ترجمات أدبية
إيون لي: أي قلب بشري
بقلم: إيون لي
ترجمة: صالح الرزوق
***
كانت ورشة روزي لصيانة المركبات وخدمات الوقود الشاملة تعمل طيلة إقامة مورين في هذه البلدة من نيوجرسي. وهي آخر عمل لكسب الرزق في كل المكان. بعدها تجد شارعا بدون اسم، معروف باسم الطريق السريع، وحاليا يحده صف من الأبنية المعدة للسكن. ويوجد على رصيف بجوار محطة الوقود مقعد وضعه شخص لا تعرفه مورين، ويبدو أنها الوحيدة المنتفعة منه. وأضيف حاليا تمثال معدني أخضر لبروس سبرينغستين1، وهو تحية من فنان محلي لأحد أعظم النيوجرسيين، وتراه منتصبا بجوار المقعد. تذكرت مورين السنوات التي سبقت وصول بروس بوضوح أكبر من السنوات التي أعقبتها. كانت في الثامنة والثمانين، ولكنها لم تعلن ذلك. كانت تكره كلام الممرضات في كل مؤسسة صحية والذي يبدأ بطلب تأكيد يوم مولدها. ذكر التاريخ يجعلها تشعر بتقدم السن، كما لو أن أحدا يستغرب – من مظهرها المتناسق كما يبدو، أو من تواضع أخلاقها، وكانت تشعر أنها مضطرة لاستعمال كلمات مهذبة. الحماقة بعمرها ليست مقبولة ولا تكسب. فقط حين تجلس بجوار منحوتة بروس، الذي يرتدي عباءة من المحار وزبد البحر، تسمح لمشاعرها أن تعبر عن نفسها بحرية – تفصح عنها بحوار داخلي، طبعا، لأنها لا تريد أن يضبطها أحد وهي تتكلم بصوت مرتفع. وكانت تقول محولة انتباه بروس لمتسكع أجبر سيارة على التوقف فجأة: "انظر إلى ذلك الأحمق. بعض الناس لا يستطيعون انتظار حتفهم". أو أن تقول عن رجل وامرأة يدخلان في مقهى على الطرف الآخر من الشارع: " متزوجان لكن ليس من بعضهما البعض. وضع بليد. وكلاهما بدون أي مؤهلات".
تعيش مورين في مجمع شقق قريب، ويتميز بالخدمات الراقية، التي لا تستفيد منها، ولكنها تحبذ مظهره المتميز. ليس لأن أي شقة في هذه البلدة رخيصة – يا إلهي كلا – ولكن إذا رغب أحد التقليل من شأن الآخر عليه أن لا يكون غدارا. قالت مورين في أحد الأيام لبروس: "لتعيش حسب ما تسمح به قدراتك يتطلب أن تكون ذكيا". بالنسبة لها الناس الذين يتساقطون وينجون ويتدبرون حياة وضيعة هم حمقى مثل الناس الذين يورطون أنفسهم بالديون. المبالغة بقيمة الإنسان أو التبخيس منها، مثل امتلاك أنا مضخمة أو قزمة، كلاهما حماقات متشابهة. لا تشارك مورين هذه الأفكار مع أي شخص آخر على الإطلاق في حياتها: ليس مع بنات أخواتها الثلاثة وابني أخويها، ولا مع فلورا، التي جاءت أربع مرات في أسبوع واحد لتعتني بالمنزل وتطبخ، أو هنري الذي قادها بالسيارة إلى مواعيد طبية وتسريح الشعر، أو كارل البواب الذي يعمل بالخدمات البسيطة كلما دعت الحاجة. علاقة مورين مع هؤلاء الأشخاص، مع أنها ودية، فهي وظيفية. قد يتوقع بنات وأبناء أخوتها كسب شيء بعد موتها. يا للمفاجأة!. فكرت مورين بالروايات الروسية والإنكليزية من القرن التاسع عشر، التي قرأتها منذ مليون سنة. لدى الأموات من المراتب العالية غالبا بعض الخدع المخبأة في أكمامهم. كانت مورين تحتفظ بهذه المفاجأة بعد الممات في يوم غائم من تشرين الأول، وذلك حينما شاهدت إحدى الشخصيات المألوفة تتقدم منها. كانت المرأة تبدو شبحية غالبا - ليس بسبب ثيابها ولا مكياجها ولكن لأنها تتصرف كأنها نسيت أن المرأة، في الفضاء العام، تكون نهبا للأنظار. وبعكس معظم الأيام، نسيت أن تخص بروس بنظرة للتحية.
قالت مورين: "أنت!. لا تدعي العالم يأخذ تلك الثقة من خطواتك". ويبدو أن المرأة استغرقت بعض الوقت لتلاحظ أنها المقصودة بالكلام. فقالت: "آسفة. هل قلت شيئا؟".
"قلت لا تدعي العالم يأخذ منك تلك الثقة من خطواتك".
نظرت المرأة بعين الشك لقدميها. كان هناك بطء بنظرها وهو ما لم توافق عليه مورين. مدت مورين إحدى يديها وقالت: " مرحبا. اسمي مورين". نظرت المرأة لعكاز مورين كأنها تفكر بمصاعب المصافحة. ربتت مورين على الفراغ الذي أمامها. وقالت للمرأة كجواب وهي تنظر إلى ساعة يدها: " تفضلي واجلسي قليلا. الساعة الحادية عشرة إلا عشر دقائق". من مكان جلوسها، أمكنها رؤية الساعة الموجودة خارج المصرف وقالت: "أفترض أن موعدك في الحادية عشرة؟".
في كل اثنين، تدخل هذه المرأة في بناء رمادي بجوار محطة الوقود قبل الحادية عشرة بقليل وتغادر قبل الظهيرة. علاج. لاحظت مورين وجود أربع محللين نفسيين من عدة أعمار يعملون في ذلك البناء وانتبهت لقدوم وخروج بعض مرضاهم. وفهمت بعض الأمور في الأربعين عاما المنصرمة، من العيون التي بثتها هناك، ست عيون. الأول عمل على كشف علاقات فريد (بلغت ثلاث علاقات). البقية بعد طلاقها من فريد، عملوا على مراقبة زيجاته المتلاحقة (اثنتان). لكن فريد مات قبل أحد عشر عاما - أم لعلها اثنتا عشرة؟.
لم تترك للمرأة أي خيار. جلست. وقالت: "اسمي ليليان". وصافحت يد مورين.
"أعلم. أنت واحدة منهن".
كان المقصود أن تنطق بعبارة كاملة، لكن نظرت ليليان بنظارات مورين السود وسألت: "واحدة منهن... ماذا يعني؟".
في يوم الاثنين ذاك، كان شعور ليليان خريفيا. لم يكن السبب طقس نيوجيرسي، فهو مشمس مثل يوم من أيام أواخر الصيف، وكان يكفنها بالكآبة ولكنه مزاج متنقل مصدره الأسبوع السابق، حينما كانت هي وزوجها ترحلان في أرجاء ألمانيا، لاختبار ما يقولان عنه الشرود الجغرافي. شعرت ليليان غالبا بالقلق منذ وفاة ابنها الأصغر، جودي، وهو شعور لم تمر به بعد موت ابنها الأكبر أوسكار، قبل عدة سنوات. وفي تلك الأيام كانت تمرر وقتها بدراسة خرائط غوغل. آخر مرة استفزتها الجغرافيا حينما وصلت إلى الصف الثالث، في بكين. أحضر أبوا زميلتها في الصف خريطة للعالم بحجم بوستر. من أجل ابنتهما. كان ذلك رفاهية في عام 1981. عقدت ليليان صداقة مع البنت كي تدعوها لرؤية الخريطة. ولكن صديقتها فقدت اهتمامها بالجغرافيا سريعا، وكانت ليليان أقل غراما بمجموعة البنت من الأقلام الميكانيكية والمماحي المعطرة المستوردة من اليابان. وتقطعت الصداقة، ولم تترك أثرا يؤلم أو يحرج. وعليه فكرت ليليان أنهما تتمتعان بقلة التحسس. القليل من علاقات البشر تذوب بدون أن تسبب الألم والهوان والمرارة. والأقل بعد القطيعة يضعون إحساسا بالنهاية والختام. موت الأطفال يضع الآباء في حالة ختامية - ولم يفاجئ ذلك ليليان. ولكن ماذا بعد الختام؟. هل يوجد شيء يمكنه أن يتبعه؟. كان طقس برلين قبل أسبوع مقززا، وباردا، مع رياح قوية وأمطار تجلد الأرض. حينما سافرا جنوبا إلى ميونيخ، كانت الحرارة ألطف، ولكن خيم عليهما الجو الضبابي. وفي أحد الصباحات، نظرت ليليان إلى الأسفل من شرفة الفندق نحو الباحة - كانت فارغة بسبب نهاية موسم السياحة، ورطبة، باعتبار أنها تمطر - وشعرت بالحاجة لرفع صوتها. لأن تقول شيئا، أو حتى أن تصرخ. ولكن ماذا تقول، وتصرخ على من؟. مشكلة الفورة المفاجئة، أنه ما أن توجه عدة طلبات، لا تجد الفورة أي رد فعل معقول، وتتحول إلى درب مسدود. أصغت ليليان إلى اليمامات التي تهدل على السطح، بنفس الطريقة التي كان أولاد أعمامها يهدلون في بلفاست أو بروغيس2 أو برشلونة. لا بد أنها تهدل هكذا منذ ألف عام، ولا ترفع صوتها أبدا - على الأقل لا ترفع أصواتها فوق تراجيديات بقية الأنواع، أو على موت اليمامات الأخرى. في ذلك اليوم خططت ليليان وزوجها لزيارة داشو. سألت نفسها: " هل كان ذلك المكان في يوم رمادي مماثل مؤلما جدا؟". سؤال تعلم أنه بلا معنى، لا يوجد أي مقدار من الشمس يمكنه أن يقلل من سواد الشر. تراجعت ليليان التي اعتبرت أن القوة هي طبيعتها الثانية، وأكدت على مقولة لطفل وردت في رواية ريببكا ويست: " الصفات التي تلائم حقا البالغين هي 'كبد بنفسجي بلون الزنبق' و'قلب دجاجة خائرة'". عوضا عن ذلك استقلا القطار إلى فوسين، وسارا عبر المدينة، وتنزها في الجبال. كان الأثر مغطى بأوراق متساقطة، ومنقوعة بالمطر، وملتصقة بالأرض الزلقة. ومع ذلك سارت ليليان وزوجها بسرعة وبخطوات واثقة. كانت القلاع والأديرة القريبة والبعيدة، بيضاء بسقوف حمراء كالصدأ، ونهر ليخ المتدفق بسرعة والأخضر كالزبرجد جميلا بما يكفي ليستولي على اهتمامك. لم يكن هناك العديد من الناس - فقد كان يوم عمل. ومن قابلوهم كانوا متعالين بتهذيب بالطريقة الألمانية. منح ذلك ليليان السلوان بعد مسيرة في حياة غير مألوفة وخارج السياق. ولكن السلوان كما ترى كان داعما. الرغبة في أن تكون حرا من الارتباطات تأتي دوما في ظل شعار غير متحقق، حيث توجد الحياة الحقيقية. بعد مسافة من النزهة عبرا الحدود إلى النمسا. التقطت ليليان صورة للوحة، خط عمودي يفصل حرفين كبيرين، "دي" و"أو". تذكرت الرحلة التي قامت بها مع زوجها بعد الزواج مباشرة - في بيت بأيوا، بدون ورود وبدون رفاهيات شهر العسل، فقد كانا من طلاب الجامعة ولديهما فيزا من نوع إف - 1. ولأجل الحفلة تساهلا مع ميزانية خبز الأسبوع، ورفعاها من كيس خبز أبيض بتسع وعشرين سنتا، إلى كيس خبز أبيض محسن بتسع وأربعين سنتا. واعتبرا يوم الجمعة عطلة، للقيام برحلة طويلة في السيارة في نهاية الأسبوع، وذلك عبر ويسكونسن إلى بنسلفانيا العليا. وفي الريف الشمالي، حيث لم يشاهدا سيارة أخرى على امتداد أميال، شعرا بالخطر حينما اتجهت شاحنة صغيرة نحوهما في طريق ذهاب وإياب. ثم توقفت فجأة بعد أن تجاوزتهما. بالمرآة الصغيرة أمكنهما رؤية الشاحنة تلتف. تذكرت ليليان خوفها بينما كان زوجها يسرع بسيارة نيسان سنترا المستعملة على طول طريق متعرج عبر الغابة، وكان مبتلا بعد يوم ماطر المطر، ويغلفه الضباب مع أن طقس هذا اليوم مشمس. هل كان يتعقبهما أحد؟ هل هما بخطر؟. كانت واحدة من تلك الحوادث التي يتذكرها الإنسان في حفلة عشاء مع رعشة خفيفة وضحكة عالية. تكلمت ليليان عن الغابة على كلا طرفي الحدود وعن ذكرياتها عنها.
تفحص زوجها هاتفه وهو يقول: "كما تعلمين تلك ذكريات".
قالت ليليان بدون أن تعد: "حتى هذا اليوم؟ كم سنة مضت عليها؟".
"ست وعشرون". لم يفكرا بطول فترة زواجهما أو كيف أمكنهما نسيان التاريخ: التساؤل مع الاستغراب نوع من التمثيل أو التظاهر والنفاق. بعد موت ولديهما، أصبحت الحياة أبسط. بعض المضامين أصبحت مختصرة بشكل قشور مضامين. وبعض المشاعر كانت ظلالا لمشاعر قديمة. أضف لذلك أن هذه البساطة، مثل الختام، تطلبت أن تكون مفهومة، مع أن ذلك غير ممكن. كان من السهل أن تتذوق الفرق بين خبز التسعة والعشرين سنتا وخبز التسعة والأربعين سنتا. وكان من المستحيل أن تفهم أعمتق ما أصبح حقيقة معروفة لديهما، أنهما الآن أبوان بدون أولاد.
حينما عادا إلى فوسين ذهبا إلى متجر، واشتريا من سوق المزارعين قبعة قش كبيرة ثمنها يكفي لإطعام شخصين. كانت خيارا عشوائيا للاحتفال بالذكرى، ولكن أي مشتريات غيرها ستكون عشوائية بالمثل. دونت امرأة متوسطة العمر تجلس وراء الكونتور الفاتورة يدويا، وسألت ليليان من أين هما. قالت ليليان: "من أمريكا".
شهقت المرأة وقالت وهي تضع يدها على قلبها: "أتمنى أن تمر الانتخابات لديكم بدون مشاكل".
قالت ليليان: "نتمنى ذلك أيضا".
قالت المرأة مع أنها بمفردها ولا يوجد زبائن آخرون: "لا يمكننا التنفس بحرية. ليس قبل نهاية انتخاباتكم".
كان المتجر في زقاق ومزدحما بما يمكن رؤيته في أي متجر هدايا - صابون وفوط ومناديل ودفاتر وأقلام وبطاقات معايدة وأشياء غيرها، كلها جميلة، وغير ضرورية للحياة. كانت المرأة ذات أطراف طويلة، وشعر منسدل ومكياج قليل، وتجلس قرب نافذة تشرف على باحة خلفية مغلقة، حيث تضيء مصابيح ملونة بشكل نجوم، وقناديل مشدودة فوق حديقة خريفية. ذوت أزهار الهايدرانجيا وتحولت إلى لون الغبار الأبيض أو البني النحاسي، وغطى الطحلب الممر بلون أخضر لماع، وفي النهاية البعيدة تبرعم حاجز من أزهار الخريف، وهي آخر موجة أزهار قبل الشتاء. وجدت ليليان أنه من السهل تخيل نفسها في هذه الحياة: الجلوس في متجر في بلدة بافايارية هادئة، تبيع أشياء جميلة وكمالية، ولكن ربما يريدها شخص يكلف نفسه عبء الدخول إلى المتجر. وصل هذا التخيل الذي حل فجأة إلى طريق مسدود. هناك أشخاص كثيرون يمكن أن تشغل حياتهم خيالها - وهم من التقت بهم. من ماتوا منذ مدة وبقيوا أحياء في ذاكرتها، ومن اخترعتهم - وفي النهاية ما الفرق بين التخيل والفانتازيا؟. كلاهما للصغار، غير المجربين، ولأشخاص واقعهم بليد بما يكفي وصلب بما يكفي ليجعلوا الفانتازيا والتخيل هروبا محبذا أو طريقة ضرورية. شعرت ليليان أنها تقدمت لمسافة طويلة في حياتها ووصلت نقطة تفقد فيها الأفكار والفرضيات والآمال والأحلام إغراءها كله: والبدائل الموجودة بدائل مخزية. وربما هذا هو معنى الختام. ليس هناك حاجة لتخيل القابل للتخيل أو غير المتخيل. حياتها وجود يرتكز على نقطة واحدة، وحولها ما يسميه والاس ستيفينز "هذا الألم الذي يحاصرك".
لم يمكثا في المتجر طويلا. حملت ليليان حقيبة القش، وأسرعا ليلحقا بالقطار، الذي سيعود بهما إلى ميونيخ في الثامنة. ولكن بعد دقائق من بداية الرحلة توقف القطار. وبعد فترة طويلة، اعتذر رجل بمكبر الصوت باللغة الألمانية ثم بالإنكليزية عن التأخير. كان هناك "عطل" على السكة، وكانوا بانتظار التعليمات لمتابعة المسير. ولم تكن هذه أول مرة يتأخران بها. بعد عامين من انتحار أوسكار، حينما كانا مسافرين بين أمستردام وبروكسل، ألغيت مواعيد القطارات، الواحد بعد الآخر، لخمس ساعات. لكن كان جودي حيا، وبرفقتهما في الرحلة. بحثت ليليان عن عامل في المحطة للاستعلام، وكتمت عن جودي سبب التأخير - عطل قرب نوتردام. ولكن في النهاية ما الهدف من كتمان هذه التفاصيل؟. فكرت ليليان: هذه البساطة الجديدة هو ما تحتاج له كي لا تعتمد على أي تفصيلات أو أي تفاصيل متداخلة. تابع القطار حركته المترددة - يقف جامدا، ثم يتقدم، ثم يتحرك بالاتجاه المعاكس، ثم يتوقف ثانية. لم يناقش زوج ليليان التأخير. في ذلك الصباح كانا يأملان بقلب صفحة داشو لأنه خيار حكيم. في عصر ذلك اليوم كانا ينتقيان حقائب القش التذكارية، ويستمعان لأمنية بائع ألماني عن الانتخابات الأمريكية القادمة. في مناسبتين مختلفتين، بوجود نساء ورجال آخرين في القطار في نيو جيرسي، تأخرا بسبب الأعطال، وهو أمر غير مناسب فقط. تعجبت ليليان إذا ما كانت هي وزوجها، حتى في هذه الحياة البسيطة والجديدة، يلفتان النظر بطريقة ما، ثم ضحكت على شعورها بالأهمية الشخصية. بعد عدة أسابيع من وفاة أوسكار، ذهبت ليليان إلى فرع البنك المحلي لإغلاق حسابه. نظر ت أمينة الصندوق إلى اسمه وانفجرت بالدموع - فقد قرأت خبر موته، كما قالت، وهي أم أيضا. بعد ذلك تجنبت ليليان الفرع، واختارت آخر في بلدة أخرى. غير موت جودي مشاعر ليليان. كان العالم أقل اتساعا مما تأمل، وكانت هي أقل استيعابا مما ترغب، ولكن ما أهمية أن تكون مرئية ومعروفة؟. ومن يعرف قصتها لا يعرفون شيئا أكثر من حفنة من المعلومات. ولذلك لم تستغرب ولم تنزعج حينما قالت المرأة المسنة المعروفة باسم مورين إنها تعرف من هي ليليان. لاحظت ليليان مورين من قبل، هذه المرأة التي ارتدت بشكل أفضل مما يتطلبه مقعد على طرف الطريق. كانت ببذة شانيل في بعض الأيام، وفي غيرها بثوب ينساب بشكل متناسق، مع لفاحة هيرميس التي تزين رقبتها الرقيقة. ولأنها ارتدت دائما نظارة سوداء ولأن وجهها بدون تعابير، لم تشعر ليليان بواجب إلقاء التحية. في إحدى المناسبات تساءلت ما إذا كانت المرأة عمياء وإذا كان حارس المقابر لن يأتي ليستعيدها بعد عدة ساعات من الهواء المنعش. ولكن كان فضول ليليان عائما. ولم تتوقع أن تهتم مورين بها. وحينما ذكرت مورين رتبتها الاستشارية في الجامعة وكل اسمها، اعتقدت ليليان أنها تعرفت عليها قليلا - فهي عالمة محترمة في حقل غير مألوف لليليان. واعتذرت لأنها لا تعرف عمل مورين.
قالت موربن: "آه الناس ينسون. بسهولة فائقة، أو أنهم لا يهتمون. وفي أحد الأيام ستمرين بهذه التجربة".
في يوم آخر، ابتسمت ليليان ولم تنطق بحرف. ولكن في ذلك الصباح شعرت كما لو أنها لا تزال على متن القطار البافاري، تراقب بيت المزرعة والحظائر على الهضاب، المنارة كيفما اتفق، والقمر يصعد فوق السهول. ورغبت لو أنها سألت أي شخص كان: كم مرة في حياتك وجدت نفسك جالسا في قطار يتوقف بسبب عطل قاهر؟ مرة، اثنتين، ولا أي مرة؟.
نظرت ليليان عبر النظارة السوداء إلى عيني مورين غير الملحوظتين تقريبا، بدون تركيز وقالت: "وإذا؟ لا أستطيع أن أنتظر".
قالت مورين: "لا تستطيعين انتظار ماذا. أكملي جملتك".
هزت ليليان كتفيها. فقد أكملت جملتها.
أعطت مورين يوم الاثنين التالي فلورا قائمة المشتريات - مكونات سلطة نيقوسي، نصف رغيف خبز (حبوب قديمة)، إجاصتان (زبدة فرنسية)، وثلاث زهور أقحوان. مر وقت منذ استضافت مورين زائرا، ولكن فلورا تدربت جيدا على يد مورين، ويمكن الوثوق بها لتجعل كل شيء يبدو مناسبا. حتى في الأيام التي تأكل فيها بمفردها - معظم وقتها حاليا - كانت تكوي فوطة ورقعة لتصبحا رقيقتين، فتظهر الوجبة بوضع لائق جماليا. لم تسأل مورين ليليان إذا كانت تتبع أي حمية - وقالت مورين لبروس: "لنأمل أنها لا تعاني من قلق بالطعام. في كل الأحوال هناك الأجاص. يصعب أن يسممك الأجاص".
لم تكن أول مرة تنادي فيها مورين شخصا ليتناول معها الغداء. ولم تعتبر أنها دعوة، لأن الدعوة، مثل الحب، مثل النصيحة، مثل النية الطيبة، يمكن أن ترفض. خلال لقائها الموجز مع ليليان قبل أسبوع، قالت مورين: "أرى أنك لست بالمزاج المناسب للحوار. لماذا لا أرتب غداء بسيطا لكلينا في الاثنين المقبل؟ يمكنك المجيء إلى شقتي بعد العلاج مباشرة. لا تحاولي أن تختلقي العذر. لا أعتقد أنك ستندمين على مجيئك، وأعدك أن لا ندخل بصداقة روتينية يتخللها تبادل الدعوات، إن كنت خائفة من ذلك".
السر في أن تحصلي على ما تريدين أن تكوني متطلبة، بطريقة واضحة، وأن تحرضي الأسباب للرفض. لم يفاجئ ذلك مورين - ولكنها كانت ممتنة - لأن ليليان وافقت. في إحدى المرات، رفض بعض الناس نداء مورين ميلر، في هذه الأيام من الأفضل أن لا تختبر سلطتها مرارا وتكرارا. على سبيل المثال لدى بنات وأبناء أعمامها، على ما يبدو، ودائما، برامج حافلة. ولكن كيف يمكنهم أن يكونوا مشغولين في حياتهم المتواضعة؟. قررت مورين أن تنتظر ليليان على المقعد، كي لا يوجد أي فرصة لتبديل النوايا في اللحظة الأخيرة. سيتمشيان حتى شقة مورين معا، على أن تبطئ ليليان من خطواتها لتوائم خطوات مورين. في الداخل ستسمح مورين لليليان أن تتأمل وتبدي إعجابها بمخططات مودلياني وماتيس المعلقة على الجدار قبل أن تلفت انتباه ليليان لمجموعة الكتب النادرة. وهناك القليل الذي تريد مورين معرفته عن ليليان - يا إلهي. كلا. مورين ليست فضولية فيما يتعلق بحياة الآخرين، المأساوية أو غير ذلك. ولكن هناك القليل الذي يمكنها أن تسرده عن ليليان. مورين متأكدة أنه لا توجد دعوات غداء إضافية. ولا دعوات متبادلة. الضيف المهم لا يمكث طويلا. أرادت مورين أن تبدو زائرة غير عادية، وتدخل على حياة ليليان وتقدم لها شيئا تفكر به وتتذكره. ما هو أول شيء تقوله لليليان؟. "أعلم أنك ضيعت ابناءك، ولكن يجب أن تعلمي أنك لست الوحيدة التي تعانين من هذا المصير". تصورت مورين نفسها تقول هذا وهي تفتح أول طبعة من دافيد هيوم - المجلد 1 من "مقالة عن الطبيعة البشرية"، ربما - وتعرضها على ليليان. كيف سترد؟. افترضت مورين أنه لا يوجد كلام تقوله عدا الإعراب عن الموافقة. ثم ستضع الكتاب الثمين جانبا، وتذكر بحرص شديد أنها، أيضا، فقدت ابنا. وعلى ليليان أن تقول إنها متأسفة لسماع ذلك، ولكن مهما فعلت لم تهتم مورين بالتفكير به. "مات ابني في أواخر ثلاثيناته. ولذلك القضية مختلفة عن قضيتك. هي مخدرات على ما أخشى. ولكنني لست أمه بالولادة. تبنيته حينما كان عمره أربع شهور. أمه بالولادة مدمنة على العقاقير. كانت في التاسعة عشرة حينما ولدته، ولم يكن ابنها الأول. ولا شك أنه كان مهيأ لنفس الأمر".
من المهم الكشف عن هذه الحقائق لليليان، بعد أن كشفت مورين عنها في الماضي لمستمعات أخريات. لو أن إيان من دمها لعاش حياة مختلفة. ولكن بزواجها من فريد لم تكن قادرة أن تحمل. زعم فريد أنه ليس عليهما التمسك بالتقاليد، ولكن بعد أن غطى نشاطها العلمي على عمله، بدأ بالبحث عن علاقات مع نساء أصغر بالعمر. إحداهن، طالبة تدعى هايلي، لديها جمال متوحش وحيواني حملت منه بغباء. وتسببت الفضيحة بالطلاق، وتبع ذلك نقل فريد إلى كلية من في الساحل الغربي. وهي من الطبقة الثانية - كل شيء كان متوقعا، وجامدا مثل خبز الأسبوع الماضي. لم تهتم مورين وراقبت ذلك الزواج عن مقربة بواسطة مصادر خاصة وبواسطة أخبار كانت تأتيها من المعارف المشتركين.
"فكرت: بما أنهما أنجبا ابنا لماذا أنا لا يمكنني أن أكون أما؟. كنت شابة. وامرأة قادرة وذكية. يجب أن أنجب طفلا أيضا. ويجب أن أربيه بنفسي". وخلال السنوات فكرت مورين بقرارها، وأعربت عن هذا الرأي لبروس، وكان متكتما واحتفظ بكل شيء لنفسه. هل عليها أن تخبر ليليان؟. وجاء في ذهن مورين أن هذا غير ضروري. فقد رتبت الكلمات ولكن في اللحظة المناسبة كانت الكلمات تهرب منها. ولم تلق اللوم على نفسها. الحكاية كاليدوسكوب وعليها أن تترك مجالا وفرصة لوجهات النظر، مثل خرزة فضية تسقط في المركز أو قطعة من ورق ألومنيوم ذهبي ينكمش في الزاوية. وكشأنها دوما سألت ليليان في ذلك الصباح نفسها لماذا وافقت على الغداء بحق الآلهة. يمكنها أن تزعم أنه غلبها الفضول لتلقي نظرة على حياة عالمة مشهورة بلغت سن التقاعد. (لم يكن هذا هو الحال حقا). ويمكنها القول أن نوعية مورين من النساء اللواتي ترتحن للتلاعب بليليان، لأن ليليان تبدو متساهلة. (لماذا لا تسمح للناس بالاستفادة من تجريب أبوتهم الوهمية عليها؟). بل ويمكنها القول إنها أرادت أن ترى لون عيني مورين حينما تتخلى عن نظارتها السوداء. عموما الأجوبة التي تعطى بسهولة ليست هي الأجوبة الحقيقية.
قالت مورين حينما دخلتا الشقة: "هذا المنظر ليس رائعا مثل الذي أراه من مكتب الكامبوس. وهم يعدونك بمكتب دائم ولكن بعد قليل يجدون كل الأعذار لطردك منه". كانت نافذة عريضة تشرف على موقف سيارات، وكانت وراء موقع بناء تسد فيه الرافعات والمنارات والأبراج مشهد أبنية الكامبوس. حاولت ليليان أن لا تبدو ضجرة. هؤلاء أكاديميون ومكاتبهم - النوافذ، السجاجيد، الكراسي، الإنارة، لون الجدران - خلال فترة قصيرة في دور إداري ثانوي، جمعت ما يكفي من القصص عن المتملقين الذين يمكن أن يسكنوا في "بيت موحش"3 معاصر. قادت مورين ليليان إلى المكتب، وعرضت عليها مكتبتها في الغرفة بدون فتح أي باب زجاجي. قالت مورين: "يا لها من مسؤولية مزعجة لدرجة مقلقة. في إحدى المرات - مضى على ذلك سنوات كثيرة، حينما كنت لا أزال أعيش في بيت - استضفت حفل إفطار لزميلة شابة مشرفة على الولادة. بعد ذلك لاحظت اختفاء الطبعة الأولى من كتاب عزيز علي جدا".
شهقت ليليان، بطريقة دراماتيكية أكثر مما يتطلبه الصدق. هزت مورين رأسها. وقالت: "كما ترين. ماذا يمكنني أن أفعل؟ لا يمكنني سؤال كل ضيفة إذا ما انعطفت ودخلت إلى مكتبي حينما كانت تستعمل الحمام. لكن تعلمت درسي".
تساءلت ليليان إذا كان للدرس علاقة بإضافة أقفال إلى المكتبة. غداء مع غريبة لا يكون ضارا مثل نزهة في غابة بافارية. الشجرة لا تتطلب من المارة إبداء الإعجاب. نهر وتلال على الضفة الأخرى، أثناء الرسم، لا تهتم إذا ما كان الفنان وهو أمام حامل اللوحة معلما أم هاويا. الطبيعة لا تحفل بالمشاهد، ولكنها أيضا لا تحفل باللامبالين. منطق اللامبالاة البشرية لا يريح: لدي الحق أن لا أبذل اهتماما بك، لأنني بحاجة، لكل اهتمامك وأستحق ذلك. لم يفاجئ ليليان أن مورين، وهي تمرر الزبدة، ذكرت أيضا أنها فقدت ابنا. أصبحت ليليان معتادة على سماع قصص من أمهات مفجوعات. وليس مفاجأة أن أم الولد بالولادة - ويجب أن تكون أكبر من ليليان، كما تكهنت، لو أنها حية - تعتبر مسؤولة عن حياة الرجل الضائعة الذي ربته مورين بعناية وحب. رسمت ليليان بشوكتها دوائر ببطء على طبقها بدون أن تلتقط شيئا. وهي تعلم أنه لا يهم إذا أكلت أم لا. كانت مورين عجيبة وهو ما انتبهت له ليليان: غريبة، وبحضور الأغراب لا يمكن للراوية أن تألف الماضي أو الحاضر. وربما لذلك وجدت أنه من السهل أن تتخيل نفسها مالكة متجر في فوسين - وهو شيء عار عن الصحة سواء في الماضي أو المستقبل أيضا. وعلمت ليليان أشياء عن زوج مورين السابق ("ميت الآن، كما يمكن أن تتوقعي"، و" لم تكن له سمعة بين العلماء")، وأسعدها قليلا أن تسمع أن الزوجة الشابة هايلي تعرضت للغدر أيضا، بنفس الطريقة، حينما نام معها فريد وتزوج لاحقا من طالبة أصغر منه بثلاثين عاما (" أنفقت أفضل سنوات عمرها زوجة له، غير أنها لم تكن أرملته المفجوعة"). تابعت مورين الكلام، وتذكرت ليليان خدعة قامت بها أختها في طفولتهما. كانت العائلة فقيرة، وكانت كل منهما تتلقى قطعة بسكويت على شكل حيوان كوجبة للعصر. كانت أختها يوميا تضع بحرص البسكويت في كوب من الماء. وسريعا ينتفخ الأرنب أو السمكة أو الخنزير. كان السر في أن تنتظر ما يكفي دون إطالة، لينتفخ البسكويت بقدر الإمكان، ولا يتفكك بسبب الغمر بالماء ويتحول إلى لا شيء. فكرت ليليان: عليها أن تصبر وأن لا تكون جشعة، وتأملت جفون مورين الباهتة. وتساءلت هل أخطأت مورين بالحسابات، وحصلت على كوب من الماء الضبابي، فيه بقايا بسكويت حيواني الشكل وليس له شكل صلب وملموس.
قالت مورين: " هذه القصص القديمة ليست سبب دعوتي لك. هي فقط تمهيد، ولكن بدونها لن أتمكن من أن أقول ما تحتاجين لسماعه".
وافقت ليليان. وأمكنها رؤية أختها تسكب بهدوء أرنبا بدينا بالملعقة. مثل التهام قطعتي بسكويت، كما قالت أختها، وهذا يشبعك. كانت ليليان في الثالثة وأبدت إعجابها بذكاء أختها.
"قبل أن أتابع مع القصة، دعيني أسألك: من كتب أول رسالة بقلم مسموم في التاريخ؟".
سألت ليليان: " هل هو اختراع لأجاثا كريستي؟". في السنوات ما بين موت أوسكار وجودي، اتبعت هي وزوجها عادة مشاهدة برامج مسلية عن جرائم وقعت في المملكة المتحدة. كان المفضل لدى ليليان "جرائم ميدسومير". وقد وردت فيها الكثير من رسائل الأقلام المسمومة والكثير من الجرائم، ولكن لم يكن هناك ألغاز كثيرة ورافقها النذر اليسير من الألم.
"علمت أنك ستقولين ذلك. ولكن كلا. على أجاثا كريستي وبقية كتاب قصص الجرائم أن يتعلموا من الناس الحقيقيين. الخيال محدود وآمل أن تفهمي ذلك".
"بالتأكيد".
"وقعت أول حالة رسالة بقلم مسموم في إليزابيث، نيوجرسي".
قالت ليليان: "آه". بالنسبة لها، كانت إليزابيث مجرد محطة على سكة القطار في طريقها إلى نيوجيرسي. وتلك هي ميدسومير التابعة لنيوجيرسي.
"دراما".
"متى كان ذلك؟".
قالت مورين: " في عام 1909 قبل أجاثا كريستي. مؤلفة رسائل القلم المسموم تلك ألهمت عددا من الحالات المشابهة. امرأة من إليزابيث، نيوجيرسي، قدمت للعالم طريقة جديدة لارتكاب جريمة - من يعلم. إيه؟. إحدى ضحايا رسائل القلم المسموم صديقة لجدتي. كانت حياتها عبارة عن أنقاض".
شعرت ليليان بالحاجة لتعلن أنه من المحتمل أن كاتب رسائل القلم المسموم هو جدة مورين. ولكنها عوضا عن ذلك سألت: "من كتبها؟".
"فكري بالقضية وتابعيها شخصيا. هذا لا علاقة له بما سأقول. لم أخبرك كيف أن زواج فريد وهايلي تصدع".
"لقد خدعها. أليس كذلك؟".
"آه، يمكنك أن تقولي إن ذلك نتيجة جانبية لزواجهما الفاشل. وما حصل هكذا: الولد الذي حملت به خلال زواجه مني، ذلك الولد مات وهو بعمر ثماني سنوات".
حاولت ليليان أن تحتفظ بتعابيرها سطحية. لم تحب قصص مورين. ولاحقا أدركت أن مورين تعترف بلعب دور في موت الولد.
"مأساة حقيقية. ولا يقع اللوم على أحد بها. كان الولد ينزه كلبه وأفلت الزمام. جرى الكلب بعرض الشارع. فطارده الولد ولم يشاهد السيارة القادمة من خلف المنعطف".
بما أن لدى ليليان قلب دجاجة وعزيمة وردة نرجس رقيقة، كان يجب أن تحتج، قائلة إنها حصلت على ما يكفي من الطعام وما يكفي من القصص المزعجة، وأنها تود العودة إلى البيت. ولكنها لم تحرك ساكنا. وراقبت مورين عن قرب وأدركت أن عيني العجوز زرقاوين شفافتين.
قالت مورين: " بالمناسبة لم يتعرض الكلب للضرر. إن كنت قلقة بشأنه. لكنه مات منذ فترة طويلة".
"بالطبع".
" طبعا. انفطر قلب فريد وهايلي. موت طفل، وربما انتبهت لذلك، قاد إلى الطلاق. ولكن تلك العبارة لا تصمد أمام البيانات. معدل الطلاق بين الأزواج الذين فقدوا أولادهم هو في الحقيقة أقل مما هو عليه بين العامة".
قالت ليليان: " لا أعلم". ولم تردف بقولها أنا لا أهتم. هي وزوجها يعيشان بعيدا عن البيانات. لا يمكن للبيانات أن تريحها أو تقلقها.
"في حالة فريد وهايلي كانا شابين كفاية. ويمكنهما إنجاب المزيد من الأطفال، ونظريا يمكن إنقاذ زواجهما. لماذا لم يحصل ذلك معهما؟ ربما لا تجدي أنه من الضروري أن تتساءلي عن ذلك".
" أعتقد أن الأمور لا تنجح دائما".
" واظبت على الاتصال بهما بعد المأساة. ليس بانتظام، ولكن مرة في السنة كنت أرسل لهما باقة كبيرة في عيد ميلاد الولد".
رفعت ليليان الفوطة لتلمس بها فمها، لتمرر الوقت. كانت تعلم أن مورين تأمل بسؤال أو تعليق منها. قالت: " كنت ترسلين إليهما سنويا رسائل القلم المسموم".
قالت مورين وهي تنظر لحظة بشرود: " كلا. أزهار فقط. مع ملاحظة ودية تنم عن التعاطف وأوقعها باسمي. كما ترين، يمكن تمزيق أو حرق رسالة أو بطاقة، لكن الأزهار تختلف. ولكن لم يهتما بهديتي".
احتارت ليليان. كان بمقدورها أن تقول لمورين: " يا لك من إنسانة مزعجة وشريرة"، ولكن هذا لن يصنع فرقا. وفكرت بمن سبقها من الذين سمعوا الحكاية. لا يمكن لليليان أن تكون الشخص الوحيد التي دعتها مورين لتستمتع ثانية ببهجة الانتقام، والتي هي أقل عذوبة باعتبار أنها سر بينها وبين عدوتيها. "لماذا تسألينني عن رسائل القلم المسموم ما دامت الزهور ليست كذلك؟".
" كنت اليوم صباحا أفكر بصديقة جدتي المسكينة. أتساءل ماذا فعلت لتدفع المرأة الأخرى لجريمة لا يمكن تخيلها. لا أعرف التفاصيل. ولكن يوجد درس عام".
نظرت ليليان إلى طبقها، الذي لم تلمسه إلا قليلا. هل يعتبر قلة أدب أن تقول إنها ممتلئة؟.
قالت مورين: "ما أقصده أن هناك درسا عاما يهمك.لقد تأخر الوقت بالنسبة لي. لا تقولي أبدا أنك تعرفين حقيقة القلب البشري".
قالت ليليان: " أعرف ذلك".
" أنت سمعت بمقولة هنري جيمس، ولكن هل تعرفين ماذا تعني؟".
هزت ليليان كتفيها. كانت تعيش على هدف واحد كانت تسميه نهايتها. ماذا يهم إذا بقي قلب شخص آخر غير معروف؟.
سألت مورين مع أنها لم تكن مهتمة أن تسمع من ليليان: " لماذا تعتقدين أنني أرسلت الزهور؟. حينما أرسلت الزهور أردت أن يعلما أنهما ليس وحدهما من يفكر بابنهما في عيد ميلاده. يمكنهما رؤية هديتي كعلامة تعاطف أو نية شريرة، ولكن كما ترين، إذا نظرا لإرسال الزهور كدليل ضدي، سيبقى في جزء منهم بعض الشك. ربما تصرفت بمبالغة، ولنكون عادلين ربما فقدوا توازنهم بسبب الفجيعة. فعل يتصف باللطافة وآخر بالخشونة والتوحش. من بمقدوره أن يخبرنا بالفرق؟.
وجدت ليليان أنه من الصعب عليها أن تتنفس. وفكرت لهذا السبب وافقت على الغداء. ثم قالت: " هل توقفت عن إرسال الزهور بعد الطلاق؟".
قالت مورين: " أرسلت باقتين بعد ذلك، واحدة لكل منهما، حتى مات كلاهما. كانت غير سعيدة بدون شك. وماتت قبل موت فريد".
جلست مورين والتي لم يكن لديها شخص آخر ترسل له الزهور على سبيل انتقام مهذب. وجلست ليليان التي اعتقدت أن القليل من الحياة يمكنه مفاجأتها بعد الآن. ولم تعتقد أن لدى مورين أي شيء مهم تقوله لها، ولكن كانت مورين محقة حين قالت إن ليليان لن تندم لقدومها. الختام يحمي الشخص مما لا يفهم، ومع ذلك الخشونة البشرية الحقيقية توجد في عالم ما يمكن التعبير عنه: مؤلفو رسائل القلم المسموم لا يتخبطون في أفعالهم الضارة وجلادو داشو (وتناسخاتهم في المستقبل الحافل بالرعب) يعلمون تماما ماذا يريدون أن يفعلوا.
قالت: " هل تريدين إجاصة للتحلية؟. هذا أفضل فصل للأجاص، وهي الأفضل بشكل خاص".
قالت ليليان: " أخشى أنه حان وقت انصرافي". صنعت إشارة تدل على المشاركة بالتنظيف، لكن أخبرتها مورين أن مدبرة المنزل ستعتني بذلك لاحقا. شكرت ليليان مورين، ثم قالت إنها ستجد طريقها إلى الباب. الوداع أحيانا رحمة بعد لقاء اثنين في ذروة التفهم النهائي. انتقت مورين أجاصة وشمتها، واستمتعت بالعطر الليموني - حسنا، تلك مبالغة، ولكنها كانت تستمتع بذاكرة العطر. من المؤسف أن ليليان، المنزعجة، لم تكن جاهزة لتدع غداءهما يتماشى مع الإتيكيت والرفاهية المسترخية. ستحترم مورين ليليان قليلا لو تعاملت مع الفاكهة وكأنها شيء منتظر ومن جمال الطبيعة. وفكرت مورين: لكن ليليان ستستعيد عافيتها. وحينما عادت مورين إلى بيتها، ربما بدأت البحث عن تاريخ أول حالة قلم مسموم، ثم ثاني حالة. هناك الكثير من رسائل الأقلام المسمومة المدونة في الحياة والتاريخ - وكر أرنب قد يوفر بعض النسيان لامرأة مفجوعة. عندما جاء يوم الاثنين ثانية، علمت مورين أنها ستجلس ساكنة ونظارتها السوداء على عينيها بينما ليليان تمر من أمامها. دع ليليان تبطئ وتتردد قبل أن تلقي التحية - وستتظاهر مورين أنها لم تسمعها ولم تشاهدها.
أعادت مورين الأجاصة إلى صديقتها. وفيما بعد طلبت من فلورا أن تحمل الأجاص إلى أولادها، مع أن شكلها الناعم ونكهتها لا تهم الصغار. كانت زبدة الأجاص الفرنسية مفضلة لدى أم مورين، التي تحب مورين وشقيقيها، والتي خصصت لهم حياة طويلة مليئة بالتضحيات الأمومية الخالية من الأنانية. لم تكن مورين تتصور امرأة أكمل منها، ومع ذلك، حتى هذا الكمال لم يكن خاليا من العيوب. في أواخر حياة أم مورين كانت تبكي بأوقات متقطعة، بيأس وبدون مجال للسلوان على أمها هي. في تلك الليلة وبحنق شاهدت مورين ميلر - الباحثة المرموقة، والأستاذة الجامعية، والمطلقة، وأم ابن على قيد الحياة لكنه ليس من صلبها - أمها وهي تنحدر باتجاه الموت. ستة وستون عاما من الزواج السعيد، وثماني سنوات من الترمل الهانئ، وثلاثة أحفاد محترمين، وكل ما يمكن أن يتمناه المرء من أجاص الزبدة الفرنسية لتزيين مائدة الطعام وكأنها لوحات فنية رائعة قبل تقديمها بشكل حلويات لذيذة بعد العشاء: ألا يعتقد أن هذا يكفي لحياة هانئة؟. ومع ذلك لم تكن جاهزة لمغادرة العالم دون أن تستعيد أولا قلب طفلة غير معروفة لمورين وذات قلب مفطور.
***
.............................
1 - كاتب أغنيات وموسيقي ومغن أمريكي. معروف بلقب المعلم.
2 - مدينة في بلجيكا.
3 - إشارة إلى رواية ديكنز Bleak House.
* القصة منشورة في النيويوركير عدد حزيران 23، 2025.
إيون لي Yiyun Li كاتبة أمريكية من أصل صيني. من مؤلفاتها "ابن يوم الأربعاء - قصص"، أشياء تنمو بسعادة في الطبيعة -مذكرات"، "المتشردون، رواية"، "حيث تنتهي الأسباب، رواية"، وغيرها.







