من وحي ندوة الفلسفة والحقيقة في أسفار أفلاطون
تلك الندوة الرائعة التي كرستها وحدة الدراسات الفلسفية بالمعهد العالمي للتجديد ل«قراءة كتاب د. خديجة زتيلي الموسوم ب الفلسفة والحقيقة في الرسالة السابعة لأفلاطون: عندما تعيد الأسفار تشكيل الذات وصوغ المعنى»، التي أدارها بكفاءة واقتدار رئيس الوحدة الدكتور بن شرقي بن مزيان، واختتمها مقررة الوحدة دكتورة ريم الدندشلي وقدمت ورقتها الرئيسة الدكتورة خديجة زتيلي، أكثر من مجرد قراءة في كتاب جديد عن أسفار أفلاطون"؟" حفزتني لاعادة تأمل معنى السفر في ضوء كتاب الفيلسوفة الأنجليزية ايميلي توماس استاذة الفلسفة في جامعة دورام البريطانية فضلا عن جرعة التغذية الراجعة التي منحتني ايها الندوة بشأن سؤال السفر والمسافرين وانا احدهم؛ سؤال يشغلني منذ زمن طويل ويتجدد كلما غادرت مكان مررت به إلى آخر ؟
خبرتي بالسفر ومداراته بينت لي أنه؛ السفر مجرد ليس انتقال الإنسان من مكان إلى آخر، كما توحي به التعريفات الجغرافية البسيطة، ولا هو مجرد استراحة من رتابة الحياة اليومية أو بحث عن المتعة واكتشاف الأمكنة. السفر، في معناه الأعمق، هو خروج الإنسان من دائرة المألوف إلى فضاء المختلف؛ خروج من المكان الذي اعتاد أن يرى العالم من خلاله إلى مكان يجبره على إعادة النظر في نفسه وفي العالم معًا.
وهذا هو ما فحوى كتاب إيميلي توماس «معنى السفر»، الذي يحاول أن يجعل من السفر موضوعًا فلسفيًا قائمًا بذاته، لا مجرد موضوع عرضي في تاريخ الفلسفة. فالكتاب لا يسأل فقط: لماذا يسافر الإنسان؟ وإنما يسأل سؤالًا أكثر عمقًا: لماذا كان السفر مهمًا للفلاسفة؟ وكيف أسهمت الفلسفة نفسها في تغيير الطريقة التي نسافر بها وننظر بها إلى العالم؟ (القافلة)
وربما كان كتاب خديجة زياني عن أسفار أفلاطون اضافة متميزة للمعرفة بشأن سفر الفيلسوف الذي اعتدنا أن نتخيله جالسًا في مكتبه، محاطًا بالكتب والمفاهيم، يظهر في هذا الكتاب بوصفه إنسانًا يمشي ويجوب الطرق ويعبر الحدود ويصطدم بالمجهول. فالفلسفة ليست دائمًا تأملًا ساكنًا؛ إنها قد تكون حركة أيضًا. وإذا كانت الفلسفة تبدأ بالدهشة، فإن السفر ربما يكون أحد أكثر الأفعال الإنسانية قدرة على إنتاج الدهشة؛ لأن المسافر يخرج من عالم يعرفه إلى عالم لا يعرفه وبهذا المعنى نفهم اسطورة الكهف في جمهورية أفلاطون بوصفها خروج من المكان المعتم الضيق إلى المكان المشرق المفتوح إذ إننا حين نبقى في المكان نفسه، لا نرى المكان بالضرورة؛ لأن الاعتياد يحول الأشياء إلى خلفية صامتة لوجودنا. البيت الذي نعيش فيه لا نراه كما يراه الغريب، والشارع الذي نعبره كل يوم يفقد شيئًا من غرابته، والمدينة التي نولد فيها تصبح جزءًا من بديهيات وعينا. ولذلك فإن السفر لا يضيف إلى الإنسان أمكنة جديدة فحسب، بل يعيد إليه القدرة على رؤية المكان القديم فحين نسافر، نكتشف أن ما كنا نعتقد أنه طبيعي ليس طبيعيًا بالضرورة، وأن ما كنا نراه بديهيًا ليس إلا عادة ثقافية. الطعام، والملابس، واللغة، وأنماط السلوك، والعلاقات الاجتماعية، وحتى مفهوم الزمن؛ كلها تبدو مختلفة عندما نعبر حدود المكان والثقافة. وهنا يصبح السفر تجربة فلسفية في نقد المركزية: مركزية الذات، ومركزية الثقافة، ومركزية المكان الذي ننتمي إليه
وهذا هو ما اشترت اليه في الحلقة الاولى فيما اسميته بالآخر مرآة الذات
إذ قد يعيش الناس عشرات أو مئات السنين في بعض الحالات دون أن يتمكنوا من إختراق الحجب والأقنعة التي تحول دون وعيهم لذاتهم وللآخرين، فالذات إذا ما تركت لذاتها دون خبرة التفاعل والإحتكاك المباشر بالآخرين تظل عمياء ساذجة وفطرية غير واعية لذاتها وغير مدركة لهويتها التي تميزها عن هوياتهم المختلفة إذ بأضدادها تتمايز الأشياء. والطريق الوحيد لتحقيق كشف المحجوب في عمليات الذات والآخر لا يتم إلا بالإحتكاك والتفاعل المتبادل بين الفاعلين الاجتماعيين في أثناء الممارسة الحياتية وتغذيتها الراجعة في سياق تفاعلي مقارن، فرصد الآخرين وتأويلهم هو الوسيلة الممكنة في فهم الذات؛ فالآخر هو دائماً مرآة الذات ومبعث هويتها ولعل هذا هو ما يفسر اهتمام الفلاسفة بالسفر في مختلف العصور ففي النهضة؛ عصر الكشوف الجغرافية كان اكتشاف الآخر اكتشافًا لحدود الذات الأوروبية، وإن لم يؤدِّ ذلك دائمًا إلى الاعتراف بالآخر. وهنا ينبغي ألا نقرأ تاريخ السفر قراءة رومانسية؛ فالسفر الذي وسّع أفق المعرفة الإنسانية كان في الوقت نفسه جزءًا من تاريخ الاستعمار والسيطرة ورسم الخرائط وإعادة تقسيم العالم. فالخريطة ليست بريئة دائمًا، والسفر ليس بريئًا دائمًا.
كان المستكشف الأوروبي يعبر البحار بحثًا عن المجهول، بينما كان الإنسان الواقع في الطرف الآخر من الخريطة يُكتشف بوصفه موضوعًا للمعرفة والسيطرة. ومن ثم فإن فلسفة السفر ينبغي ألا تتوقف عند جمال الرحلة، بل عليها أن تسأل أيضًا عن السياسة الكامنة وراءها: من يسافر؟ ومن يُمنع من السفر؟ من يملك جواز المرور؟ ومن يتحول إلى مهاجر أو لاجئ أو غريب غير مرغوب فيه؟
المفكر العربي الفلسطيني إدوارد سعيد في كتابه المهم (الاستشراق؛ المعرفة السلطة الإنشاء ١٩٨١) الاستشراق من حيث هو الأسلوب الغربي للتعرف على الشرق وبحثه ودراسته وفهمه وتصوره وتشكيله واختلاقه وتمثيله وترويضه وإحكام السيطرة عليه وامتلاكه. إذ هو حصيلة خبرة تاريخية متراكمة لشبكة واسعة من الممارسات والعلاقات الثقافية والحضارية والمدنية، بين الشرق والغرب، بين الأنا والآخر، بين نحن وهم. هذه العلاقة التي نمت وتطورت عبر التاريخ في مسارات متقاطعة من الفهم وسوء الفهم، والشدة واللين، والحوار والصدام، والسلم والحرب، والندية والتبعية، والتكافؤ والهيمنة، والقوة والضعف، والتحدي والاستجابة، وغير ذلك من تجليات التوتر والاضطراب في جدل التماس والصراع بين الشرق والغرب، بين القوة والضعف منذ الاستشراق الأول المحمول على رؤوس الحروف الإغريقية الأكاديمية، حتى الاستشراق الأخير المحمول على رؤوس الصواريخ البالستية الأوروأمريكية. لأنها تحتاج إلى تبويب المراحل الثلاث بعدها ....ويمكن من ذلك تمييز ثلاث مراحل أساس لتطور الاستشراق. وهكذا غدت العلاقة بين الغرب والشرق، علاقة بين ذات فاعلة وموضوع منفعل، بين من يرى ويتأمل ويكتب ويفسر وبين من يبُسط موضوعاً للرؤية والتصنيف والتقييد والحكم بين المستشرق الآتي من بلاد الغرب المزدهر، والشرق المتخلف الضعيف العاجز الذي ينتظر من يؤخذ بيده ويحييه، وهذا ما عبر عنه المستشرق الألماني (لودفيغ هيرمان فون) بعد زيارته للجزائر وتونس عام 1835 بقوله: "إنهم يتحلون أكثر مَنا بمظهرهم وسلوكهم بهيبة الإنسان الفطري، ويفوقوننا من حيث السجايا البدائية، لكنهم لظروف معينة ظلوا جاثمين عند أول درجة من سلم الحضارة، بالنسبة لغرائزهم الطبيعية التي لا يتورعون عن إشباعها بفظاظة بل قل بوحشية رغم رقة شمائلهم.. أصبحوا جنساً منتكساً قاصراً عن تحقيق أي نوع من النهضة أو عن بعث أي ضرب من ضروب الحضارة، ولا سبيل لحضارة إليهم إلا إذا أُخضِعوا لهيمنة المسيحيين". ويتساءل بكامل الدهشة، كيف يمكن لمملكة تونس أن تصبح لو آلت إلى الأوربيين من ذوي الخبرة والاجتهاد، إن في وسع هذه البلاد الخصبة أن توفر العيش والنعمة لستة أضعاف عدد سكانها، وينتهي إلى التصريح برغبته في حكم البلاد والعباد معلناً: "إنه ليس هناك مهمة أنبل وأجمل من تنصيبه من قبل القوى الأوربية إثر انهيار الإمبراطورية العثمانية ملكاً على شمال إفريقيا من حدود المغرب الأقصى إلى حدود برقة، وذلك إشفاقاً منها على هذا الربع المهمل.. ويضيف وسينجح في تسخير كل حياته لتكوين البدو وترويض شعوب القبائل، وتسوية أوضاع أهالي المدن من المسلمين وفي حكم الجميع بقبضة من حديد.. وبتحقيق هذا العمل فإن هذا الأمير يصبح مؤهَّلًا لكي تطلق عليه أجيال الحاضر والمستقبل لقب (المحيي) إذ يكون أجدر به من نابليون" (بنظر، علي شلق، كارل بروكلمان والاستشراق، مجلة الاجتهاد، بيروت العددان (٥٠ - ٥١) صيف ٢٠٠١) على هذا النحو تنتج القوة المعرفة التي تسوغها وتقويها وتعزز مواقعها ولا يهمها ما إذا كانت هذه المعرفة حقيقية أم باطلة. لأنها معنية بإنتاج ذاتها وإعادة إنتاج حقيقتها هي، وعلى هذا لم يكن بمقدور الاستشراق أن يأتي تعبيراً صادقاً عن الشرق بقدر ما كان تعبيراً عن الشرق كما يراه الغرب، أي الشرق المستغرب. وهذا ما أدركه مؤخراً بعض المستشرقين أمثال الإنجليزي (مايكل كاريدرس) فقد أشار في كتابه (لماذا ينفرد الإنسان بالثقافة؟) إلى أنه "بات لزاماً على علماء الأنثروبولجيا والمستشرقين عموماً أن يعملوا للتغلب على افتراضاتهم هم وعلى حكمتهم التي اكتسبوها، وعلى نظراتهم التي حددتها لهم ثقافاتهم، وذلك بغية الوصول إلى فهم واضح قدر المستطاع، لنظرة أولئك الذين يتخذونهم موضوعاً لدراستهم وأصبحت القاعدة البديهية: "إذا كنا نقرأ في نفوس الآخرين دوافعنا وفهمنا فكيف لنا أن نفهم دوافعهم وفهمهم؟. إن من طبيعتنا أن نتبنى نظرة وموقفاً من حيث علاقتنا بالآخرين ومن ثم فإن هذه النظرة تتأثر لزوماً بأسلوب الحياة الذي نشأنا عليه منذ الميلاد" (ينظر، قاسم المحبشي، فلسفة التاريخ في الفكر الغربي المعاصر، صنعاء ٢٠٠٦)
فليس كل من قطع آلاف الكيلومترات مسافرًا بالمعنى الفلسفي، كما أن الإنسان قد يسافر بعيدًا دون أن يغادر مكانه فكريًا. يمكن للسائح أن يحمل معه وطنه بالكامل، بلغته وعاداته وأحكامه المسبقة، وأن يرى العالم الجديد من خلال مرآة القديم وربما كان الفرق بين السائح والمسافر ليس في المسافة التي يقطعها، وإنما في درجة انفتاحه على المختلف؛ السائح يبحث غالبًا عن العالم الذي يتوافق مع توقعاته؛ أما المسافر الحقيقي فيسمح للعالم بأن يغيّر توقعاته فالإنسان يسافر وهو يحمل خريطة ذهنية للعالم، ثم يكتشف أن العالم أكثر تعقيدًا من الخريطة. وما نعتقد أننا نعرفه قبل الرحلة قد لا يبقى كما هو بعدها. بهذا المعنى، السفر يشبه التجربة العلمية: نخرج بفرضيات عن العالم، ثم نصطدم بالواقع، فنضطر إلى تعديلها.
لكن السفر لا يختبر معرفتنا فقط، بل يختبر هويتنا أيضًا.
في الوطن، تبدو الهوية أمرًا مستقرًا؛ أما في الخارج فإنها تصبح أكثر وضوحًا. هناك نكتشف أننا لسنا مجرد «أنا»، وإنما «أنا» تحمل لغة وذاكرة وعادات وتاريخًا. الغربة تجعل الهوية مرئية. وربما لهذا السبب يكون السفر أحيانًا تجربة وجودية مؤلمة؛ لأن الإنسان يفقد مؤقتًا شبكة المعاني التي كانت تحيط به وتحميه.
وهنا يصبح الخوف جزءًا من فلسفة السفر كما اشرنا في مكان سابق . فالخوف من المجهول ليس عيبًا في الرحلة، بل أحد شروطها. وتشير توماس إلى العلاقة بين السفر والخوف، مستحضرة كامو، حيث يصبح الخوف نفسه جزءًا من قيمة السفر؛ لأن الإنسان حين يبتعد عن مألوفه يكتشف هشاشته واعتماده على ما يعرفه فالإنسان لا ينفتح على العالم لأنه شجاع تمامًا، وإنما لأنه يتعلم كيف يعيش مع قدر من عدم اليقين.
ورغم انكماش الزمان والمكان في عالمنا المعاصر، حيث أصبحت الطائرات والخرائط الرقمية ومحركات البحث تسهل معرفة العالم بحيث يبدو قريبًا ومكشوفًا، بما يجعلنا نظن أن السفر فقد شيئًا من معناه القديم. لكن المفارقة أن العالم، رغم سهولة الوصول إليه، لم يصبح بالضرورة أكثر فهمًا. يمكننا اليوم أن نرى آلاف الصور لمدينة لم نزُرها، وأن نعرف أسماء شوارعها وفنادقها ومتاحفها قبل الوصول إليها، لكن المعرفة الرقمية لا تلغي تجربة الحضور فالصورة لا تحمل رائحة المكان، والخريطة لا تمنحنا ارتباك الطريق، والمعلومة لا تستطيع أن تحل بالكامل محل المفاجأة. ولذلك يبقى السفر الحقيقي هو الانتقال من المعرفة عن الشيء إلى تجربة الشيء.
في الختام، يتجاوز السفر الحديث فكرة الانتقال الجغرافي ليصبح تجسيدًا صارخًا لما وصفه زيجمونت باومان بـ «الهجرة السائلة» و«الحداثة السائلة». إن الانتقال من سؤال «ماذا يفعل السفر بنا؟» إلى «ماذا نفعل نحن بالأماكن؟» يعكس تحول السفر من تجربة صلبة ومستقرة إلى ممارسة استهلاكية عابرة، تتسم بالسيولة والهشاشة والأنانية الفردية. فالسياحة المفرطة وتحويل الثقافات والمدن إلى سلع جاهزة للاستهلاك الفوري يثبتان أن السفر المعاصر بات مدفوعًا برغبات الفرد السائل الذي يستهلك الأمكنة دون الالتزام بمسؤولية أخلاقية تجاهها.
هنا تتحول فلسفة السفر إلى اختبار للمسؤولية الأخلاقية في عالم سائل. السفر الحقيقي ليس استهلاكًا سريعًا للمكان أو تحويل الآخر إلى مجرد «نسخة سياحية» لإرضاء رغباتنا المتغيرة، بل هو تفكيك لـ «اليقينيات الصلبة» التي تسكننا. إن السفر، في ضوء رؤية باومان، هو حركة مستمرة في الوعي والهوية؛ حيث لا يسافر الإنسان للوصول إلى جغرافيا جديدة، بل للهروب المؤقت من نسخته القديمةوالتملص من ثباتها.
بناءً على ذلك، فإن أجمل أنواع السفر ليس عبور القارات، بل السفر السائل عبر الأفكار. إن الرحلة الحقيقية لا تقاس بالكيلومترات، بل بمدى قدرتها على تسييل قناعاتنا الصلبة، وتركنا أمام سيل من الأسئلة التي تعيد تشكيل رؤيتنا للعالم ولذواتنا.
***
ا. د. قاسم المحبشي








