عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام ثقافية

نايف عبوش: النتاج الأدبي.. إبداع أم خبرة متراكمة

لاريب أن النتاج الأدبي هو أحد أبرز تجليات الوعي الإنساني، حيث يتفاعل الحس المرهف للمبدع مع التجربة الحياتية، وتتداخل فيه الموهبة الفطرية مع الخبرة المتراكمة.

وقد يبدو الإبداع الأدبي فعلاً لحظياً، تستولده تلك الومضة المتوهجة، التي تشتعل في ذهن الكاتب فينثال نصاً متفرداً، يحمل بصمة الكاتب الخاصة، ويعبر عن رؤيته للعالم، يمتلك الأديب الحقيقي حساً مرهفاً، وقدرة استثنائية على التقاط التفاصيل الدقيقة، التي يتمثلها في عوالمه في اللحظة، وتحويلها إلى صور لغوية نابضة بالحياة، الأمر الذي قد يدفع إلى الاعتقاد بأن النتاج الأدبي موهبة فطرية قبل كل شيء، ولا ديمكن تعلمها، بقدر ما يمكن صقلها.

ومع وجاهة مثل هذا التصور، فإنه لابد من الإلتفات إلى عنصر الخبرة، في تشكيل النتاج الأدبي، لاسيما وان النتاج الأدبي لا يتكون في فراغ، بل يتغذى من تراكم التجربة الإنسانية التي يمر بها الكاتب عبر مراحل حياته، اذ لاشك ان القراءة المستمرة، والاحتكاك بالنصوص، والتمرس في الكتابة، والانخراط في معالجة القضايا الاجتماعية، تفرز مخزوناً معرفياً، وجمالياً، يسهم في نضج التجربة الأدبية وتعميقها.

 فالكاتب، مهما بلغت موهبته الذاتية، فلاشك انه يظل بحاجة إلى زمنٍ طويل من التجربة، لكي يتمكن من أن يبلور بصمته الخاصة به، ويطوّر أدواته التعبيرية في وضع نصوصه، وتشكيل نتاجاته.

ومن هنا يمكن القول، إن الإبداع، والخبرة المتراكمة، هما عنصران متكاملان في تشكيل النتاج الأدبي. فالإبداع يمنح النص روحه، وحيويته، بينما تمنحه الخبرة الزاخرة، رصانته وتماسكه.

 فالإبداع الفطري دون خبرة، قد ينتج نصوصاً متوهجة حقاً، لكنها قد تكون سطحية، وغير ناضجة، في حين أن الخبرة دون إبداع، قد تفضي إلى نصوص متقنة تقنياً، وجذابة شكليا، لكنها باردة حسبا، وخالية من الوهج.

ولذلك تظل النتاجات الأدبية، التي تنجح في تحقيق التوازن بين العفوية، والوعي، وبين الانفعال، والتأمل، وبين الموهبة والتجربة، نتاجات ابداعية رصينة، لاسيما، وان الأدب في جوهره، ليس مجرد تعبير عن حس اللحظة، بقدر ما هو بناء متراكم، يتشكل وياخذ مدى جمالياته عبر الزمن، حيث يتزاوج فيه حس الذات الإبداعية، مع تجليات صور عوالم المبدع، ويتفاعل فيه خياله المتوهج، مع مرئيات واقعه.

وهكذا يظل النتاج الأدبي حصيلة تفاعل خلاق، بين الإبداع الفطري للكاتب، وبين خبرته المكتسبة، وبالتالي فانه فلا يمكن للأدب أن يزدهر بأحدهما دون الآخر، ليظل هذا التفاعل العضوي بينهما، هو السر الكامن، وراء النصوص الإبداعية، التي تلامس وجدان المتلقي بعمق، وتبقى راسخة في ذاكرته.

***

نايف عبوش