آراء

آراء

اجرى معظم علماء النفس الكبار تجاربهم على الحيوانات والطيور وخرجوا بنتائج عمموها على البشر، يتصدرهم بافلوف الذي اجراها على الكلاب وخرج باكثر من قانون بينها.. حين يتم اشتراط الاستجابة لمثير معين فان المثيرات الاخرى المشابهة للمثير الاصلي تصبح قادرة على استدعاء نفس الاستجابة وصارت تعرف بنظرية الاشتراط الكلاسيكي. ظهر بعده في اميركا مؤسس المدرسة السلوكية عالم النفس (سكينر) مستخدما الحمام والفئران لاظهار مدى سهولة تشكيل البيئة لمخ الحيوانات الثدية، ورفض تفسير التعلم بالربط المكيانيكي البسيط بين الاستجابة والمثير وقدم مصطلح الاشتراط الاجرائي.

 واجرى (هاري هارلو) تجاربه على القرود معتقدا انها ستمنحه افكارا اكثر دقة عن السلوك الانساني.. تبعهم صاحب نظرية العجز المتعلم (مارتن سليجمان) الذي اجرى تجاربه على الكلاب.

 وكان فرويد قد وضع نظرياته من خلال تحليل اشخاص معدودين معظمهم نساء برجوازيات وخلص الى ان سلوكيات الفرد لا يحددها عامل واحد بل ثلاثة عوامل (الانا، والهو، والانا الاعلى).. وقل الكثير عن كثيرين.

 وليس النقد هنا على ما توصلت تجارب علماء النفس على الحيوانات والطيور من نظريات اصبحت كلاسيكية.. ولكن الفرق يكون كبيرا فيما يخص سلوك الأنسان بين ان يكون البشر هم موضوع الدراسة وبين ان تكون الحيوانات والطيور موضوعها.

 وما حصل ان العراق صار مختبرا حقيقيا لعلم النفس تعرض ملايينه عبر اربعين سنة ( 1980- 2020) الى حروب كارثية، بدءا من الحرب العراقية الايرانية التي استمرت ثمان سنوات، الى حرب العراق على الكويت، الى ثلاث عشرة سنة من حصار اكل فيها العراقيون خبز النخالة المعجون بفضلات الصراصر، فالحرب الأمريكية على العراق (2003)، فالحرب الطائفية (2006- 2008) الذي بلغ عدد القتلى فيها في احد ايام شهر تموز.. مائة قتيلا، لسبب في منتهى السخافة (ما اذا كان الآخر اسمه عمر او حيدر او رزكار!).. الى حرب داعش وسقوط الموصل.. ووصولهم الى مشارف بغداد.. الى تناقضات ومفارقات في علاقات السلطة بالناس بعد 2003 ما حدثت في تاريخ العراق السياسي وما احدثته من تغييرات في الشخصية العراقية.

 ولقد شغلت هذه الاحداث عددا من علماء النفس العراقيين وحظيت بدراسات علمية في اطاريح دكتوراه، يفترض ان يصار الى توحيد مفاهيمها في تنظير جديد خاص بعلم نفس عراقي يقدم اضافات معرفية لعلم النفس على الصعيدين العربي والعالمي وتكون له هوية مميزة على الصعيد الأنساني.

وعراقيا ايضا، اجرى كاتب هذه التوطئة دراسات ميدانية على سجناء في سجن ابو غريب بينهم قتلة محكومون بالاعدام ولواطيون وزناة محارم، ودراسة تعد الاولى عراقيا وعربيا وعالميا شملت 270 بغيا وسمسيرة، واشرف على اطروحة دكتوراه شملت اكثر من 300 ارهابيا من جنسيات مختلفة في سجون العراق.. ودراسة في مستشفى الشماعية شملت قتلة مصابون بالفصام (شيزوفرينيا).. وعايش سجناء سياسيين وعاديين لسنتين ونصف في سجن بغداد المركزي وسجن البصرة وسجن الحلة، توصل فيها الى مفاهيم جديدة في علم النفس تضمنها كتابه (امراض النفس والعقل - تنظير جديد في الأسباب والمعالجات) اعتبرته شبكة العلوم التربوية والنفسية في تونس، افضل مرجع للصحة النفسية في العالم العربي.. واسس في 2003 الجمعية النفسية العراقية وانتخب من بين 15 مرشحا.. رئيسا لها.

 ان ما تقدم من انجازات علمية لعلماء النفس العراقيين وطلبة دكتوراه، الذين درسوا فيها عينات بشرية، وليس حيوانات او طيور، تعرضت لكوارث وفواجع واحزان وفقدان احبة.. في بلد صار مختبرا حقيقيا لعلم النفس.. يقدم اضافات معرفية عراقية خالصة لعلم النفس العالمي صيغت بتنظير وقوانين اجتماعية.. نأمل ان يشكل كتابنا الموسوم (نحو علم نفس عربي جديد) باكورة لعلم نفس عراقي بجهود علماء نفس قادرين على ان يخرجوا من جلباب فرويد وسكنر.. وآخرين يعدّون افكارهم حقائق ابدية.

***

أ.د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

لم يكن مصطلح «الجماهير» مألوفاً عربياً، مع وجود «الجمهور»، وهو الإشارة إلى جماعة الفقهاء، فيقال ما اتفق عليه الجمهور، أما «الجماهير» فجاءت عنواناً بديلاً عن «العوام»، فربَّما عرفه قراء العربيّة بعد ترجمة كتاب «سيكولوجية الجماهير» لغستاف لوبون، الصَّادر في نهاية القرن التاسع عشر، وكثيراً ما أشير للعامة والعوام مقابل الخاصة والخواص، ولا ننسى استخدام الأحزاب والحركات الثّورية له في خطابها، على أنها الشَّعب، وكذلك الجمهوريات الثّوريَّة، وقلما نجد الأنظمة الملكيّة استخدمت المصطلح. أتينا على مصطلح «الجماهير» بعد المشاركة في ندوة كان عنوانها «كسر الحواجز حين تخاطب المعرفة جمهورها» ضمن ندوات المنتدى الإعلاميّ السُّعوديّ، والمطلوب كسر الحواجز بين النُّخبة والجماهير.

كانت الثقافة والمعارف مِن حصة الخواص قديماً، لأن المعارف تحتاج إلى عقول لإدراكها، تبدأ بالتأهيل من الطُّفولة، والسّواد الأعظم لا يحصل على التعليم، ومع تطور وسائل التواصل صارت المعارف مشاعة، لكن مع ذلك تجد نسبة الجهل طاغيَّة، وكان السؤال كيف يوصل أهل المعرفة نتاجهم إلى الجماهير؟ فالقدماء كانوا يخشون مِن وضع المعارف في غير محلها، فيكون مردودها سلبياً، لذا ارتأوا أن تبقى متداولة بين النّخب، فإذا بسطوها انتهت قيمتها، فمثلاً سلامة موسى (1958) اقترح الكتابة باللهجة المحكية، كأسلوب لـ«كسر الحواجز» بين النخب والجماهير، لكن العربيّة محكية في عشرات اللهجات، والفكر ليس الرواية أو القصة، كتابتها باللهجة تعظم قوتها.

 إخوان الصَّفا، وهم نُخبة فكرية، (أو مجموعةٌ من الفلاسفة العرب المسلمين، عاشوا في القرن العاشر الميلادي في مدينة البصرة بالعراق، واتفقوا على توحيد المذاهب الإسلامية، والنظريات الفلسفية)، طرحوا إشكالية إيصال رسائلهم إلى الجماهير، بما عبّروا عنه بالعوام، صيانة للأفكار، وكان ذلك السبب الأول في سريتهم. قالوا: «إنّا لا نكتم أسرارنا عن النّاس خوفاً من سطوة ملوك ذوي السّلطنة الأرضية، ولا حذراً من شغب جمهور العوام، ولكن صيانة لمواهب الله عز وجل لنا، كما أوصى المسيح فقال: لا تضعوا الحكمة عند غير أهلها فتظلموها، ولا تمنعوها أهلها فتظلموهم» (الرسالة السابعة من العلوم النّاموسية والشرعية).

فالرّسائل صنّفت للعلماء والحكماء، وإذا ما صارت بيد العوام قل قدرها، فلا يطّلع عليها إلا الإنسان العارف، الذّي له صحبة كصحبة «إخوان الصّفا»، وهم بهذا لا يقدمون أنفسهم أعداء للسلطة، إنما قصدوا إشاعة المعرفة والثّقافة لأجل قيام المدينة الفاضلة بعد تهيئة العقول لقيامها، وهذا يشمل الملوك وأبناءهم، وأبناء الدّهاقين (رؤساء القرى)، وأرباب الضّياع، وسواهم (الرسالة الأولى، القسم الرياضي). لكنهم لم يحرموا الجماهير مِن المعرفة، إذا تم ذلك تحت إشرافهم، فمجالسهم مفتوحة لمن لم يفهم ما في الرّسائل، أو من لم يستطع قراءتها، إذا طلبها، له سماعها ممن فهمها واستوعبها، وليس المقصود بالمجلس هنا مصنفي الرّسائل أنفسهم، إنما من تبنى أفكاره. فقالوا: «إن كنت لا تُحسن كيف تقرأ هذا الكتاب، وكيف تحسب هذا الحساب، وكيف تزن هذا الميزان، وكيف تجوز هذا الصّراط، فهلم مجلس إخوان لك نصحاء، أو أصدقاء لك كرماء، فضلاء أخياراً علماء، محبين لك، متوددين إليك، فيعرفونك ما لا تنكره، ويعلمونك ما تتيقنه، ولا تشك فيه بشواهد من نفسك، وبراهين من ذاتك...» (الرسالة الثانية عشرة من الجسميات الطّبيعيات).

بمعنى اللجوء إلى التعليم المباشر، ومَن يطلب معرفة ما في الرسائل حُسب على النّخبة، لأنَّ الطَّلب بحد ذاته شأن نخبويّ، فالجاهل لا يطلب ولا يسأل عن المعرفة. كان ذلك أسلوب محدود لكسر الحاجز بين أهل المعرفة والجماهير، أو العوام بلغة الأقدمين. كان الوليد بن عبيد البُحتُريِّ (280هج) قاسياً غرو الكثير مِن أصحاب الأفكار والمعارف، الذين حال لسانهم يقول: «على مَن لا يفهم شعره حين قال: «عليَّ نحتُ القوافي مِن معادنها/ وما عليّ إنْ لم تفهم البقرُ» (كتاب الموازنة)، وإن تواضع «إخوان الصفا» وهم فلاسفة، ووجدوا طريقاً لإفهام العاميّ، فغيرهم قد تعصب لنخبويته، ولا يتردد مِن رمي الجماهير ببيت البُحتُريِّ.

***

د. رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

إن استمرار العرب يتحركون ويخضعون لمقتضيات التحولات السياسية دون وجود رؤية استراتيجية هو المعني بتضييع البوصلة وغياب القدرة الفعلية على مواجهة التحديات.. الممارسة السياسية سواء التي تقوم بها دولة كبرى لها أنظمتها وقوانينها، أو التي تقوم بها جماعة سياسية تعمل على تحرير أرضها من قوى الاستعمار القديم أو الحديث، فإن هذه الممارسة السياسية خاضعة لقوانين وأنظمة لا يمكن تجاوزها أو اختراقها مع غياب المصلحة الواضحة لها..

أقول إن هذه الممارسة السياسية لها جانبان أساسيان وهما:

الجانب الأول الذي يتعلق بالممارسة السياسية اليومية أو التي تقوم بها الدولة كرد فعل على ممارسة سياسية سابقة.. وهذا الجانب يسمى التكتيك السياسي. وهو الذي يعنى بإدارة وتدبير الشأن اليومي أو الروتيني وفي غالب الأحيان هذه الممارسة السياسية لا تتعدى التكتيك السياسي..

والجانب الآخر هو الممارسة الاستراتيجية، وهي الممارسة التي تتعدى التكتيك السياسي والممارسة اليومية وهي المتعلقة بالمصالح الاستراتيجية والأهداف العليا التي تسعى الدولة لتحقيقها في الواقع الخارجي.. والدول والجماعات السياسية الفاعلة تنقسم على هذا الصعيد والمستوى..

فثمة دول وجماعات سياسية قادرة على التميز والتفوق السياسي انطلاقاً من طبيعة التكتيكات السياسية المتبعة.. إلا أنها لا تمتلك القدرة على ربط هذه التكتيكات بالرؤية الاستراتيجية التي تحملها.. فهي ناجحة تكتيكيا وغير ناجحة أو بليدة على المستوى الاستراتيجي.. وهناك دول وجماعات سياسية على عكس ذلك. فهي مترهلة على مستوى التكتيك السياسي، إلا أنها حيوية وفاعلة على مستوى الرؤية والممارسة الاستراتيجية..

والصورة المثالية للممارسة، هي تلك الصورة التي تقوم بكل الخطوات السياسية التكتيكية، دون إغفال البعد والرؤية الاستراتيجية..

ولعل الكثير من الإخفاقات السياسية العربية، تعود في أحد جوانبها إلى هذه المسألة..

فغالبية العرب ينفعلون ويتفاعلون على مستوى التكتيك السياسي، إلا أنهم يغفلون عن الرؤية الاستراتيجية.. لذلك هم على الصعيد العملي يكتفون بالممارسة التكتيكية ولا يعملون على ربط هذه الممارسة التكتيكية بالنطاق الاستراتيجي. والمطلوب هو القيام بكل ما تتطلبه الممارسة السياسية من جهد تكتيكي أو استراتيجي..

وإن استمرار العرب يتحركون ويخضعون لمقتضيات التحولات السياسية دون وجود رؤية استراتيجية هو المعني بتضييع البوصلة وغياب القدرة الفعلية على مواجهة التحديات..

ولو تأملنا في واقع الممارسة السياسية العربية تجاه القضية الفلسطينية لرأينا طبيعة الفصام النكد الذي يتحكم في الممارسة السياسية العربية.. حيث تغيب الرؤية الاستراتيجية ولا يحضر عربياً إلا البعد التكتيكي.. لذلك نجد أن العرب على هذا الصعيد يراكمون من إخفاقاتهم.. والسبب في تقديرنا يعود إلى أن الجهود الكثيرة التي يقوم بها العرب ليست متوازنة بين التكتيك والاستراتيجية.. لذلك هم في الغالب يتحركون بدون رؤية استراتيجية.. والوفاء بمقتضيات التكتيك السياسي لا يعني البتة الوصول إلى بناء رؤية استراتيجية للعرب تجاه قضيتهم المركزية وفي قضية فلسطين..

فأغلب الإخفاقات تعود في تقديرنا إلى هذه المسألة.. فحينما تغيب الرؤية الاستراتيجية، تغيب البوصلة النظرية التي تحدد الأولويات وسبل تحقيقها، وتغيب القدرة على الموازنة بين القدرات والطموحات..

لذلك نجد أن العرب في أغلبهم يرفعون الشعارات الفضفاضة دون أن يمتلكوا القدرة الفعلية على تحويل هذه الشعارات إلى واقع عملي..

والبشر الذين يكتفون برفع الشعارات واليافطات الكبرى، دون امتلاك القدرة الفعلية على تحقيقها هم الذين يؤدون الى ضياع القدرة على الوصول إلى الغاية والهدف..

ومن جانب آخر فإن الجمود السياسي والترهل الإداري سواء على المستوى الاستراتيجي أو التكتيكي، يفضي إلى غياب الفعالية السياسية والقدرة على المبادرة ويحول السياسة كممارسة لضيف ثقيل على المستويات كافة..

لذلك فإن الفعالية السياسية سواء على المستوى الاستراتيجي أو التكتيكي، هي التي توفر القدرة على الاستفادة من كل الممكنات والفعاليات البشرية..

ويبدو لنا أن الخلط المنهجي بين الاستراتيجي والتكتيكي، هو الذي يفضي إلى ضياع القدرة على التكامل، ويجعل الممارسة السياسية بدون قدرة على تنظيم كل الفعاليات للحصول على كل النتائج المتوقعة.. ولعل هذا الفرق هو أحد الفروقات الأساسية بين المجتمعات المتقدمة والمجتمعات المتخلفة.

فالمجتمعات المتقدمة قادرة على ممارسة السياسة سواء في بعدها الاستراتيجي أو في بعدها التكتيكي، لذلك فهي تحصل على كل النتائج بالجهود السياسية القليلة..

أما المجتمعات المتخلفة لغياب القدرة على التمييز بين الممارسة السياسية الاستراتيجية والتكتيكية، فإنها تبذل الكثير من الجهود دون الحصول على النتائج المرجوة بمستوى الجهود المبذولة..

وعليه فإن المطلوب للخروج من هذا المأزق السياسي هو الاهتمام بصناعة الرؤية الاستراتيجية والتفكير العميق في سبل إنجاز هذه الرؤية دون التغافل عن الممارسة السياسية اليومية والتي في أغلبها تتعلق بالتكتيك السياسي..

فالمطلوب رؤية استراتيجية واضحة وصريحة، وتكتيك سياسي فاعل وقادر على ملاحقة الشأن اليومي دون الاستغراق فيه..

فالجمود السياسي الاستراتيجي يضيع الكثير من الفرص والممكنات السياسية..

كما أن الاستغراق بالممارسة السياسية التكتيكية مع غياب الرؤية الاستراتيجية يضيع الكثير من القدرات والفعاليات التي تخدم هذه المسألة..

ومن المؤكد أن معالجة هذه الإشكالية هو أحد السبل الأساسية لممارسة السياسة بعيداً عن الأعباء أو ردود الفعل، التي قد نستجيب لها بدون رؤية أو خطة حقيقية..

أحسب أن الاهتمام بهذه المسألة، يوفر على المستويين الاستراتيجي والتكتيكي القدرات البشرية القادرة على الاستجابة المطلوبة لكلا المستويين.

***

محمد محفوظ

من إسلام آباد إلى الأنبار 

تزامن اليوم الجمعة الموافق بتاريخ 6/2/2026 تفجيران إنتحاريان، كان الأول في باكستان تحديدا في ترلاي إسلام آباد والثاني في العراق تحديداً مضافة في صحراء الأنبار، كان الهدف منه هو التهديد الأمني ذات الطابع المتطرف العنيف الذي تركتبه نفس الجماعة، وضد نفس الجماعة الهدف في إيديولوجيتها، فوحدة الهدف الإرهابي الذي يسعى له هذا الخط الإرهابي الممتد من أقصى الشرق مرورا بباكستان حتى يأخذ بالتوسع في جغرافية اقليم الشرق الأوسط ويمتد حتى جنوب أفريقيا، ليس بالضرورة أن يكون تنفيذا في هذا الأقليم وإن كان يقع، بل ممكن أن يكون تخطيطاً ودعماً، وأقصد بذلك الجذور التمويلية لتلك الجماعات المتطرفة التي تدفع بتنفيذها الأرهابي نحو هدف واحد وهو "الشيعة" حيثما كانوا أو من ينالهم تكفيرهم وإتهامهم وتخوينهم .

وبما أن التطرف ينمو في البيئات الهشة فكرياً، وعقائدياً، واقتصادياً، وسياسياً، فتتكالب على تمويله دول كثيرة، وبدوافع كثيرة أيضاً، مرة يكون بهدف زعزعة الأمن من دون أن يكون الهدف المحدد مهما في حد ذاته، ومرة بدوافع مقصودة لهدف مقصود، ومرة لإحداث توترات أمنية يسوغ عمليات أمنية أوسع، كالتي تدعيها أميركا حين تريد التدخل في أمن الدول، ومرة تكون دوافع سياسية تنشأ عبر الاستهداف، والإقصاء، والتهميش، لأحداث اضطرابات سياسية وانقلابات واسقاط أنظمة .

لعل الخوض في تاريخ هذا العنف الطائفيٍ يبعدنا نسبيا عن حادثة اليوم وهو التزامني الأمني لنفس التفجير الإرهابي ولنفس الوسيلة وهو (الجسد) عندما يكون أداة قتل وإبادة يقصد بها النيل من الهدف عن قرب وملاصقة، في لحظة تفجير تستهدف نفس العينة، حين يكون مصلياً، بريئاً، وغافلاً، ومطمئناً، كالذي حدث في باكستان، أو يكون في وضع الدفاع، أو الهجوم، كالذي حدث في الأنبار – العراق.

لم يتبنى الهجوم الإنتحاري الناتج عن التطرف الطائفي العنيف في باكستان اليوم من أي جهة متشددة أو متطرفة عنيفة أو إرهابية، وهو في الغالب حدث ينتج عن جماعات معروفة بعدائيتها للشيعة في باكستان مثل جماعة منظمة لشكر جهنكوي، وجند الله، وتنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام (داعش)، وسباه صحابه، هذه التنظيمات المتطرف العنيفة نفذت أغلب عملياتها وأوسعها ضد الشيعة، فهي تعدهم العدو الدود لها. كما أنها لم تستثن السنة والصوفية والمسيح من هذا الاستهداف بقدر تعاونهم مع الشيعة أو قربهم منهم أو بدوافع تكفيرية ضد الجميع . وبالفعل نفذت عمليات موسعة ضد الشيعة بين قتل على الهوية، وبين تهميش سياسي، وبين صراع اجتماعي، أو بين المحاصرة والتضييق أو بين الهجوم العلني على أبناء الطائفة الشيعية، أو استهدافهم بالتفجيرات الانتحارية، أو الانجرار الى الحرب الطائفية بين الطرفين .

نتج عن ذلك أرقام كبيرة تقدر بعشرات الالاف من القتلى من هذه الطائفة، طالما احصتها منظمات دولية، مثل: منظمة العفو الدولية، ومنظمة حقوق الإنسان الدولية، ومنظمات أوربية معنية بمتابعة الصراع الطائفي بين الإرهاب المتنامي في باكستان والضحايا الشيعة الأثنى عشرية. إذ سجلت هذه المنظمات احداث التطرف العنيف في باكستان بشكل لافت منذ أسامة بن لادن وحتى داعش من أنه جاء نتيجة تمويل خليجي ويساعد ويدفع ويحث على إبادة هذه الطائفة الشيعية الأثنى عشرية.

وقد تمثلت مثل هذه الدوافع المعلنة في العراق منذ حكم صدام حسين حين قال: (لا شيعة بعد اليوم) ابان الانتفاضة الشعبانية في عام 1991 وكررها الزرقاوي والظواهري وأبو بكر البغدادي ونهج على سبيلها تنظيم داعش الذي يتنامى نشاطه الإنتحاري هذه الإيام لا سيما بعد ما أعلن عن أختيار المالكي مرشحا للأطار التنسيقي الشيعي لرئاسة الوزراء ومحاولات اختراق أمني عبر إنتحاريين تم القبض على أحدهم وهو مرتدي حزاماً ناسفاً في 27 يناير 2026 واليوم تكرر المشهد بعد تعقب مضافات داعش في صحراء الأنبار ليفجر منهم إنتحاريان نفسيهما على قوة أمنية تلاحقهم هناك.

فالرابط بين هذه الأحداث هو وحد الهدف الإرهابي الذي يجعل التنظيمات الارهابية تتخذ وضع الإنتحار في جميع المناسبات وفي كل الأوقات، لا سيما في مناسبات تخص الشيعة، مثل: شهر محرم وشهر صفر، وفي أيام عامة تخص المسلمين، مثل شهر رمضان الذي تزاد فيه العمليات الإرهابية ضد الطائفة الشيعية وكأنهم يتخذوها طاعة وعبادة ! والتقرب بقتل الشيعة حيثما وجدوهم .

بينما القواعد الشرعية والأخلاقية في هذه الأشهر الحرم هو إيقاف القتال والتسامح والوئام بين المسلمين عبر وحدة الهدف العبادي وهو طاعة الله ووحدة المسلمين المفترضة بين طوائفه ! ولكن لإجندات السياسة والتطرف والإرهاب وداعميه قولاً آخر .

***

د. رائد عبيس

مشهد دموي وقع اليوم في باكستان وتحديدا في منطقة ترلاي في إسلام آباد في تاريخ 6/2/2026، هو في الحقيقة حدث يمتد عبر سلسلة إجرامية غير منقطعة من العنف الطائفي، والكراهية، والتحريض الطائفي، وإعلان العداء، وإبداء دوافع الإبادة بشكل واضح في خطاب هذه الجماعات المتطرفة، أو عبر الشحذ الطائفي الديني العنيف، أو التكفير، والتفسيق، وأحكام الخروج من الملة الذي يستوجب في أحكامهم حد الرفض والقتل، كما هو جار في باكستان اليوم وأمس ومنذ زمن طويل.

فالخلفيات التأريخية والعقدية لهذا التطرف تبرهن على أن الدين عندما يتحول إلى موروث شعبي يكتسب خطورة استثنائية  يصعب السيطرة عليها، ويضفي تعقيدا على الدين والسياسية على السواء، بل وعلى كل ما يرتبط بالحياة. مما يحول أتباعه إلى عصبة مغلقة متعجرفة لا تمنح للعقل دور ولا للمعرفة أهمية بقدر ذلك الموروث الذي غذي بنزعة من العدائية المفرطة اتجاه الآخر المختلف عنها بالتوجه العقدي والفكري والرأي وحتى تقاليد الحياة العبادية .

لو سألنا لماذا هذا العنف الطائفي ضد الشيعة في باكستان؟

سنضطر حينها إلى الخوض في بطون التأريخ لنبحث عن أول رأي متصلب اتجاه التشيع وأئمته في حياة المسلمين منذ الأيام الأولى لتولي الإمام علي عليه السلام لقب أمير المؤمنين وهو الأمام الأول لدى الشيعة في العالم .

وإذا سألنا نفس السؤال في التاريخ القريب فسنجد أن العداء تصاعد منذ الثمانينات من القرن الماضي، حينما تدخلت عوامل كثيرة خارجية، ومنها الاستعمار ودخول الوهابية الى باكستان وداخلية منها تنامي الحركات المتطرفة بفعل الشحذ الطائفي نتيجة للعامل الخارجي، وما رافقه من العزل السياسي لطائفة والتهميش الطائفي على حساب طائفة اخرى، لمحاولة الإستفادة من الشرخ المذهبي بين السنة والشيعة المتحقق بفعل هذه العوامل وغيرها، لتحقيق اجندات ذات دوافع متعددة، لا سيما في البلدان التي لم يكن بينهما تعايش سلمي أو تزعزع هذا التعايش نتيجة ظروف سياسية طارئة كالتي حدثت في العراق، وفي سوريا، ولبنان، واليمن، وباكستان، والهند، والسعودية، والبحرين .

تزايدت هجمات الجماعات المتطرفة ضد الشيعة في باكستان

منذ ذلك العقد، ولكن عمليات القتل بلغت مستويات غير مسبوقة في عام 2013، حيث قُتل نحو 700 شيعي. وكان أغلب القتلى هم من الهزارة الشيعة في إقليم بلوشستان والذي وصفته منظمة هيومن رايتس ووتش بأنه "أكثر الأعوام دموية للشيعة في الذاكرة الحديثة" في باكستان وأن معظم الهجمات المنفذة ضد الشيعة في باكستان كان من قبل ثلاث جماعات مسلحة: وهم جماعة سباه صحابة باكستان، وجماعة لشكر جهنكوي، وحركة طالبان باكستان. وهي جماعات سنية متطرفة، تُصنّف الشيعة على إنهم كفارًا ومرتدين، ويجب أن يُعاقبون بالإعدام. كما تُمارس هذه الجماعات دعاية معادية للشيعة، وخطاب كراهية على جميع مستويات المجتمع الباكستاني. ونتيجة لذلك، يعيش الشيعة الباكستانيون في جميع أنحاء البلاد في خوف دائم.

ومع ذلك، فقد أسفرت السجلات التفصيلية للهجمات على الشيعة، التي جمعتها شبكات منظمات المجتمع المدني الشيعية، عن أرقام إجمالية أعلى بكثير. ويعود ذلك إلى أنها تسجل حوادث فردية لم تتناولها التقارير الإعلامية العامة، وإلى أن العدد النهائي للضحايا في الهجمات الجماعية غالبًا ما يكون أكبر من العدد الوارد في التقارير الأولية. وبذلك، ويسجل المجلس الدولي للإمام الحسين عليه السلام لا تتأثر الطائفة الشيعية فقط بموجات القتل والتفجيرات الانتحارية، بل بتعرضهم أيضًا لأشكال مختلفة من خطاب الكراهية، وأكثرها شيوعًا حملات تشويه عقيدة الشيعة والتحريض عليهم في المساجد، والمدارس، والأماكن العامة، وبشكل متزايد على وسائل التواصل الاجتماعي. يُشوهون عقيدة الطائفة الشيعة بسبب معتقداتهم الدينية، ويتم استهداف أفراد منهم بالانتقاد. وتصفهم هذه الحملات علنًا بالمرتدين، أو الزنادقة، وتدعو السنة إلى قتلهم.

على سبيل المثال، تزعم جماعة لشكر جهنكوي أن:

"جميع الشيعة يستحقون القتل، سنطهر باكستان من النجاسة. باكستان تعني أرض الأطهار، وليس للشيعة الحق في العيش في هذا البلد. لدينا الفتوى وتوقيعات..." علماءٌ مُبجَّلون، يُعلنون الشيعة كفارًا. تمامًا كما يفعل مقاتلونا بعد أن شننا جهادًا ناجحًا ضد الشيعة الهزارة في أفغانستان، فإن مهمتنا في باكستان هي القضاء على هذه الطائفة النجسة وأتباعها من كل مدينة، وكل قرية، وكل ركن من أركان باكستان " .

في يناير 2013، رُفعت دعوى قضائية في محاكم ملتان ضد جماعة سباه صحابة بتهمة التحريض على العنف ضد الشيعة. وشملت الأدلة المقدمة في هذه القضية اقتباسات من خطابات قادة الجماعة في اجتماع للصلاة في المنطقة، حيث دُعي الناس إلى قتل الشيعة.

كما طالبت قضية أخرى باتخاذ إجراءات ضد ثمانية أفراد مسؤولين عن كتابة خطاب كراهية على جدران المنطقة. وأفاد ناشطون بأن الكتابة على الجدران التي تحرض على العنف ضد الشيعة أصبحت شائعة ونادرًا ما تُزال، لأن الشرطة وعامة الناس يخشون القيام بذلك. لقد نشأ جيل جديد في باكستان يقرأ هذه المواد التحريضية. ويذكر ناشط شيعي، من إسلام آباد، لم يكن هذا النوع من الكراهية موجودًا، قبل سبعينيات القرن العشرين.

اذ أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي، مثل فيسبوك، منصةً لخطاب الكراهية والتحريض. ولدى جماعة سباه صحابة (SSP) وداعش والقاعدة وغيرها من الجماعات الدينية المتطرفة مواقعها الإلكترونية وصفحاتها الشخصية التي تعرض حملات عنيفة ضد الشيعة.

وتتضمن هذه الصفحات دعوات علنية لقتل الشيعة وتمجيد الهجمات ضدهم. وفي إحدى الحالات، دعت جماعة "سباه صحابة" وجماعات مسلحة أخرى، بما في ذلك حركة "تي بي بي"، إلى الانخراط بشكل أكثر فعالية في أعمال العنف ضد الشيعة.

ويؤكد بعض النشطاء الشيعة على أن تشويه سمعة الشيعة يقتصر على تفسير متشدد للمدرسة الديوبندية من الإسلام السني، والتي يشكل أتباعها أقلية في باكستان فضلا عن الوهابية الدخيلة على باكستان.

مع ذلك، يتزايد التعصب الطائفي في باكستان، وقد أدلى بعض رجال الدين البريلويين بتصريحات معادية للشيعة، أصبح وضع الهزارة في كويتا الآن خطيرًا للغاية، بسبب ملامحهم المميزة، يُعدّ السفر خارج أحيائهم أمرًا بالغ الخطورة. إضافةً إلى الهجمات البارزة التي تتصدر عناوين الأخبار، تتكرر حوادث إطلاق النار وغيرها من الهجمات ضد أفراد أو مجموعات صغيرة من الشيعة في كويتا وفي إسلام آباد، كان آخرها التفجير الذي وقع اليوم في 6/2/2026 والذي تبناه تنظيم داعش والقاعدة، اذ أوقع عشرات القتلى وأكثر من مئة جريح، وخلف استياء شعبي من تكرار هذه الحوادث التي أفقدتهم شعورهم الحاد بانعدام الأمن.

***

د. رائد عبيس

....................

المصادر:

1-  موقع الجزيرة نت، عشرات القتلى "بتفجير انتحاري" استهدف حسينية في إسلام

  https://www.aljazeera.net/news/2026/2/6

2-  Farah Mihlar ,Everything has shattered’– rising levels of violence against Shi’a in Pakistan www.minorityrights.org

اسمهم: منذ الالف الثاني ق.م، ورد في النصوص المسمارية في العراق القديم (السومرية والأكدية) ألفاظًا مثل (كوردو، وكاردو، وكرتو) بوصفها أسماء سكان (جبال زاغروس) الفاصلة بين العراق وايران، كجماعات جبلية وليس قومية او لغة محددة. وطيلة التاريخ وحتى العصر الحديث، ظلت هذه الجماعات الجبلية تهبط الى (وادي النهرين: العراقي السوري) وتمتزج بالسكان وتشكل جزءا من تكوين السومريين والبابليين ثم العرب. وايضا طيلة التاريخ ظل سكان وادي النهرين ينتقلون الى هذه الجبال لاسباب مختلفة، ولنا مثال (العوائل العباسية) التي استقبلها الاكراد بعد اجتياح بغداد من قبل المغول.

ـ ديانتهم: الأكراد مسلمون عمومًا، ونحو 70 إلى 80 بالمئة منهم (سنّة شافعيّة). منذ القرن التاسع عشر انتشرت بينهم الطرق الصوفية بقوة، خصوصًا (النقشبندية) في شمال العراق و(القادرية) في شمال شرق العراق. كذلك توجد طوائف غير سنّية، مثل (الشيعة) و(الكاكائية) في جبال ايران والعراق، و(العلويون: أكراد وأتراك) في تركيا، إضافة إلى (الإيزيديين) وهم (مزيج كردي عربي: اسلامي صوفي مع معتقدات قديمة) في شمال غرب الموصل. وقبل سنوات بدأت تتكون في (كردستان العراق) لـ(طائفة مجوسية) تدعي انها تمثل ديانة الاكراد الاصلية، رغم ان جميع الاثار المعروفة في المناطق الكردية العراقية مرتبطة بحضارة العراق القديم البابلية الاشورية ثم الاسلامية، وليس هناك أي آثار مجوسية.

لغتهم: الكردية الحالية تتكون من (لغات او لهجات متميزة ثلاث: الهورامية والسورانية والكرمانجية) وتنتمي إلى (العائلة الهندوأوروبية) ولها علاقة بـ(الفارسية) ولكنها من حيث البعد أشبه ببعد(العربية) عن اللغات السامية الإثيوبية. هنالك تقديرات بأن الكلمات العربية في الكردية اكثر من الكلمات الآرية الإيرانية. اما عن تاريخ هذه اللغة فحتى الآن لم يتم العثور على أي آثار تاريخية مكتوبة تساعد على معرفة التاريخ اللغوي والثقافي للسكان الاوائل في جبال زاغروس. لكن في كل الاحوال، الكردية الحالية مثل غالبية لغات العالم، قد تم فرضها في القرون الآخيرة على سكان الجبال من قبل (قبائل آرية) مهاجرة من ناحية ايران.

الكتابة: طيلة قرون ظلت الكردية مثل غالبية لغات الارض (لغة شفاهية) لم تترك لنا تراثًا مكتوبًا قبل بضعة قرون. بدأ انتقالها البطيئ المتقطع الى (التدوين الكتابي) حوالي عام 1500 م، ثم في القرن التاسع عشر دخلت مرحلة (اللغة القومية) بالمعنى الحديث.

ـ أقدم نص كردي تراثي معروف هو (شعر منسوب شفهيًا لعلي حريري) في تركيا الحالية، حوالي القرن الخامس الهجري دون أي مخطوط محفوظ.

ـ أقدم (تدوين كردي) فعلي كان بـ(الكردية الهورامية) حوالي 1500م في نصوص دينية مكتوبة بالحرف العربي في جبال زاغروس الإيرانية العراقية.

ـ عام 1597 م ظهر كتاب (شرفنامه( بالفارسية، لـ(الأمير والمؤرخ الكردي شرف الدين البدليسي) وهو من ايران الصفوية ثم انتقل الى السلطان العثماني. وهو اول كتاب مفصل عن اصول قبائل وامارات الاكراد، وفيه ذكر بأن اغلبية هؤلاء الامراء من (اصول عباسية عربية عراقية).

ـ حوالي 1600 ظهر (أول أدب كردي) مكتوب موثّق بـ(الكردية الكرمانجية) وهو شعر (ملا جزيري (تركيا الحالية) ومخطوطاته محفوظةٌ.

ـ حوالي 1800 بدأت(الكردية السورانية) تظهر كلغة كتابة بالحرف العربي في العراق مع شعر (ملا مولوي التاوگوزيّ) وانتقال المركز الثقافي إلى مدن شهرزور والسليمانية العراقية.

ـ بين 1820 و1860 ظهرت أول (نصوص كردية مطبوعة) بالحرف العربي عبر بعثات أوروبية مسيحية بـ(الكرمانجية) لأغراض تبشيرية، لكنها لم تؤثر وتستمر لتمسك الاكراد بالاسلام.

ـ 1898 صدرت (صحيفة كردستان) بالحرف العربي في القاهرة كأول صحيفة كردية بـ(الكرمانجية) بجانب (التركية)، وقد اصدرها لاجئون من أكراد تركيا، وهي بداية التعبير السياسي الحديث بالكردية.

ـ بعد 1928 فرضت تركيا الأبجدية اللاتينية ومنعت الحرف العربي، فظهرت (أبجدية كردية لاتينية تركية) خاصة باكراد تركيا، سنة 1932 عبر (مجلة هاوار) الموجّهة لأكراد تركيا، وصدرت في دمشق من قبل لاجئين من أكراد تركيا.

ـ في العراق وإيران استمرت (الكردية السورانية) بالحرف العربي المعدل، بينما استقرت الكرمانجية في تركيا وسوريا على الحرف اللاتيني التركي.

ـ العراق كان البلد الاول الذي سمح وشجع رسميا وشعبيا النشاط الثقافي لـ(أكراده): عام 1914 صدرت في بغداد مجلة "بانكي كردي" ثم تلتها صحف عديدة وحتى الآن. في عام 1931 اقر تعليم الكردية في مناطق الاكراد، وفي عام 1939 خصص اذاعة ناطقة بالكردية. وهكذا استمر توسّع الحقوق الثقافية الكردية بعد اتفاقية آذار 1970.

علما بأن (دولة فرنسا)، تعاملت مع لغاتها القومية (البروتون والباسك والكورس والأوكسيتان والالزاس)، كالتالي:

1881–1882 قوانين جول فيري: تعليم إلزامي بالفرنسية فقط.

1951 قانون ديكسون: سماح محدود بتدريس لغات إقليمية.

1981 عهد فرانسوا ميتران: توسع ثقافي بلا ترسيم.

1992 الدستور: «لغة الجمهورية هي الفرنسية».

النتيجة: اعتراف ثقافي جزئي، دون حقوق لغوية كاملة.

***

سليم مطر ـ جنيف

...........................

مصادر اساسية عن الثقافة الكردية:

ـ لتسهيل ايجاد المصادر اكتب في المبحث العناوين التي ترغبها. مثلا عن ثقافة اكراد العراق، اكتب:

ـ الكلمات العربية في الكردية

ـ تاريخ الاذاعة الكردية في العراق

ـ تاريخ تعليم الكردية في العراق

ـ تاريخ الصحف الكردية في العراق

ـ مصادر اساسية بالعربية:

ـ شرف خان البدليسي، شرفنامه، قسم ذكر أمراء كردستان وأنسابهم، فصول بهدينان والعمادية وبوتان وحكاري وسوران..

ـ عبد الكريم المدرس: المعجم الكردي

ـ محمد أمين زكي، خلاصة تاريخ الكرد وكردستان، فصل مشايخ برزان.

ـ عباس العزاوي، عشائر العراق، الأجزاء الخاصة بعشائر شمال العراق.

مصادر اجنبية:

- MacKenzie, D. N : “Kurdish Dialect Studies

- Ferdinand Hennerbichler: “The Origin of the Kurds.” Advances in Anthropology, Vol. 2, No. 2, 2012, pp. 64–79. Published by Scientific Research Publishing.

.Gernot Windfuhr: Kurds, Kurdish Language.” Encyclopaedia Iranica, online edition, New York, Columbia University, dernière mise à jour continue.

في ملف "جيفري إبستين" الذي لم يبق أحدٌ ممن له علاقة بالسياسة وممن لا علاقة له بها من الحديث عنه، لا أريد إعادة ما قيل، لكن ما لفتني حقًّا وجود شخصية عظيمة كان لها الدور الفاعل في فتح ملفّات هذه القضية الحسّاسة المحميّة من جهات سياسية عليا في الولايات المتّحدة الأمريكية، وفي محاولة واضحة لانزعاج الرئيس الأمريكي "ترامب" من خطورة هذه الملفات على مستقبله السياسي وأنه أحد أبرز المتّهمين مع "ابستين" والمتستّرين على جرائمه، بل لا يبعد أنْ يكون مشتركًا معه في هذه الجرائم الفضيعة التي يندى لها جبين الإنسانية، جدد دعوته إلى تجاوز الجدل المثار حول قضية إبستين، مؤكدًا أن "الوثائق التي تم الكشف عنها مؤخرًا لا تتضمن ما يدينه، تثبت تعرضه لاستهداف سياسي. وخلال حديثه للصحفيين في البيت الأبيض، أوضح ترامب أنه لم يظهر في الوثائق أي دليل ضده، معتبرًا أن ما أُثير سابقًا كان جزءًا من مؤامرة حيكت ضده من قبل أطراف عدة، من بينهم إبستين. وأضاف أن الوقت حان لترك هذه القضية والتركيز على ملفات تمس حياة المواطنين بشكل مباشر، مثل الرعاية الصحية وقضايا المعيشة اليومية". وهذه الشخصية العظيمة تجلّت لنا بالصحفية الاستقصائية جولي ك. براون وهي مراسلة صحيفة ميامي هيرالد، إذ لم يكن سقوط جيفري إبستين، المحاط بالمال والنفوذ والعلاقات السياسية الرفيعة، نتيجة تحرك قضائي مفاجئ أو صحوة ضمير متأخرة لدى المؤسسات، فكان لثمرة جهود عامٍ كامل من العمل الصحفي الاستقصائي المضني قادته هذه الصحفية "البطلة" أن تكشف للعالم أجمع ملفّات هذه الجرائم البشعة، فقد تحولت إلى رمز عالمي للصحافة الاستقصائية، بفتحها إحدى أكثر القضايا التي حاولت النخبة المالية والسياسية في الولايات المتحدة دفنها، وكشفت كيف انحرفت العدالة عن مسارها لصالح رجل محمي بشبكة نفوذ غير مسبوقة، رغم التهديدات غير المباشرة، ومحاولات الترهيب، تقول براون إنها لم تشعر يومًا بأنها مستهدفة مباشرة، ربما لأن محيط إبستين استهان بها، واعتبرها "مجرد صحفية من صحيفة محلية تكتب عن قصة قديمة"؛ لكن هذا "الاستخفاف" كان أحد أسباب نجاحها.

ورغم كل ما حققته، تصر براون على أن الأبطال الحقيقيين هم الضحايا؛ حيث تقول: "الفضل يعود للنساء اللواتي تجرأن على الكلام بعد سنوات من الخوف والصمت".

وحمل تحقيق براون اسم "انحراف العدالة"، ونشر بالكامل في موقع ميامي هيرالد. ولقاء عملها التحقيقي، فازت الصحفية الأمريكية عام 2018، على جائزة جورج بولك، عن فئة التقارير المتعلقة بالعدالة عام 2018، حول فضيحة إبستين ودور الدعي الفيدرالي ألكسندر أكوستا، في محاولة إخفاء جرائمه.

كما حصلت على جائزة نيل وسوزان شيهان لعام 2019، من معهد الصحافة الوطني الأمريكي، تقديرا لتحقيقها الاستقصائي في ملفات إبستين.

وحازت براون على جائزة هليمان للصحافة، من مؤسسة سيدني هيلمان، تقديرا لتحقيقها المكون من 5 أجزاء بعنوان "انحراف العدالة"، والذي نبش جرائم إبستين وأظهرها للعلن.

أصبحت جولي ك. براون أيقونة للصحافة الاستقصائية، وحصلت على جوائز مرموقة، أبرزها جائزة جورج بولك، وأصدرت كتابها "عدالة منحرفة: قصة جيفري إبستين" - "Perversion of Justice: The Jeffrey Epstein Story".

وهنا أقول: إنَّ من دواعي الإنصاف أن ننظر إلى الغرب بأنه غربان، غربٌ مُجرم يؤيّد الظلم ويرتكب المجازر البشعة بحق شعوب الأرض المستضعفة ويُملي أرادته عليها، ويستنزف خيراتها، ويحاول أنْ يجعلها خاضعةً خانعةً لإرادته محتاجةً إليه في كلِّ شيء؛ ليبقى سيِّدًا عليها، ولا يكتفي بذلك بل في مجتمعه يُمارس أقذر الجرائم تحت غطاء قانوني، وما جريمة "جيفري ابستين" إلا واحدة من هذه الجرائم الكثيرة على مرِّ تاريخه، وهنالك غربٌ آخر يقف بالضدِّ من تلك الممارسات الظالمة والاعتداءات الإجرامية بحق مجتمعه أولاً وبحقِّ الشعوب الأخرى، وليس بعيدًا عنّا ما حصل من مظاهرات عارمة في مختلف دول أوربا وفي أمريكا، واحتجاجات شعبية واسعة تدين اعتداء الكيان الغاصب على غزة، وتطالب بمحاكمة مرتكبي تلك الجرائم، فيما لم نشهد مثيلاً لتلك المظاهرات الشعبية العارمة في دولنا العربية الإسلامية، كلُّ هذا ينبغي أنْ لا نغضّ عنه الطرف، ونعمِّم بالحكم: إن الغرب كلّه مدان بالظلم والإجرام وارتكاب المحرّمات والموبقات، فهنالك شعوبٌ مظلومة تئنُّ من وقع سياط حكومات مستبدّة، وتدفع بشعوبها إلى مزيد من الاحتقان، وهذه الصحفية لو لم يكن لديها ضميرٌ حيّ، ورسالة إنسانية سامية في عملها الصحفي، لما دفعها إلى تخطّي الممنوع في كشف ملابسات قضية مسوّرة بحماية أعتى حكومة على وجه الأرض، فكان لها الفضل في تعرية الإجرام بحق الإنسانية في وقت تحاول أمريكا أنْ تظهر بوجهٍ ناعم بزعمها أنّها تدافع عن حقوق الإنسان وتحارب بالنيابة عن دول العالم لكلِّ من يقف بوجهها..!

وأخيرًا أرى لو كان لدينا في العراق، مثل هذه الصحفيّة، وكشفت ملفّات فساد مالي وإداري وغيره لدى سياسيين، أيًّا كان انتماؤهم، لكان أوّل من وقف بوجهها أبناء جلدتها، ورموها بتُهم جاهزة مثل: "الدونية"، "بنت سفارة"، "سيداو"، أو إشاعة أنها كانت "رفيقة بعثية" في سابق عهدها، أو أنّها غير شريفة.. إلخ وليس بعيدًا مثل هذه الاتّهامات التي نسمعها كل يوم لكلِّ من يختلف مع هذه الجهة أو تلك، في حين نرى الكثير من المحسوبين على الصحافة يأخذ موقف الحياد – غير المُبرر- الذي يُمارسه لأجل أنْ يحافظ على مكانته في هذه المؤسسة أو ذلك الحزب الذي ينتمي إليه آملاً بالحصول على مكاسب كثيرة، ما جعلهم أبعد ما يكونوا عن أداء مهمّتهم الصحفية التي تتمثّل بكشف الحقيقة لا غير والوقوف مع الحق أيًّا كان انتماؤه وتوجّهه، الأمر الذي أدّى إلى استفحال الظلم وتفشّيه، من دون رادعٍ يحمي الصحفيّ الذي يحمل مبادئه بيد وخشبته على رقبته ينتظر من يصلبه عليها..!

***

وسام حسين العبيدي

تثير محاولات "التوأمة الجديدة" بين بعض الجامعات العراقية الاهلية والجامعات البريطانية اسئلة جوهرية حول فلسفة ادارة التعليم العالي اليوم. نحن امام مشهد يكرس سياسة القطيعة مع الماضي، حيث تجمد المشاريع الناجحة عمدا ليعاد طرحها لاحقا كانجازات مستحدثة، في تجاهل تام لارث جامعتي بغداد وبابل الحكومية اللتين وضعتا اللبنات الاولى لهذه البرامج دون تحميل الطلبة اعباء مالية اضافية. هكذا ينتقل المشهد إلى الجامعات الأهلية، لكن هذه المرة وقد فقد جوهره المعرفي، ليتحول من مشروع رائد الى شراكة تجارية تفاقم أزمة التعليم العالي.

لقد عرف العراق في الماضي تجارب رصينة في مجال التوامة العلمية مع جامعات عالمية، كان ابرزها برنامج التعاون بين جامعة بغداد وجامعة سوينبرن للتكنولوجيا في استراليا، الذي مثل نموذجا متقدما للتبادل الاكاديمي، حيث اتاح للطلبة فرصة اكمال جزء من دراستهم في جامعة سوينبرن مع الاستمرار في ارتباطهم بجامعة بغداد، وهو ما منحهم شهادات ذات بعد عالمي دون ان يفقدوا صلتهم بالجامعة الوطنية. كما شهدت جامعة بابل برامج توأمة مع جامعات بريطانية مثل ليفربول ونورثمبتون وجون موريس، اتاحت للطلبة ايضا اكمال جزء من دراستهم في تلك الجامعات البريطانية مع الحفاظ على انتمائهم لجامعة بابل، الامر الذي عزز جودة المناهج واكسبهم خبرات دولية حقيقية دون تحميلهم اي اعباء مالية.

والى جانب ذلك، شاركت جامعة بغداد في مشاريع اوروبية مثل مشروع  WALADU لتطوير برامج البكالوريوس في علم الاثار، ومشروع  EDUU لتعزيز التعليم والتراث الثقافي، فضلا عن تعاونها مع جامعة ريغنسبورغ الالمانية في التعليم الرقمي للعلوم التاريخية، ومع جامعة ارتوا الفرنسية في تبادل الطلبة والاساتذة وتنظيم المؤتمرات المشتركة.

هذه التجارب، على اختلاف اشكالها، كانت تؤكد ان التوأمة المنتجة معرفيا تقوم على بناء القدرات وتراكم الخبرة وتطوير المناهج، وانها حين تبنى على اسس مؤسسية راسخة تفتح امام الطالب افاقا جديدة وتمنح الجامعة مكانة علمية حقيقية، بخلاف ما نشهده اليوم من توأمات شكلية تختزل التعاون الدولي في بعد تسويقي او دعائي، وتتركز في الجامعات الأهلية حيث تكتنفها حمولات مالية، فتتحول من أداة للنهوض العلمي إلى عبء يكرّس التراجع وفقدان الثقة.

ان التوأمة العلمية الرصينة لا تختزل في تبادل الشعارات او شراء العلامات التجارية، بل تقوم على التبادل البحثي والمعرفي الحقيقي، وعلى بناء القدرات المؤسسية التي تضمن تطوير المناهج وتدريب الكوادر، وعلى الاستدامة التي تجعل هذه البرامج جزءا من هوية الجامعة الوطنية، وعلى وضع الطالب في قلب العملية التعليمية عبر توفير فرص دراسية وبحثية ومنح وتسهيلات تفتح امامه افاقا جديدة.

اما التوامة الشكلية او التسويقية فهي التي تكتفي بالاستعراض وتغفل المضمون، حيث تحول الاتفاقيات الى صفقات ورقية تحمل تكاليفها على الطلبة، وتقدم كوسيلة لجذبهم عبر الدعاية والوجاهة الاجتماعية، فيما تغيب عنها اي تراكم مؤسسي او انتاج معرفي حقيقي. انها توأمة تستخدم كاداة لانقاذ ارباح الجامعات الاهلية المتراجعة، لا كجسر لنقل المعرفة او تطوير البحث العلمي.

ان خطورة هذا الاختزال تكمن في تحويل المؤسسة التعليمية من محراب للعلم الى ماكينة للربحية والاستقواء بالمال، وفي افراغ مفهوم التعاون الدولي من محتواه الحقيقي، بحيث يصبح مجرد وسيلة للتباهي لا اكثر. وهنا يبرز التحدي الاكبر: كيف يمكن اعادة الاعتبار الى التوأمة العلمية بوصفها مشروعا وطنيا ينهض بالجامعة والطالب معا، لا مجرد صفقة تجارية تسوق على حساب المعرفة؟

ما نحتاجه اليوم هو استعادة روح المبادرة الوطنية التي تدعم الطالب وتبني المؤسسة، لا تلك التي تستخدمه كاداة لتمويل صفقات التوأمة التجارية. فالتوأمة الرصينة يجب ان تكون جسرا لنقل المعرفة وتطوير البحث، وان تعيد الاعتبار الى التراكم المؤسسي الذي يشكل اساسا لاي نهضة تعليمية حقيقية.

***

ا. د. محمد الربيعي

يبدو، ومنذ اليوم الأول لظهور الحياة على هذا الكوكب، درج نظام الوجود على إرسال مسيح ما (مخلص أو قائد) على رأس كل حقبة زمنية من عمر هذه الحياة. لكن ورغم استخدامي لكلمة أو توصيف مسيح (وهي بمعنى مُخلص)، فإن هذا لا يعني، أن هدية نظام الوجود هذه تكون صالحة بالضرورة في كل مرة أو كل حقبة.

وإذا ما استعرضنا تاريخ الحياة في هذا الجانب، ومنذ ظهور أول الميثولوجيين أو مخترعيّ أساطير تفسير الوجود، نجد أن الكثير من هؤلاء (المُخلصين) لم يكونوا سوى زعماء سياسيين (أباطرة، ملوك، صانعي أمجاد بطولية بهدف السيطرة على المُلك) وقادة عسكريين يتمتعون بطموح أسطوري وخارق لحدود المألوف يؤهلهم ويمكنهم من السيطرة وحكم الآخرين، ومنذ عهد الاسكندر الأكبر، الذي كان يصرخ باكياً، عندما لا يجد بلاداً يغزوها ويبسط سيطرته عليها.

ولكن، ولأن الأمر (عجلة التأريخ في هذا الجانب) تناوب على دورته الكثير من مدبجي الأساطير الميثولوجية والأنبياء والفلاسفة والمفكرين، إلى جانب القادة الفاتحين والزعماء السياسيين، جوزت لنفسي استخدام توصيف (مُخلصين) لهذا الصنف من البشر، لأن أغلب القادة والملوك والأباطرة، كان لحروبهم وغزوات احتلالهم للدول الأخرى، منجزات تحسب لهم، رغم وحشية تلك الحروب وتنكيلات تلك الغزوات، وهي – تلك المنجزات – ما يمكن أن نطلق عليه الانعطافات والانقلابات التاريخية الكبيرة التي غيرت وجه الحياة البشرية ككل، مثل حرب الكنيسة على غاليلو وكوبر نيكوس ونيوتن وغيرهم. تلك الحرب التي قادت خلفاء أولئك العلماء إلى عصر الاختراعات والاكتشافات العلمية، التي كانت أساس الحضارة البشرية القائمة. وكذلك، وهذا على سبيل المثال فقط، كغزو نابليون بونابرت لمصر، ذلك الغزو الذي مثل نقلة كبيرة في حياة المجتمع المصري، بما حمله من تكنولوجيا حديثة، كدخول المطبعة، وكذلك بما مثله اكتشاف حجر رشيد من تعريف بالحضارة والتاريخ المصريين القديمين.

ورغم أن لا أحد يستطيع أن يقطع، في أن يمثل هذا أحد قوانين الوجود، إلا أنه بالقطع يمثل أحد اشتراطات سريان العملية التاريخية وقوانين حركيتها، كإطار عام لعملية الحياة الإنسانية ككل، في دورتها الفيزيقية.. ولادة، نضوج وفعل، وموت كنهاية للوجود والفاعلية الفردية، على أقل تقدير.

ورغم أن أشكال ومواصفات وأدوار (المُخلصين) قد تتغير وتغيرت بالفعل، على مر وطبيعة المراحل التاريخية، إلا أنها لطالما توافقت على وحدة هدف فعلها وهو إحداث نقلة جديدة (خضة فاعلة) في (روح العالم) وتجديد مسار فعله الحضاري والتاريخي. وبحسب طبيعة المرحلة التاريخية وتوجه حاجاتها (الفواعل الأكثر إلحاحاً وتمظهراً)، يتغير شكل ومظهر المُخلص. فمرة يأخذ شكل القائد العسكري ومرة يأخذ شكل المصلح الاجتماعي، وأخرى يأخذ دور النبي، ورابعة يأخذ دور الفيلسوف، وخامسة دور المُنظر الاقتصادي، وهكذا بحسب حاجة وتوجه الفعل التاريخي الذي يتولى عملية تغيير وإعادة تشكيل أوجه الحياة على الأرض وأشكال فعلها الحضاري، وهو ما نسميه الدول القوية أو امبراطوريات صناعة الحضارة، كالامبراطورية الأشورية والسومرية والرومانية والامبراطورية البريطانية والفرنسية و.. إلخ.

ومعروف لنا الآن أن أكبر وأقوى الامبراطوريات، قديمها وحديثها، هي تلك الامبراطوريات التي توفرت على سلسلة من المُخلصين وفي فروع متعددة من الفعل الحضاري والتاريخي والمعرفي، وخاصة في حقول العلم والتكنولوجيا، في حال الامبراطوريات الحديثة، أي امبراطوريات الثورة الصناعية وما تلاها.

وبظهور أدولف هتلر وتقديمه لنفسه كمُخلص لألمانيا وشعبها، في عصرهما الحديث، تغيرت عملية الفهم لمفهوم المُخلص، إذ تحولت على يده ويد موسليني، ومن شاكلهما في نزعة القوة، إلى ايديولوجية مقدسة، تقوم على تقديس فعل القوة والبطش، كفاعل رئيس للحفاظ على الهوية العرقية وقدسيتها وسيادتها على الهويات والأعراق الأخرى.

ورغم أن (المُخلص) هتلر كان قد لاقى أقسى هزيمة، على يد الحلفاء، في الحرب العالمية الثانية، إلا أنه كان أرسى، بحربه الشعواء للسيطرة على دول أوربا، مبدأ تقديس القوة، لمن انتصروا عليه، من بقايا الامبراطوريات الأوربية القديمة، انجلترا وفرنسا، وروسيا الاتحادية، إضافة إلى امبراطورية الولايات المتحدة (حديثة النشأة حينها) باعتبارهما القوتين الكبيرتين اللتين دحرتا حلم هتلر وانتصرتا عليه وحررتا دول أوربا من هيمنته، قبل أن يتمكن (المُخلص) الأمريكي من تصفية (المُخلص) الروسي، مع نهاية عقد ثمانينيات القرن الماضي وإزاحته من طريقه، ليتحول إلى مُخلص عالمي وحيد، استناداً إلى قوتيه العسكرية والاقتصادية الكبيرتين.

ورغم أن (المُخلص) الأمريكي، ومنذ روزفلت، كان قد نجح في فرض هيمنته على العالم بكامله، بايديولوجية القوة المقدسة (كان من بين أهم المروجين الممجدين لها كعقيدة مقدسة هو الروائي الأمريكي، ارنست همنغواي، وعبر سلسلة من أعماله الروائية التي حولتها مؤسسة الدعاية الأمريكية "هوليود" إلى أفلام سينمائية) إلا أن تلك الأطروحة، سرعان ما أنتجت أطروحتها المضادة (بحسب نظرية الفيلسوف هيجل القائلة بأن كل أطروحة تنتج أطروحة مضادة)، تلك الأطروحة التي نبذت ايديولوجية (قوة الامبراطورية الأمريكية الحديثة) وخاصة من قبل الدول الضعيفة والفقيرة التي تحولت إلى حقل تجارب لصنوف قوة البطش الأمريكية، سواء كانت عسكرية حربية أو اقتصادية استحواذية أو هيمنة ثقافية.

ورغم أن عقود الحرب الباردة (الحرب غير المعلنة بين مُخلصيّ عقود حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، الاتحاد السوفيتي السابق والولايات المتحدة الأمريكية) لم تخلوا من ظهور وجوه مُخلصين (فاقعين)، يتصدرون الساحة السياسية العالمية، إلا أن النصيب الأبرز كان لوجوه بعينها بالذات، كوجه لينين وستالين وخروشوف وغورباتشوف، في الاتحاد السوفيتي السابق. ووجوه روزفلت وايزنهاور ونيكسون.. ونهاية بالرئيس جورج دبليو بوش، الذي طرح نفسه كمُخلص، عبر حربيّ احتلال أفغانستان والعراق، في بداية الألفية الثالثة التي نعيشها حالياُ.

وعليه، وكما نرى عبر هذا الاستعراض المقتضب، لم تمر حقبة تاريخية دون أن يطرح شخص ما، يتوفر على وعي وإدراك خاصين ومؤهلات استثنائية، كمُخلص أو نبي أو قائد كبير، بيده مفاتيح وإمكانيات إنقاذ البشرية مما تتخبط فيه من مشاكل  سواء كانت روحية أو تنظيمية أو اقتصادية أو سياسية أو ايديولوجية أو.. حتى ثقافية.

وجدير بالذكر، ورغم أن الولايات المتحدة الأمريكية (برؤسائها المتعاقبين) لم تتوقف لحظة واحدة عن طرح نفسها على إنها المُخلص الوحيد لكوكب الأرض، منذ انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، إلا أن ساحة الكوكب – السياسية على وجه الخصوص – لم تخلوا ممن يطرح نفسه كمُخلص عالمي، كالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والرئيس الصيني (شي جين بينغ)، الذين، ولسوء طالعهما، تصادفت دعواتهما وتزامن طفوها على سطح (الحسابات السياسية – الاستراتيجية) مع وجود الرئيس الأمريكي (دونالد ترامب) في البيت الأبيض (مقر حكم دولة الولايات المتحدة و"معبد" ترسيم مُخلصيها الكونيين) والذي لم يتوقف لحظة واحدة، منذ لحظة ترسيمه لنفسه كمُخلص لهذه الحقبة، عن الصراخ وبكل ضجيج إمكانيات بلاده الاقتصادية والعسكرية والتكنلوجية، عن كونه المُخلص الأوحد لهذه الحقبة، فهل هو كذلك، ووفق أية معايير؟

واقع الحال، وقياساً على أغلب نماذج المُخلصين أمثاله، قادة سياسيين يستندون لقواعد عسكرية وجيوش مدججة بأسلحة فتاكة، فالرئيس ترامب يستند لأكبر ترسانة عسكرية في العالم ولأكبر جيش مدرب ويمتلك وسائل حماية لأفراده، قبل أن يملك وسائل تدمير الجيوش الأخرى عن بعد، لامتلاكه لأحدث تكنلوجيا صناعة الأسلحة في العالم كله. وهذا ما يدفعه، وبكل الغرور الذي يستبيح أمثاله، ليس لاقتراح أنظمة سياسية وسياسات اقتصادية على العالم أجمع فقط، بل وبممارسة أعمال الغزو والتحرش العدواني بأغلب دول العالم. فمن التهديد بالاستحواذ على قناة بنما إلى التهديد بالسيطرة على جزيرة جرينلاند ودولة كندا.. وحتى اقتحام قواته لغرفة نوم الرئيس الفنزويلي مادورو واختطافه مخفوراً مع زوجته، وكل هذا طبعاً من أجل الأمن القومي الأمريكي، المرهون بسلامته أمن كوكب الأرض بكامله، نظراً لأطماع منافسيه العملاقين، المُخلص الروسي (فيلاديمير بوتين) المتوفر على ترسانة نووية منافسة لترسانة ترامب، والمخُلص الصيني (شي جين بينغ) الذي يتربع على أكبر امبراطورية صناعية – اقتصادية  وتكنلوجية – عسكرية، على وشك الانفجار (تعمل بصمت ودأب وحقد النملة!) لتبتلع العالم، ومن رأسه الأمريكي طبعاً.

هل من مسيح تحت بدلة ترامب الزرقاء؟

وإذا كانت حوادث ما أو كان البعض قد وقع تحت تأثير هلاوس أو تخيلات ما، أقنعتهم بأن فلان أو علان من بعض البشر، قد توفر على مؤثرات أو كاريزما أو أية أمتيازات شخصية براقة أخرى، تمكنهم من أن يكونوا مُخلصين أو قادة استثنائيين قادرين على صناعة معجزات ما أو تغيير مسيرة العالم من اتجاه إلى اتجاه مضاد، فهذا لطالما حدث للبعض فعلاً وطوال التاريخ البشري. ففي تاريخ إيطاليا، وهذا على سبيل المثال لا الحصر، يورد لنا كاتب السيرة الذاتية لإمبراطور روما المقدس، فريدريك الثاني، الذي حكم الامراطورية الرومانية لما يقرب من خمسين عاماُ (مات عام 1250 ميلادية) الكثير من الأعمال والمنجزات الخارقة، بداية من بنائه بزوجته الأولى (في ليلة عرسهما، وبشهادة البابا وبعض كرادلته حينها) لثلاثة عشر مرة، رغم أنه كان ما يزال في الثالثة عشر من عمره فقط وزوجته، وهي ملكة ألمانيا حينها، كانت في الخامسة والثلاثين! بل ويورد كاتب سيرته، وهو مؤرخ وروائي أمريكي يدعى (جاي ديس) أن ذلك الامبراطور كان أول ملوك روما الذي نازع أربعة أو خمسة من البابوات الذين عاصروه، على تدخلهم في سلطاته الزمنية، وحتى قبل أن يبلغ العشرين من عمره، رغم أن عهده كان عهد هيمنة الكنيسة الكاثوليكية على أغلب دول أوربا وليس شؤون ملوكها وشؤون رعاياهم وحسب. بل إن ذلك الكاتب، يذكر الكثير من المعجزات التي تحققت لذلك الامبراطور، ويدعم ذلك بسجلات ديوانه الملكي وبعض كتب مؤرخي عصره، بل وحتى حوليات الكنيسة ومراسلات البابوات السرية ذاتها.

وأيضاً، وفي إيطاليا ذاتها، ذكرت إحدى الإيطاليات أنها أحست أنها قد حبلت، يوم مرور موكب موسليني بها، لعظم هيبته وشدة سطوة حضوره، وكأنه كان يقبض على العالم كله بيده وحوافر حصانه إنما تطأ النجوم.

والغريب أن يكون رد فعل فيلسوف كبير مثل هيجل، بذات هذا الوطء، وكما يذكر هو ذاته، يوم رأى موكب الامبراطور الفرنسي نابليون، يدخل ألمانيا غازياً. فقد ذكر هيجل، في رسالة لأحد أصدقائه (لقد رأيت روح العالم تمتطي حصاناً). والمشكلة التي تدعونا للتوقف وإعادة التفكير هنا، هي أن هذا الكلام لا يصدر عن إنسان عادي، أبهرته رؤية شيء غير عادي، بل يصدر عن فيلسوف كبير يعرف ما يقول وبوعي كامل ودقيق، ورغم الخراب والعبث الذي حدث بعد ذلك في بلد الفيلسوف، لأن نابليون كان قد دخل ألمانيا غازياً مدمراً وليس مصلحاً معمراً.

إذن فيلسوفنا، ومن سبقوه من أمثلة هذه العجالة، كانوا بالفعل تحت سطوة الشخصيات الاستثنائية، ذات التأثير العميق الذي لا يملكه غير من يولدون ليكونوا مطارق بيد القدر، كما قال (جاي ديس) بحق فريدريك الثاني، امبراطور روما المقدس، الذي سبق ذكره. والذي تزيد إحدى حوليات الكنيسة، نقلاً عن الراهب الذي كان يراقبه، عندما كان صبياً مشرداُ في الشوارع، وتقدم أحد الرجال المشردين للعبث معه واستغلاله، فتوقف عندها بشموخ ملكي أصيل ليصرخ بصوت ثابت وثقة عميقة (توقف لأنك تكلم ملكاُ حقيقياً وبالحق الإلهي)، رغم أنه لم يكن حينها قد أتم العاشرة حتى. وهذا يعني أن أمثال هذا الملك إنما يولدون بالفعل ليكونوا مًخلصين أو قادة منقذين،يقبضون على روح التاريخ، بل ويملكون كلمته التي تمكنهم من صناعته ورسم وقائع أسراره.

والآن نصل إلى سؤالنا المُحير (هل تحت بدلة ترامب الزرقاء مسيحاً مُخلصاً لهذه الحقبة، وبالمقصد المجازي للعبارة طبعاً)؟

الجواب بالتأكيد نعم، ولكن ليس لأن ترامب يرغب بهذا (كرغبته في مكافئة نفسه بجائزة نوبل للسلام، لأنه يرى أنه صانع سلام وتمكن من إنهاء ثمانية حروب خلال السنة الأولى من ولاية حكمه الثانية!) بل لأنه بالفعل أحد مطارق القدر (المختارة بعناية!) ولأنه (كرئيس لأكبر دولة صناعية وتكنلوجية في العالم وتتربع قوات بلاده على أكبر ترسانة أسلحة متطورة وفتاكة) قادر على غزو الكثير من بلاد العالم وتغيير حكامها، بل وفرض ما يشاء عليها من قرارات وسياسات، بل وحتى أتاوات! هل يكفي مثال خطف الرئيس الفنزويلي وزوجته من غرفة نومهما، قبل أسبوعين فقط من لحظة كتابة هذه السطور، على كونه (مسيحاً ومخلصاً)؟ يكفي ويزيد، رغم بؤس قيمته في الميزان الأخلاقي.. ولكن متى كان مُخلصو لعبة الحياة على الأرض، يقاس حجم منجزهم وفق ميزان الأخلاق؟

لا تاريخ لهذا في كامل أجندة أيام الأرض، منذ يوم الحياة الأول إلى لحظة دخول عناصر قوات الدلتا لغرفة نوم الرئيس الفنزويلي (نيكولاس مادورو).. وحتى توقيع ترامب لميثاق مجلس سلام غزة!

هل هكذا يعمل نظام إزاحة الامبراطوريات؟ نعم ولا!

فالامبراطورية القيصرية في روسيا مثلاً، سقطت بالثورة البلشفية وهي ثورة شعبية بقيادة حزب سياسي. أما امبراطورية الاتحاد السوفيتي التي أنشأتها الثورة البلشفية فقد سقطت من الداخل، أي بطريقة تآكل هيكل أفكارها، الذي أدى بدوره لتآكل هيكلها السياسي. أما أعتى امبراطوريتين رافقتا قيام الثورة الصناعية، البريطانية والفرنسية، فقد ذهبتا ضحية انهاك حروبها واستنزاف ثروتهما البشرية قبل الاقتصادية، وعلى نفس الطريق لحقت بهما الامبراطورية العثمانية.

وكما يبدو لي، ورغم قصر عمر الامبراطورية الصينية الحديثة، فإن الصين حذرة جداً في طرح نفسها كقوة امبراطورية مهيمنة، رغم توفرها على أكبر ثروة بشرية واقتصادية حالياً.. هل يأتي هذا الحذر كنتيجة إدراك وفهم عميق لنهاية القوة الامبراطورية، أم هو بسبب عدم ولادة المُخلص الصيني لحد الآن؟ وماذا عن الوحش الصامت (شي جين بينغ) يا ترى؟ ألا يرى في نفسه يسوعاُ مُخلصاُ؟

ما أعرفه هو أن المُخلص يولد ليتكلم.. ليقول.. ليصرخ.. المُخلص يولد ليفصح عن نفسه بالكلام.. ثم يأتي الفعل.. وقلبوا صفحات تاريخ المخلصين، منذ سقراط إلى افلاطون... الاسكندر.. إلى نابليون... إلى آدم سميث.. إلى كارل ماركس.. إلى أتاتورك.. وإلى دونالد ترامب.. إنهم يتكلمون ويتكلمون وكأنهم محصنون ضد مقولة المثل الانجليزي (كلما كثر كلامك كثرت أخطاؤك).. لا يخطؤون!

***

سامي البدري

فصل منسي من التاريخ اليهودي

خلال عهد الملكة زنوبيا في القرن الثالث الميلادي، كان المجتمع اليهودي في سوريا يعتبر أحد أهم المجتمعات في المنطقة، كما يتضح من المعابد اليهودية القديمة التي تم اكتشافها في جميع أنحاء البلاد أما فيما يتعلق بهوية زنوبيا الدينية، يوجد تباين واضح بين المصادر: فالنصوص المسيحية تصفها بأنها اعتنقت اليهودية، بينما تلتزم المصادر الحاخامية الصمت حيال ذلك. ويرى الباحثون أن زنوبيا ربما سعت إلى نشر اليهودية من تدمر في أرجاء الإمبراطورية الرومانية وفقًا لتقليد يهودي سوري مميز، والذي اختلف عن اليهودية الحاخامية وعارضها.

تستكشف دراسة جديدة للدكتور حغاي أولشنيتسكي من جامعة وارسو مصدر الصراع بين زنوبيا والحاخامات. ووفقًا لأولشنيتسكي، فإن الملكة، التي مثلت مجتمعًا يهوديًا سوريًا مؤيدًا للتحول إلى اليهودية ومنتقدًا للقيادة الحاخامية، سجنت العديد من الحاخامات. ويجادل بأن العداء الشديد تجاهها أدى إلى حذف قصة تحولها من الأدبيات الحاخامية. ويخلص إلى أن قصتها توضح عالمًا يهوديًا مختلفًا تمامًا عن كل من التصورات الحديثة والافتراضات التاريخية السائدة

كانت زنوبيا، واسمها الرسمي سيبتيما زنوبيا، ملكة تدمر في القرن الثالث الميلادي. من عام 267 إلى عام 272 ميلادي، حكمت أجزاءً كبيرة من الإمبراطورية الرومانية الشرقية نيابةً عن ابنها الصغير، فابالاثوس - وهب اللات. تُعتبر زنوبيا واحدة من أقوى النساء وأكثرهن إثارة للإعجاب في العصور القديمة، وأصبحت صورتها رمزًا للمقاومة ضد الحكم الروماني وُلدت زنوبيا لعائلة سريانية نبيلة مرموقة في تدمر، واشتهرت بجمالها وذكائها وثقافتها الواسعة وإتقانها للغات متعددة. كما برعت في ركوب الخيل والصيد، وهما نشاطان كانا يُعتبران تقليديًا من اختصاص الرجال. تزوجت من سيبتيموس أوديناتوس - أذينة، حاكم تدمر، الذي برز في معاركه ضد الإمبراطورية الساسانية (بلاد فارس قبل الإسلام)، مما عزز مكانة تدمر في علاقتها مع روما. بعد اغتيال أوديناتوس وابنهما البكر، أعلنت زنوبيا نفسها وصية على ابنها الصغير وتولت زمام الأمور بالكامل. مستغلةً ضعف الإمبراطورية الرومانية وفوضويتها خلال ما يُعرف بأزمة القرن الثالث. عززت سلطتها، وقوت موقع تدمر، وقادت جيوشها بنفسها. غزت قواتها سوريا، ثم شنت حملات ضمت مصر وأجزاءً كبيرة من آسيا الصغرى (تركيا الحالية). وبحلول عام 268 ميلادي، حكمت زنوبيا ووابالاثوس الإمبراطورية الرومانية الشرقية بشكل مستقل، حتى أنهما أصدرا عملاتهما الخاصة.

مصادر متضاربة

تزعم العديد من المصادر المسيحية أن زنوبيا كانت يهودية أو اعتنقت اليهودية. وتُعد العلاقة بين الملكة واليهودية موضوعًا لتقارير مختلفة ومتناقضة في بعض الأحيان. على سبيل المثال، وصفها أثناسيوس الإسكندري، أحد آباء الكنيسة في القرن الرابع، بأنها يهودية دعمت بولس السمسياطي، البطريرك المسيحي لأنطاكية. تزعم نصوص أخرى أن بولس تبنى معتقدات الأرتمونيين - وهي طائفة مسيحية وُصفت بالهرطقة - لاسترضاء الملكة المتحولة، أو أنها اعتنقت اليهودية بتأثيره. ويشير التلمود المقدسي (مسلك تيروموت، الفصل 8، هالاخا 4) إلى أن زنوبيا كانت قاسية على حاخامات أرض إسرائيل، وأن جنودها احتجزوا عدداً منهم في أوقات متفرقة. أبدى الحاخام يوحانان، الذي ترأس البلاط الحاخامي في تلك الحقبة، عداءً شديدًا تجاه تدمر وحكمها، ولا سيما تجاه اليهود والمهتدين إليها. وفي التلمود المقدسي (تانيت 18ب)، وُصفت الملكة زنوبيا بأنها اضطهدت اليهود. هذه الإشارات وغيرها، إلى جانب غياب أي ذكر لاعتناقها اليهودية، دفعت الباحثين إلى القول بأن الادعاءات المسيحية بشأن يهوديتها تفتقر إلى أساس تاريخي. ومع ذلك، من الواضح أن زنوبيا كانت شخصية مثقفة وعالمة استقطبت المفكرين والعلماء ورجال الدين إلى بلاطها، مما يشير إلى انفتاحها على الثقافات والأديان المتنوعة، بما في ذلك اليهودية. تُشكك دراسة الدكتور أولشنيتسكي، المنشورة في المجلة الأكاديمية "كليو: مساهمات في التاريخ القديم"، في الأقوال الأكاديمية الراسخة حول موثوقية النصوص المسيحية. ويؤكد أن هذه المصادر تجمع بوضوح بين روايتين قديمتين متمايزتين.

يبدو أن إحدى الروايات تعود إلى أحد معاصري زنوبيا الذي وثّق اعتناقها المسيحية، بمعزل عن الشخصيات المسيحية اللاحقة أو الجدالات اللاهوتية التي أُضيفت إلى القصص. يقول أولشنيتسكي: "تشير التناقضات الداخلية في النصوص المسيحية إلى توليف بين تقاليد منفصلة. فنص فوتيوس الأول القسطنطيني، رغم كتابته لاحقًا، يُظهر بوضوح أن تقليد يهودية زنوبيا قديم، ويعود إلى عهد الملكة، وهو مستقل عن قصة ارتداد البطريرك بولس السمسياطي. علاوة على ذلك، استخدم فوتيوس نصوصًا تاريخية في عمله، لم ينجُ الكثير منها إلا بفضله، وتدعم روايته عدة روايات تاريخية أخرى غير كنسية".

تجليات متعددة لليهودية

كما تُفنّد الدراسة الافتراض الشائع بأن اعتناق زنوبيا لليهودية أمرٌ غير معقول لمجرد عدم ذكره في الأدبيات الحاخامية. ووفقًا لأولشنيتسكي، فإن هذا الافتراض يعكس سوء فهم للسياق التاريخي، وطبيعة الكتابات الحاخامية، وتنوع المجتمعات اليهودية في تلك الفترة. قال أولشنيتسكي: "عندما ننظر إلى عالم زنوبيا ويهودية تلك الحقبة من منظور اليهودية الحاخامية أو اليهودية الأرثوذكسية الحديثة، ونطبق هذا المنظور على فترات سابقة، فإننا نسيء فهم اليهودية القديمة والشعب اليهودي". وأضاف: "في ذلك الوقت، لم يكن التقليد الحاخامي يمثل كل اليهودية، لأن معظم اليهود كانوا من اليهود الهلنستيين. وكلمة "هلنستي" مصطلح ازدرائي يجب أن نتوقف عن استخدامه فورًا". وتابع: "مع أن هذا الشكل من اليهودية قد اندثر في نهاية المطاف عبر القرون، إلا أن ذلك لا يعني أنه كان أدنى شأنًا". وأضاف أولشنيتسكي: "يجب أن نتذكر أن اليهودية الهلنستية، في تلك الفترة، عكست نمط حياة الغالبية العظمى من اليهود، ولذا ينبغي اعتبارها "اليهودية السائدة" والإشارة إليها على هذا الأساس. علاوة على ذلك، فإن العديد من الأفكار والمعتقدات التي تضمنتها أقدم بكثير من العصر الهلنستي". وتُظهر أبحاثه وجودًا يهوديًا كبيرًا في سوريا خلال عهد زنوبيا، وخاصة في تدمر. "هذه هي المرة الأولى التي نتمكن فيها من فهم نطاق هذا المجتمع وأهميته وخصائصه الفريدة فهمًا كاملًا، وعرضه من خلال مجموعة شاملة من الأدلة الأدبية والنقوش والأثار". لم يكن هذا المركز اليهودي البارز، الذي يُرجّح أنه الأهم في ذلك الوقت، متوافقًا مع اليهودية الربانية - وهي التيار اليهودي القائم على التوراة الشفوية والمشنا والتلمود - وأحكامها. عارض القادة الربانيون يهود تدمر، واعترضوا على ممارسات التحوّل الديني، واعتبروا زنوبيا - وهي امرأة غيّرت دينها - تهديدًا. ووفقًا للروايات التاريخية، سجنت زنوبيا عددًا من الحاخامات الذين رأوا فيها خطرًا وجوديًا. فقد خافوا من أنها إذا هزمت الإمبراطورية الرومانية، ستنشر نمطًا غير رباني من اليهودية في أراضيها - وهو نموذج رُفض لاحقًا ووُصف بأنه "اليهودية الهلنستية". كان اعتناق زنوبيا للتوحيد انعكاسًا لاتجاه أوسع في الشرق. وربما تعمّدت تجنّب إعلان ولاءاتها الدينية المحددة لحشد دعم أوسع. وكجزء من هذه الاستراتيجية، يُحتمل أنها اعتنقت اليهودية سرًا، منتظرةً الكشف عن التزامها الديني بعد تحقيق النصر. كان هذا الخيار عمليًا، نظرًا للأعداد الكبيرة من اليهود والمؤمنين في جميع أنحاء الشرق، بما في ذلك داخل الوحدات العسكرية الرومانية التي كانت زنوبيا تأمل في استمالتها. يقول أولشنيتسكي: "لم تكن زنوبيا أول ملكة قديمة، ولن تكون الأخيرة، التي تعتنق اليهودية. الآن، يمكننا أن نرى بوضوح فطنتها السياسية ورؤيتها الدينية - وهو فهم يساعد في تفسير كيف اقتربت إلى هذا الحد من إعادة تشكيل العالم الروماني".

أثار صعود زنوبيا قلق السلطات الرومانية. في عام ٢٧٢ ميلادي، تحرك الإمبراطور أوريليان لإعادة النظام والقضاء على مملكة تدمر. هزمت قواته جيش زنوبيا قرب حمص، وحاصرت تدمر واستولت عليها. أُلقي القبض على زنوبيا أثناء محاولتها الفرار إلى بلاد فارس، وقُدِّمت أمام أوريليان. ولا يزال مصيرها محل جدل: فبعض المصادر تزعم أنها أُعدمت، بينما تقول مصادر أخرى إن أوريليان عفا عنها، وزوّجها من عضو في مجلس الشيوخ الروماني، وسمح لها بالعيش بقية حياتها في فيلا قرب مدينة تيفولي الحالية. بعد أسرها، ثارت تدمر مجددًا، مما دفع أوريليان إلى العودة وتدمير المدينة تدميرًا كاملًا. وعلى الرغم من أن مملكتها لم تدم سوى بضع سنوات، إلا أن زنوبيا تبقى شخصية تاريخية بارزة وقوية. يقول أولشنيتسكي: "يبدو أن زنوبيا كانت من أكفأ قادة العصور القديمة. كادت أن تنجح في غزو الإمبراطورية الرومانية الشرقية، رغم أنها كانت من مدينة ذات نفوذ محدود. لا شك أن مجرد احتمال تفكيكها للإمبراطورية، وسيطرتها على أجزاء منها، وربما تأسيسها ليهودية منفتحة على التحول الديني، قد أثار رعب حاخامات عصرها. لقد أدركوا أن مثل هذا النجاح سيجعل كل يهودي ينظر إليها كملكة مختارة من الله، ويرى في اليهودية السورية ونهجها اليهودية الحقيقية، ويرفض تمامًا سلطة الحاخامات المحلية ونفوذهم".

تعقيب: يرى أسد للأشقر أن الثقافة اليونانية ولدت خارج اليونان. في آسيا الغربية. وهي موضع بزوغ اليهودية السورية وبعدها المسيحية السورية. وقد نقل الغرب عن شرق المتوسط هذا الكنز الروحي ليدعم بها كيانات سياسية بدون أديان. ويعزو ضعف الاديان في الغرب لقبضة الكهانة فقد أخرت انفجار الدين والفلسفة. حتى أن أول فيلسوف كان طاليس وهو من مواليد ملطية في آسيا الصغري. حيث أن البيئة كانت تمثل المجتمع السوري بامتياز (غرب العراق وجنوب تركيا وشمال شبه الجزيرة العربية فضلا عن بلاد الشام). وفي هذه الرقعة تمددت زنوبيا حاكمة تدمر بالوكالة. وضمت إليها أجزاء من وادي النيل لتشكل أول دولة ثورية في المنطقة. ويعتقد أنها كانت تخطط لتوحيد سوريا الطبيعية التي أسسها السلوقيون في أنطاكية، قبل أن يهزمهم الرومان. وبخصوص يهودية زنوبيا. على الأرجح أنها تأثرت بفكرة المبدع الأول والتي بشر بها طاليس على أساس أن الله هو العقل نفسه، وتبناها سقراط وأفلاطون والمعلم الأول أرسطو. ويعتقد أنهم جميعا كانوا بشكل من الأشكال من بين الموحدين.

***

......................

* يوجيف إسرائيلي Yogev Israeli صحافي لم أجد معلومات واضحة عنه.

الترجمة بواسطة برامج الذكاء الصناعي.

- إعداد صالح الرزوق

مستقبل النموذج الاسكندنافي

الشعبوية كاختبار لهوية الدول الاسكندنافية

شهدت الدول الاسكندنافية، التي لطالما ارتبطت في المخيال الجمعي العالمي بصورة "الملاذ الآمن" و"نموذج الرفاه الاجتماعي"، تحولات سياسية واجتماعية عميقة خلال العقد الأخير. هذه التحولات تجسدت في صعود الخطاب اليميني والشعبوي الذي يربط بين الهجرة والجريمة، ويصور المهاجرين باعتبارهم تهديداً للنظام الاجتماعي والاقتصادي القائم. لم يعد هذا الخطاب مجرد هامش سياسي، بل أصبح جزءاً من التيار الرئيسي، مدعوماً بأحزاب تحقق مكاسب انتخابية غير مسبوقة، وبإجراءات حكومية تعكس تغير المزاج الشعبي.

في السويد، على سبيل المثال، دخلت البلاد مرحلة جديدة مع تشكيل حكومة يمينية مدعومة من حزب "سفاريا ديموكراتنا"، الذي بنى خطابه على الربط المباشر بين فشل الاندماج وارتفاع معدلات الجريمة. هذه الحكومة أعلنت منذ 2022 عن سياسات تستهدف المهاجرين بشكل مباشر، من خلال تشديد العقوبات وتقييد المساعدات الاجتماعية، في محاولة لإعادة صياغة العلاقة بين "المواطن الأصلي" و"الوافد الجديد".

أما في الدنمارك، فقد اتخذت السياسات منحى أكثر صرامة عبر قوانين "الغيتوهات"، التي تفرض قيوداً على مناطق ذات كثافة مهاجرين، وتربط بين الهوية الوطنية والأمن الداخلي. هذه القوانين لم تقتصر على الجانب القانوني، بل حملت دلالات رمزية قوية، إذ تعكس رؤية رسمية تعتبر المهاجرين "كتلة منفصلة" ينبغي ضبطها وإعادة تشكيلها.

النرويج بدورها لم تكن بمنأى عن هذه التحولات، حيث شهدت تشديداً في شروط اللجوء والاندماج، مدفوعة بضغط الأحزاب الشعبوية التي تزايد نفوذها في البرلمان. الأرقام هنا تكشف الكثير: استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن أكثر من 40% من المواطنين يعتبرون الهجرة "أكبر تحدٍ اجتماعي"، فيما ارتفعت نسبة التأييد للأحزاب اليمينية إلى مستويات غير مسبوقة.

إن تصاعد هذا الخطاب لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق الأوروبي الأوسع، حيث تتزايد النزعات الشعبوية كرد فعل على الأزمات الاقتصادية، وتنامي المخاوف الأمنية، وتراجع الثقة في المؤسسات التقليدية. لكن خصوصية الحالة الاسكندنافية تكمن في المفارقة بين الصورة التاريخية لهذه الدول كحاضنة للإنسانية والرفاه، وبين الواقع الجديد الذي يعكس انغلاقاً متزايداً واستقطاباً مجتمعياً حاداً.

جذور الخطاب اليميني والشعبوي في الدول الاسكندنافية

حين نتأمل التحولات التي شهدتها الدول الاسكندنافية خلال العقد الأخير، نجد أن صعود الخطاب اليميني والشعبوي لم يكن وليد لحظة عابرة، بل نتيجة تراكمات متشابكة بين المخاوف الأمنية، الضغوط الاقتصادية، والتغيرات الثقافية. هذه العوامل تفاعلت معاً لتنتج خطاباً جديداً، يضع المهاجر في قلب النقاش السياسي والاجتماعي، ويحوّله من "ضيف مرحّب به" إلى "مشكلة ينبغي حلّها".

في السويد، التي كانت تُعرف بسياسة الباب المفتوح، بدأ المزاج الشعبي يتغير مع تصاعد جرائم العصابات. تقارير الشرطة لعام 2023 أشارت إلى أن ما يقارب 30% من هذه الجرائم ارتبطت بشباب من خلفيات مهاجرة. هذه الأرقام، وإن كانت لا تعكس الصورة الكاملة، استُخدمت بكثافة في الخطاب السياسي لتأكيد فكرة أن الهجرة غير المنضبطة تهدد الأمن الداخلي. ومع انتخابات 2022، ترجم هذا المزاج نفسه في صناديق الاقتراع، حيث حصل حزب "سفاريا ديموكراتنا" الشعبوي على أكثر من 20% من الأصوات، ليصبح ثاني أكبر قوة سياسية في البلاد. هنا يظهر كيف تتحول المخاوف الأمنية إلى رأسمال سياسي، يُستثمر في بناء سردية شعبوية قوية.

أما في الدنمارك، فقد اتخذت الحكومة مساراً أكثر صرامة عبر ما يُعرف بـ"قوانين الغيتوهات"، التي تستهدف مناطق ذات كثافة مهاجرين. هذه القوانين لم تكن مجرد تشريعات إدارية، بل حملت دلالات رمزية عميقة: تقسيم المجتمع إلى "نحن" و"هم". الأرقام الرسمية دعمت هذا التوجه، إذ أظهرت أن معدلات البطالة والجريمة في تلك المناطق أعلى بمرتين أو ثلاث من المعدل الوطني. لكن الأهم أن هذه الأرقام لم تُستخدم فقط لوصف الواقع، بل لتبرير سياسات تعيد إنتاج صورة المهاجر باعتباره عبئاً على النظام الاجتماعي، وتُرسّخ فكرة أن الحل يكمن في "الحد من وجوده" أو "إعادة تشكيله".

النرويج بدورها لم تكن بمنأى عن هذه الموجة. حزب التقدم الشعبوي، الذي حصل على أكثر من 11% من الأصوات في انتخابات 2021، واصل الضغط لتشديد قوانين اللجوء والاندماج. استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن 42% من المواطنين يعتبرون الهجرة "أكبر تحدٍ اجتماعي"، وهو رقم يعكس حجم القلق الشعبي، ويمنح الأحزاب الشعبوية أرضية صلبة لتوسيع نفوذها. هنا نرى كيف تتحول المخاوف الاقتصادية والاجتماعية إلى قناعات سياسية، تُترجم في دعم متزايد للأحزاب التي تقدم حلولاً بسيطة ومباشرة: "أوقفوا الهجرة، ستنتهي المشكلة".

الإعلام لعب دوراً محورياً في تغذية هذه المخاوف. دراسة دنماركية عام 2022 أظهرت أن 70% من الأخبار المتعلقة بالهجرة ركزت على الجريمة والفشل في الاندماج، مقابل أقل من 20% تناولت قصص النجاح والمساهمات الإيجابية. هذا الانحياز الإعلامي لم يكن بريئاً، بل ساهم في تكوين صورة ذهنية سلبية عن المهاجر، وجعل من السهل على الخطاب الشعبوي أن يجد صدى واسعاً في المجتمع.

هكذا، يتضح أن تصاعد الخطاب اليميني والشعبوي في الدول الاسكندنافية ليس مجرد انعكاس لأزمة سياسية، بل هو نتاج تفاعل معقد بين الأرقام والوقائع من جهة، واللغة السياسية والإعلامية من جهة أخرى. الأرقام تُستخدم كأدوات لإقناع الجمهور، لكنها في الوقت نفسه تُختزل وتُوظّف لتغذية سردية تبسيطية: "المهاجر هو المشكلة". وهذا ما يجعل الخطاب الشعبوي قادراً على الانتشار، لأنه يقدم إجابات سهلة على أسئلة معقدة، ويحوّل المخاوف الفردية إلى مشروع سياسي جماعي.

دور وسائل الإعلام في تكريس خطاب التشدد ضد المهاجرين

وسائل الإعلام في الدول الاسكندنافية لعبت دوراً محورياً في تشكيل المزاج العام تجاه المهاجرين، ليس فقط عبر نقل الأخبار، بل من خلال الطريقة التي تُبنى بها السرديات وتُختزل فيها الحقائق. فالإعلام، بصفته وسيطاً بين الواقع والجمهور، لم يكن محايداً في كثير من الأحيان، بل ساهم في تكريس صورة نمطية تربط بين الهجرة والجريمة أو بين الهجرة والفشل في الاندماج.

في الدنمارك مثلاً، أظهرت دراسة أكاديمية أن ما يقارب 70% من التغطيات الإعلامية المتعلقة بالهجرة ركزت على الجريمة والمشكلات الاجتماعية، مقابل أقل من 20% تناولت قصص النجاح والمساهمات الإيجابية. هذا الانحياز في التغطية خلق صورة ذهنية سلبية، جعلت من السهل على الخطاب الشعبوي أن يجد صدى واسعاً، لأنه يقدّم للجمهور "أدلة إعلامية" تدعم مخاوفه.

الصحف الشعبية والقنوات التلفزيونية كثيراً ما تلجأ إلى العناوين المثيرة التي تربط بين جنسية المهاجر والجريمة المرتكبة، حتى لو لم يكن لذلك علاقة مباشرة بالحادث. هذه الممارسة الإعلامية تُحوّل الفرد إلى ممثل لجماعة بأكملها، وتُرسّخ فكرة أن المهاجرين كتلة متجانسة مرتبطة بالمشكلات. في المقابل، قصص النجاح – مثل مساهمة المهاجرين في الاقتصاد أو في البحث العلمي – غالباً ما تُهمَّش أو تُعرض في صفحات داخلية دون أن تحظى بالاهتمام نفسه.

وسائل التواصل الاجتماعي زادت من حدة هذه الظاهرة، إذ أصبحت منصات مثل فيسبوك وتويتر فضاءً لتداول الأخبار المقتطعة والمبالغ فيها، ما يضاعف من انتشار الصور النمطية. هنا يتقاطع الإعلام التقليدي مع الإعلام الجديد في إنتاج خطاب متشدد، يختزل المهاجر في صورة "الخطر" أو "العبء".

إن دور الإعلام في هذا السياق لا يمكن اعتباره مجرد انعكاس للواقع، بل هو جزء من صناعة الواقع نفسه. فحين تُكرر وسائل الإعلام سردية معينة، وتُضخّم الأرقام المرتبطة بالجريمة، وتتجاهل قصص النجاح، فإنها لا تنقل الحقيقة، بل تُعيد تشكيلها بما يخدم خطاباً سياسياً محدداً. وهذا ما يجعل الإعلام أحد أهم أدوات الشعبوية في الدول الاسكندنافية، لأنه يوفّر لها الشرعية الشعبية ويمنحها القدرة على الانتشار.

دور الأحزاب والتنافس الشعبوي على أصوات الناخبين

الأحزاب السياسية في الدول الاسكندنافية لم تكتفِ بتبني خطاب شعبوي تجاه المهاجرين، بل دخلت في سباق محموم لتوظيف هذا الخطاب كأداة انتخابية لكسب الأصوات. فالمشهد الحزبي هناك يشهد تنافساً واضحاً بين القوى اليمينية التقليدية والأحزاب الشعبوية الصاعدة، حيث يسعى كل طرف إلى إثبات أنه الأكثر قدرة على "حماية الهوية الوطنية" و"ضبط الهجرة".

في السويد، على سبيل المثال، لم يعد حزب "سفاريا ديموكراتنا" الشعبوي وحده من يتحدث عن الهجرة والجريمة، بل تبنّت أحزاب يمينية أخرى أجزاء من خطابه لتجنب خسارة الناخبين لصالحه. هذا التنافس خلق ما يشبه "مزاداً سياسياً" على التشدد، حيث تتسابق الأحزاب في تقديم مقترحات أكثر صرامة، من تشديد العقوبات إلى تقليص المساعدات الاجتماعية للمهاجرين. النتيجة أن الخطاب الشعبوي لم يعد حكراً على حزب واحد، بل أصبح لغة مشتركة تتقاطع فيها عدة قوى سياسية.

في الدنمارك، المشهد أكثر وضوحاً. حزب الشعب الدنماركي (DF)، رغم تراجع نسبته الانتخابية، نجح في دفع الأحزاب الكبرى إلى تبني سياسات أكثر تشدداً، مثل قوانين "الغيتوهات". هنا يظهر كيف يمكن لحزب صغير نسبياً أن يفرض أجندته على الساحة السياسية عبر الضغط المستمر، مما يجبر الأحزاب المنافسة على تبني خطاب مشابه حتى لا تبدو "متساهلة" أمام الناخبين.

النرويج بدورها شهدت تنافساً بين حزب التقدم الشعبوي (FrP) والأحزاب التقليدية، حيث يواصل الأول الضغط لتشديد قوانين اللجوء والاندماج، بينما تحاول الأحزاب الأخرى موازنة خطابها بين الحفاظ على صورة الدولة الإنسانية وبين الاستجابة لمخاوف الناخبين. هذا التوازن الهش يعكس طبيعة التنافس الشعبوي: إما أن تنخرط الأحزاب في خطاب التشدد لتجنب خسارة الأصوات، أو أن تخاطر بالظهور بمظهر "الضعف" أمام الرأي العام.

إن هذا التنافس بين الأحزاب على خطاب الشعبوية يعكس دينامية خطيرة: فبدلاً من أن يكون الخطاب الشعبوي هامشياً، أصبح معياراً يُقاس به مدى "جدية" الأحزاب في التعامل مع قضية الهجرة. ومع كل دورة انتخابية، يتزايد الضغط على الأحزاب لتقديم سياسات أكثر صرامة، مما يعمّق الاستقطاب ويجعل من المهاجرين محوراً دائماً للصراع السياسي.

إن ما نشهده اليوم هو إعادة تعريف للهوية الاسكندنافية نفسها. من نموذج يُحتفى به عالمياً كرمز للإنسانية والرفاه، إلى واقع جديد يتسم بالانغلاق والاستقطاب. الأرقام والوقائع تؤكد أن الخطاب الشعبوي لم يعد على الهامش، بل أصبح في صميم السياسات العامة، يحدد اتجاهاتها ويعيد رسم صورة المهاجر في الوعي الجمعي.

السياسات الملموسة وتجليات الخطاب الشعبوي في الدول الاسكندنافية

إذا كان المحور الأول قد كشف عن جذور الخطاب اليميني والشعبوي، فإن المحور الثاني يضعنا أمام السياسات الملموسة التي جسّدت هذا الخطاب وحوّلته من مجرد شعارات انتخابية إلى واقع يومي يعيشه المهاجرون في السويد والدنمارك والنرويج. هنا يصبح التحليل أكثر وضوحاً، لأننا لا نتحدث عن مخاوف أو تصورات، بل عن قوانين وتشريعات وإجراءات حكومية تعيد صياغة العلاقة بين الدولة والمهاجر.

في السويد، التحول كان دراماتيكياً. فبعد انتخابات 2022، دخل حزب "سفاريا ديموكراتنا" الشعبوي إلى قلب السلطة عبر دعم الحكومة اليمينية. هذا الحزب، الذي كان يُنظر إليه قبل عقدين كتيار هامشي، أصبح اليوم ثاني أكبر قوة سياسية بحصوله على أكثر من 20% من الأصوات. السياسات الجديدة ركزت على تشديد العقوبات وربطها بالمهاجرين، مع خطاب رسمي يربط بين فشل الاندماج وارتفاع معدلات الجريمة. تقارير الشرطة لعام 2023 أشارت إلى أن نحو 30% من جرائم العصابات ارتبطت بشباب من خلفيات مهاجرة، وهو رقم استُخدم بكثافة لتبرير سياسات أكثر صرامة في منح الإقامات، وتشديد الرقابة على الأحياء ذات الكثافة المهاجرة. بهذا الشكل، تحولت السويد من نموذج "الانفتاح" إلى نموذج "الضبط"، في انعكاس مباشر لتأثير الشعبوية على السياسات العامة.

أما الدنمارك، فقد سبقت جاراتها في تبني سياسات صارمة منذ سنوات، لكنها واصلت تشديدها بشكل لافت. قوانين "الغيتوهات" التي أُقرت عام 2018 مثّلت نقطة تحول، إذ صنّفت الحكومة مناطق معينة ذات كثافة مهاجرين باعتبارها "مشكلة اجتماعية"، وفرضت عليها قيوداً خاصة: تخفيضات في المساعدات، تشديد العقوبات، وإجراءات تهدف إلى "تفكيك التجمعات المهاجرة". الأرقام الرسمية دعمت هذا التوجه، حيث أظهرت أن معدلات البطالة والجريمة في تلك المناطق أعلى بمرتين أو ثلاث من المعدل الوطني. لكن الأهم أن هذه السياسات لم تكن مجرد استجابة للأرقام، بل كانت انعكاساً لرؤية سياسية ترى أن "الاندماج القسري" هو الحل، حتى لو كان على حساب حقوق الأفراد. هنا يظهر كيف تتحول الشعبوية إلى سياسة مؤسسية، تُترجم في قوانين تحمل طابعاً تمييزياً واضحاً.

في النرويج، المشهد أقل حدة لكنه يسير في الاتجاه نفسه. حزب التقدم الشعبوي، الذي حصل على أكثر من 11% من الأصوات في انتخابات 2021، واصل الضغط لتشديد قوانين اللجوء والاندماج. استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن 42% من المواطنين يعتبرون الهجرة "أكبر تحدٍ اجتماعي"، وهو رقم يعكس حجم القلق الشعبي ويمنح الأحزاب الشعبوية أرضية صلبة لتوسيع نفوذها. السياسات هنا ركزت على تقليص عدد اللاجئين المقبولين، وتشديد شروط الحصول على الجنسية، وربط المساعدات الاجتماعية بمستوى الاندماج. هذه الإجراءات، وإن كانت أقل صرامة من النموذج الدنماركي، إلا أنها تعكس الاتجاه العام نحو تضييق مساحة "الترحيب" التقليدي الذي عُرفت به النرويج.

ما يجمع هذه التجارب الثلاث هو أن الخطاب الشعبوي لم يعد مجرد لغة انتخابية، بل أصبح سياسة رسمية تُترجم في قوانين وتشريعات. الأرقام تُستخدم لتبرير هذه السياسات، لكن طريقة توظيفها تكشف عن انتقائية واضحة: التركيز على معدلات الجريمة والبطالة في صفوف المهاجرين، وتجاهل قصص النجاح والمساهمات الإيجابية. الإعلام بدوره يعزز هذه الصورة، إذ أظهرت دراسة دنماركية أن 70% من الأخبار المتعلقة بالهجرة ركزت على الفشل والجريمة، مقابل أقل من 20% تناولت قصص النجاح. هذا الانحياز الإعلامي يجعل من السهل على الخطاب الشعبوي أن يجد صدى واسعاً، ويحوّل السياسات الصارمة إلى "ضرورة وطنية" في نظر الجمهور.

بهذا الشكل، يصبح المحور الثاني شاهداً على كيف تحولت الشعبوية من مجرد خطاب إلى واقع ملموس، يعيد تشكيل السياسات العامة ويغيّر صورة الدول الاسكندنافية في الداخل والخارج. من نموذج يُحتفى به عالمياً كرمز للإنسانية والرفاه، إلى واقع جديد يتسم بالانغلاق والاستقطاب، حيث يُنظر إلى المهاجر باعتباره "تحدياً" لا "إضافة".

الآثار الاجتماعية والسياسية لتصاعد الخطاب الشعبوي

حين تتحول الشعبوية من مجرد خطاب انتخابي إلى سياسات ملموسة، فإن انعكاساتها لا تقتصر على المجال السياسي وحده، بل تمتد لتعيد تشكيل النسيج الاجتماعي نفسه. في الدول الاسكندنافية، التي لطالما ارتبطت بصورة "المجتمع المنفتح والمتسامح"، نشهد اليوم تحولات عميقة تُعيد تعريف العلاقة بين المواطن والمهاجر، وتطرح أسئلة جديدة حول الهوية والاندماج والعدالة.

أول هذه الآثار يتمثل في الاستقطاب المجتمعي. فالمهاجرون، الذين كانوا يُنظر إليهم سابقاً كجزء من مشروع إنساني أوسع، أصبحوا اليوم في قلب جدل سياسي محتدم. الخطاب الشعبوي، الذي يربط بين الهجرة والجريمة أو بين الهجرة وتراجع أنظمة الرفاه، خلق حالة من الانقسام الحاد داخل المجتمع: بين من يرى أن المهاجرين يشكلون تهديداً، ومن يصرّ على أنهم إضافة ضرورية للتنوع والاقتصاد. هذا الانقسام لم يعد مجرد نقاش فكري، بل أصبح واقعاً يومياً ينعكس في المدارس، أماكن العمل، وحتى في الأحياء السكنية.

ثاني الآثار هو إعادة إنتاج الصور النمطية. الإعلام، الذي يركز بنسبة تصل إلى 70% على الجريمة والفشل في الاندماج عند الحديث عن المهاجرين، ساهم في ترسيخ صورة ذهنية سلبية. هذه الصورة تجعل من السهل على الخطاب الشعبوي أن يجد صدى واسعاً، لأنها تقدم للمواطن "دليلاً بصرياً" على أن المهاجر هو المشكلة. النتيجة هي أن قصص النجاح، مثل مساهمة المهاجرين في الاقتصاد أو في البحث العلمي، تُهمَّش، بينما تُضخَّم قصص الفشل لتصبح هي القاعدة.

ثالثاً، هناك انعكاسات سياسية مباشرة. الأحزاب الشعبوية، التي كانت هامشية قبل عقدين، أصبحت اليوم جزءاً من التيار الرئيسي. في السويد، حزب "سفاريا ديموكراتنا" أصبح ثاني أكبر قوة سياسية. في الدنمارك، قوانين "الغيتوهات" أصبحت سياسة رسمية. وفي النرويج، حزب التقدم يواصل الضغط لتشديد قوانين اللجوء. هذه التحولات تعني أن الخطاب الشعبوي لم يعد مجرد لغة احتجاج، بل أصبح أداة لصياغة السياسات العامة، وهو ما يغيّر صورة الدول الاسكندنافية في الداخل والخارج.

أخيراً، لا يمكن تجاهل الأثر الرمزي. الدول الاسكندنافية لطالما قُدمت كنموذج عالمي للإنسانية والرفاه، لكن السياسات الجديدة تعكس صورة مختلفة: صورة دول منغلقة، تخشى الآخر، وتتعامل معه باعتباره تهديداً لا فرصة. هذا التحول الرمزي له تبعات على مكانة هذه الدول في النقاش الدولي حول حقوق الإنسان والهجرة، ويطرح سؤالاً عميقاً: هل يمكن أن تستمر هذه الدول في تقديم نفسها كنموذج عالمي، بينما سياساتها الداخلية تعكس انغلاقاً متزايداً؟

الأرقام والإحصاءات كأداة لتغذية الشعبوية

الأرقام في الخطاب السياسي ليست مجرد بيانات محايدة، بل تتحول إلى أدوات لإقناع الجمهور وتوجيه المزاج العام. في الدول الاسكندنافية، لعبت الإحصاءات دوراً محورياً في ترسيخ الخطاب الشعبوي، إذ جرى توظيفها بشكل انتقائي لتأكيد السردية التي تربط بين الهجرة والجريمة أو بين الهجرة وتراجع أنظمة الرفاه.

في السويد، نتائج انتخابات 2022 أظهرت أن حزب "سفاريا ديموكراتنا" الشعبوي حصل على 20.5% من الأصوات، وهو أعلى رقم في تاريخه، مما جعله ثاني أكبر حزب في البرلمان. هذا الرقم لم يكن مجرد إحصاء انتخابي، بل أصبح دليلاً على أن الشعبوية لم تعد هامشية، بل جزء من التيار الرئيسي.

في الدنمارك، رغم تراجع حزب الشعب الدنماركي (DF) إلى نحو 8% في انتخابات 2022، إلا أن أثره السياسي ظل أكبر من حجمه العددي، إذ نجح في دفع الحكومات المتعاقبة إلى تبني سياسات أكثر صرامة تجاه المهاجرين. هنا يظهر كيف يمكن لنسبة صغيرة انتخابياً أن تُحدث أثراً كبيراً سياسياً.

أما في النرويج، فقد حصل حزب التقدم الشعبوي (FrP) على 11.6% في انتخابات 2021، ليصبح ثالث أكبر حزب في البرلمان. استطلاعات الرأي الأخيرة أظهرت أن 42% من المواطنين يعتبرون الهجرة "أكبر تحدٍ اجتماعي"، وهو رقم يعكس حجم القلق الشعبي ويمنح الأحزاب الشعبوية أرضية صلبة لتوسيع نفوذها.

إلى جانب هذه الأرقام، تُستخدم معدلات الجريمة بشكل مكثف في الخطاب السياسي. ففي السويد، تقارير الشرطة لعام 2023 أشارت إلى أن نحو  30% من جرائم العصابات ارتبطت بشباب من خلفيات مهاجرة. هذه النسبة، رغم أنها لا تعكس الصورة الكاملة، أصبحت محوراً أساسياً في خطاب الأحزاب اليمينية، لتأكيد فكرة أن الهجرة تهدد الأمن الداخلي.

بهذا الشكل، تتحول الأرقام إلى "لغة مقنعة" تُستخدم لتغذية الشعبوية، لكنها في الوقت نفسه تُختزل وتُوظّف بشكل انتقائي، مما يجعلها جزءاً من المشكلة لا مجرد وصف للواقع.

مستقبل النموذج الاسكندنافي بين الانفتاح والانغلاق

إن تصاعد الخطاب اليميني والشعبوي في الدول الاسكندنافية ليس مجرد ظاهرة سياسية عابرة، بل هو انعكاس لتحولات عميقة في البنية الاجتماعية والثقافية لهذه المجتمعات. لقد انتقلت هذه الدول، التي كانت تُقدَّم لعقود كنموذج عالمي للانفتاح والرفاه والعدالة الاجتماعية، إلى واقع جديد يتسم بالانغلاق، وإعادة تعريف الهوية الوطنية على أسس أكثر صرامة وأقل تسامحاً. الأرقام والوقائع تؤكد أن الشعبوية لم تعد على الهامش، بل أصبحت في قلب السياسات العامة، تُعيد صياغة صورة المهاجر في الوعي الجمعي، وتحوّله من عنصر مساهم في التنوع والاقتصاد إلى "تحدٍ" أو "تهديد" ينبغي ضبطه.

لكن هذا التحول، رغم قوته، ليس قدراً محتوماً. فالمجتمع المدني، والأحزاب التقدمية، والفاعلون الثقافيون، ما زالوا يمتلكون القدرة على صياغة سرديات بديلة، تُبرز قصص النجاح وتعيد الاعتبار لقيم التعددية والانفتاح التي شكّلت جوهر التجربة الاسكندنافية. إن مواجهة الشعبوية لا تتم فقط عبر الأرقام أو السياسات، بل عبر إعادة بناء الثقة بين المواطن والمهاجر، وتأكيد أن التحديات الاقتصادية والأمنية لا تُحلّ بالانغلاق، بل بالاندماج والتعاون.

المستقبل هنا مفتوح على احتمالات متعددة: إما أن تستمر موجة الشعبوية في إعادة تشكيل هذه المجتمعات، لتصبح أكثر انعزالاً وأقل قدرة على التفاعل مع العالم، أو أن تنجح القوى الديمقراطية والمدنية في استعادة التوازن، وإعادة تعريف الهوية الاسكندنافية بما يتناسب مع قيمها التاريخية. السؤال المطروح ليس فقط عن حجم تأثير الشعبوية، بل عن قدرة هذه الدول على مواجهة نفسها، والاعتراف بأن الهجرة ليست أزمة، بل فرصة لإعادة بناء مجتمع أكثر تنوعاً وصلابة في مواجهة التحديات العالمية.

إن ما يجري اليوم في السويد والدنمارك والنرويج هو اختبار حقيقي لمستقبل النموذج الاسكندنافي: هل سيظل رمزاً للإنسانية والرفاه، أم سيتحوّل إلى نسخة جديدة من الانغلاق الأوروبي؟ الإجابة ستحدد ليس فقط مصير المهاجرين، بل أيضاً صورة هذه الدول في العالم، ومكانتها في النقاش الدولي حول العدالة والحقوق والإنسانية.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

يعتبر مبدأ الفصل بين السلطات من أهم الاعمدة التي تستند عليها الديمقراطية الحديثة، ومن جملة الآثار المترتبة عليه تحقق عوامل الإستقرار السياسي والإداري للدولة مما يؤدي الى التطور الحتمي في كافة مجالات الحياة، فالعلاقة بين المبدأ والتطور الحضاري والإقتصادي والتكنلوجي كالعلاقة بين العلة والمعلول والسبب ونتيجته.

حيث يقضي هذا المبدأ بتوزيع السلطة على هيئات متعددة والغرض من ذلك، يختلف بإختلاف جهة الخطاب:

1- بالنسبة لسلطات الدولة الثلاث:

الغرض من ذلك هو الضبط والتوازن والرقابة المتبادلة بين سلطات الدولة الثلاث (التشريعية، التنفيذية، والقضائية) لمنع الإنحراف بالسلطة والتعسف، ولمنع نشوء نفس دكتاتوري في كل سلطة من هذه السلطات، ومن ثم تعزيز دولة القانون والمؤسسات عبر تقسيم المهام والإختصاصات لضمان حسن سير وأداء المرافق العامة.

2- بالنسبة للأفراد: يهدف المبدأ الى حماية الحريات العامة ومنع الاستبداد، والتأكيد على ان جميع السلطات في الدولة وجدت لحمايته وتحقيق امانيه وتطلعاته المشروعة المقررة في الدستور والقوانين ، فالهدف النهائي للمبدأ هو ضمان حماية المواطن من تعسف السلطات العامة وتأكيد استيفاء حقوقه، بناءاً على (نظرية دولة المواطنة) في الدولة الحديثة القائمة على أساس أن الدولة ملك لجميع مواطنيها، وتضمن المساواة المطلقة* في الحقوق والواجبات على "المراكز القانونية المتماثلة"، وتكافؤ الفرص، وسيادة القانون دون تمييز على أساس الدين، العرق، الجنس، أو المذهب، وتبنى على «عقد مواطنة» يربط الفرد بالدولة، محققةً قيم العدالة، الحرية، والعيش المشترك.

التطور التاريخي:

تطور هذا المبدأ تاريخياً في العصور القديمة عند اليونان والرومان كأداة لمنع الاستبداد.

اولاً- مبدأ الفصل بين السلطات عند اليونان:

بالنسبة الى افلاطون: فقد أشار في كتاب "القوانين" إلى ضرورة توزيع وظائف الدولة على هيئات متعددة، مؤكداً على أهمية التوازن والتعاون بينها لتحقيق المصلحة العامة ومنع الاستبداد.

اما ارسطو: فقد طور الفكرة في كتابه "السياسة"من خلال تقسيم وظائف الدولة إلى ثلاثة أقسام: الوظيفة التداولية (التشريعية)، ووظيفة الحكام (التنفيذية)، ووظيفة القضاء.

ثانياً- مبدأ الفصل بين السلطات عند الرومان:

تم تطبيق المبدأ من خلال الإجراءات التالية:

1- الحكومة المختلطة:

تبنت الجمهوريةالرومانية نظاماً يدمج عناصر الملكية (القناصل)، والأرستقراطية (مجلس الشيوخ)، والديمقراطية (المجالس الشعبية).

2- الرقابة المتبادلة:سعى النظام الروماني إلى توزيع السلطات لضمان عدم استئثار فرد أو هيئة واحدة بزمام الحكم، حيث يراقب كل جزء الآخرين.

الهدف المشترك:

تمثل الهدف الرئيسي المشترك لدى الحضارتين اليونانية والرومانية في منع استبداد الحكام، وحماية الحريات،وضمان حسن سير الإدارة من خلال توزيع السلطة بدلاً من تركيزها، فنتج عن ذلك حضارات عظيمة وتطور في الفكر والفقه والحياة العامة، لايزال تاثيره قائماً الى اليوم.

ثالثاً- الفصل بين السلطات عند مفكري النهضة:

1- جون لوك (القرن 17): اقترح ضرورةفصل السلطة التنفيذية عن السلطة التشريعية لتجنب إساءة استخدام السلطة.

2- مونتسكيو (القرن 18): يعود الفضل في احياء هذا المبدأ في العصور الحديثة إلى الفيلسوف مونتيسكو، في كتابه الشهير (روح القوانين)، فهو صاحب مقولة أن "السلطة توقف السلطة"

إذ يرى مونتسكيو وجوب أن توقف كل سلطة عند حدها بواسطة غيرها بحيث لا تستطيع أي سلطة أن تسئ استعمال سلطتها أو تستبد بتلك السلطة ".

حيث طور المبدأ في كتابه (روح القوانين) محدداً ثلاث سلطات: التشريعية (سن القوانين)، التنفيذية (تطبيق القوانين وإدارة الدولة)، والقضائية (فصل النزاعات).

الهدف الجوهري: صيانة الحرية السياسية ومنع تركيز السلطات في يد فرد أو هيئة واحدة، مما يؤدي للاستبداد.

طبيعة الفصل: دعا مونتسكيو إلى "فصل مرن" يسمح بتعاون وتوازن السلطات لمنع تغول إحداها على الأخرى، وليس فصلاً مطلقاً، لضمان عمل الدولة بشكل معتدل.

رابعاً- المبدأ والثورة الفرنسية:

تبني المبدأ من قبل رجال الثورة الفرنسية سنة 1789م.

وتم تضمينه في إعلان حقوق الإنسان والمواطن الفرنسي لعام 1789 بشكل صريح ، حيث نصت المادة 16 منه على أنه لا دستور لأي أمة لا تضمن فيها الحقوق أو لا يُفصل فيها بين السلطات.

ويُعد هذا الإعلان وثيقة أساسية أرست قيم الثورة الفرنسية، مستلهماً أفكار فلاسفة التنوير ومونتسكيو.

وأخذت به الدساتير الفرنسية كدستور 1791م ودستور 1848م إذ اشتملت على مبدأ الفصل بين السلطات وكذلك معظم الدساتير العربية والغربية سواء بصورة صريحة أم ضمنية.

الهدف الجوهري:

إن الهدف الجوهري لمبدأ الفصل بين السلطات هو منع الاستبداد وتركيز سلطات الدولة (التشريعية، التنفيذية، القضائية) في يد فرد أو هيئة واحدة.

1- منع الاستبداد والتعسف: يعد الهدف الأساسي، حيث إن جمع السلطات يؤدي إلى سوء استعمالها، لذا فإن توزيعها يحد من تغول سلطة على أخرى.

2- حماية الحريات العامة: من خلال استقلال القضاء وتوزيع المسؤوليات، يتم حماية حقوق المواطنين وحرياتهم من أي تعدي.

3- نظام الضوابط والتوازنات (Checks and Balances): يضمن المبدأ أن تراقب كل سلطة الأخرى وتمنعها من تجاوز حدودها، وهو ما يوفر مرونة في اتخاذ القرارات لصالح الدولة.

4- حسن أداء الوظائف (التخصص):

يؤدي تقسيم العمل إلى تخصص كل هيئة في وظيفتها (التشريع، التنفيذ، القضاء)، مما يزيد من كفاءة وإتقان العمل الحكومي.

5- سيادة القانون: يضمن خضوع السلطات الحاكمة للدستور والقانون وليس العكس.

6- نشوء دولة المؤسسات: يضمن المبدأ نشوء دولة المؤسسات، عبر منع الاستفراد بالحكم، وتوزيع الوظائف تخصصياً، وبذلك يتحول الحكم من "حكم أشخاص" إلى "حكم مؤسسات" تعمل وفق نصوص دستورية واضحة.

فتتفتق العبقريات عن مكنوناتها وتبرز الإبتكارات وتتفتح مهارات القيادة، وتنمو روح المبادرة بين الأفراد. ويُكتسب فن إلهام الآخرين وتّنظيم العمل.

وعلى هذا النحو تبقى قواعد عمل مؤسسات الدولة راسخة  لاتتغير بتغيير الرؤوساء الا بنسبة محدودة، فقد أورد الباحثين في الشؤون السياسية، ان نسبة تأثير تغيير الرئيس الامريكي على السياسات العامة لا تتعدى 20 %‎

من مجمل نشاطات الدولة، وتختلف نسبة هذا التأثير باختلاف الملفات. بينما يمتلك الرئيس تأثيرًا كبيرًا ومباشرًا في مجالات مثل السياسة الخارجية، الهجرة، والرسوم الجمركية، ومن جانب آخر تُحدّ المؤسسات الفيدرالية، والكونغرس، والقضاء من قدرته على تغيير هيكلية الدولة بالكامل، مما يجعل "الدولة العميقة" وسياساتها مستقرة نسبيًا.

حتمية التطور:

ان تبني هذا المبدأ عبر التاريخ ادى الى تطور حضاري مذهل، كما هو الحال في الحضارة الرومانية بشكل خاص حيث تطورت المؤسسات في الحضارة الرومانية عبر ثلاث مراحل رئيسية (ملكية، جمهورية، إمبراطورية)، متحولة من إدارة قبلية بسيطة إلى نظام إداري وقانوني معقد. تميزت ببروز مجلس الشيوخ (Senatus) كأعلى سلطة، وتطور المجالس الشعبية والقناصل، وصولاً إلى نظام الإمبراطورية المركزية، مع تركيز شديد على القانون وتدوينه (الألواح الاثني عشر) لضمان الاستقرار، ومن ثم انشاء ما يعرف بقانون الشعوب لترسيخ العلاقات بين الشعوب وهو نتيجة من نتائج استقلال القضاء

فقد ظهر "قانون الشعوب" (Jus Gentium) في الحضارة الرومانية القديمة (حوالي 242 ق.م) كاستجابة عملية لتوسع الإمبراطورية وزيادة الأجانب المتعاملين مع الامبراطورية، مما جعل قانون الألواح الإثني عشر الصارم غير صالح للتطبيق.

فأنشأ الرومان منصب "البريتور" (منصب قضائي) للفصل في منازعات الأجانب، مستمدين مبادئ هذا القانون من قواعد عامة وعادلة خالية من الشكليات، دمجت بين القانون الروماني واليوناني ومبادئ القانون الطبيعي، فتشكل من احكام البريتور ما عرف بقانون الشعوب.

خامساً- وفي العصر الحديث:

أدى التطبيق الموضوعي لمبدأ الفصل بين السلطات وحمايته للحريات العامة والإقتصادية الى تطور هائل في كافة مجالات الحياة والعلم البحثي النظري والتكنلوجي، وهذا هو نفسل ماحصل في دول الغرب وشرق اسيا ومنها اليابان وكوريا الحنوبية، تبعاً لمبدأ  الحتمية الذي يعني "أن توفر مجموعة من الشروط ضمن مجموعة من الظروف يؤدي إلى نتائج معينة.

وتكرار نفس الشروط ضمن نفس الظروف سوف يؤدي إلى نفس النتائج حتما مما يتيح فرصة التنبؤ بحدوث الظواهر قبل وقوعها "

فلكل ظاهرة علمية علة (سبب) أدت إلى وجودها، حيث تربط علاقة مباشرة بين السبب والأثر، هذا يعد قانونا علمياً ورفضه يعني إلغاء العقل والعلم.

إن رفض الحتمية يؤدي مباشرة إلى الوقوع في الصدفة التي تعد تبريرا للجهل (التفكير الساذج).

إن ترسيخ هذا المبدأ بحماية قضائية ودستورية يكفل التطور المنشود في بلادنا، ويضع الأمور في نصابها المحدد.

***

فارس حامد عبد الكريم

النائب السابق لرئيس هيئة النزاهة الإتحادية.

.........................

The principle of separation of powers and the inevitability of evolution.

رقمنة الدولار؛ أخطر انقلاب مالي احتيالي منذ نصف قرن تديره إدارة ترامب لإنقاذ الدولار بتوزيع ديون أميركا الهائلة "37 ترليون دولار" على شعوب العالم: هل ينقذ قانونُ جينيس آكت"GENIUS Act» الدولارَ من مصيره المحتوم؟

قبل أسابيع، صوّت مجلس الشيوخ الأميركي، لمصلحة تمرير هذا القانون لتنظيم العملات الرقمية المستقرة. هذه الحروف"GENIUS" هي اختصار لعبارة إنكليزية ترجمتها هي "توجيه وترسيخ الابتكار الوطني للعملات المستقرة الأميركية". وهذا يمثل أول انتصار تشريعي كبير لصناعة الأصول الرقمية في الولايات المتحدة وتحديدا لقطاع الكريبتو المشبوه بالفساد ومع ترامب شخصيا كما سنوضح. وهذا الأخير - كريبتو- هو سوق مالي رقمي لا مركزي يعتمد على تقنية «البلوكتشين» والتشفير لتأمين المعاملات وإصدار العملات الرقمية مثل البيتكوين والإيثيريوم، بعيداً عن سيطرة الحكومات.

عن هذا الموضوع الذي يعادل الانقلاب المالي الذي حدث في زمن الرئيس الأميركي نكسون والذي جعل الدولار بلا غطاء ذهبي. أعددت لكم هذا التقرير مما اطلعت عليه من معلومات وأخبار:

* عن علاقة الولايات المتحدة بالغطاء الذهبي للعملات نعلم الآتي: في ظل إدارة الرئيس "فرانكلين روزفلت الذي حكم لفترات متتالية من 4 آذار - مارس 1933 حتى وفاته في 12 نيسان - أبريل 1945" انسحبت البلاد من نظام "معيار الذهب" في عام 1933 في محاولة أخيرة لإنعاش النمو الاقتصادي شبه المنهار آنذاك. ولكن في نهاية الحرب العالمية الثانية انضمت الولايات المتحدة مجدداً إلى "معيار الذهب" كجزء من موافقتها على اتفاقية "بريتونوودز". هذه الاتفاقية ربطت العملات بالدولار الأمريكي، الذي كان مدعوماً بالذهب، وأسفرت عن إنشاء صندوق النقد الدولي والبنك الدولي. ولكنها انهارت في 1971 بسبب ما سمّي «صدمة نيكسون» وإلغاء الغطاء الذهبي للدولار.

* صدمة نيكسون: بتاريخ 13 من أغسطس/آب عام 1971، عقد الرئيس نيكسون اجتماعاً سرياً في كامب ديفيد مع رئيس الاحتياطي الفيدرالي "آرثر بيرنز" ووزير الخزانة "جونكونالي" جنباً إلى جنب مع مستشارين رفيعي المستوى في البيت الأبيض. وبعد ذلك التاريخ بيومين، وتحديداً مساء الأحد الموافق 15 أغسطس/آب 1971، وافق "نيكسون" على سلسلة من التدابير الاقتصادية، أهمها كان إلغاء التحويل الدولي المباشر من الدولار الأمريكي إلى الذهب واعتبار القوة العسكرية والاقتصادية الأميركية العامة هي الضامن للدولار ينهار بانهيارها. وقد تسببت هذه الصدمة ببدأ ارتفاع ديون الولايات المتحدة بشكل جنوني ومعها ارتفعت نسب التضخم المرضي حتى بلغت الديون رقما فلكيا يتراوح بين 35 و37 تريليون دولار وهي ترتفع سنويا بمقدار 2 ترليون و250 مليار دولار تقريبا.

* القانون الجديد لرقمنة الدولار الذي حظي بموافقة 68 عضواً مقابل 30، يضع لأول مرة إطاراً اتحادياً يحاول تنظيم العملات المرتبطة بالدولار الأميركي، ويفتح الباب أمام شركات خاصة لإصدار "دولارات رقمية" تحت إشراف حكومي مباشر. هذه الخطوة شكلت صدمة كبيرة للجمهور، وهو ما دفع البعض لاحقاً لتسميتها "صدمة نيكسون". وعلى الفور، ارتفع مؤشر "داو جونز" الصناعي يوم الإثنين بنحو 4 % لأول مرة في تاريخه، وسجل حجم التداولات بالبورصة الأمريكية رقماً قياساً بلغ 31.7 مليون سهم.

* تم تمرير القانون بعد حملة ضغط مكثفة من قطاع الكريبتو، الذي ضخ نحو 250 مليون دولار في دورة انتخابات 2024 لدعم ما يُعتبر الآن أكثر كونغرس مؤيد للعملات الرقمية في تاريخ البلاد. ورغم فشل الديمقراطيين في منع الرئيس السابق دونالد ترامب من الاستفادة من الأصول الرقمية، إلا أن القانون النهائي يمنع فقط أعضاء الكونغرس وأسرهم من ذلك (ولا يمنع الرئيس. ع.ل). وكشفت إفصاحات مالية أن ترامب حقق أكثر من 57 مليون دولار في 2024 من مبيعات رموز رقمية مرتبطة بمنصة "وورلد ليبرتي فاينانشال"، ويملك ما يقارب 16 مليار رمز حوكمة قد تصل قيمتها إلى مليار دولار. وتشمل إمبراطورية ترامب الرقمية أيضاً عملة  $TRUMP، وخزينة بيتكوين بقيمة 2.5 مليار دولار، وصناديق (ETF ) مقترحة، وشركة تعدين جديدة باسم "أميركان بيتكوين".

ما الذي يتضمنه القانون؟ يفرض متطلبات صارمة في الظاهر وتشمل:

- دعم كامل بالاحتياطات النقدية

- تدقيقات مالية شهرية

- التزام صارم بقوانين مكافحة غسل الأموال

كما يتيح القانون لمجموعة واسعة من الجهات، من البنوك إلى شركات التكنولوجيا المالية وتجار التجزئة الكبار، إصدار عملات مستقرة أو دمجها في أنظمة الدفع الخاصة بهم.

* انقسام سياسي حاد حول القرار: أثار القانون جدلاً سياسياً حاداً، حيث اتهم السيناتور الديمقراطي جيف ميركلي الجمهوريين بـ"إضفاء الشرعية على فساد ترامب في الكريبتو"، بعد فشل محاولاته لتمرير تعديل يمنع المسؤولين المنتخبين من الاستفادة الشخصية من الأصول الرقمية.

وقدم الديمقراطيون في مايو مشروع قانون مضاد بعنوان "إنهاء فساد الكريبتو"، يهدف إلى حظر تعامل المسؤولين الحكوميين وأسرهم مع العملات الرقمية.

* ثورة في أنظمة الدفع: العملات المستقرة، التي تمثل 99% منها عملات مربوطة بالدولار، أصبحت تهدد أنظمة الدفع التقليدية بفضل قدرتها على تسوية المعاملات فورياً وبكلفة منخفضة. وقد تجاوزت قيمة المعاملات باستخدام العملات المستقرة 28 تريليون دولار العام الماضي، متفوقة على "فيزا" و"ماستركارد" مجتمعتين.

وقد ذكر متخصصون أن هذه العملات تختلف عن التي تصدرها البنوك المركزية. وتوقعوا أن تصدر مؤسسات كبرى مثل أمازون ومكروسوفت وغيرهما لإصدار عملاتها الخاصة، والخاسر الأكبر سيكون البنوك التي لا تتوافق مع هذه التطورات.

* يكتب الخبير المالي محمد موسى في صحيفة "صوت لبنان": قانون "جنيس آكت"، تقني مالي في ظاهره… وتحول عالمي في جوهره إلا أن القراءة المتأنية لمضمونه وسياقه التاريخي والجيوسياسي تكشف أنه يحمل أبعادًا أعمق بكثير. فهذا القانون لا يعالج قطاعًا ماليًا ناشئًا فحسب، بل يؤشر إلى تحوّل جذري في بنية النظام النقدي والمالي العالمي، وقد يكون من أخطر التحولات منذ فك ارتباط الدولار بالذهب عام 1971في ذلك العام، اتخذ الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون قرارًا تاريخيًا عُرف بصدمة نيكسون، أنهى فيه العلاقة بين الدولار والذهب، وأسّس لنظام العملات الورقية الإلزامية.

* اليوم، وبعد أكثر من خمسين عامًا، لا يبدو أن واشنطن تتراجع عن هذا النموذج، بل تقوم بتحديثه وتطويره عبر أدوات رقمية أكثر كفاءة وانتشارًا. في هذا الإطار، يأتي قانون جينيوس ليمنح العملات المستقرة شرعية قانونية كاملة، بشرط أن تكون مدعومة باحتياطيات قائمة أساسًا على سندات الخزانة الأميركية قصيرة الأجل.

* هذا الشرط هو جوهر التحول الجديد، إذ يحوّل الطلب العالمي على الدولار الرقمي إلى طلب مباشر ومنهجي على الديون الحكومية الأميركية. وبهذه الآلية، لم يعد تمويل العجز الأميركي يعتمد فقط على الدول الكبرى أو المصارف المركزية، بل أصبح مرتبطًا بملايين الأفراد والشركات حول العالم.

* وهكذا، تنتقل الولايات المتحدة من مرحلة طباعة الدولار داخل نظامها المصرفي، إلى مرحلة تصنيع الطلب العالمي عليه عبر الفضاء الرقمي. (بدلا من طبع المزيد من دلارات ورقية لا غطاء ذهبيا لها يتم إنتاج دولارات رقمية لا قيمة ولا ورق لها.ع.ل)

* إن هذا النموذج يسمح لواشنطن بتخفيف الاعتماد على طباعة النقود التقليدية، وما يرافقها من ضغوط تضخمية داخلية، لكنه في المقابل يوزّع كلفة هذا التوسع النقدي على مستخدمي الدولار الرقمي في مختلف دول العالم. وبذلك، تتحول السياسة النقدية الأميركية من سياسة وطنية ذات آثار عالمية غير مقصودة، إلى سياسة عالمية تُمارَس بشكل غير مباشر عبر الأدوات الرقمية.

* من هنا جاءت التحذيرات التي صدرت عن مسؤولين روس، ومن بينهم مستشارين للرئيس فلاديمير بوتين، والحقيقة انها لم تأتِ من فراغ. فقد جرى التحذير من دفع العالم نحو ما يشبه السحابة المالية الخاضعة للإدارة الأميركية.

* ففي النظام المالي التقليدي، تمر الأموال عبر مصارف وطنية تخضع لقوانين محلية، وتعتمد على شبكات دولية لتحويل الأموال، ما يترك هامشًا من السيادة والقدرة على المناورة. أما في النظام الجديد القائم على العملات المستقرة، فإن الأموال تتحول إلى وحدات رقمية تعمل على شبكات سلسلة الكتل وتُدار عبر شركات مُصدِرة ملزمة بالقانون الأميركي.

* وهكذا، لا يعود الدولار مجرد أداة تبادل أو مخزن للقيمة، بل يتحول إلى أداة نفوذ سياسي واقتصادي مباشر. فأي تراجع في قيمة الدولار أو توسع في كتلته النقدية لن تتحمل نتائجه الولايات المتحدة وحدها، بل سيتوزع على كل من يحتفظ بهذه العملات في الخارج، فيما يمكن وصفه بأنه تدويل للتضخم (Globalized inflation).

* في المقابل، لا تشير هذه التحولات إلى انهيار وشيك للدولار، بل إلى إعادة تشكيل دوره. فالدولار لا يفقد مكانته، بل يتحول إلى صيغة رقمية أكثر مرونة وانتشارا، خصوصًا في الدول التي تعاني من ضعف عملاتها الوطنية..

* أما الدول النامية، فتواجه في هذا السياق مخاطر مضاعفة. فسهولة الوصول إلى الدولار الرقمي قد تؤدي إلى تسارع ظاهرة الدولرة بصيغة رقمية، ما يضعف قدرة الدول على إدارة سياساتها النقدية، ويزيد من هشاشة اقتصاداتها، ويفتح الباب أمام أزمات مالية واجتماعية حادة. وفي المقابل، تستفيد الولايات المتحدة من هذا الانتشار الواسع للدولار الرقمي في تثبيت الطلب على ديونها العامة وتأجيل معالجة أزمتها البنيوية.

* خلاصة القول إن قانون جينيوس لا يمكن فهمه كتشريع مالي معزول، بل كجزء من إعادة هندسة شاملة للنظام الدولي. نحن أمام تشكّل نظام سياسي ومالي ونقدي واقتصادي جديد، تُعاد فيه صياغة أدوات القوة، وتُستبدل فيه البوارج العسكرية بالخوارزميات، والعملات الورقية بالسيولة الرقمية القابلة للبرمجة.

* وعليه نحن لا نعيش مجرد تحديث تقني مالي، إنه انتقالُ تاريخيٌ في معنى المال والسلطة والسيادة. وفي مثل هذه اللحظات، لا تكون المعرفة ترفًا فكريًا، بل شرطًا أساسيًا للبقاء في عالم تتغيّر قواعده بسرعة هائلة نحو حافة الهاوية.

* وقد حاولت إحدى المدونات "كوثر كوكي" على مواقع التواصل الاجتماعي أن تبسط المعلومات السالفة في عبارات سهلة وواضحة فكتبت: "إن هذا القرار هو أخطر حدث مالي في التاريخ الحديث تحاول الولايات المتحدة من خلاله إذابة دين مقداره 36 تريليون دولار، وإعادة إحكام السيطرة على الاقتصاد العالمي، من خلال قانون GINEUS Act

* قانون يبدو تقنيًا في ظاهره، لكنه في الحقيقة قد يكون أكبر تحول نقدي منذ 1971 "صدمة نيكسون". لأن هذا القانون يفتح الباب أمام أمريكا لتمويل عجزها التجاري والمالي عبر Stable- coins مدعومة بسندات الخزانة — بطريقة أذكى وأهدأ من طباعة الدولار التقليدية.

* في السابق، كانت هذه العملات تعمل في منطقة رمادية. لكن القانون الجديد يضفي عليها الشرعية الكاملة، بشرط واحد جوهري: أن تكون احتياطيات هذه العملات مدعومة بشكل أساسي بسندات الخزانة الأمريكية قصيرة الأجل والديون الحكومية.

هنا تكمن المعجزة المالية لواشنطن: فالولايات المتحدة تعاني من عجز ديون هائل يتجاوز 35 تريليون دولار. لتمويل هذا العجز، تحتاج الحكومة دائمًا إلى مشترين لسنداتها. في الماضي، كانت الصين واليابان والسعودية هم المشترين الكبار. لكن مع تراجع شهية هذه الدول للديون الأمريكية، ظهرت فجوة خطيرة.

* قانون جنيس آكت يخلق "مشتريًا جديدًا ومصطنعًا" لا يشبع: مستخدمو الإنترنت حول العالم. مثلا: مواطن في الأرجنتين يريد حماية مدخراته من التضخم، فيشتري دولارات رقمية ستابلكوان. أو شركة في فيتنام تستخدم هذه العملات للدفع لمورد في نيجيريا لتسريع التسوية. كل دولار رقمي يتم إصداره لتلبية هذا الطلب العالمي، يجب أن يُقابل بشراء سندات خزانة أمريكية من قبل الشركة المصدرة. النتيجة؟ كلما زاد اعتماد العالم على الدولار الرقمي، زاد الطلب التلقائي على الديون الأمريكية. هذا يعني أن واشنطن وجدت طريقة لتمويل عجزها المالي ليس عبر طباعة النقود (التي تسبب تضخمًا محليًا مباشرًا)، بل عبر توسيع قاعدة مستخدمي الدولار ليشمل كل شخص لديه هاتف ذكي وإنترنت، دون الحاجة لفتح حساب بنكي تقليدي.

* الرسالة واضحة: عصر "الاحتفاظ بالكاش" تحت البلاطة أو في حسابات بنكية راكدة قد انتهى. نحن في عصر تتصارع فيه القوى العظمى على "قيمة ما في جيبك". الدولار يعيد تسليح نفسه تقنيا، والذهب يتمسك ببريق آلاف السنين، والبيتكوين يبني سفينة نوح رقمية. في هذا المشهد المعقد، المعرفة ليست ترفًا، بل هي درعك الوحيد. لا تكن مجرد متفرج بينما تُعاد صياغة قواعد المال العالمي". انتهى الاقتباس.

* أختم بالقول؛ إن العديد من المتخصصين الماليين والاقتصاديين يشكون في أن هذا التطور أو الانقلاب المالي على الصعيد العالمي سينقذ الدولار وبالتالي الاقتصاد الدولاري من أمراضه وأزماته المستعصية ولن يشفيه من الهشاشة التي يعاني منها فهذا النظام المسمى "جينيس آكت" سينقل الدولار الورقي عديم الغطاء الذهبي بأمراضه وازماته وديونه وتضخمه إلى دولار إلكتروني رقمي أكثر هشاشة وأكثر عرضة للانهيار ولكن على المستوى العالمي هذه المرة. والمرجح أن الدول الكبرى الصاعدة اقتصاديا وخصوصا في مجموعة البريكس لن تتفرج على هذا التطور الخطير والذي تقوم الولايات المتحدة من خلاله بتحميل وتوزيع ديونها على دول العالم أجمع دون وجه حق أو مبرر غير القوة المسلحة والسلاح النووي بحوزتها، وستلجأ دول العالم المتضررة بكل تأكيد للقيام بفك ارتباطها بالعملات الرقمية الدولارية الأميركية وتصنع هي ذاتها عملات رقمية محلية خاصة بها وقابلة للتحويل عن طريق النظام الصيني "بريكس بي" وغيره.

***

علاء اللامي - كاتب عراقي

توجهات الذكاء الاصطناعي وتحدياته كانت محوراً بارزاً في نقاشات «المنتدى الاقتصادي العالمي»، خلافاً للاعتقاد الذي ساد قبيل انعقاده، وفحواه أن سخونة الأجواء السياسية لن تفسح مجال نقاش لغيرها.

ومنذ إنشاء المنتدى الذي ينعقد سنوياً في مدينة دافوس السويسرية، كان الاقتصاد هو الموضوع الرئيس لأعماله. لكن السياسة الدولية تأخذ هي الأخرى اهتماماً غير قليل، بالنظر لكثافة حضور السياسيين وقادة الدول، فضلاً عن رؤساء الشركات الكبرى، الذين يهمهم معرفة اتجاه السياسة الدولية، من فم صناعها، وليس نقلاً عنهم.

يتأثر الاتجاه العام للمنتدى بالهموم الكبرى التي تشغل بال النخبة. ومن هنا، فإن بروز الذكاء الاصطناعي على أجندة المنتدى في السنوات الثلاث الأخيرة، يوضح أن شريحة مؤثرة من نخبة العالم، لا سيما بين رجال الأعمال والأكاديميين والمفكرين، تتعامل معه كتحدٍ جدي لنظم الاقتصاد والثقافة السائدة في العالم كله.

تتخذ نقاشات الذكاء الاصطناعي مسارات متنوعة، فبعضها يركز على معنى أن تكون الآلة ذكية، وإمكانية أن تتجاوز ذكاء البشر، أو حتى أن تتحول من أداة تنفذ إرادة صانعيها، إلى قوة مستقلة عنهم. وثمة نقاشات تهتم بالوظائف التي ستزول أو تتقلص مع توسع الأجهزة الذكية وقيامها بالكثير من الأعمال التي ما زالت تعتمد على الجهد البشري، الفكري والبدني. إضافة بالطبع إلى النقاشات الخاصة بالجبروت الذي يمكن أن ينشأ عن تمركز الأنظمة الفائقة الذكاء في عدد قليل من الدول، واحتمال أن تستثمرها في إخضاع المجتمعات الأخرى.

أسهمت تلك النقاشات في تشكيل فهم متقارب، لأبرز التحديات والتحولات التي يتوقع أن يشهدها العالم، في ظل النفوذ المتفاقم لتطبيقات الذكاء الاصطناعي في تفاصيل حياتنا اليومية، من التجارة إلى التعليم والطب والهندسة والبحث العلمي، وغيرها. ومع تبلور فهم توافقي، تتجه النقاشات الأحدث إلى مسائل أكثر عمقاً، لا سيما تلك المتعلقة بتأثيره المحتمل على أنماط العيش وعلاقة الناس ببعضهم، واتجاهات الثقافة.

تسهِم الأنظمة الفائقة الذكاء في تقليص المسافة بين الفكر والعمل، بل إلغائها في حالات كثيرة؛ ما يتيح وقتاً أوسع لعمل الإنسان ويزيد من تطلعاته. لكن هذه الإضافة بالذات تجعل الوسيلة، أي الآلة، مؤثرة في تحديد موضوع العمل ومنتجاته، وبالتالي فهي تسهِم بعمق أكبر في إعادة تعيين المسار الاقتصادي وطرق التعامل بين الناس.

لتوضيح هذه المسألة، انظر كيف أن دخول السيارة في سوق العمل أثر على اتجاهات العمل وقيمته، وعلاقة العاملين مع بعضهم ومع أرباب عملهم. ويقال الشيء نفسه عن تأثير الهاتف النقال على العلاقات بين الناس، فقد زاد التعاملات التجارية، حين اختصر المسافة الزمنية بين الفكرة والعمل والناتج، لكنه – في الوقت نفسه - غيّر إلى حد كبير مضمون وكيفية علاقة الناس ببعضهم، بل أثر أيضاً على مواضيع العلاقة بين الناس.

هذا النوع من التأثير يثير أسئلة جدية حول قدرة الإنسان على التحكم في حياته، بما فيها القيم الناظمة لعلاقته مع جيرانه وأصدقائه وشركائه، والقضايا التي تدور حولها هذه العلاقة. لا ينبغي أن يقتصر النقاش في أمر كهذا على الجانب التقني، كما لا ينبغي أن نقتصر على إظهار القلق أو تخويف بعضنا بعضاً. نحن في حاجة إلى تكرار التأكيد على المبادئ الجوهرية التي تدور حولها حياة الإنسان، وكفاحه اليومي من أجل حياة أفضل. ولا شك أن أبرز تلك المبادئ وأعلاها أهمية هي بقاء الإنسان مسيطراً على مصيره، ساعياً إلى تعزيز كرامته، محافظاً على استقلال إرادته.

التأكيد على هذه المبادئ ضروري جداً في عالم تديره الآلات، أو تشكل القوة الحاسمة في تلبية احتياجاته. نحن في حاجة إلى التساؤل دائماً عما إذا كنا نسعى للتطور المادي؛ لأنه هدف بذاته، أو من أجل زيادة المال، أم لأنه يخدم هدفاً أعلى، يتعلق مباشرة بالوجود الإنساني، أي تعزيز كرامة الإنسان وبقائه في مركز الوجود.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

 

الرئيس خوسيه موخيكا إنموذجاً

في زمن تتكاثر فيه صور الحاكم المتعالي، المتشبث بالسلطة، المنفصل عن واقع شعبه، تبرز شخصية الرئيس الأوروغواياني خوسيه (بيبي) موخيكا بوصفها استثناءً أخلاقيا وسياسيا نادرا، لا لأنه امتلك كاريزما خطابية صاخبة أو قوة عسكرية، بل لأنه قدّم نموذجا مختلفا لمعنى السلطة نفسها. لقد تحوّل موخيكا، الذي لُقّب بـ (الرئيس الفقير)، إلى رمز عالمي للإنسان المعتدل، غير الدكتاتور، وغير السارق لبلده وشعبه، في عالم باتت فيه السلطة مرادفا للثراء الفاحش والقمع والفساد.

لم يكن موخيكا سياسيا تقليديا جاء من أروقة النخب المغلقة، بل ابن تجربة إنسانية قاسية ومعقدة. عاش سنوات طويلة من النضال، والسجن، والعزلة، وتعرّض لأقسى أشكال القمع في بلده خلال فترات الحكم العسكري. هذه التجربة لم تحوّله إلى حاكم انتقامي أو متعطش للسلطة، بل صقلت لديه وعيا عميقا بقيمة الحرية، وبحدود القوة، وبأن الإنسان يمكن أن يربح الكثير حين يتخفف من وهم الامتلاك والسيطرة.

حين وصل موخيكا إلى رئاسة الأوروغواي، لم يتعامل مع المنصب بوصفه امتيازا، بل مسؤولية أخلاقية. رفض الإقامة في القصر الرئاسي، وفضّل أن يعيش في منزله الريفي المتواضع، ويقود سيارته القديمة، ويتبرع بمعظم راتبه الرئاسي لمشاريع اجتماعية. لم يكن هذا السلوك استعراضا إعلاميا، بل امتدادا طبيعيا لقناعة راسخة لديه بأن الحاكم الذي ينفصل عن حياة الناس اليومية يفقد تلقائيا قدرته على فهمهم وخدمتهم.

في عالمنا اليوم، حيث يقاس (نجاح) القادة بعدد القصور التي يملكونها، والحسابات البنكية التي يكدسونها، والتحالفات العسكرية التي يبرمونها، يبدو نموذج موخيكا صادما ومربكا. فهو لم يقد بلاده عبر التخويف أو عسكرة المجتمع، ولم يحتج إلى صناعة عدو دائم ليبرر بقاءه في السلطة. بل على العكس، آمن بأن الاستقرار الحقيقي ينبع من العدالة الاجتماعية، ومن بناء الثقة بين الدولة والمواطن، لا من القمع ولا من تكميم الأفواه.

لم يكن موخيكا معصوما من الخطأ، ولم تكن تجربته مثالية أو خالية من التحديات، لكنه قدّم نموذجا نادرا لرئيس لا يرى في الشعب وسيلة للبقاء في الحكم، بل غاية للحكم نفسه. لقد حكم بلاده وهو يدرك أن السلطة مؤقتة، وأن ما يبقى في النهاية هو الأثر الأخلاقي والإنساني، لا عدد السنوات في الكرسي. لذلك غادر الحكم بهدوء، دون أن يورّث السلطة، أو يغيّر الدستور، أو يزرع الألغام السياسية لمن يأتي بعده.

إن لقب (الرئيس الفقير) الذي أُطلق على موخيكا لا يعكس فقرا ماديا بقدر ما يعكس غنى أخلاقيا نادرا. ففي زمن تُنهب فيه ثروات الدول باسم الوطنية، ويُدفع فيه الشباب إلى الهجرة، وتُترك الشعوب في الجوع واليأس، اختار موخيكا أن يكون رئيسا يعيش مثل مواطنيه، لا فوقهم. لم تتراكم الثروات في عهده، ولم تُستنزف البلاد في مغامرات عسكرية أو صراعات عبثية، بل ساد منطق الدولة التي تسعى إلى تحسين حياة الناس، لا استعراض القوة عليهم.

وإذا قارنّا هذا النموذج بما تشهده كثير من الدول اليوم، نرى الفارق الأخلاقي الهائل. رؤساء وحكام يتحدثون باسم الوطنية، بينما يهرّبون الأموال، ويتركون بلدانهم غارقة في الديون، والحروب، والانقسامات، ويحوّلون السلطة إلى وسيلة للإثراء الشخصي أو العائلي. في مقابل ذلك، يقدّم موخيكا صورة الرئيس الوطني الحقيقي، الذي يفهم الوطنية بوصفها التزاما بخدمة الإنسان، لا شعارا يُرفع لتبرير الفشل أو القمع.

لقد كان موخيكا ناقدا شرسا للنزعة الاستهلاكية التي تحكم العالم المعاصر، وكان يرى أن كثيراً من أزمات البشر ناتجة عن الجشع، لا عن نقص الموارد. هذا الوعي لم يكن خطابا فلسفيا مجردا، بل ممارسة سياسية انعكست في سياساته الاجتماعية، وفي طريقته البسيطة في العيش. كان يؤمن بأن الدولة لا يمكن أن تطلب من الناس التقشف بينما يعيش حكامها في ترف فاحش، وأن العدالة تبدأ من القمة.

ما يجعل تجربة موخيكا ملهمة ليس فقط سياساته، بل لغته الصادقة، غير المتعالية. كان يتحدث كبشر يخاطب بشرا، لا كزعيم يعتلي منصة. لم يُقسّم شعبه إلى خونة وموالين، ولم يُشيطن معارضيه، بل اعتبر الاختلاف جزءا طبيعيا من الحياة السياسية. وهذا بحد ذاته درس عميق في زمن تحوّلت فيه السياسة إلى ساحة كراهية وتخوين.

إن الحديث عن خوسيه موخيكا اليوم ليس مجرد استعادة لسيرة رئيس سابق، بل هو تذكير بأن السياسة يمكن أن تكون أخلاقية، وأن السلطة لا يجب أن تعني الفساد، وأن الوطنية لا تُقاس بعدد الشعارات، بل بمدى حماية كرامة الإنسان. فموخيكا لم يترك بلدا غارقا في الحروب، ولا شعبا هاربا عبر البحار، بل ترك تجربة تقول إن الحكم يمكن أن يكون خدمة، لا غنيمة.

في عالم عربي وعالمي مثقل بخيبات الأمل، تبدو سيرة موخيكا كمرآة مؤلمة، لكنها ضرورية. مرآة تطرح سؤالا بسيطا وعميقا في آن واحد: هل المشكلة في شعوبنا، أم في نماذج الحكم التي فُرضت علينا؟ لقد أثبت (الرئيس الفقير) أن الفقر الحقيقي ليس قلة المال، بل غياب الضمير، وأن أغنى الرؤساء هم أولئك الذين يخرجون من السلطة وأيديهم نظيفة، وبلدانهم أقل وجعا، وشعوبهم أكثر أملا.

ويمكن إضافة بُعد آخر لتجربة خوسيه موخيكا يجعلها أكثر راهنية اليوم، وهو قدرته على الفصل بين الزهد الشخصي والشعبوية الزائفة. فموخيكا لم يستخدم بساطته لاستدرار العاطفة أو لتلميع صورته، ولم يحوّل فقره الشخصي إلى أداة دعائية، بل ظل حريصا على التأكيد أن جوهر التجربة ليس في نمط العيش بحد ذاته، وإنما في معنى السلطة وحدودها. كان يقول بوضوح إن المشكلة ليست في المال، بل في أن يتحول المال إلى هدف للحكم، وأن يُختزل الإنسان في كونه وسيلة للربح أو البقاء السياسي.

كما أن تجربة موخيكا تكشف أن الاعتدال لا يعني الضعف، وأن التواضع لا يتناقض مع الحزم في اتخاذ القرار. فقد استطاع أن يقود بلاده ضمن مؤسسات ديمقراطية مستقرة، وأن يمرر إصلاحات اجتماعية واقتصادية دون اللجوء إلى القمع أو التخويف. وهذا ما ينسف الفكرة السائدة لدى كثير من الحكام بأن الاستبداد شرط للاستقرار، وأن القسوة ضرورة للحكم.

إن استحضار موخيكا اليوم ليس نوعا من الحنين الرومانسي، بل دعوة لإعادة التفكير في معايير القيادة السياسية. ففي عالم تزداد فيه الفجوة بين الحاكم والمحكوم، يذكّرنا هذا الرجل بأن أبسط أشكال النزاهة قد تكون أكثر ثورية من أعنف الخطب، وأن أخطر ما يهدد الأوطان ليس الفقر وحده، بل حكام لا يشبهون شعوبهم، ولا يشعرون بآلامهم، ولا يرون في الوطن سوى مورد يُستنزف لا أمانة تُصان.

***

د. عصام البرّام

بين القومية والمواطنة.. رؤية يسارية لبدائل التحرر

المقدمة: يشهد الشرق الأوسط صراعات قومية دموية خلفت ملايين الضحايا والمشردين. تمثل القضية الكردية أحد أهم هذه الصراعات، حيث يتوزع الأكراد على أربع دول: تركيا، إيران، العراق، وسوريا. السؤال الجوهري: ما الحل الممكن الآن للقضية الكردية؟ هل في بناء دول قومية منفصلة، أم في النضال من أجل دولة المواطنة والحقوق المتساوية؟

كان هناك ولا يزال اضطهاد قومي صارخ ضد الأكراد. في العراق، بلغت الوحشية ذروتها في حملات الأنفال وقصف حلبجة بالأسلحة الكيماوية وسياسات "التعريب". في سوريا، الحزام العربي وإحصاء 1962 الذي جرد مئات الآلاف من جنسيتهم، واليوم في كانون الثاني 2026، يتجدد هذا المسار عبر الهجوم العسكري على مناطق سيطرة قسد. في تركيا، تصنيف الأكراد كـ"أتراك الجبال" وتدمير آلاف القرى. في إيران، القمع المركب تحت النظام الثيوقراطي والإعدامات والتهميش الاقتصادي.

لكن هذه السياسات لم تستهدف الأكراد وحدهم، فالدكتاتورية التي تسحق الهوية الكردية هي ذاتها التي تقمع كافة المواطنين. النضال ضد الاضطهاد القومي جزء من النضال العام ضد الاستبداد الطبقي والسياسي. مواجهة الاضطهاد الحقيقي لا تتحقق عبر استبدال قومية مهيمنة بأخرى، وإنما عبر تفكيك أسس الدولة القومية الإقصائية نفسها، وبناء دولة ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية.

من ''القومية المظلومة'' إلى سلطة حاكمة

في إقليم كردستان العراق، تحولت ''القومية المظلومة'' إلى سلطة حاكمة تواجه اتهامات بممارسات قمعية وفساد منظم. الحزبان الرئيسيان كرسا بنية حكم عائلية عشائرية. اندلعت حرب أهلية دموية بينهما (1994-1998) راح ضحيتها آلاف الأكراد، سببها الصراع على النفوذ والموارد وليس التحرر القومي. الفساد مستشر، والرواتب منقطعة لأشهر، والتظاهرات الشعبية ضد البطالة والفساد تُقمع، فيما يستمر الحزبان في احتكار ثروات الإقليم.

في سوريا، تحولت قسد إلى سلطة تتركز بيدها القرارات السياسية والعسكرية، مع هامش محدود للتعددية. رغم إصلاحات تقدمية في الجوانب الاجتماعية ومشاركة المرأة، لكنها بقيت محكومة بسقف طبقي وسياسي، ولم تمس جوهر بنية السلطة القائمة على الاحتكار السياسي. سُجلت انتهاكات لحقوق الإنسان، منها تجنيد الأطفال والاعتقال وقمع وتعذيب المعارضين.

الخطاب القومي خرج من كونه أداة تحرر، وتحول إلى غطاء أيديولوجي لتبرير الاستبداد وقمع المعارضين، وإعادة إنتاج علاقات السيطرة نفسها. المظلومية القومية التاريخية لا تمنح صك غفران لأي سلطة لتمارس القمع. تحول ''القومية المظلومة'' إلى ''أداة قمع واستبداد'' يمثل الهزيمة الأخلاقية الكبرى للمشروع التحرري، ويثبت أن الخلل في بنية الدولة القومية الإقصائية ذاتها.

تهميش النضال الطبقي وخطر الحروب الأهلية

الصراعات القومية تحمل خطر دفع المجتمعات نحو التعصب وحروب أهلية، تكون فيها الجماهير الكادحة وقوداً لصراعات لا تخدم مصالحها. الخطاب القومي الإقصائي يحول الصراع من صراع طبقي بين الجماهير الكادحة والطبقات الحاكمة، إلى صراع قومي وهوياتي زائف. الصراعات القومية أداة فعالة لإضعاف النضال الطبقي وتفكيك الوعي الاجتماعي للجماهير، وإلهائها عن قضاياها اليومية المرتبطة بالحقوق والعمل والرواتب والخدمات والعدالة الاجتماعية.

تحت غطاء الدفاع عن القومية، يتم تهميش الصراع الطبقي، وتبرير الاستغلال، وتحصين السلطات من المساءلة. تتحول الأزمات الاقتصادية والفساد والاستبداد من نتاج سياسات طبقة ملموسة إلى نتائج ثانوية لصراع قومي مفتعل. هكذا تؤدي الصراعات القومية إلى تصاعد خطاب الحرب والكراهية، وتفريغ النضال الاجتماعي من مضمونه، وقطع الطريق أمام بناء حركة طبقية يسارية موحدة عابرة للقوميات. مهمة اليسار هي الاستناد إلى الهوية الإنسانية والأممية، والتضامن مع معاناة جميع المدنيين ضحايا الدكتاتورية والحروب، بغض النظر عن العرق أو الدين أو الطائفة. التضامن الانتقائي، الذي يحصر التعاطف في عرق أو طائفة معينة، تفكير لا إنساني زائف، يساهم في تكريس التعصب، وتعميق الانقسام، وإضعاف أي مشروع تحرري قائم على العدالة والمساواة.

هل الدولة القومية ممكنة الآن؟

الظروف الموضوعية غير مناسبة لمشروع الدولة القومية الكردية. المناطق الكردية محاطة بقوى إقليمية معادية (تركيا، إيران، والدول العربية)، ولا تملك الحركات القومية دعماً دولياً حقيقياً. الدعم الأمريكي ظرفي ومرتبط بمصالح آنية. حتى لو تحققت دولة كردية، ما الذي يضمن بقاءها في ظل إحاطتها بدول استبدادية، أو يضمن عدم تحولها إلى نموذج دكتاتوري جديد؟ التجربة في إقليم كردستان العراق وسوريا شاخصة: حكم عشائري-حزبي، ممارسات استبدادية، فساد واسع، وانتهاكات لحقوق الإنسان.

من الضروري التحدث بوضوح عن حقيقة ديموغرافية: كثير من المناطق ليست ذات أغلبية قومية واحدة. كيف يمكن بناء مشروع قومي على أراض جزء من سكانها من قوميات أخرى؟ هذه المشكلة تخلق توترات حادة، وتفتح الباب لاتهامات بممارسة "التعريب" و"التكريد" و"التتريك". من الصعب بناء دولة قومية في مناطق متعددة القوميات دون خلق ظلم قومي جديد.

المراهنة على الدول الكبرى وبالأخص أمريكا

بعض الحركات القومية الكردية بنت ومازالت كثيرا من مشاريعها على الدعم الامريكي. امريكا، كأكبر قوة رأسمالية في العالم، تدعم معظم الانظمة الرجعية، ولم تكن يوما في صف الشعوب المضطهدة. وجودها في المنطقة يهدف اساسا الى ضمان مصالحها الاستراتيجية وتعزيز هيمنتها. تحالف امريكا مع القوى الكردية في سوريا والعراق جاء لسد فراغ ناتج عن غياب قوات برية امريكية كبيرة.

في الآونة الاخيرة، شهد هذا التحالف في سوريا تحولا واضحا باتجاه احمد الشرع والحكومة المركزية، علما ان الشرع لم ينتخب ديمقراطيا، وكان حتى وقت قريب على قائمة الارهاب العالمي، وهو ما يكشف بوضوح ان امريكا لا تهتم الا بمصالحها الاستراتيجية، ولا علاقة لها بالديمقراطية او القيم الانسانية التي تدعيها. هذا التحالف وقتي وهش، تحكمه المصالح الامريكية، ويضفي شرعية على التدخل الامريكي.

السياسة الأمريكية تنطلق من مصالحها الاستراتيجية، وليس من التزام أخلاقي تجاه الشعوب. لدينا أمثلة كثيرة على تخليها عن حلفائها: الأكراد في العراق عام 1975، والأفغان بعد انسحاب السوفييت. المراهنة على القوى الرأسمالية الكبرى مراهنة على ''سراب سياسي''. هذه القوى لا ترى في الحركات القومية ''حلفاء''، وإنما ''بيادق'' في رقعة شطرنج جيوسياسية، تباع وتشترى في صفقات الغرف المظلمة.

دولة المواطنة والحقوق بهوية إنسانية

يجب التمييز بين المطالبة بالحقوق الثقافية واللغوية والإدارية للأكراد وبقية الأقليات، وبين المطالبة بدولة قومية منفصلة. هذه الحقوق مطالب مشروعة يجب أن يدعمها كل يساري، من الاعتراف الدستوري بالتعددية إلى اللامركزية الإدارية. النضال من أجلها في ظل التوازنات الجيوسياسية القائمة من الأنسب أن يكون في إطار دولة مواطنة متساوية عابرة للقوميات والأديان. البديل الممكن اليوم ليس في بناء دول قومية جديدة تعيد إنتاج الانقسامات، وإنما في دولة المواطنة التي تحيد القومية والدين عن السلطة، وتقيد تشكيل الأحزاب على أسس قومية أو دينية، ليكون محور النضال هو سيادة القانون والمساواة والعدالة الاجتماعية.

هذا الانتقال مسار تدريجي يتطلب آليات دستورية واضحة تضمن عدم عودة المركزية. من هنا يبرز نموذج الفيدرالية الجغرافية (الإدارية) كبديل للفيدرالية القومية؛ بحيث تمنح الأقاليم سلطات واسعة في إدارة شؤونها، مما يفرغ الصراع من شحنته العرقية ويحوله إلى تنافس على الرفاه. ويجب أن يقترن ذلك بـ"الدسترة الشاملة للهويات" لضمان الحقوق الثقافية لكل المكونات، وبناء مؤسسات رقابية وقضاء مستقل.

التجارب الدولية تثبت إمكانية بناء هذا النموذج؛ فسويسرا نجحت عبر اللامركزية في استيعاب أربع لغات رسمية، وجنوب أفريقيا اختارت المواطنة، وفي الهند وبوليفيا وإسبانيا، نجد محاولات لإدارة التنوع عبر الحكم الذاتي والاعتراف بالتعددية دون تفكيك الدولة. هذه الأمثلة ليست مثالية، لكنها تؤكد أن البديل عن الدولة القومية الإقصائية ليس حلماً طوباوياً، وهو مشروع قابل للتحقيق.

قد يُطرح أن دولة المواطنة حلم طوباوي في ظل الواقع الحالي. لكن هذا الاعتراض يتجاهل حقيقة أساسية: مشروع الدولة القومية المنفصلة هو الأكثر طوباوية في الظروف الراهنة. الحديث عن دولة كردية مستقلة ومستقرة ومحاطة بدول معادية، دون دعم دولي حقيقي، وفي مناطق متعددة القوميات، حلم بعيد المنال. أما دولة المواطنة فمشروع تدريجي واقعي يبدأ بخطوات ملموسة: دسترة الحقوق القومية، بناء مؤسسات ديمقراطية، تطبيق اللامركزية، وتعزيز سيادة القانون.

لا يعني هذا التقليل من أهمية الهوية القومية أو معاداة الحقوق القومية المشروعة. ليست هنا المطالبة بإلغاء الهوية القومية، وإنما الدعوة إلى عدم تحويلها إلى أساس لبناء السلطة وإلى أداة للتمييز والإقصاء. الهوية القومية حق ثقافي ولغوي يجب حمايته، لكن الدولة يجب أن تُبنى على أساس المواطنة المتساوية لا على أساس الانتماء العرقي. المسألة في رفض استخدام الهوية القومية كغطاء لتبرير الاستبداد أو لتحويل الصراع الاجتماعي إلى صراع قومي يخدم مصالح النخب الحاكمة.

حق تقرير المصير والعقلانية الواقعية

مع تأييدي الكامل للحق الشرعي للشعب الكردي وكل الشعوب لتقرير المصير بما فيه الانفصال، إلا أنني لا أرى أن الظروف العالمية والإقليمية مناسبة الآن للانفصال وإعلان دول قومية جديدة. علينا أن ننبذ الوحدة القسرية وأن ندعم التعايش والوحدة الطوعية على أساس المواطنة المتساوية، وفي نفس الوقت نؤيد حق تقرير المصير، إذا كان سيعطي حقوقاً ومساواة أكثر وحياة وأماناً أفضل وصراعات أقل.

هذا الموقف ليس معاداة للتحرر القومي الكردي أو تقليلاً من عدالة قضيته التاريخية، وإنما دفاع عن جوهر التحرر نفسه من التشويه الذي تلحقه به المشاريع البرجوازية القومية حين تحول النضال التحرري إلى سلطة واستبداد وفساد. في الظروف الراهنة، الجماهير الكادحة تُجر إلى حروب وصراعات قومية، وستتعرض لأزمات اقتصادية وسياسية أعمق من أجل كيانات قومية قد تواجه خطر التحول إلى نموذج استبدادي آخر.

كماركسيين ويساريين، علينا أن نتعامل بعقلانية علمية وندرس الظروف المحلية والإقليمية والدولية، وموازين القوى الطبقية وقدراتنا وقدرات "أعدائنا"، والإمكانيات الواقعية لتحقيق الحلول. يجب تجنب جر الجماهير إلى حروب قومية خاسرة ومدمرة، حيث إنها لن تخلق غير المآسي الكبيرة للمدنيين وخسائر بشرياً واقتصادياً وسياسياً وعسكرياً لكل الأطراف. الاستناد إلى العقلانية والواقعية ضروري، وليس إلى "البطولات القومية" و"العزة القومية" و"مواجهة العدو القومي بكل السبل". هذا الخطاب لا يحقق النصر، وإنما يجر الجماهير إلى مزيد من الحروب والدمار.

مهمات اليسار وبناء البديل داخل دولة المواطنة

مهمتنا كيسار اليوم هي فصل خطنا عن كل أطراف الصراع القومي، والنضال من أجل دولة تقوم على المواطنة والحقوق المتساوية والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان، لا على أساس قومي أو طائفي. الطريق طويل وصعب، لكنه الطريق الوحيد القادر على الوصول إلى حل حقيقي ومستدام للمسألة القومية، بعيداً عن الحروب والصراعات التي لا تنتج سوى المآسي للجماهير.

يمكن لليسار أن ينظم نفسه عملياً عبر بناء تنظيمات سياسية ونقابية وجماهيرية عابرة للقوميات والطوائف، تنطلق من المصالح المادية المشتركة لشغيلات وشغيلة اليد والفكر، وتربط النضال من أجل الحقوق القومية بالمعركة الاجتماعية ضد الاستغلال والفساد والاستبداد وتحقيق البديل الاشتراكي. هذا المسار يتطلب استقلالاً سياسياً وتنظيمياً كاملاً لليسار عن كل أشكال القوى البرجوازية ذات الخطاب القومي، والعمل اليومي على توحيد الجماهير الكادحة حول برنامج ملموس للمساواة والعدالة الاجتماعية واللامركزية الديمقراطية والحريات.

الشعوب في منطقتنا ليست في حالة صراع فطري، ولم تولد محكومة بالكراهية والانقسام، وإنما هي ضحية لعمليات تجييش وتعبئة قومية منظمة، حيث تُدفع الجماهير الكادحة من مختلف القوميات إلى صراعات قومية دموية، لتتحول التضحيات الشعبية إلى وقود لتثبيت كراسي طغم برجوازية تتخذ من الخطاب القومي ستاراً لحماية مصالحها الطبقية. معركتنا الرئيسية ليست لتغيير الرموز القومية، ولا لون العلم، ولا لغة الحاكم، وإنما لتفكيك قيود الاستبداد والاستغلال والتعصب من جذورها، وبناء فضاء ديمقراطي اشتراكي إنساني يتسع للجميع. الطريق إلى حقوق الكردي وحريته يمر حتماً عبر حقوق وحريات جاره العربي والتركي والسرياني والإيراني، في ظل دولة لا تسأل المواطن عن أصله، وتضمن له خبزه وحريته، وتحترم كرامته الإنسانية.

***

رزكار عقراوي (يساري كردي من كردستان العراق)

أخذ الإسلام السّياسي، في أكثر مِن بلاد، وقته ودوره في السُّلطة، بعد تقديم شعاراته في المعارضة، أنه سيحقق العدل الإلهيّ على الأرض، ويثبّت الدِّين في قلوب الزائغين، لكن لو حقق العدالة، مثلما قدّمها، وهو في المعارضة، لا يأتي اليوم الذي يثور عليه الذين جذبتهم شعاراته، فأخيراً النَّاس لا تعلك الأفكار أو العقائد، المقدسة أو غير المقدسة، بل ينتظرون التنمية، وعدم جعلهم مشاريع استشهاد، لأجل العقيدة.

مارست ذلك الأحزاب، مِن خارج الإسلام السياسيّ، أيضاً، لكنَّ الأخير مسؤوليته أكبر وأخطر، لأنه ربط عقيدته السّياسية بالله والدين، إذا انتصر فهو بانتصار الدِّين وتأثيره في النَّاس، وإذا فشل حُسبَ فشله على الدّين أيضاً، وهنا يظهر الفصل عنده بين المؤمن والملحد، وفق القُرب منه والبُعد عنه، حتّى لو كان البعيد، المخالف له، حجةً مِن حجج الإسلام وفقهاءه الكبار، فالقيمة ليست المنزلة في الدين إنما المنزلة في السياسة، والمعارض أو المختلف السياسيّ، مهما كان متديناً يغدو متآمراً كافراً، لأنه اختلف مع العقيدة الدينية السياسية، والشّواهد كثيرة.

روي لما «أفضى الأمر إلى عبد الملك بن مروان، والمصحف في حجره يقرأه، فأطبقه، وقال: هذا آخر عهد بك»(البغدادي، تاريخ مدينة السَّلام)، وهي إشارة واضحة أنه سيحكم النَّاس بأسس دنيوية، فالسّياسة والحُكم لهما شأنهما، والروايات تذكر أن عبد الملك كان مشروع فقيه، قبل أن يتولى الخلافة بقليل (المصدر نفسه). وربّما معترض يشكك في الرواية، مع أنَّ الخطيب البغدادي (463هج) نقل الرواية بأسانيد ومِن وجوه مختلفة، لكنه يكفي أن المعلومة بُحثت ودوِّنت في القرن الخامس الهجري.

كذلك ينقل عن الصَّحابي ثُمامة بن عَدِي(بعد 35هج)، أمير صنعاء في عهد عثمان بن عفان(23-35هج)، لما بلغه قتل الخليفة، بعد الانحراف عن بساطة الحكم والمشورة: «طال بكاؤه، ثم قال: هذا حين انتزعت خلافة النَّبوة، من أمة محمَّد (ص) وصارت مُلكاً وجبرية! مَن غلب على شيء أكله»(ابن عبد البر، الاستيعاب)، يغلب على الظَّن أن الوصف ينطبق على الإسلام السياسي، فما السُّلطة في كلِّ صنوفها إلا مغالبة، وحتى الانتخابات التي تريد الأحزاب الدينية النفاذ عبرها إلى السُّلطة هي مغالبة ومفاضلة، وصرف مال وتقديم هذا على ذاك، واستخدام الشّعارات الدّينية فيها لإغراء النّاخبين.

لم يُقدم الإسلام السياسيّ، وقد نال السّلطة لعقود في أكثر مِن مكان وعلى اختلاف المذاهب، النموذج المتكافئ مع العقيدة الدّينية، لأنه سيحكم بالسّياسة لا بالدين، مثلما أشار إلى ذلك ما نُقل عن عبد الملك بن مروان. قد تبيح السِّياسة ما يمنعه الدِّين، في شأن تطبيق العدالة، وهي - أي السُّلطة - بيدها القوة التي تتفرد بها، لتحمي نفسها بشتى السُّبل، وهي تُصيب وتخطئ.

ولأبي العلاء المعري(449هج) ما يُعبر عن الحال: «جَهولٌ بالمَناسِكِ ليس يَدري/أغَيّاً باتَ يَفْعَلُ أم رَشادا/ طَموحُ السّيفِ لا يخْشَى إلهاً/ ولا يَرجو القِيامَةَ والمَعادا»(لزوم ما لايلزم)، والسَّيف هو السُّلطة، سواء كان صاحبها متديناً أو غير متدين، هذه حقيقة مارسها فقهاء كبار عندما تسلموا الزِمام، أباحوا وحرّموا حسب ما اقتضته الّسياسة لا الدّين.

لا نعتبر الجميع، مِن الأحزاب الإسلاميّة، اتخذوا مِن الدّين ستراً، فمنهم مَن اعتقد صادقاً أن السياسة والدّين متلازمان، هذا في المعارضة، لكن عندما جاءت السُّلطة واجهوا الوهم، ولم يفعلوا ما فعله عبد الملك بن مروان، فتعدوا خشية الله لضرورة الحُكم، وكم قُتل مِن رجال الدّين بسيف السلطة الدينية نفسها.

بيد أنَّ الجماهير نفسها، التي صدّقت بالشعارات الدّينية، عادت وثارت عليها، لأنَّ ما طُبق سياسة لا دين، فالأحزاب العقائديَّة جميعاً عندما تقرأ نظرياتها قد تجد فيها مثالية «جمهورية أفلاطون»، لكن عند مواجهة الواقع، تباح «الفرعنة» مِن أجل حماية النّظام، وعندها تخسر هذه القوى السُّلطة والدِّين معاً.

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

المثقف بين الصمت والمقاومة

حين يتحالف الجهل مع القوة لا يعود الظلم حادثة عابرة بل يتحول الى نظام مستقر والى منطق يفرض نفسه بوصفه قدرا لا يسال.  فالقوة في ذاتها ليست شرا ولا خيرا انها طاقة محايدة لا تكتسب معناها الا بما يسكنها من وعي او بما يفرغها منه الجهل.  وحين تمنح هذه الطاقة لمن لا يرى ابعد من حدود مصلحته الضيقة تصبح سيفا اعمى يضرب في كل اتجاه بلا بوصلة اخلاقية ولا حس بالمسؤولية

اخطر اشكال الجهل ليس ذلك الذي يجهل فحسب بل ذاك الذي يرفض ان يتعلم ويخاصم المعرفة ويستبدل السؤال باليقين الزائف.  انه جهل نشيط عدواني يتسلح بالقوة ليحمي اوهامه ويستخدم النفوذ ليسكت العقل ويستعين بالضجيج ليخفي خواءه وحين يمتلك هذا الجهل سلطة سياسية او نفوذا تقنيا او منبرا جماهيريا فانه لا يكتفي بتشويه الحقيقة بل يعيد تشكيل الواقع نفسه على صورة الوهم.

في هذا السياق تنهار العدالة لا لان الاقوياء ظلموا فقط بل لان العارفين صمتوا. فالصمت حين يطول يتحول من حياد مفترض الى تواطؤ غير معلن. وعندما ينسحب المثقف من المجال العام يترك فراغا لا تملؤه الحكمة بل تملؤه الاصوات الاعلى والاكثر تبسيطا والاشد تطرفا

 هكذا لا تهزم العدالة بضربة واحدة بل تتآكل تدريجيا تحت وطأة القوة العمياء والجهل الواثق من نفسه

القوة بلا وعي اخلاقي لا تعرف الرحمة لانها لا تعرف الانسان انها ترى الافراد ارقاما والاختلاف تهديدا والسؤال جريمة اما المعرفة فهي النقيض العميق لهذا العمى ليست ترفا ذهنيا ولا زخرفة ثقافية بل فعل مقاومة انها القادرة على نزع الشرعية عن الوهم وكشف زيف الادعاء واعادة الاعتبار للحق والانصاف

ان مواجهة تحالف الجهل والقوة لا تكون بالعنف بل باصرار العقل على الحضور وبشجاعة السؤال وبمسؤولية الكلمة. فالمعرفة حين تقترن بالوعي الاخلاقي تصبح قوة مضادة لا تهدم بل تصلح ولا تقصي بل تنقذ وفي عالم يتكاثر فيه النفوذ اسرع من الحكمة يبقى الرهان الحقيقي على ان يستعيد العقل مكانه وان يرفض المثقف الصمت لان العدالة لا تحمى الا حين تجد من يدافع عنها باسم الانسان لا باسم القوة

وفي النهاية يبقى الخطر الحقيقي ليس في ان يمتلك الجاهل قوة بل في ان تترك هذه القوة بلا مساءلة وبلا عقل يواجهها فالتاريخ لا يصنع فقط بايدي الطغاة بل ايضا بتخاذل من كانوا قادرين على الفهم ولم يفعلوا وعلى الكلام فاثروا الصمت ان العدالة لا تموت فجاة بل تختنق ببطء حين يسلم مصيرها للقوة العمياء ويقصى عنها الوعي

لهذا فان الدفاع عن المعرفة ليس ترفا فكريا بل واجبا اخلاقيا وموقفا وجوديا في وجه الفوضى فحين يتقدم العقل تتراجع الوحشية وحين يرفع السؤال يسقط الوهم وحين يتكلم المثقف تفقد القوة الجاهلة قدرتها على الادعاء

 ان انقاذ العدالة يبدا من هنا.. من كسر الصمت ومن تحويل المعرفة الى فعل والوعي الى مقاومة حتى لا يظل الجهل سيدا ولا تبقى القوة بلا روح

وفي قلب هذا الصراع بين الجهل والقوة ينهض دور المثقف الحقيقي بوصفه ضمير المجتمع لا زينته ولا صوته الدعائي. فالمثقف ليس شاهدا محايدا على الخراب ولا مراقبا باردا لتاريخ يصنعه غيره بل هو فاعل اخلاقي يحمل مسؤولية الكلمة حين تصبح الكلمة فعلا وموقفا. انه من يرفض ترويض عقله او تأجيره للسلطة او تدجينه بالشهرة ويصر على ان يبقى وفيا للحقيقة حتى حين تكون مكلفة.

المثقف الحقيقي هو من يقف في المسافة الصعبة بين القوة والجماهير لا ليغازل هذه ولا ليخضع لتلك بل ليكشف الاوهام ويفضح التبسيط ويدافع عن حق السؤال في عالم يقدس الاجوبة الجاهزة. انه من يحول المعرفة الى وعي عام ومن يجعل التفكير حقا مشاعا لا امتيازا نخبويا ومن يدرك ان اخطر اشكال الخيانة ليست في الخطا بل في الصمت.

وحين يقوم المثقف بدوره لا تعود القوة مطلقة ولا الجهل مسيطرا فالكلمة الواعية تضع حدودا للبطش وتكسر هيبة الزيف وتعيد للعدالة معناها الانساني. هكذا لا يكون المثقف مكملا للمشهد بل شرطا لاصلاحه ولا يصبح وجوده ترفا ثقافيا بل ضرورة تاريخية لان المجتمعات لا تنقذها القوة وحدها ولا تحميها النوايا بل يحررها عقل شجاع يرفض ان يصمت حين يجب ان يتكلم.

***

ابتهال عبد الوهاب

توضيحات مهمة جدًا عن مفهومين حساسين، قد أسيء فهمهما في عالمنا العربي؟

للأسف، قامت نخبنا السياسية والثقافية بالتعامل مع مفهومي (حق تقرير المصير والنظام الاتحادي) بسطحية، ما جعلهما عرضة للتوظيف الخارجي من أجل تفكيك مجتمعاتنا ودولنا. هنا إعادة صياغة مركزة للمعلومات الأساسية التي جرى تجاهلها أو التعتيم عليها:

أولًا، (مبدأ حق تقرير المصير): هنالك خطأ كبير سائد عن هذا المبدأ، أنه: (من حق أية جماعة متميزة بلغتها، دينها أو عموم ثقافتها، أن تطالب بحق الانفصال أو كيان خاص بها)!

بالحقيقة أن هذا المبدأ قد تم طرحه من قبل (الرئيس الأمريكي ويلسون) عام 1918 ضمن مبادئه الأربعة عشر، والمقصود به هو التالي: (أنه من حق بلدان اوربا الوسطى والشرقية تكوين دولها المستقلة، وذلك بعد سقوط الإمبراطوريات العثمانية والنمساوية المجرية والروسية). ثم بعدها تم تطبيقه على البلدان المستعمرة من قبل الإمبراطوريات الأوروبية المتحاربة، مثل فرنسا وإنكلترا وغيرها. وهذا الذي حصل باستقلال عشرات المستعمرات، حربًا وسلمًا، ومنها بلداننا العربية.

الجميع يدرك بأنه من المستحيل تطبيق هذا المبدأ على جميع بلدان الأرض، لأنه سيؤدي إلى انفجار عشرات الحروب الداخلية والعالمية بسبب استحالة الاتفاق السلمي بين الجماعات المختلفة. يكفي أن نعرف أنه حاليًا هنالك (195) دولة في الأمم المتحدة، ولكن هنالك (7000) لغة حية، و(5000) مجموعة أقوامية قديمة موزعة في 90 بلدًا. (لمزيد من المعلومات، ابحث عن: لغات وأعراق العالم).

علمًا بأن (الولايات المتحدة) نفسها، رغم وجود عشرات الجماعات العرقية واللغوية والدينية المختلفة، فإنها لم تمنح لها (حق تقرير المصير)، لأن (النظام الاتحادي) لم يقم على أساس هذه الجماعات المختلفة، بل على أساس تقسيمات إدارية بريطانية قديمة. ثم إن (الحرب الأهلية أعوام 1861 - 1865) قد قامت بسبب رفض الدولة المركزية لمحاولة انفصال الولايات الجنوبية. وهنالك أمثلة عالمية كثيرة سوف نذكرها.

ثانيًا، النظام الاتحادي (الحكم الذاتي الفدرالي والكونفدرالي)

وهذا المفهوم، أيضًا قد شاع تفسيره بصورة خاطئة وخطيرة: من حق أي جماعة متميزة لغويًا ودينيًا أن تطالب بتكوين كيانها الخاص شبه المستقل، أي (حكم ذاتي: فدرالي أو كونفدرالي).

ولكن الحقيقة أن هذا التفسير ليس هو المقصود بسبب استحالة تطبيقه، لنفس السبب السابق. بل إن المقصود والمعمول به تقريبًا في عدة دول منها في أوروبا وأمريكا هو التالي:

أنه من حق الجماعات التي كانت مستقلة سابقًا، ولكن قد تم ضمها، سلمًا أو حربًا، إلى الدولة الأكبر. وهذه بعض الأمثلة:

- (مملكة بريطانيا) التي تكونت من اتحاد طوعي عام 1707 بين (مملكة اسكتلندا) و(مملكة إنكلترا). ولهذا كان يحق ل-(اسكتلندا) المطالبة بالاستفتاء عام 2014 على الاستقلال الذي انتهى بالفشل.

- لنا مثل آخر قريب جدًا: (اتحاد سوريا ومصر: 1958 - 1961) الذي انتهى بالانفصال.

- اتحاد مملكتي (الدنمارك والنرويج: 1814 - 1905) الذي انتهى بالانفصال.

- (الاتحاد السويسري 1848) الذي تكون حربًا وسلمًا بين (دويلات) منفصلة.

- الاتحاد الألماني، الذي تكون من ممالك وإمارات ألمانية مختلفة اتحدت بالتدريج سلمًا وحربًا، بين (1815 و1871).

- الاتحاد الهندي: بالحقيقة أن الهند قبل الاستعمار البريطاني (1858 - 1947)، لم تكن دولة واحدة، بل من عدة ممالك وإمارات مختلفة مثل (مملكتي المغول ودلهي)، بل حتى أثناء الاحتلال البريطاني كانت هناك 500 مملكة مستقلة، ولكنها تدفع (الجزية) إلى التاج البريطاني.

(نظام الدولة الواحدة المركزية) هو السائد في العالم

غالبية دول العالم، رغم وجود التنوعات الأقوامية فيها، ومنها بلدان أوروبية مثل: رومانيا، وإيطاليا، وهنغاريا، لم تعمل بالنظام الاتحادي. كذلك إيران وأفغانستان وتركيا وعشرات غيرها في قارات العالم. كلها تتبع (النظام المركزي: الدولة الواحدة بوزارات واحدة)، ولكن مع اختلاف درجة الحقوق الإدارية والثقافية الممنوحة للمحافظات، وهذه بعض الأمثلة:

- فرنسا، رغم التعدد اللغوي التاريخي كالبريتونية والأوكسيتانية والباسكية والكورسية، تأسست الدولة الحديثة منذ ثورة 1789 على مبدأ السيادة الواحدة، والأمة الواحدة، واللغة الواحدة، مع رفض صريح لأي صيغة اتحادية.

- إسبانيا ليست دولة اتحادية بالمعنى الدستوري، بل دولة موحدة تعتمد (لامركزية واسعة) عبر نظام الأقاليم ذات الحكم الذاتي المحدود، منذ دستور 1978، مع بقاء السيادة واحدة وغير قابلة للتجزئة.

- السويد، دولة موحدة مركزية، اعترفت بأقليات لغوية مثل الفنلنديين والساميين بحقوق ثقافية محدودة، دون أي تقاسم للسيادة أو بنية اتحادية.

- الصين، رغم وجود عدة قوميات بلغات مختلفة، تتراوح أعداد بعضها بين 7 ملايين مثل (التبت)، و(20) مليون مثل (الزووانغ)، لكن الدولة مركزية مع بعض الحقوق الإدارية واللغوية المختلفة.

***

سليم مطر - جنيف

https://selimmatar.com/

 

السحابة الإلكترونية، الانترنيت، رأس المال السحابي، الذكاء الاصطناعي، الذكاء التوليدي

في هذه المقالة سأدرج لكم أدناه عددا من التعريفات المهمة في هذا الميدان. وقد أخذتها عن مصادر رصينة وشائعة وحاولت تبسيطها إلى الدرجة الممكنة والتي لا تخل بجوهرها العلمي فيتحول التبسيط إلى تسطيح. وفي هذا الجزء سنتوقف عند تعاريف: الإقطاع التقليدي الزراعي، ثم الإقطاع التكنولوجي - الرقمي، والسحابة الإلكترونية:

1-الإقطاع "feudalism": هو نظام اجتماعي واقتصادي وسياسي ساد في أوروبا خلال العصور الوسطى، يقوم على علاقة هرمية بين طبقات المجتمع (الملوك، النبلاء، رجال الدين، والفلاحون) يرتكز على تملك وحيازة الأراضي للإقطاعي وخدمات الولاء والعمل العسكري، حيث يمتلك النبيل (الإقطاعي) الأرض ويسمح للفلاحين بزراعتها مقابل الحماية وتقديم جزء من المحصول والعمل، ما يؤدي إلى تبعية الفلاحين للأرض وللإقطاعي.  هو إذن نظام اقتصادي اجتماعي تاريخي يقوم على ملكية السادة للأراضي الواسعة وعمل الفلاحين أو الأقنان فيها مقابل الحماية والمأوى، مع تبعية الفلاح للأرض، وهو نظام هرمي يتسم بالاستغلال واللامساواة،

الخصائص الأساسية للإقطاع الزراعي:

-هيكله الهرمي: الملك في القمة يمنح الأراضي (الإقطاعيات) للنبلاء، الذين بدورهم يقسمونها لطبقات أدنى، وصولاً إلى الفلاحين والعبيد.

-علاقة الولاء: أساس النظام الإقطاعي هو الولاء الشخصي؛ فالتابع يقسم بالولاء لسيده مقابل الأرض والخدمة.

-اقتصاد زراعي: يعتمد بشكل رئيسي على الزراعة والإنتاج الريفي، مع وجود حرف وصناعات بسيطة.

-الخدمات مقابل الأرض: يحصل الفلاحون على "حماية" من السيد الإقطاعي مقابل العمل في الأرض وتقديم جزء كبير من الإنتاج للسيد.

-الضيعة الإقطاعية: وهي الوحدة الاجتماعية الأساسية للنظام، وتتكون من أرض الإقطاعي، الأراضي المزروعة، مساكن الفلاحين، والمرافق الأخرى.

أطراف نظام الإقطاع وأدوارهم:

1-الملك (السيّد الأعلى): في قمة الهرم، يملك كل الأرض ويمنحها للنبلاء (البارونات).

2-النبلاء (السادة الكبار/البارونات -اللوردات): يتلقون أراضٍ من الملك ويصبحون تابعين له، ثم يمنحون أجزاء منها لفرسان أو تابعين أقل، ويفرضون سلطتهم على هذه الأراضي.

3-الفرسان (السادة الصغار/التابعين): يتلقون أراضي (إقطاعات) من النبلاء ويقدمون لهم الخدمة العسكرية، ويحكمون الأقنان العاملين في أراضيهم.

4-الفلاحون (الأقنان/العبيد): يعملون في الأرض مقابل الحماية والسكن، لا يملكون الأرض بل عملهم وعبء التبعية، ويعتمدون على النبلاء الذين يستغلونهم في تأمين الإنتاج.

5-رجال الدين (الكنيسة): يمتلكون نفوذًا روحيًا وسياسيًا، ويؤثرون في العلاقات بين الطبقات، حسب السياق الأوروبي.

أهمية مصطلح الإقطاعية: يشير مصطلح "الإقطاعية" غالبا إلى هذا النظام في أوروبا واليابان. أما في الشرق الإسلامي وحتى ما قبل الإسلام فلا تسود الحالة الإقطاعية الصريحة بل هناك ما سماه ماركس "نمط الإنتاج الآسيوي"، وسماه سمير أمين "نمط الإنتاج الخراجي" وتسمية أمين أدق وفي هذا النمط لا تعود ملكية أو رقبة الأرض للإنسان بل لله، والإنسان مستخلف فيها يستغلها فإن توقف عن استغلالها خرجت من يده. وظهرت في العهد العباسي والعثماني ظاهرة الإقطاع – ويمكن ان نسميه الاستقطاع حيث يستقطع الخليفة ضباطه وقادته المهمين أراض معينة لتكون ملكا لهم يستغلونها في الزراعة أو غيرها، ولكن هذه الظاهرة ظلت محدودة.

2-الإقطاع التكنولوجي "Technological feudalism": هو مصطلح يصف نظاماً اقتصادياً حديثاً معاصراً تتحكم فيه شركات التكنولوجيا الكبرى (مثل أمازون ، ميتا –غوغل - ميكروسوفت ) بالبنية التحتية الرقمية (المنصات والبيانات والشبكات)، وتستخلص "ريعاً" (إيجارا) من ملايين الأفراد وآلاف الشركات التي تستخدم هذه البنية، بدلاً من الاعتماد على الربح الرأسمالي التقليدي، مما يخلق علاقة تبعية وولاء تشبه علاقة الإقطاعيين التقليديين "الزراعيين" بالفلاحين، حيث يسيطر "الإقطاعيون الرقميون" على "الأرض الرقمية/ فضاء الانترنيت" ويستغلون بيانات ملايين الناس لصنع نفوذهم وثرواتهم، كما يوضح الاقتصاديان اليوناني يانيس فاروفاكيس والفرنسي سيدريك دوران.

مفاهيم أساسية في الإقطاع الرقمي:

* أسياد المنصات الرقمية: شركات مثل أمازون وجوجل وفيسبوك، التي تسيطر على مساحات حيوية على الإنترنت، بحسب دار الساقي.

* التبعية (القنانة الرقمية): المستخدمون والشركات يعتمدون بشكل كبير على هذه المنصات، ويصبحون "أقنانًا" مضطرين لدفع "إيجارات" (ببياناتهم وسلوكهم) مقابل الوصول إليها، كما يشير موقع 0.

* الريع الرقمي: الثروة التي تأتي من استخراج البيانات والتحكم في تدفق المعلومات بدلاً من الإنتاج المباشر، حيث تدفع الشركات جزءًا من إيراداتها لـ "أصحاب السحابة".

* السلطة الهيمنية الجديدة: هذه الشركات تمتلك قوة تتجاوز سلطة الدول أحيانًا، وتتحكم في مصائر الأفراد والأسواق، مما يعيد إنتاج منطق السيادة الإقطاعية.

 3- السحابة الإلكترونية "Cloud Computing" هي سحابة افتراضية مجازية وكناية عن شبكة إلكترونية معقدة تنشأ في فضاء الانترنيت لتقديم خدمات حوسبة – مثل الخوادم، التخزين، قواعد البيانات، الشبكات، والبرمجيات. وتكون بدلاً رخيصا وبكفاءة جيدة لأجهزتك المحلية، مما يتيح الوصول إليها من أي مكان وفي أي وقت باستخدام نموذج الدفع حسب سعة الاستخدام، وهي تسمح بالتخزين، النسخ الاحتياطي، وتشغيل التطبيقات دون الحاجة لامتلاك البنية التحتية نفسها.

تعمل هذه السحابة من خلال الخوادم والمراكز: الشركات الكبرى مثل Amazon Web Services (AWS) وGoogle التي تدير مراكز بيانات ضخمة تحتوي على خوادم قوية. يمكن للمستعمل لها الوصول إليها عبر الإنترنت "شبكة الويب" بدلاً من خادمك المحلي.

وتقد السحابات الخدمات حسب الطلب: تحصل على الموارد التي تحتاجها (مساحة تخزين، قوة معالجة) عند الطلب، وتدفع فقط مقابل ما تستخدمه.

فمثلا، حين تكون بحاجة إلى تخرين أرشيفك الصوري والوثائقي، ولا تكفيك المساحة المجانية التي يمنحونها في العادة كطُعم تلجأ إلى شركات مثل غوغل درايف ودروبوكس...إلخ لتستأجر مساحة في خوادمهم وحين تكون بحاجة إلى تطبيقات مثل Gmail, Office 365" لتشغيل البرامج عبر المتصفح.

أنواع السحابة:

1- السحابة الشعبية أو العام: موارد هذه السحابة مشتركة تقدم من قبل مزودي الخدمة مثل " AWS, Google Cloud"

2- السحابة الخاصة: وتكون ذات بنية تحتية إلكترونية مخصصة لمؤسسة واحدة، توفر أماناً أكبر.

3- السحابة المختلطة من العامة والخاصة: وهي مزيج من السحابة العامة والخاصة.

وترى جينيفر والتر إن "السحابة الإلكترونية كما نعرفُها الآن لم تكن مألوفة حتى أواخر القرن الواحد والعشرين إلا أن تسميتها كانت مُتداولة منذ التسعينيات إلا أنه لم يُعرف صاغ هذا الاسم أولاً! يكمن الغرضُ الأساسي من السحابة الإلكترونية وبالنسبةِ لأغلب المستهلكين في تخزين البيانات وبشكلٍ آمن نسبياً في موقع بعيد يمكنُ الدخول إليه عند الحاجة.

حيثُ أن مبدأ عمل هذه السحابة مشابهٌ إلى فكرة تخزين الممتلكات الثمينة في خزنات البنوك إلا أن الشخص ليس مضطراً لقصدِ مبنى مُعين لاسترداد ملفاته، بل بدلاً من ذلك، يُمكنه الوصول إلى البيانات المُخزنة على خادم مُعتمد على السحابة الإلكترونية من خلال أي جهاز مُتصل بالإنترنت ومن أي مكان في العالم". وتضيف: "أن السحابة الإلكترونية تتمتع بكونِها أفضل من حيث السعة وسهولة الوصول وخصوصاً بعد توفيرِ خدمة إمكانية الاشتراك برسوم إضافية لتوفير مساحة تصلِ إلى عدة تيرابايت (وهي وحدة قياس السعة التخزينية في الكومبيوتر.. إلا أنه وبالرُغم من ذلك قد شهِد العقد الماضي وقوع بعضِ الأحداث ومن أبرزِها انقطاع خدمات شبكة أمازون في عام 2013، بالإضافة إلى حوادث السرقة للصور الشخصية التي شهدتها سنة 2014، للعديد من المشاهير/ ترجمة صفحة "باحثون عراقيون".

***

علاء اللامي

 

يوم زار الشيخ محمد مهدي شمس الدين رئيس المجلس الشيعي الأعلى لندن في العام 1995 لمقابلة الأمين العام للأمم المتحدة بطرس غالي، أقام له صديقه الحميم السيد محمد بحر العلوم رئيس مركز آل البيت الإسلامي، لقاءً مصغّرًا حضره عددًا من الشخصيات، عرض خلاله الأوضاع الصعبة التي يعيشها لبنان، وخصوصًا الجنوب المبتلى، ولعلّ الاقدار الغاشمة جعلته إلى اليوم يعيش ظروفًا أشدّ قسوةً.

خلال حديثه البالغ الثراء طرح شمس الدين فكرة استعادة الدولة في لبنان، ولاسيّما بتشديده على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، طبقًا للقرار 425 الصادر في العام 1978، دون أن ينسى حق المقاومة المشروع في الدفاع عن الأرض والمقدّسات، وصولًا لبلوغ هدف التحرير، وهو الامر الذي ما يزال النقاش حوله دائرًا إلى يومنا الحالي.

وما لفت انتباهي في حديث شمس الدين هو ما سمعته منه عن فكرة المقاومة المدنية الشاملة كاستراتيجية لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وهي فكرة سبق له أن روّج لها خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان ومحاصرة العاصمة بيروت في العام 1982، وقد ردّد أكثر من مرّة هذه الفكرة لوضعها في سياقها الوطني الجامع.

وعن دور الشيعة، كان رأيه، الذي عاد وبلوره على نحو واضح قبل رحيله بكتيّب صدر عن دار النهار، قدّم له الصحافي والدبلوماسي الكبير غسان تويني، ومثّل رؤية استشرافية لإشكالية المواطنة والتمييز، ضرورة اندماجهم في مجتمعاتهم، مؤكدًا أن هويّة شيعة لبنان ينبغي أن تكون لبنانية، وكذلك هويّة شيعة العراق عراقية، وكذا الحال شيعة البحرين والمملكة العربية السعودية والكويت وغيرها.

لقد استبعد شمس الدين فكرة مشروع خاص للشيعة، سواء كان سياسيًا أم أمنيًا أم عسكريًا، مشددًا عليهم التماهي مع الدولة، وحين تتحقّق الدولة العادلة يكون الشيعة أسوةً بغيرهم قد أخذوا حقوقهم في المواطنة وعدم التمييز.

هكذا يمكن أن نقرأ مشروع شمس الدين، مثلما كان "دولة الإنسان" هو مشروع السيد محمد حسين فضل الله، بدلًا من "دولة الإسلام"، ولعلّ مثل هذا التطوّر الفقهي، سواء في مشروع شمس الدين أو في مشروع فضل الله، إنما يقوم على الإيمان بالدولة وقوانينها وآليات عملها العصرية وتطورها، وهي دولة مدنية أي لا دينية، وإن كانت بمرجعية إسلامية.

تقوم فكرة شمس الدين الجوهرية على الدولة وقد اشتغل عليها كاستراتيجية فكرية وحركية وعملانية لأنه أدرك وعلى نحو شديد العمق أن التمترسات الطائفية ستكون خطرًا على الشيعة قبل غيرهم ويمكن أن تستثمر من جانب قوى إقليمية ودولية، لاسيّما بخروجها عن الإجماع الوطني الذي سيلحق الضرر بالجميع.

لقد توصّل شمس الدين إلى هذا الاستنتاج المهم عبر قراءة دقيقة للوضع الإقليمي، ولاسيّما مساعي إيران بعد ثورتها في العام 1979 الاستحواذ على قرار الشيعة بما تملكه من إمكانات بشرية ومادية ومعنوية.

وإذا كان تحرير الجنوب في العام 2000 لحظة تاريخية فارقة، فإن شمس الدين أراد استثمارها في الاتجاه الصحيح والبناء عليها بالدعوة إلى المزيد من التمسّك بالدولة على أساس اتفاق الطائف العام 1989 والاندماج والشراكة والمشاركة، بدلًا من الانعزال والانغلاق بحجة التمايز والمظلومية، وتلك كانت رسالته إلى شيعة العالم.

عقب انتهاء دعوة السيد بحر العلوم وحين هممنا بالمغادرة فاجأني شمس الدين وباقتراب السيد بحر العلوم بالسؤال: أين تضع الشيعة في الصراع الراهن؟

قلت باختصار وبما يسمح به المقام: كلّما تمكّنت مجتمعاتنا من إقامة دولة القانون وعلى أساس المواطنة الكاملة والمتساوية وكفالة احترام الحريّات العامة والخاصة، وفي إطار مبادئ المساواة والعدالة والشراكة والمشاركة، وهي جميعها أركان للمواطنة، فإن الطائفية ستفقد تأثيرها بالتدرّج، وأشرت إلى الفرق بين الانتماء إلى طائفة، وهي تكوين تاريخي واجتماعي واجتهادات فقهية، وبين الطائفية التي اختلطت فيها عادات وتقاليد وطقوس وشعائر بعيدة عن الدين أحيانًا بل مثّلت قشوره وعمّقت الشرخ والتباعد مع الطوائف الأخرى في الدين الواحد، سواء ادّعت المظلومية أو زعمها بالأفضليات وامتلاكها للحقيقة.

لقد تابعت تطوّر مدرسة النجف وحوزتها الفقهية منذ خمسينيات القرن المنصرم، وأستطيع القول إن أهم المجددين على صعيد المنهج والرؤية والدراسة والتطوّر هو الشيخ محمد رضا المظفر وتلامذته النجباء: السيد محمد بحر العلوم والشاعر مصطفى جمال الدين والشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله والسيد محمد باقر الصدر، وخلال الفترة ذاتها برز السيد موسى الصدر المختفي قسريًا في ليبيا منذ العام 1978 والذي أسس "حركة المحرومين" في لبنان وكأنه امتداد لمدرسة الانفتاح والتجديد لما امتاز به من مواصفات شخصية ورؤية مستقبلية ومرونة عالية، لاسيما بتفاعله مع محيطه اللبناني والعربي  بتياراته المختلفة.

لعلّ خير وفاء للشيخ محمد مهدي شمس الدين بعد مرور ربع قرن على رحيله (10 كانون الثاني / يناير 2001) هو استذكار وصاياه، ولاسيما درس المواطنة والمساواة وعدم التمييز في إطار دولة العدل التي أرادها بمنظوره المستقبلي.

***

عبد الحسين شعبان - مفكّر وأكاديمي

قراءة في مذكرات وحكايات اليهود العرب.. الوعد والوعيد

المتابع للمشهد الثقافي والإعلامي العربي في العقدين الأخيرين، لا يمكنه أن يتجاهل الموجة المتصاعدة من الاهتمام بنشر مذكرات وحكايات وقصص ما يصطلح على تسميتهم بـ "اليهود العرب"، أو يهود البلاد العربية. هذا الاهتمام لم يعد مقتصرًا على الهوامش الأكاديمية أو الأبحاث المتخصصة، وقد امتد ليشمل وسائل الإعلام الرئيسية، وطرح بقوة في المنتديات الفكرية، وتسابقت دور النشر العربية والأجنبية على استقطاب هذه النصوص ونشرها.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، ويثير أكثر من علامة استفهام، هو ما الذي يدفع هذه الموجة الآن؟ وما هي الروايات التي تريد أن تكرسها؟ وما هي الروايات التي تعارضها وتحاول محوها؟

الواقع أن القراءة الفاحصة المتأنية لهذه الموجة تظهر أنها لا تسير في اتجاه واحد، بل تتحرك على مستويين متوازيين، وإن بدا أنهما أحيانًا متقاطعين أو حتى متعارضين. فهناك، من ناحية، المستوى الإنساني والوجداني الذي يحاول استعادة صورة حياة جماعات إثنية ودينية عاشت لقرون طويلة كجزء عضوي من نسيج المجتمعات العربية، في مصر والعراق وسوريا واليمن والمغرب وتونس وليبيا وغيرها.

وهذه الصورة، التي تتحدث عن علاقات الجوار، وعن الحياة اليومية، وعن التبادل الثقافي واللغوي، هي صورة صادقة وواقعية ولا يمكن نكرانها. لكن هناك، من ناحية أخرى، مستوى آخر أعمق وأكثر خطورة، وهو المستوى السياسي والأيديولوجي الذي يحاول توظيف هذه الذكريات والحكايات الإنسانية لتقديم سردية تاريخية مغايرة تمامًا. سردية تهدف إلى إعادة كتابة فصل كامل من فصول تاريخ المنطقة، فتصوغه ليس كتاريخ تعايش أحيانًا وتوتر أحيانًا أخرى، لكن كتاريخ اضطهاد مستمر ومزمن، تنتهي حلقته الأخيرة بـ "التهجير" أو "الرحيل" عن الأوطان العربية.

هذه السردية، في جوهرها، تريد أن تصور العصر الذي بلغت فيه بعض الجماعات اليهودية - وكذا أقليات أخرى - ذروة نفوذها الاقتصادي والاجتماعي في البلاد العربية، على أنه (العصر الذهبي) لتلك البلاد نفسها! وهي بذلك لا تقدم فقط حنينًا رومانسيًا إلى ماض مثالي، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، فتربط ازدهار تلك المجتمعات بشكل مباشر بوجود هذه الجماعات ونفوذها، وكأن النسيج الوطني كان ناقصًا أو معيبًا قبل أن تمنحه هذه المكونات شرعيته وكماله! هذا الربط الخطير هو ما يفتح الباب واسعًا أمام قراءة سياسية مغرضة لتاريخ المنطقة، وهي القراءة التي حذر منها الناقد المصري محمد الدخاخني بحدة ووضوح نادرين، حين تناول تاريخ الأرمن في مصر نموذجًا.

يقول الدخاخني في مقاله البارز المعنون "إحنا المصريين الأرمن: الرواية المضادة": "حين تدعي أقلية أن العصر الذهبي لبلد ما يقع حصرًا في الفترة التي تمكنت فيها هذه الأقلية اقتصاديًا واجتماعيًا، فإن ذلك يتأسس على منظور نرجسي للمسألة برمتها". ويضيف مقدمًا أمثلة دامغة: "فالأرمني الذي يرى أن أزهى أيام مصر كانت تحت الاستعمار والملك، أو لا يزال يتفاخر بشخصية من نمط نوبار باشا، الذي عرف بممالأته (وهذا تعبير مخفف) للاستعمار البريطاني ولعب دورًا حازمًا في تأسيس المحاكم المختلطة في مصر عام 1875، وهي المحاكم التي كانت تفصل في النزاعات المدنية بين المصريين والأجانب وبين الأجانب وبعضهم البعض، واشتهر عنها تمكينها للأجانب وانتزاعها الأراضي من فقراء الفلاحين المصريين، أو الذي يشيد بيعقوب أرتين الخادم المطيع للملك والعدو الحاقد للحركة الوطنية المصرية… إن الأرمني الذي يفعل ذلك يصر أن يكون أرمنيًا فقط وليس أرمنيًا مصريًا، يصر أن يضع الجالية ضد الأمة".

كلمات "الدخاخني" هذه، رغم أنها تتحدث عن الأرمن، فإنها تشكل مفتاحًا حاسمًا لفهم الخطر الكامن وراء موجة حنين معينة لتاريخ اليهود العرب. إنه تحذير من قراءة انتقائية ومصلحية للتاريخ، تختار من الماضي ما يعزز سردية ضيقة وتتجاهل عمدًا السياق الأوسع. فمن غير المقبول - والخطير تاريخيًا - أن يختزل تاريخ مصر في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، بكل تعقيداته وصراعاته من أجل الاستقلال والعدالة الاجتماعية، في ازدهار جماعة بعينها كانت في كثير من الأحيان، ولأسباب موضوعية تتعلق بطبيعة علاقات القوة آنذاك، أقرب إلى السلطات الاستعمارية منها إلى الجماهير الشعبية.

ويتابع الدخاخني ملاحظته لتشمل نمطًا أوسع من الإنتاج الثقافي المعاصر، فيقول: "يلاحظ كل متابع للوثائقيات المنتجة حديثًا حول الأقليات غير العربية و«غير المسلمة» في العالم العربي أنها، بشكل صريح أو ضمني، تقدم نفسها كطرح بديل لما تعتقد أنه الطرح القومي العربي. فالأخير بنظرها قد همش دور هذه الأقليات، إن لم يكن قد اختصره تمامًا إلى صورة سلبية".

هنا تكمن النقطة المركزية، إن ما نشهده ليس مجرد استعادة للذاكرة، لكنه معركة على الرواية. إنه صراع بين رواية وطنية قومية، اتهمت- بحق أو بغير حق - بالتجاهل أو التبسيط، ورواية مضادة تريد أن تقيم نفسها على أنقاض الأولى، فتحول تاريخ الأقليات من جزء من التاريخ الوطني إلى تاريخ بديل يناقضه وينفيه في بعض الأحيان. وفي خضم هذه المعركة، تضيع الحقيقة المتعددة الأوجه، وتغتال تعقيدات التاريخ لصالح خطابات إيديولوجية متحجرة.

اليهودي بين عروبته وإسرائيليته

لكن، هل يعني رفضنا لهذه الرواية المضادة المغرضة أن نقع في الخطأ المعاكس؟ أي أن ننكر التجربة الإنسانية الفعلية لليهود العرب، أو أن نلصق بهم جميعًا تهمة الخيانة والتعاون مع الاستعمار أو مع المشروع الصهيوني لاحقًا؟ بالتأكيد لا. هنا يتجلى التعقيد الحقيقي للقضية، وهو تعقيد يرفض الثنائيات السهلة مع أو ضد، ضحية أو جلاد، وطني أو عميل.

إن اليهودي المصري أو العراقي أو السوري، قبل أي شيء آخر، كان مواطنًا عربيًا ينتمي إلى وطنه بكل جوارحه. كان يتكلم اللهجة المحلية بطلاقة، ويشارك في الحياة الثقافية والاجتماعية، ويمارس طقوسه الدينية في كنيس قديم بناه أجداده منذ قرون. تاريخ هذه الجماعات هو جزء لا يتجزأ من تاريخ المنطقة، وتجاهل هذا التاريخ هو خطيئة كبرى ترتكب في حق الذاكرة الجماعية للأمة.

وهنا تبرز أهمية النماذج الثقافية التي تحاول أن تلتقط هذا الجانب الإنساني المتجذر في المكان. ففي فصل مؤثر من كتابها النقدي "رؤى وذات"، تقدم الكاتبة المصرية صافي ناز كاظم قراءة لسيرة الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي كما وردت في عمله المؤثر "رأيت رام الله". وفي خضم هذا الاستعراض، تنقل كاظم صورة حية وموجعة لحياة اليهود العرب من خلال عيون سيدة مصرية عاشت بينهم، تذكرهم ليس كأرقام في صراع سياسي، بل كجيران وأصدقاء وزملاء في العمل، شاركوها تفاصيل الحياة اليومية، قبل أن تجرفهم رياح السياسة العاتية. هذه الشهادة، وهذا المنظور، لا يقفان ضد رواية وطنية، بل يغنيانها ويعيدان لها بعدها الإنساني المفقود أحيانًا في لهيب الخطاب السياسي. إنهما يذكراننا بأن التاريخ يصنع من حيوات بشرية فردية، قبل أن يختزل في خطابات جماعية جارفة.

بالمقابل، فإن القراءة النقدية الموضوعية تتطلب أيضًا مواجهة الحقائق التاريخية غير المريحة. فمع صعود المشروع الصهيوني وقيام دولة إسرائيل عام 1948، وجد يهود البلاد العربية أنفسهم في موقف وجودي بالغ الحرج والتعقيد. لقد وضعتهم الصهيونية العالمية، ومن خلفها الدول الاستعمارية، أمام اختيار مستحيل: إما الولاء الكامل للدولة القومية الناشئة (إسرائيل)، وإما البقاء في أوطانهم الأصلية تحت شبهة الخيانة الدائمة. وكانت الأنظمة العربية، في غالبيتها، تفتقر إلى الحكمة والنضج السياسي اللذين يمكناها من التعامل مع هذا الملف الشائك بمسئولية. فبدلاً من العمل على استيعاب المواطنين اليهود وتأمينهم، والتمييز بوضوح بين الصهيونية كأيديولوجيا استعمارية استيطانية وبين الانتماء الديني اليهودي، سقطت الكثير من هذه الأنظمة في فخ "الحل الأمني" السريع والعنيف.

لقد عومل يهود مصر والعراق وسوريا، في كثير من الأحيان، كطابور خامس جماعي، فرضت عليهم قيود مهينة، وصودرت أملاكهم، وتعرض بعضهم للاعتقال والاضطهاد، وتم طرد جماعات كاملة في بعض الحالات. هذه الإجراءات، التي اتخذت ردًا على العدوان الإسرائيلي وحروب 1948 و1956 و1967، كانت خطأً استراتيجيًا فادحًا، ليس فقط لأنها انتهكت حقوق مواطنين أبرياء، لأنها خدمت، عن قصد أو غير قصد، الرواية الصهيونية التي كانت تريد إفراغ البلاد العربية من يهودها لتوطينهم في إسرائيل، ولتقدم دليلاً على ادعاءاتها بالعداء العربي الأزلي لليهود. لقد حول هذا التسرع الأمني والخطاب القومي المتعصب، بعض اليهود العرب من مواطنين يشعرون بالانتماء إلى أوطانهم، إلى لاجئين يشعرون بالمرارة والخوف، مما سهل عملية استقطابهم أو تهجيرهم.

لكن، وحتى في خضم نقد هذه السياسات العربية الخاطئة، لا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن نتجاهل حقيقة بالغة الأهمية، وهي الموقف السياسي لنخب يهودية عربية بارزة من المشروع الصهيوني نفسه. فمن السذاجة، أو من الخيانة الفكرية، أن نتصور أن جميع يهود البلاد العربية كانوا ضحايا سلبيين للظروف. لقد كان هناك من بينهم من دعم الصهيونية بشكل علني وسري، ومن سخر مواقعه الاقتصادية والتجارية لخدمة هذا المشروع، ومن رأى في قيام إسرائيل خلاصًا شخصيًا وقوميًا، حتى لو كان ذلك على حساب وطنه العربي الذي عاش فيه أجيالاً. وهنا لا يجوز الخلط بين الأمرين: انتقاد سياسات الأنظمة العربية الظالمة لا يعني تبرئة أو تناسي أدوار هؤلاء الأفراد وتلك الجماعات التي ساهمت بوعي وإرادة في تعزيز المشروع المعادي لأمتهم.

معاناة مزدوجة

ربما تكون المفارقة الأكثر قسوة ومأساوية في قصة يهود البلاد العربية، هي تلك التي عاشها من هاجر منهم بالفعل إلى إسرائيل. فالصورة النمطية التي روجتها الدعاية الصهيونية، والتي تصوّر هذه الهجرة كـ"عودة" تاريخية إلى الوطن، وإنقاذ من براثن الاضطهاد العربي، تتحطم تمامًا عند أول احتكاك بالوقائع التاريخية والاجتماعية داخل إسرائيل نفسها.

وصل يهود العراق ومصر واليمن والمغرب وغيرهم إلى دولة كان يهيمن عليها تمامًا، ثقافيًا وسياسيًا واقتصاديًا، اليهود الأشكناز (ذوو الأصول الأوروبية). واستقبلتهم النخبة الأشكنازية المؤسسة للدولة، لا بوصفهم إخوة عائدين، إنما بنظرة فيها الكثير من الاستعلاء العرقي والثقافي. لقد نظروا إليهم على أنهم متخلفون، همج، يحملون ثقافة شرقية دونية يجب محوها لصالح الثقافة الأوروبية المتفوقة. وهذا لم يكن مجرد شعور عابر، لقد كان سياسة دولة ممنهجة.

وصف بن جوريون، المهندس الرئيسي لدولة إسرائيل وأول رئيس وزرائها، يهود البلاد العربية بأوصاف عنصرية صارخة، فشبههم بـ "الزنوج الذين أحضروا إلى أميركا كعبيد". وكان يرى أن مهمة الدولة هي مقاتلة روح الشرق التي تفسد الأفراد والمجتمعات. وترجمت هذه النظرة إلى سلسلة من الإجراءات القاسية:

  • سياسة "محو الذاكرة" أو "الأسرلة" القسرية، سعت الدولة بشكل منهجي إلى اجتثاث الهوية العربية لليهود الشرقيين. تم تثبيط استخدام اللغة العربية بشدة، حتى داخل المنازل. فرضت عليهم أسماء عبرية، وحوربت تقاليدهم وطقوسهم الدينية الشرقية لصالح النسخة الأشكنازية من اليهودية. كان الهدف واضحًا، وهو خلق إسرائيلي جديد منقوع في الثقافة الأوروبية، مقطوع الجذور عن عالمه العربي السابق.
  • التمييز الاجتماعي والاقتصادي الممنهج: لم يرسل المهاجرون الشرقيون إلى المراكز الحضرية المتطورة، تم توطين الغالبية العظمى منهم في بلدات عشوائية على أطراف المدن، أو في مستوطنات حدودية خطرة ليكونوا "دروعًا بشرية". حصر الكثيرون منهم في وظائف هامشية وزراعية وصناعات دنيا، بينما احتفظ الأشكناز بمواقع السلطة والثروة في الجيش والدولة والاقتصاد. يقول عالم الاجتماع الإسرائيلي البارز إيهودا شينهاف إن المجتمع الإسرائيلي في عقوده الأولى كان "مجتمعًا أشكنازيًا ذا ثقافة غربية"، وهو ما خلق فجوة اقتصادية واجتماعية عميقة ما زالت قائمة حتى اليوم وتعرف بـ"الفجوة الإثنية".
  • المفارقة الأمنية الصارخة: في تناقض صارخ يلخص الازدواجية الإسرائيلية، بينما كانت الدولة تحارب عروبة هؤلاء اليهود ثقافيًا واجتماعيًا، كانت في الوقت نفسه تستغل هذه العروبة وتوظفها على المستوى الأمني والعسكري. فبسبب ملامحهم العربية ومعرفتهم باللغة والثقافة العربية، تم تجنيد أعداد كبيرة من اليهود الشرقيين في أجهزة الاستخبارات (الموساد والشاباك) والوحدات الخاصة في الجيش، لاستخدامهم في عمليات التخفي والتسلل إلى الدول العربية. لقد استخدمت هويتهم الممحوة كأداة لضرب أوطانهم الأصلية.

وهكذا، تحولت "أرض الميعاد" لكثير من يهود العرب إلى ساحة لمعاناة مزدوجة، معاناة من التهجير وفقدان الوطن الأصلي، ومعاناة من الاضطهاد والتمييز داخل الوطن المزعوم الجديد. لقد أصبحوا ضحايا مأساة مضاعفة ضحايا لسياسات عربية قصيرة النظر وخائفة، وضحايا لأيديولوجيا صهيونية عنصرية في جوهرها، نظرت إليهم دومًا كأدوات ووسائل لتحقيق غاياتها، وليس كبشر لهم كرامتهم وهويتهم الخاصة.

مطلوب قراءة نقدية لا تنسى، ولا تبرر، ولا تنكر

في ضوء كل هذا التعقيد، كيف يمكننا، كمثقفين وقراء للتاريخ، أن نتعامل مع قضية اليهود العرب؟

الإجابة لا تكمن في الانحياز لرواية ضد أخرى، لكن في السعي الدؤوب لبناء رواية ثالثة، أكثر اكتمالاً وعمقًا وإنسانية. رواية ترفض أن تكون أسيرة الثنائيات الجارفة، وتتسع لاحتواء التناقضات والألم والظلم من جميع الجهات. وهي مهمة شاقة، لكنها ضرورية إذا كنا نريد استخراج الدروس الحقيقية من الماضي، لا تكرار جراحه.

أول شروط هذه الرواية هو القراءة النقدية التي تميز بوضوح لا لبس فيه بين عدة مستويات:

1. بين اليهودي العربي كمواطن متجذر في وطنه، والصهيوني الذي يتبنى أيديولوجيا استعمارية استيطانية معادية لهذا الوطن.

2. بين معاناة أبرياء تعرضوا للظلم بسبب هويتهم الدينية فقط، وأدوار سياسية لنخب يهودية اختارت بوعي أن تكون جزءًا من آلة استعمارية أو صهيونية.

3. بين نقد سياسات الأنظمة العربية القمعية والخاطئة، وبين رفض الرواية الصهيونية التي تريد توظيف هذه الأخطاء لتبرير مشروعها وتاريخها من التطهير العرقي ضد الفلسطينيين.

ثاني شروطها هو رفض الحنين الرومانسي المسلح. الحنين إلى زمن اليهود العرب لا يجب أن يكون أبدًا حنينًا إلى عصر الاستعمار أو التبعية أو الهيمنة الأجنبية. ولا يجب أن يكون أبدًا أداة لضرب الرواية الوطنية أو التشكيك في نضال الشعوب العربية من أجل الاستقلال والعدالة الاجتماعية. الذاكرة الحقيقية هي التي تتذكر كل شيء، تتذكر التعايش في حارة اليهود، وتتذكر أيضًا دور المحاكم المختلطة في استغلال الفلاحين. تتذكر صداقات شخصية عميقة، وتتذكر أيضًا خيانات سياسية كبرى.

ثالث شروطها، وهو الأهم، هو استعادة البعد الإنساني الفردي. بحيث يجب أن ننظر إلى يهود البلاد العربية، ليس ككتلة واحدة أو كرمز سياسي، إنما كبشر عاشوا، أحبوا، تألموا، واتخذوا خيارات في ظل ظروف تاريخية قاسية ومعقدة للغاية. خيارات بعضها كان نبيلاً، وبعضها كان خاطئًا، وبعضها كان مدفوعًا بالخوف والرغبة في البقاء.

إن التاريخ الذي نريده للمنطقة ليس تاريخًا من النقاء الأيديولوجي، ولا تاريخًا من الضحية الدائمة أو الجلاد الدائم. إنه تاريخ البشر بضعفهم وقوتهم، بتعقيداتهم وتناقضاتهم. والقراءة النقدية لتجربة اليهود العرب هي اختبار حقيقي لقدرتنا على كتابة مثل هذا التاريخ، تاريخ لا ينسى، ولا يبرر، ولا ينكر. تاريخ يعيد بناء الذاكرة من أجل مستقبل أكثر عدلاً وإنسانية، لا من أجل حروب هويات جديدة تدفن الجميع تحت ركام الماضي.

***

عبد السلام فاروق

درس فنزويلا وصراع الرأسمالية في طورها الأكثر شراسة

1.  درس فنزويلا: في فجر يوم عادي من بداية يناير هذا العام 2026، استيقظ العالم على خبر صادم لم تكن تداعياته واضحة للوهلة الأولى: اعتداء عسكري أمريكي غاشم، واختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو وزوجته سيليا فلوريس في عملية معقدة نفذت بدقة عسكرية واستخباراتية فائقة. وعلى الرغم من أن العملية تضمنت هجوما عسكريا مباشرا وقصفا مكثفا وتدميرا ممنهجا لمخازن الأسلحة ومنصات الدفاع، إلا أنها استندت بشكل كبير إلى توظيف هائل للتكنولوجيا الرقمية، وهذا هو المحور الذي سنركز على تحليله هنا. التغطية الإعلامية الرئيسية ركزت على الجوانب السياسية والدبلوماسية للحدث، دون التفات حقيقي - سواء كان ذلك عفويا أو مقصودا - الى الدور المحوري الذي لعبته التكنولوجيا المتقدمة في هذه العملية. لم تكن مجرد تدخل عسكري تقليدي كما حاولت بعض وسائل الإعلام الغربية تصويره، إنما كانت حربا رقمية شاملة ومنظمة سبقت الاعتقال بأشهر طويلة، إن لم يكن بسنوات من التخطيط والرصد والاستعداد.

وقبل الاستمرار، أود هنا الإشارة إلى تحفظي على سياسات نظام حكم مادورو في قمع المخالفين وتقييد الحريات والتضييق على اليساريين والنقابات العمالية. فنقدنا للتدخل الرأسمالي الأمريكي وانتهاك القانون الدولي واستخدام التكنولوجيا كسلاح للهيمنة لا يعني بأي حال تبرير الممارسات القمعية لنظام مادورو ضد القوى التقدمية والحركة العمالية في فنزويلا وبالأخص الحزب الشيوعي الفنزويلي. إن الوقوف ضد العسكرتارية العدوانية للرأسمالية الأمريكية لا يتناقض مع نقد الاستبداد الداخلي، إنما هو موقف متسق مع القيم اليسارية. ما نسلط الضوء عليه هنا هو الدرس التكنولوجي والاستراتيجي الذي تقدمه هذه الحادثة لجميع الحركات اليسارية والتقدمية، بغض النظر عن تقييمنا لنظام مادورو نفسه.

حسب ما تم تداوله في وسائل الإعلام، استخدمت في هذه العملية أنظمة المراقبة الفضائية الأمريكية الأكثر تطورا في العالم لتتبع تحركات القيادة الفنزويلية عبر الأقمار الصناعية الأمريكية التي تدور حول الأرض على مدار الساعة. تحليل البيانات الضخمة لم يقتصر على رصد التحركات الجسدية فحسب، وإنما امتد ليشمل رسم خرائط دقيقة ومفصلة لشبكات الاتصالات الحكومية الفنزويلية بكل تعقيداتها وتفرعاتها. اختراق الأنظمة الإلكترونية لم يكن عملية عشوائية، وإنما كان مخططا له بدقة لتعطيلها وكذلك الاتصالات في اللحظة الحاسمة، مما جعل القيادة الفنزويلية معزولة تماما عن قواعدها وأنصارها، ضمن نمط عمليات أصبح معروفا في الأدبيات العسكرية الغربية باسم شل مراكز القرار قبل المواجهة المباشرة.

توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل ملايين المكالمات الهاتفية والرسائل النصية والإلكترونية لم يكن مجرد عملية تجسس تقليدية، وإنما كان عملية معقدة لتحديد مواقع القادة بدقة متناهية، والتنبؤ بنواياهم وتحركاتهم القادمة قبل أن يتخذوها. خوارزميات التعلم الآلي قامت بتحليل الأنماط السلوكية، ورصد التغيرات في طرق التواصل، واستخلاص المعلومات الاستخباراتية من كميات هائلة من البيانات غير المنظمة. التلاعب المبرمج والممنهج بوسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي كان حملة منظمة تعتمد على الذكاء الاصطناعي لتشكيل رأي عام محلي ودولي مؤيد للتدخل، وتصوير العملية على أنها "تحرير من دكتاتورية وتجارة مخدرات"، وليس اعتداء على سيادة دولة مستقلة وخرقا فاضحا للقوانين الدولية؛ كل ذلك التمهيد الاعلامي والرقمي لم يكن غاية في حد ذاته، بل وسيلة لإحكام القبضة على مقدرات البلد ونهب موارده الهائلة، وتعبيد الطريق لتنصيب نظام "كارتوني" سليب الإرادة، يدور في الفلك الأمريكي وينفذ أجنداتها.

هذه ليست سيناريوهات من أفلام الخيال العلمي، إنما واقع موثق وملموس نعيشه اليوم. وكالة الأمن القومي الأمريكية NSA تملك برنامج PRISM الذي كشف عنه إدوارد سنودن، الموظف السابق في المخابرات الأمريكية، والذي يراقب الاتصالات العالمية دون تمييز أو حدود. شركات مثل Palantir Technologies، التي تأسست بتمويل من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، تقدم أنظمة تحليل بيانات فائقة التطور للمؤسسة الاستخباراتية الأمريكية، تستخدم تحت مسميات مثل الحروب على الإرهاب وتعقب الأهداف الاستراتيجية، بينما هي في جوهرها حروب موجهة ضد الحركات اليسارية والتقدمية والأنظمة المناهضة للهيمنة الأمريكية.

المنظومة التكنولوجية الرأسمالية اليوم أصبحت قادرة إلى حد كبير على المراقبة الشاملة، والرصد الدقيق، والتتبع المنهجي للحركات السياسية والتنظيمات والفاعلين السياسيين. والأخطر من ذلك أنه من الممكن أن تكون هناك الكثير من التقنيات والأسلحة الرقمية التي ما تزال ضمن نطاق الخيال العلمي أو الدراسات الافتراضية، أو لم يعلن عنها بعد، كما هو الحال مع العديد من التطورات التكنولوجية التي يجري تطويرها واستخدامها سرا قبل أن تصبح متاحة للجمهور. فالتاريخ يشهد أن الإنترنت نفسه، والعديد من التقنيات المتقدمة الأخرى، لم تكشف للعامة إلا بعد سنوات طويلة من استخدامها داخل الأوساط العسكرية والاستخباراتية والأمنية والصناعية المغلقة.

2. التكنولوجيا كأداة للسيطرة والهيمنة الرأسمالية

ما حدث في فنزويلا ليس حادثة معزولة أو استثنائية في مسار التاريخ المعاصر. إنه جزء أساسي من استراتيجية رأسمالية رقمية شاملة ومتكاملة شهدناها تتطور وتتكرر في أماكن متعددة من العالم، تستخدم في صراع رقمي موازٍ للصراع في الشوارع والميادين. الدرس الأكثر قسوة والأكثر وضوحا من حادثة اعتقال مادورو هو أن الرأسمالية في مرحلتها الراهنة لم تعد تعتمد فقط على القوة العسكرية الصلبة التقليدية، على الرغم من أنها لا تزال تحتفظ بها وتستخدمها عند الضرورة. لقد طورت منظومة رقمية معقدة ومتشابكة قادرة على اختراق الحدود الجغرافية والسياسية، ومراقبة الأفراد والجماعات بدقة مذهلة، والتلاعب بالمعلومات وتشكيل الوعي العام بطرق لم تكن ممكنة في أي عصر سابق، وتقييد وشل الحركات اليسارية والتقدمية قبل أن تصل إلى مرحلة الخطر الحقيقي على مصالحها. إنها حرب غير مرئية للعين المجردة، تدور الكثير من معاركها في الفضاء السيبراني الرقمي وفي خوادم البيانات وفي الخوارزميات والشبكات العصبية الاصطناعية، لكنها أكثر فعالية وأقل تكلفة سياسية ومادية من القنابل والطائرات والدبابات والجنود والأجهزة القمعية. الذكاء الاصطناعي أصبح العمود الفقري لهذه الحرب الرقمية، يوفر قدرات غير مسبوقة في التحليل التنبؤي، والمراقبة الشاملة، والحرب النفسية الموجهة بدقة.

هذا الواقع الجديد يطرح سؤالا مصيريا ووجوديا على قوى اليسار والحركات التقدمية في كل أنحاء العالم، سؤالا لا يمكن تأجيل الإجابة عنه: كيف يمكن لحركات تحررية لا تزال تعتمد في تنظيمها على الاجتماعات التقليدية، وعلى توزيع المنشورات الورقية في الشوارع، وعلى استخدام الهواتف غير المشفرة لتنسيق أنشطتها، وتستخدم الإنترنت بشكل تقليدي بدائي، وعلى حلقات نقاش محدودة يسهل رصدها، أن تواجه منظومة رأسمالية رقمية بهذا المستوى المذهل من التطور والتعقيد؟ الإجابة واضحة ومؤلمة في آن واحد: لا يمكنها ذلك إلى حد كبير، إلا إذا قررت الدخول بشكل جدي وعميق واستراتيجي في المجال التكنولوجي، ليس كمستهلكين سلبيين للتكنولوجيا الرأسمالية كما هو حاصل الآن، ولكن كمطورين ومبتكرين ومنتجين لبدائل رقمية مستقلة تطور النضال وتحميه من الاختراق والقمع، وتعززه بأدوات فعالة تتناسب مع روح العصر ومتطلباته.

 الذكاء الاصطناعي: سلاح الهيمنة الرأسمالية الجديد

لقد أصبح واضحا اليوم بما لا يدع مجالا للشك أن الذكاء الاصطناعي، رغم إمكاناته الهائلة والواعدة في خدمة البشرية جمعاء، لم يعد مجرد تقدم علمي محايد ينتظر من يوجهه نحو الخير أو الشر. إنه في واقع الحال سلاح متطور ومعقد للغاية في يد الرأسمالية العالمية، يستخدم بشكل منهجي ومدروس لتعميق سيطرتها على العمل البشري، وعلى الوعي الجماعي، وعلى البيانات الضخمة التي أصبحت النفط الجديد في العصر الرقمي، وعلى المجتمع برمته في كل جوانبه الاقتصادية والسياسية والثقافية والفكرية.

الشركات الرأسمالية الاحتكارية الكبرى تحتكر اليوم تطوير وتشغيل أقوى أنظمة الذكاء الاصطناعي في العالم. هذه الشركات ليست كيانات تقنية محايدة تعمل في فراغ سياسي واقتصادي كما تحاول أن تصور نفسها، هي في الحقيقة أدوات مباشرة في يد رأس المال العالمي، وتربطها علاقات وثيقة ومتشابكة مع البنتاغون والوكالات الاستخباراتية الأمريكية ومؤسسات الدولة الرأسمالية العميقة.

إعادة إنتاج الاستغلال الطبقي بوسائل رقمية

ما نشهده اليوم في كل مكان حولنا هو إعادة إنتاج الاستغلال الطبقي التاريخي نفسه، لكن بوسائل أكثر علمية وتطورا وتعقيدا وخفاء. لم يعد هذا الاستغلال محصورا في جدران المصانع حيث يعمل العمال على خطوط الإنتاج، أو في المزارع حيث يكدح الفلاحون تحت أشعة الشمس، لقد امتد هذا الاستغلال ليشمل الفضاء الرقمي ذاته الذي يتخيله الكثيرون فضاء حرا ومفتوحا. ونرى اليوم كيف تستخدم خوارزميات في الشركات الرقمية لاستغلال شغيلات وشغيلة اليد والفكر بطرق أكثر دقة وقسوة من أي مدير-ة بشريين في التاريخ. هذه الخوارزميات تحدد الأجور بناء على العرض والطلب في كل لحظة، تفرض ساعات العمل المرهقة دون أي اعتبار لحالة العامل الصحية أو الأسرية، تصدر العقوبات التلقائية لأي تأخير أو خطأ دون أي إمكانية للطعن أو التفاوض. شغيلات وشغيلة اليد والفكر هنا لا يواجه رب عمل يمكن التفاوض معه أو الاحتجاج أمامه، وإنما يواجه خوارزمية لا تعرف الرحمة ولا تفهم الظروف الإنسانية.

في مجال الوعي والأيديولوجيا: تستخدم خوارزميات المنصات العملاقة مثل فيسبوك وتويتر (X) ويوتيوب وتيك توك وغيرها لتشكيل وعي المليارات من البشر حول العالم. هذه الخوارزميات لا تعمل بحياد كما تدعي الشركات، وإنما تروج بشكل منهجي لأيديولوجية الاستهلاك الرأسمالي وثقافة الفردانية والمنافسة وأزلية النظام الرأسمالي، بينما تحارب المحتوى اليساري والتقدمي عبر تقنيات "تقليل المدى" و"الحظر الظلي" الذي يجعل المحتوى غير مرئي تقريبا دون حذفه رسميا. الملايين من الأجيال الشابة يتشكل وعيهم اليوم ليس عبر القراءة والتفكير النقدي، وإنما عبر خوارزميات تقرر ما يرونه وما لا يرونه، ما يعرفونه وما يجهلونه.

في مجال المراقبة والسيطرة الأمنية والحروب المعاصرة: تستخدم تقنيات الذكاء الاصطناعي اليوم كأداة مركزية لتعميق السيطرة السياسية والاجتماعية بطرق لم تكن ممكنة في أي مرحلة سابقة. أنظمة التعرف والتحليل الخوارزمي تتيح تتبع الناشطات والناشطين السياسيين، مراقبة سلوكهم، شبكاتهم، وتحركاتهم بدقة عالية، ولا تبقى هذه التقنيات محصورة بالدول التي طورتها، وإنما يجري تسويقها وتصديرها على نطاق واسع للأنظمة الاستبدادية والقمعية، بما يحول الفضاء الرقمي والعام معا إلى مجال مراقبة دائم. وفي السياق نفسه، يجري توظيف الذكاء الاصطناعي في إدارة العنف والحروب بشكل منهجي، حيث تسند قرارات مصيرية تتعلق بالحياة والموت إلى أنظمة حسابية تقوم بالتصنيف والتقدير واتخاذ القرار وفق منطق تقني بارد، منفصل عن أي اعتبار إنساني أو أخلاقي. هكذا تتحول التكنولوجيا، التي يفترض أن تكون نتاجا للتقدم البشري، إلى أداة لإعادة إنتاج القتل والقمع بكفاءة أعلى، في خدمة منطق الهيمنة الرأسمالية والعسكرتارية، وليس في خدمة البشر وحقهم في الحياة والحرية.

3. الرهان التاريخي لليسار

إن العامل التكنولوجي لم يعد مجرد إضافة ثانوية أو كمالية في معركة اليسار ضد الرأسمالية محليا وعالميا. لقد أصبح شرطا أساسيا وحيويا للبقاء والفعالية والتأثير. مواجهة هذا الواقع لا يمكن أن تقتصر على النقد والتشخيص، وإنما تتطلب مواقف وسياسات محددة وملموسة، تتجاوز مجرد فضح الهيمنة الرأسمالية إلى العمل على تفكيكها وإعادة توجيه التكنولوجيا عموما والذكاء الاصطناعي خصوصا نحو خدمة عموم الجماهير بدلا من استعبادها.

الحاجة لبدائل تقدمية

بدلا من ترك التكنولوجيا في أيدي حفنة من الشركات الرأسمالية والدول، يجب دفع تطوير أنظمة ذكاء اصطناعي يسارية تقدمية. لكن التحول لا يمكن أن يحدث دون تغيير جوهري في البنية السياسية والفكرية والتنظيمية للقوى اليسارية نفسها، وفي نظرتها ومقاربتها للتكنولوجيا. لا يكفي التعامل السلبي مع التكنولوجيا بحجة أنها أداة رأسمالية متخصصة، أو استخدامها بشكل محدود وسطحي، وإنما يجب إتقانها وفهمها بعمق، واختراق حصونها، وإعادة توجيهها لخدمة مصالح شغيلات وشغيلة اليد والفكر وعموم الجماهير.

تطوير القدرات اليسارية في المجال التقني ضرورة حياتية لا تقل أهمية عن تطوير القدرات في المجالات السياسية والفكرية والتنظيمية والإعلامية والعمل الجماهيري. فكما أن قوى اليسار لا يمكنها الاعتماد على وسائل الإعلام الرأسمالية وتسعى لبناء إعلامها المستقل، وكما تطور فكرها وسياستها وأدواتها التنظيمية بشكل مستقل بعيدا عن قوالب الهيمنة الرأسمالية، يجب عليها أيضا العمل على بناء بدائلها التكنولوجية المستقلة، سواء كان في شبكات التواصل أو الذكاء الاصطناعي وغيرها، لخدمة مشروعها التحرري الشامل.

الحلول الممكنة والجذرية

الحل الممكن الآن هو تطوير أنظمة مفتوحة المصدر، شفافة، محايدة التوجه، تدار بشكل ديمقراطي مع ضوابط مجتمعية، بالإضافة إلى الدفع نحو سن قوانين دولية تضبط عمل الذكاء الاصطناعي وتضمن خدمته للمجتمع ككل، وليس مصالح الدول الكبرى والشركات الرأسمالية.

لكن هذا لا يكفي. الحل المطلوب والجذري هو بناء بدائل تكنولوجية يسارية حقيقية ذات توجهات تقدمية وملكية مجتمعية، يتم من خلالها انتزاع هذه التكنولوجيا من قبضة السوق، وتوظيفها في تفكيك علاقات الاستغلال، والمساهمة في بناء مجتمع جديد أكثر عدلا وإنسانية، قائم على المساواة والتعاون والإشباع العادل للاحتياجات.

الاستخدام الحذر والواعي للذكاء الاصطناعي

يجب أن يكون استخدام اليسار للذكاء الاصطناعي الحالي دقيقا ومتعمدا وحذرا. لا يمكن الوثوق بالتطبيقات المطورة ضمن بيئة رأسمالية ومن قبل الاحتكارات والشركات دون وعي نقدي عميق بآلية عملها. فبينما تتيح العديد من هذه الأدوات تحليل البيانات بدقة، والتخطيط، ومراقبة اتجاهات الرأي العام، وتحسين سياسات وأساليب التنظيم والحشد والتواصل، إلا أنها قد تحمل في بنيتها انحيازات خفية تعيد إنتاج الهيمنة الرأسمالية داخل عمل التنظيمات اليسارية نفسها. يجب توخي الحذر الشديد عند التعامل مع البيانات والمعلومات الحساسة، فالاستغلال غير المدروس لهذه الأدوات قد يؤدي إلى اختراق أمني أو تسريب معلومات يعرض التنظيمات اليسارية للخطر، خاصة في الدول الاستبدادية. لذلك، من الضروري تطوير بروتوكولات أمن رقمي متقدمة، واعتماد تطبيقات مفتوحة المصدر أكثر استقلالية، وتدريب الأعضاء على ممارسات الأمن الرقمي، لضمان أن يكون استخدام الذكاء الاصطناعي في خدمة النضال، وليس أداة قمعية واستخباراتية تستخدم ضده.

نحو ثورة رقمية تحررية

ما تكشفه الثورة الرقمية الحالية، وتطور الذكاء الاصطناعي على وجه الخصوص، هو أننا نعيش في لحظة تاريخية تتضح فيها التناقضات بين التطور الهائل للقوى الإنتاجية والعلاقات الاجتماعية الرأسمالية التي لم تعد قادرة على احتواء هذا التطور أو توجيهه لصالح الجماهير. فعلى الرغم من الإمكانات الهائلة التي تقدمها هذه الثورة الرقمية لتحرير الإنسان من العمل المرهق وضرورات العيش، إلا أنها مقيدة ومعاد هندستها ضمن منطق الهيمنة والربح الرأسمالي.

النضال في هذا الفضاء الرقمي يجب أن يتحول إلى امتداد عضوي للنضال الاشتراكي على الأرض، وليس مجرد ساحة عمل ونقاش منفصلة عن الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي. هذا النضال ضد الهيمنة الرقمية لا يمكن أن يقتصر على الفضاء الافتراضي فقط، وإنما يجب أن يكون امتدادا لحركة ونضال شغيلات وشغيلة اليد والفكر والحركة الجماهيرية الميدانية. الربط بين النضال التكنولوجي والنضال الطبقي على الأرض أمر أساسي، لأن الهيمنة الرقمية هي مجرد امتداد لهيمنة رأس المال على الإنتاج والسيطرة على قوة العمل.

4. اللحظة التاريخية الحاسمة لليسار

ما حدث مع الرئيس الفنزويلي مادورو ليس حادثة معزولة ولا استثناء عابرا في صراع القوى العالمي، وإنما هو إنذار حاد وصارخ لكل الأنظمة التقدمية والحركات اليسارية في العالم. إنه إعلان عملي بأن المعركة الرقمية تحولت إلى ساحة صراع طبقي مركزية ومهمة، تدور هنا والآن، وتهدد الوجود السياسي والتنظيمي لكل مشروع تحرري خارج الطاعة الرأسمالية وبالأخص الأمريكية في عهد ترامب. ما جرى في فنزويلا يكشف أن الرأسمالية الرقمية باتت تعتمد على ثغرات تقنية تمنحها إمكانية التأثير في استقرار الأنظمة التقدمية، ومحاولة شل قياداتها أو إرباك حركاتها، والمراهنة على هندسة وعي مجتمعاتها رقميا؛ وهو ما يمنحها خيارات هجومية تتجاوز في فعاليتها أحيانا أساليب التدخل العسكري التقليدي أو الاحتلال المباشر.

الخطر لا يطال فنزويلا وحدها، إنما من الممكن أن يمتد ليهدد كل تجربة يسارية وتقدمية، وكل حكومة تحاول الخروج عن منطق السوق والهيمنة الرأسمالية، وكل حركة عمالية أو جماهيرية تسعى إلى تغيير جذري. نحن أمام مرحلة جديدة من الصراع الطبقي، تستخدم فيها التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي كسلاح استراتيجي لضرب الحركات اليسارية والتقدمية في مهدها، ومحاصرة أي إمكانية لبناء بدائل تقدمية مستقلة. إن النضال الاشتراكي العالمي اليوم مستهدف بشكل مباشر، لا فقط بالقمع العسكري والاقتصادي، إنما بالاختراق الرقمي، والمراقبة الشاملة، والتجفيف المسبق لأي فعل ثوري محتمل.

السؤال الأساسي وهو وجودي ومصيري: هل نحن، كقوى يسارية وتقدمية، مستعدون فعلا لخوض هذه الحرب الرقمية المعقدة والطويلة والمتعددة الجبهات؟ بعد كل ما خسرناه من مواقع، وبعد كل التراجعات والانقسامات، هل نملك الجرأة لإعادة بناء اليسار فكريا وتنظيميا وتقنيا، لمواجهة الرأسمالية في أقصى درجات تطورها العلمية والتكنولوجية الرقمية؟ هل نحن مستعدون لتجاوز التشتت المحلي والانقسام العالمي والصراعات بين القوى اليسارية، وفهم أن مصير كل تجربة تقدمية بات مترابطا عضويا مع مصير غيرها؟

اللحظة التاريخية لا ترحم، والرأسمالية الرقمية المسلحة بالتكنولوجيا المتطورة والذكاء الاصطناعي لا تنتظر ترددنا ولا بطئنا. إما أن ننخرط بوعي ونضال وتنظيم في هذه المعركة، ونعيد صياغة مشروع بديل اشتراكي قادر على مواجهة العصر الرقمي، أو نترك على هامش التاريخ، خاضعين لأشكال جديدة من الاستغلال والقمع أكثر نعومة وأشد فاعلية. إن قبول هذا المصير الأخير هو بعينه الاندثار المحتوم. وبناء عليه، فإن الرهان التاريخي الحقيقي والأوحد لمشروع التحرر، على الرغم من كل تعقيد المسارات، هو أن يتحول إلى مشروع رقمي بوعي وتنظيم؛ فليس له من خيار ثالث سوى أن يصبح رقميا حتى يبقى.

يجب أن تصبح المعرفة التقنية الرقمية وفهم آليات عمل الذكاء الاصطناعي جزءا لا يتجزأ من الثقافة اليسارية المعاصرة، وهنا يبرز الدور الحيوي للشباب كطليعة لهذا التحول؛ فهم الأقدر على تطويع هذه الأدوات وقيادة الابتكار الرقمي داخل الحركات التقدمية. يجب أن نبني كوادر تقنية يسارية، تستثمر طاقات الأجيال الشابة في تطوير أدوات رقمية بديلة، وأنظمة ذكاء اصطناعي خدماتية لا استغلالية، وشبكات تواصل لا تخضع لخوارزميات رأس المال. يجب أن نفهم الكود البرمجي كما نفهم النص السياسي، وأن نتقن الخوارزميات كما نتقن التحليل الطبقي، وأن ننظر إلى البيانات الضخمة كساحة صراع لا كمجرد أرقام محايدة.

وهذا الجهد يتطلب التنسيق والعمل المشترك عالميا من خلال بناء تحالفات وأمميات رقمية هدفها تطوير النضال الرقمي لليسار في العالم أجمع. وكما كانت الأممية الأولى والثانية والثالثة استجابات تاريخية لمراحل تطور الرأسمالية، فإن الأممية الرقمية اليوم ضرورة استراتيجية لمواجهة الرأسمالية في طورها الرقمي الأكثر شراسة.

بيد أن بناء هذه البدائل التكنولوجية المستقلة محفوف بمعضلات جسيمة: معضلة الاعتماد على المعرفة والأدوات المطورة في كنف النظام الرأسمالي ذاته، ومعضلة الموارد الهائلة المطلوبة للمنافسة، ومعضلة التنسيق بين قوى يسارية متناحرة. لذلك، لا يمكن لهذا المشروع أن يكون طوباويا منفصلا؛ بل يجب أن يكون تكتيكا استراتيجيا يبدأ من الاستخدام النقدي والحذر للأدوات المتاحة، وبناء شبكات تضامن تقنية على أساس القضايا العملية المشتركة، والسعي لتطوير نواة بديلة في المساحات التي تتيحها التكنولوجيا مفتوحة المصدر والشبكات اللامركزية، مع الإقرار بأنه مشروع تراكمي طويل الأمد وليس حلا سحريا فوريا، وهي المهمة التاريخية التي تقع على عاتق شبابنا لدمج قيم اليسار والعدالة بآفاق التكنولوجيا.

إن اليسار الذي كان له الدور المشهود في تعزيز الحريات والمساواة والعدالة يمكنه تجاوز هذه الحالة الراهنة؛ وكما طورت الرأسمالية نفسها بشكل هائل، فلتكن هذه المعركة الرقمية لحظة تطوير نوعي لليسار الراهن نحو يسار إلكتروني - رقمي مدموج بالنضال الميداني على الارض وأكثر جرأة، أكثر جذرية، أكثر علمية، وأكثر قدرة على التجدد وقيادة نضال عصره، والدفاع عن مستقبل البديل الاشتراكي في وجه أخطر هجوم تتعرض له في تاريخها الحديث. إن المعركة من أجل السيطرة على التكنولوجيا الرقمية ليست معركة تقنية فحسب، وإنما هي معركة من أجل مستقبل الإنسانية ذاته.

إن الاشتراكية الرقمية، بهذا المعنى، ليست خيارا بين خيارات. إنها الشرط الوجودي لبقاء المشروع الاشتراكي ذاته في القرن الحادي والعشرين.

***

رزكار عقراوي

والرأسمال السحابي والهيمنة الخوارزمية

ماذا نعرف عن العالم المعاصر الذي نعيش فيه، عالم الإقطاع الرقمي التكنولوجي والرأسمال السحابي والهيمنة الخوارزمية والذكاء التوليدي "الاصطناعي" والصراع على الرقائق والشرائح الفائقة ووادي السليكون في ولاية كاليفورنيا. ماذا نعرف عن صعود الصين السريع واختراعها لشريحة (LightGen) الخارقة والمعتمدة على الضوء وليس على الطاقة الكهربائية؟

هل فعلا قُتلت الرأسمالية التقليدية بسيف الرقمنة التكنولوجي كما يقول يانيس فارفاكيس، أم أنها غيرت جلدها و"وعدة شغلها" لا غير؟ هل أن ما يعتبره فاروفاكيس إقطاع تكنولوجي هو نقلة نوعية داخل الرأسمالية المعاصرة أم هو خروج من الرأسمالية إلى شيء آخر جديد تماما؟

لماذا تراجعت الرأسمالية الصناعية تراجعا مذهلا أمام الرأسمالية المالية أولا وسيطرت هذه الأخيرة على جزء مهم من الاقتصاد العالمي بعد أن تضخيم دور البنوك والشركات المالية (مثل صندوق النقد الدولي ورأسماله ترليون دولار والبنك الدولي - ورأسماله غير محدد -المهيمن عليهما أميركيا)، مما يؤدي إلى هيمنة عالمية للمؤسسات المالية الكبرى التي تسعى لتحقيق أقصى ربح من خلال المضاربة والديون والأسواق المالية؟ ماذا نعرف عن تقدم الإقطاع التكنولوجي أو إقطاع الرقمنة والخوارزميات حيث نجد؛

رأس المال السوقي لشركة مكروسوفت 4 ترليون دولار.

شركة أبل لصناعة هواتف الآي فون وغيره- أكثر من 3 تريليون دولار

ويبلغ رأس المال السوقي لشركة أمازون للبيع على الانترنيت = 2 ترليون

ولشركة ميتا فيسبوك: ترليون و400 مليار تقريبا

غوغل 1.961 تريليون دولار أمريكي

قارنوا هذه الأرقام الصادمة (خمس شركات تكنولوجية يبلغ رأسمالها أكثر من اثني عشرة ترليون دولار) مع رأسمال عدد من الشركات الصناعية الضخمة قد لا يصل مجموع رؤوس أموالها تريليوني دولار) مثل:

شركة مرسيدس ورأسمالها السوقي قرابة 60 مليار دولار.

شركة شوفرليت: 70 مليار دولار

شركة ليلي الأميركية لصناعة الأدوية: 818 مليار دولار.

شركة سيمنز للصناعات الكهربائية فقيمتها السوقية: حوالي 219.17 مليار دولار

رأس مال شركة جنرال موتورز (GM) القيمة السوقية حوالي 58.05 مليار دولار.

وتجد أن رأسمال أشهر شركات صناعة السلاح الأميركية والبريطانية يبلغ 213 مليار دولار فقط لاغير وهذه هي التفاصيل:

لوكهيد مارتن الأميركية 64.65 مليار دولار.

آر تي إكس الأميركية 43.6 مليار دولار.

نوركورب غرومان الأميركية 37.85 مليار دولار.

بي إي إيه سيستيمز البريطانية 33.79 مليار دولار.

جنرال داينامكس الأميركية 33.63 مليار دولار.

فماذا تقول لنا مقولات الماركسية القديمة في تفسير هذا الواقع الذي لا سبق له وعن الصراع الطبقي والسوق والربح والملكية الخاصة الاستغلالية والبنية الفوقية والتحتية في هذا الطور من أطوار الرأسمالية ومرحلتها الإمبريالية؟

ماذا نعرف، وعلى الأخص ماذا يعرف اليساريون الماركسيون وغير الماركسيين، العراقيون والعرب منهم عن هذا العالم المعاصر؟  ماذا نعرف عن هذا العالم الجديد والخطير والمعقد الذي نعيش فيه والذي برزت ملامحه الأولى قبل أقل من عشرين عاما وصرنا أدواته ومادته في وقت واحد ورغماً عنا وأحيانا بإرادتنا التي صودرت فصرنا مجرد براغي صغيرة في عملاق تكنولوجي افتراضي هائل هو المواقع التواصلية أو مشتقاتها وتفرعاتها؟

لماذا لا نشهد شيئا ولو كان ضئيلا من السجالات الفكرية بين أحزاب ومنظمات اليسار الأوروبي والآسيوي واللاتيني ودوائر الاقتصاد والمال في العالم حول هذه المواضيع حتى أن بعض الأحزاب والجامعات الشعبية تخصص دورات مجانية أو مدفوعة ثلاثية "تريمسترات" لثلاثة أشهر، أو سداسية "سميسترات لعامة الناس الراغبين في دراسة هذا العالم الجديد والتعرف على تفاصيله؟

لن أكتفي هنا بطرح الأسئلة الاستنكارية بل سأحاول أن أقدم بديلا متواضعا عبر سلسلة من المقالات الخفيفة التعريفية بتفاصيل ومفردات هذا العالم الجديد علينا قريباً. سلسلة من المقالات الخفيفة التبسيطية ومن قراءات في بعض كتب فاروفاكيس وآخرين. كما سنتوقف عند بعض النقود التي وجهت من جهة اليسار الاشتراكي الذي ما يزال اشتراكيا فلا يخجل أو يجبن عن ذكر اشتراكيته بل يضعها في رأس برنامجه السياسي والاجتماعي إلى نظرية أو -إن شئنا الدقة - لفرضيات فاركوفاكيس. ومع أنني ومن خلال تجربتي في النشر على صفحتي هذه أعرف أن القراء يملون سريعا من المقالات المتسلسلة حول موضوع واحد وسرعات ما ينخفض تفاعلهم معه ولكن هذا الأمر لا يهمني في كثير أو قليل وسأواصل نشر أجزاء السلسلة حتى نهايتها لأنني أفكر جديدا بتحويلها لاحقا إلى كتيب صغير موجه إلى الشباب وعياً وروحاً ليكون بمثابة تمهيد تعريفي يطلون بواسطته على هذا العالم الغريب والسريع التحول الذي نعيشه ويعيش فينا.

وقبل الدخول في مفردات سلسلة المقالات التعريفية والتوضيحية حول الإقطاع الرقمي، وعلى سبيل التمهيد، أقول؛ ربما يكون الكسل العقلي والتعود على خطاب ومقولات الجمهور العقائدي والأيديولوجي هو السبب وراء الجهل المدقع الذي يسود المشهد الثقافي العربي بهذه العناوين. ولكنه جهل يتسع باستمرار نتيجة استمرار اتساع الفجوة بين تطورات العالم المعاصر ووعينا العام السائر وفق باردايمات (Paradigms) أي تلك النماذج والمقولات الفكرية التي تنظم الخطاب السائد، وتشمل مجموعة متكاملة من المعتقدات، والخبرات، والقواعد، والافتراضات، وهذه الباردايمات غدت تقليدية، ولم تعد قادرة على تلبية الحاجة لتفسير التطورات الحاصلة في عالم اليوم.

بكلمات أخرى ثمة فجوة تتسع بين حصيلتنا العلمية المتراكمة والتي تجمدت عند حدود العقد الأول من القرن الحالي وانفصلت بدرجات متفاوتة عن واقع الحال العالمي المعاصر بسبب التغييرات الهائلة التي لم يسبق لها مثيل في كل العصور.

والغريب إن هذه التطورات لم تلمس بشكل جدي ومنتج عقول وقواعد بيانات البعض وخصوصا أولئك الذين ربطوا أنفسهم بقواعد السكونية والجمود الفكري والعلمي أو الذين حاولوا التحرر مما يسمونه الجمود العقائدي الستاليني القديم فهرعوا الى خنادق الفكر الليبرالي اليميني وصارت كلمة اشتراكية من الممنوعات في خطابهم وسادت كلمات وقناعات ومقولات إنشائية من قبيل؛ "التداول السلمي للسلطة" و"التصالح مع العالم المعاصر" و"حصر السلاح بيد الدولة"، "ونبذ التنمر والعنف والكراهية والفكر الذكوري" وغير ذلك من مقولات كان حتى زمن قريب من عتاد المنظمات الإنسانية والخيرية عديمة الهوية الطبقية.

ولا عبرة هنا في النقد الذي يوجهه اليمين الليبرالي أو القومي أو الإسلامي لهذا اليسار المرتد على مثله ومبادئه لأنه نقد يقوم على الشماتة والتشفي ومن مواقع العداء الطبقي، لا عبرة فيه لأن أول من بادر لنقد هذا اليسار بعلمية ومنهجية هي الأقلام اليسارية التي لم تسكت طوال السنوات الماضية عن توجيه النقد العميق والمعلل لهذه التوجهات الانتهازية والارتدادية.

إن هؤلاء اليساريين المتحولين الذين توقفوا طوعا وكسلا عند حدود مقولات التطور الديموقراطي السلمي والتداول السلمي والسلس للسلطة بين أجنحة الإقطاع السياسي الزبائني والكومبرادوري التابع للأجنبي وكأنه إنجاز الإنجازات، تناسوا وتنازلوا عن شعاراتهم وبرامجهم الاشتراكية والشيوعية المساواتية المناهضة للإمبريالات الغربية وأمسوا كأي حزب أو دكان سياسي ديموقراطي الاسم، عشائري المحتوى والتركيبة. وراحوا يخلطون بين الديموقراطية والعملية الانتخابية وكأنهما شيء واحد حتى لو كانت انتخابات بائسة وقائمة على التزوير والمحاصصة المسبقة للنتائج.

هدف هؤلاء هو الحفاظ على التداول السلمي للسلطة ومواجهة مظاهر الاستبداد والمطالبة بالعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان وتحسين أداء الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي والهياكل الحكومية الرثة الميتة والرقص على إيقاع حصر سلاح ونزعه ممن يدافعون عن أنفسهم ضد الضواري الإمبريالية بيد الدولة الفاسدة شكلا ومضمونا. إنها أحزاب تسمي نفسها اشتراكية وحتى شيوعية، ولكنها لا تجرؤ على رفع شعار أو مطلب اشتراكي واحد بل هي أشبه بالمنظمات المدنية الخيرية للتبرع بالدم والبطانيات على ما في هذه الجمعيات من نزاهة وإخلاص قد لا نجده في بعض الأحزاب المعاصرة!

ولكن لماذا لا تغير هذه الأحزاب أسمائها القديمة وتتخذ أسماء تتناسب مع محتواها الجديد؟ يبدو أن الأمر يتعلق بحرصها على ما يشبه "الماركة المسجلة" القديمة ولا تريد التفريط بها وتخشى أن يسطوا عليها المنافسون فيبنون حزبا آخر بهذا الاسم ينزع عنها شرعيتها التي لا قيمة لها أصلا.

لقد تمادت بعض جهات وشخصيات هذا اليسار المزيف والانتهازي حتى بلغت درجة تبرير الاحتلال الأميركي للعراق وأفغانستان والدفاع علنا عن البرجوازية الأميركية ضد البرجوازية الروسية، ورغم ذلك فهم يصرون على وصف أنفسهم باليساريين بل وحتى بـ "البلاشفة الجدد" الذين ينتقدهم كاتب المقالة الأولى ماجد علاوي بحدة وعمق.

إن هؤلاء اليساريين المتحولين لا يجدون حرجا في إطراء الإمبرياليات وخاصة الإمبريالية الأميركية فيمتدحونها صراحة ويبررون جرائمها وحروبها العدوانية ضد شعوب العالم فيقول أحدهم "فؤاد النمري"، إن الولايات المتحدة "ذهبت مرغمة إلى أفغانستان لإنقاذ كرامتها كدولة عظمى بعد أن رفضت حكومة طالبان تسليمها بن لادن للولايات المتحدة لتحاكمه محاكمة عادلة". أو كما يضيف النمري نفسه مبررا حرب احتلال العراق: "في العراق اُستُجلِبت - كاد يقول اختطفت - القوات الأميركية من قبل المعارضة العراقية... فكان أن حررت القوات الأميركية الشعب العراقي ... حتى أخذ يشكل حكوماته وفقاً لإرادته من خلال الانتخابات النزيهة ... ولا يفوتنا هنا أن نؤكد على أن حكومة الاحتلال الأميركي برئاسة بول بريمر كانت أفضل حكومة في تاريخ العراق حيث رفض بريمر أن يشكل حكومة ليس فيها وزير شيوعي"!

وهكذا تحول استيزار الشيوعيين من قبل الحكومات البرجوازية من عار وإهانة مقذعة في عهد لينين ومجايليه إلى شيء يتفاخر به أمثال النمري! ولا عجب هنا، فثمة زملاء للنمري ممن يصفون أنفسهم باليساريين والديموقراطيين العراقيين اشتغلوا في بعض جمعيات وأجهزة التخطيط الاستراتيجي التابعة للاحتلال وجلسوا جنبا إلى جنب جنرالات وسفراء وقادة مخابرات المحتلين الأميركيين كما هي الحال في مجموعة "مستقبل العراق" بقيادة السفير الأميركي رايان كروكر بمشاركة سفير فرق الموت في أميركا اللاتينية المعروف نيغرابونتي!

ليخرج السيد النمري، من ثم، بالحكم الباتر التالي: "لسنا بدون سبب نؤكد أن البورجوازية الوضيعة الأمريكية أرفع شرفاً من البورجوازية الوضيعة السوفياتية والروسية اليوم التي تقترف جرائم الإبادة الفظيعة بحق الشعب السوري". تصوروا هذا الحكم؛ "برجوازية أميركية وضيعة" ولكنها أرفع شرفا من "البرجوازية السوفيتية والروسية"! فهل هذا كلام في السياسية أيا كان نوعها، أم هذيان خال من المضمون الجاد؟! يتبع.

***

علاء اللامي

تكاد تكون المهمة الأولى للثورة والثورة المضادة (لا نقصد معناه المستخدم سلباً) تبادل الانتقام ما بينهما، وأمامنا نماذج كثيرة في التَّاريخ، قتل المغلوبين ومطاردتهم، ثم يصبح المنتصرون، ولو بعد حين، مغلوبين، ويُطبق فيهم ما طبقته الثَّورة في خصومها، عندما تأخذهم على الشُّبهة، ولمحمد مهدي الجواهريّ في الثّورة وضدها، وهو يحذر مِن انقلاب على انقلاب بكر صُدقيّ: «تَصوَّرِ الأمرَ معكوساً وخُذْ مَثَلاً/ مما يَجرُّونه لو أنهم نُصِروا/ أكانَ للرِفِقِ ذِكرٌ في مَعاجِمهمْ/ أم كانَ عن حِكمةٍ أو صحبِهَا خَبَر/ واللهِ لاقتِيدَ زيدٌ باسم زائدةٍ/ ولاصطلى عامرٌ والمبتغى عُمَر(الدِّيوان، تحرك اللّحد 1936).

وربَّما لا توجد نماذج مختلفة في التاريخ، لا ترى الانتقام المتبادل بعد الانتصار، وهي ممارسات شخصية، انتهت في لحظتها ولم تصبح سلوكاً بين الغالب والمغلوب، ولكن على ندرتها من المهم التذكير بها، لِما فيها مِن عِبرة للأنظمة الجديدة، خصوصاً الأنظمة الغارقة في الماضي ومناكفاته. يُذكر لعبد الملك بن مروان(65- 86 هج) تصرفه ضد خصومه الزّبيريين بعد انتصاره، وهو يُذكر بالرؤوس المعروضة أمامه على منبر قصر إمارة الكوفة، بين منتصر ومغلوب، ويُذكر تصرف الوزير العباسيّ علي بن الفرات، مع المنقلبين على خليفته، وما سلكه الخليفة العباسيّ الظاهر بالله(622هج) بخصوم أبيه. قال كاتب مصعب بن الزُّبير (قُتل/ 72هج) المضاء بن علون، أمير العراق لأخيه الخليفة بالحجاز، عندما عُرضت على عبد الملك صحائف فيها أسماء المؤيدين لابن الزّبير لقتلهم، وهو يجلس مستعرضاً انتصاراته، قال: «دعاني عبد الملك بعدما قَتل مصعباً، فقال لي: علمت أنه لم يبق من أصحاب مصعب وخاصته أحد، إلا كتب إليَّ يطلب الأمان، والجوائز والصِّلات والقطاعات؟ قلت: قد علمت يا أمير المؤمنين أنه لم يبق مِن أصحابك أحد إلا وقد كتب إلى مصعب بمثل ذلك، وهذه كتبهم عندي! قال: فجئني بها، فجئته بإضبارة عظيمة، فلما رآها قال: ما حاجتي أنْ أنظر فيها، فأفسد قلوبهم عليَّ! يا غلام!

احرقها بالنَّار، فأُحرقت»(اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي). بعد حين طويل روى المؤرخ والفيلسوف أحمد بن محمَّد مسكويه (412 هج)، الإجراء الذي اتخذه الوزير عليّ بن محمّد بن الفرات، بعد فشل انقلاب الأمير الشّاعر عبد الله بن المعتز(قُتل: 296هج) على ابن عمّه الخليفة المقتدر بالله(قُتل: 320هج)، وعندها صار خليفة لنصف يوم فقط، فبدل الانتقام والملاحقة للمكاتبين للثورة على الخليفة: جُمعت «جميع الجرائد، التي وجد فيها أسماء المتابعين لابن المعتز... وأمر ابن الفرات بتغريق الجرائد في دجلة، ففعل ذلك، وسكن النَّاس، وكثر الشَّاكرون»(مسكويه، تجارب الأُمم وتعاقب الهمم).

أما ثالثة التَّجارب، التي يُعنى بها مِن النوادر، ما مارسه الظَّاهر بالله عندما تولى الخلافة، ووجد نفسه أمام خلق كثير ممن كان ضد سياسة أبيه، ومن عادة أبيه النَّاصر لدين الله «أن يرفع إليه حراس الدروب في كل صباح بما كان عندهم في المحال من الاجتماعات الصالحة والطالحة، وهذا ما يعرف بالمخابرات اليوم، فلما ولى ابنه الظاهر أمر بتبطيل ذلك كله، وقال: أي فائدة في كشف أحوال الناس وهتك أستارهم؟ فقيل له: إن ترك ذلك يفسد الرعية، فقال نحن ندعو الله لهم أن يصلحهم»، وأطلق من كان منهم في السجون (ابن كثير، البداية والنهاية).

أما إطلاق مَن في السجون مِن المخالفين، غير الخطيرين، فقد مارسه ولاة العهود بعد تولي الأمر، لكنه لأيام محدودة، ولم تكن سياسة راسخة. لقد قضت الألوف مِن البشر، مِن السلطة السابقة وأعوانها، ولم يتم الاكتفاء بهؤلاء، بل تعدى الانتقام إلى الطائفة والعِرق، مذابحُ تولد مذابحَ، والشّعار: إزهاق الباطل وإحقاق الحقّ، فما زالت المنطقة تغلي، في أكثر مِن مكان، حروب داخليّة، وقودها ما حصل قبل قرون، فبها تُحرك عواطف الانتقام، وتصور الأمر معكوساً، والجميع يحسبونها حقوقاً مقدسة.

***

د. رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

من نظرية الفوضى إلى الوجودية

بقلم: كريستوفر لينكويتش

ترجمة: علي حمدان

***

طبيعة المعرفة: بحسب مصطلحات كانط، يمكننا أن نفترض أن العلوم الطبيعية تسعى إلى ما يسميه "المعرفة التجريبية" وتوظفه، بينما أي محاولة لفهم الفوضى في حد ذاتها تُعدّ محاولة للوصول إلى "المعرفة الخالصة" (نقد العقل الخالص، مقدمة، الجزء الأول، ص 41). ويُظهر النظر إلى الفوضى من منظور فلسفي أنه مكمل ضروري لا غنى عنه للنظر في الفوضى الذي تقوم به الرياضيات (مثل نظرية الفوضى) والعلوم.

“تُخبرنا التجربة، في الواقع، بما هو كائن، لكنها لا تُؤكد بالضرورة أنه كذلك، ولا تُؤكد خلاف ذلك. ولذلك، فهي لا تُعطينا شمولية حقيقية؛ والعقل، الذي يُصرّ على هذا النوع من المعرفة، يُصبح أكثر تحفيزًا بها من كونه مُكتفيًا. يجب أن تكون هذه الأنماط الشاملة للمعرفة، التي تتسم في الوقت نفسه بطابع الضرورة الداخلية، واضحة ويقينية في حد ذاتها، بصرف النظر عن التجربة. ولذلك، تُسمى هذه الأنماط بالمعرفة القبلية، بينما ما يُستقى من التجربة وحدها، كما نقول، يُعرف فقط بالمعرفة البعدية، أو التجريبية. “(نقد العقل الخالص، مقدمة، الجزء الأول، A2، ص 42)

تتخذ العلوم موضوعات محددة كموضوعات لها، أي بشكل تجريبي؛ فالرياضيات تصوغ قوانين ونظريات معينة حول طبيعة الفوضى، ساعيةً إلى فهم بنيتها الداخلية؛ أما الفلسفة فتتناول موضوعاتها (بما فيها الفوضى بالنسبة لنا) من منظور فريد وغير مسبوق، متخذةً صفاتها "غير المحددة" شكلاً أولياً لها، وموفرةً إطاراً لفهم طبيعتها بشكل مجرد. لا يمكن للمعرفة التجريبية أن تتناول الفوضى؛ فهذا من اختصاص الرياضيات، والآن الفلسفة. لا تسمح لنا العلوم الطبيعية بأساس نظري لفهم الفوضى. هذا من اختصاص الرياضيات، التي تُمكّننا من رسم خريطة لبنيتها الداخلية وسلوكها، والفلسفة، التي تُمكّننا من دراسة الفوضى في ذاتها. ومع ذلك، يمكننا أن نقر بأن دراسة الرياضيات للفوضى تقودنا إلى الفلسفة، والفلسفة بدورها تعود إلى الرياضيات

الوجودية والمسؤولية

"مقارنةً بالداخلي، يصبح الخارجي ضئيلاً وغير ذي أهمية." - سورين كيركغارد، إما/أو، الجزء الأول، ديابسالماتا: صور الظلال".

تكمن مفارقة تقدم العلوم والرياضيات في أنه، عند تجاوز المسافة بيننا وبين الظاهرة، يجب علينا تعليق تجربتنا الملموسة للواقع. إن مهمة تعليق علاقتنا بالواقع المعيش هي شرط أساسي لفهمه. قد تُلقي هذه المفارقة بعض الضوء على إصرار كيركغارد على أن "الداخلي ليس الخارجي" في كتابه "إما/أو" - مع أن نية كيركغارد قد لا تكون ابتكار المعرفة؛ ففلسفته تُعزز تحديدًا صحة التجربة الذاتية المتجسدة.

“الظاهر حقيقة، والباطن حقيقة. لا يكفي مجرد امتلاك الظاهر، أي رؤيته موضوعيًا، بل يجب امتلاكه باطنًا أيضًا. ففي باطن الروح فقط يصبح الظاهر ملكًا حقيقيًا. الباطن هو الأصل، والظاهر ثانوي؛ ولا يُبرر الظاهر إلا بالباطن. (إما/أو، "ديابسالماتا"،” القسم 4 ("العار")

إذ يتوقع كيركغارد بعض عواقب التجريبية والمنهج العلمي والتقدم في الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا، فإن اهتمامه ينصب تحديدًا على خطر الخطأ والمغالطة (المتأصلة) في التبسيط والاختزال والتجريد. بالنسبة لكيركغارد:

“الذاتية هي الحقيقة. الذاتية هي الواقع. الحقيقة هي الذاتية. لكن هذه الذاتية ليست مجرد رأي شخصي، بل هي شغف داخلي عميق يربط الفرد بالأبدي، واللامتناهي، والمطلق.” (الخاتمة غير العلمية، الجزء الأول، القسم 2، الصفحات 15-16)

ليس ما هو خارج ذواتنا وحقيقي هو ما نفكر فيه. ما نفكر فيه هو أسلوبنا في التعامل مع العالم الخارجي. وهذا يذكرنا بمشكلة ديكارت عن الدماغ في الوعاء. فإذا بنينا بنية ذاتيتنا على ما هو موجود في الخارج، فإننا نبقى في علاقة سلبية مع العالم الخارجي، حتى ونحن، كما لو كنا، نخضعه لإرادتنا.

الخلاصة

في صياغة جان بول سارتر في كتابه "الوجود والعدم"، نحن "محكوم علينا بأن نكون أحراراً": لا يمكننا المضي قدماً بدون تقدم العلوم الطبيعية والتكنولوجيا والرياضيات والطب الحديث، ولكن لا يمكن للواقع الإنساني أن يصبح حقاً كلياً موحداً.

"الإنسان محكوم عليه بالحرية؛ لأنه بمجرد أن يُلقى في هذا العالم، يصبح مسؤولاً عن كل ما يفعله." - جان بول سارتر، الوجود والعدم، الجزء الأول، الفصل الثاني.

إذا أردنا مواجهة حقائق الحياة القاسية بواقعية، فعلينا أن نتقبل وجود عدد من العوامل الخارجية: مساعدة الرياضيات والعلوم والتكنولوجيا والطب، ولكن أيضًا حقيقة بسيطة (بتعبير بولس) وهي أننا في آنٍ واحد جسد - حياة موضوعية ومتجسدة - وروح - إنسانية ذاتية واعية. بالنسبة لنظرية الفوضى، لا يمكن أن تكون الحياة مجرد رياضة مشاهدة، أو انعكاسات لمراقب مجتهد، ولا يمكن أن تكون مزيجًا خصبًا من ملاحظات عابرة تؤدي إلى تصادم دائم لقيم أو نماذج أو أنماط وجود متناقضة (تُنسى حتمًا). وكما قال كيركغارد: "الإنسان روح. ولكن ما هي الروح؟ الروح هي الذات" (المرض حتى الموت، الجزء الأول، الفصل الأول، أ). إذا كانت "الذاتية هي الحقيقة، والحقيقة هي الذاتية"، فإن الطريقة التي نتعامل بها مع العالم مشروطة مباشرة بكوننا ذاتيين، ومتجسدين، وواعيين، "توليفة من اللانهائي والمحدود، ومن الزمني والأبدي، ومن الحرية والضرورة، باختصار إنها توليفة" (المرجع نفسه) - بعبارة أخرى، ليست محدودة فحسب ولا لانهائية بشكل محض، بل هي في الوقت نفسه لانهائية ومشروطة بالعيش والوجود الموضعي والمتجسد، في مكان واحد وفي وقت واحد.

إن مجرد إدراك الفوضى لا يعفينا من الانخراط فيها. بل يجب مواجهتها، كموضوع متخصص، من زوايا متعددة: رياضية، وعلمية، وفلسفية. قد نفترض أن غالبية البشر يشعرون بنوع من الحساسية تجاهها. بعضنا أكثر انخراطًا فيها من غيره. عدد منا منشغل بها، أو، بشكل لا لبس فيه، منزعج منها. وقد يكون عدد أكبر منا مشتتًا أو منزعجًا. يبدو أن الفوضى تحمل في طياتها منظورًا جديدًا لتجربة كامو مع العبث. في النهاية، قد تكون أكثر اعتيادية مما يتصوره معظمنا، أو أكثر تعقيدًا، أو ببساطة غير محددة. يبدو جليًا أن علينا مسؤولية التعامل معها بحذر، وتجنب فرض إرادتنا على بعضنا البعض، مع الحفاظ على قدر من الفضول الحقيقي والانفتاح.

المثابرة هي الارتقاء.

***

.................

المصادر في الأصل باللغة الانكليزية

-    Aristotle. The Basic Works of Aristotle. Edited by Richard McKeon, 1941. New York: The Modern Library Classics.

-    Bishop, Robert, “Chaos”, The Stanford Encyclopedia of Philosophy (Winter 2025 Edition), Edward N. Zalta & Uri Nodelman (eds.).

-    Camus, Albert, 2004. The Plague, The Fall, Exile and the Kingdom, and Selected Essays. Translated by Stuart Gilbert, Justin O’Brien, Hamish Hamilton. New York, Alfred A. Knopf.

الإبداع بمنطق السوق

في المشهد الثقافي العربي، تتجلى أزمة عميقة تكاد تكون مزمنة: أزمة الكتّاب وعلاقتهم بدور النشر. فبينما يكدّ المبدعون في صياغة نصوصهم، ويجتهدون في تقديم رؤى جديدة وأساليب مبتكرة، يجد كثير منهم أنفسهم أمام جدار صلب من اللامبالاة أو الحسابات التجارية البحتة. إن دور النشر، التي يُفترض أن تكون جسورًا بين الإبداع والقراء، تحولت في معظمها إلى مؤسسات ربحية لا ترى في الكتاب سوى سلعة قابلة للتسويق، تُقاس قيمتها بعدد النسخ المباعة لا بعمق الفكرة أو أصالة التجربة.

هذه الأزمة ليست مجرد خلاف مالي أو إداري، بل هي انعكاس لخلل بنيوي في الثقافة العربية المعاصرة، حيث يغيب المشروع الثقافي الجامع، وتُستبدل الرسالة الفكرية بمنطق السوق. الكاتب العربي، الذي يسعى إلى أن يكون صوتًا لمجتمعه وذاكرةً لأمته، يجد نفسه في مواجهة واقع قاسٍ: نصوصه قد تُهمّش أو تُرفض لأنها لا تضمن الربح السريع، بينما تُفتح الأبواب واسعة أمام كتب سطحية أو تجارية تفتقر إلى القيمة الفكرية.

إن العلاقة المتوترة بين الكاتب ودور النشر تكشف عن أزمة أعمق من مجرد عقود أو نسب أرباح؛ إنها أزمة هوية ثقافية، حيث يُترك الإبداع بلا حاضنة، ويُختزل دور النشر في وظيفة تسويقية باردة، بعيدًا عن رسالتها الأصلية كحاضنة للفكر ورافعة للوعي. هذه المفارقة تطرح سؤالًا جوهريًا حول مستقبل الكتاب العربي: هل سيظل أسيرًا لقيود السوق، أم سيجد طريقًا جديدًا يضمن له مكانته كأداة للتنوير والتغيير؟

واقع دور النشر العربية وتحولها إلى مؤسسات تجارية بحتة

في قلب الأزمة الثقافية العربية، تقف دور النشر بوصفها الحلقة الأكثر تأثيرًا في مسار الكتاب، لكنها في الوقت ذاته الحلقة الأكثر إثارة للجدل. فبدلًا من أن تكون مؤسسات تحمل رسالة معرفية وتنهض بدور ريادي في رعاية الإبداع، تحولت في معظمها إلى شركات تجارية لا ترى في الكتاب سوى سلعة تُقاس قيمتها بميزان الربح والخسارة. لقد فقدت كثير من هذه الدور البوصلة الثقافية، وأصبح معيارها الأول هو حجم المبيعات لا نوعية الأفكار، وانتشرت عقلية السوق التي تُقصي النصوص الجادة وتُفسح المجال أمام الأعمال السطحية أو تلك التي تضمن رواجًا سريعًا.

هذا التحول لم يأتِ من فراغ، بل هو نتاج تراكمات اقتصادية واجتماعية وسياسية جعلت الثقافة في الهامش، وأضعفت مكانة الكتاب في الوعي الجمعي. فبينما يُفترض أن تكون دور النشر حاضنة للفكر، ورافعة للوعي، ووسيطًا بين الكاتب والقارئ، نجدها اليوم تُمارس دور الوسيط التجاري البارد، تُفاوض الكاتب على نسب الأرباح، وتُحمله تكاليف الطباعة والتوزيع، ثم تتركه يواجه مصيره في سوقٍ لا يرحم.

إن هذا الواقع يُنتج مفارقة مؤلمة: الكاتب العربي، الذي يسعى إلى أن يكون صوتًا لمجتمعه وذاكرةً لأمته، يجد نفسه بلا سند، بينما تتحول دور النشر إلى مؤسسات تُدار بعقلية المقاولات، لا بعقلية الرسالة. وهكذا، يصبح الإبداع رهينة حسابات مالية ضيقة، ويُختزل الكتاب في مجرد منتج استهلاكي، في حين يُهمّش دوره كأداة للتنوير والتغيير.

هذه الصورة القاتمة تطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن للثقافة أن تزدهر في ظل مؤسسات لا تحمل أي مشروع فكري، بل تكتفي بمطاردة الربح؟ أم أن على الكتاب العرب البحث عن بدائل جديدة، خارج الإطار التقليدي لدور النشر، لضمان وصول أصواتهم إلى القارئ؟

معاناة الكاتب العربي بين التهميش والبحث عن الاعتراف

الكاتب العربي اليوم يعيش مأساة مزدوجة: مأساة الإبداع الذي لا يجد من يتبناه، ومأساة السوق الذي لا يعترف إلا بما يدرّ الربح السريع. فبينما يكتب الكاتب نصوصه بعرق الروح، ويصوغ أفكاره كمن ينحت في الصخر، يجد نفسه أمام أبواب مغلقة، أو أمام عقود مجحفة تُفرغ الكتاب من قيمته وتحوله إلى مجرد سلعة. إن كثيرًا من دور النشر لا ترى في الكاتب شريكًا، بل زبونًا يُدفع إلى تحمل تكاليف الطباعة والتوزيع، ثم يُترك وحيدًا في مواجهة سوق لا يرحم، بلا دعم إعلامي أو تسويقي حقيقي.

هذه المعاناة ليست مجرد تفاصيل إدارية، بل هي جرح عميق في جسد الثقافة العربية. الكاتب الذي يُفترض أن يكون ضمير الأمة، يجد نفسه مهمشًا، يُعاني من عزلة قاسية، ويُدفع أحيانًا إلى التوقف عن الكتابة أو البحث عن منافذ بديلة خارج وطنه. إن غياب الدعم المؤسسي، سواء من دور النشر أو من المؤسسات الثقافية الرسمية، جعل الكتاب العربي يعيش حالة من الاغتراب داخل مجتمعه، وكأن الإبداع أصبح عبئًا لا قيمة له في زمن تُقاس فيه الأشياء بمردودها المالي لا بعمقها الفكري.

ولعل الأكثر إيلامًا أن كثيرًا من الأصوات المبدعة تُدفن قبل أن ترى النور، لأن دور النشر لا تملك الجرأة على تبني نصوص لا تضمن لها مبيعات واسعة. وهكذا، يُقصى الأدب الجاد، وتُهمّش الكتابات الفكرية العميقة، بينما تُفتح الأبواب أمام نصوص سطحية أو تجارية تُرضي السوق ولا تُضيف شيئًا إلى الوعي الجمعي. إن الكاتب العربي، في ظل هذا الواقع، يُشبه من يصرخ في صحراء بلا صدى، يبحث عن الاعتراف، عن قارئ يلتقط صوته، وعن مؤسسة تؤمن بأن الكتاب ليس مجرد سلعة، بل رسالة.

هذه الأزمة تُعيدنا إلى سؤال جوهري: كيف يمكن للكاتب أن يستمر في الإبداع إذا كان محاصرًا بين تهميش المؤسسات الثقافية وجشع دور النشر؟ وكيف يمكن للثقافة العربية أن تنهض إذا كان صوتها الأصيل يُقصى لصالح نصوص تجارية لا تحمل أي مشروع فكري؟ إن معاناة الكاتب العربي ليست شأنًا فرديًا، بل هي قضية وجودية تخص مستقبل الثقافة العربية بأسره، لأنها تُحدد ما إذا كان الإبداع سيظل حيًا، أم سيُدفن تحت ركام السوق والربح السريع.

انعكاسات الأزمة على المشهد الثقافي العربي ومستقبل الكتابة والإبداع

إن أزمة العلاقة بين الكتّاب العرب ودور النشر لا تتوقف عند حدود العقود والتوزيع؛ إنها تضرب قلب الثقافة العربية وتعيد تشكيل المشهد برمته. حين تُهيمن عقلية الربح على صناعة الكتاب، يتراجع الاستثمار في المشاريع الفكرية طويلة النفس، ويُستبدل البناء الثقافي المتراكم بإنتاج سريع يلهث وراء الترند. النتيجة هي فضاء عام مُشوَّش، تُسيطر عليه كتب خفيفة وعناوين براقة، بينما تُهمَّش النصوص الجادة التي تُزعج بنقدها وتُحرّك المياه الراكدة بأسئلتها. هكذا يتكوّن وعي جمعي هش، يُطهَّر من القلق المعرفي، ويُغذَّى بمنتجات ثقافية مريحة لا تُربك، ولا تُفتح أفقًا جديدًا.

هذا الانحراف يُنتج سلسلة آثار متراكبة:

- تجفيف منابع التنوع الأدبي والفكري: إذ يختفي الصوت المختلف لصالح القوالب السهلة القابلة للتسويق، فتفقد الثقافة إحدى أهم وظائفها: التعدد والجدل.

- تآكل الثقة بين الكاتب والقارئ: حين يرى القارئ أن الساحة تتخم بأعمال متوسطة أو رديئة، يتراجع إيمانه بجدوى القراءة، ويصبح عزوفه خيارًا منطقيًا، فتضعف سوق الكتاب أكثر، وتستحكم الحلقة المفرغة.

- هجرة العقول إلى منصات خارجية: يبحث الكتاب الجادون عن منافذ للنشر خارج المنطقة أو عبر اللغات الأجنبية، فتخسر الثقافة العربية أصواتها القوية، ويتعمق شعور الانفصال بين المبدع والجمهور المحلي.

- تراجع الدور التنويري للمؤسسات الثقافية: تتحول الجوائز، المعارض، والملاحق الثقافية إلى مشهد استعراضي تسويقي، يغيب عنه التقويم النقدي الصارم، وتُستبدل المعايير الفكرية بمعايير القابلية للانتشار.

لكن وسط هذا المشهد القاتم، توجد فرص لإعادة البناء إن وُجدت الإرادة:

- نماذج نشر بديلة يقودها الكتاب: منصات مستقلة، تعاونيات نشر، وتمويل جماعي يضع الكاتب في مركز القرار ويمنح النص فرصة الوصول دون ابتزاز تجاري.

- محررون ونقاد كقوة موازنة: استعادة دور التحرير الجاد والتقويم النقدي يرفع جودة النصوص ويخلق حوارًا معرفيًا يربط الكتاب بالقارئ على أسس الفكرة لا ضجيج السوق.

- مكتبات عامة وبرامج قراءة وطنية: حين تتحول الدولة والمجتمع المدني إلى حاضنة للقراءة، تتسع قاعدة القراء، فيخف الضغط التجاري عن دور النشر، وتُفتح نافذة للنصوص ذات القيمة العالية.

- تحالفات بين الجامعات ودور النشر المستقلة: مشاريع بحثية–نشرية تتبنى إنتاجًا نوعيًا في مجالات الفلسفة، العلوم الإنسانية، السرد التجريبي، وتوفر مسارات توزيع ورقية ورقمية خارج منطق الربح القصير.

في الجوهر، الأزمة الراهنة تُحتم علينا إعادة تعريف وظيفة الكتاب في حياتنا: ليس مجرد منتج يُباع، بل فعل مقاومة معرفية يزعزع السائد ويقترح احتمالات جديدة للمعنى. إن مستقبل الكتابة العربية يتوقف على قدرتنا في بناء بيئة ثقافية تُكافئ الجرأة الفكرية، وتربط الإبداع بكرامة الكاتب وذكاء القارئ. ولن يتحقق ذلك إلا بتحويل العلاقة بين الكاتب ودور النشر من صفقة تجارية إلى شراكة رسالية، تُقاس بالأسئلة التي تطرحها الكتب وبالتحولات التي تصنعها في وعي الناس، لا بأرقام المبيعات وحدها.

خارطة حلول عملية لإعادة بناء العلاقة بين الكاتب ودور النشر

إن تجاوز الأزمة الراهنة لا يمكن أن يتم عبر النقد وحده، بل يحتاج إلى تصور عملي يعيد الاعتبار للكتاب العربي ويمنح دور النشر فرصة لاستعادة رسالتها الثقافية. فالمشهد الحالي، الذي تحكمه عقلية السوق، يمكن أن يُعاد تشكيله إذا ما توفرت إرادة جماعية من الكتّاب، ودور النشر، والمؤسسات الثقافية، والدولة، والقارئ نفسه.

أولاً- بدائل نشر مستقلة يقودها الكتّاب: مثل إنشاء منصات نشر رقمية وتعاونية، حيث يتشارك الكتّاب في إدارة عملية النشر والتوزيع بعيدًا عن هيمنة الدور التجارية. وكذلك اعتماد نماذج التمويل الجماعي (Crowdfunding) التي تسمح للقارئ بأن يكون شريكًا في إنتاج الكتاب، مما يعزز العلاقة بين الكاتب وجمهوره. وتأسيس اتحادات أو جمعيات للكتّاب تتولى التفاوض الجماعي مع دور النشر، وتضع معايير عادلة للعقود والحقوق الفكرية.

ثانياً- إصلاح دور النشر نفسها: إعادة تعريف وظيفة الناشر من مجرد وسيط تجاري إلى شريك ثقافي، عبر تبني مشاريع طويلة الأمد تقوم على الجودة الفكرية لا على الربح السريع. وتخصيص أقسام تحرير وتقييم نقدي داخل الدور، تضمن فرز النصوص الجادة وتقديم الدعم التحريري للكتاب الشباب. وبناء شبكات توزيع أكثر عدالة، تتيح للكتب الجادة الوصول إلى القراء في مختلف المدن والقرى، بدلًا من تركيزها في معارض محدودة أو مكتبات نخبوية.

ثالثاً - دور الدولة والمؤسسات الثقافية: إطلاق برامج دعم مباشر للكتاب الجادين، عبر صناديق تمويل للنشر أو منح للإبداع، تُدار بشفافية وتُمنح وفق معايير فكرية لا سياسية. وتعزيز المكتبات العامة والجامعية لتكون منصات توزيع حقيقية للكتاب العربي، مما يخفف الضغط التجاري عن دور النشر. وتنظيم معارض كتاب وطنية وإقليمية تُعطي الأولوية للأعمال الفكرية والأدبية العميقة، بدلًا من تحويلها إلى مهرجانات تسويقية.

رابعاً- القارئ كفاعل أساسي: نشر ثقافة القراءة الواعية التي تُميز بين الكتاب التجاري والكتاب الجاد، وتُكافئ الكاتب الذي يغامر بفكر جديد. ودعم المبادرات المجتمعية مثل نوادي القراءة، والمراجعات النقدية على المنصات الرقمية، لتوسيع قاعدة القراء وتوجيه السوق نحو الجودة.

إن الحل لا يكمن في إقصاء دور النشر، بل في إعادة صياغة العلاقة بينها وبين الكاتب على أساس الشراكة الفكرية لا الاستغلال التجاري. الكاتب يحتاج إلى مؤسسة تؤمن برسالته، والناشر يحتاج إلى نصوص تُضيف قيمة إلى الثقافة، والدولة والمجتمع بحاجة إلى بيئة تُكافئ الإبداع وتُعيد للكتاب مكانته كأداة للتنوير والتغيير. إن خارطة الحلول هذه ليست مجرد اقتراحات نظرية، بل هي دعوة إلى ثورة ثقافية هادئة، تُعيد الاعتبار للكتاب العربي وتضعه في موقعه الطبيعي: قلب الوعي الجمعي وذاكرة الأمة.

الكتاب العربي بين قيود السوق وضرورة الثورة الثقافية

إن أزمة الكتاب العربي وعلاقتهم بدور النشر ليست مجرد إشكال إداري أو خلاف مالي، بل هي أزمة هوية ثقافية تهدد مكانة الإبداع في الوعي الجمعي. حين يتحول الكتاب إلى سلعة بلا رسالة، وحين تُدار دور النشر بعقلية المقاولات لا بعقلية الحاضنة الفكرية، فإننا أمام خطر حقيقي يتمثل في تهميش العقول المبدعة ودفن النصوص الجادة قبل أن ترى النور. هذه الأزمة تكشف عن خلل عميق في البنية الثقافية العربية، حيث يغيب المشروع التنويري الجامع، وتُستبدل الرسالة الفكرية بمنطق السوق السريع.

لكن في المقابل، فإن هذه الأزمة تحمل في طياتها فرصة لإعادة البناء. فالإبداع لا يموت، والكاتب العربي سيظل يبحث عن منافذ جديدة، سواء عبر منصات مستقلة أو مبادرات جماعية أو بدائل رقمية، ليصل صوته إلى القارئ. إن إعادة الاعتبار للكتاب العربي تتطلب ثورة ثقافية هادئة، تُعيد صياغة العلاقة بين الكاتب والناشر على أساس الشراكة الفكرية لا الاستغلال التجاري، وتضع القارئ في قلب العملية بوصفه شريكًا في صناعة الوعي لا مجرد مستهلك.

الخلاصة أن مستقبل الثقافة العربية مرهون بقدرتنا على تحرير الكتاب من أسر السوق، وإعادة الاعتبار لدور النشر كحاضنة للفكر لا مجرد مؤسسة ربحية. فإذا نجحنا في ذلك، سنضمن أن يظل الكتاب العربي أداة للتنوير والتغيير، وصوتًا حيًا يعكس تطلعات الأمة ويصوغ ملامح مستقبلها. أما إذا استسلمنا لمنطق البلطجة التجارية، فإننا سنخسر ليس فقط الكتاب، بل سنخسر الوعي ذاته.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

 

البحث عن الأمان في أقفاص الهوية

في عصر يرفع شعارات الحرية والتعددية، تشهد مجتمعاتنا تحولاً خطيراً نحو الانكفاء داخل جماعات هوياتية مغلقة، سواء أكانت عرقية أم طائفية أم سياسية أم ثقافية. يُقدَّم هذا السلوك على أنه ممارسة شرعية للحرية والدفاع عن الذات، بينما يؤدي في الواقع إلى إضعاف النقد الذاتي وتعطيل الحوار البناء. النتيجة ليست سوى ديمقراطية انتقائية، تُرفع فيها الشعارات البراقة بينما يُعاد إنتاج الانقسام بأساليب أكثر تهذيباً وأقل وضوحاً.

التحول اللغوي والأخلاقي: من "العصبية" إلى "الهوية"

لم تعد الغرائز القبلية تُسمى عصبيات يُدان حاملها أخلاقياً، بل صارت تُعرف باسم "الهويات" و"الانتماءات". هذا الانزياح اللغوي ليس بريئاً؛ فهو يُغير الحكم الأخلاقي على السلوكيات الإقصائية، ويحوّلها من خطيئة اجتماعية إلى حق مشروع في التعبير عن الذات. فكلمة "هوية" تحمل في طياتها شرعية وجودية، تجعل من الدفاع عنها – حتى بأساليب انعزالية – عملاً مبرراً. وهكذا، تُلبس النزعات الانفصالية ثوب الحداثة، وتُقدّم بوصفها إعادة اكتشاف للذات الجمعية.

الظاهرة الشاملة: جميع الأطراف تمتلك قاموسها الأخلاقي

لم تعد هذه الظاهرة حكراً على طرف ضد آخر. فكل جماعة – أغلبية كانت أم أقلية – باتت تمتلك قاموسها الخاص لتبرير موقفها، مستندة إلى تاريخها وآلامها الخاصة لصنع "درع أخلاقي" يحميها من النقد. الأكثرية تتحدث عن الحفاظ على الهوية والتراث، بينما تتحدث الأقلية عن الحق في الاختلاف والحماية من التهميش. الجميع يمتلك سرديته، وجميعهم يرفعون راية الدفاع المشروع، مما يُنتج حالة من الحوار بين صم، لا يسمع فيها أحدٌ الآخر.

تأثير التحصن على الفرد والمجتمع: فقدان الاستقلالية الفكرية

داخل الجماعة الهوياتية، يفقد الفرد جزءاً كبيراً من استقلاليته الفكرية. فالسؤال الداخلي يُعتبر خيانة، والنقد الخارجي يوصف عدواناً. يجد الفرد نفسه مرغماً على تبني المواقف الجاهزة، والانصياع للخطاب الجماعي الموحد. هذه "التبعية المريحة" تمنح الفرد شعوراً زائفاً بالقوة والانتماء، بينما تعفيه من مواجهة الأسئلة الصعبة بمفرده، وتحميه من عبء المساءلة الفردية.

الديمقراطية الانتقائية: خطاب بلا حوار

لا تُلغى الديمقراطية في هذا السياق، بل تُستخدم بانتقائية واضحة. تُستدعى عندما تخدم مصالح الجماعة، وتُهمش عندما تهدد تماسكها الداخلي. وهكذا يُنتج فضاء عاماً مليئاً بالخطاب، لكنه فقير في الحوار الحقيقي. تُرفع شعارات الحرية والتعددية، لكن ضمن حدود لا تتجاوز أسوار الجماعة. تُمارس الديمقراطية كطقس شكلي، بينما يتم تعطيل جوهرها القائم على التسامح مع الاختلاف والاعتراف بالآخر.

النتيجة: المجتمع الرمادي والمسؤولية المشتتة

النتيجة النهائية ليست نظاماً استبدادياً واضح المعالم، بل حالة مجتمعية مراوغة وغامضة. مجتمع "رمادي" تذوب فيه المسؤوليات، ويتوزع الذنب على نطاق واسع، فلا يشعر أحد بأنه المخطئ الوحيد أو المسؤول الرئيس. هذه التشظي في المسؤولية يلغي أي حافز للمراجعة والمحاسبة، ويجعل من الصعب تحديد نقطة الخلل، فالأخطاء تُرتكب جماعياً، وتُغفر جماعياً.

المواطنة الفاعلة: الخروج من القطيع

في مواجهة هذا التحصن الهوياتي، تبرز المواطنة الفاعلة كبديل جذري وحيد. ليست المواطنة مجرد شعار أو وثيقة قانونية، بل هي ممارسة عملية تعيد توزيع الحقوق والواجبات خارج منطق العصبية والانتماءات الضيقة. المواطنة الحقيقية تتطلب شجاعة الخروج من القطيع، والتحلي بمسؤولية المشاركة الفردية في الشأن العام. هي الخيار الأصعب، لأنها تفرض على الفرد أن يواجه الأسئلة الشائكة بمفرده، وأن يتحمل عبء المساءلة الشخصية.

المواطنة هي الإطار الجامع الوحيد القادر على كسر دائرة التحصن، لأنها تتعامل مع الأفراد ككائنات عاقلة وحرة، وليس كأعضاء في جماعة مغلقة. هي العقد الاجتماعي الذي يسمح بالاختلاف ضمن إطار الوحدة، ويحول التنوع من مصدر تهديد إلى مصدر ثراء.

خاتمة: نحو شجاعة الفردانية المسؤولة

إن الخطر الأكبر في التحصن الهوياتي ليس في انقسام المجتمع فحسب، بل في تحويل الأفراد إلى كائنات تابعة، تفقد القدرة على التفكير النقدي المستقل. المواطنة الفاعلة تمثل تحدياً أمام هذه الموجة العاتية من الجماعاتية الحديثة، فهي تدعو إلى استعادة الفرد كفاعل أخلاقي وعاقل. إنها دعوة إلى شجاعة جديدة: شجاعة الوقوف بمفردك، والتفكير بمفردك، وتحمل المسؤولية بمفردك – ليس من أجل الانعزال، بل من أجل المشاركة الحقيقية في بناء مجتمع حر يتسع للجميع.

***

بهيج حسن مسعود

 

من نظرية الفوضى إلى الوجودية

كريستوفر لينكيوينش

ترجمة: علي حمدان

***

رسالة منطقية فلسفية لودفيغ فيتغنشتاين

يقدم لنا لودفيغ فيتغنشتاين (1889-1951) زاويةً محتملةً في كتابه "رسالة منطقية فلسفية"، وهو عملٌ يُفصّل فيه الصلة بين خلفيته في الرياضيات ومجال الميتافيزيقا الفلسفي التأملي. يتألف العمل من سلسلة من العبارات مُرتبةً عدديًا، للدلالة على أهميتها المنطقية، مع تزايد التعقيد، حول بنية الكون والمنهج الفلسفي الأمثل لتفسيرها. تبدأ الرسالة، كما هو معروف:

1. العالم هو كل ما هو كائن.

1.1 العالم هو مجموع الحقائق، لا مجموع الأشياء.

1.11 العالم مُحدَّد بالحقائق، وبكونها جميع الحقائق.

1.12 لأن مجموع الحقائق يُحدِّد ما هو كائن، وكل ما ليس كائنًا.

1.13 الحقائق في الفضاء المنطقي هي العالم.

1.2 العالم ينقسم إلى حقائق.

1.21 أيٌّ منها إما أن يكون كائنًا أو لا يكون، ويبقى كل شيء آخر على حاله. (رسالة منطقية فلسفية، ص 25)

قد لا تُجنّبنا ميتافيزيقا فيتغنشتاين تعقيد الفوضى الهائل، لكنها تُقدّم لنا رؤية ثاقبة لكيفية إجراء تأملاتنا الفلسفية في العالم. إنّ تسمية "العالم" بـ"العالم" قد تُثير لدينا بعض التساؤلات؛ فمن الواضح أنّ "العالم" يُشير، بشكلٍ مفتوح، إلى "ما هو كائن"، أو بالأحرى، إلى "كل ما هو كائن أو قد يكون"، وليس إلى أيّ كائن مُحدّد فحسب، بل إلى مجموع كلّ الكائنات وعلاقاتها. ولعلّنا نُذكّر أنفسنا بأنّ الأحداث، في مجملها، قابلة للتحليل الرياضي، بينما لا يُمكن بسهولة تبرئة أحداث العالم نفسها من غموضها.

بالنسبة لأنصار نظرية الفوضى، قد يكون من المغري فصل أحداث العالم عن الأدوات الرياضية التي تجعلها "قانونية": فالمعادلات قد تسمح لنا بتصوير حدث ما، وتجميده في الزمن، وتحليل جميع جوانبه. لكن هذا المسعى، كما قد يذكرنا منظّر الفوضى، هو عبثٌ لا طائل منه. هل قرّبتنا حساباتنا حقًا من الحدث الموصوف؟ أم أنها أظهرت لنا فقط مدى بُعد هذا الحدث عنا؟ ففي النهاية، لا يوجد شكل هندسي مثالي - كالمثلث مثلاً - مؤلف من خطوط مستقيمة، ومُجبر، بفعل حساباتنا، على التوافق - في مخيلتنا - مع حقائق محددة ومستنتجة منطقيًا.

حول الخطأ

من طبيعة التفكير أننا لا نملك جميع المعلومات. وكما قال فيتغنشتاين: "العالم محكوم بالحقائق، وهذه هي جميع الحقائق" (رسالة منطقية فلسفية، 1.11). ومع ذلك، نادرًا ما نملك حتى جوهر الموضوع الكافي لنقول بثقة: "هذا علم كامل، لم يُغفل عنه شيء، ولم يُتجاهل، ولم يُهمل". علاوة على ذلك، قد نتساءل: "ما هي المعرفة الكاملة؟ هل الاستدلال ناقص، لأن الاستنتاج ملموس ومحدد، بينما الاستدلال أقل وضوحًا؟"

في حالة النظام أو الظرف الفوضوي، ولأن الفوضى حتمية وتخضع لقوانين محددة، إلا أن هناك العديد من العناصر ومستويات التعقيد التي تحول دون تكوين صورة شاملة بثقة تامة، على الرغم من معرفتنا بأن النظام حتمي. يشير مصطلح "الفوضى"، في اللغة الدارجة، غالبًا إلى الظروف المعقدة وغير المتمايزة. بعبارة أخرى، يُوصف السيناريو، بحكم التعريف، بأنه "فوضوي" لأن منظورنا - للبيانات المحدودة - محدود بتعقيد هذه البيانات. أما من الناحية النظرية، فيُوصف السيناريو بأنه "فوضوي" لكونه حتميًا وغير قابل للتنبؤ ومعقدًا؛ ليس لأنه مشروط بأي خصائص استثنائية، بل لأننا لا نستطيع أو لا نمتلك القدرة على رسم صورة كاملة لجميع المتغيرات والفروق الدقيقة والأجزاء المتحركة والتفاصيل التي تحدد حدود وتفاصيل ذلك السيناريو.

إنّ أكثر ما يُثير الاستياء في مفهوم "الفوضى" هو انتشاره الشامل والقاطع، أي أننا نادرًا ما نصل إلى صورة كاملة لأي شيء. فعندما نتناول موضوعًا ما، نسعى إلى استكشاف أكثر المواضيع، والعناصر، والتعبيرات عموميةً، وتوحيدًا. فعلى سبيل المثال، قد يُحرز بحثٌ في نظرية الموسيقى تقدمًا ملحوظًا فيما يتعلق بموسيقى شونبيرغ الكروماتية "اللا نغمية"، دون الحاجة بالضرورة إلى التطرق إلى الميكروتونالية. أما فيما يخص تاريخ الموسيقى الكلاسيكية، فربما لم تكن الميكروتونالية قد ظهرت بعدُ بشكلٍ يستدعي فهمًا متقدمًا للموسيقى الكلاسيكية أو اللا نغمية.

بمعنى آخر، الفوضى أمر طبيعي تمامًا من بعض النواحي. فالهدف ليس الوصول إلى الصواب المطلق، بل أن يعمل الفكر ضمن حدود معقولة من عدم الخطأ. وفقًا لمعادلة فيتغنشتاين، فإن "العالم" الذي يُفهم على أنه "جميع الحقائق"، أي ككل متجانس تمامًا أو مجموعة من مكونات متجانسة، هو في جوهره غير متاح لنا. قد نتعامل مع الحقائق كأجزاء من "العالم"، لكن من الصعب علينا جعلها ملكًا لنا. مع ذلك، في حالة علماء الفيزياء الفلكية، على سبيل المثال، قد نأمل ونتوقع أن يكونوا قادرين على إجراء جميع الحسابات اللازمة لوضع رواد الفضاء بأمان على سطح القمر وإعادتهم إلى الأرض سالمين. هذا هو جوهر العلوم الطبيعية ونطاقها. أما مهمة علماء الرياضيات والعلوم فهي الوصول إلى "الصواب المطلق".

سيكولوجية الاختلاف

كما يسعى علم التفاضل والتكامل والفيزياء، بنجاحٍ كبير، إلى إضفاء طابع رياضي على الواقع الملموس، فإن أفكارنا، لكي تكون مفيدة، يجب أن تُقدّم لنا واقعًا مفهومًا ظاهريًا - مفيدًا، مهما كان بناؤه فوضويًا. ومن مصلحتنا قطعًا أن نبذل هذه المحاولة، مهما بدت شاقة؛ لأنه لا خيار لنا؛ فعلى هذا يتوقف مدى فعالية تصورنا للواقع. لا يمكن لأي قدر من العلم والرياضيات والتجريد أن يُحيط بالعالم إحاطة كاملة. يمكن أن تحدث أخطاء، وستحدث، ويجب أن تحدث في حساباتنا. وكذلك الأمر بالنسبة لتجربتنا للوعي. بلغة فلسفة العبث لألبير كامو، لا يوجد، ولا يمكن أن يكون هناك، أي تبرير ميتافيزيقي لوجود الإنسان؛ فأسلوبه في التعامل مع العالم وهمي لا محالة؛ وإذا كان العالم بطريقة ما كليًا "موسيقيًا"، فإن مصير الإنسان المحتوم هو أن تصوراته ستعجز دائمًا تقريبًا عن تفسير ذلك الواقع تفسيرًا ذا معنى. في علم الكونيات عند كامو، الواقع عديم المعنى تماماً، بينما مصير الإنسان هو أن يمنحه معنى، وأن يكافح من أجل القيام بذلك.

من الناحية الفلسفية، ما يثير الانتباه في نظرية الفوضى، وميكانيكا الكم، وحتى الرياضيات والفيزياء عمومًا، هو أنه لكي ندرك هذه الأنظمة المعقدة، علينا أيضًا أن نتخلى عن حقنا في المشاركة في حقيقة الفوضى الوجودية البسيطة، وأن نستبدلها بفهم مجرد. بعبارة أخرى، ثمة مسافة لا نهائية، لا يمكن تجاوزها نظريًا، بين تصورنا للواقع - قابليته للفهم وتصوراتنا عنه - وقدرتنا على إدراك تجربتنا المحدودة للوجود في العالم. وبشكل أعم، يمكن أن تنعكس هذه المفارقة على موضوع الفوضى برمته. ما الحق الذي نملكه للتفاعل مع الفوضى نفسها، في عالم فوضوي حيث يشكل مجرد الانخراط في الفوضى - وهو شرط أساسي للوعي - نوعًا من التكلف؟ أليس الانخراط في الفوضى بشكل مباشر، ولكن غير مكتمل، ضربًا من الغرور؟ بالنسبة لنا غريزيًا، تمثل أسطورة بروميثيوس تحذيرًا ودعوة في آن واحد. لكن القدرة على جعل العالم مفهوماً ("الرؤية بعد فوات الأوان سهلة") لا تعفينا من الحقيقة البسيطة المتمثلة في أن أنظمتنا الكبرى تشكل تشتيتاً مطلقاً عن "الحياة الحقيقية".

***

حول فرضيات المستشرق الأندلسي إيميليو غونزاليس فيرين ونفيه لحدوث الفتح العسكري العربي الإسلامي للأندلس: عطفا على مقالتي ليوم أمس حول سلسلة مقابلات الإعلامي المغربي ياسين عدنان حول الاستشراق، وتحديدا، أود التعقيب على ما ورد في حديث أحد ضيوفه وهو الباحث إيمليو فيرين - من فرضيات قد تبدو مفاجئة إنْ لم أقل صادمة لبعض القراء الذين استفسروا مني حولها وحول مدى صحتها تأريخيا. من تلك الفرضيات واحدة تفيد نفيه لحدوث فتح عربي إسلامي حربي للأندلس، وترجيحه حدوث ما يسميه "ثورة ثقافية سلمية" امتدت من بلاد المغرب إلى شبه الجزيرة الإيبيرية. أود التذكير هنا بأن هذا الموضوع ليس جديدا، وسبق لي أن ناقشت هذه الفرضيات في مقالة نشرت قبل خمس سنوات بعنوان "هوية الأندلس اليوم كما يراها مثقّفوها". وقد طوَّرتُ لاحقا هذه المقالة إلى دراسة نشرتها رفقة دراستين أخريين في كتابي "الأندلس قوة المثال وانبعاث الهوية ودراسات أخرى في التاريخ والتراث" الصدر عن دار فضاءات الأردنية سنة 2024.

أدرج هنا بعض ما كتبته من ملاحظات نقدية حول فرضيات الأستاذ فيرين في مقالتي ومن كتابي المذكورَين:

* "إنّ أحد المؤرّخين في هذه المجموعة، وهو إيميلو فيرين، يبالغ في إنكار حدوث غزو أو فتح عربي إسلامي لجنوب شبه الجزيرة الإيبيرية، ويعتقد بدلاً من ذلك بحدوث ما يسمّيها «ثورة ثقافية» جاءت أو تمدّدت من الشرق، وأثمرت عن قيام الحضارة الأندلسية ذات التعدّدية الدينية واللغوية والثقافية بعامة، ولكن الخطّ العام لكلامه وكلام زملائه مهمّ وجديد وجدير بالتأمل والدراسة بهدف وضعه في سياقه التاريخي واستجلاء معالمه ومضامينه واستشراف آفاقه.

* تأريخياً، لا تُعتبر فكرة "عدم حدوث غزو عربي إسلامي لشبه الجزيرة الإيبيرية" جديدة تماماً. وهناك روايات وردت حتى في المصادر العربية تحدثت عن حالة تخلخل في الحكم واضطراب في بلاد الأندلس قبل قدوم العرب. فهناك مَن تحدث عن اضطرابات سياسية كبيرة وقعت آنذاك، حين حاول بعض المُلوك القوط الخروج على طبيعة التنظيم القبلي لمجتمع المملكة القوطيَّة بجعل نظام الحُكم وراثيًاً، ما أدَى إلى إثارة التنافُس بين الطامعين في العرش. حتَى أضحى تاريخ الملكيَة القوطيَة، في أواخر عهد المملكة، سلسلة من المُؤامرات والاغتيالات والحروب الداخليّة.

* ولم يلبث هذا الصراع الداخلي أن دخل مرحلته الأخيرة في عهد الملك إخيلا الثاني، وكان إخيلا الأول قد قُتل في واحدة من ثورات شعبه سنة 554م، واستمرّ الصراع والاضطرابات في عهد خُلفائه، وأدّى إلى ضعف المملكة وسُقوطها بيُسر في أيدي المُسلمين. وهناك من تحدث عن تواطؤ حدث بين حاكم طنجة وسبتة القوطي يليان والعرب المسلمين وسهّل دخولهم الأندلس بسبب خلافاته مع الملك القوطي لذريق "رودريك". وهذه الرواية توردها كُل المصادر العربيّة والإسلاميّة القديمة من دون استثناء. وتفيد رواياتٌ أُخرى بـ"أنَّ يُليان لم يكن يتوقّع، حين طلب المُساعدة من المُسلمين، أن يستقر هؤلاء في الأندلُس، ويبدو أنّه خطّط فقط للاستعانة بهم لخلع لذريق وإعادة أولاد غيطشة (بالإسبانية: Witiza) إلى الحُكم". والخلاصة، حتى هذه الروايات لا تنفي حقيقة وقوع الغزو العربي لشبه الجزيرة والسيطرة عليها بالسلاح، خلافاً لما يقوله المؤرّخ الأندلسي المعاصر إيميلو فيرين".

* ومن كتابي سالف الذكر، ومن دراسة بعنوان "حضارة الأندلس والثقافات الثلاث" أقتبس لكم الفقرات التالية وعذرا لطول المقتبس:

* "يذهب الباحث إيميلو فيرين في الوثائقي التلفزيوني "ثلاثية الأندلس: حكاية الشاطئين"، إلى أن: "الحديث عن الاحتلال العربي لشبه الجزيرة الإيبيرية أمر مصطنع، ومجرد بروباغندا (دعاية كاذبة موجهة) وحكاية عُدَّتْ كتاريخ حقيقي لتبرير سقوط الحكم القوطي، ويصبح هذا الحديث ضرورة ملحة عندما يرتبط بالفترة اللاحقة فترة الاستعادة "حروب الاسترداد".

لا يمكن أن نتفق بسهولة مع فيرين في ما ذهب إليه، فحقائق التاريخ أكثر صلابة وثقلاً مما نتصور، ولا يمكن نفي الفتح العسكري العربي لشبه الجزيرة الإيبيرية أو ما يسميه "الاحتلال العربي".

يقول فيرين في معرض تفنيده للحدث العربي إنَّ "تاريخ فتح العرب لشبه الجزيرة الإيبيرية كتب بعد مائة وخمسين سنة بعد سنة 711م، وهناك رواية عربية وأخرى لاتينية للأمر، وهي مجرد حكايات تاريخية عربية ولاتينية وليست مصدراً موثوقاً للتاريخ. هناك عملات وأختام ونقوش، لكن لا توجد وثيقة يعتد بها تقول كان هناك غزو عربي، بل كان هناك تعريب، ثورة ثقافية ودينية وسياسية جاءت من الشرق إلى الغرب. وإذا درس تاريخ الأندلس بترتيب وروية فلن يمكن القول حينها أن العرب غزوا الأندلس".

* تفنيد آراء فيرين: ويمكننا القول إنَّ اعتراضات فيرين هنا على واقعة الغزو العربي لا يعتد بها علميا، فحتى مقولة "التعريب القادم من الشرق" يمكن وضعها في السياق التاريخي لما بعد حدث الفتح الحربي دون أن تتغير الصورة كثيرا، إذ إنَّ الفرادة لم تكن في حدث الفتح الحربي بحدِّ ذاته، بل في ما تمخض عنه لاحقاً من اكتمال تجربة فريدة في البناء والتكون الحضاري الإنساني المثقفي الجديد والذي لا عهد للقارة الأوروبية الكالحة والجرداء حضارياً به عصر ذاك. هذا أولاً، وثانياً فالرقم الذي يؤرخ به فيرين لأول الكتابات التأريخية العربية واللاتينية لفتح الأندلس وهو مائة وخمسون عاما - بعد الفتح -غير دقيق تماما، ولدينا "تأرخات" ووثائق مكتوبة أبكر من هذا التاريخ بكثير؛ منها مثلا، كتاب أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الحكم. وهو مؤرخ مصري ولد في القرن الثاني للهجرة وبالتحديد سنة 187 هـ أي بعد ثمانين عاما من سنة 107 هـ التي اكتمل بها الفتح العربي الإسلامي للأندلس. وقد أفرد ابن عبد الحكم فصلاً خاصاً هو الخامس ذكر فيه كيفية وتفاصيل الفتح العربي لشمال إفريقية والأندلس والنوبة.

والأهم من هذا الدليل التأريخي - وفي المناسبة فالعملات والأختام والنقوش هي بحد ذاتها وثائق تأريخية ولا نرى موجباً لأن يفصل الباحث فيرين في كلامه بينها وبين الوثائق - هو أن لدينا وثائق مهمة عن مجريات الفتح ومنها وثيقة الصلح المؤرخة في سنة 94 هـ، والتي استسلم بموجبها حاكم إحدى المقاطعات القوطية لجيوش المسلمين بقيادة عبد العزيز بن مُوسى بن نُصير. والحاكم المقصود هو نبيلٌ قوطيّ عرفهُ المُسلمون باسم "تُدمير" ويُلفظ في لُغته الأُم "ثيوديمير". وكان ثيوديمير يعيشُ شبهَ مستقلٍ في تلك المنطقة مُنذ أيَّام لُذريق "رودريك"، الذي قيل بأنَّهُ استخلفهُ على الأندلُس قُبيل اندلاع معركة وادي لكة الشهيرة. ونقرأ في هذه الوثيقة: "كتابٌ من عبدُ العزيز بن مُوسى بن نُصير لِتُدمير بن عبدوس أنَّهُ نزل على الصُلح، وأنَّ لهُ عهد الله وذمَّة نبيِّه "ص" ألَّا يُقدَّم لهُ ولا لِأحدٍ من أصحابه ولا يُؤخَّر، ولا يُنزع من مُلكه، وأنَّهُم لا يُقتلون ولا يُسبون ولا يُفرَّق بينهم وبين أولادهم ولا نسائهم، ولا يُكرهوا على دينهم ولا تُحرق كنائسهم ولا يُنزع من كنائسهم ما يُعبد. وأنَّهُ صالح على سبع مدائن: أوريولة وبلتنة ولقنت ومولُه وبلَّانة ولورقة وألُه، لا يُؤوي لنا آبقاً ولا يُؤوي لنا عدُوّاً ولا يُخيفُ لنا آمناً ولا يكتُمُ خبرَ عدوٍّ علمه/ الإمامة والسياسة لابن قتيبة الدينوري ص 136 –ج1".

وقد تم الاتفاق على هذه الوثيقة بعد معارك عنيفة كبرى من أهمها معركة "لكة" الدامية سنة 92 هـ، وكانت هذه الاتفاقية التي عقدت بعدها بأقل من عامين نتيجة لها بشكل من الأشكال. والتزم العرب بهذه المعاهدة على الرغم من أنها انطوت يومها على خدعة حربية من قبل ثيوديمير، ولكن العرب المسلمين التزموا بما عاهدوا القوطي عليه. أما مصير ملك الأندلس القوطي لذريق الذي هزمه العرب المسلمون فقد بقي مجهولا لفترة طويلة، حتى كشفت إحدى المخطوطات القوطيَّة العائدة إلى القرن التاسع الميلاديّ عنه وورد فيها "أنَّهُ عُثر في قرية "إقطانية"، الكائنة في الپُرتُغال اليوم، على شاهد قبرٍ نُقش عليه عبارة "هُنا يرقُد لُذريق، ملك القوط".  

***

علاء اللامي

...................

* رابط يحيل إلى مقالة "الأندلس قوة المثال هوية الأندلس اليوم كما يراها مثقّفوها"

https://www.al-akhbar.com/Opinion/295762

* رابط آخر يحيل إلى مقالة "الأندلس قوة المثال هوية الأندلس اليوم كما يراها مثقّفوها" لمن لا يظهر لديهم الرابط الأول

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=697174

* رابط يحيل إلى خبر صدور كتاب "الأندلس قوة المثال وانبعاث الهوية" وتعريف بالكتاب:

https://www.facebook.com/share/p/17kVRhiwyp/

" التوترات الأساسية تحدث بين كفاءة السوق والإنسانية، والاستغلال، والسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية، وقوة المال."

المقدمة: في عصرنا الحالي، حيث يتشابك الاقتصاد مع السياسة الدولية بشكل لا يمكن فصله، أصبحت العديد من السياسات العالمية تتجاوز حدود المنطق والمعقول، مدفوعة بعوامل اقتصادية قوية. هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها بلغت ذروتها في السنوات الأخيرة، خاصة مع تصاعد التوترات الجيوسياسية والأزمات الاقتصادية العالمية. على سبيل المثال، يمكن ملاحظة كيف أدت الرغبة في السيطرة على الموارد الطبيعية، مثل النفط، إلى تدخلات عسكرية وفرض عقوبات اقتصادية تبدو غير منطقية في سياق القانون الدولي والأخلاقيات. في هذه الدراسة الأكاديمية الموسعة، سنستعرض العوامل الاقتصادية الرئيسية التي تقف وراء هذا التجاوز، مستندين إلى تحليلات تاريخية ومعاصرة، مع التركيز على أمثلة من الفترة 2020-2026. سنناقش كيف تحول الاقتصاد من أداة للتنمية إلى محرك للسياسات المتطرفة، مستلهمين نظريات اقتصادية مثل الاقتصاد السلوكي والرأسمالية المتأخرة.

جذور العلاقة بين الاقتصاد النيوليبرالي والسياسة غير الرشيدة

تعود جذور تجاوز السياسة العالمية حدود المعقول إلى العصور الاستعمارية، حيث كانت الدول الأوروبية تشن حروباً للسيطرة على الموارد الاقتصادية، مثل التوابل والذهب، دون مراعاة للعواقب الإنسانية. في القرن العشرين، أدت الأزمات الاقتصادية، مثل الكساد الكبير في 1929، إلى صعود أنظمة شمولية مثل النازية، التي اعتمدت سياسات توسعية غير منطقية لتعزيز الاقتصاد الوطني. وفقاً لنظرية الاقتصاد السلوكي، فإن القرارات الاقتصادية غالباً ما تكون غير رشيدة بسبب التحيزات النفسية والضغوط الاجتماعية، كما أوضحت دراسات في علم الاقتصاد السلوكي.  في العصر الحديث، أصبحت العولمة عاملاً رئيسياً، حيث أدت إلى عدم توازن اقتصادي يدفع الدول إلى اتخاذ قرارات متطرفة للحفاظ على هيمنتها الاقتصادية. مع انتشار الرأسمالية النيوليبرالية في الثمانينيات، تحول الاقتصاد إلى محرك للسياسات الدولية، حيث فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي سياسات تجارية تبدو منطقية على السطح، لكنها في الواقع تخفي دوافع توسعية. على سبيل المثال، أدت التعريفات التجارية تحت إدارة دونالد ترامب إلى حرب تجارية مع الصين، وصفت بأنها "غير منطقية ومتناقضة"، مما زاد من عدم المساواة الاقتصادية في الولايات المتحدة.  هذه الخلفية تكشف أن العوامل الاقتصادية، مثل المنافسة على الأسواق والموارد، غالباً ما تؤدي إلى سياسات تتجاوز الحدود المعقولة.

العوامل الاقتصادية الرئيسية: المنافسة على الموارد والأسواق

أحد أبرز العوامل الاقتصادية هو المنافسة على الموارد الطبيعية، خاصة الطاقة. في ظل انخفاض الاحتياطيات العالمية، أصبحت الدول مستعدة لاتخاذ إجراءات متطرفة لضمان إمداداتها. على سبيل المثال، في فنزويلا، التي تمتلك أكبر احتياطيات نفطية في العالم (حوالي 18% من الاحتياطيات العالمية)، أدت السياسات الأمريكية إلى تدخل عسكري في يناير 2026، مدفوعاً بالرغبة في السيطرة على هذه الموارد.

 هذا التدخل، الذي شمل خطف الرئيس نيكولاس مادورو، يعكس كيف يمكن للعوامل الاقتصادية أن تبرر سياسات تبدو غير معقولة، مثل انتهاك السيادة الدولية، لتعزيز المصالح الاقتصادية الأمريكية، خاصة مع انخفاض إنتاج النفط الفنزويلي بأكثر من 1.5 مليون برميل يومياً بسبب سوء الإدارة والعقوبات.

عامل آخر هو عدم المساواة الاقتصادية العالمية، التي تدفع النخب السياسية إلى اتخاذ قرارات غير رشيدة للحفاظ على سلطتها. دراسات تشير إلى أن النخب ترى الفقراء كـ"جاهلين وغير كفؤين سياسياً"، مما يبرر سياسات قمعية أو توسعية للحفاظ على الوضع الاقتصادي القائم.  كما أن الأزمات الاقتصادية، مثل جائحة كوفيد-19 في 2020، أدت إلى سياسات حماية وطنية متطرفة، مثل فرض حظر تصدير على السلع الطبية، مما زاد من التوترات الدولية دون فائدة اقتصادية واضحة طويلة الأمد.

أخيراً، يلعب الاقتصاد السلوكي دوراً حاسماً، حيث يفسر كيف تكون القرارات الاقتصادية غير رشيدة بسبب "السلوكيات غير المنطقية"، كما في نماذج اقتصادية حديثة.  هذا ينطبق على السياسات العالمية، حيث يؤدي الخوف من الانهيار الاقتصادي إلى قرارات متسرعة، مثل التعريفات التجارية التي وصفت بأنها "نواة عقلانية في قشرة حماوية"، لكنها في الواقع تزيد من التكاليف الاقتصادية.

أمثلة معاصرة: من 2020 إلى 2026

في الفترة من 2020 إلى 2026، شهد العالم أمثلة عديدة على كيف تؤدي العوامل الاقتصادية إلى سياسات متجاوزة. أولاً، حرب التجارة الأمريكية-الصينية تحت ترامب، التي استمرت حتى 2025، أدت إلى تعريفات غير منطقية أثرت سلباً على الاقتصاد الأمريكي نفسه، مما زاد من عدم المساواة.

 ثانياً، الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022، الذي كان مدفوعاً جزئياً بالسيطرة على موارد الغاز الطبيعي، أدى إلى عقوبات دولية أثرت على الاقتصاد العالمي، مما يظهر كيف تتجاوز السياسة الحدود بسبب الاقتصاد.

ثالثا أزمة فنزويلا من الانهيار الاقتصادي إلى التدخل العسكري الأمريكي

في 2026، فإن العملية العسكرية الأمريكية في فنزويلا تمثل نموذجاً صارخاً. أعلن ترامب السيطرة على احتياطيات النفط الفنزويلية، مدعياً أنها ضرورية لمكافحة الأزمة الاقتصادية، رغم أن هذا ينتهك القانون الدولي ويؤدي إلى تفكك جيوسياسي أكبر.  هذا التدخل يهدف إلى إعادة بناء صناعة النفط الفنزويلية، التي تحتاج إلى استثمارات بمئات المليارات، لكن تحت سيطرة أمريكية، مما يعكس الدافع الاقتصادي الرئيسي.  كما أن الحصار الاقتصادي الأمريكي على فنزويلا قد يؤدي إلى انهيار اقتصادي كامل، مع خسارة إيرادات النفط، مما يبرز الجانب غير الرشيد لهذه السياسات. لذلك تشكل أزمة فنزويلا واحداً من أبرز التحديات الجيوسياسية في العالم المعاصر، حيث تتشابك فيها عوامل اقتصادية، سياسية، وإنسانية بشكل معقد. منذ صعود هوغو تشافيز في 1999، مروراً بعهد نيكولاس مادورو، شهدت البلاد تحولات جذرية أدت إلى انهيار اقتصادي غير مسبوق، هجرة جماعية، وتوترات دولية متصاعدة. بلغت الأزمة ذروتها في 3 يناير 2026، مع عملية عسكرية أمريكية أدت إلى خطف الرئيس مادورو وزوجته سيليا فلوريس، وتدمير بعض المنشآت العسكرية، في عملية وصفتها الولايات المتحدة بـ"عملية خاصة لمكافحة الإرهاب والمخدرات".  هذا التدخل، الذي يُعتبر انتهاكاً للسيادة الدولية، يعكس كيف تحولت الأزمة من قضية داخلية إلى صراع جيوسياسي عالمي. في هذا التحليل الأكاديمي العميق، سنستعرض الجذور التاريخية، التطورات الحديثة، العوامل الاقتصادية والسياسية، التأثيرات الإنسانية، والردود الدولية، مستندين إلى بيانات حديثة حتى يناير 2026، لفهم كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد. كما تعود جذور أزمة فنزويلا إلى الاعتماد الشديد على النفط، الذي يشكل 95% من صادرات البلاد. في عهد تشافيز (1999-2013)، استخدمت إيرادات النفط لتمويل برامج اجتماعية، مما خفض الفقر من 50% إلى 25%، لكن ذلك أدى إلى تضخم وفساد. بعد وفاة تشافيز، ورث مادورو (منذ 2013) اقتصاداً هشاً، تفاقم بسبب انخفاض أسعار النفط العالمية في 2014، مما أدى إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 75% بحلول 2020.  أدت السياسات الاشتراكية، مثل التحكم في الأسعار والتأميم، إلى نقص في السلع الأساسية، وتضخم تجاوز 1,000,000% في 2018.سياسياً، أثار انتخاب مادورو في 2018 شكوكاً في النزاهة، مما دفع خوان غوايدو إلى إعلان نفسه رئيساً مؤقتاً في 2019 بدعم أمريكي. ردت الولايات المتحدة بعقوبات اقتصادية منذ 2017، شملت حظر تصدير النفط، مما أدى إلى خسائر تقدر بـ100 مليار دولار.  هذه العقوبات، المبررة بـ"مكافحة الفساد والمخدرات"، ساهمت في تفاقم الأزمة الإنسانية، مع هجرة أكثر من 8 ملايين شخص. في 2024، أثارت الانتخابات جدلاً آخر، حيث فاز مادورو رسمياً لكن المعارضة ادعت التزوير، مما زاد من التوترات الداخلية. في السنوات الأخيرة، شهدت فنزويلا نمواً اقتصادياً جزئياً بنسبة 4-8% في 2025، مدعوماً بتحالفات مع روسيا، الصين، وإيران، لكن ذلك لم يمنع الانهيار الإنساني. في ديسمبر 2025، زاد التراكم العسكري الأمريكي في الكاريبي، مع ضربات على سفن مخدرات مزعومة. بلغ الذروة في 3 يناير 2026، مع عملية عسكرية أمريكية شملت هجمات جوية وأرضية، أدت إلى خطف مادورو وتدمير مواقع عسكرية، بما في ذلك ضريح تشافيز. لقد وصف الرئيس ترامب العملية بأنها "ضربة ضد الإرهاب"، لكنها أثارت انتقادات دولية كونها انتهاكاً للقانون الدولي. في أعقاب العملية، أعلنت نوبل السلام ماريا كورينا ماتشادو، المعارضة الرئيسية، نيتها العودة إلى فنزويلا، محذرة من حملة قمع داخلية شملت اعتقال 14 صحفياً على الأقل.  كما أن 16 ناقلة نفط من دول بريكس (بما في ذلك البرازيل، روسيا، الصين، الهند، والمكسيك) تحدت الحصار الأمريكي لتحميل النفط الفنزويلي، مما يشير إلى تصعيد جيوسياسي محتمل.  هذه التطورات تحولت الأزمة إلى صراع عالمي، مع مخاوف من حرب أهلية أو احتلال طويل الأمد. على هذا النحو يُعتبر الاقتصاد العامل الرئيسي في تعميق الأزمة. تمتلك فنزويلا 18% من الاحتياطيات النفطية العالمية، لكن إنتاجها انخفض من 3 ملايين برميل يومياً في 2013 إلى أقل من 800 ألف في 2025 بسبب سوء الإدارة والعقوبات.  أدت العقوبات الأمريكية إلى عزل فنزويلا عن الأسواق العالمية، مما دفعها إلى الاعتماد على روسيا والصين، التي أصبحت أكبر مستوردين للنفط الفنزويلي. هذا الاعتماد أثار غضب واشنطن، التي ترى فيه تهديداً لمصالحها الطاقية، خاصة مع ارتفاع أسعار الطاقة العالمية بعد الحرب الروسية الأوكرانية. من منظور اقتصادي، يُفسر التدخل الأمريكي بالرغبة في السيطرة على هذه الاحتياطيات لتعزيز الاقتصاد الأمريكي وتقليل الاعتماد على الشرق الأوسط. دراسات تشير إلى أن إعادة بناء صناعة النفط الفنزويلية تحت سيطرة أمريكية قد تتطلب استثمارات بمئات المليارات، لكنها ستعود بالفائدة على الشركات الأمريكية مثل إكسون موبيل.  ومع ذلك، يرى محللون أن هذا التدخل غير مدروس طويل الأمد، مشابه لتدخلات سابقة في العراق وأفغانستان، حيث أدى إلى فوضى اقتصادية. من وجهة نظر التحليل السياسي والجيوسياسي يمكن الحديث عن احتدام الصراع على السلطة والنفوذ:

سياسياً، تعكس الأزمة صراعاً بين النموذج الاشتراكي البوليفاري والرأسمالية الغربية. أدى رفض مادورو للإصلاحات الديمقراطية إلى عزله دولياً، لكن التدخل الأمريكي يُرى كمحاولة لتغيير النظام، مشابهة لعملية باناما في 1989.

 جيوسياسياً، يهدد التدخل مصالح الصين وروسيا، اللتين استثمرتا مليارات في فنزويلا، مما قد يؤدي إلى تصعيد عالمي، خاصة مع تحدي ناقلات بريكس للحصار.  كما أن الردود على منصات مثل إكس تكشف عن انقسام: بعضها يدعم التدخل كـ"تحرير"، بينما آخرون يراه "اختطافاً إمبريالياً".

أما عن التأثيرات الاجتماعية والإنسانية فيمكن رصد الأزمة الإنسانية العميقة. لقد أدت الأزمة إلى كارثة إنسانية، مع 80% من السكان تحت خط الفقر، ونقص في الغذاء والدواء. الهجرة الجماعية أثرت على دول الجوار، مع مخاوف من حملات قمع جديدة بعد خطف مادورو.  اجتماعياً، زادت الاحتجاجات، لكن التدخل قد يؤدي إلى حرب أهلية، مع مخاوف من احتلال أمريكي طويل. أما عن الردود الدولية فقد انقسمت بين الانتقادات والتحالفات. لقد أدانت الأمم المتحدة والحلفاء الأمريكيون مثل فرنسا التدخل كانتهاك للقانون الدولي.  روسيا وكوريا الشمالية طالبتا بإطلاق مادورو، محذرتين من حرب عالمية، بينما ترى الصين ذلك تهديداً لمصالحها.  في كولومبيا، رأى الرئيس بيترو أن الخطف يهدف إلى الاستيلاء على النفط. من هذا المنطلق ينظر الى الاقتصاد كمحرك للإمبريالية الحديثة. من منظور نظري، يمكن تفسير هذه الظاهرة من خلال نظرية الإمبريالية لفلاديمير لينين، التي ترى أن الرأسمالية المتأخرة تدفع إلى التوسع الخارجي لاستغلال الأسواق الجديدة. في العصر الحديث، تحولت هذه النظرية إلى "الإمبريالية الاقتصادية"، حيث تستخدم الدول العقوبات والتدخلات كأدوات للهيمنة. كما أن مفهوم "التوقعات غير الرشيدة" في الاقتصاد يفسر كيف يؤدي الخوف من الانهيار إلى قرارات متطرفة.  في فنزويلا، يظهر هذا بوضوح، حيث يؤدي التدخل الأمريكي إلى فرص اقتصادية للزراعة الأمريكية، لكنه يهدد باحتلال طويل الأمد.  هذا التحليل يؤكد أن العوامل الاقتصادية تحول السياسة من منطقية إلى متطرفة، مما يزيد من التوترات العالمية.

خاتمة

"الاقتصاد قضية سياسية وأخلاقية واجتماعية، تؤثر على رفاهية المجتمعات وحرية الأفراد."

العوامل الاقتصادية، مثل المنافسة على الموارد وعدم المساواة، هي السبب الرئيسي وراء تجاوز السياسة العالمية حدود المعقول، كما في أمثلة فنزويلا وغيرها. يجب على المجتمع الدولي تبني منهجاً أكثر توازناً لتجنب التصعيد، مستلهماً دروس التاريخ لضمان مستقبل اقتصادي مستدام. هذه الدراسة تؤكد أن الاقتصاد، إذا لم يُدار بحكمة، يمكن أن يكون مصدراً للكوارث السياسية. أزمة فنزويلا تعكس فشل النموذج الاقتصادي الاشتراكي والتدخلات الإمبريالية، مع تدخل 2026 كدليل على تجاوز السياسة حدود المعقول. يتطلب الحل حواراً دولياً لإعادة بناء الاقتصاد والديمقراطية، مع احترام السيادة. بدون ذلك، قد تؤدي إلى صراع عالمي أوسع، مما يؤكد حاجة العالم إلى نظام دولي أكثر عدلاً. تؤدي هذه السياسات إلى آثار اقتصادية سلبية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة وتفاقم الفقر العالمي. في فنزويلا، قد يؤدي الاحتلال إلى إعادة بناء القطاع النفطي، لكنه يثير مخاوف من احتلال دائم.  مستقبلاً، يتطلب الأمر إعادة صياغة السياسات الدولية لتركيزها على التعاون بدلاً من المنافسة، مع الاستفادة من نماذج اقتصادية أكثر رشادة.

***

د. زهير الخويلدي

والحلول الحضارية للاستمرارية التاريخية والبقاء الوجودي بين العوامل الداخلية والخارجية

مقدمة: تشكل الأمة العربية، بتاريخها العريق وتراثها الحضاري الغني، محورًا أساسيًا في التاريخ الإنساني. منذ العصور القديمة، ساهمت في بناء الحضارات، من خلال الإنجازات العلمية، الثقافية، والفلسفية، كما في عصر الدولة الأموية والعباسية. ومع ذلك، تواجه الأمة العربية اليوم صراعًا وجوديًا يهدد استمراريتها التاريخية وبقاءها ككيان حضاري متماسك. هذا الصراع ينبع من تفاعل معقد بين عوامل داخلية، مثل التقسيمات الطائفية والاقتصادية، وعوامل خارجية، مثل التدخلات الاستعمارية والضغوط الجيوسياسية. تهدف هذه الدراسة إلى تحليل هذا الصراع من منظور حضاري، مستندة إلى مقاربة تجمع بين التحليل التاريخي والثقافي، مع اقتراح حلول تعزز الاستمرارية والحيوية. المقاربة الحضارية هنا تعتمد على فكرة أن الحضارة ليست مجرد تراكم مادي، بل نظام متكامل يشمل الجوانب الفكرية، الاجتماعية، والاقتصادية، كما أكد عليه ابن خلدون في نظريته عن العمران.  سنقسم الدراسة إلى أقسام رئيسية: العوامل الداخلية، الخارجية، التحليل الحضاري، والحلول المقترحة ونظرية ابن خلدون في الموضوع.

العوامل الداخلية المؤدية إلى الصراع

تعاني الأمة العربية من عوامل داخلية تؤدي إلى تحللها الحضاري، مما يهدد استمراريتها التاريخية. من أبرز هذه العوامل:

الفكرية والمفاهيمية: يشمل ذلك تشويه المفاهيم الأساسية مثل الجهاد، والجمود الفكري، والابتعاد عن العلم التجريبي. هذا الجمود يؤدي إلى تقزيم التصورات وفقدان هوية المشروع الحضاري، كما في حالة الاعتماد على الفكر القدري السلبي الذي يعيق الابتكار. الاجتماعية والأخلاقية: تتمثل في أزمة الأمة بالاعتماد على الغير، والطبقية، وغياب الكرامة الإنسانية، بالإضافة إلى فساد العلاقات الاجتماعية بالعنصرية والطائفية. هذه العوامل تؤدي إلى ضعف أخلاق الحامية والترف، مما يعمق التقسيمات الداخلية كما في الصراعات الطائفية في العراق وسوريا.

السياسية والاقتصادية: تدهور النظم السياسية، ضعف المؤسسات، والاعتماد على الموارد العارضة مثل النفط، يؤدي إلى اختلال الهيكل الاقتصادي. في الدول العربية، يظهر ذلك في البطالة العالية (14.5% في 2012)، والفقر (أكثر من 1/5 السكان)، والفساد الذي يعيق التنمية.  كما أن غياب النظرة الاستراتيجية يعمق التبعية الداخلية، مما يهدد البقاء الوجودي. هذه العوامل الداخلية تؤدي إلى انهيار بنيوي، لكنها لا تنفي استمرار الحيوية الحضارية، كما في الإبداعات الثقافية مثل الشعر والأدب.

العوامل الخارجية المؤدية إلى الصراع

تكمل العوامل الخارجية التحديات الداخلية، حيث تؤدي إلى تحلل الحضارات من خلال الهيمنة والاستعمار:

الاستعمار والهيمنة: فرض السيطرة الخارجية، كما في اتفاقية سايكس-بيكو، يحول المناطق إلى أسواق استهلاكية، مما يعيق النهضة العربية. هذا يظهر في الخضوع لدول المركز والشركات العابرة للقارات، والفجوة المعرفية مع الغرب.

التغيرات الجيوسياسية: تغير ميزان القوى العالمي، والمشاريع الأجنبية مثل المشروع الصهيوني المدعوم غربيًا، يعمق الصراع. في السياق العربي، يؤدي ذلك إلى احتلال أراضٍ مثل فلسطين والجولان، وفوضى في اليمن والسودان. العولمة والصراع الحضاري: في عصر العولمة، تبرز التوتر بين الاعتماد الاقتصادي والحفاظ على الهوية الثقافية. الحضارة العربية تواجه تهديدات من الغرب، مما يؤدي إلى مقاومة هوياتية، لكن دون تكامل يؤدي إلى عدم استقرار أمني. هذه العوامل الخارجية تحول الصراع إلى صراع حضارات، كما في أطروحة هنتنغتون، التي أصبحت أداة سياسية لتبرير التدخلات الغربية.

التحليل الحضاري: التأثير على الاستمرارية التاريخية والبقاء الوجودي

من منظور حضاري، يُعرّف الصراع كأزمة في الهوية الأخلاقية، حيث يؤدي تفكك الأنظمة القيمية التقليدية إلى تعدد أخلاقي يضع الأفراد في مواجهة مستمرة مع مصادر قيم متعارضة.  الاستمرارية التاريخية تعتمد على أربعة أنظمة كما عند ابن خلدون: الاقتصادي (الاحتياجات المادية)، الثقافي (الأخلاقي)، السياسي (الحكم)، والتربوي (التنشئة). العوامل الداخلية تؤدي إلى تدهور داخلي، بينما الخارجية تعزز التبعية، مما يهدد البقاء الوجودي. ومع ذلك، تظل الحيوية الحضارية موجودة من خلال التراث المشترك (اللغة، الدين، التاريخ)، والإبداعات الثقافية.  في العولمة، يبرز الصراع كتوتر بين الاعتمادية والحفاظ على الهوية، مما يستدعي تكاملًا حضاريًا لتحقيق الأمن المستدام.

الحلول المقترحة: مقاربة حضارية

لحل الصراع، يجب اعتماد مقاربة حضارية تركز على الوحدة والإحياء:

التكامل الاقتصادي والسياسي: إكمال GAFTA، وإنشاء اتحاد جمركي، يؤدي إلى نمو الناتج المحلي بنسبة تصل إلى 3.1%، وتقليل البطالة والفقر.

 يشمل ذلك تعزيز الحريات الثلاث: حماية الحقوق، تحرير الإنتاج، وفك قيود الثقافة.

الإحياء الثقافي والتعليمي: إعادة إحياء التراث العربي-الإسلامي، مع التبادل العالمي، وتعزيز اللغة العربية عبر الإعلام الرقمي والتعليم. يتطلب ذلك إصلاح التعليم ليشمل التفكير النقدي والابتكار.

الإصلاح السياسي والاجتماعي: مواجهة الاستبداد من خلال ثورات سلمية، وتشكيل حرس ثوري لحماية الثورة، مع تسليح السكان وطرد السفارات الغربية.  يجب تجاوز الحدود الاستعمارية، والتركيز على الوحدة الأممية فوق القومية.

المواجهة الخارجية: بناء مواقف موحدة ضد التهديدات، مثل الاحتلال الإسرائيلي، وتعزيز الاعتماد الذاتي لمواجهة العولمة.

نظرية ابن خلدون: مقاربة في علم العمران البشري والعصبية

يُعد عبد الرحمن بن خلدون (1332-1406م) أحد أبرز المفكرين في التاريخ الإسلامي والإنساني، ويُعتبر مؤسس علم الاجتماع الحديث قبل ظهور أوجست كونت بقرون. في كتابه الشهير "المقدمة"، الذي يشكل الجزء الأول من "كتاب العبر"، يقدم ابن خلدون نظرية شاملة لفهم تطور المجتمعات البشرية، مستنداً إلى الملاحظة التاريخية والتحليل العقلي. يركز على مفهوم "العمران البشري" كعلم جديد يدرس أحوال الناس في أوضاعهم الاجتماعية، الاقتصادية، والسياسية، مع الابتعاد عن الروايات الخرافية والتحيزات الشخصية.  تهدف هذه الدراسة إلى توسيع في نظريته، مع التركيز على المفاهيم الأساسية مثل العصبية، دورة الحضارات، والعوامل المتداخلة، مستندة إلى تحليل أكاديمي يربط بين النظرية والواقع التاريخي. سنقسم الدراسة إلى أقسام رئيسية: مفهوم العمران، العصبية، دورة الدول، العوامل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وتطبيقات معاصرة.

مفهوم العمران البشري

يشكل "العمران البشري" النواة النظرية لفكر ابن خلدون، وهو علم مستحدث يهدف إلى دراسة تطور المجتمعات من البداوة إلى الحضارة. يقسم ابن خلدون العمران إلى نوعين رئيسيين: العمران البدوي (الذي يعتمد على التنقل والحياة القاسية) والعمران الحضري (الذي يتسم بالاستقرار والتطور المدني). يرى أن نشأة العمران تبدأ بالحاجة الإنسانية الأساسية للتعاون، حيث يقول: "الإنسان مدني بالطبع"، مستلهماً أفكار أرسطو لكنه يطورها في سياق إسلامي.  العمران ليس مجرد بناء مادي، بل نظام متكامل يشمل الجوانب الاجتماعية والاقتصادية، ويؤثر فيه البيئة الجغرافية والمناخ. على سبيل المثال، يؤكد أن المناطق القاسية تولد مجتمعات قوية، بينما المناطق الخصبة تؤدي إلى الترف والضعف. في "المقدمة"، يقسم ابن خلدون دراسته إلى ستة فصول تغطي العمران على الجملة، البداوة، الدول والملك، الحضر، المعاش والصنائع، والعلوم. هذا التقسيم يعكس منهجاً علمياً يهدف إلى تمحيص الأخبار التاريخية واستخراج القوانين العامة، مثل قانون العرض والطلب في الاقتصاد، الذي سبق به الاقتصاديين الحديثين.  العمران، إذن، هو عملية ديناميكية تتطور مع زيادة الكثافة السكانية، مما يؤدي إلى تخصص العمل وزيادة الإنتاج، لكنه يحمل بذور انحلاله الداخلي.

مفهوم العصبية

العصبية هي المحرك الأساسي لنشوء الدول والحضارات في نظرية ابن خلدون، وتعني الروابط الاجتماعية القوية التي تربط أفراد المجموعة، سواء بالنسب أو الولاء أو الفكر المشترك. تكون العصبية أقوى في المجتمعات البدوية، حيث يفرض الواقع القاسي التعاون والدفاع المشترك، مما يمنحها القدرة على الغلبة على المجتمعات الحضرية الضعيفة.  يقول ابن خلدون: "العصبية هي الوازع الذي يردع العدوان"، وترتبط ارتباطاً وثيقاً بالقبيلة كوحدة أساسية. مع انتقال المجتمع إلى الحضر، تضعف العصبية بسبب الترف والانقسامات الداخلية، حيث يفقد الأفراد الشعور بالانتماء الجماعي. ومع ذلك، يمكن تعزيز العصبية بدعوة دينية، كما في حالة الفتوحات الإسلامية الأولى، حيث التحمت العصبية القبلية مع الدعوة الإسلامية لتشكل إمبراطورية واسعة.  العصبية ليست مجرد قوة عسكرية، بل عامل اجتماعي يفسر صعود وسقوط الدول، ويُقارن بمفهوم "التماسك الاجتماعي" في علم الاجتماع الحديث.

دورة الحضارات والدول

تصف نظرية ابن خلدون دورة الحضارات كعملية دورية تشبه مراحل حياة الإنسان: النشأة، الازدهار، والانحطاط. تبدأ الدولة بالعصبية القوية في الهامش (البداوة)، حيث تغلب على المركز الضعيف، ثم تنتقل إلى مرحلة الاستقرار والترف، وتنتهي بالفساد والانهيار بعد ثلاثة أجيال تقريباً.

 يقسم الأجيال إلى: الجيل الأول (البناة، قوي العصبية)، الثاني (المحافظون، يعتمدون على التراث)، والثالث (المفسدون، يغرقون في الترف).

هذه الدورة تتأثر بالعوامل الداخلية مثل الظلم والضرائب الثقيلة، والخارجية مثل الغزوات. يحذر ابن خلدون من أن الدولة تفقد شرعيتها عندما تتحول إلى استبداد، مما يدعو عصبيات جديدة للظهور.

 هذه النظرية تطبق على سقوط الدول الإسلامية مثل المرابطين والموحدين، وتمتد إلى حضارات أخرى، مما يجعلها نظرية عالمية.

العوامل الاجتماعية، الاقتصادية، والسياسية

العوامل الاجتماعية

تركز على التفاعل بين البدو والحضر، حيث يؤدي انتقال البدو إلى الحضر إلى ضعف العصبية وانتشار الترف. يرى ابن خلدون الدين كعامل اجتماعي يعزز العصبية إذا كان صحيحاً، لكنه يحذر من التحزب والانقسامات الطائفية.

 كما يدرس تأثير البيئة في تشكيل الشخصية الاجتماعية.

العوامل الاقتصادية

يُعد ابن خلدون رائداً في الاقتصاد السياسي، حيث يرى العمل مصدر القيمة، والعرض والطلب يحددان الأسعار. يحذر من الضرائب الثقيلة التي تقلل الإنتاج، مشابهاً لمنحنى لافر الحديث. يربط النمو الاقتصادي بالكثافة السكانية، لكنه يرى الترف يؤدي إلى الانهيار الاقتصادي.

العوامل السياسية

ترتبط السلطة بالعصبية والشرعية الدينية، حيث الخلافة المثالية تقوم على الشريعة. يسبق ابن خلدون ميكافيللي في تحليل السلطة، محذراً من الاستبداد الذي يؤدي إلى الثورات.

التطبيقات المعاصرة

تظل نظرية ابن خلدون ذات صلة في تفسير الصراعات المعاصرة، مثل سقوط الدول في العالم العربي بسبب ضعف العصبية وانتشار الترف. يمكن تطبيقها على العولمة كدورة حضارية جديدة، حيث تتحدى العصبيات المحلية الهيمنة العالمية.

خاتمة

يظل الصراع في الأمة العربية تحديًا وجوديًا، لكنه فرصة للنهضة الحضارية. من خلال التكامل والإحياء الثقافي، يمكن تحقيق الاستمرارية التاريخية والبقاء الوجودي. كما قال ابن خلدون، "الأمم لا تنهض إلا بالعصبية"، وهنا تكمن العصبية في الوحدة الحضارية. في الختام، تقدم نظرية ابن خلدون إطاراً حضارياً لفهم الاستمرارية التاريخية، مؤكدة أن "الأمم لا تنهض إلا بالعصبية"، وداعية إلى إحياء الروابط الاجتماعية لمواجهة التحديات الوجودية.

***

د زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

حملت مرحلة الربيع العربي - للأمة العربية والدولة الوطنية فيها - موجات فكرية وسياسية، أخرجت المبادئ العربية الوحدوية والوطنية من التداول في الساحة الفكرية والسياسية العربية، ونصبت ونشرت مصطلحات وأوصاف وسرديات وأفكار وبرامج أخرى، مغايرة تماماً لتلك الأفكار والأوصاف التي كانت محتوى المجال الفكري والسياسي للإعلام والتنظيمات السياسية والرأي العام العربي منذ بدايات القرن الماضي، تلك الأفكار والشعارات التي كانت قد تصاعدت مع الدولة الوطنية والإستقلال الوطني حتى العشرية الأولى من القرن الحالي، حيث أشعل فيها عود ثقاب "محمد البوعزيزي" نهاية عام 2010م اللحظة التي أعلنت على بروز الموجة الفكرية والسياسية العارمة، التي جرفت كل تلك الأفكار والسياسيات السابقة، بفعل ضخ إعلامي عربي داخلي قادته دول الخليج وآلتها الإعلامية ومراكز البحث التي تمولها، مسنودة بآلة الإعلام الغربية الضخمة الناطقة بالعربية، وبإدارة عمليات إعلامية ونفسية وإجتماعية وسياسية، أدارت محتوى مواقع التواصل الإجتماعي، التي فتحت وكسرت طوق الحماية العربي والوطني، وأخرجت من ثناياها "الأثاث اللغوي" الذي به تم ترتيب سلم أولويات إهتمام الرأي العام العربي، ولقنته مصطلحات وأوصاف، صار يرددها، ويصرخ بها، وأدمن على ترديدها وإجترارها، حتى صار لها مجتمع يلهج ويصيح ويصرخ بها، دون أي تفكير عميق، أو محاولات تصويب من النخب التي تراجعت وضعفت وتلاشت وتخلت، والتي تم حشرها في زاوية مغلقة على نفسها متقوقعة، لا فعل ولا تأثير ولو نسبي لها على الواقع الوطني والعربي، وما جد عليه وما يجري فيه وحوله.

لقد طال هذا التغير حتى مسألة (الوحدة الوطنية)، ووجود الدولة، وبنية النظام السياسي (للوطن)، فالرأي العربي العام (خاصة الرأي العام الوطني)، تقسم وتم تفتيته على الأحداث اليومية ومجريات التجاذبات (هذا يتم بفعل فاعل متمكن من علم إدارة الجماعات بإستخدام تقنية إدارة الشعوب المستطرقة: التسخين الطرق التشكيل، وبإستخدام عمليات التحيين، والتسارع، والتسكين[1]) في إدارة توجهات الرأي العام، حيث تم دفع الجماعات القبلية والمناطقية والشعوبية لصنع تمظهرات سياسية، تم – في زحمة وبفعل ما يجري – توفير الظروف لظهورها وإنتعاشها، وتم فتح المجال الإعلامي والسياسي لظهورها والتعبير عن إنفعالها، هذا لم يكن فقط بفعل فاعل خارجي، لكنه تم كنتيجة لسقوط جهاز الدولة، أو بفعل توفير حالة ضعف المركزية الوطنية للدولة الوطنية، مما سمح طبيعيا بظهور الأمراض الداخلية في صور الإقليمية الداخلية، مثل: (الفدرالية، الحكم الذاتي، مجالس سياسية عليا لقبائل والمناطق والشعوبيات)، والتي صارت تساوم الوضع الوطني، بعدما تم بناء أطر سياسية لها، وتم تركها تبني قوتها القتالية والعسكرية جهاراً نهاراً، وتم فتح المجال الإعلامي لها، وصارت مرتبطة  بسفراء الدول الأوروبية يزورونها ويلتقونها ويساعدونها، بما فيهم سفراء الدول النووية الأعضاء في مجلس الأمن الدولي.

في هذا الخضم الوطني الداخلي والعربي المتوتر والمنفلت، إنخفض تماماً لدرجة التلاشي، العمل على وحدة الأوطان، وإختفى تماماً أي حديث عن الوحدة العربية، بل صار الحديث عنها أشبه بنكتة، فقد تم تحفيز إنفعال الرأي العام الوطني والعربي على تجريم وتتفيه الحديث عن الوطنية سياسياً، ويتم وصف الوحدة العربية بالأحلام والقومجية، وتم إلصاق تهم الدكتاتورية والطغيان بقادتها وأحزابها ومفكريها، وهكذا بالمحصلة أزيح من الفضاء العام الحديث عن الوحدة الوطنية، تماماً، وإختفى الحديث عن الوحدة العربية - حتى كمصطلح أو جملة - لم يعد ترديدها وحتى كتابتها أو قولها له أي معنى، بل وصل الأمر الى خجل الكثير من النخب من الحديث عنها او ترديدها او التنظير لها.

لقد تم دفع الأوضاع العامة في السودان، واليمن وليبيا، وسوريا، لبناء سلطات الواقع الجديد المتقسم، سلطة هنا، وسلطة هناك، وللتعمية على خطورة ما يجري يسمونها مرحلياً (أطراف النزاع)، فبناء السلطة هو الذي يصنع الأطار السياسي للدولة الجديدة، ففي ليبيا بفعل فاعل قاصد وبفعل قصور داخلي عن فهم ما يجري، تم بناء سلطة لكلا (الدولتين) على جسد ليبيا، (سلطة بنغازي)، و(سلطة طرابلس)، كلاً بكل تفاصيل بناء السلطة صنع أطار سياسي، وزارتي خارجية، مؤسستين تشريعيتين، حكومتين، وأخيراً محكمة عليا لكلاً منهما، ولم يبقى ما يجمع الدولتين (ليبيا الشرقية، وليبيا الغربية) سوى العملة، والعلم والنشيد، ومركز الاتصالات، وبعضاً من قصائد الشعر الشعبي عن ليبيا الواحدة،

وفي السودان، يتم بناء سلطتين واحدة في  (الخرطوم)، والثانية في (دار فور)، تشكلان على اليوم مجالاً حيويا يمنع قيام سلطة مركزية لدولة السودان، موحدة القرار والسيادة، أما في (اليمن)، فقد تم رهن القرار الوطني اليمن بــ(الوعد السعودي) دون أي وجود على الأرض لما يسمونها الشرعية - سلطة - لا تملك فعلها على الأرض دون القرار السعودي، الذي ربما من المهم أن يساعد، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن الفعل الوطني – هذه السلطة والشرعية – كما يسمونها - بقت تراوح مكانها خارج الحدود تسكن فنادق الرياض، حتى تم بناء سلطة في صنعاء بكل أركانها، وفي الجنوب، تدريجيا من بين ثنائا (مجلس القيادة اليمني) نفسه، إنتعش (المجلس الإنتقالي الجنوبي في عدن)، الذي ضل يعمل على تظهير سلطة أخرى محلية داخلية، سرعان ما أطلت برأسها تنادي بالإنفصال وإعلان دولة، تحت مسمى إستعادة دولة الجنوب ولا زالت التجاذبات لم تهدأ بعد فما يجري من قصف سعودي سيزيد الطين بلة، فالقصف الخارجي لم يزيح سلطة صنعاء بل زادها قوة.

 وفي سوريا يتم على نار هادئة وتعمية إعلامي، بناء سلط متنوعة: مثل (الدروز) في السويدا، ويتم دفع (العلويين) لبناء سلطة في الساحل الغربي، وسيتم دفع (السنة) تدريجاً غصباً عنهم لبناء تصور سلطة خاصة بهم (يلاحظ الحديث عن ضم لبنان لسوريا، وهو في عمقه ما يعني دمج السنة في سوريا ولبنان في إطار واحد)، وهذا كله يتم تدريجياً بعدما تم إسقاط الأنظمة الوطنية، التي مهما تم توجيه النقد لها، فهي كانت في أقل تقدير تعبير عن الحالة الوطنية، تدير مركزيتها السياسية والقانونية والفعلية بقوتها المركزية (الجيش) الوطني، الذي تم بفعل فاعل قاصد، حله وتفتيته وتجريمه ومطاردته مراتبه بالإغتيال والسجن وبتنويع التهم لقادته.

وهكذا تعرف المنطقة العربية اليوم أضخم حالة حل وتخريد للمركزية الوطنية، وتفتيت لمراتبها، وإزاحتها تماماً من التداول العام، وفتح المجال الواسع للإنفعالات (المناطقية والمذهبية والقبلية والشعوبية)، ونسج فكرة مظلوميتها، ورعايتها وتقديمها وتصعيدها، وصنع فكرة أحقيتها، وفي بعض الأحيان فتح المجال لتجاذبات محلية في شكل حروب داخلية عصبية، تسمح في النهاية لتظهير فكرة الدفاع عن النفس من الأخر، مما يوفر حجية ومنطق للتقوقع، وتظهير الشكل السياسي المطلوب ظهوره مثل: فكرة الدروز والسنة والعلويين في سوريا، ومثل فكرة دارفور في السودان، ومثل فكرة (أقاليم بيفن سيفورزا في ليبيا)، ومثل فكرة الجنوب العربي، وحضرموت في اليمن.

وهكذا صارت الأمة - التي تنشد منذ منتصف القرن الماضي وحدتها العربية – تتفتت حتى وطنياً، وصارت تلك الأوطان الكبرى بكل قوتها السابقة، تتفتت على الجهات الأربعة، وصارت تلك الأوطان التي لطالما كانت سبة (الأقليمية – الوطنية الضيقة، التجزئة)، صارت اليوم حلم البقاء نتمنى بقائها (رضينا بالهم والهم لم يرضى بنا)، يالها من مفارقة عجيب غريبة، إنخفض فيها حلم (تحقيق الوحدة العربية)، و(هزيمة الأقليمية والتجزئة)، إلى أمنية البقاء على هذه (الأقليمية والتجزئة) بالوطنيات العربية، أمام التجريف الواضح الذي يطال اليوم حتى وحدة هذه الأقليمية (الوطن)، وها هي أمامنا اليوم تتلاشي هي أيضاً وتتفتت، وتنقسم، ففعليا (لم يضعف وينتهي تقريبا الحديث عن الوحدة العربية) فقط، بل ضعف جدا وفعليا الحديث والعمل على وحدة الوطن نفسه، الوطن الدولة الإقليمية في المنطقة العربية، فهي اليوم تتحول لدويلات مستجدة غير معلنة، تأخذ مداها وتبني سلطتها الخاصة في كلاً من:  (ليبيا)، وفي (اليمن)، وفي (سوريا)، وفي (السودان)، تدريجياً وعلى مهل، والراي العام الوطني والعربي والنخب التقليدية، جلها تقريباً تتفرج بل وإنغمست في ثنايا وتفاصيل التجاذبات تاهت في الهوامش والتفاصيل، دون أي إنتباه للسياق العام الذي يحدث ويجري ويتحقق، بل وصعب جداً تحقيق إجماع  عربي او وطني، أو حتى مستوى عالي ومعقول من الإنتباه لعمليات التفتيت والتقسيم التي تجري، حيث تاه حتى المفكر العربي بين إشكاليات أيهما أسبق بناء الدولة أو تحقيق الديموقراطية، أو بناء القوة المركزية ام إخضاع الأوطان لإنفعالات الجهات والقبائل والمناطق والمذاهب والشعوبيات، وهكذا دخلت النخب التقليدية نفق وإشكالية من أسبق، (البيضة ام الدجاجة) سياسياً، وسادت عليها النخب الجديدة والمستجدة بافكارها ومصطلحاتها والأوصاف التي تطلقها وسردياتها، في عالم العولمة وتحول الخطاب الإعلامي للشعبوية عبر مواقع التواصل الإجتماعي، والتي يسود عليها الإنفعال، وتدار منهجياً عبر تمكن وتحكم تحالف (المال، والإعلام، والفتوى، واللعبة الدولية القذرة) وبرامج برمجة الأفكار، وإدارة الرأي العام، وقيادة الجموع، بإستخدام التمكن من العلوم الإنساني من علم الإجتماع وعلم النفس، وعلم التاريخ، وعلم الإحصاء، والذي جعل منها أخيرا الذكاء الإصطناعي، سلاح فتاك لتحقيق المخططات، وتتويه الشعوب، وتمكين الأيادي الخطيرة من النهب والإستيلاء على الأموال والنفط والغاز والأرصدة، وتمكنها من تتويه الشعوب ومنع وعرقة ومحاربة وقمع أي محاولة لإيقاظها، أو تنبيهها لما يجري من عمليات تقسيم المقسم، وتفتيت الدول.

وفي هذا كله، غاب حتى في خطاب النخب - السياسية والتعليمية والفكرية والأدبية والثقافية العربية  سوى على مستوى الوطن العربي او على المستوى الوطني في بلداننا - وإنتهى تقريباً عن الفضاء العام (أي حديث عن الوحدة العربية) - وحتى التعاون والتكامل العربي، وسياقها من الأوصاف والمصطلحات والمفاهيم - عن السيادة والمقاومة والتحرر، بل أن الحديث والدفاع عن (الوحدة الوطنية) نفسها غاب اليوم في (ليبيا واليمن والسودان وسوريا) لمصلحة التقسيم والتفتيت التدريجي - والحبل على الجرار لباقي الدول العربية تباعاً - وظهر بقوة في بلداننا الحديث عن (الحقوق الثقافية والشعوب الأصلية) الغريب العجيب، وظهرت المجالس العليا، وظهرت أوصاف ومصطلحات حقوق المناطق والمطالبات بـــ(الكوتا) الخاص المخصصة سياسياً، وظهر وهم (التوزيع العادل للثروة) ككلمة حق يراد بها باطل، بحجتها يتم  تقسيم الأوطان، وبعثرة مركزيتها السياسية والعسكرية والأمنية، يحدث هذا أمام سمع وأبصار النخب والقطاعات العريضة من المتعلمين والسياسيين، والنقابات، والكتاب والأدباء، وتراخت وتراجعت حالة الدفاع الذاتي للأوطان، بل ونرى إستسلام شبه تام لما يجري، وضعف بائن في مستوى ردة الفعل الوطني (الدفاع الذاتي للأوطان) تجاه ما يحدث، فالسيطرة على فضاء الإعلام العربي والوطني منجرفة تماما مع تعلية ما يجري وتصويره حقوق وحق ونصر وثورة وحرية وديموقراطية، يتم ضخها في العقل الفردي والجمعي للرأي العام، وللأسف حتى للكثير من النخب الوطنية والعربية، التي صار لها أيضا أولوياتها الخاصة المنجرفة، او الخائفة، او المتقية لشرور المواجهة، والكثير منها صارت مبحوحة الصوت، لا تمارس حتى أضعف الإيمان في ا لدفاع باللسان والفكر، كلمة مكتوبة أو مسموعة أو مرئية، ولو في أضيق نطاق، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

 ***

بقلم: محمد عمر غرس الله

...................................

[1] أنظر كتابي: المشهد العربي تجليات وأبعاد 2011 – 2020م – وكتابي: مقدمات في جيوبولتيك النهوض الليبي.

 

من نظرية الفوضى إلى الوجودية

بقلم: كريستوفر لينكيويتش

ترجمة: علي حمدان

***

ظاهريًا، يبدو "العالم"، عند النظر إليه ككل، فوضى عارمة، وفوضى عارمة، وتصادمات لا تنتهي لأجسام تبدو غير مترابطة أو عشوائية، مع أنها قد تخضع بلا قيد أو شرط لقوانين طبيعية محددة. تبدو التأثيرات المتناقضة في العالم الحقيقي، والتي تُحددها هذه القوانين الطبيعية، بلا معنى، خليطًا عشوائيًا، بلا شكل - وغالبًا ما تكون كذلك: انهيار جليدي، حادث سيارة، توزيع وتغيرات الرطوبة ودرجة الحرارة داخل نظام جوي. لكل ندفة ثلج بنية بلورية فريدة - تشبه بصمة الإصبع - ومتناظرة شعاعيًا. لا يمكن لمعادلة بسيطة واحدة أن تصف أيًا من هذه الأحداث بدقة تامة، بل يمكنها أن تعطينا فكرة عامة، مع أننا قد نتصور، بصياغات أكثر تعقيدًا، أنها قابلة (بعد وقوعها) لدقة حساب التفاضل والتكامل.

يبدو من غير المرجح أن يجد بحث أينشتاين عن "نظرية موحدة لكل شيء" أي أساس في الواقع، تمامًا كما لا يمكننا التنبؤ بالبنية البلورية أو التحكم بها...

تعريف الفوضى

قد تكمن الصعوبة في بنية مفهوم الفوضى نفسه. فما هي الفوضى؟ إنها مفهوم غامض وغير محدد. على سبيل المثال، التصادم حدثٌ يتضمن تفاعل أجسام معينة: باختصار، هو مجموعة قابلة للقياس ومميزة من الظروف والتغيرات التي تؤثر على كل جسم من الأجسام المعنية، وذلك من خلال مجموعة من التغيرات وإعادة توزيع المادة والطاقة، وما إلى ذلك، قابلة للتحديد والقياس والفهم. أما النفي - كمثال مفاهيمي آخر - فهو أكثر تجريدًا من التصادم. النفي نوع من أنواع التفسير، لكنه يُعدِّل، بطريقة نظرية بحتة ونوعية، موضوعًا فكريًا، أو إطارًا، أو نزعة، أو ميلًا. على سبيل المثال، يشير مصطلح "ليس-أ" إلى كائن أو حالة منفصلة ومحددة بوضوح، أ، بصورة معاكسة واستبعادية، دون التأثير على أي شيء خارج أو بجانب أ - باستثناء الكائنات والحالات المشروطة التي تعتمد على أ في تعريفها ووظيفتها ونمطها، وما إلى ذلك. لا يشير مصطلح "ليس-أ" إلى الكائنات أو الحالات المتأثرة بـ أ، ولكنه قد يعدلها بشكل غير مباشر من خلال نفي مجموعة الأمور الأساسية أ فقط. وبالتالي، إذا كان أ موجودًا ضمن سياق معين، فإن هذا السياق يظل دون تغيير بسبب "ليس-أ" ما لم يكن أ يحتوي على هذا السياق أو يشمله أو يستلزم تأثيرًا عليه؛ ولكي يؤثر "ليس-أ" على السياق الذي يوجد فيه أ، بهذا القدر تحديدًا وليس أكثر، يجب أن يكون سياق أ مشروطًا بـ أ.

الفوضى تختلف. إذا اعتُبر نظام ما فوضويًا، فإننا نفهم ونتوقع أن ما نراه ينطوي على عدم انتظام وعدم قدرة على التنبؤ. ولإزالة أي لبس حول التعريفات، فإن الظروف الفوضوية تستلزم شروطًا قانونية محددة يصعب حصرها. قد يُفترض أن أمثلة البطاقات والنرد تشير إلى حالات غير محددة، ولذلك قد نشك في وجود حالات كمومية(الكم)، لكن عملية الخلط ورمي النرد التي نحاكيها ليست، في الواقع، غير محددة أو غير قابلة للتحديد. يتطلب تنفيذ العمليات الكمومية الحوسبة الكمومية. يُظهر بحث سريع على جوجل أن خلط أو رمي النرد في الحاسوب عملية حتمية، وليست كمومية. وفقًا لتعريفنا للفوضى، فإن خلط أو رمي النرد في الحاسوب هو عملية فوضوية. على سبيل المثال، قد يقوم برنامج حاسوبي "بخلط" مجموعة من البطاقات، أو "برمي" مجموعة من النرد، وما إلى ذلك - وهي أحداث عشوائية نظريًا، ولكنها حتمية في الواقع. لو أن برنامجنا كرر تلك العملية نفسها تمامًا، دون "إعادة ضبط" لإجراء خلط أو رمي نرد "جديد"، لكانت النتيجة هي نفسها. أما إذا طُلب من البرنامج إجراء عمليات خلط أو رمي نرد متعددة ومتشابهة، فلن تكون النتائج متطابقة. في كلتا الحالتين، حدد البرنامج النتيجة (بشكل خفي)، دون أن يكشفها لنا كمشاهدين، "قبل" اكتمالها.

نظرية الفوضى وميكانيكا الكم

تُعدّ نظرية الفوضى، في جوهرها، فرعًا من الرياضيات طُوّر في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، على يد جيمس كلارك ماكسويل، لنمذجة الأحداث المعقدة وغير المستقرة. ومن أبرز المساهمين الآخرين في هذه النظريات هنري بوانكاريه (الأساليب الجديدة للميكانيكا السماوية، 1892-1899؛ "حول مسألة الأجسام الثلاثة ومعادلات الديناميكا"، 1890)، وأندريه كولموغوروف ("حول حفظ الحركات الدورية المشروطة"، 1954)، وإدوارد لورنز ("التدفق الحتمي غير الدوري"، 1963). بحسب موسوعة ستانفورد للفلسفة:

تُستخدم نماذج الفوضى لاستخلاص معلومات متنوعة حول نقاط التشعب، وتسلسلات مضاعفة الدورات، وبداية الديناميكيات الفوضوية، والمُستقطِبات الغريبة، وغيرها من عناصر الفوضى. ويتطلب فهم المفهوم الدلالي لهذه النماذج بشكل كامل وضع فرضيات تربطها بأنظمة العالم الواقعي (على سبيل المثال، كيف ترتبط المُستقطِبات الغريبة المُعاد بناؤها من البيانات الفيزيائية بالنظام الفيزيائي الذي سُجّلت منه البيانات أصلاً). (موسوعة ستانفورد للفلسفة، "الفوضى")

يشترك تطور نظرية الفوضى في بعض السمات والمواضيع مع ميكانيكا الكم، على الرغم من كونهما فرعين متميزين يهتمان بموضوعات دراسة مختلفة. لا يهدف هذا المقال إلى وضع نظرية لميكانيكا الكم في مقابل نظرية الفوضى، بل يكفي في الوقت الراهن التمييز بين الظواهر الفوضوية والظواهر الكمومية.

سد الفجوة

اليوم، نعتبر أن المعادلات الجبرية تتطابق تمامًا مع التمثيلات الهندسية. ويُعدّ اختراع (أو اكتشاف) المستوى الديكارتي (انظر: الهندسة، 1637، ملحق مقالة في المنهج) أمرًا لافتًا للنظر تحديدًا لقدرته على إثبات الصلة بين الجبر والهندسة، مُظهرًا لنا أن التجريد الخالص للجبر يتطابق تمامًا مع التمثيل الخالص للهندسة؛ فهما مرتبطان ارتباطًا وثيقًا لا ينفصم. استطاع إقليدس، باستخدام التعريفات والمسلمات فقط، وانطلاقًا من أساس قضايا هندسية متزايدة التعقيد، أن يبني عالمًا كاملًا من الرياضيات البحتة. بيّن ديكارت أنه يمكن جعل هذه الحسابات مجردة تمامًا باستخدام الأرقام والمتغيرات وعمليات دقيقة محددة.

مع نيوتن وليبنيز - اللذين اكتشفا حساب التفاضل والتكامل في الوقت نفسه، مما أدى إلى منافسة شديدة بينهما - تبيّن أن العلاقة التبادلية بين الجبر والهندسة معقدة للغاية، مما مهّد الطريق لجعل الرياضيات أكثر ارتباطًا بالواقع؛ إذ اعتمدت آلاف التطبيقات العملية على اكتشافات حساب التفاضل والتكامل. باختصار، يُمثّل حساب التفاضل والتكامل الفهم الأساسي لعالم يتسم ظاهريًا بالفوضى العارمة.

يسعى علم الفيزياء، وبنجاحٍ كبير، إلى سد الفجوة بين الرياضيات البحتة كالجبر والهندسة وحساب المثلثات والتفاضل والتكامل، وبين حالات العالم الواقعي الناجمة عن الكيانات غير الكاملة. فبينما يحاول منظّرو الفوضى فصل المثالية (أي الرياضيات وقابلية تمثيلها رياضياً) عن الأحداث الملموسة، يقربنا علم الفيزياء أكثر فأكثر من الرياضيات؛ ويتقلص هامش الخطأ لدينا باستمرار، دون أن يختفي تماماً.

تُستخدم نماذج الفوضى لاستخلاص معلومات متنوعة حول نقاط التشعب، وتسلسلات مضاعفة الدورات، وبداية الديناميكيات الفوضوية، والمُستقطِبات الغريبة، وغيرها من عناصر الفوضى. ويتطلب فهم المفهوم الدلالي لهذه النماذج بشكل كامل وضع فرضيات تربطها بأنظمة العالم الواقعي (على سبيل المثال، كيف ترتبط المُستقطِبات الغريبة المُعاد بناؤها من البيانات الفيزيائية بالنظام الفيزيائي الذي سُجّلت منه البيانات أصلاً). (موسوعة ستانفورد للفلسفة، "الفوضى")

يشترك تطور نظرية الفوضى في بعض السمات والمواضيع مع ميكانيكا الكم، على الرغم من كونهما فرعين متميزين يهتمان بموضوعات دراسة مختلفة. لا يهدف هذا المقال إلى وضع نظرية لميكانيكا الكم في مقابل نظرية الفوضى، بل يكفي في الوقت الراهن التمييز بين الظواهر الفوضوية والظواهر الكمومية.

سد الفجوة

اليوم، نعتبر أن المعادلات الجبرية تتطابق تمامًا مع التمثيلات الهندسية. ويُعدّ اختراع (أو اكتشاف) المستوى الديكارتي (انظر: الهندسة، 1637، ملحق مقالة في المنهج) أمرًا لافتًا للنظر تحديدًا لقدرته على إثبات الصلة بين الجبر والهندسة، مُظهرًا لنا أن التجريد الخالص للجبر يتطابق تمامًا مع التمثيل الخالص للهندسة؛ فهما مرتبطان ارتباطًا وثيقًا لا ينفصم. استطاع إقليدس، باستخدام التعريفات والمسلمات فقط، وانطلاقًا من أساس قضايا هندسية متزايدة التعقيد، أن يبني عالمًا كاملًا من الرياضيات البحتة. بيّن ديكارت أنه يمكن جعل هذه الحسابات مجردة تمامًا باستخدام الأرقام والمتغيرات وعمليات دقيقة محددة.

مع نيوتن وليبنيز - اللذين اكتشفا حساب التفاضل والتكامل في الوقت نفسه، مما أدى إلى منافسة شديدة بينهما - تبيّن أن العلاقة التبادلية بين الجبر والهندسة معقدة للغاية، مما مهّد الطريق لجعل الرياضيات أكثر ارتباطًا بالواقع؛ إذ اعتمدت آلاف التطبيقات العملية على اكتشافات حساب التفاضل والتكامل. باختصار، يُمثّل حساب التفاضل والتكامل الفهم الأساسي لعالم يتسم ظاهريًا بالفوضى العارمة.

يسعى علم الفيزياء، وبنجاحٍ كبير، إلى سد الفجوة بين الرياضيات البحتة كالجبر والهندسة وحساب المثلثات والتفاضل والتكامل، وبين حالات العالم الواقعي الناجمة عن الكيانات غير الكاملة. فبينما يحاول منظّرو الفوضى فصل المثالية (أي الرياضيات وقابلية تمثيلها رياضياً) عن الأحداث الملموسة، يقربنا علم الفيزياء أكثر فأكثر من الرياضيات؛ ويتقلص هامش الخطأ لدينا باستمرار، دون أن يختفي تماماً.

***

منهجية التجويع والعظمة، هي استراتيجية سياسية تستخدمها الحكومات عبر التاريخ لإخضاع الشعوب لسلطتهم وتحقيق الغاية الكبرى في تحويل الفرد إلى كلب جائع يطيع سيّده ليلقمه. من مظاهرها: شح الوظائف، غَلبة الدّين على الفرد، إتساع نفوذ المؤسسات المالية في القطاع المصرفي، غلاء المعيشة، إقتصاد هزيل ومشاريع آيلة للإنهيار. قابلية إنهيار الطبقة المتوسطة إلى ما دونها. وإرتفاع نسبة الفقر. كل هذا يصنع مجتمعا له وجهان متناقضان. وجه يمثّل الفرد الجائع الذي يصفّق ويسجد سجود الشكر ما إن يرى العظمة طوّحت له من بعيد. والوجه الآخر هو الذي قرر أن لا ينتظر العظمة ولكن يستهدف مانح العظمة! إما غدرا أو إحتيالا. كل ذلك يساهم في تفكيك النسيج الاجتماعي وولادة توترات أمنيّة ثم اتساع المسافة بين السلطة والمواطن حتى يتقازم المواطن ويصبح لا يُرى بالعين المجردة!.

تعد سياسة التجويع، بالمعنى المباشر والحقيقي للتجويع، من الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني، التي تؤدي إلى محاسبة المسؤولين عنها في المحاكم الدولية. كما حدث مؤخرا مع سكان قطاع غزة والعدو المحتل.

أما التعبير المجازي عن التجويع في سياق الحكومة والمواطن، فهو الذي يشير إلى الاستراتيجيات التي تستخدمها بعض الحكومات اليوم لإبقاء المواطنين راضين وممتنين تماما في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة. إعتمادا على مبدأ "جوّع عدوك يركع". فهي لا تعتمد الجوع وقطع إمدادات الغذاء. ولكنها تتخذ شح العطاء لها طريقا لتمارس السيادة بشكلها التقليدي القديم الذي يتمثّل في تقرّب الشاعر المدّاح للأمير حتى يأمر له بكيسا من دنانير الذهب.

أما من لا يملك لسانا ماكرا. ولا من التملق والتقرب والمدح شيئا، فيترك لتلتهمه معاناة احتياجه اليومي من الأساسيات التي تمنّعت عنه ونفرت منه بمغالاتها في سعرها. هذا الذي لا لسان له، يرى من الفتات كرما عظيما قد جاد به العظام عليه. ومن هو ليُمنح من مكارم وعطايا الأمراء؟!

يأتي هذا الفتات في صور عدة: كالوعود الصغيرة، والمشاريع قصيرة الأمد، والمساعدات المحدودة التي تأتي على شكل عطايا كريمة من يد سخيّة. أيضا قد تكون على شكل إنجازات صغيرة أو تحسينات بسيطة في بعض القطاعات، يتم تسليط الضوء عليها بدلاً من معالجة القضايا الأساسية الكبرى مثل الفقر والبطالة.

كل هذا ما هو إلا فتات كما ذكرتُ سابقا. الفتات الذي يؤمّل متلقّيه أكثر مما يشبعه. وقد لا يزده إلا رهقا! لأنه غير كاف لحل المشاكل الأساسية، مما يجعل المواطن يشعر بالامتنان حتى وإن كانت العطايا لا تسد له حاجة.

ضمن إحدى حيل تطويع المواطن أيضا، هي أن يتم التعامل مع المواطن كطفل وجب إلهاؤه. وذلك باستخدام الإعلام أو الفعاليات الثقافية والترفيهية كوسيلة لإبعاد الانتباه عن القضايا الجوهرية التي تهم المواطنين. إضافة إلى تعزيز الشعور الوطني أو الهوية الثقافية، عن طريق خلق شعور بالانتماء السامي والفخر تجاه الوطن وقاداته رغم الظروف المعيشية الصعبة. وهذا بالطبع ما يساهم في إخماد أي نية للتذمر والشكوى. وقد يتجاوز شعور الوطنية والانتماء حتى يصل إلى عليا مقاماته. فيبدأ برفض أي شخص منتقِد واستنكار كل معارض لبعض الممارسات التي تساهم في توسيع رقعة الفقر ومعاناة المواطن. وأكثر ما يؤجج شعور الرضا والصمت، هو ممارسة الحكومات لأنواع مختلفة من تقنيات القمع. باستخدام القوانين أو السياسات التي تقيد حرية التعبير أو الاحتجاج، مما يمنع المواطنين من الإعراب عن تذمرهم.

تؤدي هذه الاستراتيجيات إلى خلق بيئة يشعر فيها المواطنون بالشكر والامتنان، بينما تُخفي الحقائق الصعبة التي يعيشونها. في النهاية، قد يؤدي هذا إلى استمرار السياسات غير العادلة، حيث يظل المواطنون غير قادرين على التعبير عن مطالبهم الحقيقية.

***

آية السيابي - كاتبة وروائية عُمانية

 

شهدت فنزويلا، الدولة الغنية بالموارد النفطية والواقعة في قلب أمريكا اللاتينية، واحدة من أعقد الأزمات السياسية والاقتصادية في العقود الأخيرة. ومع تصاعد التوترات الداخلية بين الحكومة والمعارضة، برز الدور الأمريكي كعامل خارجي مؤثر في مسار الأحداث. فمنذ بدايات القرن العشرين، ارتبطت السياسة الأمريكية في المنطقة بالسعي إلى حماية مصالحها الاستراتيجية وضمان تدفق الطاقة، وهو ما جعل فنزويلا ساحةً للصراع الجيوسياسي بين واشنطن وحلفائها من جهة، والقوى المناهضة لها من جهة أخرى.

لقد اتخذ التدخل الأمريكي في فنزويلا أشكالًا متعددة، تراوحت بين العقوبات الاقتصادية القاسية، والدعم السياسي والإعلامي للمعارضة، وصولًا إلى محاولات عزل النظام الفنزويلي على الساحة الدولية. هذه السياسات أثارت جدلًا واسعًا حول مفهوم السيادة الوطنية، وحدود النفوذ الخارجي، وتأثيرها المباشر على حياة الشعب الفنزويلي الذي وجد نفسه عالقًا بين أزمة داخلية خانقة وضغوط خارجية متزايدة.

إن دراسة هذا الموضوع لا تقتصر على تحليل العلاقة الثنائية بين واشنطن وكاراكاس، بل تمتد إلى فهم أعمق لطبيعة النظام الدولي، وصراع القوى الكبرى على الموارد، وكيفية انعكاس ذلك على استقرار الدول النامية. ومن هنا تأتي أهمية تناول التدخل الأمريكي في فنزويلا باعتباره نموذجًا حيًا لتشابك السياسة والاقتصاد والجغرافيا في عالمنا المعاصر.

وفي عصر يُفترض أن تكون فيه قيم "العالم المتحضر" مرادفًا للعدالة والحرية واحترام السيادة، يطلّ علينا مشهد التدخل العسكري الأمريكي لفنزويلا كواحد من أكثر الأمثلة فجاجة على التناقض بين الشعارات والممارسات. فما يُسمّى بالتدخل لحماية الديمقراطية أو الدفاع عن حقوق الإنسان سرعان ما ينكشف عن وجهه الحقيقي: التوحش السياسي والاقتصادي، حيث تُستباح سيادة الدول، وتُنهب ثرواتها، ويُفرض عليها حصار خانق يطال المواطن البسيط قبل أن يطال السلطة. إن هذا التوحش لا يقتصر على استخدام القوة العسكرية أو الاقتصادية، بل يمتد إلى فرض سرديات إعلامية مهيمنة تُشيطن الآخر وتُبرر التدخل، في مشهد يعكس أزمة أخلاقية عميقة في النظام الدولي المعاصر.

لقد تحوّل التدخل العسكري إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة، حيث تُستبدل لغة الحوار بلغة الإكراه، ويُستبدل منطق القانون الدولي بمنطق القوة العارية. وهنا تبرز مصطلحات مثل "التوحش الإمبراطوري"، "الهيمنة العارية"، و"الاستعمار الجديد" لتصف واقعًا يُعيد إلى الأذهان أكثر اللحظات قتامة في التاريخ الحديث. فبدل أن يكون العالم المتحضر نموذجًا للتعايش والعدالة، أصبح انعكاسًا لانهيار تلك القيم أمام جشع المصالح الاستراتيجية والاقتصادية.

إن تناول هذه قضية لفنزويلا لا يعني فقط الحديث عن بلد بعينه، بل هو حديث عن أزمة القيم العالمية، عن التناقض بين الخطاب الليبرالي الذي يرفع شعار الحرية والديمقراطية، وبين الممارسة الواقعية التي تُعيد إنتاج التوحش بأشكال جديدة. ومن هنا، يصبح السؤال الجوهري: كيف يمكن للعالم أن يدّعي التحضر وهو يمارس أبشع صور العدوان؟ وكيف يمكن أن تُبنى قيم إنسانية جامعة في ظل استمرار منطق القوة على حساب منطق العدالة؟

خلفيات التدخل العسكري الأمريكي لفنزويلا

لا يمكن فهم الغزو الأمريكي لفنزويلا دون العودة إلى الخلفيات السياسية والاقتصادية التي شكّلت أرضيته. فمنذ عقود، كانت فنزويلا واحدة من أهم الدول المنتجة للنفط في العالم، حيث تمتلك احتياطيًا يُعد الأكبر عالميًا، وهو ما جعلها دائمًا في قلب الصراع الدولي على الطاقة. ومع صعود التيارات اليسارية في الحكم، خصوصًا في عهد هوغو تشافيز ومن بعده نيكولاس مادورو، تبنّت فنزويلا خطابًا مناهضًا للهيمنة الأمريكية، قائمًا على فكرة الاستقلال الوطني، وتوزيع الثروة لصالح الفئات الشعبية، ودعم قضايا الجنوب العالمي وعلى رأسها القضية الفلسطينية. هذا التوجه مثّل تحديًا مباشرًا للمصالح الأمريكية التي اعتادت أن ترى أمريكا اللاتينية "حديقتها الخلفية".

الولايات المتحدة، التي ترفع شعار حماية الديمقراطية وحقوق الإنسان، سرعان ما وظّفت هذه الشعارات كغطاء لتبرير تدخلها في الشأن الفنزويلي. فكلما اشتدت الأزمة الاقتصادية الداخلية بفعل العقوبات والحصار، كانت واشنطن تُقدّم ذلك على أنه "دليل فشل النظام"، متجاهلة أن هذا الفشل هو نتيجة مباشرة لسياسات الخنق الاقتصادي التي فرضتها هي نفسها. وهكذا، تحوّل الخطاب المعلن إلى أداة لتشويه صورة فنزويلا أمام الرأي العام العالمي، بينما ظل الهدف الحقيقي هو السيطرة على مواردها النفطية وإعادة إدماجها في منظومة الهيمنة الأمريكية.

إن خلفيات الغزو تكشف عن مفارقة صارخة: فبينما يُقدَّم التدخل على أنه دفاع عن الديمقراطية، فإن الواقع يُظهر أنه دفاع عن مصالح استراتيجية واقتصادية بحتة. ففنزويلا لم تكن مجرد دولة "مارقة" في نظر واشنطن، بل كانت نموذجًا مقلقًا لإمكانية بناء مشروع مستقل في الجنوب العالمي، مشروع يرفض الخضوع للهيمنة ويبحث عن بدائل في التعاون مع قوى أخرى مثل روسيا والصين. وهذا ما جعلها هدفًا دائمًا لمحاولات الإطاحة بالنظام، سواء عبر العقوبات الاقتصادية، أو عبر دعم المعارضة الداخلية، أو عبر التهديد المباشر بالتدخل العسكري.

إن هذا المحور يوضح أن الغزو الأمريكي لفنزويلا ليس وليد لحظة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من التدخلات في أمريكا اللاتينية، حيث تتكرر ذات السيناريوهات: شيطنة الأنظمة المستقلة، حصار اقتصادي، دعم حركات معارضة، ثم محاولة فرض واقع جديد يخدم مصالح واشنطن. ومن هنا، يصبح الغزو الفنزويلي حلقة جديدة في سلسلة التوحش الإمبراطوري الذي يعيد إنتاج الاستعمار بأدوات حديثة، ويكشف عن أزمة أخلاقية عميقة في النظام الدولي.

مفهوم التوحش الإمبراطوري والمصطلحات المرتبطة به

حين نتأمل التدخل العسكري الأمريكي لفنزويلا، لا يمكننا أن نكتفي بوصفه مجرد تدخل سياسي أو اقتصادي، بل هو تجسيد حيّ لما يمكن أن نسميه التوحش الإمبراطوري. هذا المفهوم لا يقتصر على استخدام القوة العسكرية المباشرة، بل يشمل منظومة كاملة من السياسات التي تُعيد إنتاج الاستعمار بأدوات جديدة: العقوبات الاقتصادية، الحصار المالي، الحرب الإعلامية، والدعم الخفي للمعارضة الداخلية. إن التوحش هنا ليس مجرد فعل عدواني، بل هو استراتيجية ممنهجة تهدف إلى إخضاع الدول المستقلة وإعادة دمجها في منظومة الهيمنة العالمية.

ولعل أبرز المصطلحات التي تساعدنا على فهم هذا الواقع:

ـ التوحش الإمبراطوري: يعكس استخدام القوة العارية دون اعتبار للقانون الدولي أو القيم الإنسانية، حيث تصبح مصالح القوى الكبرى هي المعيار الوحيد.

ـ الاستعمار الجديد: يصف آليات السيطرة الحديثة التي لا تعتمد على الاحتلال المباشر، بل على أدوات اقتصادية وإعلامية وسياسية تُحقق نفس الهدف: إخضاع الشعوب ونهب الموارد.

ـ الهيمنة العارية: تعبير عن لحظة سقوط الأقنعة، حين تُكشف الشعارات الديمقراطية والإنسانية عن حقيقتها كغطاء لمصالح استراتيجية واقتصادية.

ـ الشرعية المفقودة: مصطلح يصف حالة النظام الدولي حين يفقد قدرته على إقناع الشعوب بشرعيته، لأنه يمارس التوحش باسم القيم التي يدّعي الدفاع عنها.

إن هذه المصطلحات ليست مجرد أدوات لغوية، بل هي مفاتيح لفهم طبيعة النظام العالمي الراهن، الذي يُعيد إنتاج التوحش بأشكال أكثر تعقيدًا ودهاء. فالغزو الأمريكي لفنزويلا يكشف أن العالم المتحضر لم يعد قادرًا على إخفاء تناقضاته، وأن القيم التي يرفعها باتت مجرد شعارات تُستخدم لتبرير العدوان.

إن الحديث عن التوحش الإمبراطوري هو في جوهره حديث عن أزمة أخلاقية عالمية، حيث يُستبدل منطق العدالة بمنطق القوة، ويُستبدل القانون الدولي بمصالح الشركات الكبرى والدول المهيمنة. وهنا يصبح السؤال: هل يمكن للعالم أن يستمر في ادعاء التحضر بينما يمارس أبشع صور التوحش؟

انعكاسات الغزو على فنزويلا داخليًا

التدخل العسكري الأمريكي لفنزويلا لم يكن مجرد حدث سياسي على مستوى العلاقات الدولية، بل ترك بصماته العميقة على الداخل الفنزويلي، حيث تحوّل البلد إلى ساحة اختبار قاسية لسياسات الحصار والتجويع. فالعقوبات الاقتصادية التي فُرضت على الدولة لم تستهدف النظام وحده، بل أصابت المواطن البسيط في صميم حياته اليومية: نقص في الغذاء، ندرة في الأدوية، انهيار في قيمة العملة، وتراجع في القدرة الشرائية إلى مستويات غير مسبوقة. وهكذا، أصبح الشعب الفنزويلي يعيش تحت ضغط مزدوج: أزمة داخلية خانقة، وتدخل خارجي يضاعف من معاناته.

على المستوى السياسي، أدّى التدخل الأمريكي إلى إضعاف المؤسسات الديمقراطية، حيث تحوّل الصراع الداخلي إلى ساحة مفتوحة للتجاذبات بين السلطة والمعارضة، مدعومة من الخارج. هذا الانقسام أضعف الثقة في العملية السياسية، وأدخل البلاد في حالة من الاستقطاب الحاد الذي جعل أي مشروع إصلاحي أو حوار وطني شبه مستحيل. إن الديمقراطية التي يُفترض أن تُبنى على الحوار والشرعية الشعبية، تحولت إلى أداة ضغط تُستخدم لتبرير التدخل الخارجي، ما أفقدها معناها الحقيقي.

أما على المستوى الاجتماعي، فقد انعكس الغزو في شكل تفكك النسيج المجتمعي، حيث ارتفعت معدلات الهجرة واللجوء، وازدادت الفوارق الطبقية بشكل صارخ. المواطن الفنزويلي، الذي كان يحلم بمشروع وطني مستقل قائم على العدالة الاجتماعية، وجد نفسه أمام واقع قاسٍ يفرض عليه الاختيار بين البقاء في وطن ينهكه الحصار، أو الهجرة بحثًا عن حياة أكثر استقرارًا. هذا الواقع خلق حالة من الإحباط الجماعي، وأضعف الروح الوطنية التي كانت تشكّل ركيزة أساسية في مشروع فنزويلا المستقلة.

إن انعكاسات الغزو داخليًا تكشف أن التوحش الإمبراطوري لا يكتفي بإضعاف الدولة، بل يستهدف المجتمع نفسه، عبر ضرب مقومات الحياة اليومية، وإضعاف الثقة في المؤسسات، وتفكيك الروابط الاجتماعية. وهكذا، يصبح المواطن البسيط هو الضحية الأولى والأخيرة، في مشهد يعكس بوضوح أن الغزو ليس مجرد صراع على السلطة، بل هو حرب على الإنسان ذاته.

انعكاسات الغزو على النظام الدولي

هذا التدخل الأمريكي لم يكن مجرد حدث محلي يخص دولة واحدة، بل شكّل صدمة للنظام الدولي بأسره، لأنه كشف عن هشاشة القيم التي يُفترض أن تحكم العلاقات بين الدول. فحين تُستباح سيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وتُفرض عليها عقوبات خانقة، ويُهدَّد نظامها السياسي بالتفكيك، فإن ذلك يعني أن القانون الدولي لم يعد المرجعية العليا، بل أصبح مجرد أداة تُستخدم حين تخدم مصالح القوى الكبرى، وتُهمل حين تتعارض معها.

لقد أدى هذا الغزو إلى تآكل الثقة في المؤسسات الدولية مثل الأمم المتحدة ومجلس الأمن، حيث بدا واضحًا أن هذه المؤسسات عاجزة عن حماية الدول الضعيفة أمام تغوّل القوى العظمى. وهكذا، تحوّل النظام الدولي من فضاء يُفترض أن يقوم على العدالة والتوازن، إلى ساحة مفتوحة لمنطق القوة، حيث يُملى على الشعوب مصيرها وفقًا لمصالح الشركات الكبرى والدول المهيمنة.

كما أن الغزو الأمريكي لفنزويلا عزّز منطق الاستقطاب العالمي، حيث وجدت قوى مثل روسيا والصين نفسها مضطرة إلى التدخل لدعم فنزويلا، ليس فقط دفاعًا عن حليف، بل أيضًا لمواجهة التمدد الأمريكي الذي يهدد مصالحها الاستراتيجية. هذا الاستقطاب أعاد إلى الأذهان أجواء الحرب الباردة، لكنه هذه المرة يتخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل القوة العسكرية مع الاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا.

الأخطر من ذلك أن الغزو كشف عن أزمة أخلاقية عالمية: كيف يمكن للعالم أن يدّعي التحضر وهو يمارس أبشع صور التوحش؟ كيف يمكن أن تُبنى قيم إنسانية جامعة في ظل استمرار هذا الانهيار الأخلاقي؟ إن ما حدث في فنزويلا يطرح سؤالًا وجوديًا حول مستقبل النظام الدولي: هل نحن أمام عالم متعدد الأقطاب قادر على إعادة التوازن، أم أمام استمرار هيمنة إمبراطورية تُعيد إنتاج الاستعمار بأدوات جديدة؟

انعكاسات الغزو على العالم العربي والعالم الثالث

لا يمكن عزل التدخل العسكري الأمريكي في فنزويلا عن السياق الأوسع لتجارب العالم العربي والعالم الثالث، حيث تتكرر ذات السيناريوهات وإن اختلفت الجغرافيا. فالمشهد الفنزويلي يعيد إلى الأذهان ما حدث في العراق وليبيا، حين تحولت شعارات "حماية الديمقراطية" و"إنقاذ الشعوب" إلى أدوات لتبرير التدخل العسكري والاقتصادي، وانتهت إلى تدمير البنية التحتية، وتفكيك الدولة، وإغراق المجتمعات في الفوضى. هذه التجارب تكشف أن التوحش الإمبراطوري ليس استثناءً، بل هو قاعدة تُمارس كلما حاولت دولة أن تخرج من دائرة الهيمنة وتبني مشروعًا مستقلًا.

في العالم العربي، انعكست هذه السياسات في شكل أزمات متلاحقة: انهيار دول، تفكك مجتمعات، وتراجع الوعي الجمعي أمام سطوة الإعلام المهيمن الذي يُعيد إنتاج الرواية الغربية. وهكذا، يصبح الغزو الأمريكي لفنزويلا رسالة واضحة إلى كل دول الجنوب العالمي: أي محاولة للاستقلال السياسي أو الاقتصادي ستُواجه بالقوة، سواء عبر العقوبات أو عبر التدخل المباشر.

أما في العالم الثالث عمومًا، فقد عزّز هذا الغزو منطق المقاومة والرفض، حيث باتت الشعوب ترى في فنزويلا نموذجًا لصمود الدولة المستقلة أمام التوحش الإمبراطوري، تمامًا كما رأت في العراق وليبيا وسوريا نماذج لأثمان الاستقلال حين يُواجه بالقوة. هذا الوعي الجديد يُعيد إنتاج خطاب عالمي مضاد للهيمنة، خطاب يربط بين قضايا الجنوب من فلسطين إلى فنزويلا، ويؤكد أن المعركة ليست محلية، بل هي معركة إنسانية ضد نظام دولي فقد شرعيته الأخلاقية.

إن انعكاسات الغزو على العالم العربي والعالم الثالث تكشف أن القضية ليست مجرد صراع على النفط أو الموارد، بل هي صراع على الحق في الوجود المستقل، على حق الشعوب في أن تختار مصيرها دون وصاية أو إكراه. وهكذا، يصبح الغزو الفنزويلي جزءًا من معركة كبرى تُخاض في الجنوب العالمي ضد التوحش الإمبراطوري، معركة تُعيد طرح السؤال الجوهري: هل يمكن للعالم أن يبني نظامًا دوليًا قائمًا على العدالة، أم أن منطق القوة سيظل هو الحاكم الأوحد؟

البعد الأخلاقي والقيمي

إن أخطر ما يكشفه التدخل الأمريكي في فنزويلا ليس فقط حجم التدمير الاقتصادي والاجتماعي الذي خلّفه، بل انهيار صورة "العالم المتحضر" أمام أعين الشعوب. فحين تُرفع شعارات الحرية والديمقراطية لتبرير التوحش، وحين يُستبدل القانون الدولي بمنطق القوة العارية، يصبح السؤال الأخلاقي أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى: ما جدوى القيم إذا كانت تُستخدم كغطاء للعدوان؟

لقد أظهر هذا التدخل أن القيم العالمية التي يُفترض أن تكون مرجعية إنسانية مشتركة – كالعدالة، المساواة، احترام السيادة، وحق الشعوب في تقرير مصيرها – قد تحولت إلى أدوات انتقائية تُستخدم حين تخدم مصالح القوى الكبرى، وتُهمل حين تتعارض معها. وهكذا، فقد النظام الدولي شرعيته الأخلاقية، لأن الشعوب باتت ترى في هذه القيم مجرد شعارات فارغة تُخفي وراءها أطماعًا اقتصادية واستراتيجية.

إن البعد الأخلاقي في هذه القضية يتجاوز فنزويلا ليطال صورة العالم بأسره. فحين يُمارس التوحش باسم التحضر، وحين يُستباح الإنسان باسم حقوق الإنسان، فإن ذلك يعني أن الإنسانية نفسها باتت في أزمة. لقد أصبحنا أمام مفارقة صارخة: عالم يملك كل أدوات القوة والتكنولوجيا، لكنه يفقد القدرة على بناء منظومة قيمية جامعة. وهذا الانهيار الأخلاقي هو ما يهدد مستقبل البشرية أكثر من أي أزمة اقتصادية أو سياسية.

إن التدخل الأمريكي لفنزويلا يعيد طرح سؤال وجودي: هل يمكن للعالم أن يستمر في ادعاء التحضر بينما يمارس أبشع صور التوحش؟ وهل يمكن أن تُبنى قيم إنسانية جامعة في ظل استمرار هذا الانهيار الأخلاقي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تخص فنزويلا وحدها، بل تخص كل شعوب الجنوب العالمي، وكل من يؤمن أن العدالة لا يمكن أن تُختزل في مصالح القوى الكبرى.

الاختبار الأخلاقي للنظام الدولي

إن الغزو الأمريكي لفنزويلا ليس مجرد حدث سياسي عابر، بل هو علامة فارقة تكشف عن طبيعة النظام الدولي في لحظته الراهنة، حيث تتعرّى الشعارات البراقة وتنكشف خلفها حقيقة التوحش الإمبراطوري. لقد رأينا كيف تحوّلت قيم الحرية والديمقراطية إلى أدوات لتبرير العدوان، وكيف استُبدل القانون الدولي بمنطق القوة العارية، وكيف أصبح المواطن البسيط هو الضحية الأولى والأخيرة في معركة لا تخصه، لكنها تُفرض عليه باسم حماية حقوقه.

إن انعكاسات هذا الغزو داخليًا على فنزويلا كانت كارثية: حصار اقتصادي خانق، انهيار اجتماعي، تفكك سياسي، وهجرة جماعية. وخارجيًا، كشف الغزو عن أزمة أخلاقية عالمية، حيث فقدت المؤسسات الدولية شرعيتها، وتحوّل العالم المتحضر إلى صورة مشوهة لانهيار القيم أمام جشع المصالح. لقد أصبحنا أمام نظام دولي يُدار بمنطق الاستعمار الجديد، حيث تُستباح الدول المستقلة، وتُنهب مواردها، وتُفرض عليها وصاية لا تختلف في جوهرها عن وصاية القرون الماضية.

أما بالنسبة للعالم العربي والعالم الثالث، فإن الغزو الفنزويلي يعيد إلى الأذهان تجارب العراق وليبيا وسوريا، ويؤكد أن أي محاولة للاستقلال السياسي أو الاقتصادي ستُواجه بالتوحش ذاته. وهكذا، يصبح المشهد الفنزويلي جزءًا من معركة كبرى يخوضها الجنوب العالمي ضد الهيمنة، معركة لا تخص دولة بعينها، بل تخص حق الشعوب في تقرير مصيرها، وفي بناء مشروع حضاري مستقل بعيدًا عن وصاية القوى الكبرى.

إن البعد الأخلاقي لهذه القضية هو الأكثر خطورة، لأنه يكشف أن الإنسانية نفسها باتت في أزمة. فحين يُمارس التوحش باسم التحضر، وحين يُستباح الإنسان باسم حقوق الإنسان، فإن ذلك يعني أن القيم العالمية لم تعد قادرة على حماية الشعوب، بل تحولت إلى أدوات لتبرير العدوان. ومن هنا، يصبح السؤال الجوهري: هل يمكن للعالم أن يستمر في ادعاء التحضر بينما يمارس أبشع صور التوحش؟ وهل يمكن أن تُبنى قيم إنسانية جامعة في ظل استمرار هذا الانهيار الأخلاقي؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لا تخص فنزويلا وحدها، بل تخص مستقبل البشرية بأسره. فالتدخل في فنزويلا ليس مجرد صراع على النفط أو السلطة، بل هو اختبار حقيقي للقيم العالمية، اختبار يكشف أن العالم المتحضر يقف اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يُعيد بناء نظام دولي قائم على العدالة والإنصاف، وإما أن يستمر في إنتاج التوحش الإمبراطوري الذي يهدد وجود الإنسانية نفسها.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

التقييم الإجتماعي: تابع الجميع وبكل اسف جريمة هتك عرض وحشية هزت الضمير العراقي اثناء احتفالات اعياد الميلاد نالت من صبية مستورة من بنات العراق، وأثارت الرأي العام في عموم العراق، حيث تعد من الجرائم النادرة بالصيغة التي وقعت فيها من حيث العدد وظروف الزمان والمكان.

وجندت الأجهزة الأمنية كل طاقاتها لكشف الجناة والذي اسفر على اعتقال عدد كبير منهم قبل مرور 24 ساعة على ارتكاب الفعل وهي جهود مشكورة تؤكد تصاعد القدرات الأمنية وخبرتها في كشف الجرائم. ومع ذلكِ تبقى الوقايةِ خير من العلاج.

ورغم ان جريمة هتك العرض تقع في كل انحاء العالم، لذلك نصت عليها جميع القوانين المقارنة في شرق المعمورة وغربها، ومع اجراء التحديثات والتعديلات التي تلائم التطور التكنلوجي وخاصةً جرائم الانترنيت.

إلا أنه وكما يقال (عدوك قبال عينك) حاول بعض المغرضين استغلالها للنيل من كرامة اهلنا في البصرة الفيحاء، الذين عرفوا منذ القدم بتمسكهم بالقيم الخلقية والإسلامية، كما وحاول بعض المرتزقين من الطائفية تجيرها ضد طائفة معينة وكأن الجريمة تقع لاول مرة ولم يسمعوا بها من قبل.

الا ان تكرارها يدعونا الى اتخاذ المزيد من الإجراءات الاحترازية في أماكن التجمعات العامة من الناحية الأمنية والإجتماعية ولاشك ان للتوعية الأسرية والتعليمية والدينية اثر بالغ على نمو ثقافة التعايش الآمن والسلمي بين المواطنين، خاصة وإن جريمة هتك العرض محرمة دينياً واجتماعياً وإنسانياً قبل ان يجرمها القانون الوضعي.

هتك العرض فقهاً

تعريف جريمة هتك العرض

هتك العرض هو فعل مادي منافٍ للآداب يقع مباشرة على جسم المجني عليه (ذكر أو أنثى) دون أن يصل إلى حد المواقعة (الاغتصاب)، ولاينزل الى مجرد التحرش اللفظي وخدش الحياء. اذا يتضمن مثلاً لمس العورات أو تمزيق ملابس الضحية وإجباره على التعري، ويتم بالإكراه (سواء كان الاكراه مادياً، او معنوياً) أو باستخدام الحيلة والابتزاز، وهو ما يجعل السلوك جناية أخطر من جريمتي التحرش والفعل الفاضح.

أركان جريمة هتك العرض:

الركن المادي: هو أي فعل مادي يخدش الحياء الشخصي والعام ويمس جسم المجني عليه مثل لمس المناطق الحساسة، التقبيل او الحضن باستخدام القوة، وكذلك تمزيق الملابس، وكشف العورات الجسدية ولكن لا يشترط لمس العورة بالضرورة، بل يكفي فعل فاضح يمس جسم الضحية.

ركن الإكراه: يجب ان الفعل اكراهاً لا رضائيا لأن الرضا يخرج الفعل من نطاق جريمة هتك العرض إلى نطاق جريمة الفعل الفاضح.

فيجب يجب أن يقع الفعل بالإكراه المادي (استخدام العنف من فرد او جماعة)، أو المعنوي (التهديد والابتزاز)، أو بإستخدام الحيلة والخداع، سواء بشكل مباشر او من خلال الانترنيت ومواقع التواصل الإجتماعي.

القصد الجنائي: يجب أن يقصد الجاني ارتكاب الفعل مع علمه بأنه مخل بالحياء ومجرم قانوناً، وأركان القصد الجنائي (الركن المعنوي) هما العلم والإرادة، حيث يجب أن يعلم الجاني بجميع عناصر الجريمة (الفعل المادي المكون لها ومخالفتها للقانون) وأن تتجه إرادته إلى ارتكاب هذا الفعل وتحقيق نتيجته الضارة، وهو أساس الجرائم العمدية التي تختلف عن الجرائم غير العمدية (التي تقوم على الخطأ) ولا عقاب إلا بفعل مقصود. وتنتفي النية في حالات التلامس غير المقصود في حالات الازدحام أو الخطأ.

وينص قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 على عقوبات صارمة لجريمة هتك العرض كما هو الحال في قوانين الدول الأخرى.

وتختلف العقوبات المترتبة على الفعل الجرمي بإختلاف ظروف الجريمة، مثل عمر الضحية، واستخدام القوة أو التهديد، ووجود أي علاقة سلطة بين الجاني والضحية.

2. الظروف المشددة

أ- اذا كان الضحية قاصراً.

ب- اذا كان الجاني من اقارب المجنى عليه الى الدرجة الثالثة او كان من المتولين تربيته او ملاحظته او ممن له سلطة عليه او كان خادما عنده او عند احد ممن تقدم ذكرهم.

ج- اذا كان الفاعل من الموظفين او المكلفين بخدمة عامة او من رجال الدين او الاطباء واستغل مركزه او مهنته او الثقة به.

د- اذا ساهم في ارتكاب الفعل شخصان فاكثر تعاونوا في التغلب على مقاومة المجنى عليه او تعاقبوا على ارتكاب الفعل.

ه- اذا كانت المعتدى عليها انثى وازيلت بكارتها.

و- اذا اصيب المجني عليه بمرض نتيجة الفعل.

ز- اذا افضى الفعل الى موت المجني عليه.

الحد الأقصى والحد الأدنى للعقوبة

قد تصل العقوبة إلى السجن المؤبد إذا اقترنت الجريمة بظروف مشددة.

في الحالات الأقل خطورة، قد تتراوح العقوبة بين السجن لعدة سنوات والغرامة.

مقارنات ببن جربمة هتك العرض وجرائم لااخلاقية اقل خطورة:

1- الفعل الفاضح المخل بالحياء

ويشمل كل سلوك يسيء إلى الشعور العام بالحياء كتقبيل امرأة او احتضانها في الطريق العام، علماً ان الفعل الفاضح المخل بالحياء قد يقع على جسم غيره ومن الممكن ايضاً ان يقع على جسمه نفسه ومثال الاخير عرض اجزاء من الجسم تعد عورة في دلالتها الاجتماعية.

ويعاقب القانون العراقي على هذه الجريمة وفق المادة (400) من قانون العقوبات العراقي، وتُعتبر من جرائم الجنح.

2- التحرش اللفظي او السلوكي

التحرش هو كل سلوك أو قول أو فعل مخل بالحياء، يصدر من شخص تجاه آخر، يؤدي إلى شعور الضحية بالخجل والإهانة أو الخوف. كالألفاظ القبيحة والمسيئة والإشارات المستفزة او الملاحقة المضايقة، او اللمس.

وقد يحصل من خلال وسائل التواصل الاجتماعي والرسائل النصية او التحرش في مواقع العمل*

وقد نصت عليها المادة (402) عقوبات عراقي

والمادة (10) من قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015.

3- اللواط

أن هتك العرض يتفق مع اللواط بأنه يقع على الذكر أو الأنثى، ولكن يختلفان أن الفاعل في جريمة اللواط يكون ذكرا، بينما في جريمة هتك العرض قد يكون الفاعل ذكـرا أو أنثى وعلى ذلك يمكـن أن تقع جريمة هتك العـرض مـن ذكر على ذكر أو من أنثى على أنثى أو من ذكر على أنثى، أو من أنثى على ذكر .

فضـلا عـن ذلك أن فعل هتك العرض يقع مباشرة على جسم الغير ويشمل اعتداءاً جسيماً ولكن لا يصل إلى دوجة الوقاع أو اللواط المواد (493 -394) عقوبات عراقي.

هتك العرض قانوناً

(النصوص المعاقبة على جريمة هتك العرض)

لقد أورد قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 الاعتداء على العرض أو هتك العرض في الفصل الأول من الباب التاسع (الجرائم المخلة بالأخلاق والآداب العامة) حيث جاء عنوان الفصل (الاغتصاب واللواط وهتك العرض في المواد من 393 - 398)

وقدنصت المادة (396) من قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل على انه:

‏ (1 - يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على سبع سنوات او بالحبس من اعتدى بالقوة او التهديد او بالحيلة او بأي وجه آخر من اوجه عدم الرضا على عرض شخص ذكرا او انثى او شرع في ذلك.

2 - فاذا كان من وقعت عليه الجريمة لم يبلغ من العمر ثماني عشرة سنة او كان مرتكبها ممن اشير اليهم في الفقرة (2) من المادة 393 تكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على عشر سنين)

(شددت العقوبة المنصوص عليها في المادة 396 الى السجن لمدة خمس عشرة سنة بموجب الأمر رقم 31 القسم 3 الفقرة 2 المؤرخ في 13 ايلول 2003 الصادر عن المدير الاداري لسلطة الائتلاف المؤقتة).

علماً ان المادة 393 منه قد نصت على انه:

1 – يعاقب بالسجن المؤبد او المؤقت كل من واقع انثى بغير رضاها او لاط بذكر او انثى بغير رضاه او رضاها.

2 – يعتبر ظرفا مشددا اذا وقع الفعل في احدى الحالات التالية:

ا – اذا كان من وقعت عليه الجريمة لم يبلغ الثامنة عشرة سنة كاملة.

ب – اذا كان الجاني من اقارب المجنى عليه الى الدرجة الثالثة او كان من المتولين تربيته او ملاحظته او ممن له سلطة عليه او كان خادما عنده او عند احد ممن تقدم ذكرهم.

ج – اذا كان الفاعل من الموظفين او المكلفين بخدمة عامة او من رجال الدين او الاطباء واستغل مركزه او مهنته او الثقة به.

د – اذا ساهم في ارتكاب الفعل شخصان فاكثر تعاونوا في التغلب على مقاومة المجنى عليه او تعاقبوا على ارتكاب الفعل.

هـ - اذا اصيب المجنى عليه بمرض تناسلي نتيجة ارتكاب الفعل.

و – اذا حملت المجنى عليها او ازالت بكارتها نتيجة الفعل.

3 – واذا افضى الفعل الى موت المجنى عليه كانت العقوبة السجن المؤبد.

4 – واذا كانت المجنى عليها بكرا فعلى المحكمة ان تحكم لها بتعويض مناسب.

ملاحظة: راجع امر سلطة الائتلاف رقم 31 القسم 3 الفقرة 2 المؤرخ في 13 ايلول 2003 والذي نص على (1- تعدل العقوبات المفروضة على مرتكبي جرائم الاغتصاب والاعتداء الجنسي المنصوص عليها في المادة 393 من قانون العقوبات بغية فرض العقوبة القصوى بالسجن مدى الحياة على المدانين بارتكان تلك الجرائم. لا يطبق التقييد على فرض العقوبة القصوى المنصوص عليها في المادة 87 من قانون العقوبات على الجرائم المحددة في المادة رقم 393. ويعني الحكم بالسجن مدى الحياة. لاغراض هذا التعديل، بقاء الشخص المعني في السجن طوال سنوات حياته الطبيعية التي تنتهي بوفاته.)

اما المادة 397 منه فقد نصت على انه؛

(يعاقب بالحبس من اعتدى بغير قوة او تهديد او حيلة على عرض شخص ذكرا او انثى ولم يتم الثامنة عشرة من عمره.

فاذا كان مرتكب الجريمة ممن اشير اليهم في الفقرة 2 من المادة 393 تكون العقوبة السجن مدة لا تزيد على سبع سنوات او الحبس).

*وفي قانون العقوبات العراقي نصت المادة (402) (يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ثلاثة اشهر وبغرامة لا تزيد على ثلاثين دينارا او باحدى هاتين العقوبتين:

ا – من طلب امورا مخالفة للآداب من اخر ذكرا كان او انثى.

ب – من تعرض لانثى في محل عام باقوال او افعال او اشارات على وجه يخدش حياءها.

2 – وتكون العقوبة الحبس مدة لا تزيد على ستة اشهر والغرامة التي لا تزيد على مائة دينار اذا عاد الجاني الى ارتكاب جريمة اخرى من نفس نوع الجريمة التي حكم من اجلها خلال سنة من تاريخ الحكم السابق).

وفي قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015 نص على تجريم أي سلوك مهين أو مسيء في بيئة العمل، حيث نصت المادة (10) منه على انه:

(اولا: يحظر هذا القانون التحرش الجنسي في الاستخدام والمهنة سواء كان على صعيد البحث عن العمل او التدريب المهني او التشغيل او شروط وظروف العمل

ثانيا: يحظر هذا القانون اي سلوك اخر يؤدي الى انشاء بيئة عمل ترهيبية او معادية او مهينة لمن يوجه اليه هذا السلوك

ثالثا: يقصد بالتحرش الجنسي وفق احكام هذا القانون اي سلوك جسدي او شفهي ذو طبيعة جنسية او اي سلوك اخر يستند الى الجنس ويمس كرامة النساء والرجال ويكون غير مرغوب وغير معقول ومهينا لمن يتلقاه. ويؤدي الى رفض اي شخص او شخص او عدم خضوعه لهذا السلوك، صراحة او ضمنا، لاتخاذ قرار يؤثر على وظيفته).

اقتراحات

نقترح ان تكون محاكمة هؤلاء الشباب علنية او تقديم موجز فديوي عنها ليشعر الجميع بوقع القانون والقضاء على هذه السلوكيات المنحرفة كما هو متبع في اغلب دول العالم وخاصة القضاء المصري.

***

فارس حامد عبد الكريم

كتبتُ أكثر مِن مقال عن تمثيل التاريخ، وكتابته أدباً، مما يفرض على كاتب السيناريو أو مؤلف العمل الأدبيّ، التشويق لجذب المشاهدين والقراء، وهذا ليس عملاً مرفوضاً في السينما والأدب، لكن لا يصلح مصدراً يُحتج به، فهناك أمهات التَّاريخ والمؤلفات فيه، وهي مِن الكثرة قد لا تُعد ولا تحصى، وليس كلّ ما جاء فيها صحيحاً، وتبقى أمانة المؤرخ أو المؤلف في التَّاريخ المقابلة بين الروايات لترجيح واحدة منها، بعد مقابلتها، وهذا ما فعله محمّد بن جرير الطَّبريّ (310 هـ)، يأتي بالروايات مِن عدة رواة ومظان. كان لهذا المقال سبب، ليس الرغبة في الإعادة والتَّذكير، إنما للردود التي تناولته، أحدها كان مقال «سَيْف ذو الفَقَار.. هدايا ونُصب»، بعد أنَّ صار هذا السَّيف مادة للحديث والمناقشة، عندما قُدم هدية لوزير الدِّفاع الأميركي رامسفيلد، وبصورته، التي تخالف ما جاء عند المؤرخين سُنَّة وشيعة.

جاء ذِكر هذا السّيف، في كتب التَّاريخ كافة، كان غنيمة مِن معركة «بدر» (2هـ)، فصار للنبي، ثم أهدي للإمام عليٍّ بن أبي طالب، وظل يتداول بين أجيال العلويين، امتلكه حفيد الحسن بن عليٍّ محمَّد النَّفس الزَّكية (145هـ)، ثم استأثر به الخلفاء العباسيون، ونعثر على آخر أخباره عند هارون الرَّشيد (193هـ) (الطَّبري، تاريخ الرّسل والملوك)، بعدها غاب ذكره تماماً، ليظهر مرسوماً برأسين أو شفرتين.

أما محمَّد باقر المجلسيّ (1111هـ)، فقال انتهى السّيف عند المهدي المنتظر، ولم يزد في وصفه بأكثر مما رواه الطبريّ وبقية المؤرخين، سمي بذي الفقار لفقرات فيه لا شفرتان (بحار الأنوار).

فصورةَ السَّيف المنتشرة في تماثيل ومصورات ومداليات، تُخالف الوصف الذي اِتَّفق عليه المؤرخون الأوائل، فقد كان محلى بثماني عشرة فقرة، ولم يتحدث أحدٌ عن شفرتين في طرفه، ومعلوم أنَّ النزاعات الطّائفيّة استغلت ورتبت وقائع وأحداثاً فيها الغلو والتَّطرف، ليظهر رأس «ذو الفقار» بخنجر أبي لؤلؤة (قُتل 23هـ)، ليظهر عمر بن الخطاب مقتولاً بسيف عليّ! كان هذا العمل (المحترف) مِن قِبل أسرة ادعت أنها تنتسب إلى أبي لؤلؤة، فجعلوا له مزاراً، وسموه «بابا شِجاع الدِّين»، حتّى ألغي مِن قِبل السلطات الإيرانيَّة بعد الثَّورة.

غير أنَّ الغاضبين على ما كتبته، ظنوا أن المقال يلغي وجود «سيف ذي الفقار»، وعلاقته بعلي، فاحتجوا بمخرج فيلم الرّسالة مصطفى العقاد، فقد أظهر السيف، الذي بيد عليّ بشفرتين، فكيف يكون مزوراً برأسي خنجر أبي لؤلؤة؟

وبالعبارة ذكر أكثر مِن واحد: «هل أنت تعلم في التاريخ أكثر مِن العقاد»؟ نعم، فالعقاد ليس مؤرخاً لا باحثاً يهمه تحقيق الرواية، ومقابلتها، بقدر ما يهمه عمله الفني، وقد أسهم في تداول الخطأ، وقيل «خطأ شائع خير مِن صواب ضائع». فلو اطلع على الرواية التّاريخيَّة، وترك عنصر التشويق، لأظهر «ذو الفقار» بفقراته التي على ظهره، وأخذ منها الاسم، لا بشفرتي «خنجر أبي لؤلؤة»، ولطابق النص مع رواية التاريخ المعتمدة، التي جاءت في معركة أُحد (3هـ)، وما قيل وقتها: «لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي» (ابن هشام، السيرة)، وهناك مَن يعتبرها رواية موضوعة، لكنها كانت معركة حاسمة، خسر فيها المسلمون، ولا يستبعد مثل هذا النداء لإثارة الحماس.

ما يعنينا مِن هذا التصويب، ما قصد إليه مَن ألبس رسمة سيف عليّ رسمة خنجر قاتل عمر، وكم كان مِن الحذاقة في إشاعة هذا الوهم، فتراه أعاد كتابة التَّاريخ، ليحقق مقولة «خطأ شائع خير مِن صواب ضائع»، حتَّى صار الخطأ الضار جداً، يتداول هدايا وأوسمة، وهنا أقر أنّ العقاد غلبني، فهو أخذ بالخطأ الشائع، وأنا أخذتُ بالصواب الضائع أو المهجور.

***

د. رشيد الخيّون - كاتب عراقي

في السنوات الأخيرة، لم تعد قضية اللجوء مجرّد ملف إنساني يطفو على سطح نشرات الأخبار كلما تجددت الحرب أو اشتدّت الأزمات، بل غدت مساحةً ثقافية وسياسية معقدة، يتداخل فيها البُعد الرمزي مع اليومي، ويقترن فيها الألم بالتخييل، وتنهض فيها أسئلة الهوية والاندماج والتمثيل جنباً إلى جنب مع أسئلة السلطة والمشاركة والفاعلية. فقد تحوّل اللاجئ، في كثير من الخطابات السائدة، إلى رمزٍ للعجز، وإلى مرآة تعكس هشاشة العالم الحديث وعدم قدرته على منع الانهيارات، غير أنّ هذه المرآة تحمل أيضاً قدرة على إعادة تشكيل العلاقة بين الثقافة والسياسة، بين من يروي الحكاية ومن يُروى عنه، بين مركزية الصوت وغربته. هنا تحديداً يتبدّى التحوّل: من سردية المعاناة التقليدية إلى مساحات تتفتح فيها الفاعلية السياسية، ويستعيد فيها اللاجئ دوره بوصفه فاعلاً لا موضوعاً، وصاحب خطاب لا مجرد ضحية.

اللاجيء خارج الزمان والمكان

إن الثقافة، سواء كانت في صورة الأدب أو السينما أو الفن أو الإعلام، لعبت دوراً مركزياً في صياغة الصورة الأولى عن اللاجئ. في البداية، كانت الصورة تميل إلى التشييء؛ جسدٌ متعبٌ على الحدود، أمّ تحمل أطفالها في الطين، رجلٌ يعبر البحر كمن يعبر قبره المؤجل. هذه الصور، رغم صدقها وقسوتها، أسهمت في تكريس اللاجئ ككائن خارج الزمان والمكان، وكأن وجوده مؤقت، ناتج عن خلل استثنائي في النظام العالمي. هكذا صار اللاجئ معطى بصرياً وأخلاقياً يثير التعاطف لكنه يُفرغه من القدرة على الفعل. كانت هذه المرحلة الأولى: مرحلة سردية المعاناة، حيث تُختزل التجربة الإنسانية الهائلة إلى لحظة عبور، أو نظرة خوف، أو استعطاف يطلب النجاة.

لكن الثقافة نفسها، بتعدد أصواتها وقدرتها على إعادة إنتاج الرموز، كانت أيضاً الجسر الذي عبر عليه اللاجئون نحو استعادة صوتهم. فحين بدأ كتّاب وشعراء وفنانون من خلفيات لجوء يروون قصصهم بلغاتهم الخاصة، تغيّر المشهد جذرياً. لم تعد الحكاية تروى من الخارج، بل من الداخل، من رحم التجربة ذاتها، بكل ما فيها من تناقضات: الحنين والغضب، الضعف والقوة، الفقد والرغبة في بناء مستقبل جديد. هذه النصوص والفنون لم تكتف بكسر الصورة النمطية، بل فتحت باباً واسعاً لتفكيك العلاقة بين الهوية والسلطة، وبين الذاكرة والمكان، وبين الإنسان وحدوده.

في هذا السياق، تصبح الثقافة ساحة صراع، لكنها أيضاً ساحة تَخَلُّق. فالصوت الذي كان غائباً أو مُغيّباً، يصبح جزءاً من المشهد العام، ويتحوّل اللاجئ من متلقٍّ إلى منتج، من موضوع للخطاب إلى صاحب خطاب قادر على مساءلة العالم الذي لفظه أو احتضنه. إنها لحظة تحرر رمزية، لكنها ذات أثر سياسي يتجاوز الرمز، لأن الخطاب هو الخطوة الأولى نحو الفعل، والنص الذي يكتبه اللاجئ ليس مجرد اعتراف، بل هو إعلان حضور، وكتابة وجود، وتأسيس لمجال مشترك بين الذات والعالم.

اللاجئون منتجون في عالم الثقافة

على المستوى المجتمعي، تكشف الثقافة عن قدرة اللاجئين على إدخال عناصر جديدة إلى فضاء الحياة اليومية في البلدان المضيفة. ليس الأمر مجرد أطعمة جديدة أو احتفالات شعبية، بل هو تفاعل ثقافي يعيد تشكيل المفاهيم، ويسهم في خلق مساحات مشتركة. فالفنون التي يقدمها اللاجئون، سواء عبر المعارض أو المسرح أو السينما، لا تحمل خطاب الألم فقط، بل تقدم رؤى جديدة للعالم، وتطرح أسئلة تتجاوز حدود الجغرافيا التي انطلقوا منها. وهنا تتجلى الفاعلية السياسية بأحد أشكالها: فحين يتحول اللاجئ إلى مشاركٍ في إنتاج الثقافة، يصبح مشاركاً في إنتاج المعنى، وهذا شكل من أشكال القوة؛ لأن من ينتج المعنى يمتلك القدرة على تغيير النظرة وإعادة توزيع الأدوار داخل الحياة العامة.

لكنّ هذا التحول لا يحدث في فراغ. فالمؤسسات الإعلامية والسياسية ما زالت تميل إلى استخدام سردية المعاناة لتثبيت أنماط معينة من التمثيل. فهي سردية سهلة، مفهومة، قابلة للاستهلاك السريع، لكنها في الوقت نفسه تقود إلى تهميش التجربة اللاجئة، وتثبتها داخل إطار لا يسمح لها بالتطور. إنها سردية تجعل اللاجئ "آخر" دائماً، وتمنع عنه اكتساب شرعية سياسية أو اجتماعية. وفي المقابل، تعمل الثقافة النقدية، في الأدب والفن والخطاب الأكاديمي، على تفكيك هذا النمط، وتقديم اللاجئ كذات معقدة، لها تاريخ وذاكرة وصوت وخيارات.

وفي قلب هذا كله، تظهر مسألة الهوية بوصفها إحدى أكثر القضايا إلحاحاً في تجربة اللجوء. فاللاجئ يعيش حالة ازدواجية: ليس ابناً كاملاً للوطن الذي غادره، ولا مواطناً كاملاً للوطن الذي وصل إليه. يعيش بين لغتين، بين اسمين، بين سرديتين. وهذا التوتر، رغم قسوته، ينتج طاقة إبداعية هائلة، لأن الذات تستكشف مناطق جديدة من المعنى، وتعيد تعريف نفسها من خلال ما فقدته وما اكتسبته. هنا يصبح الأدب، مثلاً، مجالاً لإعادة كتابة الذات، لتحويل الفقد إلى معرفة، والرحيل إلى احتمال جديد للوجود. ومن هذه النقطة تحديداً تنطلق الفاعلية السياسية: من الاعتراف بالذات ومن القدرة على التعبير عنها علناً.

ذاكرة اللاجيء ونتاجه الثقافي

يتطور الوعي السياسي للاجئين كرد فعل على محاولة تغيير مصيرهم من الخارج. فالسياسات التي تنتج خطاب الخوف أو خطاب الرحمة لا تمنح اللاجئ أي سلطة، بينما يمنحه الفعل الثقافي سلطة تشكيل صورته. إذ يستطيع الفنان أو الكاتب أو المخرج أن يقلب الصورة رأساً على عقب، أن يُظهر التعقيد في موضع كانت السردية السائدة تريد التبسيط، وأن يكشف عن القدرة في موضع أراد الخطاب الرسمي إظهار العجز. هذا التغيير في التمثيل ينعكس لاحقاً في الفضاء العام، في النقاشات السياسية، في نظرة المجتمع، وفي قدرة اللاجئين أنفسهم على المطالبة بحقوقهم.

ولا تقل أهمية الذاكرة في هذا السياق، فاللاجئ يعيش في علاقة معقدة مع ماضيه؛ فهو محتفظ بذاكرة وطنٍ غالباً ما يحمله معه كأنّه حقيبة لا يمكن تركها، لكنه في الوقت نفسه مضطر لبناء ذاكرة جديدة تتناسب مع مكان جديد. هذا التشابك بين الذاكرتين يجعل منه كائناً يعيش على حدود الأزمنة والأمكنة، والمفارقة هنا أن هذه الحدود التي أرادتها القوى السياسية خطوط فصل، تتحول بفعل الثقافة إلى جسور وصل. فمن خلال الذاكرة، يستطيع اللاجئ أن يربط المكان القديم بالجديد، وأن يبني سردية شخصية تتحدى السردية السائدة عن أنه كائن بلا جذور.

من الأزمة الإنسانية الى قضية سياسية

وعلى الجانب الأوسع، تُسهم الثقافة في تحويل قضية اللجوء من مجرد أزمة إنسانية إلى قضية سياسية بامتياز. فهي تكشف أسباب اللجوء، وتحلل البنى التي تسببت به، وتربطه بالاقتصاد والسياسة والهيمنة. كما تُظهر أن اللاجئ ليس فرداً معزولاً، بل جزء من حركة عالمية تعكس اختلال النظام الدولي. وفي هذا السياق، تصبح الفاعلية السياسية للاجئين جزءاً من فاعلية أكبر، تتعلق بما يمكن أن تسهم به المجتمعات في مقاومة الحروب، وفي إعادة التفكير في معنى الحدود، وفي نقد الأنظمة التي تنتج النزوح والتهجير.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن الطريق نحو الاعتراف الكامل بفاعلية اللاجئين ما يزال طويلاً. فالعالم، رغم انفتاحه الظاهري، ما زال يضع عوائق قانونية وثقافية تحول دون مشاركتهم الفعّالة. لكن الثقافة، بفعلها المستمر والمتعدد الأشكال، تبقى قادرة على خرق هذه الحواجز، وعلى إبقاء السؤال حيّاً: من يملك حق الكلام؟ من يملك حق الظهور؟ ومن يملك حق تعريف ذاته؟

أخيراً، يمكن القول إن التحول من سردية المعاناة إلى الفاعلية السياسية ليس تحولاً بسيطاً أو خطياً. إنه فعل مقاومة، وممارسة يومية، وتجربة طويلة من التفاوض بين الذات والعالم. لكنه يحدث، وتحدث معه إعادة تشكيل جذرية للخطاب حول اللجوء. ففي اللحظة التي يصبح فيها اللاجئ قادراً على قول "أنا" بصوت واضح، ويستطيع فيها أن يروي حكايته كما يريد، لا كما يُراد له، تبدأ السردية الجديدة بالظهور؛ سردية لا تُنكر الألم، لكنها لا تُسلم له بالمطلق، وتمنح اللاجئ حقاً أساسياً: حق أن يكون ذاتاً، لا موضوعاً؛ فاعلاً، لا تابعاً؛ مواطناً في العالم، لا رقماً على قوائم النزوح.

وهكذا تتقاطع الثقافة والسياسة عند نقطة واحدة: إستعادة الإنسان، ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.

***

د. عصام البرّام

قراءة نقدية في مذكرات «الرواية المفقودة» لفاروق الشرع

مقدمة: تُعد مذكرات الفاعلين السياسيين مصدراً أساسياً من مصادر التاريخ المعاصر، ليس فقط لما تكشفه من وقائع، بل لما تعكسه من "تمثلات" السلطة لذاتها. يبرز كتاب «الرواية المفقودة»1 لفاروق الشرع كشهادة استثنائية من داخل هرم السلطة السورية، إلا أنها تثير إشكاليات منهجية تتعلق بحدود الشهادة التاريخية حين تصدر عن فاعل مركزي.

تهدف هذه القراءة إلى تحليل الخلل البنيوي في الكتاب، والمتمثل في الفصل التعسفي بين السياسة الخارجية -باعتبارها مجالاً للعقلانية والدبلوماسية- والسياسة الداخلية التي غُيبت بمفاهيمها الاستبدادية والأمنية.

أولاً: الانتقائية الموضوعية واختزال الدولة

تقوم المنهجية السردية في «الرواية المفقودة» على فرضية ضمنية تُعلي من شأن السياسة الخارجية بوصفها المجال "الشرعي" الوحيد للتأريخ، في مقابل تهميش السياسة الداخلية وتحويلها إلى شأن تقني أو هامشي. إن هذا الفصل يُنتج "حقيقة مجتزأة"؛ فالدولة في المذكرات تظهر كفاعل دولي دون أن تُكشف ملامحها كفاعل داخلي. إن إدارة المفاوضات وحدود المناورة الدبلوماسية لم تكن معزولة عن البنية السلطوية للدولة؛ بل كانت مشروطة بتعطيل المجال العام وإحكام الضبط الأمني، وهو ما لم يقاربه النص، مما أضعف قدرته على تقديم تفسير شمولي لآلية صنع القرار.

ثانياً: الدبلوماسية كأداة للتبرئة غير المباشرة

يعمد الشرع إلى تصوير السياسة الخارجية في عهد حافظ الأسد بوصفها نموذجاً للبراغماتية و"النفس الطويل". هذا العرض، رغم دقة وقائعه الدبلوماسية، يمارس وظيفة "تبريرية" غير مباشرة؛ فهو يدفع القارئ لتبني رؤية للنظام كفاعل عقلاني محاصر بضغوط دولية وإقليمية، متجاهلاً الكلفة الداخلية لهذا الاستقرار. إن الصمود الذي يظهره النص كإنجاز استراتيجي لم يكن نتاج إجماع وطني أو عقد اجتماعي، بل كان ثمرة ضبط أمني صارم، مما يجعل من "العقلانية الخارجية" وجهاً آخر لـ "الإكراه الداخلي" الذي سكت عنه المؤلف.

ثالثاً: غياب الدولة الأمنية والشرط السوسيولوجي

يظهر في الكتاب اختيار سردي واعٍ بتغييب "الدولة الأمنية". فمن خلال إغفال دور الأجهزة الاستخباراتية، وحالة الطوارئ، وآليات القمع السياسي، يحاول النص ترسيخ صورة "دولة القانون والمفاوضات" بدلاً من "دولة الضبط". إن هذا الغياب ليس مجرد سهو مهني، بل هو ضرورة بنيوية لحماية السردية؛ إذ إن الاعتراف بالبنية الأمنية كان سيفكك صورة التفاوض العقلاني ويُظهر السياسة الخارجية كأداة لحماية بقاء النظام وتأمين شرعيته الدولية في ظل أزماته الداخلية.

رابعاً: اختزال الشخصية السياسية (نموذج حافظ الأسد)

يقدم النص قراءة أحادية لشخصية حافظ الأسد، مختزلاً إياه في أدوار "رجل الدولة" و"المفاوض الصلب" و"الاستراتيجي الإقليمي". وفي المقابل، يتم استبعاد وجهه الآخر كمهندس لنظام سلطوي مغلق ومسؤول عن سحق التعددية السياسية. هذا التجزؤ في التقييم يخل بالتوازن التاريخي؛ فالشخصية السياسية في البحث الأكاديمي لا يمكن تفكيكها وظيفياً دون تشويه صورتها الكلية، إذ إن نجاحات الخارج وإخفاقات الداخل (بمعايير الديمقراطية وحقوق الإنسان) هي وحدة واحدة لا تتجزأ.

خامساً: موقع الشاهد وإشكالية القراءة من الداخل

ينطلق فاروق الشرع من موقع الشريك في القرار والمنتج المباشر للنظام، مما يمنح شهادته قيمة وثائقية عالية في كواليس الدبلوماسية، ولكنه يضع قيوداً صارمة على قدرته النقدية. ومن الناحية المنهجية، تظل هذه الشهادة "رؤية من الأعلى" تحتاج بالضرورة إلى قراءة تقابلية "من الأسفل" (رؤية المجتمع، الضحايا، والمعارضة). فالمجتمع السوري في «الرواية المفقودة» يبدو غائباً تماماً، وكأن الدولة كيان ميتافيزيقي يشتغل في فراغ اجتماعي، وهو تصور إداري-أمني يبتعد عن جوهر التاريخ الصراعي.

الإيجابيات التي لا يجوز تجاوزها

رغم هذا الخلل البنيوي، فإن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن «الرواية المفقودة» واحد من أكثر كتب المذكرات العربية وجدية، في ثلاثة أبعاد رئيسية:

1. المصداقية التأريخية: مذكرات قائمة على الوثيقة. الشرع لا يكتب من الذاكرة فقط، بل من الوثيقة أيضاً. هو يستعيد تفاصيل لقاءات مغلقة ومحاضر جلسات كان يشرف بنفسه على تدوينها.

هذا ما جعل الكتاب مرجعاً لا غنى عنه لكل من يدرس مفاوضات السلام العربية–الإسرائيلية، وخصوصاً ما عُرف بـ«وديعة رابين»، حيث يضع الشرع «النقاط على الحروف» في ملف ظل محاطاً بالغموض لسنوات، ويذهب إلى حد الحديث بلغة الأمتار والبوصات على ضفاف بحيرة طبريا، لا بلغة الشعارات.

2. التوثيق السياسي: كشف آليات القرار من الداخل. تكمن قوة الكتاب أيضاً في قدرته على تشريح ماكينة القرار في عهد حافظ الأسد. نرى رئيساً يدير التفاصيل الصغيرة والكبيرة بدقة لافتة، ونرى كيف كانت الملفات العربية والفلسطينية تُدار في ظل شُح الثقة بين العواصم. هذه الشهادة ضرورية لفهم طبيعة النظام، حتى وإن ظلّت صامتة عن الجانب الأمني المباشر.

3. البعد الأخلاقي في الكتابة: بين الوفاء والتوازن. أخلاقياً، يقدّم الشرع نموذجاً نادراً في كتابة المذكرات السياسية العربية. هو وفيّ لرئيسه، لكنه لا ينزلق إلى لغة التأليه. يصف الخصوم السياسيين—من رابين إلى بيريز إلى ياسر عرفات—بلغة سياسية موضوعية، بلا شتائم أو تخوين. والأهم أنه يرى نفسه مسؤولاً عن تقديم «الرواية السورية» لا عن تبرئة نفسه شخصياً، وهو ما يمنح الكتاب طابعاً مؤسساتياً لا فردياً.

هذه العناصر مجتمعة تجعل من «الرواية المفقودة» مرجعاً توثيقياً محترماً، حتى لدى من يختلف جذرياً مع النظام الذي ينتمي إليه الشرع.

مقارنة مع رواية بيل كلينتون: «راشومون»2 الشرق الأوسط

تزداد أهمية «الرواية المفقودة» حين تُقرأ إلى جانب مذكرات بيل كلينتون «حياتي – My Life»3.

فكلا الرجلين يروي الأحداث ذاتها، لكن من زاويتين متناقضتين:

* الشرع يرى الأسد قائداً استراتيجياً صلباً.

* كلينتون يراه رجلاً يعيش في الماضي ويضيّع الفرص.

* الشرع يعتبر «وديعة رابين» تعهداً كاملاً.

* كلينتون يصفها بأنها تعهّد مشروط.

* الشرع يرى قمة جنيف محاولة لفرض شروط مجحفة.

* كلينتون يراها فرصة تاريخية ضاعت بسبب تمسّك الأسد بأمتار قليلة على شاطئ طبريا.

هذه التناقضات تكشف أن التاريخ ليس رواية واحدة، بل مجموعة روايات تتصارع على المعنى والذاكرة.

خاتمة: نصف الحقيقة… ونصف السؤال

«الرواية المفقودة» ليس تزويراً للتاريخ، بل هو إعادة ترتيب له من زاوية السلطة. ليست كتاب فضائح، ولا تصفية حسابات، ولا مديحاً رخيصاً.

إنها محاولة متماسكة من رجل دولة محترف لتقديم رواية رسمية رصينة، تُنصف الدبلوماسية السورية في كثير من التفاصيل، لكنها تترك فراغاً كبيراً حين يتعلق الأمر بالدولة الأمنية والمجتمع.

قيمة الكتاب تكمن في ما يقدّمه، لكنه يكتسب أهميته القصوى إذا قُرئ إلى جانب ما لم يقله: أصوات المسكوت عنهم، ضحايا الداخل، والمعارضات التي لا تجد مكاناً في سردية الدولة عن نفسها.

بهذا المعنى، لا يمكن رفض «الرواية المفقودة»، ولا يمكن الاكتفاء بها. إنها خطوة ضرورية في فهم «عقل النظام»، لكنها ليست الرواية التي تُغلق النقاش؛ بل الرواية التي تفتحه.

***

منذر فالح الغزالي

فاختبيرغ 29.12.2025

..........................

1- الرواية المفقودة، مذكرات فاروق الشرع، إصدار المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2015

2- كلمة "راشومون" مأخوذة من فيلم ياباني شهير يحمل الاسم نفسه، حيث يروي كل شخص قصة مختلفة لنفس الحادثة، ويصعب الوصول إلى حقيقة واحدة نهائية.

3- سيرة ذاتية للرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلنتون - دار نشر راندوم هاوس، 2004. تعريب د. محمد توفيق البجيرمي، عن دار  الحوار الثقافي بيروت 2004

في المثقف اليوم