عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

زكريا نمر: هل فشلت الديمقراطية أم فشلنا نحن؟

في تقديري، ليست المشكلة الحقيقية في الديمقراطية نفسها بقدر ما هي في البيئة التي تزرع فيها، وفي الطريقة التي تقدم بها إلى الناس. فالكثير من المجتمعات التي لم تعرف الديمقراطية إلا كشعار سياسي، أو كتجربة مشوهة مرتبطة بالفوضى والانقسامات والانقلابات، تنظر إليها بوصفها خدعة كبرى أو مؤامرة ثقافية أكثر من كونها نظاما سياسيا قابلا للحياة. يبدأ الخلل الحقيقي لأن الناس لا تحاكم الديمقراطية من خلال معناها الفلسفي والمؤسسي، بل من خلال النسخ الفاشلة التي مرت أمام أعينهم، أو من خلال الخطابات الشعبوية التي جعلت منها سببا لكل أزمة.

من السهل جدا في مجتمعات مأزومة اقتصاديا واجتماعيا أن يتحول الغضب الشعبي إلى عداء تجاه الديمقراطية. المواطن الذي يعيش الفقر والبطالة وانهيار الخدمات لا يهتم كثيرا بالنظريات السياسية، بل يبحث عن سلطة قادرة على منحه الأمان والخبز والاستقرار. ولذلك تصبح الديمقراطية، في وعيه المباشر، مرتبطة بالوعود الكاذبة، والانتخابات العقيمة، والصراعات الحزبية التي لا تنتج سوى مزيد من الانقسام. في المقابل، يظهر الاستبداد أحيانا بصورة النظام الحاسم الذي يفرض السيطرة ويمنع الفوضى، حتى وإن كان ذلك على حساب الحريات وكرامة الإنسان. هذه المفارقة ليست جديدة في التاريخ السياسي، لكنها تتكرر بشكل واضح في مجتمعات العربية والأفريقية تحديدا، حيث لم تتشكل الدولة الحديثة على أساس عقد اجتماعي حقيقي، بل على إرث طويل من القبيلة والطائفة والعسكر والنخب المغلقة. الديمقراطية في هذه البيئات لا تجد مؤسسات قوية تحميها، ولا ثقافة سياسية تؤمن بها، ولا طبقة وسطى مستقرة تدافع عنها، فتتحول بسهولة إلى واجهة شكلية تستخدم للوصول إلى السلطة ثم الانقلاب عليها.

المشكلة أيضا أن كثيرا من الناس يتعاملون مع الديمقراطية باعتبارها وصفة سحرية قادرة على إنهاء الفساد والفقر بمجرد إجراء انتخابات. وعندما لا يحدث ذلك بسرعة، يبدأ الإحباط، ثم تتحول خيبة الأمل إلى كراهية للنظام الديمقراطي كله. يتم تجاهل حقيقة مهمة جدا، وهي أن الديمقراطية ليست ماكينة لإنتاج الرفاه الفوري، بل مسار طويل ومعقد يحتاج إلى تراكم مؤسسي وثقافي وأخلاقي. الديمقراطية لا تنجح لأن صندوق الاقتراع موجود فقط، بل لأنها ترتكز على منظومة كاملة من القوانين والرقابة والفصل بين السلطات والإعلام الحر والتعليم السياسي.

في مجتمعات لم تتعلم بعد معنى المواطنة، تصبح الانتخابات أحيانا مجرد إحصاء للطوائف والقبائل والانتماءات الضيقة. يصوت الناس لهوياتهم لا لبرامجهم، ويختارون من يشبههم لا من يخدمهم. وهنا تتحول الديمقراطية إلى إعادة إنتاج للأزمات نفسها بوسائل مختلفة. لا يعود البرلمان مساحة للنقاش الوطني، بل ساحة لتوزيع الغنائم والنفوذ. وعندما تفشل هذه التجربة المشوهة، يخرج كثيرون ليقولوا إن الديمقراطية لا تصلح لنا، بينما الحقيقة أن ما فشل ليس الديمقراطية، بل البنية الاجتماعية والسياسية التي التهمتها من الداخل.

الاستبداد من جهته يعرف جيدا كيف يستثمر هذا الفشل. الأنظمة السلطوية لا تكتفي بقمع خصومها، بل تعمل أيضا على تشويه فكرة الحرية ذاتها. يتم تصوير الديمقراطية على أنها فوضى أخلاقية، أو مشروع غربي لتفكيك الهوية، أو بوابة للحروب الأهلية والانهيار. ومع الوقت، تتشكل لدى الناس قناعة نفسية بأن القمع أقل خطرا من الحرية، وأن الخوف أكثر أمانا من الاختلاف. وهنا تكمن أخطر نتائج الاستبداد؛ أنه لا يكتفي بالسيطرة على السلطة، بل يسيطر أيضا على خيال الناس السياسي، ويجعلهم عاجزين عن تصور حياة طبيعية خارج منطق الحاكم المنقذ.

في رأيي، أحد أكبر الأخطاء التي وقعت فيها مجتمعاتنا هو ربط الديمقراطية بالغرب فقط، وكأنها منتج أوروبي خالص لا يمكن أن يعيش خارج بيئته الأصلية. هذا التبسيط يتجاهل أن فكرة المشاركة السياسية والمحاسبة وحق الناس في اختيار حكامهم ليست ملكا لحضارة بعينها. صحيح أن التجربة الغربية طورت النماذج الديمقراطية الحديثة، لكنها لم تصل إليها بسهولة أو بسرعة. أوروبا نفسها عاشت قرونا من الحروب الدينية والاستبداد والملوك المطلقين والانقلابات الدموية قبل أن تصل إلى شكلها الحالي. الديمقراطية هناك لم تنزل من السماء، بل جاءت نتيجة صراعات طويلة وتضحيات قاسية وتراكم تاريخي معقد.لكن بعض مجتمعاتنا تريد أن تقفز فوق كل هذا التاريخ، ثم تصاب بالصدمة عندما تفشل التجربة خلال سنوات قليلة. والأسوأ من ذلك أن النخب السياسية نفسها كثيرا ما تتعامل مع الديمقراطية بوصفها مجرد وسيلة للوصول إلى الحكم، لا كقيمة أخلاقية ومؤسسية. لذلك نرى أحزابا تتحدث عن الحرية وهي تمارس الإقصاء، وتتحدث عن الشعب وهي تعيد إنتاج الزعامات التقليدية نفسها. وهكذا يصبح الخطاب الديمقراطي فارغا من مضمونه الحقيقي.

هناك أيضا أزمة عميقة تتعلق بثقافة النقد الذاتي. فالكثير من المجتمعات التي تعاني من الاستبداد تميل دائما إلى تحميل الخارج مسؤولية أزماتها. الغرب، المؤامرة، الاستعمار، النخب، المعارضة، الآخر المختلف، كلها شماعات جاهزة لتفسير الفشل. أما مواجهة الذات والاعتراف بالمشكلات البنيوية الداخلية، فغالبا ما يتم الهروب منها. ولهذا تستمر الحلقة المفرغة: استبداد ينتج التخلف، وتخلف يستخدم لتبرير الاستبداد. ما يثير الانتباه حقا هو أن بعض المجتمعات التي تعيش مستويات مرتفعة من القمع والعنف والطائفية تتحدث أحيانا بتعال أخلاقي تجاه المجتمعات الديمقراطية. يتم تقديم الحرية هناك بوصفها انحلالا، والتعددية بوصفها ضعفا، وحقوق الإنسان بوصفها ترفا غربيا. وفي المقابل، يتم تمجيد الصبر على القهر باعتباره فضيلة، وكأن الجوع والذل والرقابة والقمع علامات على النقاء الأخلاقي. هذا النوع من الخطاب لا ينتج وعيا سياسيا، بل يعمق ثقافة الهزيمة والتبرير.

الديمقراطية ليست مدينة فاضلة، ولا نظاما كاملا بلا عيوب. داخل الديمقراطيات توجد أزمات اقتصادية وعنصرية وشعبوية وفساد وتفاوت طبقي حاد. لكن الفرق الجوهري أن هذه الأنظمة تمتلك آليات تسمح بتصحيح أخطائها، بينما الأنظمة الاستبدادية غالبا ما تغلق كل أبواب المراجعة والمحاسبة. في الديمقراطية يمكن إسقاط الحكومة عبر الانتخابات، ويمكن للصحافة أن تنتقد السلطة، ويمكن للقضاء أن يحاسب المسؤولين. أما في الاستبداد، فإن الخطأ يتحول إلى قدر دائم لأن السلطة نفسها فوق النقد. لهذا أعتقد أن السؤال الحقيقي ليس: هل الديمقراطية فاشلة؟ بل: لماذا نفشل نحن في بناء شروطها؟ لأن الديمقراطية لا تعيش في بيئة تخاف من الاختلاف، ولا في مجتمع يقدس الزعيم أكثر من القانون، ولا في دولة تعتبر المواطن مجرد تابع لا شريكا. نجاح الديمقراطية يبدأ من المدرسة، ومن الإعلام، ومن استقلال القضاء، ومن احترام الإنسان كفرد يمتلك حق التفكير والاختيار، لا كرقم داخل قطيع سياسي أو طائفي.

 لا أرى أن مجتمعاتنا ترفض الديمقراطية لأنها سيئة بالضرورة، بل لأنها لم تعرفها في صورتها الحقيقية. ما عرفته غالبا كان نسخا مبتورة ومشوهة، أو تجارب محاصرة بالعسكر والفساد والانقسامات. لذلك يصبح من السهل على الناس أن يفقدوا الثقة بها، وأن يحنوا إلى نموذج الحاكم القوي الذي يعدهم بالخلاص السريع. لكن التاريخ يعلمنا أن الاستبداد قد يمنح شعورا مؤقتا بالاستقرار، إلا أنه يترك في النهاية مجتمعات خائفة، هشة، وعاجزة عن إنتاج مستقبل مختلف.

إن الاعتراف بالحاجة إلى الديمقراطية لا يعني عبادة الغرب، ولا التخلي عن الخصوصيات الثقافية، بل يعني ببساطة الإيمان بأن الإنسان يستحق أن يعيش حرا، وأن السلطة يجب أن تحاسب، وأن الأوطان لا تبنى بالخوف وحده. الديمقراطية ليست ترفا فكريا كما يصورها البعض، بل محاولة مستمرة لمنع السلطة من التحول إلى وحش دائم. وربما لهذا السبب تحديدا يخافها الطغاة، ويعملون دائما على تشويهها قبل أن يمنحوا الناس فرصة حقيقية لتجربتها.

***

زكريا نمر