أقلام فكرية
زهير الخويلدي: التفكير الفلسفي الحاذق هو محاولة البدء من جديد
مقاربة استئنافية
مقدمة: في عالم يتسارع فيه التقدم التكنولوجي والتغيرات الاجتماعية، يبرز التفكير الفلسفي كأداة أساسية لفهم الوجود البشري. العبارة "التفكير الفلسفي الحاذق هو محاولة البدء من جديد" تلخص جوهر الفلسفة كعملية إعادة بناء المعرفة من أساسها، بعيدًا عن الافتراضات المسبقة والتقاليد الموروثة. هذه العبارة، التي تتردد في سياقات فلسفية عربية وغربية، تعكس فكرة أن الفلسفة ليست مجرد تكرار للأفكار القديمة، بل هي جهد حاذق – أي ذكي ومتبصر – لإعادة النظر في الواقع من نقطة الصفر. تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف هذه الفكرة بشكل موسع، من خلال تحليل تاريخي ونظري. سنبدأ بتتبع أصول التفكير الفلسفي، ثم نناقش مفهوم "الحذق" في السياق الفلسفي، وأخيرًا نستعرض كيف يمثل هذا التفكير محاولة للبدء من جديد في مواجهة التحديات المعاصرة. الدراسة تعتمد على مصادر فلسفية كلاسيكية وحديثة، مع التركيز على السياق العربي-إسلامي لتعزيز الصلة الثقافية.
أصول التفكير الفلسفي: من اليونان إلى العصر العربي الإسلامي
يُعد التفكير الفلسفي نشاطًا بشريًا قديمًا، يعود إلى حضارات مثل الفراعنة واليونانيين. كما يشير بعض الباحثين، فإن الفلسفة لا بداية لها ولا تاريخ محدد، إذ كانت موجودة في أشكال أولية عند الفراعنة قبل أن تتبلور في اليونان. في اليونان، كان سقراط (470-399 ق.م) رائدًا في هذا التفكير الحاذق، حيث اعتمد على المنهج الجدلي (المايوتيكا) لإعادة الولادة الفكرية، محاولًا استخراج الحقيقة من خلال السؤال المستمر. يرى سقراط أن التفكير الحقيقي يخاطب العقل للوصول إلى الحقيقة المجردة، بعيدًا عن الغرائز والشهوات، مما يجعله محاولة للبدء من جديد ضد التقاليد السفسطائية. في السياق العربي-إسلامي، انتقل هذا التفكير عبر الترجمات والتأليفات. الفلاسفة مثل ابن سينا (980-1037 م) وابن رشد (1126-1198 م) طوروا التفكير الفلسفي كعملية نقدية، حيث سعوا إلى التوفيق بين العقل والنقل. على سبيل المثال، في "الشفاء" لابن سينا، يُعاد بناء المعرفة من أساسها العقلي، مما يعكس فكرة البدء من جديد. هذا التفكير الحاذق في العصر الإسلامي كان خروجًا على المألوف، يبحث عن الحقيقة بعيدًا عن الاعتقادات الشائعة. كما أن الفلسفة الإسلامية أكدت على أن التفكير العقلاني هو الأسلوب الصحيح للنقد، متجاوزًا الشك المذهبي إلى بناء معرفة جديدة.
مفهوم "الحذق" في التفكير الفلسفي
"الحذق" في اللغة العربية يعني الذكاء والتبصر، وفي السياق الفلسفي، يشير إلى التفكير النقدي الذي يتجاوز السطحي. التفكير الفلسفي الحاذق ليس حفظًا للمذاهب، بل منهج في النظر إلى الأمور، يبدأ بالتحرر من الوصايات والبداهات غير البديهية. هذا المفهوم يتردد في الفلسفة الحديثة، كما عند رينيه ديكارت (1596-1650 م) في "تأملات في الفلسفة الأولى"، حيث يبدأ من الشك المنهجي ليصل إلى "أنا أفكر إذن أنا موجود"، محاولة لبدء من جديد بعيدًا عن الافتراضات. في الفلسفة المعاصرة، يعكس جيل دولوز (1925-1995 م) هذه الفكرة في "ما هي الفلسفة؟"، حيث يرى الفلسفة كاختراع مفاهيم جديدة، محاولة للبدء من جديد ضد الرأسمالية والاستهلاك. أما مارتن هيدجر (1889-1976 م)، فيؤكد في "الوجود والزمن" على "التفكير الأصيل" كعودة إلى الأساسيات، محذرًا من أن عصرنا يفتقر إلى التفكير الحقيقي. في السياق العربي، يواجه التفلسف تحديات مثل الاتهامات بالكفر، مما يجعل الحذق ضروريًا لإعادة بناء الفكر بعيدًا عن التقاليد الجامدة. التفكير الحاذق يتجلى أيضًا في التفريق بين التفكير الداخلي (الصامت) والخارجي (اللغوي)، حيث يعبر الثاني عن الأول ليبني واقعًا جديدًا. هذا يجعل الفلسفة نشاطًا ديناميكيًا، لا موضوعًا ثابتًا، كما يقول برتراند راسل في "مشكلات الفلسفة".
التفكير الفلسفي كمحاولة للبدء من جديد: التحديات المعاصرة
في العصر الحديث، يمثل التفكير الفلسفي الحاذق محاولة للبدء من جديد أمام التحديات مثل العولمة والذكاء الاصطناعي. الفيلسوف الفرنسي آلان باديو يرى الفلسفة كأداة لتبيان الحقائق ومنح الشجاعة للناس، محاولة لإعادة "انوجاد" الوجود في عالم يسيطر عليه الوهم. في السياق العربي، يواجه التفلسف مأزقًا بسبب الإرث الاستعماري والانقسامات، لكنه يظل ضروريًا لإعادة بناء الهوية. على سبيل المثال، في علم الاجتماع، يرتبط التفكير الفلسفي بفهم العلل الأولى للأشياء، محاولة لفصل الحق من الوهم. هذا يتطلب نقدًا للأنماط السائدة، كما في فلسفة فرانكفورت، حيث يُعاد التفكير في المجتمع من جديد. مع انتشار الذكاء الاصطناعي، يصبح التفكير الحاذق ضروريًا لإعادة تعريف الإنسانية، محاولة لبدء من جديد ضد الآلة.
ديكارت واستئناف البدء
رينيه ديكارت (1596-1650 م)، الفيلسوف الفرنسي الشهير، يُعتبر أحد أعمدة الفلسفة الحديثة، وغالباً ما يُلقب بـ"أبي الفلسفة الحديثة". فلسفته تمثل تحولاً جذرياً عن الفلسفة المدرسية السائدة في العصور الوسطى، حيث سعى إلى بناء نظام معرفي قائم على العقل والشك المنهجي، بعيداً عن السلطات التقليدية مثل أرسطو أو الكنيسة. العبارة الشهيرة "أنا أفكر، إذن أنا موجود" تلخص جوهر فلسفته، لكنها مجرد نقطة انطلاق في بناء معماري فلسفي يشمل المعرفة، الوجود، الله، والعلاقة بين العقل والجسد. تهدف هذه التوسعة إلى استئناف البدء في فلسفة ديكارت بشكل موسع ومسترسل، من خلال تحليل أبرز أفكاره، سياقها التاريخي، وتأثيرها على الفكر اللاحق. سنعتمد على أعماله الرئيسية مثل "خطاب في المنهج" (1637 م)، "تأملات في الفلسفة الأولى" (1641 م)، و"مبادئ الفلسفة" (1644 م)، مع التركيز على الجوانب النظرية والتطبيقية. هذا التوسع ليس مجرد سرد تاريخي، بل تحليل نقدي يبرز كيف أن فلسفة ديكارت تمثل محاولة للبدء من جديد في التفكير الفلسفي، كما في مقاربة العقلانية والشك. ولد ديكارت في فرنسا في عصر النهضة والإصلاح الديني، حيث كانت أوروبا تشهد صراعات دينية وعلمية. تأثر بتعليمه اليسوعي في كلية لا فليش، لكنه سرعان ما رفض المناهج التقليدية، معتبراً إياها غير موثوقة. خدم في الجيش الهولندي، ثم سافر إلى ألمانيا حيث رأى في عام 1619 "رؤيا" ألهمته بفكرة المنهج العلمي الموحد. استقر في هولندا ليهرب من الرقابة الكنسية، وتوفي في السويد بعد دعوة من الملكة كريستينا.في سياقه التاريخي، جاءت فلسفة ديكارت كرد فعل على الشكوكية المتطرفة لمونتاني وتأثير الثورة العلمية (غاليليو، كبلر). سعى ديكارت إلى إعادة بناء المعرفة على أسس صلبة، مستوحى من الرياضيات، حيث رأى فيها نموذجاً لليقين. هذا السياق يفسر لماذا كانت فلسفته مزيجاً بين الفلسفة والعلم، مما أثر على نيوتن وكانط لاحقاً. يبدأ ديكارت فلسفته بالشك المنهجي، وهو ليس شكاً سلبياً بل أداة للوصول إلى اليقين. في "التأملات"، يقسم الشك إلى مراحل: أولاً، شك في الحواس لأنها قد تخدع (مثل الوهم البصري)؛ ثانياً، شك في الواقع مقابل الحلم؛ ثالثاً، افتراض "شيطان خبيث" يخدعنا في كل شيء، بما في ذلك الحقائق الرياضية البسيطة مثل 2+3=5.هذا الشك ليس نهاية، بل بداية: من خلاله، يصل ديكارت إلى اليقين الأول: "أنا أفكر، إذن أنا موجود". هنا، يبرز العقل كأداة وحيدة للمعرفة، حيث أن الشك نفسه يثبت وجود الشاك (العقل). هذا الـ"كوجيتو" يمثل نقطة الصفر في الفلسفة الحديثة، محاولة للبدء من جديد بعيداً عن الافتراضات. النقاد مثل نيتشه رأوا فيه فردانية مفرطة، بينما يمدحه هيغل كأساس للفلسفة المثالية.
بعد الـ"كوجيتو"، ينتقل ديكارت إلى إثبات وجود الله كضمان للمعرفة. يقدم ثلاث براهين: الأولى أنطولوجية (مثل أنسلم)، حيث فكرة الكائن الكامل (الله) تشمل الوجود؛ الثانية كوزمولوجية، حيث يجب أن يكون هناك سبب كامل لفكرة الكمال في ذهني؛ الثالثة تعتمد على أن الله غير مخادع، لذا يضمن صدق المعرفة الواضحة والمتميزة.بهذا، يستعيد ديكارت الثقة في العالم الخارجي: الحواس موثوقة إذا استخدمناها بحذر، والرياضيات يقينية لأنها واضحة. هذا الجانب الديني في فلسفته يعكس سياقه الكاثوليكي، لكنه أثار انتقادات من الكنيسة، مما أدى إلى وضع أعماله في قائمة الكتب الممنوعة عام 1663. في التوسع، يمكن رؤية هذا كجسر بين العقلانية واللاهوت، مؤثراً على سبينوزا الذي طوره إلى بانثيسم. أحد أبرز مساهمات ديكارت هو الازدواجية (الديواليزم)، حيث يقسم الوجود إلى جوهرين: الجوهر المفكر (العقل، res cogitans) غير الممتد، والجوهر الممتد (الجسد، res extensa) المادي. العقل حر وغير خاضع للقوانين الفيزيائية، بينما الجسد آلة ميكانيكية تخضع لقوانين الطبيعة.في "العواطف النفسية" (1649 م)، يشرح ديكارت كيف يتفاعل العقل والجسد عبر الغدة الصنوبرية في الدماغ، لكن هذا أثار مشكلة "التفاعل": كيف يؤثر غير المادي على المادي؟ النقاد مثل جيلبرت رايل وصفوها بـ"الشبح في الآلة"، بينما أثرت على علم النفس الحديث، مثل فرويد. في التوسع، تظل هذه الازدواجية محور نقاشات فلسفة العقل المعاصرة، خاصة مع الذكاء الاصطناعي الذي يتحدى فكرة العقل غير المادي لم تقتصر فلسفة ديكارت على الميتافيزيقا؛ في "خطاب في المنهج"، يقدم أربع قواعد للمنهج: عدم قبول إلا الواضح، تقسيم المشكلات، ترتيب الأفكار من البسيط إلى المعقد، والمراجعة الشاملة. هذا المنهج أثر على العلم الحديث، حيث طور ديكارت الهندسة التحليلية (الإحداثيات الديكارتية)، رابطاً الجبر بالهندسة.في الفيزياء، رأى الكون كآلة ميكانيكية، مع قوانين الحركة التي ألهمت نيوتن. هذا التوسع العلمي يجعل ديكارت فيلسوفاً متعدد التخصصات، لكنه أثار انتقادات لأنه رفض الفراغ، معتبراً الكون مليئاً بالدوامات. أثرت فلسفة ديكارت على العقلانيين مثل لايبنتز، والتجريبيين مثل لوك الذين رفضوا الأفكار الفطرية. في القرن العشرين، انتقد هوسرل الازدواجية، بينما طور سارتر الـ"كوجيتو" في الوجودية. في السياق العربي، تأثر الفلاسفة مثل محمد عابد الجابري بديكارت في نقد التراث، رابطاً الشك المنهجي بإعادة قراءة ابن رشد. النقد الرئيسي يأتي من النسوية (لأنه أهمل الجسد) والما بعد حداثيين مثل دريدا الذين رأوا فيه مركزية أوروبية. مع ذلك، تبقى فلسفته أساسية لفهم الحداثة.
خاتمة
التفكير الفلسفي الحاذق، كمحاولة للبدء من جديد، هو جوهر الفلسفة التي تخضع كل شيء لمساءلة العقل.
من سقراط إلى باديو، مرورًا بالفلاسفة العرب، يظل هذا التفكير أداة للتحرر والإبداع. في عالمنا اليوم، يدعو إلى إعادة بناء المعرفة لمواجهة التحديات، محافظًا على قدرة الإنسان على التجديد. هذه الدراسة تؤكد أن الفلسفة ليست نهاية، بل بداية مستمرة. فلسفة ديكارت تمثل توسعاً في التفكير الفلسفي، محاولة جريئة للبدء من جديد عبر الشك والعقل. رغم عيوبها، مثل مشكلة الازدواجية، فإنها أسست للعلم والفلسفة الحديثة، محفزة على النقد المستمر. في عصرنا، مع التقدم العلمي، يظل ديكارت مصدر إلهام لفهم الوعي والوجود، داعياً إلى عقلانية لا تنتهي.
فمتى تصير الفلسفة شأنا عموميا عندنا؟
***
د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي






