قراءات نقدية
ياسين غالب: من فلم أناشيد آدم لعدي رشيد إلى رواية "طبل الصفيح" لغونتر غراس
الطفولة الأزلية
من خلال مشاهدتي للفلم في عرض خاص ضمن حدث مهرجان الفلم العربي في هلسنكي بنسخته الثانية للعام 2025، خرجت بهذا الانطباع النقدي للفلم ولمصدر فكرة الفلم. يقدّم الفيلم العراقي أناشيد آدم (عدي رشيد) والرواية الألمانية طبل الصفيح (غونتر غراس) نموذجًا متقاطعًا لشخصية استثنائية: طفل يرفض أن يكبر. في الحالتين، تلتقي رواية طبل الصفيح لغونتر غراس (1959) والفيلم العراقي أناشيد آدم لعدي رشيد (2025) عند فكرة محورية: الطفل الذي وقف خارج حركة الزمن، بينما تتحرك الأحداث من حوله، وينمو الكل ويشيخ ويموت، حتى الأوطان. هذه الثيمة تتحوّل في كلا العملين من حادثة غرائبية إلى أداة نقدية تكشف عن مأزق الفرد في مواجهة التاريخ الجماعي. يتحوّل توقف النمو من حادثة غريبة إلى رمز وجودي وتاريخي يكشف مأساة مجتمع بأكمله، والخوف من القادم بتغيراته الحادة القاطعة، في النسخة العراقية على الأقل. الرواية تسرد أحداث حياة أوسكار من منظور الطفولة، متتبعة تحولات عائلته والمجتمع المحيط، مع تصوير تأثير النازية على ألمانيا.
بينما كان سرد الفيلم أناشيد آدم بصيغة البالغين كالراوي العليم " المخرج هنا "في السرد الروائي. من خلال أفعاله الغريبة، يواجه أوسكار فساد المجتمع والسلطة، والحروب، والانقسامات الاجتماعية، ما يجعل طفولته رمزًا للرفض والاحتجاج الفردي.
يبدأ الفيلم العراقي في عام 1946، في العصر الملكي العراقي، ويتزامن مع الانقلابات في الخمسينيات ثم الستينيات، حيث يتجمد عمر آدم، حتى يصل بنا إلى زمننا الحالي مع اجتياح داعش غرب العراق وهروب الأهالي في 2015، مزامنة مع الموت الذي نرى ملامحه في كثير من المشاهد، والتي ظهرت بها الجثث منذ أول الفيلم حتى آخره، خاصة المشهد النهائي حين دفع آدم بجثة أخيه في قارب في النهار، حيث لا نهاية لجريان الزمن والماء، وحيث المجهول.
مثل دور أنكي الممثل الموهوب تحسين داحس، بينما مثل دور آدم الطفل عزام أحمد علي، بينما مثلت هدى شاهين دور إيمان "شابّة". ويعكس المخرج تغيرات الزمن بشكل مقنع على الشخصيات المرافقة: إخوة الطفل الذي لا يكبر، آدم وأنكي وعلي، ورفيقة طفولته إيمان. يسجل للفيلم نقاط عدة في الفريمات البصرية الفنية الممتعة، المضافة للمشاهدة، خاصة وأن البيئة الغربية الريفية والصحراوية تقدم خدمة مجانية في هذا الصدد للكاميرا. اللعب على الضوء والظل للدفع لفهم الجوانب النفسية كان موفقًا كذلك. مع هذا، فشل الفيلم في المحافظة على نسق واحد للهجة المناطقية، فجاءت بين البغدادية ولهجة أهل الغربية في خلطة غير متناسقة. التمثيل كان مقبولًا في فصول الفيلم، لكنه جاء فاتراً. كان كاست دور آدم غير موفق؛ كان تمثيله باردًا و"فلات " بلا مشاعر في سبعين بالمئة من الفيلم. مع هذا، كانت تجربة الفيلم جيدة، ينقصها الاختزال والتكثيف، وتقليل مدة زمن الفيلم، والتخلص من الكليشيهات السياسية التي دسّها المخرج في الحوارات، خاصة موضوعة مقتل عبد الكريم قاسم في 1963 ومناصرة الشارع الشيوعي له. و للدقة التاريخية والواقعية، فإن المناطق الغربية لم تكن متعاطفة مع قاسم، وكانت تميل للانقلابيين بحس قومي، وهو عكس ما تحدث به أحد الشخصيات المحورية في الفيلم. ولو كان الفيلم لا يستند لوقائع زمنية حصلت، فلماذا حشر المخرج هذا الحدث في الحوار؟
في أناشيد آدم، يولد التوقف عن النمو من خوف شخصي: الطفل آدم يرى جسد جده المسجّى فيغدو مشدودًا إلى أمنية ألا يشيخ. الأمنية تتحقق، لكن المجتمع يراها لعنة، فتغدو حياته استعارة عن العراق الذي لا يتجاوز جراحه ولا يشيخ ليكتسب الحكمة. أما في طبل الصفيح، فإن قرار أوسكار بالتوقف عند سن الثالثة كان فعل احتجاج سياسي وأخلاقي ضد عالم الكبار الملوّث بالنازية والزيف. يتماهى آدم الطفل في الفيلم مع أوسكار في الرواية، ولكن آدم أكثر ملائكية وسلبية؛ فلا هو يجيد الاعتناء بنفسه، ولا حتى يعرف لماذا يكبر الآخرون، بينما هو محبوس في جسد وعقل طفل. في مشهد على النهر، يحاول أنكي تعليم آدم مهارة شق بطن السمكة وتجهيزها للشوي، نرى مدى صعوبة هذا نفسيًا وجسديًا على الملائكي آدم. كلا العملين يستخدم الواقعية السحرية: آدم طفل عالق في الزمن، وأوسكار ككائن يملك قدرة صرخة تحطم الزجاج وطبلًا يحفظ طفولته. غير أن غاية الرمز تختلف؛ في الفيلم يشتبك مع ذاكرة العراق وتراجيدياته، بينما الرواية تفكك تورط المجتمع الألماني في النازية. بهذا المعنى، يتجاوز الطفلان فرديتهما ليصيرا مرآة تاريخية: آدم يمثل براءة العراق المعلقة في دائرة موت لا ينتهي، وأوسكار يجسد رفضًا لبلوغ مجتمعٍ غارق في خطيئة الماضي. إنهما إعلان مزدوج بأن الطفولة ليست ملاذًا، بل صرخة ضد الزمن والخراب.
***
كتب: ياسين غالب






