عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

إبراهيم السعدي: المكان الذي يسكننا.. حين تتحول الجغرافيا إلى ذاكرة

قد نغادر بعض الأماكن، لكن بعضها لا يغادرنا. قد نترك بيتًا أو شارعًا أو مدينة سنوات طويلة، ثم نعود فنجد الطريق نفسه وربما المبنى نفسه، لكننا نشعر بأن المكان تغيّر. وربما تكون الحقيقة أن المكان تغيّر فعلًا، وأننا نحن أيضًا لم نعد الأشخاص الذين رأيناه بأعينهم الأولى.

لهذا لم يكن المكان عند الفلاسفة والأنثروبولوجيين مجرد مساحة تحددها الخرائط، بل سؤالًا عن الذاكرة والهوية والزمن والانتماء، وعن العلاقة الخفية بين الإنسان وما يحيط به.

كتب غاستون باشلار في «جماليات المكان» عن البيت بوصفه أكثر من جدران وسقف؛ إنه مستودع للذاكرة والخيال. الغرفة، والنافذة، والسلم، والممر، وحتى الزاوية الصغيرة التي كنا نختبئ فيها، تتحول مع الزمن إلى أجزاء من عالمنا الداخلي. لذلك قد نشتاق إلى بيت قديم أكثر مما نشتاق إلى أشخاص عاشوا فيه. لكننا في الحقيقة لا نشتاق إلى الجدران وحدها، بل إلى الزمن الذي كان يسكنها: طفولتنا، ووجوهًا غابت، وطمأنينة لم تعد ممكنة، ونسخة قديمة من أنفسنا.

أما مارتن هايدغر، فرأى أن الإنسان لا يوجد في العالم كما توجد الأشياء داخل صندوق، بل «يسكن» العالم. والسكن ليس امتلاك منزل فحسب، بل إقامة علاقة مع الأشياء والأشخاص والطبيعة. نحن لا نمر بالمكان فقط، بل نمنحه معنى، وهو بدوره يترك أثرًا فينا.

وذكّرنا موريس ميرلو-بونتي بأن علاقتنا بالمكان ليست ذهنية فقط، بل جسدية أيضًا. نتعلم الأمكنة بأقدامنا وعيوننا وحواسنا؛ نحفظ الطريق إلى البيت، ونعرف صوت باب، ورائحة شارع، وطريقة سقوط الضوء في غرفة. هناك أمكنة يعرفها الجسد قبل أن تستدعيها الذاكرة.

لكن المكان لا يحمل الذكريات وحدها، بل يحمل المجتمع أيضًا. رأى هنري لوفيفر أن الفضاء ليس محايدًا، بل تنتجه العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. فالمدينة يمكن أن تُقرأ مثل نص: أين يعيش الأغنياء والفقراء؟ أين توجد الحدائق والمدارس والمستشفيات؟ ومن يملك الوصول إليها؟ يكشف توزيع المكان غالبًا عن توزيع القوة والموارد داخل المجتمع.

ومن زاوية قريبة، درس ميشيل فوكو علاقة المكان بالسلطة. فالسجن والمدرسة والمستشفى والثكنة ليست مباني فقط، بل فضاءات صممت للمراقبة والتنظيم وضبط الأفراد. أحيانًا تكون السلطة مكتوبة في الجدران والممرات والنوافذ أكثر مما هي مكتوبة في القوانين.

أما الأنثروبولوجيا، فقد نظرت إلى المكان بوصفه مرآة للثقافة. أظهر كلود ليفي-شتراوس أن توزيع البيوت وتنظيم القرى ليسا عشوائيين؛ فشكل القرية قد يكشف نظام القرابة والانقسامات الاجتماعية والعلاقات بين الجماعات، وكأن المجتمع يرسم نفسه على الأرض.

وبيّن بيير بورديو، في دراسته للبيت القبائلي في الجزائر، أن المنزل قد يكون خريطة رمزية للثقافة. فالأعلى والأسفل، والداخل والخارج، والمضيء والمظلم، تحمل معاني تتجاوز وظيفتها المادية. البيت صورة مصغرة عن النظام الاجتماعي والثقافي.

ومع المدن الحديثة ظهر سؤال آخر: ماذا يحدث عندما تصبح الأماكن بلا ذاكرة؟ قدّم مارك أوجيه مفهوم «اللامكان» لوصف المطارات ومحطات القطارات والطرق السريعة والمراكز التجارية. إنها فضاءات يعبرها ملايين الناس من دون أن يبنوا معها علاقة حقيقية؛ نستخدمها ثم نغادرها، فهي أماكن للحركة أكثر من كونها أماكن للانتماء.

في المقابل، رأى الجغرافي الإنساني يي-فو توان أن الفضاء يصبح مكانًا عندما تمنحه التجربة معنى. فالشقة الفارغة ليست سوى مساحة، لكنها بعد سنوات من الضحكات والأحاديث والأعياد والخصومات والوداع تصبح مكانًا. لذلك لا تكفي الخرائط لفهم علاقتنا بالمدن والبيوت، لأن أهم ما فيها لا يظهر عليها.

لهذا تكون العودة إلى الأماكن القديمة مربكة. نبحث عن الشارع والمقهى والجيران والشجرة، لكننا في الحقيقة نبحث عن زمن كامل. قد نجد المكان نفسه ولا نجد الشعور نفسه، لأن العودة إلى المكان ممكنة، أما العودة إلى الزمن فليست كذلك.

المكان الذي نحمله في الذاكرة ليس بالضرورة المكان الموجود في الواقع. بين الاثنين سنوات من التغير، وفي المسافة بينهما يقيم الحنين والخيبة والدهشة. فالمكان ليس جغرافيا نعيش فوقها، بل طبقات من الذاكرة والعلاقات والرموز. نحن نصنع الأماكن حين نعيش فيها، ثم تحملنا هي بعد أن نغادرها.

بعض المدن نتركها إلى الأبد، لكنها تظل حاضرة فينا، وبعض البيوت تُهدم، ومع ذلك يبقى بابها وممرها ورائحة غرفها أوضح في الذاكرة من أماكن نعيش فيها اليوم. وربما لهذا لا يكون السؤال الأجمل: أين عشنا؟ بل: أي الأماكن ما زالت تعيش فينا؟

***

إبراهيم السعدي

 

في المثقف اليوم