدام حسين حين كان يذيب الناس في أحواض التيزاب ليخفي لهم كل ذكر ومعلم. وقبلها فعل بزيد الشهيد عليه السلام، وهكذا نفعل أحيانا ببعضنا حيث جرائم الحرق او الطحن او الاذابة!! المضي قدما وقسوتا وإيغالا بالإبادة إلى حد الإفناء التام الذي يسبقه التمثيل درجة على الرغم من بشاعته أيضا، فمستويات الإبادة متفاوتة بحسب عدوانية القتال ووحشية الجاني، فهذه المراحل هي كاشفة عن عمق السيكولوجية الإجرامية الكامنة خلف دوافع الفعل الإجرامي وتناميه. فالتطرف في دوافع الإقبار والإبادة يجب أن تقابلها عقلانية في الإحياء والتخليد وتحقيق توازن نفسي عند من يتحقق لديه دوافع إبادية متقابلة إلى أنصاف عقلاني مرضي لأهالي الضحايا حتى لا تتولد ردود أفعال مشابهة.

فتوثيق الوفاء هو اعطاء رسالة الى كل من نالهم الضرر على أن هناك من ينصف ويخلد ما اريد افناءه. هي سياسة احتواء لمشاعر الغضب والتظلم والشعور بنسيان الضحايا الذي لا يقل معنويا عن دوافع الإخفاء التي أقدم عليها الجناة. فهو فلسفة تحدي لفكرة الموت والالغاء والابادة والضياع. هو إيجاد جديد وإحياء ذكر وإنقاذ متأخر واسعاف من اهمال التأريخ.

إليك أيها القارئ نماذج من معالم توثيق الوفاء...

لعلها تكون إجابة لمن بالغه الألم والفقد الذي لا عوضه له، لعله يكون شفاء للصدور، لعله يكون رضا بقدر سعيد أشتراه المرء لنفسه، فأستسعده غيره، كالأب الذي يهنئ أبنه الشهيد بجمال قبره الجديد! هذه عبارة سمعتها من أب وقف على قبر أبنه. في مقبرته النموذجية التي غيرت من شعور وجود أبنهم في مقبرة جماعية!

هي معلم جديد، غير تلك الحفرة الحقيرة المليئة بالرفاة والأنقاض والاوساخ، أنه مكان يعكس تقدير جديد للضحية، نظيف ومرتب ومنظم ومهندس ويقصده الزائرون. على العكس من شعور الفقد المؤلم واللاوجود. لعله شعور بهيبة الموت والشهادة على العكس من ذلك المصير الذين شاهدوه قبل موتهم أو نقلوا اليه دون علمهم. من تلك الأمثلة:

أولا: مقبرة البرزانيين في أربيل:

من عمق الصحراء إلى أعالي الجبال، عروج جديد، ورحلة نحو الجنوب وأخرى نحو الشمال، لعلها الرحلة الأولى لهم إلى الجنوب، ولعلهم المرة الأولى التي يروا فيها جنوب بلدهم، ولكن كانت الأخيرة في عدم رؤيته تماما! حيث مقابرهم الجديدة والجماعية التي تنتظرهم، هكذا قرر البعث المجرم فعلته بهم، وهيئ لهم مال لم يكن متوقع في خلدهم، وهم ينسجون ذكرياتهم قبل الوصول وآمالهم للعودة المأمولة، ولكن مقابر نقرة السلمان كانت واقع جديدة لهم، صراخ جماعي وموت جماعي وقبر جماعي، فطالت الرحلة منذ سفرهم نحو الجنوب وحتى عودتهم نعوش إلى أعالي جبل بارزان. هنا تشتد رمزية القصة والقبر والمعلم والذكرى التي اختير لها أن تكون نعشا جديدا وقبرا جماعيا ولكن مرفها هو أقرب الى أن يكون حديقة مليئة بالزهور منه الى قبر، ليغيروا بها معالم الموتة الأولى وتزاحمهم في قبرهم الكبير ورثاثة واقعه المؤلم، بعناية الذوق والجمال والتزيين والتنظيم وأكاليل الزهور نشعر اكثر بسعادة الشهداء، وهذا اقل ما يمكن أن يسعدوا به بعد طوال هذه الرحلة.

ثانيا: مقبرة حلبجة

مقبرة حلبجة ومعلهما تجسيد حقيقي لكل المظالم التي طالت العراقيين، واختصار مؤلم لحجم العداء البعثي للعراقيين جميعا، فهذه الجريمة البشعة طالت الكورد والعرب وغيرهم وساوت بيهم في موته جماعية موحدة، كانت علامة فارقة في تاريخ العراق الحديث، حيث لم يكن يتخيل بأن العراقيين يصل بهم هذه المرة إلى أن أبناء جلدتهم يبيد أحدهم الآخر عبر هذه الطريقة الإجرامية القاسية. فكل رمز لا يعبر عن حجم الألم، ولا عن كثرة الدموع التي سفكت ومازالت على ضحايا هذه الجرم الهائل.

ثالثا: مقبرة روضة الكفيل

هذه الروضة جاءت في توقيت تضاعف الجراحات، وتكرار الألم، حيث احتضنت شهداء من ضحايا التطرف الذي عمد إلى تأكيد إبادته بقوة عبر إخفاء أشلاء الضحايا ورفاتهم طيلة سنوات منذ 2014 والى اليوم مازالت تحتضن هذه المقبرة شهداء الحقب المظلمة التي تتعاقب على العراقيين من جراء التطرف الديني والسياسي والمذهبي الذي أوغل حقدا في جنود معسكر قاعدة ماجد التميمي (سبايكر) وبين شهداء سجن بادوش مع أرض رفات ضحايا البعث المجرم الذي خلفها في هذه المدينة، حيث المقبرة النموذجية التي كانت فيها هذه الروضة.

رابعا: النصب ومقبرة الشهداء الآشوريين

هذا معلم رمزي ومقبرة لشهداء الطائفة الأشورية في محافظة دهوك يعبر برمزية عن وفاء يليق بهم، حين توضع لهم أكاليل الورود بعد أن كانوا يتلقون الموت الجماعي والمدافن القسرية من قبل الجناة.

خامسا: نصب ومقبرة الإيزيديين

نصب ومقبرة في مدخل مدينة سنجار يرمز الى مستويات العنف الذي طال هذه الطائفة، ومراحل تطور الإجرام بحقهم، حتى كان هذا الرمز والمعلم الذي احتضن في اعماقه رفات لنساء مسنات كان قد ألقى بهن داعش في حفرة عميقة بعد تصفيتهن وقتلهن، واعتلى في اعمدته ليحمل صور تجسد حالات الموت الذي طالهم ومشاهد من حقيقة ما جرى عليهم. فكان هذا المعلم طموح يرضى الموجعين كليا بأن يجسد لهم هذا الوطن الذي أثقل عليهم بآلامه وإباداته ولأول مرة مجسما ومعلما ينصف ذاكرتهم.

سادسا: نصب الكورد الفيليين

تعبير مركب عن جريمة مركبة ارتكبت بحق الكورد الفيليين، عبر عن رمزيتها وإكراما لما حملت هذه الجريمة من آلام ثقيلة عليهم كان هذا الشكل الذي تزاحمت به الرمزيات مع الذكريات ليكمل قصة مكون عراقي قاسى الأمرين من سياسة البعث الاجرامية وقراراته اللاإنسانية، فكان حري أن يخلد ما يوفي حقهم ويطيب بعض من جراحهم وينصف رمزيا ما تكبدوه من خسائر للوطن وفي الوطن وخارجه.

سابعا: مقبرة جنة الشهداء في كربلاء

وهي مقبرة نموذجية عبرت عن قيمة عليا لشهداء العراق واردات تغير واقع الموت الرث الى واقع الموت المكرم، بحفاوة التضحية وعناية الموقف، وشدة الاستسلام لقدر الموت على يد الغادرين والمجرمين من بعثيي العراق.

ثامنا: الضحايا من كيل التراب إلى أكاليل الزهور:

رد اعتبار حاسم لمعنى الوفاء أن تكرم من أوصى الله إكرامه في الحياة كما أوصى بإكرامه في الممات، على من يهين عبادة بموت رخيص ويهينهم بدفن مشين، فوضع الزهور على قبورهم والاحتفاء بذكراهم وتقدير مماتهم جزء من الاعتزاز بقيمة الحياة التي فقدوها، ورد كبير على من استهان بموتهم وبدد كرامتهم بعدوانيته وتطرفه الإجرامي. فاصبح وضع الزهور تقليد سنوي يوضع في كل ذكرى، تتضمن رسالة إنسانية رافضة لثقافة الموت والنسيان والاستسلام لثقافة الإلغاء التي يراد لها أن تتحقق بإلإرادة الإجرامية في فعل الإبادة الفعلية والقصدية لكل ذكر وذكرى للضحايا.

***

د. رائد عبيس

تُشكّل الثورة الرقمية عالمًا يزداد تجريدًا يومًا بعد يوم. وفي روايتها «شرطة الذاكرة»، تتحدث الكاتبة اليابانية يوكو أوغاوا عن جزيرة بلا اسم. أحداث غريبة تثير قلق سكانها؛ إذ تختفي الأشياء بشكل غامض. أشياء عطرة، براقة، متلألئة، رائعة: أربطة الشعر، القبعات، العطور، الأجراس الصغيرة، الزمرد، الخواتم، وحتى الورود والطيور. ولم يعد السكان يعرفون الغاية من هذه الأشياء.

تصوّر أوغاوا في روايتها نظامًا شموليًا ينفي الأشياء والذكريات من المجتمع بمساعدة «شرطة الذاكرة»، على غرار شرطة الفكر في أعمال جورج أورويل. يعيش سكان الجزيرة في شتاء دائم من النسيان والخسارة. وكل من يحتفظ بذكريات سرًا يتعرض للاعتقال. حتى والدة البطلة، التي كانت تخفي الأشياء المهددة بالاختفاء في خزانة سرية، تُلاحق وتُقتل على يد شرطة الذاكرة.

يمكن قراءة «شرطة الذاكرة» بوصفها استعارة لواقعنا المعاصر. فالأشياء تختفي اليوم أيضًا باستمرار دون أن ننتبه. إن وفرة الأشياء توهمنا بعكس ذلك. وعلى خلاف ديستوبيا أوغاوا، لا نعيش في نظام شمولي يسلب الناس ممتلكاتهم وذكرياتهم بعنف، بل إن هوسنا بالتواصل وتدفق المعلومات هو ما يجعل الأشياء تتلاشى. فالمعلومة، أي «اللا-شيء»، تتقدّم على الشيء وتجعله باهتًا. نحن لا نعيش في مملكة العنف، بل في مملكة المعلومات التي تتنكر في هيئة الحرية.

في عالم أوغاوا الديستوبي، يفرغ العالم تدريجيًا حتى يختفي في النهاية. كل شيء يتلاشى شيئًا فشيئًا، حتى أجزاء من الجسد تختفي. وفي النهاية، لا تبقى سوى أصوات بلا أجساد، تائهة في الهواء. وتشبه هذه الجزيرة الخالية من الأشياء والذكريات، في بعض جوانبها، عالمنا اليوم. فالعالم يفرغ من الأشياء ويمتلئ بمعلومات مقلقة تشبه تلك الأصوات بلا جسد. الرقمنة تُجرّد العالم من ماديته، بل ومن جسديته أيضًا، وتطمس الذكريات. فبدل أن نحفظ الذكريات، نخزن كميات هائلة من البيانات. وهكذا تحل الوسائط الرقمية محل «شرطة الذاكرة»، مؤدية وظيفتها دون عنف وبجهد ضئيل.

وعلى خلاف عالم أوغاوا الكئيب، فإن مجتمع المعلومات الذي نعيش فيه ليس رتيبًا إلى هذا الحد. فالمعلومات تُشوّه الأحداث وتغتذي على عنصر المفاجأة. لكن هذا التحفيز لا يدوم طويلًا؛ إذ سرعان ما نبحث عن محفزات جديدة. لقد اعتدنا أن نرى الواقع كمصدر دائم للإثارة والمفاجآت. وبصفتنا «صيادي معلومات»، أصبحنا عاجزين عن إدراك الأشياء الصامتة والبسيطة واليومية، تلك التي لا تثيرنا، لكنها تُرسّخ وجودنا وتربطنا بالعالم.

نحن اليوم في مرحلة انتقالية من عصر الأشياء إلى عصر «اللا-أشياء». فالمعلومات، لا الأشياء، هي التي تحدد العالم الذي نعيش فيه. لم نعد نسكن الأرض والسماء، بل «غوغل إيرث» والسحابة الرقمية. لقد أصبح العالم أكثر تجريدًا وضبابية وطيفية؛ لم يعد فيه شيء صلب أو ملموس.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

بدأت الدعاية النازية في العراق منذ ثلاثينيات القرن الماضي وكان هدفها التأثير على عقول الشباب وبعض الاحزاب السياسية المعادية للإنكليز وايهام العراقيين بان انتصار النازية في الحرب العالمية الثانية هو من صالح العراق وتحرره من السيطرة البريطانية.

وهكذا بدأت بعض الصحف العراقية في بغداد منذ عام 1930 بترجمة ونشر مقالات عن الزعيم النازي هتلر ورفع صوره اثناء المسيرات التي تقام في شوارع بغداد وبعد تسلم هتلر للسلطة عام 1933 زاد اهتمام هذه الصحف بالدعاية النازية وتم ترجمة كتاب (كفاحي) ونشر في الصحف العراقية بشكل حلقات متتالية، وكان للسفير الالماني (غروبا) دور كبير في الترويج للسياسة الالمانية. من جهة اخرى، عرضت دور السينما في بغداد أفلاماً لهتلر وهو يلقي إحدى خطاباته النازية مما أثار حماسة الجماهير التي أخذت تصفق وتهتف لهتلر اثناء خطابه، كما قامت وزارة المعارف بإرسال عدد من الشباب الى المانيا للاشتراك في مؤتمر الشبيبة النازية المنعقد في برلين وبعد عودتهم صرحوا بأنهم يتمنون ان يحكم العراق رجلا مثل هتلر كما أعربوا عن رغبتهم في زيارة هتلر للعراق لكي يرى مدى الاستقبال العظيم الذي سيقام له.

وقد أهدى هتلر محطة اذاعة الى الملك غازي عام 1936 توثيقا لعلاقة المانيا بالحكومة العراقية حيث أصبحت تبث الدعاية النازية.

ان استقراءً لتاريخ الاحزاب السياسية في العراق لم يؤشر على وجود حزب أو تكتل أو حتى تيار سياسي يحمل اسم الحزب النازي فكل ما في الامر لا يتعدى مجرد وجود بعض الساسة العراقيين المعجبين بهتلر وافكاره القومية الممزوجة بالاشتراكية والتي تتلائم نوعا ما مع الافكار القومية العربية التي يؤمن بها هؤلاء الساسة مثل رشيد عالي الكيلاني والعقداء الاربعة ذات الميول القومية بالإضافة الى الحاج امين الحسيني مفتي فلسطين والذي كان يتردد على العراق بين فترة واخرى والذي قيل عنه انه كان معاديا للانكليز وذات ميول نازية وقد وضح دوره خلال حركة مايس 1941 ثم لقاءاته بهتلر.

وقد تبنى رئيس الوزراء العراقي ياسين الهاشمي نظاما طبق في المدارس العراقية اطلق عليه نظام (الفتوة) الا ان الانكليز عارضوا هذا المشروع باعتباره يمثل حركة نازية تستمد تعاليمها من المانيا الهتلرية وتدعوا الى التمييز العنصري واضطهاد اليهود وقد قررت الحكومة العراقية حل هذا التنظيم من المدارس بعد فشل حركة مايس.

وهكذا ازداد الناس اعجابا بهتلر حتى انهم كانوا يصفقون لهتلر اثناء خطاباته واخذ كل نجاح تحرزه المانيا في الحرب يقابل بالترحيب في العراق.

في عام 1935 تأسس في بغداد نادي المثنى وكان يونس السبعاوي احد قادة ثورة مايس وثيق الصلة بهذا النادي ومن المعجبين بشخصية هتلر، كما ان بكر صدقي قائد اول انقلاب عسكري عام 1936 كان ذو احلام نازية وكان يهدف الى عزل الملك غازي واقامة نظام جمهوري اشبه ما يكون بالنظام الالماني الا ان مصرعه في الموصل عام 1937 احال دون تحقيق هذا الهدف.

وقد بلغ التدخل العسكري الالماني ذروته خلال حركة مايس 1941 ذلك لان قادة الحركة كانت لهم ميول نحو هتلر وبما ان الحركة كانت موجهة ضد الانكليز في العراق فقد استند هؤلاء القادة الى قاعدة تقول (عدو عدوي صديقي) اما بريطانيا فأنها كانت تتخوف من احتلال المانيا للعراق واتخاذه قاعدة للانطلاق لاحتلال الشرق الاوسط الامر الذي يهدد مصالح بريطانيا النفطية ومصالحها في الهند بالإضافة الى سقوط كل من فرنسا وهولندا بيد الالمان عام 1940 حيث ظلت بريطانيا وحدها في الميدان، وقد اجتهد زعماء حركة مايس للحصول على دعم ومساندة المانيا لهم، ومن جهة اخرى اذاع هتلر تعليماته الخاصة بمساندة العراق على شكل رسالة جاء فيها (.. ان حركة التحرر العربية في الشرق الاوسط حليفنا الطبيعي ضد بريطانيا لهذا فان للثورة في العراق اهمية خاصة فهي تعزيز للقوى المعادية للإنكليز في الشرق الاوسط..) الا ان المساعدات الالمانية لم يكن لها سوى تأثير محدود رغم ان (15) طائرة المانية وصلت بغداد كما ارسلت الحكومة الالمانية الى حكومة رشيد عالي الكيلاني بعض الشحنات من الاسلحة الخفيفة و(30) طائرة مقاتلة الى مدينة الموصل، وكانت المانيا قد انشأت اذاعة كبرى في احدى ضواحي مدينة برلين تبث برامجها الخاصة بالوطن العربي وتركيا وايران وكان من ابرز وجوهها يونس بحري الذي اشتهر بمقدمته المعروفة (هنا برلين، حيي العرب))كما وصل ضابط الماني بمهمة استطلاع المدرجات الصالحة للطيران وقد قتل فوق بغداد حيث ظن العراقيون انها طائرة انكليزية والطيار هو ابن قائد القوة الجوية الالمانية وقد وصل دعما لحركة العقداء الاربعة، غير ان الدور الالماني في فتح جبهة عسكرية في العراق لم يكن جاداً لان هدفه الاساس هو مشاغلة الانكليز وارباك خططهم. وقد فشلت خطط الالمان لاسباب منها قصر عمر الحركة التي لم تستمر سوى (30) يوما نتج عنها انتقال قادة الحركة الى كركوك ثم هروبهم خارج العراق ثم هرب السفير الالماني (غروبا) من بغداد الى الموصل تبعه هروب العقداء الاربعة الى ايران وتركيا الا ان سلطات كلا البلدين قامت بتسليمهم الى الحكومة العراقية التي نفذت فيهم احكام الاعدام بعد فشل الحركة، وقد اشرف الامير عبد الاله الوصي على عرش العراق على اعدامهم وامر بتعليق جثة صلاح الدين الصباغ على باب وزارة الدفاع، وقد تمكنت المخابرات الالمانية من تهريب رشيد عالي الى ايران ثم المانيا حيث استقبله هتلر في مقره ببرلين.

***

غريب دوحي

تأريخنا بمسيراته المتنوعة لم يذكر مصطلح "رجل دين"، وبمكن القول أنه قد بدأ بعد إنتهاء الدولة العثمانية في (1923)، ويبدو أنه صالح لتحقيق غايات مغرضة، وله دواعيه ومنطلقاته وإمتداداته ومؤثراته في تخنيع أبناء الأمة.

"رجل دين" مصطلح ربما يضر بالدين، لأنه يوهم الناس بأن الدين مرتبط برجل وهو الذي يمثله، وما يصدر عنه يعبّر عن جوهر الدين، وهذا إضطراب إدراكي معرفي، لأن الدين لايمكن حصره برجل، الدين تعبير عن إرادة الحياة، والشخص يعبّر عما فيه ولا يستطيع الإنتصار على نفسه ومطموراتها ونوازعها إلا فيما قل جدا وندر.

بينما العالم بالدين يعرف من الدين ما يستطيعه ويحاول أن يترجم ما يعرفه وفقا لقدراته الذاتية وتوافقا مع الظروف الموضوعية التي يكون فيها، فالعالم بالدين يرسم صورة للدين من زاوية فهمه وتعمقه بما إستطاع إستيعابه منه.

فلا يوجد شخص واحد يمتلك قدرات الإلمام بأي دين، حتى الأنبياء ما كانوا إلا مبلغي رسالات، ولا يمتلكون القدرة المطلقة عن التعبير الشامل للدين الذي يمثلونه، لأنهم من البشر، وللبشر خصائصه ومتطلباته البدنية والنفسية والسلوكية، فمهما تهذب يبقى أقل درجة من ملائكة الرحمن الرحيم، الذين يتصرفون بمثالية يعجز عن الإقتراب منها أي البشر.

ثم أن القول بوجود "رجل دين" يستدعي وجوب وجود "إمرأة دين"، فلماذا يكون الدين ذكوريا بحتا، وتعفى المرأة من الإحاطة بعلوم الدين؟

لماذا لا توجد مؤسسات لتدريس الدين للمرأة، وحصولها على درجات التخصص في ميادينه؟

علومٌ في بواطنها جديدُ

وإنّ الفرد من عضلٍ وحيدُ

جموع عقولها وصلت لرأيٍّ

كثيرُ رموزنا حطبٌ نضيدُ

تحلّى في مواكبها بعلمٍ

فإنّ عليمها نورٌ مفيدُ

***

د. صادق السامرائي

من تأمل في لوح الأزل بعين الروح تجلت لعين قلبه آيات الله منقوشة على كل ذرة، ومزركشة في جوهر كل خلية من كياننا البشري. ان من يقرأ ما يكتب عن علم الخلايا، يجد نفسه مشدوها أمام عظمة الخالق سبحانه وما خطته يد القدرة على لوح أدق تفاصيل الحياة، واي متأمل مشبع بالتأملات العرفانية والعوارف النورانية، لا يمكن الا ان يرى في هذه التفاصيل البيولوجية الصرفة تجليات أسماء الله الحسنى، خاصة اسمي الكريم والوهاب.

 إنها رحلة تتجاوز حدود المجهر الطبي لتلامس أبعاد الروح، وتكشف عن حقيقة عميقة تتجسد في قوله تعالى: وما أَنفقتم مِن شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقِين.

إن جسم الإنسان، هذا الكيان الآية، خير مثال، حي ودائم، على مبدأ الإنفاق والخلف. ففي كل لحظة، ينفق الإنسان من ذاته هو نفسه، ليس فقط بالجهد أو العطاء المادي، بل على المستوى البيولوجي العميق.

إن خلايانا، تلك الوحدات الحيوية التي تشكل نسيج وجودنا، هي دوما في حالة إنفاق وتجدد مستمر. حيث يقدر أن جسم الإنسان يستبدل حوالي 330 مليار خلية يوميا، وهو ما يعادل تقريبا واحد في المائة من إجمالي خلايا الجسم. هذا يعني أننا، في غضون ثمانين إلى مائة يوم ، نكون قد جددنا ما يقارب ملايير الخلايا.

تختلف معدلات تجدد الخلايا باختلاف أنواعها أماكنها، فخلايا الأمعاء تتجدد كل بضعة أيام، وخلايا الجلد كل بضعة أسابيع، بينما خلايا الدم الحمراء تتجدد خلال أشهر.

هذه العملية المستمرة من موت الخلايا المبرمج يتبعها على الفور انقسام خلوي لإنتاج خلايا جديدة، في دورة حياة وموت لا تتوقف.

هذا الإنفاق الخلوي الدائم، يتبعه خلف إلهي مباشر، يحافظ على حيوية الجسم وسلامته. إنه تشخيص معنوي ملموس لقوله تعالى "فهو يخلفه"، حيث لا يترك الله سبحانه وتعالى هذا الإنفاق الخلوي يذهب سدى، بل يعوضه ويخلفه بما هو خير وأجدى.

إذا كان هذا هو حال الخلايا، فكيف لا يكون هذا هو حال صاحب هذه الخلايا ونقصد به الانسان؟ إن مفهوم الخلف الإلهي يتجاوز الجانب البيولوجي ليشمل كل جزئيات وجود الإنسان.

إن الإنسان ينفق من أفكاره، فيخلفها الله عليه إلهاما وعلما. وينفق من أعماله، فيخلفها الله عليه بركة وتوفيقا. وينفق من وقته وجهده، فيخلفها الله عليه إنجازا ونفعا. حتى في عقبه وذريته، يتجلى الخلف الإلهي في صلاحهم وبرهم. إن كل ما ينفقه الإنسان في حياته، سواء كان ماديا أو معنويا، يجد له خلفا من الله، قد يكون في الدنيا عاجلا، أو في عقبه، أو مدخرا له في الآخرة.

هذا الفهم الشامل للإنفاق والخلف يعلم الإنسان درسا عظيما في العطاء. فالبخل، في جوهره، هو معاكسة للإرادة الإلهية والسنن الكونية.

إن الكون كله قائم على العطاء والتجديد، فالشمس تعطي نورها، والأرض تعطي خيراتها، والأشجار تعطي ثمارها. فمن يبخل، فإنما يبخل عن نفسه، ويحرمها من فيض العطاء الإلهي الذي لا ينقطع.

في تاريخنا الاسلامي، نجد نماذج مضيئة تجسد هذا الفهم العميق للكرم والإنفاق. ومن أبرز هذه النماذج العارف بالله بلعباس السبتي، أحد رجالات مراكش السبعة، الذي اشتهر بمذهبه القائم على أن الوجود ينفعل بالجود. لقد كان السبتي يدعو إلى الإنفاق والعطاء بلا حدود، معتبرا أن الإنفاق هو الدليل الحقيقي على تخلص المنفق من الشرك الخفي المتمثل في حب المال.

لقد أضحت العباسية سنة حميدة في الثقافة المغربية، حيث يحرص أصحاب المشاريع والتجار على تخصيص جزء من أول ربح أو إنتاج للصدقة، تيمنا بمنهج بلعباس السبتي في الكرم.

 ان هذا التدريب النفسي على العطاء، الذي يرى فيه السبتي طريقا للتحرر من قيود النفس، هو دعوة للإنسان ليتماهى مع أمواج الكرم الإلهي الذي يغمر الوجود.

إن التأمل العميق في تجدد خلايانا يفتح لنا نافذة على حقيقة كونية وروحية عميقة وهي أن العطاء هو جوهر الحياة، وأن الإنفاق هو مفتاح الخلف والبركة. فكما أن خلايانا تنفق من ذاتها لتتجدد وتستمر، كذلك ينبغي لنا أن ننفق من كل ما وهبنا الله، لنرى خلفه وبركته في كل جوانب حياتنا.

إن الكرم ليس بما فضيلة أخلاقية، فهو ايضا تدريب نفسي عميق، ومحاذاة للفطرة الإلهية التي أودعها الله فينا وفي الكون من حولنا. فلنكن من المنفقين، لنكون من المخلوفين، ولنعيش على إيقاع يسكننا وهو ان الوجود ينفعل بالجود.

***

د. محمد غاني – كاتب / المغرب

استمر الرفيق الراحل عامر عبد الله في توثيق ما شاهده او شارك فيه شخصيا من وقائع العلاقات العراقية السوفييتية، حيث كان متواصلا مع رئيس الجمهورية احمد حسن البكر ويرسل له اراءه ومجريات ما يحصل في رسائل ومذكرات. فكتب: وبهذا الصدد اذكر له موقفا: فلدى التقائي يوما ما بالسفير السوفييتي (ليغاشوف) {في بغداد} واثر قيام العراق بتاميم النفط، وبالارتباط خاصة مع قرار (انور السادات) {رئيس جمهورية مصر} باقصاء الخبراء السوفييت عن مصر، وقد تضمنت الرسالة التي وجهتها الى (البكر) بعد انتهاء الزيارة، ما يلي:

الى جانب مقابلة في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي، ومحاولات لاحقة مع بعض المسؤولين في القسم الدولي، نظمت لي محادثات في مقر لجنة الدولة للعلاقات الاقتصادية شملت قضايا اقتصادية هامة، وخصوصا فيما يتعلق بتسويق النفط العراقي، والمشاريع النفطية القائمة، او المقترح انشاؤها وتطويرها بمساعدة الاتحاد السوفييتي. تضمن القسم الاقتصادي من التقرير عددا من المسائل من بينها:

اولا- مشكلات استيراد النفط العراقي، حيث عرض الجانب السوفييتي بالتفصيل هذه المشكلات، وخلاصتها:

- ان موانيء البحر الاسود مصممة لتصدير النفط السوفييتي وليس لاستلامه، اي ان الضخ يجري باتجاه البحر وليس العكس، فضلا عن محدودية طاقة الخزن في هذه الموانيء.

- عدم توفر ناقلات كافية، حيث ان مجموع الناقلات التي يمتلكها الاتحاد السوفييتي هو (247) ناقلة بحمولة (4,5) مليون طن، فضلا عن مضيق البسفور لا يتسع لناقلة تزيد حمولتها على (150) الف طن.

ثانيا- بحثت هذه الصعوبات في اجتماع (سيف) {مجلس التعاضد الاقتصادي}الاخير، وبالارتباط مع تاميم شركة نفط العراق، وضرورة دعم العراق.. تقرر ما يلي:

- شراء اكبر كمية ممكنة من النفط العراقي.

- يعقد اجتماع آخر قريب لمجلس (سيف) في آب- ايلول من هذه السنة ، لتقديم مقترحات ملموسة من جانب كل دولة اشتراكية، حول كميات النفط التي ستشتريها من العراق.

- وضع الحلول الكفيلة بحل مشاكل نقل واستلام النفط العراقي ولك من خلال:

  - بناء ناقلات جديدة، حيث سيقوم الاتحاد السوفييتي وحده ببناء (150) ناقلة خلال سنتين.

  - رفع قدرة الموانيء على استلام وخزن النفط المستورد من العراق.

  - انجاز بناء خط انابيب الادرياتيك المار من يوغسلافيا الى هنغاريا وجيكوسلوفاكيا.

- عند حل بعض مشاكل النقل والتصدير، تستطيع البلدان الاشتراكية، شراء (12) مليون طن سنويا من نفط العراق، بنسبة (7) ملايين الاتحاد السوفييتي، و(5) ملايين بقية البلدان الاشتراكية، وخصوصا البلدان المشاطئة التي تستطيع استلام النفط العراقي في موانئها (بلغاريا، بولنده، المانيا الديمقراطية).

اما الاتحاد السوفييتي فرغم انه بلد منتج ومصدر للنفط فتستطيع منذ الان ان تشتري 3,7 مليون طن وبنسبة 2,7 مليون طن عبر موانيء المتوسط ومليون طن من البصرة. كما ستزداد هذه الكمية الى 7 ملايين طن لكل من الاعوام 1973، 1974، 1975 وبنسبة 5 ملايين من المتوسط و2 مليون من البصرة.

 (وهنا جرى التوقف لدى فكرة مد خط انابيب مباشر بين العراق والاتحاد السوفييتي، وهو ما تطرقت له، اذ لو كان هناك خط مباشر، لحلت كثير من الصعوبات، على حد قولهم).

عبروا عن استعداد الاتحاد السوفييتي للمساهمة في:

 - دمج مرحلتي استخراج النفط من الرميلة ليصل الانتاج الى 40 مليون طن سنويا، بالاستناد الى الانتاج الحالي.

 - تعميق ميناء الفاو وبفضل توسيع ميناء (خور العمية) { خور العَمْيَة هو ميناء نفطي عراقي لتحميل الناقلات النفطية في منطقة خور العمية البحرية قرب مدخل شط العرب إلى الفاو في أقصى شمال الخليج العربي في جنوب محافظة البصرة بجنوب العراق}الذي كان يجري فيه تصدير نفط (شركة نفط البصرة).

 - المباشرة بانشاء الشركة العراقية- السوفيتية لتشغيل وتاجير الناقلات.

 - بناء مصفى الموصل، واية مشاريع اخرى.

- تناولت مذكرة وزير النفط الموجهة الي، اعتراضات عرضت كلها على الجانب السوفييتي، وفيها ما يتعلق بطريقة تعامل المؤسسات السوفييتية مع العراق، من حيث تقديم عروض مرتفعة ثم المساومة عليها، وبالتالي قبول التعاقد على اسعار اقل.. وقد اوردت مذكرة وزير النفط امثلة على ذلك، كالمرحلة الاولى من استثمار حقل الرميلة، ومصفى الموصل، وانبوب نقل المنتجات بين البصرة وبغداد، والاسعار المرتبطة بدراسة الجدولة الاقتصادية لمشروع الفوسفات. كما تضمنت المذكرة، اعتراضا على تفوت نسب توزيع الكلف بين الجانبين العراقي والسوفييتي فيما يتعلق بالمرحلة الثانية من مشروع الرميلة، وشرحا للمحادثات حول تكوين شركة الناقلات المشتركة بين البلدين.

- قدم الجانب السوفييتي ردودا مقنعة وتصحيحا للارقام والاعتراضات الواردة في مذكرة وزير النفط، واضافوا..

- يعلم العراقيون اننا لا نربح ولا كوبيك واحد من عرضنا المقدم حول استكمال المرحلة الثانية من مشروع الرميلة.

- ان عدة مواعيد قد حددت مع المسؤولين العراقيين لزيارة موسكو والتباحث حول هذه الامور، ولكنها لم تتحقق.

- انهم مستعدون للاتفاق وتنفيذ المشاريع المقترحة، فورا، وذلك من مصلحة العراق.

- اذا كانت الممارسات الاعتيادية تقوم على (المساومة) فاننا نتناول علاقاتنا مع العراق بروح الصداقة والتعاون.

- ومع ذلك فسنوعز الى مؤسساتنا الاقتصادية ان تقدم السعر الحقيقي لكل مشروع.

خلافا لمذكرة وزير النفط حول شركة الناقلات التي ورد فيها:

"ان الجانب السوفييتي لا يوافق على وضع رأسمال في الشركة، ولا على وضع ناقلات في الشركة المشتركة، (وهو ما يقترحه الجانب العراقي) بل يريد تكوين مكتب لتأجير الناقلات من الغير، واعطاء الناقلات السوفييتية الافضلية في التاجير. كما لا يسمح لشركة الناقلات العراقية بحرية التأجير من الغير بواسطة هذا المكتب الذي ياخذ عمولة لقاء اعماله وارباحه توزع بين الجانبين…الخ.

الجانب السوفييتي (الذي زودني بنسخة من البروتوكول المقترح بالانجليزية- مرفق طيا) يؤكد على:

- استعداده للمساهمة ب 49%‎ من راس المال.

- وضع ناقلات سوفييتية في الشركة فور توقيع العقد وبناء 7 ناقلات اخرى للعراق وستحمل الناقلات العلم العراقي.

- انشاء شركة مشتركة (Joint Venture) وليس مكتبا.

- لابد من احتكار النقل، اذ لا يجوز ان تدخل الناقلات العراقية والسوفييتية في سوق الشحن الدولي متنافسة، ولا سبيل غير ذلك لكسر طوق المقاطعة للناقلات العراقية ومقاومة الضغوط الخارجية.

- لا يمكن نقل كل النفط المؤمم بالناقلات السوفييتية، ومن هنا فكرة الاستئجار من الغير.

- الافضلية عند التاجير للناقلات العراقية ومن ثم السوفييتية، وهذا امر طبيعي .

- الجانب السوفييتي موافق على ان يكون مدير الشركة عراقيا،. نائبه سوفييتيا، ومع تكوين مجلس شركة من 4 عراقيين و3 سوفييت، وعلى ان تكون جنسية الشركة عراقية وخاضعة لاحكام قانون التجارة العراقي.

- الموظفون التكنولوجيون يختارهم المجلس من العراقيين او السوفييت او غيرهم.

- تبقى العمولة والارباح في العراق بدلا من ان تخرج بعملات اجنبية في حالة استئجار العراق لناقلات اجنبية من طرف ثالث. وتقسم العمولة بنسبة المشاركة براس المال.

وبالتالي فان لدى الجانب السوفييتي تجربة 40 سنة وهو يريد ان يضعها في خدمة اصدقائه. فنحن، على حد قولهم، لسنا منافسين ولا تجارا، لا نفتش عن افضلية ولا عن ارباح.

 ولدى الانتقال الى مسائل اخرى، اكد الجانب السوفييتي على ضرورة اهتمام العراق ب:

- البدء منذ الان بالعمل لاستكمال مشروع نفط الرميلة بكلفة (12.5) مليون روبل، خصوصا وان المعدات السوفييتية موجودة ومعطلة وكذلك (140) من الخبراء والمهندسين، وسينجز المشروع قبل عام 1977.

- ان انجاز المشروع ورفع الانتاج الى (40) مليون طن يتطلب بالضرورة تعميق ميناء الفاو او توسيع ميناء خور العمية، ومن خط انابيب الى البحر المتوسط، لان طاقة المنشئات الحالية في الميناء غير قادرة على تصدير هذه الكمية الاضافية الكبيرة.

- في حالة الاتفاق على بناء خط انابيب البصرة - البحر المتوسط، وبالنظر لعدم توفر الانابيب لدى الاتحاد السوفييتي بسبب بناء خط الصداقة الجديد،. خط سيبريا، فيمكن الاتفاق مع العراق لشراء الانابيب من طرف ثالث بعملة اجنبية يدفعها العراق، وفي حالة عدم توفرها يدفعها الاتحاد السوفييتي لقاء النفط العراقي الخام.

- يعتقد الجانب السوفييتي بان مصفى الموصل هام جدا، خلافا للفكرة السائدة في بعض الاوساط العراقية بان هذا المصفى غير ضروري، بسبب وجود الشاحنات الامريكية المتنقلة. ويؤكد السوفييت انهم مستعدون للمباشرة بالعمل فورا، وان العرض الذي قدموه هو (2.5) مليون روبل لا كما ورد في مذكرة وزير النفط.

- ارسل السوفييت الى العراق مسودة الاتفاق حول (النقل البحري التجاري) على اساس انشاء شركة مشتركة بين البلدين، ويعتقدون ان اخراج هذه الشركة الى حيز الوجود هو في مصلحة العراق، وسيساعد ذلك على تعزيز مكانة الاسطول التجاري العراقي من خلال المكانة الدولية لاسطول التجارة السوفييتي.

- تم الاتفاق مع السوفييت على تصريف كميات النفط التي ستشتريها جيكوسلوفاكيا من العراق (حسب الاتفاق الاخير معهم) وقام الاتحاد السوفييتي بضخ ما يعادلها الى جيكوسلوفاكيا.

- ان عرض العراق دمج مرحلتي الرميلة، يتطلب اعادة النظر في المباجثات السابقة، ومن الممكن تسوية الجدولة حول نسب كلفة الانشاء الى مجموع قيمة مواد المشروع، والمهم هو البدء بالعمل، اذ لا مصلحة للعراق في اضاعة الوقت في الجدل حول مسائل صغيرة.. ويؤكدون هنا، انهم رغم تلكؤ الجانب العراقي ، لم يتوقفوا عن تجهيز المعدات الى الرميلة، مع ان الاتفاق مع العراق لم يتم حتى الان، وانهم يفعلون ذلك باسم الصداقة بين البلدين، وثقة منهم بان العناصر التقدمية في الدولة ستتفهمهم وتفهم مصلحة العراق.

- اشار السوفييت الى بعض التقصيرات من جانبهم، سواء فيما يتعلق بالمدد واحيانا فيما يتعلق بالشروط والتفاصيل، او اقتراح الاسعار، وانهم ينتقدون هذه التقصيرات ويعالجونها، غير انهم يطالبون في الوقت نفسه بتقييم موضوعي لعملهم ولسياستهم القائمة على مباديء التضامن الاممي، وعلى اسس الصداقةروالتعاون التي تربط البلدين، ويشيرون بهذا الصدد وعلى سبيل المثال الى:

انهم اثر تاميم النفط، ابلغوا من الجانب العراقي بضرورة ارسال ناقلات الى ميناء (بانياس) السوري لشحن النفط المؤمم، فتم الايعاز الى ناقلة سوفييتية في البحر الاسود ان تبحر فورا الى بانياس. ورغم جواب الناقلة انها مكلفة بمهمة شحن نفط سوفييتي، فقد جرى التاكيد على ضرورة التوجه فورا الى بانياس، كما جرى اتباعها بناقلة ثانية، ومن ثم استئجار ناقلتين من شركة اجنبية، وقد قامت الناقلتان السوفييتيتان بشحن النفط العراقي، وكانت تستلم التعليمات وهي مبحرة، وقد تم كل ذلك دون اتفاق مع العراق  على اية شروط لشراء النفط، فقد كان الغرض هو افهام شركات النفط الاجنبية واعداء العراق ان له اصدقاء يساعدونه. في تسويق النفط.

وبعد ان تشير هذه المذكرة المقدمة الى رئيس الجمهورية الى تقدير السوفييت لخطوة العراق في تأميم ثروته النفطية، والى منطلقات السوفييت في دعمهم ومساعدتهم للعراق في تجاوز صعوباته وتطوير اقتصاده الوطني، تقول فعلا عن لسان المسؤولين السوفيت.

- ان الاتحاد السوفييتي، ادراكا منه لمصاعب العراق الناشئة عن التاميم، وقد تخلى عن شرط التعامل بالعملات الاجنبية مع العراق، وطلب ذلك من البلدان الاشتراكية الحليفة رغم ما هو معروف عن حاجتها الماسة الى العملات الاجنبية.

- يستطيع العراق ان يتقدم بطلب الى الاتحاد السوفييتي لتغطية القروض السوفييتية بنسبة 100%‎ من النفط الخام.

- اخذ الرفيق (بريجنيف) على عاتقه عرض الوسائل والتدابير الكفيلة بمساعدة العراق على تسويق نفطه، وذلك في اجتماع (سيف) الاخير، وعلى اساس ذلك تحددت مشتريات الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية الاخرى من نفط العراق.

- وتتمتع باهمية خاصة مسالة تنفيذ مقترح العراق في المشاركة كعضو مراقب في (سيف) وحضوره في الاجتماع المقبل للمجلس.

- بحثت ولا تزال تبحث وسائل مساندة العراق على انجاح خطوة التاميم، في المكتب السياسي ومجلس الوزراء ولجنة الدولة للعلاقات الاقتصادية ، فضلا عن اجتماعات (سيف).

- يبدي الاتحاد السوفييتي وبقية الدول الاشتراكية الاستعداد الضروري، ومن منطلق التضامن مع العراق، لزيادة صادراتها من المعدات والمكائن والتعاقد على اقامة المنشآت، مقابل زيادة المشتريات من النفط العراقي الخام.

- يلاحظون ان ثمة مقاومة لبضائعهم في العراق، ووجود صعوبات امام مساعيهم لمساعدة العراق على اقامة المؤسسات والمشاريع الانتاجية، ويعتقدون ان بالامكان تسوية هذه المشاكل عن طريق اللقاءات المتكررة، والتصرف بروح الصداقة والتعاون.

وبهذا الصدد، يعلقون اهمية كبرى على الزيارة التي سيقوم بها رئيس الجمهورية العراقية، مؤكدين على انهم قد اخذوا بعين الاعتبار رغبات الحكومة العراقية فيما يتعلق بهذه الزيارة، وانهم سيستقبلون الرئيس العراقي بالحفاوة اللائقة، كرئيس لدولة صديقة. كما يقترحون تسهيلا للتعاون بين البلدين، ان يتم التعاقد مباشرة، وباسعار ومواصفات عالمية تقريبية مع تجاوز التعقيدات والاجال الطويلة التي تستغرقها المناقصات، خصوصا وانهم يؤكدون على انهم لا يسعون وراء الارباح، لانهم على حد تعبيرهم، "ليسوا تجارا وانما اصدقاء".

وتورد المذكرة تعليقا على ذلك بقولها:

"…والواقع ان شروط القروض من البلدان الاشتراكية، ونسبة الفوائد الواطئة، بالقياس الى القروض من الدول الراسمالية، واستعداد هذه البلدان لتغطية فروقها بالنفط الخام، تتطلب قدرا من الافضلية في التعاقد، .. على اقامة المنشآت الانتاجية وتشغيلها، خصوصا وان الاسعار العالمية هي في تصاعد دائم بنسبة 10%‎ تقريبا كل عام، والمهم، هو المباشرة بتصنيع البلاد، وبناء المشاريع الانتاجية باسرع وقت ممكن، ولو على حساب بعض التفاوت الضئيل في الكلف والاسعار".

توقفت عامدا، وبإفاضة نسبية عند هذه القضايا الاقتصادية، بهدف القاء ضوء على موقف الاتحاد السوفييتي والبلدان الاشتراكية الاخرى، من معاركنا التحررية، وبضمنها معركة تأميم النفط، التي هي بالجوهر معركة سياسية، ولأشير ايضا، رغم النواقص والتقصيرات المعترف بها، في التعامل الاقتصادي والتجاري مع الدول الاشتراكية، الى العقبات والعراقيل والاهواء السياسية اتي كانت توضع قصدا، في طريق تطوير التعاون الاقتصادي مع الدول الاشتراكية.

وما اوردته آنفا، وهو مجرد مثال او نموذج من الاعباء الكثيرة، التي اخذتها على عاتقي، بالنسبة للدول الاشتراكية جميعا ودون استثناء بما فيها كوبا في الغرب وفيتنام في الشرق وفضلا عن المساجلات المرهقة والمتكررة في مجلس التخطيط، في مسالة التعامل مع السوق الراسمالي والسوق الاشتراكي، وقد سبقت الاشارة الى جانب منها، وبقي الجانب الاخر المدون بعضه في مذكرات او مقالات، والاغلب منه، بعيد في نصوصه ومضامينه عن متناول يدي او ذاكرتي.

لقد اعرضت قصدا، عن ميادين ومهمات اقتصادية ومالية داخلية، واستنفذت فيها جهدا كبيرا، ووقتا طويلا، لعلمي ان الحديث عنها قد يكون مضجرا للقاريء، ومنها على سبيل المثال: اعداد دراسة مركزة عن الاوضاع المالية والمؤسسات المصرفية والميزانية والمؤسسات المصرفية وانظمة الحسابات وغيرها، التي جرى الاخذ بها واقرت بقوانين، فضلا عن المساهمة في اعداد نموذج افضل لميزانية الدولة، والمناقشات الضافية للمناهج الاستثمارية وخطط الانماء الاقتصادي الى جانب العديد من القوانين والانظمة الاقتصادية والمساهمة في تعديل قانون الحكم الذاتي لكردستان العراق وغيره.

***

اعداد وتقديم: كاظم الموسوي

الأمر المحيّر أن نخب الأمة بأنواعها وعلى مدى أكثر من ربع قرن عجزت عن تكوين التيار الثقافي القادر على إحداث نهضة إدراكية ويقظة معرفية ذات قيمة حضارية.

وكم تساءل الكثيرون عن أسباب الفشل الذي أصاب النخب المتنوّرة في مجتمعاتنا، وبدد مساعيها وأخرجها من دائرة التفاعل الإيجابي مع الواقع المرهون بالقوى الظلامية والضلال والبهتان المقيم.

ومعظم الذين تناولوا الموضوع سقطوا في حفرة "لماذا" التي توفر لهم أسباب التعبير السهل والتبريري لواقع لا يستطيعون مواجهته بشجاعة وحزم، وإصرار على التاثير الإيجابي لصالح المجتمع وبنائه وفقا لمعطيات العصر.

ويبدو أن فيضان الكلمات العارم على الشاشات، وإنطلاق عفاريت التجهيل والترقيد والهروب إلى الغابرات، قد أفقد الأفكار قيمتها ودورها في صناعة الحياة الحرة الكريمة، وحوّلت البشر إلى عجينة يمكن وضعها في أي قالب تضليلي مقتدر.

إن القوة هي العامل الأساسي في صناعة واقع أي محتمع، ومَن يمسك بزمام القوة تكون له اليد العليا، ويتمكن من وضع الرؤوس في خنادق ما يريد، ويؤلبها ضد ما لا يريد.

والقوة كالنواة التي تدور حولها الجسيمات، وفي هذه الحالة، افراد الحاشية الذين يريدون تأمين مكاسبهم وتعزيز سطوتهم إلى حين.

لا يوجد جواب شافي للتساؤل العنوان، لأنه بحاجة لتفاعل عقول، وما أصعب ذلك في مجتمعاتنا، ومن الإثم التبرير والإسقاط ومحاولات تمرير حالات عليها أن لا تعيش، وتصيب الناس بالوجيع، وهم يستلطفون الأليم ويحسبونه من عناصر الوعيد القادم إليهم من بعيد.

و"مَن رام وصل الشمس حاك خيوطها... سببا إلى آماله وتعلقا"

و" إذا الشعب يوما أراد الحياة ...فلا بد أن يستجيب القدر"

فأين العيب، وأين يكمن الخطر؟!!

ثقافتُنا بها سَقمٌ عَضيلُ

فِداكَ بأرْضنا ذُبحَ الأصيلُ

أضاليلٌ بها الأجيالُ تُغوى

وتُبهرُها أباطيلٌ تَهيلُ

فهلْ بتجاربٍ شيئاً ثَقِفنا

وأوهامٌ لمُجتمعٍ تَعيلُ

كلامٌ لا يداوينا وفينا

توابعُ ذلةٍ عنّا تميلُ

***

د. صادق السامرائي

تعني (ثقافة القطيع).. القيام بسلوك او فعل غير منطقي وغير مبرر يقوم به الفرد حين يرى من حوله يفعلون ذلك، ما يعني سيكولوجيا أن تأثير الجماعة على الفرد تضطره او تجعله يتخلي عن استقلاليته والتصرف بنفس سلوكها دون تفكير.

وكان عالم النفس الاجتماعي (مازلو) قد رتب حاجات الفرد بهرم ان لم يشبعها يصاب بالاحباط، بينها حاجة الانسان الى الانتماء الى جماعة تربطه بها علاقات عاطفية واجتماعية تضطره الى مسايرتها، فيما قام عالم بيلوجي بنشر مقالة بعنوان (هندسة القطيع الاناني) مفادها ان كل عضو في مجموعة ما - كما هو الحال في قطيع الحيوانات - يخدم مصلحته اولا بالانتماء الى مجموعة وممارسة نفس سلوكها وتبني نفس افكارها والدفاع عنها.

تدجين العراقيين على سلوك القطيع

تعود ثقافة القطيع في العراق الى زمن النظام الدكتاتوري، فهو انتج اشد انواع الشخصية سلبية هي (الشخصية المقهورة) التي هي مادة (القطيع المطيع).وفي كتابه الممتع لعالم النفس اللبناني (مصطفى حجازي) يصف الانسان المقهور بانه المسحوق امام القوة التي يفرضها الحاكم المستبد فلا يجد من مكانة له في علاقة التسلط العنفي هذه سوى الرضوخ والتبعية والوقوع في الدونية كقدر مفروض.. ومن هنا شيوع تصرفات التزلف والاستزلام والمبالغة في تعظيم السيد اتقاءا لشرّه او طمعا في رضاه .. ويتذكر العراقيون جموع (القطيع) التي كانت تهتف (للقائد الضرورة) .

والمفارقة ان (سلوك القطيع) يتغير الى نقيضه ب(سلوك قطيع) جديد، فما أن اطيح بـ( صدام) الذي كان قائد (القطيع) حتى تخلوا عنه، تحكمهم نفس الحاجة السيكولوجية في البحث عن (قائد) جديد وجدوه في (2006) في ( نوري المالكي) ومنحوه لقب (مختار العصر).. وكانت ثقافة القطيع، المتجسدة بذوي الأصابع البنفسجية في الانتخابات هي السبب الرئيس في بؤس العراقيين وما اصابهم من شقاء وفقر وتوالي خيبات وخوف دائم من المجهول.

اللاوعي الجمعي والحول العقلي والضحية

ثلاثة عوامل سيكولوجية – اجتماعية كان لها الدور الفاعل في اشاعة ثقافة القطيع بين العراقيين بعد 2003، هي:اللاوعي الجمعي والحول العقلي والضحية.

فمن خصائص اللاوعي الجمعي انه يغلّب العقل الانفعالي على العقل المنطقي في سلوك الفرد والجماعة، ويعطّل العقل المنطقي في اوقات الازمات، وأنه في جوهره.. مخدّر وخالق أوهام.. .وهذا ما تجسد في( ثقافة القطعان) العراقية بعد 2006 .

ولقد اوصلتنا متابعتنا العلمية لما حدث ويحدث في العراق الى ابتكار مصطلح جديد ادخلناه في عالم النفس العربي ويشكل اضافة عراقية لعلم النفس العالمي هو (الحول العقلي).. ويعني ان المصاب به يرى الايجابيات في جماعته ويغمض عينيه عن سلبياتها، ويرى في الجماعة الاخرى السلبيات ويضخمها ويغمض عينيه عن ايجابياتها، ويخرج بحكم خاطئ ان جماعته هي الافضل في كل شيء.

ومن هذا الحول العقلي تحديدا نشأت (سيكولوجيا الضحية) . فبعد سقوط النظام في 2003 تضخمت (سيكولوجيا الضحية) في جماهير الشيعة والكورد، واشاع قادة الشيعة بشكل اوضح انهم كانوا مظلومين من الف سنة، فعزفوا على الوتر الطائفي ليشيعوا ثقافة القطيع.. التعصبية والمتخلفة و.. السخيفة. ففي لقائي بعدد من شيوخ وفلاحي الناصرية سألتهم لماذا تعيدون انتخاب سياسيين فاسدين، اجابوا(ندري بيهم فاسدين بس ما نريد الحكم يروح من الشيعه!).

بالمقابل، ان ثقافة القطيع تتراجع بين المسحوقين الواعين حين تتوفر لهم فرصة الخلاص من الطغاة. ففي انتفاضة(ثورة ) تشرين/ اكتوبر 2019، دعتني خيمة جواد سليم لصاحبها (دار سطور) لالقاء محاضرة على المتظاهرين في ساحة التحرير، وأوصتني ان لا ادعوهم الى توحيد تنسيقياتهم، ما يدل على انهم كانوا الضد لثقافة القطيع. ولأن توحيد قياداتهم كان يشكل العامل الرئيس لتحقيق هدفهم في (استعادة وطن ) فانني تجاهلت النصيحة ودعوتهم بطريقتي السيكولوجية الى توحيد صفوفهم.. فكان التصفيق.

ويبقى التساؤل: ومتى ستتراجع ثقافة القطيع في العراق؟

الجواب يتوقف على دور القوى التقدمية والوطنية في اشاعة ثقافة الوعي التي تنمي ثقة الانسان بنفسه، وتعيد الشعور بالأنتماء للوطن وليس الانتماء الى (سيد او شيخ عشيرة) تضطره ان يمشي مع (القطيع) حتى لو كان يعرف انه.. هالك!

***

أ.د. قاسم حسين صالح

بعيدا عن صخب التبريرات في واقعنا الحالي، لا تظهر الاشكالية الحالية ازمة شخوص، بل هي ازمة قياس ومسطرة تختار من يناسبها وتستبعد من ينفعها. وأن صناعة القادة لم ولن تكن وليدة الصدفة، بل هي بالغالب نتيجة انتقائية تعيد انتاج الخلل وتكرسه. فالسؤال لم يعد: لماذا لم ينجح بعض اصحاب القرار؟ بل أصبح: كيف وصلوا إلى دفة القيادة؟

هنا تنكشف ثنائية جوهرية في فهم التركيبة الاجتماعية او المزاجية الشعبية: سلطة الرشد امام سلطة الاهواء، وهذه ليست مجرد مقولات فلسفية تنظيرية او تصورات ذهنية، بل هي مجسات تحليلية تفسر واحدة من أكثر الافات او الازمات في اجهزة السلطة: وضع الشخص غير المناسب في المكان المناسب.

في دولة الموسسات والقانون، لا يُنظر إلى مركز القرار او الكرسي باعتباره مغنما او امتيازا وظيفيا، بل كونه وظيفة أخلاقية ومعرفية، ودفة القيادة هنا تسند إلى من يستحقها، لا إلى من يطلبها أو يقترب منها، وهذه الفكرة تمتد جذورها إلى فلسفة أرسطو وأفلاطون وكانط ومونتسكيو وجون لوك وغيرهم من الذين يرون أن العدالة تتحقق عندما يؤدي كل فرد ما هو مؤهل له، وكانط الذي جعل من العقل او الرشد الاخلاقي معيارًا أعلى للحكم والسلوك، والدولة هي تجسيد لذلك العقل المحض، لا للاهواء والمصالح.

وفق هذه الامثلة التفسيرية، تعمل الاجهزة الرقابية ودوائر القرار وكأنها مصدات وقائية تحمي نفسها من القصور الوظيفي؛ فالمواصفات او المقاييس واضحة، والرقابة والمراجعة قائمة، والخطأ قابل للتعديل او التصحيح. وبناء على هذا، إن تنصيب او تكليف شخص غير مؤهل في مكان مهم وحساس، فذلك خطأ عابر وفورا يصحح، لأن الرشد المهني يرفضه.

أما في دولة المزاجية، فالصورة تنقلب تمامًا، هنا لا يُسأل: من الأقدر؟ بل: من الأقرب؟ ولا تُقاس الكفاءة والمهنية بمقياس المعرفة والخبرة، بل بمعيار الارتباط والانتماء، وهنا تحول كرسي القرار من مسؤولية إلى غنيمة، ومن أداة خدمة إلى وسيلة نفوذ.

هذا التحول ليس جديدا، بل هو ما أشار إليه ابن خلدون في افكاره عن "العصبية" حين تصبح الروابط الضيقة هي الحاكم الحقيقي في توزيع السلطة، متجاوزة كل اعتبار عقلي أو مهني، ففي ظل هذا الاسلوب ينكشف التناقض المؤلم: المكان الصحيح لكن الانسان خطأ. وهنا يبدأ ما يمكن ان نسميه بمفهوم "الاغتراب الوظيفي" عندما تنفصل المسؤولية الحقيقية عن صاحبها، وتفقد الوظيفة معناها، ويتحول العمل الى مجرد اداء شكلي لا يعكس جوهر المسؤولية. 

والأهم من هذا كله، أن الاعتلال لا يبقى اداريا، بل يتحول مع مرور الوقت الى ثقافة سائدة، ويسير المجتمع على فكرة غير المؤهل في موقع السلطة، وتتراجع حساسيتهم تجاه المهنية والكفاءة، ويغدو الاستثناء معيار والمعيار استثناء، وهنا يصبح ما اهو اخطر من الفشل " تزييف الوعي الجمعي" .

أن الشعوب او النظم الاجتماعية لا تتحطم بسبب قلة الموار الطبيعية او البشرية، بل قد تنهار رغم وفرتها في حال غياب الرشد والعقل كمرجعية حاكمة، والازمة ليست قلة كفاءات، بل في انعدام الهيكل او الأساس الذي يكتشفها ويضعها في موقعها الصحيح.

وختاما، في دولة العقل يبحث الكرسي الى الشخص الكفء، اما في دولة الهوى يبحث الشخص الى الكرسي باي ثمن، وضمن هذين النموذجين، يرسم مستقبل الشعوب، اما أن تكون الدولة تجسيدا عن وعيها، او أن تتحول الى انعكاس لاهوائها.

***

علاء جواد كاظم

تلتقي خلال مسيرتك الأدبية المديدة، بالعديد من الناس. تتوقف عند هذا أو ذاك منهم، حينا برهة وحينا اكثر، ويبرز من بين هؤلاء كتاب وشعراء، ما أن التقيت بهم، طال الزمان أو قصر، حتى غابوا، مخلفين وراءهم اطيب الأثر و.. الاثار، منهم من يوصيك بالاهتمام بما خلفه من أعمال ادبية، كان قد شاركك في وضعه لها، مطلعا اياك عليها اولا فأول، ومنهم من وثق بك فآتى اليك حيث تعمل محررا صحفيا ادبيا، حاملا مجموعته الشعرية الاولى والوحيدة، طالبا منك أن تهتم بها بعد رحيله، ومنهم أيضا، من ترافقت معه فترة قصيرة من الزمن، لكن مديدة في أثرها الوحودي النفسي. يمضى الوقت ويذهب كل من هؤلاء موغلا في رحلته الأبدية الاخيرة، تاركا لك أمانة أو شبه امانة، آليت على نفسك أن تنفذها.. وعدا أو وفاء وخلاصا.

الحاضر الغائب

ربطتني بالصديق الراحل العزيز المحامي توفيق معمر ابن مدينتي الناصرة، علاقة أدبية تواصلت عراها نحو العقدين الكاملين من الزمن. ابتدأت في أواخر الستينيات، بعد أن اطلعت على كتاباته الأدبية خاصة "مذكرات لاجئ - أو حيفا في المعركة"، واذكر أنني سعيت إليه في مكتبه القائم في بيته الفخم، القائم على إحدى حواف ساحة المطران، وجرى اللقاء بيننا وكان كلا منا يعرف الاخر، رويدا رويدا فترة بعد فترة.. توطدت العلاقة فيما بيننا، وكان عادة ما يعبر عن رأيه في هذه الكتابة المنشورة لي أو تلك، في حين أنني كنت.. من ناحيتي، أتابعه وهو يبذل الجهد تلو الجهد لإكمال كتابه عن الزعيم الوطني "ظاهر العمر الزيداني"، وكان ذلك الكتاب الذي اعتمد في تأليفه له على جمع الرواية الشفوية، يكتمل ببطء شديد، لأساعده فيما بعد بالاشتراك مع الصديق الشاعر الراحل عدون ماجد في إعداده للطباعة، بعد العشرات من السنين، وليصدر اخيرا في اواخر السبعينيات. بعدها اقترحت عليه أن يصدر مجددا روايته المذكورة عن حيفا، ففعل بعد أن وافق على قلب العنوان ليضحي "حيفا في المعركة- او مذكرات لاجئ". وفي تلك الاثناء، كان يعمل على رواية من الادب الساخر اطلق عليها عنوان" الغائب الحاضر"، كونها تتحدث عن ذلك القانون الجائر بحق اخوانه الفلسطينيين الباقين في الوطن بعد نكبة ٤٨، ذلك القانون الذي عادة ما تصادر بمقتضاه أملاك الغائبين ظلما وبهتانا. وأذكر أنه وجه ذات جلسة جمعتني به، حديثه الي.. قائلا بنوع من مزاح الرجال.. أنني اطلب منك، اذا لم اتمكن من اصدار هذه الرواية في حياتي، أن تقوم بإصدارها بعد رحيلي. ورحل توفيق قبل سبعة وثلاثين عاما، فما كان مني، إلا أن توجهت إلى ورثته ممن علمت أن مخطوطة تلك الرواية قد باتت بحوزته، ورويت له ما اوصاني به صاحبها، ليخبرني أنه هو من سيقوم بإصدارها. وها هي السنوات قد مضت دون أن يقوم بتنفيذ طباعتها وإصدارها في كتاب. وقد حاولت قبل أيام مع أقارب له.. ولم أخرج، مرة اخرى، للأسف بأي طائل.. وها أنا أكتب لعل امر اصدار هذه الرواية في كتاب .. يحرز تقدما ما، أو يؤدي إلى نشرها لتنضم إلى اخواتها.. مؤلفات الصديق الراحل توفيق معمر وتراثه العامر.

قمح وزؤان

ربطتني بالشخصية الوطنية الشيوعية الشاعر منعم جرجورة. ابو مبدأ، ابن مدينتي الناصرة ايضا، علاقة صداقة من نوع فريد، وقد ابتدأت هذا العلاقة بلقاء، تم بترتيب من صديق آخر راحل، هو حازم وديع زعبي، تعطرت ذكراه، وقد جاء ذلك اللقاء بعد قراءتي مقالة كتبها الراحل المبجل الشاعر الصديق توفيق زياد، ونشرها آنذاك في مجلة "الجديد"، الهامة جدا في تراثنا الثقافي، الصحفي الادبي، محملا إياها عنوانا ظريفا ولطيفا، ما زلت اذكره رغم بعد الشقة ما بين تلك الفترة وهذه، هو "وهو أيضا شاعر واسمه منعم جرجورة". وقد تلا ذلك اللقاء عدد غير قليل من اللقاءات، في هذا الشارع أو تلك الساحة، وكان أنه تردد على مكاتب صحيفة "اليوم السابع" التي أسسها تولى إصدارها الصديق سهيل كرام، صاحب راديو الشمس حاليا، وكان الصديق منعم يتردد على مكاتب الصحيفة ليجلس الي، والى رئيس تحرير الصحيفة الكاتب الشاعر سالم جبران، طابت ذكراه، ويبدو أنه انس الي أكثر فاكثر، ليدخل الي ذات يوم وبيده مخطوطة مجموعته الشعرية الاولى والوحيدة، وليضعها على الطاولة امامي، قائلا لي.. هذه مجموعتي الشعرية الوحيدة. أنها تحمل عنوان "قمح وزؤان". عنوانها يقول لك مختصر رسالتها، غير أن التفاصيل تحمل الكثير كما ستلاحظ. بعد فترة رحل الصديق منعم، تاركا إمانته تلك في عنقي، ولا اخفي أنني كنت افكر في الطريقة التي أصدرها عبرها في كتاب لائق بذكرى صديق عزيز، الأمر الذي أوجد لدي شيئا من الارباك، واعترف هنا أنني قصرت في الاتصال بورثته، غير أن هؤلاء لم يقصروا بحق شاعرهم، فبادروا، لا اعرف كيف حتى اليوم، الى إصدار تلك المجموعة، لافاجا إيجابيا ولارتاح من حمل اثقل كاهلي فترة من الزمن، وكاد يلح علي لاصدر كتابه أو مجموعته الشعرية تلك.. مهما كلف الأمر وغلا الثمن. رحم الله ابا مبدا. وارجو ان يكون قد ارتاح في عالمه الآخر، لصدور مجموعته السعرية قمح وزؤان..وليقر عينا.

صاحب الجبل.. و.. نادية

كما كتبت وكررت في أكثر من لقاء وكتابة، كان آخرها "عبقرية الأيام الأخيرة"، ربطتني علاقة أدبية شعرية اولا، وأدبية شخصية ثانيا، بالشاعر المغفور له حسين فاعور- الساعدي، ابن قرية الحسينية الوفي المخلص. وأذكر أن هذه العلاقة بدأت بمتابعتي الحثيثة لما كان ينشره من قصائد لافتة في صحيفة" الاتحاد" الحيفاوية، وابنتها الرائعة مجلة "الجديد" المذكورة آنفا، في اواخر الستينيات واوائل السبعينيات، ليختفي هذا الشاعر الوطني الساخر اللطيف، على مدى حوالي العقدين من الزمن، وللحقيقة بقيت اتذكره كلما قرأت ما يشبه كتابته، إلى ما قبل اكثر من عقد الزمني ابتداء من العام الجاري، عندما قرأت شيئا مما سجله ونشره في صفحات الفيسبوك، من ذكرياته. ما ان قرأت كتابته تلك، حتى قمت بمكاتبته على جناح السرعة، لنلتقي بعدها، ولنبادر معا إلى تأسيس دار للنشر، أطلقنا عليها اسما ذا ايقاع قوي بالنسبة إلينا نحن الاثنين، هو منشورات المل، وذلك املا بالصلابة والاستمرار، والعمر المديد، وكل هذه الصفات تتوفر كما هو معروف، في شجر المل الصلب المعمر، علما أن هناك شجرة مل، تقوم بالقرب من بيته في الحسينية. وقد تمكنا خلال فترة قصيرة من اصدار عدد من مؤلفاتنا في الشعر والقصة والرواية، وبإمكان من يريد التوسع في الاطلاع على تلك المنشورات، التوجه إلى شبكة البحث العنكبوتية الالكترونية "غوغل"، لتوافيه بما يطلب ويرغب في الاطلاع عليه. لقد تواصلت علاقتنا تلك سنة تتلوها سنة ونشاطا يأتي بعده نشاط .. بانتظام يليق بالآداب وعوالمها الرحيبة، إلى ان جاءني حسين ذات يوم حزين مدلهم الغيوم، ليخبرني أنه سيجري عملية خطيرة في" الوتين"، وليودعني على اعتبار أن ذلك اللقاء بيننا، قد يكون الأخير. وتشاء الأقدار أن تنجح تلك العملية الجراحية، فيدب الحماس مجددا في أوصال الصديق حسين، فيكتب الرواية تلو الرواية، القصيدة تلو القصيدة والمقالة بعد المقالة، وأذكر أنه فأجاني وفاجأ محبيه ومريدي كتابته، برواية "صاحب الجبل"، التي قام بنشر فصول منها في أحد المواقع الإلكترونية، أذكر أنه موقع" صحيفة المثقف"، وليأتي الي ليخبرني أنه كتب أيضا، رواية حملها عنوان "نادية"، وليبتسم وهو يقول لي انه كتب ما يعجبني ويسرني، ويتحدث عن الجبل، الحب والقطط الصديقة الموالية التي تهاجم الأبقار مقتحمة الجبل. بعد حديثه ذاك عن انتاجه الادبي الروائي الجديد.. افاجأ بتدهور صحته، يليها خبر وفاته، فاهرع إلى ورثته طالبا منهم أن أقوم بمهمة الوفاء لصديق مخلص وفي.. فهمت من نظراته الاسية الأخيرة.. أنه يضع الامل في، رجاء أن ترى أعماله الأدبية الأخيرة النور. الحقيقة أقول إن ورثته، استجابوا لي، فقمنا معا بإصدار مجموعته الشعرية الاخيرة "قصائد السخرية والغضب". بعدها حاولت طباعة روايتيه المبهرتين المخطوطتين، (اقراء مقالتي عنه وعنهما تحت عنوان "عبقرية الأيام الاخيرة") فأرسلتهما إلى صديق ناشر، إلا أنه لم يقم بنشرهما حتى الآن، رغم مضي أكثر من سنتين من الوعود، وها أنا أتوجه اليه، دون ذكر اسمه، ولي في هذا اسبابي الخاصة، طالبا منه أن يساهم في طباعة روايتين اعتبرتهما، منذ قراءتي الاولى لهما، درتين في تاج النثر الادبي الروائي في بلادنا. فهل يفعل؟.. من ناحيتي أؤكد له أنه سيربح الكثير.  وأنه إذا ما فعل سيكون، في كل الاحوال.. من ألفائزين. الفالحين.

***

ناجي ظاهر

يحتفل العالم في ٢٢(نيسان) من كل عام بـ(يوم الأرض العالمي). ويتطلب أن يكون هذا اليوم يوم عمل للتصدي لوباء كورونا، وتغيُّر المناخ، والاحتباس الحراري، وتغيير السلوك البشري الملوث لبيئة كوكبنا الأرضي، وإحداث تغييرات إيجابية للحفاظ على البيئة، ومواجهة ظاهرة التلوث، والانبعاثات الكربوني، والعوادم الصناعية السامة، وغيرها من التهديدات العالمية المستقبلية الخطرة.

شعار يوم الأرض لسنة 2021 هو (استعادة أرضنا)، الذي يركّز على الإجراءات والأساليب الطبيعية والتقنيات الخضراء الناشئة والأفكار المبتكرة التي يمكنها المساعدة على تعزيز نظم الحفاظ على البيئة على هذا الكوكب. حيث جسد البوستر الرسمي ليوم الأرض لعام ٢٠٢١ للرسام البرازيلي الشعبي المعروف (سبيتو) التعبير عن الأمل بمستقبل أخضر، يصنعه الجيل الجديد، إذ الغزال يرمز إلى السلام، والشمس ترمز إلى الحرية والطاقة.

ولابد من الإشارة إلى أن استعادة الكوكب، والحفاظ على بيئته الطبيعية، مسؤولية الجميع، حكومات وأفراد، لأننا جميعا نعيش فيه، ونحتاج إلى أرض صحية لتأمين سبل العيش، والصحة والسعادة، وفرص البقاء.. فالكوكب السليم ضرورة وجود، وليس مجرد خيار . ويتطلب الأمر لتحقيق ذلك، مجموعة من حملات التشجير، وإنتاج الغذاء بأساليب طبيعية مستدامة، وتنظيف الأماكن العامة، والعمل إدارة التلوث، والنفايات السامة بكفاءة، ورفع الوعي المناخي، والتربية البيئية المجتمعية.

***

نايف عبوش

وفّر لي التقاعد فسحةً من الوقت، تلك النعمة التي طالما افتقدتها في سنوات العمل، ومنحني فرصة الالتفات إلى أمورٍ كثيرة كانت مؤجلة. كنت أشتري الكتب بشغف، وأكدّسها على الرفوف دون أن أجد الوقت الكافي لقراءتها، وها أنا اليوم أعود إليها؛ أفتح صفحاتها بهدوء، فأستمتع ببعضها، وأكتشف أن بعضها الآخر لم يكن يستحق ذلك الاهتمام، لكنه كان انعكاسًا لذائقتي وتفكيري في تلك المرحلة من العمر.

ومن بين أحبّ الهوايات إلى نفسي توثيق نشاطاتي، ولا سيما الاجتماعية منها، في صورٍ أحتفظ بها بعناية ضمن ملفاتٍ مرتبة على حاسوبي الشخصي. كنت أسعى إلى تحويل بعض هذه الصور إلى أفلامٍ قصيرة لكل مناسبة، أُطعّمها بالموسيقى المناسبة، بحيث أستطيع الرجوع إليها بسهولة، فأستعيد لحظاتٍ جميلة وأعيشها من جديد. لديّ رصيدٌ كبير من الصور التي لا تزال تنتظر إعادة ترتيبها وتجميعها في أفلام، ومعظمها يوثّق مراحل سابقة من حياة الأبناء والأحفاد. كما أحرص على مشاركتها مع من عاصروا تلك المناسبات وشاركوني فيها، سواء كانت مفرحة أم محزنة، استذكارًا لتلك اللحظات؛ ولعل في الذكرى ما يُبهج أو ينفع.

حين أقف أمام تلك الصور، أرى فيها عمرًا كاملًا يمضي أمامي. أرى نفسي كيف كنت، ثم كيف أصبحت اليوم جدًّا أخطو بهدوء نحو الثمانين، مثقلًا بذكرياتٍ تختلط فيها أفراح الأيام بأحزانها، وبعضها كان بالغ القسوة. ولطالما تمنّيت أن تُمحى من الذاكرة تلك اللحظات المؤلمة، وأن تبقى وحدها الصور المضيئة.

أستعيد وجوه أبنائي ووجوه أحفادي وهم صغار ببراءتهم الأولى، ثم أراهم كيف كبروا، وكيف تغيّرت ملامحهم، حتى صار بعضهم اليوم أربابَ أُسر، يحملون مسؤولياتهم، ويربّون أبناءً أصبحوا بدورهم طلبةً في كلياتٍ مرموقة.

وفي خضمّ هذا الاسترجاع، تتوارد إلى ذهني تساؤلاتٌ صادقة: هل أثمر ما بذلته من جهدٍ ومال؟ وهل كنت موفقًا في تربيتهم؟ غير أن قلبي يطمئن حين أرى ما صاروا إليه؛ فأحمد الله الذي حباني أبناءً نجباء أوفياء، أبرارًا بي، متراحمين فيما بينهم، وتلك نعمةٌ عظيمة تستحق الشكر.

قد يتبادر إلى الذهن أن النجاح يُقاس بالشهادات والمناصب والمكانة الاجتماعية التي بلغوها بفضل الله، لكنني وجدت نفسي أتأمل في أمورٍ أعمق من ذلك. فكّرت في المنظومة القيمية والأخلاقية التي اكتسبوها من البيئة التي نشأوا فيها: قيم الصدق، والأمانة، والشرف، والاحترام. ومن أجمل ما أعتزّ به أننا لم نتداول بيننا إلا الكلام الطيب، وكان الاحترام المتبادل بيننا سلوكًا يوميًا انعكس بدوره على تصرفاتهم وحسن سلوكهم في البيت والمجتمع. كما أن هناك قيمًا أخرى لا تقل أهمية، مثل القناعة، والثقة بالنفس، والنظافة، والذوق العام في الملبس والمأكل والمشرب، وغيرها من تفاصيل الحياة التي تُشكّل الإنسان؛ إذ اجتمعت فيهم قيم الحداثة مع قيمنا وتقاليدنا الاجتماعية.

لقد وجدت في ترتيب الصور والذكريات متعةً خاصة، حتى أصبحت أقضي جزءًا كبيرًا من وقتي اليومي في هذا العمل، مؤمنًا بأنها ستكون يومًا ما مصدر سعادة وحنين للأبناء والأحفاد، كما هي اليوم مصدر سعادتي.

لقد حاولت مرارًا أن أكتب بعض مذكراتي، لا بقصد نشرها، بل لنقل تجارب حياتي وأفكاري. غير أنني كثيرًا ما شعرت أن هذه التجارب قد لا تنسجم مع روح العصر الحالي، وأن الأبناء والأحفاد قد لا يجدون فيها ما ينفعهم. ومع ذلك، كنت أحرص على أن أصوّر لهم البيئة التي نشأت فيها، والفروق الكبيرة بينها وبين بيئتهم اليوم، من حيث أسلوب الحياة والتقاليد التي تمسّكنا بها، وما زلنا نراها الأقرب إلى الصواب.

ورغم أنني قطعت شوطًا لا بأس به في الكتابة، فإن بعض الذكريات كانت تعيد إليّ شعورًا بالإحباط، خاصة حين أتذكر بعض التصرفات التي أندم عليها؛ ولعل من أبرزها عادة التدخين التي أنهكت صحتي وتركت أثرها عليّ. فكلما نظرت إلى صوري القديمة، أجد السيجارة لا تفارقني. وقد بدأت هذه العادة في سنٍ مبكرة، في وقتٍ كنا نعتقد فيه – خطأً – أن التدخين مظهرٌ من مظاهر الرجولة، ناهيك عن عاداتٍ أخرى لا مجال لذكرها الآن.

وهكذا، أرى أن مرحلة التقاعد ليست نهاية طريق، إنما بداية وعيٍ مختلف بالحياة؛ وعيٌ يعيد ترتيب الأولويات، ويمنح التفاصيل الصغيرة قيمتها التي غابت طويلًا في زحام الأيام. أدركتُ أن الزمن يُقاس بما نملأه به من معنى، وأن الذكريات مرآة نرى فيها حقيقتنا. وحين نتأملها، قد نتمنى لو نعود لنُصلح بعض المسارات، غير أن ما مضى لا يُستعاد، فلا يبقى لنا إلا أن نتصالح معه ونمضي بسلام.

لقد أقنعتُ نفسي، لأتخفّف من وطأة الندم وأستعيد راحتي، بأن تِركة الإنسان الحقيقية هي ما يغرسه في القلوب من محبة، وما يزرعه في النفوس من قيم. هناك، في دفء العلاقات الأسرية والمجتمعية، يتجلّى الأثر الصادق للحياة. ومع كل صورة أستعيدها، أرى نفسي كما كنت؛ أفهمها أكثر، وأسامحها أكثر. عندها فقط أدرك أن العمر، بكل ما حمله من أفراحٍ وتعب، لم يمضِ سدى… بل كان رحلةً جديرة بأن تُعاش، وتُروى، ويُطمأن إليها.

***

سعد عبد المجيد إبراهيم

حين يطل علينا الربيع، لا يأتي مجرد فصل سنوي عابر في حياتنا، بل يحضر كوهج، تتالق في تفاصيله الأرض بحلتها الجديدة، ويتوهج الوجدان، حيث تتبدّل الألوان، وتزهو الطبيعة بألق مدهش، كأنها تخلع عنها اعباء ثقل عتمة الشتاء، وترتدي ثوبا من الضوء الساطع، والتطلع المتوقد.

ففي هذا الفصل، تتوهّج الحياة، ويغدو كل شيءٍ قابلا للبدء من جديد. فالربيع ليس مجرد اخضرار دوري للنبات، وتفتح تلقائي للزهور، بل هو ومضة توهج داخلي في وجدان الإنسان، حيث يتسع الحس عندئذ للأحلام، وينفتح الوجدان للتطلعات، وتنهض الأمنيات من سباتها، كما تنهض البراعم من بين أغصان ذابلة، لتتناغم في حضرته، النفس مع ذاتها، وتعيد ترتيب أولوياتها من جديد، وكأن الطبيعة تهمس في ذات الإنسان، بانه ما زال في الوجدان، متسع كافي للحلم، والتطلع.

والأجمل في الربيع، انه يتسلل برفق، وينساب بسلاسة إلى الوجدان، كما تفعل الأحلام الرقيقة حين تعانق الوجدان، ومن ثم فهو فصل حكايات جديدة لم تبدأ بعد، وذكريات لم تكتب.

إنه الربيع المتوهج، لا في ألوانه فحسب، بل في أثره العميق الذي يستوطن دواخل الذات، ليعانق أحلام الوجدان برفق، ويوقظ بنسائمه اللطيفة الحس المرهف٫ ويستحضر الذكريات الحالمة، استعدادا للتجدد، والازدهار من جديد.

***

نايف عبوش

حين يصير القلب لله وحده

في محراب العاشقين، حيث تتجلى حقائق وأسرار وتجليات بتسامى الأرواح في مدارج القرب، تتردد كلمة التوحيد: "لا إله إلا الله". هذه الكلمة ليست مجرد إقرار بالوحدانية، بل هي إعلان عن حقيقة المحبة المطلقة، وتجريد للقلب من كل محبوب سوى المحبوب الأكبر، الحق سبحانه وتعالى. إنها دعوة إلى الفناء عن كل ما سوى الله، والبقاء به، في رحلة صوفية عميقة  يختبر فيها السالك معنى أن لا محبوب في أعلى صفات المحبة إلا هو، وأن العبادة الحقيقية هي ذروة هذه المحبة.

عندما تتجلى "لا إله إلا الله" في أفق الروح، فإنها لا تعني في الحقيقة إلا أنه "لا معبود بحق إلا الله"، ومعنى ذلك في نظرنا ليس فقط لا توجه لنا في إتيان الشرائع إلا لله بل إن ذلك يتجاوز الأمر إلى معنى أعمق وأشمل وهو أن: "لا محبوب إلا الله". فالمحبة هي جوهر العبادة وروحها، ولا يمكن أن تستقر المحبة الحقيقية المطلقة إلا في ذات كاملة جامعة لكل صفات الجمال والجلال والكمال. فكل محبوب سواه، مهما علا شأنه في عالم الخلق، هو محبوب عارض، زائل، ناقص، لا يستحق أن يكون غاية المحبة ومنتهاها. إن القلب السليم، الذي فطر على حب الكمال، لا يجد راحته وسكينته إلا في المحبوب الأوحد الذي لا يعتريه نقص ولا يلحقه زوال.

إن العبادة في جوهرها ليست مجرد أداء لفرائض وطقوس، بل هي تعبير صادق عن هذه المحبة المتجذرة في أعماق القلب. هي أن تطيع المحبوب في تسليم ورضا مطلق، لا عن خوف من عقاب أو طمع في ثواب فحسب، بل لأن القلب قد امتلأ بحبه، فأصبح لا يرى إلا أمره، ولا يرضى إلا بما يرضيه. هذه الطاعة النابعة من المحبة هي أسمى مراتب العبادة، حيث تتلاشى إرادة العبد في إرادة الإله أي المحبوب، ويصبح كل فعل وحركة وسكون ترجمة صادقة لفيض المحبة الإلهية في القلب.

في هذا السياق، تتجلى حكمة الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله، الذي غاص في أعماق النفس البشرية وكشف عن طبائعها. يقول الإمام:

«النفس لا تترك محبوبا إلا لمحبوب هو أحب إليها منه، أو حذرا من مخوف هو أعظم مفسدة لها من حصول مصلحتها بذلك المحبوب. وفي الحقيقة ففرارها من ذلك المَخوف إيثار لضدِه المحبوب لها، فما تركت محبوبا إلا لِما هو أحب إليها منه؛ فإن من قدم إليه طعام يضره ويوجب له السقم، فإنَما يتركه محبة للعافية التي هي أحبُ إليه من ذلك الطعام»

هذه الحكمة النورانية تكشف لنا سر التحول في المحبة. فالنفس البشرية، بطبيعتها، لا تتخلى عن محبوب إلا إذا وجدت بديلا عنه، محبوبا آخر يفوقه في قيمته ومكانته في القلب. أو تدفعها خشية من ضرر أعظم يدفعها لترك ما تحب. وفي كلتا الحالتين، يكون الدافع هو إيثار ما هو أحبّ وأصلح لها. فكيف إذا كان هذا المحبوب هو الله هاته الكلمة المقدسة التي لا تعني في نظرنا إلا " المحبوب الأقدس"، الذي لا يضاهيه محبوب، ولا يوازيه كمال؟ هنا تبلغ المحبة ذروتها، وتصبح الطاعة تسليما مطلقا، لأن المحبوب الأوحد قد استولى على القلب، فلم يعد فيه متسع لغيره.

إن السالك إلى الله، العارف بالله، يدرك هذه الحقيقة بعمق. يبدأ رحلته القلبية بالتعلق بالمحبوبات الدنيوية، ثم يكتشف، شيئا فشيئا، أنها لا تروي ظمأ روحه ولا تشبع فطرته. ومع كل خطوة في طريق المعرفة، يرتفع حجاب عن قلبه، فيرى أن كل محبوب سواه هو ظل زائل، وأن المحبوب الحقيقي هو الله وحده. هنا تبدأ النفس في ترك محبوباتها الأدنى لمحبوب هو أحب إليها منها، وهو الحق سبحانه وتعالى.

هذه هي حقيقة الفناء عن النفس وبقاء القلب بالله. فناء ليس عدما، بل هو ذوبان للأنا في بحر الأحدية، وتلاش لكل إرادة ورغبة سوى إرادة المحبوب. وعندما تفنى النفس عن نفسها، وتتخلص من قيود الأغيار، يبقى القلب متصلا بالمحبوب الأكبر، متجليا فيه، مستمدا منه كل وجوده. في هذه المرتبة، لا يرى العارف إلا الله، ولا يسمع إلا منه، ولا ينطق إلا به، ولا يتحرك إلا بأمره. يصبح بالله، لا بنفسه، لأن المحبوب الأكبر قد استولى على كل ذرة في كيانه، وأصبح التسليم والرضا المطلق هما حاله الدائم، فعبادته كلها محبة، ومحبته كلها عبادة.

إن "لا إله إلا الله" هي إذن ليست مجرد كلمة تقال باللسان، بل هي حال يعيشها القلب، ومرتبة تبلغها الروح. هي إدراك عميق بأن المحبوب الأكبر هو الله، وأن كل ما سواه هو وسيلة إليه، أو تجل من تجلياته. فإذا استقر هذا المعنى في القلب، تحررت النفس من عبودية المخلوقات، وارتقت إلى أفق الحرية الحقيقية، حيث لا سلطان إلا للمحبوب الأوحد، ولا غاية إلا رضاه، ولا نعيم إلا قربه. وتصبح العبادة، بكل أشكالها، تعبيرا عن هذا العشق الأزلي، وتسليما كاملا لإرادة المحبوب، ورضا تاماً بكل ما يقضيه ويقدره. ففي هذا التسليم والرضا يجد السالك كمال العبادة وذروة المحبة.

فيا أيها السالك المحب لوجهه الكربم، ويا أيها الطالب للحق سبحانه، اجعل "لا إله إلا الله" نبراس دربك، ودليل قلبك، ومفتاح فنائك وبقائك. ففيها تكمن حقيقة المحبة، وفيها يتجلى المحبوب الأكبر، الذي لا محبوب سواه، ولا عبادة إلا له، ولا تسليم إلا لأمره، ولا رضا إلا بقضائه.

***

د. محمد غاني

تحولات الوجه في عصر التجميل المفرط

في زمنٍ أصبحت فيه الصورة مرآة أولى للوجود، لم يعد الجسد مجرد كيان بيولوجي، بل تحول إلى مشروع قابل للتعديل، وإلى نص مفتوح على تأويلاتٍ لا تنتهي. ومع اتساع حضور وسائل الإعلام ومنصات التواصل، تصاعدت موجة عمليات التجميل بوصفها محاولة لإعادة كتابة هذا النص، أو تصحيح ما يُظن أنه خللٌ في ملامحه. غير أن هذه الظاهرة، على ما تبدو عليه من سعي نحو الكمال، تحمل في طياتها مفارقة عميقة: إذ قد تقود، في بعض تجلياتها، إلى نوعٍ جديد من التشوه، لا جسدي فحسب، بل بصري وذوقي وثقافي.

لقد كانت الجراحة التجميلية، في بداياتها، فعلاً إنسانياً نبيلاً، يستهدف ترميم ما أفسدته الحروب أو الحوادث أو التشوهات الخلقية. كانت تعيد للإنسان شيئاً من توازنه النفسي، وتمنحه فرصة للاندماج في المجتمع دون شعور بالوصم أو النقص. غير أن هذا الهدف النبيل أخذ ينحرف تدريجياً مع تحول الجمال إلى سلعة، ومعاييره إلى قوالب جاهزة تُستنسخ بلا روح. لم يعد التجميل علاجاً، بل أصبح نزوعاً استهلاكياً، يخضع لذوقٍ جمعي مُصنع، يُملى من شاشاتٍ لامعة وصور مُفلترة.

في هذا السياق، يظهر ما يمكن تسميته بـ"التشوه البصري"؛ وهو تشوه لا يكمن في عيب عضوي، بل في اختلال المعايير التي نقيس بها الجمال. حين تتشابه الوجوه إلى حد التطابق، وتفقد الملامح خصوصيتها، يصبح الجمال ذاته مهدداً بالاندثار. الأنف نفسه، الشفاه نفسها، تقاطيع الوجه ذاتها، وكأننا أمام نسخٍ متكررة من نموذجٍ واحد، أُفرغ من اختلافاته الإنسانية. هنا، لا يعود التجميل تعزيزاً للذات، بل محواً لها.

إن التشوه البصري لا يصيب الأفراد فقط، بل يمتد ليشمل الوعي الجمعي. فمع تكرار هذه الصور، يتكون لدى المتلقي إدراك مشوه لماهية الجمال الطبيعي، ويغدو غير القابل للتحقيق هو المعيار، بينما يُهمش العادي والبسيط. وهكذا، يدخل الإنسان في دائرة من القلق الدائم، يسعى فيها إلى مطابقة صورة وهمية، لا وجود لها خارج الفلاتر والعيادات.

ولعل الأخطر من ذلك، أن هذا السعي المحموم نحو الكمال الشكلي، يُخفي فراغاً داخلياً، ويعكس أزمةً في تقبل الذات. فالجسد، في نهاية المطاف، ليس عدواً ينبغي إصلاحه باستمرار، بل هو حكايةً نعيشها، بكل ما فيها من نقص واكتمال. حين نفقد القدرة على رؤية الجمال في اختلافنا، نصبح أسرى لمرآةٍ لا تعكسنا كما نحن، بل كما يُراد لنا أن نكون.

ومع ذلك، لا يمكن اختزال عمليات التجميل في بعدها السلبي فقط؛ فهي، في بعض الحالات، ضرورة إنسانية ونفسية. لكن الإشكال يكمن في الدافع: هل هو حاجة حقيقية، أم استجابة لضغطٍ خارجي؟ هل هو رغبة في الترميم، أم في التحول إلى نسخةٍ أخرى؟ هنا يتحدد الفارق بين التجميل بوصفه فعلاً واعياً، والتجميل بوصفه انقياداً أعمى.

إن مواجهة ظاهرة التشوه البصري لا تكون برفض التجميل، بل بإعادة تعريف الجمال نفسه. الجمال ليس تماثلاً، بل تنوع؛ ليس كمالاً جامداً، بل حيوية تنبض في الاختلاف. وحين نعيد الاعتبار للملامح الطبيعية، وللتجاعيد بوصفها ذاكرةً لا عيباً، يمكننا أن نستعيد توازننا البصري، ونحرر ذائقتنا من سطوة النماذج المصطنعة.

في النهاية، يبقى السؤال معلقاً: هل نُجمل وجوهنا، أم نُجمل نظرتنا إليها؟ فربما كان الخلل الحقيقي لا في الملامح، بل في العين التي تنظر، وفي المعايير التي تُقوم. وحين نصحح هذه العين، قد نكتشف أن الجمال كان حاضراً دوماً، لكننا لم نكن نراه.

***

أسمهان عبد القدوس

حين يكون الخبز عنوان السيادة

ليس الغذاء مسألة خبز يُوضع على الموائد ولا هو مجرد شأن اقتصادي يُدرَج في حسابات الإنتاج والاستيراد، بل هو في جوهره العميق مسألة سيادة تُرسم بها حدود الارادة الوطنية ويُقاس بها مقدار ما تملكه الأمة من حرية القرار.

فالأمم لا تُستَعبَد بالسلاح وحده، بل قد تُستَعبَد بالرغيف، لأن اليد التي تمتد لتأخذ قوتَها من غيرها لا تلبث أن تمتد مكرهةً لتأخذ قرارها من غيرها. ومن هنا كان الأمن الغذائي في حقيقته ليس أمنًا للبطون، بل أمنًا للإرادة، وليس ضمانًا للحياة البيولوجية، بل ضمانًا لكرامة الحياة الإنسانية.

إن الحضارة لا تبدأ من وفرة الموارد، بل من القدرة على تحويل هذه الموارد إلى استقلال. وقد تملك الأمة الأرض الخصبة والمياه والثروات، لكنها تظل فقيرة في ميزان السيادة ما دامت عاجزة عن إنتاج قوتها. فالثروة التي لا تتحول إلى قدرة، تتحول إلى وهم، والسيادة التي لا تُترجَم إلى اكتفاء تصبح شعارًا بلا مضمون.

إن اخطر أشكال التبعية ليست تلك التي تُفرَض على الحدود، بل تلك التي تتسلل إلى الحاجات الأساسية للناس، لأن الأمة التي تعتمد في غذائها على الخارج تعيش في ظاهرها مستقلة، لكنها في حقيقتها معلقة بخيط خفي في يد الآخر. وحين يصبح الرغيف مستوردًا، يصبح القرار قابلًا للاستيراد أيضًا.

لهذا لم يكن الأمن الغذائي يومًا قضية زراعية فحسب، بل كان دائما قضية حضارية، لأنه يتصل مباشرة بمعنى الاستقلال. فالأمة التي تعجز عن إطعام نفسها لا تستطيع أن تدّعي امتلاك مصيرها إذ لا معنى لسيادة سياسية فوق أرض عاجزة عن توفير أبسط شروط البقاء الكريم.

إن الجوع ليس نقصًا في الطعام فقط، بل نقص في العدالة ونقص في الحرية ونقص في الكرامة. فحين يفقد الإنسان أمنه الغذائي يفقد معه جزءًا من إنسانيته لأن الحاجة حين تضغط على الجسد تُضعف الروح وحين يتهدد الخبز حياة الناس تتراجع القيم أمام الضرورات. ولهذا فإن ضمان الغذاء ليس عملاً اقتصاديا فحسب، بل هو فعل اخلاقي يحفظ للانسان مكانته بوصفه غاية لا وسيلة.

ومن هنا، فإن الأمة التي تجعل غذاءها رهينة للأسواق العالمية إنما تجعل كرامتها رهينةً لتقلبات المصالح الدولية. لقد كشفت الأزمات الكبرى أن العالم الذي بشرت به العولمة ليس فضاءً للتكافل، بل ميدان للمصالح، وحين تضيق الموارد ينكفئ كل طرف إلى ذاته ولا يبقى في النهاية إلا من كان قد أعدَّ لنفسه أسباب البقاء.

ولذلك فان الدول التي فهمت معنى السيادة لم تنظر إلى الزراعة بوصفها قطاعًا اقتصاديا خاضعا لمنطق الربح والخسارة، بل نظرت إليها بوصفها ضمانة استراتيجية لحماية القرار الوطني. فربحُ الاستيراد السريع قد يبدو مغريا لكنه يُنتج هشاشة كامنة، بينما الاستثمار في الأرض مهما بدا مكلفًا هو استثمار في الحرية الوطنية.

واذا نظرنا للعراق تتجلى المأساة في أوضح صورها، فالعراق الذي كان يومًا مهد الزراعة ورمز الوفرة يقف اليوم أمام سؤال السيادة الغذائية وهو يملك من عناصر القوة ما يكفي ليكون في مصاف الدول المنتجة. وهذه المفارقة تكشف أن الأزمة ليست أزمة موارد، بل أزمة رؤية.

لقد أُنهكت الأرض حين أُهمل الفلاح وتراجعت الزراعة حين أصبح النفط بديلًا عن التراب حتى نشأ وهم خطير مفاده أن من يملك المال يستطيع أن يشتري امنه الغذائي متى شاء. غير أن التجارب أثبتت ان الغذاء ليس سلعةً مضمونة في اوقات الأزمات وأن السوق العالمية لا تمنح الطمأنينة لمن أهمل أرضه وارتهن لغيره.

إن العراق لا يحتاج فقط إلى زيادة إنتاجه الزراعي، بل يحتاج قبل ذلك إلى استعادة وعيه بأن الغذاء قضية سيادة. فالمسألة ليست في كمية القمح وحدها، بل في معنى أن يكون القمح قرارًا وطنيا لا منحة خارجية. ذلك أن الاستقلال الحقيقي يبدأ من القدرة على تأمين الحاجات الأساسية، وما لم يتحقق ذلك فإن مظاهر السيادة تبقى ناقصة.

إن النهضة الزراعية ليست مشروعًا اقتصاديا محدودا، بل هي جزء من مشروع نهضوي شامل يعيد بناء العلاقة بين الإنسان والأرض، بين الدولة والموارد، بين السياسة والكرامة. فحين تستعيد الأرض قيمتها يستعيد الإنسان كرامته وتستعيد الدولة جزءًا من حريتها.

إن الطريق إلى السيادة لا يبدأ من البيانات السياسية، بل يبدأ من الحقول. لأن الحقل الذي يُنتج الغذاء يُنتج معه ارادة حرة، والدولة التي تملك قوت شعبها تملك أن تقول ”لا“ حين يجب أن تُقال. أما التي تعيش على موائد غيرها، فمهما رفعت من شعارات الاستقلال تبقى سيادتها معلقة على ارادة الآخرين.

وهكذا، فإن الأمن الغذائي ليس مسألة اقتصاد، بل مسألة حضارة، لأنه يجيب عن سؤال جوهري: هل تملك الأمة شروط بقائها بإرادتها أم بفضل غيرها؟ فإذا كانت تملك خبزها فهي تملك قرارها وإذا فقدت الأول فلن تملك الثاني.

فالرغيف في معناه العميق ليس طعامًا فقط، بل هو صورة من صور الحرية، ومن لا يملك حريته الغذائية لا يملك حريته السياسية. وتلك هي الحقيقة التي لا يجوز لأمة تطلب السيادة أن تغفل عنها.

***

حميد علي القحطاني

وأثارها الاقتصادية على المستوى المحلي والدولي

شهدت أسواق النفط العالمية تأثيرًا كبيرًا نتيجة لصراع إقليمي بين أمريكا وإسرائيل من جهة وايران من الجهة الأخرى، هذا الصراع تسبب في خسائر فادحة بلغت أكثر من 50 مليار دولار جراء توقف إنتاج النفط الخام لمدة خمسين يومًا.

هذه التطورات أحدثت اضطرابات واسعة في قطاع الطاقة، ما أثار قلق الخبراء الذين يتوقعون استمرار تداعيات الأزمة لفترة طويلة قد تمتد لأشهر أو سنوات. يُعد هذا الصراع، الذي بدأ في نهاية شهر فبراير، شباط الفائت واحدًا من أضخم حالات الانقطاع في إمدادات الطاقة في التاريخ الحديث، حيث تم استبعاد أكثر من 500 مليون برميل من النفط الخام والمكثفات من السوق الدولية.

الآثار الاقتصادية لهذه الأزمة باتت جلية للغاية، فقد أوضح المحللون أن خسارة هذا الحجم الهائل من النفط تعادل وقف الطلب العالمي على السفر الجوي لمدة عشر أسابيع، أو تعليق جميع حركة النقل البري لمدة أحد عشر يومًا.

علاوة على ذلك، تكفي هذه الكمية لتلبية احتياجات الاقتصاد العالمي من النفط لمدة خمسة أيام فقط، ما يبرز حجم وتأثير هذه الفجوة. إقليمياً، يمكن أن تكفي هذه الكمية لتلبية طلب الولايات المتحدة لشهر كامل أو لتلبية احتياجات أوروبا خلال أكثر من شهر.

وعلى الصعيد العسكري، مقارنةً باستهلاك الجيش الأمريكي في السنة المالية 2021، يمثل هذا الفاقد النفط ما يكفيهم من الوقود لست سنوات، كما أنه يمكن أن يغطي احتياجات قطاع الشحن الدولي لمدة أربعة أشهر تقريبًا.

الدول المنتجة الرئيسة في منطقة الخليج العربي تحملت العبء الأكبر من هذا التأثير. خلال شهر مارس، أذار انخفض إنتاج هذه الدول مجتمعين بحوالي 8 ملايين برميل يوميًا، وهو ما يعادل إنتاج اليوم الواحد لشركتين من أكبر شركات النفط العالمية.

ولم يقتصر التأثير على النفط الخام فقط، بل امتد ليشمل المنتجات المكررة، فقد شهدت صادرات وقود الطائرات من دول مثل السعودية وقطر والإمارات والكويت والبحرين وعُمان تراجعًا كبيرًا. ففي شهري مارس وأبريل مجتمعين، بلغت الصادرات نحو 4.1 مليون برميل فقط، مقارنةً بـ 19.6 مليون برميل في فبراير، شباط ما يظهر الفجوة الهائلة. وكان هذا النقص في وقود الطائرات كافيًا لإيقاف حوالي 20 ألف رحلة ذهاب وعودة بين وجهات دولية رئيسية مثل نيويورك ولندن.

مع استقرار أسعار النفط عند متوسط 100 دولار للبرميل منذ بداية الأزمة، فإن الإنتاج المفقود يعادل خسارة حوالي 50 مليار دولار من الإيرادات. هذا الرقم يعكس مدى جسامة التأثير الاقتصادي، إذ يعادل خفضًا بنسبة 1٪ في الناتج المحلي الإجمالي السنوي لدولة أوروبية كبيرة، أو الناتج الكامل لدول أصغر. وقد طالت التداعيات الميزانيات الحكومية والشركات وتأثيرات على تكاليف المستهلكين عالميًا.

ورغم بوادر إيجابية تشير إلى بقاء الممرات البحرية الرئيسية مفتوحة بموجب اتفاق وقف لإطلاق النار، فإن الطريق إلى استعادة الإنتاج النفطي وتدفقه الطبيعي يبدو طويلًا وشاقًا. ففي أبريل، نيسان وحده، انخفضت المخزونات العالمية البرية للنفط الخام بنحو 45 مليون برميل مع تسجيل انقطاعات في الإنتاج وصلت إلى حوالي 12 مليون برميل يوميًا منذ أواخر مارس.

وتشير التقديرات إلى أن بعض حقول النفط الثقيلة في الكويت والعراق قد تحتاج ما بين أربعة إلى خمسة أشهر لاستعادة مستويات التشغيل المعتادة.

ضافة إلى ذلك، فإن الأضرار الكبيرة التي لحقت بقدرات التكرير ومرافق الغاز الطبيعي المسال في قطر تُظهر أن إعادة بناء البنية التحتية الإقليمية للطاقة يمكن أن تستغرق سنوات طويلة، ما يُبقي أسواق الطاقة العالمية تحت وطأة تقلبات طويلة الأمد مرتبطة بالإمدادات.

***

شاكر عبد موسى- العراق

كاتب وباحث

شهدت الثقافة الاجتماعية في العراق تحولات عميقة ومتراكبة، لم تكن مجرد انتقالات فكرية عابرة، بل انعكاساً مباشراً لتبدلات سياسية كبرى، وأزمات تاريخية متلاحقة، وصراعات على هوية الدولة والمجتمع. ويمكن قراءة هذا المسار بوصفه سلسلة من (التحولات الثقافية) التي أعادت تشكيل وعي الإنسان العراقي من مرحلة إلى أخرى، دون أن تلغي بالكامل ما سبقها، بل تترك طبقات متراكمة من الأفكار والقيم المتداخلة.

في العهد الملكي، تشكلت ملامح ما يمكن تسميته بـ(ثقافة الأفندي)، وهي ثقافة طبقة وسطى مدينية نشأت في بغداد والمدن الكبرى، وتغذت على التعليم الحديث والإدارة الناشئة والوظائف الحكومية. كان (الأفندي) رمزاً للموظف المتعلم الذي يتقن اللغة الرسمية، وينتمي إلى منظومة الدولة الحديثة الناشئة، مع احتفاظه بقدر من القيم التقليدية.

تميز هذا المجتمع بقدر من التوازن بين الحداثة والتقاليد؛ فالتعليم كان مفتاح الصعود الاجتماعي، والوظيفة العامة هي الحلم الأكبر، بينما بقيت البنى الاجتماعية التقليدية-العشيرة والدين والعائلة- حاضرة بقوة. ومع ذلك، بدأت بذور الوعي السياسي الحديث بالظهور، خاصة في أوساط الطلبة والمثقفين.

مع منتصف القرن العشرين، وبفعل التحولات العالمية وصعود الحركات التحررية، برز في العراق تيار يساري قوي، تجسد في انتشار الفكر الشيوعي داخل المدن والجامعات والنقابات. وقد جذب هذا التيار شريحة واسعة من الشباب والطبقة المثقفة، لما حمله من شعارات العدالة الاجتماعية ومناهضة الإقطاع والاستعمار.

في هذه المرحلة، لم يعد (الأفندي) وحده هو النموذج الثقافي، بل ظهر (المثقف المناضل) و(الطالب السياسي) كفاعل اجتماعي جديد. وشهد المجتمع العراقي حراكاً فكرياً واسعاً، تداخل فيه الأدب بالسياسة، والشعر بالنضال، والفكر بالاحتجاج.

مع صعود الأنظمة القومية، ولا سيما بعد عام 1968م، دخل العراق مرحلة جديدة من إعادة تشكيل الوعي الجمعي، حيث برز خطاب قومي عربي قوي، ركز على الهوية العربية والوحدة، مقابل تراجع التيارات الفكرية الأخرى أو احتوائها ضمن إطار الدولة.

ومع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988م)، تعززت عسكرة المجتمع بشكل غير مسبوق، إذ أصبحت الدولة جهازاً تعبوياً شاملاً، يوجه الإعلام والتعليم والثقافة نحو دعم المجهود الحربي. في هذه المرحلة، تحول المواطن إلى جزء من آلة الدولة، وتراجعت المساحات المدنية لصالح خطاب المواجهة والصمود والانضباط.

أدى سقوط النظام عام 2003م إلى انهيار البنية السياسية المركزية، وفتح الباب أمام إعادة تشكيل المجتمع العراقي على أسس جديدة. غير أن هذا التحول لم يكن سلساً، بل رافقته حالة من الفراغ السياسي والأمني، سمحت بظهور هويات فرعية متنافسة.

برز في هذه المرحلة انقسام واضح بين اتجاهين رئيسيين: المجتمع الطائفي الذي أعاد إنتاج الهويات الدينية والمذهبية كمرجعيات سياسية واجتماعية. والمجتمع المدني الذي حاول بناء فضاء وطني قائم على المواطنة والقانون وحقوق الإنسان. وقد أدى هذا التناقض إلى حالة من الاستقطاب، حيث تداخلت السياسة بالهوية، وتراجعت الثقافة الجامعة لصالح الانتماءات الجزئية، رغم استمرار محاولات بناء وعي مدني عابر للطوائف.

أخيراً إن تاريخ الثقافة الاجتماعية في العراق هو في جوهره تاريخ صراع بين مشروع الدولة الحديثة ومشاريع الهويات المتعددة. من (الأفندي) إلى (المناضل)، ومن (القومي) إلى (المقاتل)، ومن (المواطن المدني) إلى (المنقسم طائفياً)، ظل المجتمع العراقي يتشكل تحت ضغط التحولات الكبرى.

ومع ذلك، يبقى في هذا التاريخ خيط مشترك هو قدرة العراقيين على التكيف وإعادة إنتاج ذواتهم رغم الأزمات، مما يجعل الثقافة العراقية مجالاً مفتوحاً للتجدد، لا مجرد سجل للماضي، بل مشروعاً مستمراً لإعادة تعريف الهوية والمعنى.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

ثرثرة: كثرة الكلام في مبالغة من دون جدوى، كثر الكلام في تخليط وترديد بسرعة وبلا فائدة.

في المدرسة الإبتدائية وفي أحدى مراحلها الأولية كانت في كتاب القراءة قصة "الحلاق الثرثار"، وهي قصة ممتعة لحلاق يرسم خارطة العالم على رأس زبونه، ويشرح بعضا من حوادث التأريخ.

هنا كذا وهنا كذا، وهنا إنتصرت القوة الفلانية وهنا إنهزمت الدولة الفلانية، ويمضي في ثرثرته ومقصه يعبث برأس الزبون، الذي إحتار كيف يتحرر من قبضته، وينجوَ ببعض شعره.

والحلاق المزعج هو الذي يكلم زبونه أثناء حلاقته لرأسه، والحلاق الثرثار مزعج لأنه يقبض على أنفاس الزبون، ويحصره تحت رحمة مقصه ولسانه المهذار.

وأقلامنا ثرثارة، لا تتوقف عن الكلام الخطيل، وأصحابها منابر معارف ودرايات إدراكية فائقة، فهم العلماء الأفذاذ ولا يقترب منهم ذو علم وعقل، لأن قولهم الفصل ورأيهم سلاف رأي.

كلام أخيلة مضطربة، وإستمطار سراب، وهرولة وراء خيوط دخان، في عالمٍ لا يستكين للهوان، ويسعى نحو رائدة الزمان، ويقتل المستحيل بالإمكان.

قالوا وما أكثر ما قالوا، وعندما تبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، صمتوا وفي كهوف رؤاهم إندسوا وزالوا.

يتباحثون بما يظهر من جبل الجليد العائم في بحر التفاعلات العاتية الجريان، وما فوق الطاولة يحسبونه فصل الختام، وعما تحتها هم في عماء واعتصام، لايدركون ما يقولون، ويحسبون كل شيئ كما يتصورونه، ويرغبونه، و"ما كل ما يتمنى المرء يدركه...".

أوهام مدونة، وأكاذيب معنونة، وبراهين مزيفة، بالضلال معرفة، وكلٌ يغني على ليلاه، وموطنها مدفون، في زمنٍ مأفون، بالغنائم مفتون، والفائز الملعون، والأجيال بلا عيون، وعقلها مرهون، وصوتها مسجون، ومن الخوف لا يتسألون.

أباطيلٌ مشرعنة، مبرهنة بعنعنة، وبأكاذيب ملقنة، والخرافات مهيمنة، والطوابير محيّنة، تخيفها البيّنة، الإبصار ممنوع، والخداع مشروع، والهدف الخنوع، لطامع يجوع، لأمة تستلطف الخضوع، وتنكر زمانها وتدّعي الرجوع، لغابر مقموع، وجهدها الدموع.

وتلك ثرثرة مؤزرة السطوع!!

نُثرثرُ من مَواجعِنا كَلاما

وما بَلغتْ مَساعينا مَراما

نَسينا فِعلنا فطغى قنوطٌ

يُكبّلنا ويُطعِمُنا خِصاما

بثرثرةً أصابَتْ مُرتقانا

تُبلّدنا فأنْستنا الحُساما

***

د. صادق السامرائي

"أنا لا أعير الكتب أبدا. الكتب المعارة لا تُعاد. الكتب الوحيدة في مكتبتي هي كتب أعيرت لي واحتفظت بها!" 

قارئ شغوف من القرن التاسع عشر

في مسرحية هاملت لشكسبير، يوصي بولونيوس ابنه: "لا تُعر ولا تستعر، لأن الإعارة غالبا ما تسبب خسارة في المال والأصدقاء!". والأفدح لأي شغوف بالكتب أن يتحمل مخاطرة إعارة كتاب، إذ يتعين عليه قبول احتمال وجوده في مكان آخر، دون أن يتمكن من رؤيته مجددا.

يتودد إليك صديق أو زائر كي تعيره أحد كتبك ليقرأه، أو ليستعين به في إعداد بحث أو ما شابه. ثم لا يلبث أن "يفقع" مرَارَتك قبل أن يعيده، طبعا هذا إن كان من أهل الحرص والفضل، أو يختفي بلا رجعة هو والكتاب، فيحكم عليك بأوقات حزن، تتجدد كلما احتجت له أو لاحَ عنوانه بخاطرك!

هذه الظاهرة العالمية التي امتدت عبر قرون، لا تزال حتى اليوم تؤثر على شريحة واسعة من القراء، ويتجدد معها كل مرة سؤال مؤرق: كيف نشارك متعة القراءة مع الآخرين، دون تحمل مرارة ضياع الكتب وفقدانها؟

تتيح إعارة الكتب واستعارتها فرصة متجددة لاكتشاف عناوين وإصدارات دون ضغط شرائها. وهي كذلك مناسبة لتقوية الروابط وتعميق الصداقات. إننا حين نعير كتابا، لا نشارك الآخرين شيئا ماديا فحسب، بل ننقل شعورا وتجربة، أي جزءا حقيقيا من أنفسنا. إننا نساهم دون شك في نشر الثقافة والسعادة، لكن الأمر يتطلب قدرا من الحكمة قبل أن تؤدي الأريحية الزائدة إلى رفض قاطع!

تحقق الإعارة بيئة من التفاعل الحيوي بين المعير والمستعير، إذ يصبح لكل كتاب ذاكرة لا تشمل فقط انطباعاتك كقارئ، وإنما تمتد أيضا لتحتضن الأماكن التي قرأتها فيه، والأشخاص الذين أعرتهم إياه، والحوارات التي دارت حوله. إلا أنها قد تصبح مجازفة حين تتحول إلى تعلق خفي، يُصطلح عليه في علم النفس المعرفي ب "تأثير التملك". يقرأ المستعير الكتاب ثم يتعلق به، لينسى تدريجيا أنه ليس نسخته الخاصة.

يُمكنك بالتأكيد العثور على نسخة أخرى في أقرب مكتبة، إلا إذا كان على صفحات كتابك إهداء يوثق ذكرى صداقة أو حب فتلك فجيعة أخرى، لأننا اليوم في زمن الطباعة، ودُور النشر تقذف بآلاف النسخ لتوزعها على امتداد رقعة واسعة.

لكن، هل لك أن تُقدر حجم الخسارة في زمن النَسْخ والورَّاقين؟ وما يعنيه ضياعُ نسخة فريدة بخط المؤلف نفسه؟

وجد أسلافنا أنفسهم أمام معضلة دينية وأخلاقية، مما توجب عليهم البحث لها عن حل توفيقي. من جهة يُحذرهم النص الديني من كتمان العلم، ويعتبر البخل بمصادر المعرفة أشد لؤما من البخل بالمال؛ لكن من جهة أخرى لا يكتفي بعض طلبة العلم باستعارة الكتب لأجل التعلم والتفقه، وإنما تُزين لهم أنفسهم الاستحواذ عليها وعدم ردها لأصحابها.

ما العمل إذن؟

توزعت الآراء والمواقف بين أربع اتجاهات أساسية، تعكس الأهمية الفائقة للكتاب، ومركزيته في الحياة الثقافية آنذاك. وهي الآراء التي يعرضها محمد خير رمضان يوسف بتفصيل في كُتيب طريف بعنوان " آداب إعارة الكتب في التراث الإسلامي".

يميل الاتجاه الأول إلى إعارة الكتب دون قيد أو شرط، من باب الكرم والسماحة، والإسهام في نشر المعرفة. لذا لم يكن أنصاره يهتمون باسترجاع الكتب المُعارة، ويعتبرون الأمر من بركات العلم.

من طريف ما يُحكى في هذا الباب عن أحد أشهر جامعي الكتب في عصرنا، واسمه أحمد تيمور، أنه أعار مخطوطين نادرين لأحد أصدقائه، ولما رفض هذا الأخير إرجاعها، كان تيمور يزوره في بيته ليطلع على أحد المخطوطين كلما احتاج لذلك!

بينما يقرر الاتجاه الثاني إعارة الكتب خوفا من إثم كتمان العلم. وهنا نقرأ تحذيرا لسفيان الثوري مفاده أن من بخل بعلمه فإنه يُبتلىَ إما بنسيانه، أو عدم الانتفاع به قبل موته، أو ضياع كتبه. وكانت الوسيلة لضمان إرجاع الكتب هي التودد لمن استعارها، ومراسلته بين الفينة والأخرى بكلمات رقيقة، وأبيات شعر مهذبة، تُذكره بشيمة الوفاء ورد الأمانات إلى أصحابها.

في حين يضع الاتجاه الثالث شروطا للإعارة، يضمن من خلالها ألا تقع كتبه في أيد غير أمينة. ومن بينها ألا يعير الكتاب إلا بعد إلحاح شديد من الطالب، وأن يلتزم هذا الأخير بقراءته، لأن الإعارة للكسالى فيها ضياع للعلم، وأن يتعهد بالمحافظة عليه. فكان بعضهم يزور بيت الطالب ويُلقي نظرة على كتبه، فإن وجدها محفوظة بعناية فإنه يعيره ما أراد.

وفي عصرنا تميز الشيخ علي الطنطاوي بنباهة خاصة ويقظة مع من يرغبون في استعارة كُتبه، فكان رحمه الله، لا يسمح بخروج الكتاب من داره إلا بإذن رسمي، ومع تحديد المدة. ثم يُذَكر الطالب كلما لقيه بالكتاب، حتى يَملَّ هذا الأخير فيعيده إلى صاحبه.

ويذهب الاتجاه الرابع أبعدَ من ذلك، حين وجد للإعارة قيدا شرعيا هو الرهن. بإمكانك أن تستعير الكتاب مقابل مال أو شيء آخر نفيس، تتركه رهنا عند صاحبه. وبعضهم يشترط زيادة على الرهن، أن تحلف بالأيمان المغلظة أنك ستصون الأمانة، وتكون موضِع ثقة. وفي ذلك أنشد محمد بن خليف قائلا:

أعِرِ الدفتر للصـــــا      حِب بالرهن الوثيق

إنه ليس قبيــــــحــا     أخذُ رهنٍ من صديق!

وهو التعامل الذي اعتمدته المكتبات في عصرنا هذا، بأن تشترط مبلغا من المال أو بطاقة التعريف كضمانة مقابل إعارة الكتب. لكنه يظل إجراء إداريا يختلف من حيث الجوهر عن النقاش الذي أثاره أسلافنا، حيث شكلت المكتبات في زمنهم واجهة المعرفة المنظمة قبل ظهور المدارس، وتجليا لثلاث حقائق:

الأولى هي أن هناك كتبا تستحق أن تُجمع في مكان واحد.

والثانية تدني نسبة الأمية التي تعيق الانغماس في عوالم الحرف المكتوب.

والثالثة هي الشغف بالقراءة وجمع الكتب، وإنشاء مكتبات ضمت عشرات الآلاف من المؤلفات، رغم ما يتطلبه النسخ من جهد بصري وظروف اشتغال قاسية. وبعض قصص هذا الشغف مثيرة، وتدعو للحسرة، حين نقارنها اليوم بواقع الإنسان العربي المعاصر في علاقته بالكتب والمكتبات؛ منها خبر جامع كتب يُدعى شافع بن علي العسقلاني الذي ترك بعد موته عشرين خزانة ملأى بالمخطوطات النفيسة. ورغم فقدِ بصره قبل موته إلا أنه كان يعرف عنوان الكتاب بمجرد لمسِه، ويذكر تاريخ ومكان اقتنائه.

بينما على الضفة الأخرى قررت حكومة الثورة الفرنسية، بعد مصادرتها لكتب النبلاء ورجال الدين، إلقاءها في مستودعات ضخمة بباريس وليون، ثم بيعها بأثمان بخسة بعد أن تلاشت بفعل الرطوبة والأوساخ!

بقي اتجاه خامس يتمسك أصحابه بعدم الإعارة مطلقا، عملا بالمثل الإيطالي:" كتاب مُعار، كتاب مفقود". ولعل ذلك بسبب كثرة ضياع المخطوطات والمسودات النفيسة، وإهدار جهد معرفي وفكري تحتاجه الأمة. لكن يظل برأيي مجرد انفعال لا يلبث أصحابه أن يتخلوا عنه، تقديرا منهم لدور المعرفة في نهضة الأمة. لذا لم ينفذ الحافظ السخاوي وعده بإلقاء كتبه الجليلة في البحر قُبَيل موته!

وختاما، فإن الإعارة التي تنطوي على خلق معرفي، وتعزز قيم المشاركة في عالم ينحو صوب الأنانية البغيضة، تتطلب توجيهات وقائية من قبيل:

- لا تجازف بالإعارة لشخص أعلن مرارا أنه لا يحب القراءة، كي لا ترى كتابك محتجزا لفترة طويلة.

- الإعارة لشخص مهمل تعني احتمال عودة كتابك في حالة سيئة، وتقبل صفحات مهترئة، أو غلاف عليه بقع زيت أو ما شابه.

- ضع اسمك على كتبك، حتى لا يتمكن المستعير من ادعاء ملكيتها.

- تتبع إعارتك عبر بطاقة فهرسة، خاصة إن لم تكن ممن يتمتعون بذاكرة جيدة!

***

حميد بن خيبش

 

تفاجئني السماء بالمطر الندي، ولكني كنت أحلم بندف من الثلج الرقيق، واللهو في بياضه في فناء بيت جدي (رحمه الله) مثل الأطفال. أهرول هربا خيفة من ابتلال ذاكرتي المتعرية، وذلك لأني أحمل ذاكرة من ورق أبيض شفاف، ولن يصمد أمام قطرات مياه السماء الهاطلة بالامتداد. فقد كان خوفي المتفرغ من آهاتي الملتوية في هذه الصبحية المطيرة، لن يصمد قوة أمام قدوم سيولة طوفان وادي النسيان. إنها قسط من هشاشة ذاكرتي التي تمنح النسيان سلطة السلطان الحاكم بالاستبداد والتحكم، ولا تمتلك حلول الحرية في الاختيارات والمسارات وتسجيل التاريخ المسكوت عنه.

حين أقلع مطر السماء، رأيت الحذر يتبدد عند المارة، وباتوا يسرعون الهرولة والهروب من الأمكنة الآمنة من زمن ماء الممطر. وجدت أن ذاكرتي اقتلعت ورقة مبللة وتالفة الكتابة، ثم رمت بها في سلة مهملات النسيان الراسبة. رأيت أن العابرين أمامي قد توقفوا عند حاجز ستار الماضي الذي يضيء لهم المستقبل من الخلف، وهم في نشوة من أمرهم الجدي.

كنت أحاول معاودة تأويل قضايا العالم الممكنة بما يليق مع رقة رحمة سماء المطر، لكني سقطت في المزيد من التشتت الذهني، والانقسام في أفكاري، وحتى كسلا في استدعاء ذاكرتي الرزينة. كنت عقلانيا حين آمنت بتشظي ذاكرتي بعد أن أضاع المطر صفحة غلاف ذاكرتي الواقية لي من سلطة النسيان والتناسي، وشؤم هشاشة أفكاري داخل تفكير علبة الصندوق.

 أحسست أني دخلت مساحة لا تزال باردة وبلا مكيفات هوائية حديثة، وكنت أرى أن باب المستقبل يفتح بالمهل والتأني من الخلف المظلم، هنا تيقنت أن ذاكرتي لن تقدر على ضبط الاختلاف في الرأي وتعيش منطق الشتات، وتنأى بعدا عن منطق التجميع والمصادقة على استعراضات أحداث المستقبل التي تستنير ضوء من خلفية الماضي والصورة المعلقة عندنا في الأذهان اليقظة.

قد يبقى حلمي شامخا حتى في هشاشة ذاكرتي بالنسيان، لأني أداوم فعل إشعال نجمتي الزهرية البرية. فيا لهول المفارقة العجيبة بين مطر السماء والناس في هرولة من أمرهم للاختباء!!! وبين الذهاب مشيا لصلاة الاستسقاء، وطلب الرحمة من السماء. من فرط نكسي أن ذاكرتي الهشة يغيب عنها الاعتدال في مواقفنا التجميعية، لأن النسيان يفضح مستويات ذاكرتي في الخمول، وهذه مهزلة قد تصيبنا بالتشظي وبلعنة السماء.

نكذب على ذواتنا، ونعامل الوهم بمساحيق التجميل البسيطة، والحلم بمساواة الماضي بالمستقبل، لكني افتراضا كنت أعمل على تأجيل الحقيقة قليلا من الصدمة القاتلة. من مشكلاتنا أننا نقتات من الوهم نهما، ونمارس مرونة سياسة الكذب والمراوغة، وبه نمارس حياتنا بكل أُبهة، لحظتها قد نفقد الثقة فيما تبقى من ذاكرتنا الماضية، ونتخلى عن حلم المستقبل.

سادتي الكرام: من المعادلة الخاوية الوفاض سؤال: ماذا تريد سماعة الآن؟ فقد يكون الجواب المنطقي: لو كنت أعلم، لما تخلصت ذاكرتي من تلك الورقة المبللة بالمطر، وأصبحت أعيش أجزاء متقطعة من هشاشة ذاكرة النسيان في الماضي والحاضر!!!

***

محسن الأكرمين

في تلك السنوات الثقيلة من الحرب العراقية الإيرانية، كنتُ أعيش في طهران كما يعيش الظل على هامش الضوء؛ بلا أوراق تثبتني، وبلا اسمٍ يعترف بي أحد. كنتُ أمشي في شوارع المدينة كأنني فكرة عابرة، أستقل سيارات الأجرة، أراقب الوجوه، وأتعلّم كيف يكون الإنسان موجوداً.. دون أن يكون.

راودتني فكرة صغيرة، لكنها بدت لي يومها بحجم خلاصٍ كامل: بطاقة مكتبة. مجرد بطاقة من اتحاد الشبيبة الآشوري، لا قيمة لها إلا استعارة الكتب. لكنني كنت أبحث فيها عن شيء آخر، عن أثرٍ مادي يقول إنني هنا، إن لي اسماً وصورة، حتى وإن كان اسماً مستعاراً.

حملتُ صورتي الشخصية، ومضيتُ إلى هناك. كان المكان مألوفاً، وقد اعتدتُ ارتياده مع خطيبتي (زوجتي الحالية)، التي كانت واحدة من أولئك الذين يمنحون المكان حياةً لا تُرى. المناسبات، الضحكات، الأحاديث.. كلها كانت تمنحني وهماً بالانتماء.

تقدّمتُ نحو طوني، مسؤول المكتبة، الرجل الذي يعرفني جيداً، أو هكذا ظننت. مددتُ له الصورة وقلتُ ببساطة.

- أريد بطاقة مكتبة.

نظر إليّ، لا كمن يسمع طلباً عادياً، بل كمن يواجه سؤالاً لا يجوز طرحه. فجأة تغيّر وجهه، وارتفع صوته كأنني طلبتُ المستحيل:

!. - لا يمكن! أنت لست إيرانياً.. أنت عراقي

تكسّرت كلماته في داخلي، لا لأنها قاسية، بل لأنها كانت صادقة أكثر مما ينبغي. حاولتُ أن أشرح، أن ألتفّ على الحقيقة، أن أجد ثغرة صغيرة في جدار القوانين.. لكنه كان جداراً بلا شقوق. خرجتُ من هناك، لا بلا بطاقة فحسب، بل بلا وهمٍ أيضاً.

***

في يومٍ آخر، وأنا عائد من درسٍ خاص، كنتُ أعلّم فتاة إيرانية اللغة العربية، تستعد لامتحانات "الكونكور"، أي البكالوريا في العراق.

كان المساء يهبط ببطء، وكنتُ أفكر في مفرداتٍ لم تفهمها، حين صادفتُ سامي.

كان واحداً من أولئك الذين تعرفهم الحياة صدفة، ثم تضعهم في طريقك مراراً دون سبب. شاب من عائلة كردية فيلية، كنتُ أزورهم أحياناً، ونجلس في أحاديث لا تبدأ من مكان محدد ولا تنتهي عند معنى واضح.

بعد التحية، قال لي وكأنه يلقي خبراً عادياً:

- زين شفتك.. باجر مسافر إلى الجزائر.

توقفتُ لحظة، ثم سألت:

 - ليش؟

 - أختي هناك.. شافت لي شغل.

 - خيرشنو الشغل؟

 - أستاذ جامعة.

انفجرتُ ضاحكاً. ضحكٌ طويل، صادق، حتى كدتُ أنسى أنني أنا من يضحك. لكنه لم يضحك. ظلّ ينظر إليّ بثباتٍ غريب، حتى أدركتُ أن الأمر ليس نكتة.

 - جديات، قالها بهدوء.

توقفتُ عن الضحك، لكن الدهشة لم تتوقف.

 - شنو راح تدرّس؟

 - قانون.. بكلية الحقوق.

شعرتُ أن العالم انقلب فجأة إلى مسرح عبثي.

 - مو أنت كنت شرطي بالعراق؟

 - إي، صحيح.

 - زين.. شلون صرت دكتور قانون؟

ابتسم ابتسامة صغيرة، فيها شيء من الفخر وشيء من السر:

"كوجه مروي". - أخذت شهادة دكتوراه من

سكتُّ لحظة. الاسم وحده كان كافياً ليفتح أبواب الشك كلها. مكان تُصنع فيه الهويات والوثائق والجوازات كما تُصنع الأحذية.. حسب المقاس.

- شلون راح تدرّس؟

 عادي.. قالها ببساطة مدهشة. أعرف شوية قوانين من أيام الشرطة.. والباقي أقراه قبل الدرس.

لم يكن يمزح. لم يكن قلقاً. كان يتحدث عن الأمر كما لو أنه رحلة عادية، لا قفزة في المجهول.

راقبته وهو يتحدث، وفكرتُ: أنا الذي عجزتُ عن الحصول على بطاقة مكتبة.. وهو ذاهب ليصبح أستاذاً جامعياً بشهادة مزورة.

في تلك اللحظة، بدا العالم غير عادلٍ على نحوٍ ساخر. أو ربما.. كان عادلاً بطريقته الخاصة، حيث لا تُقاس الأشياء بما هي عليه، بل بما تستطيع أن تدّعيه.

سافر سامي في اليوم التالي، إلى الجزائر، كما قال. وانقطعت أخباره، كما تنقطع الحكايات التي لا تجد نهايةً تليق بها.

أما أنا، فبقيتُ في طهران، بلا بطاقة.. لكن بوعيٍ أثقل، يعرف أن الهوية ليست دائماً ما نحمله، بل ما يُسمح لنا أن نكونه.

***

جورج منصور

أدركتُ أننا تائهون في عالمٍ من الخداع، وتعلّمتُ أن الثقة لا تُهدى، وأن الصراحة جرح، وأن المجاملة فنّ لا يُتقنه إلا من يعرف كيف يتعامل بها.

تبقى الحياة رحلةً مليئةً بالتحديات والتقلّبات، لكن جمالها الحقيقي يكمن في قدرتنا على مواجهة صعوباتها، وفي ذلك النبض الذي يعيد للحياة معناها حين تبهت الألوان وتشتدّ ظلمة الأيام.

منذ صغري، وأنا أعاني من ردّات فعلٍ لا أفهمها؛

أبكي في قمة السعادة خوفًا من انقضائها، وكأنني سأدفع ضريبتها حتمًا بالكثير من الحزن.

وأبتعد عن أمي في لحظة حاجتي لحضنها، رغم أنني أتمنى أن أتكور بين ذراعيها كجنينٍ من جديد.

وأنزوي وحيدةً في ساحة المدرسة حين تجد صديقتي المقرّبة صديقةً أخرى، بدلًا من أن أملأ مكاني وأبقى إلى جوارها حتى لا يتّسع لغيري.

هذه أنا… منذ الطفولة وحتى الشباب.

لا أعرف كيف تُقال كلمة “لا”، ولا أستطيع التوسّل في الحب، لأنني أؤمن أن الحب لا يُستجدى ولا يُؤخذ كرهًا، ولا يُمنح مجاملةً لرفع العتب.

وها أنا أعود لأشعر بمشاعر الطفولة ذاتها…

أحبّك، فأختار الابتعاد، خوفًا من أن يكبر حبك في قلبي أكثر.

أعلم أن لكل شيء ذروة، إذا بلغناها لا يمكننا أن نعود كما كنّا بعدها.

وأعلم أنني استهلكتُ كل شموع قلبي لأُشعل حبك، ولم يتبقَّ لديّ إلا شمعةٌ واحدة، أخشى أن تحترق معها روحي التي لم تعد تقوى على فراقك.

حدث ما كنت أخشاه…

لم يعد الفراق أمرًا أستطيع احتماله، ولم يعد بوسعي أن أدعو الله أن يهبني خيرًا لا تكون فيه.

ومع ذلك، يبقى الأمل…

ذلك الشعور الداخلي بأن هناك دائمًا من يرعاني ويأخذ بيدي،

ذلك الصوت الهادئ الذي أسمعه في داخلي حين ترفض روحي الإنصات لكل ما هو زائف في هذا العالم.

في داخلي صوتٌ لا يغادرني…

ليس ضجيجًا ولا كلماتٍ كثيرة، بل طمأنينة عميقة.

هو صوت الأمل بالله وحده.

يهمس في قلبي كلما ضاقت الطرق:

أن لا شيء يضيع مع الله، ولا دعاء يُرفع إليه يذهب سُدى،

وأن ما كُتب لي سيأتيني، ولو تأخر، لأنه عند الله لا يُنسى.

***

ذكرى البياتي

ما أقساها!

ترى ما الذي دهاها، لـِمَ تنتقدني بحدة كلما قرأت لي نصا جديدا؟! أتساءل لماذا تعاملني وقلمي بتلك الفضاضة؟!

هي أسئلة وأخرى تثيرها لديّ تلك الناقدة القاسية، التي تسترسل دوما في نقدها اللاذع لي، فتارة تكون هيكلية الأسلوب، وأخرى انطباعية، نفسية، أو نمطية، وغير ذلك، لكن كثيرا ما تكون تلك الأصناف مجتمعة!

كم تبدو حانقة من قلمي! فحين تعمد إلى نصوصي بالنقد، تصب علي جامّ غضبها، وكأنها تنتقم مني لكوني أتمتع بشخصية قوية وجريئة، لا أحد يكسر شوكتها، أو يشل عزيمتها، فلا يهز ثقتها نقد ناقد، ولا هي تأبه لمكر حاقد.

لم يحدث أن قرأَتْ لي نصا بعين الإعجاب والإقرار بمُكنتي، لقد استسلمتُ لفكرة استحالة حصول قلمي على اعترافها، مهما أبدع وتألق، بَيْد أني لا أكترث لها ولا لرأيها، فنقدها الدائم لا يثني من عزمي شيئا، بل يشكل رهانا وتحدّيا بالنسبة لي.

 لطالما أربكَتْ حروفي في العتمة، قبل خروجها منهكة للنور، وكأنما بيدها مشرط جراح بارع، تتفنن في تشريح بنية نصوصي والغوص في معانيها، وتفكيك رموزها، تهتم بفهم الدوافع، وترنو دوما لاستنباط التوجه الفكري للكاتبة، وتحليل ذهنيتها، وحالاتها الشعورية، سيما تلك التي تلبّستها أثناء الكتابة!  

كل مرة تُخضع فيها قلمي للتقييم، تضعه تحت المجهر، فلا يخلو الأمر من انتقاد لاذع، لابد وأن تشير إلى زلة أو هفوة، وتمطرني بوابل من ملحوظاتها المزعجة.

غريب فعلا أمرها! لقد سئمت منها حقا، ألا تدرك تلك الناقدة المتعالية والمغرورة، أن الكتابة رحلة استكشافية للذات، يبحر فيها الكاتب مع القارىء على حد سواء، ويسعى خلالها لترويض وتطويع قلمه، بما يتناسب مع ميوله الفكرية وسماته الشخصية.

ككاتبة لا تميل للبوح الذاتي، بل تملك رؤية وبصمة خاصة، أستهدف دوما ما وراء النص، لذا يروقني كثيرا تناول كتاباتي من هذا المنطلق، من قِبل ذوي الاختصاص من أدباء ونقّاد أكاديميين، بمنتهى التجرد والموضوعية بعيدا عن شخصنتها.

رغم معاناتي الدائمة مع تلك الناقدة القاسية، إلا أنني أحبذ جدا فكرة حضورها الطاغي بعالمي، كحارس أمين لقلمي، أخال طيفها لا يفارقني لحظة، حد الشعور بهالتها الساحرة، تفرض عليّ سطوتها في هاته الأثناء وأنا أخط هذه الأسطر عنها، حاضرة وبقوة تنتقد نقدي لها! أمر مثير للسخرية فعلا، ذاك هو ديدنها، ناقدتي الاستثنائية ترعى نبضي في المخاض، وبعد الميلاد، فلا يبصر النور إلا بين يديها! ترهقني أحيانا، فيستوحش قلمي من بياض الدفتر، ويحدث أن تلتهمه خانة اللاشيء طويلا، غير أن تلك الناقدة تتمادى وتتحداني في حضوري كما الغياب، فأهزمها بالعودة أنضج وأكثر تمرسا.

فلأعترف قلمي دونها طفل صغير تائه، وبالمقابل هي لا يمكنها إلا أن تلازمه لتمارس عليه سلطتها الوالِدية، صدقا لا يمكنني الفكاك منها أبدا.

بالرغم من أنني أعاني من تداعيات ثنائية الإبداع والنقد الذاتي، كونها تقودني لا محالة لفخ متلازمة الإتقان المرهقة، إلا أنني لا أقرّ بوجود تعارض بين الذات المبدعة والذات الناقدة، فالعلاقة بينهما ليست صدامية أو نِدّية، شريطة استيعاب المبدع ماهيتهما، والدور المنوط بكليهما، ومِن ثَمّ محاولة الحفاظ على التوازن بينهما، ليظهر جليا أثر ذلك في نتاجاته النوعية، من خلال ديمومة التناغم بين العاطفة الاندفاعية للمبدع، وعفوية طرحه وأسلوبه من جهة، والمنطق الأكاديمي الجاف للناقد الذي يسكنه، ويتولى مهمة الرقابة والتوجيه من جهة أخرى.

برأيي الناقد الداخلي للمبدع هو بمثابة الأنا العليا الأدبية، التي تتقمص دور الدليل والمرشد لذاته المبدعة، والعلاقة بينهما تكاملية بامتياز ومثمرة، ذلك ما يجني المبدع نتائجه الملموسة، على المدى القريب والبعيد.

***

بقلمي: زينة لعجيمي - الجزائر

الأساطير: الأباطيل والأحاديث العجيبة. والأسطورة حكاية تقليدية غالبا ما تتناول الآلهة أو الكائنات الخارقة، أو أبطالا ذوي قدرات غير عادية، وتُستخدَم لتفسير ظواهر الطبيعة أو أصل الكون أو العادات والتقاليد، وتمزج بين الحقيقة والخيال، وتعكس ثقافة المجتمع ومعتقداته، وتتناقلها الأجيال، وتحمل رموزا ومعاني عميقة، وتفسر ما هو غامض، وترسّخ القيم والعادات، وتعطي معنى للوجود الإنساني.

لا يُعرف كيف تواصلت المفاهيم الأسطورية في مسيرة أجيالنا، لكنها قد تكون على علاقة بما أفرزته الحضارات القديمة وأكدته الأساطير اليونانية، التي تواردت إلينا بالترجمات منذ زمن المأمون (198 - 218) هجرية.

والعجيب في أمرنا، أننا في بداية الربع الثاني من القرن الحادي والعشرين، ولا زلنا ضحايا الأساطير، وقرابين الخرافات (حكايات خيالية بسيطة غالبا للوعظ).

أسطورة تلو أخرى، وأكثرها ذات أغلفة خرافية لمّاعة تجذب الناظرين إليها، وتخلبهم فتتيه أبصارهم وتتعطل ألبابهم، ويتدحرجون مع طوابير الويلات والتداعيات اللذيذة، فكل أليم مُستطاب، ما دامت الأسطورة تمنحه معنى مغاير لجوهره النكيد.

فواقعنا المكلوم تكتم أنفاسه أساطير الذين وجدوا المتاجرة بالساميات تدر أرباحا، ولا تحتاج لرأس مالٍ أكثر من الأكاذيب والأضاليل المغلفة بما يسمى دين.

أساطيرٌ تقيّدنا رؤاها

فتُقْنطنا فنجهلُ ما سِواها

بقوْقعةٍ من الأوهامِ دُمنا

نؤوّلُ ما بدى خُدَعاً مَتاها

ألا فُتنتْ نواهيُنا بقولٍ

يُخدّرنا ويُسقينا أساها

***

د. صادق السامرائي

أصبحت الاستشارات الأسرية ضرورة ملحة في وقتنا الحالي، خاصةً وأن المشكلات الزواجية أصبحت أكبر عددا وأكثر تعقيدا وتنوعا مما كانت عليه طوال العقود السابقة، فأصبحنا نرى مشكلات لم نكن نراها تحدث في السابق:

- زوج يقارن زوجته بمؤثرة اجتماعية يراها ترقص كل يوم في تيك توك، وزوجة تقارن زوجها بلاعب كمال أجسام يستعرض كتلته العضلية يوميا في انستغرام.

- زوجة مدمنة على نصائح نسوية متطرفة، وزوج مدمن على نصائح ذكوري متطرف.

- زوجة تشاهد مؤثرا يأخذ زوجته كل يوم إلى مطعم فاره، وزوج يرى امرأة تطبخ لزوجها أشهى الأطباق. وغير ذلك الكثير.

وفي ظل تزايد هذه التأثيرات السلبية ظهر الكثير من المرشدين والموجهين الأسريين الذين يزعمون أنهم قادرون على حل المشكلات التي تعصف بالأزواج، لكنهم في الحقيقة غالبا ما يزيدون الطين بلة، لأن أغلبهم ينتمي لتيارات فكرية معينة، أو يؤمن بأيديولجيات محددة، لها نظرة ضيقة للزواج.

حيث لا ينظرون إلى الزوجين باعتبارهما كيانات إنسانية فريدة، كل منهما له تجاربه الشخصية، وعقده النفسية، وبيئته التي نشأ فيها... بل يرونهما قطعا يجب أن تطابق القالب (الفكر أو الأيديولوجية) الذي يؤمنون به.

المستشار المؤدلج يعطي أحكاما أخلاقية قاطعة غير مرنة: هذا حرام وذلك حلال، هذا عيب وذلك حرية مطلقة، هذا ظلم وذلك رحمة...الخ). فلو افترضنا أن امرأة اشتكت من سوء تعامل زوجها لمستشارة أسرية تؤمن بالفكر النسوي المتطرف، ستجيبها مباشرةً بأنه ذكر فاشل ويجب أن تجبره على تغيير سلوكه أو تقلل من قيمته ليشعر بوجودها، أو تنفصل عنه، ومن هذا القبيل.

ولو افترضنا أن رجلا اشتكى من اهمال زوجته إلى مستشار أسري يؤمن بالفكر الاسلامي المتشدد أو الفكر الذكوري المتطرف، فغالبا سيقول له: إن زوجتك ناشز ويجب أن تعاقبها بشتى الطرق الممكنة وإن لم يتحسن سلوكها فيمكنك تطليقها أو الزواج من امرأة ثانية. وقس على ذلك كل المشكلات الأخرى التي قد تعصف بأي زوجين في عالمنا العربي أو في غيره.

اللجوء لهذا النوع من المستشارين هو أكبر خطأ يمكن أن يرتكبه الإنسان، لأن هؤلاء لا يؤدون إلا إلى خراب البيوت بشكل عاجل أو آجل. لكن لا بد من الإشارة إلى أن اللجوء إليهم قد يكون لا شعوريا في كثير من الأحيان، لأن الإنسان بطبيعته يحب شعور الانتصار، فتجد الزوجة تتابع في السوشيال ميديا مستشارات ومستشارين يؤيدونها ويدعمون آراءها وتوجهاتها، وكذلك الزوج، ويشعر كل منهما بأن الذين يتابعهم يقولون الحقيقة والمنطق، وبالتالي عندما تواجههما مشكلة ما سيلجأ كل منهما إلى المستشار الذي يعطيه شعور الانتصار ويقف بجانبه ضد الطرف الآخر.

الأصح دائما هو اللجوء إلى المستشارين المحايدين المنطقيين، الذين لا يملكون قوالب جاهزة، ولا نظرة مسبقة لأحد الجنسين، وينظرون إلى الزواج باعتباره رابطة إنسانية مقدسة بين جنسين لهما سمات شخصية مختلفة نشأت بفعل اختلاف الجنس والتربية وعوامل أخرى كثيرة، ويرى أن حل كل مشكلة زواجية لا يتم إلا بمناقشتها مناقشة تفصيلية لمعرفة أسبابها ومحفزاتها ووضع الحلول المناسبة لها.

فلو اشتكت له امرأة من سوء تعامل زوجها مثلا، سيحاول أن يطرح أسئلة كثيرة، ليفهم عدة أمور:

- هل هو فعلا يعاملها بسوء؟ أم أن لديها عقدة نفسية تجعلها تفسر كل كلمة اعتيادية على أنها سيئة؟

- إذا كان تعامله سيئا فعلا، فما أسباب هذا التعامل؟ هل تعامله رد فعل وهي السبب؟ أم هو لديه فكرة موروثة معينة عن المرأة تحتاج إلى تصحيح؟ أم أنه لا يملك المهارات الاجتماعية المناسبة للتعامل مع الزوجة؟

- هل المشكلة ظهرت بتأثير من أحد؟ أم لا؟ وما محاولات الزوجة السابقة لتغيير تعامل زوجها، ولماذا لم تنجح؟ وأسئلة أخرى كثيرة.

وسيبقى التعامل نفسه من قبل المستشار مع المشكلات التي قد يطرحها الزوج شاكيا من زوجته.

أخيرا:

لا بد أن يلتفت الجميع إلى أن اختيار المستشار الأسري المناسب، ليست رفاهية، بل ضرورة قصوى، واعتقد بأن الحكومات يجب أن تعمل بجدية على مراقبة الخدمات المتعلقة بالاستشارات الاسرية ومنع المستشارين المؤدلجين من تقديم استشارات، فالاستشارات الأسرية في النهاية تخضع لأسس علمية وليست أيديولوجيات نظرية متطرفة ضد أحد الجنسين.

***

وعد عباس

 

يمثل عزيز السيد جاسم حالة دالة على تعقيدات المثقف العراقي في النصف الثاني من القرن العشرين، حيث تداخلت القناعات الفكرية مع ضغوط الواقع السياسي، فكانت مسيرته انعكاساً حياً لصراع داخلي بين الإيمان النظري ومتطلبات البقاء في بيئة مضطربة.

تمثل تجربته واحدةً من أكثر التجارب إشكالية في مسار المثقف العراقي، إذ تكشف عن تعقيدات العلاقة بين الفكر والسلطة في سياق سياسي شديد الاضطراب. في بداياته، انفتح عزيز السيد جاسم على الماركسية بوصفها أفقاً نقدياً يفسر الواقع الاجتماعي ويطمح إلى تغييره. وقد انعكس هذا التوجّه على كتاباته التي سعت إلى تحليل البنى الثقافية والسياسية من منظور يربط بين الفكر والعدالة الاجتماعية. كانت الماركسية بالنسبة له أداة لفهم العالم، وموقفاً فكرياً يتجاوز حدود الانتماء الحزبي الضيق.

غير أن التحولات السياسية القاسية، وما رافقها من تضييق على التيارات اليسارية، دفعت به إلى إعادة التموضع، فاقترب من خطاب السلطة وانخرط في فضاء حزب البعث. لكن هذا الانتقال لم يكن تعبيراً عن استقرار فكري بقدر ما كان محاولة للتكيف مع واقع لا يترك للمثقف خيارات آمنة.

ومع ذلك، ظل هذا التكيف هشاً. فقد شكل صدور كتابه (علي سلطة الحق) لحظة مفصلية في مسيرته، إذ قدّم فيه طرحاً فكرياً يتقاطع مع حساسية السلطة تجاه الرموز الدينية والتاريخية، في وقت كانت فيه الدولة شديدة الحذر من أي خطاب قد يفهم خارج إطارها الأيديولوجي. هذا العمل، إلى جانب تاريخه الفكري المتقلب، جعله عرضة للشك وعدم الثقة.

في ظل هذه الأجواء، لم يعد قربه من السلطة كافياً لحمايته، فانتهت مسيرته بشكل مأساوي حين تعرض للتغييب في سجون الدولة، في مصير يعكس طبيعة الأنظمة الشمولية التي قد تنقلب حتى على من اقترب منها، حين تتبدل حساباتها.

إن سيرة عزيز السيد جاسم لا تختزل في تحوّلاته الفكرية فحسب، بل تكشف عن مأزق المثقف حين يجد نفسه محاصراً بين قناعاته وضغوط الواقع. وهي تذكير قاس بأن الكلمة، في بعض الأزمنة، قد تتحول من أداة تعبير إلى سبب للمساءلة، بل وللفناء.

بهذا المعنى، لا تقرأ سيرة عزيز السيد جاسم بوصفها مساراً فردياً فحسب، بل بوصفها مرآةً لمرحلة كاملة من تاريخ العراق، حيث كان الفكر محاصراً، وكان المثقف يدفع ثمن موقعه بين السلطة والحقيقة.

***

نبيل عبد الأمير الربيعي

تلعب منظمات المجتمع المدني دوراً حاسماً في أوقات الحرب والأزمات، إذ تتحول هذه المنظمات من كيانات تعني بالتنمية المستدامة إلى خطوط دفاع إنسانية واجتماعية، تسدّ الفراغ الذي تتركه مؤسسات الدولة حين تضعف أو تتراجع أو تنهار. وفي خضم الفوضى والاضطراب، تغدو هذه المنظمات أحد أهم أدوات حماية المجتمع وتعزيز صموده.

في المقام الأول، تضطلع منظمات المجتمع المدني بدور الإغاثة الإنسانية العاجلة، حيث تعمل على توفير الغذاء والماء والمأوى للنازحين والمتضررين، وتسهم في تقديم الخدمات الصحية الأساسية، لا سيما في المناطق التي تعرضت بنيتها التحتية للتدمير. وغالباً ما تمتاز هذه المنظمات بمرونة عالية وسرعة في الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجاً، مقارنة بالمؤسسات الحكومية، بفضل عملها الميداني وشبكاتها المحلية.

إلى جانب ذلك، تؤدي هذه المنظمات دوراً محورياً في حماية الفئات الأكثر هشاشة، مثل الأطفال والنساء وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة. فهي تقدم الدعم النفسي والاجتماعي، وتعمل على الحد من الانتهاكات التي قد يتعرض لها هؤلاء في ظل النزاعات، كالعنف والاستغلال والتشرد. كما تسعى إلى توثيق هذه الانتهاكات ورفعها إلى الجهات المعنية، بما يعزز فرص المساءلة ويكرّس مبادئ العدالة.

ومن المهام الجوهرية أيضاً تعزيز التماسك الاجتماعي ومنع تفكك النسيج المجتمعي. ففي أوقات الحروب، تتفاقم الانقسامات الطائفية والعرقية والسياسية، وهنا يبرز دور منظمات المجتمع المدني في بناء جسور الحوار، ونشر ثقافة التسامح، والعمل على المصالحة المجتمعية. وكثيراً ما تؤدي دور الوسيط بين الأطراف المختلفة، محاولةً تخفيف حدة التوتر وإعادة الثقة بين مكونات المجتمع.

كما تسهم هذه المنظمات في نشر الوعي وتوفير المعلومات الدقيقة، خصوصاً في ظل تصاعد الشائعات والحرب الإعلامية. فهي تعمل على توعية المواطنين بحقوقهم وسبل حمايتهم، وتقدم إرشادات تتعلق بالسلامة العامة، وتدعم الوصول إلى مصادر موثوقة للمعلومات، مما يسهم في الحد من الذعر وتقليص الفوضى.

ولا يقتصر دورها على الاستجابة الفورية، بل يمتد إلى مرحلة التعافي وإعادة الإعمار. حيث تشارك في إعادة تأهيل المجتمعات، ودعم سبل العيش، وتمكين الأفراد اقتصادياً واجتماعياً. كما تسهم في تدريب الكوادر المحلية وبناء القدرات، لضمان استدامة التعافي وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية.

ورغم هذه الأدوار الحيوية، تواجه منظمات المجتمع المدني تحديات كبيرة، منها نقص التمويل، وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة، فضلاً عن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين فيها. كما قد تتعرض لضغوط سياسية وقيود قانونية تحدّ من قدرتها على العمل بحرية وفعالية.

في الختام، يمكن القول إن منظمات المجتمع المدني تمثل ركيزة أساسية في إدارة الأزمات والحروب، فهي ليست مجرد جهة مساندة، بل شريك فعلي في حماية الإنسان والحفاظ على كرامته. وكلما تم دعم هذه المنظمات وتعزيز استقلاليتها، زادت قدرة المجتمعات على الصمود والتعافي، حتى في أحلك الظروف.

في السياق العراقي، برزت منظمات المجتمع المدني بوصفها فاعلاً أساسياً في التعامل مع الأزمات المتلاحقة، حيث لعبت دوراً حيوياً ومتعدد الأوجه في سدّ الفجوات الإنسانية والقانونية والاجتماعية التي تعجز الدولة أحياناً عن معالجتها بمفردها.

لقد عانى العراق من عقود طويلة من الصراعات، ما خلق بيئة معقدة تعمل ضمنها هذه المنظمات لتعزيز الاستقرار ودعم المتضررين. وقدّمت العديد من هذه المنظمات مساعدات إنسانية وإغاثية مباشرة، شملت الغذاء والمأوى والرعاية الصحية، خاصة للنازحين داخلياً والعائدين والمجتمعات المضيفة.

أين غابت منظمات المجتمع المدني عن أزمات العراق والمنطقة؟

ليس السؤال اليوم عن أهمية منظمات المجتمع المدني، فهذه مسألة حُسمت نظرياً منذ عقود، بل السؤال الأكثر إلحاحًا: أين هي هذه المنظمات الآن، في لحظة تبدو فيها المنطقة، والعراق تحديداً، وكأنها تعيش حالة استنزاف دائم للأزمات؟

في الأدبيات، تُقدَّم منظمات المجتمع المدني بوصفها الضمير الحي للمجتمع، والوسيط بين الدولة والمواطن، والقوة المرنة التي تتحرك حين تتصلب المؤسسات الرسمية أو تنكفئ. لكن الواقع، في كثير من الأحيان، يطرح صورة أكثر تعقيداً، بل وربما أكثر إرباكاً.

خلال الحروب والأزمات، يفترض أن تتحول هذه المنظمات إلى خطوط دفاع إنسانية واجتماعية، تسدّ الفراغ الذي تتركه الدولة حين تضعف أو تعجز. وهذا ما حدث بالفعل في العراق خلال مراحل عديدة، حيث اندفعت منظمات محلية ودولية لتقديم الإغاثة، وإيواء النازحين، وتوفير الخدمات الأساسية في مناطق أنهكها العنف والتدمير. كانت تلك اللحظة بمثابة اختبار حقيقي لدور المجتمع المدني، وقد نجح، إلى حد بعيد، في اجتيازه.

لكن المشكلة لا تكمن في الماضي، بل في الحاضر.

اليوم، لم تنحسر المعارك الكبرى، ولم تختفِ الأزمات، بل تغيّرت أشكالها. لم يعد التهديد مقتصراً على العنف المسلح، بل تمدد ليشمل هشاشة الدولة، وغياب العدالة، وتآكل الثقة بين مكونات المجتمع، واستمرار الانقسامات العميقة. وهنا تحديداً، يصبح دور منظمات المجتمع المدني أكثر حساسية وتعقيداً، لكنه في الوقت ذاته يبدو أقل حضوراً وتأثيراً مما ينبغي.

جزء من هذا الغياب يمكن تفسيره بطبيعة التحول في أولويات العمل الدولي. فمع تراجع الاهتمام العالمي بالعراق مقارنة بسنوات الحرب ضد تنظيم داعش، انخفضت مستويات التمويل، وتقلصت البرامج الإنسانية، مما انعكس مباشرة على قدرة المنظمات المحلية على الاستمرار. فالكثير من هذه المنظمات، للأسف، لم تُبنَ على أسس مستدامة، بل نشأت في ظل اقتصاد المساعدات، ما جعلها شديدة الارتباط بإيقاع التمويل الخارجي.

لكن التمويل ليس التفسير الوحيد.

ثمة أزمة أعمق تتعلق بطبيعة العلاقة بين منظمات المجتمع المدني والبيئة السياسية التي تعمل فيها. ففي كثير من الأحيان، تجد هذه المنظمات نفسها محاصرة بين ضغوط السلطة، وتعقيدات الواقع الأمني، وحساسيات المجتمع. العمل في قضايا مثل العدالة الانتقالية، أو حقوق النساء، أو مساءلة الانتهاكات، لا يزال محفوفًاً بالمخاطر، ليس فقط على مستوى السلامة الجسدية، بل أيضاً على مستوى الشرعية الاجتماعية.

في هذا السياق، تميل بعض المنظمات إلى الانكفاء نحو العمل الأقل حساسية، أو إلى تبني خطاب تقني محايد يبتعد عن جوهر المشكلات. وهنا تفقد جزءاً من دورها النقدي، وتتحول تدريجياً من فاعل مجتمعي إلى منفذ مشاريع.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن منظمات المجتمع المدني في العراق لا تزال تؤدي أدواراً مهمة، وإن كانت أقل ظهوراً إعلامياً. ففي مناطق مثل نينوى وكركوك وأربيل وديالى، تواصل مبادرات محلية العمل على إعادة بناء الثقة بين المجتمعات التي مزقتها الحرب. تُعقد جلسات حوار، وتُنشأ لجان مجتمعية، وتُبذل جهود صامتة لإعادة ترميم ما لا يمكن للإعمار المادي أن يصلحه.

كما تستمر بعض المنظمات في العمل على إزالة الألغام، وتقديم الدعم النفسي للناجين، وتوثيق الانتهاكات، وهي أعمال بطيئة، لكنها عميقة الأثر. غير أن هذه الجهود، رغم أهميتها، تبقى مجزأة، وغالباً غير قادرة على إحداث تحول واسع دون إطار وطني جامع يدعمها.

المفارقة أن الحاجة إلى منظمات المجتمع المدني اليوم ربما أكبر من أي وقت مضى. فالأزمات لم تعد طارئة، بل بنيوية، تتعلق بشكل الدولة، وطبيعة العقد الاجتماعي، ومستقبل التعايش بين مكونات المجتمع. وهذه قضايا لا يمكن للحكومات وحدها أن تعالجها، حتى لو توفرت الإرادة.

السؤال إذن ليس فقط: أين هي منظمات المجتمع المدني؟

بل أيضاً: أي دور نريده لها؟ وأي بيئة نوفّرها لتؤدي هذا الدور؟

إذا استمرت هذه المنظمات في العمل ضمن هامش ضيق، وبتمويل مشروط، وتحت ضغوط سياسية واجتماعية، فمن الصعب أن تتحول إلى قوة تغيير حقيقية. أما إذا أُعيد التفكير في دورها، وتم تمكينها، وإشراكها فعلياً في صياغة السياسات، فقد تصبح أحد المفاتيح الأساسية للخروج من دوامة الأزمات.

في النهاية، لا يمكن بناء سلام مستدام أو استقرار حقيقي دون مجتمع مدني حي وفاعل. فالدول لا تُقاس فقط بقوة مؤسساتها الرسمية، بل أيضاً بحيوية مجتمعاتها وقدرتها على التنظيم والمبادرة والمساءلة.

وفي العراق، كما في كثير من دول المنطقة، لا يزال هذا الرهان مفتوحاً.

***

جورج منصور