عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

بهيج حسن مسعود: قراءة في قصيده الأستاذة الشاعرة القاصة العراقية فوز حمزة

قالتْ: رأيتُكَ

قالتْ: رأيتُكَ مشغولًا بأبياتي

والشِّعرُ عندكَ موصولٌ بآهاتي

ما بالُ بيتِكَ لا معنىً يُساندُهُ

كالطيرِ في الأفقِ مقصوصِ الجناحاتِ

أرى قوافيكَ قد أُرعِشنَ عن هزلٍ

والبيتُ عندكَ مثخونُ الجراحاتِ

قلتُ: اعذريني، فبوحُ الحبِّ أكتمُهُ

وعنكِ في ذا الهوى أُخفي عذاباتي

شطري وحيدٌ، فلا عجزٌ يُتمِّمُهُ

والبحرُ عنديَ مقرونٌ بحسْراتي

أُساهرُ الليلَ، لا حرفٌ يُرافقني

والصبحُ في وجلٍ يمحو كتاباتي

قولي: أحبُّكَ، تأتي شمسُنا بغَدٍ

تُعانقُ البدرَ رقصًا بين نجماتِ

هذي حروفي، بخيطِ الشمسِ مغزلُها

علّي أُذيبُ بها ثلجَ الغياباتِ

بوحي بعطرٍ لأبياتي على خجلٍ

ليسطعَ الحرفُ في عمقِ اضطراباتي

لا تسألي، وجلًا، كيف اللقاءُ بنا

فالحلمُ يمحو بنا بُعدَ المسافاتِ

إلى لقاءٍ به نشدو قصائدَنا

نُحيي مواضيَ فيضٍ للملذّاتِ

نرجو العناقَ هوًى من بعد غربتِنا

عسى العناقُ يُزيلُ اليأسَ من ذاتي

أرتِّلُ الحبَّ كالآياتِ أكتبُهُ

وأحملُ الوجدَ في أبهى ابتهالاتي

أنا يمينُ الهوى، فاقسمْ بعِشرتِنا

أن تجعلَ الحبَّ نورًا للغدِ الآتي

***

تمهيد:

(حين يمسك الشاعر بالحرف بيدٍ وبالجرح باليد الأخرى، يولد نصٌّ حواريٌّ كالمرآة؛ الأنثى تسأل عن بيوت الشعر المكسورة، والرجل يردّ بأنّ البحر الشعري غريقٌ في الحسرات. بين هذين الصوتين تمتد هذه القراءة لترصد رمزية ما خفي، وصوراً جدّدت ماء البلاغة.)

القراءة:

 بين يدينا نصٌ حواري، لكن حواره ليس حوار كلامٍ عابر، بل حوار روحين تتقاذفهما المسافات وتلمُّهما القصيدة. الشاعرة فوز حمزة تبني نصها على مشهدٍ درامي صامت، تبدأه صوت الأنثى عاتباً متأملاً، ثم يرد صوت الشاعر/العاشق. لكن ما يبدو موقفاً غزلياً ينزاح سريعاً إلى ما هو أبعد: إلى ميتافيزيقا الكتابة، حيث يصير الشعر كياناً حياً يُجرح ويُقيَّد، وبيت القصيد بيتاً للروح.

لنبدأ من "البيت"؛ هذه المفردة تحمل انزياحاً دلالياً مزدوجاً يتوهج في مركز النص. حين تقول: "ما بال بيتك لا معنىً يُسَانِدهُ / كالطيرِ في الأفقِ مقصوصِ الجناحاتِ"، فهي لا تسأل عن مسكن، بل عن بيت الشعر نفسه. البيت الشعري هنا يصور طائراً محلقاً في الأفق لكنه مبتور الأجنحة، صورة بصرية تجديدية تستعير من عالم الطير هيبة التحليق لتُلبسها للقصيدة، وفي الوقت ذاته تجرد البيت من اكتماله. هذا التصوير المركب، حيث يصبح المجرد (المعنى) كائناً عضوياً له أجنحة تُقص، هو أحد ملامح التجديد في صور الشاعرة.

وتتعمق الصورة العضوية حين يصور "البيتُ عندكَ مثخونُ الجراحاتِ". الإثخان بالجراح فعلٌ حربي يُنقل إلى جسد القصيدة، فيمنح الحرف هشاشة الجسد البشري وقدرته على النزف. هذا الانزياح في الإسناد (إسناد الجراح للبيت الشعري) يخلق استعارة مكثفة تجعل النص كياناً يتألم، مما ينقلنا من النقد الأدبي الظاهري إلى مكاشفة وجدانية عن حال المبدع.

يرد صوت الرجل العاشق معترفاً بأن تقطيع أوصاله الشعرية كان مقصوداً: "شطري وحيدٌ، فلا عجزٌ يُتمِّمُهُ / والبحرُ عنديَ مقرونٌ بحسْراتي". هنا تشتغل الرمزية العروضية: الشطر والعجز هما نصفا البيت الشعري، فإذا غاب "العجز" بقي الشطر وحيداً مبتوراً، كما أن "البحر" الشعري (الوزن) لم يعد مجرد تفعيلات موسيقية، بل صار بحراً مائياً غارقاً في الحسرات، مقروناً بالوجد لا بالتفاعيل. هذا الربط بين بنية القصيدة التقنية ونبض القلب العاشق هو إحدى لآلئ النص التي تجدد التعبير عن المعاناة الإبداعية؛ فالكتابة هنا ليست نقصاً في الموهبة، بل وفاءٌ لفرط الحب، إذ "بوحُ الحبِّ" يُكتم فيصدأ الشكل الشعري وتنكسر أوزانه.

ثم تنكشف لنا ليلة الشاعر: "أُساهرُ الليلَ، لا حرفٌ يُرافقني / والصبحُ في وجلٍ يمحو كتاباتي". الليل هنا ليس زماناً فقط، بل فضاءً وجودياً مقفراً من الحروف، والصبح مُشخصنٌ في حالة وجل، يمحو ما كُتب بوصفه رقيباً خائفاً لا مُشرقاً، انزياح عاطفي يعكس قلق المبدع الذي يشعر أن الضوء ذاته يتآمر على نصوصه. هذه الصورة تُبرز جِدَّة الطرح: الإشراق المعتاد صار محواً مذعوراً، فالمألوف الشعري (الصبح رمز الأمل) يُقلَب ليخدم رؤيةً مأساوية.

ويأتي الانفراج الرمزي عبر فعل القول: "قولي: أحبُّكَ، تأتي شمسُنا بغَدٍ / تُعانقُ البدرَ رقصاً بين نجماتِ". لا تكتفي الشاعرة بصورة اللقاء، بل ترسمه كونيّاً. الشمس والبدر في عناقٍ راقص، والمكان بين النجمات، فالعشق يتجاوز الذاتي إلى مجرَّات، في صورة بالغة الحركية والضوء، تتسق مع المنحى الصوفي الكامن في النص.

ويتصاعد هذا المنحى في صورة كتابة الحب بآلية كونية: "هذي حروفي، بخيطِ الشمسِ مغزلُها / علّي أُذيبُ بها ثلجَ الغياباتِ". الحروف تُنسَج بخيط الشمس في مغزل كوني، صورة استثنائية في بنائها تدمج ضوء النهار بفعل الغزل الأنثوي المقدس. والغاية سامية: إذابة "ثلج الغيابات"، حيث البرودة والغياب والفقد تتحول إلى مادة صلبة يُراد تذويبها بشمس الحرف. هذا التركيب البلاغي الذي يزاوج بين الملموس (الثلج) والمجرد (الغياب) يخلق ما يشبه المعادل الموضوعي لبرودة البُعد ووطأة الانتظار.

وفي الإيقاع الختامي يتكشف البعد التعبدي: "أرتِّلُ الحبَّ كالآياتِ أكتبُهُ / وأحملُ الوجدَ في أبهى ابتهالاتي / أنا يمينُ الهوى، فاقسمْ بعِشرتِنا / أن تجعلَ الحبَّ نوراً للغدِ الآتي". هنا يبلغ الانزياح ذروته: ترتيل الحب كتابةً، تحويل النص إلى آيات وجدانية، وحمل الوجد ابتهالاً. والأخطر أن الشاعرة تنتصب "يمين الهوى" وتطلب من الآخر أن "يقسم" بعشرتهما، فالحب ميثاق، والقصيدة قسم. هذا التداخل بين الشعيرة الدينية والتجربة العاطفية يخلق جمالية خاصة تتجاوز الغزل إلى ما يشبه الصلاة بالحب.

ختاماً، النص يكتب ذاته من داخل نقد الذات الشعرية. الحوار بين "هي" و"هو" ليس مجرد عتاب غرامي، بل هو حوار بين القصيدة وشاعرها، بين المعنى والجرح. فوز حمزة تقدم نصّاً تتشابك فيه الرمزية العروضية بالرمزية الوجدانية، وتُنتج انزياحات تحول المصطلح الشعري (بيت، شطر، عجز، بحر) إلى أيقونات للنفس التواقة، في إطار صور شعرية مركبة: طائر مقصوص الجناح، بيت مثخن بالجراح، ثلج الغيابات يذوب بمغزل الشمس، وبدر يُعانق الشمس بين النجوم. بهذا تؤكد أن القصيدة، حين تصدق معاناتها، تخلق أساطيرها الخاصة، وتسير على خيط الشمس من غياب مؤلم إلى نور الغد المأمول.

***

بهيج حسن مسعود