قضايا
جمال العتابي: "جماليّات" الحرب والحصار
ليلة الجنون التدميري المبرمج.. غارات. غارات، قصف من السماء، غارات متواصلة منذ الصباح حتى الليل الأسود، ظلمات فوق ظلمات، ليس من ضوء في أي مكان سوى البروق الخاطفة المنطلقة من انفجارات الصواريخ والحرائق، والقنابل المضيئة القادمة عبر البحار.. المدينة تهتزّ من جذورها، والطائرات تعربد فوق البنايات، فوق بيوت العراقيين من أقصى الشمال إلى الجنوب.
ربما يبدو السؤال صادماً للوهلة الأولى: هل للحروب جمالياتها؟ الحرب في حقيقتها محض خراب، والحصار جوع للمدن وساكنيها. هكذا كنّا، لا ملاجئ تأوينا، القلق يحتدم داخل الرؤوس، قلق على حفيديّ الصغيرين.. أضواء تدخل من النوافذ، الطفلان يركضان باتّجاه النافذة. نركض خلفهما..طائرة في الأعالي، ألقت عدّة قنابل مضيئة، تضيئ السماء وأجسام البنايات المظلمة، ومن الأرض تنطلق المدافع المضادّة، القذائف تترك خلفها خطّاً طويلاً منحنياً من الضوء الأحمر، خطوط الضوء المنطلقة من الأرض تتلاقى حول منطقة القذائف الهابطة. المشهد كأنّه ثريا نورانية هائلة معلّقة، أو قبّة شاسعة من أضواء برتقالية وخطوط ضوئية حمراء تتلامع وتتوسّط السماء السوداء.
الطفلان منبهران، لم تعد أصوات الانفجارات تعني لهما شيئاً.. يتأملان "القناديل" الهابطة والمتلاقية، عيون الأطفال لا تلتقط ما في هدير القذائف، وهي تتعاقب فوق الرؤوس، انها أضواء مهرجانية هائلة الحجم "باهرة الجمال" تتشكل بإيقاع عنيف يشبه موسيقى كونية فظّة، لا جمال فيها لذاتها، بل في قدرتها على كشف عدوانية وغطرسة الامبريالية.
لحظات.. وعادت أصوات الانفجارات، ترتجف حيطان المنزل، والمدينة تهتز من جذورها، لكن الأضواء ما تزال متنوعة باهرة، تصير للحرب جماليتها، عندما تتحول من مجرد عدوان إلى احتدام ملحمي، عندما تتنامى المجابهة في مختلف تنويعاتها وأشكالها، جماليات ليست بريئة، إنها جماليات مفارقة تولد من التوتر بين الرهبة والخوف والدهشة، فالضوء الذي ترسمه الصواريخ في السماء قد يبدو للعين لحظة بصرية خاطفة، لكنه في الأرض يعني بيتاً ينهار أو أطفالاً يموتون.
لعلّ من أصفى تجليات تلك المشاعر أننا كنّا، وسط الجحيم والعطش والجوع والموت اليومي، سعداء. كنّا في الوضوح الكامل، نجابه مباشرة، وبوعي عفوي، من دون التباس، العدو الواضح، المباشر.
الحروب لا تمتلك جمالها الخاص، بقدر ما تكشف قدرة الانسان على انتزاع معنى أو صورة ولو من قلب الظلام، إنها جماليات الألم والمفارقة. لا فرق لدينا حين يختلط العواء والغناء والعويل. والقتام بالضياء! مغول الحروب، كانوا يستدرجوننا إلى مرحلة أشد، يشربون من دمائنا، ويشنقون البلد من الوريد إلى الوريد. لا مفرّ للبلاد أن تعيش في (عرسها ـ الحصار) الجديد، من جوعها تلوك اشداقاً من الحجر
لقد تحول الإنسان العراقي في سنوات الحصار إلى كيميائي للحياة اليومية، كان يصنع الممكن من المستحيل، واستخرج من العدم أسباب الاستمرار، لا علاج في المستشفيات ولا دواء في الصيدليات، رواتب هزيلة تتبخر في سوق مجنون بالأسعار بسبب التضخم المالي المهدد لحياة الإنسان. ومع ذلك ظل الناس يجدون طريقة ما للضحك، وللعيش، وللاعتقاد بأن الغد يمكن أن يكون أقلّ قسوة.
في قلب هذا الضيق الهائل، ابتكر العراقيون طرقاً للحياة لم يعرفها غيرهم، نبشوا القبور والمطامر، ورقّعوا إطارات السيارات وملابسهم، اثناء ذلك انتشرت ظاهرة (تاير ابو الريحة)، جموع من البشر اصبحت مهنتهم نبش مطامر النفايات، يستعيدون ويأهلون المواد المستهلكة من جديد،
وصنّعوا معجون الطماطة والبعض صنّع الخمور في بيوتهم، واستخرجوا من بطارية ميتة خلية صالحة، أما المبرّدات القديمة فقد عاشت عمراً ثانياً، تعاد صناعة هياكلها، وتبديل أحشائها. سيارات الشارع هياكل معدنية متعبة.
نحن الأخوة مع الأبناء كانت مهنتنا خط لافتات المناسبات الوطنية والقومية التقدمية، وما اكثرها! لا نهمل لافتات القماش الأبيض التي نخطأ في كتابتها فندعها جانباً ثم نعود إليها نخيط منها (لبساناً داخلية بمختلف القياسات والأحجام).
في سنوات الحصار الطويلة، تغيّر مصير أشياء كثيرة، لم تعد المكتبات ضرورية للأديب، ولا نوافذ وأبواب منزله المتواضع، كلها تجد طريقها إلى أرصفة البيع! كيف حدث ذلك؟ ربما لأن الإنسان حين يواجه الحصار طويلاً، لا يكتفي بالبقاء، بل يبتكر حيلة للفرح كذلك، سعادة صغيرة يعيشها كإعلان خفي بأن الحياة، مهما ضاقت، ما تزال قادرة على الاستمرار. لكن المعنى النهائي يبقى شاهداً على فداحة ما حدث. في المقالة التي كتبها سعدي يوسف قبل يوم من مغادرته بيروت، مع المقاتلين الفلسطينيين، قال إنه لا يستطيع معرفة القيمة الأدبيّة والشعرية لما كتبه خلال أيام حصار بيروت الصعبة، ولكنه يعتزّ بها شهادة وذكرى، ومن يدري ـ يقول سعدي ـ فلعلّني معتز بها شعراً.
إن شعور الاعتزاز لدى سعدي هو الشعور الأرسخ والأبقى في أعماق الكتّاب والشعراء الذين قاوموا الحصار والحروب.
كنا بين غارة وغارة نخرج إلى الشوارع، نتلمس جراحنا الجديدة، العيون تتطلع إلى الانهيارات الجديدة، الثقوب في الجدران ثقوب في القلوب، الجسور والمباني المهدمة سكاكين تحفر أثلاماً في الجسد الحيّ، النوافذ التي اندلعت منها نيران الحرائق توقد نيران الروح. الوجوه التي لا تعرف بعضها بعضاً، تلتقي، صوفيون هم أهل بغداد، في الحصار والحروب، مندمجون بهما، متوحدون بحجار المدينة المحترق، كما المتعبّد لتماثيل الآلهة في معبد عريق.
يتساءل سعدي يوسف أثناء حصار بيروت: كيف احتفظتُ بالعصب الهادئ وسط الجحيم؟ قد أخجل الآن حين أقول إنني كنت سعيداً، لكنها الحقيقة، كنت سعيداً فعلاً. سعيداً أن أبرر حياتي وكلماتي .
***
جمال العتّابي







