حوارات عامة

فيروز مخول.. حين تكتب الأنثى حكايتها بيدها.. ثورة الوعي بين ياسمين دمشق وثلوج السويد

س: ما يُغرس في الطفولة يُثمر في الشخصية. حديثنا عن طفولتكِ في دمشق؟

-طُفولتي في دِمَشق كانت النَّغمةَ الأولى في موسيقى العُمر… بيتُنا الصغير وبحرة الدار في حَيٍّ دِمَشقيٍّ عَتيقٍ كان يعبقُ برائحةِ الياسمين وصوتِ الحكايات. كُنتُ أستيقظُ على تراتيلِ أُمِّي وأغفو على دفءِ أبي، وبينهما تَعلَّمتُ أنَّ الحياةَ لا تُقاسُ بما نملك، بل بما نحلمُ به. في أزقَّةِ دمشقَ وشبابيكها التي تتعانق بحب وكرامة وصوت نواقيس كنيسة المريمية تعزف سيمفونية ألفة وسلام معَ تكبير الجامع الأموي، كل هذا نسجَ أولَ خُيوطِ خيالي، وتعلَّمتُ أنَّ الكلمةَ يُمكن أن تكونَ جناحاً، حتى لِطِفلةٍ لم تعرف بعدُ معنى الطيران.

س: كيف أسهمت أسرتكِ في تشكيل ملامح شخصيّتكِ الإبداعيّة وصقل موهبتك؟

-أسرتي كانت الحاضنةَ الأولى لبذورِ الحُلم. والدي عَلَّمني أنَّ الصمتَ أحيانًا أبلَغُ من الكلام، وأنَّ الفكرَ لا يكتملُ إلّا بالصِّدق مع الذات. أمّا أُمِّي فكانت القصيدةَ الأولى التي حفِظتُها، بكلِّ حنانِها وصبرِها وعمقِها الإنسانيّ. إخوتي كانوا مرآةَ التَّجربة، نتقاسمُ الخيالاتِ والأحلام. في دفءِ العائلةِ اكتشفتُ أنَّ الموهبةَ لا تكبرُ في العزلة، بل في محيطٍ يُؤمنُ بكِ قبل أن تؤمني أنتِ بنفسكِ.

س: في حياتكِ ومسيرتكِ الأدبية، كيف كان حضورُ الرجل — أباً، أخاً، أو زوجًاً؟ وهل كان هذا الحضور دعماً أم تحدّياً؟

-الرجلُ في حياتي كان حضوراً مُتنوِّعَ الوجوه: كان أبي نبعَ الأمانِ والحكمة، وأخي صديقَ الفكرِ والحوار، وزوجي مرآةَ الشَّغفِ والدَّعم. لم يكن حضورُ الرجلِ عائقًا، بل مساحةً للتَّكامل. نعم، وُجِدَتْ تحدّيات، لكنَّني آمنتُ أنَّ المرأةَ التي تمتلكُ وعيَها لا تُصادَرها التَّجارب، بل تُصقِلُها. الرَّجلُ الحقيقيُّ في حياتي كان من يُؤمنُ أنَّ الضَّوءَ يتَّسِعُ لنا معًا. حضور الرجل في مسيرة المرأة الإبداعية في العالم العربي هو سيف ذو حدين:

يمكن أن يكون دعماً حقيقياً حين يتحرر من فكرة السيطرة، ويتعامل مع المرأة كشريك متكامل في الإنسانية والإبداع.

ويمكن أن يتحول إلى تحدٍّ مستمر حين يحاول حصرها في أدوار نمطية أو تهميش طاقتها باسم العادات أو الغيرة أو الخوف من التغيير.

س: من الرياضيات إلى الشعر، كيف وجدتِ التوازن بين دِقّة العلم ودِفءِ العاطفة؟

-الرياضياتُ علَّمَتني أنَّ في كلِّ معادلةٍ منطقًا خفيًّا يُشبهُ الشِّعر، وأنَّ النِّظامَ لا يُلغي الجمال. بينما علَّمَني الشِّعرُ أنَّ العاطفةَ ليست فوضى، بل هندسةُ الرُّوح. وجدتُ التوازنَ حين أدركتُ أنَّ كِلا العالَمين يبحثان عن الحقيقة، ولكن كلٌّ منهما بلغته: الأرقامُ تنشدُ اليقين، والكلماتُ تنشدُ المعنى. لكل شيء اساس منطقي، فإن كان للشعر قواعده و فلسفته فللرياضيات مساحة كبيرة من التأمل والتفكير ومن هنا فهو يشترك مع الشعر ولا يبتعد عنه كثيراً..

ان الشعر علم و وزن وفلسفة والرياضيات كذلك وهذا منحنى دقة القياس والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة للمفردة و النص، ففي علم الحساب والرياضيات لا اهمال لأي قيمة رقمية او عددية وهكذا الشعر فأنا لا أهمل اي جانب مهما كان بسيطا، فلكل رقم او جزء منه قيمته و ثقله العددي وهكذا المفردة.2463 fairoz

س: هل تتذكّرين أول نصٍّ كتبتهِ؟ وما الذي دفعكِ حينها إلى الكتابة؟

-نعم، كان نصّاً صغيراً كتبتهُ في سِنّ المراهقةِ بعدَ أن فقدتُ صديقةً قريبةً إلى قلبي. كان الألمُ هو الحِبرَ الأوّل، و الورقَ الذي احتملَ نَزفَ المشاعر. منذ ذلك الحين أدركتُ أنَّ الكتابةَ ليست ترفاً، بل نَجاة.

س: المواقفُ الصعبةُ تصنعُ منّا نُسخاً أقوى وأكثر وعياً بالحياة. ما أبرزُ المواقفِ التي شكّلت نقطةَ تحوّلٍ في حياتك؟

-مررتُ بمحطّاتٍ قاسيةٍ كالفقدِ والغُربةِ والخذلان، لكنها جميعها كانت معابرَ نحو وعيٍ أعمق. تعلّمتُ أنَّ الألمَ حين يُروَّضُ يتحوّلُ إلى ضوء، وأنَّ السقوطَ ليس نهايةً بل بدايةُ طريقٍ جديدٍ نحو الذات. كلُّ موقفٍ صعبٍ كان مرآةً كشفتْ لي وجهي الحقيقيّ.

س: في الغربةِ تتبدّلُ الملامح وتختبر الأرواحُ قُدرتها على التكيّف. كيف واجهتِ كامرأةٍ مغتربةٍ التحدّيات الاجتماعية والثقافية؟

-الغُربةُ ليست مجرد ابتعاد عن المكان، الغُربةُ امتحانُ الرُّوح. حين جئتُ إلى السويد شعرتُ أوّلَ الأمر أنني بين لغتين لا تعرفان بعضَهما. لكنني آمنتُ أنَّ الجسورَ تُبنى بالحبِّ والمعرفة. لم أقاومِ الاختلاف، بل احتضنتُه، وتعلّمتُ أنَّ الانتماءَ ليس جغرافيا بل وِجداناً. كامرأةٍ عربيةٍ في المهجر، حملتُ جذوري معي فحافظتُ على لغتي وذاكرتي الثقافية لأزرعَها في أرضٍ جديدة، فالوحدة والانغلاق من أخطر تحديات الغربة لذلك عملت على المشاركة والانضمام إلى جمعيات وأندية ثقافية، فالإبداع الحقيقي يتغذى على التنوع فكل ثقافة تضيفُ لوناً جديداًإلى لوحة الإبداع.

س: أعمالُكِ الشِّعرية تجاوزتِ العشرةَ دواوين، ما الخيطُ الذي يجمعُ بينها؟

-الخيطُ الذي يجمعُها هو الإنسانُ — بضعفِه وقوّتِه، بحُلمِه وحنينِه. كلُّ ديوانٍ كان محاولةً لفهمِ معنى الوجودِ من زاويةٍ مختلفة: الحبّ، الفقد، الوطن، الغُربة، الذات. لغتي تغيّرت، لكن نبضي واحد: نبضُ أنثى تبحثُ عن المعنى وسطَ ضجيجِ العالم.

س: ترأّستِ منتدياتٍ ومجلّاتٍ أدبية عديدة. كيف تنظرين إلى دورِ هذه التجارب؟

-العملُ الثقافيُّ منحَني أفقاً أوسعَ من حدودِ النصّ. حين تتعاملين مع الأقلامِ الأخرى، تتعلّمين أنَّ الإبداعَ ليس انعزالاً بل حواراً. هذه التّجاربُ جعلتني أعي أنَّ الكلمةَ جسرٌ لا جدار، وأنَّ الثّقافةَ مسؤوليّةٌ تتجاوزُ الذاتَ إلى الوعي الجمعيّ.

س: بصفتكِ مسؤولةً ثقافيةً في جمعياتٍ ومبادراتٍ، كيف تقيّمين واقعَ المرأةِ العربيةِ في المهجر؟

-المرأةُ العربيةُ في المهجرِ تعيشُ بين نقيضَين: التحدّي والفُرصة. البعضُ ما زال يُصارعُ صُوَراً نمطية، والبعضُ الآخر أثبتَ وجودَهُ بوعيٍ وثقة. ما أراه اليوم مُبشّر، لأنَّ الوعيَ النِّسائيَّ في تصاعد، والإيمانَ بالقدرةِ على التغييرِ صار واقعاً لا حُلماً.

س: حدّثينا عن منتدى “آفاق الفكر والثقافة” الذي تُديرينه حاليًّا في السويد.

-منتدى "آفاق الفكر والثقافة" هو مساحةٌ للحوار المفتوح بين المبدعين من الشرق والغرب، هدفُه أن نلتقي على أرضِ الفكر لا على حدودِ الاختلاف. نحاولُ أن نربطَ الأدبَ بالحياة، وأن نجعلَ من الكلمة طاقةَ بناءٍ لا مجرّدَ احتفاءٍ لغويّ. ولابد من التنويه أني وصديقتي الأديبة ريما آل كلزلي أجتمعنا على فكرة إنشاء هذا المنتدى ونعمل معاً وبدأب على الارتقاء بالمشهد الثقافي من خلال هذا المنتدى

في هذا المنتدى نسلط الضوء على كل أنواع الأدب، مناقشة روايات، قراءات لمجموعات قصصية، قراءات في مجموعات ودواوين شعرية وَ وندوات في المسرح والفن التشكيلي، وَ ونتعرض أَيُّضاً للكثير الكثير من المواضيع الأدبيّة، وكل ذلك بحضور قامات أدبية ونقاد مميزين في الوطن العربي.

س: من وجهة نظركِ، كيف يُمكن للثقافة والفكر أن يُسهما في تمكين المرأة؟

-الثقافي تغيير الذهنيات وَ والفكر يغير القناعات وعندما يتكاملان تنشأ بيئة تحتضن المرأة.

الثقافةُ والفكرُ هما السلاحانِ الأكثرُ نقاءً في معركةِ الوعي. حين تمتلكُ المرأةُ فكراً حرّاً، تصبحُ قادرةً على رفضِ كلِّ قيد. فالتمكينُ الحقيقيُّ يبدأُ من الوعي، لا من المنصب. الفكرُ يمنحها القُدرةَ على الاختيار، والثقافةُ تمنحها الثّقةَ بأنَّ صوتَها ضرورةٌ لا زينة.

س: هل تواجهُ المرأةُ المبدعةُ في المجتمعاتِ العربيةِ تمييزًا حتى اليوم؟

-نعم، التّمييزُ ما زال موجودًا، وإن كان حدته يختلف من بلد إلى آخر، ومن مجال إلى آخر، فأحياناً يشكك في إبداعها وينسب هذا النجاح إلى المساعدة أو الظروف وليس من موهبتها وجهدها، بعض المبدعات يواجهن رقابة عائلية أو مجتمعية على كتاباتهن وهذا يدفع بعضهن إلى الكتابة بأسماء مستعارة،

 لكنه لم يعُد قادراً على كسرِ الإرادة كما في السّابق.و وسائل التواصل الاجتماعي فتحت مساحات حرة مكنت المرأة من الوصول بشكل مباشر إلى الجمهور، هناك مقاومةٌ صامتةٌ تُمارَسُ ضدّ النساءِ المبدعات، لكنّنا نتجاوزُها بالوعي والإصرار. كلُّ أنثى تكتبُ اليوم هي شمعةٌ في طريقِ التَّحرر.

س: ما القضايا التي تشعرين أنها ما زالت تُثقِل كاهلَ المرأةِ العربية؟

-ما يُثقِلُ كاهلَ المرأةِ العربيةِ اليوم ليس الظُّلمُ الاجتماعيُّ فحسب، بل الإرثُ الثقافيُّ العميقُ الذي يحدُّ من رؤيتِها لذاتها. هناك قيدٌ خفيٌّ ما زال يُكبّلُ وعيها: قيدُ التوقّعاتِ التي تُرسمُ لها قبل أن تختارَ هي مَن تكون.

تعيشُ صراعًا يوميًّا بين ذاتِها الحقيقيةِ وصورتِها المفروضة، بين رغبتِها في الانطلاقِ وضرورةِ إرضاءِ المجتمع.

قضاياها لا تختصرُ في المساواةِ الشكليةِ أو المشاركةِ الرمزية، بل في الحقِّ في الوعي والاختيار.

نحتاجُ إلى خطابٍ ثقافيٍّ جديدٍ يُعيدُ بناءَ الوعي منذ الطفولة، يُعلّمُ الفتاةَ أنَّ صوتَها لا يقلّ عن أيِّ صوتٍ آخر، وأنَّ الفكرَ ليس حكرًا على جنسٍ دون آخر.

التعليمُ هو المفتاحُ الأول، والثقةُ بالنّفس البابُ الثاني. أمّا الخطرُ الأكبرُ، فهو العنفُ الرمزيُّ حين تُختزلُ المرأةُ في المظهرِ أو في الأدوارِ النمطية.

لقد آن الأوانُ أن ننتقلَ من مرحلةِ الدفاعِ إلى مرحلةِ الفعل — من المطالبةِ بالحقِّ إلى ممارستِه بثقةٍ ووعي.

المرأةُ العربيةُ لا تحتاجُ إلى مَن يُنقذها، بل إلى مَن يُؤمنُ بها.

س: يُثارُ كثيرٌ من الجدلِ حولَ مصطلحِ "الأدبِ النّسويّ". كيف تنظرين إليه؟

-الأدبُ النّسويُّ في نظري ليس خندقاً معزولًا عن الأدبِ الإنسانيّ، بل ضوءٌ يُسلّطُ على زوايا ظَلَّت طَويلًا مُهمَّشةً في التجربةِ البشرية.

حين تكتبُ المرأةُ، فهي لا تكتبُ فقط لتُعبّرَ عن ذاتِها الأنثوية، بل لتُعيدَ طرحَ الأسئلةِ الكبرى من زاويةٍ أكثر حسّاً وصدقاً.

وإن كان الأدبُ النّسويُّ قد وُلد من الحاجةِ إلى استعادةِ التوازن، فإنّ جوهرَه ليس الصراعَ بل التكامل.

إنَّه مساحةٌ تقولُ فيها المرأةُ ما لم يُتحْ لها قولُهُ لقرون، تُدوّنُ تفاصيلَها الصغيرة التي هي في جوهرِها قضايا إنسانيةٌ كبرى: الحُب، الحرية، الوجود، والفقد.

لكنّني أرفضُ أن يُختزَل هذا الأدبُ في كونهِ صرخةً احتجاجيّةً فحسب؛ فقيمةُ النّصّ لا تُقاسُ بجنسِ كاتبِه، بل بقدرته على لمسِ الإنسانِ فينا.

لذلك أراه أدبًا إنسانيًّا تُضفي عليه المرأةُ نكهةَ التجربةِ ودفءَ الرؤيةِ وجرأةَ البوح.

فالأدبُ لا جنسَ له، لكنّه لا يكتملُ دون صوتِ المرأة.

س: "الأحلامُ هي البذورُ التي تنبتُ منها ملامحُ الغد." ما الأعمالُ التي تتطلّعين إليها؟

-أحلمُ بإصدارِ عملٍ شعريٍّ مختلفٍ في بنائِه، يمزجُ بين السّردِ والفلسفة. كما أعملُ على كتابٍ نثريٍّ يوثّقُ تجربتي بين الشرقِ والغرب. أريدُ أن أتركَ أثراً يذكّرُ الناسَ بأنَّ الحلمَ لا يشيخ، وأنَّ الكلمةَ قادرةٌ على تجاوزِ المسافات.

س: من خلالِ تجربتكِ ومسيرتكِ، ما الرسالةُ التي تتمنّين أن تصلَ إلى كلِّ امرأةٍ عربية؟

-أن تُؤمنَ بنفسها أوّلًا، وألّا تنتظرَ اعترافَ العالمِ بها. الطريقُ صعبٌ، لكنَّ الخطوةَ الأولى هي شجاعةُ النهوض. على المرأةِ أن تكتبَ حكايتَها بيدِها، لا أن تكونَ سطراً في روايةِ أحدٍ غيرِها.

س: لو كانت أمامكِ فتاةٌ تحملُ قلمَها لأوّل مرّة، ما الكلماتُ التي تهمسين بها لها؟

-أقولُ لها: اكتبي… ولا تخافي من البداياتِ المتعثّرة. لا تخافي من الأخطاء فالقلم في البداية يتلعثم مثل طفل يتعلم الكلام فدعيه يخطئ ويتعثر الكتابةُ تُشبِهُ الحياةَ، فأكتبي لأنك تريدين أنْ تفهمي نفسك والعالم لا لأنك مضطرة لإبهار أحد، دَعي قلبَكِ يقودُكِ، وكوني صادقةً مع نفسكِ، فالكلمةُ الصادقةُ تعيشُ أكثرَ من أصحابِها.

أهمس لك بمحبة: القراءة هي الوقود والكتابة هي الشرارة، اقرئي كل شيءٍ حتى التغريدات اليومية فكل قراءة قد توقظ فكرة.

***

حاورتها: د. آمال طرزان مصطفى

 

في المثقف اليوم