عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

آراء

مائة عام. مائة عام كاملة على الكتاب الذي أحدث الزلزال، الكتاب الذي حمل عنوان «في الشعر الجاهلي» فكأنما حمل قنبلة في قلب الثقافة العربية الرسمية. مائة عام، ونحن اليوم نقف أمام هذه المئوية لا كمنجز ثقافي نبنى عليه، بل كحدث تاريخي نستذكره، أو ربما كجثة نحنطها، وقضية انتهت وانطوت. هل هذه هي المئوية التي تليق بمعركة ثقافية كبرى؟ أم أنها، في الحقيقة، جنازة ثانية لطه حسين، بعد أن دفناه أول مرة حين رضخنا لضغوط المتخلفين وغيرنا عنوان الكتاب من «في الشعر الجاهلي» إلى «في الأدب الجاهلي»؟ أليس هذا التراجع هو الهزيمة الحقيقية، ليس لطه حسين، إنما للعقل العربي كله؟

كان طه حسين، في مغامرته الجريئة، يحاول أن يفعل شيئًا واحدًا بسيطًا، أن ينقلنا من ثقافة التقديس إلى ثقافة النقد. أن يجعلنا نقرأ تراثنا كما نقرأ أي تراث بشري بعيون مفتوحة، وعقل لا يعرف الخوف، ومنهج علمي لا يستثني أحدًا ولا شيئًا. لقد أراد أن يزرع في تربتنا القاحلة بذرة الشك الديكارتي، ذلك الشك الذي كان بداية كل نهضة في أوروبا. لكنه لم يكن يعرف – أو لعله كان يعرف – أن تربتنا لا تصلح لهذه البذرة، لأنها تربة محروقة بالتبجيل، ومسمومة بالخوف، ومرصوصة بالسلطة.

المنهج الذي قتلوه!

دعونا نسمي الأشياء بأسمائها، دون لف ولا دوران، ودون ذلك الترحم المعهود الذي نحيط به أيقوناتنا الثقافية حين تموت. نحن لم نختلف مع طه حسين، بل قتلناه. قتلناه حين حولناه إلى أيقونة لا تناقش، ونحن الذين كنا ننتقد فيه تقديسه للتراث. قتلناه حين جعلنا منهجه تراثًا مقدسًا بدل أن نجعله أداة حية. قتلناه حين اكتفينا بتكرار ما قاله، بدل أن نكمل ما بدأه. قتلناه حين حولناه إلى مادة دراسية في الجامعات، تدرس في قاعات مكتظة بطلاب لا يفهمون ما يقرأون، ولا يريدون أن يفهموا. هذا هو قدر المثقفين الكبار في ثقافتنا العربية: إما أن يصلبوا أحياء، وإما أن يحنطوا بعد الموت. وطه حسين نال الاثنين معًا: صلب حيًّا في محاكمته الشهيرة، ثم تم تحنيطه بعد موته ليصبح تمثالاً من ذهب لا يجوز المساس به.

المؤسف أننا، في هذه المئوية، لم نضف شيئًا. نعم، لم نضف شيئًا. نفس الحجج، نفس الردود، نفس الانقسام بين أنصار قديسين وخصوم شياطين. وكأن الزمن توقف عند لحظة صدور الكتاب. وكأن العقود التي مضت لم تكن كافية لنقول شيئًا جديدًا. أليست هذه علامة على عقم ثقافي مخيف؟ أليس هذا دليلاً على أن شيئًا ما قد انكسر فينا، ليس فقط في علاقتنا بالتراث، لكن في علاقتنا بالعقل نفسه، وفي علاقتنا بالزمن، وفي علاقتنا بالحياة؟

لماذا هزمنا طه حسين؟!

نعم، أقولها بكل وضوح، وبكل ما تحمله الكلمة من صراحة فاضحة؛ لقد هزم منهج طه حسين. ليس لأنه منهج خاطئ، بل لأن الثقافة العربية لم تكن مستعدة له، ولا تزال غير مستعدة. فالمنهج العلمي في قراءة التراث يعني أن نعترف بأن تراثنا ليس كتابًا مقدسًا، إنما هو نتاج بشري، فيه الصحيح وفيه المغلوط، فيه الأصيل وفيه المزور، فيه ما يخدم قوى التقدم وفيه ما يخدم قوى التخلف. وهذا الاعتراف ممنوع. ممنوع ليس لأسباب دينية فقط، وقبل ذلك وبعده لأسباب سياسية واجتماعية واقتصادية.

لماذا هو ممنوع؟ لأنه يهدد مصالح فئتين كبيرتين، فئتين تتحكمان في مقدراتنا الثقافية، وفي مقدراتنا الوطنية كلها.

الفئة الأولى: السلطة السياسية. السلطة التي تحتاج إلى تراث مستقر، لا يثير الأسئلة، ولا يشكك في الموروث، لأن أي شك في التراث هو، في نظرها، شك في شرعيتها ذاتها. فالتراث عند هذه السلطة ليس تراثًا ثقافيًّا فقط، التراث سند سياسي، ومصدر شرعية، وأداة تثبيت. والمنهج النقدي الذي يضعه طه حسين هو منهج يفتح باب الاجتهاد، وباب الاجتهاد مفتوح على مصراعيه، والسلطة لا تحب الأبواب المفتوحة، لأنها تخاف من الرياح التي تدخل منها.

والفئة الثانية: النخب التقليدية. رجال الدين، وشيوخ المعاهد الأزهرية، وأساتذة التعليم القديم، الذين بنوا نفوذهم الاجتماعي والمادي على احتكار تفسير التراث. هؤلاء يعيشون على التقديس. تقديس النصوص، تقديس الماضي، تقديس مناهج القراءة التقليدية. وأي محاولة لنزع هذه القداسة هي محاولة لنزع الخبز من أفواههم. ولهذا حاربوا طه حسين بشراسة. ولهذا أخرجوه من الأزهر. ولهذا أقاموا عليه الدنيا ولم يقعدوا. هاتان الفئتان تلتقيان في عدو واحد، هو العقل النقدي. وطه حسين كان، في زمانه، رمزًا لذلك العقل. ولذلك حاربوه. ولذلك هزموه. ولذلك نحن اليوم ندفع الثمن.

الشك المنهجي.. أم التشكيك العبثي؟

من أطرف ما نراه اليوم، ربما أخطر ما نراه، هو ذلك الخلط المريع بين طه حسين وبين الذين يزعمون أنهم أتباعه. طه حسين كان شكاكًا منهجيًّا. كان يشك ليصل إلى يقين. كان يهدم ليبني. كان يطرح الأسئلة ليجد الإجابات. أما الذين يزعمون أنهم ورثوا منهجه، فقد تحولوا إلى مجرد شكاكين عبثيين. يشككون في كل شيء ولا يصلون إلى شيء. يهدمون ولا يبنون. يظنون أن مجرد الشك هو نهاية المطاف، بينما كان الشك عند طه حسين هو البداية فقط.

وهنا المفارقة الكبرى؛ طه حسين كان ابن التنوير الأوروبي، وكان يحمل مشروعًا نهضويًّا متكاملًا. أما أتباعه اليوم، فكثيرون منهم نقلة، أو مقلدين، أو مهووسين بالتشكيك لأجل التشكيك. فلقد فقدنا جوهر المشروع، واحتفظنا بقشوره. فقدنا الجرأة على البناء، واحتفظنا بالجرأة على الهدم فقط. وهذه ليست نهضة، هذا انتحار ثقافي. هذه سخرية القدر منا، أن نأتي بمنهج طه حسين لنقلبه إلى نقيضه، تمامًا كما قلبت ثقافتنا التقليدية كل محاولات الإصلاح إلى أشكال جديدة من الجمود.

 التقديس الأعمى

ولعل أخطر ما حدث، وأكثر ما يدل على هزيمتنا، هو أننا انتقلنا من تقديس التراث إلى تقديس المنهج النقدي نفسه. أصبح طه حسين صنمًا جديدًا، بدل أن يكون أداة لكسر الأصنام. أصبحنا نردد عباراته دون تفكير، كما كنا نردد أبيات امرئ القيس دون تفكير. لم نتعلم منه كيف نحرر عقولنا، بل تعلمنا كيف نستبدل سلطانًا بسلطان، ووثنًا بوثن. وهذا هو الإفلاس بعينه. لأن قيمة المنهج ليست في كونه بديلاً عن غيره، بل في كونه يظل مفتوحًا على التساؤل، قابلاً للتطوير، خاضعًا للنقد الذاتي. والمنهج الذي يتحول إلى عقيدة هو منهج ميت، مهما كان اسمه براقًا، ومهما كان صاحبه عظيمًا.

وهذه ليست مشكلة طه حسين وحده. هذه مشكلتنا نحن مع كل مفكر كبير. نحن نأتي بالمفكر لنحوله إلى صنم. نأتي بالثائر لنحوله إلى تمثال. نأتي بالمنهج لنحوله إلى طقس. هذه عادة سيئة فينا، عادة تحويل كل شيء إلى دين، حتى العلم، حتى النقد، حتى الشك نفسه. نحن أمة تحول كل شيء إلى دين، ثم تقتل من أجل هذا الدين، أو تموت من أجله.

من يجرؤ علي النقد؟!

في ختام هذه المئوية، لا بد من سؤال جريء، سؤال قد يبدو صادمًا للبعض، لكنه ضروري هو من يقرأ طه حسين اليوم؟ ليس من يقرأه في الجامعة لأنه مقرر دراسي، ولا من يقرأه في المناسبات لأنه أيقونة وطنية، ولا من يقرأه انتقائيًّا ليدعم مواقفه المسبقة. من يقرأه بجدية، بوعي، بنقد، برغبة في الفهم ثم التجاوز؟ من يقرأه وهو مستعد لأن يختلف معه، لأن يناقشه، لأن يقول له: أنت كنت على حق في بعض ما قلت، ومخطئ في بعض ما قلت، والزمن الذي نعيشه مختلف، والأسئلة التي نواجهها مختلفة؟

الذي يقرأ طه حسين اليوم بعين ناقدة، بعين لا تخشى شيئًا، سيجد أن كتابه عن الشعر الجاهلي لا يزال حيًا، لا بما قاله، بل بما فتحه من أسئلة. سيجد أن المعركة لم تنته بعد، وأنها مستمرة في شكلها القديم، وفي أشكال جديدة. سيجد أن الشك المنهجي لا يزال، بعد مائة عام، هو السبيل الوحيد لتحرير العقل العربي من سلطة التقديس والتكرار. لكنه سيجد أيضًا أن طه حسين كان ابن عصره، وأن منهجه يحتاج إلى تطوير، وأن أسئلته تحتاج إلى إعادة صياغة، وأن مشروعه النهضوي يحتاج إلى إكمال.

نحن بحاجة إلى أكثر من مجرد الاحتفال بذكرى طه حسين. نحن بحاجة إلى استعادة روحه النقدية، وجرأته في مواجهة السلطة، ورؤيته الحضارية المتكاملة. نحن بحاجة إلى قراءة تراثنا كما قرأ هو تراث الغرب، بعيون ناقدة، حرة، ومناهج علمية لا تخاف من النتائج مهما كانت. نحن بحاجة إلى أن نصنع مشروعنا الثقافي الخاص، لا أن نظل عالقين في مشروعه، مهما كان عظيمًا. نحن بحاجة إلى أن نكون أبناء طه حسين حقًّا، أي أن نكون مثله: شكاكين، باحثين، لا نقدس أحدًا، ولا نقدس حتى طه حسين نفسه.

هزيمة أم انتصار؟

فإذا لم نفعل ذلك، إذا ظللنا كما نحن، نكرر ولا نبدع، نقدس ولا ننقد، نحتفل ولا نفكر، فإن مئوية طه حسين ستمر كغيرها من المئويات، ولن نكون قد أضفنا إلى الثقافة العربية شيئًا يذكر. وسيظل كتاب «في الشعر الجاهلي» قضية تاريخية تدرس في الكتب، لا منهجًا حيًا يطبق في الحياة. وهذا سيكون الانتصار الأكبر لمن حاربوا طه حسين بالأمس، ولمن يحاربون العقل النقدي اليوم، بأسماء جديدة وأشكال متجددة. هؤلاء الذين كانوا أمس في الأزهر وفي البرلمان، وهم اليوم في الفضائيات وفي منصات التواصل الاجتماعي، وفي مناهج التعليم وفي المؤسسات ، يريدون لنا أن نظل في سباتنا الفكري، أن نظل نكرر ولا نبدع، أن نظل أسرى الماضي ولا نصنع مستقبلًا.

فإلى متى؟ إلى متى نظل نكرر ولا نبدع؟ وإلى متى نظل نحتفل بالموتى ولا نحيي الأحياء؟ وإلى متى نظل أسرى الماضي ولا نصنع مستقبلًا؟ هذا هو السؤال الذي تتركه لنا مئوية طه حسين. والسؤال الآن: من يجرؤ على الإجابة؟ ومن يجرؤ على تحويل الإجابة إلى فعل؟

طه حسين فتح الطريق. الباقي علينا. فهل نملك الجرأة على السير فيه؟ أم سنظل واقفين على خط البداية، نردد اسمه، ونحن لا نتحرك؟ هذا هو الاختبار الحقيقي لهذه المئوية. وستحكم علينا الأجيال القادمة ليس بما قلناه عن طه حسين، بل بما فعلناه بعده. فهل سنخيب ظنهم؟ أم سنكون عند حسن ظن طه حسين بنا، حين قال إن العقل العربي قادر على النهوض إذا ما تحرر من قيوده؟

الزمن وحده كفيل بالإجابة. لكنني أخشى أن تكون الإجابة قد بدأت تتكشف بالفعل، في تكرارنا هذا، في عجزنا هذا، في جمودنا هذا. أخشى أن تكون هزيمة المنهج قد تحولت إلى هزيمة للأمة كلها. نسأل الله ألا يكون الأمر كذلك.

***

د. عبد السلام فاورق

 

يبدو ان المجتمع العراقي محكوم عليه بألاّ يصحوا من سباته، وألاّ ينهض من كبوته، وألاّ يخرج من محنته. وإذا ما حدثت معجزة ما وأراد هذا المجتمع أن يسترد عافيته، وأن يستعيد قدراته، وأن يستأنف مسيرته. فإنه سرعان من يسقط مجددا"في حبائل تخلفه الأزلية التي غالبا"ما تثنيه عن المحاولة وتعمل على شده الى الوراء، وذلك على خلفية استمرار تذكيره وتواتر تحذيره بعوامل عجزه وقلة حيلته وضعف إرادته. وإذا ما رغبنا بمعرفة ماهية هذه العوامل التي لم تفتأ تكبل إرادة هذا المجتمع المتهرئ، وتعيق تطلعات مكوناته المتذررة نحو التحرر من قيودها الاجتماعية وتثبّط مساعيها للإفلات من خوانقها التاريخية، والانخراط من ثم في أتون ديناميات التطور الحضاري والتفاعل الإنساني، تلك التي تستهدي بقيم التنوير ومثل الحداثة ومعايير العقلنة، فإننا سنصادف العديد من الآراء والمعتقدات التي تبلورت في اتجاهين رئيسيين ؛ (الاتجاه الأول) ويمثله ثلة من المؤرخين التقليديين الذين يعتقدون أن كل مصائب العراق والعراقيين حصلت بسبب عواقب (القطيعة) التي أحدثها (الغزو الاليخاني - التتري) عام 1258م، بعد أن كان المجتمع العراقي يعيش حالة من الاستقرار والازدهار في ظل سلطة الخلفاء العباسيين. وأما (الاتجاه الثاني) ويمثله مجموعة من المؤرخين الحداثيين الذين أنتجتهم دول ما بعد الاستقلال كصناع رأي وحماة إيديولوجيا، حيث يرى أصحاب هذا الاتجاه ان السبب الجوهري الذي يحول بين المجتمع العراقي وبين ولوجه عوالم تلك القيم والمثل والمعايير، يكمن في تداعيات الظاهرة (الكولونيالية) التي سبقت - وترافقت – لحظة تعرض هذا المجتمع لصدمة الاستعمار البريطاني خلال الحرب العالمية الأولى عام 1914. بحيث أنها أحدثت (قطيعة) بنيوية كلية وجذرية عطلت جميع المسارات الإصلاحية والتنموية، التي كانت السلطات العثمانية قد شرعت بانتهاجها مع ظهور بوادر تراجع قدراتها العسكرية والتكنولوجية، إزاء تفوق الدول الغربية في تلك المضامير فضلا"عن تدخلها المباشر في توجيه سياسات السلطنة داخليا"وخارجيا".

وكما هو واضح، فقد تمحورت آراء وتصورات مؤرخي كلا الاتجاهين المار ذكرهما حول دور العوامل (الخارجية) فقط، محملين إياها كامل المسؤولية بشأن خلقها الظروف المؤاتية لاستمرار تلك الإعاقة (الحداثية) المتواصلة، هذا دون أن ينبسوا ببنت شفة حيال ما كانت – ولا تزال - تمارسه العوامل (الداخلية) من تأثيرات قوية وما تتركه من آثار عميقة، ليس فقط داخل السيرورة السوسيولوجية للمجتمع العراقي ككل فحسب، بل وكذلك فيما يجري بين عناصرها المادية والمعنوية من تفاعلات جدلية وتنافذات قيمية وصراعات بينية، والتي غالبا"ما كانت حاضرة وفاعلة في تحديد مآل تلك السيرورة. وهو الأمر الذي يستوجب منا إعادة الاعتبار لأهمية تلك العوامل ومن ثم تشخيص دورها الكبير في حالات تقدم أو تأخر ديناميات التغير والتطور. والحال، لن نجانب الصواب حين نعمد الى تصنيف تلك العوامل (الداخلية) الى مجاميع (ثلاثية) متلازمة عضويا "ومتخادمة وظيفيا"، نعتقد أنها كانت السبب الأساسي في عمليات توطين حالة (التخلف) المزمنة التي ما برح المجتمع العراقي يرزح تحت نيرها ويكتوي بنارها منذ قرون وحتى كتابة هذه السطور.

وبضوء ما تقدم، يمكننا تشخيص (الثلاثية الأولى) على أساس طبيعة مضامينها الموسومة بعوامل (الفقر والجهل والمرض)، التي أفاضت عن مظاهرها الغالبية العظمى من البحوث والدراسات المعنية بالتاريخ السياسي والاجتماعي والاقتصادي خلال ما يعرف بالحقبة (الملكية) وما قبلها، والتي كانت (المظاهر) متفشية في أغلب جغرافيات المجتمع العراقي دون استثناء، للحدّ الذي أنها تركت بصماتها السلبية على مختلف الجماعات والقطاعات والبيئات. هذا في حين يمكننا رصد (الثلاثية الثانية) من خلال تمثلها بعوامل (الاثنية والقبيلة والطائفة)، والتي لا يخفى على الباحثين والمهتمين والمتابعين للشأن العراقي مستوى سيادة مظاهرها خلال ما يوصف بالحقبة (الجمهورية) وما تلاها ولحد يومنا هذا، لاسيما بعد أن تخلت الدولة (الوطنية) المزعومة عن طابعها المواطني (المؤسساتي) النسبي، لصالح طابعها الرعوي (الشمولي) المطلق.

وهنا نسارع الى القول، بأن هذه التحديد والتعيين لا ينبغي له أن يولد لدينا انطباع خاطئ مفاده ؛ ان مسار الحقبة الأولى اقتصر على ديناميات (الثلاثية الأولى) وما انطوت عليه من عوامل ومظاهر نوعية، مثلما أن مسار الحقبة الثانية اقتصر على ديناميات (الثلاثية) الثانية وما اشتملت عليه من عوامل ومظاهر فريدة، بحيث ان هوة عميقة تفصل ما بين البنيات المختلفة والسياقات المتباينة كانت تحول بين كلا المسارين، وإنما الذي حصل – وغالبا"ما يحصل – هو ان عوامل (الثلاثية الأولى) التي كانت سائدة ومهيمنة على المستويين الجغرافي والاجتماعي في الحقبة (الملكية) السابقة، لم تكن – بأي حال من الأحوال – خالية أو منزّه من تبعات وتأثيرات عوامل (الثلاثية الثانية) التي تصدرت المشهد في المجالين الجغرافي والاجتماعي في الحقبة (الجمهورية) اللاحقة. إي بمعنى ان ما كان المجتمع العراقي يتخبط فيه ويعاني منه، ليس فقط مظاهر (الجوع والأمية والأوبئة) التي كانت نسبة شيوعها بين غالبية مكوناته عالية جدا"فحسب، وإنما كان – في ذات الوقت – يكابد مصائب ونوائب ما تسببت به عواقب الحساسيات الأقوامية والانقسامات الطوائفية والصراعات القبائلية، التي طالما تواتر ذكرها في السرديات واستمر تأثيرها بين الأجيال.

ولهذا كان من الصعب، لا بل من شبه المستحيل، على أية محاولة / مغامرة تخطي أو تجاوز هذه السلسلة الحديدة من (الموانع) السوسيولوجية و(العوائق) الانثربولوجية، التي طالما كانت حائلا"دون انخراط المجتمع في سيرورات التغير الاجتماعي والتطور الحضاري، ومن ثم الولوج الى رحاب (الحداثة) و(التنوير) و(العقلنة) وما تنطوي عليه من وعود مجزية وآمال مبشرة.   

***

ثامر عباس

  

أنحن اكتشفنا هوياتنا أم أنّنا لها صانعون؟

حين نحاول مقاربة كلمة "أمازيغ" من زاوية فلسفية، فإنّنا لا نتعامل مع مجرد تسمية لغوية بل مع أثر طويل لمعنى يتجاوز اللغة إلى الوجود نفسه، لأن الاسم هنا لا يشير فقط إلى جماعة بشرية بل إلى تصور للإنسان عن ذاته وعن موقعه في العالم، ف"أمازيغ" بوصفها لفظة داخلية تنبثق من الذات الجماعية تحمل في طياتها فعل التسمية الذاتية، أي لحظة تقول فيها الجماعة لنفسها : "نحن لسنا ما يسمّينا به الآخر، بل نحن ما نختار أن نكونه" هنا، يظهر التوتر الفلسفي بين الاسم المفروض والاسم المختار، بين نظرة الآخر ونظرة الذات، وهو توتّر قديم في تاريخ الفكر الإنساني يعيد إنتاج نفسه في كل سياق حضاري.

إن المفهوم الذي يترجم غالبا ب "الحرية" في أصل كلمة أمازيغ لا ينبغي فهمه كحرية سياسية فقط، بل كحرية أنطولوجية، أي حرية في الوجود ذاته، حيث لا يُختزل الإنسان إلى دور أو صفة أو تصنيف خارجي، بل يُترك له مجال أن يعرّف نفسه بنفسه، وهذا المعنى يقودنا إلى فكرة أن اللغة ليست مجرد أداة للتواصل بل هي أفق للوجود، إذ إن الكلمات لا تصف العالم فقط بل تصنع حدود ما يمكن التفكير فيه، ومن هنا يصبح اختيار اسم أمازيغ فعلا فلسفيا بامتياز لأنه إعادة تأسيس للمعنى، ومقاومة رمزية لأي تصنيف اختزالي. في المقابل، فإن استعمال مصطلح "بربر" في التاريخ يفتح سؤالا فلسفيا آخر حول أفضلية العرق، فالكلمة نفسها، كما تشير جذورها التاريخية، ارتبطت بفكرة "الآخر الذي لا يُفهم"، أي ذاك الذي يُعرَّف من خلال غيابه عن لغة الأغلبية (اللاتينية)، وهذا يكشف آلية عميقة في تشكل المعرفة حيث تتحوّل اللغة إلى أداة للهيمنة الرمزية، لأن من يملك القدرة على التسمية يملك القدرة على تحديد المعنى، ومن هنا يمكن فهم كيف أن إعادة تسمية شعبنا بـ"أمازيغ" ليست مجرد استبدال لفظي بل هي إعادة توزيع للسلطة الرمزية، ومحاولة لاسترجاع الحق في تعريف الذات...

عندما ننظر إلى الأمازيغ في سياق تاريخي أوسع، فإننا نكتشف أنهم ليسوا مجرد بقايا حضارة قديمة بل فاعل تاريخي تداخل مع الفينيقيين والرومان والعرب وغيرهم، وهذا التداخل لا يعني الذوبان بل يشير إلى ديناميكية الهوية التي لا تُفهم كجوهر ثابت بل كعملية مستمرة من التفاعل والتحوّل، وهنا تقترب الفكرة من التصورات الفلسفية الحديثة التي ترى الهوية كـصيرورة  وليست جوهرا مغلقا، أي أن الهوية ليست شيئا نملكه بل شيء نصيره باستمرار.

فاللغة الأمازيغية نفسها، بتنوعها ولهجاتها، تحمل داخلها هذا المفهوم الحركي، فهي ليست لغة واحدة جامدة بل شبكة من التعبيرات التي تعكس تنوع التجربة الإنسانية داخل إطار ثقافي مشترك، وهذا التنوع يطرح سؤالا فلسفيا حول العلاقة بين الوحدة والتعدد، حيث لا يكون التعدد نقيضا للوحدة بل شرطا لها، لأن الوحدة الحقيقية ليست في التطابق بل في القدرة على احتواء الاختلاف . أما من زاوية فلسفة المعرفة، فإن دراسة الأمازيغ( الأمازيغ قصة شعب ) تكشف حدود السرديات التاريخية الكبرى، لأن كثيرا مما نعرفه عنهم ، مرّ عبر وسائط متعددة مثل المصادر اليونانية والرومانية ثم العربية ثم الاستعمارية، وكل وسيط أضاف طبقة من التأويل، وهذا يفرض على الباحث أن يتعامل مع التاريخ لا كحقيقة مطلقة بل كحقل من التأويلات المتراكمة، وهو ما يدعو إلى إعادة قراءة الماضي من خلال تفكيك هذه الطبقات.

في هاته الحالة يتحوّل سؤال "ما هو الأصل؟"  إلى سؤال أعمق" هل الأصل ثابت أم أنه هو نفسه خاضع لإعادة التأويل؟ وهل الهوية شيء نكتشفه أم شيء نصنعه؟ إن كلمة أمازيغ تقترح إجابة ضمنية مفادها أن الهوية ليست معطى جاهزا، بل فعل مستمر من التسمية والاعتراف، وأن الحرية ليست فقط حقا سياسيا بل هي شرط وجودي لكي يكون للإنسان معنى، ومن هنا فإن التفكير في الأمازيغ ليس فقط دراسة لشعب من الشعوب بل هو تمرين فلسفي على فهم كيف يُبنى المعنى، وكيف يتحول الاسم إلى مرآة تعكس علاقة الإنسان بذاته وبالعالم الذي يعيش فيه.

***

ليلى تبّاني - الجزائر

 

بقلم: سفيتلانا ساتشكوفا

إعداد: صالح الرزوق

***

في عام 1985، عندما تولى ميخائيل غورباتشوف، وهو مسؤول حزبي شاب نسبيا، زعامة الاتحاد السوفيتي، بدأ عهد جديد. شرع غورباتشوف في إصلاحات أدت في نهاية المطاف إلى تفكك الدولة، وتمكين سياسة الانفتاح (غلاسنوست). فجأة، أصبح بالإمكان الحديث عن أمور كانت محظورة لفترة طويلة مثل: الإرهاب الستاليني، والسجون السياسية، وجوانب أخرى من التاريخ لم يذكرها أحد. وبدأ الناشرون بطباعة أعمال أدبية كانت محظورة أو خاضعة لرقابة مشددة، مثل رواية "المعلم ومارغريتا" لبولغاكوف ورواية "دكتور زيفاغو" لباسترناك .

ثم أدى انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991 إلى تسريع هذا التوسع في حرية التعبير. فقد ازدحم سوق الكتب في روسيا، الدولة الجديدة آنذاك، بمذكرات القمع وشهادات معسكرات الاعتقال، إلى جانب كتابات المهاجرين والكتّاب الطليعيين، التي  لم يُنشر كثير منها من قبل. ولبرهة وجيزة، وتحت ضغط من السياسيين التقدميين وجماعات النشاط المدني، أتيحت أجزاء من أرشيف جهاز المخابرات السوفيتية (كي جي بي) للجمهور.

كانت فترة سارة للكثيرين: فبالرغم من المصاعب التي فرضتها الإصلاحات الاقتصادية، أصبح بإمكانهم مناقشة وقراءة أي شيء يرغبون فيه تقريبا، وأقبلوا على ذلك بنهمٍ شديد. ويعود الفضل بجزء كبير من الشعور بالتحرر إلى الحديث بصراحة عن الجنس، وهو أمر كان يُعتبر تقريبا من المحرمات في الحقبة السوفيتية. وكما قالت إحدى النساء في تصريح شهير خلال برنامج بث تلفزيوني على الهواء بين لينينغراد وبوسطن عام 1986: " نحن لا نمارس الجنس هنا في الاتحاد السوفيتي".

ومع ذلك، وبحلول أواخر ثمانينات القرن الماضي، على الأقل في موسكو، بدأت التربية الجنسية تشق طريقها إلى المدارس الثانوية. وظهرت مجلات وصحف تُعنى بأنماط الحياة الجنسية المتعددة. لا بد أنني كنت في السادسة عشرة أو السابعة عشرة من العمر حينما علمت لأول مرة بوجود المثليين. وسرعان ما بدأ فنانو البوب والشخصيات الإعلامية، ممن لهم أسلوب وتصرفات صاخبة تدل بوضوح عن ميولهم الجنسية، بالظهور على شاشات التلفزيون. ومثلما كنتُ أعتقد، توقع معي الكثيرون أن روسيا جديدة وديمقراطية بطريقها إلى التبلور، وأنه لم يبق أمام روسيا غير طريق واحد فقط: أن نتقدم. ولهذا السبب، في عام 1997، وبعد حصولي على شهادة البكالوريوس من الولايات المتحدة، عدت أدراجي إلى موسكو.

لكن هذا المزاج بدأ يتغير منذ عام 2000، عندما تولى فلاديمير بوتين الرئاسة. فقد عمل تدريجياً على تفكيك المؤسسات الديمقراطية، فألغى بذلك الكثير مما سبقه. بالنسبة لحرية التعبير، تمثل ذلك في تقييد الوصول إلى الأرشيف، وتشديد سيطرة الدولة على وسائل الإعلام، والترويج لرواية وطنية جديدة  تتستر، في الجو العام، على العديد من جوانب الحرب العالمية الثانية وجرائم الدولة السوفيتية. بعد الاحتجاجات الجماهيرية التي اندلعت عامي 2011 و2012، حين خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع احتجاجاً على تزوير الانتخابات، اشتدت حملة القمع. وظهر نظام رقابي أكثر عنفاً، يعتمد على حجب المواقع الإلكترونية، وملاحقة "التطرف"، وتزايد مضايقة وسائل الإعلام المستقلة. وفي عام 2013، حظر على القاصرين، ما يسمى، قانون "الدعاية المثلية" أي شيء ينظر إليه على أنه ترويج لعلاقات المثليين والمتحولين جنسياً، وذلك في إطار تحول محافظ أوسع.

غادرت روسيا عام 2016، بعد أن رأيت كيف كانت تتجه البلاد بسرعة نحو الديكتاتورية، ولم أكن هناك لأشهد موجة القمع التي أعقبت الغزو الشامل لأوكرانيا في فبراير 2022. لكنني تابعت الأخبار عن كثب، وقد تأثر بها كثيرون ممن أعرفهم. في الرابع من آذار، بعد أيام قليلة من بدء الهجوم العسكري، سنت روسيا سلسلة من قوانين الرقابة التي ضيقت بشكل جذري نطاق ما يمكن قوله علنا. وصنفت هذه القوانين معارضة الحرب، بل وحتى  وصفها بلغة تختلف عن الرواية الرسمية للدولة، جريمة.

كانت أكثر التشريعات سخافة ما سمي قانون "أخبار الجيش الكاذبة"، الذي جرم ما وصفته السلطات بأنه معلومات كاذبة عن القوات المسلحة، وكان هذا القانون فضفاضا بما يكفي لتطبيقه بشكل شبه تعسفي. كان يمكن معاقبة المرء لمجرد وصفه الحرب بالحرب: إذ كان يتوقع من الناس الإشارة إليها على أنها "عملية عسكرية خاصة" والتحدث عنها بعبارات إيجابية فقط. وأصبحت التغطية الإعلامية الموضوعية مستحيلة، فأغلقت العديد من وسائل الإعلام المستقلة أبوابها أو غادرت البلاد. وسرعان ما وصلت آثار ذلك إلى صناعة النشر. بدأ الناشرون والمكتبات بتجنب أي شيء قد يلفت الانتباه. فالمواضيع المتعلقة بأوكرانيا أو الجيش أو عنف الدولة أو السياسة المعاصرة يمكن تفسيرها بسهولة على أنها "تشويه" لسمعة القوات المسلحة. وعانى مؤلفون، وصفوا بـ"العملاء الأجانب" بسبب آرائهم المناهضة للحرب أو الحكومة، مثل الروائي الأكثر مبيعًا ديمتري غلوخوفسكي، من اختفاء كتبهم بهدوء من رفوف المكتبات.

شهد صيف عام 2022 لحظة محورية أخرى. ففي العام السابق، نشرت إيلينا ماليسوفا وكاترينا سيلفانوفا رواية للشباب بعنوان " صيف في معسكر الرواد Summer in a Pioneer Tie" ، تتناول قصة حب بين صبيين في معسكر رواد سوفييتي. وبعد أن حققت الرواية نجاحا باهرا وغير متوقع، أدانها نواب مجلس الدوما باعتبارها تهديدًا لما يسمى بالقيم الأسرية، وسرعان ما سحبت من المكتبات. ثم، في أواخر عام 2022، تم تبني قانون جديد بعنوان "الدعاية المعادية للمثليين"، والذي وسع نطاق حظر المحتوى المتعلق بمجتمع الميم ليشمل جميع الأعمار، وجعل تصوير العلاقات المثلية بشكل إيجابي في الكتب والأفلام ووسائل الإعلام أمرا غير قانوني.

كانت التداعيات واسعة النطاق. حتى قبل إقرار القانون، بدأ الناشرون بفرض رقابة استباقية على المخطوطات. أحيانا، استنادا إلى ما أسموه قواعد لغوية، كانوا يحذفون أجزاء من النص؛ وفي حالات أخرى، عندما سمحوا بالشفافية فيما يخص شأن الرقابة، حجبوا جملا أو حتى صفحات كاملة، ليتمكن القراء من رؤية حجم النص المحذوف. ومن الأمثلة على هذا الأسلوب رواية "محطم" لماكس فالك  التي نُشرت في تشرين الأول 2022. تسرد الرواية قصة علاقة بين رجلين مثليين، وصلت الأجزاء المحجوبة إلى 3% من النص بأكمله. كما احتارت المكتبات ودور النشر بشأن كيفية التعامل مع الأعمال المترجمة، بما في ذلك الأعمال الكلاسيكية التي تحتوي على مقاطع قد تعتبر الآن إشكالية، مثل أعمال فرجينيا وولف. فقد كانت  صياغة القوانين غامضة، مما جعلها قابلة للتأويل.

ليس من الصعب إدراك أن هذا متعمد: كان الهدف هو بث حالة من عدم اليقين والخوف، ليبدأ الناس بفرض رقابة ذاتية على أنفسهم. وقد نجح الأمر. بذل بعض الناشرين والمكتبات قصارى جهدهم لتجنب المشاكل؛ بينما استمر آخرون، ممن لديهم قدرة أكبر على تحمل المخاطر، في طباعة أو تخزين كتب ذات محتوى قد يكون خطيرا، بانتظار الجو الأفضل. وإذا قام "مواطن ملتزم وغيور" بتقديم بلاغ، تتدخل السلطات بفرض غرامة أو توجيه إنذار.

كان هذا الأمر منسجما تماما مع ثقافة التشهير  التي انتشرت بعد عام 2022 على نطاق أوسع. راقبت من بعيد ما يجري، وأنا بالكاد أصدق ما أرى. كنت قد قرأت عن ثلاثينات القرن الماضي، وكيف كان الناس يبلغون عن بعضهم البعض على نطاق واسع أثناء عمليات التطهير الستالينية، ليخبروا عن جيرانهم وحتى أقاربهم على أمل أن يحميهم ذلك. والآن، يتكرر الأمر نفسه. حتى تلاميذ المدارس كانوا يبلغون عن معلميهم لمجرد ذكر كلمة خاطئة، أو الإقرار عن أطفال آخرين.

أصبحت محاكمة بيركوفيتش- بيتريشوك، التي جرت عام 2024، بالنسبة لي قضية محورية في مجال حرية التعبير، وانتهت بسجن امرأتين بريئتين. كتبت سفيتلانا بيتريشوك مسرحية "فينست الصقر الشجاع"، المستوحاة من أحداث حقيقية، والتي تتناول قصة نساء روسيات خدعن للزواج من مقاتلي داعش والسفر إلى سوريا. عرضت المسرحية عام 2020  بإخراج إيفجينيا بيركوفيتش. لاقى العمل استحسانا واسعا، وحمل رسالة واضحة مناهضة للإرهاب، وحصل على جائزتي "القناع الذهبي" عام 2022، وهي جائزة المسرح الوطنية الروسية المدعومة من الدولة.

بعد الغزو الشامل لأوكرانيا، بدأت بيركوفيتش بنشر قصائد مناهضة للحرب علنا على فيسبوك، وتم تناقلها آلاف المرات. وعندما تحركت الدولة ضدها، اتضح أن هذه القصائد هي السبب الحقيقي. ويبدو أن بيتريشوك استهدفت إلى حد كبير بسبب ارتباطها بالقضية. وكانت الذريعة الرسمية هي المسرحية، التي زعم المدعون أنها تروج للإرهاب. استمرت المحاكمة عدة أشهر، حيث أصر الادعاء على هذه التهمة رغم تفاهة وسخافة الأدلة. في تموز 2024، حكمت المحكمة على كلتا المرأتين بالسجن ست سنوات. وبعد الاستئناف، خففت الأحكام عدة أشهر، لكنهما دخلتا السجن. أظهرت القضية أن حتى أدنى قدر من الحقيقة لا قيمة له: فكل نص قابل للتفسير بطريقة معاكسة.

بحلول نهاية عام 2025، أعقب ذلك حملة قمع واسعة النطاق ضد دور النشر المستقلة. ووجد العديد منهم أنفسهم عرضة لتحقيقات أجهزة الأمن: حيث تم احتجاز الموظفين واستجوابهم، أو وجهت إليهم تهم بخصوص قضايا يطالها ما يسمى "مكافحة التطرف". مع أن السبب الفعلي هو توزيع أدب يتناول قضايا المثليين. ووضع بعض المديرين رهن الإقامة الجبرية، بينما تعرض آخرون للغرامة. أُجبرت دار نشر "بوبكورن بوكس"، التي نشرت رواية " صيف في معسكر الرواد" ، على الإغلاق. وباتت الدولة تسيطر على سوق الكتب، وانهارت مساحة الأدب النزيه في روسيا. وهذا لا يعني أن هذا الأدب قد اختفى تماما، بل كان يكتب وينشر ويوزَع الآن خارج البلاد.

عند النظر إلى الأمر من هذا المنظور، كسلسلة من الحقائق، يتضح منطق الاستبداد. فالحاجة إلى السيطرة على السردية المحورية تزداد، والحاجة لعمليات القمع  تتصاعد. لهذا السبب، تعد الممانعة المبكرة، ما دامت ممكنة، أمرا بالغ الأهمية. لا تصل عمليات حظر الكتب في الولايات المتحدة إلى هذا الحد من التطرف، كما أنها ليست محورية داخل أجهزة الدولة. فهي تأتي على فترات متقطعة، وهناك العديد من الجهات الفاعلة - أمناء المكتبات، والمعلمون، والقضاة، والقراء - الذين يقاومون ويحاولون التصرف بحسن نية. ومع ذلك، فإن التوجه العام يدعو إلى القلق. يبدأ الراغبون في حظر الكتب عادة بالقول إنهم يحمون الأطفال من شيء ضار. لكنهم لا يتوقفون عند هذا الحد. فسرعان ما يريدون "حمايتنا" نحن أيضا، ليتأكدوا  أننا لا نتعرض إلا لسردية واحدة معتمدة – وهي سرديتهم الخاصة.

***

..........................

* سفيتلانا ساتشكوفا Svetlana Satchkova صحفية وروائية روسية تقيم في الولايات المتحدة.  تشغل حاليًا منصب باحثة في مركز جوردان للدراسات الروسية بجامعة نيويورك. لها ثلاث روايات باللغة الروسية. صدرت روايتها الأولى باللغة الإنجليزية بعنوان "الأحياء الأموات: رواية عن روسيا الحديثة" في كانون الثاني 2016.

* تمت الاستعانة ببرامج الذكاء الصناعي

 

اولاً- خرافة الدكتاتور العادل: صُنعت الدكتاتورية بشكل محترف في دهاليز الغرب، بعد ثورات الشعوب ومطالبتها بالتحرر من نير الإستعمار والإستقلال، حدث ذلك بعد الحرب الثانية وبعد مؤتمر يالطا خاصة (1)، حتى ازدحمت أروقة الامم المتحدة بمواثيق حقوق الإنسان والحريات السياسية والاقتصادية والمدنية وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها. وفي الخلف، خلف المسرح، كانت هناك فكرة شيطانية، ان (يخرج الاستعمار من الباب ويدخل من الشباك)

الواقع ان صناعة القائد الوطني الثوري هي صناعة استخدمت للتسويق الجماهيري بعناوين ثورية، فالجيوش الإستعمارية المُكلفة مادياً تنسحب لبلادها ويحل محلها جندي محلي عميل. انتجت هذه الصناعة موجة إنقلابات عسكرية غزت المستعمرات المتحررة تواً في منتصف خمسينيات القرن الماضي. وكان المنفذ لدخول الاستعمار بزي وطني هذه المرة، هو فكرة الدكتاتور العادل أو الدكتاتور الثوري!. والحال، انه لا يوجد دكتاتور عادل على الاطلاق، ولكن من الممكن ان يتحول الثوري الى دكتاتور، وهذه حقيقة يؤكدها التاريخ البشري والتجارب المرة مع الدكتاتورية، فالدكتاتورية والعدالة لايلتقيان مطلقاً، بسبب الاختلاف الجذري في مقومات كل منهما، فالدكتاتورية لا يمكن لها العيش إلا في ظل الأزمات والحروب المستمرة والمشانق وأجهزة الأمن السرية والعلنية والنفاق التي تدفع بالقوانين والعدالة الى الخلف، بخلاف العدالة.

وقد توجد في ظل هذه الأنظمة عدالة عامة تحكمها قوانين متقنة للجرائم العادية والى جانبها (عدالة خاصة) ذات قوانين مشددة واجراءات مختصرة ومحاكم خاصة للمعارضين تسمى (محكمة الثورة) لإضفاء نوع من الشرعية الثورية الزائفة. انظر للتاريخ لايوجد مثال واحد عن دكتاتور عادل، وانظر للقضاء فمحكمة الجنايات تتكون من ثلاث قضاة، وإدعاء عام يراقب سير الاجراءات فضلاً عن مرافعات المحامين والتمييز حتى لاينفرد قاض واحد في اصدار الحكم. كل هذا في قضية سرقة سوار سيدة مثلاً، فكيف نسلم شعب كامل بيد شخص واحد!!!! بينما يرفض الدستور والقانون تسليم متهم بالسرقة بيد قاض واحد.

ثانياً- الدكتاتور في السياسة والقانون:

الدكتاتور هنا هو حاكم فرد وإن أرتدى عباءة حزب مهلهل، يستحوذ على السلطة المطلقة في الدولة، ويُدير شؤونها بإرادته الشخصية ومزاجه دون قيود دستورية أو برلمانية، وقد يحكم تحت ظل دستور مؤقت او معطل بداعي المؤامرات وظروف البلد، مستخدماً القمع وتقييد الحريات وقمع المعارضة بوحشية ويتحكم بالإعلام.

ومع ذلك ينبغي التمييز بين الدولة البوليسية والدولة الاستبدادية، فالدولة البوليسية تقوم على اساس ان الغاية تبرر الوسيلة، وتشرع فيها القوانين تحقيقا للمصلحة العامة، وتتركز جهودها على حفظ الأمن والنظام العام، ومع ذلك يمكن التمييز بين سلطات الدولة المختلفة، وممكن ان ينشأ في ظلها قضاء عادي وإداري شبه مستقل، ويبقى للاعلام والرأي فيها حيزاً وإن كان خاضعاً للرقابة.

بينما في الدولة الاستبدادية لا يبغي الحاكم المستبد الا مصلحته الشخصية، ومن ثم يكون مطلق التصرف وغير مقيد لا من حيث الوسيلة ولا من حيث الغاية، فيعمل وفقا لما تتفتق عنه قريحته او مزاجه اوجنونه، ولو كان في ذلك إساءة الى الصالح العام، وتندمج عادة في ظل هذه الدولة السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية لتكون كلها بيده، اما الاعلام فهو اعلام الدولة الموجه وصحفها التي تتغير قيها الاسماء فقط.

اما في الدولة البوليسية فالحاكم وان كان غير مقيد من حيث الوسيلة، فهو مقيد من حيث الغاية، لان حريته في اتخاذ ما يراه من الإجراءات مشروطة بان تكون لمصلحة الجماعة وليس مصلحته الشخصية. وكثير من الدول العربية حكمتها انظمة بوليسية بينما خضعت اخرى لأنظمة دكتاتورية بحتة.

ثالثاً- الدكتاتور غير العادل دائماً في الآدب والفن:

بخلاف إعلام وأدب السلطة وخطب وعاظ السلاطين، فقد اعطى الأدب والفن للدكتاتور حقه في التقييم دون نفاق او تحيز، لنلقي نظرة:

أ- گابرييل گارسيا ماركيز والدكتاتور:

ينظر ماركيز إلى الدكتاتور كشخصية مريضة نفسياً ومعقدة تتسم بالغرابة وتستحق السخرية.

حيث يعيش الدكتاتور خارج نطاق الزمن الواقعي في عزلة، يحكم بجهل ودموية، ويستمد قوته من ضعف الشعب وخوفه.

لقد وصف ماركيز الحكام المستبدين الثوريين، وحياتهم وأفكارهم وكيف تغيروا خطوة وراء أخرى تحت تأثير السلطة، وفي النهاية أصبحوا مثل أعدائهم القدامى (الملوك والرجعيين) مجرد دكتاتور بوجه وقالب جديد وربما بصلاحيات أقوى.

(قارن بين صلاحيات الملك فيصل الاول والثاني وبين صلاحيات صدام التكريتي).

في رواية " خريف البطريرك"(1975) وصف ماركيز الدكتاتور بأنه شخصية مهووسة بالسيطرة المطلقة، أمي وجاهل، منفصل عن الواقع، ضعيف لا يشعر بالقوة إلا بمقدار ما تكون أمه قريبة منه !!!، ولهذا أعطاها صفة قديسة الوطن بمرسوم ملكى، يفعل ما يشاء وقتما يشاء، ويلجأ الى القسوة والرعب والدم لتأبيد حكمه.

وبالمقابل يحول الإعلام الرسمي شخصيته إلى كائن إلهي (عبادة الفرد) في أذهان عامة الناس، ولكنه يبقى يعاني من عقد نفسية عميقة وكوابيس فقد السلطة.

ورغم هتافات التأييد والاحتفالات الشعبية المُنظمة بشخصه يبقى الطاغية شخصًا مثيرًا للاشمئزاز من وجهة نظر شعبه.

ويسخر ماركيز من منح الرتب العسكرية والاوسمة الى الاقارب والابناء والزوجات، كما هو الامر مع كل دكتاتور.

استوحى ماركيز روايته من شخصيات حقيقية منها جوستابو روخاس بينيا، رئيس كولومبيا ما بين عامى 1953 و1957 والفنزويلى خوان بيثنتى جوميث ...

اما روايته الجنرال فى متاهته (1989)

فهي رواية افتراضية تحكى أحداث الأيام الأخيرة فى حكم سيمون بوليفار، القائد التاريخي الذي حرر فنزويلا وبوليفيا وبيرو والإكوادور من الاستعمار الإسبانى.

وكذلك تسرد دور الصراعات العسكرية والخيانة التي تفشل الثورات في تحقيق اهدافها.

الرواية لم تتظر للجنرال بوليفار كما سردها التاريخ كبطل قومي، انما صورته حينما تحول الى دكتاتور يعاني من الشيخوخة والمرض.

وحسب الجنرال "بوليفار"، فإن الديون الخارجية هي الأخري تعتبر نوعا من الاستعمار وذلك بإثقال كاهل الشعوب المتخلفة، ولذلك كان يكره القروض والديون ويقول : إنني أمقت القروض أكثر من مقتي للاسبان، لذلك نبهتُ (سانتاندير) أن كل ما نفعله لخير الأمة لن ينفع شيئا إذا ما قبلنا الديون. لأننا سنبقي ندفع فوائدها إلي أبد الآبدين وها نحن أولا، نري الأمر بجلاء الآن. لقد هزمتنا الديون المتراكمة بدنيًا وذهنيًا.

في حوار أجراه معه بيلينو مندوزا، أشار ماركيز إلى أفكار وأفعال بعض الحكام الشاذة، مثلاً فرنسوا دوفالييه في هايتي الذي أمر بإعدام جميع الكلاب السوداء في البلاد لأن واحدا من معارضيه الكتاب ذكر مجازاً انه حول ذاته إلى كلب أسود خوفا من الاعتقال والقتل!

في السلفادور، أمر مارتينيز بتغطية جميع أضواء الشوارع بالورق الأحمر لمكافحة مرض الحصبة الذي كان متفشيا.

ب- رواية السيد الرئيس للكاتب الغواتيمالي ميجيل أنخيل أستورياس، المنشورة عام 1946، (2)

تُجسّد الرواية سادية الحاكم وتأثيره الشرير على المجتمع، مستلهمة من واقع ديكتاتورية "مانويل إسترادا

حيث يصور أستورياس الرئيس كقوة غامضة وشريرة، يمتلك سلطة مطلقة، وتتحول كلمته إلى قانون غير قابل للنقاش، مما يولد جواً من الخوف الدائم يجعل الهروب من الديكتاتورية امراً مستحيلاً.

تدور الأحداث حول تلفيق تهم القتل لمسؤولين، وإعدام الأبرياء، وتأثير ذلك على الشخصيات (مثل "وجه الملاك" والجنرال كاناليس).

تكافح الشخصيات للبقاء في واقع مرعب ومسخ، مع محاولات خفيفة للمقاومة والبحث عن الحب وسط الخراب الأخلاقي.

تُعرف الرواية بأنها رواية "الاستبداد"، "الديكتاتورية العسكرية"، أو "الواقعية السحرية السياسية".

ثالثاً - الدكتاتورية في الفن

ابرز الاعمال الفنية التي واجهت الدكتاتورية هي لوحة "الحرية تقود الشعب" (1830) للفنان أوجين ديلاكروا. ونصب الحرية في بغداد.

1- لوحة "الحرية تقود الشعب" هي في الواقع أيقونة رومانسية تجسد ثورة يوليو 1789 الفرنسية، ترمز فيها امرأة "ماريان" للحرية والديمقراطية وهي تقود الشعب نحو النصر.

تعبر اللوحة عن التضحية والنضال ضد الديكتاتورية والشجاعة المدنية. تُستخدم اللوحة كرمز عالمي للثورة، الديمقراطية، وحقوق الإنسان.

اللوحة عبارة عن رموز

ماريان (شخصية الحرية): امرأة عارية الصدر ترمز للحرية والجمهورية، تلبس قبعة الحرية وتقود الشعب. بينما يرمز العلم الفرنسي لمبادئ الثورة الثلاثة: الحرية، المساواة، والإخاء. بينما يرمز القتلى في مقدمة اللوحة الى التضحية والدماء التي يدفعها الشعب في سبيل الحرية.كما يرمز تنوع الشخصيات في اللوحة الى التفاف كافة طبقات المجتمع (عامل، مثقف) حول الحرية

2- نصب الحرية في ساحة التحرير ببغداد (نبؤة لم تتحقق):

النصب من أعمال النحات جواد سليم (1961)، هو سجل برونزي فني يوثق تاريخ العراق القديم والحديث الذي بقى يتكرر لاحقاً رغم النصب، ليعيش العراقيون في ظل دكتاتوريات اقسى وأشد.

ولهذا النصب أثره على العراقيون، كما يذهب الباحثون، فلم يتوحد العراقيون برمز يوما كما توحدوا باتفاقهم بأن هذا النصب هو رمزٌ للتخلص من العبودية والظلم.

النصب يلخص حياة العراق والعراقيين في ظل عهود القهر والظلم عبر التاريخ.

النصب يقرأ من اليمين إلى اليسار، من خلال 14 قطعة، ويصور العراقيين كشخوص نابضة بالعزيمة والإصرار، وهناك طفل صغير يشير إلى بداية الطريق.

ثم امرأة مشحونة بالانفعال والغضب والحزن، ومن ثم منظر عراقي خالد في التاريخ العراقي حيث تحتضن الأم ابنها الشهيد وتبكي عليهِ، بينما ترمز صورة الأمومة إلى معاني العطاء غير المشروط، والأمان، والحنان الغامر، والتضحية، والحب، باعتبارها ركيزة الأسرة ومصدر الحياة والاحتواء.

هناك منحوتة السجين السياسي الذي مزقت ظهره السياط، اما منحوتة الجندي الذي يطوي قضبان السجن فيرمز إلى القوة والإصرار على كسر قيود الظلم والاستبداد، وهو يمثل نقطة التحول الرئيسية في النصب، حيث يكسر قضبان السجن ليحرر الشعب. ليجسد دور الجيش والشعب معاً في صنع الحرية وإعلان الجمهورية.

بعد تحطيم القيود تطهر مجسمات السلام والازدهار والحرية من خلال إمرأة تمسك مشعلاً وهو رمز الحرية الأغريقي،

ويرى البعض ان نهري دجلة والفرات كانا حاضرين لم يغيبا عن النصب حيث يفسر البعض نهر دجلة بأنهُ أشجار النخيل ونهر الفرات بمعنى الخصب تمثلهما امرأتان إحداهما تحمل سعف النخيل والأخرى حبلى وثمة فلاحان يحتضنان مسحاة متعبير عن وحدة المصير

اما رمز الثور الذي يعد رمزا سومرياً، يعبر القوة والثقة بينما يظهر الجانب الصناعي في أقصى اليسار على هيئة عامل كأساس للتنمية.

*دكتاتورنا القروي، دكتاتورية فاقت كل التصورات. صدام في مطلع استلامه السلطة بعيد الانقلاب الصوري، اعلن في مسرحيته الهزيلة عن نفسه كثوري متشدد (العمالة ومسرحية الثورية المزيفة) حاد الصفات يحاسب على اقل خطأ، مكفهر الوجه، يظهر بستايل هوليودي ويتبنى تحرير فلسطين ... يشتم الاستعمار والامبريالية، وكل شئ قابل للشتم بما فيهم دول الجوار العربي وغير العربي، فهم كما كان يدعي مجرد عملاء رخيصون.

مجزرة قاعة الخلد الدموية: جلس صدام يدخن السيگار وعينيه تقدح شرراً، وكان يبكي ويدّعي خيانة رفاقه، حيث أجبر صدام رفاقه على الاعتراف بـ"مؤامرة" مزعومة، وتم إعدام العشرات منهم لاحقاً من بينهم 6 من أعضاء القيادة.والهدف هو تغيير هيكلية القيادة لضمان الولاء المطلق، وتوطيد سلطته في بداية حكمه.

وعلى هذا الحال انتهى به الامر الى خيانة عهوده مع المعارضة (الجبهة الوطنية المزعومة) فشتتها وصفى قواعدها.

ابتدع مسرحية الجولات في القرى والارياف وحمايته يسجلون رغبات وطلبات المواطنين ويحمل الاطفال الفقراء ويمسح مخاطهم ...

انبهر العامة وكذلك الاحزاب المعارضة بسلوكه وتواضعه المسرحي (ربما نشأ نشأة امبراطورية اسرية ومن ثم تواضع)

وقتل الالاف من خيرة رجالات العراق بححج واهية وتبنى المقابر الجماعية واحواض التيزاب ولم يتورع من القاء السلاح الكيمياوي على قضاء حلبجة وقتل الالاف من السكان دون اي وازع من ضمير او اخلاق. وانتهى الى نتائج متشابهة مع كل دكتاتور عبر التاريخ. سلم قيادات الدولة الى أميون انتهازيون تافهين ليس عليهم سوى التصفيق والتطبيل وتنفيذ اوامره بلاجدال (نفذ ولاتناقش) ويتولى هؤلاء الاشراف والامامة بسوقية على خيرة علماء وكفاءات واكاديمي البلد بما فيهم القادة العسكريون العراقيون لينصب عليهم مفوضي شرطة كوزراء للدفاع!!!. وكعادة أي دكتاتور افتعل الحروب، وفي ظل الحصار الخانق بنى القصور العملاقة التي كانت تطبخ ثلاث وجبات من افخر انواع الطعام والغزلان والطيور على أمل ان يحضر الدكتاتور مع التشديد على القائها بالزبالة ان لم يحضر وتقطع يد من يتذوقها كل ذلك في الوقت الذي كان يدعو العراقيين للعمل بالطين بعد الدوام لتجنب العوز بسبب الحصار.

واطلق العنان لابنائه واقربائه دون حسيب ورقيب وتفنن بالعقوبات مثل تلك التي كنا نقرأ عنها في محاكم التفيش في القرون الوسطى بل واقسى حينما يلقى مئات البشر وهم احياء في مقابر جماعية ومثارم بشرية واحواض تيزاب.

واضحى الاعدام على مجرد نكتة امراً معتاداً حتى لو قالتها امرأة بسيطة من اهل حي الكريمات الفقير تعيل خمسة ايتام.

نتيجة: كل طاغية قاس وجبان واناني الى درجة مبالغ بها الى درجة كبيرة.

الدكتاتور في النهاية هو واحد سواء كان مثقفاً متذوقاً للموسيقى ومحباً للمسرح والشعر او كان أميا جاهلاً متهوراً عنيداً حينما يتعلق الامر بكرسي الحكم فدونه دماء البشر مهما كان عددهم

الدكتاتور العادل هو القانون الذي يطبق على الجميع بسواسية

اما الدكتاتور الفرد فلن يكون عادلاً ابداً والتاريخ يشهد على ذلك

فلم تحصد البشرية من الطغاة سوى الحروب والقسوة والمشانق وانهار الدماء.

هذه هي تراجيديا السلطة التي تخصص رجال المعرفة في إثبات انها تمثل سيكلوجيا متشابهة في كل زمان ومكان .

***

فارس حامد عبد الكريم

.....................

(1): مؤتمر يالطا (4-11 فبراير 1945) هو اجتماع قمة تاريخي عُقد في شبه جزيرة القرم السوفيتية، جمع "الثلاثة الكبار" (روزفلت، تشرشل، ستالين) للتخطيط للمراحل النهائية للحرب العالمية الثانية وتشكيل نظام عالمي جديد. نتج عنه توزيع النفوذ بين الدول الكرى على الكرة الأرضية واعطى الاتحاد السوفيتي حصته (المعسكر الاشتراكي) بعد تقسيم ألمانيا، بينما اضحت الدول الأخرى موزعة بين الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا(المعسكر الرأسمالي)،إنشاء الأمم المتحدة، بقي العراق من حصة بريطانبا.

(2)السيد الرئيس رواية شهيرة كتبها استورياس عام 1946، (جائزة نوبل في الأدب عام 1967) ترجمها للعربية ماهر البطوطي 1985.

تعد هذه الرواية علامة بارزة في أدب امريكا اللاتينية ومع ذلك فقد بقيت محجوبة عن الوطن العربي حتى عام 1985 ربما لتشابه ظروف الرواية مع أحوال معظم الدول العربية. 2026

------------------

*النائب السابق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية.

 

إنّ من أبرز الشوائب التي تعتري الطبيعة البشرية، وتدفع الإنسان أحياناً إلى مغادرة فضاء إنسانيته الرحب، هو تعطّشه المزمن للصراع والتضاد والتناحر مع الآخر، فبدل أن يكون الاختلاف مجالاً للتكامل والتفاعل الخلّاق، يتحول في كثير من الأحيان إلى وقودٍ دائم للتوتر والنزاع، بل إنّ بعض الأفراد قد يجدون في الصراع نوعاً من الإشباع الوجودي، حتى ليغدو غيابه مدعاةً للقلق والاضطراب، فيسعى الإنسان-بشكلٍ أو بآخر- إلى اختلاق أسبابٍ جديدة للنزاع كلما خمدت نيرانه، ولعلّ هذه الظاهرة يمكن تفسيرها في إطار التحليل النفسي والاجتماعي، غير أنّ خطورتها الحقيقية تظهر حين تتجاوز نطاق الفرد، فتنتقل من كونها مجرد حالة إلى عدّها ظاهرة، فتصبح سلوكاً جمعياً أو حتى نمطاً في سلوك الدول.

والأكثر غرابة أنّ هذه العقدة لم تعد حبيسة النفس الإنسانية الفردية، بل أخذت تتجسد في بنية النظام الدولي ذاته، فالدول التي تخضع لسلطة الحاكم الأوحد قد تنزلق بسهولة نحو إشعال الحروب، لا بدافع الضرورة الاستراتيجية فحسب، بل استجابةً لرغبات نفسية أو أيديولوجية لدى النخبة الحاكمة، وهكذا تتحول الحرب من وسيلة اضطرارية لحل النزاعات إلى أداة لتغذية نزعات السلطة وإشباع هوس الهيمنة.

ومع ذلك، فإنّ التاريخ الإنساني يجعل من الحرب ظاهرة شبه ملازمة لمسيرة المجتمعات البشرية، فهي من جهة تبدو طبيعية، لكثرة تكرارها عبر العصور، لكنها من جهة أخرى تبدو ظاهرة غير طبيعية لأنّ جذورها الحقيقية غالباً ما تكون مشوّهة أو غامضة، ومزيجاً معقداً من الطموحات السياسية والمصالح الاقتصادية والهواجس الأمنية. ولعلّ أبرز القضايا التي كثيراً ما تؤسس لاندلاع الحروب تتمثل في الصراع على السيادة، أو الخيانة والتحالفات المتغيرة، أو التنافس على الموارد والثروات، وغالباً ما تنتهي هذه الحروب -بعد كلفٍ باهظة- إلى طاولة المفاوضات، حيث يجري ترسيم الحدود أو إعادة توزيع المصالح والاعتراف المتبادل بالحقوق.

غير أنّ الحروب التي يشهدها عالمنا المعاصر تبدو مختلفة إلى حدٍ كبير عن حروب الماضي، فالكثيرون ما زالوا ينظرون إلى الصراعات الجارية بوصفها مجرد نزاعات سيادية أو جيوسياسية بين قوى دولية وإقليمية، كالصراع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، غير أنّ التحولات المتسارعة في المعطيات السياسية والفكرية توحي بأنّ هذه القراءة لم تعد كافية لتفسير طبيعة الصراع الراهن. فما يجري اليوم يبدو أقرب إلى صراعٍ تتداخل فيه الحسابات السياسية مع الهواجس العقائدية والرؤى الماورائية لنهاية التاريخ، إذ إنّ بعض الفاعلين في هذا الصراع يستندون إلى تصورات دينية أو نبوءات غيبية يرون فيها إطاراً لتحقيق العدالة الإلهية على الأرض، أو تمهيداً لأحداث كبرى مرتبطة بنهاية الزمان.

فعلى الجانب الإسرائيلي، تبرز لدى بعض التيارات الدينية الصهيونية رؤية توراتية تتحدث عن تحقيق الحلم التاريخي بإقامة دولة تمتد -وفق التأويلات الشائعة- من النيل إلى الفرات، بوصفها تحقيقاً لنبوءات دينية ورمزاً لنهاية حقبة الشتات التي عاشها اليهود لقرون طويلة. وفي المقابل، يظهر في الجانب الإيراني حضور قوي لفكرة المهدوية، أي انتظار ظهور الإمام المهدي الغائب... وعلى الرغم من أنّ فكرة المهدي موجودة في التراث الإسلامي عموماً، فإنّها اكتسبت في الفكر الشيعي الاثني عشري بعداً سياسياً خاصاً، لا سيما بعد أن أعلن روح الله الخميني قيام نظام يقوم على نظرية ولاية الفقيه بوصفها صيغة لقيادة الأمة في زمن غيبة الإمام.

وقد تطورت هذه الفكرة لاحقاً لتصبح جزءاً من الخطاب السياسي والديني في إيران، حيث يرى بعض المنظّرين أنّ الأحداث الكبرى والصراعات الإقليمية قد تكون مقدمات لظهور الإمام المنتظر. وفي هذا السياق تُطرح أحياناً تصورات رمزية عن شخصيات تاريخية أو سياسية يمكن أن تؤدي أدواراً مرتبطة بالروايات المهدوية، وهو ما يضفي على الصراع بُعداً رمزياً يتجاوز الحسابات السياسية التقليدية.

أما إسرائيل فتسعى إلى إعادة تشكيل ملامح الشرق الأوسط بما يضمن تفوقها الاستراتيجي وإعادة ترتيب توازنات القوة في المنطقة، وقد بدأت هذه العملية منذ عقود عبر إضعاف أو إسقاط الأنظمة التي عارضت مشروعها السياسي أو رفضت فكرة التطبيع معها، وفي ظل هذه التحولات، تبدو إيران اليوم إحدى القوى الإقليمية القليلة القادرة على موازنة النفوذ الإسرائيلي في المنطقة.

ومن هنا، فأن أي تحوّل جذري في موقع إيران الإقليمي قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من إعادة تشكيل المنطقة، قد تتكرس فيها الهيمنة الإسرائيلية ضمن منظومة إقليمية ودولية جديدة، وربما تحظى هذه المنظومة بقبول عربي أوسع وإشراف دولي مباشر.

وهكذا، يبدو أنّ الصراع في الشرق الأوسط لم يعد مجرد نزاع سياسي تقليدي على النفوذ والموارد، بل أصبح ميداناً تتقاطع فيه المصالح الجيوسياسية مع التصورات العقائدية والتاريخية... وفي مثل هذا السياق المعقد، تصبح الحروب أكثر خطورة، لأنّها لا تُخاض فقط باسم المصالح، بل أحياناً باسم النبوءات والأحلام الكبرى التي يصعب إخضاعها لمنطق العقل أو التسويات السياسي.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

الدنمارك نموذجاً

الاندماج مسؤولية مشتركة: قراءة يسارية نقدية في ظل تصاعد الخطاب اليميني المعادي للمهاجرين، وإشكالية فهم الدولة، وبعض الممارسات الخاطئة لدى أقلية من المهاجرين.

لا يمكن فهم أزمة اندماج اللاجئين في أوروبا بمعزل عن السياق الذي أنتجها. فموجات اللجوء الكبرى لم تنشأ في فراغ، وجاءت في معظمها نتيجة مباشرة لحروب ودمار ممنهج طال مجتمعات بأسرها. ولا يزال هذا الدمار مستمراً حتى اليوم: ففي غزة وحدها تجاوز عدد ضحايا العدوان الإسرائيلي منذ أكتوبر 2023 اثنين وسبعين ألف فلسطيني غالبيتهم من الأطفال والنساء، فيما تهجّر نحو مليوني شخص. وفي السودان واليمن وسوريا لا تزال الحروب تنتج موجات نزوح متواصلة. وفي فبراير 2026 نفّذت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات عسكرية على إيران، وبغض النظر عن طبيعة النظام الإيراني الديكتاتوري الرجعي، فإن هذا العدوان العسكري المباشر على دولة ذات سيادة يرسخ منطق الحرب والعسكرتارية بديلاً عن القانون الدولي، وينتج مزيداً من الضحايا المدنيين والنازحين. هذه الحروب والصراعات تُشعلها أو تدعمها في معظم الأحيان تحالفات رأس المال والقوى اليمينية في الغرب وحلفاؤها الإقليميون. ومن المفارقة المؤلمة أن هذه القوى ذاتها التي أسهمت في تدمير مجتمعات بأسرها هي اليوم في طليعة من يرفعون راية معاداة المهاجرين ويصوّرونهم عبئاً لا ضحايا حروب أشعلوها.

تتصدر قضية الاندماج المشهد السياسي في الدول الاسكندنافية وبعض دول شمال أوروبا منذ عقود، وتتجدد حدتها مع كل موسم انتخابي. وعلى الرغم من تباين السياقات الوطنية، تتقاطع هذه الدول في مواجهة إشكاليات متشابهة: صعود الخطاب اليميني المعادي للمهاجرين، وانزياح أحزاب الوسط اليساري نحو مواقف أكثر تشدداً في ملف الهجرة، وغياب تفسير بنيوي جاد لأسباب تعثر الاندماج لدى أقلية من الوافدين. وتبرز الدنمارك في هذا السياق بوصفها النموذج الأكثر تشدداً حالياً، إذ أقرت خلال السنوات الأخيرة جملةً من أشد قوانين الهجرة والاندماج صرامةً في العالم الغربي. تتخذ هذه القراءة من الدنمارك نموذجاً تحليلياً لا لأنها استثناء، إذ تجسد هذه التناقضات بوضوح لافت، ولأنني أقيم فيها وأتابع مجرياتها عن قرب، مما يتيح لي رصد هذه الإشكاليات من الداخل. والحالة في جوهرها عامة وقابلة للتطبيق على سياقات مماثلة في دول أوروبية أخرى ذات أنظمة رفاه متقدمة.

ملاحظة للقارئ: المشهد الحزبي الدنماركي

ينقسم المشهد السياسي الدنماركي إلى كتلتين رئيسيتين. الكتلة الزرقاء اليمينية وتضم حزب فينسترا Venstre - Liberal Party (الليبرالي التاريخي)، وحزب الشعب الدنماركي Dansk Folkeparti - Danish People's Party (القومي الشعبوي) الذي أرسى منذ مطلع الألفية خطاباً مناهضاً للهجرة أصبح مرجعاً للتنافس السياسي في البلاد ودفع المشهد السياسي كله نحو اليمين في هذه المسألة، إضافة إلى الليبرالية الجديدة Liberal Alliance والمحافظين Det Konservative Folkeparti - Conservative People's Party.

الكتلة الحمراء اليسارية تضم حزب الاشتراكيين الديمقراطيين Socialdemokratiet - Social Democrats الذي يمثل نموذجاً صارخاً للانزياح اليساري نحو اليمين في ملف الهجرة، إذ قاد حكومات أقرت بعض أشد قوانين الهجرة صرامةً في تاريخ الدنمارك رغم انتمائه التاريخي لليسار الاجتماعي. وحزب الشعب الاشتراكي Socialistisk Folkeparti في موقع وسطي.

فيما تمثل القائمة الموحدة Enhedslisten - Red-Green Alliance الجناح اليساري الأكثر وضوحاً برلمانياً في رفض العنصرية تجاه المهاجرين والمطالبة بسياسات اندماج قائمة على مواثيق حقوق الإنسان الدولية. غير أن هذا الوضوح لا يخفي تناقضات جوهرية، إذ أبعدتها مواقفها في السياسة الخارجية والتسليح عن الموقف الاشتراكي التقليدي المناهض للحرب وللعسكرتارية، وأيدت إنفاقاً دفاعياً متصاعداً على حساب الرعاية الاجتماعية، بل اقترحت توسيع التجنيد الإلزامي ليشمل النساء بدلاً من المطالبة بإلغائه. وهذه التحولات دفعت قوى اليسار الجذري إلى تحفظات صريحة على اعتبارها خياراً يسارياً موثوقاً، وإن بقيت في ملف الحقوق الاجتماعية والاندماج أفضل ما يتيحه المشهد البرلماني الراهن.

وخارج هذه الكتل البرلمانية، تنشط في الدنمارك أحزاب وتنظيمات يسارية جذرية لا تحظى بتمثيل برلماني لكنها تمثل جزءاً حياً ومهماً من المشهد اليساري، كالأحزاب الشيوعية بمختلف توجهاتها والتنظيمات الاشتراكية الثورية والحركات الأناركية والنقابية المستقلة. وهذه القوى مجتمعةً، سواء من داخل البرلمان أو من خارجه، تشكل الرافد الأساسي للضغط من أجل صون المكتسبات الاجتماعية ومقاومة الخطاب اليميني المعادي للمهاجرين.

هذا التوزع الحزبي ليس مجرد خريطة تنظيمية، وإنما هو المفتاح لفهم طبيعة النقاش الدائر حول الهجرة والاندماج في الحملة الانتخابية الراهنة التي تسبق الانتخابات البرلمانية المقررة في الرابع والعشرين من مارس 2026. في خضم هذه الحملة، وفي ظل احتدام التنافس بين الكتلتين، تعود قضية اللاجئين والاندماج إلى واجهة النقاش السياسي بثقل لافت، وكأنها تصور باعتبارها إحدى المشكلات الجوهرية التي تهدد تماسك ومستقبل المجتمع الدنماركي.

وتميل معظم الأحزاب، بما فيها بعض أحزاب الوسط اليساري، إلى تفسير نجاح الاندماج أو إخفاقه من خلال عوامل ثقافية أو دينية أو عرقية. لا شك أن لهذه العوامل أثراً في بعض جوانب الاندماج، غير أن هذا الأثر يبقى محدوداً ولا يكفي لتفسير الظاهرة في جوهرها. فعوضاً عن التعامل مع الاندماج بوصفه مساراً اجتماعياً وتاريخياً معقداً تتشابك فيه عوامل بنيوية ونفسية واقتصادية، يجري اختزاله في شعارات ثقافية ودينية مبسطة توظف لإثارة الخوف وحشد الناخبين، مع ما يترتب على ذلك من أثر سلبي مباشر في مسيرة الاندماج ذاتها.

ولا بد هنا من التمييز بين نوعين من "القيم الدنماركية": القيم الأصيلة المستندة إلى مبادئ المواطنة والمساواة والكرامة الإنسانية التي كرسها الدستور ومواثيق حقوق الإنسان الدولية، و"القيم الدنماركية" التي يروج لها اليمين تحت مسمى "الهوية الوطنية" والمستندة في جوهرها إلى التعصب والعنصرية والتمييز والاستعلاء القومي. فهذا الخطاب يفضي عملياً إلى معاملة سكان البلد من أصول مهاجرة، جيلاً أول وجيلاً ثانياً ولد في الدنمارك ونشأ فيها، كما لو كانوا متهمين يستوجب عليهم إثبات براءتهم بصفة مستمرة بسبب أصلهم الديني أو القومي، على الرغم من أن الغالبية العظمى منهم تعمل وتسهم وتندمج بشكل فعلي في المجتمع الدنماركي. وبعض هذه الخطابات تتجاوز القيم الحقوقية التي كفلها الدستور الدنماركي والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.

لكن سؤالاً أكثر عمقاً نادراً ما يطرح في النقاش العام، لا من الكتلة الزرقاء ولا من معظم أحزاب الكتلة الحمراء: ماذا تعني الدولة في أذهان من عاشوا جزء كبير من حياتهم في ظل دولة تقمع وتنهب؟ وكيف يمكن لهذه التجربة الراسخة أن تؤثر في علاقتهم بأي دولة أخرى؟ والأمر لا يقتصر على الجيل الأول وحده، إذ إن هذه الصورة عن الدولة قد تنتقل بصورة غير مباشرة إلى الجيل الثاني المولود في الدنمارك، عبر اللغة اليومية في البيت وطريقة الحديث عن المؤسسات والسلطة والقانون. فالطفل الذي ينشأ في بيئة تنظر إلى الدولة بريبة وخوف قد يرث هذه النظرة قبل أن يكون تجربته الخاصة معها، مما يجعل معالجة هذا البعد النفسي والتاريخي ضرورة تمس الأجيال لا الأفراد.

الدولة كما عرفوها: جهاز قمع لا مؤسسة خدمة

كثير من اللاجئين واللاجئات القادمين من الشرق الأوسط وبعض مناطق آسيا وأفريقيا عاشوا معظم حياتهم في ظل دول استبدادية فاسدة. بالنسبة لهم، لم تكن الدولة مؤسسة عامة تخدم المجتمع وتحمي حقوق أفراده. كانت في تجاربهم اليومية جهاز سلطة قمعياً يعمل في الغالب لصالح نخبة ضيقة على حساب المجتمع الأوسع، مرتبطاً بالفساد المنهجي والرشوة والأجهزة الأمنية المهيمنة على الحياة العامة والبيروقراطية غير الخاضعة للمساءلة الشعبية. وكانت في أغلب الأحيان سلطة غير منتخبة أو تلجأ إلى انتخابات صورية مزيفة لا تعدو كونها واجهة لإضفاء الشرعية على حكم قائم أصلاً، وتتعامل مع الناس باعتبارهم رعايا خاضعين لا مواطنين يتمتعون بحقوق.

وهذه التجربة المتجذرة مع الانتخابات المزيفة أو مع غيابها الكلي تفسر جزءاً مهماً مما تعكسه الاحصائيات في الديمقراطيات الاسكندنافية من انخفاض نسبة المشاركة الانتخابية لدى الدنماركيين من أصول أجنبية مقارنةً بالمواطنين الأصليين. فالمشاركة في الانتخابات ليست سلوكاً فطرياً، هي ممارسة مكتسبة تبنى على ثقة راسخة في أن صوت الفرد يحدث فارقاً حقيقياً. ومن لم يعرف في حياته سوى صناديق اقتراع لا تغير شيئاً، أو تستخدم لتزوير إرادة الناس، يحتاج وقتاً وتجربة ملموسة ليقتنع بأن الأمر مختلف هنا.

والأهم من ذلك أن هذه الدول في كثير من الحالات لم تنشأ في فراغ. تشكلت وتحكمت في السلطة عبر تحالف وثيق بين الحكام السياسيين والنخب الرأسمالية المحلية والعالمية المستفيدة. وهي دول تلقت في أحيان كثيرة دعماً سياسياً وعسكرياً ومالياً من قوى دولية غربية تحت ذريعة الاستقرار الإقليمي ومكافحة التطرف، ومنها الدنمارك، في الوقت الذي كانت فيه تسحق المجتمع المدني وتمنع أي شكل من أشكال التنظيم الديمقراطي أو النقابي المستقل. وهذا السياق الدولي جزء لا يتجزأ من فهم الأزمة، إذ إن المجتمعات الغربية التي تتساءل اليوم عن أسباب صعوبة الاندماج تحمل في الوقت ذاته قدراً كبيراً من المسؤولية التاريخية عن التفاوت الاقتصادي وإدامة الأنظمة التي أفرزت هؤلاء اللاجئين وصنعت في نفوسهم هذه العلاقة العميقة من الريبة والخوف من الدولة.

في مثل هذه الأنظمة القمعية والفاسدة، يصبح من الطبيعي تماماً أن يحاول الناس الالتفاف على الدولة عوضاً عن التعاون معها. يتجنبون الإجراءات الرسمية، يتحايلون على القوانين ويتجنبون دفع الضرائب، ويبحثون عن طرق غير رسمية لإنجاز المعاملات، ويعتمدون على شبكات العلاقات الشخصية والعائلية والمناطقية عوضاً عن المؤسسات العامة التي لا يثق بها أحد. هذه ليست خصيصة ثقافية موروثة بالمعنى الجوهراني البسيط. هي في معظمها نتيجة منطقية لتجربة تاريخية طويلة ومتوارثة مع دولة دأبت على قمع ونهب المجتمع عوضاً عن خدمته.

ويزيد هذا التعقيد بعداً آخر كثيراً ما يغفله النقاش العام: فكثير من اللاجئين لا يحملون فقط تجربة سياسية مع الدولة الاستبدادية، بل يحملون أيضاً صدمات حرب ونزوح واضطهاد تلقي بظلالها العميقة على قدرتهم في الثقة بأي مؤسسة بغض النظر عن طبيعتها. هذا البعد النفسي لا يعالج بالشرح المؤسسي وحده، بل يحتاج دعماً متخصصاً ينبغي أن يكون جزءاً لا يتجزأ من أي سياسة اندماج جادة.

دولة الرفاه: نموذج ولد من النضال الطبقي

عندما يصل هؤلاء اللاجئون واللاجئات إلى الدنمارك، يجدون أنفسهم أمام نموذج مختلف تماماً عن كل ما عرفوه. فرغم أن الدولة الحديثة تبقى في النهاية جزءاً من بنية اجتماعية طبقية داخل النظام الرأسمالي، فإنها في الدنمارك والدول الاسكندنافية عموماً تقوم على مؤسسات ديمقراطية وانتخابات حرة ومستقلة وشفافية مؤسسية عالية نسبياً وقواعد قانونية تطبق بصورة متساوية إلى حد كبير على الجميع بغض النظر عن انتمائهم أو ثروتهم، وهو نموذج لا يقارن بأي شكل من الأشكال بما عاشوه في دولهم السابقة.

غير أن الاعتراف بهذه المكتسبات لا يعني التغاضي عن الطابع الطبقي للدولة الدنماركية. فهي في نهاية المطاف دولة رأسمالية تعمل داخل منظومة اقتصادية تركز الثروة وتعيد إنتاج التفاوت الاجتماعي. فالتعليم العام المجاني والرعاية الصحية الشاملة ونظام الضمان الاجتماعي وقوانين حماية العمال لم تولد مع الدولة الدنماركية، بل انتزعت انتزاعاً عبر عقود طويلة من الصراع الاجتماعي والتنظيمي بين العمال ورأس المال، ولم تكن يوماً تنازلاً طوعياً من الطبقة المسيطرة. وتجدر الإشارة إلى أن هذا النموذج الاسكندنافي – دولة الرفاه- شهد تراجعاً ملموساً منذ التسعينيات، حين بدأت الأحزاب الاشتراكية الديمقراطية بالانزياح نحو الوسط الليبرالي، متخليةً تدريجياً عن الأولويات التي صنعت هذا النموذج لصالح إدارة الرأسمالية لا تحديها.

وهذه المكتسبات ليست محصنة إلى الأبد. فهي عرضة دائماً للتآكل كلما ضعفت الحركة اليسارية والنقابية وتراجع حضورها في الفضاء العام. وتاريخ الرأسمالية يثبت أن رأس المال لا يتخلى طوعاً عما انتزع منه، وأن كل تراجع في قوة التنظيم الجماعي تفتح معه نافذة لإعادة تقليص هذه الحقوق تحت ذرائع متجددة. لذا فإن الحفاظ على هذه المكتسبات وتطويرها مرهون في كل جيل بيقظة الحركات اليسارية و التقدمية واستمرار تنظيمها ومشاركتها السياسية الفاعلة.

هذه الحقيقة التاريخية هي مفتاح جوهري لفهم طبيعة الدولة الدنماركية. فعندما يقال لمهاجر أو لاجئ إن الدولة هنا "مختلفة"، يظل هذا الكلام مجرداً ما لم يقرن بالسياق التاريخي الذي أنتج هذا الاختلاف: حركات عمالية منظمة، إضرابات واحتجاجات، تفاوض جماعي، وصراع سياسي امتد لأجيال قبل أن يفضي إلى هذا المستوى من الحقوق الاجتماعية.

وتقوم هذه الدولة أيضاً على منظومة قانونية تستند إلى مبادئ حقوق الإنسان، بما في ذلك المساواة القانونية بين النساء والرجال، وتحييد الدين عن الدولة، وحماية حقوق الأطفال، وحق جميع المواطنين والمقيمين في التعليم والرعاية الصحية والكرامة الإنسانية بصرف النظر عن وضعهم الاجتماعي أو الاقتصادي. بالنسبة لكثير من اللاجئين القادمين من مجتمعات لا تتمتع فيها هذه الحقوق بالحماية القانونية الكافية، فإن استيعاب هذه القواعد وفهم منطقها ليس مجرد تكيف ثقافي، بل هو جزء أساسي من فهم طبيعة الدولة الديمقراطية العلمانية ذاتها وطريقة اشتغالها.

ومن أبرز نتائج هذه المنظومة أن المرأة المهاجرة القادمة من بيئات تعاني فيها النساء من تمييز قانوني وقيود اجتماعية صارمة، تجد نفسها أمام منظومة حقوقية تكفل لها حماية أوسع في مجالات العمل والتعليم والطلاق والحضانة وحرية التنقل. وهي في أحيان كثيرة تكتشف لأول مرة حقوقاً قانونية كانت محرومة منها.

الغالبية العظمى من اللاجئين واللاجئات تتكيف تدريجياً مع هذا النموذج وتتفاعل معه بشكل إيجابي وفعال. يتعلمون الثقة بالمؤسسات العامة، يدخلون سوق العمل، يدفعون الضرائب، يشاركون في الحياة المجتمعية، ويربون أطفالهم داخل هذا النظام. بل إن كثيراً منهم باتوا فاعلين في كافة مفاصل المجتمع الدنماركي، ومنها قطاعات اقتصادية حيوية كالرعاية الصحية والخدمات والنقل والبناء والصناعات الغذائية، وهي قطاعات باتت تعتمد اعتماداً جوهرياً على هذه الأيدي العاملة التي لولاها لتعطلت خدمات أساسية يستفيد منها المجتمع بأسره.

وفي قطاعات بعينها باتت العمالة ذات الأصول الأجنبية تمثل الغالبية الساحقة من القوى العاملة، لأن هذه القطاعات تتطلب استعداداً للعمل في ظروف شاقة وبساعات مطولة. هذا الإسهام الاقتصادي الحقيقي نادراً ما يجد طريقه إلى النقاش السياسي العام المهووس بالسلبيات، وهو إسهام يستحق الاعتراف والتقدير لا التجاهل.

ولا بد من الإشارة إلى أن الاندماج في سوق العمل لا يصطدم فقط بعوائق من طرف المهاجرين أنفسهم. فالبحوث تثبت وجود تمييز هيكلي حقيقي، إذ يرفض أصحاب الأسماء الأجنبية في سوق العمل بنسب أعلى من أقرانهم ذوي الأسماء الدنماركية بغض النظر عن مؤهلاتهم. هذا التمييز ليس مشكلة فردية بل تحيز بنيوي داخل سوق العمل الرأسمالي، ومعالجته تستوجب تشريعات صارمة وضغطاً نقابياً منظماً.

غير أن ثمة أقلية صغيرة تبقى لوقت أطول أسيرة التجربة القديمة مع الدولة والموروث الذكوري السلطوي، فتتعامل مع النظام الدنماركي بمنطق ما اعتادته في بلدها السابق، من لجوء إلى العمل غير الرسمي أو محاولة تجاوز القوانين أو الاعتماد على شبكات غير رسمية عوضاً عن المؤسسات العامة، أو محاولة فرض قيود على النساء في الأسرة وفي تربية الأطفال تتعارض مع المنظومة الحقوقية التي يكفلها القانون الدنماركي للجميع. وفي بعض الحالات لا يتعلق الأمر فقط بالعلاقة مع الدولة، بل بضغط الجماعة والطائفة والدين التي تشكل سلطة موازية تنافس سلطة المؤسسات العامة وتفرض على الأفراد، ولا سيما النساء والاطفال، امتثالاً لمعايير تتعارض مع المنظومة الحقوقية الدنماركية. وهذه السلطة الجماعية الموازية تحتاج إلى معالجة مستقلة لا يكفي فيها الشرح المؤسسي وحده.

سياسات الاندماج وإشكالية فهم الدولة

غالباً ما يفسر تعثر اندماج هذه الأقلية في النقاش السياسي السائد بوصفه مشكلة ثقافية أو دينية جذرية تستوجب المزيد من القيود والاختبارات والشروط. التفسير الأكثر دقة وواقعية هو أن المسألة في كثير من الحالات انتقال عسير من تصور راسخ للدولة بوصفها جهاز قمع وفساد، إلى تصور مختلف جذرياً يرى فيها مؤسسة تضامن اجتماعي تستحق الثقة والمشاركة. القادمون من تجارب استبدادية يحتاجون وقتاً واستثماراً حقيقياً لفهم أن العلاقة بين المجتمع والدولة في الدنمارك تقوم على قواعد مختلفة تماماً عما عاشوه.

سياسات الاندماج الدنماركية الراهنة لا تعالج هذا البعد الجوهري بشكل كافٍ. فعوضاً عن التركيز على شرح طبيعة مؤسسات الدولة وآليات عملها والتاريخ النضالي الذي أنتجها، تراكمت خلال السنوات الماضية، تحت ضغط متصاعد من اليمين واليمين المتطرف، سياسات اندماج اتجهت نحو تشديد القوانين وتوسيع الاختبارات القيمية وفرض قيود متزايدة على الإقامة وبعض الحقوق الاجتماعية. سياسات تنطلق من افتراض مسبق بأن اللاجئ بشكل عام مشكلة ينبغي احتواؤها والتحكم بها، لا إنسان يحمل تجربة تاريخية معقدة تحتاج إلى الفهم والتعامل معها بجدية.

هذا النهج لا يفشل فقط في تحقيق الاندماج. قد يعزز لدى بعض اللاجئين واللاجئات الصورة القديمة عن الدولة كجهة عدائية تتربص بهم، وهو بالضبط عكس ما تسعى إليه سياسات الاندماج المعلنة.

في المقابل، يحتاج الاندماج الحقيقي إلى شرح واضح لكيفية عمل مؤسسات الدولة المستندة إلى المواطنة، والعلاقة العضوية بين الضرائب والخدمات العامة، ودور النقابات وقوانين العمل في حماية العاملين والعاملات. تعلم اللغة ضروري بلا شك، لكنه لا يكفي وحده لفهم المجتمع. فهم الدولة ومؤسساتها، وفهم العلاقة بين الحقوق الاجتماعية والواجبات المشتركة، لا يقل أهمية عن القدرة على التحدث بالدنماركية.

المشاركة في التضامن الاجتماعي

من أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى إعادة صياغة في سياق الاندماج مفهوم العمل غير الرسمي، وما يعرف في الدنمارك بـ"العمل الأسود". في بعض البلدان، يعتبر العمل دون تسجيل أو دون دفع ضرائب أمراً طبيعياً ضرورياً للبقاء، وأحياناً ينظر إليه كشكل من أشكال مقاومة دولة فاسدة لا تستحق أن تمول. هذا المنطق مفهوم تاريخياً في سياق أنظمة استبدادية تستولي على الضرائب لصالح الحكام لا لخدمة المجتمع.

غير أن ثمة مفارقة كبرى لا يمكن إغفالها: أصحاب رأس المال الدنماركي أنفسهم يلجأون إلى التهرب الضريبي والعمل غير الرسمي بأساليب أكثر تطوراً وأوسع حجماً بما لا يقاس، عبر الملاذات الضريبية والشركات الوهمية وثغرات القانون التي تفصل لخدمتهم. فتركيز النقد العام والسياسي على ممارسات أقلية من المهاجرين مع التغاضي عن تهرب الطبقة الرأسمالية ليس موقفاً محايداً ولا مبدئياً، وانما هو توظيف سياسي واضح لتحويل الأنظار عن التناقضات البنيوية للنظام، وتحميل الحلقة الأضعف مسؤولية أزمات لم تصنعها.

ومع ذلك، في دولة كالدنمارك تعتمد على نظام ضريبي تصاعدي جماعي انتزع نضالاً وحمي تنظيماً لتمويل الخدمات العامة، فإن العمل غير الرسمي لا يعني مجرد مخالفة قانونية، بل يعني إضعاف نظام التضامن الاجتماعي الذي بني على مدى أجيال. كل ضريبة تدفع هنا تذهب إلى المدارس والمستشفيات والبنية التحتية ونظام الضمان الاجتماعي الذي يستفيد منه الجميع، بما فيهم اللاجئون أنفسهم.

عندما يفهم الإنسان هذا الارتباط العضوي بين ما يدفعه وما يحصل عليه المجتمع، يصبح دفع الضريبة فعلاً مختلفاً تماماً. لا يعود إذعاناً لسلطة خارجية، يصبح مشاركة طوعية في منظومة تضامن اجتماعي يستفيد منها الجميع.

الأمر نفسه ينطبق على محاولة التحايل على القوانين. ففي الأنظمة الاستبدادية، قد يرى الناس في التحايل على الدولة شكلاً من أشكال الدفاع عن النفس، وحتى المعارضة المشروعة لنظام فاسد. أما في مجتمع يقوم على مؤسسات عامة مشتركة، فإن هذه الممارسات تضعف الثقة المتبادلة بين المجتمع والدولة وتقلص الموارد التي تعتمد عليها المدارس والمستشفيات والخدمات العامة التي يستفيد منها الجميع.

وينسحب هذا المنطق ذاته على ظاهرة التهرب من العمل وادعاء المرض للحصول على إعانات اجتماعية لا يستحقها أصحابها. ففي بلدان كانت الدولة تنهب المواطنين، قد ينظر إلى استغلال مزايا النظام الاجتماعي على أنه نوع من استعادة الحق أو الانتقام من سلطة غير عادلة. غير أن هذا المنطق ينقلب رأساً على عقب في مجتمع قائم على التضامن الاجتماعي رغم طابعه الطبقي، إذ إن هذه الإعانات لا تأتي من خزينة حاكم مستبد، هي ممولة من ضرائب شغيلات وشغيلة اليد والفكر الذين بنوا هذا النظام عبر عقود من النضال الجماعي. والتحايل عليها لا يضر بالدولة كمؤسسة مجردة، يضر بالتضامن الاجتماعي الذي يستفيد منه الجميع بمن فيهم اللاجئون أنفسهم.

والأخطر من ذلك أن هذه الممارسات الخاطئة، رغم أنها تصدر عن أقلية صغيرة، تمنح اليمين واليمين المتطرف ذريعة ذهبية لتعزيز خطابهم العنصري وتصوير المهاجرين جميعاً باعتبارهم عبئاً على المجتمع، وهو خطاب يوظفونه في نهاية المطاف لتبرير تقليص المكتسبات الاجتماعية التي تطال الجميع، من سكان البلد الأصليين والمهاجرين على حد سواء. فمن مصلحة اللاجئين واللاجئات أنفسهم، قبل أي اعتبار آخر، أن يكونوا أشد حرصاً على صون هذه المكتسبات وعدم تقديم أي ذريعة لمن يسعى إلى تفكيكها.

الاندماج الحقيقي: تجربة اجتماعية ومسؤولية مشتركة

لهذه الأسباب مجتمعة، يمكن لسياسات الاندماج أن تشمل أمثلة عملية ومباشرة تقرب هذه المفاهيم من الواقع اليومي: كشرح كيفية تمويل المدارس والمستشفيات من الضرائب، وكيف يحصل العامل أو العاملة على حقوقهم عبر عقود العمل الرسمية والنقابات، وكيف تحمي القوانين العاملين والعاملات عندما يكون العمل مسجلاً. كما يمكن تعزيز هذا الفهم عبر تشجيع مشاركة اللاجئين واللاجئات في الحياة السياسية والمدنية والنقابية، وفي الجمعيات المحلية والأنشطة المجتمعية.

عندما يرى الناس كيف تعمل المؤسسات الديمقراطية في الحياة اليومية، وكيف استطاعت التنظيمات اليسارية والحركات العمالية والنقابية والاجتماعية أن تنتزع حقوقاً اجتماعية واسعة عبر التنظيم الجماعي، يصبح الاندماج عملية اجتماعية حقيقية لا مجرد التزام إداري أو امتحان قيمي تفرضه الدولة من الخارج.

الاندماج مسؤولية مشتركة لا شك في ذلك، غير أن توزيع هذه المسؤولية لا يمكن أن يكون متساوياً. فالدولة بمؤسساتها ووسائل الإعلام تتحملان القسط الأكبر من هذه المسؤولية، لأنهما تمتلكان الأدوات والموارد والسلطة اللازمة لصياغة السياسات وتشكيل الوعي العام.

على الدولة أن تستثمر في شرح طبيعة مؤسساتها وتاريخها النضالي عوضاً عن الاكتفاء بفرض اختبارات قيمية وتشديد القوانين. وعلى وسائل الإعلام مسؤولية خاصة، إذ يقع عليها واجب التركيز على الجوانب الإيجابية الكثيرة لمسيرة الاندماج وإبرازها، عوضاً عن تضخيم بعض الممارسات الخاطئة التي تبقى استثناءً لا قاعدة، وتعمق الانقسام الاجتماعي.

في المقابل، فإن القلة القليلة من اللاجئين واللاجئات الذين لا يزالون ينظرون إلى الدولة بمقياس تجاربهم السابقة في حاجة إلى إعادة نظر حقيقية في هذه الصورة. الدولة في الدنمارك، رغم نواقصها وتناقضاتها الطبقية التي لا يمكن إنكارها، ليست جهاز فساد وقمع يومي كما عرفه كثيرون في بلدانهم السابقة. هي إلى حد كبير مؤسسة عامة تضمن الحقوق الأساسية وتوفر خدمات اجتماعية واسعة وتحمي القانون أمام الجميع.

هذا الفارق الجوهري هو تحديداً ما تحتاج تلك القلة إلى استيعابه. احترام القوانين وتسجيل العمل ودفع الضرائب والتعامل مع المؤسسات العامة بشفافية ليست مجرد التزامات قانونية تفرضها سلطة خارجية، وإنما تمثل شكلاً من أشكال المشاركة الفعلية في نظام تضامن اجتماعي تشكل عبر عقود طويلة من نضال شغيلات وشغيلة اليد والفكر والحركات اليسارية والنقابية والاجتماعية.

المشاركة السياسية

ومن هذا المنطلق تحديداً، تصبح المشاركة في الانتخابات واجباً ضروريا الان. فالصوت الانتخابي أداة تأثير فعلي في القرارات التي تمس حياة الجميع يومياً، من الخدمات الصحية والتعليمية إلى قوانين العمل وسياسات الإسكان. والدنماركيون من أصول أجنبية الذين يحجمون عن التصويت يتركون الساحة خالية لأصوات تشكل السياسات على حسابهم وتغذي الخطاب العنصري الذي يصورهم عبئاً لا شركاء.

في انتخابات الرابع والعشرين من مارس 2026، غاب عن بطاقة الاقتراع أي خيار يساري جذري مستقل، مما يضع الناخب اليساري أمام خيار تكتيكي لا مفر منه: التصويت للقوى اليسارية البرلمانية الأكثر دفاعاً عن حقوق شغيلات وشغيلة اليد والفكر ومواجهةً للخطاب العنصري، مع المساءلة المستمرة على تناقضاتها، لا سيما تأييدها إنفاقاً دفاعياً متصاعداً يستنزف موارد المدارس والمستشفيات ومنظومة الرعاية الاجتماعية. إنه رهان تكتيكي لا إقرار بلا تحفظ.

غير أن البرلمان ساحة واحدة من ساحات النضال المهمة. فالتنظيم النقابي والعمل المجتمعي والضغط الشعبي من خارج البرلمان هي التي صنعت المكتسبات الاجتماعية تاريخياً وهي التي تحميها اليوم. ومن عاش طويلاً في ظل دولة تسرق أصواته وتسحق تنظيمه، يملك اليوم فرصة مزدوجة: أن يدلي بصوته في صندوق الاقتراع، وأن ينخرط في التنظيم الجماعي النقابي والمجتمعي، لأن التغيير الجذري لم يأتِ قط من صناديق الاقتراع وحدها، رغم أهميتها.

وختاماً، ثمة سؤال لا يمكن تجاوزه: كيف ندعو المهاجر إلى الاندماج في مجتمع نصفه في الوقت ذاته بأنه مجتمع طبقي رأسمالي؟ الجواب أن هذا المجتمع، رغم طابعه الطبقي، ليس مجتمعاً واحداً متجانساً. هو ساحة صراع انتزع فيها شغيلات وشغيلة اليد والفكر واليسار على مدى أجيال حقوقاً اجتماعية حقيقية. والاندماج المقصود هنا ليس استسلاماً للنظام القائم ولا قبولاً بشروطه كما هي. هو انخراط فاعل في هذا الصراع ذاته. فالمهاجر الذي يدفع ضرائبه وينتسب إلى نقابته ويشارك في الحياة السياسية يكتسب أدوات النضال الاشتراكي ويصبح شريكاً في مسيرة تغيير هذا المجتمع، لا مجرد مستفيد من مكتسباته. الاندماج والنضال الاشتراكي وجهان لعملة واحدة في تجربة كل من ناضل من أجل مجتمع أكثر عدلاً عبر التاريخ.

***

رزكار عقراوي

"طوال ثلاثين عاماً كنا نظن أنَّ القواعد الأمريكية تحمي دولنا.. ولكن تبين أننا في الحقيقة منْ يحميها "... عبارة لمسئول خليجي

كثيرةٌ هي الصراعات والحروب في المنطقة العربية حتى شكلت مشهداً تاريخياً عجيباً. وهي منطقة تتمتع بأضخم أرصدة الثروات الطبيعية والبشرية والثقافية في العالم. بدا واضحاً أنَّ نشوب الصراع بأشكاله المختلفة أقرب إلى الحدوث بخلاف احتمالات السلام. ومن وقت لآخر، تلوح في الافق أجواء مُلبدة بالاحتقان بين قوى تتسلح بمخزونها الثقافي والمادي. خلال السبعين سنة الماضية، لم يخلُو " عقدٌ واحد " من نزاع داخل البلدان العربية أو بينها وبين وسواها.

ثمة طرف معروف في حين تتغاير الأطراف الأخرى بُعداً أو قُرباً. "اسرائيل- أمريكا " هما الطرف شبه الثابت في معادلة الصراعات، بينما تتواتر دول تالية: مصر وسوريا وفلسطين ولبنان والأردن والعراق وإيران ..، أطراف تحل محل الأخرى بحسب سياق الأحداث، ولكن المشاهد مكررة والوقائع معروفة!!

إزاء كل حالةٍ، يكون مُؤشر فهمنا للاحداث خطأً، ليس من باب الجهل، ولكن نتيجة المعالجات الفكرية غير الدقيقة للصراع. لأننا نهوى عادةً تصويب الأفكار في الجهة الأخرى، على شاكلة اللاعب الذي يصوب الكرة خارج المرمى. بات "عقلنا السياسي" مثل السيارة الطائشة التي لا كوابح لها. تتحرك في كل اتجاه وتصطدم بالأشياء وتتخبط بالطرقات ظنّاً منها: أنَّ الاشياء هي التي تعترض طريقها. فلا يعنينا منْ نحن عندما نكون طرفاً في صراع ولا كيفية استثمار قوتنا قبل أنْ نتحرك في اتجاهٍ أو آخر. ولكن المهم هو إلقاء الاتهامات يميناً ويساراً، وليس بعيداً أنْ يتم دهس كل من يحاول ترشيد السرعة أو ضبط التوجهات في الطريق الصحيح.

هناك أسئلة شائعة تمثل الوعي المشوّه تجاه الصراعات: منْ يقف معنا ومنْ يقف ضدنا؟ هل أمريكا تقف بجوارنا إزاء اسرائيل أم أنها تتلاعب بمواقفنا؟ هل انجلترا تؤيد إسرائيل أم تدعم العرب؟ هل فرنسا مع الطرف الآخر أم تُقوّي أهدافنا؟ وصولاً إلى معضلة الحرب بين إيران وامريكا -اسرائيل، لنتساءل بالطريقة نفسها: لماذا تعتدي علينا إيران كلسان حال دول الخليج؟ ولماذا لا نعطي فرصة للغرب الأميريكي لحمايتنا؟ إننا ننسى كل شيء ونركز على أشياء هامشية خارج الحدث. وهذا الأمر قد يعود إلى غياب المصداقية في معالجة القضايا الأساسية منذ البداية.

فتح العرب المجال لأقدام الغرب الأمريكي في معظم الدولة العربية. قواعد أمريكية عسكرية توجد على أراض وطنية في أكثر من عشر دول: قطر، البحرين، الامارات، الكويت، السعودية، سلطنة عمان، العراق، الأردن، سوريا، جيبوتي. القواعد بمثابة "إعلان حرب معلق" على التراب الوطني. فالدول الخليجية دول جوار انثروبولوجي وجيوسياسي واقتصادي من أزمنة بعيدة. لماذا توجد بها منفردةً قواعد عسكرية؟! وعلى افتراض إذا نشبت صراعات يوماً ما في منطقة الخليج، فمن ستحارب القواعد المتواجدة على أراضهيا؟ فالقواعد تنتمي إلى الدولة الأمريكية، هل قاعدة أمريكا في قطر ستحارب قاعدة أمريكا في السعودية؟ هل قاعدة أمريكا في البحرين ستدافع أمام قاعدة أمريكا في الكويت؟ هل ستحمى قاعدة أمريكا في سورىا الدولة السورية منةقاعدة أمريكا في الأردن؟ أمر كهذا يحار فيه من يحاول تحليل المواقف السياسية. فالرابح الوحيد من الصراعات هو أمريكا وحليفتها الأولى في المنطقة (اسرائيل).

التواجد الامريكي في دولةٍ ما لا يكون تواجداً محدوداً ولا محكوماً بقوانين. أمريكا قوة عظمى مرتبطة بفكرة التوسع وتغلغل النفوذ. وهذا أمر صارخ الوضوح طبقاً لتأسيس القواعد العسكرية من جهةٍ وطبقاً لتاريخ أمريكا في المنطقة من جهةٍ أخرى. وبحكم الهيمنة، فهي تأخذ صلاحيات أكثر مما ينبغي. أي تشكل حالةً خاصةً من التواجد العسكري السياسي. ويكفي أن القواعد لا تخضع لقوانين ولا لقرارات ولا تقاليد الدولة المضيفة ( قطر أو البحرين أو الامارات أو سوريا...). هي حالة لا محل لها من الاعراب القانوني ولا التبرير السياسي. لابد أن انشاء القاعدة العسكرية يقتضي اقرار آليات دولية وسيادية تخص الدولة صاحبة القواعد. لأن المنطق يقول إنها دولة دفاع ومساندة لدولة أخرى. ولكن أين بوادر هذا المنطق في الواقع؟

القاعدة العسكرية إذن بمثابة جسم غريب في دولة أخرى. وبطبيعتها تمثل الغرابة علامة استفهام دون اجابةٍ. ما معنى أنْ تكون هناك قاعة حربية في مجتمع آخر؟! كيف يتم النظر إلى كيان حربي في أرض دولة وطنية؟! وحدُها الحروب تخص أصحاب الأرض مثل الهوية والمعتقدات والعلاقات الاجتماعية والثقافية. لا يتحمل مجتمع حروب مجتمع آخر ولا تكون ثمة حروب مستعارة. أتدري لماذا تميز الثقافة مجتمعاً عن غيرة، لأنَّ الثقافة تخص مجتمعاً معيناً من أول وهلةٍ. هل تخص القواعد العسكرية الدولة المضيفة بالأسلوب ذاته؟! هل هي من جنس الوجود الذي تتمتع به الدولة المضيفة؟!

كما لا يوجد مبرر حداثي لاحتواء " بؤرة عسكرية " لدولة أخرى. بؤرةٌ قد تفهم بشكل مغاير. من زاوية أنَّ ثمة تداخل للسيادات بين الدولة الوطنية والدول المغايرة. ولكن قد يثار هنا استفهام آخر: كيف توجد سيادة داخل سيادة أخرى؟! تحت أي عنوان تخلط السيادة بغيرها. فهي إما أن تكون خالصة لأصحابها وإما لا تكون.

إن الحماية ليست بالانابة ولن توجد. وبخاصة أنَّ قطعة من السيادة الامريكية (القاعدة) في دولة ما كفيلة باستحضار باقي السيادة بشحمها ولحمها. والسيادة الوطنية بالذات لا تخص آخرين. هي سيادتنا نحن أصحاب الوطن، ونحن ما يتحمل تبعات ذلك. ولن يفهم أحدٌ غيرنا ماذا تعني السيادة قدر ما نتمتع بها. وليست ثمة أسباب مهما تكن تستدعي استعارة سيادة أمريكية بلا ضمان. هل حين لا نريدها سترحل من غير تبعات؟

الأساس في الموضوع أنَّ هناك تكافؤاً بين الدول في الاجراءات الحربية. أي تقوم دولة بمعناها الحداثي لاتخاذ قرار الحرب، لكونها مناظرة لدولة خرى تراها معتدية. أما أن يجلب مجتمع قوى أخرى لحمايته فهذا يعيد النظر في مفاهيم الدولة والحرية والمجتمع ذاته. لماذا أطلثقات الدولة على نفسها هذا السم حداثياً ؟ لأنها تستطيع ةحماية شعبها ومقدراتها وثرواتها قبل أن يتمتع أرادها بذاك. وهذا ما نسميه في الكلمة الدلة الأمن أو السلام. ولا توجد كلمات حداثية أخرى تستبدلها.

يؤكد ميشيل فوكو " أنَّ من يمتلك قرار الحرب هو من يمتلك قرار الواقع". هل ذلك ينطبق على الدول التي تحتضن قواعد عسكرية تمتلك توقيتات الصراع والحروب. وقصدت الولايات المتحدة إلى تحديد مؤشر الصراع في حالة إيران. واختارت الانحياز الكامل لمصالح الكيان الصهيوني. وربما لو سألت أمريكا دول القواعد الأمريكية ما كانت لتوافق الأخيرة على قرار الحرب مع إيران. ببساطة لأن هذه الدول العربية كانت ستسأل: ما مصير الحماية التي ترتهن بوجود القواعد؟ وماذا لو ضُربت هذه القواعد في التراب الوطني للدول؟ هذه خلفية الاحراج السياسيى الذي ظهر في الأفق مع ولائم الحروب في المنطقة العربية. لأنَّ القواعد الامريكية نزعت الغطاء السياسي عن وجودها وكشفت إلى أي مدى كانت مصدر تهديد لا مصدر حماية. والمدهش أن أمريكا لم تعطي هذا الأمر كبير عناية ولم تبرر حتى غير بكلمات لا قيمة لها.

يقول دونالد ترامب بصدد الحرب الدائرة بين أمريكا وايران: " إن هدفي هو منع ايران، تلك الامبراطورية الشريرة، من امتلاك أسلحة نووية ومن تدمير الشرق الأوسط". لقد حشر الهدف الخاص بدولته ( الأمريكية- الصهيونية) كهدف عام في المنطقة. وتكلم ببداهة مباشرة تصل إلى درجة الصفاقة السياسية عن الأهداف. كان يجب أن يعطي المجتمعات العربية التي وثقف في دولته كل الحرية في اتخاذ الاهداف الخاصة بها، لا أنْ يسحب الأمر على المنطقة كأنه لا يوجد بشر تحت عنوان العرب. هذا نوع من " التوريط بالوكالة " أي يشن الحرب على ايران ويترك الدول العربية تواجه مصيرها عند ردود الفعل. وليس ذلك تبريراً للأفعال الايرانية ولا الأمريكية في منطقة الخليج العربي، ولكن انطلاقاً من استحقاق السيادة السياسية لدول عربية مستقلة وحرة.

وضع ترامب من ضمن أهدافه منع إيران من تدمير الشرق الأوسط كما قال. لم ير أن مهام قواعده هي الحماية الاستباقية قبل أن تفكر أية قوة في ذلك ابتداء. أي أن قوالته توجد بالمنطقة لكي تحول دون الوصوال إلى هذه المرحلة. مما يدل على أن كلام ترامب حول تدمير ايران لدول العرب تهديد للمجتمعات العربية. وكأنه يقول: ما لم تنهض الدول العربية بمحاربة ايران فسأترك الميدان لكي تلتهم ابيران المنطقة. وهو يعلم ويردد طال الوقت كلاما نهماً عن حجم الثروات الاقتصادية العربية.

الأمر الذي يعني أنه على العرب أن يدفعوا تكلفة الحرب مع ايران. وهو يمثل حماية بعيدة المدى لاسرائيل. لأنَّ تكلفة الحرب ستُدفع من جيوب عربية لا جيوب صهيونية، وأن العائد منها حماية الكيان الاسرائيلي ليس أقل. وما حدث بالضبط أن الحرب ليست حرب العرب وأن فاتورة التكلفة ليست فاتورة العرب، ومع ذلك ستكون النتائج الايجابية عائدة على غيرهم. لأن ترامب يقصد بمصطلح " الشرق الاوسط " اسرائيل. وبخاصة أنَّ ايران أعلنت أكثر من مرةٍ: أنَّ المستهدف من وراء صراعاتها في المنطقة هو خنق دولة الكيان الصهيوني. وأنها هي الدولة التي يجب أن تنتهي من الخريطة السياسية.

ما علاقة العرب بذلك الصراع العابر للحدود من الأساس؟ لماذا يُصنع من وجود العرب وليمةً لحروب لا تهدأ في المنطقة؟

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

 

بقلم: راشيل دونالد

ترجمة: صالح الرزوق

***

مثل العديدين منكم تابعت الأخبار بعد إعلان ترامب العبثي في بواكير صباح يوم السبت نبأ دخول الولايات المتحدة الأمريكية مجددا الحرب ضد إيران.  نظرا لاغتيال القائد الأعلى، وحجم القصف، وانتقام إيران في الشرق الأوسط، واستهداف حلفاء أمريكا، والوعود الأورويلية من إدارة ترامب بقصف إيران حسب الضرورة وحتى تحقيق السلام، من العدل أن نفترض أننا في داخل مذبحة ذات عواقب أطول وأبعد من حرب الصيف الماضي بين إيران - والولايات المتحدة. وهذا يعني أنه علينا إيجاد طريقة للكلام عن الحرب بأسلوب يتقبل تعقيدات الأنظمة المجرمة التي تهاجم بعضها البعض، وهذا، كالعادة، واجب نفشل نحن اليساريين في تحقيقه.

*كيف ساعد الغرب في خلق الجمهورية الإسلامية

الحقائق المجردة لهذه الأزمة مهمة للغاية. تتحكم إيران بــ 13% من احتياطي البترول العالمي، وهي ثالث أكبر منتج في الأوبك. أمم رئيس الوزراء محمد مصدق صناعة البترول الإيراني عام 1951، وقاد ذلك إلى انقلاب دعمته بريطانيا وأمريكا عام 1953، لتركيز كل السلطات بيد حليف الغرب الشاه محمد رضا بهلوي، وإضعاف سلطة البرلمان. أعقب ذلك اتفاق التعاون الفني في عام 1954 وبموجبه امتلكت شركات النفط الغربية الحق بإنتاج 50% من النفط الإيراني.

في عام 1973 رفض الشاه الذي أعاد تأميم صناعة النفط الإيراني أن يتفق مع شركات النفط البريطانية والأمريكية والفرنسية والألمانية لمضاعفة إنتاج البلاد حتى 8 ملايين برميل من النفط يوميا. فحزمت الشركات الكبيرة أمتعتها وغادرت، وتواصلت الجهود الدبلوماسية بما يكفي من الهدوء، مستفيدة من حقيقة أن إيران أصبحت أحد أسرع الاقتصادات (والجيوش) نموا في العالم، بالإضافة لتماهي البلاد مع المؤثرات الغربية. فقد تغلغلت القوة الأمريكية الناعمة في داخل الثقافة الإيرانية على نحو مؤثر. ولكن بعد أقل من عقد، تورط البلد بمخاض عنيف. انحدر نظام الشاه إلى حكم أقلية فاسد: فأضرب 10% من البلد للاحتجاج على الملكية، ورد الجيش الإمبراطوري بتنفيذ مجازر ضد الشعب في الشوارع.  لكن تابع الإيرانيون زحفهم، بكثير من التحدي والعناد. وأصبح وجه الثورة آية الله موسوي الخميني، المنفي في باريس بسبب معارضته لبرنامج الشاه في تحديث الإصلاحات، وسرعان ما وعد الإيرانيين بوضع حد للمؤثرات الغربية الفاسدة، والعودة إلى مبادئ المساواة التي شجعت على نهضة ثقافية في بلد متنوع بأقصى الحدود. تخبرنا كتب التاريخ في الغرب والشرق الأوسط أن آية الله استعاد إيران من الغرب عام 1979. لكن في عام 2016 كشفت وثائق السي آي إي أن آية الله كان على تواصل مباشر مع إدارة الرئيس كارتر، بحثا عن دعم أمريكي لتسهيل عودته إلى إيران مقابل ضمانات بحماية المصالح الأمريكية. وتظهر هذه الوثائق أن الحكومة الأمريكية بالفعل "ساعدت في تمهيد الطريق لعودة الخميني بأمان إلى إيران، ولتسريع استلامه السلطة"، وهو ما قاد إلى تكوين متعجل للجمهورية الإسلامية الثيوقراطية، وإقامة نظام عرف بالقمع العنيف وبالتطهير العرقي للمعارضين.

*ماذا يريد ترامب ونتنياهو من إيران

تعرضت إيران إلى مقاطعة دولية على فترات منذ عام 1979، مما أدى إلى شلل تطورها الاقتصادي والحد من تجارة تصدير النفط. طبعا لم يساعد ذلك الإيرانيين، الذين تعرضوا لمجازر وتطهير عرقي في الثمانينات. وفي نهاية المطاف حاولت إدارة أوباما بتنفيذ تكتيك جديد مع إيران، وعرضت عليهم مقاطعة مخففة، مشيرة إلى العقوبات التي شملت النفط الإيراني، على أن تخفف إيران بالمقابل من نشاطاتها النووية. تم توقيع صفقة JCPOA   (صفقة إيران النووية) بمشاركة من الصين وفرنسا وألمانيا وروسيا والمملكة المتحدة. وكان هناك فريق تفتيش ثالث  يقدم تقريره كل 90 يوما للتأكد من أن إيران تلتزم بالاتفاق. واستمر الأمر حتى زعم ترامب المسعور في عام 2018 أن المخابرات الإسرائيلية اكتشفت كذب إيران ولم تحد من برنامج سلاحها النووي، وبناء على ذلك سحب الولايات المتحدة من الاتفاق.  وأعاد ترامب تفعيل عقوبات قاسية في أواخر 2018، مع عقوبات مماثلة شملت البلدان التي تتعامل تجاريا مع إيران. وأضاف اسم إيران إلى قائمة العقوبات الاقتصادية السوداء عام 2020، ليحد عمليا من قدراتها على المساهمة بالاقتصاد الدولي. وتمنع قائمة FATF  السوداء الدول من الدخول إلى نظام سويفت المصرفي SWIFT  الأمر الذي يجعل إرسال وتلقي الأموال بغاية الصعوبة، حتى لو قمت بالالتفاف من حول المقاطعة الأمريكية. بالتوازي مع ذلك أدت العقوبات المفروضة على الصين إلى تطوير علاقة خاصة مع إيران، وبنهاية المطاف أصبحت المشتري الأساسي لنفطها. وفي عام 2021 وقع البلدان عقد شراكة مدته 25 عاما. وهكذا تمكنت الصين، بعد شراء ما يزيد على 80% من نفط إيران وشحنه بواسطة أسطول ناقلات شبحية، ثم تنقيته بمصافي "الشاي" الصغيرة 1، من التغلب بدون ضجيج على عقوبات ترامب، ودفعت إلى إيران أغلب عائدات تصدير النفط البالغة 53 مليون دولار. بالمثل قدمت إيران، بسبب نظام التصدير والتنقية الشبحي، نفطها بأسعار مخفضة لبقية السوق العالمي، وعقدت مع الصين صفقة رابحة كان سعر برميل النفط بموجبها  8-10 دولارات. وبفضل عائدات إيران المستورة والشبحية تغلبت على العقوبات، ولكن كل ذلك لم يوقف أزمتها الاقتصادية، فقد ارتفع التضخم بنسبة بلغت 50% تقريبا، ووصلت البطالة عنان السماء.

في كانون الثاني تدفق الإيرانيون إلى الشوارع للاحتجاج على النظام. وكان الرد حادا وعنيفا بشكل مطلق  مثلما كان الحال مع كل النشاطات الثورية التي اندلعت ضد النظام الإيراني الراهن. ففي عام 2024 زادت الإعدامات إلى975 حالة. وفي عام 2025 ارتفع الرقم إلى 2038. وقدرت هيئة المقاومة الوطنية في إيران أن الإعدامات في هذا العام تجاوزت الــ 2000 حالة. واعتبر ترامب ادعاءات إسرائيل غير المؤكدة حيال برنامج الأسلحة النووية الإيرانية، والنشاط الثوري، مبررا لإطلاق هجومه الأخير هذا. ولو أخذنا بعين الاعتبار آخر نظام أسقطه، وهو مادورو فنزويلا، والذي باع معظم نفطه للصين، تبدو سياسة ترامب الخارجية في دورتها الثانية، لا أقل من هجوم بقناع رقيق على ثاني قوة عظمى في العالم، وهي قوة عظمى تدوس بحذر على أطراف الولايات المتحدة الأمريكية في كل منعطف (بنتيجة مقاطعة ترامب الحالية لنفط كوبا، حليف آخر للصين،  شهدت صناعة الألواح الشمسية الصينية طوفانا ملأ فراغ الطاقة).  يعتبر هذا الهجوم، عمليا، عدوانا على العدالة أيضا.  فترامب يعمل بالتنسيق مع صديقه نتنياهو، الكلب المسعور في القدس (جيروساليم)، والذي تحول تطهيره العرقي للفلسطينيين إلى حملة تخدم الفوضى العامة في الشرق الأوسط، والذي ورط إسرائيل في الحرب ليتهرب من المثول أمام المحاكم بسبب  جرائم حربه الشخصية. لا يحاول ترامب ونتنياهو معا تشجيع قلب الأنظمة، بل قلب الأوضاع في المنطقة كلها، وذلك لحماية سلطتيهما، وللحد من تمدد الصين في العالم، ولفتح مصادر الشرق الأوسط أمام الغرب، وللتأكد أن إسرائيل لن تعاقب على قتل ما يزيد على 75000 فلسطيني بدون مبرر شرعي، وكان معظمهم من النساء والأطفال.

*عدو عدوك ليس صديقك

أردت أن أقدم كل هذا السياق لأن السؤال الذي يهمني هو: كيف نتكلم عن ما يحدث في إيران؟ حينما دخلت على تطبيق لينكدإن LinkedIn  في هذا الصباح، أول تدوينة رأيتها هي هجوم من الداخل اليساري، حيث أدان علنا باحث في النمو السلبي degrowth  مرجعا أكاديميا معروفا يهتم بشؤون هذا النمو، ويعمل في مجال التضامن مع الشعوب الأصلية colonial solidarity  لأنه أشار وببساطة لسمعة النظام الإيراني في تطبيق العنف، ولأنه عبر عن تضامنه مع شعب إيران. صدمني ذلك على اعتبار أنه عبث مطلق - عبث مثل الصور التي تغرقنا وتصور شعوب العالم الغربي وهي تخرج من كل زاوية إلى الشوارع إما للاحتفال بغزو أمريكا أو للدفاع عن حق الإيرانيين بحكم بلدهم. نشرت مجلة وول ستريت مقالة جميلة كتبتها الإيرانية الأمريكية دينار نائيري عن تضامن يسار إيران مع الجمهورية الإسلامية هذا الأسبوع. وفيها تؤكد أن الخطاب اليساري كشف عن حلقات تفكير مزدوجة حول الإسلام. فقد هربت نائيري شخصيا من النظام في طفولتها برفقة أمها وأختها، وتعرضت لتهمة نشر الإسلاموفوبيا بسبب انتقادها للثيوقراطية الإيرانية. وتساءلت لماذا لم تمتد حملة التضامن اليساري إلى إيران، رغم توفر الدليل المادي على إعدام شرطة الأخلاق للنساء اللواتي تجرأن على الاحتجاج ضد النظام في عام 2022. وقالت: "إن نساء إيرانيات مثقفات مثلي لا زلن يسمعن من بعض لجان التحكيم (أو من أكاديميين وكتاب مطلعين ويتحلون بالإنسانية) تكرارا ببغائيا لوجهات نظر الجمهورية الإسلامية: ومفادها أن من في الدياسبورا معبأ بمعلومات مريضة، وهم عرضة لمخاوف ومؤثرات تأتي من ترامب أو إسرائيل، أو من قوى عنصرية وإمبريالية يمينية". وأضافت نائيري أنها حينما بدأت بنشر فيديوهات في وسائل التواصل الاجتماعي عن تعقيدات الوضع في ايران ونقد النظام، أشارت الأرقام إلى تبدل حاد نحو اليمين. وهذه تراجيديا مأساوية تدل على الإهمال لأن من رحب بنقد الأنظمة الدينية الخطيرة هو نفسه من أيد الأنظمة الدينية الخطيرة. كان اليسار مصيبا وحادا في نقده لحكومة ترامب المسيحية الأصولية والأتوقراطية والفاسدة، وبالمثل هاجم استفادة نتنياهو من الأصولية اليهودية لتحقيق أهدافه وسياساته. لماذا إذا لا ننظر  بنفس العدسات إلى الأصولية الإسلامية؟ على سبيل المثال لماذا نفهم شجب حق النساء في الولادة والإجهاض أنه هجوم على تحرير المرأة حينما يطبق على أرض أمريكية - ولكن ليس على أرض إيرانية؟. ولماذا تكون حرية المرأة طلبا مسبقا وأساسيا من أجل الحرية السياسية للجميع في الغرب - ولكن ليس في الشرق الأوسط؟. الحق في الاختيار بدون إكراه هو حجر الزاوية  في الديمقراطية - وعليه لماذا يضع اليساريون أنفسهم في أنشوطة لإثبات أن للنساء الحق في قبول وضعهم المتحيز والمحروم من المساواة؟.  

انحياز اليسار للنقاء الأخلاقي وليس الوضوح الأخلاقي تسبب بكسل ثقافي وحالات غش أخلاقي، وهي حالات لم تصمد أثناء فحصها، ومدت أكثر من أنبوب تنفس واتصال باتجاه اليمين (ولذلك يجب منع البدء من أسئلة وموضوعات معينة).

ليس هناك شر أساسي في هذه الأزمة التي ننظر إلى أنفسنا خلالها على أننا الكرام والأخيار . للشعب الإيراني الحق في اختيار مصيره، وهو حق غير مكفول في الجمهورية الإسلامية،  ومن الواضح أن دونالد ترامب لن يهتم به إذا سقط النظام، فهو كما تدل الوقائع لا يبالي لدرجة مرضية بحق الشعب الأمريكي في اختيار مصيره. إنه واجب أخلاقي أن نرى حقيقتين واضحتين ولا تسر أي منهما أحدا: العدوان المتحاربان هما عدوان للحرية بنفس المقدار. وهذه هي الطريقة الوحيدة التي يمكننا أن نرى بها ماذا وراء الأفق المحدود للواقعية الرأسمالية ولتصور عالم أفضل. على التضامن أن يكون دائما مع الشعب، وليس الأنظمة، وعليه، لا يجب تمييع النقد والتقليل من مشكلة عدم إمكان بعض الجماعات أن تدافع عن نفسها. وليس من التقدمية ولا المنطق أن ننظر لأخوتنا وأخواتنا، أينما كانوا، كأنهم ضحايا تستحق رعاية مؤسسات المعونة الغربية foot soldiers.   والحقيقة أن الشرق الأوسط كان مصدرا للسياسات الثورية في العقود القليلة الماضية كما أنه كان مصدرا للنكسات الاستبدادية. وفي هذا الأسبوع سنقرأ للصحافي مات برومفيلد كلامه عن فوضى الثورة والنسوية في روج أفا، وهي تجربة سياسية تجاوزت بطبيعتها التقدمية أي محاولة غربية. وكانت المناقشة تدور حول المأزق الأخلاقي الناجم عن التهديد الوجودي، لكنه مأزق تجاوزه الأكراد بنجاح في روج أفا، رغم تعثر اليسار الغربي مرارا في هذا الخصوص. إن الحقيقة في الخنادق وحش مختلف تماما عن الحقائق التي نهدئ بها حساسياتنا.

لن ينطلق التفكير والفعل الثوري منا إذا وجدنا أنه من الأفضل أن يستهدف أحدنا الآخر، عوضا عن استهداف الأنظمة الظالمة. وأي خلاف قد يكشف الأرض المشتركة التي نقف عليها، ولا يمكننا عندها أن نقف لدعم أخوتنا وأخواتنا إن لم يكن هناك شيء تحت أقدامنا.

***

........................

1 اسم يطلق على مصافي نفط مستقلة وخاصة تنتشر في مقاطعة شاندونغ الصينية.

*الترجمة عن مدونة الكاتبة (الكوكب: تحقيقات نقدية حول أسباب الكارثة التي أصابت العالم). منشورة بتاريخ 3 آذار 2026.

* راشيل دونالد Rachel Donald: كاتبة وناشطة في شؤون البيئة والمجتمع المدني.

في عالمٍ تتغير فيه خرائط النفوذ بسرعة، لم تعد القوة تُقاس فقط بعدد الدبابات ولا بحجم الترسانة العسكرية، بل بقدرة الدول على التأثير في العقول والوجدان وصياغة السرديات الكبرى. منذ أن صاغ الباحث الأمريكي جوزيف ناي مفهوم القوة الناعمة، أصبح النقاش أكثر عمقًا حول طبيعة التأثير غير المباشر الذي تمارسه الدول عبر الثقافة والتعليم والإعلام والقيم. غير أن هذا المفهوم لم يبقَ حبيس التنظير الأكاديمي، بل تحوّل إلى ساحة سجال حاد بين من يراه أداة تواصل حضاري مشروع، ومن يعتبره غطاءً لحرب ثقافية تستهدف الهوية وتعيد تشكيل الوعي الجمعي.

القوة الناعمة في تعريفها الكلاسيكي هي القدرة على الجذب بدل الإكراه، وعلى الإقناع بدل الفرض. وهي تستند إلى عناصر مثل الفنون واللغة والجامعات والصناعات الإبداعية والدبلوماسية العامة، أو حين تنتشر أفلام هوليوود في العالم، فإننا أمام تأثير ثقافي يتجاوز الحدود السياسية ويخلق نوعًا من الألفة الرمزية مع بلد المنشأ. وكذلك فعلت فرنسا تاريخيًا عبر مؤسسات مثل التحالف الفرنسي، وبريطانيا عبر المجلس الثقافي البريطاني، حيث تحوّلت اللغة إلى جسر نفوذ طويل الأمد.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح هو؛ هل يبقى هذا التأثير بريئًا ومحايدًا؟ أم أنه يتحول، في سياقات التنافس الدولي الحاد، إلى أداة لإعادة صياغة أنماط التفكير والقيم بما يخدم مصالح سياسية واستراتيجية؟ هنا يبدأ الخط الفاصل بين القوة الناعمة والحرب الثقافية في التلاشي. فحين تُستخدم المنصات الإعلامية العابرة للحدود لترويج سردية واحدة حول قضايا النزاع، أو حين تُربط المساعدات الثقافية بشروط أيديولوجية ضمنية، يصبح الحديث عن الجذب الطوعي موضع شك.

الحرب الثقافية لا تُعلن ببيانات عسكرية، بل تتسلل عبر المناهج الدراسية، والإنتاج الفني، والخطاب الإعلامي. إنها صراع على تعريف الطبيعي والمقبول والحديث. ففي زمن العولمة الرقمية، تلعب شركات التكنولوجيا الكبرى دورًا محوريًا في هذا الصراع، إذ تتحكم خوارزمياتها في ما نراه ونسمعه، ومع أن هذه الشركات تقدم نفسها كمنصات محايدة، فإن تأثيرها في تشكيل الرأي العام بات أقرب إلى سلطة غير مرئية تعيد ترتيب الأولويات والقيم.

لقد أدركت قوى صاعدة مثل الصين أهمية هذا البعد، فاستثمرت في نشر لغتها وثقافتها عبر معاهد كونفوشيوس، ووسّعت حضورها الإعلامي الدولي. في المقابل، تواصل الولايات المتحدة الاعتماد على جامعاتها الكبرى وصناعاتها الثقافية العملاقة لتعزيز صورتها كحاضنة للحرية والابتكار. وبين هذين النموذجين تتعدد الاستراتيجيات، لكن الهدف المشترك هو كسب المعركة على العقول قبل أن تتحول إلى صراع على الأرض.

غير أن المجتمعات ليست ساحات فارغة. فالتفاعل مع التأثير الخارجي لا يعني الذوبان فيه. ثمة قدرة كامنة لدى الشعوب على الانتقاء وإعادة التأويل والمزج الخلاق بين المحلي والعالمي. التجربة اليابانية، على سبيل المثال، تُظهر كيف يمكن استيعاب الحداثة الغربية دون التفريط بالجذور الثقافية. وكذلك فعلت دول عربية حين أعادت إنتاج الفنون الحديثة بروح محلية تعبّر عن همومها وتطلعاتها.

الإشكالية الحقيقية تظهر حين يتحول القلق المشروع على الهوية إلى انغلاق مرضي، أو حين يُستخدم شعار الحرب الثقافية لتبرير قمع الإبداع وتضييق حرية التعبير. فليس كل تأثير خارجي مؤامرة، كما أن ليس كل انفتاح فضيلة مطلقة. التوازن الدقيق يكمن في امتلاك مشروع ثقافي وطني قادر على المنافسة، لا الاكتفاء بردود الفعل الدفاعية. فالقوة الناعمة ليست حكرًا على الدول الكبرى؛ إذ يمكن لأي مجتمع يمتلك سرديته الخاصة ويستثمر في التعليم والفنون والبحث العلمي أن يصنع جاذبيته الخاصة.

في العالم العربي، يتجدد هذا النقاش مع كل موجة إعلامية عابرة أو عمل فني مثير للجدل. هل نحن أمام غزو ثقافي يهدد المنظومة القيمية؟ أم أمام فرصة لإعادة تعريف الذات في حوار مفتوح مع العالم؟ الإجابة ليست أحادية. فالعالم اليوم مترابط على نحو غير مسبوق، والقطيعة التامة لم تعد ممكنة، كما أن الاستسلام الكامل غير مبرر. المطلوب رؤية نقدية تميز بين التفاعل الخلاق والاستلاب، وبين التعددية والانمحاء.

إن أخطر ما في الحرب الثقافية، إن وجدت، أنها لا تُخاض بالسلاح بل بالرموز. والرموز حين تستقر في الوعي يصعب اقتلاعها. لذلك يصبح الاستثمار في الوعي النقدي، وفي إعلام مهني مستقل، وفي تعليم يرسخ مهارات التفكير لا الحفظ، خط الدفاع الأول. فالمجتمع الواثق من نفسه لا يخشى الحوار، بل يحسن إدارته.

ربما يكون الأدق القول إن القوة الناعمة والحرب الثقافية وجهان لعملة واحدة، يختلف توصيفها بحسب زاوية النظر والسياق السياسي. حين يكون التبادل متكافئًا ومبنيًا على الاحترام المتبادل، تتحول الثقافة إلى جسر إنساني يثري الجميع. أما حين يختل ميزان القوة وتُستخدم الثقافة أداة للهيمنة الرمزية، فإنها تفقد براءتها وتدخل منطقة الصراع.

إذن، ليست المسألة اختيارًا ثنائيًا بين الانفتاح والانغلاق، بل هي سؤال عن كيفية إدارة الانفتاح بوعي وثقة. فالعالم لن يتوقف عن إنتاج الأفكار والصور والرموز، والتحدي الحقيقي هو أن نكون شركاء في هذا الإنتاج لا مجرد مستهلكين له. عندها فقط تتحول القوة الناعمة من تهديد محتمل إلى فرصة، ويتراجع شبح الحرب الثقافية أمام أفق تفاعل إنساني أكثر توازنًا وعدلاً.

وإذا كان النقاش حول القوة الناعمة والحرب الثقافية قد ارتبط تقليديًا بالدول، فإن الفاعلين اليوم لم يعودوا حكومات فقط، بل شركات عابرة للقارات، ومنصات بث رقمي، ومؤثرون أفراد يمتلكون ملايين المتابعين. إن مسلسلًا ناجحًا على منصة عالمية قد يحقق من التأثير ما لا تحققه حملات دبلوماسية كاملة، إذ يعيد تشكيل صورة مجتمع بأكمله في المخيال العالمي. هكذا تصبح الصورة الذهنية رأس مال سياسيًا، وتتحول الثقافة إلى صناعة استراتيجية تدر عوائد مادية ورمزية في آن واحد.

كما أن صعود وسائل التواصل الاجتماعي نقل الصراع من مستوى النخب إلى الفضاء الشعبي المباشر. لم يعد المتلقي سلبيًا، بل يشارك في إنتاج المحتوى وإعادة توزيعه، ما يمنح الأفراد قدرة غير مسبوقة على التأثير، لكنه يفتح الباب أيضًا أمام الاستقطاب الحاد وانتشار السرديات المتطرفة. في هذا السياق، قد تتحول الحملات الرقمية إلى أدوات ضغط نفسي ومعنوي، تستخدم الرموز والشعارات لتعبئة الرأي العام داخليًا وخارجيًا، في تداخل معقد بين التعبير الحر والتوجيه المقصود.

من جهة أخرى، لا يمكن إغفال البعد الاقتصادي للقوة الناعمة. فالصناعات الثقافية والإبداعية أصبحت رافدًا مهمًا للناتج المحلي في دول عديدة، ما يعني أن الاستثمار في السينما والكتاب والموسيقى لم يعد ترفًا، بل خيارًا استراتيجيًا. وعندما تنجح دولة في تصدير نمط حياتها ومنتجاتها الثقافية، فإنها تخلق طلبًا على لغتها وسياحتها وبضائعها، فتتشابك المصالح بطريقة تجعل التأثير الثقافي جزءًا من منظومة نفوذ أوسع.

من هنا تبدو الحاجة ملحّة إلى بناء سياسات ثقافية واعية، لا تقوم على الخوف ولا على الذوبان، بل على الثقة بالذات والقدرة على المنافسة. فالمجتمع الذي ينتج معرفة وفنًا ويشجع حرية البحث والتجريب، يملك حصانة طبيعية ضد أي محاولة اختراق رمزي. وعندئذ يصبح التفاعل مع العالم عملية أخذٍ وعطاء، لا معركة صفرية، ويغدو السؤال عن القوة الناعمة أو الحرب الثقافية مدخلًا لتجديد المشروع الحضاري، لا سببًا للانقسام أو الارتياب الدائم.

***

د. عصام البرّام

في غالب الأحوال، تتشكّل السياسةُ من خلال أسلوبي الانتهاك والتجاوز. أي تنطوي على إمكانية التخطي لمراحل الواقع، وتسود قوانين من جنس الممارسات القائمة على اجتراء الاقوياء إزاء الاطراف الأخرى. كلُّ سياسة مشبعة بكم وافرٍ من الطفرات المفاجئة وبخاصة في إدارة الاحداث الملتهبة مثل الصراعات والحروب. إنها طبيعة السياسة كفعل يستغل الظروف والملابسات بصورة عامةٍ. وقد تكون الطفرة فرطَ قوةٍ أو انحرافاً خارج حدود المعقول. ولكنها في الأخير تمثل خيطاً رفيعاً يكشف الوقائع والأحداث. بعبارة مقتضبة: يحمل الفعل السياسي إمكانية تجاوز ذاته ممارسةً أو خيالاً. ويُحسب وجوده المؤثر من جانب تجاوزه للواقع لا من جانب حاضره الماثل أمامنا فقط.

أحياناً نردد مصطلحات مثل: "الساسيات الرشيدة"، "الحكمة السياسية"، " العقلانية السياسية "، "التوازن السياسي"، غير أنَّها عبارات معقدةٌ أكثر من دلالتها المباشرةِ. ورغم أنَّ السياسة تُبرهن يومياً على ما يحدُث، إلاَّ أنها مجال ترتعُ فيه أشياءٌ غير قابلة للتصديق. إنّ ما يحدُث هو الواقع الذي يوجد تحت حواسنا بالفعل. أمّا الشيء غير القابل للتصديق، فهو امتداد الواقع نفسه إذْ يحمل مفاجآته المدهشة. الواقع السياسي فضاءٌ من المفارقات الجارية إلى حدِ الغرابةِ من فرط حدوثها.

على سبيل التوضيح: لم يكن هناك من يستطيع البرهنة على نشوب حربٍ بين أمريكا – اسرائيل وايران قبيل الأحداث الأخيرة، ومع ذلك وقعت الحرب على أشدها وطالت أغلب مناطق الشرق الأوسط. لم يتصور أكثر المتشائمين في مجتمعات الخليج أنَّ صواريخ ومسيرات إيران ستشق أجواءها وتحدث كل هذه الفوضى. على الأقل لأنَّ الجوار الخامل لا يستدعي بالضرورة هذه الأحداث غير الخاملة. وأن القوات الغربية الموجوده على أراضيها للحماية ستشكل مصدر تهديد ودمار.

ولكن كل شيء وارد في وجود قوى كبرى تستعمل جميع الأطراف على مسرح السياسة لمصالحها الخاصة. الولايات المتحدة الأمريكية عثرت على موطئ قدم ورجل في منطقة الخليج بهدف تقوية نفوذها وتوسعة الحدود الجيو سياسية لابنتها الصغرى اسرائيل. والأخيرة تاريخياً لا تفلت الفرصة طالما تؤدي إلى أهدافها البعيدة. ويبدو أنَّ الاحداث العسكرية الجارية بمثابة خدمات تاريخية للدولة اليهودية. وستتحول الخدمات إلى خريطة لوعود توراتية سياسية مازالت في الذاكرة اللاهوتية حتى الآن. أحداث معجونة بأنفاس اللاهوت السياسي والخطابات السياسية ومخرون الكراهية والخطط الحربية لهذا الهدف العتيق. حتى بدا المشهد مُعقداً لا تستطيع أن تعرف بدقة: منْ المسئول عن ذلك؟، ولا منْ المحرك الأساسي للأحداث؟ ولا كيف وصل المشهد إلى هذه المرحلة منْ التشابك؟.

يعني أنَّ التواجد العسكري للولايات المتحدة على الأرض، ولكن التواجد السياسي والاقتصادي للكيان الصهيوني في أعماق العالم العربي. وتبدو الصورة مكتنفة بالغموض وتبادل الأدوار وانتشار الأقنعة على حساب القضايا الوطنية. إذن ... أمامنا فرصةٌ للعيش مع المفاجآت لحظةً بلحظةٍ. لو أردنا زيادة نسبة الحقائق، فلا يجب أنْ نربط مشاهداتنا بما نتوقع من أشياء، لكن علينا أن نربطها بما لا يجري من أحداثٍ. وهذه قضية أكدها دونالد ترامب في جميع مسارات أمريكا السياسية، بل واعتبرها شيئاً معتاداً أمام العالم.

الحادثة الأولى: اعتقال نيكولاس مادورو رئيس دولة فنزويلا. الحادثة التي وقعت بالفعل بينما لم يكن تصورها وارداً كما حدثت. حيث ألقت الولايات المتحدة القبض على نيكولاس مادورو وهو رئيس دولة أخرى لها شعب وسيادة في 3 يناير/ كانون الثاني 2026، خلال العملية العسكرية التي هي أشبه بعميلة جراحية دقيقة في فنزويلا 2026. وذلك عقب دعوى جنائية رفعتها وزارة العدل الأمريكية في 26 مارس/ آذار 2020 ضد نيكولاس مادورو، رئيس فنزويلا، و14 مسؤولاً فنزويلياً.

اعتقال الرئيس الفنزويلي حدث بالفعل كما رأينا، غير أنَّ الحقيقة وراء هذه العملية ومع احداثها التي جرت هي شيء آخر. ففنزويلاً دولة مستقلة وتدير ثروة نفطية ومعدنية ضخمة جداً. كما أنها عضو حيوي بين دول أمريكا اللاتينية وهي إحدى الدول اللاتينية في هيئة الأمم المتحدة وفي منظمات دولية واقليمية. كيف شرّعت أمريكا قرصنة رئيسها أمام العالم؟! من الذي أعطى الرئيس الأمريكي مشروعية التخطيط والتنفيذ والاعلان عن عملية القرصنة؟!

لم ولن يوجد قانون دولي يُعطي أيةَ دولة حقاً مشروعاً لقرصنة رئيس دولةٍ أخرى. الفكرة ذاتها فكرة غريبة وليست واردة ضمن أروقة العلاقات بين الدول. ليس لأنَّها أمر مستحيل، ولكن لكون القانون الدولي ينفي ذلك ابتداء قبل التفكير فيه. أي يتوافر القانون الدولي على رصيد من الردع الحاصل لو فكرت دولة في ذلك الفعل. أمريكا ليست فوق القانون ولا تمثل مرجعية للسياسات الدولية ولا هي التي تقرر وعلى جميع رؤساء دول العالم التنفيذ.

طالما تُوجد دولةٌ تتمتع باعتراف دولي وفقاً للمواثيق القانونية العالمية، فلا يجوز خطف رئيسها من الأساس. بمقاييس الاعراف الدولية. فإن ما ارتكبته امريكا أمر خارج القواعد العامة بين الدول. هو الشأن اللامفكر فيه unthinkable affair بالفعل سواء داخل السياسة أم العسكرية، من جانب كون العالم لا يسير وسط ظلام تُختطف خلاله قيادات الدول. فهذه العملية تعيد العالم إلى العصور البدائية. والمعنى أن الدول لاتحدد بمفردها مرجعيةَ ما تقوم به، وبخاصة إذا كان يمثل اعتداءً على كيانات دولية أخرى. لأن المساحة الدولية تحكمها قوانين التجاوز والتبادل والعلاقات القوية حضارياً.

ومع ذلك، فهذا الأمر هو ما حدث بالفعل وقد فاق الوصف الواقعي، ولكنه يندرج في إطار ما هو سياسي. لعلّه يمثل دليلاً على أنّ السياسة بمثابة الخيال الجامح للمصالح، حيث لا قانون ولا معايير بإمكاننا قياس الافعال عليها. رأينا دونالد ترامب يقظاً إلى درجة الجنون خلف الشاشات العملاقة لمتابعة احداث خطف الرئيس مادورو ويبدي ملاحظاته ويحاور مساعديه متجاوباً مع الشرح وتتابع سير العملية. كان ترامب يعلم أن الموضوع برمته فوق كل الأعراف السياسية الدولية، وربما لا توجد له " خانة واضحة" في الاحداث التي وقعت قريباً أو بعيداً. ليعلن في النهاية أن قواته انجزت المهمة بنجاح منقطع النظير !!

بيد أنَ ترامب ظل محملقاً في شاشات الاحداث كأنه يتابع عملية لم يخطط لها من الأساس. ينظر إلى القوات الأمريكية الخاصة من قارة أخرى لا علاقة له بها. إن مستوى الاشياء غير القابلة للتصديق هو ما يفعله ترامب في شخصهِ خارج التوصيف السياسي الحداثي. يفترض أن ترامب كرئيس للولايات المتحدث يمتلك رصيداً من الحداثة يجعله واعياً بالحدود الفاصلة واحترام سيادة الدول. غير أنه يمارس دوره العولمي كـ"قرصان بدائي " جاء لتوه من العصور الوسطى.

ليس ذلك الوضع متفقاً مع أية معايير دولية حداثية، فهو يحمل زمنه المفاجئ. لقد تمت عملية اختطاف رئيس دولة ببرود تام كأنَّ شيئاً لم يكن. وكأنَّ الأمم المتحده بتراسانه القوانين والقيم والاخلاقيات التي تسيل مع لُعاب أعضائها لم تُوجد. إن العبارات السياسية الرنانة التي تصدر من محافلها السياسية أثبتت كونها محافل لتمجيد آلهة جدد خارج صلاحية هيئة الامم المتحدة . وأن هناك قوى تستقر في سراديب الأمم المتحدة تحاتدج إلى تفكيك هيمنها، وليست الدول الأخرى سوى كومبارس لتكملة الصور أمام العالم.

الحادثة الثانية: الحرب الامريكية - الاسرائيلية على إيران، يقول الواقع إنها حرب حدثت بالفعل وتوجد تفجيرات وعمليات قصف متواصل على الجانبين. ولكن الاحداثيات الخطابية والسياسية التي مازالت جارية غير قابلة للتصديق. إذا كان ترامب قد خطف الرئيس مادورو، فقد أطلق القول بضرورة خطف إيران، ذهب إلى أنه بالامكان استغلال ثروات ايران، لتُصبح خريطة جديدةً تغذي نهم الامبراطورية العابرة للقارات (أمريكا). وهو القول نفسه الذي أحاله ترامب إلى عمل متواصل بحثاً عن ثروات فنزويلا ما بعد مادورو.

اشتعل واقع الحرب الايرانية الأمريكية على مدار الساعة، مع غياب الرؤية الواضحة التي تحدد: ماذا يحدث؟ لم يكن أمام الطرفين إلاَّ التجاوز لتسديد الضربات القاتلة إلى الطرف الأخر. مسئولو أمريكا – اسرائيل قالوا ما لم يتم قوله من قبل. تم شيطنة النظام الايراني فكراً ورجالاً واستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط. وأطلق ترامب على ايران مصطلح " امبراطورية الشر". رفض ترامب بجانب نتنياهو حل القضية (القائمة على مخرون الكراهية والمخاوف المفترضة)، لأن ايران لو امتلكت أسلحة نوعية ستمثل خطراً وجودياً على الكيان الصهيو – امريكي. الآن.. لا مشكلة لهذا الكيان وإن كان قد دخل مع ايران في حروب تقليم الأطراف (حزب الله والحوثيين ومليشيات عراقية أخرى). ولكن تفجير الأصابع وقطع الأطراف الايرانية في المنطقة لم يغنِ عن الاشتباك مع المركز في طهران!!

الطرفان يعلمان كم الخيال الفائض على ضفتي الصراع، ولكنه خيال ينفجر بين فينة وأخرى. فالايديولوجيا الايرانية لا تسمح لأمريكا واسرائيل بأنْ تهدأن، لأن الكم المفترض من خطورتها - من وجهة نظر الخصوم - أكثر بكثير من الوجه المعروف. كما أنَّ الايديولوجيا الدينية لا تفسح مجالاً للتفاوض حول أية قضايا سياسية. إيران تعتبرها قضايا مصيرية بينما أمريكا واسرائيل تعتبرانها ضمن استراتيجية أبعد لأخذ المزيد من المكاسب. تصر إيران على موقفها من العالم بينما تزحزح أمريكا واسرائيل دلالة هذا العالم إلى حدود قبضتها. استبق ترامب المشاهد ليملي على ايران ما يريده من مآرب. وذهب إلى أنه لا يقبل بوجود النظام الايراني حتى اللحظة، وقد نوّه إلى كونه نظاماً لاحياة له بعد الآن. على الرغم من أن ترامب يمثل دولة عولمية تجاوزت كل الحدود ولم تعد تعترف بسيادة الدول. ليس هذا فحسب، بل من العلامات غير القابل للتصديق أنه اعلن دراسة المرحلة التالية بعد رحيل النظام السياسي لايران. كما لو كانت الحرب قد وضعت أوزارها وخلت الساحة لأي نظام جديد!!

أمريكا واسرائيل لا تدركان العمق التاريخي للمجتمعات الحضارية. وهذه أكبر خطيئة ستحتم انتهاك الدولتين لحقائق التاريخ والجغرافيا. ليس سهلاً أن يتفهم أي قناص كولونيالي من يحارب في حضارة فارسية على عمق آلاف السنوات. لأن ايران ممتدة في التاريخ وضاربة في تربة الثقافة في الشرق الأوسط. لم تكن ايران مجرد دولة مختزلة في نظامها السياسي الراهن. بل هي مجتمع قديم جداً مازالت الموروثات الحضارية تتجاوز الحقب وتعطي مواطنيها قدرة على الصمود. وحتى على افتراض أن النظام السياسي قد تغير، فلن يتغير المواطن الايراني كإنسان، لأنَّ الأخير يعرف تماماً: ما معنى الحضارة بخلاف أطراف الصراع الذين يلعبون بمقدرات الدول كأحجار على رقعة الشطرنج.

وعندما تم اغتيال المرشد الأعلى للدولة الإيرانية، رأى فيه دونالد ترامب حقبةً ولّت دون فهم حقيقي لطبيعة النظام والثقافة. لم يدرك أن نظاماً سياسياً لاهوتياً يتشكل بألف وجه ويضرب بأف ناب ويعيد بناء نفسه لو تم تقطيع أوصاله، بل إن أقل الوجوه فيه مثل أقوى الوجوه تأثيراً وأنه لافرق بين المركز والهامش، لأنَّ الأواني المستطرقة هي التي تحكم حركة الايديولوجيات السياسية. ظل ترامب يكلم ايران المفترضة في مخيلته كأنّها إحدى الولايات الأمريكية التي تتلقى تعليمات الرئيس الأمريكي وما يجب فعله وما يجب الكف عنه. والغريب أن تؤيد اسرائيل تلك الأساليب السياسية، فنتنياهو تقمص دور ترامب مطلقاً لوابل من الكراهية المتمثلة في الخطابات التي أفلتت من قبضته. فقال إن اسرائيل تغير بالفعل وجه الشرق الأوسط. وأخذ في المباهاة بكون اسرائيل نموذجاً للديمقراطية وسط مجتمعات يخيم عليها الاستبداد والديكتاتورية. ألم أقل إنَّ هناك طفرات من اللامعقول تتلبس السياسة؟! كيف لرئيس وزراء" دولة احتلال " يزعم كونها نموذجاً لأي شيء؟

الاحتلال فضيحة بملء الكلمة في عصرنا الراهن لا نموذج براق للسياسة. إنها دولة استعمار وعنف في ذيل التاريخ المعاصر بعد أن انتهى الاستعمار في كافة بقاع الأرض. ويتكلم نتنياهو بكامل المشروعية الفاقعة عن وجود دولته غير المشروعة من الأساس. يا لهذا الجنون العاصف بالعالم العربي حين تهب عليه عواصف رملية من تاريخ استعماري بعناوين أمريكا واسرائيل!!

أما الجنون نفسه، فهو أن نصدق أن هاتين الدولتين لهما من القدرة على عمل أي شيء ايجابي بالنسبة لمجتمعات العرب. لأنهما حولتا الشرق الأوسط إلى مجرد وليمة سياسية كبرى. تتناوبان عليها الالتهام والابتلاع. ليست مجتمعاتنا العربية أمام أمريكا واسرائيل إلاَّ مجرد وقود يحترق بنيران الصراعات والحروب. وكذلك ايران ليست أكثر من هدف يوجد على خطوط جيوسياسية متاخمة لهذه الوليمة الاقتصادية. ايران القوة الاقليمية التي شيطنتها القوى الكبرى لتصبح شبحاً بين يوم وليلة لمطاردة الفرائس وتوريطها في حروب لا تنتهي. تاريخ الاستعمار هو تاريخ صناعة الاشباح المخيفة التي يتم من خلالها اصطياد الأهداف. لكن شرط تلك الصناعة هو وجود الخائفين والمزعورين من البشر دون مقاومة ودون وعي حقيقي بالقضايا المصيرية لدولهم ومجتمعاتهم.

ليس من السياسةِ في شيءٍ ألّا نكون نحن العرب على صعيد الفهم المرتبط بالتحولات الاستراتيجية في منطقة الشرق الأوسط. إنَّ الحروب ليست شيئاً غير الطفرات التي تولدها السياسة لكي تقنع الآخرين بوجود فرص لحرق القوى التقليدية. وهي تستهدف في النهاية إنبات قوى أخرى من أجل استعادة السيطرة بأشكال مختلفة. مثل الحرائق التي تحدث في الغابات، حيث تلتهم النيران الأشجار والنباتات الخضراء واليابسة لتظهر البراعم القوية وتصبح غابة مختلفة. وذلك لكي تكون الحيوانات المفترسة سيدة الموقف ويصفو الجو للافتراس دون مشاكل. وما أكثر النيران التي تنتظر الاشتعال في غابات العالم القديم، لأن القوى الكبرى تريد إعادة تخطيطها على خريطة العالم، ولا تجد حلاً إلا اشعال فتيل الصراعات التي تأتي على القواعد التقليدية وتأخذ معها حقائق التاريخ.

تشكل دورات القوة السياسية لوناً من خطوط الموت والحياة العاصفتين في واقع أكثر جنوحاً. قانون الغابة هو الغباء السياسي الذي قد يلف أدمغة المتفرجين من وراء المشاهد الساخنة. حيث يحملقون في ألسنة النيران مشدوهين دون أنْ يدركوا: ماذا ستحرق غداً ولا أية براعم جديدة ستشكل بنية الغابة مرة أخرى؟ ولا يفطنوا إلى مستقبلٍ قد يحولهم إلى فرائس قادمةٍ. الفرجة هي أكبر" سخرية تاريخية " حدثت يوماً ما إزاء الدورات السياسية، لأنَّ المتفرجين هم الوقود الذي ينتظر الاشتعال في أية لحظة، وقد تُركت الفُرص كاملةً على المائدة لمنْ يُجيد فهم ألعاب المسرح وجرأة المبادرة. إذْ لا يصح الفرجة على ولائم السياسة والصراعات المجاورة وكل الصراعات الدولية أصبحب مجاورة إلى درجة التماس. فلا يوجد إلاَّ نوعان من الممثلين: (آكل ومأكول). فهل يمكن الخروج من بين طرفي الرحي الطاحنة؟ كيف يتم كسر تلك الحلقة المزدوجة الدائرة بلا توقف في منطقتنا العربية؟!

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

تُعَدُّ النَّكبة الفِلَسْطينية التي وقعت عام 1948 واحدة من أكثر الأحداث تأثيرًا في التاريخ العربي المُعاصر، إذْ أدَّتْ إلى اقتلاع مئات الآلاف من الفلسطينيين من أرضهم، وتدمير مئات القُرى، وتحويل المُجتمع الفلسطيني إلى شعب مُشتَّت بين اللجوء والاحتلال.

وقدْ أصبحت النَّكبة مِحْوَرًا أساسيًّا في الدراسات التاريخية والسياسية، وبرز عدد من الباحثين الذين حاولوا تفسيرها، وتحليل أسبابها ونتائجها.

مِن أبرز هؤلاء الباحثين: المُؤرِّخ الفلسطيني وليد الخالدي (1925 - 2026)، والمُؤرِّخ الإسرائيلي إيلان بابيه (وُلد 1954)، حيث قدَّما تفسيرين مهمين ومتقاربين في بعض الجوانب، ومُختلفين في جوانب أُخرى لطبيعة النَّكبة الفلسطينية وأسبابها.

يُعتبَر وليد الخالدي من أبرز المُؤرِّخين الفلسطينيين الذين دَرَسُوا النكبة دراسة مُوثَّقة تعتمد على الوثائق التاريخية والشهادات الميدانية والخرائط. وهو يَرى أن النكبة لم تكن حادثة عشوائية أوْ نتيجة عرضية للحرب، بل كانت نتيجة مشروع استعماري استيطاني مُنظَّم سعى إلى إقامة دَولة يهودية في فلسطين على حساب الشعب الفلسطيني.

في تفسيره للنكبة، يؤكِّد الخالدي أن الحركة الصهيونية منذ نشأتها وضعتْ هدفًا واضحًا يتمثل في السيطرة على الأرض، وإقامة كِيان سياسي خاص بها، وهو ما تطلَّب تقليل الوجود العربي إلى الحد الأدنى المُمكن. وقدْ تجسَّد هذا التوجُّه في السياسات التي اتُّبِعت خلال الحرب عام 1948، والتي أدَّتْ إلى تهجير السكان الفلسطينيين، وتدمير قُراهم.

ويُركِّز الخالدي في أبحاثه على توثيق القُرى الفلسطينية التي دُمِّرت أوْ أُخْلِيَت خلال النكبة، مُبَيِّنًا أنَّ ما جرى لم يكن مُجرَّد نزوح طبيعي للسكان بسبب المعارك، بل كان نتيجة عمليات عسكرية مُنظَّمة استهدفتْ إخراجَ السكان ومنع عَودتهم. كما يُوضِّح أن تدمير القُرى وإعادة توطين مُهاجرين يهود مكانها كان جُزءًا من عملية تغيير ديمغرافي واسعة النطاق.

ويَرى الخالدي أيضًا أن القوى الدولية كان لها دَور في صناعة الظروف التي أدَّتْ إلى النكبة، سواءٌ مِن خِلال السياسات الاستعمارية السابقة، أوْ مِن خلال المواقف السياسية التي سمحتْ بقيام دولة إسرائيل دون ضمان حقوق الشعب الفلسطيني.

وبذلك فإنَّ تفسير الخالدي للنكبة يقوم على ثلاثة عناصر أساسية:

1- المشروع الصهيوني الاستيطاني.

2- السياسات العسكرية التي أدَّتْ إلى التهجير.

3- الدَّور الدولي في تمكين هذا التحوُّل التاريخي.

يُعَدُّ إيلان بابيه أحد أبرز المُؤرِّخين الإسرائيليين الذين أعادوا قراءة تاريخ قيام دولة إسرائيل من منظور نَقْدي يعتمد على الوثائق الإسرائيلية نَفْسِها. وقدْ قدَّم بابيه تفسيرًا يَرى فيه أن النكبة لم تكن نتيجة جانبية للحرب، بل كانت عملية تطهير عِرْقي مُخطَّطة.

في تحليله، يؤكِّد بابيه أن القيادات الصهيونية وضعتْ خُطَّة تهدف إلى السيطرة على أكبر مساحة مُمكنة من فِلَسْطين مع أقل عدد مُمكن من السكان العرب. ويُشير إلى أن هذه السياسة تجسَّدتْ في خُطَّة عسكرية هدفتْ إلى احتلال القُرى والمُدن الفلسطينية وطرد سُكانها.

ويَرى بابيه أن عمليات الطرد الجَمَاعي التي حدثتْ في العديد من المناطق لم تكن تصرفات فردية لقادة عسكريين، بل كانت جُزءًا من إستراتيجية متكاملة هدفتْ إلى صناعة واقع ديمغرافي جديد يَسمح بقيام دولة ذات أغلبية يهودية.

ويعتمد بابيه في تحليله على وثائق أرشيفية وشهادات تاريخية تُشير إلى أن العديد من القُرى دُمِّرت بعد احتلالها، وأن سكانها مُنعوا من العودة إليها. كما يؤكِّد أن هذه السياسات استمرَّتْ حتى بعد انتهاء الحرب، حيث تَمَّ سَنُّ قوانين تمنع اللاجئين الفلسطينيين من العودة إلى ديارهم.

وبذلك يُفَسِّر بابيه النكبة باعتبارها عملية مُنظَّمة لإعادة تشكيل الجُغرافيا السكانية في فلسطين، وهي عملية يَرى أنها تُمثِّل أحد أشكال التطهير العِرقي في التاريخ الحديث.

رغم اختلاف الخلفية الوطنية للمُؤرِّخَيْن: الخالدي وبابيه، إلا أنَّ هُناك نقاط اتفاق مُهمة بين تفسيريهما للنكبة:

1- النكبة لم تكن مُجرَّد نتيجة عفوية للحرب، بل كانت مرتبطة بسياسات وخُطَط هدفتْ إلى تغيير الواقع الديمغرافي في فلسطين. وكِلاهما يؤكِّد أن عمليات التهجير لم تكن حوادث فردية معزولة، بل كانتْ جُزءًا من نمط عام تكرَّر في مناطق مختلفة.

2- تدمير القرى الفلسطينية كان عُنصرًا أساسيًّا في تثبيت نتائج الحرب، ومنع عَودة السكان الأصليين. وإزالةُ القرى أو إعادة استخدامها لأغراض أُخرى ساهمتْ في تغيير معالم الجُغرافيا الفلسطينية.

3- النكبة شكَّلتْ تحوُّلًا جذريًّا في تاريخ الشعب الفلسطيني، إذْ أدَّتْ إلى تفكيك المجتمع الفلسطيني، وتحويل جُزء كبير من السكان إلى لاجئين.

رغم التقاطعات الكبيرة بين تفسيريهما، إلا أنَّ هناك اختلافات في بعض الجوانب المنهجية والتحليلية:

1- الخالدي يُركِّز أساسًا على توثيق القُرى المُدمَّرة، وتحليل البُنية التاريخية للمجتمع الفلسطيني قبل النكبة، في حين يُركِّز بابيه أكثر على تحليل الوثائق العسكرية والسياسية التي تكشف طبيعة القرارات التي اتخذتها القيادات الصهيونية خلال الحرب.

2- الخالدي ينطلق من منظور تاريخي فلسطيني يسعى إلى حفظ الذاكرة الوطنية، وتوثيقِ ما حدث، بَينما ينطلق بابيه من إطار نَقْدي داخل المجتمع الإسرائيلي يسعى إلى إعادة تقييم الرواية التاريخية الإسرائيلية.

3- الخالدي يُركِّز على مفهوم التهجير القَسْري والاقتلاع الجَمَاعي، في حين أنَّ بابيه يستخدم مصطلح التطهير العِرقي لوصف ما حدث عام 1948 بشكل صريح.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

لم يعرف الأدب الشّيعيّ الإماميّ، مِن قَبل، مصطلح المرشد، مثلما ظهر في الأدب الصُّوفيّ السُّنيّ، وعناوين لكتب مثل «مرشد الطالبيين» للإمام أبي حامد الغزاليّ (505هج) وغيرها، واستخدمه «الإخوان» لمن يتولى الإرشاد للفرع الأم بمصر، أما الفروع الأخرى فيشار إلى مسؤول كل فرع بالمراقب، وربما دخل المصطلح إلى السياسية عند «الإخوان»، وجماعات دينية- سياسية أخرى.

أما في الوسط الشّيعيّ، فظهر لقب «المرشد» مع الثورة الإسلاميَّة (1979)، ومِن قَبل عُرف رجل الدين الأول، وهو بمثابة «المرشد»، بشيخ الإسلام، وكان أول المعينين بهذا المنصب، الذي يُحاكي اللقب العثماني «شيخ الإسلام»، هو الشيخ عليّ عبد العال الكركي (940هج) الذي نصبه طهماسب الأول الصفوي، أن تخضع الدولة لأوامر وأحكام الشَّيخ، فهو نائب الإمام المهدي المنتظر (التَّنكابي، قصص العلماء). وبهذا حصل الفصل بين نيابة الإمام، التي كانت لإِسماعيل الصفوي، وسلطة الدَّولة، أي بين السُّلطة المدنية والسُّلطة الدِّينية. ولدوره في نشر المذهب الشِّيعي الإمامي في العهد الصَّفوي أُرخ له بعِبارة «مقتدى الشِّيعة»(المصدر نفسه).

إذن نحن أمام منصبين: المرشد والمرجع، الأول سياسيّ وله مرجعيّة دينية بما يتعلق بالأحزاب والمنظمات الولائية، وإلى جانبه يوجد مراجع لا يتعارضون، على الأقل، علانيةً مع العقيدة السياسيَّة، التي يمثلها المرشد. وكان أول المرشدين روح الله الخميني (1989)، ولم يحتج إلى انتخاب أو توافق، وكذلك المرشد خامنئي، قد حصل تكليفه بمباركة الخميني نفسه، لكن مع المرجع المعين مجتبى خامنئي، نجل المرشد السابق، فجري انتخابه داخل مجلس الخبراء، وهنا لا يتم التقيّد بالشروط المفروضة في «الولي الفقيه»، فخامنئي نفسه لم يكن أكبر المجتهدين، ولا نجله المرشد الثالث، كان مِن المجتهدين الكبار، أو مِن رجالات الثورة، فالأمر يتعلق بشرط الإخلاص للعقيدة، وكونه نجل خامنئي، وكان اسمه يتداول بقوة خليفةً لأبيه وهو على قيد الحياة.

أما اختيار المرجع الدينيّ للولاية الشرعيَّة، خارج الولاية السياسية، مثلما هو الحال مع مراجع النجف، وهذا لا يُعين ولا يُنتخب، فالمرجعية الدينية الشيعية لا تعرف التقليد الفاتيكاني بانتخاب «البابا» والإعلان عنه بظهور الدخان الأبيض، إنما يبرز المرجع الشيعي تلقائياً، لاجتهاده وكثرة المقلدين له، وتلعب الدعاية التي يفعلها «الحواشي» دوراً، وقد يوجد في الوقت نفسه أكثر مِن مرجع، ولا يُشخص الأعلى في هذه الحال، إلا أن يصفى له المنصب، مثلما حصل بعد وفاة حسين البروجردي (1961)، وصعود آية الله محسن الحكيم (1970).

في التقليد الشيعيّ، وكذلك الحال لا يُوَّرث منصب شيخ الإسلام، وإن حصل ذلك فيقرر ذلك الاجتهاد والشرائط، وليس صلة القرابة، وهذا ما تسمح به المرجعيَّة السِّياسيَّة، في حالة أن يكون مجتبي خامنئي مرشداً محل أبيه، وهذا ليس تقليداً متفقاً عليه، ولكن الابن يعرف أكثر عن مهمة أبيه، في هذه الظروف المهددة لوجود «ولاية الفقيه» بالكامل.

حصل توارث في المرجعية الدينية، يوم حُصرت بـ«كاشف الغطاء»، فقد خلف الشيخ جعفر الكبير-في القرن التاسع عشر-أولاده الثلاثة: موسى، وعلي، وحسن، لكن ذلك لم يحصل بتنصيب من الموروث إلى الوارث، إنما حصلوا عليها بالشروط المعتادة، الاجتهاد والمقلدين، وإن تدخل السياسة فلا تتدخل إلا كعامل مساعد، مثلما أبرق شاه إيران إلى محسن الحكيم معزياً بوفاة المرجع البروجردي، كإعلان لمرجعية الأول، كي لا يصل غيره، وهذا ليس عاملاً حاسماً، كذلك ما رغب به موسى الصدر عندما أبرق إلى أبي القاسم الخوئي معزياً بوفاة الحكيم، كي لا يصل الخميني حينها للمرجعية، وكانت حاشية الأخير تروّج لذلك.

أما مرشد الثورة أو مرجعها فمن غير مجلس الخبراء، يُقرر ذلك الحرس الثّوري، والقوى الفاعلة بإيران.

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

حدثَ أنْ كشفت وثائق الويكليكس" العقل الأمريكي الحربي" متلبساً بالتجسس وحياكة المؤامرات التي مُورست في أغلب أرجاء المعمورة. حاول أنْ يُبقي ثروات العالم تحت سيطرته متطلعاً إلى المصالح والصفقات الاقتصادية. وإذا كانت للعالم خريطة جيوسياسية، فهناك خريطة أخرى لأعمال النهب. وتلك الخريطة هي الأساس في توازن القوى الدولية وهي المتحكمة في صراعاتها القريبة والبعيدة. ليست هناك قوةٌ عولمية مقارنة بالأخرى دون أنْ تكون هادفةً إلى الاستيلاءعلى ثروات الدول. ولذلك تمثل المصالح بالنسبة لأمريكا أهم من السياسة. تُوجد هناك سياسات أمريكية حيث توجد مصالح أمريكية محتملة ويصح العكس.

عقل الكاوبوي "عقل قنّاص" للفرص مصوّباً حيلّه لخطف الأرباح وإنْ لم تكن من حقه. لا توجد أمريكا في مكانٍ ما من العالم إلاَّ بسبب فرص استغلال تترقبها طوال الوقت. حقيقي هناك بعض الدول الكبرى التي تتعاون لانجاز مشروعات قومية عملاقة في دول أخرى، ولكن أمريكا نمط مختلف تماماً، لا تقوم إلاَّ بمشروعات مدفوعة مقدماً من السيادة والاقتصاد والسياسة. وعقل الكاوبوي هو ما يُحرّك أمريكا للسيطرة على المشاهد الدولية، أي نحن نشهد مرحلة " تدويل الكاوبوي " ليصبح هو المتحكم في العلاقات والصراعات الدولية أيا كان الثمن.

التاريخ لا يكذب ولا يتجمّل، ولكنه قد يتواطّأ إلى حد اللعنةِ بحكم غلبة المرويات المنتصرة وتزييف الأحبار السرية التي يُكتب بها. ومن جانبٍ آخر، حين يريد التاريخ الافضاء والتداعي، فقد يمثلُّ أزمنةً حادةً من التعرية المتواصلة. التاريخ كتابٌ مفتوح على مصراعيه ليقرأ المتابعُ ما يشاء من خفايا، وكيف يكون التراث الحربي للقوى الكبرى فاضحاً.

أسلوب الهيمنة الأمريكية واحدٌ رغم مرور العصور السياسية المتعاقبة، حتى باتت أمريكا نموذجاً للقوى المنتهكة للقوانين والعلاقات الدولية. ولم يعد أمام العالم إلاَّ التكتل في محاور تحفظ عليه بقايا سيادته. أخطر ما في النموذج الأمريكي هو البحث المتواصل عن الاستقطاب، لم يترك دولةً وشأنّها الحُر، فهو يرسم خرائط النفوذ طوال الوقت. يضع الكرة الأرضية تحت مجساته العسكرية وأسلحته بعيدة المدى. فلا يوجد حدث عالمي خارج اهتماماته، لأنّه يعتني بكل صغيرةٍ و كبيرةٍ على الكوكب طبقاً لمؤشرات قوته القصوى. وأعطى لنفسه حق التدخل بحسب مصالحه دون إذن الهيئات الدولية. لم تخطئ له مصلحةٌ يوماً ما في تحريك الاحداث كما يُريد.

أمريكا سياسياً هي الذروة التي وصل إليها الغرب الكولونيالي بكل عتادّه المعرفي والحربي. ليس هذا وحسب على امتداد الخط، ولكنها لم ترضَّ بما يُشبع الاستعمار من ابتلاع مناطق النفوذ والسيطرة، إنما وصل بها " نهم الهيمنة " إلى الهوس بصناعة الحروب والصراعات. المؤشر على ذلك أنَّ ترامب قد غيّر اسم " وزارة الدفاع " الأمريكية إلى" وزارة الحرب" وكأنَّه جاءَ لهذا الهدف تحديداً. وحيدٌ هو الرئيس ترامب الذي وضع الاسم على المسمى بدلاً من فوضى الاصطلاح. وضع النقاط على الحروف قولاً وعملاً. وبهذا الاسم تحول العالم تلقائياً من خانة دول الأصدقاء والجوار إلى أعداء فعليين.

التغيير يقول إنَّ الحرب ليست احتمالاً من بين احتمالات الصراع، ولكنها ستمثل واقعاً لا محالة. كأن الدولة الامريكية في حالة حروب مستمرة لا توقف. وفي كل مرة سيتم جر كرة الاحداث إلى درجة الانفجار العسكري. أي من النهاية ستكُون الحروب محتومةً من جانب القوة الأمريكية وما يرافقها من سياسات واستراتيجيات. منذ نقطة البداية، سيصبح كلُّ صراعٍ أو كل تنافس حربياً.

ليس بعيداً عن ذلك ما جرى من" ميتافزيقا الخراب البشري " في جزيرة جيفري إبستين، حيث عرّت مجتمعاً للنُخب الدولية مازال يعيش مع الاساطير والأشباح ويقدّس الشيطان ويأكل لحوم البشر. جزيرة إبستين ليست أرضاً مترامية الأطراف بين أمواج البحر، ولكنها "عقل دموي " يعيش في ظلام السياسة ممسكاً بيده خيوط "عرائس الماريونيت" فوق منصات السلطة هنا أو هناك. كلُّ موقفٍ، وكلُّ رئيسٍ، وكلُّ مسئولٍ زار جزيرة إبستين كان لمهمة سياسيةٍ معينةٍ. وتصب المهام في النهاية لخدمة المصالح الاسرائيلية- الامريكية. جزيرة ابستين جزء من" عقل الكاوبوي المتصهين " والذي يجيد نصب الفخاخ وإدارة الاحداث بالفضائح وتدبير المكائد والدسائس. لا انفصال بين تاريخ الصهيونية وتاريخ الكهوف الدموية على غرار جزيرة إبستين.

لم تكُّن مشاهد جيفري إبستين خبط عشواء، لقد جمعت بين رموز السياسة ولصوص الاقتصاد وهياكل الدين وخدّام الآلهة وتجّار الموت ومصاصي الدماء. كلُّ ذلك نقل الممارسات الشاذة التي تطايرت أخبارها إلى جميع أصقاع الأرض. وتبين أنها ممارسات أخذت شكل الطقوس والأعمال المقدسة لأغراض وقحةٍ. طبقاً للوثائق التي زادت عن ثلاث ملايين وثيقة تركها جيفري إبستين، بدت الجزيرة معبداً لتقديس الشرور في العالم. لا قانون، لا اخلاقيات، لا حدود بين الواقع والخيال، الأسرار فضائحية أكثر من الوقائع. جاءت الجزيرة عنواناً للغموض بدءاً من وجودها المجهول ومروراً بالطقوس التي يمارسها رواد الجزيرة وليس انتهاءً بصاحبها الذي صعد نجمه كأنَّه جاء من سماوات سحرية!!

أما خلال الأوقات الراهنة، فالحرب "الأمريكية – الاسرائيلية " على ايران دليل أنَّ كل ما سبق ليس مصادفةً، ولكنه عمل مقصود للحفاظ على اسرائيل. هذه " المحمية الصهيونية الأمريكية " وسط الرمال السياسية العاصفة بالشرق الأوسط. مشهد الحرب بين الغرب الصهيوني وبلاد فارس بعثَ الروح في خريطة العالم السياسي اللاهوتي مرة أخرى. كان ترامب الاسرائيلي يرى في نظام الحكم الايراني القائم على عقائد التشيُّع أخطر أصناف الأنظمة السياسية. لأنه جعل من الحروب عقيدةً غير قابلة للانفكاك.

كان ترامب يدرك أنَّ حروب العقائد المسيّسة لا يوازيها إلاَّ عقائد مسيسة بالمثل. فلم يستطع ترامب اختراق جدار امبراطورية فارس العازل، ولم يتمكن من فرض سطوته عليها. لكونه يعلم استحالة أنْ يناطح الايديولوجيات المقدسة لدى اصحابها. حيث كانت الايديولوجيات نموذجاً للارهاب الدموي في المنطقة العربية. وبخاصة أنَّ أمريكا ليست ساذجة، إذْ شكلت بعض أنظمتها السياسية معامل لتفريخ بعض" فيروسات الارهاب " في أرجاء الكرة الأرضية تخليقاً ورعايةً وانتشاراً.

كل حروب آتية إلى حتفِ اصحابها إذا كانت لاهوتيةً بهذه الطريقة. الحروب في أساسها لاهوت ضّل طريقه إلى السياسة وهي سياسة استقرت في أضابير اللاهوت. إراد ترامب أنْ يضيف لاهوتاً حربياً أمريكياً مقابل لاهوت فارس الحربي. أمّا اسرائيل، فلا ينقصها لاهوت حربي، فهي مستعمرة لاهوتية حتى النخاع، جميع تفاصيل وجودها غارقة ومنقوعة في قاع لاهوت الحروب منذ عقود طويلة. الدولة الوحيدة التي تطاول أمريكا في لاهوت الصراع هي اسرائيل رغم المؤسسات السياسية الحداثية التي تتحصن فيها. جميع رؤساء اسرائيل عبارة عن أشباح لملوك بني اسرائيل. الطقوس الحربية والسياسية ذاتها هي ما يقفون تحت ظلها الخفي طوال الوقت، حتى الخطابات السياسية وشكل المشاهد للكيان الصهيوني إنما هي موروثات لاهوتية فاتَ أوانها. وليست الصراعات الحربية التي ينغمس فيها العالم العربي بسبب اسرائيل إلاَّ حفريات يهودية وصهونية قديمة.

ليس صحيحاً أنَّ العلمانية مازالت تحمل الأنظمة الحربية الراهنة في عصر مُعلمن حتى النخاع. لكن الحروب لاهوتية بالضرورة بصرف النظر عن القُوى التي تنخرط فيها. الحرب عقيدة تحمل من يقوم بها على أسطّرة وجوده إزاء الأغيار. على الأقل بينه وبين نفسه وتجاه مناصريه، لكون الحرب تحتاج إلى مركزية القرار وإلى قدرة على الاعتقاد فيما تملك تجاه الأعداء. واللاهوت صبغة حربية تحتوي كل صراع داخلها لتعيد انتاجه بصورة شرسة. من هنا كان على أمريكا وقائدها الراهن دونالد ترامب أنْ يعلنا عن لاهوت الحرب تجاه إيران. أليست ايران تتحصن داخل لاهوت التشيع السياسي والثورة التي تصدّرها للدول المجاورة وتحمل لواء محاربة الاستعمار. فلتكن أمريكا هي " عقل الكاوبوي " الذي يوازي لاهوتاً من نوع معاصر.

المشهد لم يكن يعوزه أي شيء للتدليل على لا هوت الحروب إلاّ قساوسة انجيليون في البيت الأبيض لاقامة صلاة وقداس من أجل ترامب للانتصار الحربي على ايران. حيث تجلى المشهد بوصفه" شعيرة ميتافيزيقية" و" خليطاً لزجاً " بين السياسة والدين، كأنّه أحد المشاهد المتأخرة من العصور الوسطى. دونالد ترامب يجلس إلى مكتبه الفخم في البيت الأبيض، مكتب قيادة العالم وادارة الصراعات ومناورات الحروب وعقد الصفقات على نطاقٍ واسع. ترامب ينظر إلى المكتب الماثل أمامه كأنّه ينتظر نزول الرب في المكان بينما يضع القساوسة العشرون أيديهم على كتفه. ومنْ لم يطل جسم ترامب يضع يده على كتف أقرب قسيس إليه. حتى تكون المعتقدات الدينية ساريةً في خضم تواصل الأجساد والأرواح.

وفي صوت واحد يرددون مع سماع صوت كبير القساوسة مناشداً الرب: " أُصلي من أجل أنْ تحيط الرئيس بنعمتك وحمايتك. وأصلي من أجل أنْ تشمل نعمتك وحمايتك كل قواتنا ورجالنا ونسائنا الذين يخدمون في قواتنا المسلحة. يا آبانا نصلي من أجل أن تواصل منح رئيسنا القوة التي يحتاجها لقيادة أمتنا العظيمة وأنْ نعود أمةً واحدةً تحت راية الله، أمة غير قابلة للانقسام تنعم بالحرية والعدالة للجميع، ونصلي من أجل أنْ تفيض علينا من بركاتك".

السؤال المنطقي: في إطار الصراع الطاحن، أيُّ رب يصلون إليه هؤلاء القساوسة بالبيت الأبيض؟ هل هو رب خاص يطلبون منه النعمة والبركة للرئيس ترامب؟ ولاسيما أنَّ الحرب بين فارس وأمريكا واسرائيل على أشدها عبر شاشات الاحداث في كل انحاء العالم. والأدق كيف وبأية ثقةٍ يضعون كلَّ آمالهم السياسية في سلة الرب الذي يناشدونه الاستجابه؟ هل الرب هو رب حربي يوزع هباته على قوات أمريكا فقط؟

مشهد القساوسة يُعمِد الرئيس ترامب كامبراطور لاهوتي حضر من حفلة تنكرية خلال أكثر العصور تطوراً. وليس هناك من معنى لكون الرئيس في مؤسسة علمانية تمسح عليه الأيادي المقدسة طلباً للبركة والنعمة أكثر من معنى هذا المشهد. إنّ شرور أمريكا الحربية قتلت آلاف البشر، حتى وإنْ واجهها تواجد عسكري لاهوتي فارسي أو غيره. والحماية والصيانة اللتان يطلبهما القساوسة لترامب ورجاله ونسائه إنما يحلان باللعنات على بشر آخرين. فهل قساوسة ترامب يطلبون اللعنات المقدّسة لغيرهم؟ ربما ليس الرب سوى الطائرات المسيرة التي تحلق بالموت في أجواء الشرق الأوسط. وجديدةٌ هي مناشدة الرب الانجيلي مع الرب اليهودي فوق سماء ايران الاسلامية. تداخل غريب بين الأديان الإبراهيمية رغم أن السياقات علمانية.

أية رايةٍ لله تلك التي يطلب القساوسة أنْ تكون تحتها أمريكا أمةً واحدةً؟ أمريكا كقوى عظمى لم تحمل إلاَّ راية الاستعمار الغربي المبكر، ولم ترفع راية إلاَّ وبجانبها راية اسرائيل، يبدو أنَّ رايات الرب توحدت عند خطوط الموروثات الحربية اللاهوتية الراهنة. والجديد أن الرب الانجيلي والرب التوراتي قد إجتمعا تحت سقف البيت الأبيض، وإلاَّ ما الذي يفسّر الحروب الأمريكية الاسرائيلية التي تعصف بكافة القيم والحقوق؟!

وبالطبع إذا كانت سياساتُ أمريكا واسرائيل الدينية فاعلةً في ساحة الحرب، فإنها ستستثير السياسات اللاهوتية عند ايران وسواها ( حزب الله والحوثيين وجماعات العنف في العراق). بل بدا الاسلاميون الآخرون يطلون برأسهم من قلب الرماد بعثاً لخطابات الكراهية بين الشرق والغرب مرة أخرى. ألم يكن هناك تحالف صهيوني غربي في شكل هذا الصراع، فليكن لهم( أي الاسلاميون المتطرفون) قصب السبق حين جاهروا بتكفير الغرب ... هكذا قد يُقال في الخطابات التكفيرية!!

مما يعيد ضبط مؤشر الصراع ليس بين أمريكا وايران فقط، ولكنه يحرك تربة التطرف ويخرج بذوره إلى الهواء والضوء في بلاد الشرق الأوسط، ولعلَّ المناخ المواتي سيجددُ الفرصة لنمو البذور مرةً أخرى. الناس كانوا يتصوروا أنَّ التطرف الذي أدمى المجتمعات العربية قد ذهبَ إلى حيث لا يُعود الموتى، غير أنّ حرباً كهذه كانت عصا تحرث تربة التشدد الديني من جديدٍ. الثقافة التي يجيدها الإرهابيون هي ثقافة الحروب والصراعات. هي يواصلون الظهور فوق جثث الموتى وعلى إيقاع التفجيرات. وتلك كانت ظاهرةً في بعض العصور العربية الاسلامية، يعثرون على ذواتهم في حالة جهاد أبدي لا يُبقي ولا يذر. أمّا في حالة دوران عجلة الحضارة، فلايجد الارهابيون لهم مكاناً مؤثراً.

***

سامي عبد العال

لم يعد العراق مجرد بلد يواجه أزمة سياسية داخلية أو خلافات بين قواه المتنافسة على السلطة، بل أصبح مرة أخرى ساحة مفتوحة لصراع إقليمي ودولي يتصاعد على أرضه. فمنذ اندلاع الحرب بين محور المقاومة والكيان الاسرائيلي، وتوالي الهجمات الضروس بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وايران والفصائل المسلحة المرتبطة بها من جهة أخرى، صرنا امام مشهد فوضوي معقد تتداخل فيه الاستراتيجيات وردود الافعال بما ينذر بمخاطر جسيمة تلحق بالعراق رغم انه عنصر منفعل بالحرب وليس فاعلا فيها ، أن العراق يقف اليوم في قلب مواجهة تتجاوز حدوده بكثير، في لحظة تستفحل فيها الازمة السياسية و المالية ويتعطل انتخاب رئيس للجمهورية وتتفاقم فيها الخلافات حول تشكيل الحكومة، و تتعرض منشآته العسكرية وحقول النفط و الطاقة لضغوط أمنية واقتصادية مكشوفة، يبدو البلد وكأنه يدخل مرحلة شديدة الحساسية وربما مصيرية قد تعيد رسم موقعه في معادلات الشرق الأوسط حين تضع الحرب اوزارها ويبدأ حساب الخسائر والفرص المهدورة والحكمة الناقصة.

فالحرب الدائرة حالياً في المنطقة بين إيران ومحورها من جهة، وبين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لم تعد محصورة في جغرافية محددة. فقد امتدت آثارها من غزة ولبنان إلى سوريا والعراق والخليج وعموم الشرق الاوسط، وبدأت تدفع المنطقة بأكملها نحو حالة من السيولة السياسية وعدم الاستقرار الواسع، كما أن تداعياتها لم تتوقف عند حدود ساحات القتال، بل بدأت تمس الاقتصاد الإقليمي وأمن الطاقة، بما في ذلك دول الخليج التي تتأثر بشكل مباشر بأي اضطراب في الاستقرار الإقليمي أو في حركة التجارة والطاقة.

وفي خضم هذه المواجهة الواسعة أصبح العراق أحد أكثر البلدان عرضة لتداعياتها، ليس فقط بسبب موقعه الجغرافي، بل أيضاً بسبب طبيعة التوازنات السياسية والأمنية الهشة داخله.

لماذا يدور الصراع حول العراق الآن؟

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا عاد العراق ليكون أحد مراكز الصراع الإقليمي والدولي؟

الجواب يكمن في عدة عوامل متداخلة. فالعراق يحتل موقعاً جيوسياسياً بالغ الأهمية في قلب الشرق الأوسط، حيث يشكل نقطة التقاء بين الخليج وإيران وتركيا وسوريا. كما أنه يمثل حلقة أساسية في شبكة النفوذ الإقليمي التي بنتها إيران خلال العقدين الماضيين.

إلى جانب ذلك، فإن النظام السياسي الذي نشأ بعد عام 2003 أفرز واقعاً معقداً من التوازنات الداخلية، حيث تتداخل القوى السياسية مع قوى مسلحة متعددة الارتباطات الإقليمية. وهذا الوضع جعل العراق عرضة للتحول إلى ساحة مواجهة غير مباشرة بين القوى المتصارعة على النفوذ.

كما أن الأهمية الاقتصادية للعراق، بوصفه أحد أكبر البلدان النفطية في العالم، تضيف بعداً آخر للصراع، إذ إن استقرار إنتاج النفط العراقي أو اضطرابه يؤثر بشكل مباشر في أسواق الطاقة العالمية.

هل يدور الصراع حول التشيع السياسي؟

لكن ما يجري في المنطقة اليوم لا يمكن تفسيره فقط من خلال الصراع العسكري أو التنافس الجيوسياسي، بل يرتبط أيضاً بسؤال أعمق يتعلق بطبيعة النظام السياسي والنفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط.

فخلال العقدين الماضيين برز ما يمكن تسميته بنموذج “التشيع السياسي”، أي توظيف الهوية المذهبية في بناء شبكة نفوذ سياسية وعسكرية تقودها إيران في عدد من دول المنطقة. وقد اتخذ هذا النموذج أشكالاً مختلفة في العراق وسوريا ولبنان واليمن. فمن نموذج ثنائية الدولة -المقاومة بعد عام 2003

الى نموذج المقاومة الذكية بعد عام 2016 تحول العراق الى مختبر لصراع نفوذ متعدد المحاور ولم تعد الدولة قادرة على التحرر من شبكات المصالح المتضاربة.

غير أن التحولات الجارية اليوم تشير إلى أن هذا النموذج يواجه تحديات متزايدة ونهاية قريبة نتيجة الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية التي تتعرض لها إيران ومحورها. وهذا لا يعني بالضرورة نهاية هذا النفوذ، لكنه يشير إلى أن المرحلة التي تمكنت فيها إيران من توسيع نفوذها الإقليمي بسهولة نسبية قد دخلت مرحلة مختلفة وأكثر تعقيداً.

في هذا السياق يبدو العراق وكأنه يقف في قلب هذه التحولات، حيث يدور جزء من الصراع حول مستقبل العلاقة بين الدولة الوطنية من جهة، ومشاريع النفوذ الإقليمي من جهة أخرى.

تكمن المشكلة الأساسية في أن العراق يواجه هذه التحولات الكبرى في ظل وضع داخلي هش. فالأزمة السياسية المستمرة، وتعطل انتخاب رئيس للجمهورية، والانقسامات الحادة حول تشكيل الحكومة، كلها تعكس عمق الاختلالات في النظام السياسي. كما أن استمرار تعدد القوى المسلحة خارج إطار الدولة يضعف سيادة المؤسسات الرسمية ويجعل البلاد أكثر عرضة للضغوط والتدخلات الخارجية.

وفي ظل هذا الواقع يصبح العراق أكثر عرضة للتأثر بالصراعات الإقليمية، حيث يمكن لأي تصعيد في المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل أن ينعكس مباشرة على الوضع الأمني والاقتصادي، توقف صادرات النفط مثالها الاوضح.

في اجواء هذا المشهد المعقد، تبدو الحاجة ملحّة إلى تبني سياسات عقلانية تحمي العراق من الانزلاق إلى صراعات أكبر لايتحملها، رغم الاجواء العاطفية والحماسية التي يعيشها صنف من العراقيين.

أولى هذه السياسات هي العمل على تحييد العراق عن صراعات المحاور الإقليمية، بحيث لا تتحول أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المختلفة. أما السياسة الثانية فتتمثل في تعزيز سلطة الدولة وحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية، وهو شرط أساسي لبناء دولة قادرة على حماية سيادتها. كما أن العراق بحاجة إلى تسوية سياسية داخلية واسعة تعيد الاستقرار إلى النظام السياسي وتمنع استمرار حالة الانقسام التي تضعف الدولة.

إلى جانب ذلك، يجب حماية قطاع النفط والطاقة من الاضطرابات الأمنية والسياسية، لأن استقرار هذا القطاع يمثل حجر الأساس في الاقتصاد العراقي.

في مثل هذه اللحظات الحرجة يعود الدور المعنوي والسياسي المهم الذي تمارسه مرجعية النجف، وعلى رأسها المرجع الأعلى السيد علي السيستاني.

فقد أسهمت المرجعية في محطات سابقة بجهود فاعلة وحاسمة في حماية الدولة العراقية وتوجيه العملية السياسية نحو الاستقرار. كما أن مواقفها التي تؤكد على أولوية الدولة العراقية ورفض تحويل البلاد إلى ساحة للصراعات الخارجية يمكن أن تسهم في تهدئة التوترات وإعادة توجيه المسار السياسي.

يقف العراق اليوم أمام لحظة تاريخية دقيقة، حيث تتقاطع على أرضه صراعات إقليمية ودولية تعكس تحولات أعمق في بنية الشرق الأوسط. وفي عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة، لا يمكن للعراق أن يحمي نفسه بالانخراط في صراعات الآخرين، بل بقدرته على بناء توازناته الداخلية وتعزيز دولته الوطنية. فإما أن يبقى العراق ساحة مفتوحة للصراع، أو أن يتمكن من تحويل موقعه الجغرافي والسياسي إلى عنصر قوة واستقرار في منطقة مضطربة، هذا الامر يتوقف على نمط من القيادات السياسية وخطابات وسردية واضحة غير التي جربناها حتى الان.

***

ابراهيم العبادي

مدخل استراتيجي للشرعية التاريخية وحفظ الذاكرة الوطنية

على سبيل البداية: يشكل تراث المسيرة الخضراء أحد أبرز مكونات الذاكرة الوطنية المغربية، إذ يجسد حدثاً تاريخياً مفصلياً في مسار استكمال الوحدة الترابية للمملكة المغربية. فقد مثلت المسيرة الخضراء التي انطلقت سنة 1975 لحظة استثنائية في التاريخ السياسي المغربي، حيث تجلت فيها وحدة العرش والشعب حول قضية استرجاع الأقاليم الجنوبية. غير أن هذا التراث المرتبط بالمسيرة الخضراء لا يقتصر على الحدث السياسي في حد ذاته، بل يمتد ليشمل مجموعة من العناصر الرمزية والثقافية، مثل الخطب الملكية، والأغاني الوطنية، والصور والوثائق التاريخية، والشهادات الحية التي تعكس أجواء التعبئة الوطنية التي رافقت هذا الحدث التاريخي. وفي ظل التحولات التكنولوجية المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر، أصبح من الضروري التفكير في آليات حديثة لحفظ هذا التراث الوطني وضمان استمراريته، ومن أبرز هذه الآليات رقمنة التراث الثقافي.

أولاً: مفهوم الرقمنة

تشير الرقمنة (Digitization) إلى عملية تحويل المعلومات والوثائق والمواد الثقافية من صيغتها التقليدية المادية إلى صيغ رقمية قابلة للحفظ والمعالجة والنشر عبر الوسائط الإلكترونية. وتتيح هذه العملية إمكانية تخزين كميات كبيرة من البيانات والوثائق في قواعد بيانات رقمية، مما يسهل الوصول إليها واسترجاعها واستثمارها في البحث العلمي وفي نشر المعرفة (شلغوم، 2020).

كما تُعرّف الرقمنة أيضاً بأنها توظيف التكنولوجيات الحديثة من أجل تحويل المحتوى الثقافي والمعرفي إلى موارد رقمية قابلة للتداول عبر الشبكات الرقمية، الأمر الذي يساهم في حماية التراث من الضياع أو التلف، خاصة في ظل التحديات التي تواجه العديد من الموروثات الثقافية نتيجة عوامل الزمن أو ضعف التوثيق التقليدي (يوسف، 2021).

وفي هذا السياق، أصبحت الرقمنة أداة مركزية في سياسات الحفاظ على التراث الثقافي في العديد من الدول، حيث تسمح بتوثيق الموروث الثقافي بمختلف أشكاله، سواء كان مادياً مثل المعالم التاريخية والوثائق الأرشيفية، أو لامادياً مثل الفنون الشعبية والأغاني التراثية والتقاليد الاجتماعية.

ثانياً: العلاقة بين الرقمنة والحفاظ على التراث الثقافي

أصبحت العلاقة بين الرقمنة والحفاظ على التراث الثقافي علاقة تكاملية، إذ تسهم التقنيات الرقمية في توفير وسائل فعالة لحفظ التراث وتوثيقه ونقله إلى الأجيال القادمة. فمع التطور الكبير في تقنيات التصوير الرقمي والمسح ثلاثي الأبعاد والأرشفة الإلكترونية، أصبح من الممكن توثيق أدق تفاصيل الموروث الثقافي وإتاحته للباحثين والمهتمين عبر منصات رقمية متخصصة (رزق العين، 2023).

وتكمن أهمية الرقمنة في كونها تتيح حماية التراث الثقافي من مختلف التهديدات التي قد يتعرض لها، سواء كانت ناتجة عن عوامل طبيعية أو بشرية، كما تسهم في تعزيز الوعي المجتمعي بأهمية هذا التراث من خلال نشره عبر الوسائط الرقمية المختلفة. كما أن إتاحة التراث الثقافي عبر الإنترنت تتيح فرصاً أكبر للبحث العلمي والدراسات الأكاديمية، حيث يمكن للباحثين الوصول إلى المصادر التراثية بسهولة أكبر مقارنة بالطرق التقليدية (بوشيبي وديبون، 2023).

وقد أصبحت رقمنة التراث الثقافي جزءاً من السياسات الثقافية الحديثة التي تسعى إلى تحقيق التوازن بين الحفاظ على الهوية الثقافية الوطنية والانخراط في التحولات الرقمية التي يشهدها العالم المعاصر.

ثالثاً: أهمية رقمنة التراث في السياق المغربي

يتميز المغرب بغنى وتنوع تراثه الثقافي، الذي يعكس تفاعلات تاريخية وحضارية متعددة أسهمت في تشكيل الهوية الثقافية المغربية. ويشمل هذا التراث مجموعة واسعة من المكونات، من بينها المعالم التاريخية، والحرف التقليدية، والفنون الشعبية، والأغاني الوطنية، إضافة إلى الموروث الشفهي الذي يعكس الذاكرة الجماعية للمجتمع المغربي.

وفي هذا السياق، أصبحت رقمنة التراث الثقافي المغربي ضرورة ملحة للحفاظ على هذا الموروث الحضاري وضمان استمراريته. فقد أكدت العديد من الدراسات أن الرقمنة تمثل وسيلة فعالة لحماية التراث الثقافي وتوثيقه وإتاحته للباحثين والجمهور، كما تسهم في تعزيز إشعاع الثقافة الوطنية على الصعيد الدولي (محمد، 2021).

كما أن رقمنة التراث الثقافي تتيح إمكانية إنشاء قواعد بيانات رقمية متخصصة تمكن من توثيق مختلف عناصر التراث المادي واللامادي، وتوفر منصات إلكترونية تتيح للجمهور الاطلاع على هذا التراث من خلال الزيارات الافتراضية أو الوسائط التفاعلية، الأمر الذي يعزز حضور الثقافة الوطنية في الفضاء الرقمي العالمي.

رابعاً: رقمنة تراث المسيرة الخضراء

في إطار الحديث عن أهمية رقمنة التراث الثقافي، يبرز تراث المسيرة الخضراء باعتباره أحد أهم المكونات الرمزية للذاكرة الوطنية المغربية. فالمسيرة الخضراء لم تكن مجرد حدث سياسي عابر، بل شكلت لحظة تاريخية جسدت وحدة الشعب المغربي حول قضية استرجاع الأقاليم الجنوبية.

ويشمل تراث المسيرة الخضراء مجموعة من العناصر التاريخية والثقافية التي تستحق التوثيق الرقمي، من بينها:

الخطب الملكية المرتبطة بإعلان المسيرة الخضراء.

الصور التاريخية التي وثقت مشاركة مئات الآلاف من المغاربة في هذا الحدث.

الوثائق الرسمية المتعلقة بتنظيم المسيرة.

الأغاني الوطنية التي رافقت التعبئة الشعبية.

ومن أبرز هذه الأغاني الأغنية الوطنية "صوت الحسن ينادي" التي أصبحت رمزاً فنياً للمسيرة الخضراء، حيث ساهمت في تعزيز روح التعبئة الوطنية وترسيخ الشعور بالانتماء الجماعي لدى المغاربة. وقد لعبت هذه الأغنية دوراً مهماً في التعبير عن التلاحم الشعبي حول القيادة الملكية في تلك المرحلة التاريخية.

إن رقمنة هذا النوع من التراث الفني والوثائقي يتيح الحفاظ عليه من الضياع، كما يتيح إعادة توظيفه في الإنتاجات الثقافية والتربوية، إضافة إلى تمكين الباحثين من دراسة أبعاده الرمزية والسياسية في سياق تحليل الذاكرة الوطنية المغربية.

خامساً: الرقمنة كآلية لتعزيز الذاكرة الوطنية

لا تقتصر أهمية رقمنة تراث المسيرة الخضراء على الجانب التقني المتعلق بحفظ الوثائق والمواد التاريخية، بل تمتد أيضاً إلى البعد الاستراتيجي المرتبط بالحفاظ على الذاكرة الوطنية وتعزيزها. فالذاكرة الجماعية للشعوب تشكل أحد أهم عناصر الهوية الوطنية، كما تمثل مرجعاً أساسياً لفهم التحولات التاريخية والسياسية التي مرت بها المجتمعات.

وفي هذا الإطار، تسهم الرقمنة في تحويل التراث المرتبط بالمسيرة الخضراء إلى أرشيف رقمي متكامل يمكن الاستفادة منه في مجالات متعددة، مثل البحث العلمي والتعليم والإعلام الثقافي. كما تتيح هذه العملية تعزيز حضور هذا التراث في الفضاء الرقمي العالمي، الأمر الذي يسهم في التعريف بالقضية الوطنية المغربية وبالأبعاد التاريخية والسياسية للمسيرة الخضراء.

ومن هذا المنطلق، يمكن القول إن رقمنة تراث المسيرة الخضراء تمثل خطوة أساسية نحو بناء ذاكرة رقمية وطنية قادرة على حفظ هذا الحدث التاريخي المفصلي، وضمان انتقاله إلى الأجيال القادمة باعتباره جزءاً من التاريخ المعاصر للمغرب.

خاتمة

إن التحولات الرقمية التي يشهدها العالم المعاصر تفرض على الدول تبني استراتيجيات جديدة للحفاظ على تراثها الثقافي وتثمينه. وفي الحالة المغربية، يمثل تراث المسيرة الخضراء أحد أهم المكونات الرمزية للذاكرة الوطنية، الأمر الذي يجعل رقمنته ضرورة علمية واستراتيجية في آن واحد. فبفضل الرقمنة يمكن حفظ هذا التراث من الضياع، وإتاحته للباحثين والمهتمين، وتعزيز حضوره في الفضاء الرقمي العالمي، بما يسهم في ترسيخ الوعي التاريخي بالقضية الوطنية وتعزيز الهوية الوطنية المغربية.

***

الدكتور منير محقق كاتب وناقد وباحث جامعي (مغربي).

.....................

المراجع

(وفق أسلوب APA)

ابن خلدون. (2004). المقدمة: مقدمة في التاريخ. بيروت: دار الكتب.

العروي، ع. (1996). الدولة والمجتمع في المغرب الحديث. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

بوشيبي، عبد الإله، & ديبون، التهامي. (2023). دور المنظمات الدولية والإقليمية في حماية التراث الثقافي والحفاظ عليه. مجلة العلوم الإنسانية والطبيعة.

رزق العين، نوال. (2023). أهمية الرقمنة والتكنولوجيات الحديثة في إدارة التراث الثقافي والتعريف به. مجلة منبر التراث الأثري، 12.

شلغوم، سمير. (2020). الرقمنة كآلية لضمان جودة العملية التعليمية. المجلة الجزائرية للعلوم القانونية والسياسية والاقتصادية، 57.

محمد، رحاب عصام حسنى. (2021). استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للحفاظ على التراث الثقافي. المجلة الدولية للدراسات متعددة التخصصات في أبحاث التراث، 4.

يوسف، سيد إدريس. (2021). دور الرقمنة والتكنولوجيات الحديثة في التعريف بالتراث الثقافي وتثمينه. مجلة منبر التراث الأثري، 10.

المراجع الأجنبية

Al-Bayanouni, N. (1999). The intellectual heritage of Morocco. Rabat: Moroccan Academic Press.

Al-Jabri, M. A. (1991). Takamun al-‘aql al-‘arabi [Formation of the Arab Mind]. Beirut: Center for Arab Unity Studies.

Al-Jabri, M. A. (1993). Bunyat al-‘aql al-‘arabi [Structure of the Arab Mind]. Beirut: Center for Arab Unity Studies.

Al-Jabri, M. A. (1996). Al-‘aql al-siyasi al-‘arabi [The Arab Political Mind]. Beirut: Center for Arab Unity Studies.

Al-Jabri, M. A. (2000). Religion, state, and application of Sharia. Beirut: Center for Arab Unity Studies.

Al-Jabri, M. A. (2006). Introduction to the Holy Quran. Beirut: Center for Arab Unity Studies.

لا أكتب هذه الكلمات اليوم وأنا مستسلم لنوبة تشاؤم عابرة، فمن يعرفني عن كثب يدرك أن نفسي طواعة للأمل العامل، نابذة بالطبع للبكاء على الأطلال. لكن التاريخ، في بعض لحظاته الفارقة، يفرض علينا صراحة قد تبدو قاسية، لأنها وليدة وقائع أقسى. ذلك أن ما نشهده اليوم على مسرح العالم الكبير لا يمكن وصفه بكلمة أدق ولا أصدق من أنه الجنازة الرسمية للنظام الدولي الذي عرفناه وعشنا في ظلاله، أو في ظلال أوهامه، على مدى ثمانية عقود كاملة.

نحن، أبناء العالم الثالث تحديدًا، الذين تعلقنا طويلاً بفكرة العدالة الدولية كملاذ أخير، نقف اليوم لنشيع هذه الفكرة إلى مثواها الأخير. لقد دفن النظام الذي نشأ على أنقاض حربين عالميتين، ليس تحت أتربة النظريات السياسية، إنما تحت أنقاض المدن التي تقصف في غزة ولبنان واليمن وطهران، وفوق جثث الأطفال الذين يموتون بالجوع والحصار، وسط صمت مهيب لمجلس الأمن، المجلس الذي لم يعد يخرج عن تمتمة بكلمات إدانة عاجزة، بينما الدماء العربية الإسلامية كجداول لا تتوقف. العزاء اليوم، كل العزاء، في الأمم المتحدة. والعزاء في مجلس الأمن الدولي، الذي تحول من حارس للسلام إلى شاهد على موته.

لقد انتهى العصر الذي كنا نعتقد فيه - بسذاجة أو برغبة في التصديق - أن هناك قوة أعلى من قوة الدولة، وأن هناك قانونًا يعلو فوق قانون الغاب، وأن هناك ضميرًا دوليًا يمكن استنفاره لحماية الضعيف. ما نشهده اليوم هو الإعلان الرسمي عن نهاية هذا الوهم الطويل. وهم أن المجتمع الدولي، بمنظماته وقوانينه، قادر على أن يكون مظلة حقيقية للدول الصغيرة حين تتعرض للخطر. الوهم نفسه الذي سرقه الواقع منا بكل وقاحة.

هذا التحول الجذري لم يحدث بين عشية وضحاها، ولم يأت نتيجة خطأ عابر في التقدير. لقد بدأ التحول بطيئًا خفيًا، ثم تسارع بشكل هستيري في العقدين الأخيرين. الدروس التي كنا نقرأها في كتب العلاقات الدولية عن توازن القوى والمصلحة الوطنية كانت في الماضي مجرد نظريات أكاديمية. أما اليوم، فقد تحولت إلى واقع نعيشه بكل تفاصيله المريرة. القوة وحدها، وبكل تجريدية، هي التي تحكم وتتحكم. مجلس الأمن الدولي، الذي أُنشئ بالأساس لحفظ السلم والأمن الدولي، لم يعد أكثر من خشبة مسرح تستخدم فيها آلة "الفيتو" لحماية المتهم لا لمحاكمة المجرم. في هذا المسرح، الدم الفلسطيني هو مجرد ديكور، والمأساة الإنسانية هي مشهد جانبي لا يدخل في صلب النص.

لنتأمل معًا ما حدث في العاصفة الأخيرة التي اجتاحت منطقتنا. حين أغلقت المعابر، وتوقفت المساعدات، وقطعت سبل الحياة عن مليوني إنسان، حين أصبح تجويع المدنيين ورقة ضغط مشروعة فعالة، في إدارة الصراع. ماذا كان رد فعل العالم؟ بعض بيانات الشجب والاستنكار التي تخرج من هنا وهناك. بعض التوصيات بوقف إطلاق النار التي لم يلتزم بها أحد، لأنها لم تكن مصحوبة بآلية إلزام أو إرادة ضاغطة. ثم العودة إلى النوم العميق، إلى متابعة الشأن الخاص. هذه ليست هفوة مؤقتة أو تقصيرًا يمكن تداركه. إنها طبيعة العصر الجديد. العصر الذي أصبح فيه ميزان القوة هو صاحب الكلمة الأخيرة. هو الكلمة الوحيدة التي تسمع في نهاية المطاف.

منذ سنوات، وأنا أتابع بإمعان تقارير ارتفاع الإنفاق العسكري العالمي إلى أرقام فلكية. قبل أيام فقط، قرأت تقريرًا موثوقًا يفيد بأن هذا الإنفاق قفز إلى 2.7 تريليون دولار. هذا الرقم ليس مجرد إحصائية باردة تضاف إلى سجلات البنك الدولي. إنه تعبير مكثف عن حقيقة عميقة هي أن العالم لم يعد يثق إلا في العضلات. الدول الكبرى، وهي تنفق هذا المبلغ الخيالي على التسلح، إنما تستعد لعصر جديد عنوانه الوحيد هو البقاء للأقوى. إنها شريعة الغاب التي رفعنا شعارًا منذ خمسين عامًا أننا نخرج منها، لكننا اليوم نرتد إليها بسرعة مذهلة، وكأننا ندور في حلقة مفرغة لا نهاية لها.

وهنا، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا بكل صدق ماذا يعني هذا كله بالنسبة لنا في العالم العربي؟ بالنسبة لأوطاننا التي لم تزل تخوض معركة بناء الدولة الحديثة؟ بالنسبة لشعوبنا التي تتوق إلى العدالة والتنمية والكرامة الإنسانية؟

المعنى الأول، وهو الأكثر وضوحًا وقسوة، هو أن أيدينا أصبحت على قلوبنا. لا حامي لنا إلا أنفسنا، ولا ظهير لنا إلا قوتنا الذاتية. فكرة أن الأمم المتحدة سترسل قوات زرقاء لحمايتنا إذا تعرضنا لعدوان أصبحت من طرائف التاريخ. وفكرة أن القانون الدولي سينصفنا في نزاع مع قوة كبرى باتت ضربًا من الخيال، أو من الأدب الرومانسي. علينا أن ندرك هذه الحقيقة بكل أبعادها، مهما كانت مرة، لأن إدراكها هو الخطوة الأولى نحو التعامل الصحيح مع الواقع، وهو نصف الطريق إلى النجاة.

المعنى الثاني، وهو الأكثر إيلامًا ووجعًا، أن هذه الحقيقة لا تطبق بالتساوي على جميع الدول. الدول الصغيرة والفقيرة، التي لا تملك نفوذًا ولا قدرة على الردع، هي التي تدفع الثمن الأكبر. عندما ينهار النظام الدولي، يكون الفقراء والضعفاء هم أول الضحايا. في هذا العالم الجديد، تستطيع دولة كبرى أو قوة إقليمية طموحة أن تغزو جارتها، وأن تحتل أرضها، وأن تفرض عليها شروطها، ولا أحد قادر على ردعها سوى قوة أكبر منها. الموازين الدولية التي كانت تمنع هذا السيناريو، أو على الأقل تضع له ثمنًا باهظًا، قد سقطت تمامًا. لقد تحول العالم إلى غابة كبرى.

نحن في عالمنا العربي، ندفع الآن فاتورة هذا التحول العالمي، وندفعها من دمنا ومن مستقبل أولادنا. صحيح أن لنا أخطاءنا الكثيرة، صحيح أننا لم نبنِ بعد الاتحاد القوي الذي يحمينا، صحيح أن خلافاتنا الداخلية وغياب المشروع القومي الموحد يضعف موقفنا ويمزق صفنا. لكن علينا أيضًا أن نرى الصورة كاملة، ما يحدث لنا ليس مجرد نتيجة حتمية لأخطائنا فقط، لكنه أيضًا جزء لا يتجزأ من تحول عالمي خطير، يضع منطقتنا الثرية والمعقدة في مرمى النيران بشكل دائم.

وهنا تبرز المفارقة الكبرى، التي ربما تكون أكثر ما يثير التفكير في هذه اللحظة التاريخية الدقيقة. إنها مفارقة تستحق التأمل. ففي الوقت الذي نرثي فيه النظام العالمي المنهار، ونتحسر على العدالة الدولية المحتضرة، يبدو أن الاستثمار الوحيد الذي لم نختبره قط في عالمنا العربي، أو لم نوله الأهمية التي يستحقها، هو الاستثمار في القوة الذاتية الشاملة. الاستثمار في القدرة التي تجعل منا فاعلين في التاريخ، لا مجرد مفعول به.

نعم، أعرف أن كلامي هذا قد يبدو صادمًا لمن عرفوني على مدى سنوات طويلة. فطوال حياتي، ناديت بالعقل والحوار والانفتاح على العالم، وبأن التنمية والثقافة هما سلاحا الأمم في العصر الحديث. لكن التنوير ليس سذاجة، والعقلانية ليست جهلاً بواقع القوة. الرجل الحكيم في النهاية هو الذي يرى الأشياء كما هي، لا كما يتمنى أن تكون. وما هو واضح للعيان في عالم اليوم هو أن الدول التي أنفقت بسخاء على تحديث جيوشها، وطورت صناعاتها العسكرية، واعتمدت على قدراتها الذاتية في الدفاع عن نفسها، هي وحدها التي تستطيع أن تنام مطمئنة في ليل هذه العاصفة الهوجاء. هي وحدها التي يمكنها التفاوض من موقع ندية، والدفاع عن مصالحها من موقع قوة.

الإنفاق على الجيوش، في عالمنا المعاصر، لم يعد ترفًا تمارسه النزعات العسكرية، ولم يعد خيارًا أيديولوجيًا. لقد أصبح، بكل بساطة، ضرورة من ضرورات البقاء البيولوجي للأمة. إنه مثل شراء وثيقة تأمين على الحياة لمن يسكن في منطقة كلها أخطار وبراكين. هو، في تقديري المتواضع، أفضل إنفاق يمكن لدولة نامية، وخاصة عربية، أن تقوم به في هذه المرحلة، لأنه يشتري لها الوقت والأمان لتنمو وتتطور في الداخل. الجيش القوي لا يعني بالضرورة الحرب، بل يعني غالبًا منعها.

لكن هذا الكلام لا يعني أبدًا أن نختزل القوة في البعد العسكري فقط، أو أن نحول مجتمعاتنا إلى ثكنات عسكرية، أو أن نستهلك مواردنا في سباقات تسلح عقيمة. التوازن هو الأساس، وهو لب الحكمة. الجيش القوي ضروري، إنه شرط أساسي، لكنه ليس كافيًا بمفرده. المجتمعات المتعلمة القادرة على الإنتاج والابتكار، والاقتصادات المنتجة المتنوعة التي لا تعتمد على الريع، والأنظمة السياسية المستقرة العادلة القادرة على احتواء مواطنيها، والمواطنون الواثقون في دولتهم والمعتزون بهويتهم، كلها عناصر لا تقل أهمية عن الدبابات والطائرات. إنها في الحقيقة الوقود الذي يحرك هذه الدبابات، والعقل الذي يوجه هذه الطائرات. القوة الحقيقية هي مزيج مركب وعضوي من القدرة العسكرية والصلابة الاقتصادية والتماسك الاجتماعي والإرادة السياسية.

ما أريد قوله، في ختام هذه الكلمات التي أتمنى أن تصل إلى القلب قبل العقل، هو أن علينا جميعًا، نخبًا وشعوبًا، أن نستيقظ من أحلام اليقظة التي عشناها طويلاً. علينا أن ندرك أن عالم ما بعد الحرب الباردة، الذي كنا نظن بسذاجة أنه سيكون عالم سلام وعولمة وتقدم وازدهار للجميع، قد انتهى إلى غير رجعة. العالم الجديد الذي يولد أمام أعيننا هو عالم القوة المجردة، والتحالفات المؤقتة القابلة للكسر، والمصالح المتغيرة بسرعة الصاروخ.

دعونا إذن لا نندب حظنا طويلاً، ولا نضيع الوقت في البكاء على الأطلال. فشعوبنا العربية التي عاشت على هذه الأرض منذ فجر التاريخ، وواجهت غزوات واحتلالات وأزمات لا تحصى، والتي خرجت منها في النهاية أقوى وأصلب، قادرة بلا شك على تخطي هذه المرحلة العصيبة أيضًا. لكن هذا يتطلب منا وعيًا جديدًا بالواقع، وإرادة صلبة لبناء الذات أولاً، واتحادًا حقيقيًا فاعلاً بين أقطار أمتنا، لا مجرد شعارات نرفعها في المناسبات وخطب رنانة تذروها الرياح. الوطن العربي واحد، ومصيره واحد، وتحدياته واحدة، ولا سبيل لمواجهتها إلا بيد واحدة متماسكة.

أما نحن في هذا الركن من العالم، المثقلين بالتاريخ والموعودين بالمستقبل، فلنا دعاؤنا الذي لا يتغير في ختام كل مقال وفي مفتتح كل عمل: حفظ الله بلادنا وشعوبنا من كل سوء، وألهمنا رشدنا، وأعاننا على بناء قوتنا.

***

د. عبد السلام فاروق

السخرية من شعوب مغفلة تستمتع بمشاهد الاهانة والتعذيب.. حتى في الكوميديا!

تعود فكرة برامج المقالب الى أكثر من ثمانين سنة، ويعدّ برنامج الكاميرا الخفية لمقدمه ألن فونت الذي بث عام 1948 على شاشة CBS هو الأقدم عالمياً، فيما بدأت أول برامج مقالب عربية في التلفزيون المصري في ثمانينيات القرن الماضي مع الفنان فؤاد المهندس الذي حصل على شهرة واسعة لكنه تراجع فيما بعد بسبب (استهلاكها) وسوء إدارة بعض المقالب واكتشاف حقيقة إن عدداً منها يتم بالاتفاق بين مقدم البرنامج و(الضحية) في خطة تستهدف اللعب على عواطف المشاهد الذي يستهجن استغفاله.

ولهذا السبب تحديداً عمدت برامج المقالب في التلفزيون الفرنسي الى تنفيذ مقالب عفوية تحظى بالمصداقية يستمتع فيها المشاهد والضحية أيضاً، فيما اعتمدت برامج المقالب اللبنانية فكرة خداع الناس في الايقاع بهم وهم يمشون في الطريق.وتحقق برامج المقالب هذه ثلاثة أهداف:

- مالي بحصول الفضائية على إيرادات كبيرة من خلال الإعلانات،

- وشهرة واسعة لمقدم البرنامج وكادره والمحطة ايضاً،

- ومتعة وترفيه وتسلية للمشاهد.

رامز تحت الصفر

في رمضان (2018) قدّم رامز جلال مقلبا بعنوان (رامز تحت الصفر) حظي بمشاهدة عربية واسعة دفعتنا الى استطلاع المشاهدين لهدفين:

-  الأول معرفة آرائهم بالبرنامج، وبنوعية شخصية رامز جلال، وما إذا كانوا يستمتعون بمشاهدة حلقاته التي جرى تصويرها في ثلوج روسيا مستغلاً مشاركة الفريق المصري لكرة القدم في المونديال،

- والثاني ضمني يستهدف معرفة سيكولوجيا المشاهدين من خلال إجاباتهم.. على هذا السؤال:

تقوم فكرة برنامج "رامز تحت الصفر" على وضع الضيف في مقلب بهدف إمتاع المشاهدين، فهل امتعك ذلك؟ أم إنك ترى فيه إهانة ومزاحاً ثقيلاً ؟

كانت اجاباتهم بخصوص البرنامج بأنه:

 (تافه، مفبرك، سخيف، مهين لشخصيات فنية واجتماعية محترمة، إسفاف ومسخرة، تهريج وعياط وصراخ، عديم اللون والطعم والرائحة، مقرف جداً، مضيعة للوقت، ابتذال يفسد الذائقة الفنية، مقالب مؤذية أكثر منها مسلية، معظم ما يقوم به مزيف يحاول التغطية عليه بالصراخ والنكات البايخة، انتهاك صارخ لحقوق الانسان، شكل من أشكال العنف قد يعرّض أحدهم لسكتة قلبية).

واتفقت غالبية العينه وعددها (2023) بينهم اكاديميون بأن شخصية رامز عدائية، لأن الاستهزاء بالآخرين والضحك على متاعبهم من سمات الشخصية العدائية، وأنه يحاول القيام بما لايستطيع تحقيقه على أرض الواقع وهي أحد اضطرابات الشخصية العدائية( hostile personality )، فيما وصفه آكاديميون سيكولوجيون عرب خصونا باجاباتهم بأنه سيكوباثي، يعاني من مرض نفسي يستهوي ايلام الآخرين وتعريضهم للخطر، وأنه شخص يشعر بالنقص فيعوضه بالانتقام من النجوم، ويسدّ فشله بالوصول الى النجومية بتعذيب ضيوفه ليشفي غليله، وأنه مجرم خطير مكانه السجن بين القتلة والمنحرفين أخلاقياً وانسانياً، اعطته التكنولوجيا الاعلامية فرصة تحويل ميوله الاجرامية عبر الإعلاء والتسامي بها بصورة مغلفة بالكوميديا والكاريزما وهو في حقيقته ينهش في صحة وعقل وجسد ضحاياه بوحشية ودموية، واوصى آخرون بأنه يحتاج لكورسات من العلاج النفسي لأنه معتوه.

وكان لآخرين الرأي النقيض مستشهدين بأن بدايات رامز الفنية وأدواره كلها كانت في لعب الولد المحبوب صديق البطل الفكاهي وهذه بعيده كل البعد عّن شخصية السيكوباثي، وأن البرنامج لايعدو كونه مزاحاً ثقيلاً، وأن تصنيفه ضمن المجرمين والمرضى العقليين.. تهمة ظالمة.

رامز مجنون رسمي

بين رامز تحت الصفر 2018 و رامز مجنون رسمي 2020، ورامز ليفل الوحش 2026 ما الذي تغير؟.

استخدمنا نفس المنهج باستطلاع عينة مشاهدين، فوجدنا أن اجاباتهم لا تختلف عن سابقاتها: فالبرنامج تافه تخطى حدود المعقول، ورامز شخصية سادية يتلذذ بتعذيب الاخرين رغم كل السب والشتم، وهو مريض نفسيا ومجرم يفترض ان يقدم للمحاكم، فيما برر آخرون بأن رامز شخص يبحث عن رزقه، وأن المال اعمى في وسط قائم على الفلوس.

ورأى كثيرون بأن مقالب رامز هذه متفق لقاء (شيكات بارقام صعبة). واكد بعضهم انه تم فعلا ادانته لكنه عند فتح التحقيق تبين ان لديه ما يثبت موافقة الطرف الاخر للحضور الى البرنامج ويعرف ما سيحدث له بالضبط. واستشهد آخرون بتصريح المخرجة ايناس الدغيدي بانهم (كلهم وافقوا على المشاركة ولكن لا يعلمون اي مقلب سيقعون فيه)، وأن الشخصية التي تقع في الفخ سرعان ما ترضى لحظة تستلم مبلغا يسيل له اللعاب.

اعادة الشخصية الشرق اوسطية

قدّم بعضهم تحليلا ذكيا بقولهم ان الشعوب العربية تحب العنف وتستمع به، وانها تهوى السيطرة والتحكم بالاخرين لتمارس عليها انواع التعذيب او التلهي بها خصوصا تلك الضعيفة .. ما يعني ان الخطر السيكولوجي فيه يتمثل بتطبيع افكار السادية عند جيل الألفية الثالثة بجعل الضيف اضحوكة وخاضع للأهانة.

واللافت أن مفكرين ذهبوا أبعد بقولهم ان هذه البرامج وما شاكلها هي لاعادة صياغة الشخصية الشرق اوسطية حسب مقاييس مفروضة سلفا تستهدف تفريغ المحتوى الاخلاقي واستبداله بنموذج تافه لا قيمة له ولا اصالة فيه، وتعويم القيم وتقديم مسألة الاستهتار بمشاعر الناس.

شخصيات الضيوف

يستضيف البرنامج افرادا من الوسطين الفني والرياضي غالبيتهم من الخط الثاني ويتجنب استضافة شعراء وادباء ومفكرين مشهورين لأنه يعرف انهم يحترمون انفسهم، ويعرف ان الذين يستضيفهم يرتضون لأنفسهم أن يكونوا موضوع سخرية لسببين رئيسين:المال .. الذي يذلّ من لا يحترم قدر نفسه، والشهرة التي تحقق جمهورا جديدا اوسع.

ورامز والشيخ تركي ومدير قناة أم بي سي، لديهم فكرة مسبقة عن كل شخصية تستضاف، فاذا كانت سعودية او امارتية فانه يتعامل معها باحترام ولطافة (حلقة عبد الله ابو الخير مثالا)، واذا كانت مصرية فانه يتعامل مع القلة بلطف، ويبهذل ضعاف الشخصية ويتجاوز عليهم بمفردات: سافل، تافه.. مع ملاحظة انه (في رامز مجنون رسمي) حذفت (في المونتاج) مفردات المسبة والاهانة التي وجهها له بعض الضيوف.

تحليل سيكولوجي

هدفان يسعى فنان برامج المقالب التلفزيونية الى تحقيقهما، هما: المال والشهرة.. وكلاهما بلغهما الشاب رامز جلال بزمن قياسي. ففي أقل من خمس سنوات حقق من الشهرة ما لم يبلغه فنان عربي آخر بضمنهم شقيقه الفنان الملتزم ياسر جلال بطل مسلسل (ظل الريس).. وصار يعدّ من أصحاب الملايين بين قلة من الفنانين.

ورامز يمتلك موهبة عالية في تقديم برامج المقالب لا يمتلكها في فن التمثيل برغم انه أسندت إليه بطولة وأدوار رئيسة في عدد من الأفلام. وله قدرة على تحمل الاهانات والضرب والشتيمة التي يجد فيها نوعين من المتع المتضادة:

 تعاطف مشاهدين معه،

 وتشّفى آخرون بما يحصل له!.

 فضلاً عن متعة شخصية له في ترضيته للضحية بعد اكتشاف المقلب.

وسيكولوجياً، تقوم فكرة المقلب على تصنيف البشر الى نوعين: شرير يمثله رامز جلال، وخيّر يمثله الضحية.. وأن ما يشغل الشرير هو نصب فخ للايقاع بالضحية التي تمثل الانسان الطيب (وعلى نياته).

ونرى أن من وصفوا رامز بانه شخصية (عدوانية، سيكوباثية، مريضه نفسيا.. )، فيها مبالغة.. ما لم تكن تصرفات رامز وسلوكه العام مع أفراد عائلته والناس الآخرين.. عدوانية وسيكوباثية فعلاً.. وليس لدينا ما يثبت ذلك.

والمفارقة..

إن معظم الذين وصفوا البرنامج بـ(التافه، السخيف..) ووصفوا رامز بـ(المريض نفسياً، والمعتوه، والسيكوباثي..) كانوا قد تابعوه ويتابعونه الآن!، ما يعني إننا جميعاً لدينا دافع غريزي للعدوان، وإن بيننا من يستمتع بالتنفيس عن عدوانه المكبوت بمشاهدة ما يقع للضحية من أذى نفسي أو جسمي. والسبب السيكولوجي الرئيس لشيوع البرنامج هو ان المزاج العربي يتقبل ذلك، فالشخصية العربية اعتادت على سلطة مارست ضدها العنف والأذلال والأهانة، ولأن البرنامج تتجسد فيه معادلة السادية مقابل المازوشية التي هي واقع حال الشخصية العربية لأكثر من الف واربعمائة سنة!.

الأهم من هذا كلّه هو أن الخطورة في هذه المقالب، ليس علينا نحن الكبار بل على الاطفال والمراهقين، لأنهم ينفردون بصفتين: تقليد الفنانين، وأخذهم فكرة أن الواقع الاجتماعي هو هكذا( أشرار وأخيار، أذكياء وأغبياء، شطّار وغشمة..) وإن على الطفل أو المراهق أن يكون شريراً وذكياً وشاطراً ليعيش وإلا فإنه سيكون مغفلاً وفاشلاً واضحوكة للآخرين.. وتلك مسؤولية تتحملها وزارات الثقافة والآعلام الصامتة من سبع سنوات!

ما الذي يفشل البرنامج؟

كل ما يكتبه النقاد والمثقفون ونحن السيكولوجيين لن يوقف البرنامج.. ولن توقفه شكوى رئيس نادي الزمالك لوزير الداخلية المصري للسخرية التي تعرض له لاعبه (كهربا)، ولا طلبه لوزير الصحة ايداع رامز مستشفى الأمراض العقلية. ولن يثني رامز طلب نقيب الاعلاميين الدكتور طارق سعده الموجه لرئيس قناة ام بي سي المستند لتقرير نقابة الاعلاميين بشأن التجاوزات التي يرتكبها رامز، وقرار النقابة منع ظهور رامز على اية وسيلة اعلامية تبث داخل مصر.فالبرنامج (لا نية لوقفه) وفقا للمتحدث الرسمي لقنوات (أم بي سي) السيد مازن حايك، لأنه (حقق خلال أول يومين فقط من بدء عرضه 120 مليون مشاهدة)، معربا عن احترامه للأشخاص الذين لا يحظى العمل بإعجابهم، لافتا إلى أنه لا يمكن لهؤلاء حرمان الآخرين من مشاهدته.

الذي يفشل البرنامج ويسقطه هو حين يصل المشاهد الى يقين بان المقلب متفق عليه مع الضيوف لقاء مكافأة مالية، ويدرك انه هو (الضحية).. وانه هو المستغفل، وان رامز والضيف كلاهما يضحكان عليه.. عندها سيتوقف البرنامج ويخسر رامز شهرة استثنائية، مكتفيا بما حصل عليه من ملايين الدولارات كسبها من سخريته على شعوب مغفله تستمتع بمشاهد الأهانة والتعذيب.. حتى في الكوميديا!.

***

بروفيسور دكتور قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

يبدو من سمات الليبيين الفريدة، إنهم – في الكثير من القضايا - ملكيين أكثر من الملكيين أنفسهم، فنحن حينما نشجع نكون أكثر صدقاً وجهداً وتطرفاً ومغالاة من اللاعبين الأساسيين، ففي هذا نشبه المشجع الذي يشجع مشارك ما في سباق المارثون، فيجري ورائه وبجانبه بل ويسبقه بمسافة كبيرة لخط النهاية ويصل قبله، دون أن ينال أي تكريم أو جائزة أو يهتم لذلك، هذا ينطبق علينا حتى في الطرب الشعبي، فالجمهور الشعبي في ليبيا يغني أفضل وأكثر إنسجام وأداء من المطرب نفسه، وهذا السلوك نمارسه أيضاً في السياسية ومسألة المبادئ والأفكار، وهو أمر ليس جديداً أو غريباً عن طباعنا وسماتنا، بل هو قديم ويعد سمة ليبية خالصة وفريدة، فتعاملنا مع قضية (الوحدة العربية) سبقنا فيها العرب أجمعين منذ الردود العميقة للشيخ (سليمان الباروني) على (الأمير شكيب أرسلان) ودفاعه عن (وحدة المغرب والمشرق العربي) عام 1937م، وقد جربنا وعشنا - في النصف الأخير من القرن الماضي - خصومات سياسية متنوعة ومتعددة الإتجاهات مع دول وأنظمة عربية، بسبب مبدأيتنا السياسية في طرح قضية الوحدة العربية والإصرار على تحقيقها أكثر من أي عربي أخر، وهو ما جر علينا أغلب المشاكل والخصومات السياسية العربية، وسترى أيضاً هذه السمة الليبية في القضية الفلسطينية، فنحن من اليوم الأول لها نهاية أربعينيات القرن الماضي، كنا أول كتيبة تتوجه للمعركة قبل العرب الأخرين، وذكر "ياسر عرفات" أن أول بندقية إستلمتها منظمة التحرير الفلسطينية كانت من ليبيا، وفي القضية القومية وما أسميناه (قومية المعركة) منذ بداية سبعينيات القرن الماضي، قومننا المعركة والخطاب السياسي، وإنعكس ذلك على الموقف السياسي العلاقات الثنائية مع بقية الأنظمة والبلدان العربية، ودفعنا فيها الثمن من علاقاتنا الثنائية مع أغلب الأنظمة العربية تقريباً، وفي مسألة الوحدة الأفريقية وإنشاء الإتحاد الإفريقي عام 1999م، تحول الليبيون سياسياً لأفارقة أكثر من أي أفريقي أخر، فالليبي في هذا يتعامل على إنه الأفريقي الأول والأفريقي الأخير، وأخذ الليبيون على عاتقهم قضية القارة بأكملها – رغم قلة عدد سكان ليبيا – بالمقارنة بدول أفريقية أخرى، وبذل الليبيون بمصداقية عالية كل ما يملكون في سبيلها بكل مصداقية، وتحملوا كل العداوات مع دول كبرى في ذلك، حتى تم غزو ليبيا عام 2011م جهاراً نهاراً.

وفي الإنتماء السياسي، الليبيون يتبنون الأفكار السياسية ويصبحون أصحابها أكثر من أصحابها الأساسيين، ففي العمل القومي تقومن الليبيون حتى لم يعد يروا ليبيا واقعاً ولا حتى وجود، وأذكر إني شاركت نهاية ثمانينات القرن الماضي في الهتاف بكل صدق (طز في ليبيا الإقليمية فلتحياء الأمة العربية) وكنا في ذلك صادقين للعظم قيادة وحركة وجماهير، حتى إن أستاذ فاضل من كبار القوميين العرب حدثني قبل أسابيع بالملاحظة ونبهني لصورة الليبيين بعيون القوميين العرب، حين قال لي "أنتم الليبيون مغاليين في مسألة القومية العربية" وأظاف فيما بعد بقوله "أنتم أعطيتم العروبة في شتى الأرجاء من دمائكم وقوتكم"، ففي الحقيقة كنا قد فقنا في ذلك حتى "جمال عبد الناصر، وميشيل عفلق، والشيخ عبد الحميد بن باديس" والعرب أجمعين، وسبقناهم وأستمرينا فيها طوال 40 عاماً، كذلك في مسألة (الإشتراكية) تطرفنا حتى ألغينا التجارة تماماً وجففنا حتى المصانع البسيطة، بحجة الحرص على عدالة توزيع عناصر الإنتاج إشتراكياً دون أي إلتفات لمسألة "حساب التكاليف"، فالمهم عندنا هي الفكرة والمبداء كعادتنا وطبيعتنا، وسبقنا في ذلك كل إشتراكيي العالم المعتقين بمن فيهم "كارل ماركس وإنجلز وحتى ماو"، وفي الإنتماء لتنظيمات الإسلام السياسي - منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي - يأتي الليبيون في مراتب متقدمة من حيث التطرف وفي مسألة الإنتماء والمحافظة على سياق الفكرة، فالليبيون المنتمين لتنظيم (الإخوان المسلمين) بعد عام 2011م أخذوا البلاد كلها بأموالها لتكون" كنز التنظيم العالمي" ولا يعني لهم الوطن الليبي في هذا أي إعتبار - فالإعتبار دائماً للفكرة والمبداء - أكثر مما فعل المرشد العام في مصر أو تركيا، وفي "التيار السلفي" القادم من المملكة العربية السعودية، يكفي أن تلاحظ ان الليبيون السلفيين، سلفيون أكثر من المركز في المملكة السعودية، فهم (مداخلة) أكثر من "ربيع المدخلي" نفسه، بل وصاروا يزايدون حتى عليه، وترى الليبيون متوزعين ومنقسمين حتى على الخلافات النسبية بين مشائخ السلفية في السعودية، صادقين في إنتمائهم ومبدأيين في المحافظة على الفكرة ونقلها لمجتمع مالكي وصوفي حتى العظم تاريخياً، وأنشأوا في ذلك ما يزيد عن 40 محطة راديو يديرونها من أجل "سلفنة" المجتمع الليبي بأسرع وقت، وحتى فيما جد على المجتمع العربي الليبي من مُستجد (المازيغية)، التي لم تعرفها ليبيا في تاريخها، يسبق ويتطرف ويعمل اليوم عليها بعض الليبيون المتبنين لفكرتها، أكثر وأوسع وأسبق حتى من المغاربة والجزائريين أين ولدت الفكرة، وحققوا لها ما لم يتحقق هناك حيثما ظهرت وبرزت وتخمرت فكرتها، صادقين فيها ومصدقين لها أكثر من الجزائريين "مولود معمري" و"فرحات مهنى"، و" كاتب ياسين"، وأكثر حتى من المغربي "أحمد عصيد"، نفسه.

إنهم الليبيون حتى في الفن، فالجمهور الليبي يغني بعمق وإحساس بشكل رائع وجميل، يطرب المستمع والمشاهد أكثر من المطرب نفسه، وهي ظاهرة ليبية بإمتياز، حتى في مجال الطرب الشعبي والأهلي خاصة في الأفراح، ويكفيك لتعرف - وتحس بذلك - أن تستمع لأغاني الأفراح الليبية، ففي الجبل الغربي والجبل الأخضر وفي الجفرة، أو مرزق، أو درنة أو حارات بنغازي وطرابلس، ستجد الجمهور الحاضر يبدع أكثر من أي "كورال" تدرب على أداء الإغنية، وفي أعماق الجنوب سبها وأوباري - على سبيل المثال - الحضور من النسوة في حفلات الأعراس يبدعن في المشاركة في الأغاني أكثر من (الفنانة حسنة) التي تتربع على عرش الطرب الشعبي في أفراح سبها والجنوب، وسترى ذلك في جمهور (الغيطة) في شوارع بنغازي، وفي حفلات (الزمارة) في درنة، وفي حفلات (الزكرة) في الجبل الغربي، وفي حفلات (الكشك والمجرودة) في الوسط والشرق الليبي، وستراه بوضوح في حلقات الطرب الجماعي في أفراح الجفرة في واحتي "سوكنة و هون و ودان"، وستراه في الأعراس حيث يتحول الأهل للطرب الجماعي الممتع المبدع الرأئع، ويقدم هذا الجمهور الإبداع والإحساس العميق أكثر وأجمل مما يقدمه المغني أو المطرب نفسه، بهيام وإتقان وإنسجام عالي، هذه السمة والطبع ستراه أيضاً في تشجيع الأندية الأوروبية، فالمشجعين الليبيين للأندية الأُوروبية أكثر تطرفاً ومغالاة ومتابعة وإنفعال وصراخ من الأوروبيين أنفسهم، حيث تسمع غالباً نقاشاً محتدماً بين مجموعة حول فرق "ريال مدريد و برشلونة وميلانو"، أكثر وأشد شراسة من "الطليان والأسبان" أنفسهم، وفي تشجيعهم للأندية الليبية نفسها، الجمهور الرياضي الليبي، أكثر تطرفاً من لاعبي الأندية الليبية المتنافسة مثل "الأهلي والإتحاد، والنصر وأهلي بنغازي"، فغالباً يخرج اللاعبين متصافحين، بينما يبقى جمهور المشجعين لأشهر طويلة منفعلاً يكيل السباب لبعضه البعض، ويحتفل بالفوز على بعضه البعض، يجتر المعارك الكروية والخصومات بكل إنفعال وصدق وهيام وصراخ.

إنهم الليبيون، شعب له سمة وخاصية الهيام والغرق والإبداع فيما يتبنون، حد العمى وحد الثمالة، يسكرون بما يتبنون من توجهات، إنهم نفسهم الليبيون في تصديقهم للأمم المتحدة أكثر من العاملين في هذه المنظمة الظالمة، وفي تصديقهم لحلف الناتو وقادة الدول الغربية، وفرق المخابرات الغربية المتسترين كصحافيين وإعلاميين أوروبيين، أكثر حتى من أعضاء هذا الحلف، يبررون له قصف ليبيا وتدميرها بحجة الديموقراطية وحماية المدنيين، رغم ما يتم قوله ونشره وإعلانه عن الأسباب الحقيقية لغزو حلف الناتو لليبيا عام 2011م، فمغالاة الليبيون في تغطية ما حصل بتصور تحقيق الديموقراطية، يفوق حتى تصور الأوروبيين والأمريكان فيما فعلوه بليبيا (القادة الأوروبيون والأمريكان ينشرون بعض الأحيان الأسباب الحقيقية للهجوم على ليبيا عام 2011م)، هذا السلوك الليبي هو نفسه حتى في الحرب الأهلية، التي إندلعت عقب تدخل حلف الناتو وإسقاط النظام عام 2011م، حيث تبنى ودخل الليبيون مرحلة من الإنتقام والقتل والإسراف فيه، حد لا يمكن تصوره - ولا أحد يعرف لماذا إنفجر كل هذا الحقد الأعمى، الذي عم البلاد على كل شيئ فجأة – وفيما بعد بنفس السمة والخاصية، تبنى الليبيون وجنحوا للسلم والأمان والأُخوة كما لو لم يحدث شيئاً، وإنحسرت الضغائن والمأسي والأحزان بشكل فردي وأُسري، وتمت محاصرتها بطبيعة المجتمع الذي رتق الفتق، وسرعان ما تبنوا وداووا جراحههم ولملموها، وكأن شيئاً لم يحدث، بإسم مبداء المصالحة الوطنية.

 هؤلاء هم الليبيون طبيعتهم في هذا، تحتار أن تصفها، هل هي غريبة من غرائب الشعوب، أم سمة وإيجابية من سماتها، فحينما يحدثك الليبي عن (الإسلام) هو يتحدث معك على أنه (المسلم الأول والأخير والوحيد)، وحينما يحدثك عن (الأُمة العربية) يحدث على أنه العربي الأول الصميم، وحينما يتحدث عن الجهاد ضد الإستعمار فهو يضحي بنفسه وماله كما فعل في فلسطين ولبنان، وفي تشاد إبان الإستعمار الفرنسي، أكثر حتى من أهل البلاد أنفسهم، وهو نفسه سلوك الليبيين في مرحلة (جهاد بريجنسكي) في إفغانستان، حينما ذهب بعض الليبيون جماعات ليشاركوا فيه بكل رضى وإقدام، إنه الليبي يعمل على الفكرة كصاحبها ومسؤولها الأول حينما يتبنى قضيتها أياً كانت القضية أو الفكرة، وهو مستعد أن يقرر الدعم المالي السخي لدولة أخرى، دون أي إعتبار لحاجة البلاد والأسر الليبية لأموالها، ودون أي بُخل أو تراجع.

يالها من مفارقة، ملفتة، يمكن وصفها بالمصداقية والمبدأية والوضوح والجسارة والإقدام والصفاء من جهة، ويمكن من جهة أخرى وصفها بأنها تصديق أعمى وإنجراف وتطرف طبعي (من الطباع)، وسهول الإنسياق مع الجو العام والموجة، وعجينة يمكن أن تتشكل بسهولة، في الهيام بالفكرة والسباحة والغرق فيه، دون أي تراجع أو تفكير و دون أي حسابات أو وسطية، صادقين يبذلون الغالي والنفيس، والروح والوطن، والبلاد والعباد في سبيله، وهي ظاهرة وسمة تحتاج لسبر غورها الإجتماعي والنفسي، بحثياً، في تفاصيل هذه البلاد، وهذا المجتمع الخام الذي سرعان ما يتشكل ويندمج ويدخل ويتبنى ويمول ويدافع عن الفكرة والقضية، التي تستولي عليه، فيصبح هذا المجتمع - أو على الأقل أفراد كُثر وجماعات منه - أصحابها أكثر من أصحابها ومُنظريها انفسهم، يهيمون بها وفيها، ويتحولون لأداتها ولسانها وسلاحها وأهلها، إنهم الليبيون يهمون في الإغنية يؤدونها أكثر وأجمل حتى من مطربها، يغنونها بأكثر إحساس وأبداع وعمق وهيام وإتقان، من كاتب كلماتها وأكثر إتقاناً من ملحنها، وأكثر وأجمل بكثير حتى من مغنيها ومطربها ومؤديها الأول، نفسه، هؤلاء هم الليبيون الذين لا تعرفون.

***

د. محمد عمر غرس الله

 

أثارت فضيحة جزيرة إبستين (اسمها الأصلي ليتل سانت جيمس، وهي إحدى الجزر الأمريكية العذراء في البحر الكاريبي)، تداعيات كثيرة بخصوص دور القوّة الناعمة في الإطاحة بزعماء كبار واستدراج شخصيات مشهورة والإيقاع بجهات رسمية وغير رسمية. وكشفت الصحافة الاستقصائية العديد من الخفايا والخبايا والفضائح التي تزكّم الأنوف. والأمر لا يتعلّق بخوارق شخصية سوبرمانية مخابراتية شيطانية مثل جيفري إبستين، بل إن الأمر مدعاة للتساؤل: من يقف خلفه؟ وما هي أهدافه؟ وكيف تمكّن من الوصول إلى مبتغاه؟ ولماذا لم يتم كشف أسراره إلى اليوم؟ فالرجل توفّي في ظروف غامضة في سجنه العام 2019، ثم ماذا يعني نشر وتسريب هذه الوثائق في هذا الوقت بالذات؟ ومن تخدم؟ ومن هي الجهات المتضرّرة والمستفيدة منها، سواءً كانت شخصيات عامة أم جهات رسمية؟

لعلّ ما حصل من كوموتراجيديا، خلال الأسابيع المنصرمة، أعادني إلى دور القوّة الناعمة في الصراع الأيديولوجي بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي، وخصوصًا خلال فترة الحرب الباردة (1946 – 1989)، وكيف استُخدمت لإسقاط منظومة أيديولوجية وأحزاب عريقة ومناضلين كبار، كان يشار إليهم بالبنان، سواء في الدول الاشتراكية أو في الدول النامية دون الدخول في حرب عسكرية ذات أكلاف فلكية.

الصراع الأيديولوجي

كنت قد نشرت كتابًا في العام 1985 بعنوان "الصراع الأيديولوجي في العلاقات الدولية"(دار الحوار، اللّاذقية)، تناولت فيه أساليب الدعاية السوداء ووسائلها، إضافة إلى دور المعاهد ومراكز الأبحاث والدراسات المتخصصة في التأثير على العقول وكسب القلوب، في معركة ضارية، علنية وسريّة، استُخدمت فيها جميع الوسائل، من أكثرها شرعيّةً إلى أشدّها لا إنسانية، وخصّصت فقرة كاملة لممارسات إسرائيل العنصرية وأجهزتها الدعائية والأمنية وحربها النفسية.

منذ قيامها في العام 1947، أولت وكالة الاستخبارات المركزية CIA اهتمامات كبيرة بالثقافة، وعملت على جعلها وسيلة وأداة في الدعاية والصراع الأيديولوجي، وخصّصت لها موارد ضخمة وبرامج سريّة واسعة ومتنوّعة، ليس ضدّ المعسكر الآخر كجزء من أذرع الحرب الباردة، بل لاستقطاب كفاءات وشخصيات يسارية من الدول الغربية، وسعت للاستثمار فيها كرأسمال أساسي، فضلًا عن النُخب كرأسمال بشري يمتلك طاقةً هائلةً للتأثير، لذلك أصبحت الحرب الثقافية جزءًا لا يتجزّأ من الصراع الدولي، ولا تقلّ ثقلًا عن السلاح النووي أو الكيميائي، وليست أقل أهمية من الصواريخ، ووسائلها ناعمة وأدواتها ماكرة وأساليبها مشوّقة ومغرياتها تبدو بريئة.

سؤال مستعاد

ثمة سؤال قديم بقيت أستعيده بين الحين والآخر، وهو ما ورد على لسان الشاعر الأمريكي كارل ساندبيرغ في ستينيات القرن المنصرم: أيهما أكثر تأثيرًا في سياسة الولايات المتحدة، هل جامعة هارفارد أم سينما هوليوود؟ وكان جوابه مثيرًا: هارفرد أنظف من هوليوود، لكن هوليوود أكثر تأثيرًا من هارفارد في الوصول إلى أمد بعيد.

وفي ذلك أكثر من مغزى ودليل على دور القوّة الثقافية الناعمة وأدواتها المختلفة في نشر القيم وطريقة الحياة وفي التأثير على الآخر، وإذا كانت جامعة هارفرد صرحًا علميًا كبيرًا مؤثرًا بلا أدنى شك، إلّا أنها أقل تأثيرًا من هوليوود في نشر القيم الأمريكية، وذلك يعود إلى انتاجها يصل إلى جمهرة واسعة وعريضة من البشر، خصوصًا وأن ما يحدثه الفن السابع يكاد يهيمن على القلوب والعقول معًا، في حين أن المنتوج الأكاديمي يبقى محصورًا بنخبة محدودة وخاصة، لذلك سعى جهاز الاستخبارات الأمريكي إلى استخدام الفنون والآداب في صراعه الأيديولوجي ودعايته.

كاشف الغطاء ومؤتمر بحمدون

كان "مؤتمر حريّة الثقافة" الأمريكي، إحدى واجهات العمليات الثقافية، يموّل مجلّات أدبية وفكرية، ويقيم معارض فنية وفعاليات موسيقية ومؤتمرات ثقافية تحت زعم الحريّة والإبداع في مواجهة ما يُطلق عليه "الواقعية الاشتراكية"، التي كانت اليافطة المرفوعة من جانب المدرسة السوفيتية فيما يتعلّق بالأدب، ليس هذا فحسب، بل إن وسائل الدعاية والتضليل امتدّت إلى الدين وإلى العاملين في الحقل الديني أيضًا لما فيه من تأثير، ففي العام 1954، انعقد في مصيف بحمدون (لبنان) مؤتمر بدعوة من جمعية أصدقاء الشرق الأوسط الأمريكية وبتنظيم غير مباشر من اﻟ CIA وتمويلها، كما اتّضح لاحقًا، تحت عنوان مكافحة الأفكار المادية الإلحادية، شارك فيه رجال دين من مختلف الطوائف والأديان، وإن كانت ثمة ارتيابات بعضها جاء على لسان الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، الذي كتب ردًّا على دعوته لحضور المؤتمر بعنوان "المُثل العُليا في الإسلام لا في بحمدون"، وقام الحزب الشيوعي العراقي حينها بطبع مداخلته ووزعها ضمن أدبياته السريّة لفضح توجّه الأجهزة الثقافية الأمريكية المموّلة من جهاز المخابرات المركزية، لكن للأسف أخذت الحدود تُمحى والممانعات تُلغى والتحفّظات تتبخّر، بل ثمة سباقات وهرولات نحو المعسكر الرابح، بعد انهيار الكتلة الاشتراكية، بغضّ النظر عن أخطاء وخطايا المعسكر الخاسر.

وقد انكشفت بعض تأثيرات وسائل الصراع الناعمة لاحقاً لشراء ذمم مثقفين وكتّاب وإعلاميين، تلك التي اتّخذت في وقت لاحق توقيع عقود مع البنتاغون ومؤسسات وأجهزة أمريكية بصفة خبراء أو استشاريين، وذلك عشية احتلال العراق وتدمير الدولة العراقية (2003)، وعلى هذا المنوال سار عدد من المثقفين من بلدان عربية وأفريقية وأمريكية لاتينية.

وحتى قبل انهيار أنظمة أوروبا الشرقية التوتاليتارية انخرط في هذه الأنشطة مثقفون كبار، بعضهم على علم ودراية بمن يقف خلفها ومن يموّلها، والبعض الآخر برّر مشاركته لأنه يريد نشر وجهات نظره المخالفة، طالما توفّرت الفرصة للتعبير عنها ضدّ ما هو سائد من تيار اشتراكي وشيوعي رسمي، وهو ما شجّعت عليه السياسة الخارجية الأمريكية، تحت عناوين برّاقة مثل "الحريّة الأكاديمية" و "حريّة التعبير"، وهو ما يرد تفصيلاته في كتاب ف. س. سوندرز "من يدفع للزمّار؟ الحرب الباردة الثقافية". (ترجمة طلعت الشايب وتقديم عاصم الدسوقي، القاهرة، 2009).

واستُخدمت في الحرب الثقافية مؤسسات خيرية عديدة أمريكية وأوروبية بعضها ما زال عاملًا نشيطًا، وخصوصًا منذ مطلع التسعينيات وحتى مع بدايات ما أُطلق عليه "الربيع العربي" (2011) لتمويل عدد من منظمات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان، بزعم أن مصادر تمويل هذه الجهات معفيّة من الضرائب، وبعض هذه المنظمات تعيش إلى الآن على فتات دعم المؤسسات الدولية، ولو توقّفت هذه عن تقديم التمويل السنوي لها لتوقّفت هي الأخرى عن العمل، كما حصل مع العديد من المنظمات، لاسيّما بعد أن استنفذت أغراضها.

سؤال الأخلاق

وتطرح مؤلفة الكتاب سوندرز سؤال الأخلاق، وهو سؤال شك وليس سؤال يقين، مثلما هو سؤال قلق وليس سؤال طمأنينة، أي كيف يمكن أن يكون المثقّف حرًّا إذا كان من يموّله جهاز استخبارات أجنبية لأجندات سياسية؟ وهو سؤال ما يزال مطروحًا، فقد اعتمدت العديد من المنظمات ومراكز الأبحاث على تمويلات غامضة من جهات غريبة، بل إن بعضها تمّ تأسيسه لهذا الغرض، وظلّ يعلّق يافطة اليسار فوق رأسه، وإن كانت روحه مطفأة ورؤيته قاتمة، وحتى وإن فقد دوره وموقعه وقيمته الفكرية، لكنه استُبقيَ كجزء من الجنود في المعركة.

ويقول بول بريمر في كتابه "عام قضيته في العراق" الصادر عن دار الكتاب العربي في بيروت في العام 2006، أنه أنفق 880 مليون دولار على مؤسسات وشخصيات صحافية ومدنية وحقوقية في العراق خلال العام الذي تولّى فيه إدارة الحكم (13 أيار / مايو 2003 – 28 حزيران / يونيو 2004).

كانت الفكرة التي اعتمدتها الولايات المتحدة في الصراع الأيديولوجي ضدّ العدو الاشتراكي، أن العالم بحاجة إلى عصر تنوير جديد وسلام أمريكي وقرن أمريكي. وحسب هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق، أن الهدف هو تحصين العالم ضدّ وباء الشيوعية وتمهيد الطريق أمام مصالح الولايات المتحدة.

وبعد سقوط جدار برلين (9 تشرين الثاني / نوفمبر 1989)، انكشفت هشاشة أنظمة أوروبا الشرقية، بالرغم من أنها كانت تبدو حصونًا منيعةً عالية من الخارج لا يمكن اقتحامها، لكنها كانت خاوية ورخوة من الداخل، حسب المفكّر الفرنسي جان بول سارتر، بفعل الدعاية الطويلة الأمد ووسائلها المؤثّرة وقواها الناعمة، كما انكشف معها جوانب من الفساد والبيروقراطية والتسلّط والاستبداد، فضلًا عن الاختراقات الأمنية والثقافية الكبيرة.

وإذا كان في موت الضمير إجابة على سؤال الأخلاق والقيم الإنسانية، فإن ما هو خاف حتى الآن: كيف تمكّن شخص واحد (بدأ حياته العملية مدرسًا، 1976) من امتلاك إمكانات غير محدودة وحصانات متعدّدة، وحصل على الدعم الخفي والعلني وتصرّف دون حسيب أو رقيب، فأوقع في فخاخه المئات من الشخصيات المعروفة وكبار المسؤولين، إن لم يكن قد حصل على دعم أصحاب السلطة والنفوذ والمال والأجهزة الأمنية؟

***

عبد الحسين شعبان - أكاديمي ومفكر

تعدّدت الولايات: الولايَّة التَّكوينيَّة، والولاية العامّة، وتخصُّ إدارة الدولة (ولاية الفقيه)، والولاية التشريعيَّة وتسمى الصُّغرى، وهناك مَنْ أضاف الولاية الوسطى، التي تتدخل في السِّياسة بشكل جزئي كإشراف ونُصح (الصَّغير، أساطين المرجعية)، مثل ما تقوم به المرجعيَّة الشِّيعيَّة اليوم بالعراق.

ما يهمّنا هنا الولاية التَّكوينيَّة الخالصة، اشتُهر بها أئمة وصالحون يتدخلون في ظواهر الكون، بتفويض إلهيٍّ، كتأخير غروب الشَّمس مثلاً، ومِن هنا جاءت التّسمية «تكوينيَّة»، اشتُقّ الاسم مِن «مادة الكون، ومعنى الكون لغةً هو الحدث (الخلق)» (الحيدريّ، الولاية التَّكوينيَّة)، وقلّما يخلو مذهب بما يدل على معناها، لكنّها تظهر واضحة في التَّشيع والتَّصوف، فعند الأول الأئمة ومَنْ ينوب عنهم، وعند الثاني المشايخ أو الأقطاب، ومن الأوّل تظهر الإمامة، وعند الثاني الكرامات والخوارق، يؤثّرون في النّاس بما يؤثّر فيهم الله، مِن صحة وسُقم ورزق، ومِن غير التأثير في النّاس تخضع لهم الطّبيعة، كادعاء المشي على الماء (العطار، منطق الطَّير).

 أما الأئمة فتأتي ولايتهم على الكون، والتَّصرف في المخلوقات، وما عُبّر عنه بـ«التَّصرف التَّكوينيّ بالمخلوقات إنساناً كان أو غيره، ويدلّ عليها آيات... اقتضت أنْ تكون الولاية التَّكوينية بأيديهم، حتَّى يتمكّنوا من إبطال مَنْ يدعي النُّبوة بعد النَّبيّ...» (الخوئيّ، صراط النَّجاة أجوبة الاستفتاءات).

وفي هذا المعنى لا فرق بين التَّكوينيّة والتَّفويض، أي أنَّ الله فوّض الأئمة بما لا يستطيع البشر فعله لكراماتهم، بما عُرف بـ «التفويض بإذن الله» (الحيدريّ، الولاية التَّكوينيَّة)، وبهذا تكون المعجزات وكرامات الأئمة، والصَّالحون، كأقطاب الصّوفيَّة، كلُّها تدخل في الولاية التّكوينيَّة، وهو مصطلح جديد، لم يُذكر في المصادر القديمة، إنما ذُكر «التَّفويض»، وهو ما ينوب عنه في المعنى.

 بهذا تكون الأديان وجُلُّ الفرق الإسلاميَّة تعتقد بهذه الولاية (التَّكوينيَّة)، وهو وجود بشر يفعلون الخوارق بتمكين وتفويض مِن الله، وبالسيَّطرة على ظواهر الكون، لكنّ بقدرة مكتسبة مِن الله، ولم يفوّض لبشر قدرته في خلق الأكوان، وبهذا المعنى عدَّ علماء الشِّيعة القائلين بالقدرة الإلهية للأئمة مِن الغلاة الكفرة (المفيد، تصحيح الاعتقاد).

مع أنَّ «لا جبر ولا تفويض، بل أمرٌ بين أمرين» (الصَّدوق، عيون أخبار الرّضا) مقالة شيعية مشهورة، وتعدّى حدودها «المُفوِّضة (وهم) صنف مِن الغلاة، وقولهم الذي فارقوا به سواهم مِن الغُلاة اعترافهم بحدوث الأئمة، وخلقهم، ونفي القِدم عنهم، وإضافة الخلق والرِّزق مع ذلك إليهم، ودعواهم أنَّ الله سبحانه وتعالى فوّض إليهم خلق العالم» (الشّيخ المفيد، نفسه)، هنا يأتي الاختلاف بين التفويض المكتسب والتَّفويض بالقدرة على الخلق والرِّزق. لقد تصاعد هذا القول قديماً، واتّسع مؤخراً بين العوام بتوجيه رجال دِين، وحسب المفيد (413هج)، الذَّاهبين إلى القول بالخوارق هم الغلاة.

ما يهمّنا هنا هي الولاية السّياسيَّة، فالكون أو«العالم» يتضمن السّياسة، والإنسان الخارق المكتسب للولاية يكون صاحب السُّلطة، ومِنها تظهر«ولاية الفقيه»، كونه نائب المهدي المنتظر، والأخير صاحب ولاية تكوينيَّة، صحيح هناك شروط في هذا الفقيه، لكنه يبقى نائباً لصاحب الولاية التكوينيّة، المفوَّض مِن الله بالحُكم.

خلاف ما تقدّم يبدو أن جماعة «إخوان الصَّفا» (نخبة فكرية ظهرت بالعراق/ القرن الرابع الهجري)، والفلاسفة، لا يقرّون بالولاية التّكوينية للبشر، بل الولاية للطبيعة بما جبلها الله، فقالوا: «نسبت الفلاسفة والحكماء هذه المصنوعات إلى القوى الطّبيعية» (الرسالة السَّابعة من الجسمانيات الطّبيعيات)، وهذا عين ما ذهب إليه المعتزلة، مثل أبي القاسم البلخيّ (319هج): «إنّ في الحنطة خاصية، وإنه لا يجوز أنَّ ينبت عنها الشَّعير، ما دامت الطَّبيعة والخاصية فيها...»(النِّيسابوري، المسائل في الخلاف)، ومَنْ قال بالولاية السياسية للأُمة، وهذا يقع عندهم على السياسة أيضاً، لم يولِ الله أحداً بإدارتها، ولا يهب الخوارق بتفويض، وهؤلاء يتحدثون بالعقل، وبينهم فقهاء شّيعة، مثل آية الله فضل الله وغيره، ينفون الولاية التّكوينية بهذا المعنى، بينما الآخرون يتحدثون بالرِّوايات والأخبار، وتجد البونَ شاسعاً، في هذه القضية، بين العقل والقول.

***

د. رشيد الخيون - كاتب عراقي

 

الدكتاتورية كلمة أجنبية مستعربة وهي شكل من أشكال الحكم تكون فيه السلطة مطلقة في يد فرد واحد يسمى الدكتاتور أو جماعة أو فئة دكتاتورية. ويتم بواسطتها قمع الشعب وإبقاء الجهل والتخلف وتطويره

ووضع الناس في قوالب وتدجينهم وفقا لعقيدة السلطة، ومحاربة العقل والمنطق وتكفير العقول المنورة بالعلم والمعرفة وتهجيرها أو وضعها في المعتقلات، وإشغال الناس بالويلات والحاجات والعوز، واستغلال الدين لتثبيت الحكم، وكذلك نشر الفساد والرذيلة وتفكيك المجتمع وتدمير قيمه وأخلاقه، واستحداث أجهزة إستخبارية ذات وحشية عالية لتأمين مقومات إنتهاك الحرمات والفتك بالعباد.

وفي اللغة توجد كلمة طاغية وطغيان وهي من طَغى يَطْغى ويَطْغو طغيانا أي جاوَز الحدّ.

وكلُّ مجاوزٍ حدَّه فهو طاغيٍ، وطَغِيَ يَطْغى مثله.

وأطْغاهُ المال، أي جعلَه طاغِياً.

وطَغا البحر: هاجت أمواجُه.

وطغا السيل، إذا جاء بماءٍ كثير.

والطَغْيَةُ: أعلى الجبل. وكل مكانٍ مرتفع طَغْوَةٌ.

والطَغْيَةُ من كلِّ شيء: نبذة منه.

والطاغِيَةُ ملك الروم.

والطاغِيةُ: الصاعقةُ.

وقوله تعالى: "فأمَّا ثَمْودُ فأُهْلِكوا بالطاغِيَة" يعني صيحةَ العذاب.

وكذلك نستعمل كلمة مستبد أو إستبداد بذات المعنى، والمستبد هو الذي لا يشاور الناس ولا يخالطهم والإستبداد بالشيئ يعني إحتكاره ويسمى المستبد برأيه المستوزي.

لو أخذنا العراق مثلا في العصر الحديث فهو لم يعرف الدكتاتور منذ تأسيس دولته في الربع الأول من القرن العشرين وحتى قيام الجمهورية التي جلبت الدكتاتورية والصراعات الحزبية المدمرة. والملاحظ أنها أطلقت على أول زعيم في الجمهورية، وهو من عائلة بسيطة ومن عامة الناس، ويقال أنه صار كذلك بتفويض من نقابة المحامين في إجتماعها الذي حضره وانطلقت فيه أول مقومات صناعة الدكتاتور.

حيث وضعت الأسس الكفيلة بإخراجه من كونه من البشر وإضفاء الصفات الخيالية والفنتازية عليه، وبتكرارها مرارا صار يصدقها المعني بها، وبسببها أزرى بحاله وأحوال بلاده، مثلما فعل كل مَن جاء من بعده.

والدكتاتور الثاني في الجمهورية هو من عائلة بسيطة أيضا ومن عامة الناس، ولم يكن ذو تاريخ عائلي مهم في مسيرة البلاد، والصفات المشتركة بين الدكتاتورين الأساسيين في تأريخ البلاد السياسي المعاصر أنهما من عامة الناس.

وقد يتفق البعض أو لا يتفق على أن الزعيم الأول للجمهورية كان دكتاتورا أم لا، فهذا ليس موضع رأي وإنما نحن بصدد النظر في ظاهرة تستحق الدراسة والتحليل.

ففي العهد الملكي لم يكن هناك دكتاتورا بل حكومات متعاقبة ورؤساء وزراء متعددين ولم يكونوا متعنتين، فمنذ عام 1921 وحتى عام 1958 تبدلت الحكومات وجاء عدد من رؤوساء الوزراء وأكثرهم بقاءا في منصبه لدورات متكررة هو آخر رئيس وزراء في المملكة .

ويبدو أن الزمن الجمهوري قد أطلق العنان للنوازع الدفينة والتفاعلات اللاواعية المشينة في المجتمع، مما أدى إلى التعبير عنها بالنشاطات (السياسية) التي أدت إلى إنهيار الوجود المجتمعي كحالة ثقافية حضارية وقوة فاعلة في محيطها الجغرافي.

وبنظرة فاحصة مركزة ومختصرة، يتبين أن هناك عوامل مرضية فاعلة في ديناميكية الصيرورات الإجتماعية ساهمت في تأجيج نيران الإحتدام وديمومة أسباب الصراع والتفاعل المناهض للحياة وقيمتها ودور الإنسان فيها. ومن أهم هذه العوامل:

أولا: الإذعانية

ففي أعماق لاوعينا إندفاع لصياغة حالة يكون فيها الإذعان سائدا لأن الإنسان لا يمكنه أن يتفاعل بأساليب مطمئنة، وقادرة على تحقيق الرضى الإجتماعي العام، فلا يمكن للناس أن يبتكروا وسائل إتفاق وتفاعل مشترك تحقق مصالح الجميع، وإنما عندهم ميل لتحقيق (المصلحة) الذاتية أو المحصورة في عدد من الناس دون غيرهم، وهذا يؤدي إلى صراعات مدمرة، ولكي يتم تفادي هذه المرارة والقسوة الناشئة، يكون من واجب قوى اللاوعي أن تدفع بإتجاه إبتكار قوة تذعن لها جميع القوى، ولهذا فأن المجتمع بكافة ما فيه، يمضي إلى صناعة القوة الكفيلة بلجم دوافع الصراع المنطلق من أعماقه، فيكون الدكتاتور هو الدواء الدفين لمرض عضال وسرطان نفسي شرس ووقح التعبير عن وجوده الفتاك.

فترى الناس لا يعرفون إلا الركض العاطفي المنفعل خلف أي شخص يمكن تأكيد معالم الإستبداد والطغيان فيه، والخضوع له وإتباعه بلا تفكير أو سؤال، ويتحول الناس إلى وجود يهتف بإسمه ويموتون من أجله ويفدونه بكل شيئ ويضفون عليه صفات أكثر من إلهية ويقدسونه تقديسا عجيبا وغريبا.

والإذعانية المفرطة العمياء، تحرر الناس من المسؤولية وتلقيها على الآخر الذي يتبعون ويرقصون أمامه، ويهتفون بحياته وعظيم أمجاده، وما تغير هذا السلوك بتغير الوجوه والأحزاب والأنظمة، وكأن الناس لا تعرف كيف تتحمل المسؤولية ولا تريدها، وإنما أن تكون أدوات منفذة لشخص يعبر عما فيها من النوازع والتطلعات التي تخشاها.

ثانيا: السادة

وهذه الحالة السلوكية المهيمنة على المجتمع قد دمرت وجوده وأنهكت قدراته الإيجابية، وحولته إلى قطيع من الذئاب والأغنام، أو إلى ديكة تطغى ودجاج يسبط وينيخ ولا وسط بين الحالتين. وظاهرة الذئاب المفترسة والأغنام التي لا يمكنها أن تثاغي هي سمة متميزة، ففي كل مرحلة هناك ذئاب وأغنام، كما يتم تبادل الأدوار.

ذئاب تقتل وتعذب وتشرّد وتحتكر وتفترس بعنفوان وشراهة مفلوتة لا تعرف الحدود .

وهناك أغنام يتم جزرها وسلخها والتمثيل بأبدانها، ووضعها في المزابل أو في مقابر جماعية، وما إلى غير ذلك من السلوكيات التي لا يتجرأ على القيام بها أكثر الحيوانات وحشية وفتكا. والسادة بمفهومها تكون مرتبطة بالكرسي وبالمال، فما أن يمتلك الشخص المال والقوة، حتى راح يبحث عن لقب السيد، أي الإنتماء إلى النبي بصلة الدم، وتراه قد وضع شجرة العائلة ورفع راية نسبه وقال بأنه السيد، والآخرون من حوله عبيد وعليهم أن يقبّلوا يديه ويسجدوا أمامه، أو أنه الذئب ومَن حوله قطيع أغنام.

و (السيد) من أخطر العوامل التي مزقت المجتمع، وهي غير موجودة في المجتمعات العربية والإسلامية بهذه القوة والكثافة والفاعلية مثلما هي عندنا.

ولا توجد أدلة عملية وإثباتات رسمية تؤكد الإرتباط ما بين النبي والمدعي بأنه (سيّد) لأن ذلك قد خضع لإرادة الكراسي عبر العصور، ولا ندري إذا سوف يستطيع التقدم العلمي إثبات ذلك الإرتباط من خلال تحليل الحامض الأميني، ولا بد من البحث في رميم الأموات عن مادة الحامض الأميني الأساسية للمقارنة بها.

فظاهرة السادة في المجتمع قد تكون وهمية وتنافي معظم الأدلة والبراهين والمنطق.

ولا يمكن التصديق بأن هذا العدد من البشر السيد أو المتسيّد في الوقت الذي قضت الوقائع والصراعات السياسية على معظم ذلك النسل، كما أن الأمراض الوبائية كالطاعون كانت تقضي على عشرات الآلاف في وقت قصير، وتمحق عوائل بكاملها، وهناك مَن صار عدد أبنائه أكثر من أربعين لكنهم ماتوا في ظرف أيام بموجة طاعون واحدة.

وهذا يعني أن ظاهرة السادة نظرة لا تتوافق مع بديهيات الأمور، لكنها يبدو قد تم إستخدامها كوسيلة للسيطرة على الآخرين، وبسببها فأن الجالس على الكرسي يسمي نفسه سيدا وكل مَن حوله عليه أن يخضع ويتبع.

بينما حقيقة السلوك النبوي وآله وأصحابه، كان سلوكا ساميا وترجمة عملية للقرآن الكريم، وما كانت فيه الفوقية والإستعبادية والإستخواذية والإستهتار بحقوق الناس ومصائرهم، فالذي يدّعي بالسادة عليه أن يقدم سلوكا إنسانيا ساميا رحيما عفيفا نزيها، فكيف تفسر الفساد في بلدٍ كل مَن فيه يقول أنا سيّد؟!!

ثالثا: المعصومية

هذه أيضا من الأمراض الخطيرة المنافية للعقل والأصول في الحياة البشرية، حيث تعطى صفة عدم الخطأ لبشر مخلوق من الطين وسيعود إليه حتما.

ولا توجد أي نصوص قرآنية أو إثباتات عبر مسيرة البشرية تؤكد بأن البشر لا يخطيء.

وبسبب ذلك إتجهت المجتمعات القديمة إلى صناعة البشر الإله، وهذا واضح في الحضارات القديمة، وهي لا تقضي بأنه لا يخطيء وإنما لأنه إله يجب أن يطاع فهو الأدرى والأعرف، ومنها جاءت مفاهيم الكراسي أدرى وأعرف لأنها ذات مواصفات إلهية.

والمعصومية قد أجهزت على العقل وصادرت ما عنده من آليات الإبداع والتفاعل الإيجابي مع الحياة، فصار الكرسي معصوما وكل ذي قوة معصوم، كما أن الحاكم معصوم فهو لا ينطق إلا صحيحا ولا يمكن أن يقول خطأً.

ولهذا تميز الدكتاتور بأنه لا يخطيئ ويذعن له الجميع وأنه فوق القانون، وهو الذئب والناس من حوله خراف، وعليه أن يجزر منهم ما يشاء ولا مَن يحاسب أو يقول له قد أخطأت لأن ذلك يعد كفرا، ومن المحرمات والموبقات والإخلال بشرف الأخلاق والدين، أو خروجا عن شرع الذئاب المصيبة أبدا.

والمعصومية ليست مرتبطة بفئة أو مذهب، إنها تشمل جميع أطياف المجتمع وهي ظاهرة مجتمعية وليست مذهبية كما يتوهم البعض.

فكل سيد معصوم، هذا ما يدور في دياجير الأعماق الجمعية، وما دام الجميع سادة فأنهم لا يخطئون، وهذا يدفع إلى عدم الإتفاق ما بين المواطنين أينما كانوا، وفقدان قدرات الحوار والتوافق والإنسجام بينهم.

ومن هنا فأن المجتمع يساهم بتفاعلاته اللاواعية والغير مباشرة في صناعة الدكتاتور الذي يفترسه ويعذيه ويسومه سوء الويلات.

وهكذا نرى لكل حزب دكتاتور، ولكل فئة دكتاتور، ولكل تجمع مهما كان حجمه دكتاتور، لأنها حاجات نفسية منحرفة، وتفاعلات مرضية مزمنة ولها مضاعفات متطورة يصعب الإقتراب منها وعلاجها، لأن الداء قد أعيا مَن يداويه، ذلك أن الطبيب المداوي يعاني من نفس الداء، ولهذا لا يمكنه أن يشخصه ويصف أعراضه ويكتشف العلاج المناسب له.

رابعا: الشعور القاسي بالذنب

الفاعل الأليم في النفس المجتمعية شعور مروع بالإثم والذنب الكبير، الذي عمقته وجسدته الأيام والتفاعلات المتنوعة، التي تجنح للندب وقهر الذات والتلذذ بتعذيبها، ولذلك فأن الغناء والشعر والإبداع يصطبغ بالحزن والتوجع، والتلذذ بالألم وإستلطاف الظلم والإمعان بالتشكي.

ويبدو أن هذا السلوك إمتداد للعنة أكد التي فعلت فعلها في حضارات البلاد القديمة، وقد أججتها وفتقت جروحها مأساة كربلاء، التي اثرت على نفوس الناس أجمعين بلا إستثناء، وولدت عندهم شعورا عنيفا بالذنب، وكأنهم وبدون شعور منهم يتوجهون لتوفير الأسباب الكفيلة بعقابهم، وقد إزداد هذا الشعور مرارةً بعد ما جرى للعائلة المالكة والتي هي من سلالة هاشمية.

والملاحظ أن بعد مجزرة قصر الرحاب تواصلت المجازر والتفاعلات الدامية المريرة النتائج والتداعيات.

ولكي يستريح الناس من نيران الشعور بالذنب لا بد لهم من توفير القوة التي تساعد على إخمادها، ويكون الحاكم الجائر هو الدواء الذي يعالج أجيج هذا الشعور القاسي، ومعنى ذلك أن المواطن لن يعيش بسلام في زمن الديمقراطية والحرية، لأنها ستفتق جراحه وتطلق نواعير الشعور بالذنب المعتق في جيناته، والمؤزر بما يتحقق في محيطه الدامع الحزين.

وفي الختام، إن وعي هذه العوامل الجوهرية التي هي أعمدة الدكتاتورية وإدراك أن البشر من نفس واحدة وأمة واحدة، وأن هذه التوصيفات المجردة من التعبير المؤكد لها والإنجازات اللائقة بها، إنما هي أوهام على المجتمع أن يتحرر من قيودها .

فالناس سواسية ولا فرق بينهم إلا بالعمل (كلكم من آدم وآدم من تراب) وما قيمة الفرد إن لم يصنع قيمته بنفسه، وما قيمة الفرد الذي هو من نسل فلان، وما هو إلا دون كل إنسان في قوله وفعله وما عنده سوى العظام.

ووفقا لما تقدم فأن المجتمع اليوم رغم كل ما فيه من الشدائد يسعى بجد وإنفعال لصناعة الدكتاتور الذي يذعن له لبناء جمهورية التدمير الأشمل، التي توّجت عهد الجمهوريات الخائبة.

والدكتاتور القادم لا يختلف عن سابقيه، فهو من عامة الناس وزاول جميع الحرف البسيطة، وفجأة صار سيدا وذو حسب ونسب وصاحب قوة ومال وجاه ولا يمكنه أن يخطأ، وأسس فريق ذئاب من حوله تفترس الناس المقيدة بالحاجات اليومية وبلا رحمة.

وأرجو أن لا نصنع طاغية مستبدا لكي نرضي حاجاتنا الدفينة الفاعلة فينا والمتحكمة يسلوكنا وآليات تفكيرنا ونرفع رايات المظلومية!

فتحرروا من عاهات (السادة والمعصومية والإذعانية والشعور بالذنب) لكي تعاصروا الأمم وتساووا الأوطان، وارفعوا رايات العقل، فإن العقل إمام وسيد وسلطان!!

***

د. صادق السامرائي

فرضية الدراسة: تنطلق هذه الدراسة من فرضية أساسية مفادها: أن المسئول الأول عن ظاهرة العنف والغلو وغياب التسامح في مجتمعاتنا العربية، هو الاستبداد السياسي والأنظمة الشمولية والدولة التسلطية، التي تزيد من الاحتقانات والتناقضات، ولا توفر مجالا ومناخا للتنافس السلمي أو ممارسة السياسة بعيدا عن المشاحنات واستخدام العنف.

لهذا فهي أنظمة قمعية وتمارس الإقصاء بكل صنوفه. ولا ريب أن من متواليات هذه الحالة هو زيادة وتيرة العنف وحالات اللاتسامح بين أبناء ومكونات المجتمع العربي.

لهذا فإننا نعتقد أن إزالة هذه العقبة الكأداء (أي الأنظمة التسلطية) سيكون له تأثيره العميق على حالة التسامح في العالم العربي. فرياح التغيير التي هبت على أكثر من منطقة عربية قبل عقد من الزمن وزيادة، هي رياح داعمة لخيار الاعتدال والتسامح، لأنها وببساطة شديدة تعمل على توسيع القاعدة الاجتماعية للسلطة وتطوير مفهوم المشاركة السياسية، وتزيد من تمثيل قوى المجتمع المختلفة في مؤسسات الدولة والسلطة. وسنناقش هذه الفرضية من خلال المحاور التالية:

-  البيئة السياسية لمفهوم التسامح.

-  الإصلاح السياسي، جسر العبور إلى التسامح.

-  نحو حركة مدنية عربية.

مفتتح:

لا ريب أن الذي جرى في بعض البلدان العربية، مذهل وحيوي ومؤثر على عموم المنطقة خلال الفترة القادمة. ف (قد تمر عقود لا يقع فيها شيء يذكر، وقد تأتي أسابيع تقع فيها عقود).. إذ ساد في الفكر السياسي العربي خلال العقود الثلاثة الماضية، قناعة مفادها: أنه لا يمكن الاعتماد على الثورات الشعبية كوسيلة للإصلاح والتغيير السياسي في المنطقة. حتى اعتبر الكاتب المعروف محمد حسنين هيكل أن الثورة الإسلامية في إيران هي آخر الثورات الشعبية.

فجاءت أحداث وتطورات تونس ومصر وليبيا والبحرين واليمن لتعيد الاعتبار والدور للشعب والجمهور في عملية التغيير السياسي. ولا ريب أن هذه الحقيقة ستعيد النظر في الكثير من البديهيات السياسية التي سادت خلال السنين الماضية. وهذه الحقيقة بطبيعة الحال، بحاجة إلى تفاكر عميق وتداول للرأي متواصل لفهم ما جرى، وأخذ العبر والدروس منه.  

فعلى المستوى الواقعي لا توجد آلية وطريقة واحدة، لإحداث التحول والتغيير في المجتمع. لهذا فإن نزعة النمذجة والاستنساخ، لا تساعد على إنضاج شروط التغيير والإصلاح في الواقع السياسي والاجتماعي.

ولعل من أهم تأثيرات كل هذه التحولات والتطورات المذهلة، هو تعزيز ثقة الناس بذاتها، وقدرتها على اجتراح عملية التغيير والإصلاح، مهما كانت الظروف والصعاب. وتحريك عجلة الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في كل بلدان المنطقة. وبمقدار ما تكون هناك قوى مجتمعية محلية فاعلة وقادرة على الضغط والفعل والتأثير، ستكون هناك تأثيرات فعلية في كل الساحات والمناطق العربية. فما جرى في تونس ومصر وبقية البلاد العربية، بمثابة الزلزال العميق والذي ستعيش المنطقة بأسرها تحت تأثير ارتداداته في الحقبة القادمة. ولكن مقدار هذا التأثير وفعاليته، مرهون على قدرة القوى المحلية في كل بلد من توظيف هذه الأحداث لصالح عملية الإصلاح السياسي. ودائما نحن بحاجة أن ندرك أن الحكومات لا تمارس التغيير ولا تقوم بإصلاح الأوضاع من تلقاء نفسها، وإنما يتحقق الإصلاح والتغيير حينما تتشكل كتلة وطنية واسعة تطالب بالإصلاح وتعمل وتكافح من أجله. وإن سرعة انهيار أنظمة الدولة التسلطية يعلمنا أن حكم الشعب بالإكراه والقمع والاستبداد وبغير رضا ومشاركة قد يطول، لكنه لا يمكنه أن يستمر ويدوم. ووجود جماعات فاعلة تطالب بالإصلاح وتعمل من أجله، يقلل من سنوات الظلم والاستبداد، وينهي ظاهرة العنف السياسي، ويفكك الحوامل التي تنتج هذه الآفة الخطيرة.

من هنا ينبغي أن ندرك أنه مهما كانت الصعوبات والمشاكل، فإن حركة التاريخ تثبت أن حكم الناس والشعب بالقهر وتكميم الأفواه لا يدوم، والمستقبل يصنعه فعل الإصلاح والمطالبة بالحقوق والحريات العامة. وما نود أن نتحدث عنه في هذه الدراسة وعلى ضوء تطورات وتحولات العالم العربي الحالية، هو قراءة في التحولات العربية، التي فاجأتنا جميعا، وأدخلتنا في مرحلة جديدة على مختلف الصعد والمستويات.

وأعتقد إن ما جرى في العالم العربي من ثورات ومطالبة بالحقوق والإصلاح السياسي، هي أهم ظاهرة سياسية عرفوها العرب منذ الاستقلال الأول للعديد من الدول والشعوب العربية.. فالاستقلال الأول للعرب كان عنوانه العريض هو التخلص من الاستعمار الذي جثم على صدر الشعوب العربية ونهب خيراتها وتحكم بمصائرها حقبا طويلة..

أما الاستقلال الثاني الذي دشنته الثورة التونسية فعنوانه العريض هو التخلص من الاستبداد السياسي ودمقرطة الحياة العربية..

المحور الأول: البيئة السياسية لمفهوم التسامح:

ثمة علاقة عميقة وعلى أكثر من مستوى تربط قيمة الاستقرار السياسي والاجتماعي في أي تجربة إنسانية وقيمة العدالة. بمعنى أن كل المجتمعات الإنسانية، تنشد الاستقرار وتعمل إليه وتطمح إلى حقائقه في واقعها، إلا أن هذه المجتمعات الإنسانية، تتباين وتختلف في الطرق التي تسلكها، والسبل التي تنتهجها للوصول إلى حقيقة الاستقرار السياسي والاجتماعي.

فالمجتمعات الإنسانية المتقدمة حضاريا، تعتمد في بناء استقرارها الداخلي، السياسي والاجتماعي على وسائل الرضا والمشاركة والديمقراطية والعلاقة الايجابية والمفتوحة بين مؤسسات الدولة والسلطة والمجتمع بكل مؤسساته المدنية والأهلية وشرائحه الاجتماعية وفئاته الشعبية. لذلك يكون الاستقرار، هو بمثابة النتاج الطبيعي لعملية الانسجام والتناغم بين خيارات الدولة وخيارات المجتمع.

بحيث يصبح الجميع في مركب واحد ويعمل وفق أجندة مشتركة لصالح أهداف وغايات واحدة ومشتركة.

لذلك غالبا ما تغيب القلاقل السياسية والاضطرابات الاجتماعية في هذه الدول والتجارب الإنسانية، وإن وجدت اضطرابات اجتماعية أو مشاكل سياسية وأمنية، فإن حيوية نظامها السياسي ومرونة إجراءاتها الأمنية وفعالية مؤسساتها وأطرها المدنية، هي العناصر القادرة على إيجاد معالجات حقيقية وواعية للأسباب الموجبة لتلك الاضطرابات أو المشاكل.

وإذا تحقق الاستقرار العميق والمبني على أسس صلبة في أي تجربة إنسانية، فإنه يوفر الأرضية المناسبة لانطلاق هذا المجتمع أو تلك التجربة في مشروع البناء والعمران والتقدم.

فالتقدم لا يحصل في مجتمعات تعيش الفوضى والاضطرابات المتنقلة، وإنما يحصل في المجتمعات المستقرة، والتي لا تعاني من مشكلات بنيوية في طبيعة خياراتها، أو شكل العلاقة التي تربط الدولة بالمجتمع والعكس.

فالمقدمة الضرورية لعمليات التقدم الاقتصادي والعلمي والصناعي، هي الاستقرار السياسي والاجتماعي وكل التجارب الإنسانية، تثبت هذه الحقيقة. ومن يبحث عن التقدم بعيدا عن مقدمته الحقيقية والضرورية، فإنه لن يحصل إلا على المزيد من المشاكل والمآزق، التي تعقد العلاقة بين الدولة والمجتمع وتربكها وتدخلها في دهاليز اللاتفاهم واللاثقة.

وفي مقابل هذه المجتمعات الحضارية - المتقدمة، التي تحصل على استقرارها السياسي والاجتماعي، من خلال وسائل المشاركة والديمقراطية والتوسيع الدائم للقاعدة الاجتماعية للسلطة، هناك مجتمعات إنسانية تتبنى وسائل قسرية وتنتهج سبل قهرية للحصول على استقرارها السياسي والاجتماعي.

فالقوة المادية الغاشمة، هي وسيلة العديد من الأمم والشعوب، لنيل استقرارها ومنع أي اضطراب أو فوضى اجتماعية وسياسية. وهي وسيلة على المستوى الحضاري والتاريخي، تثبت عدم جدوائيتها وعدم قدرتها على إنجاز مفهوم الاستقرار السياسي والاجتماعي بمتطلباته الحقيقية وعناصره الجوهرية.

لأن استخدام وسائل القهر والعنف يفضي اجتماعيا وسياسيا إلى تأسيس عميق لكل الأسباب المفضية إلى التباعد بين الدولة والمجتمع وإلى بناء الاستقرار السياسي على أسس هشة وضعيفة، سرعان ما تزول عند أية محنة اجتماعية أو سياسية.

وتجارب الاتحاد السوفيتي ويوغسلافيا والعراق، كلها تثبت بشكل لا مجال فيه للشك، أن العنف لا يبني استقرارا، وإن القوة الغاشمة لا توفر الأرضية المناسبة لبناء منجزات حضارية وتقدمية لدى أي شعب أو أمة.

فلا استقرار بلا عدالة، ومن يبحث عن الاستقرار بعيدا عن قيمة العدالة ومتطلباتها الأخلاقية والمؤسسية، فإنه لن يحصد إلا المزيد من الضعف والهوان.

فتجارب الأمم والشعوب جميعها تثبت أن العلاقة بين الاستقرار والعدالة هي علاقة عميقة وحيوية بحيث أن الاستقرار العميق هو الوليد الشرعي للعدالة بكل مستوياتها. وحين يتأسس الاستقرار السياسي والاجتماعي، لى أسس صلبة وعميقة، تتوفر الإمكانية اللازمة لمواجهة أي تحد داخلي أو خطر خارجي.

فالتحديات الداخلية لا يمكن مواجهتها على نحو فعال، بدون انسجام عميق بين الدولة والمجتمع. كما أن المخاطر الخارجية لا يمكن إفشالها بدون التناغم العميق بين خيارات الدولة والمجتمع. وكل هذا لن يتأتى بدون بناء الاستقرار السياسي والاجتماعي على أسس العدالة الأخلاقية والمؤسسية.

وإن الإنسان أو المجتمع، حينما يشعر بالرضا عن أحواله وأوضاعه، فإنه يدافع عنها بكل ما يملك، ويضحي في سبيل ذلك حتى بنفسه. وأي مجتمع يصل إلى هذه الحالة، فإن أكبر قوة مادية، لن تتمكن من النيل منه أو هزيمته.

فالاستقرار السياسي والاجتماعي المبني على العدالة، هو الذي يصنع القوة الحقيقية لدى أي شعب أو مجتمع.

لهذا فإن المجتمعات التي تعيش الاستقرار وفق هذه الرؤية والنمط، هي مجتمعات قوية وقادرة على مواجهة كل التحديات الداخلية والخارجية.

ونحن كمجتمعات عربية وإسلامية اليوم، وفي ظل التحديات الكثيرة، التي تواجهنا على أكثر من صعيد ومستوى، بحاجة إلى هذه النوعية من الاستقرار حتى نتمكن من مجابهة تحدياتنا والتغلب على مشاكلنا والتخلص من كل الثغرات الداخلية التي لا تنسجم ومقتضيات الاستقرار العميق. وخلاصة القول: أن البيئة السياسية لمفهوم التسامح وحقائقه المجتمعية، هي الاستقرار السياسي والاجتماعي المستند على قاعدة العدالة بكل تجلياتها ومجالاتها. والمجتمع الذي تغيب عن فضائه السياسي والاجتماعي والثقافي، حقائق العدالة تبرز فيه مظاهر ونزعات الغلظة والعنف والتشدد وكل حقائق اللا تسامح.

فالطريق الى التسامح هو انجاز مفهوم العدالة والذي يؤسس لاستقرار عميق بين الدولة والمجتمع، وبين المجتمع بمختلف مكوناته وتعبيراته.

وللاستقرار السياسي المبني على قاعدة العدالة الكثير من الثمار والآثار الإيجابية من أبرزها سيادة قيم وحقائق التسامح في الفضاء الاجتماعي

المحور الثاني: الإصلاح السياسي جسر العبور إلى التسامح:

لعل من أهم الآثار التي وضحتها رياح التغيير التي اجتاحت بعض دول العالم العربي، أن المنطقة العربية بأسرها، تحتاج إلى إصلاحات سياسية واقتصادية حقيقية. وإن الأمن الحقيقي لهذه الدول والمجتمعات، لا يتأتى بالمزيد من الكبت والقمع، بل بالانخراط الحقيقي في عملية الإصلاح السياسي.

وإن عملية الإصلاح السياسي بكل مجالاته وآفاقه، هو الخيار الأمثل لإنجاز مفهوم وحقائق التسامح في العالم العربي. وتتضح هذه الحقيقة من خلال بيان العناوين التالية:

-  الإصلاح السياسي حاجة عربية.

-  العالم العربي ودولة المواطنة.

-  العالم العربي والحكم الرشيد.

الإصلاح السياسي .. حاجة عربية:

  إن إصلاح الأوضاع العربية وتطوير أحوالها، هو حاجة عربية أصيلة، قبل أن تكون رغبة أمريكية وأوروبية، تبلورت وفق أجندة وأهداف خاصة واستراتيجية.

وهي شوق عربي تاريخي ومتراكم وعميق، إذ لا تخلو حقبة من حقب التاريخ العربي الحديث والمعاصر من هذا الشوق والصوت والفعل الذي يطالب بالإصلاح وسد الثغرات وتطوير الأوضاع.

لذلك فإن المطالبة بالإصلاح في الحياة العامة العربية، هو شوق أصيل، قبل أن يكون مشروعاً أميركياً يحتضن في أحشائه الكثير من المصالح الاستراتيجية والاستهدافات التي لا تنسجم ومصالحنا ورؤيتنا لموقعنا الخاص والعام. لذلك من الظلم لعالمنا العربي حينما نتعامل مع مقولة ومشروع الإصلاح، بوصفها مقولة أميركية - غربية. وذلك لأن العديد من الشخصيات والنخب العربية كانت تطالب بالإصلاح وتدفع ثمنه. في الوقت الذي كانت الإرادة الأميركية مغايرة ومناقضة لهذا المشروع.

بل كانت آليات وأدوات السياسة الأميركية في المنطقة معرقلة ومجهضة لكل خطوات ومبادرات الإصلاح.

من هنا فإننا من الأهمية بمكان أن لانقبل أو لا تنطلي علينا لعبة الإصلاح الأميركي في العالم العربي والشرق الأوسط الكبير.

فالإصلاح بكل بنوده وآفاقه، هو حاجة عربية أصيلة، ودفعنا كشعوب ومجتمعات تضحيات ودماء غزيرة لتثبيت هذا الخيار في الفضاء العربي.

ومن المغالطات التاريخية الكبرى أن نتعامل مع هذه المقولة بوصفها طارئة على عالمنا العربي، أو هي خاصة بالمشروع الأميركي للإصلاح، مما يحول على المستوى الفعلي من تنفيذ خطوات إصلاحية في العالم العربي.

وعليه فإن الإصلاح السياسي والثقافي والاقتصادي في العالم العربي، هو حاجة عربية أصيلة وملحة وبعيداً عن كل الإسقاطات الخارجية التي لا تستهدف سوى مصالحها وأجندتها الاستراتيجية.

وإن هذه الحاجة العربية الملحة والمتعاظمة باستمرار، لا تلغيها شعارات ومشروعات الولايات المتحدة الأميركية للإصلاح. ولعلنا نجد وبوضوح في الأفق السياسي للمشهد العربي مقولات التأجيل ومشروعات التسويف ويافطات التعليق بدعوى المشروعات والضغوطات الأميركية والأوروبية.

وإننا نعتقد أن هذه المقولات والمشروعات العربية التي تبرر الجمود والتوقف عن مشروعات الإصلاح وفق الأجندة والإرادة العربية، هي ليست مؤمنة بشكل عميق وحقيقي بضرورات الإصلاح في العالم العربي، وتبحث باستمرار عن حجج لترحيل الإصلاح أو تأجيله أو تعليقه وربطه بقضايا ومسائل، نحن نعتقد بشكل جازم أن الإصلاح هو طريقنا لنيل حقوقنا في تلك القضايا والمسائل.

وما نود أن نؤكد عليه ف هذا السياق، هو أن إصلاح الأوضاع في العالم العربي وفي حقول الحياة المختلفة، هو حاجة عربية أصيلة وشوق تاريخي لكل نخب الأمة. لذلك لا يجوز إغفال هذه الحقيقة أو تشويهها، لأنها تستند إلى عمق تاريخي وشواهد معاصرة، بدعوى أن الولايات المتحدة الأميركية هي صاحبة مشروع الإصلاح في المنطقة.

إن المجتمعات العربية بكل فئاتها وشرائحها، طالبت وتطالب بإصلاح أوضاعها وتطوير أحوالها، وفي الوقت الذي كانت السياسة الأميركية في المنطقة تحارب كل دعوات الإصلاح، وتجهض كل خطواته ومبادراته.

لذلك لا يصح بأي شكل من الأشكال، أن نزور حقائق التاريخ، وندعي ادعاءات تكذبها وقائع الراهن وأشواق الأمة العميقة للإصلاح والتطوير والتقدم. كما أننا نعتقد وبشكل عميق، أننا لا نتمكن على الصعيد العملي من مجابهة مخططات الولايات المتحدة الأميركية تجاه منطقتنا إلا بالانخراط في مشروع الإصلاح وفق الأجندة والإرادة العربية.

ووجود مشروعات أميركية وغربية للإصلاح في منطقتنا هو مدعاة للتفكير في مشروع عربي للإصلاح نبدأ بتنفيذ خطواته وبرنامجه.

فمن الخطأ أن نواجه مخططات أميركا في المنطقة، بالنكوص من حاجاتنا ومتطلباتنا الحقيقية.

إننا بحاجة أن ننصت إلى حاجاتنا ومتطلباتنا، بعيداً عن مخططات الآخرين وشعاراتهم ومشروعاتهم.

ونرتكب جريمة كبرى بحق أنفسنا وتاريخنا، حينما نتوقف عن مشروعات تلبي حاجاتنا وتفي بمتطلباتنا بدعوى أن الآخرين قد حملوا ذات الشعار أو المشروع.

كما أننا نعتقد وبشكل جازم أن الإصلاح الحقيقي لأوضاعنا وأحوالنا، لا يمكن أن يستورد أو نجلبه من الخارج، وإنما هو نابع من داخلنا وحاجاتنا الذاتية. ونحن الذين ينبغي أن نبلور لأنفسنا خطة للإصلاح ومشروعاً للتغيير والتطوير.

وبطبيعة الحال لا يمكن أن نمنع الآخرين عن التفكير فأوضاعنا وأحوالنا، ولكن تفكيرهم ليس مشروعنا، وإرادتهم ليست إرادتنا. والمطلوب دائماً هو بلورة إرادة عربية ذاتية، تتجه صوب الإصلاح والتطوير، بعيداً عن مخططات الآخرين وأجندتهم الخاصة والاستراتيجية.

ونحن هنا لا ندعو إلى عدم إدراك تطورات اللحظة الراهنة وتحولاتها، ولكننا نريد أن نقول أن حجر الأساس في مشروعات الإصلاح في العالم العربي ليس مشروعات الآخرين واستهدافاتهم، وإنما هو إرادتنا وحاجتنا الفعلية إلى الإصلاح.

لذلك فإن المطلوب ليس التحايل على مشروعات الآخرين أو تزويرها، وإنما الإنصات الدقيق لحاجاتنا ومتطلباتنا الذاتية والداخلية بعيداً عن كل ضغوطات الخارج وإملاءاته. فقوتنا الحقيقية ليست في الانصياع لمشروعات الخارج أو تمرير أجندته، وإنما في المزيد من التلاحم الداخلي وتطوير مستوى الرضا بين السلطة والمجتمع في المجال العربي.

فقوة دولنا في استنادها على مجتمعاتها وشعوبها، وهذا يتطلب باستمرار تطوير مستوى الانسجام والمشاركة بين الطرفين.

فصم الآذان تجاه إيقاع المجتمع ومتطلباته وحاجاته، هو الذي يخلق الظروف والمناخ المناسب للخضوع لإملاءات الخارج وأجندته. ولابد أن ندرك أن إصلاح الأوضاع وتطوير الأحوال على الصعد كافة، هو من السنن الاجتماعية الرئيسية، لأن التوقف عن التطوير والجمود على الحال، سيكلفنا خسائر أكبر بكثير من الخسائر المتوقعة لمشروع التطوير والإصلاح.

حيث إننا نعيش في ظل ظروف وتطورات تطال العالم بأسره، وتؤكد وتلح في التأكيد، على أن إصلاح الأوضاع هو أسهل الخيارات وأقلها كلفة.

وإن تلكؤ أي مجتمع عن هذا، سيفقده استقلاله وسيدخله في أتون الضغوطات والإكراهات التي ستكلف هذا المجتمع الكثير من الخسائر والأثمان.

إننا مع الإصلاح الذي ينطلق من ذاتنا ويلبي حاجاتنا ومتطلباتنا، ولكننا نعيش في ظل أوضاع إقليمية ودولية تدفعنا إلى الاعتقاد أن تراخينا أو تراجعنا عن مشروع الإصلاح وفق رغبتنا وحاجاتنا ومتطلباتنا، سيدفع المتربصين بنا إلى الضغط علينا وتحميلنا أجندتهم ومشروعاتهم.

لذلك فإن التأخير أو التوقف عن مشروعات الإصلاح في العالم العربي، ليس في مصلحة استقرار واستقلال عالمنا العربي.

وأود في إطار التأكيد على أن الإصلاح حاجة عربية، قبل أن يكون أي شيء آخر، أن أركز على النقاط التالية:

1- إن إصلاح الأوضاع في العالم العربي، ليس تطلعاً اجتماعياً وشعبياً فحسب، بل هو ضرورة قصوى للاستقرار السياسي في العديد من البلدان العربية.

إذ أن هذه الدول تعيش أوضاعاً وأحوالاً، تستلزم الانخراط الحقيقي في مشروعات الإصلاح حتى يتسنى لها الخروج من مأزق الفتن والتحولات العشوائية غير المدروسة.

فالإصلاح حاجة اجتماعية وشعبية، كما هو ضرورة للاستقرار السياسي. لذلك من الخطأ أن يتم التعامل مع مقولة ومشروع الإصلاح بوصفه مهدداً للمكاسب أو محرضاً على الحكومات.

إن الإصلاح السياسي في العالم العربي، حاجة ماسة للجميع وبدون استثناء، والفوائد والأرباح المتوقعة منه أيضاً شاملة للجميع. فإن الظروف السياسية والاجتماعية في العالم العربي، وصلت إلى مستوى صعوبة بقاء الأمور والأوضاع على حالها، وإن الإصلاح وتطوير الأوضاع هو أقل الطرق خسائر سياسية واجتماعية وإنسانية.

وإن الإصرار على إبقاء الأمور على حالها، ينذر بكوارث خطيرة على الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

لهذا فإن الإصلاح هو ضرورة للحكومات والمؤسسات الرسمية، كما هو يلبي طموحات وتطلعات المجتمعات العربية.

2- بدون إغفال دور العوامل الخارجية وتأثيراتها السلبية على مستقبل القضية الفلسطينية، فإننا نستطيع القول : إن إصلاح الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العالم العربي، هو من العوامل والحقائق المساندة لنضال وجهاد الشعب الفلسطيني.

ونخطئ حينما نتصور أن إبقاء الأمور على حالها، سيوفر لنا إمكانية الدعم والإسناد للقضية الفلسطينية. إن إصلاح أوضاعنا وتطوير أحوالنا الاقتصادية والاجتماعية والقبض على أسباب الاستقرار السياسي العميق وتمتين أواصر العلاقة بين السلطة والمجتمع في الفضاء العربي، كل هذا يصب في المحصلة النهائية لصالح القضية الفلسطينية. وذلك لأن هيمنة المشروع الصهيوني في المنطقة، هو وعبر التسلسل المنطقي هو من جراء اهتراء حياتنا السياسية وتراجع أدائنا الاقتصادي. وإن جمود الأوضاع سيشجع العدو الصهيوني على المزيد من الغطرسة والهيمنة.

وفي تقديري أن الرد الاستراتيجي على المشروع الصهيوني وهيمنته وغطرسته وذبحه اليومي لأبناء الشعب الفلسطيني، هو في إصلاح أوضاع العالم العربي وإنهاء نقاط التوتر ومجالات الضعف، وذلك حتى يتسنى لعالمنا العربي ومن موقع القدرة والتميز دعم الشعب الفلسطيني وصولاً لتأسيس دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

وجماع القول: إن الإصلاح في العالم العربي غير قابل للتأجيل والترحيل، لأنه خيارنا الحيوي الوحيد، الذي نتمكن من خلاله تطوير مستوى الاستقرار وتعزيز البناء الداخلي الوطني والقومي ومجابهة مخاطر الخارج وتحدياته المتعددة والمتشعبة.

  وثمة حقيقة أساسية في هذا السياق ينبغي البوح بها وهي: أن العالم العربي بكل دوله وشعوبه وبعيداً عن المشاريع الإصلاحية المطروحة من قبل جهات دولية عديدة، التي وصل عددها إلى (21 مبادرة) هو بحاجة إلى عملية إصلاح تنبثق من إرادته الذاتية، وتجيب بشكل حضاري على تحدياته ومآزقه. ولم يعد مجدياً التحجج بوجود مشروعات دولية للإصلاح في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط، لأن بعض النخب العربية تنظر إلى وجود مبادرات دولية على الصعيد، يلزمنا بتأجيل هذا المشروع، والانخراط في مشروع مقاومة التدخلات الأجنبية في مناطقنا ودولنا. بينما القراءة السليمة والواعية لهذه المبادرات، ينبغي أن تدفعنا إلى الإسراع في مشروع الإصلاحات السياسية والثقافية والاقتصادية في العالم العربي ووفق أجندتنا الذاتية، وحتى نتمكن من إفشال كل المخططات التي تستهدف فرض أنماط معينة للإصلاح، أو تسعى إلى التدخل في شؤوننا.

لا يمكننا اليوم ووفق التطورات الكبرى التي تجري في المشهد الإقليمي والدولي والمحلي، وكذلك حجم التحديات التي تواجهنا من الوقوف سلبيين أمام حاجتنا الملحة إلى الإصلاح على الصعد السياسية والثقافية والاقتصادية.

فحاجتنا إلى الإصلاح، نابعة من أوضاعنا وأحوالنا التي تتراجع وتعيش القهقرى، وإصرارنا على أن خيار الإصلاح هو جسر الجميع للخروج من مآزق الراهن، هو بسبب إدراكنا العميق أن التأخر عن الاستجابة الحقيقية لتحديات اللحظة الراهنة ومتطلباتها، سيكلفنا الكثير وسيدخلنا في ظروف وأوضاع لا تنسجم وتطلعاتنا لواقعنا العربي.

كما أننا كدول وشعوب عربية، لا يمكن أن نواجه تحديات الخارج ومخططاته ومشاريعه ومبادراته، إلا بسحب البساط منها، وسد ثغرات واقعنا الداخلي. وكل هذا لا يتم إلا بالانخراط في مشروع الإصلاح، الذي يزيل الاحتقانات، وينهي التوترات، ويجيب إجابة فعلية على تحديات المرحلة.

ولمعطيات ومؤشرات وحقائق سياسية ومجتمعية قائمة في الفضاء العربي، نستطيع القول: إن تأخير مشروع الإصلاح سيكلف العالم العربي الكثير من الخسائر البشرية والمادية وسيفاقم من التوترات والتهديدات على المستويين الداخلي والخارجي.

فاللحظة الزمنية الحالية، هي لحظة الانخراط في مشروع الاصلاحات ووفق أجندة وأولويات عربية، وأي تأخير لأي سبب من الأسباب، يعني ضياع الفرصة والمزيد من الأزمات والتوترات والمخاطر.

لذلك فإننا نعتقد أن خيار الإصلاح السياسي في اللحظة الراهنة، هو الخيار القادر على إخراج مؤسسة الدولة في العالم العربي من الكثير من نقاط ضعفها وقصورها البنيوي والوظيفي.

كما أن هذا الخيار، هو القادر على ضبط المجتمع وإنهاء توتراته بعيداً عن خيارات العنف والعنف المضاد. لذلك فإن الإصلاح السياسي حاجة عربية أكيدة وضرورة مشتركة للدولة والمجتمع.

وإن العلاقة جد قريبة بين مفهوم الأمن ومفهوم الإصلاح، إذ في ظل الأوضاع الإقليمية المتوترة، لا يمكن صيانة الأمن الوطني لكل دولة عربية، إلا بمشروع الإصلاح، الذي ينهي الكثير من العوامل والأسباب التي تفضي أو تؤدي في محصلتها النهائية إلى الإخلال بالأمن والاستقرار.

فالأمن الشامل اليوم، أضحى ضرورة لكل شيء. فلا تنمية بلا أمن ولا استقرار بلا أمن ولا علاقات طبيعية بلا أمن. ولكن السؤال الذي يطرح دائماً: هل يمكن أن نحقق الأمن الشامل بدون الإصلاح السياسي؟

إننا نرى ومن خلال تجارب العديد من الأمم والشعوب، أن الإصلاح وما يخلق من ظروف وأوضاع جديدة، من المداخل الأساسية والضرورية لإنجاز مفهوم الأمن.

فالإصلاح السياسي حاجة عربية، لأنه سبيلنا لتحقيق أمننا الشامل ولا يمكننا بأية حال من الأحوال، أن ننهي عوامل الإخلال بالأمن في الفضاء العربي، إلا بالانخراط الحقيقي في مشروع الإصلاحات السياسية والثقافية والاقتصادية.

وجماع القول: إن العالم العربي بكل دوله وشعوبه، بحاجة أن يخطو خطوات عملية وحقيقية في مشروع الإصلاح. وذلك من أجل إنهاء الاحتقانات والتوترات الداخلية، وحتى يتمكن هذا الفضاء السياسي من امتلاك القدرة الحقيقية على مجابهة تحديات الخارج ومشروعاته ومبادراته.

العالم العربي ودولة المواطنة:

لعلنا لا نأت بجديد حي القول: أن أغلب المجال العربي بكل دوله وشعوبه، يعاني من تحديات خطية وأزمات بنيوية، ترهق كاهل الجميع وتدخلهم في أتون مآزق كارثية.

فبعض دول هذا المجال العربي، دخلت في نطاق الدول الفاشلة، التي لا تتمكن من تسيير شؤون مجتمعها، مما أفضى إلى استفحال أزماتها ومآزقها على كل الصعد سواء الاقتصادية أو الأمنية أو السياسية. والبعض الآخر من الدول والمجتمعات، مهدد في وحدته الاجتماعية والسياسية، حيث قاب قوسين أو أدنى من اندلاع بعض أشكال وصور الحرب الأهلية.

ودول أخرى تعاني من غياب النظام السياسي المستقر، ولا زالت أطرافه ومكوناته السياسية والمذهبية، تتصارع على شكل النظام السياسي، وطبيعة التمثيل لمكونات وتعبيرات مجتمعها.

إضافة إلى هذه الصور، هناك انفجار للهويات الفرعية في المجال العربي بشكل عمودي وأفقي، مما يجعل النسيج الاجتماعي مهددا بحروب وصراعات مذهبية وطائفية وقومية وجهوية. ونحن نعتقد أن اللحظة العربية الراهنة، مليئة بتحديات خطيرة، تهدد استقرار الكثير من الدول والمجتمعات العربية وتدخل الجميع في أتون نزاعات عبثية، تستنزف الجميع وتضعفهم وتعمق الفجوة بين جميع الأطراف والمكونات.

وفي تقديرنا أن المشكلة الجوهرية، التي ساهمت بشكل أو بآخر في بروز هذه المآزق والتوترات في المجال العربي، هي غياب علاقة المواطنة بين مكونات وتعبيرات المجتمع العربي الواحد.

فالمجتمعات العربية تعيش التنوع الديني والمذهبي والقومي وغياب نظام المواطنة كنظام متجاوز للتعبيرات التقليدية، جعل بعض هذه المكونات تعيش التوتر في علاقتها وبرزت في الأفق توترات طائفية ومذهبية وقومية. فالعلاقات الإسلامية – المسيحية في المجال العربي، شابها بعض التوتر وحدثت بعض الصدامات والتوترات في بعض البلدان العربية التي يتواجد فيها مسيحيون عرب.

وفي دول عربية أخرى، ساءت العلاقة بين مكوناتها القومية، بحيث برزت توترات وأزمات قومية في المجال العربي. وليس بعيدا عنا المشكلة الأمازيغية والكردية والأفريقية.

وإضافة إلى هذه التوترات الدينية والقومية، هناك توترات مذهبية بين السنة والشيعة، وعاشت بعض الدول والمجتمعات العربية توترات مذهبية خطيرة تهدد استقرارها السياسي والاجتماعي.

فحينما تتراجع قيم المواطنة في العلاقات بين مكونات المجتمعات العربية، تزداد فرص التوترات الداخلية في هذه المجتمعات. لهذا فإننا نعتقد أن العالم العربي يعيش مآزق خطيرة على أكثر من صعيد، وهي بالدرجة الأولى تعود إلى خياراته السياسية والثقافية. فحينما يغيب المشروع الوطني والعربي والذي يستهدف استيعاب أطياف المجتمع العربي وإخراجه من دائرة انحباسه في الأطر والتعبيرات التقليدية إلى رحاب المواطنة.

فإن هذا الغياب سيدخل المجتمعات العربية في تناقضات أفقية وعمودية، تهدد استقرارها السياسي والاجتماعي.

وإن نزعات الاستئصال أو تعميم النماذج، لا تفضي إلى معالجة هذه الفتنة والمحنة، بل توفر لها المزيد من المبررات والمسوغات. فدول المجال العربي معنية اليوم وبالدرجة الأولى بإنهاء مشاكلها الداخلية الخطيرة، التي أدخلت بعض هذه الدول في خانة الدول الفاشلة والبعض الآخر على حافة الحرب الداخلية التي تنذر بالمزيد من التشظي والانقسام.

فما تعانيه بعض دول المجال العربي على هذا الصعيد خطير وإذا استمرت الأحوال على حالها فإن المجال العربي سيخرج من حركة التاريخ وسيخضع لظروف وتحديات قاسية على كل الصعد والمستويات.

وإن حالة التداعي والتآكل في الأوضاع الداخلية العربية، لا يمكن إيقافها أو الحد من تأثيراتها الكارثية، إلا بصياغة العلاقة بين أطياف المجتمع على قاعدة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات.

وإن غياب مقتضيات وحقائق المواطنة في الاجتماع السياسي العربي، سيقوي من اندفاع المواطنين العرب نحو انتماءاتهم التقليدية، وعودة الصراعات المذهبية والقومية والدينية بينهم، وسيوفر لخصوم المجال العربي الخارجي إمكانية التدخل والتأثير في راهن هذا المجال ومستقبله.

فالمجتمعات العربية كغيرها من المجتمعات الإنسانية، التي تحتضن تعدديات وتنوعات مختلفة، لا يمكن إدارة هذه التعدديات على نحو إيجابي إلا بالقاعدة الدستورية الحديثة [المواطنة] كما فعلت تلك المجتمعات الإنسانية التي حافظت على أمنها واستقرارها.

فالاستقرار الاجتماعي والسياسي العميق في المجتمعات العربية، هو وليد المواطنة بكل حمولتها القانونية والحقوقية والسياسية.

وأي مجتمع عربي لا يفي بمقتضيات هذه المواطنة، فإن تباينات واقعه ستنفجر وسيعمل كل طرف للاحتماء بانتماءه التقليدي والتاريخي. مما يصنع الحواجز النفسية والاجتماعية والثقافية والسياسية بين مكونات المجتمع الواحد.

وفي غالب الأحيان فإن هذه الحواجز، لا تصنع إلا بمبررات ومسوغات صراعية وعنفية بين جميع الأطراف. فتنتهي موجبات الاستقرار ويدخل الجميع في نفق التوترات والمآزق المفتوحة على كل الاحتمالات.

لهذا فإن دولة المواطنة هي الحل الناجح لخروج العالم العربي من مآزقه وتوتراته الراهنة.

فدولة المواطنة هي التي تصنع الاستقرار وتحافظ عليه، وهي التي تستوعب جميع التعدديات وتجعلها شريكة فعلية في الشأن العام وهي التي تجعل خيارات المجتمع العليا منسجمة مع خيارات الدولة العليا والعكس وهي التي تشعر الجميع بأهمية العمل على بناء تجربة جديدة على كل المستويات وهي التي تصنع الأمن الحقيقي لكل المواطنين في ظل الظروف والتحديات الخطيرة التي تمر بها المنطقة .

والمجتمعات لا تحيا حق الحياة، إلا بشعور الجميع بالأمن والاستقرار. لهذا فإن الأمن والاستقرار لا يبنى بإبعاد طرف أو تهميشه وإنما بإشراكه والعمل على دمجه وفق رؤية ومشروع متكامل في الحياة العامة.

وهذا لا تقوم به إلا دولة المواطنة، التي تعلي من شأن هذه القيمة، ولا تفرق بين مواطنيها لاعتبارات دينية أو مذهبية أو قومية.

فهي دولة الجميع وهي التمثيل الأمين لكل تعبيرات وحراك المجتمع.

فالمجال العربي اليوم من أقصاه إلى أقصاه، أمام مفترق طرق. فإما المزيد من التداعي والتآكل أو وقف الانحدار عبر إصلاح أوضاعه وتطوير أحواله والانخراط في مشروع استيعاب جميع أطرافه ومكوناته في الحياة السياسية العامة. فالخطوة الأولى المطلوبة للخروج من كل مآزق الراهن وتوتراته في المجال العربي، هي أن تتحول الدولة في المجال العربي إلى دولة استيعابية للجميع، بحيث لا يشعر أحد بالبعد والاستبعاد. دولة المواطن بصرف النظر عن دينه أو مذهبه أو قومه، بحيث تكون المواطنة هي العقد الذي ينظم العلاقة بين جميع الأطراف. فالمواطنة هي الجامع المشترك، وهي حصن الجميع الذي يحول دون افتئات أحد على أحد.

وخلاصة القول: أن دولة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات، هي خشبة الخلاص من الكثير من المآزق والأزمات. 

 العالم العربي والحكم الرشيد:

يعيش العالم العربي بكل دوله وشعوبه اليوم، الكثير من التحولات والتطورات المتسارعة. حيث دشنت لحظة سقوط نظام بن علي في تونس عملية التغييرات والتحولات التي لا زال تأثيرها ممتدا ومتواصلا في كل أرجاء العالم العربي بمستويات وأشكال متفاوتة ومختلفة. ولا ريب أن ما يجري من أحداث وتطورات في بعض البلدان العربية، هو مذهل وغير متوقع وكل المعطيات السابقة، لا تؤشر أن ما حدث سيكون قريبا.

لهذا فإن كل هذه التطورات والتحولات هي بمستوى من المستويات مفاجئة للجميع.

لذلك فإن النخب السياسية في العالم العربي بكل أيديولوجياتها وخلفياتها الفكرية، كانت تعيش حالة من اليأس تجاه قدرة الشعب أو الشعوب العربية من إحداث تحولات دراماتيكية ف واقعها السياسي وواقع المنطقة بشكل عام. ولكن جاءت أحداث وتطورات وتحولات تونس ومن بعدها مصر، لكي تثبت عكس ما كانت تروجه بعض الأيديولوجيات والنخب تجاه الجماهير وقدرتها على إحداث تغيير سياسي في واقعها العام. والملفت للنظر والذي يحتاج إلى الكثير من التأمل العميق هو أن جيل الشباب، أي جيل الإعلام الجديد من الفيسبوك وتويتر ويوتيوب، هو الذي قاد عملية التغيير، وهو الذي تمكن من تحريك الشارع العام في تونس ومصر. فالجيل الجديد الذي كانت تصفه بعض النخب والجماعات، بأنه جيل ترعرع بدون قضية عامة يسعى من أجلها ويناضل في الدفاع عنها عكس أجيال الخمسينيات والستينيات، هو الذي قاد عملية التغيير، وبوسائله السلمية استطاع أن يحرك كل النخب وكل شرائح وفئات المجتمع الأخرى.

لهذا فإن ما حدث ويحدث في العالم العربي اليوم هو مذهل وقد أنهى حقبة وتداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر حيث كان الغرب ينظر إلى شرائح المجتمعات العربية المختلفة بوصفها مشروع قائم أو محتمل للإنسان الإرهابي الذي يفجر نفسه ويقوم بأعمال عنفية لا تنسجم وقيم الدين وأعراف العالم العربي وتقاليده الراسخة.

فما جرى في تونس ومصر، حيث حضر الشباب، ومارسوا حقهم بالتعبير عن الرأي، أنهى على المستوى الاستراتيجي حقبة بقاء الشباب العربي تحت تهمة وتداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

فالنموذج الجديد الذي قدمه الشباب العربي في تونس ومصر وغيرها من الدول العربية التي تشهد حراكا اجتماعيا وسياسيا ومطلبيا هو أنه جيل يستحق أن يعيش حياة كريمة وأن تعاطيه الشأن العام عبر عنه خارج الأطر والأحزاب الأيدلوجية، وإنما مارسه بطريقته الخاصة، والمذهل في الأمر أن هذه الطريقة غير المتوقعة هي التي أتت أكلها، ونجحت في إحداث تغييرات وتحولات سياسية واجتماعية كبرى في أكثر من بلد عربي. لهذا فإننا نعتقد أن المنطقة العربية بأسرها، تعيش مرحلة جديدة على أكثر من صعيد. وما نود أن نؤكد عليه في هذا السياق هي النقاط التالية:

– إن المجتمعات والشعوب العربية تستحق حكومات وأنظمة سياسية متطورة ومدنية وتفسح المجال للكفاءات الوطنية المختلفة للمشاركة في تنمية الأوطان العربية وتطويرها على مختلف الصعد والمستويات.

والذي يلاحظ أن الدول العربية التي كانت أو لا زالت في منأى من موجة المطالبة بالإصلاحات والتغييرات، هي تلك الدول التي تعيش ف ظل أنظمة وحكومات فيها بعض اللمسات أو الحقائق الديمقراطية أو تمكنت من حل بعض مشاكل شعبها الاقتصادية والاجتماعية. ومع ذلك فإننا نعتقد أن هذه الموجة ستطال بشكل أو بآخر كل الدول والشعوب العربية.

ونحن نعتقد أن مسارعة الدول العربية في القيام بإصلاحات سياسية ودستورية واقتصادية، سيقلل من فرص خروج الناس إلى الشارع إلى المطالبة بحقوقهم. وما جرى في تونس ومصر، يوضح بشكل لا لبس فيه أن المجتمعات العربية تستحق أوضاعا سياسية واقتصادية وقانونية أفضل مما تعيشه الآن.

- إن التحولات السياسية الكبرى التي تحققت في تونس ومصر وموجاتهما الارتدادية في أكثر من بلد عربي، تجعلنا نعتقد وبعمق أن المشاكل الكبرى وبالذات على الصعيد السياسي متشابهة في أغلب الدول العربية. فالحكومات والأنظمة السياسية في هذه الدول، هي أنظمة ذات قاعدة اجتماعية ضيقة، مع تضخم في أجهزتها الأمنية التي تمارس الإرهاب والقمع بكل صوره وأشكاله، مما زاد من الاحتقانات، وراكم من المشكلات البنيوية التي يعيشها المجتمع والدولة في هذا البلد العربي أو ذاك.

وبفعل هذه الحقيقة تمكنت هذه الدول التسلطية من إفراغ كل الأشكال والحقائق الديمقراطية الموجودة في أكثر من بلد عربي من مضمونها الحقيقي، حتى أضحت نموذجا صارخا للمقولة التي أطلقها المفكر المصري (عصمت سيف الدولة) بالاستبداد الديمقراطي. فالأشكال الديمقراطية أصبحت عبئا حقيقيا على المجتمعات العربية ونخبها السياسية والاجتماعية والثقافية، لأنه باسم الديمقراطية يتم تأييد السلطة واحتكار عناصر القوة وتستفحل من جراء هذا كل أمراض الاستبداد والديكتاتورية.

– إن الإصلاح السياسي الذي نراه أنه جسر عبور لكل الدول العربية إلى مرحلة جديدة، تؤهلها لتجاوز بعض مشكلاتها ومعالجة أزماتها الداخلية ويحصنها من خلال تطوير علاقة الدولة بمجتمعها تجاه كل التحديات والمخاطر. أقول أن هذا الإصلاح السياسي هو ضرورة حكومية – رسمية، كما هو حاجة وضرورة مجتمعية.

فهو (الإصلاح) ضرورة للحكومات العربية لتجديد شرعيتها الوطنية وتوسيع قاعدتها الاجتماعية ولكي تتمكن من مواجهة التحديات المختلفة. كما هو (أي الإصلاح) ضرورة وحاجة للمجتمعات العربية، لأنه هو الذي يخرج الجميع من أتون التناقضات الأفقية والعمودية الكامنة في قاع المجتمعات العربية، وهو الذي يصيغ العلاقة بين مختلف المكونات على أسس الاحترام المتبادل والمواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات.

ومن المعلوم أن الانغلاق في السلطة سمة من سمات الدولة التسلطية (على حد تعبير خلدون النقيب في كتابه: الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر – دراسة بنائية مقارنة). وهو يعبر عن حالة غير طبيعية في مسيرة الدولة الحديثة، هي حالة التماهي بين السلطة والدولة. لهذا فإن العالم العربي بحاجة إلى أنظمة سياسية حديثة تستجيب لشروط العصر وتتناسب والدينامية الاجتماعية المتدفقة.

– إن التجارب والتحولات السياسية الكبرى، تجعلنا نعتقد أن الشيء الأساسي الذي يجعل عمر الدول طويلا وممتدا عبر التاريخ، ليس هو ترسانتها العسكرية وموقعها الجغرافي والاستراتيجي وإنما هو قبول ورضا الناس بها. إذ أن كل تجارب الدول عبر التاريخ الطويل تثبت بشكل لا لبس فيه أن حكم الناس بالإكراه قد يطول، إلا أنه لا يدوم. وإن عمر الدول واستمرارها مرهون بقدرة هذه الدول على تحقيق رضا وقبول الناس بها. بمعنى أن الدول حتى ولو كانت إمكاناتها البشرية محدودة وثرواتها الطبيعية والاقتصادية متواضعة، إلا أن رضا الناس بها، وقبول الشعب بأدائها وخياراتها، فإن هذا الرضا والقبول يجبر الكثير من نواقص الدولة الذاتية أو الموضوعية، ويمدها بأسباب الاستمرار والديمومة.

فالذي يديم الدول ويوفر لها إمكانية الاستمرار، هو مشاركة الناس في شؤونها المختلفة واحتضانهم إلى مشروعها وشعورهم بأنها (أي الدولة) هي التعبير الأمثل لآمالهم وطموحاتهم المختلفة.

وما جرى في تونس ومصر من أحداث وتحولات سياسية سريعة، يؤكد هذه الحقيقة. فكل المؤسسات والأجهزة العسكرية، لم تستطع أن تدافع عن مؤسسة السلطة التي يرفضها الناس ويعتبرونها معادية لهم في حياتهم اليومية وتصوراتهم لذاتهم الجمعية والمستقبلية. لهذا فإننا نعتقد إن إسراع الدول في إصلاح أوضاعها وتطوير أنظمتها القانونية والدستورية وتوسيع قاعدتها الاجتماعية وتجديد شرعيتها السياسية، كل هذه العناصر تساهم ف إعطاء عمر جديد لهذه الدول.

فتحريك عجلة الإصلاح السياسي والاجتماعي والاقتصادي في دولنا العربية، أضحى اليوم من الضرورات والأولويات، التي تحول دون دخول دولنا العربية في أتون المشكلات والأزمات التي تعوق من مسيرتها ودورها في الحياة الوطنية والقومية والدولية.

ومن المؤكد أن اقتراب الدول العربية من قيم ومعايير الحكم الرشيد، هو الذي سيعيد الاعتبار إلى المنطقة العربية وهو السبيل المتاح والممكن اليوم للخروج من العديد من الأزمات والمآزق على الصعيدين الداخلي والخارجي.

وحده الحكم الرشيد بكل قيمه ومضامينه ومقتضياته، هو الذي سيعيد العالم العربي إلى حركة التاريخ ودون ذلك ستبقى المنطقة بكل ثرواتها البشرية والاقتصادية بعيدا عن القبض على أسباب التقدم والاستمرار الحضاري.

المحور الثالث: نحو حركة عربية مدنية:

لقد أبانت التطورات والتحولات الكبرى، التي جرت في أكثر من بلد عربي، هو أن مشاكل البلاد العربية متشابهة مع بعضها البعض، وإن الشعوب العربية من المحيط إلى الخليج تتفاعل وتتعاطف مع بعضها البعض، كما أن آمال هذه الشعوب وطموحاتها السياسية والمدنية متطابقة إلى حد كبير. فالجميع يشعر أنهم يستحقون أنظمة سياسية أفضل مما عليه اليوم، سواء من ناحية نوعية النخب السائدة، أو في طبيعة خياراتها السياسية والاقتصادية أو تمثيلها لتعبيرات ومكونات المجتمع المختلفة. فهي (أي الشعوب العربية) تنشد بمستويات مختلفة أنظمة سياسية جديدة تنسجم ومعايير الحكم الرشيد وهي تتطلع إلى تحسين نوعية الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية فيها.

لهذا فإن الشعوب العربية – مع اختلاف في المستوى والدرجة – تعيش مشاكل واحدة وتتطلع إلى أهداف وغايات متشابهة. كما أن التحولات الأخيرة التي جرت في البلاد العربية تجاوزت بعض المشكلات التي كانت تهدد بعض البلدان في وحدتها الداخلية والوطنية. فجميع الأطياف الدينية والمذهبية والاجتماعية والجهوية، ساهمت في عملية التغيير السياسي وإنها تكاتفت وتضامنت مع بعضها البعض من أجل تفكيك حوامل الاستبداد السياسي الجاثم على صدور الجميع.

فهذه التحولات أخرجت الجميع من سجون الطائفية والمذهبية والجهوية وأعلت من شأن الشخصية الوطنية الجامعة. فالملايين التي خرجت في البلدان العربية وتطالب بتغيير أنظمتها السياسية، كانت من جميع الأطياف والمكونات. فالإصلاح السياسي ليس مهمة طرف دون آخر وإنما هو مهمة الجميع. وإن الاستبداد السياسي بكل متوالياته، هو المسئول الأول عن نزعات التشظي التي سادت في أكثر من بلد عربي تحت عناوين ويافطات دينية أو مذهبية أو قومية أو جهوية.

فالأنظمة السياسية الشمولية هي التي تعمل على تنمية الفوارق الأفقية والعمودية بين المواطنين. وهي التي تعمل عبر ممارساتها وبرامجها المختلفة إلى توتير العلاقة وتأزيمها بين أهل الأديان والطوائف والقوميات.

فالتعددية الدينية والمذهبية والقومية الموجودة في العالم العربي، ليست هي المسئولة عن نزعات الاستئصال والتشظي وإنما المسئول هو النظام السياسي العربي الذي يحتكر القوة والقرار باعتبارات وعناوين عصبوية ضيقة، فتمنح جميع المناصب والامتيازات لفئة قليلة من المجتمع وتعمل على طرد وتهميش بقية المكونات والتعبيرات. لهذا فإننا نعتقد أن اللحظة العربية الراهنة، من اللحظات الحيوية القادرة على إخراج الكثير من الشعوب العربية من أتون ودهاليز الطائفية والمذهبية وتدخلها في مرحلة بناء الدولة المدنية والمواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات. وإن هذه الغاية تتطلب العمل على بناء حركة مدنية عربية، تتجاوز الأطر والعناوين الضيقة وتعمل على نسج العلاقة بين مختلف المكونات على أسس ومعايير جديدة، تساهم في تعزيز مرجعية الوطن والمواطنة الجامعة. وإن بناء الحركة المدنية العربية هو الذي يديم لحظة الإصلاح بكل أبعادها في العالم العربي وهو الذي يوفر الإمكانية الحقيقية لمواجهة مخاطر الاستبداد بكل صنوفه.

وكما أن الاستبداد العربي يتعاون مع بعضه البعض وينسق في مواقفه وخطواته المختلفة ويتبادل الرأي والخبرة، فإن القوى والمؤسسات المدنية العربية معنية أيضا بهذا الأمر. فهي مطالبة بالتنسيق والتعاون مع بعضها البعض وبزيادة وتيرة التلاقي وتبادل الرأي والخبرة.

ولعلنا لا نجانب الصواب حين القول: أن بزوغ الهويات الفرعية في العالم العربي وتعلق المواطنين بها يعود إلى سببين أساسيين وهما: طبيعة علاقة السلطة بمجتمعها ومواطنيها وهي علاقة غير محايدة تجاه عقائد وقناعات مواطنيها. فتتحول الدولة بمؤسساتها المختلفة إلى سلطة قامعة ونابذة لبعض مكونات مجتمعها. فتضمحل علاقة المواطنة لصالح العناوين الفرعية. والسبب الآخر هو غياب المؤسسات والأطر المدنية التي تتجاوز الانتماءات الفرعية لصالح قضايا ومفاهيم جامعة للمواطنين بعيدا عن انتماءاتهم التقليدية.

وحينما تغيب المؤسسات الجامعة والحاضنة لجميع المواطنين مع احترام تام لعقائدهم وانتماءاتهم التاريخية، حينذاك يبحث المواطن عن مؤسسات أهلية تحميه من تغول الدولة ومؤسساتها، فلا يجد إلا الانتماء التقليدي أو التاريخي كعنوان لحمايته والدفاع عن مصالحه.

لهذا فإن تأسيس وبناء حركة مدنية عربية فاعلة وحيوية، يساهم في الحد من تغول السلطة والدولة في العالم العربي ومن جهة أخرى تكون رافعة للمواطنين للخروج من آسار انتماءاتهم التاريخية لصالح الانتماء إلى المواطنة التي هي قاعدة الحقوق والواجبات.

فالمطلوب هو إخراج المجتمعات العربية من مستنقع الطائفية والقبلية والعشائرية وهذا لن يتأتى إلا بحركة مجتمعية نشطة تتجاوز هذه العناوين وتوفر البدائل والأطر المتجاوزة لها.

الخلاصة:

إننا ننظر ونتعامل مع التغيرات السياسية الراهنة في العالم العربي، بوصفها تحولات إيجابية، وهي الخطوة الأولى في مشروع التحول نحو الديمقراطية والتخلص من براثن الاستبداد والديكتاتورية ومتوالياتهما. وإن بناء الأنظمة السياسية في عالمنا العربي على أسس الحرية والديمقراطية واحترام حقوق الإنسان والتداول السلمي للسلطة، سيعزز من حقائق التسامح في المجتمعات العربية، وسيطرد كل الحوامل والثقافات والنزعات المضادة لذلك.

فما يجري اليوم من إصلاحات وتحولات في العديد من الدول العربية، هو بإرادة شعبية عربية بعيدا عن إملاءات الخارج ومؤامراته المختلفة.

لهذا فإننا نستطيع القول: أن العالم العربي اليوم، دخل فعلا وممارسة مرحلة جديدة نتجاوز فيها إحن الماضي ومعوقات الواقع الهيكلية. وإن تهاوي بعض الأنظمة المستبدة بشكل سريع، يبشر بهذه المرحلة، ويؤكد أن الإرادة الشعبية هي حجر الزاوية في مشروع الإصلاح والتغيير في العالم العربي.

وإن أمام العالم العربي بكل دوله وشعوبه، فرصة تاريخية لإعادة بناء أنظمته السياسية على أسس جديدة تنسجم ومنطق العصر وحقائق الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة.

***

محمد محفوظ – باحث سعودي

 

ذكرت، في الأسبوع الماضي، أن الرئيس الفرنسي السابق فرنسوا هولاند رد على الهجمات الإرهابية بتذكير الفرنسيين بوحدتهم الوطنية وقِيم الجمهورية: الحرية والمساواة والإخاء، فعلّق أحد الزملاء قائلاً: «معنى هذا أن الإرهاب علاجه الخُطب...»، وكِدت أرد قائلاً: نعم، فهذا ما أعتقده فعلاً، لكنني ترددت ثم فضلت السكوت؛ خشية أن يُفهم خارج السياق المقصود.

ثم سألت نفسي: هل يمكن حقاً للخطب أن تعالج ظاهرة خطيرة كظاهرة الإرهاب، وسألت نفسي أيضاً: لماذا لا يتحدث المحللون والمفكرون عن الخطابة كأداة في السياسة، هل يشكّون في جدواها أم يخشون أن يفعلوا ذلك فتزدهر سوق الكلام، ويتحول السياسيون إلى فن القول بدل إحسان الفعل.

حسناً... لم يكن غرضي الحديث عن الظواهر العنيفة، نظير الإرهاب أو الجريمة، ومعالجتها، بل عن علاقة الدولة بالمجتمع، وأريد التركيز على ضرورة أن تكون هذه العلاقة منفتحة وإيجابية وصريحة. هذه هي العوامل التي - في رأيي - تَحرم أرباب العنف، سواء أكان سياسياً أم اجتماعياً، من البيئة الداعمة له أو المتساهلة معه.

أميل إلى الظن بأن الميول الإرهابية تتبلور في المجتمعات التي اعتادت التساهل مع الممارسات العنيفة، نظير الدعوة لأخذ الثأر في حالات القتل أو في حالات إهانة العِرض والشرف، وهي ممارسات معروفة في المجتمعات التي تسودها الروح العشائرية، كما نعرف. وأذكر قصة شهدتُ بعض تفاصيلها، خلاصتها أن عائلة كبيرة في قرية بشمال باكستان حاصرت عائلة أخرى، وهددت باقتحام بيتها وقتْل مَن فيه، إن لم يأتِ ابنهم ويتزوج بنت العائلة الأولى. أما السبب فهو أن هذا الابن تحدّث مع البنت، ووعدها بالزواج، لكنه سافر للعمل في الخليج، فلما عرف أهل البنت، اعتبروا أن شرفهم قد أُهين، وأن الإهانة لا يغسلها إلا الدم. وقد اضطر الشاب فعلاً لترك عمله، والزواج من دون تحضير، حفاظاً على حياة أهله. وأخبرني أن حوادث مماثلة قد جرت في قريتهم سابقاً، وقُتل فيها نساء ورجال، للأسباب نفسها.

إن مجتمعاً كهذا يمثل بيئة مناسبة لتبلور الإرهاب؛ أي العنف الذي تُحركه دوافع آيديولوجية. إن العنف بمختلف أشكاله ليس من الطبائع الأصيلة في البشر، بل هو من منتجات البيئة الاجتماعية التي تتسرب لعقل الفرد في مراحل التربية المبكرة أو فترة النضج، ويظهر على شكل عقائد، نظير «من لم يكن ذئباً أكلته الذئاب»، ونظير «ما حكَّ جِلدك غير ظفرك»، وغيرها من المعتقدات التي تنفي قيمة «رأس المال الاجتماعي» الذي يدعم الفرد عند الحاجة، كما تنفي قيمة القانون وكونه سيداً وملجأ للضعفاء والمظلومين.

مجتمعٌ كهذا، يكون في الغالب منغلقاً - ثقافياً - على نفسه، يتعامل مع الغير بارتياب، ويشعر على الدوام بأنه مهدَّد في معيشته أو هويته.

إذا ظهر العنف في المجتمع، سياسياً أو اجتماعياً أو جنائياً، فإن الرد الفوري هو «إطفاء الحريق»، كما قال لي أحد قادة الأمن في بلادنا، في مناسبة قديمة. لكن العلاج الطويل الأمد يكمن في إقناع هذه الجماعة بكسر جدار العزلة الثقافية من حولها، والانفتاح على المحيط الأوسع. هذا لا يستوي بالكلام، بل بفتح الأبواب أمامهم، والاستماع إليهم ومناقشتهم في مطالبهم، كي يقتنعوا بأنهم يمكن أن يتمتعوا بالمساواة التامة مع بقية المواطنين، إذا كانوا متواصلين فعلاً معهم ومع الإدارة الرسمية، ثم إثبات أن القانون أداة فعالة في الحصول على حقوقهم، وأنه خير من ممارسة العنف أو البكاء على الأطلال.

ينبغي لرجال الدولة أن يتحدثوا للناس، ليس فقط عن بطولاتهم ونجاحاتهم، بل في المقام الأول عما يريدون فعله، والصعوبات التي يواجهونها، والدعم الشعبي الذي يتطلعون إليه.

سيكون المجتمع معارضاً للعنف، رافضاً لأربابه ودُعاته، إذا آمن بأن الحكومة حكومته وتعمل لصالحه.

***

د. توفيق السيف

 

اجرى معظم علماء النفس الكبار تجاربهم على الحيوانات والطيور وخرجوا بنتائج عمموها على البشر، يتصدرهم بافلوف الذي اجراها على الكلاب وخرج باكثر من قانون بينها.. حين يتم اشتراط الاستجابة لمثير معين فان المثيرات الاخرى المشابهة للمثير الاصلي تصبح قادرة على استدعاء نفس الاستجابة وصارت تعرف بنظرية الاشتراط الكلاسيكي. ظهر بعده في اميركا مؤسس المدرسة السلوكية عالم النفس (سكينر) مستخدما الحمام والفئران لاظهار مدى سهولة تشكيل البيئة لمخ الحيوانات الثدية، ورفض تفسير التعلم بالربط المكيانيكي البسيط بين الاستجابة والمثير وقدم مصطلح الاشتراط الاجرائي.

 واجرى (هاري هارلو) تجاربه على القرود معتقدا انها ستمنحه افكارا اكثر دقة عن السلوك الانساني.. تبعهم صاحب نظرية العجز المتعلم (مارتن سليجمان) الذي اجرى تجاربه على الكلاب.

 وكان فرويد قد وضع نظرياته من خلال تحليل اشخاص معدودين معظمهم نساء برجوازيات وخلص الى ان سلوكيات الفرد لا يحددها عامل واحد بل ثلاثة عوامل (الانا، والهو، والانا الاعلى).. وقل الكثير عن كثيرين.

 وليس النقد هنا على ما توصلت تجارب علماء النفس على الحيوانات والطيور من نظريات اصبحت كلاسيكية.. ولكن الفرق يكون كبيرا فيما يخص سلوك الأنسان بين ان يكون البشر هم موضوع الدراسة وبين ان تكون الحيوانات والطيور موضوعها.

 وما حصل ان العراق صار مختبرا حقيقيا لعلم النفس تعرض ملايينه عبر اربعين سنة ( 1980- 2020) الى حروب كارثية، بدءا من الحرب العراقية الايرانية التي استمرت ثمان سنوات، الى حرب العراق على الكويت، الى ثلاث عشرة سنة من حصار اكل فيها العراقيون خبز النخالة المعجون بفضلات الصراصر، فالحرب الأمريكية على العراق (2003)، فالحرب الطائفية (2006- 2008) الذي بلغ عدد القتلى فيها في احد ايام شهر تموز.. مائة قتيلا، لسبب في منتهى السخافة (ما اذا كان الآخر اسمه عمر او حيدر او رزكار!).. الى حرب داعش وسقوط الموصل.. ووصولهم الى مشارف بغداد.. الى تناقضات ومفارقات في علاقات السلطة بالناس بعد 2003 ما حدثت في تاريخ العراق السياسي وما احدثته من تغييرات في الشخصية العراقية.

 ولقد شغلت هذه الاحداث عددا من علماء النفس العراقيين وحظيت بدراسات علمية في اطاريح دكتوراه، يفترض ان يصار الى توحيد مفاهيمها في تنظير جديد خاص بعلم نفس عراقي يقدم اضافات معرفية لعلم النفس على الصعيدين العربي والعالمي وتكون له هوية مميزة على الصعيد الأنساني.

وعراقيا ايضا، اجرى كاتب هذه التوطئة دراسات ميدانية على سجناء في سجن ابو غريب بينهم قتلة محكومون بالاعدام ولواطيون وزناة محارم، ودراسة تعد الاولى عراقيا وعربيا وعالميا شملت 270 بغيا وسمسيرة، واشرف على اطروحة دكتوراه شملت اكثر من 300 ارهابيا من جنسيات مختلفة في سجون العراق.. ودراسة في مستشفى الشماعية شملت قتلة مصابون بالفصام (شيزوفرينيا).. وعايش سجناء سياسيين وعاديين لسنتين ونصف في سجن بغداد المركزي وسجن البصرة وسجن الحلة، توصل فيها الى مفاهيم جديدة في علم النفس تضمنها كتابه (امراض النفس والعقل - تنظير جديد في الأسباب والمعالجات) اعتبرته شبكة العلوم التربوية والنفسية في تونس، افضل مرجع للصحة النفسية في العالم العربي.. واسس في 2003 الجمعية النفسية العراقية وانتخب من بين 15 مرشحا.. رئيسا لها.

 ان ما تقدم من انجازات علمية لعلماء النفس العراقيين وطلبة دكتوراه، الذين درسوا فيها عينات بشرية، وليس حيوانات او طيور، تعرضت لكوارث وفواجع واحزان وفقدان احبة.. في بلد صار مختبرا حقيقيا لعلم النفس.. يقدم اضافات معرفية عراقية خالصة لعلم النفس العالمي صيغت بتنظير وقوانين اجتماعية.. نأمل ان يشكل كتابنا الموسوم (نحو علم نفس عربي جديد) باكورة لعلم نفس عراقي بجهود علماء نفس قادرين على ان يخرجوا من جلباب فرويد وسكنر.. وآخرين يعدّون افكارهم حقائق ابدية.

***

أ.د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

لم يكن مصطلح «الجماهير» مألوفاً عربياً، مع وجود «الجمهور»، وهو الإشارة إلى جماعة الفقهاء، فيقال ما اتفق عليه الجمهور، أما «الجماهير» فجاءت عنواناً بديلاً عن «العوام»، فربَّما عرفه قراء العربيّة بعد ترجمة كتاب «سيكولوجية الجماهير» لغستاف لوبون، الصَّادر في نهاية القرن التاسع عشر، وكثيراً ما أشير للعامة والعوام مقابل الخاصة والخواص، ولا ننسى استخدام الأحزاب والحركات الثّورية له في خطابها، على أنها الشَّعب، وكذلك الجمهوريات الثّوريَّة، وقلما نجد الأنظمة الملكيّة استخدمت المصطلح. أتينا على مصطلح «الجماهير» بعد المشاركة في ندوة كان عنوانها «كسر الحواجز حين تخاطب المعرفة جمهورها» ضمن ندوات المنتدى الإعلاميّ السُّعوديّ، والمطلوب كسر الحواجز بين النُّخبة والجماهير.

كانت الثقافة والمعارف مِن حصة الخواص قديماً، لأن المعارف تحتاج إلى عقول لإدراكها، تبدأ بالتأهيل من الطُّفولة، والسّواد الأعظم لا يحصل على التعليم، ومع تطور وسائل التواصل صارت المعارف مشاعة، لكن مع ذلك تجد نسبة الجهل طاغيَّة، وكان السؤال كيف يوصل أهل المعرفة نتاجهم إلى الجماهير؟ فالقدماء كانوا يخشون مِن وضع المعارف في غير محلها، فيكون مردودها سلبياً، لذا ارتأوا أن تبقى متداولة بين النّخب، فإذا بسطوها انتهت قيمتها، فمثلاً سلامة موسى (1958) اقترح الكتابة باللهجة المحكية، كأسلوب لـ«كسر الحواجز» بين النخب والجماهير، لكن العربيّة محكية في عشرات اللهجات، والفكر ليس الرواية أو القصة، كتابتها باللهجة تعظم قوتها.

 إخوان الصَّفا، وهم نُخبة فكرية، (أو مجموعةٌ من الفلاسفة العرب المسلمين، عاشوا في القرن العاشر الميلادي في مدينة البصرة بالعراق، واتفقوا على توحيد المذاهب الإسلامية، والنظريات الفلسفية)، طرحوا إشكالية إيصال رسائلهم إلى الجماهير، بما عبّروا عنه بالعوام، صيانة للأفكار، وكان ذلك السبب الأول في سريتهم. قالوا: «إنّا لا نكتم أسرارنا عن النّاس خوفاً من سطوة ملوك ذوي السّلطنة الأرضية، ولا حذراً من شغب جمهور العوام، ولكن صيانة لمواهب الله عز وجل لنا، كما أوصى المسيح فقال: لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم» (الرسالة السابعة من العلوم النّاموسية والشرعية).

فالرّسائل صنّفت للعلماء والحكماء، وإذا ما صارت بيد العوام قل قدرها، فلا يطّلع عليها إلا الإنسان العارف، الذّي له صحبة كصحبة «إخوان الصّفا»، وهم بهذا لا يقدمون أنفسهم أعداء للسلطة، إنما قصدوا إشاعة المعرفة والثّقافة لأجل قيام المدينة الفاضلة بعد تهيئة العقول لقيامها، وهذا يشمل الملوك وأبناءهم، وأبناء الدّهاقين (رؤساء القرى)، وأرباب الضّياع، وسواهم (الرسالة الأولى، القسم الرياضي). لكنهم لم يحرموا الجماهير مِن المعرفة، إذا تم ذلك تحت إشرافهم، فمجالسهم مفتوحة لمن لم يفهم ما في الرّسائل، أو من لم يستطع قراءتها، إذا طلبها، له سماعها ممن فهمها واستوعبها، وليس المقصود بالمجلس هنا مصنفي الرّسائل أنفسهم، إنما من تبنى أفكاره. فقالوا: «إن كنت لا تُحسن كيف تقرأ هذا الكتاب، وكيف تحسب هذا الحساب، وكيف تزن هذا الميزان، وكيف تجوز هذا الصّراط، فهلم مجلس إخوان لك نصحاء، أو أصدقاء لك كرماء، فضلاء أخياراً علماء، محبين لك، متوددين إليك، فيعرفونك ما لا تنكره، ويعلمونك ما تتيقنه، ولا تشك فيه بشواهد من نفسك، وبراهين من ذاتك...» (الرسالة الثانية عشرة من الجسميات الطّبيعيات).

بمعنى اللجوء إلى التعليم المباشر، ومَن يطلب معرفة ما في الرسائل حُسب على النّخبة، لأنَّ الطَّلب بحد ذاته شأن نخبويّ، فالجاهل لا يطلب ولا يسأل عن المعرفة. كان ذلك أسلوب محدود لكسر الحاجز بين أهل المعرفة والجماهير، أو العوام بلغة الأقدمين. كان الوليد بن عبيد البُحتُريِّ (280هج) قاسياً غرو الكثير مِن أصحاب الأفكار والمعارف، الذين حال لسانهم يقول: «على مَن لا يفهم شعره حين قال: «عليَّ نحتُ القوافي مِن معادنها/ وما عليّ إنْ لم تفهم البقرُ» (كتاب الموازنة)، وإن تواضع «إخوان الصفا» وهم فلاسفة، ووجدوا طريقاً لإفهام العاميّ، فغيرهم قد تعصب لنخبويته، ولا يتردد مِن رمي الجماهير ببيت البُحتُريِّ.

***

د. رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

إن استمرار العرب يتحركون ويخضعون لمقتضيات التحولات السياسية دون وجود رؤية استراتيجية هو المعني بتضييع البوصلة وغياب القدرة الفعلية على مواجهة التحديات.. الممارسة السياسية سواء التي تقوم بها دولة كبرى لها أنظمتها وقوانينها، أو التي تقوم بها جماعة سياسية تعمل على تحرير أرضها من قوى الاستعمار القديم أو الحديث، فإن هذه الممارسة السياسية خاضعة لقوانين وأنظمة لا يمكن تجاوزها أو اختراقها مع غياب المصلحة الواضحة لها..

أقول إن هذه الممارسة السياسية لها جانبان أساسيان وهما:

الجانب الأول الذي يتعلق بالممارسة السياسية اليومية أو التي تقوم بها الدولة كرد فعل على ممارسة سياسية سابقة.. وهذا الجانب يسمى التكتيك السياسي. وهو الذي يعنى بإدارة وتدبير الشأن اليومي أو الروتيني وفي غالب الأحيان هذه الممارسة السياسية لا تتعدى التكتيك السياسي..

والجانب الآخر هو الممارسة الاستراتيجية، وهي الممارسة التي تتعدى التكتيك السياسي والممارسة اليومية وهي المتعلقة بالمصالح الاستراتيجية والأهداف العليا التي تسعى الدولة لتحقيقها في الواقع الخارجي.. والدول والجماعات السياسية الفاعلة تنقسم على هذا الصعيد والمستوى..

فثمة دول وجماعات سياسية قادرة على التميز والتفوق السياسي انطلاقاً من طبيعة التكتيكات السياسية المتبعة.. إلا أنها لا تمتلك القدرة على ربط هذه التكتيكات بالرؤية الاستراتيجية التي تحملها.. فهي ناجحة تكتيكيا وغير ناجحة أو بليدة على المستوى الاستراتيجي.. وهناك دول وجماعات سياسية على عكس ذلك. فهي مترهلة على مستوى التكتيك السياسي، إلا أنها حيوية وفاعلة على مستوى الرؤية والممارسة الاستراتيجية..

والصورة المثالية للممارسة، هي تلك الصورة التي تقوم بكل الخطوات السياسية التكتيكية، دون إغفال البعد والرؤية الاستراتيجية..

ولعل الكثير من الإخفاقات السياسية العربية، تعود في أحد جوانبها إلى هذه المسألة..

فغالبية العرب ينفعلون ويتفاعلون على مستوى التكتيك السياسي، إلا أنهم يغفلون عن الرؤية الاستراتيجية.. لذلك هم على الصعيد العملي يكتفون بالممارسة التكتيكية ولا يعملون على ربط هذه الممارسة التكتيكية بالنطاق الاستراتيجي. والمطلوب هو القيام بكل ما تتطلبه الممارسة السياسية من جهد تكتيكي أو استراتيجي..

وإن استمرار العرب يتحركون ويخضعون لمقتضيات التحولات السياسية دون وجود رؤية استراتيجية هو المعني بتضييع البوصلة وغياب القدرة الفعلية على مواجهة التحديات..

ولو تأملنا في واقع الممارسة السياسية العربية تجاه القضية الفلسطينية لرأينا طبيعة الفصام النكد الذي يتحكم في الممارسة السياسية العربية.. حيث تغيب الرؤية الاستراتيجية ولا يحضر عربياً إلا البعد التكتيكي.. لذلك نجد أن العرب على هذا الصعيد يراكمون من إخفاقاتهم.. والسبب في تقديرنا يعود إلى أن الجهود الكثيرة التي يقوم بها العرب ليست متوازنة بين التكتيك والاستراتيجية.. لذلك هم في الغالب يتحركون بدون رؤية استراتيجية.. والوفاء بمقتضيات التكتيك السياسي لا يعني البتة الوصول إلى بناء رؤية استراتيجية للعرب تجاه قضيتهم المركزية وفي قضية فلسطين..

فأغلب الإخفاقات تعود في تقديرنا إلى هذه المسألة.. فحينما تغيب الرؤية الاستراتيجية، تغيب البوصلة النظرية التي تحدد الأولويات وسبل تحقيقها، وتغيب القدرة على الموازنة بين القدرات والطموحات..

لذلك نجد أن العرب في أغلبهم يرفعون الشعارات الفضفاضة دون أن يمتلكوا القدرة الفعلية على تحويل هذه الشعارات إلى واقع عملي..

والبشر الذين يكتفون برفع الشعارات واليافطات الكبرى، دون امتلاك القدرة الفعلية على تحقيقها هم الذين يؤدون الى ضياع القدرة على الوصول إلى الغاية والهدف..

ومن جانب آخر فإن الجمود السياسي والترهل الإداري سواء على المستوى الاستراتيجي أو التكتيكي، يفضي إلى غياب الفعالية السياسية والقدرة على المبادرة ويحول السياسة كممارسة لضيف ثقيل على المستويات كافة..

لذلك فإن الفعالية السياسية سواء على المستوى الاستراتيجي أو التكتيكي، هي التي توفر القدرة على الاستفادة من كل الممكنات والفعاليات البشرية..

ويبدو لنا أن الخلط المنهجي بين الاستراتيجي والتكتيكي، هو الذي يفضي إلى ضياع القدرة على التكامل، ويجعل الممارسة السياسية بدون قدرة على تنظيم كل الفعاليات للحصول على كل النتائج المتوقعة.. ولعل هذا الفرق هو أحد الفروقات الأساسية بين المجتمعات المتقدمة والمجتمعات المتخلفة.

فالمجتمعات المتقدمة قادرة على ممارسة السياسة سواء في بعدها الاستراتيجي أو في بعدها التكتيكي، لذلك فهي تحصل على كل النتائج بالجهود السياسية القليلة..

أما المجتمعات المتخلفة لغياب القدرة على التمييز بين الممارسة السياسية الاستراتيجية والتكتيكية، فإنها تبذل الكثير من الجهود دون الحصول على النتائج المرجوة بمستوى الجهود المبذولة..

وعليه فإن المطلوب للخروج من هذا المأزق السياسي هو الاهتمام بصناعة الرؤية الاستراتيجية والتفكير العميق في سبل إنجاز هذه الرؤية دون التغافل عن الممارسة السياسية اليومية والتي في أغلبها تتعلق بالتكتيك السياسي..

فالمطلوب رؤية استراتيجية واضحة وصريحة، وتكتيك سياسي فاعل وقادر على ملاحقة الشأن اليومي دون الاستغراق فيه..

فالجمود السياسي الاستراتيجي يضيع الكثير من الفرص والممكنات السياسية..

كما أن الاستغراق بالممارسة السياسية التكتيكية مع غياب الرؤية الاستراتيجية يضيع الكثير من القدرات والفعاليات التي تخدم هذه المسألة..

ومن المؤكد أن معالجة هذه الإشكالية هو أحد السبل الأساسية لممارسة السياسة بعيداً عن الأعباء أو ردود الفعل، التي قد نستجيب لها بدون رؤية أو خطة حقيقية..

أحسب أن الاهتمام بهذه المسألة، يوفر على المستويين الاستراتيجي والتكتيكي القدرات البشرية القادرة على الاستجابة المطلوبة لكلا المستويين.

***

محمد محفوظ

من إسلام آباد إلى الأنبار 

تزامن اليوم الجمعة الموافق بتاريخ 6/2/2026 تفجيران إنتحاريان، كان الأول في باكستان تحديدا في ترلاي إسلام آباد والثاني في العراق تحديداً مضافة في صحراء الأنبار، كان الهدف منه هو التهديد الأمني ذات الطابع المتطرف العنيف الذي تركتبه نفس الجماعة، وضد نفس الجماعة الهدف في إيديولوجيتها، فوحدة الهدف الإرهابي الذي يسعى له هذا الخط الإرهابي الممتد من أقصى الشرق مرورا بباكستان حتى يأخذ بالتوسع في جغرافية اقليم الشرق الأوسط ويمتد حتى جنوب أفريقيا، ليس بالضرورة أن يكون تنفيذا في هذا الأقليم وإن كان يقع، بل ممكن أن يكون تخطيطاً ودعماً، وأقصد بذلك الجذور التمويلية لتلك الجماعات المتطرفة التي تدفع بتنفيذها الأرهابي نحو هدف واحد وهو "الشيعة" حيثما كانوا أو من ينالهم تكفيرهم وإتهامهم وتخوينهم .

وبما أن التطرف ينمو في البيئات الهشة فكرياً، وعقائدياً، واقتصادياً، وسياسياً، فتتكالب على تمويله دول كثيرة، وبدوافع كثيرة أيضاً، مرة يكون بهدف زعزعة الأمن من دون أن يكون الهدف المحدد مهما في حد ذاته، ومرة بدوافع مقصودة لهدف مقصود، ومرة لإحداث توترات أمنية يسوغ عمليات أمنية أوسع، كالتي تدعيها أميركا حين تريد التدخل في أمن الدول، ومرة تكون دوافع سياسية تنشأ عبر الاستهداف، والإقصاء، والتهميش، لأحداث اضطرابات سياسية وانقلابات واسقاط أنظمة .

لعل الخوض في تاريخ هذا العنف الطائفيٍ يبعدنا نسبيا عن حادثة اليوم وهو التزامني الأمني لنفس التفجير الإرهابي ولنفس الوسيلة وهو (الجسد) عندما يكون أداة قتل وإبادة يقصد بها النيل من الهدف عن قرب وملاصقة، في لحظة تفجير تستهدف نفس العينة، حين يكون مصلياً، بريئاً، وغافلاً، ومطمئناً، كالذي حدث في باكستان، أو يكون في وضع الدفاع، أو الهجوم، كالذي حدث في الأنبار – العراق.

لم يتبنى الهجوم الإنتحاري الناتج عن التطرف الطائفي العنيف في باكستان اليوم من أي جهة متشددة أو متطرفة عنيفة أو إرهابية، وهو في الغالب حدث ينتج عن جماعات معروفة بعدائيتها للشيعة في باكستان مثل جماعة منظمة لشكر جهنكوي، وجند الله، وتنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش)، وسباه صحابه، هذه التنظيمات المتطرف العنيفة نفذت أغلب عملياتها وأوسعها ضد الشيعة، فهي تعدهم العدو الدود لها. كما أنها لم تستثن السنة والصوفية والمسيح من هذا الاستهداف بقدر تعاونهم مع الشيعة أو قربهم منهم أو بدوافع تكفيرية ضد الجميع . وبالفعل نفذت عمليات موسعة ضد الشيعة بين قتل على الهوية، وبين تهميش سياسي، وبين صراع اجتماعي، أو بين المحاصرة والتضييق أو بين الهجوم العلني على أبناء الطائفة الشيعية، أو استهدافهم بالتفجيرات الانتحارية، أو الانجرار الى الحرب الطائفية بين الطرفين .

نتج عن ذلك أرقام كبيرة تقدر بعشرات الالاف من القتلى من هذه الطائفة، طالما احصتها منظمات دولية، مثل: منظمة العفو الدولية، ومنظمة حقوق الإنسان الدولية، ومنظمات أوربية معنية بمتابعة الصراع الطائفي بين الإرهاب المتنامي في باكستان والضحايا الشيعة الأثنى عشرية. إذ سجلت هذه المنظمات احداث التطرف العنيف في باكستان بشكل لافت منذ أسامة بن لادن وحتى داعش من أنه جاء نتيجة تمويل خليجي ويساعد ويدفع ويحث على إبادة هذه الطائفة الشيعية الأثنى عشرية.

وقد تمثلت مثل هذه الدوافع المعلنة في العراق منذ حكم صدام حسين حين قال: (لا شيعة بعد اليوم) ابان الانتفاضة الشعبانية في عام 1991 وكررها الزرقاوي والظواهري وأبو بكر البغدادي ونهج على سبيلها تنظيم داعش الذي يتنامى نشاطه الإنتحاري هذه الإيام لا سيما بعد ما أعلن عن أختيار المالكي مرشحا للأطار التنسيقي الشيعي لرئاسة الوزراء ومحاولات اختراق أمني عبر إنتحاريين تم القبض على أحدهم وهو مرتدي حزاماً ناسفاً في 27 يناير 2026 واليوم تكرر المشهد بعد تعقب مضافات داعش في صحراء الأنبار ليفجر منهم إنتحاريان نفسيهما على قوة أمنية تلاحقهم هناك.

فالرابط بين هذه الأحداث هو وحد الهدف الإرهابي الذي يجعل التنظيمات الارهابية تتخذ وضع الإنتحار في جميع المناسبات وفي كل الأوقات، لا سيما في مناسبات تخص الشيعة، مثل: شهر محرم وشهر صفر، وفي أيام عامة تخص المسلمين، مثل شهر رمضان الذي تزاد فيه العمليات الإرهابية ضد الطائفة الشيعية وكأنهم يتخذوها طاعة وعبادة ! والتقرب بقتل الشيعة حيثما وجدوهم .

بينما القواعد الشرعية والأخلاقية في هذه الأشهر الحرم هو إيقاف القتال والتسامح والوئام بين المسلمين عبر وحدة الهدف العبادي وهو طاعة الله ووحدة المسلمين المفترضة بين طوائفه ! ولكن لإجندات السياسة والتطرف والإرهاب وداعميه قولاً آخر .

***

د. رائد عبيس

مشهد دموي وقع اليوم في باكستان وتحديدا في منطقة ترلاي في إسلام آباد في تاريخ 6/2/2026، هو في الحقيقة حدث يمتد عبر سلسلة إجرامية غير منقطعة من العنف الطائفي، والكراهية، والتحريض الطائفي، وإعلان العداء، وإبداء دوافع الإبادة بشكل واضح في خطاب هذه الجماعات المتطرفة، أو عبر الشحذ الطائفي الديني العنيف، أو التكفير، والتفسيق، وأحكام الخروج من الملة الذي يستوجب في أحكامهم حد الرفض والقتل، كما هو جار في باكستان اليوم وأمس ومنذ زمن طويل.

فالخلفيات التأريخية والعقدية لهذا التطرف تبرهن على أن الدين عندما يتحول إلى موروث شعبي يكتسب خطورة استثنائية  يصعب السيطرة عليها، ويضفي تعقيدا على الدين والسياسية على السواء، بل وعلى كل ما يرتبط بالحياة. مما يحول أتباعه إلى عصبة مغلقة متعجرفة لا تمنح للعقل دور ولا للمعرفة أهمية بقدر ذلك الموروث الذي غذي بنزعة من العدائية المفرطة اتجاه الآخر المختلف عنها بالتوجه العقدي والفكري والرأي وحتى تقاليد الحياة العبادية .

لو سألنا لماذا هذا العنف الطائفي ضد الشيعة في باكستان؟

سنضطر حينها إلى الخوض في بطون التأريخ لنبحث عن أول رأي متصلب اتجاه التشيع وأئمته في حياة المسلمين منذ الأيام الأولى لتولي الإمام علي عليه السلام لقب أمير المؤمنين وهو الأمام الأول لدى الشيعة في العالم .

وإذا سألنا نفس السؤال في التاريخ القريب فسنجد أن العداء تصاعد منذ الثمانينات من القرن الماضي، حينما تدخلت عوامل كثيرة خارجية، ومنها الاستعمار ودخول الوهابية الى باكستان وداخلية منها تنامي الحركات المتطرفة بفعل الشحذ الطائفي نتيجة للعامل الخارجي، وما رافقه من العزل السياسي لطائفة والتهميش الطائفي على حساب طائفة اخرى، لمحاولة الإستفادة من الشرخ المذهبي بين السنة والشيعة المتحقق بفعل هذه العوامل وغيرها، لتحقيق اجندات ذات دوافع متعددة، لا سيما في البلدان التي لم يكن بينهما تعايش سلمي أو تزعزع هذا التعايش نتيجة ظروف سياسية طارئة كالتي حدثت في العراق، وفي سوريا، ولبنان، واليمن، وباكستان، والهند، والسعودية، والبحرين .

تزايدت هجمات الجماعات المتطرفة ضد الشيعة في باكستان

منذ ذلك العقد، ولكن عمليات القتل بلغت مستويات غير مسبوقة في عام 2013، حيث قُتل نحو 700 شيعي. وكان أغلب القتلى هم من الهزارة الشيعة في إقليم بلوشستان والذي وصفته منظمة هيومن رايتس ووتش بأنه "أكثر الأعوام دموية للشيعة في الذاكرة الحديثة" في باكستان وأن معظم الهجمات المنفذة ضد الشيعة في باكستان كان من قبل ثلاث جماعات مسلحة: وهم جماعة سباه صحابة باكستان، وجماعة لشكر جهنكوي، وحركة طالبان باكستان. وهي جماعات سنية متطرفة، تُصنّف الشيعة على إنهم كفارًا ومرتدين، ويجب أن يُعاقبون بالإعدام. كما تُمارس هذه الجماعات دعاية معادية للشيعة، وخطاب كراهية على جميع مستويات المجتمع الباكستاني. ونتيجة لذلك، يعيش الشيعة الباكستانيون في جميع أنحاء البلاد في خوف دائم.

ومع ذلك، فقد أسفرت السجلات التفصيلية للهجمات على الشيعة، التي جمعتها شبكات منظمات المجتمع المدني الشيعية، عن أرقام إجمالية أعلى بكثير. ويعود ذلك إلى أنها تسجل حوادث فردية لم تتناولها التقارير الإعلامية العامة، وإلى أن العدد النهائي للضحايا في الهجمات الجماعية غالبًا ما يكون أكبر من العدد الوارد في التقارير الأولية. وبذلك، ويسجل المجلس الدولي للإمام الحسين عليه السلام لا تتأثر الطائفة الشيعية فقط بموجات القتل والتفجيرات الانتحارية، بل بتعرضهم أيضًا لأشكال مختلفة من خطاب الكراهية، وأكثرها شيوعًا حملات تشويه عقيدة الشيعة والتحريض عليهم في المساجد، والمدارس، والأماكن العامة، وبشكل متزايد على وسائل التواصل الاجتماعي. يُشوهون عقيدة الطائفة الشيعة بسبب معتقداتهم الدينية، ويتم استهداف أفراد منهم بالانتقاد. وتصفهم هذه الحملات علنًا بالمرتدين، أو الزنادقة، وتدعو السنة إلى قتلهم.

على سبيل المثال، تزعم جماعة لشكر جهنكوي أن:

"جميع الشيعة يستحقون القتل، سنطهر باكستان من النجاسة. باكستان تعني أرض الأطهار، وليس للشيعة الحق في العيش في هذا البلد. لدينا الفتوى وتوقيعات..." علماءٌ مُبجَّلون، يُعلنون الشيعة كفارًا. تمامًا كما يفعل مقاتلونا بعد أن شننا جهادًا ناجحًا ضد الشيعة الهزارة في أفغانستان، فإن مهمتنا في باكستان هي القضاء على هذه الطائفة النجسة وأتباعها من كل مدينة، وكل قرية، وكل ركن من أركان باكستان " .

في يناير 2013، رُفعت دعوى قضائية في محاكم ملتان ضد جماعة سباه صحابة بتهمة التحريض على العنف ضد الشيعة. وشملت الأدلة المقدمة في هذه القضية اقتباسات من خطابات قادة الجماعة في اجتماع للصلاة في المنطقة، حيث دُعي الناس إلى قتل الشيعة.

كما طالبت قضية أخرى باتخاذ إجراءات ضد ثمانية أفراد مسؤولين عن كتابة خطاب كراهية على جدران المنطقة. وأفاد ناشطون بأن الكتابة على الجدران التي تحرض على العنف ضد الشيعة أصبحت شائعة ونادرًا ما تُزال، لأن الشرطة وعامة الناس يخشون القيام بذلك. لقد نشأ جيل جديد في باكستان يقرأ هذه المواد التحريضية. ويذكر ناشط شيعي، من إسلام آباد، لم يكن هذا النوع من الكراهية موجودًا، قبل سبعينيات القرن العشرين.

اذ أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك، منصةً لخطاب الكراهية والتحريض. ولدى جماعة سباه صحابة (SSP) وداعش والقاعدة وغيرها من الجماعات الدينية المتطرفة مواقعها الإلكترونية وصفحاتها الشخصية التي تعرض حملات عنيفة ضد الشيعة.

وتتضمن هذه الصفحات دعوات علنية لقتل الشيعة وتمجيد الهجمات ضدهم. وفي إحدى الحالات، دعت جماعة "سباه صحابة" وجماعات مسلحة أخرى، بما في ذلك حركة "تي بي بي"، إلى الانخراط بشكل أكثر فعالية في أعمال العنف ضد الشيعة.

ويؤكد بعض النشطاء الشيعة على أن تشويه سمعة الشيعة يقتصر على تفسير متشدد للمدرسة الديوبندية من الإسلام السني، والتي يشكل أتباعها أقلية في باكستان فضلا عن الوهابية الدخيلة على باكستان.

مع ذلك، يتزايد التعصب الطائفي في باكستان، وقد أدلى بعض رجال الدين البريلويين بتصريحات معادية للشيعة، أصبح وضع الهزارة في كويتا الآن خطيرًا للغاية، بسبب ملامحهم المميزة، يُعدّ السفر خارج أحيائهم أمرًا بالغ الخطورة. إضافةً إلى الهجمات البارزة التي تتصدر عناوين الأخبار، تتكرر حوادث إطلاق النار وغيرها من الهجمات ضد أفراد أو مجموعات صغيرة من الشيعة في كويتا وفي إسلام آباد، كان آخرها التفجير الذي وقع اليوم في 6/2/2026 والذي تبناه تنظيم داعش والقاعدة، اذ أوقع عشرات القتلى وأكثر من مئة جريح، وخلف استياء شعبي من تكرار هذه الحوادث التي أفقدتهم شعورهم الحاد بانعدام الأمن.

***

د. رائد عبيس

....................

المصادر:

1-  موقع الجزيرة نت، عشرات القتلى "بتفجير انتحاري" استهدف حسينية في إسلام

  https://www.aljazeera.net/news/2026/2/6

2-  Farah Mihlar ,Everything has shattered’– rising levels of violence against Shi’a in Pakistan www.minorityrights.org

اسمهم: منذ الالف الثاني ق.م، ورد في النصوص المسمارية في العراق القديم (السومرية والأكدية) ألفاظًا مثل (كوردو، وكاردو، وكرتو) بوصفها أسماء سكان (جبال زاغروس) الفاصلة بين العراق وايران، كجماعات جبلية وليس قومية او لغة محددة. وطيلة التاريخ وحتى العصر الحديث، ظلت هذه الجماعات الجبلية تهبط الى (وادي النهرين: العراقي السوري) وتمتزج بالسكان وتشكل جزءا من تكوين السومريين والبابليين ثم العرب. وايضا طيلة التاريخ ظل سكان وادي النهرين ينتقلون الى هذه الجبال لاسباب مختلفة، ولنا مثال (العوائل العباسية) التي استقبلها الاكراد بعد اجتياح بغداد من قبل المغول.

ـ ديانتهم: الأكراد مسلمون عمومًا، ونحو 70 إلى 80 بالمئة منهم (سنّة شافعيّة). منذ القرن التاسع عشر انتشرت بينهم الطرق الصوفية بقوة، خصوصًا (النقشبندية) في شمال العراق و(القادرية) في شمال شرق العراق. كذلك توجد طوائف غير سنّية، مثل (الشيعة) و(الكاكائية) في جبال ايران والعراق، و(العلويون: أكراد وأتراك) في تركيا، إضافة إلى (الإيزيديين) وهم (مزيج كردي عربي: اسلامي صوفي مع معتقدات قديمة) في شمال غرب الموصل. وقبل سنوات بدأت تتكون في (كردستان العراق) لـ(طائفة مجوسية) تدعي انها تمثل ديانة الاكراد الاصلية، رغم ان جميع الاثار المعروفة في المناطق الكردية العراقية مرتبطة بحضارة العراق القديم البابلية الاشورية ثم الاسلامية، وليس هناك أي آثار مجوسية.

لغتهم: الكردية الحالية تتكون من (لغات او لهجات متميزة ثلاث: الهورامية والسورانية والكرمانجية) وتنتمي إلى (العائلة الهندوأوروبية) ولها علاقة بـ(الفارسية) ولكنها من حيث البعد أشبه ببعد(العربية) عن اللغات السامية الإثيوبية. هنالك تقديرات بأن الكلمات العربية في الكردية اكثر من الكلمات الآرية الإيرانية. اما عن تاريخ هذه اللغة فحتى الآن لم يتم العثور على أي آثار تاريخية مكتوبة تساعد على معرفة التاريخ اللغوي والثقافي للسكان الاوائل في جبال زاغروس. لكن في كل الاحوال، الكردية الحالية مثل غالبية لغات العالم، قد تم فرضها في القرون الآخيرة على سكان الجبال من قبل (قبائل آرية) مهاجرة من ناحية ايران.

الكتابة: طيلة قرون ظلت الكردية مثل غالبية لغات الارض (لغة شفاهية) لم تترك لنا تراثًا مكتوبًا قبل بضعة قرون. بدأ انتقالها البطيئ المتقطع الى (التدوين الكتابي) حوالي عام 1500 م، ثم في القرن التاسع عشر دخلت مرحلة (اللغة القومية) بالمعنى الحديث.

ـ أقدم نص كردي تراثي معروف هو (شعر منسوب شفهيًا لعلي حريري) في تركيا الحالية، حوالي القرن الخامس الهجري دون أي مخطوط محفوظ.

ـ أقدم (تدوين كردي) فعلي كان بـ(الكردية الهورامية) حوالي 1500م في نصوص دينية مكتوبة بالحرف العربي في جبال زاغروس الإيرانية العراقية.

ـ عام 1597 م ظهر كتاب (شرفنامه( بالفارسية، لـ(الأمير والمؤرخ الكردي شرف الدين البدليسي) وهو من ايران الصفوية ثم انتقل الى السلطان العثماني. وهو اول كتاب مفصل عن اصول قبائل وامارات الاكراد، وفيه ذكر بأن اغلبية هؤلاء الامراء من (اصول عباسية عربية عراقية).

ـ حوالي 1600 ظهر (أول أدب كردي) مكتوب موثّق بـ(الكردية الكرمانجية) وهو شعر (ملا جزيري (تركيا الحالية) ومخطوطاته محفوظةٌ.

ـ حوالي 1800 بدأت(الكردية السورانية) تظهر كلغة كتابة بالحرف العربي في العراق مع شعر (ملا مولوي التاوگوزيّ) وانتقال المركز الثقافي إلى مدن شهرزور والسليمانية العراقية.

ـ بين 1820 و1860 ظهرت أول (نصوص كردية مطبوعة) بالحرف العربي عبر بعثات أوروبية مسيحية بـ(الكرمانجية) لأغراض تبشيرية، لكنها لم تؤثر وتستمر لتمسك الاكراد بالاسلام.

ـ 1898 صدرت (صحيفة كردستان) بالحرف العربي في القاهرة كأول صحيفة كردية بـ(الكرمانجية) بجانب (التركية)، وقد اصدرها لاجئون من أكراد تركيا، وهي بداية التعبير السياسي الحديث بالكردية.

ـ بعد 1928 فرضت تركيا الأبجدية اللاتينية ومنعت الحرف العربي، فظهرت (أبجدية كردية لاتينية تركية) خاصة باكراد تركيا، سنة 1932 عبر (مجلة هاوار) الموجّهة لأكراد تركيا، وصدرت في دمشق من قبل لاجئين من أكراد تركيا.

ـ في العراق وإيران استمرت (الكردية السورانية) بالحرف العربي المعدل، بينما استقرت الكرمانجية في تركيا وسوريا على الحرف اللاتيني التركي.

ـ العراق كان البلد الاول الذي سمح وشجع رسميا وشعبيا النشاط الثقافي لـ(أكراده): عام 1914 صدرت في بغداد مجلة "بانكي كردي" ثم تلتها صحف عديدة وحتى الآن. في عام 1931 اقر تعليم الكردية في مناطق الاكراد، وفي عام 1939 خصص اذاعة ناطقة بالكردية. وهكذا استمر توسّع الحقوق الثقافية الكردية بعد اتفاقية آذار 1970.

علما بأن (دولة فرنسا)، تعاملت مع لغاتها القومية (البروتون والباسك والكورس والأوكسيتان والالزاس)، كالتالي:

1881–1882 قوانين جول فيري: تعليم إلزامي بالفرنسية فقط.

1951 قانون ديكسون: سماح محدود بتدريس لغات إقليمية.

1981 عهد فرانسوا ميتران: توسع ثقافي بلا ترسيم.

1992 الدستور: «لغة الجمهورية هي الفرنسية».

النتيجة: اعتراف ثقافي جزئي، دون حقوق لغوية كاملة.

***

سليم مطر ـ جنيف

...........................

مصادر اساسية عن الثقافة الكردية:

ـ لتسهيل ايجاد المصادر اكتب في المبحث العناوين التي ترغبها. مثلا عن ثقافة اكراد العراق، اكتب:

ـ الكلمات العربية في الكردية

ـ تاريخ الاذاعة الكردية في العراق

ـ تاريخ تعليم الكردية في العراق

ـ تاريخ الصحف الكردية في العراق

ـ مصادر اساسية بالعربية:

ـ شرف خان البدليسي، شرفنامه، قسم ذكر أمراء كردستان وأنسابهم، فصول بهدينان والعمادية وبوتان وحكاري وسوران..

ـ عبد الكريم المدرس: المعجم الكردي

ـ محمد أمين زكي، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، فصل مشايخ برزان.

ـ عباس العزاوي، عشائر العراق، الأجزاء الخاصة بعشائر شمال العراق.

مصادر اجنبية:

- MacKenzie, D. N : “Kurdish Dialect Studies

- Ferdinand Hennerbichler: “The Origin of the Kurds.” Advances in Anthropology, Vol. 2, No. 2, 2012, pp. 64–79. Published by Scientific Research Publishing.

.Gernot Windfuhr: Kurds, Kurdish Language.” Encyclopaedia Iranica, online edition, New York, Columbia University, dernière mise à jour continue.

في ملف "جيفري إبستين" الذي لم يبق أحدٌ ممن له علاقة بالسياسة وممن لا علاقة له بها من الحديث عنه، لا أريد إعادة ما قيل، لكن ما لفتني حقًّا وجود شخصية عظيمة كان لها الدور الفاعل في فتح ملفّات هذه القضية الحسّاسة المحميّة من جهات سياسية عليا في الولايات المتّحدة الأمريكية، وفي محاولة واضحة لانزعاج الرئيس الأمريكي "ترامب" من خطورة هذه الملفات على مستقبله السياسي وأنه أحد أبرز المتّهمين مع "ابستين" والمتستّرين على جرائمه، بل لا يبعد أنْ يكون مشتركًا معه في هذه الجرائم الفضيعة التي يندى لها جبين الإنسانية، جدد دعوته إلى تجاوز الجدل المثار حول قضية إبستين، مؤكدًا أن "الوثائق التي تم الكشف عنها مؤخرًا لا تتضمن ما يدينه، تثبت تعرضه لاستهداف سياسي. وخلال حديثه للصحفيين في البيت الأبيض، أوضح ترامب أنه لم يظهر في الوثائق أي دليل ضده، معتبرًا أن ما أُثير سابقًا كان جزءًا من مؤامرة حيكت ضده من قبل أطراف عدة، من بينهم إبستين. وأضاف أن الوقت حان لترك هذه القضية والتركيز على ملفات تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، مثل الرعاية الصحية وقضايا المعيشة اليومية". وهذه الشخصية العظيمة تجلّت لنا بالصحفية الاستقصائية جولي ك. براون وهي مراسلة صحيفة ميامي هيرالد، إذ لم يكن سقوط جيفري إبستين، المحاط بالمال والنفوذ والعلاقات السياسية الرفيعة، نتيجة تحرك قضائي مفاجئ أو صحوة ضمير متأخرة لدى المؤسسات، فكان لثمرة جهود عامٍ كامل من العمل الصحفي الاستقصائي المضني قادته هذه الصحفية "البطلة" أن تكشف للعالم أجمع ملفّات هذه الجرائم البشعة، فقد تحولت إلى رمز عالمي للصحافة الاستقصائية، بفتحها إحدى أكثر القضايا التي حاولت النخبة المالية والسياسية في الولايات المتحدة دفنها، وكشفت كيف انحرفت العدالة عن مسارها لصالح رجل محمي بشبكة نفوذ غير مسبوقة، رغم التهديدات غير المباشرة، ومحاولات الترهيب، تقول براون إنها لم تشعر يومًا بأنها مستهدفة مباشرة، ربما لأن محيط إبستين استهان بها، واعتبرها "مجرد صحفية من صحيفة محلية تكتب عن قصة قديمة"؛ لكن هذا "الاستخفاف" كان أحد أسباب نجاحها.

ورغم كل ما حققته، تصر براون على أن الأبطال الحقيقيين هم الضحايا؛ حيث تقول: "الفضل يعود للنساء اللواتي تجرأن على الكلام بعد سنوات من الخوف والصمت".

وحمل تحقيق براون اسم "انحراف العدالة"، ونشر بالكامل في موقع ميامي هيرالد. ولقاء عملها التحقيقي، فازت الصحفية الأمريكية عام 2018، على جائزة جورج بولك، عن فئة التقارير المتعلقة بالعدالة عام 2018، حول فضيحة إبستين ودور الدعي الفيدرالي ألكسندر أكوستا، في محاولة إخفاء جرائمه.

كما حصلت على جائزة نيل وسوزان شيهان لعام 2019، من معهد الصحافة الوطني الأمريكي، تقديرا لتحقيقها الاستقصائي في ملفات إبستين.

وحازت براون على جائزة هليمان للصحافة، من مؤسسة سيدني هيلمان، تقديرا لتحقيقها المكون من 5 أجزاء بعنوان "انحراف العدالة"، والذي نبش جرائم إبستين وأظهرها للعلن.

أصبحت جولي ك. براون أيقونة للصحافة الاستقصائية، وحصلت على جوائز مرموقة، أبرزها جائزة جورج بولك، وأصدرت كتابها "عدالة منحرفة: قصة جيفري إبستين" - "Perversion of Justice: The Jeffrey Epstein Story".

وهنا أقول: إنَّ من دواعي الإنصاف أن ننظر إلى الغرب بأنه غربان، غربٌ مُجرم يؤيّد الظلم ويرتكب المجازر البشعة بحق شعوب الأرض المستضعفة ويُملي أرادته عليها، ويستنزف خيراتها، ويحاول أنْ يجعلها خاضعةً خانعةً لإرادته محتاجةً إليه في كلِّ شيء؛ ليبقى سيِّدًا عليها، ولا يكتفي بذلك بل في مجتمعه يُمارس أقذر الجرائم تحت غطاء قانوني، وما جريمة "جيفري ابستين" إلا واحدة من هذه الجرائم الكثيرة على مرِّ تاريخه، وهنالك غربٌ آخر يقف بالضدِّ من تلك الممارسات الظالمة والاعتداءات الإجرامية بحق مجتمعه أولاً وبحقِّ الشعوب الأخرى، وليس بعيدًا عنّا ما حصل من مظاهرات عارمة في مختلف دول أوربا وفي أمريكا، واحتجاجات شعبية واسعة تدين اعتداء الكيان الغاصب على غزة، وتطالب بمحاكمة مرتكبي تلك الجرائم، فيما لم نشهد مثيلاً لتلك المظاهرات الشعبية العارمة في دولنا العربية الإسلامية، كلُّ هذا ينبغي أنْ لا نغضّ عنه الطرف، ونعمِّم بالحكم: إن الغرب كلّه مدان بالظلم والإجرام وارتكاب المحرّمات والموبقات، فهنالك شعوبٌ مظلومة تئنُّ من وقع سياط حكومات مستبدّة، وتدفع بشعوبها إلى مزيد من الاحتقان، وهذه الصحفية لو لم يكن لديها ضميرٌ حيّ، ورسالة إنسانية سامية في عملها الصحفي، لما دفعها إلى تخطّي الممنوع في كشف ملابسات قضية مسوّرة بحماية أعتى حكومة على وجه الأرض، فكان لها الفضل في تعرية الإجرام بحق الإنسانية في وقت تحاول أمريكا أنْ تظهر بوجهٍ ناعم بزعمها أنّها تدافع عن حقوق الإنسان وتحارب بالنيابة عن دول العالم لكلِّ من يقف بوجهها..!

وأخيرًا أرى لو كان لدينا في العراق، مثل هذه الصحفيّة، وكشفت ملفّات فساد مالي وإداري وغيره لدى سياسيين، أيًّا كان انتماؤهم، لكان أوّل من وقف بوجهها أبناء جلدتها، ورموها بتُهم جاهزة مثل: "الدونية"، "بنت سفارة"، "سيداو"، أو إشاعة أنها كانت "رفيقة بعثية" في سابق عهدها، أو أنّها غير شريفة.. إلخ وليس بعيدًا مثل هذه الاتّهامات التي نسمعها كل يوم لكلِّ من يختلف مع هذه الجهة أو تلك، في حين نرى الكثير من المحسوبين على الصحافة يأخذ موقف الحياد – غير المُبرر- الذي يُمارسه لأجل أنْ يحافظ على مكانته في هذه المؤسسة أو ذلك الحزب الذي ينتمي إليه آملاً بالحصول على مكاسب كثيرة، ما جعلهم أبعد ما يكونوا عن أداء مهمّتهم الصحفية التي تتمثّل بكشف الحقيقة لا غير والوقوف مع الحق أيًّا كان انتماؤه وتوجّهه، الأمر الذي أدّى إلى استفحال الظلم وتفشّيه، من دون رادعٍ يحمي الصحفيّ الذي يحمل مبادئه بيد وخشبته على رقبته ينتظر من يصلبه عليها..!

***

وسام حسين العبيدي

تثير محاولات "التوأمة الجديدة" بين بعض الجامعات العراقية الاهلية والجامعات البريطانية اسئلة جوهرية حول فلسفة ادارة التعليم العالي اليوم. نحن امام مشهد يكرس سياسة القطيعة مع الماضي، حيث تجمد المشاريع الناجحة عمدا ليعاد طرحها لاحقا كانجازات مستحدثة، في تجاهل تام لارث جامعتي بغداد وبابل الحكومية اللتين وضعتا اللبنات الاولى لهذه البرامج دون تحميل الطلبة اعباء مالية اضافية. هكذا ينتقل المشهد إلى الجامعات الأهلية، لكن هذه المرة وقد فقد جوهره المعرفي، ليتحول من مشروع رائد الى شراكة تجارية تفاقم أزمة التعليم العالي.

لقد عرف العراق في الماضي تجارب رصينة في مجال التوامة العلمية مع جامعات عالمية، كان ابرزها برنامج التعاون بين جامعة بغداد وجامعة سوينبرن للتكنولوجيا في استراليا، الذي مثل نموذجا متقدما للتبادل الاكاديمي، حيث اتاح للطلبة فرصة اكمال جزء من دراستهم في جامعة سوينبرن مع الاستمرار في ارتباطهم بجامعة بغداد، وهو ما منحهم شهادات ذات بعد عالمي دون ان يفقدوا صلتهم بالجامعة الوطنية. كما شهدت جامعة بابل برامج توأمة مع جامعات بريطانية مثل ليفربول ونورثمبتون وجون موريس، اتاحت للطلبة ايضا اكمال جزء من دراستهم في تلك الجامعات البريطانية مع الحفاظ على انتمائهم لجامعة بابل، الامر الذي عزز جودة المناهج واكسبهم خبرات دولية حقيقية دون تحميلهم اي اعباء مالية.

والى جانب ذلك، شاركت جامعة بغداد في مشاريع اوروبية مثل مشروع  WALADU لتطوير برامج البكالوريوس في علم الاثار، ومشروع  EDUU لتعزيز التعليم والتراث الثقافي، فضلا عن تعاونها مع جامعة ريغنسبورغ الالمانية في التعليم الرقمي للعلوم التاريخية، ومع جامعة ارتوا الفرنسية في تبادل الطلبة والاساتذة وتنظيم المؤتمرات المشتركة.

هذه التجارب، على اختلاف اشكالها، كانت تؤكد ان التوأمة المنتجة معرفيا تقوم على بناء القدرات وتراكم الخبرة وتطوير المناهج، وانها حين تبنى على اسس مؤسسية راسخة تفتح امام الطالب افاقا جديدة وتمنح الجامعة مكانة علمية حقيقية، بخلاف ما نشهده اليوم من توأمات شكلية تختزل التعاون الدولي في بعد تسويقي او دعائي، وتتركز في الجامعات الأهلية حيث تكتنفها حمولات مالية، فتتحول من أداة للنهوض العلمي إلى عبء يكرّس التراجع وفقدان الثقة.

ان التوأمة العلمية الرصينة لا تختزل في تبادل الشعارات او شراء العلامات التجارية، بل تقوم على التبادل البحثي والمعرفي الحقيقي، وعلى بناء القدرات المؤسسية التي تضمن تطوير المناهج وتدريب الكوادر، وعلى الاستدامة التي تجعل هذه البرامج جزءا من هوية الجامعة الوطنية، وعلى وضع الطالب في قلب العملية التعليمية عبر توفير فرص دراسية وبحثية ومنح وتسهيلات تفتح امامه افاقا جديدة.

اما التوامة الشكلية او التسويقية فهي التي تكتفي بالاستعراض وتغفل المضمون، حيث تحول الاتفاقيات الى صفقات ورقية تحمل تكاليفها على الطلبة، وتقدم كوسيلة لجذبهم عبر الدعاية والوجاهة الاجتماعية، فيما تغيب عنها اي تراكم مؤسسي او انتاج معرفي حقيقي. انها توأمة تستخدم كاداة لانقاذ ارباح الجامعات الاهلية المتراجعة، لا كجسر لنقل المعرفة او تطوير البحث العلمي.

ان خطورة هذا الاختزال تكمن في تحويل المؤسسة التعليمية من محراب للعلم الى ماكينة للربحية والاستقواء بالمال، وفي افراغ مفهوم التعاون الدولي من محتواه الحقيقي، بحيث يصبح مجرد وسيلة للتباهي لا اكثر. وهنا يبرز التحدي الاكبر: كيف يمكن اعادة الاعتبار الى التوأمة العلمية بوصفها مشروعا وطنيا ينهض بالجامعة والطالب معا، لا مجرد صفقة تجارية تسوق على حساب المعرفة؟

ما نحتاجه اليوم هو استعادة روح المبادرة الوطنية التي تدعم الطالب وتبني المؤسسة، لا تلك التي تستخدمه كاداة لتمويل صفقات التوأمة التجارية. فالتوأمة الرصينة يجب ان تكون جسرا لنقل المعرفة وتطوير البحث، وان تعيد الاعتبار الى التراكم المؤسسي الذي يشكل اساسا لاي نهضة تعليمية حقيقية.

***

ا. د. محمد الربيعي

يبدو، ومنذ اليوم الأول لظهور الحياة على هذا الكوكب، درج نظام الوجود على إرسال مسيح ما (مخلص أو قائد) على رأس كل حقبة زمنية من عمر هذه الحياة. لكن ورغم استخدامي لكلمة أو توصيف مسيح (وهي بمعنى مُخلص)، فإن هذا لا يعني، أن هدية نظام الوجود هذه تكون صالحة بالضرورة في كل مرة أو كل حقبة.

وإذا ما استعرضنا تاريخ الحياة في هذا الجانب، ومنذ ظهور أول الميثولوجيين أو مخترعيّ أساطير تفسير الوجود، نجد أن الكثير من هؤلاء (المُخلصين) لم يكونوا سوى زعماء سياسيين (أباطرة، ملوك، صانعي أمجاد بطولية بهدف السيطرة على المُلك) وقادة عسكريين يتمتعون بطموح أسطوري وخارق لحدود المألوف يؤهلهم ويمكنهم من السيطرة وحكم الآخرين، ومنذ عهد الاسكندر الأكبر، الذي كان يصرخ باكياً، عندما لا يجد بلاداً يغزوها ويبسط سيطرته عليها.

ولكن، ولأن الأمر (عجلة التأريخ في هذا الجانب) تناوب على دورته الكثير من مدبجي الأساطير الميثولوجية والأنبياء والفلاسفة والمفكرين، إلى جانب القادة الفاتحين والزعماء السياسيين، جوزت لنفسي استخدام توصيف (مُخلصين) لهذا الصنف من البشر، لأن أغلب القادة والملوك والأباطرة، كان لحروبهم وغزوات احتلالهم للدول الأخرى، منجزات تحسب لهم، رغم وحشية تلك الحروب وتنكيلات تلك الغزوات، وهي – تلك المنجزات – ما يمكن أن نطلق عليه الانعطافات والانقلابات التاريخية الكبيرة التي غيرت وجه الحياة البشرية ككل، مثل حرب الكنيسة على غاليلو وكوبر نيكوس ونيوتن وغيرهم. تلك الحرب التي قادت خلفاء أولئك العلماء إلى عصر الاختراعات والاكتشافات العلمية، التي كانت أساس الحضارة البشرية القائمة. وكذلك، وهذا على سبيل المثال فقط، كغزو نابليون بونابرت لمصر، ذلك الغزو الذي مثل نقلة كبيرة في حياة المجتمع المصري، بما حمله من تكنولوجيا حديثة، كدخول المطبعة، وكذلك بما مثله اكتشاف حجر رشيد من تعريف بالحضارة والتاريخ المصريين القديمين.

ورغم أن لا أحد يستطيع أن يقطع، في أن يمثل هذا أحد قوانين الوجود، إلا أنه بالقطع يمثل أحد اشتراطات سريان العملية التاريخية وقوانين حركيتها، كإطار عام لعملية الحياة الإنسانية ككل، في دورتها الفيزيقية.. ولادة، نضوج وفعل، وموت كنهاية للوجود والفاعلية الفردية، على أقل تقدير.

ورغم أن أشكال ومواصفات وأدوار (المُخلصين) قد تتغير وتغيرت بالفعل، على مر وطبيعة المراحل التاريخية، إلا أنها لطالما توافقت على وحدة هدف فعلها وهو إحداث نقلة جديدة (خضة فاعلة) في (روح العالم) وتجديد مسار فعله الحضاري والتاريخي. وبحسب طبيعة المرحلة التاريخية وتوجه حاجاتها (الفواعل الأكثر إلحاحاً وتمظهراً)، يتغير شكل ومظهر المُخلص. فمرة يأخذ شكل القائد العسكري ومرة يأخذ شكل المصلح الاجتماعي، وأخرى يأخذ دور النبي، ورابعة يأخذ دور الفيلسوف، وخامسة دور المُنظر الاقتصادي، وهكذا بحسب حاجة وتوجه الفعل التاريخي الذي يتولى عملية تغيير وإعادة تشكيل أوجه الحياة على الأرض وأشكال فعلها الحضاري، وهو ما نسميه الدول القوية أو امبراطوريات صناعة الحضارة، كالامبراطورية الأشورية والسومرية والرومانية والامبراطورية البريطانية والفرنسية و.. إلخ.

ومعروف لنا الآن أن أكبر وأقوى الامبراطوريات، قديمها وحديثها، هي تلك الامبراطوريات التي توفرت على سلسلة من المُخلصين وفي فروع متعددة من الفعل الحضاري والتاريخي والمعرفي، وخاصة في حقول العلم والتكنولوجيا، في حال الامبراطوريات الحديثة، أي امبراطوريات الثورة الصناعية وما تلاها.

وبظهور أدولف هتلر وتقديمه لنفسه كمُخلص لألمانيا وشعبها، في عصرهما الحديث، تغيرت عملية الفهم لمفهوم المُخلص، إذ تحولت على يده ويد موسليني، ومن شاكلهما في نزعة القوة، إلى ايديولوجية مقدسة، تقوم على تقديس فعل القوة والبطش، كفاعل رئيس للحفاظ على الهوية العرقية وقدسيتها وسيادتها على الهويات والأعراق الأخرى.

ورغم أن (المُخلص) هتلر كان قد لاقى أقسى هزيمة، على يد الحلفاء، في الحرب العالمية الثانية، إلا أنه كان أرسى، بحربه الشعواء للسيطرة على دول أوربا، مبدأ تقديس القوة، لمن انتصروا عليه، من بقايا الامبراطوريات الأوربية القديمة، انجلترا وفرنسا، وروسيا الاتحادية، إضافة إلى امبراطورية الولايات المتحدة (حديثة النشأة حينها) باعتبارهما القوتين الكبيرتين اللتين دحرتا حلم هتلر وانتصرتا عليه وحررتا دول أوربا من هيمنته، قبل أن يتمكن (المُخلص) الأمريكي من تصفية (المُخلص) الروسي، مع نهاية عقد ثمانينيات القرن الماضي وإزاحته من طريقه، ليتحول إلى مُخلص عالمي وحيد، استناداً إلى قوتيه العسكرية والاقتصادية الكبيرتين.

ورغم أن (المُخلص) الأمريكي، ومنذ روزفلت، كان قد نجح في فرض هيمنته على العالم بكامله، بايديولوجية القوة المقدسة (كان من بين أهم المروجين الممجدين لها كعقيدة مقدسة هو الروائي الأمريكي، ارنست همنغواي، وعبر سلسلة من أعماله الروائية التي حولتها مؤسسة الدعاية الأمريكية "هوليود" إلى أفلام سينمائية) إلا أن تلك الأطروحة، سرعان ما أنتجت أطروحتها المضادة (بحسب نظرية الفيلسوف هيجل القائلة بأن كل أطروحة تنتج أطروحة مضادة)، تلك الأطروحة التي نبذت ايديولوجية (قوة الامبراطورية الأمريكية الحديثة) وخاصة من قبل الدول الضعيفة والفقيرة التي تحولت إلى حقل تجارب لصنوف قوة البطش الأمريكية، سواء كانت عسكرية حربية أو اقتصادية استحواذية أو هيمنة ثقافية.

ورغم أن عقود الحرب الباردة (الحرب غير المعلنة بين مُخلصيّ عقود حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية) لم تخلوا من ظهور وجوه مُخلصين (فاقعين)، يتصدرون الساحة السياسية العالمية، إلا أن النصيب الأبرز كان لوجوه بعينها بالذات، كوجه لينين وستالين وخروشوف وغورباتشوف، في الاتحاد السوفيتي السابق. ووجوه روزفلت وايزنهاور ونيكسون.. ونهاية بالرئيس جورج دبليو بوش، الذي طرح نفسه كمُخلص، عبر حربيّ احتلال أفغانستان والعراق، في بداية الألفية الثالثة التي نعيشها حالياُ.

وعليه، وكما نرى عبر هذا الاستعراض المقتضب، لم تمر حقبة تاريخية دون أن يطرح شخص ما، يتوفر على وعي وإدراك خاصين ومؤهلات استثنائية، كمُخلص أو نبي أو قائد كبير، بيده مفاتيح وإمكانيات إنقاذ البشرية مما تتخبط فيه من مشاكل  سواء كانت روحية أو تنظيمية أو اقتصادية أو سياسية أو ايديولوجية أو.. حتى ثقافية.

وجدير بالذكر، ورغم أن الولايات المتحدة الأمريكية (برؤسائها المتعاقبين) لم تتوقف لحظة واحدة عن طرح نفسها على إنها المُخلص الوحيد لكوكب الأرض، منذ انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، إلا أن ساحة الكوكب – السياسية على وجه الخصوص – لم تخلوا ممن يطرح نفسه كمُخلص عالمي، كالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني (شي جين بينغ)، الذين، ولسوء طالعهما، تصادفت دعواتهما وتزامن طفوها على سطح (الحسابات السياسية – الاستراتيجية) مع وجود الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) في البيت الأبيض (مقر حكم دولة الولايات المتحدة و"معبد" ترسيم مُخلصيها الكونيين) والذي لم يتوقف لحظة واحدة، منذ لحظة ترسيمه لنفسه كمُخلص لهذه الحقبة، عن الصراخ وبكل ضجيج إمكانيات بلاده الاقتصادية والعسكرية والتكنلوجية، عن كونه المُخلص الأوحد لهذه الحقبة، فهل هو كذلك، ووفق أية معايير؟

واقع الحال، وقياساً على أغلب نماذج المُخلصين أمثاله، قادة سياسيين يستندون لقواعد عسكرية وجيوش مدججة بأسلحة فتاكة، فالرئيس ترامب يستند لأكبر ترسانة عسكرية في العالم ولأكبر جيش مدرب ويمتلك وسائل حماية لأفراده، قبل أن يملك وسائل تدمير الجيوش الأخرى عن بعد، لامتلاكه لأحدث تكنلوجيا صناعة الأسلحة في العالم كله. وهذا ما يدفعه، وبكل الغرور الذي يستبيح أمثاله، ليس لاقتراح أنظمة سياسية وسياسات اقتصادية على العالم أجمع فقط، بل وبممارسة أعمال الغزو والتحرش العدواني بأغلب دول العالم. فمن التهديد بالاستحواذ على قناة بنما إلى التهديد بالسيطرة على جزيرة جرينلاند ودولة كندا.. وحتى اقتحام قواته لغرفة نوم الرئيس الفنزويلي مادورو واختطافه مخفوراً مع زوجته، وكل هذا طبعاً من أجل الأمن القومي الأمريكي، المرهون بسلامته أمن كوكب الأرض بكامله، نظراً لأطماع منافسيه العملاقين، المُخلص الروسي (فيلاديمير بوتين) المتوفر على ترسانة نووية منافسة لترسانة ترامب، والمخُلص الصيني (شي جين بينغ) الذي يتربع على أكبر امبراطورية صناعية – اقتصادية  وتكنلوجية – عسكرية، على وشك الانفجار (تعمل بصمت ودأب وحقد النملة!) لتبتلع العالم، ومن رأسه الأمريكي طبعاً.

هل من مسيح تحت بدلة ترامب الزرقاء؟

وإذا كانت حوادث ما أو كان البعض قد وقع تحت تأثير هلاوس أو تخيلات ما، أقنعتهم بأن فلان أو علان من بعض البشر، قد توفر على مؤثرات أو كاريزما أو أية أمتيازات شخصية براقة أخرى، تمكنهم من أن يكونوا مُخلصين أو قادة استثنائيين قادرين على صناعة معجزات ما أو تغيير مسيرة العالم من اتجاه إلى اتجاه مضاد، فهذا لطالما حدث للبعض فعلاً وطوال التاريخ البشري. ففي تاريخ إيطاليا، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، يورد لنا كاتب السيرة الذاتية لإمبراطور روما المقدس، فريدريك الثاني، الذي حكم الامراطورية الرومانية لما يقرب من خمسين عاماُ (مات عام 1250 ميلادية) الكثير من الأعمال والمنجزات الخارقة، بداية من بنائه بزوجته الأولى (في ليلة عرسهما، وبشهادة البابا وبعض كرادلته حينها) لثلاثة عشر مرة، رغم أنه كان ما يزال في الثالثة عشر من عمره فقط وزوجته، وهي ملكة ألمانيا حينها، كانت في الخامسة والثلاثين! بل ويورد كاتب سيرته، وهو مؤرخ وروائي أمريكي يدعى (جاي ديس) أن ذلك الامبراطور كان أول ملوك روما الذي نازع أربعة أو خمسة من البابوات الذين عاصروه، على تدخلهم في سلطاته الزمنية، وحتى قبل أن يبلغ العشرين من عمره، رغم أن عهده كان عهد هيمنة الكنيسة الكاثوليكية على أغلب دول أوربا وليس شؤون ملوكها وشؤون رعاياهم وحسب. بل إن ذلك الكاتب، يذكر الكثير من المعجزات التي تحققت لذلك الامبراطور، ويدعم ذلك بسجلات ديوانه الملكي وبعض كتب مؤرخي عصره، بل وحتى حوليات الكنيسة ومراسلات البابوات السرية ذاتها.

وأيضاً، وفي إيطاليا ذاتها، ذكرت إحدى الإيطاليات أنها أحست أنها قد حبلت، يوم مرور موكب موسليني بها، لعظم هيبته وشدة سطوة حضوره، وكأنه كان يقبض على العالم كله بيده وحوافر حصانه إنما تطأ النجوم.

والغريب أن يكون رد فعل فيلسوف كبير مثل هيجل، بذات هذا الوطء، وكما يذكر هو ذاته، يوم رأى موكب الامبراطور الفرنسي نابليون، يدخل ألمانيا غازياً. فقد ذكر هيجل، في رسالة لأحد أصدقائه (لقد رأيت روح العالم تمتطي حصاناً). والمشكلة التي تدعونا للتوقف وإعادة التفكير هنا، هي أن هذا الكلام لا يصدر عن إنسان عادي، أبهرته رؤية شيء غير عادي، بل يصدر عن فيلسوف كبير يعرف ما يقول وبوعي كامل ودقيق، ورغم الخراب والعبث الذي حدث بعد ذلك في بلد الفيلسوف، لأن نابليون كان قد دخل ألمانيا غازياً مدمراً وليس مصلحاً معمراً.

إذن فيلسوفنا، ومن سبقوه من أمثلة هذه العجالة، كانوا بالفعل تحت سطوة الشخصيات الاستثنائية، ذات التأثير العميق الذي لا يملكه غير من يولدون ليكونوا مطارق بيد القدر، كما قال (جاي ديس) بحق فريدريك الثاني، امبراطور روما المقدس، الذي سبق ذكره. والذي تزيد إحدى حوليات الكنيسة، نقلاً عن الراهب الذي كان يراقبه، عندما كان صبياً مشرداُ في الشوارع، وتقدم أحد الرجال المشردين للعبث معه واستغلاله، فتوقف عندها بشموخ ملكي أصيل ليصرخ بصوت ثابت وثقة عميقة (توقف لأنك تكلم ملكاُ حقيقياً وبالحق الإلهي)، رغم أنه لم يكن حينها قد أتم العاشرة حتى. وهذا يعني أن أمثال هذا الملك إنما يولدون بالفعل ليكونوا مًخلصين أو قادة منقذين،يقبضون على روح التاريخ، بل ويملكون كلمته التي تمكنهم من صناعته ورسم وقائع أسراره.

والآن نصل إلى سؤالنا المُحير (هل تحت بدلة ترامب الزرقاء مسيحاً مُخلصاً لهذه الحقبة، وبالمقصد المجازي للعبارة طبعاً)؟

الجواب بالتأكيد نعم، ولكن ليس لأن ترامب يرغب بهذا (كرغبته في مكافئة نفسه بجائزة نوبل للسلام، لأنه يرى أنه صانع سلام وتمكن من إنهاء ثمانية حروب خلال السنة الأولى من ولاية حكمه الثانية!) بل لأنه بالفعل أحد مطارق القدر (المختارة بعناية!) ولأنه (كرئيس لأكبر دولة صناعية وتكنلوجية في العالم وتتربع قوات بلاده على أكبر ترسانة أسلحة متطورة وفتاكة) قادر على غزو الكثير من بلاد العالم وتغيير حكامها، بل وفرض ما يشاء عليها من قرارات وسياسات، بل وحتى أتاوات! هل يكفي مثال خطف الرئيس الفنزويلي وزوجته من غرفة نومهما، قبل أسبوعين فقط من لحظة كتابة هذه السطور، على كونه (مسيحاً ومخلصاً)؟ يكفي ويزيد، رغم بؤس قيمته في الميزان الأخلاقي.. ولكن متى كان مُخلصو لعبة الحياة على الأرض، يقاس حجم منجزهم وفق ميزان الأخلاق؟

لا تاريخ لهذا في كامل أجندة أيام الأرض، منذ يوم الحياة الأول إلى لحظة دخول عناصر قوات الدلتا لغرفة نوم الرئيس الفنزويلي (نيكولاس مادورو).. وحتى توقيع ترامب لميثاق مجلس سلام غزة!

هل هكذا يعمل نظام إزاحة الامبراطوريات؟ نعم ولا!

فالامبراطورية القيصرية في روسيا مثلاً، سقطت بالثورة البلشفية وهي ثورة شعبية بقيادة حزب سياسي. أما امبراطورية الاتحاد السوفيتي التي أنشأتها الثورة البلشفية فقد سقطت من الداخل، أي بطريقة تآكل هيكل أفكارها، الذي أدى بدوره لتآكل هيكلها السياسي. أما أعتى امبراطوريتين رافقتا قيام الثورة الصناعية، البريطانية والفرنسية، فقد ذهبتا ضحية انهاك حروبها واستنزاف ثروتهما البشرية قبل الاقتصادية، وعلى نفس الطريق لحقت بهما الامبراطورية العثمانية.

وكما يبدو لي، ورغم قصر عمر الامبراطورية الصينية الحديثة، فإن الصين حذرة جداً في طرح نفسها كقوة امبراطورية مهيمنة، رغم توفرها على أكبر ثروة بشرية واقتصادية حالياً.. هل يأتي هذا الحذر كنتيجة إدراك وفهم عميق لنهاية القوة الامبراطورية، أم هو بسبب عدم ولادة المُخلص الصيني لحد الآن؟ وماذا عن الوحش الصامت (شي جين بينغ) يا ترى؟ ألا يرى في نفسه يسوعاُ مُخلصاُ؟

ما أعرفه هو أن المُخلص يولد ليتكلم.. ليقول.. ليصرخ.. المُخلص يولد ليفصح عن نفسه بالكلام.. ثم يأتي الفعل.. وقلبوا صفحات تاريخ المخلصين، منذ سقراط إلى افلاطون... الاسكندر.. إلى نابليون... إلى آدم سميث.. إلى كارل ماركس.. إلى أتاتورك.. وإلى دونالد ترامب.. إنهم يتكلمون ويتكلمون وكأنهم محصنون ضد مقولة المثل الانجليزي (كلما كثر كلامك كثرت أخطاؤك).. لا يخطؤون!

***

سامي البدري

فصل منسي من التاريخ اليهودي

خلال عهد الملكة زنوبيا في القرن الثالث الميلادي، كان المجتمع اليهودي في سوريا يعتبر أحد أهم المجتمعات في المنطقة، كما يتضح من المعابد اليهودية القديمة التي تم اكتشافها في جميع أنحاء البلاد أما فيما يتعلق بهوية زنوبيا الدينية، يوجد تباين واضح بين المصادر: فالنصوص المسيحية تصفها بأنها اعتنقت اليهودية، بينما تلتزم المصادر الحاخامية الصمت حيال ذلك. ويرى الباحثون أن زنوبيا ربما سعت إلى نشر اليهودية من تدمر في أرجاء الإمبراطورية الرومانية وفقًا لتقليد يهودي سوري مميز، والذي اختلف عن اليهودية الحاخامية وعارضها.

تستكشف دراسة جديدة للدكتور حغاي أولشنيتسكي من جامعة وارسو مصدر الصراع بين زنوبيا والحاخامات. ووفقًا لأولشنيتسكي، فإن الملكة، التي مثلت مجتمعًا يهوديًا سوريًا مؤيدًا للتحول إلى اليهودية ومنتقدًا للقيادة الحاخامية، سجنت العديد من الحاخامات. ويجادل بأن العداء الشديد تجاهها أدى إلى حذف قصة تحولها من الأدبيات الحاخامية. ويخلص إلى أن قصتها توضح عالمًا يهوديًا مختلفًا تمامًا عن كل من التصورات الحديثة والافتراضات التاريخية السائدة

كانت زنوبيا، واسمها الرسمي سيبتيما زنوبيا، ملكة تدمر في القرن الثالث الميلادي. من عام 267 إلى عام 272 ميلادي، حكمت أجزاءً كبيرة من الإمبراطورية الرومانية الشرقية نيابةً عن ابنها الصغير، فابالاثوس - وهب اللات. تُعتبر زنوبيا واحدة من أقوى النساء وأكثرهن إثارة للإعجاب في العصور القديمة، وأصبحت صورتها رمزًا للمقاومة ضد الحكم الروماني وُلدت زنوبيا لعائلة سريانية نبيلة مرموقة في تدمر، واشتهرت بجمالها وذكائها وثقافتها الواسعة وإتقانها للغات متعددة. كما برعت في ركوب الخيل والصيد، وهما نشاطان كانا يُعتبران تقليديًا من اختصاص الرجال. تزوجت من سيبتيموس أوديناتوس - أذينة، حاكم تدمر، الذي برز في معاركه ضد الإمبراطورية الساسانية (بلاد فارس قبل الإسلام)، مما عزز مكانة تدمر في علاقتها مع روما. بعد اغتيال أوديناتوس وابنهما البكر، أعلنت زنوبيا نفسها وصية على ابنها الصغير وتولت زمام الأمور بالكامل. مستغلةً ضعف الإمبراطورية الرومانية وفوضويتها خلال ما يُعرف بأزمة القرن الثالث. عززت سلطتها، وقوت موقع تدمر، وقادت جيوشها بنفسها. غزت قواتها سوريا، ثم شنت حملات ضمت مصر وأجزاءً كبيرة من آسيا الصغرى (تركيا الحالية). وبحلول عام 268 ميلادي، حكمت زنوبيا ووابالاثوس الإمبراطورية الرومانية الشرقية بشكل مستقل، حتى أنهما أصدرا عملاتهما الخاصة.

مصادر متضاربة

تزعم العديد من المصادر المسيحية أن زنوبيا كانت يهودية أو اعتنقت اليهودية. وتُعد العلاقة بين الملكة واليهودية موضوعًا لتقارير مختلفة ومتناقضة في بعض الأحيان. على سبيل المثال، وصفها أثناسيوس الإسكندري، أحد آباء الكنيسة في القرن الرابع، بأنها يهودية دعمت بولس السمسياطي، البطريرك المسيحي لأنطاكية. تزعم نصوص أخرى أن بولس تبنى معتقدات الأرتمونيين - وهي طائفة مسيحية وُصفت بالهرطقة - لاسترضاء الملكة المتحولة، أو أنها اعتنقت اليهودية بتأثيره. ويشير التلمود المقدسي (مسلك تيروموت، الفصل 8، هالاخا 4) إلى أن زنوبيا كانت قاسية على حاخامات أرض إسرائيل، وأن جنودها احتجزوا عدداً منهم في أوقات متفرقة. أبدى الحاخام يوحانان، الذي ترأس البلاط الحاخامي في تلك الحقبة، عداءً شديدًا تجاه تدمر وحكمها، ولا سيما تجاه اليهود والمهتدين إليها. وفي التلمود المقدسي (تانيت 18ب)، وُصفت الملكة زنوبيا بأنها اضطهدت اليهود. هذه الإشارات وغيرها، إلى جانب غياب أي ذكر لاعتناقها اليهودية، دفعت الباحثين إلى القول بأن الادعاءات المسيحية بشأن يهوديتها تفتقر إلى أساس تاريخي. ومع ذلك، من الواضح أن زنوبيا كانت شخصية مثقفة وعالمة استقطبت المفكرين والعلماء ورجال الدين إلى بلاطها، مما يشير إلى انفتاحها على الثقافات والأديان المتنوعة، بما في ذلك اليهودية. تُشكك دراسة الدكتور أولشنيتسكي، المنشورة في المجلة الأكاديمية "كليو: مساهمات في التاريخ القديم"، في الأقوال الأكاديمية الراسخة حول موثوقية النصوص المسيحية. ويؤكد أن هذه المصادر تجمع بوضوح بين روايتين قديمتين متمايزتين.

يبدو أن إحدى الروايات تعود إلى أحد معاصري زنوبيا الذي وثّق اعتناقها المسيحية، بمعزل عن الشخصيات المسيحية اللاحقة أو الجدالات اللاهوتية التي أُضيفت إلى القصص. يقول أولشنيتسكي: "تشير التناقضات الداخلية في النصوص المسيحية إلى توليف بين تقاليد منفصلة. فنص فوتيوس الأول القسطنطيني، رغم كتابته لاحقًا، يُظهر بوضوح أن تقليد يهودية زنوبيا قديم، ويعود إلى عهد الملكة، وهو مستقل عن قصة ارتداد البطريرك بولس السمسياطي. علاوة على ذلك، استخدم فوتيوس نصوصًا تاريخية في عمله، لم ينجُ الكثير منها إلا بفضله، وتدعم روايته عدة روايات تاريخية أخرى غير كنسية".

تجليات متعددة لليهودية

كما تُفنّد الدراسة الافتراض الشائع بأن اعتناق زنوبيا لليهودية أمرٌ غير معقول لمجرد عدم ذكره في الأدبيات الحاخامية. ووفقًا لأولشنيتسكي، فإن هذا الافتراض يعكس سوء فهم للسياق التاريخي، وطبيعة الكتابات الحاخامية، وتنوع المجتمعات اليهودية في تلك الفترة. قال أولشنيتسكي: "عندما ننظر إلى عالم زنوبيا ويهودية تلك الحقبة من منظور اليهودية الحاخامية أو اليهودية الأرثوذكسية الحديثة، ونطبق هذا المنظور على فترات سابقة، فإننا نسيء فهم اليهودية القديمة والشعب اليهودي". وأضاف: "في ذلك الوقت، لم يكن التقليد الحاخامي يمثل كل اليهودية، لأن معظم اليهود كانوا من اليهود الهلنستيين. وكلمة "هلنستي" مصطلح ازدرائي يجب أن نتوقف عن استخدامه فورًا". وتابع: "مع أن هذا الشكل من اليهودية قد اندثر في نهاية المطاف عبر القرون، إلا أن ذلك لا يعني أنه كان أدنى شأنًا". وأضاف أولشنيتسكي: "يجب أن نتذكر أن اليهودية الهلنستية، في تلك الفترة، عكست نمط حياة الغالبية العظمى من اليهود، ولذا ينبغي اعتبارها "اليهودية السائدة" والإشارة إليها على هذا الأساس. علاوة على ذلك، فإن العديد من الأفكار والمعتقدات التي تضمنتها أقدم بكثير من العصر الهلنستي". وتُظهر أبحاثه وجودًا يهوديًا كبيرًا في سوريا خلال عهد زنوبيا، وخاصة في تدمر. "هذه هي المرة الأولى التي نتمكن فيها من فهم نطاق هذا المجتمع وأهميته وخصائصه الفريدة فهمًا كاملًا، وعرضه من خلال مجموعة شاملة من الأدلة الأدبية والنقوش والأثار". لم يكن هذا المركز اليهودي البارز، الذي يُرجّح أنه الأهم في ذلك الوقت، متوافقًا مع اليهودية الربانية - وهي التيار اليهودي القائم على التوراة الشفوية والمشنا والتلمود - وأحكامها. عارض القادة الربانيون يهود تدمر، واعترضوا على ممارسات التحوّل الديني، واعتبروا زنوبيا - وهي امرأة غيّرت دينها - تهديدًا. ووفقًا للروايات التاريخية، سجنت زنوبيا عددًا من الحاخامات الذين رأوا فيها خطرًا وجوديًا. فقد خافوا من أنها إذا هزمت الإمبراطورية الرومانية، ستنشر نمطًا غير رباني من اليهودية في أراضيها - وهو نموذج رُفض لاحقًا ووُصف بأنه "اليهودية الهلنستية". كان اعتناق زنوبيا للتوحيد انعكاسًا لاتجاه أوسع في الشرق. وربما تعمّدت تجنّب إعلان ولاءاتها الدينية المحددة لحشد دعم أوسع. وكجزء من هذه الاستراتيجية، يُحتمل أنها اعتنقت اليهودية سرًا، منتظرةً الكشف عن التزامها الديني بعد تحقيق النصر. كان هذا الخيار عمليًا، نظرًا للأعداد الكبيرة من اليهود والمؤمنين في جميع أنحاء الشرق، بما في ذلك داخل الوحدات العسكرية الرومانية التي كانت زنوبيا تأمل في استمالتها. يقول أولشنيتسكي: "لم تكن زنوبيا أول ملكة قديمة، ولن تكون الأخيرة، التي تعتنق اليهودية. الآن، يمكننا أن نرى بوضوح فطنتها السياسية ورؤيتها الدينية - وهو فهم يساعد في تفسير كيف اقتربت إلى هذا الحد من إعادة تشكيل العالم الروماني".

أثار صعود زنوبيا قلق السلطات الرومانية. في عام ٢٧٢ ميلادي، تحرك الإمبراطور أوريليان لإعادة النظام والقضاء على مملكة تدمر. هزمت قواته جيش زنوبيا قرب حمص، وحاصرت تدمر واستولت عليها. أُلقي القبض على زنوبيا أثناء محاولتها الفرار إلى بلاد فارس، وقُدِّمت أمام أوريليان. ولا يزال مصيرها محل جدل: فبعض المصادر تزعم أنها أُعدمت، بينما تقول مصادر أخرى إن أوريليان عفا عنها، وزوّجها من عضو في مجلس الشيوخ الروماني، وسمح لها بالعيش بقية حياتها في فيلا قرب مدينة تيفولي الحالية. بعد أسرها، ثارت تدمر مجددًا، مما دفع أوريليان إلى العودة وتدمير المدينة تدميرًا كاملًا. وعلى الرغم من أن مملكتها لم تدم سوى بضع سنوات، إلا أن زنوبيا تبقى شخصية تاريخية بارزة وقوية. يقول أولشنيتسكي: "يبدو أن زنوبيا كانت من أكفأ قادة العصور القديمة. كادت أن تنجح في غزو الإمبراطورية الرومانية الشرقية، رغم أنها كانت من مدينة ذات نفوذ محدود. لا شك أن مجرد احتمال تفكيكها للإمبراطورية، وسيطرتها على أجزاء منها، وربما تأسيسها ليهودية منفتحة على التحول الديني، قد أثار رعب حاخامات عصرها. لقد أدركوا أن مثل هذا النجاح سيجعل كل يهودي ينظر إليها كملكة مختارة من الله، ويرى في اليهودية السورية ونهجها اليهودية الحقيقية، ويرفض تمامًا سلطة الحاخامات المحلية ونفوذهم".

تعقيب: يرى أسد للأشقر أن الثقافة اليونانية ولدت خارج اليونان. في آسيا الغربية. وهي موضع بزوغ اليهودية السورية وبعدها المسيحية السورية. وقد نقل الغرب عن شرق المتوسط هذا الكنز الروحي ليدعم بها كيانات سياسية بدون أديان. ويعزو ضعف الاديان في الغرب لقبضة الكهانة فقد أخرت انفجار الدين والفلسفة. حتى أن أول فيلسوف كان طاليس وهو من مواليد ملطية في آسيا الصغري. حيث أن البيئة كانت تمثل المجتمع السوري بامتياز (غرب العراق وجنوب تركيا وشمال شبه الجزيرة العربية فضلا عن بلاد الشام). وفي هذه الرقعة تمددت زنوبيا حاكمة تدمر بالوكالة. وضمت إليها أجزاء من وادي النيل لتشكل أول دولة ثورية في المنطقة. ويعتقد أنها كانت تخطط لتوحيد سوريا الطبيعية التي أسسها السلوقيون في أنطاكية، قبل أن يهزمهم الرومان. وبخصوص يهودية زنوبيا. على الأرجح أنها تأثرت بفكرة المبدع الأول والتي بشر بها طاليس على أساس أن الله هو العقل نفسه، وتبناها سقراط وأفلاطون والمعلم الأول أرسطو. ويعتقد أنهم جميعا كانوا بشكل من الأشكال من بين الموحدين.

***

......................

* يوجيف إسرائيلي Yogev Israeli صحافي لم أجد معلومات واضحة عنه.

الترجمة بواسطة برامج الذكاء الصناعي.

- إعداد صالح الرزوق

مستقبل النموذج الاسكندنافي

الشعبوية كاختبار لهوية الدول الاسكندنافية

شهدت الدول الاسكندنافية، التي لطالما ارتبطت في المخيال الجمعي العالمي بصورة "الملاذ الآمن" و"نموذج الرفاه الاجتماعي"، تحولات سياسية واجتماعية عميقة خلال العقد الأخير. هذه التحولات تجسدت في صعود الخطاب اليميني والشعبوي الذي يربط بين الهجرة والجريمة، ويصور المهاجرين باعتبارهم تهديداً للنظام الاجتماعي والاقتصادي القائم. لم يعد هذا الخطاب مجرد هامش سياسي، بل أصبح جزءاً من التيار الرئيسي، مدعوماً بأحزاب تحقق مكاسب انتخابية غير مسبوقة، وبإجراءات حكومية تعكس تغير المزاج الشعبي.

في السويد، على سبيل المثال، دخلت البلاد مرحلة جديدة مع تشكيل حكومة يمينية مدعومة من حزب "سفاريا ديموكراتنا"، الذي بنى خطابه على الربط المباشر بين فشل الاندماج وارتفاع معدلات الجريمة. هذه الحكومة أعلنت منذ 2022 عن سياسات تستهدف المهاجرين بشكل مباشر، من خلال تشديد العقوبات وتقييد المساعدات الاجتماعية، في محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين "المواطن الأصلي" و"الوافد الجديد".

أما في الدنمارك، فقد اتخذت السياسات منحى أكثر صرامة عبر قوانين "الغيتوهات"، التي تفرض قيوداً على مناطق ذات كثافة مهاجرين، وتربط بين الهوية الوطنية والأمن الداخلي. هذه القوانين لم تقتصر على الجانب القانوني، بل حملت دلالات رمزية قوية، إذ تعكس رؤية رسمية تعتبر المهاجرين "كتلة منفصلة" ينبغي ضبطها وإعادة تشكيلها.

النرويج بدورها لم تكن بمنأى عن هذه التحولات، حيث شهدت تشديداً في شروط اللجوء والاندماج، مدفوعة بضغط الأحزاب الشعبوية التي تزايد نفوذها في البرلمان. الأرقام هنا تكشف الكثير: استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن أكثر من 40% من المواطنين يعتبرون الهجرة "أكبر تحدٍ اجتماعي"، فيما ارتفعت نسبة التأييد للأحزاب اليمينية إلى مستويات غير مسبوقة.

إن تصاعد هذا الخطاب لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوروبي الأوسع، حيث تتزايد النزعات الشعبوية كرد فعل على الأزمات الاقتصادية، وتنامي المخاوف الأمنية، وتراجع الثقة في المؤسسات التقليدية. لكن خصوصية الحالة الاسكندنافية تكمن في المفارقة بين الصورة التاريخية لهذه الدول كحاضنة للإنسانية والرفاه، وبين الواقع الجديد الذي يعكس انغلاقاً متزايداً واستقطاباً مجتمعياً حاداً.

جذور الخطاب اليميني والشعبوي في الدول الاسكندنافية

حين نتأمل التحولات التي شهدتها الدول الاسكندنافية خلال العقد الأخير، نجد أن صعود الخطاب اليميني والشعبوي لم يكن وليد لحظة عابرة، بل نتيجة تراكمات متشابكة بين المخاوف الأمنية، الضغوط الاقتصادية، والتغيرات الثقافية. هذه العوامل تفاعلت معاً لتنتج خطاباً جديداً، يضع المهاجر في قلب النقاش السياسي والاجتماعي، ويحوّله من "ضيف مرحّب به" إلى "مشكلة ينبغي حلّها".

في السويد، التي كانت تُعرف بسياسة الباب المفتوح، بدأ المزاج الشعبي يتغير مع تصاعد جرائم العصابات. تقارير الشرطة لعام 2023 أشارت إلى أن ما يقارب 30% من هذه الجرائم ارتبطت بشباب من خلفيات مهاجرة. هذه الأرقام، وإن كانت لا تعكس الصورة الكاملة، استُخدمت بكثافة في الخطاب السياسي لتأكيد فكرة أن الهجرة غير المنضبطة تهدد الأمن الداخلي. ومع انتخابات 2022، ترجم هذا المزاج نفسه في صناديق الاقتراع، حيث حصل حزب "سفاريا ديموكراتنا" الشعبوي على أكثر من 20% من الأصوات، ليصبح ثاني أكبر قوة سياسية في البلاد. هنا يظهر كيف تتحول المخاوف الأمنية إلى رأسمال سياسي، يُستثمر في بناء سردية شعبوية قوية.

أما في الدنمارك، فقد اتخذت الحكومة مساراً أكثر صرامة عبر ما يُعرف بـ"قوانين الغيتوهات"، التي تستهدف مناطق ذات كثافة مهاجرين. هذه القوانين لم تكن مجرد تشريعات إدارية، بل حملت دلالات رمزية عميقة: تقسيم المجتمع إلى "نحن" و"هم". الأرقام الرسمية دعمت هذا التوجه، إذ أظهرت أن معدلات البطالة والجريمة في تلك المناطق أعلى بمرتين أو ثلاث من المعدل الوطني. لكن الأهم أن هذه الأرقام لم تُستخدم فقط لوصف الواقع، بل لتبرير سياسات تعيد إنتاج صورة المهاجر باعتباره عبئاً على النظام الاجتماعي، وتُرسّخ فكرة أن الحل يكمن في "الحد من وجوده" أو "إعادة تشكيله".

النرويج بدورها لم تكن بمنأى عن هذه الموجة. حزب التقدم الشعبوي، الذي حصل على أكثر من 11% من الأصوات في انتخابات 2021، واصل الضغط لتشديد قوانين اللجوء والاندماج. استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن 42% من المواطنين يعتبرون الهجرة "أكبر تحدٍ اجتماعي"، وهو رقم يعكس حجم القلق الشعبي، ويمنح الأحزاب الشعبوية أرضية صلبة لتوسيع نفوذها. هنا نرى كيف تتحول المخاوف الاقتصادية والاجتماعية إلى قناعات سياسية، تُترجم في دعم متزايد للأحزاب التي تقدم حلولاً بسيطة ومباشرة: "أوقفوا الهجرة، ستنتهي المشكلة".

الإعلام لعب دوراً محورياً في تغذية هذه المخاوف. دراسة دنماركية عام 2022 أظهرت أن 70% من الأخبار المتعلقة بالهجرة ركزت على الجريمة والفشل في الاندماج، مقابل أقل من 20% تناولت قصص النجاح والمساهمات الإيجابية. هذا الانحياز الإعلامي لم يكن بريئاً، بل ساهم في تكوين صورة ذهنية سلبية عن المهاجر، وجعل من السهل على الخطاب الشعبوي أن يجد صدى واسعاً في المجتمع.

هكذا، يتضح أن تصاعد الخطاب اليميني والشعبوي في الدول الاسكندنافية ليس مجرد انعكاس لأزمة سياسية، بل هو نتاج تفاعل معقد بين الأرقام والوقائع من جهة، واللغة السياسية والإعلامية من جهة أخرى. الأرقام تُستخدم كأدوات لإقناع الجمهور، لكنها في الوقت نفسه تُختزل وتُوظّف لتغذية سردية تبسيطية: "المهاجر هو المشكلة". وهذا ما يجعل الخطاب الشعبوي قادراً على الانتشار، لأنه يقدم إجابات سهلة على أسئلة معقدة، ويحوّل المخاوف الفردية إلى مشروع سياسي جماعي.

دور وسائل الإعلام في تكريس خطاب التشدد ضد المهاجرين

وسائل الإعلام في الدول الاسكندنافية لعبت دوراً محورياً في تشكيل المزاج العام تجاه المهاجرين، ليس فقط عبر نقل الأخبار، بل من خلال الطريقة التي تُبنى بها السرديات وتُختزل فيها الحقائق. فالإعلام، بصفته وسيطاً بين الواقع والجمهور، لم يكن محايداً في كثير من الأحيان، بل ساهم في تكريس صورة نمطية تربط بين الهجرة والجريمة أو بين الهجرة والفشل في الاندماج.

في الدنمارك مثلاً، أظهرت دراسة أكاديمية أن ما يقارب 70% من التغطيات الإعلامية المتعلقة بالهجرة ركزت على الجريمة والمشكلات الاجتماعية، مقابل أقل من 20% تناولت قصص النجاح والمساهمات الإيجابية. هذا الانحياز في التغطية خلق صورة ذهنية سلبية، جعلت من السهل على الخطاب الشعبوي أن يجد صدى واسعاً، لأنه يقدّم للجمهور "أدلة إعلامية" تدعم مخاوفه.

الصحف الشعبية والقنوات التلفزيونية كثيراً ما تلجأ إلى العناوين المثيرة التي تربط بين جنسية المهاجر والجريمة المرتكبة، حتى لو لم يكن لذلك علاقة مباشرة بالحادث. هذه الممارسة الإعلامية تُحوّل الفرد إلى ممثل لجماعة بأكملها، وتُرسّخ فكرة أن المهاجرين كتلة متجانسة مرتبطة بالمشكلات. في المقابل، قصص النجاح – مثل مساهمة المهاجرين في الاقتصاد أو في البحث العلمي – غالباً ما تُهمَّش أو تُعرض في صفحات داخلية دون أن تحظى بالاهتمام نفسه.

وسائل التواصل الاجتماعي زادت من حدة هذه الظاهرة، إذ أصبحت منصات مثل فيسبوك وتويتر فضاءً لتداول الأخبار المقتطعة والمبالغ فيها، ما يضاعف من انتشار الصور النمطية. هنا يتقاطع الإعلام التقليدي مع الإعلام الجديد في إنتاج خطاب متشدد، يختزل المهاجر في صورة "الخطر" أو "العبء".

إن دور الإعلام في هذا السياق لا يمكن اعتباره مجرد انعكاس للواقع، بل هو جزء من صناعة الواقع نفسه. فحين تُكرر وسائل الإعلام سردية معينة، وتُضخّم الأرقام المرتبطة بالجريمة، وتتجاهل قصص النجاح، فإنها لا تنقل الحقيقة، بل تُعيد تشكيلها بما يخدم خطاباً سياسياً محدداً. وهذا ما يجعل الإعلام أحد أهم أدوات الشعبوية في الدول الاسكندنافية، لأنه يوفّر لها الشرعية الشعبية ويمنحها القدرة على الانتشار.

دور الأحزاب والتنافس الشعبوي على أصوات الناخبين

الأحزاب السياسية في الدول الاسكندنافية لم تكتفِ بتبني خطاب شعبوي تجاه المهاجرين، بل دخلت في سباق محموم لتوظيف هذا الخطاب كأداة انتخابية لكسب الأصوات. فالمشهد الحزبي هناك يشهد تنافساً واضحاً بين القوى اليمينية التقليدية والأحزاب الشعبوية الصاعدة، حيث يسعى كل طرف إلى إثبات أنه الأكثر قدرة على "حماية الهوية الوطنية" و"ضبط الهجرة".

في السويد، على سبيل المثال، لم يعد حزب "سفاريا ديموكراتنا" الشعبوي وحده من يتحدث عن الهجرة والجريمة، بل تبنّت أحزاب يمينية أخرى أجزاء من خطابه لتجنب خسارة الناخبين لصالحه. هذا التنافس خلق ما يشبه "مزاداً سياسياً" على التشدد، حيث تتسابق الأحزاب في تقديم مقترحات أكثر صرامة، من تشديد العقوبات إلى تقليص المساعدات الاجتماعية للمهاجرين. النتيجة أن الخطاب الشعبوي لم يعد حكراً على حزب واحد، بل أصبح لغة مشتركة تتقاطع فيها عدة قوى سياسية.

في الدنمارك، المشهد أكثر وضوحاً. حزب الشعب الدنماركي (DF)، رغم تراجع نسبته الانتخابية، نجح في دفع الأحزاب الكبرى إلى تبني سياسات أكثر تشدداً، مثل قوانين "الغيتوهات". هنا يظهر كيف يمكن لحزب صغير نسبياً أن يفرض أجندته على الساحة السياسية عبر الضغط المستمر، مما يجبر الأحزاب المنافسة على تبني خطاب مشابه حتى لا تبدو "متساهلة" أمام الناخبين.

النرويج بدورها شهدت تنافساً بين حزب التقدم الشعبوي (FrP) والأحزاب التقليدية، حيث يواصل الأول الضغط لتشديد قوانين اللجوء والاندماج، بينما تحاول الأحزاب الأخرى موازنة خطابها بين الحفاظ على صورة الدولة الإنسانية وبين الاستجابة لمخاوف الناخبين. هذا التوازن الهش يعكس طبيعة التنافس الشعبوي: إما أن تنخرط الأحزاب في خطاب التشدد لتجنب خسارة الأصوات، أو أن تخاطر بالظهور بمظهر "الضعف" أمام الرأي العام.

إن هذا التنافس بين الأحزاب على خطاب الشعبوية يعكس دينامية خطيرة: فبدلاً من أن يكون الخطاب الشعبوي هامشياً، أصبح معياراً يُقاس به مدى "جدية" الأحزاب في التعامل مع قضية الهجرة. ومع كل دورة انتخابية، يتزايد الضغط على الأحزاب لتقديم سياسات أكثر صرامة، مما يعمّق الاستقطاب ويجعل من المهاجرين محوراً دائماً للصراع السياسي.

إن ما نشهده اليوم هو إعادة تعريف للهوية الاسكندنافية نفسها. من نموذج يُحتفى به عالمياً كرمز للإنسانية والرفاه، إلى واقع جديد يتسم بالانغلاق والاستقطاب. الأرقام والوقائع تؤكد أن الخطاب الشعبوي لم يعد على الهامش، بل أصبح في صميم السياسات العامة، يحدد اتجاهاتها ويعيد رسم صورة المهاجر في الوعي الجمعي.

السياسات الملموسة وتجليات الخطاب الشعبوي في الدول الاسكندنافية

إذا كان المحور الأول قد كشف عن جذور الخطاب اليميني والشعبوي، فإن المحور الثاني يضعنا أمام السياسات الملموسة التي جسّدت هذا الخطاب وحوّلته من مجرد شعارات انتخابية إلى واقع يومي يعيشه المهاجرون في السويد والدنمارك والنرويج. هنا يصبح التحليل أكثر وضوحاً، لأننا لا نتحدث عن مخاوف أو تصورات، بل عن قوانين وتشريعات وإجراءات حكومية تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمهاجر.

في السويد، التحول كان دراماتيكياً. فبعد انتخابات 2022، دخل حزب "سفاريا ديموكراتنا" الشعبوي إلى قلب السلطة عبر دعم الحكومة اليمينية. هذا الحزب، الذي كان يُنظر إليه قبل عقدين كتيار هامشي، أصبح اليوم ثاني أكبر قوة سياسية بحصوله على أكثر من 20% من الأصوات. السياسات الجديدة ركزت على تشديد العقوبات وربطها بالمهاجرين، مع خطاب رسمي يربط بين فشل الاندماج وارتفاع معدلات الجريمة. تقارير الشرطة لعام 2023 أشارت إلى أن نحو 30% من جرائم العصابات ارتبطت بشباب من خلفيات مهاجرة، وهو رقم استُخدم بكثافة لتبرير سياسات أكثر صرامة في منح الإقامات، وتشديد الرقابة على الأحياء ذات الكثافة المهاجرة. بهذا الشكل، تحولت السويد من نموذج "الانفتاح" إلى نموذج "الضبط"، في انعكاس مباشر لتأثير الشعبوية على السياسات العامة.

أما الدنمارك، فقد سبقت جاراتها في تبني سياسات صارمة منذ سنوات، لكنها واصلت تشديدها بشكل لافت. قوانين "الغيتوهات" التي أُقرت عام 2018 مثّلت نقطة تحول، إذ صنّفت الحكومة مناطق معينة ذات كثافة مهاجرين باعتبارها "مشكلة اجتماعية"، وفرضت عليها قيوداً خاصة: تخفيضات في المساعدات، تشديد العقوبات، وإجراءات تهدف إلى "تفكيك التجمعات المهاجرة". الأرقام الرسمية دعمت هذا التوجه، حيث أظهرت أن معدلات البطالة والجريمة في تلك المناطق أعلى بمرتين أو ثلاث من المعدل الوطني. لكن الأهم أن هذه السياسات لم تكن مجرد استجابة للأرقام، بل كانت انعكاساً لرؤية سياسية ترى أن "الاندماج القسري" هو الحل، حتى لو كان على حساب حقوق الأفراد. هنا يظهر كيف تتحول الشعبوية إلى سياسة مؤسسية، تُترجم في قوانين تحمل طابعاً تمييزياً واضحاً.

في النرويج، المشهد أقل حدة لكنه يسير في الاتجاه نفسه. حزب التقدم الشعبوي، الذي حصل على أكثر من 11% من الأصوات في انتخابات 2021، واصل الضغط لتشديد قوانين اللجوء والاندماج. استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن 42% من المواطنين يعتبرون الهجرة "أكبر تحدٍ اجتماعي"، وهو رقم يعكس حجم القلق الشعبي ويمنح الأحزاب الشعبوية أرضية صلبة لتوسيع نفوذها. السياسات هنا ركزت على تقليص عدد اللاجئين المقبولين، وتشديد شروط الحصول على الجنسية، وربط المساعدات الاجتماعية بمستوى الاندماج. هذه الإجراءات، وإن كانت أقل صرامة من النموذج الدنماركي، إلا أنها تعكس الاتجاه العام نحو تضييق مساحة "الترحيب" التقليدي الذي عُرفت به النرويج.

ما يجمع هذه التجارب الثلاث هو أن الخطاب الشعبوي لم يعد مجرد لغة انتخابية، بل أصبح سياسة رسمية تُترجم في قوانين وتشريعات. الأرقام تُستخدم لتبرير هذه السياسات، لكن طريقة توظيفها تكشف عن انتقائية واضحة: التركيز على معدلات الجريمة والبطالة في صفوف المهاجرين، وتجاهل قصص النجاح والمساهمات الإيجابية. الإعلام بدوره يعزز هذه الصورة، إذ أظهرت دراسة دنماركية أن 70% من الأخبار المتعلقة بالهجرة ركزت على الفشل والجريمة، مقابل أقل من 20% تناولت قصص النجاح. هذا الانحياز الإعلامي يجعل من السهل على الخطاب الشعبوي أن يجد صدى واسعاً، ويحوّل السياسات الصارمة إلى "ضرورة وطنية" في نظر الجمهور.

بهذا الشكل، يصبح المحور الثاني شاهداً على كيف تحولت الشعبوية من مجرد خطاب إلى واقع ملموس، يعيد تشكيل السياسات العامة ويغيّر صورة الدول الاسكندنافية في الداخل والخارج. من نموذج يُحتفى به عالمياً كرمز للإنسانية والرفاه، إلى واقع جديد يتسم بالانغلاق والاستقطاب، حيث يُنظر إلى المهاجر باعتباره "تحدياً" لا "إضافة".

الآثار الاجتماعية والسياسية لتصاعد الخطاب الشعبوي

حين تتحول الشعبوية من مجرد خطاب انتخابي إلى سياسات ملموسة، فإن انعكاساتها لا تقتصر على المجال السياسي وحده، بل تمتد لتعيد تشكيل النسيج الاجتماعي نفسه. في الدول الاسكندنافية، التي لطالما ارتبطت بصورة "المجتمع المنفتح والمتسامح"، نشهد اليوم تحولات عميقة تُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والمهاجر، وتطرح أسئلة جديدة حول الهوية والاندماج والعدالة.

أول هذه الآثار يتمثل في الاستقطاب المجتمعي. فالمهاجرون، الذين كانوا يُنظر إليهم سابقاً كجزء من مشروع إنساني أوسع، أصبحوا اليوم في قلب جدل سياسي محتدم. الخطاب الشعبوي، الذي يربط بين الهجرة والجريمة أو بين الهجرة وتراجع أنظمة الرفاه، خلق حالة من الانقسام الحاد داخل المجتمع: بين من يرى أن المهاجرين يشكلون تهديداً، ومن يصرّ على أنهم إضافة ضرورية للتنوع والاقتصاد. هذا الانقسام لم يعد مجرد نقاش فكري، بل أصبح واقعاً يومياً ينعكس في المدارس، أماكن العمل، وحتى في الأحياء السكنية.

ثاني الآثار هو إعادة إنتاج الصور النمطية. الإعلام، الذي يركز بنسبة تصل إلى 70% على الجريمة والفشل في الاندماج عند الحديث عن المهاجرين، ساهم في ترسيخ صورة ذهنية سلبية. هذه الصورة تجعل من السهل على الخطاب الشعبوي أن يجد صدى واسعاً، لأنها تقدم للمواطن "دليلاً بصرياً" على أن المهاجر هو المشكلة. النتيجة هي أن قصص النجاح، مثل مساهمة المهاجرين في الاقتصاد أو في البحث العلمي، تُهمَّش، بينما تُضخَّم قصص الفشل لتصبح هي القاعدة.

ثالثاً، هناك انعكاسات سياسية مباشرة. الأحزاب الشعبوية، التي كانت هامشية قبل عقدين، أصبحت اليوم جزءاً من التيار الرئيسي. في السويد، حزب "سفاريا ديموكراتنا" أصبح ثاني أكبر قوة سياسية. في الدنمارك، قوانين "الغيتوهات" أصبحت سياسة رسمية. وفي النرويج، حزب التقدم يواصل الضغط لتشديد قوانين اللجوء. هذه التحولات تعني أن الخطاب الشعبوي لم يعد مجرد لغة احتجاج، بل أصبح أداة لصياغة السياسات العامة، وهو ما يغيّر صورة الدول الاسكندنافية في الداخل والخارج.

أخيراً، لا يمكن تجاهل الأثر الرمزي. الدول الاسكندنافية لطالما قُدمت كنموذج عالمي للإنسانية والرفاه، لكن السياسات الجديدة تعكس صورة مختلفة: صورة دول منغلقة، تخشى الآخر، وتتعامل معه باعتباره تهديداً لا فرصة. هذا التحول الرمزي له تبعات على مكانة هذه الدول في النقاش الدولي حول حقوق الإنسان والهجرة، ويطرح سؤالاً عميقاً: هل يمكن أن تستمر هذه الدول في تقديم نفسها كنموذج عالمي، بينما سياساتها الداخلية تعكس انغلاقاً متزايداً؟

الأرقام والإحصاءات كأداة لتغذية الشعبوية

الأرقام في الخطاب السياسي ليست مجرد بيانات محايدة، بل تتحول إلى أدوات لإقناع الجمهور وتوجيه المزاج العام. في الدول الاسكندنافية، لعبت الإحصاءات دوراً محورياً في ترسيخ الخطاب الشعبوي، إذ جرى توظيفها بشكل انتقائي لتأكيد السردية التي تربط بين الهجرة والجريمة أو بين الهجرة وتراجع أنظمة الرفاه.

في السويد، نتائج انتخابات 2022 أظهرت أن حزب "سفاريا ديموكراتنا" الشعبوي حصل على 20.5% من الأصوات، وهو أعلى رقم في تاريخه، مما جعله ثاني أكبر حزب في البرلمان. هذا الرقم لم يكن مجرد إحصاء انتخابي، بل أصبح دليلاً على أن الشعبوية لم تعد هامشية، بل جزء من التيار الرئيسي.

في الدنمارك، رغم تراجع حزب الشعب الدنماركي (DF) إلى نحو 8% في انتخابات 2022، إلا أن أثره السياسي ظل أكبر من حجمه العددي، إذ نجح في دفع الحكومات المتعاقبة إلى تبني سياسات أكثر صرامة تجاه المهاجرين. هنا يظهر كيف يمكن لنسبة صغيرة انتخابياً أن تُحدث أثراً كبيراً سياسياً.

أما في النرويج، فقد حصل حزب التقدم الشعبوي (FrP) على 11.6% في انتخابات 2021، ليصبح ثالث أكبر حزب في البرلمان. استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن 42% من المواطنين يعتبرون الهجرة "أكبر تحدٍ اجتماعي"، وهو رقم يعكس حجم القلق الشعبي ويمنح الأحزاب الشعبوية أرضية صلبة لتوسيع نفوذها.

إلى جانب هذه الأرقام، تُستخدم معدلات الجريمة بشكل مكثف في الخطاب السياسي. ففي السويد، تقارير الشرطة لعام 2023 أشارت إلى أن نحو  30% من جرائم العصابات ارتبطت بشباب من خلفيات مهاجرة. هذه النسبة، رغم أنها لا تعكس الصورة الكاملة، أصبحت محوراً أساسياً في خطاب الأحزاب اليمينية، لتأكيد فكرة أن الهجرة تهدد الأمن الداخلي.

بهذا الشكل، تتحول الأرقام إلى "لغة مقنعة" تُستخدم لتغذية الشعبوية، لكنها في الوقت نفسه تُختزل وتُوظّف بشكل انتقائي، مما يجعلها جزءاً من المشكلة لا مجرد وصف للواقع.

مستقبل النموذج الاسكندنافي بين الانفتاح والانغلاق

إن تصاعد الخطاب اليميني والشعبوي في الدول الاسكندنافية ليس مجرد ظاهرة سياسية عابرة، بل هو انعكاس لتحولات عميقة في البنية الاجتماعية والثقافية لهذه المجتمعات. لقد انتقلت هذه الدول، التي كانت تُقدَّم لعقود كنموذج عالمي للانفتاح والرفاه والعدالة الاجتماعية، إلى واقع جديد يتسم بالانغلاق، وإعادة تعريف الهوية الوطنية على أسس أكثر صرامة وأقل تسامحاً. الأرقام والوقائع تؤكد أن الشعبوية لم تعد على الهامش، بل أصبحت في قلب السياسات العامة، تُعيد صياغة صورة المهاجر في الوعي الجمعي، وتحوّله من عنصر مساهم في التنوع والاقتصاد إلى "تحدٍ" أو "تهديد" ينبغي ضبطه.

لكن هذا التحول، رغم قوته، ليس قدراً محتوماً. فالمجتمع المدني، والأحزاب التقدمية، والفاعلون الثقافيون، ما زالوا يمتلكون القدرة على صياغة سرديات بديلة، تُبرز قصص النجاح وتعيد الاعتبار لقيم التعددية والانفتاح التي شكّلت جوهر التجربة الاسكندنافية. إن مواجهة الشعبوية لا تتم فقط عبر الأرقام أو السياسات، بل عبر إعادة بناء الثقة بين المواطن والمهاجر، وتأكيد أن التحديات الاقتصادية والأمنية لا تُحلّ بالانغلاق، بل بالاندماج والتعاون.

المستقبل هنا مفتوح على احتمالات متعددة: إما أن تستمر موجة الشعبوية في إعادة تشكيل هذه المجتمعات، لتصبح أكثر انعزالاً وأقل قدرة على التفاعل مع العالم، أو أن تنجح القوى الديمقراطية والمدنية في استعادة التوازن، وإعادة تعريف الهوية الاسكندنافية بما يتناسب مع قيمها التاريخية. السؤال المطروح ليس فقط عن حجم تأثير الشعبوية، بل عن قدرة هذه الدول على مواجهة نفسها، والاعتراف بأن الهجرة ليست أزمة، بل فرصة لإعادة بناء مجتمع أكثر تنوعاً وصلابة في مواجهة التحديات العالمية.

إن ما يجري اليوم في السويد والدنمارك والنرويج هو اختبار حقيقي لمستقبل النموذج الاسكندنافي: هل سيظل رمزاً للإنسانية والرفاه، أم سيتحوّل إلى نسخة جديدة من الانغلاق الأوروبي؟ الإجابة ستحدد ليس فقط مصير المهاجرين، بل أيضاً صورة هذه الدول في العالم، ومكانتها في النقاش الدولي حول العدالة والحقوق والإنسانية.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

يعتبر مبدأ الفصل بين السلطات من أهم الاعمدة التي تستند عليها الديمقراطية الحديثة، ومن جملة الآثار المترتبة عليه تحقق عوامل الإستقرار السياسي والإداري للدولة مما يؤدي الى التطور الحتمي في كافة مجالات الحياة، فالعلاقة بين المبدأ والتطور الحضاري والإقتصادي والتكنلوجي كالعلاقة بين العلة والمعلول والسبب ونتيجته.

حيث يقضي هذا المبدأ بتوزيع السلطة على هيئات متعددة والغرض من ذلك، يختلف بإختلاف جهة الخطاب:

1- بالنسبة لسلطات الدولة الثلاث:

الغرض من ذلك هو الضبط والتوازن والرقابة المتبادلة بين سلطات الدولة الثلاث (التشريعية، التنفيذية، والقضائية) لمنع الإنحراف بالسلطة والتعسف، ولمنع نشوء نفس دكتاتوري في كل سلطة من هذه السلطات، ومن ثم تعزيز دولة القانون والمؤسسات عبر تقسيم المهام والإختصاصات لضمان حسن سير وأداء المرافق العامة.

2- بالنسبة للأفراد: يهدف المبدأ الى حماية الحريات العامة ومنع الاستبداد، والتأكيد على ان جميع السلطات في الدولة وجدت لحمايته وتحقيق امانيه وتطلعاته المشروعة المقررة في الدستور والقوانين ، فالهدف النهائي للمبدأ هو ضمان حماية المواطن من تعسف السلطات العامة وتأكيد استيفاء حقوقه، بناءاً على (نظرية دولة المواطنة) في الدولة الحديثة القائمة على أساس أن الدولة ملك لجميع مواطنيها، وتضمن المساواة المطلقة* في الحقوق والواجبات على "المراكز القانونية المتماثلة"، وتكافؤ الفرص، وسيادة القانون دون تمييز على أساس الدين، العرق، الجنس، أو المذهب، وتبنى على «عقد مواطنة» يربط الفرد بالدولة، محققةً قيم العدالة، الحرية، والعيش المشترك.

التطور التاريخي:

تطور هذا المبدأ تاريخياً في العصور القديمة عند اليونان والرومان كأداة لمنع الاستبداد.

اولاً- مبدأ الفصل بين السلطات عند اليونان:

بالنسبة الى افلاطون: فقد أشار في كتاب "القوانين" إلى ضرورة توزيع وظائف الدولة على هيئات متعددة، مؤكداً على أهمية التوازن والتعاون بينها لتحقيق المصلحة العامة ومنع الاستبداد.

اما ارسطو: فقد طور الفكرة في كتابه "السياسة"من خلال تقسيم وظائف الدولة إلى ثلاثة أقسام: الوظيفة التداولية (التشريعية)، ووظيفة الحكام (التنفيذية)، ووظيفة القضاء.

ثانياً- مبدأ الفصل بين السلطات عند الرومان:

تم تطبيق المبدأ من خلال الإجراءات التالية:

1- الحكومة المختلطة:

تبنت الجمهوريةالرومانية نظاماً يدمج عناصر الملكية (القناصل)، والأرستقراطية (مجلس الشيوخ)، والديمقراطية (المجالس الشعبية).

2- الرقابة المتبادلة:سعى النظام الروماني إلى توزيع السلطات لضمان عدم استئثار فرد أو هيئة واحدة بزمام الحكم، حيث يراقب كل جزء الآخرين.

الهدف المشترك:

تمثل الهدف الرئيسي المشترك لدى الحضارتين اليونانية والرومانية في منع استبداد الحكام، وحماية الحريات،وضمان حسن سير الإدارة من خلال توزيع السلطة بدلاً من تركيزها، فنتج عن ذلك حضارات عظيمة وتطور في الفكر والفقه والحياة العامة، لايزال تاثيره قائماً الى اليوم.

ثالثاً- الفصل بين السلطات عند مفكري النهضة:

1- جون لوك (القرن 17): اقترح ضرورةفصل السلطة التنفيذية عن السلطة التشريعية لتجنب إساءة استخدام السلطة.

2- مونتسكيو (القرن 18): يعود الفضل في احياء هذا المبدأ في العصور الحديثة إلى الفيلسوف مونتيسكو، في كتابه الشهير (روح القوانين)، فهو صاحب مقولة أن "السلطة توقف السلطة"

إذ يرى مونتسكيو وجوب أن توقف كل سلطة عند حدها بواسطة غيرها بحيث لا تستطيع أي سلطة أن تسئ استعمال سلطتها أو تستبد بتلك السلطة ".

حيث طور المبدأ في كتابه (روح القوانين) محدداً ثلاث سلطات: التشريعية (سن القوانين)، التنفيذية (تطبيق القوانين وإدارة الدولة)، والقضائية (فصل النزاعات).

الهدف الجوهري: صيانة الحرية السياسية ومنع تركيز السلطات في يد فرد أو هيئة واحدة، مما يؤدي للاستبداد.

طبيعة الفصل: دعا مونتسكيو إلى "فصل مرن" يسمح بتعاون وتوازن السلطات لمنع تغول إحداها على الأخرى، وليس فصلاً مطلقاً، لضمان عمل الدولة بشكل معتدل.

رابعاً- المبدأ والثورة الفرنسية:

تبني المبدأ من قبل رجال الثورة الفرنسية سنة 1789م.

وتم تضمينه في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي لعام 1789 بشكل صريح ، حيث نصت المادة 16 منه على أنه لا دستور لأي أمة لا تضمن فيها الحقوق أو لا يُفصل فيها بين السلطات.

ويُعد هذا الإعلان وثيقة أساسية أرست قيم الثورة الفرنسية، مستلهماً أفكار فلاسفة التنوير ومونتسكيو.

وأخذت به الدساتير الفرنسية كدستور 1791م ودستور 1848م إذ اشتملت على مبدأ الفصل بين السلطات وكذلك معظم الدساتير العربية والغربية سواء بصورة صريحة أم ضمنية.

الهدف الجوهري:

إن الهدف الجوهري لمبدأ الفصل بين السلطات هو منع الاستبداد وتركيز سلطات الدولة (التشريعية، التنفيذية، القضائية) في يد فرد أو هيئة واحدة.

1- منع الاستبداد والتعسف: يعد الهدف الأساسي، حيث إن جمع السلطات يؤدي إلى سوء استعمالها، لذا فإن توزيعها يحد من تغول سلطة على أخرى.

2- حماية الحريات العامة: من خلال استقلال القضاء وتوزيع المسؤوليات، يتم حماية حقوق المواطنين وحرياتهم من أي تعدي.

3- نظام الضوابط والتوازنات (Checks and Balances): يضمن المبدأ أن تراقب كل سلطة الأخرى وتمنعها من تجاوز حدودها، وهو ما يوفر مرونة في اتخاذ القرارات لصالح الدولة.

4- حسن أداء الوظائف (التخصص):

يؤدي تقسيم العمل إلى تخصص كل هيئة في وظيفتها (التشريع، التنفيذ، القضاء)، مما يزيد من كفاءة وإتقان العمل الحكومي.

5- سيادة القانون: يضمن خضوع السلطات الحاكمة للدستور والقانون وليس العكس.

6- نشوء دولة المؤسسات: يضمن المبدأ نشوء دولة المؤسسات، عبر منع الاستفراد بالحكم، وتوزيع الوظائف تخصصياً، وبذلك يتحول الحكم من "حكم أشخاص" إلى "حكم مؤسسات" تعمل وفق نصوص دستورية واضحة.

فتتفتق العبقريات عن مكنوناتها وتبرز الإبتكارات وتتفتح مهارات القيادة، وتنمو روح المبادرة بين الأفراد. ويُكتسب فن إلهام الآخرين وتّنظيم العمل.

وعلى هذا النحو تبقى قواعد عمل مؤسسات الدولة راسخة  لاتتغير بتغيير الرؤوساء الا بنسبة محدودة، فقد أورد الباحثين في الشؤون السياسية، ان نسبة تأثير تغيير الرئيس الامريكي على السياسات العامة لا تتعدى 20 %‎

من مجمل نشاطات الدولة، وتختلف نسبة هذا التأثير باختلاف الملفات. بينما يمتلك الرئيس تأثيرًا كبيرًا ومباشرًا في مجالات مثل السياسة الخارجية، الهجرة، والرسوم الجمركية، ومن جانب آخر تُحدّ المؤسسات الفيدرالية، والكونغرس، والقضاء من قدرته على تغيير هيكلية الدولة بالكامل، مما يجعل "الدولة العميقة" وسياساتها مستقرة نسبيًا.

حتمية التطور:

ان تبني هذا المبدأ عبر التاريخ ادى الى تطور حضاري مذهل، كما هو الحال في الحضارة الرومانية بشكل خاص حيث تطورت المؤسسات في الحضارة الرومانية عبر ثلاث مراحل رئيسية (ملكية، جمهورية، إمبراطورية)، متحولة من إدارة قبلية بسيطة إلى نظام إداري وقانوني معقد. تميزت ببروز مجلس الشيوخ (Senatus) كأعلى سلطة، وتطور المجالس الشعبية والقناصل، وصولاً إلى نظام الإمبراطورية المركزية، مع تركيز شديد على القانون وتدوينه (الألواح الاثني عشر) لضمان الاستقرار، ومن ثم انشاء ما يعرف بقانون الشعوب لترسيخ العلاقات بين الشعوب وهو نتيجة من نتائج استقلال القضاء

فقد ظهر "قانون الشعوب" (Jus Gentium) في الحضارة الرومانية القديمة (حوالي 242 ق.م) كاستجابة عملية لتوسع الإمبراطورية وزيادة الأجانب المتعاملين مع الامبراطورية، مما جعل قانون الألواح الإثني عشر الصارم غير صالح للتطبيق.

فأنشأ الرومان منصب "البريتور" (منصب قضائي) للفصل في منازعات الأجانب، مستمدين مبادئ هذا القانون من قواعد عامة وعادلة خالية من الشكليات، دمجت بين القانون الروماني واليوناني ومبادئ القانون الطبيعي، فتشكل من احكام البريتور ما عرف بقانون الشعوب.

خامساً- وفي العصر الحديث:

أدى التطبيق الموضوعي لمبدأ الفصل بين السلطات وحمايته للحريات العامة والإقتصادية الى تطور هائل في كافة مجالات الحياة والعلم البحثي النظري والتكنلوجي، وهذا هو نفسل ماحصل في دول الغرب وشرق اسيا ومنها اليابان وكوريا الحنوبية، تبعاً لمبدأ  الحتمية الذي يعني "أن توفر مجموعة من الشروط ضمن مجموعة من الظروف يؤدي إلى نتائج معينة.

وتكرار نفس الشروط ضمن نفس الظروف سوف يؤدي إلى نفس النتائج حتما مما يتيح فرصة التنبؤ بحدوث الظواهر قبل وقوعها "

فلكل ظاهرة علمية علة (سبب) أدت إلى وجودها، حيث تربط علاقة مباشرة بين السبب والأثر، هذا يعد قانونا علمياً ورفضه يعني إلغاء العقل والعلم.

إن رفض الحتمية يؤدي مباشرة إلى الوقوع في الصدفة التي تعد تبريرا للجهل (التفكير الساذج).

إن ترسيخ هذا المبدأ بحماية قضائية ودستورية يكفل التطور المنشود في بلادنا، ويضع الأمور في نصابها المحدد.

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب السابق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية.

.........................

The principle of separation of powers and the inevitability of evolution.

رقمنة الدولار؛ أخطر انقلاب مالي احتيالي منذ نصف قرن تديره إدارة ترامب لإنقاذ الدولار بتوزيع ديون أميركا الهائلة "37 ترليون دولار" على شعوب العالم: هل ينقذ قانونُ جينيس آكت"GENIUS Act» الدولارَ من مصيره المحتوم؟

قبل أسابيع، صوّت مجلس الشيوخ الأميركي، لمصلحة تمرير هذا القانون لتنظيم العملات الرقمية المستقرة. هذه الحروف"GENIUS" هي اختصار لعبارة إنكليزية ترجمتها هي "توجيه وترسيخ الابتكار الوطني للعملات المستقرة الأميركية". وهذا يمثل أول انتصار تشريعي كبير لصناعة الأصول الرقمية في الولايات المتحدة وتحديدا لقطاع الكريبتو المشبوه بالفساد ومع ترامب شخصيا كما سنوضح. وهذا الأخير - كريبتو- هو سوق مالي رقمي لا مركزي يعتمد على تقنية «البلوكتشين» والتشفير لتأمين المعاملات وإصدار العملات الرقمية مثل البيتكوين والإيثيريوم، بعيداً عن سيطرة الحكومات.

عن هذا الموضوع الذي يعادل الانقلاب المالي الذي حدث في زمن الرئيس الأميركي نكسون والذي جعل الدولار بلا غطاء ذهبي. أعددت لكم هذا التقرير مما اطلعت عليه من معلومات وأخبار:

* عن علاقة الولايات المتحدة بالغطاء الذهبي للعملات نعلم الآتي: في ظل إدارة الرئيس "فرانكلين روزفلت الذي حكم لفترات متتالية من 4 آذار - مارس 1933 حتى وفاته في 12 نيسان - أبريل 1945" انسحبت البلاد من نظام "معيار الذهب" في عام 1933 في محاولة أخيرة لإنعاش النمو الاقتصادي شبه المنهار آنذاك. ولكن في نهاية الحرب العالمية الثانية انضمت الولايات المتحدة مجدداً إلى "معيار الذهب" كجزء من موافقتها على اتفاقية "بريتونوودز". هذه الاتفاقية ربطت العملات بالدولار الأمريكي، الذي كان مدعوماً بالذهب، وأسفرت عن إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ولكنها انهارت في 1971 بسبب ما سمّي «صدمة نيكسون» وإلغاء الغطاء الذهبي للدولار.

* صدمة نيكسون: بتاريخ 13 من أغسطس/آب عام 1971، عقد الرئيس نيكسون اجتماعاً سرياً في كامب ديفيد مع رئيس الاحتياطي الفيدرالي "آرثر بيرنز" ووزير الخزانة "جونكونالي" جنباً إلى جنب مع مستشارين رفيعي المستوى في البيت الأبيض. وبعد ذلك التاريخ بيومين، وتحديداً مساء الأحد الموافق 15 أغسطس/آب 1971، وافق "نيكسون" على سلسلة من التدابير الاقتصادية، أهمها كان إلغاء التحويل الدولي المباشر من الدولار الأمريكي إلى الذهب واعتبار القوة العسكرية والاقتصادية الأميركية العامة هي الضامن للدولار ينهار بانهيارها. وقد تسببت هذه الصدمة ببدأ ارتفاع ديون الولايات المتحدة بشكل جنوني ومعها ارتفعت نسب التضخم المرضي حتى بلغت الديون رقما فلكيا يتراوح بين 35 و37 تريليون دولار وهي ترتفع سنويا بمقدار 2 ترليون و250 مليار دولار تقريبا.

* القانون الجديد لرقمنة الدولار الذي حظي بموافقة 68 عضواً مقابل 30، يضع لأول مرة إطاراً اتحادياً يحاول تنظيم العملات المرتبطة بالدولار الأميركي، ويفتح الباب أمام شركات خاصة لإصدار "دولارات رقمية" تحت إشراف حكومي مباشر. هذه الخطوة شكلت صدمة كبيرة للجمهور، وهو ما دفع البعض لاحقاً لتسميتها "صدمة نيكسون". وعلى الفور، ارتفع مؤشر "داو جونز" الصناعي يوم الإثنين بنحو 4 % لأول مرة في تاريخه، وسجل حجم التداولات بالبورصة الأمريكية رقماً قياساً بلغ 31.7 مليون سهم.

* تم تمرير القانون بعد حملة ضغط مكثفة من قطاع الكريبتو، الذي ضخ نحو 250 مليون دولار في دورة انتخابات 2024 لدعم ما يُعتبر الآن أكثر كونغرس مؤيد للعملات الرقمية في تاريخ البلاد. ورغم فشل الديمقراطيين في منع الرئيس السابق دونالد ترامب من الاستفادة من الأصول الرقمية، إلا أن القانون النهائي يمنع فقط أعضاء الكونغرس وأسرهم من ذلك (ولا يمنع الرئيس. ع.ل). وكشفت إفصاحات مالية أن ترامب حقق أكثر من 57 مليون دولار في 2024 من مبيعات رموز رقمية مرتبطة بمنصة "وورلد ليبرتي فاينانشال"، ويملك ما يقارب 16 مليار رمز حوكمة قد تصل قيمتها إلى مليار دولار. وتشمل إمبراطورية ترامب الرقمية أيضاً عملة  $TRUMP، وخزينة بيتكوين بقيمة 2.5 مليار دولار، وصناديق (ETF ) مقترحة، وشركة تعدين جديدة باسم "أميركان بيتكوين".

ما الذي يتضمنه القانون؟ يفرض متطلبات صارمة في الظاهر وتشمل:

- دعم كامل بالاحتياطات النقدية

- تدقيقات مالية شهرية

- التزام صارم بقوانين مكافحة غسل الأموال

كما يتيح القانون لمجموعة واسعة من الجهات، من البنوك إلى شركات التكنولوجيا المالية وتجار التجزئة الكبار، إصدار عملات مستقرة أو دمجها في أنظمة الدفع الخاصة بهم.

* انقسام سياسي حاد حول القرار: أثار القانون جدلاً سياسياً حاداً، حيث اتهم السيناتور الديمقراطي جيف ميركلي الجمهوريين بـ"إضفاء الشرعية على فساد ترامب في الكريبتو"، بعد فشل محاولاته لتمرير تعديل يمنع المسؤولين المنتخبين من الاستفادة الشخصية من الأصول الرقمية.

وقدم الديمقراطيون في مايو مشروع قانون مضاد بعنوان "إنهاء فساد الكريبتو"، يهدف إلى حظر تعامل المسؤولين الحكوميين وأسرهم مع العملات الرقمية.

* ثورة في أنظمة الدفع: العملات المستقرة، التي تمثل 99% منها عملات مربوطة بالدولار، أصبحت تهدد أنظمة الدفع التقليدية بفضل قدرتها على تسوية المعاملات فورياً وبكلفة منخفضة. وقد تجاوزت قيمة المعاملات باستخدام العملات المستقرة 28 تريليون دولار العام الماضي، متفوقة على "فيزا" و"ماستركارد" مجتمعتين.

وقد ذكر متخصصون أن هذه العملات تختلف عن التي تصدرها البنوك المركزية. وتوقعوا أن تصدر مؤسسات كبرى مثل أمازون ومكروسوفت وغيرهما لإصدار عملاتها الخاصة، والخاسر الأكبر سيكون البنوك التي لا تتوافق مع هذه التطورات.

* يكتب الخبير المالي محمد موسى في صحيفة "صوت لبنان": قانون "جنيس آكت"، تقني مالي في ظاهره… وتحول عالمي في جوهره إلا أن القراءة المتأنية لمضمونه وسياقه التاريخي والجيوسياسي تكشف أنه يحمل أبعادًا أعمق بكثير. فهذا القانون لا يعالج قطاعًا ماليًا ناشئًا فحسب، بل يؤشر إلى تحوّل جذري في بنية النظام النقدي والمالي العالمي، وقد يكون من أخطر التحولات منذ فك ارتباط الدولار بالذهب عام 1971في ذلك العام، اتخذ الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون قرارًا تاريخيًا عُرف بصدمة نيكسون، أنهى فيه العلاقة بين الدولار والذهب، وأسّس لنظام العملات الورقية الإلزامية.

* اليوم، وبعد أكثر من خمسين عامًا، لا يبدو أن واشنطن تتراجع عن هذا النموذج، بل تقوم بتحديثه وتطويره عبر أدوات رقمية أكثر كفاءة وانتشارًا. في هذا الإطار، يأتي قانون جينيوس ليمنح العملات المستقرة شرعية قانونية كاملة، بشرط أن تكون مدعومة باحتياطيات قائمة أساسًا على سندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل.

* هذا الشرط هو جوهر التحول الجديد، إذ يحوّل الطلب العالمي على الدولار الرقمي إلى طلب مباشر ومنهجي على الديون الحكومية الأميركية. وبهذه الآلية، لم يعد تمويل العجز الأميركي يعتمد فقط على الدول الكبرى أو المصارف المركزية، بل أصبح مرتبطًا بملايين الأفراد والشركات حول العالم.

* وهكذا، تنتقل الولايات المتحدة من مرحلة طباعة الدولار داخل نظامها المصرفي، إلى مرحلة تصنيع الطلب العالمي عليه عبر الفضاء الرقمي. (بدلا من طبع المزيد من دلارات ورقية لا غطاء ذهبيا لها يتم إنتاج دولارات رقمية لا قيمة ولا ورق لها.ع.ل)

* إن هذا النموذج يسمح لواشنطن بتخفيف الاعتماد على طباعة النقود التقليدية، وما يرافقها من ضغوط تضخمية داخلية، لكنه في المقابل يوزّع كلفة هذا التوسع النقدي على مستخدمي الدولار الرقمي في مختلف دول العالم. وبذلك، تتحول السياسة النقدية الأميركية من سياسة وطنية ذات آثار عالمية غير مقصودة، إلى سياسة عالمية تُمارَس بشكل غير مباشر عبر الأدوات الرقمية.

* من هنا جاءت التحذيرات التي صدرت عن مسؤولين روس، ومن بينهم مستشارين للرئيس فلاديمير بوتين، والحقيقة انها لم تأتِ من فراغ. فقد جرى التحذير من دفع العالم نحو ما يشبه السحابة المالية الخاضعة للإدارة الأميركية.

* ففي النظام المالي التقليدي، تمر الأموال عبر مصارف وطنية تخضع لقوانين محلية، وتعتمد على شبكات دولية لتحويل الأموال، ما يترك هامشًا من السيادة والقدرة على المناورة. أما في النظام الجديد القائم على العملات المستقرة، فإن الأموال تتحول إلى وحدات رقمية تعمل على شبكات سلسلة الكتل وتُدار عبر شركات مُصدِرة ملزمة بالقانون الأميركي.

* وهكذا، لا يعود الدولار مجرد أداة تبادل أو مخزن للقيمة، بل يتحول إلى أداة نفوذ سياسي واقتصادي مباشر. فأي تراجع في قيمة الدولار أو توسع في كتلته النقدية لن تتحمل نتائجه الولايات المتحدة وحدها، بل سيتوزع على كل من يحتفظ بهذه العملات في الخارج، فيما يمكن وصفه بأنه تدويل للتضخم (Globalized inflation).

* في المقابل، لا تشير هذه التحولات إلى انهيار وشيك للدولار، بل إلى إعادة تشكيل دوره. فالدولار لا يفقد مكانته، بل يتحول إلى صيغة رقمية أكثر مرونة وانتشارا، خصوصًا في الدول التي تعاني من ضعف عملاتها الوطنية..

* أما الدول النامية، فتواجه في هذا السياق مخاطر مضاعفة. فسهولة الوصول إلى الدولار الرقمي قد تؤدي إلى تسارع ظاهرة الدولرة بصيغة رقمية، ما يضعف قدرة الدول على إدارة سياساتها النقدية، ويزيد من هشاشة اقتصاداتها، ويفتح الباب أمام أزمات مالية واجتماعية حادة. وفي المقابل، تستفيد الولايات المتحدة من هذا الانتشار الواسع للدولار الرقمي في تثبيت الطلب على ديونها العامة وتأجيل معالجة أزمتها البنيوية.

* خلاصة القول إن قانون جينيوس لا يمكن فهمه كتشريع مالي معزول، بل كجزء من إعادة هندسة شاملة للنظام الدولي. نحن أمام تشكّل نظام سياسي ومالي ونقدي واقتصادي جديد، تُعاد فيه صياغة أدوات القوة، وتُستبدل فيه البوارج العسكرية بالخوارزميات، والعملات الورقية بالسيولة الرقمية القابلة للبرمجة.

* وعليه نحن لا نعيش مجرد تحديث تقني مالي، إنه انتقالُ تاريخيٌ في معنى المال والسلطة والسيادة. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون المعرفة ترفًا فكريًا، بل شرطًا أساسيًا للبقاء في عالم تتغيّر قواعده بسرعة هائلة نحو حافة الهاوية.

* وقد حاولت إحدى المدونات "كوثر كوكي" على مواقع التواصل الاجتماعي أن تبسط المعلومات السالفة في عبارات سهلة وواضحة فكتبت: "إن هذا القرار هو أخطر حدث مالي في التاريخ الحديث تحاول الولايات المتحدة من خلاله إذابة دين مقداره 36 تريليون دولار، وإعادة إحكام السيطرة على الاقتصاد العالمي، من خلال قانون GINEUS Act

* قانون يبدو تقنيًا في ظاهره، لكنه في الحقيقة قد يكون أكبر تحول نقدي منذ 1971 "صدمة نيكسون". لأن هذا القانون يفتح الباب أمام أمريكا لتمويل عجزها التجاري والمالي عبر Stable- coins مدعومة بسندات الخزانة — بطريقة أذكى وأهدأ من طباعة الدولار التقليدية.

* في السابق، كانت هذه العملات تعمل في منطقة رمادية. لكن القانون الجديد يضفي عليها الشرعية الكاملة، بشرط واحد جوهري: أن تكون احتياطيات هذه العملات مدعومة بشكل أساسي بسندات الخزانة الأمريكية قصيرة الأجل والديون الحكومية.

هنا تكمن المعجزة المالية لواشنطن: فالولايات المتحدة تعاني من عجز ديون هائل يتجاوز 35 تريليون دولار. لتمويل هذا العجز، تحتاج الحكومة دائمًا إلى مشترين لسنداتها. في الماضي، كانت الصين واليابان والسعودية هم المشترين الكبار. لكن مع تراجع شهية هذه الدول للديون الأمريكية، ظهرت فجوة خطيرة.

* قانون جنيس آكت يخلق "مشتريًا جديدًا ومصطنعًا" لا يشبع: مستخدمو الإنترنت حول العالم. مثلا: مواطن في الأرجنتين يريد حماية مدخراته من التضخم، فيشتري دولارات رقمية ستابلكوان. أو شركة في فيتنام تستخدم هذه العملات للدفع لمورد في نيجيريا لتسريع التسوية. كل دولار رقمي يتم إصداره لتلبية هذا الطلب العالمي، يجب أن يُقابل بشراء سندات خزانة أمريكية من قبل الشركة المصدرة. النتيجة؟ كلما زاد اعتماد العالم على الدولار الرقمي، زاد الطلب التلقائي على الديون الأمريكية. هذا يعني أن واشنطن وجدت طريقة لتمويل عجزها المالي ليس عبر طباعة النقود (التي تسبب تضخمًا محليًا مباشرًا)، بل عبر توسيع قاعدة مستخدمي الدولار ليشمل كل شخص لديه هاتف ذكي وإنترنت، دون الحاجة لفتح حساب بنكي تقليدي.

* الرسالة واضحة: عصر "الاحتفاظ بالكاش" تحت البلاطة أو في حسابات بنكية راكدة قد انتهى. نحن في عصر تتصارع فيه القوى العظمى على "قيمة ما في جيبك". الدولار يعيد تسليح نفسه تقنيا، والذهب يتمسك ببريق آلاف السنين، والبيتكوين يبني سفينة نوح رقمية. في هذا المشهد المعقد، المعرفة ليست ترفًا، بل هي درعك الوحيد. لا تكن مجرد متفرج بينما تُعاد صياغة قواعد المال العالمي". انتهى الاقتباس.

* أختم بالقول؛ إن العديد من المتخصصين الماليين والاقتصاديين يشكون في أن هذا التطور أو الانقلاب المالي على الصعيد العالمي سينقذ الدولار وبالتالي الاقتصاد الدولاري من أمراضه وأزماته المستعصية ولن يشفيه من الهشاشة التي يعاني منها فهذا النظام المسمى "جينيس آكت" سينقل الدولار الورقي عديم الغطاء الذهبي بأمراضه وازماته وديونه وتضخمه إلى دولار إلكتروني رقمي أكثر هشاشة وأكثر عرضة للانهيار ولكن على المستوى العالمي هذه المرة. والمرجح أن الدول الكبرى الصاعدة اقتصاديا وخصوصا في مجموعة البريكس لن تتفرج على هذا التطور الخطير والذي تقوم الولايات المتحدة من خلاله بتحميل وتوزيع ديونها على دول العالم أجمع دون وجه حق أو مبرر غير القوة المسلحة والسلاح النووي بحوزتها، وستلجأ دول العالم المتضررة بكل تأكيد للقيام بفك ارتباطها بالعملات الرقمية الدولارية الأميركية وتصنع هي ذاتها عملات رقمية محلية خاصة بها وقابلة للتحويل عن طريق النظام الصيني "بريكس بي" وغيره.

***

علاء اللامي - كاتب عراقي

توجهات الذكاء الاصطناعي وتحدياته كانت محوراً بارزاً في نقاشات «المنتدى الاقتصادي العالمي»، خلافاً للاعتقاد الذي ساد قبيل انعقاده، وفحواه أن سخونة الأجواء السياسية لن تفسح مجال نقاش لغيرها.

ومنذ إنشاء المنتدى الذي ينعقد سنوياً في مدينة دافوس السويسرية، كان الاقتصاد هو الموضوع الرئيس لأعماله. لكن السياسة الدولية تأخذ هي الأخرى اهتماماً غير قليل، بالنظر لكثافة حضور السياسيين وقادة الدول، فضلاً عن رؤساء الشركات الكبرى، الذين يهمهم معرفة اتجاه السياسة الدولية، من فم صناعها، وليس نقلاً عنهم.

يتأثر الاتجاه العام للمنتدى بالهموم الكبرى التي تشغل بال النخبة. ومن هنا، فإن بروز الذكاء الاصطناعي على أجندة المنتدى في السنوات الثلاث الأخيرة، يوضح أن شريحة مؤثرة من نخبة العالم، لا سيما بين رجال الأعمال والأكاديميين والمفكرين، تتعامل معه كتحدٍ جدي لنظم الاقتصاد والثقافة السائدة في العالم كله.

تتخذ نقاشات الذكاء الاصطناعي مسارات متنوعة، فبعضها يركز على معنى أن تكون الآلة ذكية، وإمكانية أن تتجاوز ذكاء البشر، أو حتى أن تتحول من أداة تنفذ إرادة صانعيها، إلى قوة مستقلة عنهم. وثمة نقاشات تهتم بالوظائف التي ستزول أو تتقلص مع توسع الأجهزة الذكية وقيامها بالكثير من الأعمال التي ما زالت تعتمد على الجهد البشري، الفكري والبدني. إضافة بالطبع إلى النقاشات الخاصة بالجبروت الذي يمكن أن ينشأ عن تمركز الأنظمة الفائقة الذكاء في عدد قليل من الدول، واحتمال أن تستثمرها في إخضاع المجتمعات الأخرى.

أسهمت تلك النقاشات في تشكيل فهم متقارب، لأبرز التحديات والتحولات التي يتوقع أن يشهدها العالم، في ظل النفوذ المتفاقم لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في تفاصيل حياتنا اليومية، من التجارة إلى التعليم والطب والهندسة والبحث العلمي، وغيرها. ومع تبلور فهم توافقي، تتجه النقاشات الأحدث إلى مسائل أكثر عمقاً، لا سيما تلك المتعلقة بتأثيره المحتمل على أنماط العيش وعلاقة الناس ببعضهم، واتجاهات الثقافة.

تسهِم الأنظمة الفائقة الذكاء في تقليص المسافة بين الفكر والعمل، بل إلغائها في حالات كثيرة؛ ما يتيح وقتاً أوسع لعمل الإنسان ويزيد من تطلعاته. لكن هذه الإضافة بالذات تجعل الوسيلة، أي الآلة، مؤثرة في تحديد موضوع العمل ومنتجاته، وبالتالي فهي تسهِم بعمق أكبر في إعادة تعيين المسار الاقتصادي وطرق التعامل بين الناس.

لتوضيح هذه المسألة، انظر كيف أن دخول السيارة في سوق العمل أثر على اتجاهات العمل وقيمته، وعلاقة العاملين مع بعضهم ومع أرباب عملهم. ويقال الشيء نفسه عن تأثير الهاتف النقال على العلاقات بين الناس، فقد زاد التعاملات التجارية، حين اختصر المسافة الزمنية بين الفكرة والعمل والناتج، لكنه – في الوقت نفسه - غيّر إلى حد كبير مضمون وكيفية علاقة الناس ببعضهم، بل أثر أيضاً على مواضيع العلاقة بين الناس.

هذا النوع من التأثير يثير أسئلة جدية حول قدرة الإنسان على التحكم في حياته، بما فيها القيم الناظمة لعلاقته مع جيرانه وأصدقائه وشركائه، والقضايا التي تدور حولها هذه العلاقة. لا ينبغي أن يقتصر النقاش في أمر كهذا على الجانب التقني، كما لا ينبغي أن نقتصر على إظهار القلق أو تخويف بعضنا بعضاً. نحن في حاجة إلى تكرار التأكيد على المبادئ الجوهرية التي تدور حولها حياة الإنسان، وكفاحه اليومي من أجل حياة أفضل. ولا شك أن أبرز تلك المبادئ وأعلاها أهمية هي بقاء الإنسان مسيطراً على مصيره، ساعياً إلى تعزيز كرامته، محافظاً على استقلال إرادته.

التأكيد على هذه المبادئ ضروري جداً في عالم تديره الآلات، أو تشكل القوة الحاسمة في تلبية احتياجاته. نحن في حاجة إلى التساؤل دائماً عما إذا كنا نسعى للتطور المادي؛ لأنه هدف بذاته، أو من أجل زيادة المال، أم لأنه يخدم هدفاً أعلى، يتعلق مباشرة بالوجود الإنساني، أي تعزيز كرامة الإنسان وبقائه في مركز الوجود.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

 

الرئيس خوسيه موخيكا إنموذجاً

في زمن تتكاثر فيه صور الحاكم المتعالي، المتشبث بالسلطة، المنفصل عن واقع شعبه، تبرز شخصية الرئيس الأوروغواياني خوسيه (بيبي) موخيكا بوصفها استثناءً أخلاقيا وسياسيا نادرا، لا لأنه امتلك كاريزما خطابية صاخبة أو قوة عسكرية، بل لأنه قدّم نموذجا مختلفا لمعنى السلطة نفسها. لقد تحوّل موخيكا، الذي لُقّب بـ (الرئيس الفقير)، إلى رمز عالمي للإنسان المعتدل، غير الدكتاتور، وغير السارق لبلده وشعبه، في عالم باتت فيه السلطة مرادفا للثراء الفاحش والقمع والفساد.

لم يكن موخيكا سياسيا تقليديا جاء من أروقة النخب المغلقة، بل ابن تجربة إنسانية قاسية ومعقدة. عاش سنوات طويلة من النضال، والسجن، والعزلة، وتعرّض لأقسى أشكال القمع في بلده خلال فترات الحكم العسكري. هذه التجربة لم تحوّله إلى حاكم انتقامي أو متعطش للسلطة، بل صقلت لديه وعيا عميقا بقيمة الحرية، وبحدود القوة، وبأن الإنسان يمكن أن يربح الكثير حين يتخفف من وهم الامتلاك والسيطرة.

حين وصل موخيكا إلى رئاسة الأوروغواي، لم يتعامل مع المنصب بوصفه امتيازا، بل مسؤولية أخلاقية. رفض الإقامة في القصر الرئاسي، وفضّل أن يعيش في منزله الريفي المتواضع، ويقود سيارته القديمة، ويتبرع بمعظم راتبه الرئاسي لمشاريع اجتماعية. لم يكن هذا السلوك استعراضا إعلاميا، بل امتدادا طبيعيا لقناعة راسخة لديه بأن الحاكم الذي ينفصل عن حياة الناس اليومية يفقد تلقائيا قدرته على فهمهم وخدمتهم.

في عالمنا اليوم، حيث يقاس (نجاح) القادة بعدد القصور التي يملكونها، والحسابات البنكية التي يكدسونها، والتحالفات العسكرية التي يبرمونها، يبدو نموذج موخيكا صادما ومربكا. فهو لم يقد بلاده عبر التخويف أو عسكرة المجتمع، ولم يحتج إلى صناعة عدو دائم ليبرر بقاءه في السلطة. بل على العكس، آمن بأن الاستقرار الحقيقي ينبع من العدالة الاجتماعية، ومن بناء الثقة بين الدولة والمواطن، لا من القمع ولا من تكميم الأفواه.

لم يكن موخيكا معصوما من الخطأ، ولم تكن تجربته مثالية أو خالية من التحديات، لكنه قدّم نموذجا نادرا لرئيس لا يرى في الشعب وسيلة للبقاء في الحكم، بل غاية للحكم نفسه. لقد حكم بلاده وهو يدرك أن السلطة مؤقتة، وأن ما يبقى في النهاية هو الأثر الأخلاقي والإنساني، لا عدد السنوات في الكرسي. لذلك غادر الحكم بهدوء، دون أن يورّث السلطة، أو يغيّر الدستور، أو يزرع الألغام السياسية لمن يأتي بعده.

إن لقب (الرئيس الفقير) الذي أُطلق على موخيكا لا يعكس فقرا ماديا بقدر ما يعكس غنى أخلاقيا نادرا. ففي زمن تُنهب فيه ثروات الدول باسم الوطنية، ويُدفع فيه الشباب إلى الهجرة، وتُترك الشعوب في الجوع واليأس، اختار موخيكا أن يكون رئيسا يعيش مثل مواطنيه، لا فوقهم. لم تتراكم الثروات في عهده، ولم تُستنزف البلاد في مغامرات عسكرية أو صراعات عبثية، بل ساد منطق الدولة التي تسعى إلى تحسين حياة الناس، لا استعراض القوة عليهم.

وإذا قارنّا هذا النموذج بما تشهده كثير من الدول اليوم، نرى الفارق الأخلاقي الهائل. رؤساء وحكام يتحدثون باسم الوطنية، بينما يهرّبون الأموال، ويتركون بلدانهم غارقة في الديون، والحروب، والانقسامات، ويحوّلون السلطة إلى وسيلة للإثراء الشخصي أو العائلي. في مقابل ذلك، يقدّم موخيكا صورة الرئيس الوطني الحقيقي، الذي يفهم الوطنية بوصفها التزاما بخدمة الإنسان، لا شعارا يُرفع لتبرير الفشل أو القمع.

لقد كان موخيكا ناقدا شرسا للنزعة الاستهلاكية التي تحكم العالم المعاصر، وكان يرى أن كثيراً من أزمات البشر ناتجة عن الجشع، لا عن نقص الموارد. هذا الوعي لم يكن خطابا فلسفيا مجردا، بل ممارسة سياسية انعكست في سياساته الاجتماعية، وفي طريقته البسيطة في العيش. كان يؤمن بأن الدولة لا يمكن أن تطلب من الناس التقشف بينما يعيش حكامها في ترف فاحش، وأن العدالة تبدأ من القمة.

ما يجعل تجربة موخيكا ملهمة ليس فقط سياساته، بل لغته الصادقة، غير المتعالية. كان يتحدث كبشر يخاطب بشرا، لا كزعيم يعتلي منصة. لم يُقسّم شعبه إلى خونة وموالين، ولم يُشيطن معارضيه، بل اعتبر الاختلاف جزءا طبيعيا من الحياة السياسية. وهذا بحد ذاته درس عميق في زمن تحوّلت فيه السياسة إلى ساحة كراهية وتخوين.

إن الحديث عن خوسيه موخيكا اليوم ليس مجرد استعادة لسيرة رئيس سابق، بل هو تذكير بأن السياسة يمكن أن تكون أخلاقية، وأن السلطة لا يجب أن تعني الفساد، وأن الوطنية لا تُقاس بعدد الشعارات، بل بمدى حماية كرامة الإنسان. فموخيكا لم يترك بلدا غارقا في الحروب، ولا شعبا هاربا عبر البحار، بل ترك تجربة تقول إن الحكم يمكن أن يكون خدمة، لا غنيمة.

في عالم عربي وعالمي مثقل بخيبات الأمل، تبدو سيرة موخيكا كمرآة مؤلمة، لكنها ضرورية. مرآة تطرح سؤالا بسيطا وعميقا في آن واحد: هل المشكلة في شعوبنا، أم في نماذج الحكم التي فُرضت علينا؟ لقد أثبت (الرئيس الفقير) أن الفقر الحقيقي ليس قلة المال، بل غياب الضمير، وأن أغنى الرؤساء هم أولئك الذين يخرجون من السلطة وأيديهم نظيفة، وبلدانهم أقل وجعا، وشعوبهم أكثر أملا.

ويمكن إضافة بُعد آخر لتجربة خوسيه موخيكا يجعلها أكثر راهنية اليوم، وهو قدرته على الفصل بين الزهد الشخصي والشعبوية الزائفة. فموخيكا لم يستخدم بساطته لاستدرار العاطفة أو لتلميع صورته، ولم يحوّل فقره الشخصي إلى أداة دعائية، بل ظل حريصا على التأكيد أن جوهر التجربة ليس في نمط العيش بحد ذاته، وإنما في معنى السلطة وحدودها. كان يقول بوضوح إن المشكلة ليست في المال، بل في أن يتحول المال إلى هدف للحكم، وأن يُختزل الإنسان في كونه وسيلة للربح أو البقاء السياسي.

كما أن تجربة موخيكا تكشف أن الاعتدال لا يعني الضعف، وأن التواضع لا يتناقض مع الحزم في اتخاذ القرار. فقد استطاع أن يقود بلاده ضمن مؤسسات ديمقراطية مستقرة، وأن يمرر إصلاحات اجتماعية واقتصادية دون اللجوء إلى القمع أو التخويف. وهذا ما ينسف الفكرة السائدة لدى كثير من الحكام بأن الاستبداد شرط للاستقرار، وأن القسوة ضرورة للحكم.

إن استحضار موخيكا اليوم ليس نوعا من الحنين الرومانسي، بل دعوة لإعادة التفكير في معايير القيادة السياسية. ففي عالم تزداد فيه الفجوة بين الحاكم والمحكوم، يذكّرنا هذا الرجل بأن أبسط أشكال النزاهة قد تكون أكثر ثورية من أعنف الخطب، وأن أخطر ما يهدد الأوطان ليس الفقر وحده، بل حكام لا يشبهون شعوبهم، ولا يشعرون بآلامهم، ولا يرون في الوطن سوى مورد يُستنزف لا أمانة تُصان.

***

د. عصام البرّام

بين القومية والمواطنة.. رؤية يسارية لبدائل التحرر

المقدمة: يشهد الشرق الأوسط صراعات قومية دموية خلفت ملايين الضحايا والمشردين. تمثل القضية الكردية أحد أهم هذه الصراعات، حيث يتوزع الأكراد على أربع دول: تركيا، إيران، العراق، وسوريا. السؤال الجوهري: ما الحل الممكن الآن للقضية الكردية؟ هل في بناء دول قومية منفصلة، أم في النضال من أجل دولة المواطنة والحقوق المتساوية؟

كان هناك ولا يزال اضطهاد قومي صارخ ضد الأكراد. في العراق، بلغت الوحشية ذروتها في حملات الأنفال وقصف حلبجة بالأسلحة الكيماوية وسياسات "التعريب". في سوريا، الحزام العربي وإحصاء 1962 الذي جرد مئات الآلاف من جنسيتهم، واليوم في كانون الثاني 2026، يتجدد هذا المسار عبر الهجوم العسكري على مناطق سيطرة قسد. في تركيا، تصنيف الأكراد كـ"أتراك الجبال" وتدمير آلاف القرى. في إيران، القمع المركب تحت النظام الثيوقراطي والإعدامات والتهميش الاقتصادي.

لكن هذه السياسات لم تستهدف الأكراد وحدهم، فالدكتاتورية التي تسحق الهوية الكردية هي ذاتها التي تقمع كافة المواطنين. النضال ضد الاضطهاد القومي جزء من النضال العام ضد الاستبداد الطبقي والسياسي. مواجهة الاضطهاد الحقيقي لا تتحقق عبر استبدال قومية مهيمنة بأخرى، وإنما عبر تفكيك أسس الدولة القومية الإقصائية نفسها، وبناء دولة ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية.

من ''القومية المظلومة'' إلى سلطة حاكمة

في إقليم كردستان العراق، تحولت ''القومية المظلومة'' إلى سلطة حاكمة تواجه اتهامات بممارسات قمعية وفساد منظم. الحزبان الرئيسيان كرسا بنية حكم عائلية عشائرية. اندلعت حرب أهلية دموية بينهما (1994-1998) راح ضحيتها آلاف الأكراد، سببها الصراع على النفوذ والموارد وليس التحرر القومي. الفساد مستشر، والرواتب منقطعة لأشهر، والتظاهرات الشعبية ضد البطالة والفساد تُقمع، فيما يستمر الحزبان في احتكار ثروات الإقليم.

في سوريا، تحولت قسد إلى سلطة تتركز بيدها القرارات السياسية والعسكرية، مع هامش محدود للتعددية. رغم إصلاحات تقدمية في الجوانب الاجتماعية ومشاركة المرأة، لكنها بقيت محكومة بسقف طبقي وسياسي، ولم تمس جوهر بنية السلطة القائمة على الاحتكار السياسي. سُجلت انتهاكات لحقوق الإنسان، منها تجنيد الأطفال والاعتقال وقمع وتعذيب المعارضين.

الخطاب القومي خرج من كونه أداة تحرر، وتحول إلى غطاء أيديولوجي لتبرير الاستبداد وقمع المعارضين، وإعادة إنتاج علاقات السيطرة نفسها. المظلومية القومية التاريخية لا تمنح صك غفران لأي سلطة لتمارس القمع. تحول ''القومية المظلومة'' إلى ''أداة قمع واستبداد'' يمثل الهزيمة الأخلاقية الكبرى للمشروع التحرري، ويثبت أن الخلل في بنية الدولة القومية الإقصائية ذاتها.

تهميش النضال الطبقي وخطر الحروب الأهلية

الصراعات القومية تحمل خطر دفع المجتمعات نحو التعصب وحروب أهلية، تكون فيها الجماهير الكادحة وقوداً لصراعات لا تخدم مصالحها. الخطاب القومي الإقصائي يحول الصراع من صراع طبقي بين الجماهير الكادحة والطبقات الحاكمة، إلى صراع قومي وهوياتي زائف. الصراعات القومية أداة فعالة لإضعاف النضال الطبقي وتفكيك الوعي الاجتماعي للجماهير، وإلهائها عن قضاياها اليومية المرتبطة بالحقوق والعمل والرواتب والخدمات والعدالة الاجتماعية.

تحت غطاء الدفاع عن القومية، يتم تهميش الصراع الطبقي، وتبرير الاستغلال، وتحصين السلطات من المساءلة. تتحول الأزمات الاقتصادية والفساد والاستبداد من نتاج سياسات طبقة ملموسة إلى نتائج ثانوية لصراع قومي مفتعل. هكذا تؤدي الصراعات القومية إلى تصاعد خطاب الحرب والكراهية، وتفريغ النضال الاجتماعي من مضمونه، وقطع الطريق أمام بناء حركة طبقية يسارية موحدة عابرة للقوميات. مهمة اليسار هي الاستناد إلى الهوية الإنسانية والأممية، والتضامن مع معاناة جميع المدنيين ضحايا الدكتاتورية والحروب، بغض النظر عن العرق أو الدين أو الطائفة. التضامن الانتقائي، الذي يحصر التعاطف في عرق أو طائفة معينة، تفكير لا إنساني زائف، يساهم في تكريس التعصب، وتعميق الانقسام، وإضعاف أي مشروع تحرري قائم على العدالة والمساواة.

هل الدولة القومية ممكنة الآن؟

الظروف الموضوعية غير مناسبة لمشروع الدولة القومية الكردية. المناطق الكردية محاطة بقوى إقليمية معادية (تركيا، إيران، والدول العربية)، ولا تملك الحركات القومية دعماً دولياً حقيقياً. الدعم الأمريكي ظرفي ومرتبط بمصالح آنية. حتى لو تحققت دولة كردية، ما الذي يضمن بقاءها في ظل إحاطتها بدول استبدادية، أو يضمن عدم تحولها إلى نموذج دكتاتوري جديد؟ التجربة في إقليم كردستان العراق وسوريا شاخصة: حكم عشائري-حزبي، ممارسات استبدادية، فساد واسع، وانتهاكات لحقوق الإنسان.

من الضروري التحدث بوضوح عن حقيقة ديموغرافية: كثير من المناطق ليست ذات أغلبية قومية واحدة. كيف يمكن بناء مشروع قومي على أراض جزء من سكانها من قوميات أخرى؟ هذه المشكلة تخلق توترات حادة، وتفتح الباب لاتهامات بممارسة "التعريب" و"التكريد" و"التتريك". من الصعب بناء دولة قومية في مناطق متعددة القوميات دون خلق ظلم قومي جديد.

المراهنة على الدول الكبرى وبالأخص أمريكا

بعض الحركات القومية الكردية بنت ومازالت كثيرا من مشاريعها على الدعم الامريكي. امريكا، كأكبر قوة رأسمالية في العالم، تدعم معظم الانظمة الرجعية، ولم تكن يوما في صف الشعوب المضطهدة. وجودها في المنطقة يهدف اساسا الى ضمان مصالحها الاستراتيجية وتعزيز هيمنتها. تحالف امريكا مع القوى الكردية في سوريا والعراق جاء لسد فراغ ناتج عن غياب قوات برية امريكية كبيرة.

في الآونة الاخيرة، شهد هذا التحالف في سوريا تحولا واضحا باتجاه احمد الشرع والحكومة المركزية، علما ان الشرع لم ينتخب ديمقراطيا، وكان حتى وقت قريب على قائمة الارهاب العالمي، وهو ما يكشف بوضوح ان امريكا لا تهتم الا بمصالحها الاستراتيجية، ولا علاقة لها بالديمقراطية او القيم الانسانية التي تدعيها. هذا التحالف وقتي وهش، تحكمه المصالح الامريكية، ويضفي شرعية على التدخل الامريكي.

السياسة الأمريكية تنطلق من مصالحها الاستراتيجية، وليس من التزام أخلاقي تجاه الشعوب. لدينا أمثلة كثيرة على تخليها عن حلفائها: الأكراد في العراق عام 1975، والأفغان بعد انسحاب السوفييت. المراهنة على القوى الرأسمالية الكبرى مراهنة على ''سراب سياسي''. هذه القوى لا ترى في الحركات القومية ''حلفاء''، وإنما ''بيادق'' في رقعة شطرنج جيوسياسية، تباع وتشترى في صفقات الغرف المظلمة.

دولة المواطنة والحقوق بهوية إنسانية

يجب التمييز بين المطالبة بالحقوق الثقافية واللغوية والإدارية للأكراد وبقية الأقليات، وبين المطالبة بدولة قومية منفصلة. هذه الحقوق مطالب مشروعة يجب أن يدعمها كل يساري، من الاعتراف الدستوري بالتعددية إلى اللامركزية الإدارية. النضال من أجلها في ظل التوازنات الجيوسياسية القائمة من الأنسب أن يكون في إطار دولة مواطنة متساوية عابرة للقوميات والأديان. البديل الممكن اليوم ليس في بناء دول قومية جديدة تعيد إنتاج الانقسامات، وإنما في دولة المواطنة التي تحيد القومية والدين عن السلطة، وتقيد تشكيل الأحزاب على أسس قومية أو دينية، ليكون محور النضال هو سيادة القانون والمساواة والعدالة الاجتماعية.

هذا الانتقال مسار تدريجي يتطلب آليات دستورية واضحة تضمن عدم عودة المركزية. من هنا يبرز نموذج الفيدرالية الجغرافية (الإدارية) كبديل للفيدرالية القومية؛ بحيث تمنح الأقاليم سلطات واسعة في إدارة شؤونها، مما يفرغ الصراع من شحنته العرقية ويحوله إلى تنافس على الرفاه. ويجب أن يقترن ذلك بـ"الدسترة الشاملة للهويات" لضمان الحقوق الثقافية لكل المكونات، وبناء مؤسسات رقابية وقضاء مستقل.

التجارب الدولية تثبت إمكانية بناء هذا النموذج؛ فسويسرا نجحت عبر اللامركزية في استيعاب أربع لغات رسمية، وجنوب أفريقيا اختارت المواطنة، وفي الهند وبوليفيا وإسبانيا، نجد محاولات لإدارة التنوع عبر الحكم الذاتي والاعتراف بالتعددية دون تفكيك الدولة. هذه الأمثلة ليست مثالية، لكنها تؤكد أن البديل عن الدولة القومية الإقصائية ليس حلماً طوباوياً، وهو مشروع قابل للتحقيق.

قد يُطرح أن دولة المواطنة حلم طوباوي في ظل الواقع الحالي. لكن هذا الاعتراض يتجاهل حقيقة أساسية: مشروع الدولة القومية المنفصلة هو الأكثر طوباوية في الظروف الراهنة. الحديث عن دولة كردية مستقلة ومستقرة ومحاطة بدول معادية، دون دعم دولي حقيقي، وفي مناطق متعددة القوميات، حلم بعيد المنال. أما دولة المواطنة فمشروع تدريجي واقعي يبدأ بخطوات ملموسة: دسترة الحقوق القومية، بناء مؤسسات ديمقراطية، تطبيق اللامركزية، وتعزيز سيادة القانون.

لا يعني هذا التقليل من أهمية الهوية القومية أو معاداة الحقوق القومية المشروعة. ليست هنا المطالبة بإلغاء الهوية القومية، وإنما الدعوة إلى عدم تحويلها إلى أساس لبناء السلطة وإلى أداة للتمييز والإقصاء. الهوية القومية حق ثقافي ولغوي يجب حمايته، لكن الدولة يجب أن تُبنى على أساس المواطنة المتساوية لا على أساس الانتماء العرقي. المسألة في رفض استخدام الهوية القومية كغطاء لتبرير الاستبداد أو لتحويل الصراع الاجتماعي إلى صراع قومي يخدم مصالح النخب الحاكمة.

حق تقرير المصير والعقلانية الواقعية

مع تأييدي الكامل للحق الشرعي للشعب الكردي وكل الشعوب لتقرير المصير بما فيه الانفصال، إلا أنني لا أرى أن الظروف العالمية والإقليمية مناسبة الآن للانفصال وإعلان دول قومية جديدة. علينا أن ننبذ الوحدة القسرية وأن ندعم التعايش والوحدة الطوعية على أساس المواطنة المتساوية، وفي نفس الوقت نؤيد حق تقرير المصير، إذا كان سيعطي حقوقاً ومساواة أكثر وحياة وأماناً أفضل وصراعات أقل.

هذا الموقف ليس معاداة للتحرر القومي الكردي أو تقليلاً من عدالة قضيته التاريخية، وإنما دفاع عن جوهر التحرر نفسه من التشويه الذي تلحقه به المشاريع البرجوازية القومية حين تحول النضال التحرري إلى سلطة واستبداد وفساد. في الظروف الراهنة، الجماهير الكادحة تُجر إلى حروب وصراعات قومية، وستتعرض لأزمات اقتصادية وسياسية أعمق من أجل كيانات قومية قد تواجه خطر التحول إلى نموذج استبدادي آخر.

كماركسيين ويساريين، علينا أن نتعامل بعقلانية علمية وندرس الظروف المحلية والإقليمية والدولية، وموازين القوى الطبقية وقدراتنا وقدرات "أعدائنا"، والإمكانيات الواقعية لتحقيق الحلول. يجب تجنب جر الجماهير إلى حروب قومية خاسرة ومدمرة، حيث إنها لن تخلق غير المآسي الكبيرة للمدنيين وخسائر بشرياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً لكل الأطراف. الاستناد إلى العقلانية والواقعية ضروري، وليس إلى "البطولات القومية" و"العزة القومية" و"مواجهة العدو القومي بكل السبل". هذا الخطاب لا يحقق النصر، وإنما يجر الجماهير إلى مزيد من الحروب والدمار.

مهمات اليسار وبناء البديل داخل دولة المواطنة

مهمتنا كيسار اليوم هي فصل خطنا عن كل أطراف الصراع القومي، والنضال من أجل دولة تقوم على المواطنة والحقوق المتساوية والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان، لا على أساس قومي أو طائفي. الطريق طويل وصعب، لكنه الطريق الوحيد القادر على الوصول إلى حل حقيقي ومستدام للمسألة القومية، بعيداً عن الحروب والصراعات التي لا تنتج سوى المآسي للجماهير.

يمكن لليسار أن ينظم نفسه عملياً عبر بناء تنظيمات سياسية ونقابية وجماهيرية عابرة للقوميات والطوائف، تنطلق من المصالح المادية المشتركة لشغيلات وشغيلة اليد والفكر، وتربط النضال من أجل الحقوق القومية بالمعركة الاجتماعية ضد الاستغلال والفساد والاستبداد وتحقيق البديل الاشتراكي. هذا المسار يتطلب استقلالاً سياسياً وتنظيمياً كاملاً لليسار عن كل أشكال القوى البرجوازية ذات الخطاب القومي، والعمل اليومي على توحيد الجماهير الكادحة حول برنامج ملموس للمساواة والعدالة الاجتماعية واللامركزية الديمقراطية والحريات.

الشعوب في منطقتنا ليست في حالة صراع فطري، ولم تولد محكومة بالكراهية والانقسام، وإنما هي ضحية لعمليات تجييش وتعبئة قومية منظمة، حيث تُدفع الجماهير الكادحة من مختلف القوميات إلى صراعات قومية دموية، لتتحول التضحيات الشعبية إلى وقود لتثبيت كراسي طغم برجوازية تتخذ من الخطاب القومي ستاراً لحماية مصالحها الطبقية. معركتنا الرئيسية ليست لتغيير الرموز القومية، ولا لون العلم، ولا لغة الحاكم، وإنما لتفكيك قيود الاستبداد والاستغلال والتعصب من جذورها، وبناء فضاء ديمقراطي اشتراكي إنساني يتسع للجميع. الطريق إلى حقوق الكردي وحريته يمر حتماً عبر حقوق وحريات جاره العربي والتركي والسرياني والإيراني، في ظل دولة لا تسأل المواطن عن أصله، وتضمن له خبزه وحريته، وتحترم كرامته الإنسانية.

***

رزكار عقراوي (يساري كردي من كردستان العراق)

في المثقف اليوم