عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

نصوص أدبية

سعاد الراعي: ميثاقُ الوجعِ واليقين

10. ميثاقُ الوجعِ واليقين

كان اقتراح صلاح بسيطًا في ظاهره، بيد أنه فتح في جدار الصمت بابًا لم يكن أحدٌ يتبينه بوضوح من قبل. فذات صباح، وبينما كان يقتسم مع الجيران شجن الجلسة في الحديقة، التفت الى هدى قائلًا:

"لماذا لا تكتبين عن الحيّ يا هدى؟ أنتِ ابنة الصحافة، ولعلّ مداد قلمكِ يوصل أنيننا إلى مدياتٍ أبعد من هذه الأزقة المخنوقة".

في تلك اللحظة، داهمت هدى القناعةُ بأن الكلمات، حين تُصاغ بصدق، تكون أشدّ قدرة على فتح الأبواب المؤصدة من الطرق العنيف عليها.

عادت إلى بيتها ذلك اليوم وهي تحمل في مخيلتها صور جيرانها كأنها أيقوناتٌ طاهرة:

الشيخ حسين بصوته الذي يقطر حنينًا؛

العم أبو عواد بوقاره الذي لم يهزمه الوهن؛

صلاح وهو يدفع مقعد أمه بحنوّ الأنبياء؛

جدعة التي توازن قفّة الخبز فوق رأسها كأنها توازن قدر العائلة.

حتى الأطفال الذين غادرهم المرح، صاروا يمشون فوق العشب بحذرٍ مريب، كأنّ الأرض التي ألفوها غدت فخًا كبيرًا يترصد براءتهم.

جلست هدى إلى مكتبها، وأسلمت يدها للقلم؛ كتبت عن الحيّ لا ككتلٍ أسمنتية، بل كرحمٍ يتقاسم فيه الناس الجدران والذكريات. وصفت الحديقة التي شهدت بدايات صباحاتهم، ثم انتقلت بمرارة إلى غزو الخنافس الذي استحال كابوسًا يزحف إلى غرف النوم، والدخان الذي بات يغلف البيوت في محاولات يائسة لطرد الآفة المقيتة.

لم تكن لغتها لغة استجداء، بل جعلتها "شهادةً تاريخية" لبيوتٍ يراد لها ان تُنتزع من أصحابها بآلة الجشع المقنّع بخطر الوباء. وفي الخاتمة، وضعت جملةً كانت بمثابة النداء الأخير:

"دعوةٌ لكل الشرفاء للتضامن معنا في وقفة الاحتجاج أمام مبنى البلدية/ يوم.../ الساعة..."

نُشر المقال في صباح غد اليوم الثاني.

كانت المفاجأة تفوق التوقعات؛ إذ لامست الحكاية وترًا حساسًا في قلوب القراء، وتحول حيّهم الصغير في نظر المدينة إلى رمزٍ لصمود "الإنسان البسيط" ضد القوى المتسترة خلف خديعة الخنافس. بل إن محامي الجريدة، مدفوعًا بنبل القضية، تبرع بتمثيلهم قانونيًا دون مقابل.

بعد عودتها من العمل، خرجت هدى إلى الساحة والجريدةُ في يدها كأنها راية نصرٍ مبكر، لوّحت بها للجيران، فالتفوا حولها كأنهم يتحلقون حول نارٍ دافئة في ليلةٍ قمرّية. قرأ العم أبو عواد المقال بصوتٍ جهوري، وحين انتهى، ضحك صلاح بحرارة ممزوجة بالفخر:

"يبدو أن علينا شراء مزيدًا من النسخ..

من يريد نسخة من الجريدة؟".

كانت لحظةً عفوية، لكنها كانت الفتيل الذي أشعل الرغبة في الخطوة التالية.

قال العم أبو عواد وهو يطوي الجريدة بوقار:

"كلامُ الورق جميل، لكن الحقيقة تُصنع بالإقدام والشهود.

اعتقد ان علينا صياغة (عريضة) باسم أهل الحيّ، نرفعها للبلدية لنعلمهم أننا لسنا مجرد أرقامٍ في كشوفات الإخلاء، بل نحن أصحابُ حقٍ لا يصمت".

جلسوا جميعًا على ذلك المقعد الخشبي القديم الذي حفرت فيه السنون تجاعيدها. وضعت هدى الورقة فوق الجريدة على ركبتها وبدأت التدوين.

لم تكن الكلمات حبرًا على ورق، بل كانت نبضًا يُسجل؛ كتبت عن تاريخ البيوت، وعن الأطفال الذين تشربوا رائحة هذا التراب وما أصيبت به جلودهم من داء، وعن الخنافس الدخيلة، وعن المناشير المريبة التي هبطت كالموت المفاجئ لتأمرهم بالرحيل او تسوغ له.

حين اتمت، قالت بصوتٍ جاهدت ان يظل رزينًا:

"هذا ميثاقنا.. ولم يتبقَ إلا توقيعاتكم لتمهروا الصدق باليقين".

بينما كانت الأقلام تتدافع، حدث انكسارٌ مفاجئ في المشهد؛ تراجع عددٌ من الجيران إلى الخلف، وبدأوا يتشاورون بهمسٍ يقطعه الخوف.

تقدّم أبو أحمد بملامح كساها اعتذارٌ ذليل، وقال بكلماتٍ سقطت عليهم كالصخر:

"نحن قررنا قبول العرض.. سنبيع ونغادر.

الجهة التي تقف خلف هذا المشروع نافذةٌ جدًا، ولا قبل لنا بمواجهتها..

من سيسمع لنا؟ إنهم سيغلِبون في النهاية".

أيده البعض. ساد صمتٌ موجع..

نظرت هدى إلى الجدران التي حفظت ضحكاتهم، والى العريضة في يدها والتي غدت في نظرها ميثاقاً للوفاء لا مجرد إجراءٍ إداري.

تضاءل عدد الواقفين، لكن الذين بقوا كانت في عيونهم لمعةُ الأرض بعد أول مطر؛ لمعةُ من أدرك أن البيت ليس سقفًا وجدران، بل هو امتدادٌ للروح والذاكرة.

تقدم الحاج عمران بظهره المقوس وتاريخه الطويل، تناول القلم كأنه يمسك سلاحًا، ووقّع اسمه بخطٍ غائر، فتبعه آخرون، لتصير التوقيعات تراصفَا للأرواح في وجه العاصفة.

عندها، أدرك الجميع أن معركتهم ليست مع "الحشرات" السوداء، بل مع ذلك الصوت الخفي في الداخل الذي يهمس بالاستسلام.

رفع صلاح العريضة وقال بلسانٍ صقله الإصرار:

"تشتتنا هو الثغرة التي سينفذون منها، وصمتنا هو الوقود الذي يسعر نيران جشعهم.

إن لم نحول خوفنا إلى فعلٍ قانوني واجراء عملي، فسيصنعون بنا وبأطفالنا ما يشتهون.

سنشكل من هذه التوقيعات (نواةً صلبة)، لجنةً مصغرة تحيل هذا الورق الباهت إلى صاعقٍ يقوض خطط المتآمرين.

سنقرع أبواب البلدية بجباهٍ لا تعرف الانحناء، ونواجه يافطاتهم الزائفة بحقائقنا الدامغة".

تدافعت الكلمات من حنجرته كأنها نذيرُ فجرٍ عصيّ:

"سنخرج بوجوهنا التي لفحتها شمس اليقين، لنُفهمهم أن جذورنا في هذا التراب أعمق من كل مخططاتهم الورقية العابرة.

إن الوقوف المشترك هو المطهر الوحيد من رجس الخوف، والمعركة التي بدأت بـ (كيس خنافس مريب ومنشور طافح بالضغينة) ستنتهي حتمًا بانتصار الإنسان المكافح على الجشع، وبقاء الروح في سكنها الأبدي"...

انصرف الجيران بعد ذلك، والمنشورات التي أرادها الغرباء صكوكًا للرحيل، تحولت في أيديهم إلى شواهدَ على إرادةٍ ولدت من جديد.

لم تعد المحلة مجرد حيّ سكني، بل غدت قضيةً ووطنًا صغيرًا يرفض التواري خلف ستار النسيان، وبقي هؤلاء الحرّاس ينتظرون الصباح القادم بقلوبٍ مفعمة بالثبات لبداية معركة لم يلتمسوها.

***

11. موازينُ الطين.. وموازينُ الأرقام

أولاً: تحت هجير المواجهة

لم تكن شمس ذلك الصباح كعهد الجيران بها؛ إذ أشرقت بوهجٍ نحاسيّ ثقيل، كأنها عينٌ كونية زجاجية ترقبُ أنفاسهم المتحفزة وتستحثّ خطاهم نحو المجهول.

احتشدوا جميعًا أمام مبنى البلدية؛ ذلك الهيكل الخرساني البارد الذي ينتصب بصلفٍ كصخرةٍ عاتية ظنّت في غروها أنها ستحبس مجرى النهر أو تئد صوت الحقيقة.

لم يكونوا يومها غوغاءً ثائرين، بل كانوا كتلةً من الهدوء المتفجر، يسبقهم وقارُ المظلوم الذي استنفد صبره.

كانت يافطاتهم التي خُطت بأيدٍ ترتعشُ حبًا لا وجلًا، تبدو كاستغاثاتٍ موثقة تصرخ في وجه الصمت المطبق:

"بيوتنا أرحامنا.. فلا تقتلعوا الأجنة من أحشائها"

"عرقُ الآباء لا تشتريه صفقاتُ الغرباء"

تجلى المشهدُ في سرياليةٍ مهيبة؛ تلك الوجوه التي ألِفْها الناسُ خلف صمت الجدران وسكينة الأزقة، انبعثت اليوم تحت الضوء الكاشف بملامح قديسين كادحين، استحال شقاؤهم نورًا يطاردُ دياجير الظلم الذي فرض عليهم.

لم يكونوا وحدهم في الميدان، بل احتضنتهم جموعٌ من مواطني الأحياء الأخرى، في مشهدٍ جسّد وحدة الروح والمصير، وصهر المدينةَ كلَّها في بوتقة تضامنٍ لا تلين.

تصدّر المشهد العم أبو عواد، متكئًا على عصاه الأبنوسية التي تحولت في النواظر إلى رمحٍ طرواديّ يغرس سنانه في قلب الباطل.

كانت عيناه تلمعان ببريق من أبصر بيته يُهدم في كوابيسه ألف مرة، فانتفض في يقظته ليمنع الكابوس من تلويث الواقع.

حين انفتحت البوابات الحديدية الضخمة بصريرٍ كئيب، سلم المحامي العريضة الممهورة بتواقيع الوجع، ثم تسللوا بوقار إلى قاعة الانتظار الفارهة، حيث كان الصمت الرخامي يمتص ضجيج صدورهم المتعبة.

بعد ساعةٍ من الترقب المرّ، خرج موظفٌ بملامح حيادية باردة ليقترح عليهم مسار التقاضي... لان البلدية لا تمتلك صلاحية البت في القضية

لم يترددوا لحظة واحدة، فقد كان قرارهم قد نضج واستوى تحت شمس الاحتجاج اللاهبة. توجهوا فورًا إلى منظمة محامي حقوق المجتمع المدني، وهناك استقبلهم فرسانُ الحق بصدورٍ مفتوحة، مشكلين فريقًا دفاعيًا قويًا.

شعروا لأول مرة أنهم ليسوا وحدهم في هذا العراء.

دُوّنت المظلمةُ رسميًا ضد الخصم الذي غدا مَعلومًا لا لَبس فيه، ولم تعد تنطلي على أحدٍ حِيَلُه في التخفي خلف قناع الآفة أو الترهيب.

وحين حمل المحامون أمانةَ القضية إلى أروقة المحكمة، كانت تلك الإشارةَ المعلنة لانبلاج فجر الحقيقة، وبدايةَ فصلٍ حاسم يضعُ ميثاقَ الأرض في كفّة العدالة.

ثانياً: في حضرة العدالة

داخل قاعة المحكمة، استقبلهم بريقُ الرخام المصقول ببرودةٍ جارحة تمسُّ العصب العاري.

هناك، كان الخصومُ يجلسون بخيلاءٍ خلف نظاراتهم القاتمة التي تخفي عيونًا لا ترحم؛ يفوح منهم عفونة الصفحات المريبة وغلظة القلوب التي صُنعت من "أرقامٍ صماء"، بينما عُجنت قلوب أبناء الحي من "طينِ الأرض وعطر الذكريات".

اعتلى محامي الفريق المنصة، ولم يكن ينطق بلسان "المواد والفقرات" القانونية الباردة فحسب، بل كان يستلُّ من حنجرته "زفرات المحلة" ليقذفها في وجه الصمت المريب ببيانٍ يقطر جزالةً:

"إننا يا سادة، لا نحاكم هنا مجرد شركة عقارية يتملكها الجشع، بل نحن هنا لنحمي 'المعنى' من تغول 'المادة'. هؤلاء السكان ليسوا 'عقباتٍ مساحية' في مخططاتكم، بل هم حراسُ الذاكرة وحملةُ أمانة التراب.

فكيف يستقيم عدلٌ حين يقتلع طفلًا من مهده ليُعلي ناطحة سحاب صماء لا قلب لها؟"

كانت الكلمات تتردد في جنبات القاعة كأنها رعدٌ في ليلةٍ شاتية.

ثم جاءت اللحظة التي حبست الأنفاس؛ حين تقدمت ياسمين الصغيرة، بصحبة رفاقها الأطفال شهودًا.

وقفت ياسمين كعصفورٍ يلتمس الطيران، وببراءةٍ عفوية، مدّت يدها الصغيرة لتريهم "الكيس اللعين" الذي يحمل ذرات الموت السوداء، وبقايا "الحلوى المسمومة"، وتلك القطع النقدية التي أُريد لها أن تكون ثمنًا رخيصًا لوأد أحلامها واقتلاع جذور بيتها، إضافة إلى نسخة من المنشور.

في تلك اللحظة، خيّم على القاعة صمتٌ حذرٌ ومهيب، استحال معه الرخام البارد مرآةً صقيلة تعكس خزي الباطل وانكسار الباغين.

شعر الجيران أن جدران القاعة ذاتها بدأت تتنفس معهم، وأن أرواح الآباء والأجداد قد حضرت لتقف صفًا واحداً خلفهم.

لم تكن تلك معركةً تُخاض بالنصال، بل كانت ملحمةً سلاحها "قوة البيان" و" حيوية الحجة" و"طهارة الموقف".

أدركوا في تلك الهنيهة أنهم، وإن كانوا قلةً في موازين القوة المادية، فإنهم "الأكثرية الساحقة" في موازين الحق والضمير.

نظروا إلى الخصوم، فإذا بنظاراتهم القاتمة لم تعد قادرة على حجب ارتعاد فرائصهم أمام طفلةٍ تحمل حقيقةً في كيس، ووطنًا في قلب.

لقد كانت ياسمين في تلك اللحظة هي المحامية، وهي الشاهدة، وهي القاضية التي أصدرت حكم التاريخ قبل أن ينطق به القاضي:

أن الأرض لمن عشقها، والبيوت لمن عمّرها بالحب، لا لمن أراد مقايضتها بحفنة من ذهبٍ زائف.

يتبع

***

سعاد الراعي

..........................

* من رواية قيد الطبع