قضايا
وائل أبو عقصه: التجديد الليبرالي للتراث (2)
إعادة بناء التاريخ المصري في اعمال السيد القمني
كتب: وائل أبو عقصه*
ترجمة: علي حمدان
***
توسيع حدود التراث: تعدد الماضي، وتنويع الحاضر
في كتابه "الأسطورة والتراث" (1991)، يؤكد القمني أن الاهتمام الكبير الذي أبداه الباحثون العرب بموضوع التراث كان نتيجةً لفشل مشروع الحداثة العربية الذي تبناه المفكرون والأنظمة الثورية التقدمية ويتابع قائلاً: "إلى هذا الفشل العام، لم يجد الفكر العلماني العربي قاعدة اجتماعية راسخة في المجتمعات العربية". ويعزو السبب الأبرز لهذا "التوجه الهائل" نحو الماضي إلى الأثر السلبي لإسرائيل على جيرانها. إضافةً إلى الجرح الغائر للفخر القومي العربي، قدّم النظام الإثني الديني الإسرائيلي نموذجا لاتجاهات مماثلة في البيئة العربية.
يوضح القمني أن "الجماهير العربية" تشعر بالحاجة إلى أيديولوجية جماعية تستمد مرجعتيها في الإسلام. فبالنسبة لهم، يصبح الإسلام المُؤَدلج بالنسبة لهم أمة وعرق"، وبالتالي يشمل جميع المسلمين في كل مكان. ويتابع قائلاً إن المنطق الأيديولوجي الذي تجاوز هذا التجنيد الهائل، أطال المواجهة مع إسرائيل وحوّل النزاع العربي الإسرائيلي إلى نزاع مسلم-يهودي - صراع بين "أفضل أمة أُخرجت للبشرية [الشعب المسلم] ضد الشعب المختار [الشعب اليهودي]".
هكذا يفهم القمني، الذي يعتبر نفسه ابنًا لهزيمة عام 1967الحنين العربي إلى التراث. مثله مثل العديد من العلمانيين السابقين، وخاصة الماركسيين، يعتبر هذا الانخراط الفكري نتيجة ازمة ثقافية عميقة. أدت هذه الأزمة إلى تقديس مفهوم التراث، الذي شكل جوهر الشرعية في النهضة العربية المنشودة. من هذا المنظور، تشكل أعمال القمني محاولة مستمرة لإعادة تعريف، وتوسيع، وتحدي التعريفات التي تطورت في سياق الأزمة الثقافية. يُعرّف التوجه الأيديولوجي الذي شكل تفسيره للتاريخ بأنه الليبرالية، التي تبناها كـ "مبدأ، أيديولوجية ونموذج لإنقاذ" مصر.
على غرار المدرسة المصرية الليبرالية القومية في فترة ما بين الحربين العالميتين، التي أسسها أحمد لطفي السيد وطه حسين، يتبنى القمني الليبرالية كأيديولوجية شاملة. ففي حالته، لا تقتصر الليبرالية على كونها جوهر موقفه من التيارات السياسية والقيم الاجتماعية والدينية فحسب، بل إنها تُشكّل أيضًا تصوره للتاريخ والذاكرة الجمعية. ويؤكد القمني أن التعريف العربي للتراث لا ينبغي أن يقتصر على التراث الإسلامي العربي في العصور الوسطى، كما حدده المفكرون القوميون العرب والسياسيون. يرى أن الحدود الزمنية للتراث ينبغي أن تشمل أيضاً تاريخ ما قبل الإسلام وما قبل العرب للجانب الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، ولا ينبغي حصر بدايته في "عصر التدوين".
يشير القمني إلى هذا النقد في "مشروع" الجابري الذي بدأ بكتابه "نحن والتراث" (1980)، واستمر من خلال سلسلته كتاب "نقد العقل العربي" (2002). الجابري، الذي ينحدر من خلفية عربية جامعة، حصر تعريفه للتراث في التاريخ الإسلامي العربي، وتحديدًا في عصر التوثيق في القرن الثامن الميلادي. يرى أن هذا العصر شهد بداية تطور العقل العربي، أو الوعي التاريخي العربي. وقد مثلت هذه التعريفات الزمنية بداية بناء ما سيُعرف بالتراث، أو كما يقول الجابري، "إطار الشرعية والإحالة إلى الجانب العربي من الأمور". وآخرون، مثل محمد أركون، وسّعوا تعريف التراث ليشمل "التقاليد الإسلامية الواسعة"، بحيث يمكن أن ينعكس مظهره في الأساطير والقصص الشفوية. وقد لعبت هذه العناصر دورًا فاعلًا في تشكيل "الخيال" الذي شمل في مراحل لاحقة في مسيرة أركون التراث المتوسطي التوحيدي.
يُوسّع القمني، الذي يكتب بصفته مصريًا لا عربيًا أو مسلما التعريفات الزمنية للتراث. ويؤكد أن المثقفين العرب والإسلاميين يستخدمون هذه التعريفات لتأسيس الذاكرة التاريخية والهوية السياسية، وهي عملية تنظر إلى التاريخ القديم على أنه غريب أو تعترف به فقط بعبارات سلبية، مثل الجاهلية، أي "العصر البربري" الذي حكمه الطغاة والزنادقة.
يرى القمني أن مفهوم الذاكرة الوطنية لمصر كقصة تبدأ بالفتح الإسلامي لعمرو بن العاص في القرن السابع الميلادي هو مفهوم خاطئ تماماً. فقد بدأ تاريخ مصر قبل ذلك بآلاف السنين، وسجل تاريخها القديم أول مملكة في تاريخ العالم.
لا تقتصر الموروثات التاريخية المصرية على التاريخ العربي فحسب، بل تشمل أيضًا التاريخ الفرعوني واليوناني والروماني والمسيحي والإسلامي. ينبغي إدراج جميع هذه الموروثات في تعريفات تاريخ مصر والدول العربية المجاورة لها. يرى القمني أن المرحلة التاريخية العربية والإسلامية لمصر هي إرث احتلال لا يختلف عن إرث الرومان أو أي ثقافة أخرى أثرت بعمق في النسيج المصري المحلي. ويجادل بأن الفتح الإسلامي لمصر كان في الواقع شكلاً من أشكال الاستعمار تضمن الاستيطان وفرض ثقافة أجنبية.
لا يقتصر مفهوم القمني للتراث على مجرد ادعاءٍ بالتاريخ الوطني؛ بل إن تعريفه قائم على حججٍ وضعية. والمنهجية التي يقوم عليها تتأثر بشدة بأعمال المؤرخ السوري المتخصص في الأديان والأساطير القديمة، فراس السواح، ومؤلفات من مجالاتٍ كالفرويدية والبنيوية. وتستند افتراضات القمني النظرية على فكرة أن الناس يميلون بطبيعتهم إلى تفسير حياتهم ووجودهم. ويتجلى هذا الميل في اللغة والدين والأساطير، وكل تعبير ثقافي يُستخدم للحفاظ على بنى المعنى الخفية. وبهذا المعنى، يُنظر إلى تاريخ المنطقة على أنه متسق، قبل وبعد ظهور التوحيد.
يستخدم القمني هذه المنهجية لتفسير تاريخ الأديان في سياق الصراعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية على السلطة. ويسلط الضوء على العلاقات بين الأديان التوحيدية، والأساطير والتقاليد الوثنية ما قبل الإسلام وما قبل التوحيد. ويتأصل نهجه العلماني في تصوره القومي، الذي يفترض أن جزءًا من ثقافة مصر القديمة قد تحول ونجا من التوحيد والإسلام. ويتسم نهجه بالعقلانية، إذ يؤكد أن العقلانية تتجاوز تطور الأساطير والأديان وتحولاتها.
على عكس القوميين العرب، والإسلاميين اليساريين، والليبراليين مثل الجابري، وحسن حنفي، وزكي نجيب محمود، الذين سعوا إلى التأكيد على التقاليد العقلانية داخل الإسلام، وبالتالي إهمال أو تجاهل التقاليد الأخرى التي يعتبرونها غير عقلانية، يرى القمني أن فهم التاريخ دون عنصر الأساطير ليس دقيقًا ولا علميًا لأنه يتجاهل تأثير التقاليد الجاهلية على الإسلام. وينتقد هذه المناهج الانتقائية بحجة أن هؤلاء الكتاب يعتبرون الأسطورة خرافة، وقد أشار القمني إلى أن تجاهل دور الأسطورة في صياغة التوحيد يشوه التاريخ الوطني بفصل شعوب المنطقة عن تراثها الوطني.
في كتابه "رب الثورة"، أطروحته للدكتوراه التي نُشرت لاحقًا ككتاب، ركّز القمني حصريًا على التاريخ الفرعوني. وناقش تطور فكرة "الإيمان بالأبدية" في مصر القديمة. هذه الفكرة، وفقًا لتفسيره، هي نموذج أولي لمفهوم الإله الموحد ككيان أبدي ويفسر تطور هذا المفهوم في مصر القديمة كنتيجة للصراع الاجتماعي بين الطبقات الدنيا والعليا. هذا الصراع أدى إلى الثورة التي أنهت الأسرة السادسة ومثّلت ظهور آلهة جديدة تُعنى بمصالح عامة الشعب بدلاً من الأرستقراطية. من بين استنتاجات القمني الادعاء بأن الديانة المصرية القديمة كانت أول من أنتج فلسفة ما وراء الطبيعة، حتى قبل الإغريق، وأن العقيدة المصرية القديمة احتوت على فكرة الخلق كنتيجة للوغوس وقدمت نموذجًا أوليًا لفكرة الجنة والنار. بالإضافة إلى ذلك، كانت أفكار شائعة مثل الخلود، والبعث، والخلاص، وطقوس مثل المعمودية والحج قد تطورت بالفعل في مصر القديمة.
يُفصّل القمني هذه الحجج في كتابه "الأسطورة والتراث"، مُجادلاً بأن:ظهور التوحيد هو المرحلة الأخيرة في تطور الدين، الذي يبدأ بـ "طقوس مُخصصة للطبيعة، وعبادة الأجداد... والشرك وإله قومي" وينتهي بـ "الإله الكوني" . وانطلاقاً من هذا الافتراض، يستكشف القمني تحوّل الأساطير عبر الديانات الوثنية القديمة إلى اليهودية والمسيحية والإسلام. ومن بين الأفكار والطقوس المُتحولة العديدة التي يصفها: مفهوم المسيح أو النبي الملك؛ فكرة التضحية؛ قصة الطوفان؛ وقصة الخلق. خصص كتابه "قصة الخلق" (1994) لهذا الموضوع، مقارنًا بين الروايات الأوغاريتية والبابلية لقصة الخلق والروايات التوحيدية اللاحقة.
باستخدام هذا التفسير، يجادل القمني بأن جزءًا من التراث الإسلامي للشعب المصري ذو أصل أجنبي، ومستمد من القصص التوراتية. هذه القصص موروثة من ثقافات ما قبل العبرية، جمعها العبرانيون القدماء، وحرّفوها لتناسب دينهم القومي، ولتبرير احتلالهم وتأسيس مملكتهم.على سبيل المثال، تُفسَّر قصة قابيل وهابيل التوراتية، وفقًا لمنهجه، على أنها قصة تُظهر الله مُفضِّلًا العبرانيين الرحل (الذين يُمثِّلهم هابيل الراعي) على المصريين والكنعانيين والبابليين، وهم سكان المنطقة الزراعيون (الذين يُمثِّلهم قابيل).
انطلاقًا من هذا التصور للتاريخ القديم، يجادل القمني بأن القومية العربية والإسلام السياسي قد تبنّيا روايات عبرية أجنبية (الإسرائيلية) حول التاريخ الوطني لشعوب المنطقة هذه قدّمت الروايات الفرعونية والكنعانية وغير العبرية لشعوب المنطقة بصورة سلبية. وتم تصوير تاريخ المنطقة قبل العرب وقبل التوحيد كعصر من الهرطقة والهمجية. وقد تبنّت المسيحية والإسلام هذا التراث المشوّه وقامت القومية العربية والإسلام السياسي بإضفاء الطابع المؤسسي عليه. لذا، فإن تعريب أو أسلمة التراث يُعدّ بالضرورة تشويهاً تاريخياً للذاكرة الوطنية وللتراث الأصيل: "إن غياب الوعي الحقيقي بالتراث الأصيل، كنتيجة لغياب التوجه النقدي، هو الخطر الحقيقي الذي يُهدد هذه الأمة [مصر]... وهو أسوأ أنواع الاستعمار." هذا المفهوم هو الأطروحة الرئيسية التي استندت إليها أعمال القمني في التاريخ القديم. من منظور سياسي، تُفكك أعماله في هذا السياق القصص التوراتية من خلال تقديم روايات بديلة وعلمانية عن أنبياء اليهودية، المسيحية، ثم الإسلام لاحقًا، وبذلك أعاد بناء التاريخ الوطني لـمصر والدول المجاورة لها. وختامًا، فإن نقد القمني الليبرالي للتراث لا يقتصر على التاريخ العربي والإسلامي فحسب، بل يشمل أيضًا التاريخ القديم قبل العرب وقبل الإسلام. يرتكز تصوره على منهج علماني يعتبر التعريفات العربية والإسلامية للتراث امتدادًا للتوحيد. ومن خلال توسيع النطاق الزمني للتراث، سعى القمني إلى تقديم خطاب سياسي بديل لكل من القومية العربية والإسلام السياسي. وتختتم الرسالة السياسية لأعماله التاريخية بالقول ان جميع روايات الأديان التوحيدية، بما فيها الإسلام، تؤكد في الواقع أسس الصهيونية. كان توحيد الخصوم الداخليين (القومية العربية والإسلام السياسي) والخصوم الخارجيين (الصهيونية) استراتيجيته الحاسمة. وفي هذا الصدد، شكّل رفض الدولة العرقية الدينية والتطلع إلى نموذج ديمقراطي ليبرالي نظرته إلى موضوعين أساسيين: الدين والهوية الجمعية.
***
......................
* محاضر اول في الجامعة العبرية في القدس.







