حكاية شعرية للكاتب الروسي الكبير
ألكسندر بوشكين
ترجمة: مؤمل الحطاب
***
في سالف الزمان، حين كانت السيوف ترسم حدود الممالك، وكانت الخيول تحمل الفرسان إلى ساحات المجد، خرج الأمير أوليغ الحكيم ذات يوم يقود جيشه في أرضٍ واسعة، عازماً على الانتقام من الخزر الذين أغاروا على بلاده. كان يسير على صهوة جواده الوفي، مرتدياً درعه المصنوع على الطراز القسطنطيني، وعن يمينه ويساره فرسانه وأصحابه، وقد عزم على أن يجعل قراهم وحقولهم رماداً، وأن يردّ على غاراتهم بالسيف والنار. وبينما كان الأمير يمضي في طريقه، خرج إليه من أعماق غابةٍ مظلمة شيخٌ غريب، تبدو على وجهه أمارات الحكمة والوقار. كان كاهناً عرّافاً، أفنى عمره في الصلاة والتضرّع واستطلاع أسرار الغيب، لا يخضع إلا للإله بيرون، ولا يخشى سلطان الملوك والأمراء.
تقدّم أوليغ نحوه، ثم أوقف جواده وقال له:
«أيها الحكيم، يا من تزعم الآلهة أنها اختارتك وكشفت لك أسرارها، أخبرني: ماذا تخبّئ لي الأيام؟ ومتى يحين أجلي؟ أأموت قريباً، فتفرح بموتي قلوب أعدائي وجيراني؟ اكشف لي الحقيقة كاملة، ولا تخشَ بطشي، ولك مني ما تشاء من الخيل هديةً ومكافأة».
فأجابه الشيخ بثبات:
«إن الكهنة لا يخافون أصحاب التيجان، ولا تغريهم هدايا الأمراء؛ فكلمتهم صادقة، وألسنتهم حرة، وهم أقرب إلى مشيئة السماء من أن يبيعوا الحقيقة بعطاء حاكم أو سلطان. إن السنوات القادمة ما تزال محجوبةً عن أعين البشر، لكنني أرى مصيرك مكتوباً على جبينك.
فاسمع ما أقول لك يا أوليغ:
ستكون الحرب ميدان مجدك، وسيخلّد النصر اسمك بين الأمم. سيرتفع درعك على أبواب القسطنطينية، وستخضع لك البحار والبراري، ويحسدك أعداؤك على ما تناله من عظمة وانتصارات. لن تغلبك أمواج البحر العاتية، ولن تنال منك العواصف في أشد ساعاتها خطراً، ولن تصيبك مقاليع الأعداء ولا سهامهم، ولن تنفذ إليك خناجر الغدر. ستظل محمياً خلف درعك، كأن قوةً خفيةً تحرس حياتك من الموت. أما جوادك، ذلك الذي لا يعرف الخوف ولا يهاب مشقة القتال، فسيبقى وفياً لك؛ تراه تارةً ساكناً تحت سهام الأعداء، وتارةً أخرى يندفع كالسهم في قلب المعركة، لا يبالي ببرد الشتاء ولا بضراوة السيوف. ولكن تذكّر يا أمير: إن موتك سيكون على يد جوادك نفسه!».
ابتسم أوليغ ساخراً، غير أن ابتسامته لم تلبث أن تلاشت، وارتسمت على جبينه علامات التفكير والقلق. صمت قليلاً، ثم وضع يده على سرج جواده وترجّل عنه مثقلاً بالهموم. اقترب من حصانه الوفي، ومدّ يده يربّت على عنقه، وراح يمسح رقبته بيده، كأنه يودّع صديقاً عزيزاً.
ثم قال له بحزن:
«وداعاً يا رفيقي، يا خادمي الوفي، لقد حان وقت فراقنا. لن تطأ قدمي بعد اليوم ركابك المذهّب، ولن أمتطي ظهرك كما اعتدت. استرح الآن، ولا تنسَ صاحبك الذي أحبك.أيها الفتيان، خذوا هذا الجواد، وألبسوه غطاءً دافئاً، واقتادوه إلى مرجه، واعتنوا به خير عناية. اغسلوه، وأطعموه أجود الحبوب، واسقوه من ماء الينابيع العذبة». فانصرف الفتيان بالجواد، وأُحضر للأمير جواد آخر يمتطيه. ومضت الأيام، وابتعد أوليغ عن حصانه القديم، ومضت السنون تحمل إليه الانتصارات والأمجاد. ظل الأمير قوياً مهاباً، وتقدّم به العمر حتى ابيضّت خصلات شعره، كما يكسو الثلج قمم الجبال في الصباح. وفي إحدى الليالي، جلس أوليغ بين رفاقه القدامى، يحتسون الشراب في مجلسٍ عامر بالفرح، ويتبادلون أحاديث الماضي، ويستعيدون ذكريات الحروب والمعارك التي خاضوها معاً، يوم كانوا شباباً يحملون السيوف ويواجهون الموت جنباً إلى جنب. وبينما هم كذلك، تذكّر الأمير جواده القديم، فالتفت إلى أصحابه وسألهم:
«أين رفيقي؟ أين جوادي الذي طالما حملني إلى ميادين القتال؟ أهو بخير؟ وهل ما زال سريع العدو، قويّ الحركة، كما عرفته أيام شبابه؟».
فأجابه أحدهم:
«لقد مات منذ زمن بعيد، ودُفن على تلّةٍ مرتفعة، ورقد هناك رقدته الأخيرة».
انحنى رأس أوليغ، وغرق في أفكاره، ثم قال في نفسه:
«إذن، أين نبوءة ذلك العرّاف؟! لقد كان شيخاً كاذباً أحمق! لو أنني لم أصدّق كلامه، ولم أُبعد جوادي عني، لبقي اليوم حياً يحملني كما كان يفعل دائماً. لقد خدعتني نبوءته، وحرمتني رفيقي الوفي!».
ثم نهض عازماً على أن يرى عظام جواده بعينيه، وكأنه يريد أن يثبت لنفسه أن النبوءة لم تكن سوى وهمٍ لا أساس له. خرج أوليغ من قصره، ورافقه الأمير إيغور وبعض أصحابه القدامى، وساروا حتى بلغوا ضفاف نهر الدنيبر، حيث كانت عظام الجواد ملقاةً على تلّةٍ مرتفعة. كانت الأمطار قد غسلتها، والغبار قد غطّاها، والرياح تعبث بأعشاب السهوب المحيطة بها، حتى لم يبقَ من ذلك الجواد القوي سوى هيكلٍ أبيض ورأسٍ أجوف. اقترب الأمير من الجمجمة، ووضع قدمه عليها برفق، ثم قال:
«ارقد بسلام يا صديقي الوحيد! لقد عاش صاحبك بعدك، وسبقك إلى الموت عمرٌ طويل. وفي مأتمي القريب، لن تكون أنت من يُذبح تحت الفأس، ولن تسيل دماؤك لتروي التراب الذي سيحتضن جسدي!».
ثم أطلق ضحكةً ممزوجةً بالانتصار والسخرية، وقال:
«أهذه هي النهاية التي أخافني بها ذلك الشيخ؟ أهذه العظمة البالية هي التي خبّأت لي الهلاك؟! لقد كان الموت كامناً في عظامك، ولم أكن أعلم!». وما إن أتمّ كلماته، حتى حدث ما لم يكن في الحسبان. فمن داخل جمجمة الجواد الميت، خرجت أفعى سوداء، تزحف ببطء، ثم رفعت رأسها وأطلقت فحيحاً مخيفاً. وفي لحظة خاطفة، التفّت حول ساق الأمير ولدغته لدغةً قاتلة. صرخ أوليغ صرخةً مفاجئة، وتراجع جسده، ثم سقط على الأرض وقد أدرك أن النبوءة التي سخر منها قد تحققت أخيراً. وأُقيمت له جنازةٌ عظيمة على التلّة، حيث جلس الأمير إيغور خليفه أوليغ وزوجته وأولغا، واجتمع الفرسان عند ضفاف النهر، وارتفعت كؤوس الشراب في مأتمه، وراح المحاربون يستعيدون ذكريات الأيام الخوالي، ويتحدثون عن المعارك التي خاضوها معاً، وعن الأمير الذي رحل.
***
***
ترجمة عن الروسية: مؤمل الحطاب - موسكو
كاتب ومترجم وباحث في الأدب الروسي
يواصل الدراسات العليا في جامعة موسكو
..................
أوليغ: أمير فارانجي قديم، حكم الدولة الروسية القديمة منذ أواخر القرن التاسع الميلادي حتى عام 912م، ويُعدّ من أبرز الشخصيات في تاريخ روسيا المبكر، كما خلّد الشاعر الروسي ألكسندر سيرغييفيتش بوشكين اسمه في قصيدته الشهيرة «أنشودة أوليغ صاحب النبوءة».
مكانته التاريخية وأبرز أعماله:
الحاكم والوصي: تولّى الوصاية على الأمير إيغور، ابن روريك، وتولى الحكم نيابةً عنه في بداية عهده.
توحيد الأراضي الروسية: استولى على مدينة كييف عام 882م، واتخذها عاصمةً للدولة الروسية القديمة، وأسهم بذلك في توحيد المراكز السياسية في الشمال والجنوب.
لقب النبوي: لُقّب بـ«النبوي» وهو لقب يرتبط بمعرفة المستقبل واستشراف الغيب، وقد اشتهر به في الروايات التاريخية الروسية. ويرتبط اسمه أيضاً بحملاته العسكرية، ولا سيما حملته على القسطنطينية (تسارغراد) عام 907م.
أسطورة موته: تروي «حكاية السنوات الغابرة» أن ساحراً تنبّأ بموت أوليغ على يد جواده المحبوب.
عن الحكاية الشعرية:
كتب الشاعر الروسي ألكسندر سيرغييفيتش بوشكين حكايته الشعرية «أنشودة أوليغ الحكيم» عام 1822م، ونُشرت للمرة الأولى عام 1825م. وتستند القصيدة إلى رواية تاريخية قديمة عن الأمير أوليغ، أوردها المؤرخ الروسي نيكولاي كارامزين في مؤلفاته التاريخية. وهكذا، فإن هذا العمل الأدبي يعود إلى أكثر من قرنين من الزمن، ويجمع بين التاريخ والأسطورة والتأمل الفلسفي في القدر والمصير الإنساني.
المؤلف: ألكسندر سيرغييفيتش بوشكين (1799–1837)، شاعر وأديب روسي، يُعدّ مؤسس الأدب الروسي الحديث وأحد أعظم شعراء روسيا على مرّ العصور. امتاز شعره بجمال اللغة وعمق المعنى، واستلهم في أعماله التاريخ والأساطير والتراث الشعبي الروسي. وتُعدّ قصيدته «أنشودة أوليغ الحكيم» نموذجاً بارزاً لقدرته على المزج بين الحكاية التاريخية والتأمل الفلسفي في القدر والمصير الإنساني.
..................
المصدر:
Интернет-библиотека Алексея Комарова
https://share.google/DL8nUWgNmOd02mb5h








