عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

سعيد جمال الدين: حول الشعر العراقي المعاصر.. شاعرتان وشاعران

بعد اطلاعنا على الحركة الشعرية العربية العراقية التي ينصرف فيها الشعراء إلى قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر وقع اختيارنا على أربعة من مجايلينا شاعرين وشاعرتين الشاعران هما طارق الحلفي وهو عراقي بصري يعيش في ألمانيا، والشاعر عادل الحنظل الذي يعيش في السويد، أما الشاعرتان فهما إنعام كمونة وتكتب قصيدة النثر وهي تعيش في بغداد، والشاعرة العراقية ذكرى لعيبي، وسوف أبدأ بهما أولا.

إنعام كمونة

للسيدة إنعام كمونة تجارب نثرية تمتاز بالقوة والسبك يمكن أن نطلق على تجربتها تلك النثر المدوّر كالنص التالي:

inam khamona

أمي: لم تخني رؤياي حين انتبذت هامات القدر فخامة لقاء باكي، استقبلتك أحداق العرش بنثير اللؤلؤ ملأ محياك، وانحنت أغصان طوبى لظلال ثراك هناك التفعكِ قبس تراتيل الهمس لمعان نجوم بعرسها البهي، وانبلاج دوارق الشهب هملى، تماهى بعطر انسكابها قداس أقدامك، فنقش أنين القمر أسمك فيروزا على قطيفة النجوم وكحل روحك جبينا لخجل الشمس، فصدح رونق صباح الوداع رعشة حواس خاوية بسخاء دمعتي، تبتهل الأماني موج يمام لأعشاش سلام، وما زال فرعك الطري يغشاه الذبول رويدااا .. رويدا ليورق نسغ اللقاء .

ففي النصّ أعلاه يسير تياران متجاذبان غير مبتعدين همار التيار الروحي والتيار الفلسفي فمن خلال التيار الفلسفي تجعل الكاتبة الأمومة هي المركز الذي ينطلق إلى الأعلى، وتذكرنا حبكة النص وترادف جمله واعتمادها على التدوير والعطف بتأمل الفلاسفة ونصوصهم الرصينة. فالتجربة السابقة التي تُعنى بالتدوير وتقوم بنيتها عليه يمكن أن تعدّ قصيدة نثر لو فككنا جملها وكتبناها على وفق نظام الأسطر أو كتابة جمالية.

ومن قصائد النثر التي استوقفتنا قصيدة (قارورة شعر عراقية من مجموعتها اصطفيتك همسا ص 76) وهي مرثية تنعي بها الشاعرة شاعرة العراق الكبيرة لميعة عباس عمارة التي توفيت في الولايات المتحدة الأمريكية. في قصيدة الرثاء هذه تحتشد الرموز بشكل لافت للنظر، فقد اعتدنا أن نقرأ في قصائد الرثاء القديمة تكرارا بهدف التأثير في نفسية السامع وكشف نفسية القائل ليكون هناك تفاعل عبر التكرار بين القائل والمتلقي كقول الشاعر الجاهلي الحارث بن عباد:

قَرِّبا مَربَطَ النَعامَةِ مِنّي لَقِحَت حَربُ وائِلٍ عَن حِيالِ

حيث يكرر كلمة (قرّبا) مرات كثيرة ليخلق تأثيرا بليغا بينه وبينه السامع كونه محروبا قتل ولده فأخذ يطلب بثأره، وقد استفادت الشاعرة إنعام كمونة من تجربة الماضين في موقف التكرار عند الرثاء فاستندت إلى ذكر قصائد الشاعرة المتوفاة لميعة

أأأ أنقول لميعة وداعا

لا

فكيف يطل علينا بريق النجوم

وكيف يدور وجه القمر؟؟

أأأ أيحل علينا قداح الفصول

بصوت بغداد هدير الفصول

وييسرح فينا رنيم الخيال

أيا قارورة شعر

تعمد الغربة بهمس الشعور

تملأ أرجاء "الزاوية الخالية"عطور حنين

وتصدح" أغاني عشتار"

دلال الشجون

قوافي أنوثة تفوح الوصال

من نبع رؤاك "يعود الربيع"

يغني اليمام "أنشودة المطر"مطر مطر

......

روافد ظمآى...

"يسمونه الحب" (قصيدة قارورة شعر عراقية من مجموعة اصطفيتك همسا ص76)

إن التكرار يعزز الأثر في المتلقي ويبين حالة القائل وقد قامت الشاعرة بتكرار همرز النداء عدة مرات أأأ أنقول ...أأأأيحل كما جاءت بمرادف حرف الندبة وهو أيا، وكانت تتساءل "كيف" ثمّ تدخل في ذكر الرموز التي استلتهمتها من نتاجات الشاعرة كما بينت في هامش القصيدة. الزاوية الخالية هي أول مجموعة شعرية أصدرتها لميعة في عام 1960، والعنوان يتكون من كلميتين الزاوية التي تعادل الركن، فيمكن أن نقول الركن الهادئ

إن الزاوية الخالية تقصد بها المرأة التي تحمل طبيعتين فنية وحب الأمومة فتختار الأمومة، وفي الديوان الرمز الذي اختارته إنعام قصيدتان لرمزين كبيرين واحد في العراق وهو زعيم ثورة 14 تمز عبد الكريم قاسم الذي تقول عنه الشاعرة لميعة:

هبة الكريم وأنت خير عطائه أحييت فينا ميت الإيمان

حررت شعبا مثقلا بقيوده   وسخرت من أسطورة التيجانة (ص6)

أما القصيدة الثانية فتخص بها الصين وقائد ثورتها الزعيم ماوتسي تونغ إذ تقول:

للصين الشعبية

لوطن السلام والحرية

لناصر الشعوب

على قوى الفساد والحروب

أحر تهنآتي

أرق أمنياتي

عن كل حر في ربا العراق

أما الرمز الآخر الذي أدخلته الشاعرة في قصيدتها الرثاء فهي قصيدة (أنشودة المطر) للشاعر بدر شاكر السياب وهي قصيدة يرثي بها الشاعر أمه ومن أسطرها:

هناك حيث تنام نومة اللحود

تسف من ترابها وتشرب المطر

فقصيدة (أنشودة المطر) هي في الأساس قصيدة رثاء الشاعر لأمه، من خلال هذا ندرك أن النهج الذي نهجته الشاعرة إنعام في اختيارها الرموز لقصيدة رثت بها لميعة كان نهجا ذكيا فهي ترثي لميعة وتختار للرثاء عناوين كتبها وبالتفاتة ذكية تشير إلى أن الشاعرة المتوفاة من شواعر العرب وهي شاعرة كبيرة فلا تقول ذلك مباشرة بل تستعين برمز آخر هو السياب ومرثيته لأمه (أنشودة المطر)

***

الدكتور سعيد جمال الدين مايان جه

رئيس قسم اللغة العربية - كلية الدراسات الدولية

جامعة صون يات سان

في المثقف اليوم