عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءة في كتاب

قاسم المحبشي: سيكولوجية التوحش وتقنينها بالفصل بين السلطات والايديولوجيات

من وحي كتاب فيلسوف التحليل النفسي، ديفيد سميث (صناعة الوحوش: كيف يُجرَّد البشر من إنسانيتهم؟

ثمة سؤال مرعب يلاحق تاريخ الانسانيه منذ أن رفع قابيل يده على أخيه هابيل فقتله: كيف يستطيع الإنسان أن يقتل إنساناً آخر يشبهه؟ وكيف يستطيع، على نحو أشد رعباً، أن يعذب النساء والأطفال والشيوخ، وينتهك أجسادهم وكرامتهم، ثم يعود إلى بيته ليأكل وينام ويعيش حياته كما لو أن شيئاً لم يحدث؟

دلك هو السؤال الذي تصدى له ديفيد ليفينغستون سميث وهو فيلسوف وباحث أمريكي متخصّص في فلسفة العقل وعلم النفس الفرويدي، ويُعدّ من أبرز المفكرين الذين فككوا آليات العنف البشري. في كتابه البارز "صناعة الوحوش: كيف يُجرَّد البشر من إنسانيّتهم"، إذ كشف عن الجذور الثقافية والنفسية لظاهرة "التوحش وآلياتها ومخاطرها إذ أكد أن تجريد الآخر من إنسانيته وشيطنته وتحويله إلى "وحش" في الوعي الجمعي ليس مجرد استعارة بلاغية، بل عملية نفسية مُمنهجة تُستخدم لتبرير أشد الفظائع والجرائم وحشية عبر التاريخ.

الفكرة المركزية التي يدافع عنها سميث تبدو، للوهلة الأولى، بسيطة: لكي يستطيع الإنسان قتل إنسان آخر بدم بارد، لا بد أن يسلبه شيئاً من إنسانيته أولاً. غير أن أهمية الكتاب تكمن في أنه لا يكتفي بهذا التفسير الأخلاقي المباشر، بل يحاول تفكيك العملية الذهنية والثقافية والسياسية والنفسية التي يتحول من خلالها الإنسان إلى «آخر»، ثم إلى كائن أدنى، ثم إلى خطر، وأخيراً إلى وحش ينبغي التخلص منه.

وهنا يمكن النظر إلى الكائن البشري بوصفه حيوانا عاقلا تتنازعه،، قوتان متعارضتان: نزعة إلى السيطرة والقوة والإيذاء، ونزعة إلى الخضوع والشفقة والتضحية. ويمكن، على سبيل التقريب النفسي، تسمية الأولى بالنزعة السادية والثانية بالنزعة المازوكية.

ولا ينبغي أن نفهم السادية أو المازوكية هنا بمعناها المرضي الإكلينيكيّ . فالإنسان يحتاج في حياته الطبيعية إلى قدر من الحزم والقوة والقدرة على المواجهة والدفاع عن الذات والشجاعة والإقدام. كما أن الغضب والرفض والحمية والنجدة ليست كلها قيماً سلبية. إنها جزء من الطاقة الإنسانية الضرورية للحياة.

لكن هذه الطاقة حين تتضخم وتفقد ضابطها الأخلاقي والقانوني تتحول إلى قوة جامحة: حب للسلطة والتسلط، والقتل، والتوحش، والنهب، والاغتصاب، والإيذاء، والتلذذ بتعذيب الآخرين. وهنا نصل إلى المعنى المرضي للسادية، تلك التسمية التي ارتبطت باسم الكاتب الفرنسي الماركيز دي ساد، الذي تحولت كتاباته إلى رمز للمتعة التي يمكن أن يجدها بعض البشر في الألم الذي يوقعونه بضحاياهم.

السادي في أقصى حالاته المرضية هو ذلك الشخص الذي لا يكتفي بإيذاء الآخر لتحقيق مصلحة ما، بل يجد لذته في الألم ذاته، ويستمتع بصرخات الضحية وعجزها وخوفها.

وعلى الطرف الآخر نجد المازوكية. ففي حدودها الطبيعية تتمثل في التواضع والرحمة والشفقة والحب والإيثار والرغبة في إسعاد الآخرين والتضحية من أجلهم. وهي أيضاً طاقة إنسانية ضرورية، إذ لا يمكن قيام مجتمع إنساني من دون التعاطف والتعاون والقدرة على تقديم مصلحة الآخر أحياناً على المصلحة الذاتية.

لكن هذه النزعة بدورها قد تنقلب إلى حالة مرضية عندما يتحول الإنسان إلى عاشق دائم لدور الضحية، أو يجد متعته في الذل والإهانة والخضوع والتعذيب. وقد نرى ذلك في علاقة العبد بسيده القاسي، أو في بعض العلاقات الأسرية العنيفة التي يقبل فيها الضحية استمرار الإهانة، أو في علاقة بعض الأتباع بزعاماتهم حين يصل الولاء إلى درجة تقديس القائد وتحمل الإذلال من أجله.

وهكذا تقف الشخصية الإنسانية السوية في منطقة وسطى بين طرفين مرضيين: السادية المتوحشة والمازوكية المستسلمة. الإنسان السوي يحتاج إلى قدر من القوة كي يدافع عن نفسه، وقدر من الرحمة كي لا يتحول إلى جلاد. يحتاج إلى القدرة على الرفض، كما يحتاج إلى القدرة على الحب. يحتاج إلى الشجاعة، لكنه يحتاج أيضاً إلى التواضع.

مشكلة تبدأ حين يفقد الإنسان هذا التوازن بين الغضب والشفقة بين المقاومة والاستسلام بين الطغيان والاحتقار. بين التوحش والتحضر .

اعتدنا أن ننظر إلى التاريخ بوصفه قصة انتقال الإنسان من الوحشية إلى الحضارة، ومن الغابة إلى المدينة، ومن العنف إلى القانون. لكن التاريخ الحديث يقدم لنا صورة أقل تفاؤلاً. فالحضارة نفسها، بكل ما أنجزته من علوم وتقنيات ومؤسسات، كانت أيضاً مسرحاً لأكبر عمليات الإبادة المنظمة في التاريخ كما نشاهده كل يوم .

فحين نسمي جماعة ما «حشرات» أو «جرذان» أو «أفاعي» أو «خونة» أو «شياطين»، قرود او خنازير أو أي صفه تجعلهم في وضع ادنى مننا فإننا لا نمارس مجرد استعارة لغوية بريئة، بل نبدأ في إعادة تشكيل العالم الأخلاقي الذي نعيش فيه. فالإنسان الذي يتحول في الوعي الجمعي إلى حشرة يمكن إبادته، والذي يتحول إلى مرض يمكن استئصاله، والذي يصبح شيطاناً يصبح قتله عملاً من أعمال الفضيلة.

من هنا تتطلع رؤوس الشرور كلها إذ يكمن خطر الأيديولوجيا في قدرتها على تحويل الاختلاف الطبيعي بين البشر إلى انقسام وجودي بين الخير والشر، وبين الطهارة والنجاسة، وبين الإيمان والضلال، وبين الإنسان واللا إنسان. فالأيديولوجيا لا تكتفي بتقديم تفسير للعالم، بل تصنع للجماعة صورة عن ذاتها وصورة مضادة عن الآخرين؛ تحدد من نحن، ومن هم، ومن يستحق الحقيقة والخلاص، ومن يمثل الشر والتهديد. وتبدأ الكارثة حين يصبح إثبات الذات مشروطاً بنفي الآخر، وحين لا يعود المختلف مجرد إنسان يحمل رأياً مغايراً، بل يتحول في الوعي الجمعي إلى عدو للحقيقة والمقدس والوطن أو الأمة. هنا تبدأ عملية «صناعة الوحوش»، حيث تسبق اللغةُ السلاحَ، ويُقتل الإنسان رمزياً في الخطاب قبل أن يُقتل جسدياً في الواقع. والأخطر من ذلك كله هو العنف حين يكتسب شرعية مقدسة؛ لأن الإنسان قد يتردد في قتل إنسان مثله، لكنه لا يتردد كثيراً في القضاء على شيطان أو وحش يعتقد أن وجوده يهدد الخير نفسه. وعند هذه النقطة يتحول القتل من جريمة إلى واجب، ومن فعل وحشي إلى فضيلة، ومن عدوان إلى تضحية مقدسة. إن الأيديولوجيا المقدسة تمنح الإنسان أخطر أنواع البراءة الزائفة: براءة القاتل الذي لا يرى نفسه قاتلاً، لأنه مقتنع بأنه يؤدي رسالة سامية. وهكذا تحتاج الجماعات المتعصبة دائماً إلى اختراع وحش خارجي تحمل عليه مخاوفها وعيوبها وفشلها، كي تحافظ على صورة نقية ومثالية عن ذاتها. وكلما ازدادت قداسة الفكرة، ازدادت خطورة العنف الذي يمكن أن يُرتكب باسمها. فالتاريخ يعلمنا أن الوحوش لا تولد دائماً من الطبيعة البشرية، بل كثيراً ما تصنعها الكلمات، وتربيها الأيديولوجيات، ثم تأتي الأسلحة لتبحث عنها في الواقع.

ومن هنا كان تقنية الفصل بين السلطة السياسية والايديولوجيات المتنازعة هي افضل تقنية اكتشفها الإنسان لادارة المجتمع.

هنا تكتسب أطروحة سميث بعداً أكثر عمقاً. فالمشكلة ليست فقط في أن الإنسان قد يجرد الآخر من إنسانيته، بل في أن الإنسان نفسه قد يفقد إنسانيته عندما تختفي الحدود التي تضبط سلوكه فما أضعف الإنسان من دون مؤسسات عامة فاعلة؟ وما أخطره من دون قانون ونظام عام ودولة عادلة مستقرة؟

وقد كشفت التجربة التاريخية أن البشر، عندما تنهار مؤسساتهم الرسمية وتضعف سلطة القانون، يمكن أن يتحولوا إلى ما هو أحط من الوحوش. ففي لحظات انهيار الدولة والحروب الأهلية والفوضى الكبرى، تظهر فجأة وجوه أخرى للإنسان. ينهب الجار جاره، ويقتل الصديق صديقه، وتتحول البيوت والشوارع إلى مسارح للعنف. حاولت الفنانة الصربية مارينا أبراموفيتش اختبار هذه الفكرة بطريقة صادمة في تجربتها الشهيرة «الإيقاع صفر». جلست الفنانة ست ساعات أمام الجمهور، ووضعت إلى جانبها عشرات الأدوات، بعضها بريء كالورد والريش والعطر، وبعضها الآخر خطير كالسكاكين والمقص والمسدس، وأعلنت أن للجمهور الحرية الكاملة في أن يفعل بها ما يشاء، على أن تبقى هي ساكنة لا تقاوم.

في البداية كان الجمهور لطيفاً. قدم لها البعض الورود، ولمسها آخرون برفق. لكن شيئاً ما بدأ يتغير مع مرور الوقت. تحولت الحرية إلى اختبار للقوة، وتحول جسد المرأة الصامتة إلى موضوع يمكن العبث به. بدأت الاعتداءات، ثم التحرش، وتمزيق الملابس، وإحداث الجروح، حتى وصل الأمر إلى تهديد حياتها وحين انتهى العرض وبدأت مارينا تتحرك نحو الجمهور بوصفها إنسانة فاعلة لا جسداً ساكناً، بدأ كثير من المتفرجين بالهرب كأنهم لم يستطيعوا مواجهة المرأة التي ساهموا قبل لحظات في تحويلها إلى شيء. وهذا هو جوهر عملية التجريد من الإنسانية وانكشاف المتوحش في الذات البشرية. ولهذا يمكنا التأكيد إن القانون ليس اختراعاً بيروقراطياً لتقييد الإنسان فقط، بل هو أحد أعظم الإنجازات الحضارية لحماية البشر من بعضهم بعضاً. نحن لا نحتاج القانون لأننا ملائكة، بل لأننا بشر، ولأن في داخل كل واحد منا إمكانية للخير وإمكانية للشر.

فالدولة العادلة والمؤسسات المستقلة والقضاء والقانون ليست ترفاً سياسياً، بل هي حواجز حضارية تحول دون انفلات الجانب المتوحش في الإنسان.

ومن التجارب العلمية المهمة في كشف الطبيعة المتوحشة للإنسان حينما يمارس بعض الأدوار تجربة سجن ستانفورد، التي أجراها عالم النفس فيليب زيمباردو عام 1971، عن جانب آخر من هذه الحقيقة. فقد تم توزيع مجموعة من المتطوعين بصورة عشوائية بين أدوار الحراس والسجناء في بيئة تجريبية تحاكي السجن. ولم يمض وقت طويل حتى بدأ الذين منحوا دور الحراس يتصرفون بقسوة وعدوانية، في حين بدأ السجناء يعانون الإذلال والقلق والاكتئاب.

مما اضطر القائمون على التجربة إلى إيقافها قبل موعدها بسبب تصاعد السلوك العنيف فحين تمنح إنساناً سلطة مطلقة على إنسان آخر، وتزيل الرقابة، وتمنحه لباس السلطة ورموزها، فقد يبدأ في التصرف بوصفه السلطة ذاتها. وحين تجرد إنساناً من اسمه وتحوله إلى رقم، يصبح من السهل على الآخرين نسيان أنه شخص له كرامة وحقوق وهذا ما يلتقي بصورة عميقة مع أطروحة سميث. فالتجريد من الإنسانية لا يحدث فقط بالكلمات العنصرية، بل يحدث أيضاً عبر المؤسسات والأدوار والرموز. السجين يصبح رقماً، والعدو يصبح هدفاً، واللاجئ يصبح رقماً في تقرير، والضحية تصبح إحصائية.

إن تجربة مارينا أبراموفيتش وتجربة سجن ستانفورد وكتاب «صناعة الوحوش» تلتقي جميعاً عند سؤال فلسفي واحد: ماذا يفعل الإنسان عندما يشعر أن بإمكانه فعل أي شيء؟

الإنسان ليس ملاكاً سقط من السماء، ولا شيطاناً خرج من الجحيم. إنه كائن متناقض. فيه القدرة على الحب والرحمة كما فيه القدرة على القتل والتدمير. يستطيع أن يضحي بحياته لإنقاذ غريب، كما يستطيع أن يقتل جاره بسبب اختلاف في الدين أو العرق أو السياسة.

ولهذا فإن الحضارة ليست عملية القضاء على الوحش داخل الإنسان، فذلك ربما مستحيل، بل هي عملية ترويضه وإخضاع القوة للقانون، والرغبة للأخلاق، والسلطة للمساءلة.

الحضارة هي ذلك الجهد الطويل الذي يمنع الإنسان من فعل كل ما يستطيع فعله.

ختاما: لعل أخطر ما يكشفه لنا كتاب «صناعة الوحوش» هو أن الوحش ليس كائناً غريباً يهبط علينا من عالم آخر، بل إمكانية كامنة في الإنسان نفسه، تستيقظ حين تتغذى على الخوف والكراهية والتعصب، وحين تُصنع صورة الآخر بوصفه عدواً أو نجساً أو خطراً يستحق الإقصاء. فالعنف لا يبدأ بالرصاصة، بل بالكلمة التي تنزع عن الآخر إنسانيته، وبالفكرة التي تبرر احتقاره، وبالصورة التي تمهد الطريق للقضاء عليه. ولذلك فإن أعظم مقاومة للعنف هي أن نتعلم الاختلاف دون إلغاء، والمعارضة دون تكفير، والدفاع عن الحقوق دون التخلي عن إنسانية الخصوم. فالإنسان الذي يجرد غيره من إنسانيته يبدأ، في اللحظة ذاتها، بتجريد نفسه منها. ومن هنا تصبح حماية الإنسان من الوحش الكامن فيه مسؤولية مشتركة بين التربية والثقافة والأخلاق والقانون والدولة. ويظل المعيار الحقيقي للتحضر هو قدرة الإنسان على ضبط قوته ورغباته: فالإنسان المتحضر ليس من يستطيع أن يفعل كل شيء، بل من يستطيع أن يفعل، ثم يختار، بدافع الضمير والعقل والمسؤولية، ألا يفعل. وهنا تحديداً تبدأ الإنسانية.

***

ا. د. قاسم المحبشي

في المثقف اليوم