أقلام فكرية
سامي البدري: النظام الطبيعي "الفطري"
فلسفياً، وما دمنا لا نملك غير الأسطورة المتداولة، دعونا نتخيل اللحظة الأولى لوجود الإنسان على الأرض، والتي عبر عنها (الدوس هكسلي) وصورها بأجمل وأدق صور الحرية (إن الذي رآه آدم، في صبيحة اليوم الأول من خلقه، هو المعجزة، ثم تدريجياً الوجود العاري). وتعني الوجود العاري، الوجود الفطري للأشياء، بكامل مساحته ووحدته، وكامل حريته، قبل أن يُمس (قبل أن تمسه اليد البشرية). يومها كان الأمر تلقائياً يسيراً، (يمس) الإنسان ما يشاء كما يحلو له ويحتاج دون رقيب أو حساب من جهة عليا، سواء كانت أرضية أو ماورائية.
يومها، وكان النهر والأرض والبحيرة والبحر ملكاً خالصاً لكل ذات، تستخدمها كل ذات بشرية لغرض إشباع حاجاتها وخدمتها كما تشتهي. هل كان الإنسان يبحث عن معنى وهدف لحياته؟ الموروث الأسطوري والديني السحيق يقول نعم، ولذا عمد الإنسان لاختراع الأساطير والأديان الأولى، لتفسير ما حوله، والبحث عن معنى لحياته، عبر تلك التفسيرات، ولكن من دون مساس بالنظام الطبيعي أو فرض قهري تقنيني. كان كل شيء ناصعاً، بريئاً، حراً، ومتاحاً، أي خارج حدود التقنين (العقلي) والسلطوي، على حد سواء.
كم استمر زمن (المعجزة) تلك، قبل أن تبدأ مرحلة الوجود العاري؟ هل انتهى زمنها ببدء عمل العقل والإدراك، وما تبعهما من وعي ومعرفة؟ هل كان الإنسان بحال أفضل في زمن دهشة المعجزة، حيث كان كل شيء متاح له أو تحت سلطته هو، أي من دون سلطة فوقية – تقنينية، سواء كانت أرضية أو ميتافيزيقية؟
في البدء أو بدء الوجود بمعجزة الإيجاد أو الخلق، هل حدثت تلك المعجزة أو تفجرت لتنقض أو تسلب روحها بالتقنين أو (التنظيم العقلي)؟ لماذا؟ هل يعني هذا أن عقل الإنسان أنضج وأكبر من عقل الطبيعة التي حققت معجزة الوجود الأولى؟ لا بالقطع طبعاً. وكما يقول (ألبير كامي) فإن (خطوة العقل الأولى هي تمييز الصحيح من الزائف)، وللأسف فإن العقل لم يكن مؤهلاً بذاته (لوحده) لتمييز الصحيح من الزائف، فأختلط الصحيح بالزائف والتبس الأمر من تلك اللحظة، على العقل وعلى الإنسان ككل، وخاصة في جانب تحليل وفهم وتحديد أهداف الوجود العاري الذي تبع دهشة (اللحظة) الأولى.
ولكن ولكون أن تصور (هكسلي) كان محض افتراض، وإن القراءة الأكثر انسجاماً مع (التنظيم العقلي) الذي أفرزه ذهن الإنسان، ككائن عاقل، فإنه أخذ المسؤولية على عاتقه في تنظيم (فوضى ذلك الوجود العاري)، من دون التوقف أمام افتراض أن تكون تلك (الفوضى) نظاماً طبيعياً، من طبيعة الأشياء أو الوجود العاري، لا بد من نفاذه وسيرورته باتجاه ذروة أو نتيجة لم يرها أو يقدرها عقل الإنسان.
لم يتوقف الإنسان يوماً ليسأل لماذا يحق له أن يغير كل ما يريد أو يراه ضرورياً في النظام الطبيعي، وبأي قدرات وإمكانيات. هو مدفوع بغريزة البقاء للبحث وتحقيق ما يحقق وجوده ويديم بقاءه فقط، وهذا هو قانون الفطرة أو القانون الطبيعي، حيث كل شيء يجب أن يكون مسخراً لحياة الإنسان وإدامة بقائه. وهذا يعني، في المحصلة النهاية، أن القانون الطبيعي للوجود مسخر للإنسان الفرد بما يوافق نزعته الذاتية، من واقع كونه محور الوجود وركيزته الأساسية، ما دام ليس على الأرض كائن بمواصفات أعلى منه، من جميع النواحي، وهذا ما يتفق على (نفاذه) الحس الغريزي والعقل معاً.
هل يعني هذا أن الإنسان وحدة الوجود الأولى – الأساسية؟
فلسفياً نعم، أما وجودياً - طبيعياً فلا بالقطع، لأن العلم، بأغلب فروعه، أثبت عكس هذا، وإن كانت الكائنات السابقة لوجود الإنسان، لا تتمتع بميزة العقل، التي أنتجت وتربت عليها خصائص التفكير والبحث والافتراض وبناء المفاهيم والتحليل والتأويل والاستنتاج… وباقي عناصر المنظومة.
الأبواب وجدت لتغلق..
تأسيساً على افتراض هكسلي، في الوجود العاري السابق، يُمكننا العقل، بإحدى أدواته الوفيرة، من بناء المفهوم القائل بأن (الوجود العاري) لم يكن بعري مطلق، بل بعري قابل للكشف الحسي، الذي يسبق الكشف العقلي ومختبر أدواته التشريحية. وهذا يعني بطريقة ما وفي النهاية، أن الوجود الطبيعي (المحيط بالإنسان)، ما كان ليكتسب حركة وفعل الوجود (الأصيل) لولا وجود الإنسان بأدوات بحثه وفعله، عقل وحس وغرائز وحدس و… إلى باقي أدوات كشفه.
مثل هذا التصور يقودنا، بالضرورة، لمدخل جديد من مداخل الفلسفة (بمنحاها أو رؤيتها الوجودية على وجه التخصيص) وهو مدخل (أن الأبواب وجدت لتغلق) بالضرورة والقصد، ولكن ليس لغرض (إثارة الصيد للقانصين) إنما بقصد ارتكاب جرأة التحرش بسطوة الممنوع وغرز مخالب التفكير والتحليل في لحم جهامته، كباب مغلق طبعاً، ولكن لا بد من فتحه دون تحطيم… لنقل بعنف لحظة اللذة.
ومن المهم أن أؤكد (في هذه اللحظة من عمر الفكرة) أن فكرة وفرضية أن الأبواب وجدت لتغلق، أنما مقصدها (نزعة الأبواب لا أقفالها)، رغم أن هذا الفرض يعامل الأبواب كذوات فاعلة لا كجمادات خشبية أو حديدية، ولكن هذا فرض لا خيار داخل غرفة الفلسفة.
إذن فالنظام (الطبيعي - الفطري) أحد الفواعل الفطرية الواجبة الوجود، التي تُحس (يُدرك فعلها) بالفعل الغريزي للوجود الإنساني، كمستقبل محرض ودافع لفعل الحياة وعملية تطويره (تهذيبه) بتراكم الاكتشاف، الذي، وبعمره التاريخي الطويل، هذب الذائقة، كوسيلة إنضاج نقدية مكتسبة عبر الزمن وتراكمه.
وجدير أن نذكر، في هذه اللحظة من عمر هذه المقولة (زمن كتابة هذه السطور)، أن هذا النظام قائم وفاعل منذ اليوم الأول للوجود العاري، رغم أن أغلب الأديان سعت إلى ضمه لقائمة فواعلها ومكاسبها، من أجل أن تدعم به سطوتها، قبل أن تنقلب على الإنسان وتسعى لتتفيه ذاته وإقناعه بأنه ليس أكثر من كتلة من الزيف والخداع الذاتي وتنهيه في الجحيم، وكانت ضربتها السديدة التي سحبت بساط الثقة من تحت زهو الذات الإنسانية، لتتركه يتخبط في مجاهل الرعب وغربة الذات، حتى ظهور الفلسفة الوجودية وأدب الاحتجاج.
وربما لبطئه (العلماء يتحدثون عن ملايين مرهقة من السنوات) ظل النظام الطبيعي بعيداً عن متناول الاستيعاب الإنساني، ولهذا نجحت أغلب الأديان في طرح طوق نجاتها التاريخي (ألفين أو ثلاثة آلاف من السنوات)، من أجل اهالة التراب على رأس الإنسان ودفنه (مع أفكاره الثورية) ونفيه من الحياة إلى الأبد، تحت مسمى نجاة وحياة سرمدية بعدية، والأهم اختفاء أو احتراق أو تبدد النظام الطبيعي الكسول وإلى الأبد. لماذا؟ لا أحد يملك إجابة.
لا أحد يعرف سبب معاداة الأديان للنظام الطبيعي، بل وإن أغلب البشر لم يتوقفوا ليسألوا عن هذا السبب.. قبلوا الفكرة لأنها غلفت بطبقة سميكة من الخوف وتفرغوا لندب حظهم، بعد أن أفلح كهنة المعابد في إقناعهم بأن الحياة، في ظل النظام الطبيعي، أمر عقيم وهدر للوقت في صنوف من العذابات القاتلة، وعليه فإن الخروج من النظام الطبيعي (أي الموت) هو النظام الوحيد للفوز بحياة السعادة والرفاه والغبطة الأبديين، وطبعاً من دون أن يكلف أغلب الناس السؤال، لمن سنخلف النظام الذي بين أيدينا أو إذا ما كان سيحترق أو يتبخر أو يختفي بالفعل، في لحظة أو يوم لا أحد يعرف موعده.
***
د. سامي البدري






