نصوص أدبية
مروان الدليمي: في تلك الليلة التي عدنا فيها من السينما
الصورة التي ظهرت أمامي على صفحة "الفيس بوك" لم تكن سوى صدفةٍ رقمية، تلك الأنواع من الصدف التي تحدث في منتصف الليل وتغير مزاجك بالكامل، دون أن تعرف السبب. كنت أتنقل بلا هدف بين منشوراتٍ مجهولة، أخبارٍ عابرة، وجوهٍ لم أعد أميزها، حين توقفت فجأة أمام وجهٍ أعرفه أكثر مما أريد أن أعترف. صديقي عبد الرزاق ابراهيم .
كان أحد تلامذته قد نشر صورته في ذكرى رحيله عام 2011، بعد صراعٍ طويل مع المرض. الصورة لم تكن جديدة، لكنها لم تكن قديمة بما يكفي لتصير ذكرى مطمئنة. فيها كان عبد الرزاق يبتسم نصف ابتسامة، كما لو أنه يعرف أكثر مما يقوله. ملامحه تبدو في مكانٍ آخر، كأنها تسمع ما لا نسمعه، أو تتابع حوارًا غير مرئي بينه وبين الحياة التي أفلتت من بين يديه.
تجمّدت الصورة أمامي لثوانٍ طويلة. الغريب أنني لم أرها على الشاشة، بل رأيتها داخلي، كما لو أن الضوء الذي يشع من هاتفٍ باردٍ قد اخترق فجأة ذاكرةً ظننتها مطفأة منذ زمن. لم تعد الصورة مجرد وجه، بل مفتاح. ومع انفتاحه، انفتح الباب على تلك الليلة البعيدة التي ظلت راكدة في أعماقي مثل بركة ماءٍ في زمنٍ بلا مطر.
تلك الليلة… نعم، لا أعرف لماذا عادت الآن، بهذه الحدة، بهذا الضوء المائل إلى الحنين. إنها الليلة نفسها التي لم أعرف بعدها صفاءً يشبهها ولا فرحًا يوازيها. كل ما تلاها كان أشبه بظلٍ باهتٍ لما كان يمكن أن يكون. ربما لهذا السبب بدت صورة عبد الرزاق وكأنها لا تتحدث عن الموت بقدر ما تعيد إحياء لحظةٍ قديمة من حياةٍ أخرى، حياةٍ لم نعرف وقتها أنها ستغدو ماضينا الوحيد.
أذكرها الآن كما لو كانت تكتب نفسها من جديد. كانت تمطر في الخارج، وكان الليل يهبط ببطءٍ على المدينة التي لم تكن تعرفنا بعد. كنتُ مع عبد الرزاق، زميلي في كلية الفنون الجميلة، ندرس المسرح ونؤمن – بسذاجةٍ جميلة – أن الفن يمكنه إنقاذ العالم. كان في صوته حين يتحدث عن المسرح شيء من الحلم وشيء من الحزن، كأنّه يعيش دائمًا بين المشهد والبروفة، بين ما يجب أن يحدث وما يحدث فعلًا.
ذلك الزمن، حين أستحضره الآن، لا يبدو وكأنه ماضٍ تمامًا، بل كأنّه ما زال يتنفس في مكانٍ ما خارج الزمن، حيث لا أحد يكبر، ولا شيء ينتهي. في ذاكرةٍ كهذه، لا تعود التفاصيل تمضي بخط مستقيم، بل تتشابك، تلتفّ، تندمج، كما لو أن الأمس واليوم يتبادلان الأدوار دون أن يخبرانا.
هكذا حدث مع الصورة أيضًا. لم تكن مجرد استذكارٍ لشخصٍ رحل، بل عودة غير متوقعة إلى الذات التي كنتها معه. ربما لهذا شعرت وأنا أحدّق فيها بأن المطر بدأ يهطل في مكانٍ ما خلفي، ليس في الخارج بل في الذاكرة نفسها، حيث كل شيءٍ يعود ليُختبر من جديد. وكأنّ الصورة، بنظرتها الساكنة تلك، كانت تقول لي إننا لا نغادر أصدقاءنا حقًا، بل نواصل الحياة داخل الصور التي تذكّرنا بأننا كنا يومًا أحياء.
كنتُ وصديقي عبد الرزاق، الذي كان حينها مجرد مخرج في خياله، نعيش مرحلةً غريبة حيث يلتبس الواقع بالحلم، وتصبح الحدود بين الحياة اليومية والمسرح غير محسوسة. كنا طلبة في كلية الفنون الجميلة، نحمل طموحًا كبيرًا، لكنّه لم يكن طموحًا للنجاح أو للشهرة، بل طموحًا للعثور على مساحة يمكننا فيها أن نكون صادقين مع أنفسنا، ولو للحظات قصيرة. كان المسرح بالنسبة إلينا وطنًا مؤقتًا، ملاذًا نصنعه بين الجدران، حيث نرى أنفسنا على حقيقتنا كما نودّ أن نكون، لا كما يفرض الواقع أن نصبح.
أذكر كيف كنا نغادر قاعة التدريب أو خشبة المسرح بعد نهاية اليوم، نحمل في صدورنا شيئًا لا يُرى ولا يُقاس، شعلة خفية من الإيمان بأن الفن، هذا الكائن الهش والنبيل معًا، قادر على ترتيب العالم بطريقة مختلفة، وفق إيقاع أكثر انسجامًا مع الأحلام. لم نكن نعرف بعد معنى العالم، لم نكن نعلم كيف يمكن تغييره، لكننا كنا نؤمن، ربما بلا وعي، أن الخلاص موجود في الضوء الذي يسلط على الخشبة، في الكلمة التي تُقال في اللحظة المناسبة، وفي الصمت الذي يملأ المسرح ويصبح كالصلاة.
عبد الرزاق كان يملك تلك النظرة التي تجمع بين الطفولة والوعي المبكر، بين الدهشة والجدية، كأنّه دائمًا يتلمس العالم من زاويةٍ مختلفة عن الآخرين. كانت أحاديثه عن المسرح مليئة بالتصورات المجازية، لكنها لم تكن مجرد كلمات؛ كانت خرائط صغيرة تقودنا عبر المتاهة الغريبة للفن، وتعلمنا كيف نرى ونشعر قبل أن نتصرف أو نتحدث.
في أيام التدريب، كنت ألاحظ كيف تتحرك أفكاره بلا توقف، كيف ينسج الأحداث في رأسه قبل أن تُعرض على الخشبة، وكيف يتعامل مع كل مشهد كما لو أنه يعيش أكثر من حياة واحدة في الوقت ذاته. وكان شيءٌ آخر يثيرني فيه: قدرته على المزج بين الواقع والخيال دون أن ندرك متى ينتهي أحدهما ويبدأ الآخر. كانت حياتنا اليومية تبدو كامتداد مباشر لما نختبره على المسرح، وكأننا نعيش النصوص قبل أن نكتبها، ونمثلها قبل أن تصير حقيقية.
في تلك المرحلة، كان كل يوم يحمل إمكانات غير محدودة. كانت الفصول الدراسية والممرات الضيقة في الكلية والأزقة التي نمشيها بعد التدريب كلها جزءًا من عالمنا المسرحي الداخلي، جزءًا من تلك الشبكة المعقدة من الانفعالات والأحلام واللحظات العابرة التي تعلمنا فيها معنى الصدق مع الذات. كل ضحكة، كل إيماءة، كل صمت كان يترك أثرًا فينا، أثرًا يشبه اللوحة غير المكتملة، التي نعرف أنها ستكتمل فقط حين نعيد النظر إليها بعد سنوات، أو حين يظهر شخص ما – كما حدث مع صورة عبد الرزاق – ليعيد فتح باب الذاكرة على مصراعيه.
وهكذا، كانت علاقتنا بالمسرح تجربة مستمرة للوجود، حيث نختبر الحياة بحواسٍ مكثفة، ونكتشف العالم من خلال لعبةٍ دقيقة بين الضوء والظل، بين الصمت والكلمة، بين ما نريد وما يحدث. كل لحظة كانت تبدو بسيطة، لكنها كانت في الواقع مفعمة بالمعاني الخفية، كما لو أن كل شيء، حتى أكثر التفاصيل تفاهة، كان جزءًا من النص الكبير الذي كنا نعيشه دون أن نكتبه.
وفي هذا التداخل بين الحياة والفن، بين الحلم والواقع، بين الذات والزمن، اكتشفنا شيئًا أساسيًا: أن المسرح ليس مجرد مكان نصنع فيه مشاهد، بل هو المكان الذي نختبر فيه حقيقة وجودنا، ونصغي فيه إلى أصواتٍ ربما لن نسمعها أبدًا في أي سياق آخر، أصواتٍ تجعلنا نفهم – ولو للحظة قصيرة – أننا لسنا منفصلين عن العالم، وأن الفن الحقيقي هو الذي يجعلنا نعيش في اللحظة ونشعر بها بصدقٍ كامل.
كان عبد الرزاق يملك تلك النظرة التي تجمع بين الجد والدهشة، بين الطفولة والحكمة المبكرة، نظرةٌ تجعل كل كلمة يقولها تتردّد داخلك كصدى بعيد لا تعرف مصدره، وكأنها تحرك شيئًا قديمًا نائمًا في داخلك. كان يؤمن، بشكل لم أستطع تفسيره حينها، بأن المسرح ليس مجرد تمثيل، بل حياة مضاعفة، وأن الممثل لا يتقمص دورًا، بل يكتشف في كل شخصية وجهاً آخر من ذاته، كما لو أن كل نصّ مسرحي هو خريطة غير مرسومة للعالم الداخلي.
كنت أستمع إليه بإعجاب وريبة، كما يستمع الإنسان إلى لغةٍ لا يعرف قواعدها بعد، لكنها توقظه، تلمس شيئًا غامضًا في أعماقه، شيئًا يشبه الحلم القديم الذي ينتظر من يوقظه بعد سنوات طويلة.
كانت أيامنا تمضي ببطء جميل، كفصل طويل من رواية لم ندرك أننا نكتبها بأجسادنا وأصواتنا وحركاتنا الصغيرة.
كل صباح كان وعدًا جديدًا بالدهشة، كل مساء كان انطفاءً مؤقتًا لذلك الوعد، لا يلبث أن يعود في اليوم التالي. عشنا في زمن لم يكن الماضي فيه قد صار حنينًا بعد، ولم يكن المستقبل قد اتخذ شكله من الخوف والشكوك. عشنا ببساطة نادرة، وبفرح لا يعرف سببًا سوى أنه وُجد، كأنه شمس خافتة تتسلل من نافذة مهجورة لتضيء زاوية مهملة من الغرفة.
عدنا في تلك الليلة من السينما، نحمل في أعماقنا شيئًا من الصمت الذي يتركه الفيلم بعد أن ينطفئ الضوء على الشاشة، صمت يبقى حيًا في الداخل، يتحرّك في طبقات خفية من الوعي، مثل فقاعات الهواء التي تسبح في زجاجة مغلقة لا تُفتح.
الحافلة كانت تمضي ببطء يشبه الحلم، تنزلق على الطرق المبللة، وأضواء الشوارع تذوب في زجاج النوافذ كدموع لا تنتهي، تاركة خطوطًا ضبابية على وجوهنا لم نستطع تفسيرها حينها.
لم يكن المطر مجرد خلفية للمشهد، بل امتدادًا طبيعيًا للفيلم الذي خرجنا منه، فيلم بلا عنوان ولا نهاية، يكتبه الليل قطرة قطرة على وجه المدينة، يكتبنا نحن أيضًا في صمتنا، في حركاتنا، في أصوات ضحكنا المكتومة. كل قطرة كانت كأنها رسالة من السماء، رسالة تقول إن العالم أكثر رقة مما ندرك، وأننا لسنا مضطرين لتفسير كل شيء، بل لنكون موجودين، لنشعر، لنحتفل باللحظة العابرة التي لا تعود، ونسمح لأنفسنا بالانصهار في ما حولنا.
في تلك الليلة، وبين المطر والضوء والصمت، شعرت لأول مرة أن الحياة والمسرح ليسا شيئًا منفصلًا عن بعضهما، بل شريط مستمر من اللحظات الصغيرة، التي إذا جمعناها معًا، تكوّن معنىً أكبر من أي نص مسرحي أو فيلم قد يُعرض. وكأن عبد الرزاق، بصمته وابتسامته، كان يعلم ذلك كله، بينما نحن كنا نكتشفه ببطء، قطرة بعد قطرة، كالمطر نفسه، بلا استعجال، بلا وعي كامل، لكن مع شعور نادر بالاكتمال.
في تلك اللحظات، شعرنا أننا لا نعود إلى مكانٍ محدد، بل إلى أنفسنا، إلى ذلك الجزء العميق الذي لا تلمسه الأيام إلا حين تمطر.
الحافلة كانت تضج بأحاديث متقطعة، لكننا ظللنا صامتين، كلٌّ منا غارق في عوالمه الداخلية.
وجه عبد الرزاق كان مبللاً بالضوء الأصفر القادم من المصابيح، وعيناه تنعكسان كصفحتين من نهر صغير يتذكّر طفولته.
لم أكن أعرف إن كان يفكر في الفيلم الذي خرجنا منه أم في تفاصيل حياته، لكنني كنت متيقنًا أننا نعيش نوعًا من الامتداد بين ما رأيناه على الشاشة وما نشهده الآن خارجها؛ كأن الفن قد تسرب إلى الواقع، فصار المطر نفسه عملًا سينمائيًا، وكل شارعٍ مشهدًا من فيلم غير مكتوب بعد.
حين توقفت الحافلة عند الحي السكني، كانت السماء قد فتحت أبوابها على مصراعيها، وانهمر المطر كأنه إعلان سماوي عن بداية جديدة. لم نحمل مظلات، ولم نفكر لحظة في الاحتماء. بل على العكس، بدا أن فكرة الاحتماء تُسيء إلى ذلك الطقس المقدس، إلى النعمة التي تهبط علينا من أعلى، كغسلٍ عذب يطهّر القلب من غبار الأيام الجامدة، من الطبقات الخفية للإرهاق والخيبة التي تراكمت فينا دون أن نشعر.
خرجنا من الحافلة كما يخرج المرء من حلم طويل ليجد نفسه في حلم آخر. الهواء كان بارداً، لكنه لم يكن مؤذيًا؛ كهواء جديد يولد للتو، نديًّا، محمّلًا برائحة الأرض التي تستيقظ بعد طول غياب.
مشينا بخطوات بطيئة في الأزقة التي غمرتها المياه، كل خطوة كانت تُصدر موسيقى خفيفة، تشبه إيقاع المطر على زجاج النوافذ.
لم نكن نضحك ولا نتحدث، لكن بيننا كان حوارٌ صامت من نوعٍ نادر، حوار لا تُقال فيه الكلمات، بل يُستشعر كما تُستشعر حرارة اليد في الظلام، كأننا نتشارك نفس الحلم، نفس الامتداد الغامض للوجود.
كل تفاصيل الأزقة، من انعكاسات الأضواء على الماء إلى أصوات أقدامنا المبللة، كانت تبدو وكأنها جزء من نص مسرحي مكتوب لنا وحدنا.
لم يكن هناك جمهور
لم يكن هناك توقعات
فقط نحن، المطر، والليل، في انسجامٍ كامل، حيث كل شيءٍ يصبح ممكنًا وكل شيءٍ مستمر بلا سبب منطقي.
شعرتُ حينها، لأول مرة بوضوح، بأن الحياة والمسرح ليسا شيئًا منفصلًا، وأن تلك اللحظة العابرة، بكل بساطتها وغموضها، كانت تحمل كل معنى الفن الذي نحاول أن نفهمه منذ بداية دراستنا.
ومع كل خطوة، كل ضحكة مكتومة من الماضي، كل نبضة قلب خفية، كان المطر يكتب نصنا الخاص، نصٌّ لا يُرى إلا في أعماق الذاكرة، نصٌّ يتنفس معنا، يتقاطع مع كل لحظة من حياتنا القادمة، كأن عبد الرزاق، بصمته وهدوءه، كان يوقظ فينا إدراكًا لم نعرفه من قبل: أن الفن الحقيقي ليس ما نُقدمه على الخشبة، بل ما نعيشه بصدق حين يصبح الواقع مسرحًا بحد ذاته.
مشينا في الأزقة دون عجل، كأننا نحاول تمديد اللحظة إلى ما لا نهاية، نسمع وقع أقدامنا على البرك الصغيرة، نشعر بنسيم المطر البارد يمر على وجوهنا، ونراقب انعكاسات أضواء الشوارع على الأسطح الرطبة. كل زاوية، كل جدار مبلل، كل ظل كان يتحول في عينيّ إلى جزء من نص مسرحي حي، نص لم يكتبه أحد، لكننا كنا نشعر أنه مكتوب لنا وحدنا.
عبد الرزاق كان يسير بجانبي بصمت، وكأن صمته جزء من الحوار. كنت أعرف أنه يراقب كل شيء، ليس فقط المطر أو الأزقة، بل نحن أنفسنا، كيف نتفاعل مع كل نقطة ماء، كل انعكاس ضوء، كل همس للريح بين الأشجار.
في صمته كان درسٌ في الفن، في الحياة، في القدرة على التواجد الكامل في لحظة لا تتكرر.
توقفنا تحت مزراب يصرخ بالماء المتدفق من سطح أحد البيوت، وتركنا المطر ينسكب فوق رؤوسنا، يبلل ملابسنا، كأننا نغتسل من كل شيء ثقيل في حياتنا اليومية:
من الضغوط الصغيرة
من القلق غير المعلن
من الإحباطات التي تراكمت بلا صوت.
لم نكن نخاف من البلل، بل بدا أن كل قطرة مطر هي دعوة للحرية، تذكير بأننا أحياء، وأن اللحظة الحالية تستحق كل انتباهنا.
حين وصلنا أخيرًا إلى السكن، خرج بعض الطلبة ينظرون إلينا بدهشة، ونحن نضحك بلا اكتراث، بلا شعور بالخجل، بلا أي محاولة للتمويه.
كنا نعرف سرًا صغيرًا، شعورًا لم يفهمه أحد سوانا: أن السعادة الحقيقية لا تأتي من الترتيب أو السيطرة، بل من التسليم للشيء الذي يحدث الآن، من الانغماس في اللحظة بلا تحفظ. كانت ضحكتنا امتدادًا للمطر، جزءًا من نص لم يُكتب، لكنه حيّ في داخلنا كما لو أن الحياة نفسها كانت مسرحًا نعيشه بلا سيناريو مسبق.
في تلك الليلة، اكتشفت أن الفن الحقيقي ليس مجرد كلمات أو مشاهد على خشبة مسرح، بل لحظات مثل هذه، حيث يصبح العالم كله مسرحًا، والمطر ممثلًا، والضوء ناقدًا، والصمت مشهدًا مكتملًا. تعلمت أن كل شيء صغير يمكن أن يحمل معنى كبيرًا، وأن المسرح والحياة ليسا شيئًا منفصلًا، بل خيطًا واحدًا يمتد من الماضي إلى الحاضر، من الداخل إلى الخارج، من الذات إلى العالم.
وعندما أغلقنا الباب خلفنا، وجلسنا على المقاعد الرطبة في غرفتنا، شعرت بأن تلك الليلة، بكل ضحكها ومطرها، بكل صمتها وحركتها، ستبقى معنا إلى الأبد. كانت درسًا عن الحياة، عن الفن، عن الصداقة، عن الوقت الذي لا يعود، لكنها، في الوقت نفسه، كانت وعدًا: بأن كل لحظة يمكن أن تتحول إلى شيء خالد، إذا عرفنا فقط كيف نعيشها بالكامل، بلا خوف، بلا تردد، بلا حدود سوى حدود قلبنا وقدرتنا على الانتباه الكامل لما يحدث.
ضحكنا كما لم نضحك من قبل، ضحك لم يكن صادرًا من الفم فقط، بل من أعماق لم نكن نعلم بوجودها فينا.
وجوهنا مرفوعة نحو السماء، والماء يتدفق فوق جباهنا وأعيننا المغلقة، كأننا نشارك في طقس غامض من التعميد، طقس يُعيدنا إلى حالٍ أولى، صافية، بلا مرآة أو مراقب. نناجي السماء لا بالكلمات، بل بالاستسلام لها، بالقبول لأن يُبللنا المطر ويغمرنا ويُمحو كل ما يثقل تفاصيلنا اليومية. في تلك اللحظة لم نكن طلابًا ولا فنانين ناشئين، بل كائنات خرجت للتوّ من طوفان كوني، تحاول اكتشاف لذة الخلق من جديد، وكأن العالم يُعيد تعريف نفسه معنا لحظة بلحظة.
المزاريب كانت تصرخ بماء الأسطح، ووقفنا تحتها كما يقف العطاشى عند نبع مقدس، نترك الماء يهدر على رؤوسنا بقوةٍ جعلتنا نضحك أكثر، نضحك كمن يمارس طقسًا داخليًا للتطهير، ليس عبر الاعتراف بالكلمات، بل عبر الفيض المائي الذي يطهر الجسد والروح معًا.
كان الضحك يتدفق من داخلنا بلا حواجز، بلا خجل، بلا قيود، كأنه يتغلغل في كل خلية، ويعيد ترتيب كل شيء في الداخل. لم نكن ندرك حينها أن هذا الضحك سيصبح، بعد سنوات طويلة، من أكثر الأصوات التي يحن إليها القلب، حين يتبقى من الرفاق إلا ذكرى وصدى لحظاتهم العابرة.
شعرت حينها أن الزمن قد توقف حقًا، وأن عقارب الساعات قد خجلت من عبثنا الطفولي فآثرت التراجع إلى الوراء.
الليل، الذي طالما بدا غامضًا ومغلقًا، صار شفافًا على نحوٍ غريب، كأن العين تستطيع الرؤية من خلاله ما وراء الأشياء، ما وراء الأحداث، ما وراء الذات نفسها. بدا العالم وكأنه لم يُخلق إلا لتلك المتعة العابرة، لتلك اللحظة التي اتحد فيها الجسد بالماء، والفرح بالجنون، والذاكرة بالحاضر.
كانت تلك الليلة تجربة استثنائية، اختبرت حدودنا كبشر، حدود ضحكتنا، حدود إحساسنا بالحرية. كل قطرة مطر، كل هدير للمزاريب، وكل صمت بين الضحكات كان نصًا مسرحيًا حيًا، مكتوبًا من قبل لا أحد، لكنه مكتوب لنا وحدنا، نقرأه بلا وعي، نشعر به بلا تفسير. وفي تلك اللحظة، أدركت أن السعادة الحقيقية ليست في المستقبل ولا في الماضي، بل في الامتداد الكامل للحظة، في الاستسلام للمطر، في الانغماس في الحاضر حتى آخر قطرة منه، حتى آخر نفس من فرحةٍ خالصة لم تخضع لقوانين العالم بعد.
ولعلّ ما جعل تلك الليلة حية في داخلي، رغم مرور الأعوام، هو أنها كانت تذكيرًا بأننا، في أعماقنا، ما زلنا أطفالًا، وأن المطر – مهما كبرنا – يملك القدرة على إعادتنا إلى أصلنا الأول، حيث لم نكن نعرف شيئًا عن الخوف أو التردد، وحيث تختصر الحياة بأكملها في لحظة واحدة: لحظة نضحك فيها تحت السماء المفتوحة، مبللين تمامًا، سعداء بلا سبب واضح، فقط لأننا كنا هناك، نعيش كما لم نعش من قبل.
وعندما بلغنا السكن، وقد التصق الماء بأجسادنا كوشاح من الضوء، خرج بعض الطلبة إلى الممرات والنوافذ، كأنهم يشهدون مشهدًا من مسرحية غريبة لا يعرفون عنوانها. بدت وجوههم متسائلة، نصف مبتسمة ونصف مذهولة، تنظر إلينا ونحن نعبر البوابة الضيقة كمن يدخل من زمن آخر. لم يكن في نظراتهم استهجان بقدر ما كان فضولًا مشوبًا بعجز عن الفهم؛ كانوا يرون فينا شيئًا لا يمكن تسميته، شيئًا يذكّرهم ربما بما نسوه، دون أن يدركوا أنهم نسوه.
أما نحن، فقد كنّا نضحك. نضحك لا لأن شيئًا مضحكًا قد حدث، بل لأن الضحك وحده كان قادرًا على احتواء الامتلاء المدهش الذي نشعر به. كان في ضحكنا نوع من النشوة الصامتة، نابعة من يقين غامض بأننا لمسنا جوهر الحياة دون قصد. بلل الثياب، قطرات الماء التي تتسلل إلى أعناقنا، البرد الذي بدأ يقرص أطرافنا — كل ذلك لم يكن إلا جزءًا من الطقس، من الطهارة التي تمنحها اللحظة لمن يجرؤ على عيشها حتى آخرها.
تذكرت حينها كيف أن كل حركة، كل همسة، كل ضحكة، كانت كأنها حروف تُكتب على صفحة الزمن، صفحة لا يمكن لأي أحد قراءتها إلا بعد أن تصير ذكرى. وما زال ذلك الامتلاء الغامض يرافقني كلما تذكرت المطر، كلما رأيت وجهًا عزيزا يبتسم بلا سبب، أو شعرت بهبوب نسيم يمر على يدي كما لو كان يعيدني إلى تلك اللحظة، حيث كل شيء كان حقيقيًا، حيث كل شعور كان صادقًا، حيث كنا – ببساطة – أحياء على نحو كامل.
في تلك الليلة، تعلمت شيئًا لن أنساه أبدًا: أن السعادة الحقيقية لا تُصنع، ولا تُبنى، بل تُستعاد، مثل المطر، بلا سابق إنذار، بلا سبب، ببساطة لأنها تأتي لتوقظ فينا الطفل الذي نسيه الزمن، وتعيد إلينا القدرة على رؤية العالم كما يُستحق أن يُرى، بتوهج، بصفاء، وبفرح كامل لا يُقاس. وكلما تذكرت تلك الضحكات، تلك الأمسية، أشعر بأن كل شيء في حياتي منذ ذلك الحين، مهما بدا عاديًا أو ضائعًا، يحمل في داخله نفس القدرة على الدهشة، نفس القدرة على أن يجعلني أعود إلى المطر، إلى طفوليتي، وحقيقة كوني موجودًا بلا أي قيد سوى اللحظة نفسها.
رأيت على وجه عبد الرزاق ابتسامة لم أرها من قبل، ابتسامة هادئة لكنها ممتلئة بما يشبه الصفاء. كأن المطر قد غسل عنه ثقل الأفكار التي طالما رافقته، عناد الفنان الشاب الذي يريد أن يفهم العالم قبل أن يحبه. كانت ضحكته تلك تقول كل ما لم يُقل في الليلة، تقول إن الحرية ليست في اختيار الطريق، بل في التسليم لما يدهشك، لما لا يمكنك السيطرة عليه، لما يُذكّرك فجأة أنك كائن هشّ لكنه حيّ، وأن الوجود نفسه، بكل فوضاه وجماله، يستحق أن يُعاش بلا حذر.
ولما تبادلنا النظرات ونحن نرتجف قليلاً من البرد، أحسست أن ما يربطنا في تلك اللحظة يتجاوز الصداقة أو الزمالة. كان المطر قد صهرنا في وحدةٍ غير مرئية، وحدة يعرفها فقط من اختبرها: أن تكون مع آخر في قلب العالم، بلا درع، بلا خوف، مستسلمًا تمامًا للدهشة. لم نكن نعلم أننا نعيش شيئًا سيبقى معنا إلى الأبد، كأن كل ضحكة في تلك الليلة تُسجَّل في ذاكرةٍ أخرى، ذاكرة لا تعرف النسيان، ذاكرة تختزن المطر والضوء والفرح والبراءة التي لم يعد بإمكاننا استعادتها إلا حين نُعيد خلقها في لحظات نادرة من الحياة.
وحين دخلنا الممر المظلم المؤدي إلى الغرف، كانت خطواتنا تُحدث صدى رطبًا على الأرض، كأننا نترك أثرًا خفيًا لما حدث في الخارج، أثرًا يربط بين الماضي والحاضر، بين ما عشته وما سيبقى في داخلنا. ترددت أصوات الطلبة خلفنا، أسئلة ضاحكة، تعليقات مبهمة، لكننا لم نجب. لم يكن فينا رغبة في التفسير. كنا نعلم أن ما عشناه لا يُفسَّر، لأن التفسير يقتله.
كل شيء كان حيًا في ذاكرتنا:
وقع المطر
موسيقى المزاريب
صفاء الليل
دفء اللحظة التي لم نكن نريدها أن تنتهي.
كنا ندرك، في صمتٍ كامل، أن السعادة الحقيقية تتشكل من تفاصيل صغيرة لا يمكن وصفها، وأن ما حدث لنا في تلك الأمسية ليس مجرد حادثة عابرة، بل تجربة حياتية متكاملة، تجربة تظل ترافقنا، تذكرنا بأن العالم، مهما بدا قاتمًا، يحمل لحظات يمكنها أن تُحيي أي روح، لحظات تختزل معنى الحياة في قطرة مطر، في ابتسامة صديق، في ضحكة لا تُنسى.
جلست على سريري بعد أن بدّلت ملابسي، وما زلت أشعر بالماء في شعري، ببرودته اللذيذة وهو يلامس عنقي، وسمعت ضحكنا يتردّد في داخلي كصدى بعيد يرفض أن يختفي. عندها فقط أدركت أن الحرية الحقيقية ليست شعارًا يُرفع، ولا قرارًا يُتخذ، بل لحظة انكشاف كامل أمام الوجود، لحظة انصياع لما هو أكبر منك وأصدق منك. أن تترك نفسك لما يُبلّلك، لما يُخيفك قليلًا، لما يجعلك تدرك أنك ما زلت تتنفس، وأنك ما زلت – رغم كل شيء – قادرًا على الدهشة، على استقبال العالم كما هو بلا حواجز.
في تلك الليلة، لم نضحك على المطر، بل ضحكنا معه، وكأننا شاركناه سره الأزلي: أن الحياة، حين تُعاش دون خوف، تتحول إلى ضحك خالص تحت سماء مفتوحة، ضحك يلمس القلب قبل أن يلمس الفم، ضحك يخلق عالمه الخاص، قصير العمر لكنه خالد في الذاكرة. لم أعرف بعد تلك الأمسية ليلة تضاهيها في صفائها وسعادتها، وربما لأن السعادة حين تبلغ كمالها لا تعود قابلة للتكرار، بل تتحول إلى معيارٍ خفي نقيس به كل ما يأتي بعدها، فنشعر بالنقص في كل ضوء، في كل ابتسامة، في كل لحظة لاحقة تحاول أن تقترب من الوضوح الذي عشناه حينها.
كانت تلك الأمسية، بكل جنونها ومطرها وضحكها وارتجافها الجميل، لحظة تفتحت فيها روحي على إدراك لم أكن أسعى إليه ولم أكن أعلم أنه ممكن. لم تكن مجرد ذكرى مراهقة أو حنينًا إلى زمن ضاع، بل كانت حدثًا كاشفًا، أقرب إلى الوحي، لحظة يتجلى فيها الجمال لا كمشهد منظور من بعيد، بل كحالة تُعاش بكل الحواس، بكل ما في الكائن من هشاشة ودهشة وانفعال.
كل شيء في تلك الليلة كان حيًا في داخلي: وقع المطر على الأرض، صدى ضحكتنا، انعكاسات الضوء على الأسطح المبللة، برودة الهواء التي أدركت بها جسدي، شعور الامتلاء الذي لم أجد له كلمة حينها. أدركت أن الفن، والصداقة، والحياة نفسها، تتقاطع في لحظات كهذه، لحظات صغيرة وحقيقية، تستدعي التوقف الكامل، اللحظة التي تجعل الزمن يبدو وكأنه يتسرب ببطء حتى يُصبح كل شيء منسجمًا، حاضرًا، واضحًا، ملموسًا.
ومن تلك اللحظة، بقيت تلك الليلة معي، لا في شكل صورة أو حكاية، بل كحاسة خفية، كمعيار داخلي للصفاء، للحقيقة، للفرح، وللقدرة على أن نكون أحياء بلا قيود، بلا أحكام، بلا خوف، مستسلمين بالكامل لجمال اللحظة التي لم نكن نعرف أننا كنا نصنعها حينها، لكننا عشنا بكل ما أوتينا من حضور ودهشة وانفتاح.
حين أفكر في تلك الليلة الآن، لا أرى المطر ولا الأزقة ولا وجوهنا الضاحكة فحسب، بل أشعر كأنني أستعيد جوهر التجربة الأولى في المسرح، في الفن، في الحياة ذاتها. فالمسرح – كما أدركت بعد ذلك – ليس مكانًا نراقب فيه الآخرين من بعيد، بل فضاء نُلقي فيه بأنفسنا تمامًا، كما ألقينا أجسادنا في المطر، بلا تحفظ، بلا حساب. الجمال، إذن، لا يُرى من بعيد، لأنه يذبل في المسافة، يفقد حرارته حين نضع بيننا وبينه مسافة الأمان. الجمال لا يُفهم، بل يُلمس، يُعاش، يُخترق كما يخترق البرد الجلد، وكما يخترق الصوت الصادق القلب.
كانت الأمسية تلك درسًا مبكرًا في معنى الوجود داخل اللحظة، في أن نكون جزءًا من المشهد لا متفرجين عليه. ففي كل ما صنعناه – غناءنا، ضحكنا، اندفاعنا إلى تحت المزاريب – كنا نمارس نوعًا من التمثيل العفوي، لا على خشبةٍ من خشبٍ وإضاءةٍ مصطنعة، بل على خشبة العالم ذاته، في ضوء البرق وصوت المطر، في تفاعل كامل مع ما حولنا. كل حركة كانت إيماءة صادقة، وكل ضحكة حوارًا مع اللامرئي، وكل قطرة مطر تصفيقًا صامتًا من السماء، وكأن الكون كله يشاركنا في هذا المشهد، يعترف بوجودنا، ويمنحنا حقنا في أن نكون أحياء وممتلئين تمامًا.
أدركت حينها، بطريقة لم تترك مجالًا للشك، أن الفن الحقيقي يبدأ حيث يتوقف الانفصال بين الداخل والخارج، بين الذات والعالم، بين الخشبة والحياة.
كل ما عشناه في تلك الليلة لم يكن مجرد تسلية أو خروج عن الروتين، بل ممارسة حقيقية للحرية، تجربة مباشرة للوجود، محاولة لفهم كيف يمكن للحياة أن تُعاش بلا حواجز، بلا قيود، بلا تزييف.
وحتى الآن، حين أسترجع تلك اللحظة، أجد نفسي أعود إلى ذاك الشعور بالاندماج الكامل، بالتماهي مع المطر، بالاتصال غير المشروط مع صديقي عبد الرزاق، ومع كل ما كان حولنا.
كانت تلك الليلة بمثابة درس أولي، تجربة أولى، لحظة كشف أولى، أذكى من أي تفسير أو فكرة:
أن نعيش، ببساطة
وأن نترك للحياة أن تتدفق كما تتدفق المياه
كما تتدفق اللحظات
كما تتدفق الذكريات، بلا قيود، بلا خوف، بلا حاجة لأن نفهم كل شيء، بل فقط لنكون حاضرين تمامًا، هنا، الآن، مع كل قطرة، مع كل ضحكة، مع كل نفس يتنفسه القلب.
وأدركت لاحقًا أن الفنّ الحقيقي، كالمطر، لا يمكن التحكّم به. يأتي حين يشاء، يهطل على من يشاء، ولا يترك بعده إلا أثرًا خفيًّا، بصمةً صغيرة تتغلغل في الداخل وتبقى، حتى لو تبدّد كل شيء آخر. تلك الليلة كانت أول درسٍ في التلقي، في الاستسلام لما هو أكبر من النية والإرادة، وأجمل من أي تفسير. لقد علّمتني أن الجمال ليس امتلاكًا، ولا رؤيةً، ولا حكمًا، بل انغماسًا كاملًا في المجهول، وثقةً صامتة بأن ما لا نُدركه بالعقل قد يكون أصدق مما نفهمه بالكلمات.
ربما لهذا، كلما جلست بعد ذلك في مسرحٍ مظلم أتابع عرضًا، كنت أستعيد تلك الليلة تلقائيًا، كما لو أن المطر الذي سقط قبل أربعين عامًا ما زال يهطل على كل شيء.
كنت أسمع صدى المطر في صمت المتفرجين، وأرى في كل ممثلٍ ظلًا لذاتي القديمة، تلك التي كانت تضحك بلا سبب سوى أن المطر كان يسقط ويغسل كل ما كان ثقيلًا داخلها.
لم أعد أبحث عن الكمال في الفنّ، بل عن الصدق؛ عن اللحظة التي يفقد فيها الفنان وعيه بذاته، فيصبح هو ذاته المطر الذي يغمر الآخرين، بلا حواجز، بلا قيود، بلا تفسير.
وهكذا ظلّت تلك الليلة بالنسبة إليّ درسًا مؤسسًا، درسًا في الجمال والحرية والطفولة، درسًا في أن الفنّ لا يُولد من الرغبة في الإبهار، بل من ذلك النوع النادر من التسليم، حين تنسى أنك تؤدي، وتصبح جزءًا من الكون وهو يضحك ويبلّل ويغني.
تحت المطر، عرفت أن المسرح ليس مجرد مكان، بل حالة وجود، وأن الجمال لا يُرى من بعيد، بل يُعاش بكل ما في العيش من بللٍ وضوءٍ واندهاشٍ لا ينتهي.
أغلقت شاشة الهاتف، لكن وجه عبد الرزاق بقي أمامي، كما لو أن المطر لم يتوقف بعد، وكأن تلك الليلة التي جمعتنا لم تكن مجرد ذكرى، بل زمنًا ما يزال يسيل في داخلي، يذكّرني بأن بعض الصداقات لا تموت، بل تتحول إلى ضوء خفيف يسقط علينا كلما رأينا صورةً، أو سمعنا المطر، أو تذكّرنا أننا مرةً ما، تحت سماءٍ مفتوحة، عشنا أعمق معنى للحرية والفرح، حين لم يكن هناك شيء سوى المطر، وضحكتنا، وقلوبنا البكر التي لم تعرف الخوف بعد.
***
مروان ياسين الدليمي






