عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

فراس ميهوب: زهير ورسائل العشاق

– إلّا الشرف يا حيوان!

سمعنا صوتا مدويّا، خرجت من المنزل، مع والدي رحمه الله لنرى ما يحدث، فإذا بشاكر، الشاب المعروف بعضلاته المفتولة ونزقه، يمسك زهيرا من تلابيبه في وسط الشارع الرئيسي في حارتنا، ويصرخ مهددا:

-إلّا الشرف يا حيوان.

لم نفهم شيئا للوهلة الأولى، فما علاقة هذا الشاب المسكين بشرف القبضاي شاكر؟

زهير شاب نحيل، شاحب الوجه، يميل لونه إلى الصفرة حتى ليظنه الناظر مصابا باليرقان، لكنه لم يكن مريضا، وما يزال حيّا يُرزق حتى اليوم.

كان زهير انطوائيّا، خجولا، ضعيف الصوت، بالكاد يُسمَع، ميّالا إلى العزلة، وزاد تقوقعه مع تفوقه في الشهادة الثانوية، وانتسابه إلى كلية الآداب – قسم اللغة العربية – بجامعة دمشق.

لكن زهير" السهيان"، كان يخفي سرّا، بل أسرارا، ويمارس هواية خفيّة عرفنا بها مصادفة في ذلك اليوم الربيعي من عام 1989م، على ما أذكر.

تعاطف أبناء الحيّ مع زهير كان فوريّا، واستطاعوا إنقاذه من الضرب، لكن حرارة التعاطف خفّت بعد أن عرفنا الحقيقة.

مرّ أسبوع كامل قبل أن نكتشف سبب هجوم شاكر. فقد أخبر والد زهير أبي أن ولده كان يقضي وقت فراغه في تفتيش قمامة الحارة، ليبحث عن أشياء محددة: رسائل العشاق.

في تلك الأيام، لم تكن هناك هواتف نقالة أو وسائل تواصل اجتماعي، وكان التصريح بالعشق في مجتمع محافظ كدمشق القديمة يعد أمرا معيبًا.

كان زهير مولعا بالتلصص على أسرار العشاق. يحتفظ بصور الفتيات – حتى الممزقة منها يعيد لصقها – ويجمع الرسائل الغرامية المليئة بالقلوب والأسهم والألوان والعطور، ليضمها إلى ألبومه الخاص.

اعترف زهير بهذه الهواية لوالده بعد أن ارتكب خطأه الأول والأخير.

كان زهير معجبا بـ رغد، أخت شاكر، لكنها لم تُعره اهتماما، بل عنّفته حين حاول الاقتراب منها.

ولسوء حظها، كانت قد مزّقت جزئيّا رسالة حبيبها، وألقتها في سلة القمامة، ليلتقطها زهير، ويجد فيها كنزا.

جمع شجاعته ذات يوم، واعترض طريقها، ومدّ يده بالرسالة بعد أن أعاد ترميمها، دون أن ينبس بكلمة.

اعتقد زهير أنه أمسك عليها زلّة، وأنه سيستطيع لاحقا الحديث معها عن مشاعره الملتهبة، لكن أمله تبخر سريعا.

فما إن عادت رغد إلى البيت، حتى انهارت بالبكاء وقدّمت الرسالة لأمها أمام أخيها ووالدها، وقالت:

– زهير، الحقير... السافل!

ولو حاول أحدهم قراءة الرسالة لعرف بسهولة أن مرسلها شخص آخر، لكن الحميّة دفعت شاكر للدفاع عن العرض والشرف، واندفع يهاجم زهير.

بعد تلك الحادثة، لم نسمع شيئا عن مغامرات زهير، وأما رغد، فقد تزوجت بعد سنوات من قريب لها، وخرج زهير وحبيبها الورقي من القصة خائبين.

***

فراس ميهوب

الأربعاء، 12 آذار/مارس 2025