عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

آراء

سليم جواد الفهد: العقيدة والوطن.. علاقة تقابل أم احتمال تعارض عملي؟ (1)

تحديد موضوع النزاع:

السائل والمسؤول: عندما يكون السائل جاهل والمسؤول مثله ينشب خلاف الجهلة أو الجدال العقيم وهو مصطلح شائع في التداول الفكري والاجتماعي يُقصد به الخصام أو النقاش الذي يفتقر إلى الأدوات العقلية والمنطقية السليمة ويتميز بخصائص تجعله منعدم الفائدة وعاطفيا بالكامل.

في هذا الحوار​ يتم التركيز على الانتصار الشخصي بدلا من كشف الحقيقة حيث يتحول الهدف فيه من الوصول إلى الحق أو الرأي الصائب إلى رغبة كبرياء ذاتية في إفحام الطرف الآخر وهزيمته.

​فيه يغيب المنطق ويعتمد طرفاه أو أحدهما على المغالطات المنطقية والانفعال العاطفي والسطحية في التفكير بدلا من المقاربات التحليلية والأدلة وتدقيق المفاهيم وتحديد موضوع النزاع.

في هذا الحوار غالبا ما يدور الخلاف حول عموميات أو سوء فهم لفظي أو وهم للتعارض لا وجود له في الواقع حيث يتحدث كل طرف في واد مختلف عن الآخر دون نقطة التقاء مشترك حيث تتداخل الحدود والتعاريف فيختلط الحابل بالنابل.

ولمثل هؤلاء ورد في كتاب (كنز الفوائد) للشيخ أبي الفتح الكراجكي (ت449هـ). ضمن باب جُمعت فيه حكم قصيرة ومأثورات عن بخل اللسان وأدب الكلام وجاء النص مقتضبا كحكمة يقول:

«قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ:

لَوْ سَكَتَ مَنْ لَا يَعْلَمُ، لسَقَطَ الِخْلَافُ».1.

تحرير السؤال قبل الجواب.

العقيدة أم الوطن؟

السؤال: هل هناك تقابل منطقي بين العقيدة والوطن؟

هل يصح أن نقول أن "العقيدة" و"الوطن" مفهومان من نوع منطقي واحد؟ فيصح بالتالي أن يُسأل عن التقابل بينهما كما يُسأل عن تقابل "الكلي والجزئي" أو "الإيجاب والسلب". الواقع أن هذا الافتراض هو أول ما يجب فحصه لأنه إذا سقط سقط السؤال بصيغته السابقة وحل محله سؤال أدق هو: أين يقع التقابل فعلا: بين المفهومين: - "العقيدة أم الوطن" - أم بين تفسيرين سياسيين للولاء؟

سأفصل بين ثلاثة أسئلة متشابكة:

1. سؤال منطقي يُعنى بنوع العلاقة بين المفهومين.

2. سؤال فلسفي قيمي:

هل يلزم من ولاء كلي ولاء جزئي أم يتعارضان؟

3. سؤال سياسي كيف أسست هذه العلاقة في الدولة الحديثة وفي التقليد الإسلامي.

تمهيد في تحرير المفاهيم:

العقيدة لغةً واصطلاحا.

التعريف اللغوي:

العقيدة ​مأخوذة من الفعل "عَقَدَ"، وعقَد الحبلَ ونحوَه يَعقِدُه عَقْداً: شدّه وأحكم ربطَه وصلبَه.

​يُقال: "عقدتُ الأمرَ" أي أبدّيت فيه تصميماً، و"عَقَدَ قلبَه على كذا" أي أضمره واطمأنّ إليه واعتقده جازماً لا ريب فيه.

(معاني المفردات).

​فالعقيدة في اللغة تدل على: الربط المحكم والتوثيق والشد بقوة مما يعكس الثبات وعدم التزلزل.

اصطلاحا: تُعرف العقيدة في المفهوم الفكري والفلسفي بأنها: مجموعة المبادئ والمسلمات والقناعات الراسخة التي يؤمن بها الإنسان ويتبناها كمرجعية أساسية لتفسير الوجود وتحديد موقفه من الحياة وتوجيه سلوكه وقراراته.

​قد تكون هذه العقيدة دينية سماوية قائمة على الإيمان.

أو وضعية فلسفية أو أيديولوجية كالفلسفات المادية أو السياسية القائمة على العقلانية.

خصائصها: هي نظام تصديقات قضايا تُصدق بها. كلية في دعواها ولا تتقيد بجغرافيا معينة.

الوطن لغةً واصطلاحا. التعريف اللغوي:

​مأخوذ من الفعل "وَطَنَ" بالمكان أي أقام به وتوطن فيه واتخذه مسكنا ومقرا.

​يُقال: "أوطن فلان بلاد كذا" أي اتخذها موطنا له يسكنها ويستقر فيها.

(معاني المفردات).

اصطلاحا: هو البقعة الجغرافية التي يولد على أرضها الإنسان أو يعيش فيها ويأكل من خيراتها وتجمع بينه وبين غيره من البشر فيها روابط مشتركة تسمى الرابطة الوجدانية. فهو الحضن الاجتماعي والثقافي الذي يشعر فيه الفرد بالانتماء والأمان والاستقرار والكرامة. فالوطن ليس مجرد تراب ومساحة بل هو تاريخ مشترك وذكريات ولغة وثقافة وقيم تجمع الأفراد في مجتمع واحد.

مفهوم الدولة لغةً واصطلاحا:

- الاشتقاق: "تُأخذ كلمة (الدولة) أو (الدُّولة) بفتح الدال أو ضمها من الفعل العربي (دال) أو (يدول)، والتي تعني التحول والدوران والانتقال من حال إلى حال".

(معاني المفردات).

وتُطلق على المال أو الأمر الذي يتداولّه الناس فيما بينهم فيكون مرة لهذا ومرة لذاك وتُطلق أيضا على الغلبة والنصر (الإدالة) يقال: دالت دولته. كما ورد في قول الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: 140].

اصطلاحا: مؤسسة سيادية ذات إقليم وكيان قانوني لا وجداني.

أين يقع الخلط؟

الخلط الأول: "الوطن" ليس "الدولة" فالوطن انتماء وجداني والدولة جهاز سلطة.

الخلط الثاني: "الأمة" قد تتّسع لتضم أهل عقائد مختلفة مثل (الأمة العربية) وقد تُضيق لتطابق جماعة العقيدة مثل (أمة المؤمنين).

أكثر "التقابلات" المزعومة تنشأ من عبور هذه الحدود بلا فهم.

فالعقيدة ليست دائما دينية. القومية والعلمانية والليبرالية أنظمة تصديق أيضا ومن ثم فإن "الوطن" قد يكون هو نفسه موضوع عقيدة "عقيدة وطنية". حينئذ لا يكون التقابل بين العقيدة والوطن بل داخل العقائد نفسها.

أولا: السؤال المنطقي:

معنى "التقابل المنطقي" دقة المصطلح:

التقابل في المنطق هو: ألا يجتمع أمران في مكان واحد من جهة واحدة وفي زمان واحد.

و "المتقابلات" علاقات محددة لا تُستعمل بالتشابه.

أنوع التقابل وشرط اللزوم:

ينقسم التقابل في علم المنطق إلى أربعة أنواع رئيسية:

1. تقابل النقيضين (الإيجاب والسلب):

هو تقابل بين أمرين أحدهما ثبوت (وجودي) والآخر نفي لذلك الثبوت (عدمي) لا يجتمعان معا ولا يرتفعان معا ولا واسطة بينهما "كالحياة والموت". إذا وُجد أحدهما أنعدم الآخر وإذا كذب أحدهما صدق الآخر.

2. تقابل الضدين:

هو تقابل بين أمرين وجوديين (أو معنيين وجوديين) بينهما غاية الخلاف لا يجتمعان في محل واحد ولكن يجوز أن يرتفعا عنه وبينهما أكثر من واسطة.

مثال: السواد والبياض فلا يجتمعا لأن أحدهما يطرد الآخر لكن ممكن أن يرتفعا فيحل لون آخر مكانهما كالأخضر مثلا.

3. تقابل المتضايفين (الإضافة):

هو تقابل بين أمرين وجوديين يتوقف تعقل كل منهما على تعقل الآخر أي لا يُعقل أحدهما إلا بقياسه إلى الآخر ويكونان معا في جهتين مختلفتين.

مثال: (الأب والابن) أو (فوق وتحت).

4. تقابل العدم والملكة:

هو تقابل بين أمر وجودي (وهو الملكة أو الكمال) وأمر عدمي (وهو سلب تلك الملكة عمن من شأنه أن يتصف بها وقابل لها).

مثال: (البصر والعمى) فالعمى هو عدم البصر فيمن شأنه أن يكون بصيرا (لهذا لا يُقال للحجر "أعمى" لأنه ليس محلا قابلا للبصر).

والشرط اللازم لكل تقابل: هو وحدة الموضوع وتغاير المحمول (أو تغاير الكيف والكم في القضايا). فليس من المنطقي أن تقول إن "الماء" و"العدالة" متقابلان لأنهما ليسا محمولين على موضوع واحد.

بعد هذه المقدمة نسأل: هل يصح منطقيا أن نقول بتقابل العقيدة والوطن؟

اختبار التقابل: أربع خطوات.

الأولى: اختلاف المقولة: الوطن يقع منطقيا في مقولة "الأين" باعتباره مكان. والعقيدة تقع في مقولة "الكيف" باعتبارها مفهوم أو فكرة والمتقابلان لا بد منطقيا أن يكونا من مقولة واحدة قابلة للتضاد فالمقارنة بين مفهوم ورابطة مكانية خطأ في المقولة بالمعنى الفلسفي والمنطقي الدقيق.

الثانية: اختلاف الموضوع:

لو صغنا التقابل هكذا: "الولاء للعقيدة واجب" و"الولاء للوطن واجب" لكان لدينا محمول واحد وهو (الوجوب) وموضوعان مختلفان (العقيدة والوطن) واختلاف الموضوع يمنع التناقض والتضاد ويُبقي احتمال التعارض العملي فقط.

الثالثة: اختلاف الجهة (الكلي - الجزئي). العقيدة كلية في دعواها والوطن جزئي في نطاقه. والعلاقة بين الكلي والجزئي من المادة نفسها تعتبر تداخل لا تقابل مثل: "كل مؤمن مطالب بالعدل" يستلزم "بعض المؤمنين مطالبون بالعدل". وهذا هو النموذج الأدق للعلاقة: فالعقيدة تعم والوطن يخص والتعميم لا يناقض التخصيص.

الرابعة: التعارض العرضي. ما يقع فعلا في التجربة ليس تعارضا بين المفهومين بل بين مقتضيات عملية جزئية: عندما يطلب الوطن طاعة تخالف حكما اعتقاديا أو يطلب الاعتقاد إجراءً يضر بالوطن. وهذا تعارض بين قضيتين جزئيتين في واقعة معينة أي دخول تحت التضاد لا تضاد وهو عارض يُحل بالتراتبية أو بالتخصيص لا بحكم على المفاهيم.

النتيجة المنطقية: لا يوجد تقابل منطقي بالمعنى الدقيق بين العقيدة والوطن لأن شرط التقابل هو: وحدة "الموضوع والمقولة" وهنا الشرط غير متحقق.

الموجود فعلا بين العقيدة والوطن علاقة احتمال التعارض العملي وهو عرضي محدود الوقائع. أما القول بأنهما "متقابلان" فهذا انتقال من التوتر الظرفي إلى الحكم الجوهري وهو مغالطة في التصنيف لا نتيجة برهان ولا يقول بذلك إلا جاهل.

ثانيا: السؤال الفلسفي: الكلي والجزئي والهوية والانتماء

أ- مشكلة الولاء الخاص. الأخلاق الكلية تسأل: على أي أساس أبذل لمواطني أكثر مما أبذل لغرباء يساوونهم في الحاجة؟ وقد دافع بعض الفلاسفة عن "وطنية كانطية"- نسبة إلى "كانط"- بوصفها تبريرا للانحياز الخاص داخل إطار كوني لا استثناءً منه - أي أن الجزئي يُشتق من الكلي ولا يناقضه.

ب- البديل المدني: طرح "يورغان هابرماس" و"فيرنر مولر" "الوطنية الدستورية" بديلا عن الوطنية العضوية: وتعني أن الولاء يُبنى على مبادئ وقواعد مشتركة لا على دم أو أرض فتتحول الرابطة الجزئية إلى شكل قابل للتعميم وهذا الطرح يحل التوتر لا بإلغاء أحد الطرفين بل بإعادة تعريف موضوع الولاء.

ج- الهوية والانتماء: العقيدة تمنح هوية عابرة للأمكنة: أنت مسلم أو مسيحي أو علماني في أي أرض. والوطن يمنح هوية جذورها في المكان والذاكرة واللغة.

هنا الهويتان ليستا متعارضتين بنيويا بل مختلفتان في محور الإسناد: إحداهما إسناد قيمي والأخرى إسناد مكاني‑زمني. والتعارض ينشأ حين يُدعى لأحد المحورين الاحتكار: إما دين بلا وطن (جماعة تتجاوز الجغرافيا وتلغي الانتماء المدني) أو وطن بلا ضمير (قومية تُلغي أي مرجعية تتجاوزها).

الإشكال المشترك ليس "العقيدة ضد الوطن" بل من يملك حق تعريف من ينتمي؟ وفي كل نمط يقع التقابل الحقيقي بين تصورين للسيادة لا بين مفهومين مجردين.

ثالثا: السؤال السياسي:

نماذج من التقليد العربي ‑الإسلامي الحديث:

رفاعة الطهطاوي صاغ الشعار الذي دخل الوجدان المصري: "حب الوطن من الإيمان" وربط الوطنية بالإيمان. وقد وردت العبارة في سياق رحلته إلى فرنسا بقوله: "أترك وطني بجسمي لا بروحي".2.

هنا العلاقة تضايفية صريحة: العقيدة تُسند الوطنية والوطن موضوع للحنين المشروع.

جمال الدين الأفغاني رفع شعار "الجامعة الإسلامية" بوصفها مشروع وحدة سياسية للمسلمين في مواجهة الاستعمار وهو ما يضعه في مقابل التفتيت الوطني الضيق.

حسن البنا صاغ الصيغة التوفيقية الأشهر: "الإسلام دين ووطن" مع التأكيد أن "لا دولة بلا وطن" في نقده لمن انفتن بالوطنية تارة وبالقومية تارة أخرى. فالصيغة تجعل الوطن مكونا داخليا في التصوّر الإسلامي لا طرفا مقابلا له.

ساطع الحصري من أبرز منظري القومية العربية ذهب إلى العكس منهجيا: رأيه: "الرابطة الدينية وحدها لا تكفي لتكوين القومية وأن تأثيرها في تسيير السياسة لا يبقى متغلبا" وقد قدم في مشروعه أولوية الرابطة القومية على الرابطة الدينية في نسج روابط المجتمع. لاحظ أن هذا ترتيب في الأولوية لا نفي لوجود العلاقة.

ميشيل عفلق أقام تصورا "للإسلام بوصفه مكونا حضاريا في صميم العروبة ومنبعا لتجددها لا دينا منفصلا عن القومية". وهنا أيضا لا تقابل بل تداخل وخطئه أنه أراد أن يضع الكبير (الإسلام) في الصغير (القومية).

الملاحظة الحاسمة: لا أحد من هذه المواقف الأربعة قال بوجود تقابل منطقي بين العقيدة والوطن. الخلاف كله في الترتيب والأولوية ومَن يُعرف مَن وهذا خلاف سياسي لا منطقي.

المواقف المتنافسة بعرض متوازن:

1. التكامل والتداخل. العقيدة تُعلي من قيمة الوطن (الوطن أمانة والدفاع عنه واجب) والوطن يوفر للعقيدة الحاضنة الاجتماعية. حجة هذا الموقف: التجربة التاريخية تُظهر أن الجماعة الدينية بلا وطن تصير (رهينة) وأن الوطن بلا مرجعية قيمية يصير استبدادا.

2. التعارض والتنافي.

كل ولاء كلي يستلزم حصريته فلا يمكن أن يكون القلب مِلكا لجهتين مطلقتين. حجة هذا الموقف: تاريخيا حين صار الوطن مطلقا (شوفينية، نازية، قومية إقصائية) استبعدت الجماعات الدينية وحين صارت العقيدة سياسة استبعد المخالف. فالخطر في التأليه من أي طرف لا في الوجود المشترك.

3. التراتبية (درجات الولاءات). لا تعارض بل رتب: العقيدة أصل والوطن فرع (منظور ديني) أو الوطن أصل والعقيدة شأن خاص (منظور قومي - علماني). وهذا الموقف هو الأكثر شيوعا عمليا لكنه لا يحل التعارض بل يؤجله إلى لحظة الاشتباك.

4. توزيع الاختصاص: العقيدة تحكم القيم الغائية والدولة تُدبر الشأن العام بقواعد مشتركة. وهذا هو جوهر "الوطنية الدستورية" الحديثة.

زبدة القول: الجواب في ثلاث طبقات:

منطقيا: لا يوجد تقابل منطقي بين العقيدة والوطن لأن شرط التقابل هو (وحدة الموضوع والمقولة) وهو هنا منتفٍ فالعلاقة الأصح منطقيا هي "تعارض عملي عرضي" بين مقتضيات جزئية وهو منطقيا من باب "الدخول تحت التضاد" الذي يُحل بالتراتبية أو التخصيص لا بحكم على المفهومين.

فلسفيا: العلاقة ليست بين متعارضين بل بين مبدأين مختلفي المحور: محور قيمي كلي ومحور مكاني جزئي. والتعارض لا ينشأ من طبيعة أي منهما بل من دعوى الاحتكار والشمول: أن يُدعى لأحد المحورين أنه يلغي الآخر. ولذلك فإن السؤال الفلسفي الصحيح ليس "أيهما أسبق"؟ بل "بأي حق يُحدد نطاق كل منهما"؟

سياسيا: ما يبدو تقابلا هو في الحقيقة تنازع على تعريف الانتماء ومن يملك سلطة تعريفه. ولذلك تتنوع النماذج (دولة علمانية، أمّة دينية، قومية مقدسة، جامعة عابرة للدول) لا لأن المفاهيم متقابلة بل لأن ترتيب الأولويات مختلف.

معيار عملي للتمييز: إذا كان الخلاف بين العقيدة والوطن خلافا على المفهوم فهو خلاف زائف يُحل بتحرير المصطلحات. وإذا كان خلافا على واقعة معينة (تشريع، حرب، طاعة، هوية قانونية) فهو خلاف حقيقي يُحل بالسياسة والقانون والتراتبية المعلنة لا بالمنطق وحده. وأكثر ما يُتصور تقابلا في هذا الباب هو في الحقيقة خلاف من النوع الثاني أُلبس ثوب الأول.

ما يبقى سؤلا مفتوحا: هل يمكن بناء ولاء جزئي (وطن) يكون مشتقا بالكامل من ولاء كلي (عقيدة) دون أن يفقد الجزئي معناه؟

هذا هو السؤال الفلسفي الذي سنجيب عنه في الجزء الثاني.

***

سليم جواد الفهد

......................

1. كنز الفوائد، أبو الفتح محمد بن علي بن عثمان الكراجكي، ج1، ص319.

2. الذي ذكر هذه المقولة وتفاصيل الوداع في "طهطا" هو كتاب السيرة الشهير "رفاعة رافع الطهطاوي زعيم النهضة الفكرية في عصر محمد علي" للمؤرخ الكبير أحمد بدوي (والذي تجمعه صلة قرابة بالطهطاوي)، حيث نقل تفاصيل وداعه لأهل بلدته قبل السفر.

في المثقف اليوم