آراء
عدي البلداوي: "أمركة" العالم ثقافياً أم أنسنة العالم ثقافياً؟
من اجل نظام عالمي جديد للإنسانية
"يا إله المعركة يجب ان تصل التعزيزات فأرسل قوتك وحضورك ليلمسا هذا الرئيس"... بهذه الكلمات نطق القس الأمريكي "جينتزن" في مكانٍ جمعه وآخرين حول الرئيس الأمريكي "ترامب". وقالت المستشارة الروحية للرئيس " باولا وايت " " كما كان يسوع مفضلاً لدى الله والناس فليكن ذلك مع الرئيس ترامب".
حين رفض بابا الفاتيكان " لاون الرابع عشر" الحرب التي تشنها أمريكا وإسرائيل في الشرق الأوسط، قائلاً ان (واجباً أخلاقياً) يملي عليه ان يعبّر عن دعمه للسلام. وصفه " ترامب" بأنه (ضعيف في ملف الجريمة وسيئ جداً في السياسة الخارجية)، وبعد رفضه الاعتذار عن إساءته هذه بحق البابا، نشر على منصة "تروث سوشيال" في وقت متأخر من مساء يوم الأحد 12/4/2026م، صورة له معدّلة بالذكاء الاصطناعي يظهر فيها وكأنه المسيح. فهل تخوض أمريكا حرباً دينية؟ أم هي السياسة المبرقعة بالدين لخداع الجماهير؟
لماذا لم يؤثر حراك الشارع الأمريكي الرافض للحرب التي تشنها الإدارة الأمريكية على إيران في قرارات السياسة الخارجية الامريكية؟
كيف تقرأ السياسة الخارجية الأمريكية الحضور الجماهيري اللافت في ايران خلال الأربعين يوماً من الحرب؟
إذا كانت هناك كاميرات معدّة سلفاً لإظهار الرئيس الأمريكي في جو طقوسي ديني، وفي مشهد بطولي عالمي، فإن مقاطع فديو عفوية نُشرت على مواقع التواصل الاجتماعي، سجّلها مسافرون عراقيون على غير موعد مع الشارع الإيراني الذي أبدى تفاعله مع أحداث البلاد كل من موقعه، فكان مشهد الطفل والشيخ والمرأة وهم يحملون علم البلاد في تنقلاتهم، ومجموعات تتوزع يومياً على الطرقات والمجسّرات، بعد ان تطاولت القوة العسكرية الأمريكية على تفجير احد المجسرات الحيوية في البلاد. إذا فرضنا ان الجمهور الرافض في كل من أمريكا وايران يمثلون جانباً من المشهد الحياتي لطبيعة كل مجتمع، فإن هذا المشهد يكشف بوضوح عن وعي الجمهور الأمريكي بالخطأ الذي ترتكبه حكومته بحق إيران، ويكشف أيضاً عن وعي الجمهور الإيراني بالخطر الذي ينتظر وجودهم. وأريد في هذا المشهد أن أثبّت وجود رؤية إنسانية جماهيرية مشتركة، فالجمهور الأمريكي الرافض للحرب، لم ينظر اليها على انها شأن سياسي عسكري فقط، بل وضعها في إطار أخلاقي إنساني حضاري. وكذلك الشعب الإيراني، لم ينظر الى الحرب على انها سعي امريكي إسرائيلي لإسقاط النظام الإيراني، ومنع إيران من تخصيب اليورانيوم، بل وضعها في إطار أخلاقي إنساني حضاري بدأ مع أول مشهد دموي مروّع ارتكبته أمريكا بحق 170 طفلة كنّ يتلقين تعليمهن في مدرسة ابتدائية في ايران، وحين سُئل " ترامب" عن ذلك، نفى ان تكون قواته قد ارتكبته، وقال ان القوات الإيرانية هي من اسقطت الصاروخ على المدرسة، متجاهلاً ومكذّباً ما نقلته قنوات إعلام اوربية عن دقة إستهداف الصواريخ الإيرانية لمواقع إسرائيلية، كما حصل حين اعتدى جنود امريكان على مواطن امريكي سبعيني خلال تظاهرات ضد حكومة ترامب الأولى، فأسقطوه أرضاً وأخذ ينزف أمام تجاهل القوة العسكرية الامريكية، وهو ما كشفته كاميرات مواطنين كانوا موجودين قرب مكان وقوع الحادث، حينها علّق " ترامب" قائلاً ان ما تم تداوله كان عبارة عن فديو مفبرك وليس حقيقياً !!
منذ بداية القرن الواحد والعشرين شاعت ظاهرة استبدال الورق بالشاشات الرقمية، وغطت الكتابة الالكترونية على الكتاب المطبوع، وتولّى الإعلام توجيه ثقافة الأجيال الجديدة. إننا نشهد ولأول مرّة في تاريخ البشرية مشاريع عالمية ضخمة تعمل على تفريغ الإنسان من انسانيته وإعادة حقنه بجرعات مصطنعة منها، يتم تصنيعها في شركات الإنتاج الخالي من أي نسبة ضمير، والمدعم بهرمونات التضخم المالي على حساب نشاط هرمونات الوعي العميق، بحيث نكون منفعلين متحمسين مجتمعين لمتابعة مباراة كرة قدم، نخرج الى الشوارع فرحين مبتهجين بفوز فريقنا الرياضي، في الوقت ذاته الذي يموت فيه أطفال في غزة ولبنان وايران بسبب الهجمات العدوانية الاسرائيلية الامريكية في حرب تهدّد كامل منطقتنا. اننا ندرك تماماً ما يقوم به هذا الإعلام من تسييس للقضية وحصر كل تفاصيلها في حدث واحد كما في مضيق هرمز الذي عدّت بعض وسائل الاعلام اغلاقه من قبل ايران تصرفاً سيئاً.
من هذه الأحداث المتواصلة يبدو لي ان إنسانية الإنسان، وكرامة الانسان مغيبة بشكل ملحوظ حين هدّد "ترامب" بإبادة حضارة ايران بليلة واحدة، وهدّد الشعب الإيراني لمّا وجده مؤمناً بوطنه، بعد ان كان يتمنى له في تصريح سابق، "حياة افضل" بزوال ولاية الفقيه. من هذا يبدو لي ان السياسة الامريكية الداخلية والخارجية تشتغل بمعزل عن فهم حقيقي عميق لطبيعة المجتمعات وبمعزل عن حق تلك المجتمعات في تقرير مصائرها، فهي تمنح شعبها الأمريكي حق التعبير عن مواقفه وعواطفه، وهذا بادٍ في التظاهرات والتعبيرات وغيرها، لكنها لا تكترث لإرادة هذا الشعب امام إرادة الحكومة، وهي كذلك في سياستها الخارجية. والاعلام برغم رسالته الموجهة سياسياً، قد تجري الرياح فيه "بما لا تشتهي السفن" وقد بدا ذلك في برنامج لقناة الجزيرة استضافت فيه استاذ جامعي إيراني هو دكتور "حسن احمديان" يقابله مجموعة من الطرف الآخر، تناقلته مواقع التواصل الاجتماعي بكثرة في المجتمعات العربية اعجاباً بهذا الشاب الإيراني وهو يتكلم بلغة عربية صحيحة وكفاءة علمية واضحة وقدرة دفاعية سليمة.
بين مثالية السلام، وواقعية الألم، وضرورة الأمل، علينا ان ننهض بالواقع الإنساني عالمياً عبر نظام عالمي جديد، يعيد صياغة إدارة العالم على وفق رؤى صالحة تمضي بالحياة في اتجاه آمن.
مرّ العالم بأزمات كثيرة، حملت أصحاب العقول على التفكير بنظام آمن يحكم العالم، يجنب الناس شرّ الحروب وويلاتها، حصل هذا اول مرة عام 1815م بعد انتهاء حروب نابليون، حيث ظهر " مجتمع الأمم"، تلاه في عام 1920م ظهور "عصبة الأمم"، ثم ظهور " منظمة الأمم المتحدة" في عام 1945م. لم يكتب لهذه الجهود النجاح المرجو من تأسيسها، بسبب افتقار هذه التشكيلات والتنظيمات الى القدرة الكافية التي تفرض بها قراراتها وتلزمها جميع دول العالم، فقد نجد اليوم كيف ان " منظمة الأمم المتحدة" لم تتمكن من ردع إسرائيل وهي ترتكب مجازرها بحق أطفال "غزّة " في فلسطين، ورأينا كيف ان المحكمة الجنائية الدولية قد ادانت رئيس الكيان الصهيوني كمجرم حرب، وكيف ان أمريكا على لسان رئيسها " ترامب" لم تلتزم بهذا القرار. ورأينا كيف ان " منظمة الأمم المتحدة" لم تتمكن من ادانة ومعاقبة أمريكا على المجزرة التي ارتكبتها بحق أطفال صغار يتلقون تعليمهم في مدرسة ابتدائية.
ان ما يقع من حروب هنا وهناك في مناطق متفرقة في العالم يدعونا اليوم وبشدّة الى التفكير بحكومة عالمية إنسانية تنتخبها شعوب العالم بضغطها المتواصل على حكوماتها من أجل إصدار قرارات ملزمة تمنح حكومة شعوب العالم الإنسانية مشروعية حماية حقوق جميع البشر وعدم السماح، بل ومعاقبة أي دولة تنتهك هذا الميثاق مهما كانت إمكاناتها الاقتصادية والعسكرية والتقنية، ومهما كانت مبررات اعلان الحرب.
انه امر صعب جداً، ويحتاج الى وقفة تضامنية عالمية لكل شعوب الأرض، تدعو لها النخب الثقافية ومنظمات العمل الإنساني لتأسيس قاعدة عمل جماعي عابرة للجغرافيا والدين واللغة، تقوم على أساس من إنسانية الانسان كمشترك عالمي لا تختلف عليه شعوب العالم، واظنه الوقت الأنسب لاعلان هذا المشروع. ليس بسبب الحرب المشتعلة في المنطقة والعالم وحسْب، بل للكوارث الطبيعية والبيئية وتهديدات المناخ والإرهاب، التي فرضت القلق لوناً على لوحة المستقبل في حياة الناس.
في عام 1918م اقترح الفيلسوف والرياضي " برتراند رسل" تشكيل حكومة عالمية حقيقية. ووقع " البرت اينشتين" بياناً دعا فيه الى سلام عالمي يسمح بظهور "حضارة كونية على مستوى العالم"، واطلق الكاتب السويسري " رومال رولان" نداءً لـ " تدويل الذهن" في العام نفسه 198م.
في النظام العالمي الجديد الذي نصبو اليه، نحتاج الى تأسيس اتحاد عالمي للثقافة، يدخل كجزء من مكون " منظمة الأمم المتحدة" كمعيار للنوايا الحسنة في القرارات التي تتخذها الدول الأعضاء في القضايا السياسية العالمية، ويكون للفيتو الثقافي حضوراً ملزماً للجميع.
ولكي يكون للاتحاد العالمي للثقافة استقلاله الاقتصادي وجب الإقرار بصرف التخصيصات المالية بالتساوي لكل بلدان العالم في مجالات التعليم والصحة والثقافة. وإطلاق الإعلام الثقافي كقوة يتمكن من خلالها هذا الاتحاد تطبيق قراراته.
لقد اصبح السلاح النووي خطراً يتهدد عالمنا بوجود أنظمة سياسية ومشاريع اقتصادية مؤجندة لصالح جهة او جهات محددة ولصالح اشخاص او عوائل بعينها، تسعى الى الهيمنة على العالم، فقد بات من الضروري جداً العمل المتواصل على وضع دستور عالمي جديد يتحكم بذلك بعيداً عن أي أذى او ضرر يلحق بأي انسان مدني مسالم حول العالم. يكون ذلك بالتنسيق والتعاون المشترك مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية وهيئة الأمم.
لمواجهة " امركة العالم ثقافياً" وجب التحرك على مستوى العالم من أجل ثقافة عالمية مؤنسنة غير خاضعة للتأثير السياسي وللاستثمار الاقتصادي وللعمل التجاري وللعمل الدبلوماسي المبطن بالمصالح المادية والفئوية والعنصرية، ومن ذلك ان يدخل في عضوية محكمة العدل الدولية قضاة من كل دول العالم، وان يصار الى التنسيق مع الشرطة الدولية لتكون على ارتباط بالاتحاد العالمي للثقافة وبمحكمة العدل الدولية وبمنظمة الطاقة الدولية للأخذ بعين الاعتبار مصالح الإنسانية العالمية في كل مكان وزمان بعيداً عن خصوصيات كل بلد، لحماية الطفولة من الموت في غير اوقاته، وحماية المرأة من العنف، وحماية الضعفاء من الاستغلال، وحماية المال العام والخاص من الابتزاز والسرقة والتلاعب، وحماية الحقوق والحريات في أطر أخلاقية إنسانية هادفة.
لا شك ان كل شعوب العالم ترغب بالسلام، لكن الشك في من يقدر على تلبية هذه الرغبة العالمية. لقد كشفت مجريات أحداث العالم حتى اليوم ان لا جهة جديرة بتلبية رغبة شعوب العالم بالسلام الحقيقي، لذا علينا ان نؤسس لنظام عالمي جديد، لأن الدول المهيمنة على القرار العالمي اليوم لا تزال تطرح الحرب خياراً مقبولاً وهي تدعو الى السلام. ولا تزال هذه الأنظمة تمارس ضغوطاً اقتصادية لا إنسانية على دول هنا وهناك باسم تحقيق الاستقرار والأمن في العالم، وفي هذا تناقض علينا ان نمنعه، وان نرفع شعار (الانسان بنيان الله ملعون من هدمه)، وان نرفع علماً تلتف حوله وتحيّيه كل شعوب العالم، لا يرمز لغير الإنسانية، فكل فرد في هذا العالم انسان بالضرورة ومواطن بالمصادفة، وعلى هذا الأساس علينا ان نتجاوز هذه المصادفة التي تجعل هذا الانسان امريكياً، وذاك عربياً وثالث افريقياً، وهكذا.. انها "العائلة الإنسانية" التي جاء ذكرها في المشروع النهائي لاعلان حقوق الانسان في 1948م، الذي صاغه " رينيه كاسان" والذي نصّ على :(الاعتراف بالكرامة اللصيقة بكل أعضاء العائلة الإنسانية وبحقوقهم المتساوية وغير القابلة للتنازل...).
في تاريخ منجزات العقل الإنساني حول العالم جهود كبيرة وكثيرة في هذا المجال، وقد آن الأوان لأن يصبح المثقف المفكر قطباً من أقطاب النظام العالمي الجديد للإنسانية، لا طرفاً من أطرافها، او أداة من ادواتها. إننا بحاجة الى نظام فوق – قومي للثقافة الإنسانية، والى قمة عالمية للثقافة الإنسانية شأنها شأن القمم السياسية العالمية.
الفكرة هي مادة أولية ضرورية تحتاجها صناعة الوعي العالمي من اجل انتاج ثقافة تزود الانسان بمزايا نفعية مريحة تصب في صالح كرامته وانسانيته بعيداً عن العنف والقلق وقلة المعرفة. هذه الفكرة موجودة في العقل الإنساني المدرك، وهذا العقل الإنساني فعلٌ بشريٌ مشتركٌ لا تؤثر البيئة المحلية التي يعمل فيها على خصائصه الطبيعية في خط إظهار العمل الإنساني الهادف، فالكتاب هو ثمرة تفكير انسان، تسهم تقنية الطباعة الحديثة في نشره، وتؤدي الترجمة دورها الأخلاقي ومسؤوليتها في إيصال امانة الفكرة الى لغات العالم، وتتكفل محافل الثقافة في كل مكان بالترويج لهذه الفكرة في حلقات تواصل تستفيد من سرعة وسهولة التبادل المعلوماتي في العالم الافتراضي الذي جعل الشعوب بحاجة الى بعضها البعض، حاجة عابرة للجغرافية وللبيئة المحلية، لقد صار في العالم أجهزة موبايل بعدد سكان الأرض أ واكثر، وصار الاتصال بالشبكة العنكبوتية ضرورة حياتية، وبالاستفادة من هذه المشتركات علينا اعلان نظام عالمي جديد للإنسانية لا يسمح للجهل، ولا للتطرف، ولا للارهاب، ولا للطائفية، ولا للانانية، ولا للأوهام الخاصة، ان تكون اداوات تتحكم بالناس، وتقرر نيابة عنهم، وتحدد مصائرهم بعيداً عن اراداتهم، وتهدد سلامتهم وامنهم.
***
عدي عدنان البلداوي







