أقلام حرة

أقلام حرة

لا يوجد مخترع في التأريخ لم يتحقق إستخدامه لغرضين متأرجحين بين الخير والشر، ولا أظن الذكاء الإصطناعي سيحيد عن هذا المسار، لأن البشر يكنز نفسا أمّارة بالسوء، وهي القادرة في معظم الأحيان على طرد طاقات الخير والمحبة في دنياه وترسم معالم سلوكه وتقرر نواياه.

لو أخذنا الطائرة فأن مخترعيْها لم يخطر على بالهما أنها ستستخدَم لقتل البشر، وتكون آلة حرب مروعة.

وكذلك السيارة، والبارود واليورانيوم، والعديد من المخترعات والأفكار الفيزيائية والكيميائية والبايولوجية، ومن الصعب تفسير إنتهاج البشر لسلوك العدوانية وتسخير ما لديه للنيل من إبن جنسه بعد أن يجرده من حق الحياة.

واليوم تجدنا أمام فلتة إختراعية إسمها الذكاء الإصطناعي، والتي بموجبها يمكن فعل ما لا يخطر على بال، وسيتوفر جيل من القادرين على تسخير برامجه للتشويش وتمرير ما لا يمكن تصديقه من الحالات، فنحن نعيش في عصر إضطربت فيه الموازين، وتهالكت القوانين، وأصبحت الشاشة هي الخصم والحكم.

تصلك عبر وسائل التواصل صورا لا وجود لها حتى في الخيال، لكنها ستكون ما دامت تلألأت كفكرة في رأس ما، فالفكرة ما أن تولد حتى تتجسد ولو بعد حين، كفكرة الطيران التي توالت في رؤوس الأجيال لقرون حتى تجسدت في بداية القرن العشرين.

الذكاء الإصطناعي، يكتب ما تريد، ويقرر ويتنبأ، ويحلل ويحاور، ويفعل ما لا يستطيع البشر القيام به من تفاعلات مع المحيط.

فهل ستنتصر الآلة على البشر؟

العقل البشري لا يستطيع إستيعاب هذا الفيض المعلوماتي والثورة الإبتكارية العارمة، وعليه أن ينكمش وينزوي في بقعة صغيرة ويترك للآلة حرية العمل والجد والإجتهاد.

غابَ عقلٌ وتنامَتْ آلةُ

وتردّتْ في حَضيضٍ قُدرةٌ

صَنعَ العقلُ عقولاً ضُدّهُ

لِهوانا في رؤانا سُلطةٌ

تُبّعا صِرْنا ودُمْنا عالةً

كُلّما عِشنا أتَتنا فِكْرةٌ

***

د. صادق السامرائي

أن الكثير من المسلمين يخلطون في فهم معنى الروح والنفس ويصر الكثير منهم على أن النفس هي الروح المركبة في داخل جسم الإنسان والكائنات الحية وهي ديمومة الحياة الدنيوية وان خروجها من هذا الجسم هو الموت وتوقف الفعاليات الجسدية التي تحركه لكن هذا الفهم الذي يصر عليه الكثير لا يصمد امام تدبرآيات القرأن الحكيم من خلال تفصيل الآيات وترتيبها حسب سياق ومفهوم الآيات المتناثرة في المصحف وجمعها وفق السياق والنظم القرآني واللسان العربي المبين الخاص بمعنى الآيات وليس أسقاطها على اللغة العربية والتراث الإسلامي السائد والمفروض على العقل الجمعي العربي والإسلامي كون القرآن الحكيم أقدم من أي لغة في العالم وأن مفهوم الآيات ومعناها قابل الفهم من قبل كل لغات العالم وشعوبه وفي كل زمان ومكان لهذا يجب أن لا يُفسر القرآن على سياق اللغة العربية وحدها على أساس أن الرسالة المحمدية والقرآن نزل على العرب في الجزيرة العربية خصوصا . لو أستعرضنا هذان المفهومان أي (الروح والنفس) حسب سياقاتها البلاغية للقرآن وجمع آياته الخاصة بالروح والتي تقابلها الآيات التي ذُكرت بها النفس نجد أن مفهوم الروح ذُكر حوالي (23) موضعا ومن دراستها وتدبرها مجتمعة نفهم أنها تعني الأوامر التي أنزلها الله تعالى على الناس والإنسانية والأقوام بالتتابع من خلال الرسل بواسطة الملائكة المكلفين بالتبليغ وأنزال الشرائع والسنن الإلهية على المجتمعات البشرية منها على سبيل المثال قال تعالى (تتنزل الملائكة والروح بأذن ربهم من كل أمر) القدر 4 فأن هذه الأوامر الربانية التي تكفل بها الرسل للبلاغ لذا فأن الروح هي مجموعة الأوامر الصادرة من الحق إلى خلقه الأحياء حسب الزمان والمكان والغرض والظرف لتسيير الكون وفق سنن وضعها وكتبها للخلق في الدنيا وقد تكون معرفتها ملموسة للإنسان والرسل ومنها حصرا على الخالق وحده حيث يقول (يسألونك عن الروح قل هي من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قيلا) الإسراء 85 وهذه الأوامر الإلهية مستمرة في الصعود والنزول بين السماء والعرش والأرض على عباده وخلقه مستمرة حتى قيام الساعة لرفع الصحائف والأعمال اليومية للإنسان وضبط السلوكيات للفرد . والمعاملات بين الناس لتكون حجة على الخلائق أمام الخالق عز وجل (تعرج الملائكة والروح إليه في يوم مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون ) المعارج 4 وكذلك (يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا) النبأ38 وكذلك (يا بني أذهبوا وتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله أنه لا ييأس من روح الله إلا الكافرون) يوسف 87  ولما ختم الله تعالى رسالته السماوية على الإنسان بأرسال الرسائل والأوامر التشريعية والمحرمات والمنهيات والكتب والفرائض والمعاملات المجتمعية على النبي محمد بن عبد الله صلوات الله عليه وعلى آله وصحبه بالتتابع الزمني لمدة 23 سنة من نبوته ورسالته حيث قال تعالى (قل نزله روح القدس من ربك بالحق ليثبت الذين آمنوا وهدى وبشرى للمسلمين) النحل 102 أما النفس التي ذُكرت في القرآن تعني من خلال تدبرها وفهما الصحيح وأسقاطها على النظم الكلامي والسياق القرآني لهذه الكلمة والتي ذُكرت بصيغة الأسم حوالي (296) موضعا وجاءت كلمة النفس من أصلها الجذري (النون . والفاء. والسين) كلمة (النفس) أي خروج النسيم من الجو وهي القوة الأثيرية النسيمية والمحركة لفعاليات الجسم في الأحياء والمهيمنة على جميع فعاليات الجسم من التفكير والأحساس والحركة والألهام وأتباع الهوى والشهوات والطغيان والعدل والظلم والتقوى والصلاح والطاعة والعصيان قال تعالى (ونفس وما سواها) الشمس 7) و(.فألهمها فجورها وتقواها) الشمس 8 و(وأتقوا يوما لا تجزى نفس عن نفس شيئأ ولا يُقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة ولا هم ينصرون) البقرة 123 و(وأتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يُظلمون) البقرة 281 وقد أخبر الله تعالى الإنسان أن كل أفعاله مكتوبة عليه في صحيفة أفعاله يوم القيامة محضرة أمامه يُحاسب عليها (يوم تجد كل نفس ما عملت محضرا وما عملت من سوء .....) آل عمران 30 فأن صلاح الإنسان وصلاح عمله في مجتمعه وعلاقته مع خالقه الله تعالى حسب ما أرادها الله تعالى له بنفس مطمئنة راضية يرضى عنها الله سيكون له المقام الرفيع والمآب في الجنة التي أعدها الله له (يا أيتها النفس المطمئنة) الفجر 27 و(أرجعي إلى ربك راضية مرضية) الفجر28 (فأدخلي في عبادي) الفجر29 (وأدخلي جنتي) 30 وأن هذه النفس لها مستقر ومستودع في الحياة الدنيا حتى قيام الساعة بخروجها مؤقتا من جسمه حين يقضي بها الله تعالى بالموت بكتاب مؤجل (كل نفسس ذائقة الموت) آل عمران 185

***

ضياء محسن الاسدي

الذي هزم فشله بالحب في ابتسامة الموناليزا!

في حوارنا مع فرويد (موثق في غوغل) سألناه:

- في العام 1908تفحصت جنابك حياة دافينشي وأعماله الفنية وتوصلت الى أن دافينشي كان رجلا يعاني من كف جنسي متطرف ناجم عن الشعور بقلق الاخصاء، وتعني به خوفه من عقاب أبيه على رغبته الجنسية نحو أمه بقطع عضوه الذكري، وأنه قام بتحويل مجرى الطاقة الجنسية لديه نحو انتاج لوحات فنية مميزة لاسيما لوحته (الموناليزا)، وفسّرت ابتسامتها الغامضة بأنها ابتسامة والدة دافينشي، فكم أنت على يقين من استنتاجك هذا؟.

فرويد

+ أنا أرى أن الأعمال الفنية الابداعية اشباع لرغبات محجوزة في اللاشعور لكونها غير مقبولة أخلاقيا واجتماعيا، وانها بارتقائها الى مستوى الابداع تنجح في التحايل على تجاوز القيود التي تمنعها من التصريح بها بشكل مكشوف، ولو لم أكن على يقين لما نشرت ذلك.

دافينشي.. جنسي مثلي!

+ انسجاما» مع نفس المنطق، فانك تعتبر طفولة « دافينشي « ذات الطابع الشبقي هي العوامل المحددة لسلوكه. فما فشل « ليوناردو دافينشي « في تكوين علاقات عاطفية ناضجة، والجنسية المثلية عنده، وابتسامة الموناليزا، واتحاد الانوية والذكورة في لوحة يوحنا المعمدان، وانشغاله في محاولاته الفنية المبكرة بتصوير رؤوس نساء باسمات، الا ـ من وجهة نظرك ـ كون دافينشي كان اسير ابتسامة امه وانوثتها التي انفصل عنها في سن مبكرة.

فرويد

يقول (موتر) عن (دافينشي):

لقد رسم ( ليوناردو من الجراد آكل الانجيل، باخوس ابولو، الذي ينظر الينا بأبتسامته الغامضة على شفتيه وبساقيه المتقاطعتين الناعمتين ــ بعينين ساحرتين).

ان هذه لصور تنفث تصرفا( في السر الذي لا يجرؤ المرء على النفاذ اليه. فالمرء يستطيع ـ غالبا) ان يبذل الجهد لاقامة صلة ذلك باعمال (ليوناردو) المبكرة..  فالاشخاص فيها مخنثون .. وهم :

 صبيان وسام، يتسمون بالرقة، ولهم اشكال أنثوية،

 وهم لا ينكسون روؤسهم وانما يحملقون في غموض بنظرة انتصار، كما لو كانوا منهمكين في حادثة هائلة سعيدة، وعليهم ان يحفظوها في كتمان،

 وتقودنا الابتسامة الفاتنة المألوفة الى ان نستنتج انه سر الحب. ومن الممكن ان يكون (ليوناردو) قد اخفى في هذه الاشكال تعاسة حبه وهزمها بفنه، حيث مثّل تحقيق رغبة الصبي الذي فتنته امه في وحدة هائلة للطبيعة الذكرية والانثوية.

ولنكن على يقين من ان الاب أيضا (كانت له اهمية في تطور (ليوناردو) من الناحية النفسية الجنسية. والاكثر من ذلك ان تلك الاهمية لم تكن بمعنى سلبي اثناء غيبة الاب خلال السنين الاولى من طفولة الصبي، وانما كانت اهمية مباشرة اثناء حضوره في طفولته المتأخرة. انه لا يستطيع الامتناع ـ وهو طفل يرغب في أمه ـ عن الرغبة في ان يضع نفسه في مكان ابيه، وان يمثل نفسه به في مخيلته، واخيرا» ان يجعل مهمة حياته ان ينتصر عليه.

+ ولكنك تشير الى ان حديثك عن (دافينشي) لم يتناوله الا من ناحية الباثوجرافيا، وهذه لا تكشف عن نواحي النبوغ لدى (دافينشي) العظيم، لان منهج التحليل النفسي لا يستطيع اطلاعنا على طبيعة العمل الفني.

فرويد

هذا صحيح، ولكن ينبغي تثبيت نقطة مهمة هي انه في الفن وحده يندفع الانسان بفعل رغباته اللاشعورية فينتج ما يرضي أو يشبع هذه الرغبات. خذ مثلا (ديستويفسكي)ـ ففي شخصيته الخصبة وجوه عدة:

الفنان الخالق، والاخلاقي، والعصابي، والآثم ـ فان الصلة التي لا يمكن ان يخطيء المرء في ادراكها بين قاتل الاب في الاخوة كارامازوف ومصير (ديستويفسكي) نفسه قد هزت اكثر من واحد من كتّاب السيّر وادّت بهم الى الرجوع الى مدرستنا (التحليل النفسي). لقد كان الحكم على (ديستويفسكي) بالاعدام ـ كسجين سياسي ـ حكما» ظالما». ولا بد أنه كان يعلم ذلك، لكنه قبل هذا العقاب الذي لم يكن يستحقه بين يدي الاب البديل ـ القيصر ـ كعوض عن العقاب الذي يستحقه على خطيئته ضد أبيه الفعلي، فهو بدلا من ان يعاقب نفسه، عوقب بواسطة أبيه الحقيقي.

***

د. قاسم حسين صالح

منذ زمن طويل وأنا أتمرد من أجل ما أريد.. وما أُحب..  لم أهتم بأي عقبات في طريقي لتلك الرغبات، فأي ضريبة هينة أمام الخسارة وقتها، كل ما كان يهمني أن أصل إليها بأي ثمن، ولو كانت رغبات لا قيمة لها.

ولكن.. أدركت اليوم أنه ليس بالضرورة أن يناسبني كل ما أطلبه وأحارب له، وربما "الطفاسة" هي من علمتني الدرس هذه المرة.

أتذكر أنني كنت طفلة تعشق الحلويات بكل أنواعها، وكم نسيت نفسي أمام قالب تورتة أو بولة آيس كريم! حتى كبرت، فأصبحت دستة الجاتوة سر من أسرار سعادتي، ومن يود الاقتراب مني عليه أن يهاديني بأحب أصناف السكريات إلى قلبي، ولا عزاء للورد والذي منه.

سكر.. حلوة الدنيا سكر...

هكذا هو شعاري حتى وقت قريب.. فلم تعد أمعائي تحتمل هذا الكم من السكريات، من بعد ربع قرن قضيته بأكمله بين البونبون والشيكولاتات وطواجن أم علي.. ويحق لها أن تعترض بعدما استهلكت صبرها وثباتها أمام كل ما لذ وطاب.

صرخت معدتي أخيرًا: "كفى.. لقد طفح الكيل!" ولكن الأمر اختلف الآن، وذلك بفضل حقيقة أعادتني إلى صوابي من جديد، قبل أن أضطر لحجز موعد مع دكتور جهاز هضمي يُصلح ما أفسدته بنفسي!

الخميس – 19 فبراير 2026 أول أيام الشهر الكريم.. يوم الحدث الملهم. ورغم تكرار المشهد بكل تفاصيله، إلا أن تمردي كان يغلبني كل رمضان.

"عايزة كنافة بالمانجا.."

كلمات تبدو عادية لكم، ولكنها تُمثل أزمة جديدة في البيت! تبدأ حينها الحيرة الكبرى، بين الرفض خوفًا على نورا من انغماسها في طبق الكنافة حتى أذان الفجر، وبين الشفقة عليها من رفض طلبها البسيط.

في بيتنا مشكلة!

فكرت كثيرًا في حل القضية، فإما أن أحارب، أو أتنازل.. أحارب صوت العقل وأتمسك برغبتي في افتراس طبق كنافة بلمسات رمضانية، أو أتنازل عنه وتمر الليلة بطبق سلطة والسلام. ولكن التنازل هُنا صعب، بل هو مستحيل، فإن الدسامة بطعم المانجا هي انتعاشة أنتظرها من السنة للسنة، والحقيقة أن أجواء رمضان تُزيد من حلاوتها أكثر. فكيف أخضع للعقل وكل عوامل "الطفاسة" متوفرة؟!

ولمَ أتنازل عن تمردي اليوم بالذات؟!

"خلاص، انتِ حرة.."

كلمات سمعتها بعد خناقة معتادة، ولكنها من وجهة نظري خناقة مسكرة، مرارة تحمل معها الشهد كله، فلا مانع أن أتحمل الغضب وكلمات التهديد من مخاطر اندفاعي وراء متعة.. مؤلمة!

وبعد ساعة من الإلحاح والأحداث المتصاعدة، كنت قد أنهيت السهرة أمام حلقة من مسلسل درامي اعتصرت له القلوب من حولي، بينما قلبي أنا يتراقص فرحًا مع طبقي المفضل، لم يشغلني سوى طعم السكر الذي يتسرب إلى روحي برشاقة ونعومة وكوليسترول!

البال رايق والجو هادي ورمضان جانا و... بطني!!

هذه الطعنات أعرفها جيدًا!. نفس السيناريو ونفس السبب والنتيجة. لقد تغافلت عن ساعة الألم من أجل لحظة النشوة، وبصراحة، لم أستطع الشكوى ولم أجرؤ على طلب أي مشروب دافئ يُلطف لهيب الوجع، فأنا من تمسكت بما يضرني وحسبته سعادتي الأبدية!

"اشربي بقى!".. هكذا قال لسان حالي.

مرت الليلة بسحور خفيف جدًا، لكي لا تتفاقم أوجاعي غير المهضومة ومعها الندم، ومع كل وخزة في أمعائي، كان عقلي ينتفض متسائلًا: هل فهمت الدرس الآن؟

كانت الكنافة سبب بسيط، مجرد سبب لفهم معنى كبير ومصيري في حياتي.. يا إنسان، أنت في هذا العالم ستُحب ما يضرك! ستقودك الرغبة في محبة أحدهم إلى ألمك، ستضيع في سبيل إرضاء قلبه، ستتخبط وتضل الطريق وأنت تعلم تمامًا أنه ليس طريقك، لتجد نفسك تدخل معركة أطرافها المنطق والوهم.

المؤسف أنك أول ضحية تسقط منهم، وحينها سينفض الكل من حولك وتواجه أنت اختيارك.. وحدك! لن يحق لك أن تطلب النجاة وأنت تغرق في أعماق المحيط، فأنت من طلبت الغرق منذ لحظة البداية، فكيف تنتظر مركب الإنقاذ وأنت الغريق بالقرار والتنفيذ؟!

ذلك الطبق المثير للحواس قد منحني السعادة للحظات، أبعدني عن مرارة عالمنا بمذاقه اللذيذ، وعلمني درسًا لن أنساه حتى أنفاسي الأخيرة.. ليس كل ما نشتهيه يُسعدنا، وليس كل نريده ينفعنا، أليس كذلك؟

الحقيقة أن أكثر ما نرغب به هو أشواك تغطيها ألوان الربيع، فالأمر يكمن في إدراكنا لأبعاد الرغبة، وأن ننظر إليها نظرة صادقة..

هل ستجدي نفعًا؟

هل ستأخذنا إلى مكان نستحقه؟

وهل سنأمن بها أم أنها ستلقي بنا في بحور الضياع؟

لمثل هذه الحقائق أحببت معنى "الطفاسة" وأثرها الآن على إنسانيتي، حين اندفعت بكامل إرادتي لتلبية رغبة تضغط على روحي، وحين واجهت البشر بالإصرار عليها وما دونها فهو كلام فارغ، وحين تلذذت بها وانتصرت على كل ما عرقل سيري نحوها، وحين دفعت الثمن في النهاية، أنا فحسب!

تغيرت اليوم كثيرًا، ربما لم أكن لأصل إلى هذا التغيير إلا بضريبة الفهم. أعترف بأنني قضيت الليلة أتألم من فرط ما التهمته وأصابني بالتخمة الفكرية قبل سوء الهضم، ولكنها الحكمة التي تظهر من قلب المغامرة، وإن كانت خطرة أو على الأرجح مميتة، نعم مميتة، فإن بعض الطرق اتجاه واحد لا عودة منه.. يا صابت يا خابت!. لقد دفعت الثمن من عمري، فإن عقوبة العمى عن الحقيقة هي الهلاك المحتوم، أن تُغلق عين عقلك عن مشقة الطريق، من أجل أن يذوب السكر في فمك، لتشعر بالنعيم، فهذا لو تعلمون موت بالبطيء!

وعلى الجانب الآخر، حين تعود لترى الواقع، وترى أين أنت بعد المتعة الزائلة، ستصدمك الرؤية بلا شك، فما راهنت عليه هو أول ما يوجه لك طعنة الغدر!

لذلك، انتبهوا، فإن المشهد لا يمر بسلام في كل مرة. نحن في زمن يُعلمنا أن "الطفاسة" هي جرس إنذار.. حتى وإن أذابت الكنافة مرارة واقعنا، فبعض مواسم المانجا ليست لنا.

***

بقلم: نورا حنفي

تزخر المجتمعات البشرية على مختلف مستوياتها الاقتصادية والاجتماعية بالعديد من الثروات الطبيعية والطاقات الدافعة للتقدم ومنها المواهب الفردية التي يمتلكها البعض، ذلك أن المواهب ثروة وطنية مخبّأة قادرة على أن تعطي للمجتمع وترفع من شأنه وسمعته في مجالات عدة اذا ما توفرت لها البيئة السليمة لإنضاجها وإكتمالها، ومن أجل النهوض بالموهبة ووضعها على السكة الصحيحة لكي تتحول إلى أداء متميّز وقدوة للآخرين يحتاج الموهوب إلى برامج تعليمية مخصّصة تتجاوز المناهج التقليدية والجامدة، وهو ما كان معمولًا به في الماضي، حيث كانت المناهج التعليمية تعمل على بناء شخصية الطالب وصقلها بما هو نافع لحياته وللمجتمع، ففي مجال النشاطات اللاصفية كانت تقام فعاليات رياضية وفنية وثقافية يتم التعرف من خلالها على المواهب التي تجد في هذه الفعاليات فرصة لإظهار إمكانياتها  ومن ثمّ تطورها وشقّها طريق العطاء والشهرة.

ولكن للأسف في السنوات الأخيرة غابت هذه الأنشطة من نظامنا التعليمي ويبدو أصبح عاجزًا عن اخذ دوره التربوي كما كان في الماضي ومنها رعاية أصحاب المواهب وتوفير الفرص للموهوبين، وقد لا نستغرب قول جبران خليل جبران بأن (الشرق مقبرة المواهب) فالقائمون على التربية والتعليم لا يدركون أن الموهبة كالنبتة تحتاج إلى سقي ورعاية لتنميتها، فإذا ما أُهملت فسيكون مصيرها الذبول والاندثار.

خلال مراحل دراستنا المختلفة، زاملنا العديد من أصحاب المواهب الناضجة والمتطورة خصوصًا في مجالي الرياضة والفن، حيث كان لهؤلاء نشاطاً ملحوظا وقدرات رائعة في هذين المجالين، ولكن للأسف ذهبت مواهبهم ضحية الدروس التي لا علاقة لها بملكتهم الفطرية، حيث وقفت الدروس الهامشية حائلًا أمام اجتيازهم الامتحان النهائي وقطعت طريق ذهابهم إلى المجال الكفيل بتطوير وصقل مواهبهم وتحقيق طموحاتهم، فالمسؤولون عن رعاية هذه المواهب لا يدركون ان لاعب الكرة يفكر بقدميه حين يتعامل مع الكرة، وكذلك الفنان إن كان رسامًا فإنه يفكر بيديه حين يتعامل مع الفرشاة وينجز لوحاته، ومن الظلم أن تتوقف هذه المواهب عن شق طريقها إلى الأمام، ويتوقف عطاؤها بسبب تعثرها بدروس لا علاقة لها بمواهبها وأمامنا شواهد كثيرة على ان الامتحان النهائي ليس مقياسا وحيدا على نضج الانسان وقدرته على العطاء، فمثلًا، بيتهوفن، هذا الموسيقار العظيم، لم يستطع طيلة حياته أن يحفظ جدول الضرب، ولكن هذا لم يمنعه من تأليف أجمل السيمفونيات التي نالت إعجاب واهتمام جمهور واسع من العالم، كما أن الشاعر حسين مردان والروائي حنا مينا كتبا أجمل الأشعار والروايات وهما لم يحصلا على شهادة الدراسة الابتدائية، كما أن الكاتب مصطفى لطفي المنفلوطي كان رائدًا في تعريب الروايات الأجنبية مع أنه لم يكن يتقن أية لغة أجنبية، إنما اعتمد على عبقريته الإنشائية في تعريب نماذج قصصية رومانسية مؤثرة أمثال (ماجدولين)، و(تحت ظلال الزيزفون)، و(الشاعر)، و(في سبيل التاج)، و(بول وفرجيني)، حيث كان يتمتع بحسّ مرهف، وذوق رفيع، وملكة فريدة في التعبير عن المعنى الإنساني من خلال اللغة، وتمكّن من إعادة صياغة هذه الأعمال الأدبية بأسلوبه الخاص، وهي بلا شك موهبة قادته إلى الشهرة وخدمة الثقافة العربية في نقل جانب من الأدب الفرنسي  .

الذي نطمح له أن تكون هناك مؤسسة نزيهة ومستقلة، بعيدة عن المحسوبيات، تقوم بوضع آلية لفرز أصحاب المواهب وتذليل الصعوبات امام تطور مواهبهم، وذلك من خلال لجان اختبار من ذوي الاختصاص تتولى هذه المهمة، تعمل على فرز الموهبة وإزالة العثرات أمامها، لكي تشق طريقها صوب التكامل والتألق، وتصبح عنصرًا فاعلًا في الحياة الثقافية.

***

ثامر الحاج أمين

وكأنّ الرحمة ليست وصفًا لزمن، بل حالةً تصيب القلب حين يتذكّر أصله. في هذه الأيام، لا نصوم عن الطعام فقط، بل نصوم عن القسوة، عن العجلة، عن ذلك الصوت الداخلي الذي ينسى أنّ الله أرحم بنا من أنفسنا.

العشر الأوائل هي لحظة الاصطفاء الأولى، حين يدخل الإنسان إلى نفسه كما يدخل بيتًا قديمًا، ويبدأ بفتح النوافذ واحدةً تلو الأخرى.

تدخل أنفاس النور، ويخرج غبار الأيام. فيها يتدرّب الجسد على الجوع، وتتدرّب الروح على الامتلاء.

يتناقص الرغيف.. ويزداد الأجر.

تقلّ الشهوة.. ويعلو الوعي.

وكأنّ الله، في مطلع هذا الشهر، لا يطلب منك الكمال، بل يطلب منك أن تعود؛ أن تعود بقلبٍ أقلّ صخبًا، وأكثر إنصاتًا.

العشر الأوائل ليست بداية الشهر فحسب، بل بداية الإنسان حين يختار أن يكون ألين؛ أن يرى قسوة العالم، ويُصرّ رغم ذلك أن يكون رحيمًا.

فإذا كانت المغفرة في الوسط، والعتق في الختام، فالرحمة في البداية هي المفتاح. ومن دخل برحمةٍ، وصل بقلبٍ مطمئنّ. رمضان لا يبدأ في السماء، بل يبدأ حين يُزهر في صدرك.

***

صابر الحميدي

الأمم بتفاعل عقولها، ولا توجد أمة تعيش بخير وعقولها متنافرة. التفاعل لا يعني التواصل الكلامي أو النظري والخطابي فحسب، وإنما العملي الإنجازي الملهم للأجيال المتوافدة إلى مسرح الحياة.

من عجائبنا، وفرة العقول الألمعية (ذكية، نشيطة) وقلة الإنجازات العملية، والعلة تكمن في التنافر المتواصل، والأنانية بتأثيراتها السلبية.

مفكرون لكل منهم مشروعه الذي يراه الأصوب ويحقق إرادة الأجيال، وفي ما ينتهجه مفكرونا غلو وتطرف وإمعان بالتخدق بالرأي والفردية الطاغية، التي تتحكم بها الأنانية المفرطة والنرجسية البالغة.

وتظهر النرجسية المفرطة عندما يتحدثون للناس ويكتبون، إذ يمعنون بالإسهاب ويتوهمون جودة الخطاب وتأثيره في السامعين، وهم يقدمون أنفسهم بسلبية طاردة لما يطرحونه من الأفكار، التي يرونها كبيرة وجديرة بالإختيار، والسامع يجدها ضعيفة ومملة لسوء تقديمها.

إن القول أيا كان نوعه بحاجة إلى وسط ينقله بأروع ما يجب أن يكون عليه، لا أن يتحول إلى هذار وسيل من الكلمات والعبارات المبهمة الغثيثة، التي يتصور أصحابها بأنها سهلة ومفهومة، وهي معقدة وطاردة للإصغاء والتأمل والتمثل.

فلا تسهبوا ومارسوا مهارات التفاعل بالكلام!!

فهل أن أمرنا شورى بيننا؟!!

عُقولٌ في تَنافرِها انْهيارُ

وقَهقرةٌ يُباركُها انْكسارُ

إذا انْفرَدتْ عقولٌ في رؤاها

سيَرجمُها التجاهلُ والحِصارُ

فكنْ فيها سِراجاً مُسْتنيراً

وكوكبةً يوهِّحُها ابْتكارُ

***

د. صادق السامرائي

الدراما العراقية اليوم تقف على مفترق طرق بين إرث ثقافي عميق وتحديات معاصرة فرضتها التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية فهي تمثل نبض المجتمع العراقي بكل تناقضاته وآماله وآلامه، وتظل مرآة صادقة لتجارب الناس اليومية، حيث تصوّر الواقع بحلوه ومره وتوثّق اللحظات التاريخية والمعيشية التي تمر بها البلاد وإن العراق يمتلك تاريخاً درامياً غنياً يعود إلى منتصف القرن العشرين، حين كانت المسرحيات الإذاعية والمسلسلات التلفزيونية الأولى تحاكي المجتمع وتتناول القضايا المحلية بروح الفن والدراما، مسلطة الضوء على القيم التقليدية والهوية الوطنية ومن ثم بدأت الأعمال العراقية تتطور تدريجياً لتصبح أكثر تنوعاً وثراءً، مع الحفاظ على جوهرها المرتبط بالواقع الاجتماعي والسياسي.

اليوم، يسعى صناع الدراما العراقيون إلى التجديد، حيث باتت الأعمال الجديدة تتناول موضوعات كانت في السابق حساسة أو ممنوعة، مثل الفساد، البطالة، الهجرة حياة المرأة وآثار الحروب على المجتمع. كما أصبح تصوير الشخصيات أكثر تعقيداً وعمقاً، بعيداً عن النمطية البسيطة مما يعكس فهمًا أعمق للإنسان العراقي وتجاربه المتعددة. التقنيات الحديثة في التصوير والمونتاج أصبحت حاضرة بشكل تدريجي في بعض الإنتاجات ما منح الأعمال القدرة على منافسة الإنتاجات الإقليمية في مستوى الصورة والصوت والإخراج الفني وهو ما يشكل نقلة نوعية في صناعة الدراما.

مع ذلك تواجه الدراما العراقية تحديات كبيرة، أهمها محدودية التمويل والدعم الإنتاجي، ما ينعكس مباشرة على جودة التصوير واختيار الممثلين والبنى التحتية المناسبة إضافة إلى ذلك تظل بعض الموضوعات محكومة بقيود اجتماعية ورقابية تمنع تناولها بجرأة بينما يعاني القطاع من نقص الكوادر الفنية المؤهلة نتيجة الهجرة الطويلة ما أدى إلى فجوة في الخبرات وتجربة صعبة لتشكيل فريق متكامل قادر على تنفيذ المشاريع الكبيرة. رغم ذلك يشهد الجمهور العراقي تنوعاً في الخيارات خصوصاً مع صعود المنصات الرقمية ومواقع التواصل الاجتماعي التي أتاحت فرصة للأعمال الجديدة للوصول إلى جمهور أوسع وفتحت المجال للتفاعل المباشر مع المشاهدين مما منح صناع الدراما مؤشراً حقيقياً على نجاح أعمالهم وتأثيرها الاجتماعي والثقافي.

الدراما العراقية إذاً ليست مجرد تلفزيون أو مسلسل بل هي تجربة ثقافية واجتماعية تحمل بين طياتها روح المجتمع وتستجيب لتحديات العصر وتبحث عن مساحة للتعبير عن الذات والهوية الوطنية. إنها مسرح لحياة العراقيين بكل تناقضاتها ومساحة للإبداع والتجريب الفني وميدان لتوثيق الواقع وتحليل الأحداث بطريقة درامية مؤثرة والمستقبل مرتبط بشكل كبير بقدرة صناع الدراما على الابتكار وتقديم محتوى يوازن بين الإرث الثقافي والحداثة واستثمار الكوادر الشابة وإنشاء بنية إنتاجية قوية تدعم الإبداع الفني وتفتح آفاق التعاون مع الخارج لتطوير الصناعة وتصديرها خارج الحدود.

إن ما يميز الدراما العراقية اليوم هو قدرتها على الصمود وسط الظروف الصعبة والاحتفاظ بصوتها الخاص رغم كل القيود. فهي ليست مجرد ترفيه بل تجربة اجتماعية وفنية تعكس تطلعات الشعب العراقي وصراعاته اليومية وتوثّق لحظاته المؤثرة على صعيد الفرد والمجتمع والدولة. المستقبل أمام الدراما العراقية مليء بالفرص والتحديات فمن خلال الاستثمار في الكوادر وتوفير الدعم المالي والإنتاجي وتشجيع حرية التعبير الفني يمكن للدراما أن تتحول إلى منصة قوية لإبراز الهوية الثقافية العراقية ونقل رسائلها إلى العالم وأن تصبح قوة ناعمة تعكس قوة المجتمع العراقي وصموده وإبداعه والدراما العراقية اليوم هي أكثر من مجرد حكاية تُروى إنها مرآة حضارية، وسجل حي لتاريخ الشعب وصوت حقيقي ينبض بالإبداع والتحدي يثبت أن الفن قادر على التأثير وإحداث التغيير، وأن العراق رغم كل صعوباته سيظل يحتفظ بروحه الفنية ويستمر في صناعة دراما تليق بتاريخ هذا الشعب العريق.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

 

فوجئت قبل أيام برسالة تأبينية موجزة، ومعبرة، تبعث على الحزن والأسى، من الصديق العزيز والأكاديمي المتميز إ.د. محمد الربيعي، عن وفاة صديقنا العزيز المشترك، الدكتور عقيل الناصري في السويد [يوم 19 شباط 2026 ]، وأرى من المفيد، وإكمالاً للصورة، ذكر الرسالة هنا فهي قصيرة ومعبرة، كالتالي: (وداعا نصير الزعيم، بمزيد من الحزن والأسى نودع اليوم الباحث العراقي القدير الدكتور عقيل الناصري الذي رحل عنا في مغتربه السويدي، تاركا وراءه ارثا غنيا من المعرفة وموقفاً مبدئياً لم يتزحزح. عرفناه باحثا دقيقا وانسانا نبيلا، وجمعتنا به لقاءاتنا كديمقراطيين تجمعهم وحدة الهدف، ويؤلف بين قلوبهم حبهم المشترك لذكرى الزعيم عبد الكريم قاسم ومنهجه الوطني. لقد كان الفقيد صوتا للعقل ومنارة لكل من سعى لفهم تاريخنا المعاصر بإنصاف. لا شك أن رحيله يترك فراغا في ساحات الفكر وفي قلوب اصدقائه الذين عرفوا فيه طيبة المعشر وصلابة الموقف. الذكر الطيب دوما للدكتور عقيل، وخالص المواساة لعائلته ومحبيه. محمد الربيعي).

نعم كانت الرسالة كالصاعقة عليً، فيها الكثير من الحزن والأسى، كيف لا، وكان الدكتور عقيل شاركنا مراراً في ندواتنا في مهاجرنا في المناسبات الوطنية مثل ذكرى ثورة 14 تموز 19158 المجيدة بقيادة الزعيم الطيب الذكر ابن الشعب البار عبدالكريم قاسم، الذي يحاول البعض تحميله كل جرائم البعث الصدامي بانقلابهم في 8 شباط 1963 الأسود، وبتهمة أنه فتح باب الإنقلابات العسكرية، وعدم الاستقرار السياسي في العراق. فالمعروف عن الزعيم قاسم أنه كان إنساناً مسالماً إلى أقصى حد، وهو الذي أدخل شعار "عفا الله عما سلف" في الشعب العراقي الذي تشرب بالعنف والثأر البدوي إلى أقصى حد أيضاً، ناسين، أو متناسين عن عمد، أن سبقت ثورة 14 تموز نحو 8 انقلابات عسكرية، منها ناجحة ومنها فاشلة، أولها كان انقلاب الفريق بكر صدقي عام 1936، وهو أول انقلاب عسكري في البلاد العربية في عصرنا الحديث.

كان الراحل عقيل الناصري قد كرس جل إمكانياته الأكاديمية والكتابية للدفاع عن الثورة وقائدها الزعيم عبدالكريم قاسم، فأصدر نحو 10 كتب في هذا الخصوص، حيث صار أصدق مرجع رصين للثورة وقائدها لدى أغلب الباحثين الأكاديميين لا يشق له غبار. ومن حقه الدفاع عن الثورة ومبرراتها، وقائدها خاصة وأن حكومة الثورة قد حققت من الإنجازات الوطنية في عمرها القصير أربع سنوات ونصف ضعف ما حققه العهد الملكي خلال 38 عاما من عمره. واغلب هذه الإنجازات كانت في صالح الفقراء مثل قانون الإصلاح الزراعي، وقانون الأحوال الشخصية الذي انصف المرأة، وبناء مدينة الثورة للفقراء المساكين الذين كانوا يعيشون مع حيواناتهم في صرائف بائسة خلف السدة ببغداد، ومدن أخرى خارجها، لذلك لقبوا الزعيم بأنه زعيم الفقراء. وهناك قائمة طويلة من الإنجازات لا يسع المجال لذكرها هنا.

 أما عن العنف الذي حدث في السنة الأولى من الثورة، وبشهادة الباحث الأمريكي من أصل فلسطيني، حنا بطاطو في كتابه القيم عن تاريخ العراق الحديث، حيث قال: أن عبدالكريم قاسم مارس العنف في حده الأدنى في مرحلة كانت تتطلب الكثير من العنف. كما ويشهد المستشرق الفرنسي ماكسيم رودنسن الذي قال: "إن ثورة 14 تموز 1958 العراقية، هي الثورة الوحيدة في البلاد العربية."

والجدير بالذكر أن الراحل عقيل الناصري هو أحد مؤسسي التيار الديمقراطي في العاصمة السويدية ستوكهولم، وكما ذكر لي الصديق المفكر العراقي الأستاذ فياض موسى في بيان لسكرتارية المجلس العراقي للسلم والتضامن جاء فيه: "كان الراحل [عقيل الناصري] عضواً في هيئة رئاسة المجلس العراقي للسلم والتضامن، وأسهم بإخلاص وفاعلية في نشاطاته منذ عام 2003 وحتى أيامه الأخيرة، مؤمناً بأن السلام والحرية والعدالة قضايا لا تقبل المساومة."

أما عن تفاصيل سيرته الذاتية الثقافية الأخرى فلا أرى ضرورة لأتطرق إليها هنا، فقد نشر فقيدنا سيرته الرائعة العريقة بقلمه الصادق في صحيفة الحوار المتمدن الإكترونية، أدرج رابطها في الهامش فهي جديرة بالاطلاع.

وأخيراً، نسأل الله تعالى أن يغمد روح فقيدنا الغالي فسيح الجنان، والذكر الطيب، ويلهم ذويه وأصدقائه وقرائه الصبر والسلوان، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

***

عبد الخالق حسين

............................

مواد ذات علاقة

منظمة الحزب الشيوعي العراقي في السويد: وداعاً دكتور عقيل الناصري

https://www.iraqicp.com/index.php/sections/annauncement/69094-wda-aan-dktwr-qyl-alnasry

د. نبيل عبد الأمير الربيعي: حين يغيب الجسد ويبقى الفكر.. وداعاً عقيل الناصري

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=906633

السيرة الذاتية للراحل الدكتور عقيل الناصري في موقع الحوار المتمدن

https://www.ahewar.org/m.asp?i=454

شكلت الحريات مفهوماً واسعاً، وشاملاً حقق وجوده الطوعي على الإدارات المؤسساتية، والحياتية، وإلزامها بالوجود الكلي والطوعي لحرية الإنسان، ومن اهم مبادئها:

الحرية الإنسانية او الفردية وهي اشارة كبيرة لا يمكن تجاوزها او اهمالها ؛ كونها العمود الفقري للإنسان، وللوجود الكياني لحياته الكريمة، وشكل ظهورها طابعاً تتابعياً في الاهتمامات الفكرية الفردية، والعامة، ودونتها النصوص التشريعية، ضمن السلسلة الأولى لأولوياتها، وتوظيف وجودها ضمن نطاق حرية التمتمع بالأمن والأمان واحترام الإنسان ككائن قائم بذاته حراً، بلا تقييد وإهدار لكرامته وحرية الذهاب والإياب واحترام الذات الشخصية من عدم انتهاك حرمة المنزل أو المراسلة، وعليه تقسم هذه الحريات إلى:

1- حرية الأمن والشعور بالاطمئنان.

2- حرية الذهاب والإياب (التنقل).

3- حرية حرمة المنزل والحياة الخاصة.

4- حرية سرية المراسلات الشخصية.

وهذه تؤسس مفهوم الحرية المطلقة للوجود الإنساني ككل من دون تمايز وجودي بين الأفراد، واختلاف الطبقات .

ولتأتي الحرية الفكرية والثقافية ضمن نطاق التسلسل الثاني؛ لأنها تعنى بالوجود الإنساني ككل فهو حراً في تفكيره، وتكوين راية كما يشاء وحراً في التعبير عن راية بالطريقة التي يريد ومن دون معوقات سواء كان هذا التعبير بالقول أو الكتابة وتعبيرها بمختلف الوسائل المتاحة، وتقسم إلى:

1- حرية التعليم.

2- حرية الصحافة والاعلام والمعلومات.

3- حرية التجمع.

4- حرية العبادة والعقيدة.

5- حرية الرأي والتعبير.

وتندرج ضمن هذه التصنيفات ما يعرف بالحريات السياسية، وهي تتجه بإزاء الغموض باعتبارها نوعاً من انواع الحريات، وقد اختلف فقهاء السياسية وتباينت تعريفاتهم لها فيرى بعضهم بأنها"الحكومة الدستورية اي الحكومة التي يكون للشعب فيها صوت مسموع".

ويعرفها بعضهم بأنها:" شعور المواطن بالطمأنيينة والأمن في المجتمع وهذا الشعور يعني انعدام كل حكم تعسفي أو مستعبد"، وتقسم إلى:

1- حرية المشاركة السياسية.

2- حرية الاجتماع.

3- حرية تكوين الجمعيات.

4- حرية تكوين النقابات.

وتتخد الحريات الاقتصادية والاجتماعية المرتبة المتأخرة ضمن التصنيفات المدونة ويقصد بها الحريات العامة، والماديات، والثقافات، وحق الإنسان في الكفالة الأجتماعية.

1- حرية العمل.

2- حرية التملك.

3- حرية التجارة والصناعة.

4- حرية الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية.

اضيف، أن الحريات مهما تعددت تصنيفاتها، وتنوعت ادوارها لا تحقق وجودها، مالم تحقق حرية الإنسان، وتؤسس فكرة وجوده، وثباته، وحضوره المعلن في الذات الشخصية اولاً، والذات الاجتماعية العاملة ثانياً، فهو- الإنسان- الحق الأول في الأرادة الذاتية، والوجود الحياتي.

***

د. وسن مرشد

جامعة تكنولوجيا المعلومات والاتصالات

تكاتف: تعاضد، تعاون، تضامن

تآلف: إجتماع على وئام وأخاء ومحبة متبادلة

كنا طلابا في الكلية وزارنا أحد المفكرين المعروفين آنذاك، وكنا جمع من الطلبة نسير خلف مجموعته الحافة به، وبغتة توقف ونظر إلى بنايات الكلية وقال: "بنايات قديمة تتكاتف مع بنابات جديدة، يا ليت أجيالنا كذلك"، ومضت مسيرة التجوال في أروقة الكلية.

في وقتها لم أفهم معنى ما ذكر، لكنها بقيت راسخة في ذاكرتي، ودارت السنون، وتنامى الوعي وتوسع الإدراك، فوجدتني من الجيل الذي يعاني من المعوقات والتحديات التي يجتهد في إبتكارها الجيل السابق، والذي يريد التمترس في مواقعه ولا يعنيه الوطن والمواطنين.

والجيل الذي تسبب بقهرنا وإمتهاننا هو جيل الثلاثينيات والأربعينيات من القرن العشرين، وأعني بهم الذين تسنموا مواقع سلطوية وتأبطوا كراسي الحكم.

عشنا في زمن لا توجد فيه تسهيلات وتحفيزات بل تعويقات وإحباطات، وإمعان بتدميرنا والقضاء على وجودنا، فالجيل المتمكن من الحكم لا يريد توافد أجيال واعية ذات ثقافة معاصرة ومعارف متنامية، فكان الذي كان منذ ثمانينيات القرن العشرين ولحد الآن.

واليوم ما عادت الأجيال تتصارع وحسب، بل أن الفرقة والنزاع صارا سلوكا متوطنا في كل جيل، وكأن الجيل عبارة عن كتلة متشظية متناثرة فوق التراب الذي سيبتلعها، وهكذا يتم طمر الأجيال بذاتها وبموضوعها، وتحويلها إلى مصدات تمنع جريان الأفكار ونماء الإبداع والعطاء.

ينما مجتمعاتالدنيا نهر أجيالها يجري بتدفق وثاب ويسقي مساحات غير مروية من ربوعها ويحولها إلى مروج غناء.

أجيالهم تتكاتف، وأجيالنا تتخالف، وتتناسف، والصراع السلبي ديدنها الفاعل فيها كأنه آفة لا تهجع!!

إذا الأجْيالُ في جيلٍ تطامَتْ

فما بلغَتْ مُراداً حينَ شاءَتْ

تعوّقها مَصدّاتٌ ترامَتْ

وتضْعِفها بقاضيةٍ أبادَتْ

نفوسٌ في كوامِنها وحوشٌ

تمزّقنا بما ابْتكرَتْ وشادَتْ

***

د. صادق السامرائي

في خضم تسارع الحياة وتراكم الضغوط، يبقى الإنسان في حاجة ماسة إلى محطة مراجعة، يعيد فيها ترتيب أولوياته، ويصحح مساره، ويسترد بوصلته الداخلية. ومن بين مواسم العام كله، يطل علينا رمضان بوصفه أعظم فرصة للتغيير الحقيقي؛ لا تغيير الشعارات، بل تغيير الجذور.

إن تطوير النفس ليس ترفاً فكرياً ولا خياراً مؤجلاً، بل هو ضرورة وجودية لرفعة الإنسان وزيادة فاعليته وإنتاجيته. والتغيير في جوهره عملية ديناميكية مستمرة، تنتقل بالفرد من حال إلى حال، ومن مستوى إلى مستوى أرقى. غير أن هذا التغيير يحتاج إلى بيئة روحية تغذيه، وإلى مناخ إيماني يحتضنه… وهنا تتجلى عظمة رمضان.

رمضان ليس مجرد امتناع عن الطعام والشراب، بل هو “تجارة رابحة” مع الله عز وجل؛ تجارة تتضاعف أرباحها إلى سبعمائة ضعف، تجارة لا تبور ولا تخسر، ولا يندم عليها من عقدها بإخلاص. أي صفقة دنيوية، مهما عظمت مكاسبها، لا يمكن أن تضاهي صفقة مع الخالق، حيث العطاء مضاعف، والأجر محفوظ، والربح مضمون.

لقد فهم الصالحون رمضان على أنه موسم “انقلاب داخلي شامل”: انقلاب على تقصير النفس، وهفوات العقل، ونزوات الجسد، وكبوات العمل. إنه شهر يعيد تشكيل الإنسان من الداخل؛ يحرره من أسر العادة، ويكسر قيود الشهوة، ويعيد إليه سيادته على رغباته بعد أن كانت هي المتحكمة فيه. وكما قيل:  الصائم  حر والمفطر عبد؛ لأن الصائم يستيقظ كل يوم وهو يمارس حريته في أسمى صورها: حرية الإرادة وضبط الذات.

وفي الحديث الشريف" إذا كان أولُ ليلةٍ من شهرِ رمضانَ صُفِّدَتِ الشياطينُ ومَرَدةُ الجنِّ، وغُلِّقتْ أبوابُ النارِ فلم يُفتحْ منها بابٌ، وفُتِّحَتْ أبوابُ الجنةِ فلم يُغلقْ منها بابٌ، ويُنادي منادٍ كلَّ ليلةٍ : يا باغيَ الخيرِ أقبلْ، ويا باغيَ الشرِّ أقْصرْ، وللهِ عتقاءُ من النارِ، وذلك كلَّ ليلةٍ. رواه الترمذي وابن ماجة

إنه نداء مفتوح للتغيير، دعوة ربانية للانطلاق، فرصة لا تتكرر إلا مرة في العام، فمن لبى نداء الخير ارتقى، ومن تردد بقي أسير أمنيات بلا أفعال.

رمضان شهر السمو الروحي وتطهير النفس من شوائبها. في أيامه يتعلم الإنسان مهارات حياتية عميقة: الصبر، الإرادة، ضبط الانفعال، التواصل، التراحم، الشعور بالآخرين، العطاء دون انتظار مقابل. هو مدرسة متكاملة في تنمية الذات، حيث يرتقي الخلق، وتصفو العلاقات، وتتوحد القلوب تحت عبادة واحدة وشعور واحد.

إنّ التغيير في رمضان لا يكون بالأماني، بل بالمبادرة الداخلية والعزيمة الصادقة. فلا يكفي أن نتمنى أن نكون أفضل، بل لا بد من قرار واع، وتجريد للنفس من أعذارها، ومحاسبة دقيقة لمزالقها. مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾.الرعد: 11، فالتغيير يبدأ من الداخل، من الفكرة قبل السلوك، ومن النية قبل الفعل.

رمضان يعلمنا أن الحرية الحقيقية ليست في الانفلات، بل في الانضباط؛ وأن الكرامة ليست في كثرة الامتلاك، بل في قوة الإرادة؛ وأن العزة ليست في السيطرة على الآخرين، بل في السيطرة على النفس. إنه شهر يبني الإنسان القوي، الحر، الكريم، صاحب الهمة العالية.

ولذلك كان الحديث عن “رمضان شهر التغيير الشخصي” ضرورة فكرية وتربوية، لأن الصيام ليس عبادة موسمية فحسب، بل مشروع إصلاحي متكامل يمسّ جوانب الحياة كافة: الاستعداد والتهيئة، البرمجة الذاتية، الصحة النفسية والجسدية، إدارة الوقت، الصبر والإرادة، ضبط الغضب، التربية الأسرية، التكافل الاجتماعي، وحتى الوعي الاقتصادي.

إنها منظومة تغيير شاملة، تعيد صياغة الفرد، ومن ثم تسهم في نهضة الجماعة والمجتمع. فالمجتمعات لا تتغير بقرارات فوقية، بل بقلوب تغيرت، ونفوس تزكت، وإرادات تحررت.

وفي الختام، يبقى السؤال مع كل رمضان: هل سنخرج منه كما دخلنا؟ أم سنخرج بنفوس أقوى، وقلوبٍ أنقى، وهممٍ أعلى؟

رمضان فرصة إلهية متجددة، ومن أحسن استثمارها ربح الدنيا والآخرة، ومن أضاعها خسر موسماً قد لا يتكرر. فلنشمر عن سواعد العزم، ولنقبل على هذا الشهر بوعيٍ جديد، لنجعل من العبادة مشروع نهضة، ومن الصيام طريق حرية، ومن رمضان نقطة تحول حقيقية في مسار حياتنا.

***

د. أكرم عثمان

21-2-2026

من الطقس الديني إلى المعنى الحضاري

في المغرب لا يدخل رمضان فجأة، بل يُستدعى كما يُستدعى ضيف عزيز طال غيابه. يتهيأ له الناس منذ رجب وشعبان، وكأنهم يمهدون الطريق لنورٍ سيعبر الأزقة العتيقة ويستقر في الصدور قبل البيوت. هنا لا يُنتظر الهلال فحسب، بل يُنتظر ما يحمله من صفاءٍ ومراجعةٍ وحنين. وكما قال عبد الله العروي: «المجتمع الذي يحفظ طقوسه، يحفظ ذاكرته»، ورمضان في المغرب ذاكرةٌ تمشي على قدمين، تتجدد كل عام ولا تشيخ.

من الرباط إلى فاس، ومن العيون إلى تطوان، ومن أكادير الى طنجة، تبدأ الحكاية قبل الإعلان الرسمي لثبوت الشهر. تتغير ملامح المدن بهدوءٍ تدريجي، كأنها تدخل في حالة استعداد روحي. أول ما يتهيأ هو المسجد؛ تُغسل أرضياته، تُبدّل زرابيّه، يُعاد طلاء جدرانه، وتُختبر مكبرات الصوت كما يُختبر صدق النية. في الوجدان المغربي، المسجد بيت الجميع، و«اللي جا لدار الله مرحبا به»، لذلك ينبغي أن يكون في أبهى حلة. يُستدعى القرّاء من مدن بعيدة، بأصوات رخيمة تشبه جريان الماء في السواقي القديمة، ويجتمع الناس في التراويح صفوفاً متراصة، كأنهم يعيدون رسم صورة للبنيان كيف يجب أن يكون مرصوصا.

وفي البيوت، تبدأ طقوس لا تقل قداسة عن طقوس المحراب. تفوح رائحة العسل والسمسم واللوز المحمّص، فتعلن أن زمن «سلو» و«الشباكية» قد اقترب. ليس الأمر مجرد إعداد حلوى، بل استدعاء لذاكرة الطفولة، لذاك المشهد الذي تجلس فيه الأم أو الجدة وسط المطبخ، تُوجّه وتبتسم وتبارك. الكاتبة فاطمة المرنيسي كانت ترى أن المطبخ فضاء تصنع فيه النساء تاريخاً صامتاً، وفي رمضان يصبح هذا التاريخ مسموعاً برائحة العسل. ويقال في المثل الشعبي: «الدار اللي ما فيها شباكية، ما فيها حكاية»، وكأن الحكايات تحفظها الأطباق كما تحفظها الكتب.

ومع اقتراب الشهر، تمتلئ الأسواق بالأقمشة، ويجلس الخياطون كأنهم يحيكون الزمن نفسه. الجلابة، البلغة، القفطان… ليست مجرد ملابس تُشترى، بل هوية تتجدد. يعود كثيرون إلى لباس الأجداد، في مشهدٍ يختلط فيه الجمالي بالروحي. المفكر المهدي المنجرة قال يوماً إن الهوية طاقة متجددة وليست ماضياً جامداً، ورمضان يوقظ هذه الطاقة في تفاصيل صغيرة: في اختيار لون الجلابة، في تطريز قفطان، في انتعال بلغة جديدة مساء أول تراويح. كأن الجسد بدوره يصوم عن العادي ويرتدي ما يليق بالمناسبة.

الأسواق بدورها تدخل إيقاعاً خاصاً؛ حركة دائبة، سلال تُملأ، توابل تُوزن، تمرٌ يتكدس في الواجهات. أصوات الباعة تختلط بنداءات البركة، والناس يرددون: «اللي بغا البركة يبكر». لا أحد يريد أن يفوته شيء من استعدادات المائدة الأولى. ومع هذا الحراك، تحضر فكرة المراقبة في الأسعار وسلع التموين، لأن رمضان شهر البركة لا شهر الاحتكار، وشهر التيسير لا التعسير. إنه زمن يعيد ترتيب العلاقة بين الحاجة والأخلاق.

ولا يكتمل المشهد دون روح التضامن التي تتجلى في مبادرات الخير. «قفة رمضان» تنتقل من يد إلى يد، وموائد الرحمن تُنصب في الأحياء، والقلوب تتسع قبل الموائد. محمد عابد الجابري رأى أن الأخلاق هي العمود الفقري لأي مجتمع، وفي رمضان يظهر هذا العمود واضحاً لا لبس فيه. المغربي قد يقتسم نصف خبزه، لكنه لا يرضى أن ينام جاره جائعاً، فـ«الجار قبل الدار» ليست عبارة عابرة، بل قاعدة سلوك متجذرة.

وفي كل ذلك، تضاعف النساء جهودهن في صمت يشبه الدعاء. تُلمع الأواني، تُغسل الستائر، تُرتب الزوايا، وكأن البيت يستعد لاستقبال نورٍ مخصوص. النساء يعرفن، بفطرتهن، أن رمضان ليس امتناعاً عن الطعام فحسب، بل ترتيباً للفوضى الصغيرة في الداخل واستعداداً لصفاء أكبر.

هكذا يصبح رمضان في المغرب زمناً يُعاش بكل الحواس. تخفت الأصوات نهاراً، وتنبض الحياة بعد الأذان. تجتمع الأسرة حول مائدة واحدة، وتتجاور الأكتاف في صلاة واحدة، وتتصالح الأزقة مع سكونها القديم. هو شهر تختلط فيه العبادة بالعادة، والروح بالمجتمع، والماضي بالحاضر، حتى إذا ارتفع أول أذان مغرب، شعر الناس أن شيئاً عميقاً قد بدأ؛ أن الوطن نفسه يصوم ويصلي ويبتسم.

ومع الهلال، يهمس المغرب كله، مدنه وقراه وأمثاله الشعبية وذاكرته العتيقة: مرحباً بك يا سيدنا رمضان، يا ضيف الكرام.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

يزدهر الإعلامُ المُشيطِن حين تضيق السياسة وتشتعل الهويات، في لحظات الأزمات والصراعات لا يكتفي بعضه بنقل الخبر، بل يتحوّل إلى ماكينة لصناعة العدوّ وتغذية الخوف: يُجرِّد الآخر من إنسانيته، يختصره في صورة وحشٍ كاسر، ثم يُقنع الجمهور بالتدريج، أن إقصاءه أو سحقه ليس جريمة بل ضرورة.

هكذا تُعاد هندسة الوعي: لا لتفسير الواقع، بل لتلغيمه.

رأينا النموذج الأكثر فجاجة لهذا المنطق في دعاية (داعش)، حيث استُخدمت المقاطع الموجّهة لإنتاج الرعب وتضخيم القوة وإرباك الخصوم، عبر خطاب يخلط المقدّس بالدموي ويبيع الوحشية كأنها بطولة، لم تكن الغاية إخبار الناس بما يحدث، بل التحكّم بما يشعرون به: صدمةٌ تُعمَّم، وخوفٌ يتحوّل إلى قناعة، وقناعةٌ تتحوّل إلى قبولٍ ضمني بأي ردّ فعلٍ متطرّف، إنها "سياسة المشاعر" حين تُدار كحرب، وحين يصبح الخوف مادةً أولية تُصنع منها الطاعة.

اليوم لا تحتاج ماكينة الشيطنة إلى رايات سوداء كي تعمل؛ يكفي أن تنتقل تقنيتها إلى المجال السياسي والعرقي والطائفي، لتصبح "محتوى" يوميًا: فيديوهات مقتطعة من سياقها، عناوين تصرخ بدل أن تشرح، صور تُختار بعناية لتؤدي وظيفة واحدة: إثارة الغضب قبل أن يولد السؤال، وهنا تتحول اللقطة إلى حكم، والهاشتاغ إلى محكمة، والجمهور إلى هيئة محلفين لا تملك ملف القضية.

ومن أخطر تجليات الإعلام المُشيطِن أنه لا يكتفي بتضخيم الخلافات، بل يصنع من الآخر كائنًا خارج الإنسانية تمهيدًا لتبرير أي إجراء ضده لاحقًا، في التجربة العراقية، تبرز أمثلة عبر قنوات حزبية/طائفية تستهدف إقليم كوردستان بخطاب يومي يصنع الكراهية ببطء: تُروَّج أكاذيب من نمط "كوردستان تعتاش على نفط البصرة"، أو تُستدعى خرافات مهينة مثل "الكورد أبناء الجن"، أو تُرمى القيادات بتهم جاهزة من قبيل "لصوص يسرقون رواتب الموظفين"، مع إغراق المشاهد بسرديات متكررة عن "علاقات سرّية" مع إسرائيل وغيرها من المفبركات، هذه الأسطوانات لا تستهدف معلومة بعينها بقدر ما تستهدف صورة ذهنية كاملة، فوظيفتها ليست تفسير أزمة الرواتب أو الخلافات الدستورية، بل تحويل الإقليم إلى خصم أخلاقي بلا حقوق، كي يبدو أي ضغط اقتصادي أو تحشيد سياسي ضده أمرًا مستحقًا لا مدانًا.

ومثل هذه الحملات لا تعمل في الفراغ؛ غالبًا تسبق الأفعال وترافقها، مثال ذلك ما جرى في اجتياح كركوك حين سبقت التوترات موجة دعاية ركّزت على ما سُمّي "مظلومية العرب والتركمان"، في صياغات لا تبحث عن حلول إدارية عادلة بقدر ما تُصعّد الهوية على حساب الدولة، وتحوّل المدينة إلى ساحة اختبار لمعادلة: "نحن الضحية دائمًا… والآخر هو المتهم دائمًا"، وحين تُدفع المجتمعات إلى الاصطفاف بهذه الطريقة، تصبح شرارة صغيرة كافية لتبرير إجراءات كبيرة، وللأسف لا يقتصر هذا النمط على العراق، في سوريا مثلًا تحولت المقاطع المقتطعة، من مختلف الأطراف، إلى ذخيرة في حرب الروايات: كل جهة تنتقي ما يخدم سرديتها، تبني عدوًّا مطلقًا، وتستثمر في الانفعال بدل التحقق، تتنافس الصور على صناعة الحقيقة لا على كشفها، فيما يُدفن السياق تحت عناوين صاخبة تُصادر حق الناس في الفهم.

الشيطنة الإعلامية ليست خطأً مهنيًا فحسب؛ إنها مشروع تعبئة يبدأ بإلغاء إنسانية الخصم، ثم يُطبّع الإقصاء، ويُمهد نفسيًا لأي فعل عدواني محتمل ذات يوم، ومواجهة هذا المسار لا تكون بالرقابة وحدها، بل بإعادة الاعتبار لمعايير التحقق، وكشف آليات القصّ والانتقاء، وبناء مناعة مجتمعية تسأل قبل مشاركة أي مقطع:

من صمّمه؟ ماذا حذف؟ ولماذا الآن؟

لأن أخطر ما في هذا الإعلام أنه يجعل الكراهية تبدو منطقًا… ويجعل العنف يبدو خيارًا.

***

كفاح محمود

الأرض جرم مما لا يُحصى من الأجرام السماوية، وربما العديد منها يكون مأهولا وتتواجد فيه البيئات الملائمة لصناعة الحياة، ولا يمكن للماء أن يكون متوفرا في الأرض وحسب، ولا يصح القبول بوجود شمس واحدة، والدراسات المعاصرة تُظهر لنا عالما مطلقا من النيران والإنفجارات والتفاعلات الإمحاقية بين المجموعات الشمسية والأجرام التائهة وآفات الثقوب السوداء المرعبة.

في هذا الخضم المحتدم الصراعات، نعيش في الأرض وكأننا العالم الوحيد، والكينونة المثلى، ونتناسى بأننا نخضع لقوانين كونية فاعلة فينا لتبقينا.

وهي صارمة ومتوازنة، والأرض بصفتها كائن حي لا تقبل بما يتسبب بدمارها، وإلغاء وجودها الذي تتفاخر به بين الأجرام، وبسببه تبقى تدور وتتحرك في أفلاك السرمد؟

والذين يتوهمون الطغيان والإستبداد والتعبير عن الجبروت، تنقض عليهم إرادة الأكوان وتلغيهم وتعيد للأرض إنسجام إيقاعها، وسلاسة دورانها المحفوف بالمخاطر والذي يقيها من ويلات الفناء.

فالأرض ينتهي ما عليها إذا توقفت عن الدوران لوقت قصير، فداينمو الحياة عليها يكمن في إستمرارية دورانها.

وما يسمى بالعدالة الإلهية قوانين كونية تطبق على الأحياء كافة.

فمن يتمادى في إجرامه يقترب من نهايته، ومَن يظلم ينال ما لا يخطر على باله من الأوزار، وتكون نهايته أبشع من ظلمه.

مَوازينٌ بها الأكوانُ دامَتْ

عَدالتها كبرهانٍ تراءَتْ

فكلُّ زيادةٍ ذهبتْ لنقصٍ

وكلُّ مَطالمٍ طفحَتْ تَهاوَتْ

فبعْدَ العُسرِ يُسراً مُسْتطاباً

ففي فلكٍ عَناصرُها تآوَتْ

***

د. صادق السامرائي

 

حين يغيب الضمير العلمي، يتحول الاشراف البحثي من "صناعة للعقول" إلى "مقبرة للطموح". فما نراه اليوم في بعض الأوساط الأكاديمية ليس مجرد تقصير اداري، بل هو خيانة صريحة للأمانة العلمية، واعتداء على مستقبل أجيال كاملة.

أن تجد مشرفاً لا يقرأ، لا يتابع، ولا يوجه، فذلك كارثة بكل المقاييس. فلسفة الاشراف لا تقوم على رمي الطالب في عرض البحر ثم القول: "أنت باحث، تصرّف!". الباحث المبتدئ يحتاج إلى "مشرف حقيقي" يختصر عليه المسافات، لا الى موظف يكتفي بالتوقيع على الأوراق الرسمية في نهاية العام.

ومن أعجب ما نشهده في الأروقة الجامعية: مشرف يطرح موضوعاً لا يفقه فيه شيئاً، أو يصرّ على الإشراف في تخصص بعيد عن مجاله الدقيق. والنتيجة؟

- تخبط منهجي: الطالب يسير في ظلام دامس، والمشرف لا يملك "مصباح المعرفة" لينير له الطريق.

- إجابات معلبة: حين يُسأل المشرف عن جزئية علمية، يلوذ بعبارته الشهيرة "هذا شغلك أنت كباحث"، وهي في حقيقتها ستار يخفي جهله وعجزه.

الطالب ليس رقماً في سجل إداري، بل إنسان يستهلك وقته وماله وأعصابه. حين يضيّع المشرف سنوات من عمر الطالب بسبب إهماله، فهو لا يدمّر بحثاً فحسب، بل ينسف "مشروع حياة". التكاليف المادية المرهقة، والضغط النفسي القاتل، هي الثمن الذي يدفعه الطلاب مقابل لقب "مشرف" يحمله من لا يستحقه.

رسالتي إلى زملائي في الميدان: الإشراف ليس منصباً شكلياً، بل هو أبوة علمية ومسؤولية أخلاقية. فإذا لم تكن قادراً على القراءة والتدقيق والتوجيه، فاعتذر بشرف، ولا تتحول إلى "معول هدم" في حياة شاب وضع ثقته ومستقبله العلمي بين يديك.

*** 

محمد الربيعي

بروفسور متمرس ومستشار دولي

 

غادرنا بهدوء وصمت الرفيق والاخ العزيز عقيل الناصري، خبر مؤلم بالتاكيد وحزين بلا حدود، لسنوات غاب عقيل عنا وظل الانتظار الممل، بينه وبين محبيه، مملوءا بقسوة الحياة والغربة والمنافي، ارسل لي كتابه لتقديمه، فكتبت له الكلمة التالية، التي تستذكره وتقدمه للصداقة والمعرفة عقيلا … خسارة ولكن كتاباته والذكريات التي جمعته مع كل الرفاق والاصدقاء تبقى خالدة، مهما ذاقت الانفس مصيرها المحتوم.هذا ما كتبته مقدمة لكتاب الدكتور عقيل الناصري،  في حياته، نصا؛

يجتهد د.عقيل الناصري في قراءاته في التاريخ العراقي المعاصر، مختصا بفترة ثورة 14 تموز/ يوليو 1958 وزعيمها عبد الكريم قاسم، كما ينحت بعض المفردات التي يواصل فيها من سبقه في هذا المضمار، كالراحل الكبير هادي العلوي، فيحاول ان يميز في كتبه مصطلحات، منحوتة من المفردات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والنفسية، خصوصا، في مفردة واحدة. كما يحاول هو في البحث في اختصاص التاريخ السياسي ونشر العديد من الكتب التي اصبحت مصادر او من بينها لتلك الفترة الحرجة من تاريخ العراق المعاصر، من خارج اختصاصه الدراسي والتعرف او الامتياز به. واصبح الموضوع الذي تناوله مدار همه واهتمامه ومعرفته واختصاصه، وسجل له الاصرار عليه والتماهي مع سيرته ومسيرته. وكمثقف عربي يعيش خارج وطنه الاول ويكتب في التاريخ السياسي ويراجعه ويجتهد فيه يتميز في وفائه للبحث ومحاولة التجرد من الذاتية العاطفية والضغوط السياسية وغيرها. ولانه في منفاه الاوروبي الليبرالي لم يخضع الى ضغوط الكتابة المنحازة او المسيسة برقيب رسمي، بل نجح جاهدا في البحث الموضوعي او ما استطاع اليه سبيلا.

هذه الخصال تميز الباحث الجاد وتسجل له. وقد تمكن منها في تحريك اسئلة عن التاريخ السياسي في العراق المعاصر. كيف نقرأه وكيف نفهمه، وكيف ندرس حركته وشروطه وتحولاته وتاثيرات العوامل الموضوعية والذاتية عليه، وكيف اخيرا نقدمه لقارئ قد يكون عاش فترته او ساهم فيها او لم يعشها ولم يشترك في احداثها؟، وهو المؤمل او المرجو من فائدة الكتاب والتاليف والبحث. وهو ما عمل عليه الباحث الناصري في كتبه العديدة التي نشرها. والمنشود من غيره السير على منوالها او في طريقها، بحثا عن الحقيقة والمصداقية والامانة والنزاهة الاخلاقية والسياسية والتاريخية طبعا.

في هذا الكتاب اقترب الباحث في قراءاته من الجوانب الفكرية والصراعات الايديولوجية في زمن الثورة وفي شخصياتها الفاعلة فيها. وهو منحى مهم وخطير في الوقت ذاته. لان الوضع في العراق وفي صفحات تاريخه السياسي لها من الحساسيات ما يثير الحذر والترقب من اساليب البحث وكتابة التاريخ في جوانبها الموضوعية او الذاتية، العاطفية الشخصية او الانحيازات السياسية والحزبية. وثورة 14 تموز/ يوليو 1958 في العراق، احدثت قطعا تاريخيا ومرحليا وفتحت صفحة جديدة في التاريخ السياسي العراقي، وارست منعطفا كبيرا في وجدان الشعب والطبقات الشعبية والفقيرة منها. وبلاشك القيادات التي اسهمت فيها، العسكرية والمدنية، والادوار التي قامت بها الاحزاب السياسية والحركة الوطنية عموما، والتحولات التي انجزت ومديات التغيير والتقدم فيها وبعدها تعكس طبيعتها واستمرارها او نكوصها، والظروف والقدرات التي استوعبت العملية الثورية وتبنت فعاليتها.. هذه كلها تقتضي قراءات ودراسات اكثر من مرة ومن اكثر من باحث واحد او لجان بحث وتاليف اكاديمي ومؤسسي. وبلاشك انها مواضيع حيوية للبحث والرؤيا التاريخية الجديدة التي تدرسها في تاريخيتها الزمنية وتداعياتها المستمرة منها والى ما بعد زمنها او مرحلتها التاريخية. وما يميزها في البحث الجديد هو حيويتها وراهنيتها وبقاء اثرها وتاثيرها في بصمات وصفحات التاريخ السياسي للشعب العراقي. حيث ان التاريخ السياسي ليس دراسة او قراءة الماضي وحسب او تسجيل الاحداث التي انتهت او سير القيادات وحسب او تدوين ما كان وما برح وما انفك من الاحداث والمواقف الانسانية والقضايا التي تمس الحركة السياسية والوطنية ونضالاتها الكفاحية ضد الظلم والجور والاستبداد والدكتاتورية، وبالتاكيد ضد الاحتلال والغزو وانتهاكات حقوق الانسان وكرامته. وما احدثته الثورة وقياداتها احدث بمقابله ردات فعل عدائية لها من الاطراف التي تضررت منها والقوى الدولية التي لعبت لعبتها في اجهاضها وتخريب مشروعها الثوري. وهو ما تتطلبه مسؤولية الباحث في القراءة والبحث والتطوير المعرفي والثقافي لتلك الفترة ومسيرتها وصيرورتها. فالثورات ليست قاطرة وحسب بل وانها افاق معرفة وتحول وتجديد للكثير من المواضيع التي يعتمد عليها البحث التاريخي والسياسي خصوصا.

اختص الباحث د. عقيل الناصري في موضوعه هذا وبذل جهوده في استيعابه، حدثا وتجربة وقيادات وادوارا، ودقق في جوهرها وضميرها وقرأ تطوراتها وتغيراتها، وتمكن من جمع ما يتوفر من علم بها، من مصادر عدة، عربية ومترجمة، ونبش في اسرارها وفرسانها، وتعلم منها جميعا طريقه في البحث والكشف والنقد والمحاججة. فتداخل في صفحات التاريخ السياسي وقدر قيمته وجهده.

وهو يدرس ويؤرخ ويفكر، في الحدث وجوهره وفي الرجل ومعدنه، في طبائع العمران واختيار الزمكان ودور القائد في التاريخ. أي ان الباحث الناصري تمعن في معرفته لموضوعه وتاريخه وتوثق منها في الاسناد والرؤية وفي ابعاده الماضوية والمستقبلية ووضع ما توصل اليه على مشرحة البحث والدليل للاقناع والجدل فيه او العلم فيه والاقتداء بايجابه او نوافعه والاعتبار من سلبه او نكساته.

فالنقد البناء والتقويم في صفحات التاريخ مهم في مهمته التربوية والفكرية والثقافية عموما لما لها من اهمية وجدوى كبيرتين، ولما لها من دور في صناعة التاريخ، ليس الماضي ووقته وليس الحاضر وزمنه، بل لهما وللمستقبل وعصره. والتاريخ علم وصناعة، لهذا فله عدته وشروطه وارتباطاته، وهو سبيل الى التفكير والمعرفة، وسؤال مفتوح للفكر والفلسفة والتفاعل السياسي.

بعد كل هذا لابد لي من الاشارة لملاحظتين فيما قرات في هذا الكتاب، هما اعتماد المؤلف لمصدر واحد في تاريخيته للحدث الثقافي العراقي المعاصر، وهذا المصدر مجروح في شهاداته التي اصدرها والدوافع التي حركته اليها، وفي كل الاحوال لا يمكن للبحث الناجح ان يستند لراي واحد، وهذه من اواليات البحث. والاشارة الثانية تتعلق بخلط واضح وعدم تمييز في المفاهيم الفكرية والايديولوجية والسياسية، فيما يتعلق بمفاهيم القومية والعروبة، وفي استخدامه الايجابي لنقائضهما، القومانية والعروبية، لاسيما في مجال العسكر ومن ثم الحركة السياسية. اذ ان القومية كمفهوم سياسي ايديولوجي حديث، مرتبط بالهوية والانتماء والتميز عن الاخر المشترك في الوجود والتاريخ. بينما العروبة مفهوم اشمل واوسع منه كهوية جامعة ومعبرة عن المشترك في الوجود والتاريخ. كما ان التوصيف ينبغي ان يتطابق مع النتائج والعمل وليس بالتسميات والرغبات الفردية.

ان كتابات د. عقيل الناصري واهتماماته تقول لمن يقرأها ما يريده منها وما يتطلبه البحث وترسم مسارها كما هو في صفحات التاريخ السياسي في العراق.

(من تقديمي لمؤلف الدكتور عقيل الناصري: عبد الكريم قاسم، من ماهيات السيرة، من أوجه الصراع السياسي في الجمهورية الاولى، الذي صدر عن دار سطور للنشر والتوزيع، بغداد 2017، والكتاب هذا هو السادس من سلسلة كتب صدرت للمؤلف بالعنوان الرئيس؛ عبد الكريم قاسم، من ماهيات السيرة، وبعناوين فرعية لمضمون كل منها.)

 عقيل جواد الناصري، ابو نادية ومكسيم، وداعا

***

د. كاظم الموسوي

.........................

* الصورة مع الراحل العزيز والدكتور كامل مهدي في مطعم عراقي في لندن قبل اعوام

الطبيب الكاتب الذي برع في كتابة القصة والرواية والمسرحية، وكان له حضور مؤثر في الأوساط الثقافية العربية. يوسف إدريس (1927-1991)، حاز على بكلوريوس في الطب (1947) وتخصص بالطب النفسي عام (1951 - 1960)، وبعدها إعتزل الطب.

من كتبه: الفرافير، وبيت من لحم، أرخص الليالي، حادثة شرف، جمهورية فرحات وغيرها العديد من المؤلفات.

عرّفني عليه زميل مصري كان يعمل معي، وهو شديد الشغف به ويتابع حياته بتفاصيلها، ويوافيني بحكايات متنوعة عنه، مما جعلني أقتني كتبه وأقرأ قصصه ومسرحياته، وبعض رواياته، ورحت أتابعه وأتواصل مع زميلي في أحاديث طويلة عنه وعن كتبه التي أقرؤها.

وكانت تبهرني مقابلاته التلفازية، ولازالت عالقة في ذاكرتي عبارته التي قالها مفزوعا وهو يجيب على سؤال محاوره عندما سأله عن رأيه في السياسة العربية، فأجابه على الفور " ما فيش سياسة، هي فين عشان تسألني عنها"!!

وكلما تأملت جوابه أدرك أن علة الأمة في غياب العقول السياسية، وتنامي الفردية والإنفعالية وقصور النظر الذي أودى بحياة الأجيال وصادر مصيرهم.

طبيبٌ كاتبٌ أغْنى رُؤانا

بواعِدةٍ تنامتْ في عُلانا

فأحْيا روحَ غاديةٍ توارتْ

فعادتْ نحوَ ناصيةٍ مُنانا

إذا صارَ الطبيبُ بها أديبا

سيُعربُ مُخْلِصا عَمّا اعْترانا

***

د. صادق السامرائي

 

منذ خمس سنوات وأنا أفتش في دروب الكتب المظلمة عن شبح. عن شيء أعرف أنه موجود، رأيت له صوراً مشوشة، وسمعت عنه من صديق، لكن يدي لم تمتد إليه قط. خمس سنوات كاملة وأنا أطارد (المعارك الأدبية) للكاتب أنور الجندي، أقتني نسخاً مصوّرة تتلاشى حروفها تحت بصمات الأصابع، أقرأ صفحات تئن تحت وطأة رداءة التصوير، وكلما أوشكت على يأس، كان صوت ياسر خطاب يعود ليتردد في أذني: هذا كتاب مختلف، إنه مفتاح.

ثم حدث ذلك. اللحظة التي لا يصفها إلا من عاشها. أن تقع على كتاب بحثت عنه خمس سنين، ليس كأن تجد شيئاً ضائعاً، بل كأن جزءاً منك كان ناقصاً فاكتمل. وقفت أنظر إلى الغلاف وكأنني التقي قريباً بعيداً. نسخة أصلية، تعبق برائحة الزمن، تجلدتها السنون لكنها حافظت على كبريائها.

المفارقة العجيبة أن (المعارك الأدبية) واحد من أكثر الكتب التي هوجمت في القرن العشرين، وأقلها قراءة. أنور الجندي لم يكن مجرد مؤرخ للأدب، بل كان عالماً تشريحياً يفتق الأنسجة الفكرية ليكشف عن العصب العاري. قرأت الكتاب في نسخته المصورة مرتين، لكن قراءته في نسخته الأصلية كانت مختلفة. ربما لأنني كنت أقرؤها وأنا أعرف أن يدي تلمس شيئاً حقيقياً، ورقاً طبع في زمن كانت فيه الكلمات لا تزال تعني شيئاً.

الجندي في هذا الكتاب لا يروي تاريخ المعارك الأدبية، يشخص مرضاً ثقافياً مزمناً الصراع بين الأصالة والتبعية. كان يرصد كيف تحول الأدباء إلى فرق متناحرة، ليس حول جودة الكتابة، لكن حول الانتماء الفكري. كان يراهم كما نراهم الآن أصحاب مشاريع لا أصحاب مواهب!.

الصديق الذي يقودك للقدر

ياسر خطاب لم يكن يعرف أنه كان شرارة. حين حدثني عن الكتاب قبل سنوات، كان يتحدث بشغف المؤمن بأن هناك كتباً يجب أن توجد في مكتبتك ليس لأنك ستقرأها فقط، لأن وجودها يغير منك شيئاً. هذا ما تفعله الكتب المؤسسة، إنها تخلق هالة، تشع تأثيراً حتى وهي صامتة على الرف.

لطالما تذكرت كلماته "أنور الجندي كتب تاريخنا الثقافي بدم بارد، لكنه في الحقيقة كان يكتب تاريخ هزائمنا". وها أنا أقرأ الكتاب الآن، في نسخته الأصلية، لأجد أن ياسر كان محقاً. ليس الكتاب مجرد سرد للمعارك بين الرومانسيين والكلاسيكيين، أو بين العقاد والمازني، أو بين مدرسة الديوان ومدرسة أبولو. إنه سرد لمعركة أعمق: معركة الهوية.

دفتر أحوال الثقافة العربية

كلما تقدمت في قراءة الكتاب، شعرت أن الجندي كان يكتب عنا نحن، اليوم، في هذه اللحظة. كان يرصد كيف تتحول القضايا الفكرية إلى معارك شخصية، كيف يختفي الموضوع وتظهر الذات، كيف يصبح النقد وسيلة للتصفية لا للحوار. تجد نفسك تقرأ عن معارك جرت في الأربعينات والخمسينات، فتتوقف وتسأل ألم ننته بعد؟ أليست هذه هي المعارك نفسها التي تحتدم اليوم على صفحات الفيسبوك وإكس ؟

أنور الجندي كان مؤرخاً موضوعياً في الظاهر، لكنه في الباطن كان فيلسوفاً يبحث عن خلاص. كان يجمع الوثائق، يرتب الأحداث، يؤرخ للصراعات، لكن تحت كل ذلك كان سؤال يدق: لماذا نحن هكذا؟ لماذا كل هذا العنف الرمزي بين مثقفينا؟

الكتاب يثير في النفس حنيناً غريباً إلى زمن كانت الكلمات فيه تقتل. نعم، كانت المعارك الأدبية شرسة، كانت الاتهامات تطير، كانت القطيعة تحدث، لكن كل ذلك كان يعني شيئاً واحداً أن الأدب كان مهماً. أن الكلمة كانت تملك سلطة. أن الناس كانت تقرأ فتغضب، فتكتب، فترد. أما اليوم، فالمشكلة ليست في شراسة المعارك، بل في تفاهتها. وفي أن أحداً لا يقرأ. نعم نتصيد الأخطاء، نفتش في السير الذاتية، نبحث عن زلات اللسان، لكننا لا نقرأ. المعركة اليوم ليست بين فكر وآخر، بين كاتب وقارئ لم يعد موجوداً.

النسخة الأصلية التي بين يدي الآن تحمل في هوامشها تعليقات بقلم رصاص باهت. قارئ قديم كان يختلف مع الجندي، كان يضع علامات استفهام، كان يشتبك. هذا هو الفرق. كانت هناك قراءة حقيقية، تفاعل حقيقي، حتى لو كان الخلاف عنيفاً.

الكتابة بدم بارد

أسلوب أنور الجندي في هذا الكتاب هو ما أذهلني أكثر. هو مؤرخ لا يرفع صوته. يقدم الوثائق، يسرد الحقائق، يضع النصوص المتعارضة أمام بعضها، ثم يتركك. لا يصرخ في وجهك، لا يحاول إقناعك، فقط يقول: هذا ما كان. اقرأ واحكم. هذه الموضوعية المتوحشة هي ما جعل البعض يتهمونه بالانحياز. ففي زمن الاستقطاب، من يحاول أن يكون موضوعياً يصبح عدواً للجميع. اليمين يراه يسارياً، واليسار يراه يمينياً، والمستقلون يرونه منتمياً، لأن الموضوعية الحقيقية مؤلمة. إنها تجردك من أوهامك.

فلسفة المعارك

ما فعله أنور الجندي في هذا الكتاب أنه رفع المعارك الأدبية من حيز السجالات العابرة إلى حيز الفلسفة. كان يبحث عن القوانين التي تحكم الصراع الفكري. كان يسأل: لماذا تنشأ المعارك؟ كيف تتصاعد؟ لماذا تنتهي بعضها بلا نتيجة؟ وكيف تخلق بعضها الآخر تيارات فكرية كاملة؟

قراءة الكتاب اليوم، في زمن نحتفي فيه بالسرديات الصغيرة ونخاف من الأسئلة الكبيرة، تجعلك تشعر بالوحدة. تشعر أنك من عصر آخر. لأن الكتاب يتحدث عن قضايا كبرى: الهوية، الأصالة، المعاصرة، التبعية، الاستقلال الفكري. يتحدث وكأن هذه القضايا لا تزال حية، بينما نحن نعيش في زمن تصفية الإرث الفكري.

ماذا يبقى من المعارك؟

معظم الأسماء التي ملأت الدنيا وصخبت في تلك المعارك، رحلت . العقاد، المازني، طه حسين، الرافعي، العقاد مرة أخرى. الجميع رحل. وبقيت كتبهم. وبقيت معاركهم المسجلة على ورق يتحول إلى اللون الأصفر. وبقيت أسئلتهم بلا إجابات. هذا هو الدرس الأعمق في الكتاب؛ مهما علا صوتك في المعركة، سيأتي يوم يسكت فيه الجميع، ولن يبقى إلا ما كتبت. لهذا كان أنور الجندي حريصاً على التوثيق، على تسجيل الشهود، على حفظ الوثيقة. كان يعرف أن الغبار سيستقر، وأن أحداً لن يتذكر من قال "أنت كافر" ومن قال "بل أنت"، لكن الجميع سيتذكر ما قيل في جوهر الفكرة.

الآن، وأنا أقلب الصفحات الأصلية، أتأمل حبر الطباعة القديم، أتساءل: هل كانت خمس سنوات من البحث مبالغاً فيها؟ بالتأكيد لا. هناك كتب تقرؤها فتستفيد منها، وهناك كتب تقرؤها فتفهم نفسك من خلالها. وهناك كتب، مثل هذا الكتاب، تقرؤها فتفهم عالمك كله.

أنور الجندي لم يكتب ليقرأ في زمنه فقط. كتب ليقول لكل من يأتي، انظر، هكذا كنا. هذه معاركنا. هذه أحلامنا. هذه هزائمنا. هل أنتم أفضل منا؟ هل تعلمتم من أخطائنا؟ هل تجاوزتم صغائرنا إلى كبائر الفكر؟ في الليلة التي أكملت فيها قراءة النسخة الأصلية، بقيت طويلاً أحدق في الغلاف. شعرت أن الكتاب ينظر إلي. شعرت أن خمس سنوات من البحث لم تكن بحثي أنا فقط، ربما كان الكتاب هو من يبحث عني. كان يريد أن يأتي إلى هذا الزمن ليقول شيئاً لم يقله في زمنه.

الكتب مثل البشر، تختار زمانها. بعض الكتب تولد قبل أوانها، فتموت في صمت. وبعضها يتأخر، فيأتي وقد انتهى العصر الذي كانت ستفيد فيه. لكن هذا الكتاب جاء في وقته. يحتاجه هذا الجيل أكثر من أي جيل مضى. يحتاج أن يعرف أن المعارك الحقيقية ليست على الكراسي والمناصب، بل على الرؤية والفكرة.

حوار مع رفيق الدرب

ياسر خطاب، صديقي الذي دلني على الطريق، لا أعرف إن كنت تقرأ هذه السطور الآن، لكني أدين لك بهذا الاكتشاف. أنت من قلت لي إن هناك كتباً تغير حياتك، وإن البحث عن الكتاب الأصلي ليس ترفاً بل ضرورة. كنت محقاً. النسخة الأصلية من (المعارك الأدبية) موجودة الآن على مكتبي. أحياناً أفتحها فقط لأشم رائحة الورق القديم، لأتأكد أن الحلم حقيقي. لم أعد أقرؤها فقط، أصبحت أسكن فيها. وكلما زادت ضوضاء العالم من حولي، ألتجئ إليها لأتذكر أن هناك ما هو أهم.. الفكرة التي تستحق أن تقاتل من أجلها.

أنور الجندي رحل، وياسر خطاب هناك في الكويت، وأنا هنا مع الكتاب. لكن المعارك لا تزال مستمرة، بنفس الشراسة، وبنفس التفاهة أحياناً. الفرق الوحيد أن أحداً لم يعد يوثقها بهذا الصبر، وبهذا الحب، وبهذا الألم.

ربما هذا هو الدرس الأخير، مهما تكن معركتك، دَونها. سجلها. وثقها. فغداً سيأتي من يبحث عنها في المخطوطات والنسخ المصورة، وسيدعو لك حين يجدها، كما أدعو الآن لمن كتب هذا السفر العظيم.

***

عبد السلام فاروق

بل هو الوطن الوحيد الذي نقيم فيه حقًّا.

الماضي… ظلٌّ طويل، نستظلّ به أحيانًا، ونرتجف منه أحيانًا أخرى. والمستقبل… وعدٌ جميل، لكنّه يظلّ فكرةً مؤجّلة، كنافذةٍ لم نفتحها بعد. أمّا الحاضر، فهو الهواء الذي يدخل صدرك الآن، النبضة التي تطرق قلبك دون استئذان، الضوء الذي يسقط على يدك وأنت تقرأ هذه الكلمات.

نحن لا نملك الأمس لنغيّره، ولا نملك الغد لنضمنه، لكننا نملك هذه اللحظة، بكلّ ارتباكها، بكلّ نقصها، بكلّ هشاشتها التي تشبهنا. أن تعيش الحاضر لا يعني أن تهرب من ذاكرتك، ولا أن تتخلّى عن أحلامك، بل أن تمنح الآن حقّه من الوعي، أن تأكل خبزك بامتنان، أن تصغي لصوتٍ يُنادى باسمك، أن تبتسم دون أن تؤجّل الابتسامة إلى مناسبةٍ قادمة.

كم من أعمارٍ ضاعت وهي تستعدّ للحياة! نؤجّل الفرح حتى يكتمل المشهد، ونؤجّل السلام حتى تنتهي العواصف، ولا ننتبه أنّ الحياة لا تُمنح دفعةً واحدة، بل تُعاش رشفةً رشفة.

الحاضر ليس مثاليًا، لكنه حقيقي. وفي الحقيقة وحدها تنبض المعاني. عِشه الآن… لا كمن يركض خلف الزمن، بل كمن يصادقه. لا كمن يخشى الفقد، بل كمن يعرف أنّ كلّ لحظةٍ عطيّة.

الحاضر هو المساحة الوحيدة التي نمتلكها فعلًا، فلا تحوّله إلى ممرٍّ عابر، بل اجعله بيتك، واسكُن فيه بكلّ قلبك.

***

صابر الحميدي

 

الكاتب المصري ورائد الفن المسرحي (1898 - 1987)، صاحب المسرح الذهني، ومن أهم مسرحياته أهل الكهف، شهرزاد، الملك أوديب، وغيرها، ومن الروايات يوميات نائب في الأرياف، حمار الحكيم، عصفور من الشرق، ولديه قصص كثيرة.

لا أستطيع الجزم بأنني قد قرأت جميع كتبه بل أكثرها في فترة الثانوية، وتولعت به في الكلية، فكانت كتبه بين طيات كتبي الطبية، وكنت أقرؤها وأنا أتحطى في ساحات كلية الطب، فكان ولعي بكتاباته عارما وكلما تعبت من قراءة الكتب الطبية، ذهبت إلى ما أحمله من كتبه لأترنم بما يطرحه من أفكار وبأسلوبه المعروف.

له أقوال وعبارات مختصرة ذات قيمة فكرية رائدة، كنت أتمثلها وأعيد قراءتها، خصوصا عندما كانت تصدر في كتيبات صغيرة، وعند زيارتي للقاهرة حاولت أن أقتني ما أستطيعه من كتبه لأن أسلوبه مؤثر وجميل.

ومن كتبه التي لازالت ترافقني: شهرزاد، عودة الروح، حمار الحكيم، يوميات نائب في الأرياف.

وكلما تأملت ما قرأته من كتب لا أجد أثرا لكاتب عراقي إلا نادرا، وهذه ظاهرة تخص مجتمعنا، فمعظمنا تداول كتبا لكتّاب غير عراقيين، وكان للكتّاب المصريين دور كبير في تنمية شغفنا المعرفي.

ومن أقواله:

"إذا أردت أن تصمد للحياة فلا تأخذها على أنها مأساة"

"على الإنسان أن يعرف كل شيئ عن شيئ، وبعض الشيئ عن كل شيئ"

"لاقيمة لحياتنا إذا فقدنا الأمل بحياة أفضل"

 " إنتهى عصر الأقلام وجاء عصر الأقدام"

تحية لكاتبنا التنويري الإستنهاضي الوهاج فيما ألفه من قصص وروايات ومسرحيات وسيناريوهات، فكان ينبوع أفكار ذات إشراق حضاري وتفاعل إنساني فياض، ومن الذين أسهموا في رفع رايات لغة الضاد، وقد كان محظوطا لأنه عاصر جمهرة العباقرة الأفذاذ في مصر الرائعة المعطاء.

يُعلّمني ويُلهمني جَديدا

ويُطعِمني ويَجْعلني مُفيدا

بأفكارٍ مُوهَّجةٍ بنورٍ

تلامسُ جَوْهرا أحْيا رَشيدا

بتوفيقٍ مَسارحُنا اسْتضاءَتْ

يُحاورُنا ويَمْنحُنا السَديدا

***

د. صادق السامرائي

 

تمييع العبادة وشعيرة دينية عظيمة وإضاعة لهويتها

أمة أضاعت بوصلتها، وتتوهم أنها على الدرب السديد، تنشد الثريا وهي تتمرغ في الثرى، ترجو المعالي بينما هي تتقلب في السفاسف والدنايا، أمة غالب أفرادها يعانون جهلا مركبا، يدعون التدين والتمدن، وهم أبعد ما يكونون عن ذلك، المتأمل في حالها حاليا، وهو يعاين استعداداتها الحثيثة على قدم وساق لاستقبال شهر رمضان، يقف مشدوها مستاءً، يتملّكه الذهول من هول وفداحة مايرى، فأينما وجهت وجهك ترى حشودا تتزاحم على المحلات والأسواق، في سباق مجنون للتبضع، مصابون بهوس الشراء والاقتناء، ليصير هذا الأخير سلوكا لا واعيا ينتهجه أحدهم، لا لشيء سوى أنه صار عرفا إلزاميا الكل يفعله، ربما الغريب عن هذا المجتمع، حين يرى هذا المشهد سيعتقد أننا مصابون بفوبيا مستجدة "الخوف من الموت جوعا"، وربما سيجزم أننا مقبلون على مجاعة، أو سندخل في سبات شتوي نلتهم فيه الطعام ونخلد للنوم في جحور تحت الأرض!!

لقد جعلوا رمضان شهر أكل ولهو! ثم مضوا كالحمقى يبحثون عن الروحانية بين ركام الملذات والمادة! يملؤون البطون حد التخمة، ويلوثون الجوارح بأدران الذنوب والمعاصي، فيغيب صفاء الذهن ويثقل الجسد ومعه الروح، فتُحرم هذه الأخيرة من استقبال الواردات النورانية والتجليات، فتظل تتخبط في فلك صاحبها الذي أخلد للأرض وظل رهينا لنَزعات النفس والهوى، خاضعا لسطوة الجسد والمادة، لا يُبارحها قيد أنملة، فتضج روحه وتصرخ لانقطاع مددها وغذائها، وبعد انقضاء رمضان، يشتكي الغالبية من انتكاسة إيمانية وفتور في العبادة، كيف لا وقد ضيعوا عليهم رمضان!

 ما هكذا تُورَد الإبل ياسادة!

 رمضان موسم النور والهداية تُغذَّى فيه الروح لا الجسد!، وموعد نوراني عظيم تعانق فيه الأرض أنوار السماء، رمضان فرصة ذهبية لسقيا الروح، والارتقاء بالنفس في مدارج التقوى والصلاح، من لم ينهل من معين رمضان فهو حقا مسكين ومحروم.

برأيي يتوجب على الخطباء والدعاة والمصلحين، قبل مخاطبة الأمة بالرقائق وفضائل شهر الصيام، أن يتوجهوا إليها أولا بخطب توعوية ونوعية، لتوضيح ماهية رمضان ومقاصده الشرعية، يعاد فيها صياغة وتثبيت مفهوم هذا الموسم الديني العظيم في الوعي الجمعي لهذه الأمة، والكيفية الصحيحة للاستعداد له واستغلاله وفقا للشريعة، لا إخضاعه لموروثات وأعراف اجتماعية بالية.

لا لجعل رمضان موسما اجتماعيا يخضع لأهواء ونزوات البشر، لا لتمييع العبادات وجعلها عادات، وطقوسا شكلية جوفاء، كفانا عبثية وجهلا بالشريعة ومقاصدها.

 ***

بقلمي: زينة لعجيمي - الجزائر

قراءة إنسانية في العلاقات الزوجية حينما نفهم متأخرين

في زحمة الحياة اليومية، وبين مسؤوليات البيت وضغوط العمل وتفاصيل الخلافات الصغيرة، (النق) قد يغيب عن بعض الزوجات إدراك القيمة الحقيقية للزوج، لا لأنه مقصّر، بل لأنه حاضر دائمًا. فالحضور المستمر، قد يُفقد الأشياء بريقها، ويجعل العطاء يبدو أمرًا عاديًا لا يستحق التوقف عنده.

كثير من الأزواج يحملون صفات إنسانية نادرة؛ ثقافة واعية، قلب يتسع للآخرين، احترام في القول والفعل، سخاء في المشاعر قبل المال، ونقاء في العلاقات. ومع ذلك، تمر هذه القيم بصمت، تُنسى تحت وطأة الاعتياد.

في كثير من العلاقات الزوجية، لا تُقاس قيمة الشريك بما يقدّمه يوميًا من دعم واحترام وتضحية، بل تُدرك هذه القيمة أحيانًا بعد الغياب أو عند حدوث الفقد، حين يصبح الحضور ذكرى، وتتحول التفاصيل الصغيرة إلى حقائق مؤلمة.

تشير تجارب اجتماعية متعددة إلى أن بعض الزوجات لا يلتفتن إلى قيمة أزواجهن إلا بعد فوات الأوان، ليس تقليلًا من شأن المرأة أو تحميلها مسؤولية أحادية، بل بوصفها ظاهرة إنسانية ناتجة عن الاعتياد، وضغط الحياة، وتسارع الإيقاع اليومي الذي يُغيب التقدير المتبادل.

فالزوج الذي يتحلى بالثقافة، وحب الآخرين، والاحترام، والسخاء، ونظافة العلاقات، غالبًا ما يُنظر إلى صفاته بوصفها أمرًا طبيعيًا أو مضمونًا، لا يستدعي التوقف عنده أو شكره. ومع مرور الوقت، تتراكم الغفلة العاطفية، وتُهمَّش القيم الجوهرية لصالح تفاصيل عابرة أو خلافات يومية، حتى يأتي الغياب ليكشف حجم الخسارة.

وعند الفقد، تبدأ المقارنة القاسية؛ حيث تدرك الزوجة أن كثيرًا من الصفات التي كانت متوفرة في شريكها ليست بالضرورة متاحة في الآخرين، وأن ما كان يُؤخذ على أنه أمر اعتيادي كان في الحقيقة نعمة نادرة. حينها، لا يكون الندم مجرد شعور عاطفي، بل وعي متأخر بقيمة إنسان لم يُمنح التقدير الكافي في وقت حضوره.

هذا الموضوع يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول أهمية الوعي العاطفي داخل الأسرة، وضرورة تعزيز ثقافة الامتنان والتقدير المتبادل بين الزوجين، قبل أن تتحول العلاقات إلى مساحات صامتة من الاعتياد، أو قبل أن يأتي الفقد ليعلّم دروسه القاسية.

فالاعتراف بالقيمة في وقتها ليس فقط إنصافًا للشريك، بل حماية للعلاقة، وصون للأسرة، وتأكيد على أن المشاعر، مثل القيم، إن أُهملت طويلاً قد لا تُستعاد.

***

اعداد /خليل الحلي

رئيس تحرير صحيفة العهد/سدني

أطروحة التابع والمتبوع وتقسيم البشر ومكاناتهم الاجتماعية (غني فقير وقوي وضعيف)، تثير العديد من التساؤلات، المهم منها شكلان من البشر: أحدهما يتبع (ارادته)، والآخر، متبوعون تقودهم إرادات الآخرين في الداخل والخارج. من هنا نشأت هذه التسمية التي تأخذ مفهوم التابع والمتبوع..

الأول: لا إرادة فوق إرادته فهو يتبع (إرادته) ولا يسمح للغير بالتدخل والآخرون يتبعونه..

الثاني: يتبع (ارادة الآخرين)، فهو مسلوب الارادة ومقاد حسب أهواء الذين يقودونه وبالاتجاه الذي يريدونه.. يقولون له (إلقي بنفسك في النار فيلقيها) ولا يسأل لماذا؟ - الأمرليس نفذ ثم ناقش كما في الجيش، بل على مستوى شيء من العبودية المذله.. ولكن الإشكالية هنا تتمثل في الإرادة الكلية للشعب الذي يمتلك (القوة) ولا يمتلك (ارادة) القوة في التغيير، فهي بالتالي إرادة منتهكة كما يشير إليها   نيتشه..

(القوة) وحدها لا تكفي من غير(إلارادة) والإرادة لا تكفي من غيرالقوة المحركة للارادة.. وحين تتحرك الارادة التي تمتلك القوة  يحصل التغيير الكبير في المجتمع.. بعض المجتمعات تمتلك القوة ولكنها تفتقر إلى الإرادة، فليس بإستطاعتها أن تحقق التطور والتغيير نحو الأفضل، لأنها مسلوبة الإرادة.

الإرادة بدون قوة لا تنعش عناصر التطور، ومن هنا تكون العلاقة بينهما علاقة غير ترابطية ولا تتسم بالحسمية، بمعنى لا ارادة من دون قوة ولا قوة من دون إرادة تحركها نحو الخلق والانتاج والإبتكار.

هذه شعوب مخنوقة لا تمتلك القوة لتحرك إرادتها، والارادة لا تتحرك من غير تحررها من قيود التحديد والقمع.. التطور بكل أبعاده يحتاج الى حرية وان غياب الحرية يعدم الانتاج النوعي في كل أبعاده المادية والاعتبارية.. الحرية هي مفتاح الانتاج الحيوي والتطور وبدونها تموت الحياة.

***

د. جودت صالح

إسطنبول- 17/2/2026

 

نحن على أعتاب الأيام المباركة القادمة من الجنة حين تأتي معطرة بنفحات الشهر الكريم.. ونحن نقترب من تباشير الأيام الرمضانية يشعر المسلم، وكأنه يخلع رداءه الدنيوي، وهو يتهيأ ليطلق صراح نفسه لتحلق في فضاءات روحانية سامية....

المسلمون وهم يدخلون رحاب الأيام المباركة من الشهر الكريم، وكأنهم يدخلون في محراب عابد، وبعفوية تجد الأرواح تفيض من رقة الشعور حين تكون في حضرة القرب من الخالق سبحانه....

هل يصلك ذاك الشعور الآتي من بساتين الجنة، وكأن الأيام المباركة تخطفك من أنفاسك لتصعد بك نحو السلالم الصاعدة إلى سماوات سابعة ؟!

هل تسمع حفيف صوت عابد كأنه يدس توسلاته عن مسامع الخلائق ليطفئ حرائق رجاءاته إلى خالقه ليغرف من لطف قربه ؟!

وأنا أكتب لك كل هذه السطور وأخبرك عن هذا الهطول الروحاني للمسلم قبل حتى أن تبدأ لأنني أعلم مسار الروح حين تقترب من ضوء لازوردي جميل فكيف بالقرب من لطائف الخالق ؟.

ثلاثون يوماً والمسلم يعد نفسة كل يوم ليغرف من كنوز ربانية لتعيد ترتيب حياته، وإدخار لآخرته.

***

مريم الشكيلية - سلطنة عمان

ليست المشكلة في غياب النيّات، فنحن نغتسل كلّ صباحٍ بنيّاتٍ طيّبة، ونعد أنفسنا بحياةٍ أجمل، وبقراراتٍ أكثر حكمة.

لكن النيّة، مهما كانت صادقة، تبقى فكرةً ساكنة ما لم تتقدّمها الأولويّة وتضعها في صدر الفعل.

كم مرّةً قلنا: سأبدأ، وسأعتني، وسأقترب ممّن أحبّ، وسأهتمّ بصحّتي، وسأكتب، وسأغفر… لكنّ “سأفعل” ظلّت مؤجّلة، لأنّها لم تصبح أولوية.

الأولويّة ليست كلمةً تُقال، بل ترتيبٌ داخليّ للأشياء، ميزانٌ خفيّ نضع عليه ما نريد حقًّا، فنقدّم ما نمنحه قيمة، ونؤجّل ما لا نراه ضروريًا.

نحن لا نفعل ما ننويه فقط، بل نفعل ما نقدّمه في سلّم اهتمامنا. فالوقت لا يخوننا، بل يكشف ترتيبنا الحقيقي. إذا كانت الراحة أولى من الصحّة، سنؤجّل الرياضة. وإذا كان الخوف أولى من الحلم، سنبقى في أماكننا. وإذا كان الانشغال أولى من المحبّة، سنخسر القلوب ونحن نظنّ أننا مشغولون فقط.

النيّة بذرة، لكنّ الأولويّة هي اليد التي تغرسها في التربة، والماء الذي يسقيها بانتظام. ومن دون هذا الالتزام الهادئ، تبقى البذور في الجيب ولا ترى الضوء. أن تغيّر حياتك لا يبدأ بكثرة الوعود، بل بصدق الترتيب. اسأل نفسك:

ما الذي أضعه أوّلًا؟

ففي الإجابة تتشكّل حياتك كلّها.

النيّة طيّبة… لكنّ الأولويّة صادقة. وما يُحرّك السلوك حقًّا ليس ما نتمناه، بل ما نمنحه المكان الأوّل في قلوبنا وأيامنا.

***

د. صابر الحميدي

مع اقتراب شهر رمضانَ المبارك، تتبدَّى مفارقة مؤلمة تتكرَّر كل عام؛ شهر الصيام والسموِّ الروحيِّ يتحوَّل لدى البعض إلى موسم إسرافٍ وسباقٍ محمومٍ على الشِّراء والتَّخزين، ينتهي بكميَّات كبيرة من الطعام في سلال المهملات. ورغم الجهود الوطنيَّة المبذولة، إلَّا أنَّ المسؤوليَّة الحقيقيَّة تبدأ من الفرد والأُسرة، رغم أن رمضان هو شهر الصوم عن ملذات كثيرة بينها الأطعمة، فإنه بات في العالم العربي أكثر الشهور التي تشهد إسرافا في الإنفاق على الطعام الذي يورث تضخّم البطون وسلال القمامة على السواء

وتؤكد العديد من الإحصاءات في الدول العربية أن حجم الإنفاق في رمضان، لا سيما في دول الخليج، يرتفع بنسبة 50 في المئة مقارنة بباقي شهور السنة، وتقول منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (فاو) إن الفرد في هذه المنطقة من العالم يهدر متوسط 250 كيلوغرام سنويا من الغذاء، وإن هذا الهدر يزيد في رمضان ليصل إلى 350 كيلو غرام،، ويتزامن ذلك مع استمرار ارتفاع معدلات الجوع في منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا؛ حيث يعاني 52 مليون شخص نقصا مزمنا في التغذية، بحسب الفاو

يتسم رمضان بحراك استهلاكي واسع يتجلى في تنوع الموائد وارتفاع وتيرة الشراء اليومي وتكدس السلع الغذائية داخل المنازل، مدفوعاً بعادات اجتماعية راسخة وروح ضيافة حاضرة بقوة، وعلى الرغم من أن الحديث عن الهدر الغذائي وخصوصاً في هذا الشهر الفضيل يتكرر، الا اننا بحاجة الى جهد وطني لتحقيق انخفاض بنسبة الهدر الغذائي، ورفع مستوى الوعي المجتمعي تجاه هذا الموضوع

من المهم قبل رمضان، إعداد قائمة مشتريات واقعيَّة، مبنية على عدد أفراد الأُسرة واحتياجاتهم الفعليَّة، مع تجنُّب العروض المغرية التي تدفع إلى الشِّراء الزَّائد. كما يُستحسن تقليل تنوُّع الأصناف على مائدة الإفطار، فالبركة في القليل المُتقن لا في الكثرة المُهدرَة. ويمكن إعادة توظيف بقايا الطعام بشكل آمن، أو التبرُّع بالفائض عبر المبادرات الخيريَّة الموثوقة

الحدُّ من الهدر الغذائيِّ سلوكٌ حضاريٌّ، وواجبٌ دينيٌّ واقتصاديٌّ، يسهم في حفظ الموارد، ودعم الأمن الغذائيِّ، وتعزيز الاستدامة. فلنجعل من رمضان هذا العام شهرًا للوعي قبل الامتلاء، وللاعتدال قبل التَّكديس، ولنشكر النعمة بحسن استخدامها لا بإضاعتها،، الهدرُ الغذائيُّ ليس مجرَّد سلوكٍ خاطئٍ، بل هو إهدارٌ للنعمة، وتناقضٌ صريحٌ مع مقاصد الصِّيام التي تقوم على الاعتدال، والشُّعور بالآخرِينَ. يقول الله تعالى: «وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا»، وهي قاعدة ذهبيَّة لو التزمنا بها لاختفى كثير من هذا الهدر.

***

نهاد الحديثي

 

نعيش في عالمٍ يعجُّ بادعاء المعرفة، ويلهث فيه الجميع لإطلاق الأحكام النهائية، تبدو عبارة "أنا لا أعرف" وكأنها اعتراف بالهزيمة. لقد تبرمجنا على الخوف من الفراغ المعرفي، فنسارع لملئه بأجوبة جاهزة، حتى لو كانت خاطئة. لكن، ماذا لو كانت "عدم المعرفة" هي البوابة الملكية للحكمة؟ وماذا لو كان الغموض ليس عدواً للوضوح، بل هو الفضاء الذي تتنفس فيه أرواحنا؟

إن عبارة "لنجرب ونكتشف معاً" تنقلنا من عزلة اليقين الجامد إلى رحابة المغامرة المشتركة. ولنا في تاريخ الفكر البشري ثلاث محطات كبرى تعلمنا كيف نتصالح مع هذا المجهول: تواضع سقراط، وشك الغزالي، وقدرة كيتس السلبية.

سقراط: حكمة الكأس الفارغة

يبدأ الطريق بإفراغ الكأس. يقف سقراط في الساحة العامة بأثينا ليعلن حقيقته الخالدة: "كل ما أعرفه هو أنني لا أعرف شيئاً". لم يكن هذا تواضعاً مصطنعاً، بل كان منهجاً صارماً.

إن الشخص الذي يعتقد أنه يمتلك الحقيقة الكاملة يغلق باب عقله، فلا يدخله ضوء جديد. "أنا لا أعرف" عند سقراط ليست جهلاً، بل هي "جهل حكيم"؛ هي إعلان الاستعداد للتعلم. إنها الدعوة الأولى لقول "لنجرب"، لأن من يمتلك الخريطة كاملة لا يحتاج للرحلة، وسقراط كان عاشقاً للرحلة لا للوصول النهائي الذي يقتل السؤال.

الغزالي: الشك كجسر لليقين

وإذا كان سقراط قد أسس للتواضع المعرفي، فإن الإمام أبو حامد الغزالي أخذنا في رحلة أعمق داخل النفس البشرية. لم يرَ الغزالي في الشك مرضاً يجب استئصاله فوراً، بل رآه المخاض الضروري لولادة الحقيقة.

يقول الغزالي: "من لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر". هنا يتحول "عدم المعرفة" من حالة سكون إلى حركة ديناميكية. الشك عند الغزالي ليس هو الشك المذهبي الذي يهدف للهدم، بل هو الشك المنهجي الذي يغسل الحقائق من شوائب العادة والتقليد. إنه يدعونا لأن نمشي في النفق المظلم بشجاعة، موقنين بأن "الاكتشاف" ينتظر في النهاية. الغزالي يعلمنا أن نتحمل قلق "أنا لا أعرف" لأن هذا القلق هو وقود المعرفة الحقيقية.

جون كيتس: جماليات "القدرة السلبية"

نصل أخيراً إلى الشاعر الإنجليزي جون كيتس، الذي أضفى على الغموض بعداً جمالياً ساحراً من خلال مفهومه الفذ: "القدرة السلبية" .

يُعرّف كيتس هذه القدرة بأنها: "أن يكون المرء قادراً على البقاء في حالات عدم اليقين، والألغاز، والشكوك، دون أي تلهف عصبي للوصول إلى الحقائق والأسباب".

كيتس يطلب منا ألا نفسد جمال اللحظة أو الفكرة بتشريحها فوراً بمبضع المنطق. هناك أشياء في الحياة—كالحب، والجمال، والفن—لا تحتاج إلى "حل" بل تحتاج إلى "معايشة". عندما نقول "لنجرب ونكتشف معاً"، نحن نمارس قدرة كيتس السلبية؛ نحن نطفو فوق بحر الغموض مستمتعين بالرحلة، دون إصرار طفولي على رؤية اليابسة فوراً.

دعوة للتسامح مع الغموض

حين نقول لشريك، أو صديق، أو حتى لأنفسنا: "أنا لا أعرف.. لنجرب ونكتشف معاً"، نحن نمارس أقصى درجات الإنسانية. نحن نحول الجهل من عائق إلى جسر، ومن خوف إلى فضول. نحن نعلن أن الحياة ليست معادلة حسابية يجب حلها، بل هي لوحة غامضة، يكمن سحرها في ظلالها بقدر ما يكمن في نورها.

فلنحتضن الغموض، ولنترك مساحة للدهشة، لأن اليقين الكامل قد يكون مريحاً، لكنه -ويا للمفارقة- غالباً ما يكون مملاً وميتاً. أما الحياة، فكلها تكمن في متعة الاكتشاف

***

بقلم: ذ يونس الديدي باحث وناقد 

العملُ طريقٌ نمشيه، وليس سماءً نسكنها. هو مركبٌ نعبر به النهر، وليس النهرَ كلَّه. نستيقظ لأجله ونتعب فيه، وننجز أحيانًا ونُخفق أحيانًا أخرى، لكننا لا نُختزل في وظيفةٍ نشغلها، ولا تُقاس أعمارُنا بعددِ الاجتماعات التي نحضرها، ولا تُوزن أرواحُنا بميزانِ الراتب الذي نتقاضاه.

العملُ ضرورةٌ من ضرورات الحياة، لكنه ليس هويةً كاملةً تُعرّفنا من كل الجهات. هو صفحةٌ في كتابك الكبير، فلا تسمح له أن يلتهم فصول الكتاب كلَّها.

كم من إنسانٍ ظنّ أن مكتبه هو العالم بأسره، فلما أغلق الباب مساءً وعاد إلى بيته، اكتشف فراغًا أكبر من الملفات التي رتّبها، وصمتًا أثقل من رسائل البريد الإلكتروني التي أجاب عنها.

هناك، في المسافة الفاصلة بين الدوام والبيت، يسألك قلبك سؤالًا صريحًا: من أنت بعيدًا عن لقبك الوظيفي؟ الحياة أوسع من سيرةٍ ذاتيةٍ نُحسن تنسيقها.

الحياة هي ضحكةُ طفلٍ تفتح نافذة الفرح، وطمأنينةُ أمٍّ تدعو لك في صمت، وصديقٌ ينتظرك بلا موعدٍ رسميٍّ ولا جدول أعمال، وكتابٌ يفتح لك نافذةً على ذاتك، وصلاةٌ تُعيد ترتيب الفوضى في صدرك وتمنحك سكينةً عميقة.

اعملْ بإتقانٍ وإخلاص، لكن لا تُسلّم روحك لدوّامة الإنجاز التي لا تهدأ. اجتهدْ واسعَ إلى التميّز، لكن اترك لنفسك فسحةً للتأمل،

ومقعدًا في آخر النهار تجلس عليه بلا صفةٍ وظيفية، سوى أنك إنسانٌ له قلبٌ وروح. فالعملُ يعطيك ما تعيش به من أسباب الرزق والاستقرار، أما المعنى الحقيقي للحياة، فهو الذي يمنحك ما تعيش لأجله من قيمٍ وأحلام.

تذكّر دائمًا أنك أكبر من مهنتك، وأعمق من منصبك، وأبقى من أيِّ مسمّى وظيفيٍّ يسبق اسمك أو يلحقه. العملُ جزءٌ من حياتك، أما حياتك فهي ذلك النور الداخلي الذي لا يجب أن ينطفئ حين تُطفأ أنوار المكتب في نهاية اليوم.

***

د. صابر الحميدي

(صورة من صور شجاعة المحامي وعدالته ونزاهته)

حينما تتكلم العدالة، بغض النظر عن القومية والدين وعن الميول والاتجاهات وبعيداً عن المصالح الذاتية، نكون ازاء موقف إنساني عميق الدلالة.

التفاصيل:

شهدت مدينة بنغازي الليبية بتاريخ ۱۹۳۳/۹/۱٥ محاكمة تاريخية، حيث جاء الجنود الايطاليون بقائد الثورة الليبية الشيخ المجاهد عمر المختار بعد أسره، إلى قاعة الجلسة مكبلاً بالحديد وحوله الحرس من كل جانب (بعد رفضه التعاون مع الحاكم العسكري الايطالي الجنرال <غرازيانى> حاكم ليبيا بإقناع الثوار  بتسليم أسلحتهم مقابل رقبته..)،

كما أتي بأحد المترجمين الرسميين وإسمه نصرت هرمس وهو عراقي الأصل.

فلما افتتحت الجلسة وبدأ إستجواب الشيخ عمر المختار، بلغ التأثر بالمترجم العراقي، حداً جعله لا يستطيع إخفاء تأثره وهو يرى المجاهد عمر المختار مكبلاً بالحديد ويحيط به حرس المحتل، وظهر عليه الارتباك والتوتر، فأمر رئيس المحكمة باستبعاده وإحضار مترجم آخر فوقع الاختيار على أحد المترجمين اليهود، ويدعى لومبروزو، من بين الحاضرين في الجلسة.

وبعد استجواب الشيخ عمر المختار ومناقشته، وقف المدعي العام بيدندو، فطلب الحكم عليه بالإعدام.

ثم وجه القاضي السؤال إلى المحامي المنتدب للدفاع عن عمر المختار وكان ضابطاً إيطالياً يدعى النقيب لونتانو، إذا كان ما لديه ما يعلق به على كلام المدعي العام والتهم الموجهة إلى موكله، وكان في اعتقاد القاضي ان المحامي سيؤيد كلام المدعي العام، ولكن المحامي خيب ظنه ودافع عنه كمحام نزيه وشجاع دفاعاً حقيقياً، هذا نصه :

وقف النقيب المحامي لونتانو وقال سيدي القاضي ان هذا المتهم الذي انتدبت للدفاع عنه، وكنت متردداً في أول الأمر ولكن ضميري حدثني بأنها إنسانية مني لا بد من قبول الدفاع وها انا أقف أمامكم.

وواصل المحامي لونتانى دفاعه قائلاً: كجندي إذا وقعت عيناي على عمر المختار في ميدان القتال، لا أتردد البتة في إطلاق الرصاص عليه وقتله، وافعل ذلك كإيطالي لأنه عدوي وعدو دولتي، غير إن الذي أريد قوله إن هذا الرجل عمر المختار يدافع عن حقيقة كلنا نعرفها، وهي الوطن وكم ضحينا نحن في سبيل الوطن وتحريره. ولكنني وقد كلفت الدفاع عنه فإني اطلب حكماً، هو في نظري أشد هولاً من الإعدام نفسه وأقصد بذلك الحكم عليه بالسجن مدى الحياة نظراً لكبر سنه وشيخوخته.

– تدخل المدعي العام، وقطع الحديث على المحامي وطلب من رئيس المحكمة أن يمنعه من إتمام مرافعته مستنداً في طلبه هذا إلى أن الدفاع خرج عن الموضوع، وليس من حقه أن يتكلم عن كبر سن عمر المختار وشيخوخته ووافقت المحكمة.

أمر القاضي المحامي بأن لا يخرج عن الموضوع ويتكلم بإيجاز.

تكلم المحامي بحدة وقال:

ها هنا محل الشرح الكافي إذا كنا رجال العدالة الحقيقية، أما إذا كان غير ذلك فيجب ان نترك الموضوع واحكموا بمفردكم ولا لزوم لهذه المحكمة وجلستها،

وواصل قائلاً: إن عمر المختار الذي هو أمامكم وليد هذه الأرض قبل وجودكم فيها ويعتبر كل من احتلها عنوة عدو له ومن حقه أن يقاومه بكل ما يملك من قوة حتى يخرجه منها أو يهلك دونها هذا حق أعطته له الطبيعة والإنسانية …..

وهنا كثر الصياح من الحاضرين بإخراج المحامي وإصدار الحكم على المتهم الذي طالب به المدعي العام.

إلا إن المحامي النقيب لونتانو استمر قائلاً: العدالة الحقة لا تخضع لأي سلطان ولا لأية غوغاء وإنما يجب أن تنبع من ضميرنا وإنسانيتنا ….

وهنا قامت الفوضى خارج المحكمة، وقام المدعي العام محتجاً على المحامي.

استمر المحامي في دفاعه غير مبال بكل هذا بل حذر القاضي أن يحكم ضميره قائلاً: إن هذا المتهم عمر المختار الذي انتدبت من سوء حظي أن أدافع عنه شيخ هرم حنت كاهله السنون وماذا بقي له من العمر بعد ما أتم السبعين سنة وإني أطلب من عدالة المحكمة أن تكون رحيمة في تخفيف العقوبة عنه لأنه صاحب حق ولا يضر العدالة إذا أنصفته بحكم أخف وإنني أحذر عدالة محكمتكم حكم التاريخ لأنه لا يرحم فهو عجلة تدور وتسجل كل ما يحدث في هذا العالم المضطرب …..

وهنا كثر الضجيج في الخارج ضد المحامي ودفاعه.

ولكن المحامي استمر في دفاعه قائلاً: سيدي القاضي حضرات المستشارين لقد حذرت المحكمة من مغبة العالم الإنساني والتاريخ وليس لدي ما أضيفه إلا طلب تخفيف الحكم على هذا الرجل صاحب الحق من الذود عن أرضه ودينه وشكراً.

وعندما قام النائب العام لمواصلة احتجاجه قاطعه القاضي برفع الجلسة للمداولة وبعد مضي فترة قصيرة من الانتظار دخل القاضي والمستشاران والمدعي العام بينما المحامي لم يحضر لتلاوة الحكم القاضي

بإعدام عمر المختار شنقاً حتى الموت.

وعندما ترجم المترجم اليهودي الحكم إلى عمر المختار قهقه بكل شجاعة قائلاً: الحكم حكم الله لا حكمكم المزيف – إنا لله وإنا إليه راجعون.

أما المحكمة، فقد استغرقت من بدئها إلى نهايتها ساعة واحدة وخمس عشرة دقيقة فحسب، من الساعة الخامسة مساء إلى الساعة السادسة والربع.

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب الأسبق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية

......................

* مقتطف من مؤلفنا (المبائ العامة في اصول المحاماة) 2014

سلوك التفاضل بين الحالات يستشري في أجيالنا ويشتد عضده في زمن التواصلات السريعة المتفاعلة في أرجاء الدنيا، فتجدنا لا نقر بخصويات الحالات الإبداعية بل علينا أن نفاضل بينها، ونقدم بعضها على بعض.

كقولنا هذا المبدع أفضل من ذاك، وهذا الشاعر أبدع من غيره من الشعراء، بل نميل إلى الثنائيات ففي كل عصر تجد إثنان دون غيرهما في مسيرة التفاعلات التفضيلية.

هذا أحسن من هذا، وذاك خير من ذاك، وما تعودنا أن نفي كل حق حقه، ونعترف بخصوصية الإبداع والقدرة على العطاء، وهي تعبير عما في دنيا البشر أيا كانت طبيعة ما نضح أو فاض من وعائه الإبداعي، وطبخته مداركه المتميزة.

نتناسى أن "إعملوا فكلٌّ ميسر لما خلق له"، ونريد الناس وفقا لما نراه ونعتقده ونتصوره ونتوهمه.

الحياة تنوعات متفاعلة، وليست حالات تفاضلية، إن وراء السلوك التفاضلي طاقة تحاملية تريد إلغاء حالة وتأكيد أخرى على حسابها، فيها ظلم وإنكار وعدوان على الطاقة الإنسانية التي أريد لها أن تتفتح وتتبرعم وتكون.

يزداد أعداد الفائزين بجائزة نوبل وما قرأنا أو سمعنا عن توجهات تفاضلية بينهم، بل كلٌ حصل عليها وفقا لما أنجزه، فالمهم الإنجاز وما إكتسبت البشرية من العمل الذي فاز بالجائزة.

علينا أن نتحرر من عاهة التفاضلية، ونعطي كل ذي حق حقه، ولكل شخص ذائقته وقدراته الإدراكية، وعليه أن ينجذب لمن يراه متوافقا مع ما فيه من الرؤى والتصورات، فهذه حريته في الإختيار.

فالجبال تتكاتف لا تتنافر، والأواني تنضح بما فيها، وعلينا أن نرى بوضوح ما تسكبه رموز الإبداع في نهر الحياة، فالأمواج تتواكب لتصنع تيار العطاء، وما أروع بودقة التنوعات الإبداعية!!

"يا صديقي كلّ شيئ إبْتداء"

ما عَرفناها فنحنُ الغرباءْ

كلّما جئنا إليها إسْتدارتْ

نحوَ مَجهولٍ تفاداهُ الجَلاءْ

عقلنا كونٌ صغيرٌ مُستهانٌ

"لا تقلْ شِئنا فإنَّ الجَهلَ شاءْ"

***

د-صادق السامرائي

ثمة شخصيات أدبية لا تُقرأ فحسب، بل تُعاش. لا تنتمي إلى زمنها وحده، بل تتحول إلى موقف من الحياة، إلى نبرة وجودية كاملة تظل ملتصقة باسمها إلى الأبد. شخصيات كهذه يمنحها الأدب شبابًا لا يشيخ، لأنها لا تُحفظ في الذاكرة بل تُستعاد في كل قراءة. من بين هذه الشخصيات يقف زوربا اليوناني، ذاك الكائن الفوّار الذي أطلقه نيكوس كازانتزاكيس إلى العالم عام 1946، ثم ثبّته الفيلم الشهير سنة 1964 في المخيلة الجمعية، كرمز للحياة حين تُعاش بلا وسائط.

تدور الحكاية في كريت، في ثلاثينيات القرن الماضي، لكن زمانها الحقيقي أوسع من التاريخ. فهناك، منذ اللقاء الأول، تُرسم ثنائية أزلية: الفكر في مواجهة الفعل. الراوي، الذي لا يحمل اسمًا، يبدو ظلًا للمؤلف نفسه: مثقف شاب، منكمش على كتبه، حبيس التأمل، قليل الخبرة بالحياة، يخجل من جسده ومن اندفاعاته، ويميل إلى الحزن والانغلاق. في الجهة المقابلة يقف أليكسيس زوربا: رجل مكتمل الخشونة والفرح، مسافر لا يستقر، لغته فوضى خلاقة من الشتائم والحكايات، يحمل في صوته العالم كله، وفي جسده ذاكرة التجربة.

لقاؤهما يبدأ باتفاق عمل بسيط: «السيد» – كما سيُسميه زوربا دائمًا – يعيّن زوربا مشرفًا على منجم اللجنيت (الفحم البني) في قرية كريتية نائية. لكن هذا الاتفاق يخفي تحته تعاقدًا أعمق: صدامًا بين نمطين للوجود، بين من يفكر في الحياة ومن يلتهمها.

«ماذا يمكن لمثقف أن يقوله لتنين؟» هكذا يصف الراوي صمته أمام سيل حكايات زوربا، ذاك الذي يتحدث عن كل شيء دفعة واحدة: القرى، الثلوج، الذئاب، النساء، الوطن، والموت. وحين تتعب الكلمات، لا يفسّر، لا يستنتج، بل يقفز فجأة ويرقص. الجسد، عند زوربا، يكمل ما تعجز اللغة عن قوله.

نهارًا، يسير كلٌّ منهما في طريقه: زوربا إلى المنجم، حيث العرق والضجيج والحجارة، و«السيد» إلى كتبه، حيث الصمت والتأمل والورق. أمّا الليل، فهو مساحة اللقاء: طعام، حوار، ومزامير. هناك، تحت السماء، يتقاطع العالمان.

المزامير عند زوربا ليست موسيقى، بل خلاص. حين يعزف، يتوقف الألم، يصمت الفقر، ويتعطل العقل. الجسد يأخذ القيادة، والروح تتنفس. إنها لحظة ينسحب فيها الفكر، ليترك الفعل يقول كلمته الأخيرة.

بهذا المعنى، لا يعلّم زوربا الراوي وحده، بل يجرّ القارئ معه إلى منطقة مختلفة من الوعي: منطقة الغريزة، الحركة، الفرح الخام. زوربا شخصية صادمة ومفتنة في آن واحد؛ قاسية أحيانًا، لكنها قادرة على رقة مفاجئة، كما لو أن اليد نفسها التي حفرت في الصخر تعزف على أوتار القلب.

يظهر التباين بينهما بوضوح خاص في الحب. زوربا يحب كما يعيش: بلا تردد، بلا حسابات، بلا خوف من السقوط. أما الراوي فيحب مؤجلًا، مؤطرًا بالتفكير، محاصرًا بالتردد، يراقب الفرص حتى تفلت منه. ومن هنا تنبع حاجته العميقة إلى زوربا: لا كعامل، بل كمرآة تذكّره بما نسيه، وبما لم يتعلمه من أحد.

زوربا هو نداء للفعل، لكنه ليس فعلاً أعمى. إنه دعوة للتحرر من قشرة العادة، من راحة تُخدّر أكثر مما تحمي. تلك «منطقة الراحة» التي نلوذ بها كثيرًا قد تتحول إلى سجن ناعم، يمنعنا من اختبار الدهشة، من لمس الجديد، من أن نعيش بكامل طاقتنا.

في هذا الأفق، يقف زوربا سيدًا للحاضر. لا يحتقر الفكر، لكنه يرفض أن يكون بديلاً عن الحياة. يذكّرنا بأن المعرفة لا تُختزل في الكتب، وأن الحكمة قد تكون في رقصة مفاجئة، أو في ضحكة عالية، أو في قدرة طفل على الانبهار بالعالم.

زوربا لا يقدّم نظرية، بل أسلوب عيش: أن نكون أكثر التصاقًا بأجسادنا، أكثر ألفة مع الطبيعة، أكثر استعدادًا للدهشة.

أن نستعيد، وسط تعقيد العالم، تلك النظرة الأولى: نظرة من يرى الحياة كما لو أنها تحدث الآن، للمرة الأولى.

***

محمد إبراهيم الزموري

الثمن رقم، والقيمة معنى.. الثمن يُحدَّد، ويُكتب، ويُفاوض عليه، أما القيمة فتُحَسّ، وتترسخ في الوجدان. قد يكون للشيء ثمن مرتفع، لكنه بلا قيمة حقيقية، وقد تكون القيمة عظيمة إلى الحد الذي يعجز معه أي ثمن عن الإحاطة بها. هنا يبدأ الوعي، وهنا تتكشف خطورة الخلط بين المفهومين.. في زحام الحياة حيث تتباين القيم، وتتنافس الأثمان، يظن كثيرون أن كل ما يمكن شراؤه يحمل قيمة، وأن كل ما له سعر يستحق التقدير، غير أن هذا الظن سرعان ما يتهاوى أمام حقيقة بسيطة لكنها قاسية: الأشياء تقع بين قيمة وثمن، وليس كل ما له ثمن يملك قيمة، والوعي بهذه الحقيقة ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة أخلاقية وإنسانية

الثمن رقم يُدفع، أما القيمة فهي أثر يُترك، الثمن يُتفق عليه في لحظة، بينما القيمة تُختبر عبر الزمن، قد يكون للشيء ثمن مرتفع، لكنه لا يضيف شيئًا إلى الروح، ولا يترك أثرًا في الذاكرة، ولا يُنقذ الإنسان حين يحتاج معنى لا مظهرًا، وفي المقابل، هناك أشياء لا تُشترى، لكنها تُغني، ولا تُقوَّم، لكنها تُشكّل الإنسان من الداخل ,, فحتى بعض البشر قد يكون لهم ثمن، لكن ليست لهم قيمة، قد يُشترى موقفهم، أو يُستمال رأيهم، أو يُقايَض ضميرهم، لكنهم لا يملكون أثرًا أخلاقيًا، ولا وزنًا إنسانيًا، ولا حضورًا يُحترم، فالقيمة في الإنسان لا تُقاس بما يحصل عليه، بل بما يثبُت عليه؛ بما يحمله من مبادئ، وبما يصمد به حين تتغيّر المغريات ,, وكذلك الأعمال، فليس كل عمل يُكافأ يكون ذا قيمة، وليس كل جهد يُثنى عليه يستحق الاحترام، هناك أعمال تُؤدى بدافع المنفعة، لا المعنى، وبنية الكسب لا الأثر، أعمال تُنجز، لكنها لا تُصلح، وتتحقق، لكنها لا تُبني، القيمة في العمل ليست في نتائجه الظاهرة فقط، بل في دوافعه، ونزاهته، وأثره في الناس وفي الحياة ,, إن أخطر ما في عصرنا ليس غلاء الأثمان، بل رخص القيم، حين يُكافأ التلوّن، ويُحتفى بالانتهازية، ويُنظر إلى المبادئ بوصفها عائقًا لا شرفًا، عندها يصبح الوعي ضرورة، لا خيارًا، وعي يعلّمنا أن نسأل: ماذا يضيف هذا الشيء إلينا؟ ماذا يبقي فينا؟ ماذا يأخذ منا مقابل ما يمنح؟

فالإنسان الواعي لا ينخدع ببريق الثمن، ولا يساوم على القيمة، يعرف أن بعض الأشياء تُشترى ولا تُحتَرم، وأن بعض البشر يُشاهدون ولا يُقدَّرون، وأن بعض المواقف تُصفَّق لها اليوم وتُدان غدًا. ويدرك، قبل ذلك كله، أن القيمة الحقيقية لا تُعلن عن نفسها، بل تظهر حين تُختبر,, لذلك لسنا مطالبين بأن نرفض الأثمان، بل أن نضعها في حجمها الصحيح، أن نميّز بين ما يُشترى وما يُحتَرم، بين ما يُقتنى وما يُبقي، وبين ما له ثمن وما له قيمة. ليس كل من صعد قيمة، وليس كل من اشتهر وزنًا، بعض الأسماء تُلمعها الأضواء، لكنها تخلو من الجوهر، وبعض الوجوه تتكرر في المشهد، لكنها لا تترك معنى. فالقيمة لا تصنعها المنصات، ولا تُمنح بالتصفيق، بل تُبنى بالثبات، وبالصدق، وبالقدرة على قول "لا" حين يكون الثمن مغريًا.

 ***

نهاد الحديثي

 

ورد في الاخبار ان عدد السكان ازداد في نايجيريا في عام واحد (٢٠٢٣) بمقدار سبعة ونصف مليون انسان!. بيننا كانت الزيادة في دول اوربا زائداً روسيا ستة ملايين وثلاثمائة الف انسان. مقارنة من هذا النوع، تعيد الى الذهن ما يتم تداوله من اخبار عن قرب استبدال البشر بالآلات لأداء اعمال البشر التقليدية.

حدثني صديق التقيته قبل فترة وهو يعيش في الولايات المتحدة الامريكية منذ عقود، قائلا اننا بدأنا نشاهد السيارات في الشوارع وهي تسير دون سائق.. وان المسافر على خطوط الطيران يجب ان يكمل أجراءات السفر بنفسه بالتعامل مع شاشة وقد تم الاستغناء عن خدمات معظم موظفي مكاتب الطيران الذين كانوا يقومون بتلك الاعمال.. واستعرض مجموعة من المهام التي سوف يفقد العاملون فيها وظائفهم لصالح الآلات...

على أثر ذلك نشأ بيننا حوار يتركز حول كيفية استمرارية الناس بالعيش وكيفية حصولهم على وظائف في ظل هذه التوجهات !!

بعض الدول المتقدمة تكنولوجياً والتي تتبنى هذه المشاريع اعداد سكانها قليلة وربما تواجه نقصاً في اعداد القوى العاملة بسبب شيخوخة السكان وانخفاض معدلات الانجاب وبالتالي يمكن لها التعايش مع مثل تلك التغييرات الاستبدالية، ولكن ماذا عن بلد مثل نايجيريا او الهند او اندونيسيا وبنغلاديش وغيرها من السكان المكتظة بالسكان؟؟

هذا من الناحية الرقمية الصرفة التي تتناول العلاقة بين عدد الوظائف المتوفرة وعدد القوى العاملة، ولكن الجانب الاخطر هو موضوع التوازن الاقتصادي وضمان الأمن الاجتماعي؟؟

اذا فقد الناس وظائفهم فكيف يستطيعون تأمين عيشهم؟

ذلك معناه تراجعاً في الطلب الكلي بسبب تفشي البطالة وفي مثل تلك الحالة من سوف يطلب المنتجات الجديدة وكيف يتحقق مستوى الطلب الكافي لرفع معدلات النمو الاقتصادي؟

قال لي أحد الحضور ان التكنولوجيا ستخلق وظائف جديدة . قلت له هذا صحيح ولكنها لاصحاب التأهيل العالي والمؤهلات النادرة وليست لسائق التاكسي.

أنا لا اعترض على التقدم التكنولوجي ولكني اطرح اسئلة مشروعة منها كيفية ضمان الأمن الاجتماعي والسلام بين اعضاء المجتمع مع سيادة البطالة من ناحية وتركز الثروة بيد القلة من ناحية أخرى؟

الانتاج يُنتج لكي يباع وذلك يحتاج الى قدرة على الشراء والطلب، فكيف يمكن تأمين ذلك في ظل البطالة المتفشية ومع وجود سكان بلا مؤهلات تؤهلهم لشغل الوظائف الجديدة؟ وحتى في الدول قليلة السكان فأن ذلك يحتاج الى مدى طويل لكي تتأهل للاوضاع الجديدة.

ان التكنولوجيا التي تحل محل الانسان هي كثيفة رأس المال وباهظة الكلفة فمن يستطيع توفير ذلك القدر من رأس المال من الدول النامية كثيفة السكان؟؟ الفرد في بنغلاديش او الهند وغيرهما لايحتاج الى سيارة بدون سائق بل انه يحلم بالدراجة الهوائية..

ان هذه المشاريع تبدو لي بمثابة اعمال تجريبية وليست مشاريع اقتصادية حقيقية يمكن تطبيقها على نطاق واسع.. مافائدة ازاحة الانسان سائق التاكسي لكي يحل محله كمبيوتر؟ هل هو ارخص من اجرة السائق؟ هل السيارة التي يقودها كومبيوتر ارخص سعراً من السيارة العادية؟ مع انها مدججة بالحواسيب والكاميرات والربط بالقمر الصناعي وتحتاج الى الصيانة والتحديث!!. ماهو الهدف من ذلك كله؟ اليست التنمية والتطور تهدف لخدمة الانسان وسعادته؟؟

ان ذلك يشبه ارسال الناس في رحلات الى الفضاء كسياحة فضائية مقابل ٢٥ مليون دولار للشخص... تلك الرحلات لاتنفع العامة بل هي نوع من الاستعراض للقدرة التكنولوجية فقط. اعمال من هذا النوع يمكن أن تُشبع نزعة البذخ لدى شديدي الثراء، اما عامة الناس فأنها لاتعني لهم شيئاً.

***

د. صلاح حزام

ربما يتسلل إلى نفس الإنسان شعورٌ خفي بالارتياح حين يرى تعثر غيره أو تألمه من حالة أو فشله في مسعى. هذه الحالة أو الظاهرة ليست حدثًا بسيطًا يمكن الحكم عليه بإطلاقٍ عاطفي أو إنكارٍ أخلاقي سريع؛ بل هي أعقد من أن تُدان جملةً، وأخطر من أن تُبرَّر بلا معيار. والمشكلة في كثير من الطروحات أنها تتعامل معها بوصفها عيبًا نفسيًا أو أخلاقيا محضًا، فتدينها مطلقًا؛ أو بوصفها جزءًا من الطبيعة البشرية، فتسوغها مطلقًا. وكلا الموقفين يفتقد المعيار الصحيح. والمعيار الصحيح الأصلي الفطري هنا هو معيار الحق والخير (والجمال)، لا بوصفه شعارًا أخلاقيًا، بل بوصفه أساسًا للحكم المطابق للحق والخير (والجمال) أو للحقيقة والواقع.

إن الانفعال لا يكتسب قيمته من ذاته، بل من موضوعه ومتعلَّقه ومن موقعه في شبكة العلاقات الواقعية. فليس كل نفورٍ أو كراهية خطأ وشرًّا، كما أنه ليس كل تعاطفٍ أو مودة صوابا وخيرًا. بل قد يكون النفور والكراهية استجابة صحيحة لتمييز الباطل والشر وأهله، وقد يكون التعاطف والمودة تواطؤًا مع الخطأ والباطل والشر. ومن هنا يصير من الضروري التمييز بين حالات متباينة تُخلط عادةً خلطًا يطمس الفروق الجوهرية ويضيع الحق والخير (والجمال) في تفاصيل الواقع أو الموضوع.

فإذا كان تعثر الآخر أو فشله أو ضرره في طريق الخطأ أو الظلم أو الفساد أو العدوان، وكان شعور الارتياح ناشئًا عن انحسار باطل وشر، فإن هذا الارتياح لا يصح تصنيفه (شماتة مذمومة)، بل هو موافقة وجدانية للحق، واصطفاف مع الخير. إذ لا يمكن أن يُطلب من النفس السليمة أن تحزن لانتكاس الباطل والشر، أو أن تتألم لانكسار العدوان. والنفور من الشر هنا ليس ضعفًا أخلاقيًا، بل علامة تمييز وتميز، ما دام متحررًا من التشفي الشخصي الآثم ومقصودًا به زوال الخطأ والباطل والشر، ومادام ليس موجها الى إنسان صالح وجيد أو بريء.

لكن الصورة تنقلب حين يكون الفرح بتعثر الآخر غير متعلق بانتصار حق ولا بانكشاف باطل، بل منبثقًا من مقارنةٍ نفسية ضيقة: غيرةٍ، أو تنافسٍ فارغ، أو رغبةٍ في الشعور بالتفوق. هنا لا يكون الارتياح موقفًا أخلاقيًا، بل تعويضًا نفسيًا هشًا. إنه لا يعبر عن قوةٍ، بل عن حاجة إلى تثبيت الذات عبر نقص غيرها. وهذا ما يكشف أن الشعور في هذه الحالة لا يقوم على معيار موضوعي، بل على اضطراب في تقدير القيمة وعلى غياب المعيار الأصلي معيار الحق والخير (والجمال) الذي يجب أن نؤكد في كل مناسبة ونلح على حضور في كل حالة ملائمة ومناسبة.

إن وهم التفوق الذي يُولد من تعثر الآخرين وهمٌ معرفي قبل أن يكون خللًا نفسيًا؛ لأنه يفترض ضمنًا أن قيمة الإنسان نسبية تُقاس بالآخرين، لا بالحق والخير والجمال المتحقق فيه. والحال أن الوقوف الحقيقي لا يتعزز بسقوط أحد، كما أن الاستقامة لا تُستمد من اختلال الآخرين. فالقيمة ليست مقارنة، بل تحقق بالحق والخير والجمال.

ويشتد الالتباس حين يتسلل هذا النزوع إلى دوائر المودة والقرب. ففي هذه العلاقات قد يختلط النفور المشروع — كرفض سلوك خاطئ أو مسار منحرف — بنشوةٍ خفية بمعاناة القريب ذاته. وهذا خلط خطير؛ إذ يجوز رفض الخطأ، بل يجب، لكن لا يجوز تحويل ذلك إلى ارتياحٍ بمعاناة الإنسان من حيث هو إنسان. معيار الحق والخير والجمال يقتضي التفريق بين رفض الفعل والرغبة في سلامة الفاعل، وبين تمني زوال الخطأ وتمني سقوط صاحبه. الأول إصلاح صائب ونافع، والثاني انحراف خاطئ وضار.

إن غياب معيار الحق والخير والجمال، الموضوعي يجعل الإنسان أسير انفعالاته غير المفحوصة؛ فيدين ما ينبغي قبوله، ويقبل ما ينبغي نقده. أما حضور هذا المعيار الموضوعي فيعيد ترتيب البوصلة الداخلية: فيُفرِّق بين النفور الذي يحرس الخير، والنفور الذي يغذّي الأنا؛ بين الفرح بانتصار الحق، والفرح بضعف الآخرين؛ بين موقفٍ نابع من إدراك، وآخر نابع من احتياج نفسي مستتر.

ولا يعني ذلك أن الإنسان قادر على محو هذه الانفعالات، بل إن المطلوب أعمق من القمع أو التبرير؛ المطلوب هو المراقبة الواعية؛ أن يواجه الإنسان نفسه دون تزويق، وأن يسأل، لا عمّا يشعر به فقط، بل عمّا إذا كان شعوره منسجمًا مع الحق ومثمرًا للخير. فتهذيب النفس لا يكون بإنكار ما فيها، بل بإعادة توجيهه الوجهة الصحيحة.

وعند هذا الحد يبدأ التحول الحقيقي؛ حين يدرك الإنسان أن نجاحه وسعادته ليست متعلقًة بتعثر غيره، بل بقدر تحقق الخير في ذاته وفي العالم من حوله. حين يصير دعاؤه للناس بالتوفيق صادرًا عن انسجام داخلي مع معيار الحق والخير والجمال، لا عن مجاملة ظاهرية واجتماعية. وحين يدرك أن الإرتياح بفشل وتألم وسقوط الآخرين لا تزيده نجاحا وتفوقا ارتفاعًا، بل تُبقيه في مدار المقارنة السيئة، بينما السعادة المنسجمة مع الحق والخير والجمال وحدها هي التي تمنحه ثباتًا لا يتزعزع، وحياة حسنة.

***

جميل شيخو

الجمعة 13 \ 2 \ 2026

 

من الملاحظات المدهشة التي لازلت لا أعرف تفسيرها، أن الدولة العباسية بقيادة المعتصم بالله (218- 227) هجرية، أرادت أن تبني مدينة تضاهي مدن الأندلس بجمالها، فتم إنشاء مدينة (سر من رأى)، وكان مفهوم الجمال العمراني سائدا فيها حتى مقتل المتوكل على الله (232 - 247) هجرية، وفي عصره بني الجامع الكبير الذي كان يُعد أكبر جامع في زمانه، ويتمتع بخصوصياته العمرانية وبمأذنته الملوية.

هذا الجامع إنتهى دوره وإندثر ولا تزال المدينة عاصمة للدولة العباسية، وبقيت منه آثار تشير إليه، بينما الجامع الكبير في قرطبة الذي بني قبله بقرن أو أكثر، لا يزال قائما بهيأته العمرانية الأصيلة رغم تحوله إلى كنيسة.

لماذا تخربت مدينة (سر من رأى) وبقيت معالم الأندلس حاضرة وشامخة في إسبانيا؟

إطلعت على العديد من التبريرات الإسقاطية الدفاعية التي لا تقترب من الحقيقة، وتراوغ وتخادع في محاولاتها لإبعاد المسؤولية عن المجتمع آنذاك، وما فعله الأتراك في المدينة من سلوكيات إنتقامية ضد بعضهم البعض، وكيف تحول الخلفاء فيها إلى دمى تحركها إرادتهم وتملي عليهم طلباتها وتخلعهم وتعهد لهم بالخلافة وتقتلهم، وهم صاغرون لاحقهم يخرّب ما يمت بصلة لسابقهم.

المنتصر بالله (247 - 248) هجرية، بعد بضعة أيام من مقتل أبيه أباد القصر الجعفري وحوّله إلى ركام.

فالروح التماحقية ربما سرت بين الخلفاء منذ خلافة المنتصر بالله والتي دامت لبضعة أشهر، وقتل مسموما بعد أن حجمه طبيبه بقصبة مسمومة.

فهل لدينا الجرأة على مواجهة أنفسنا، ومعاينة وتقييم ما في ديارنا من تفاعلات غير إيجابية؟!!

مضى على سقوط الأندلس 534 سنة، ولازلنا نستعيد في مخيلتنا أمجادها!!

تَباكَيْنا على زمنٍ جَميلِ

ودُمْنا في مُعاقرةِ الخشيلِ

فهلْ صَنعَ البكاءُ لنا تليداً

وهلْ جِئنا بإبْداعٍ أصيلِ

نلومُ عدوّنا والعَيْبُ فينا

بأجْيالٍ بأوْعيةِ العَويلِ

***

د. صادق السامرائي

العراق ليس ارضا بلا ثروات، بل ارضا تنهب ثرواتها، ليس عاجزا عن النهوض، بل مكبلا بقيود الفساد التي جعلت من الدولة غنيمة ومن الشعب ضحية.

احيانا اشعر ان الحديث عن الحلول الواقعية ضرب من العبث، لان المشكلة ليست في المال ولا في النفط ولا في المياه، بل في غياب الضمير. العراق لا يحتاج الى خطط خمسية ولا الى مؤتمرات دولية، بل يحتاج الى لحظة صدق واحدة، الى قرار واحد يوقف النزيف، الى يد نظيفة تجرؤ على لمس الجرح.

قد تبدو هذه الكلمات مثالية، وربما ساذجة، لكنني اؤمن ان الخيال احيانا هو الطريق الوحيد لفتح نافذة في جدار مغلق. ماذا لو كان الاصلاح يبدا من التعليم، من طفل يتعلم ان الوطن ليس غنيمة؟ ماذا لو كان الحل في ثقافة جديدة، لا ترى الدولة كغنيمة بل كبيت مشترك؟ ماذا لو كان التغيير يبدا من ابسط التفاصيل: من كتاب مدرسي يزرع في عقل صغير فكرة ان العراق ليس ارضا للبيع، بل ارضا للحياة؟

وماذا لو كان الاصلاح يبدا من قصيدة او اغنية او لوحة تذكر الناس بأنهم شعب واحد، لا طوائف متناحرة ولا قبائل متفرقة؟ اليس الشعر والفن احيانا اقدر من السياسة على جمع القلوب؟ وماذا لو كان الحل في اعادة الاعتبار للجامعة، للمعلم، للمثقف، بحيث يصبح العقل العراقي هو الثروة الحقيقية، لا النفط ولا العقود ولا المناقصات؟

اعرف ان هذه مجرد خواطر، وان الواقع اقسى من ان يغير بالكلمات. لكنني اكتب لان الكتابة نفسها مقاومة، ولان الحلم، مهما بدا هشا، قد يجد يوما طريقا الى التنفيذ. ربما لا يغير النص حكومة، لكنه قد يغير قارئا، وقد يزرع بذرة في قلب انسان يقرر ان يكون مختلفا.

العراق لا يحتاج الى اموال اضافية، ولا الى وعود جديدة. يحتاج فقط الى ان يتوقف ابناؤه عن سرقة مستقبلهم، وان يجرؤوا على بناء دولة لا تباع ولا تشترى. يحتاج الى ان يتعلم ان الوطن ليس عقدا في وزارة، ولا منصبا في برلمان، بل هو بيت كبير، اذا انهار سقفه فلن ينجو احد.

الخلاصة؟ العراق يحتاج الى خيال يجرؤ على ان يحلم، والى ضمير يجرؤ على ان ينفذ. وبين الحلم والتنفيذ، هناك طريق طويل، لكنه الطريق الوحيد الذي يستحق ان يسلك.

***

محمد الربيعي

بروفسور ومستشار دولي، جامعة دبلن

 

هل خطر ببالك وانت تحرك يدك لترسم إنحناءات الحروف، وترتفع في الهواء لتضع النقطة بدقة، إن ذلك تمرين قوي لتهدئة جهازك العصبي؟

تقول الأبحاث العلمية إن هذه الممارسة لها تأثير مدهش على كيمياء الدماغ، وقد كانت متجذرة في التاريخ الاسلامي، لكنها أصبحت اليوم نادرة.

كان شيخ الخطاطين الوزير محمد إبن مقلة هو من هندس هذا الفن بمقاييس صارمة قبل قرون، وفيه رياضة هندسية تعيد ضبط إيقاع القلب، وتخفض هرمون التوتر في الدم.

يقضي الخطاط العربي في تحريك يده في الهواء دون لمس الورق وقتا أطول بكثير مما يقضيه خطاط اللغات اللاتينية، لكثرة النقاط وعلامات التشكيل، التي تتطلب رفع القلم بإستمرار بمعدل 0.85 مرة كل حرف.

هذه الفواصل هي لحظات إعادة ضبط إجبارية للدماغ، تنشط الفص الجداري العلوي المسؤول عن حساب المسافات في الفراغ وتوجيه اليد للمكان الصحيح.

وهذا يعني أنك عندما تمارس الخط العربي فإنك ندرب دماغك على الهدوء وعدم التسرع.

تظهر الدراسات أن الدماغ عند معالجة النصوص العربية يكبت موجات ألفا بدرجة أقوى بكثير من الانجليزية وفي علم الاعصاب يعني إنخفاض هذه الموجات أن الدماغ دخل في حالة إستنفار إدراكي قصوى عازلا كل المشتتات الخارجية والافكار السيئة، يفرض تعقيد الخط العربي بصريا وتشابك الحروف مع بعضها على دماغك التيقظ الذهني رغما عنه، فلا مجال للسهو وأنت ترسم الحرف، وإلا إختل توازنه.

التغيير الكيميائي الذي يحدثه الخط العربي في دمك قابل للقياس، ففد أظهرت تجربة علمية أن ممارسة الخط 30 يوما خفضت بدرجة ملموسة مستوى هرمون الكورتيزول، الذي يسبب التوتر في اللعاب، بإنخفاض قدره 25% تقريبا، يعمل التركيز العالي وحركات اليد الدقيقة على إبطاء ضربات القلب وتنظيم التنفس، مما يدخل الجسم في حالة إسترخاء ويجعله علاجا فعالا لمن يعانون من ضغوط نفسية مزمنة.

في تجربة مثيرة للاهتمام أجريت في تركيا بين عامي 2017-2018 جمع الباحثون مراهقين تتراوح أعمارهم بين 14-17 ممن يعيشون في مصحات نفسية وأخضعوهم لاختبار دقيق، فقد دربوا نصفهم على ممارسة فنون الخط الاسلامي العربي والزخارف 50 دقيقة في الجلسة الواحدة على مدار 3 أسابيع، وكانت النتيجة مذهلة، فقد إنخفض قلقهم وإكتئابهم بدرجة كبيرة وحقيقية، السبب ان حركة اليد الدقيقة تسمح للمراهق بإخراج مشاعره المكبوتة وتفريغها على الورق بدلا من حبسها في صدره، مما يعيد إليه الهدوء والثقة وسط ضجيج الحياة.

في رسالته الشهيرة وضع شيخ الخطاطين محمد إبن مقلة قوانين هندسية صارمة للخط العربي فالحرف يقاس بالنقطة والالف هي قطر الدائرة وباقي الحروف أجزاء من محيطها، هذا النظام الصارم يجبر الدماغ على حل مسألة رياضية جمالية أثناء رسم كل كلمة وذلك الانضباط الهندسي يمنح الدماغ شعورا بالسكينة.

وأخيرا، في عصر السرعة والشاشات نحن بأمس الحاجة للهدوء والتركيز وتخفيض هرمون التوتر ولا يشترط أن تكون خطاطا محترفا لتحصد الفوائد فالدماغ يستفيد من محاولة التعلم أكثر من الاتقان.

***

رنا فخري جاسم

كلية اللغات/ جامعة بغداد

 

انسلاخ عن الروحانيات وإغراق في الماديات

العبادات الشعائرية حينما تؤدى وفقا للشرع، عبوديةً وتعظيمًا لله عز وجل، ترتقي بالمسلم روحانيا وتسمو بنفسه للمعالي، لتتجلى من خلالها معاني العبودية الحقة والمخلوقية لدى العبد، وتمام خضوعه للخالق جلت صفاته وتقدست أسماؤه.

رمضان هذا الشهر العظيم، للأسف بدأ منذ عقود، يأخذ منحا مغايرا تماما لماهيته في عقول وتصور الكثير من المسلمين، لينتقل من كونه واحدا من أعظم مواسم الطاعة والنفحات الربانية، والارتقاء بالروحانيات والارتباط بالسماء، إلى موسم الخلود أكثر إلى الأرض، والإغراق في الملذات والماديات، لقد أصبح رمضان الموسم السنوي للأكل والسهر والكسل بامتياز، فنجد السواد الأعظم من هذه الأمة تستعد له بتكديس وابتياع صنوف الطعام، وترقب ما سيُعرض خلال رمضان من مسلسلات وبرامج ترفيهية، سمتها الغالبة التفاهة والابتذال، فكثير منها يضرب في صميم العقيدة، ويخدش حرمة هذا الشهر الفضيل، ليهدم شيئا فشيئا القيم والفضائل في النفوس، لما يحويه من المغالطات الدينية والأخلاقية.

 المفروض أن رمضان يعلمنا ضبط النفس والتحكم بأهوائها، لكن للأسف الشديد واقع الحال يخبر بعكس ذلك، كوننا لم نفهم فقه الصيام ولم ننزل هذا الشهر العظيم منزلته.

لقد صيّرنا رمضان موسم الأكل والسهر، فعكسنا فيه سنة الله في خلقه، سهر بالليل ونوم بالنهار، حتى العبادات كادت تغدو مجرد طقوس شكلية، تفتقد قدسيتها، يستهدف الكثير من ورائها الكم على حساب الكيف، فتراه يتفاخر بأعداد الركعات والختمات، وإن سألت أحدهم عن آية واحدة فقط تدبرها فزلزلت قلبه، أو ركعة خشع فيها طيلة الشهر قد يتلعثم ويعجز عن الإجابة!

للأسف كل عام في نهاية رمضان ومايليه، نفس السيناريو يتكرر، بطون من الأكل متخمة، ونفوس مثقلة، عن هويتها الدينية والإيمانية متسلخة، كونها مارست رمضان "العادة" لا العبادة، وكأنها لم تنل هذه المنحة الربانية العظيمة، ففاتها شرف الارتقاء لنورانيات السماء، فتظل الأرواح منهكة، تتنازعها تبعات غربتها الإيمانية وكثير من الأدواء.

رمضان فرصة عظيمة للروح والنفس، تتجسد بها أسمى معاني العبودية والخضوع لله عز وجل، وتتجلى فيها قدرة الإنسان على العودة إلى الفطرة والروحانية، وانعتاقه من قيود الطين والمادة التي تكبله وتأسره، فيتحرر من أسر الهوى والشيطان، في زمن كاد يُصيّره كائنا آليا منغمسا في الماديات، ومغيّبا عن مقام العبودية، غافلا عن علة وجوده في الدنيا غير مستعد لمصيره بعدها.

نحن بحاجة للتفقه في ديننا، وفهم المقاصد العليا للشعائر التعبدية، والحفاظ على قدسيتها، لقد ابتعدنا كثيرا عن ذلك للأسف الشديد، فجعلنا أزمنة العبادات والطاعات مواسم اجتماعية، وطقوسا يحكمها العرف، التقاليد وكثير من الظواهر والأفكار الوافدة على عباداتنا، والتي لا تمت للشرع بصلة كما فعلنا برمضان!

فلنجعل من هذا الشهر المعظم معراجا نورانيا نحو السماء، لا انحدارا وتقهقرا نحو الأرض والإغراق أكثر في عالم المادة.

***

بقلمي: زينة لعجيمي - الجزائر

 

تتشكل في زمن المشكلات والأزمات والحروب حالة إنسانية مؤلمة، تتجسد في شعور عميق بالضعف والهوان، وتعكر المزاج، وفقدان الأمل، وتراجع النشاط والحيوية، وانكسار الرغبة في العمل والحياة بذات الإيقاع الذي كان سائداً في أوقات الدعة والهدوء والاستقرار. في مثل هذه السياقات القاسية، لا يتراجع الجسد وحده، بل تنكفئ النفوس على ذاتها، وتثقلها هموم تتجاوز في كثير من الأحيان قدرة الإنسان الطبيعية على المواجهة والتحدي والتصدي والعيش في راحة واطمئنان.

يبدو الإنسان في هذه الحالة وكأنه فقد ذاته، وربما أضاع بوصلته الداخلية، فأمسى يلملم جراحه بصمت وضعف وهوان. يصبح النوم عبئاً ثقيلاً على نفسه وروحه؛ قلق يشغل باله وأرق يرافقانه في أحواه جميعها في يقظته وفي ساعات متأخرة من ليله، ويبدو عليه الثقل في استيقاظ مرهق لا يحمل معه طاقة جديدة، بل يفتتح يوماً آخر من التعب والاستنزاف. لم تعد القوة التي كانت تملأ أيامه حاضرة، ولا ذلك الشغف الذي كان يدفعه للحركة والإنجاز.

يذهب إلى عمله وكأنه مجبر لا مخير، يؤدي واجباته بروح مثقلة، بلا إقبال ولا تحفيز أو دافعية، وكأن النفس أصبحت هشة قابلة للكسر، تقلب مع الأحداث كما يقلب العصفور في مقلاة ساخنة، فاقدة القدرة على المقاومة. يغيب الحماس، ويختفي النشاط الدؤوب، ويتراجع التواصل الإيجابي مع الزملاء والمحيطين في دائرته، فينسحب إلى ذاته، منكفئاً، معزولاً، محملاً بمزاج ثقيل وحزن يكبل الطاقات ويعطل القدرات ويشل الحركة.

تتراجع الإنتاجية، ويضعف الأداء، وتتأثر العلاقات الأسرية والاجتماعية، فتغدو أشبه بجسد مريض أنهكه الألم، لا يقوى على الحركة ولا على الاستمرار بذات الحيوية التي كان يتصف بها. تتوالد المشكلات، وتتراكم الضغوط والأزمات، وتسيطر الأفكار السوداوية، وتفرض المشاعر القاتمة حضورها ووجودها، فيدخل الإنسان في حلقة مفرغة؛ يهرب من سجن داخلي إلى سجن آخر يصنعه بيديه وبفكره السلبي والمبحط، دون أن يشعر.

في هذه الحالة، لا تقتصر المعاناة على النفس وحدها، بل تمتد إلى الجسد، فتظهر الأوجاع والآلام، وتزداد الترهلات والتراجعات، ويشعر الإنسان بأن بدنه لم يعد حصناً يحميه، بل عبئاً إضافياً يثقل كاهله ويرهقه. عندها يبرز السؤال الجوهري: كيف الخلاص؟ وكيف يمكن العودة من جديد بنفس تواقة للحياة والعمل؟

إن البحث عن المخرج والملاذ الآمن يبدأ أولاً بالاعتراف بالحالة، فالتسمية الصحيحة للألم هي الخطوة الأولى في طريق التعافي. ما يمر به الإنسان هنا ليس ضعفاً في الإيمان ولا فشلاً شخصياً، بل استجابة نفسية طبيعية لظروف غير طبيعية فرضت نفسها دون سابق إنذار. ومن ثم، فإن منح النفس حقها في التوقف المؤقت، والراحة، والتفريغ الانفعالي والتعبير عن الذات، ليس ترفاً ولا هروباً، بل ضرورة ملحة للعودة والتجديد الإيجابي.

كما أن إعادة بناء المعنى تلعب دوراً محورياً في استعادة التوازن؛ فحين يفقد الإنسان معنى ما يعيشه، تصبح الحياة ثقيلة مهما توفرت الإمكانات. ربط المعاناة بهدف أسمى وقيم عليا ومبادىء سامية وجليلة، أو رسالة أوسع وأكبر مما نظن ونعتقد، أو حاضر إيجابي يقودنا إلى أمل مستقبلي، يعيد للنفس بعضاً من قدرتها على الصمود. ويضاف إلى ذلك أهمية الدعم الاجتماعي، فالكلمة الصادقة، والاحتواء، والشعور بأن هناك من يسمع ويفهم، قد يكون دواء لا يقل أثراً عن أي طريقة أو أسلوب آخر.

أما العودة من جديد، فلا تكون بقفزات كبيرة، بل بخطوات صغيرة ثابتة: تنظيم النوم، العناية بالجسد، العودة التدريجية للأنشطة المحببة، وضبط وتيرة العمل بما يحمي من الاحتراق النفسي والوظيفي. ومع كل خطوة، يستعيد الإنسان جزءاً من ذاته التي ظن أنه فقدها وأضاعها في زحمة المعاناة والألم.

في النهاية، يبقى الأمل ممكناً، مهما طال الليل وثقل الألم. فالإنسان قادر، بإذن الله، على النهوض من تحت الركام، لا لأنه لم ينكسر، بل لأنه تعلم أن الحياة فيها ابتلاءات ومعاناة. وكيف يداوي كسره، وكيف يحول المحنة إلى منحة، الجراح إلى خبرة، والمعاناة إلى وعي جديد وبناء أقوى وأمتن، والضعف المؤقت إلى بداية طريق للشفاء والعودة إلى الحياة من جديد بنفسية تواقة للعودة والحياة والعمل بكل قوة ومنعة وسلامة وسعادة.

***

د. أكرم عثمان

14-2-2026

في المثقف اليوم