قضايا
علي عمرون: فلسفة المقاومة عند عبد الحميد بن باديس
فرش اشكالي: لا تنهض الأمم بالخطب الجوفاء ولا بالشعارات او الاحتفالات التي تغلب الشكل على المضمون، بل بفعل تأسيسي يبدأ من حيث ينتهي كل بناء تبدأ من الإنسان وتنتهي اليه. ففي سياقات الاستعمار الجديد، حيث يُحتل الوعي قبل الأرض، وتُسرق الذاكرة قبل الموارد، تصبح مهمة رجل الفلسفة والمفكر والمصلح مهمة وجودية يحتل فيها هذا التساؤل مساحة كل تفكير كيف يُعاد بناء الإنسان ليعود المستعمر مستحيلاً؟ هذا هو السؤال المحوري الذي شغل الإمام عبد الحميد بن باديس (1889-1940)، ليس بصفته عالم دين تقليدي أو متكلم يمارس الجدال، بل بصفته فيلسوف مقاومة، ومربياً للأمة، وحكيماً في سياسة العمران، تساؤل طرحه في زمن "اعتقد ولا تنتقد" وللإمساك بمشروعه الإصلاحي في ابعاده الفلسفية نتساءل بدورنا:
- كيف شخّص بن باديس أزمة الأمة الإسلامية عامة، والجزائرية خاصة، من حيث هي أزمة وجود ومعنى وانسجام داخلي؟
- ما العلاقة الجوهرية التي أقامها بين هجر القرآن والسنة، وبين جمود العقل وضعف الأمة؟
- بأي معادلة منهجية وضع بن باديس أسس إصلاح التعليم، وما دورها في بناء الإنسان الجديد؟
- كيف جمع بن باديس بين أبعاد الإنسان الثلاثة: العقيدة، العقل، الأخلاق، في فلسفة واحدة للتغيير؟
- ما الذي يميز مشروعه من حيث الجمع بين التفكير وحسن العمل والتدبير، ومن حيث رؤيته للسلطة والشورى؟
- لماذا يمكن اعتبار تجربته الصحفية وتأسيسه لجمعية العلماء نموذجاً في تشكيل الوعي الجماعي وتمهيد الثورة؟
في زمن الاستدمار الفرنسي الذي عمل على محو هوية الانسان الجزائري: لغته، دينه، ذاكرته. وفي قلب هذا الظلام، بزغ فجر رجل بأمة، فجر عبد الحميد ابن باديس الذي امتلك الحكمة وسحر البيان، وجعل دستوره القرآن والسنة، واحتكم إلى منطق العقل المستنير بمشكاة الشريعة، ومزج بين القول والفعل في مشروع نهضوي متكامل.
لم يكن وهابياً ولا صوفياً ولا رجل سياسة يحمل شعارات، بل كان مقاومًا ثائرًا، زكي النفس، فاعلًا متحركًا ومحركًا. أدرك بذكائه وقوة حدسه أن الأمم لا تُهزم حين تُحتل، بل تُهزم حين تفقد هويتها وتماسكها الداخلي. إنها لا تسقط بسبب قوة العدو، بل بسبب القابلية للاستعمار.
في تشخيص عميق للأزمة، وصف بن باديس حال المسلمين قائلاً:" رأينا كما يرى كل مبصر ما نحن عليه معشر المسلمين من انحطاط في الخلق وفساد في العقيدة وجمود في الفكر وقعود عن العمل وانحلال في الوحدة وتعاكس في الوجهة وافتراق في السير. حتى خارت النفوس القوية وفترت العزائم المتقدة، وماتت الهمم الوثابة ودفنت الآمال في صدور الرجال، واستولى القنوط القاتل واليأس المميت"
هذا النص ليس مجرد رثاء للحال، بل هو تشخيص فلسفي لانهيار حضاري: انفصام في العلاقة بين الخلق والعقيدة، وبين الفكر والعمل، وبين الوحدة والوجهة. إنها أمة فقدت انسجامها الداخلي، وضاع منها المعنى، وافتقدت المرجعية.
لم يقف بن باديس عند وصف الأعراض، بل تعقب العلة الأصلية. رأى أن من أسباب الضعف هجر القرآن والسنة، والاقتصار على الفروع دون استدلال ولا تعليل. فالعلم الذي ينفصل عن أصوله، والأحكام التي تُتداول دون معرفة مآخذها، لا تُنتج عقلًا حيًا، بل عقلًا مقلدًا متحيرًا. كان يخاطب تلامذته بقاعدة منهجية محكمة:" محال أن يضبط الفروع من لم يعرف أصولها."
هنا يتجلى البعد الفلسفي في فكر بن باديس: الأزمة ليست في نقص كمية المعرفة، بل في منهج تلقيها وتداولها. فالتقليد في الفروع دون استدلال ينتج عقلًا أسيرًا، وهذا العقل الأسير هو الشرط الذاتي لإمكان الاستعمار. وافق رفيق دربه البشير الإبراهيمي هذا التحليل، فقال:" إذا نحن وازنا بين ما أجداه علينا علم الكلام وبين ما خسرناه بسببه وجدنا الخسارة تربو على الربح. فتوحيد الله مقرر في القرآن بأجدى بيان وأكمل برهان."
وضع بن باديس معادلة دقيقة، منطوقها: "إذا أردنا إصلاح المسلمين فلنصلح علماءهم. ولن يصلح العلماء إلاّ إذا صلح تعليمهم. فالتعليم هو الذي يطبع المتعلم بالطابع الذي يكون عليه في مستقبل حياته." الأمة عند بن باديس لا تُبنى بالخطب الجوفاء، ولا بالشعارات، بل بعقول تُصاغ منذ الطفولة، وقلوب تُربى على القيم الأخلاقية، وأرواح تنسجم مع فطرتها؛ القرآن هو دستور حياتها.
قضى قرابة 25 سنة في تفسير القرآن، ونحو 15 سنة في شرح موطأ الإمام مالك. كان يلقي أحياناً 15 درساً في اليوم الواحد. لم تكن دروساً عابرة، بل جهاداً بالمعرفة. قال في حكمة خالدة: "ولا أدل على وجود روح الحياة في الأمة وشعورها بنفسها ورغبتها في التقدم من أخذها بأسباب التعليم: التعليم الذي ينشر فيها الحياة ويبعثها على العمل ويسمو بشخصيتها في سلم الرقي الإنساني ويظهر كيانها بين الأمم."
لم يختزل بن باديس الإنسان في بُعد واحد. رأى أن الإنسان الحقيقي قائم على ثلاث ركائز: عقيدة تحدد وجهته، وعقل يحدد فهمه، وأخلاق تحدد فعله في العالم. فأصلح العقيدة لأنه لا يريد للإنسان أن يعيش بمرجعية مشوشة. وأصلح العقل لأنه لا يريد له أن يظل حبيس التقليد والجمود. وأصلح الأخلاق لأنه لا يرى قيمة للمعرفة إذا لم تتحول إلى سلوك. انطلق من قوله تعالى (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم (الرعد 11
هذه الثلاثية تجعل من مشروع بن باديس مشروعاً إنسانياً شاملاً، لا يكتفي بتصحيح المعتقدات، ولا يبقى في سماء النظريات، بل ينزل إلى أرض السلوك والممارسة. إنها فلسفة عملية بامتياز: المعرفة التي لا تثمر فعلاً هي معرفة عقيمة، والعمل الذي لا يستند إلى عقيدة راسخة وعقل مستنير هو عمل أعمى.
ما يميز مشروع بن باديس هو الجمع بين منطق التفكير وحسن العمل والتدبير. حدد أركان مشرعه بوضوح: "عملنا: نشر السنة النبوية المحمدية وحمايتها. خطتنا: الأخذ بالثابت عند أهل النقل الموثوق بهم، والاهتداء بفهم الأئمة المعتمد عليهم، ودعوة المسلمين كافة إلى السنة دون تفريق بينهم. غايتنا: أن يكون المسلمون مهتدين بهدي نبيهم في الأقوال والأفعال والسير والأحوال حتى يكونوا للناس مثالاً أعلى في الكمال."
بهذه الدقة، كان يفرق بين الفعل والمنهج والغاية. لم يكن يتحرك برد فعل عاطفي، بل ببصيرة منهجية. وهذا جوهر العقل الفلسفي العملي: أن تعرف لماذا تفعل (العمل)، وكيف تفعل (الخطة)، وإلى أين تريد أن تصل (الغاية). وفي مسألة السلطة، لم يكن غافلاً؛ بل نظر إلى تنظيم الأمة بعين الفيلسوف المؤسس. فسّر الآية بأن "أولي الأمر" هم العلماء والأمراء معاً، لأن أمر الله يحتاج إلى من يعينه بالعلم، وإلى من ينفذه بالسلطان. فقال: "فبالعلم يُعين، وبالسلطان يُنفذ". ثم قرر أن الحال لا يستقيم إلا بوجود الطائفتين وتعاونهما بطريق الشورى التي هي أساس الأمر في الإسلام.
عرف بن باديس أن الفكرة إذا بقيت في المسجد وحدها قد تبقى حبيسة أذهان من يستمع إليها، وأن المجتمع لا يُعاد بناؤه بالدرس الخاص فقط، بل بالمنبر العام. فأسس جريدة "المنتقد" التي حمل اسمها برنامجها: النقد البناء الذي تخشاه السلطة الاستعمارية وأصحاب الطرقية. كان شعاره في الصحافة: "باسم الله ثم باسم الحق والوطن ندخل عالم الصحافة العظيم". ثم أعلن مبادئه: مبدأ سياسي، ومبدأ تهذيبي، ومبدأ انتقادي. ووضع شعاراً لم يكن مجرد كلمات: "الحق فوق كل أحد والوطن قبل كل شيء".
ثم أسس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. لم تكن الجمعية مجرد هيئة توقع بيانات، بل كانت وعياً حياً يمشي على الأرض. وضع فيها منهجاً: إصلاح العقيدة، وتحرير العقل، وبناء الأخلاق، ونشر التعليم، ومقاومة الجمود، وحماية الهوية. وعندما جاءت ساعة الثورة، لم يظهر المجاهدون من فراغ. خرجوا من مدارس ربّاها بن باديس، تعلموا فيها أن الحرية لا تُمنح، بل تُؤخذ بالوعي والإرادة. لقد زرع بذوراً لم يرَ ثمارها كاملة، لكنه كان يوقن أن البذرة الصالحة إذا وقعت في أرض صالحة، ستأتي أيامها. وهذا من أسمى معاني الإصلاح: أن تعمل لجيل لا تدركه.
مات الفقيد ابن باديس في السادس عشر من أفريل سنة 1940، وفي نفسه حسرة من تعطيل جريدته "البصائر". وكان معتزاً بها أيما اعتزاز. يقول الإبراهيمي عنه: "كل ما يعلو فيها من أصوات صدى مردد للكلمات النارية التي كان يقذفها لسان مبين، يترجم عن علم مكين ودين متين، وهو لسان المرحوم باني النهضات الجزائرية من غير منازع الإمام عبد الحميد بن باديس."
لقد ترك بن باديس إرثاً ليس في الكتب التي ألفها، بل في النفوس التي ربّاها، والعقول التي حرّرها، والإرادة التي أيقظها. وصفه الإبراهيمي قائلاً: "جمع الله فيه ما تفرق في غيره من علماء الدين في هذا العصر وأربى عليهم بالبيان الناصع، واللسان المطاوع، والذكاء الخارق، والفكر الولود، والعقل اللماح، والفهم الغواص على دقائق القرآن وأسرار التشريع الإسلامي، والاطلاع الواسع على أحوال المسلمين ومناشئ أمراضهم وطرق علاجها، والرأي السديد في العلميات والعمليات... فكان من أخطب خطباء العربية، وفرسان منابرها، كما كان من كتب كتابها."
واليوم، وقد تغيرت أشكال الاستعمار لكن جوهره بقي، لا يزال السؤال الذي طرحه بن باديس قائماً: كيف نبني نهضة لا تبدأ بالشعار، بل تبدأ ببناء الإنسان؟ أن تكون على خطى ابن باديس اليوم لا يعني أن تكون خطيباً فقط، بل أن تكون صادقاً في عملك، نافعاً في مجتمعك، ثابتاً في قيمك، متحرراً في عقلك، رابطاً بين العلم والأخلاق، بين النص والحياة. أن تكون إنساناً لا يقبل أن يُستعمر وعيه، ولا أن تُسرق هويته، ولا أن يُحاصر فكره. فالأمم لا تُبعث بالخطب، بل تُبعث بالإنسان.
***
الأستاذ: عمرون علي







