عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

صبيح الكعبي: هندسة الانكفاء.. كيف تبتلع الأوهامُ أوطانَنا

وحقنة الشفاء المؤجلة

جلس الشيخ على عتبة بيته العتيق يراقب شاباً يقف بوجلٍ في منتصف الطريق، يلتفت يمنة ويسرة دون أن يخطو خطوة واحدة. اقترب منه وسأله: "لِمَ تقف مكانك يا بني والنهار في أوله؟" أجاب الشاب بصوت مرتعش: "أخاف أن أتقدم فتقع السماء عليّ، وأخاف أن ألتفت خلفي فتنقض الجدران عليّ، لقد قيل لي إن كل الطرق فخاخ". تبسم الشيخ بأسى وقال: "يا بني، السماء ثابتة والجدران قائمة، لكن الفخ الحقيقي يقبع في رأسك؛ لقد سمحت لخوفك أن يبني لك سجناً من الوهم، وأخطر السجون هي تلك التي نصنع قضبانها بأيدين.ا"

في الميزان النفسي للإنسان، ثمة خيوط دقيقة تفصل بين الحقيقة والظلال؛ فالإنسان يبدأ بالانكفاء حين يسقط ضحية لثنائية مدمرة: الوهم والهاجس. والوهم ليس مجرد خطأ في التقدير، بل هو تشوه معرفي كامل يعتنقه العقل كحقيقة مطلقة ويرفض الانفكاك عنه رغم كل الأدلة، بينما الهاجس هو تلك الفكرة المقلقة والملحة التي تتردد في جنبات النفس بلا انقطاع، تقتات على الخوف من الغد وتفرغ المرء من أمانه الداخلي. وحين يلتقي الوهم كفكرة مشوهة مع الهاجس كطاقة قلق مستمرة، ينشأ سجن عقلي منيع يتجاوز الفرد ليتمدد داخل البنية المجتمعية كاملة.

من رحم هذا التزاوج النفسي المظلم، نرى الجواب على السؤال المرير: ما الذي يحدث لبلدٍ يستيقظ أبناؤه كل صباح، لا ليبحثوا عن لقمة عيش أو حلم يطاول السماء، بل ليفتشوا في زوايا الغرف عن "خيانة" جديدة، أو ليعيدوا صياغة مخاوفهم من غدٍ يثقون تماماً بأنه سيكون أسوأ؟

إن المجتمع الذي يعيش اليوم في دوامة القلق ليس مجتمعاً كسولاً، بل هو مجتمعٌ "مريض نفسياً" بمرضٍ صامت، يدعى في أدبيات علم النفس بـ "العجز الجمعي المكتسب". لقد تحول الخوف من مجرد شعور عابر إلى "مؤسسة" تدير العقول، وصار وهم الخذلان جداراً سميكاً يفصل الفرد عن أخيه، وعن أرضه. إننا نقف أمام حالة مخيفة من الانكفاء، حيث تحولت النفوس من الرغبة في البناء إلى الرغبة في النجاة الفردية فقط، مما جعل "الوطن" مجرد محطة قطار ينتظر الجميع الرحيل منها، لا الإقامة فيها وتعميرها .

تأملوا هذا الوجوم المرتسم على الوجوه في المقاهي والشوارع؛ شباب في مقتبل العمر يمتلكون طاقات مهدورة، لكنهم يجلسون في صمت مطبق، مصابين بـ "شلل الإرادة". إذا سألت أحدهم عن العمل، أجابك بابتسامة ساخرة: "ولِمَ العناء؟ فالأبواب مغلقة، والجهد ضائع". هذا هو "وهم الخذلان" عندما يتحول إلى حقيقة الفرد المطلقة. لقد تآكلت الهوية الوطنية، ليس كُرهاً بالأرض، بل لأن هاجس الخوف غسل الأدمغة وجعل العطاء يبدو ضرباً من المغامرة غير المحسوبة. إن ضعف المواطنة هنا ليس خيانة، بل هو "آلية دفاع نفسية" يلجأ إليها الإنسان المنكسر لحماية ما تبقى من كبريائه؛ وحين يغيب الأمان، ينكفئ المرء على ذاته، وتصبح المصلحة العامة ترفاً لا يطيقه المثقل بالهواجس.

ولكن، هل استسلامنا لهذا الوجع قدرٌ محتوم؟ بالتأكيد لا، فالنفس البشرية التي تمرض تملك في جوهرها بذور الشفاء إذا ما أُحيطت بالبيئة الصحيحة. إن علاج هذا الانكفاء لا يكمن في الخطب الرنانة، بل في هندسة عملية ثلاثية الأبعاد تعيد بناء الإنسان من الداخل:

- حصانة العقل (التعليم والشباب): عبر تحويل المدارس من دور للتلقين الحفظي إلى مختبرات لبناء التفكير النقدي، وتطهير عقول الناشئة من الخرافات والأوهام النفسية، مع ملء فراغهم بأنشطة تفجر طاقاتهم المعطلة.

- توجيه الوعي (الإعلام والثقافة): من خلال صناعة محتوى رشيق يتجاوز لغة البكائيات، ويسلط الضوء على "ثقافة الحل والمبادرة"، ويقدم نماذج حقيقية ملهمة من قلب المجتمع تعيد إحياء عقد الثقة المفقود.

- إشغال الجسد (التمكين الاقتصادي): وهو الدواء الأنجع؛ إذ إن فتح قنوات المشاريع الصغيرة وربط الشباب بالأرض والإنتاج هو الكفيل بطرد شياطين الهواجس، فاليد التي تعمل لا تجد وقتاً للخوف، والإنجاز الملموس يولد الطمأنينة.

إن الأوطان لا تموت بشح مواردها، بل تجف وتذبل حين يموت الأمل في نفوس أبنائها، وحين يتحول الفراغ إلى مسرح للأوهام السامة. إن السير في دروب البناء ليس نزهة، لكنه الخيار الوحيد المتبقي لنا إن أردنا ألا نتحول إلى مجرد عابرين في تاريخ هذه الأرض. ضع يدك في يد أخيك، واشغل عقلك بما ينفع، فما زال في النهر متسع للموج، وما زال في الغد متسع لمن يجرؤ على الحلم والعمل.

***

بقلم صبيح الكعبي

في المثقف اليوم