قضايا

غزلان زينون: الهوية والواقع اللهجي لقبيلة البرانس

يعد البحث في اللغة مدخلاً مهما لفهم الخصائص الهوياتية والثقافة الإنسانية، حيث تحمل في طياتها الذاكرة الجمعية والإطار الثقافي الذي يشمل القيمَ، وأنماطَ التفكير التي ميّزت الجماعات البشرية عبر الزمن، ومن خلال تتبّع الخصائص اللغوية للهجة البرنوسية يمكن الكشف عن البنية الثقافية لهاته الجماعة، وفهم كيفية تشكّل هويتها، ويمثّل الاشتغال على المفردات المحلية أحد أهم السبل لفهم هذه الهوية، لأن اللهجة َكثيراً ما تكُون أثراً ثقافياً أكثر منها بنية لوحدات لغوية منعزلة، فأفراد قبيلة البرانس، باعتبارها أحدَ المكوّنات التاريخية في المغرب القديم، تركوا بصمتهم في المجال المحلي لتازة من خلال منظومةٍ لغوية خاصة تعكس بيئتَها، وأنماطَ عيشها، والوقوف على بعض مفردات هذه اللهجات يتيح لنا استعادةَ مستوى من ذاكرة لا نجدها دائماً في المصادر التاريخية، وإنما تظهر في الاستعمال اليومي للهجة وما تحمله من إشارات إلى الانتماء القبلي، والعادات والتقاليد...إلخ

ولا يمكن النظر إلى هذه اللهجة باعتبارها بقايا لغوية معزولة، لكنها نتاجٌ لمسار طويل من التفاعل بين الأمازيغية واللغات المجاورة خاصة العربية، فهي لهجة هجينة، وغالبا نشأت في المجتمعات متعددة الثقافات، فرضتها الحاجةُ إلى التواصل بين متحدثين ينتمون إلى لغتين أو أكثر، مختلفة، وتطورت بصورة عملية لحل مشكلات التواصل، وقد ساهم هذا الاحتكاكُ في تشكيل لهجة هجينة ذات طابع خاص، يمكن فهمه في ضوء مفاهيم اللسانيات الاجتماعية بظاهرتي البيدجين التي تنشأ من الحاجة إلى لغة مشتركة بين جماعات مختلفة لمواجهة الحواجز التواصلية، ثم قد تتطور إلى كريول لتصبح اللغةَ الأمّ لجماعة مستقرة، ترتبط بشكل كبير بالهوية الثقافية للجماعة اللغوية التي تتحدثها، وعند النظر في تاريخ هذه القبيلة، نجد أن لهجتها الهجينة تحمل آثاراً واضحة لهذا النوع من التفاعل الذي يعكس التطور الطبيعي للغة/ اللهجة ضمن سياق ثقافي محدد، أي؛ جذور أمازيغية ثابتة في مقابل تأثيرات عربية وقبائلية، وكلمات أنتجها الاحتكاك بين اللغات. 

إن تتبّع ألفاظ اللهجة يكشف لنا عن حركية لغوية تجمع بين الاحتفاظ بالسمة الصوتية الأمازيغية، واستيعاب مفردات وافدة تتشكل وفق النسق المحلي، إذ نجد على سبيل التمثيل لا الحصر: قبوب (أقبوب) كلمة أمازيغية؛ خيمة صغيرة تصنع من أغصان وأوراق الأشجار أو القصب ويستغل في الفصل الحار للحراسة، أزري كلمة أمازيغية؛ تعني ممرا ضيقا يتوسط الأراضي الفلاحية المشتركة (المشاع لجميع سكان القبيلة)،وكدم (أكَدم) بالأمازيغية؛ مكان مرتفع عن الأرض يحد بين حقلين وتحيل أيضا إلى سور يفصل البيت عن منحدر بجانبه، وكلمة مزواغ (أمزواغ) بالأمازيغية؛ تدل على مكان يؤخذ منه الصلصال ذي اللون الأزرق، يوضع فوق السطوح لمنع تسرب مياه الأمطار، الحنديرة( تاحنديرت)؛ معطف مزخرف، كَداور (أكَداور) بالأمازيغية، وتعني اللباس الفضفاض، أو اللباس بشكل عام عند قبيلة باب مروج...إلخ.

 وهكذا تتبدّى هذه المفردات ضمن اللهجة البرنوسية كنتاج لتاريخ طويل من التفاعل اللغوي والثقافي، وهو ما يجعلها نظاماً قائماً بذاته، يعكس قدرة الجماعة اللغوية على التكيّف.

كما تتجلى هذه الحركية بشكل واضح من خلال استجلاء واقع لهجي تتماهى فيه مكونات ثقافات جمعتها جغرافية المكان والتفاعل الاجتماعي، ففي التداول اليومي تظهر العديد من الكلمات العربية التي تكتسب نطقا خاصا- ربما يمتد إلى قبائل أخرى مجاورة بحسب علمنا المتواضع، لكن ما يميزها خصوصية اللاصقة المستعملة في بداية الأفعال: أدعمل (ضمير المخاطب المفرد) من فعل عمل – أيقطع (ضمير الغائب المفرد) من فعل قطع- أنقول (ضمير المتكلم المفرد) من فعل قول وقال – أنكتب (ضمير المتكلم المفرد) من فعل كتب...إلخ.

وهناك أيضا اللاصقة الألف والياء في نهاية كلمات مثل: مفخباريشاي- معنديشاي- ما يهمنيشاي...إلخ، إذ تضيف العديد من اللهجات في العديد من ربوع المغرب، السابقة (الميم) واللاحقة (الشين) إلى الجذر العربي للدلالة على نفي الشيء وإنكاره وإبطاله، لكن الخصوصية اللهجية للمنطقة تكمن في إدراج اللاصقة (اي) والتي غالبا ما تعكس نظاما صوتيا صرفيا دلالته مرتبطة بالسياق التداولي والخصائص النطقية التي اكتسبها الأفراد، مثلما نجد مثلا في قبائل الشمال عندما ينطقون: مافخباريشي، ماعنديشي، ما يهمنيشي...إلخ

تنقلنا صفوة القول إلى أن الوقوف على ما تنطوي عليه هذه اللهجة ليس فقط الاختلاف الصوتي مع باقي القبائل، لكنها تحمل أبعادا ثقافية خاصة وموروثا محليا فريدا، لكن ما ينبغي الخلوص إليه هو أن البرانس، بالرغم من تأثير القبائل العربية التي تم استقدامها إلى المغرب، وكذا التأثيرات الخارجية؛ الدينية والاجتماعية، وفقدانها للكثير من لغتها الأمازيغية تحت هذا التأثير، إلا أن بعض المفردات التي لا زالت متداولة حتى اليوم تعكس لنا جانبا من الهوية المحلية والرأسمال اللغوي الذي لم يطَله الزمن.

***

الطالبة الباحثة: غزلان زينون

في المثقف اليوم