عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

منير محقق: الدولة بين العقل التاريخي وإشكال الشرعية السياسية

قراءة فكرية في كتاب «مفهوم الدولة» لعبد الله العروي

تمهيد: الدولة كسؤال حضاري في الفكر العربي الحديث

يشكل مفهوم الدولة أحد أعقد الإشكالات التي واجهت الفكر العربي الحديث، ليس فقط بسبب تعدد تعريفاته، بل لأن ظهوره ارتبط بلحظة تاريخية شهدت انتقال المجتمعات غير الأوروبية إلى مواجهة نموذج سياسي مكتمل نشأ خارج سياقها التاريخي. ومن هنا لم يعد سؤال الدولة سؤالاً مؤسساتياً فحسب، بل تحول إلى سؤال حضاري يتعلق بكيفية إدراك المجتمع لذاته السياسية وحدود سلطته وتنظيم علاقته بالفرد.

ينطلق عبد الله العروي في كتابه مفهوم الدولة من هذه الإشكالية المركزية، حيث يسعى إلى تفكيك الغموض الذي يحيط بالمفهوم عبر مقاربة تاريخية-فلسفية تجمع بين التحليل المفهومي وتتبع تشكل الدولة في التجربة الغربية ومآلاتها داخل المجال العربي المعاصر. فالكتاب لا يقدم تعريفاً جاهزاً للدولة بقدر ما يحاول الكشف عن الشروط الفكرية والتاريخية التي جعلت الدولة الحديثة ممكنة الوجود.  (العروي، 2006).

ويؤكد العروي أن صعوبة تحديد مفهوم الدولة تعود إلى كونها ظاهرة متعددة الأبعاد، تتقاطع فيها المقاربات القانونية والاجتماعية والفلسفية والتاريخية، الأمر الذي يجعل كل تعريف جزئياً بالضرورة، لأنه يعكس زاوية نظر محددة دون غيرها.

أولاً: نظرية الدولة الإيجابية.. الدولة كحل للتناقض الإنساني

يرى العروي أن النقاش الفلسفي حول الدولة تأسس تاريخياً على تصورين كبيرين، يعكسان رؤيتين مختلفتين لطبيعة الإنسان والمجتمع. ولتوضيح ذلك يعود إلى التراث الفلسفي منذ أفلاطون وصولاً إلى هيغل، باعتبار هؤلاء شكلوا الأساس النظري للفكر السياسي الحديث.

فالتصور الأفلاطوني للدولة يقوم على فكرة تجاوز التناقض القائم داخل الإنسان بين العقل والشهوة، حيث تُفهم الدولة باعتبارها تنظيماً أخلاقياً يهدف إلى تحقيق الانسجام بين الفضيلة والرغبة داخل الجماعة السياسية . غير أن العروي يرفض اختزال التناقض في العلاقة بين الدولة والمجتمع فقط، مؤكداً أن التوتر الحقيقي يوجد داخل الفرد نفسه، وأن الدولة ليست سوى صيغة تاريخية لمحاولة ضبط هذا التناقض الإنساني الدائم.

ومن هنا تصبح الدولة، في بعدها الإيجابي، إطاراً عقلانياً يسمح بتحويل الصراع الداخلي إلى نظام اجتماعي قابل للاستمرار، لا مجرد جهاز قمعي أو تنظيمي.

ثانياً: هيغل وإعادة تأسيس مفهوم الدولة

يمنح العروي مكانة مركزية للفلسفة الهيغلية، باعتبارها لحظة حاسمة في تطور مفهوم الدولة. فالدولة عند هيغل ليست مؤسسة خارج المجتمع، بل تجسيد للعقل التاريخي ذاته، حيث تتوحد الأخلاق والقانون والتاريخ داخل بنية سياسية واحدة.

ويؤكد هيغل أن الفرد لا يحقق حريته خارج الدولة، بل داخلها، لأن الدولة تمثل الشكل الأعلى لتنظيم الإرادة الجماعية. ولذلك فإن أي تناقض جذري بين الفرد والدولة يعني، في المنظور الهيغلي، خللاً في تحقق الدولة نفسها.

غير أن العروي لا يتبنى هذا التصور دون نقد، بل يبرز كيف أدى التجريد الهيغلي إلى تبرير الواقع السياسي القائم، وهو ما دفع ماركس لاحقاً إلى قلب المعادلة واعتبار الدولة نتاجاً للبنية الاجتماعية والاقتصادية لا تجسيداً مطلقاً للعقل.

ثالثاً: الدولة بين خدمة الفرد والسيطرة عليه

يطرح العروي هنا سؤالاً محورياً:

هل الدولة غاية في ذاتها أم وسيلة لخدمة الإنسان؟

يناقش هذا السؤال عبر ما يسميه «المقالتين» الفلسفيتين:

أولا. المقالة الأولى (الدولة الأخلاقية)

ترى أن الدولة شرعية عندما تخدم الفرد وتساعده على تحقيق غاياته الإنسانية العليا، أما الدولة التي تتجاهل الفرد فتفقد مبرر وجودها الأخلاقي.

ثانيا. المقالة الثانية (الدولة الطبيعية)

تنظر إلى الدولة باعتبارها ظاهرة ناتجة عن الاجتماع الطبيعي، أي نتيجة تطور التعاون الإنساني لتلبية الحاجات المادية والمعرفية للأفراد.

ومن خلال هذا التحليل يصل العروي إلى فكرة أساسية مفادها أن الدولة الصالحة لا تتعارض مع المجتمع، بل تتطابق مع حاجاته، لأن وظيفتها الأساسية هي خدمة الوجود الاجتماعي الطبيعي للفرد.

رابعاً: الدولة الحديثة كأداة عقلنة المجتمع

يعتبر العروي أن الدولة الحديثة ليست مجرد استمرار تاريخي للدول التقليدية، بل قطيعة نوعية معها. فهي تقوم على:

البيروقراطية العقلانية

توحيد القانون

التعليم الحديث

الاقتصاد الإنتاجي

الإدارة المركزية المنظمة

وهي عناصر تشكل مجتمعة أدوات عقلنة المجتمع وتحويله إلى بنية سياسية حديثة قائمة على النظام والفعالية والتجربة.

ولهذا يستعين العروي بنموذج ماكس فيبر القائم على المقارنة بين الدولة الإيجابية والدولة السلبية، حيث يسمح النموذج المثالي بإبراز آثار حضور المؤسسات العقلانية أو غيابها داخل التجربة التاريخية.

خامساً: المفارقة العربية — دولة بلا نظرية

يصل العروي في تحليله إلى خلاصة نقدية عميقة مفادها أن الدولة العربية المعاصرة تعيش مفارقة تاريخية؛ فهي تمتلك جهازاً سلطوياً قوياً، لكنها تفتقد الأساس النظري الذي يمنحها الشرعية التاريخية والفكرية.

فالواقع العربي يجمع بين نمطين متناقضين:

تنظيمات حديثة عقلانية،

وبنية سلطانية تقليدية في الوقت نفسه،

وهو ما أدى إلى انفصال بين الجهاز السياسي والقيمة التاريخية للدولة، وبالتالي غياب نظرية متماسكة للدولة في الفكر العربي الحديث.

خلاصة تركيبية

تكشف قراءة العروي لمفهوم الدولة أن الإشكال الحقيقي لا يكمن في بناء المؤسسات بقدر ما يكمن في بناء الوعي التاريخي بالدولة. فالدولة ليست جهازاً إدارياً فقط، بل تعبير عن تحول عميق في علاقة الإنسان بالسلطة والعقل والتاريخ. ومن دون هذا التحول تظل الدولة بنية ناقصة، مهما بلغت درجة تنظيمها المؤسسي.

***

بقلم د. منير محقق.

...................

المراجع

العروي، عبد الله. (2006). مفهوم الدولة. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

بقلم د. منير محقق. كاتب وناقد وباحث في الأدب والفكر والتاريخ