عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

الخطة الانفجارية كان يفترض ان تغطي الفترة ١٩٧٦-١٩٨٠. وقد كان النشاط الاعلامي المحيط بها يقول انها سوف تُخرِج العراق من تصنيفه كدولة نامية ويصبح ضمن الدول المتقدمة.. عند إعداد الخطة وقبل اطلاقها كنت طالباً في فرع الاقتصاد في السنة الرابعة، وكان المرحوم الدكتور عبد المنعم السيد علي يدرّسنا مادة النظرية النقدية. في احدى محاضراته تطرق الى العمل الجاري لإعداد خطة جديدة للتنمية وبَدءْ النقاش حول ذلك.

قال الدكتور انه شارك كاستشاري في اللجنة التي ناقشت الخطة، وعندما علِم انها انفجارية وتشمل كل القطاعات وكل شيء، أعترض وقال يجب البدء بتطوير البنية التحتية للاقتصاد لانها متهالكة وضعيفة ولاتتحمل عبء تنمية من هذا النوع. هذه الخطة سوف تشكل ضغطاً واختناقات.

يبدو انهم رفضوا رأيه وأصرّوا على التنمية الانفجارية، وكان منزعجاً حقاً من ذلك الرفض والاصرار على جَعلِها انفجارية وتغطّي كل شيء.

احد زملائنا (وكان من اقارب السلطات) اعترض على ذلك الانزعاج وقال له: لماذا تتكلم امامنا ولاتقدم وجهة نظرك امام المسؤولين لأن ابوابهم مفتوحة؟

اجابه الدكتور بكبرياء،انه قدّم وجهة نظره ورُفِضت وانه لايخشى من ذلك.

في الاقتصاد هنالك مفهوم مهم هو: مفهوم الطاقة الاستيعابية (absorptive capacity)، وهو يعني قدرة الاقتصاد على استيعاب الاستثمارات الجديدة بكفاءة ودون اختناقات وتعطل.

الحكومة كانت تمتلك الاموال الكثيرة نتيجة ارتفاع اسعار النفط، لكن ذلك لايكفي للبدء بالتنمية، لانه لايملك الطاقة الاستيعابية.

البلد لايمتلك البنية التحتية المطلوبة لذلك، فالطرق قديمة والجسور والسكك الحديدية والموانيء ونُظم الاتصالات والمطارات والمخازن كلها بسيطة وقديمة الخ.

كان المفروض البدء بتطوير البنية التحتية كخطوة اولى ثم الانتقال الى التنمية القطاعية من خلال مشروعات الانتاج السلعي والخدمي..

عندما بدأ تنفيذ الخطة تم البدء بآلاف المشاريع في كل القطاعات، وهنا بدأت المشاكل في الظهور.

من الأمثلة على تلك المشاكل والاختناقات التي لاتحصى، انهيار أحد ارصفة ميناء البصرة بسبب عدم تحمله لثقل المواد المستوردة الموضوعة فوقه لانه غير مصمم لتلك الاحمال. ضاعت كل المواد التي كانت فوقه في البحر.

السفن التي تنقل السلع للعراق، كانت تتأخر لاشهر طويلة لعدم قدرة الموانيء على تفريغها.

كانت حكومة العراق  تَدفَع لاصحاب السفن غرامات تأخيرية كبيرة بحيث ان البعض كان يُرسِل سفن قديمة لكي تتأخر ويستلم غرامات اكبر من قيمة السفينة نفسها.

الطرق تحطمت من كثرة الشاحنات وثقل تلك الشاحنات مما

حول شوارع المُدن العراقية الى خراب وغبار مستمر.

في اجتماع مع المرحوم حسن العامري وزير التجارة في النظام السابق، قال: واجهنا ندرة في سوّاق الشاحنات بسبب كثرة المشاريع، لذلك وجدنا حلاً عبقرياً بأن استوردنا شاحنات بحمولات ثقيلة. ذلك جَعَلنا نستخدم سائق واحد لنقل ضعف الحمولة. لكن النتيجة كانت تدمير الشوارع نتيجة ثقل الشاحنات!!

تكاليف تنفيذ المشاريع ارتفعت كثيراً بسبب معرفة الشركات التي تنفّذ المشاريع بالصعوبات التي تواجه عملها والاختناقات والصعوبات المختلفة التي تواجهها. كما ان بعض الشركات استغلت تلك الظروف للمبالغة في تكاليف تنفيذ تلك المشاريع.

ذلك يعني ان المشاريع سوف لن تكون قادرة على المنافسة مع المنتجات المُستورَدَة للمشاريع المشابهة... يعني انها تولد ميتة... كان الهاجس هو امتلاك المشروع بالمعنى المادي وليس بالاهتمام بالقدرة على توليد الفائض والمساهمة في التنمية الحقيقية وليس الديكورية فقط..لم تكن هنالك دراسات جدوى بالمعنى الحقيقي لذلك كانت المشاريع في معظمها ديكور تنموي..

قال الرئيس ذات مرة في حديث بثّه التلفزيون: قلنا لهم، كم تطلب الشركات لكي تأتي للعمل في العراق؟ كم يعطونهم في الدول الأخرى؟ ضاعفوا لهم المبلغ!!

ناهيك عن شحة المهندسين المقيمين والمشرفين على اعمال الشركات الاجنبية... الشركات لم تكن تجد بيوتاً تُقيم فيها مكاتبها، ارتفعت الاسعار وتعرض الناس الى ضغوط كبيرة.. وانتهت الخطة وضاعت الآمال بقيام الحرب مع ايران..

اختم، بحديث دار بيني وبين أحد الاساتذة في مدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية في الثمانينيات، عندما حدثته عن خطة التنمية الانفجارية.. حيث استوقفني قائلاً: ماذا تعني بانفجارية؟

قلت له: اقصد انها ذهَبَت في كل الاتجاهات..

ضحك قائلاً: كيف تسميها خطة؟

انها فوضى.. الخطة لها اهداف محددة وتوقيتات وحسابات.. النتيجة كانت ضياع دولارات النفط وضياع ماتبقى منها في الحرب..

***

د. صلاح حزام

في واقع إعلامي واتصالي وتواصلي متسارع وكثيف بالمحتوى المتنوع، والمعلومات الغزيرة، وتدفق الأخبار عبر منصات متعددة، برزت ظاهرة تعرف بـ"القمامة الإعلامية"، وهي ليست مواد نفايات مادية، بل محتوى إعلامي عديم القيمة، مكرر، وأحيانًا مضلل، يبتعد عن المهنية وينشر السطحية، بهدف جذب الانتباه واستمالة العواطف بأي ثمنومن أراد فهم الفرق الجوهري بين الإعلام النموذجي الرصين والقمامة الإعلامية فذلك يكمن في القيم المهنية، والأخلاقية، والحرص على المعلومة الدقيقة وبناء ثقة الجمهور، أما القمامة الإعلامية فتسعى إلى الربح السريع والانتشار العرضي، وأحياناً يتم توظيف هذه القمامة لاستهداف شرائح معينة بقصد التلاعب بالرأي العام ,, هذا الكم الهائل من المحتوى الذي يفتقر إلى المصداقية والجودة، وغالبًا ما يُنتج بشكل عشوائي وتشمل هذه القمامة الأخبار الزائفة، أو الإشاعات المختلقة والموهومة، وكذلك المقالات والتسجيلات والصور، أو الفيديوهات السطحية التي تكرر مضامين بدون توثيق مصدري وأيضاً المحتوى الترفيهي الذي يتسم بالصخب واستثارة الأنفس فقط دون هدف معرفي أو ثقافي، وزد عليها الإعلانات الفوضوية والساخنة والدعايات المخفية التي قد تروّج لمنتجات أو أفكار غير نزيهة

حماية وعي المستخدم البسيط ليست مهمة معقدة، بل تبدأ بخطوات صغيرة من الانتباه والتمهل في الاستهلاك والمشاركة، كلما زاد وعي الفرد، زادت مقاومته للقمامة الإعلامية، وأصبح جزءًا من مجتمع إعلامي وتواصلي أفضل,,, مؤكد أن يكون لكل نوع من المحتوى جمهوره، القمامة الإعلامية تستهدف جمهورًا متنوعًا كالفئة الباحثة عن التسلية السريعة دون رغبة في التعمق أو جمهور الشباب الذي يقضي أوقاتًا طويلة على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تنتشر هذه القمامة بوفرة والأشخاص الذين يستهلكون المحتوى بشكل عشوائي لأنه ليس لديهم قدرة نقدية وطاقة للفرز بين الجيد والرديء من هنا تبرز مسؤولية الجمهور في تطوير الوعي الإعلامي والتفكير الناقد

المؤسسات الإعلامية: يجب أن تلتزم بالمعايير المهنية وتبتعد عن الإثارة المفرطة والترويج غير النزيه,, التربية الإعلامية: تعزيز وعي الجمهور بمهارات التفكير النقدي والتمييز بين المصادر الموثوقة وغير الموثوقة وذلك عن طريق وسائل التوعية المتاحة والدورات,, يحب سن قوانين تحارب الأخبار الزائفة وتحمي حرية الإعلام في الوقت ذاته -- حماية وعي المستخدم البسيط ليست مهمة معقدة، بل تبدأ بخطوات صغيرة من الانتباه والتمهل في الاستهلاك والمشاركة، كلما زاد وعي الفرد، زادت مقاومته للقمامة الإعلامية، وأصبح جزءًا من مجتمع إعلامي وتواصلي أفضل

في السابق، كانت إدارة الأزمات الإعلامية محصورة بين بيان رسمي، أو تغطية مرئية، أو الصمت المطبق كما هو متبع غالبا في أغلب الحالات، أما اليوم، فالأزمة تبدأ بتغريدة، أو مقطع سناب شات، أو حتى صورة -حتى لو كانت إشاعة- تتناقلها مجموعات “واتساب”، لتتحول خلال دقائق إلى رأي عام أو كما يعرف في مجالنا الإعلامي بأزمة اتصالية، يطالب فيها برد، ومحاسبة، وتفسير، وتحرك، وقرار، وكل ذلك خلال فترة قصيرة!,, منصة “واتساب” تحديدًا تشكّل تحديًا خاصًا؛ كونها منصة مغلقة وتبادلية، يصعب تتبع مصدر المعلومة فيها. غالبا تبدأ الأزمة بعبارة “وصلني الآن” يتبعها تسجيل صوتي أو لقطة شاشة مفبركة، لتنتشر في مئات القروبات، وتبدأ بالتأثير على الرأي العام قبل أن تصدر الجهات المعنية أي توضيح، وهو درس يعكس كيف أن أغلب الأزمات الإعلامية لا تبدأ من منصة إعلامية تقليدية، بل من الواتساب ,, شبكات التواصل الأخرى أيضًا، وعلى رأسها “Xو”تيك توك”، زادت من تعقيد المشهد، حيث إن سرعة الانتشار و”الفايروسية” قد تسبق أي رد رسمي، ومثال حيّ لما حدث مع أحد شركات الأطعمة، فلم تنجح الشركة في احتواء الغضب تجاه إحدى الأزمات التي حدثت، ولم يكن صيغة الاعتذار ظاهرة في البيان الذي نشر، ولم يكن الرد سريعا بما يكفي، لتتفاقم المشكلة وتصاعدت الأزمة لتصل إلى المطالبة للمقاطعة بالكامل

الإعلام التقليدي لم يعد قادرًا وحده على التحكم بالسرد. بل أصبحت هناك حاجة ماسة إلى تواجد متكامل ومترابط بين القنوات الإعلامية والمنصات الاجتماعية، فالمتحدث الرسمي لا يمكنه الانتظار، بل يجب أن يكون حاضرًا على منصفة أكس أو عبر شبكة لينكدان، وأن يرد في مجموعة خاصة بالإعلاميين عبر الواتساب، وأن ييقابل الجمهور في منصته المفضلة، بلغته، وبسرعته,, تقرير لمعهد رويترز للصحافة عام 2024 أشار إلى أن 64 % من مستخدمي الإنترنت في الشرق الأوسط يفضلون منصات التواصل، وخاصة “الواتساب” ومنصة "إكس" و”سناب شات”، كمصادر أولية للمعلومات، حتى وإن كانت غير موثوقة، هذا التغيير في السلوك الإعلامي يجعل من الضروري أن تعيد الجهات والمؤسسات، الحكومية والخاصة، بناء استراتيجياتها الاتصالية على أسس المرونة، والجاهزية الرقمية، والذكاء العاطفي ,, ومع نمو المؤسسات الإعلامية الرقمية، ودعم المؤسسات المعنية لهذا التحول، فإن الفرصة قائمة لقيادة نموذج إقليمي متقدم في إدارة الأزمات الإعلامية الحديثة، يشمل الإعلام التقليدي، ومنصات التواصل، وتطبيقات الدردشة الجماعية,, الأزمة الإعلامية اليوم لا تُقاس بحجمها، بل بسرعة احتوائها؛ ومن يديرها بذكاء، يُكتب له النجاة.. ومن يتأخر، يُحكم عليه بمنطق “السكوت علامة الإدانة”، والصمت ليس على كل الأحوال حكمة اليوم، من لا يتقن فن الإنصات، والتفاعل، والتحقق، وإعادة البناء السردي، لن ينجو من عواصف الفضاء الرقمي. هذا الإعلام لم يعد يكتب الخبر فقط، بل يعيشه، ويشكّل تصوره، ويواجه ارتداداته؛

***

نهاد الحديثي

الفضول هو الدافع الباطني الذي يشعل شرارة السؤال ويحرّك بوصلات العقل نحو المجهول، لكنه في مجتمعنا اليوم يتقلب بين الحكمة والهاوية، بين طلب المعرفة والتطفل، بين التأمل والانتهاك. فلا يمكن النظر إليه نظرة واحدة، ولا يصح الحكم عليه دون تمييز بين دوافعه ومآلاته. في المجتمعات القديمة، كان الفضول يحمل طابعًا مقدسًا، يدفع الإنسان إلى فك طلاسم الطبيعة وفهم الكون من حوله. المصريون القدماء مثلاً استخدموه في التجريب والتأمل، والإغريق جعلوه أساسًا للفلسفة، وسقراط بنى مشروعه الفكري على السؤال، الذي هو صورة الفضول المنضبط. وفي الحضارة الإسلامية، تحوّل الفضول إلى منهج علمي قائم على الملاحظة والتأمل، لا التطفل والظن، كما نراه في أعمال ابن الهيثم والرازي والخوارزمي.

لكن ما الذي يجعل الفضول، في بعض حالاته، مذمومًا؟ وهل يمكن أن يكون مرضًا اجتماعيًا أو سلوكًا مدمرًا؟ النصوص القرآنية تفتح لنا نافذة لفهم هذا الإشكال؛ فالله تعالى يقول: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ وهي دعوة إلى ضبط النفس، وعدم التورط في الأسئلة التي لا طائل منها أو التي قد تسبب الألم أو الفتنة. والآية الأخرى ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ تعكس موقفًا حاسمًا من الفضول الذي يتعدى حدوده الأخلاقية، ويتسلل إلى الخصوصيات، فيتحول إلى أذى. ولذلك يُفهم من القرآن أن الفضول ليس مذمومًا بذاته، بل يُذم حين ينفلت من ضوابط الحكمة والأدب، ويُمَدح حين يكون بوابة للعلم والمعرفة، كما في قوله: ﴿وقل رب زدني علمًا﴾.

الإمام علي عليه السلام، وهو منارات العقل والنور، لم يغفل هذا المعنى، بل وجه إليه بدقة فائقة. ففي قوله "من أمسك عن الفضول عدّ من أرباب العقول" نرى أن ضبط الفضول لا إلغاؤه هو سبيل الحكمة. وقال أيضًا: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، وهذا يربط الفضول بخلق الحياء والتعفف. ومن كلامه يتضح أن الفضول حالة نفسية بحاجة إلى تهذيب، لا إلى قمع. وهو ما يجعلنا نفهم أن الفضول ليس مرضًا ولا شريعة، بل طاقة عقلية وأخلاقية، إن وُجّهت للعلم كانت فضيلة، وإن أُطلقت بلا ضابط كانت رذيلة.

وقد تناول الفلاسفة هذا الأمر بآراء متباينة؛ فأفلاطون رأى أن الفضول طريق الحكمة ولكنه محفوف بالمخاطر، وأرسطو اعتبره بداية الفلسفة، وفرنسيس بيكون قال بأن الفضول هو البوابة الأولى للمعرفة. أما المعاصرون أمثال ألبرتو مانغويل، فقد أعادوا تعريف الفضول كقوة ثقافية تجمع بين الرغبة في الفهم وحتمية الحذر. وهكذا فإن الفضول لا يُعرف بماهو عليه، بل بما يصير إليه. قد يبدأ بسؤال، وينتهي إلى اكتشاف، أو إلى فتنة، وقد يكون له شكل فردي في التأمل، أو اجتماعي في تتبع أخبار الآخرين، وما بين هذين المسارين توجد الحكمة، التي لا تفرط ولا تُفرِّط.

إذا أردنا أن نحاكي مجتمعنا اليوم، فعلينا أن نعيد تعريف الفضول بشكل يعكس طبيعته المتجددة: فضول يُلهِم لا يقتحم، ويسأل لا يتجسس، ويقرأ لا يتسلل. فضول يجعل من الفرد باحثًا لا متطفلًا، ومن المجتمع ساحة للحوار لا مرآة للمراقبة. عندها فقط، يعود الفضول ليكون رأسًا للحكمة، لا ذيلًا للشهوة.

***

بقلم محمد صبي الخالدي - الكوفة

٢٧ / ٧ / ٢٠٢٥

«الأهرام» ديوان الحياة المعاصرة، هي ذاكرة قومية عمرها قرن ونصف، مؤسسة تجاوزت حدود الورق والحبر لتصبح إحدى علامات مصر الكبرى.

منذ أن خرجت للنور عام 1875 على يد الأخوين سليم وبشارة تقلا، وهي تنسج خيوط الوعي القومي، شاهدة على تقلبات العصور، وحاملة لنبض الوطن في لحظات مد الثورة وجزر الانكسار. كانت «الأهرام» صدى لعقول الكبار: من طه حسين والعقاد وسلامة موسى، إلى توفيق الحكيم وهيكل ويوسف إدريس. لكنها اليوم تقف على مفترق طرق حاسم، لا يهدد مكانتها كمنبر بل كفكرة، بينما تواجه تحديات ثلاثة كبري: المنافسة، والاستقلالية، والتطور التقني.

قوة غير مستغلة

رغم امتلاكها لقدرات هائلة، وقوة ذاتية تراكمت لها عبر سنوات من الخبرة والترقي، إلا أنها لا تستغل كل طاقتها وإمكاناتها الكامنة، بل تترك الروتين الحكومي والبطء يتسلل لأروقة العمل بها، في الوقت الذي تتناسل فيه الأخبار إقليمياً وعالمياً بسرعة الضوء!

نحن اليوم نعيش عصر السوشيال ميديا والمواقع الإخبارية السريعة حيث لم تعد الصحف الورقية تحظى بنفس النفوذ الذي كانت تتمتع بهقديماً. صحيح أن الأهرام حاولت مواكبة هذا التحول عبر إطلاق موقعها الإلكتروني ومنصاتها الرقمية، إلا أنها لا تزال تعاني من بطء في التكيف مع ثقافة "الخبر الفوري" التي يفرضها العصر.

وإذا تركت الصحافة الرصينة نفسها نهباً لتيارات الزيف تتقاذفها، فسوف تضيع الحقيقة بين ضجيج الشاشات ومنصات التواصل، فتبدو «الأهرام» وكأنها تصارع جراحها في صمت نبيل.

فهل ما زالت الأهرام تحمل راية الفكر؟ أم أصبحت أسيرة الخطاب الواحد، تحيا على فتات المصداقية المتآكلة؟ لقد كانت في يوم ما « ضمير الأمة»... فهل تقبل اليوم أن تُختزل إلى ملحق حكومي تقليدي لا يملك حق العمل الصحفي المحترف المستقل؟

تحولات هائلة وتقدم بطئ

لا جدال أن عصر الصحافة الورقية يوشك على الأفول، و«الأهرام» لم تكن استثناء. ورغم خطواتها المتأخرة نحو الرقمنة، لا تزال تحبو في ميدان صار يتطلب سرعة الضوء ومرونة الموجة. موقعها الإلكتروني أقرب إلى مرآة باهتة لنسخة مطبوعة، لا روح فيه ولا جرأة. أما وسائل التواصل، فتستخدم عندها كأنها مروحة في مواجهة إعصار.

هناك تحولات حادة حولنا: في السياسة والحوكمة والتقنيات وحتي في الفكر الجمعي، ومع ظهور منصات إعلامية جديدة، بعضها خارجي التمويل، أصبحت "الأهرام" في سباق غير متكافئ. فبينما تعتمد هذه المنصات على لغة جذابة وخطاب أكثر جرأة، تظل "الأهرام" محكومة بقيودها التاريخية كصحيفة رسمية ترتدي بذلة ريدنجوت أنيقة وسط شباب يرتدون الكاجوال!

وإذا كنا كجريدة لديها التزاماتها وتيارها العام الذي لا يمكن أن تحيد عنه، لكن يمكننا دائماً توسيع نطاق هذا الالتزام للسماح ببعض المساحات المغايرة المواكبة للتحولات: ففي جانب السياسة التحريرية يمكننا السماح بمساحة أكبر للنقد البناء والرأي المختلف. فالصحافة التي لا تخضع للمساءلة ولا تسمح بالاختلاف تفقد مصداقيتها مع مرور الوقت. ومؤسسة بحجم "الأهرام" لا يمكنها أن تظل بمنأى عن روح العصر. ومن حيث التيارات الصحفية؛ ينبغي الاهتمام بالاستثمار في الصحافة الاستقصائية؛ فنصنع في أروقة الأهرام ألف "هيكل" جديد يعرف كيف يأتي بالخبر الطازج المؤكد من أعمق نقطة خفية، ماذا لو عادت "الأهرام" إلى جذورها، وكرست فريقًا للتحقيقات الاستقصائية الجادة، بهذا ستستعيد جزءًا كبيرًا من مكانتها. فالقارئ اليوم يتوق إلى الحقيقة، لا إلى النفاق والمداهنة.

حين يمتنع السؤال!

الصحيفة التي لم تعد تطرح الأسئلة الوجودية، تفقد مبرر بقائها شيئا فشيئا. فكيف يطلب من القارئ أن يثق بمن لا يجتهد في نقد الذات؟

وإذا كانت «الأهرام» قد اعتادت لزمن طويل أن تكون صوت الدولة الرسمي، فهل تستطيع اليوم أن تكون صدى الوطن؟ ذلك التوتر القائم بين الولاء المهني وحرية التعبير، هو ما يحدد مصيرها. فالمصداقية لا تشترى بالتاريخ، بل تُستمد من نبع الواقع الجرئ.

لطالما عُرفت الأهرام كـ"صحيفة النخبة"، يقرؤها المثقفون وصناع القرار، ويستشهد بها الباحثون، بل كانت أرشيفًا حيًا لتاريخ مصر. لكن مع التحولات الجذرية في المشهد الإعلامي، أصبحت الصحافة الورقية في تراجع مستمر، كما وكيفاً.، وصارت "الأهرام" تواجه سؤالًا وجوديًا: هل يمكنها أن تظل تحتفظ بمكانتها العظيمة في عصر الطوفان المعلوماتي؟ أم أن قدرها أن تصبح مجرد ذاكرة ورقية في زمن الشاشات؟

نعيش اليوم في عصر "اللايقين"، كما يسميه علماء الاجتماع، حيث الحقيقة ضائعة بين زحام الزيف، والثقة في وسائل الإعلام تقلصت إلى أدنى مستوياتها. في هذا السياق، تبرز معضلة "الأهرام" أو قل فرصتها: أن تعود للبوليفونية، وجذب الشباب، والاستقلالية، وقوة وعمق الرصد. هذا حدث في دول كثيرة؛ إذ نجحت صحف حكومية غربية في إعادة اختراع نفسها، مثل "لوموند" الفرنسية التي تمت خصخصتها دون أن تفقد دورها ومكانتها ومصداقيتها، أو "الجارديان" البريطانية التي حافظت على استقلاليتها رغم التحديات المالية. فلماذا لا تكون "الأهرام" نموذجًا جديداً لأسطورة أعادت إحياء ذاتها؟

الصراع الداخلي الصامت

ثمة جدال مكتوم داخل أروقة «الأهرام» لا يقل أهمية عن تحديات الخارج. جيل قديم يرى في الورق قداسة، وجيل جديد يريد أن يطير بالمؤسسة نحو العالم الرقمي، وثالث - من الشباب - يتساءل بدهشة: لماذا نقرأ أصلاً، أي ما الجدوي للاستمرار؟ هذا التنازع يعكس أزمة هوية: هل «الأهرام» صحيفة؟ أم مؤسسة فكرية؟ أم متحف عتيق لذاكرة الوطن؟

ليست المشكلة في الورق، بل في الروح. إن استعادة «الأهرام» لمكانتها يتطلب منها أن تتحول إلى ذاكرة متحركة، لا إلى أرشيف باهت. أن تعود إلى الناس، لا أن تنغلق داخل القوالب. أن تواكب العالم دون أن تفقد ذاتها. أن تكتب كما لو أن الوطن على المحك، لا كما لو أن شيئًا لم يكن.

حبذا لو تتخلص"الأهرام" من قوقعتها التقليدية لتخاطب الشباب بلغة العصر، عبر مقاطع الفيديو والبودكاست والمحتوى التفاعلي، دون التخلي عن عمقها الفكري.

باستطاعة "الأهرام" استعادة عظمتها من جديد، ولتفعل هذا ليس أمامها إلا التجدد. لا أتحدث هنا عن مجرد تغيير في الشكل، بل ثورة داخلية في المفهوم والدور. عليها أن تعيد تعريف نفسها كمنصة معرفية، تشرح الخبر لا تنقله فقط، وتفتح صفحاتها للحوار لا للمونولوج الذاتي، وتستثمر في الصحافة الاستقصائية لا في الإعلان. عليها أن تُخاطب العقول الحرة، لا الآذان الخانعة.

إن الشارع اليوم يصنع آراءه داخل منصات «تويتر» و«تيك توك»، لا في أعمدة الرأي. ومع ذلك، فإن الإعلام الجديد، رغم زخمه الزائف، يفتقر للعمق والمصداقية، وهنا تتجلي فرصة «الأهرام»: أن تجمع بين السرعة والرصانة، بين لغة الجيل الجديد وروحها المتجذرة. فلتكن الأهرام الجسر الذي يعبر عليه الناس لأحلامهم، لا الجدار الذي تتكسر عليه تلك الأحلام.

تحديات وحلول

أكبر تحد يواجه "الأهرام" اليوم هو أنها لم تعد تعكس تنوع المجتمع المصري، فلو أرادت "الأهرام" استعادة دورها، عليها أن تفتح صفحاتها لوجهات نظر مختلفة، لا أن تكون منبرًا لرأي واحد. فمصر أكبر من أن تختزل في سردية وحيدة، وشعبها أعمق من أن يُقدم في قوالب جاهزة.

إن الاستمرار في النموذج التقليدي الجامد يؤدي حتماً للانزواء، بينما التجدد هو ديدن الحياة ذاتها، وباستطاعة الأهرام أن تجدد نفسها من خلال: بناء صحافة استقضائية، واستقطاب أقلام جديدة من الشباب وكبار المفكرين والكتاب، وتحويل موقعها الإليكتروني لمنصة تفاعلية، والاهتمام بالنبض الحقيقي للشارع المصري الذي يتردد فى الصحيفة بصوت خافت، بينما ينفجر صارخاً فى مواقع التواصل بلا ضوابط!

لم يعد الجمهور ينتظر الصباح ليقرأ تحليلات الأهرام، بل يصنع رأيه الخاص عبر فيسبوك وإكس وتيك توك. وهذا يطرح تحديًا وجوديًا: ما قيمة صحيفة مطبوعة في عصر لا يملك الناس فيه صبرًا لقراءة أكثر من تغريدة؟

هناك مساحة فارغة من الفكر إن لم تحتلها الأهرام ومثيلاتها من الصحف القومية الراسخة، فلسوف تأتي منصات أخري، رقمية أو ورقية، تملأ هذا الفراغ. وعلينا أن نقتنص اللحظة ونواجه أنفسنا بالمثالب والنواقص والتحديات.

في النهاية، تظل «الأهرام» مؤسسة عظيمة، يليق بها أن تكون صوتًا لا صدى، منبرًا لا مرآة. فإما أن تنهض من كبوتها، فتستعيد دورها كضمير أمة، أو تختار أن تذوي ببطء، كورقة تسقط من شجرة التاريخ، دون أن يكترث لذبولها أحد! القرار ليس سهلًا، لكنه لا يحتمل التأجيل.

فإما أن تحيا الأهرام كما كانت: واحة للعقل وملاذًا للحقيقة...وإما أن تتحول إلى مومياء في متحف الصحافة العتيقة!

***

د. عبد السلام فاروق

يستفزّني أولئك المتبطلون المتفلّسفون الذين تعج بهم وسائل الاتصال الاجتماعي، أكثر ما يستفزونني، عندما يعثرون على صورة جديدة لهذا الفنان او تلك الفنانة، وقد اخذ الكبر منه مأخذه الذي لا بُدّ له من ان يحصل مع كل واحد منا نحن بني البشر، فتراهم وقد بادروا الى نشر ما حصلوا عليه من "غنيمة"، عادة ما يكون مصدرُها صحفي فاشل او مصوّر مرتزق يريد ان يسجّل سبقًا صوريًا بملاحقته هذا الفنان او تلك الفنانة كما سلف.

حصل هذا في السنوات الأخيرة مع الكثيرين من مجموعات وسائل الاتصال الاجتماعي ومتابعيها، وقد رأينا مَن يعثر مثلًا على صورة جديدة لفتى السينما المصرية في فترات سابقة، واقصد به احمد رمزي، كما حدث مثلا أيضا، عندما عثر بعضهم على صورة للفنانة المغنية الراقية المعروفة بإثرائها المشهود له في مجال الغناء العربي الحديث واذكّر بها الفنانة المصرية نجاة الصغيرة. ما نقوله عن ذاك وتلك انطبق على الكثيرين من الفنانين، الذين اعتقد انه توجد في ذاكرة الكثيرين من الاخوة القراء أسماء وصور لهم. ما حدث هو ان أولئك المتبطّلين، ما إن حصلوا على " غنائمهم"، هذه من الصور المختلسة في العادة، حتى سارعوا الى وسائل الاتصال الاجتماعي، خاصة الفيس بوك والتوكتوك، ونشروا هذه الصور، مرّة مرفقة مع صورة مَن نشروا صورته من أيام العز والشباب، او معلّقين بنوع من السخرية الجارحة، او الشماتة المقيتة، انظروا الى كيف اصبح شكل احمد رمزي، او تمعّنوا في صورة نجاة الصغيرة كيف باتت عجوزا مُسنّة وما إلى هذا من كلام جارح، كان يُفضّل الاستغناء عنه وترك عربة الحياة تواصل انطلاقتها على ما تواصَل مِن مسارات ومسالك ابتدأت مُثرية وغنية.. ولا.. بد لها من ان تواصل حاملة ماضيها الجميل ومنطوية عليه دون أي ازعاج من أي من الناس.

المؤسف ان العثور على صورة فنان او فنانة، وأنا اتقصّد هذا التفصيل، إذ أنه كان بإمكاني ان اعبّر عمّا أود قوله بدون تفصيل مُخلٍّ لغويًا، اذ ان العربية تشمل الذكر والانثى بصورة عامة عندما نشير الى المذكّر، أقول المؤسف، تبعا لما نقوله، ان البحث عن الصور الجديدة لفناني وفنانات الزمن الماضي الجميل، بات هما حقيقيا وربّما مصدر ارتزاق للعديدين من نهّازي الفرص ومقتنصي لُبابها، فتراهم، او تشعر بهم بالأحرى، وقد امتشقوا كاميراتهم وراحوا يلاحقون هذا الفنان او تلك الفنانة، ممن كبروا، في هذه الزاوية او تلك المدينة، وربّما الدولة ليلتقطوا لهم صورة ويقوموا بنشرها في وسائل الاتصال الاجتماعي، التي جنوا بها، معتبرينها فضحية، نعم هذا تعبير اذكر ان بعضهم استعمله، وناشرين إياه، كي يرى متابعو وسائل الاتصال الاجتماعي الصورة الجديدة لهذا العجوز او تلك المسنة من الفنانين وقد فقد يناعته ونضارته، بعد ان تألق كلّ منهم، وشغل الدنيا والناس في فترة ماضية!

بالعودة الى ما ذكرته في البداية عما يتسبب فيه أولئك المشار إليهم وليس الجميع بالطبع، اضيف ان هؤلاء يستفزونني، واعتقد انهم يستفزون الكثيرين من امثالي، بما يعلنونه من صور من بلغ من العمر عتيا من الفنانين، مرفقا بكلمات جارحة حافلة بالشماتة وكأنما هم مخلدون لن يشيخوا وسيبقون شبابا الى ابد الابدين. لذا أقول لهم. مهلا أيها الاخوة.. مهلًا.. ولو كنت مكانكم، لاحتفظت بالصورة الأولى لهذا الفنان او تلك الفنانة، تلك الصورة الضاجّة بكل ما هو جميل وانساني ومفرح، تاركا كلا من الناس، سواء كانوا فنانين او حتى أناسا عاديين، لحياته الخاصة، ولهمومه التي وقفت وراءها امجاد لا تنسى.

***

ناجي ظاهر

يكتبون قصائدهم بمفردات أفكارهم التي تتحول إلى موجودات مادية فاعلة في أروقة الحياة، ونحن نكتب قصائدنا بمفردات الكلمات التي لا تغني من خوف ولا تطعم من جوع، فهي مجرد كلمات نسميها كيفما نشاء ونتوهم الإبداع.

فالإبداع المعاصر مادي الطباع والتطلعات، ويمثل القوة والقدرة على السيادة والهيمنة والإمتلاك.

فهل ساهم الشعر بقوتنا، وتنمية قدراتنا الإبتكارية؟

الشعر سلوك ترف، تتجسد قيمته عندما تبلغ مجتمعاته ذروة القدرة على قيادة سفينة الحياة، ولهذا كان عندنا شعر مؤثر فعال في زمن التألق الحضاري الوهاج.

فالواقع المعاش يلد رموزه الأفذاذ، فكيف يكون عندنا إبداع أصيل، ونحن نتخبط في أوحال الآخرين؟

تفاعلات غابية الطباع بين أبناء كل شيئ واحد، وتراخي وتواصل إيجابي مع أعداء الأمة والتأريخ، والتلاحي بين دولنا ديدن السياسة ومنطلق الخسران المبيد.

فدع الذكاء الإضطناعي يكتب ما يشاء، وينشره على أنه شعر معبر عنا، ويمثل دورنا في حياة نجيد إطفاء أضوائها، وتدمير معالم صيرورتها الأرقى.

إبداعنا (شعر)، وضربات متلاحقة على الكي بورد، بعد أن دفنا الأقلام في زمهرير الإمتهان، وحولنا الورق إلى دخان، فتعفنت الأذهان، وتدثرت الأجيال بركام الضلال والبهتان.

فاكتب على وجه الماء كما تشاء!!

كلامٌ بائرٌ دون الكلام

وصوت حائرٌ بنهى الأنام

بلا شعر إذا نضبت رؤانا

لإن الشعر من نضح المقام

فهل نزرع وهل نصنع مرادا

يوافينا بمنطلق اهتمامِ

***

د. صادق السامرائي

 

معادلة السعادة الحقيقية الهادئة

في زمنٍ تسوده العجلة وتُسيطر عليه ثقافة الاستهلاك يصبح البحث عن السعادة تحديًا حقيقيًا، إلا أن التجارب الحياتية والدراسات النفسية والاجتماعية أكدت؛ أن السعادة الحقيقية لا تكمن في مظاهر الثراء ولا في سباق الامتلاك، وانما في ثلاث قيم راسخة؛ التواضع والبساطة والقناعة.

فالتواضع؛ ليس ضعفًا ولا إنكارًا للذات ... وانما رفعة الأخلاق وعنوان الاتزان النفسي، فالمتواضع لا يعلو على أحد ولا ينتظر التقدير من احد، انما يُعامل الجميع باحترام وصدق ويكسب محبتهم بلا عناء، ويترك في الآخرين أثرًا لا يُنسى، كما يتحرك في الحياة بثقة هادئة، ويحمل قلبًا كبيرًا خاليًا من الغرور يمنحه شعورًا بالسكينة والتوازن.

أما البساطة؛ فهي فـن العيش بإيقاع متناغم مع النفس ... هي ليست فـقرًا كما يتوهّم البعض وانما؛ خيارٌ راقٍ يُعبّر عن نضجٍ داخلي بأن تختار ما يناسبك لا ما يُرضي أعين الآخرين، فتجد السكينة في مكانٍ متواضع وبلحظة صفاء وتفرح بالتفاصيل الصغيرة، ففي البساطة تتحرر من الاستعراض وقيد التكلّف، وتستعيد عمق الحياة بالتفرّغ لما هو أعمق وأجمل.

والقناعة؛ هي مفتاح الرضا وليست تخلّيًا عن الطموح، انما حكمةٌ تُعلّمك (متى تقول هذا يكفيني)، فالإنسان القنوع؛ لا يقارن نفسه بالآخرين، فلا يركض وراء ما لا يملك بل يعيش ممتنًا لما هو بين يديه، ففي قلبه راحة ورضا وفي عينيه نور فرح حقيقي، واثقًا أن البركة ليست في الكثرة وانما في الرضا.

أثبتت الدراسات النفسية والاجتماعية أن الأشخاص المتواضعين والبسطاء الذين يرضون بما لديهم دون مبالغة في التطلعات المادية هم؛ الأكثر سعادة ورضًا عن حياتهم، لأنهم لا يعيشون في دوامة المقارنات، ولا ترهقهم أعباء التنافس المحموم على المظاهر.

هـكذا في خضم الضغوط المتسارعة نحتاج لإعادة النظر في موقع هذه القيم في حياتنا؟ ولابد من ان نُعِيد ترتيب أولوياتنا؛ ونعُود إلى جوهر القيم الإنسانية ... فنعُود لإنسانيتنا النقيّة، فهذه القيم التي تبدو قديمة في أعين البعض، تُعدّ في الحقيقة مفاتيح السعادة الحقيقية والدائمة، فهي ليست مجرد صفات أخلاقية بل مفاتيح ذهبية تفتح أبواب الراحة النفسية والسلام الداخلي ... وإن العودة إلى هذه المبادئ ليست تراجعًا وانما ارتقاءٌ إلى وعيٍ أصفى وروحٍ أهـدأ. فهل نسينا أن السعادة لا تُقاس بالأرقام، بل تُقاس بما نشعر به في دواخلنا؟.

هذه القيم لن نجدها في الأسواق بل في أعماقنا، كما ينبغي الادراك بأن الحياة ليست بما نملك وانما بكيف نعيش ... فالسعادة لا تُمنح لمن يملك أكثر بل لمن يعرف كيف يعيش بقلبٍ راضٍ وبتواضع وبساطة، ورضا بم قسمه ’الله’ تعالى، وهذه هي) الوصفة الحقيقية للسعادة الدائمة). فالتواضع يمنحك احترام الناس ... والبساطة تُنقّيك من زيف العالم ... والقناعة تُثمر طمأنينة لا تُشترى، فلنُعِد النظر ولنتأمل في جمال الحياة البسيطة، ففيها تكمن البركة، والطمأنينة، والسعادة التي لا تُقَدَّر بثمن.

***

مجيد ملوك السامرائي – كاتب اكاديمي

....................

المراجع:

1. Seligman, M. E. P. (2002). Authentic Happiness, Using the New Positive Psychology to Realize Your Potential for Lasting Fulfillment. N. Y. , Free Press.

(سيلجمان، السعادة الأصيلة)

2. Brown, B. (2010). The Gifts of Imperfection, Let Go of Who You Think You're Supposed to Be and Embrace Who You Are. Center City, MN, Hazelden.

(براون، تخلَّ عن من تظن أنك يجب أن تكون، واحتضن من أنت بالفعل)

 

الحضارة الإنسانية قد تواجه نقطة انهيار بحلول العام 2100، وفقًا لما تكشفه دراسة تاريخية جديدة تتناول 5000 عام من التاريخ الإنساني وتحلل سقوط أكثر من 400 مجتمع.. صحيفة الغارديان البريطانية استعرضت هذه الدراسة التي تفتح الباب أمام رؤية مستقبلية مثيرة للقلق.

(لوك كيمب)، الباحث في مركز دراسة المخاطر الوجودية بجامعة كامبريدج، أشار في حواره للصحيفة البريطانية إلى أنه "رغم عدم قدرتنا على تحديد موعد محدد لانهيار حضارتنا، فإن النظر إلى أنماط التاريخ على مدى آلاف السنين يكشف أننا نسير في مسارات قد تقودنا نحو إنهاء ذاتي للحضارة".

وأضاف: "أنا متشائم تجاه المستقبل، لكنني لا أفقد الإيمان بالبشر".

يوضح كيمب أن هناك زعماء نرجسيين ومضطربين نفسيًا يشكّلون أقلية ضئيلة ولكن قوية، يتجاهلون تلك التهديدات الوجودية مثل الاحتباس الحراري، الأسلحة النووية، والذكاء الاصطناعي. واستمرار تجاهل هذه التحديات قد يزيد من تفاقم الأوضاع مستقبلًا.

العلماء سبق وأن نبّهوا لآثار الكوارث البيئية الناتجة عن النشاط البشري، مثل ارتفاع درجات الحرارة العالمية والتي قد تؤدي إلى نقص الغذاء، وموجات حر غير محتملة، وجفاف شديد. يضاف إلى ذلك الضغط النفسي والاجتماعي الناتج عن هذه الأزمات والذي يضاعف هشاشة المجتمعات.

يرى كيمب أن الحضارة الإنسانية عبر التاريخ تقدم دروسًا ثمينة حول كيفية تطور المجتمعات وانهيارها. ومن خلال هذه الشواهد التاريخية، يتضح أن القوى العظمى، أو كما أطلق عليها الباحث "جالوت"، تميل إلى الهيمنة عبر أدوات العنف والسيطرة على الموارد. لكن هذه القوى غالبًا ما تتهاوى بسبب عدم المساواة والجشع الذي يميز الطبقات الحاكمة.

وعلى المدى الطويل، عندما تزيد النخب من تركيز الثروات على حساب عامة الشعب، تصبح المجتمعات أكثر عرضة للصراعات الداخلية، والفساد، وضعف الصحة العامة، والتوسع غير المدروس، والتدهور البيئي.

يشير كيمب أيضًا إلى أن سوء اتخاذ القرارات من قبل الأقلية يمكن أن يُضعف المجتمعات بشكل كبير، ويجعلها عرضة للانهيار أمام عوامل كالحروب أو انتشار الأمراض أو التغير المناخي.

في سياق القرن الحادي والعشرين يتحدث كيمب عن فكرة "القوة العالمية المترابطة" التي تعمل ضمن نظام رأسمالي. الأزمات الناتجة عن اختلال أنظمة الغذاء، خطر الحرب النووية المستمر، وتفاقم أزمة المناخ قد تدفع الحضارة الحديثة نحو نهايتها.

انتقد الباحث القادة العالميين الذين يسهمون في تسريع هذا المصير. وصف كيمب هؤلاء بأنهم تجسيد حي لما يُعرف بـ"الثالوث المظلم"، حيث يرى (دونالد ترامب) كنرجسي مثالي، و(فلاديمير بوتين) كشخص مختل نفسيًا بارد المشاعر، و(شي جين بينغ) كقائد متلاعب يتمتع بدهاء سياسي.

لكن هناك حلول ممكنة برأي كيمب لتجنب الانهيار الكامل، أبرزها تحقيق مجتمعات ديمقراطية حقيقية تُعيد توازن السلطة وتفرض ضرائب عادلة على الثروات الكبيرة. وهو يؤمن بأن هذا ليس بعيد المنال إذا توفرت إرادة قوية للتغيير.

اليوم، تحديات مثل بناء - ذكاء اصطناعي- تبدو أكثر قابلية للتصور مقارنةً بتحقيق ديمقراطية شمولية أو منع سباقات التسلح. إلا أن كيمب يرفض هذا النوع من التشاؤم قائلاً : "بالطبع يمكننا تحقيق الديمقراطية على نطاق واسع؛ فنحن بطبيعتنا كائنات اجتماعية وداعمة للتعايش".

النص يحمل دعوة للتأمل في الماضي لفهم ما يمكن أن يحدث مستقبلاً، مع التأكيد على ضرورة اتخاذ قرارات جريئة وإصلاح هيكلي يعزّز قدرة المجتمعات على مواجهة التحديات الوجودية الكبرى.

***

شاكر عبد موسى/ العراق

زميل كذا جمعية، خريج كذا كلية وجامعة، يتبخترون ويتبجحون، أنهم يحملون شهادة أم آر سي بي، وأف آر سي إس، وغيرها من الشهادات، وكلها ألقاب ذات هالات دخانية.

لا يوجد عندنا علم أصيل ولا شهادات أصيلة نفخر بها، وذلك بخيارنا، وما يميزنا عن غيرنا من مجتمعات الدنيا، وهو برهان واضح على التبعية والعجز والقنوط.

وجامعاتنا مشغولة بمنح شهادات الماجستير والدكتوراه بالعلوم البائدة، وأكثرها في موضوعات لا تنفع المجتمع، ولا تساهم في تنمية قوته وزيادة إنتاجيته وقدرته على التحدي والإبتكار.

البيئة العلمية في مجتمعاتنا تكاد تكون منقرضة، ولا تحظى بإهتمام من قبل السلطات، والسائد أن يتحول المجتمع إلى مذعن مطيع لإرادة الكراسي القابضة على مصيره، والمحققة لأماني الطامعين فيه.

التبعية العلمية إستعمار ثقافي مبيد، أمضت الأمة على إيقاعه العقود التي تلت الحرب العالمية الأولى، ولا تزال تسير خلف قطار الآخرين، ولا تستطيع اللحاق بآخر عرباته.

فقوة الأمة التي توهجت وسادت نابعة من أصالتها الإبداعية ومعطياتها المتميزة الغير مسبوقة، وعلتها أنها كانت صيرورات فردية، وما إستطاعت أن تحولها إلى منتوج شائع وما تناقلتها الأجيال، بل الأنانية هيمنت على نوابغها، لما توفره لهم معارفهم من عطايا وجاه وإقتدار، لا يريدون أن يشاركهم به أحد، فانتهى ما أبدعوه بنهايتهم، وما توارثه عنهم تلامذة أو مريدين.

والدول بعقول أبنائها وإبداعاتهم المتوافقة مع عصرهم، وليست بالإندساس في الماضيات، والبكاء على الأطلال، والتوهم بأن الذي فات ما مات.

فهل توجد قدرة على العودة إلى جوهر إرادة الأمة وتحفيز دورها الحضاري، والتفاعل مع مفردات ما فيها بعقل إبداعي حر مؤمن بقدرتها على أن تكون وتتقدم، بذات التعجيل الذي إنطلقت به عندما تألقت وأشرقت بنور عقولها؟

بدائعهم بفردٍ دون جمعِ

وذا عملٌ تكرسه بطبعِ

فما برحت تجارتهم لنفسٍ

بها طمعٌ لمكرمةٍ ووضعِ

تضيع علومها حين احتكارٍ

وإمعانٍ بحاديةٍ لمنعِ

***

د. صادق السامرائي

 

من غرائب المفاهيم التي أشاعت، ولحد الآن، بعداً إيهامياً من الصعب تحقيقه، يسمونه (الأممية). والأممية، تعني جعل حكومات العالم كلها تتحول الى حكومة عالمية واحدة.. فهل يمكن أن تتحقق هذه الأممية؟

الأممية تصطدم بحقائق الواقع الموضوعي، الذي يتشكل من قوميات وأديان تعتز بمقوماتها وركائزها ومنطلقاتها الفكرية والثقافية ولا تفرط بها وهي موزعة على مناطق وقارات.. فهل الأممية مجرد خيال أم مجرد تصور حكومة عالمية يمكن أن تسود؟ وهل يمكن توحيد حكومات وإختزالها في حكومة واحدة تحكم العالم؟

في حوار بين اثنين قال احدهم: يمكن تشكيل (حكومة اسلامية) في كل دولة ومن ثم توحيد هذه الحكومات الاسلامية في حكومة اسلامية واحدة. عندئذ تتحقق الحكومة العالمية..!!

سأله الآخر: وماذا بشأن الأديان الأخرى المسيحية مثلا وتفرعاتها (البروستانتية والكاثوليكية والأثردوكسية) فضلا عن الهندوسية والسيخية والبوذية واليهودية والديانات الأخرى.؟

وأضاف: وماذا بشأن القوميات الأخرى التي تتوزع على أنحاء العالم؟ أين مصيرها في ظل الحكومة الأممية؟

ومتى تتحقق هذه الحكومة؟

 أجاب: تتحقق في نهاية المطاف.

وأين هي نهاية المطاف؟

أجاب: في النتيجة.

تعني ان الاحزاب الاسلامية، التي تتشكل في كل دول العالم، ستتوحد في حزب اسلامي واحد وستنبثق منه (حكومة عالمية) تقود العالم؟.

أجاب.. نعم.

وهل تعني ان هذه الحكومة الاسلامية (أممية)؟

سمها ما شئت.!

وأين تذهب الدول والحكومات والقوميات والاديان؟

أليس هناك قوميات واديان؟ ألم يكن العرب قوم قبل الأسلام؟ ألم يحمل العرب راية الأسلام الى العالم؟

أجابه: الأسلام هو الأول والآخر..

هل يعني ذلك: أن لا اعتراف بالقوميات والاديان الاخرى؟ ألا يوجد واقع معاش اسمه (وطن ووطنية وقوم وقومية) وأديان اخرى منتشرة في قارات الارض ونصوص قرآنية تخاطب البشر (وجعلناكم شعوب وقبائل لتعارفوا ان اكرمكم عند الله اتقاكم (ص)؟

اجاب: الاسلام عالمي والحزب الاسلامي عالمي في نهاية المطاف.

مرة ثانية، أين هي نهاية المطاف؟

حين تتحقق..!!

وهل الأسلام دين أم سياسة؟

قال: أنا اتكلم في الدين..

 وأجابه: وهل الحياة كلها دين ؟

اكمل حديثه: الدين ليس سياسة، والسياسة ليست دين، الدين يتوجب أن يبتعد عن ملوثات السياسة، الدين ليس تحزبات.. الدين، يجب أن لا تقوده السياسة وليس بحاجة الى أطر سياسية، الدين روح الحق والعدل والانصاف ولا يجب ان يكون متزمتا وإقصائياً.. الدين لا يحتاج الى احزاب.. والتفكير في اممية الدين لها مآرب أخرى.

الأممية في حقيقتها تتجاوز الوطن والأمة وتتخطاهما وهي عابرة للحدود الوطنية والقومية ولا تعترف بهذه الحدود أو تهتم بمطالب الوطن.. الأممية مصطلح هلامي تتبناه احزاب (سياسية) منذ الداعية محمد عبده والداعية التركي حسن البنا وابن تيميه والداعية محمد عبد الوهاب الذي يقال انه من يهود (الدونما) في تركيا ونسبه يعود الى اسرة (زباتاي زيفي) وهو معروف بغائيته.

الدين لا يجب ان يكون متزمتا وإقصائيا.. فمهامه ارشاد البشر ومنع المعصية وبناء الأنسان على خلق، أما السياسة فهي تبني البلدان وتنشأ الحضارات وتحمي المنجزات وتحافظ على المكتسبات ولا تفرط بالثوابت، وقد يكون بعضها سببا في الخراب والدمار.. الدين ليس فيه ما هو من اختصاصات السياسة في البناء والتطور.. الدين في مؤسساته المعروفة والسياسة في مؤسساتها المعينة ولا يجوز التداخل، لا الدين في السياسة ولا السياسة في الدين، الأمر الذي يستوجب فك الإشتباك بينهما لكي تستقر وظائف كل منهما والمهم في الأمر القبول بثوابت السياسة وثوابت الدين ومنع التداخل بطريقة الاجتهاد.. والفتاوى والإجتهاد يتوجب عدم اشاعتهما وتجنب النشر.. لأن النشر يؤدي إلى الإنقسام والفوضى ومن ثم صراعات لا جدوى منها.. إن فك الإشتباك هو الطريق السليم.. لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة.. لا يجب ان يتحدث رجل الدين في السياسة (لأن ذلك ليس من اختصاصه) ولا يجب ان يتحدث رجل السياسة في الدين (لأن ذلك ليس من اختصاصه).. والواجب هو فك التشابك بين الدين والسياسة لكي تستقر الأحوال..!!

***

د. جودت صالح - تركيا / اصطنبول

6/ آب 2025 

حين تتفاقم الأزمة الذاتية، قد يفر المرء من حياته فبالأحرى من محيطه الاجتماعي. اليوم أراه يَفِرُّ من انفجار أزمة لواحق ومن داخل الباب الأمامي، ويأبى ألاَّ يستدير رؤية ثانوية حتى لا تصيبه شظايا اللعنة الآتية من الأطلال المكهربة. فالهروب نحو الأمام وبلا وداع قد يكون راحة، واطمئنانا على تجديد خطى البحث عن المسارات الجديدة. هروب يبدو حل من حلول كل المشكلات، والتي تبقى على الدوام من جيل الجُبن الذاتي، والتخوف من المخاطر، ومن مواجهة قضايا الحياة حتى العبثية منها .

لا يستحق الفرار أن يكون غير جزء نادر من فلسفة العدمية القديمة، ومن الصراع الأزلي مع الذات، والبحث عن المعنى الحقيقي للحياة. بينما فوضى المتناقضات هي التي أفسدت عنده قيمة الحياة المفلسة بلعبة العبثية. اليوم يسير بلا توقف يسترجع فيه بعضا من أنفاسه المتقطعة، فقد أعياه التفكير في تراكمات سلبيات حياته الماضية، وتلك المتاهات التي لا تنفتح بتاتا بالحلول وبالتوجيه عبر علامات تشوير قارة. يستمر في الهرولة نحو البحث عن جيل جديد من القيم الرزينة، والتي بالطبع أضاعها وتسربت من بين أصابع يديه.

يقطع المسافات تلو المسافة وبدون إحساس بعياء المشي، وذلك راجع بأنه لا يستدير خلفه نحو الماضي الذي أعياه من فرط مآسيه المتفاقمة بالكثرة. يستمد طاقته النفسية من حلم يوم سعده المزهر، ومن قيمة مغامرة البحث عن ذاك المستقبل الغابر لديه. اليوم لا يريد أن يكون منجما ولا قارئ فنجان، بل يرغب في تحقيق ذاته بالتكامل، وباستجماع إمكانياته المحدودة في الزمان والمكان.

كان يرغب في فرحة لحظة من بعض الانجازات الحقيقية التي تشده بالفرجة. بالطبع كان يريد العبور نحو الحياة فقط، وبراحة مزدوجة تتمثل في العيش الاجتماعي السليم لا العبثي الذي فتك بمكونات حياته السابقة. كان الفشل عنده لا يترك له التلاعب بالمبررات والمسوغات التي ترميه خارج ذات تفكير الصندوق ونحو المتمنيات المؤجلة.  كان يؤمن بأن النجاح جزء حل من نهاية الفشل، كما أنه يبيت جزء من المشكلات المستجدة.

كان وقوده في الهروب، طاقة نووية لا حدود لنفاذها بالمرة. تتكاثر في تفكيره إكراهات الفشل التي يحملها مثل كرة الثلج التي تكبر مع مشيه، لكنه بدا يحمل طموح القطيعة مع الماضي، ويتأبط بيانات طموح النجاح. اليوم لا يريد العودة لنقطة الصفر، حتى وإن تطلب منه الأمر الموت، فهو قد بات مثل (الحَراكِ) عن موطنه، فيما هو يماثله بأنه (حَرَّاكٌ) عن ذاته.

كان يؤمن ببنية القطعية " ما لم تبدأه اليوم، لن يكتمل في الغد بضرورة منهج النسقية"، هي كناية بأنه تخلى كليا عن سكونية الحياة المميتة التي تعشقه، ويرغب في تحقيق سنن التغيير، وتجسير الحصول ولو على قسط أدنى من نُتف السعادة (راحة البال). من حسن سعده، أن النوم بات يُفارق جفونه في ظل تجدد خلايا يقظته بطموح المستقبل. بات التراخي والتعب الذي كان يسنده راحة في كسله ومماطلته للأمور مع قضايا الماضي الذي تخلى عنه طواعية. أضحى الخوف من التغيير لا يرعب مساره في مداومة السير قُدما. بات الغضب يخبو حتى أضحى رمادا يتآكل مع الرياح.

كنت أداوم على متابعته إسراره في المشي السريع رغم تهديدات المعيقات التي يتلقاها، لأن مهارة حُلْمه كانت لا تتوقف عن البحث في نوعية المنافذ الآمنة بل عن الحياة بذاتها. كل فرص نجاحه كان يحملها بالتأني، وممارسة التخطيط، والبحث عن أجوبة تتضمن الجدوى من الحياة؟ من جميل سعادته أن مبادئه الأصيلة لم تتغير، بل زادته إيمانا في قتل أوهام الفشل. فالممكن الذي كان يسطو على أحلام الأمس، قد يبيت اليوم من الحقيقة البينية التي تقوده نحو النجاح فيما تبقى من حياته. اليوم، ثار على كل المئات من الأحلام المؤجلة، ونفض عنه غبار المتمنيات المهملة في الترتيب والتوجيه الصحيح نحو سياسة التغيير.

***

محسن الأكرمين

لا يختلف مثقفان عاقلان في أن اللغة منذ بُرئت ووُجدت انما هدفت لأن تكون وسيلة تواصل بين بني البشر، بالضبط مثل وُجدت أصوات الطيور، أقول هذا وأنا أفكر في أولئك الاخوة الكتّاب الذين يفتعلون الغموض وكأنما هو واحدة من ضرورات الكتابة والابداع، أولئك الاخوان الذين لا يميزون بين الغموض الساحر الشفاف والابهام الذي يستعصي على الافهام، ربما على افهام الجميع بمن فيهم مرسلوه أنفسهم.

أقول هذا وانا اعرف أن للغموض في العملية الإبداعية تحديدًا سحرها وشفافيتها المُستحبة، كما أقوله وانا أعرف ان كل جديد إنما يفرض نوعا ما من الغموض، من ناحية، ومن ناحية أخرى، ان الغموض في الادب الحديث عامّة، انما يأتي تحديًا للقارئ، كما يرى الناقد الفرنسي المعروف جيرار جنيت، صاحب جامع النص.

الى هذا أرى انه مِن الصحيح، ان الكتابة خاصة، والابداع الفني في مختلف ضروبه عامة، انما ينبثق عن رغبة داخلية عميقة في التعبير عن الذات أولًا وبعده في مخاطبة هذه الذات، بمعنى ان الكاتب والفنّان بشكل عام، إنما يرمي مما ينتجه ويُقدّمه لنا نحن القراء، اخوانه من بني البشر، للوصول الينا او لتوصيل ما خالجه من أفكار، احاسيس وأخيلة، بطريقته الخاصة التي تمتاز عن كلّ ما عداها من أساليب وطرائق، وذلك عبر مخاطبة الذات، بهدف الوصول إليها، والتماهي بالتالي مع مَن يُشابهها من ذوات، لا بُدّ من وجود رابط فيما بينها وبين تلك الذوات، وذلك توطيدًا لأحد أسس العملية الإبداعية ومراميها المُسدّدة والمُوجّهة، وهي اننا أبناء جنس واحد، وُجد من والدين اثنين، كما تقول الفطرة، وكما تشهد التطورات الملموسة والديانات أيضا... وعادة ما نلتقي في إحساس واحد وحيد وموحّد..

غير أن هذا كله يُفترض ان يجعلنا نتذكّر ندرك ولا ننسى عددًا من الأمور، منها أنه يوجد هناك فرق كبير بين الغموض والابهام، وأن العمل الإبداعي بصورة عامة يمجّ الافتعال والاصطناع، وأن الكثيرين قد أكدوا على أهمية ان يحرص العمل الإبداعي الجدير والحقيقي، على عدم قطع الصلة المطلوبة والمرغوب فيها فيما بين مُرسلٍ/ مُبدعٍ ومتلقٍ/ مستقبل.

فيما يلي أحاول التوسّع في توضيح هذه الأمور والنقاط، التي يحتاج اليها العمل الإبداعي كي يكون جديرًا بهذه الصفة.

* الغموض والابهام: لا ريب في أن الجميع ميّزوا ويميّزون كما تفعل اللغة أيضًا، بين هذين فهناك فرق كبير بينهما، وفي حين أن الغموض، كما سلف أيضا، قد يكون مطلبًا لا بُدّ منه لاكتمال العملية الإبداعية، لا سيما ذلك الغموض الشفاف، فإن الابهام والانغلاق الكلّي فيما يرسله المرسل ويتلقاه المُتلقي، إنما هو مرفوض وممجوج، فمن العبث أن يتحوّل العمل الإبداعي إلى معميّات وطلاسم (مع الاعتذار لصاحب الطلاسم_ الشفافة- إيليا ابي ماضي)، زِد على هذا أن العمل الإبداعي في حالته الأخيرة هذه، وايغاله في متاهات الابهام ينغلق على ذاته ويُفقدها بالتالي الهدف من وجودها وكينونتها.

* الافتعال والاصطناع: سبق لي ان كتبت في هذا السياق مقالة، وضعتُ لها عنوانًا دالًا هو : الغموض والوضوح"، وقد رأيت في تلك المقالة أن الغموض والوضوح ما هما الا وجهان لعُملة واحدة، وقد أكدت في تلك المقالة ان المشكلة، مشكلة التلقي، الاستقبال أو التوصيل، لا تكمن في الحقيقة في الغموض والوضوح، اللذين تفرضهما العملية الإبداعية الحقيقية، وإنما هي تكمن في الافتعال والاصطناع، وقد ابديت الكثير من التحفظ على الغموض المتقصّد والوضوح المتقصّد أيضًا، ورأيت ان المشكلة تكمن في الشفافية وربّما في وضوح الرؤية واختمارها، وقد استشهدت في تأكيد فكرتي هذه بالعشرات مِن الاعمال الإبداعية، لا سيما في مجال الشعر، التي حفلت بالغموض الشفّاف، وتمكنتْ في الوقت ذاته، من الوصول الى متلقيها بكلّ ما اتصفت به من عُمق وسحر.

* اكتمال عملية التوصيل والحرص عليها: أجمع الكثيرون من الباحثين، النقاد والادباء، على أن المبدع الحقيقي الجدير بهذه الصفة، يُفترض أن يُحافظ على علاقته المنشودة بمُستقبِل عمله، فلا يقطع هذه العلاقة، وإنما يحرص عليها حرصه على أفضل ما لديه وأجمله، وإلا لماذا يُنتج المبدع، ولمن يُوجّه هذا الإنتاج، وما هو هدفُه مما يُنتجه؟.. واذكر في هذا السياق بكثير من المحبة والحنين الى زمن الابداع الأصيل، ما أكّد عليه الناقد المرحوم غالي شكري في كتابه الفاتن" شعرنا الحديث.. إلى أين؟.. الذي قيل إنه تأثر في وضعه له بكتاب عن الشعر الإنجليزي للناقد فرانز روزنتال. شكري أكد في كتابه هذا ما مفاده، انه ينبغي على المبدع، لا سيما في مجال القول الشعري، ألا ينسى أنه إنما يكتب، وان هناك مَن يقرأ ما يقدمه وينتجه، وان يحرص/ المبدع بالتالي، على عدم قطع هذه العلاقة.

يؤكد كل ما سلف، ان الاعمال الأدبية و.. الدينية أيضًا، اتصفت طوال تاريخها القولي، بنوع ما من الغموض الساحر الشفّاف.. الصادق، غير المُفتعل، والبعيد، الموغل في البُعد.. في متاهاته القولية.. التي قد تقضي على كلّ جمال وابداع، وهذا ما اردنا التحذير منه في هذه المقالة القصير المُنبّهة والمُحذّرة.

***

ناجي ظاهر

...................

*عنوان كتاب للناقد الفرنسي المعروف عالميا جون كوهن. هل نحتاج في استعارتنا له الى اعتذار؟..

الأمويون مسلمون وكذلك العباسيون، وما حصل بعد سقوط الدولة الأموية أن العباسيين قاموا بأبشع تطهير عرقي للأمويين فقتلوا الآلاف منهم، وأعطوا لبعضهم الأمان وخانوه، ولم يسلم منهم إلا الذين إستطاعوا الهروب إلى بلاد الأندلس ومنهم عبدالرحمن الداخل (113 - 172) هجرية.

وقاد مسيرة الإبادة الجماعية عم أبو العباس السفاح (104 - 136)هجرية عبدالله بن علي (102 -147) هجرية، الذي فتك بكل مَن له قريب نسب لبني أمية، والأمويون والعباسيون أولاد أعمام ويلتقون في عبد مناف، فهم أحفاده.

والغريب في الأمر أنهم نبشوا قبور خلفاء بني أمية، ونكلوا بجثثهم وصلبوها وأحرقوها ونثروا رمادها للريح.

ويُقال أن أبو مسلم الخراساني (100 - 137) هجرية قد قتل أكثر من ستين ألفا من المسلمين، وإنتهى مقتولا على يد أبي جعفر المنصور (95 -158)هجرية.

فهل أن الموضوع يتعلق بدين أم بسلطة وكرسي حكم؟

الذين يبرقعون الأحداث بالدين يهدفون للتضليل والخداع وتمرير أجنداتهم الخفية، الهادفة للإستحواذ على السلطة وإستلام مقاليد الحكم وتبرير آثامهم بالدين، بواسطة الفقهاء الذين يتعبدون في محاريب الكراسي، ويفتون وفقا لما يديم نعمة العطاءات عليهم.

وقليل منهم من نطق بالحق وتمسك بجوهر الدين ومبادئه، وأكثرهم المرائي والمتاجر بالدين، ويحسب ما يعرفه يمثل الدين، وهو الذي يعلم قطرة من بحر الدين، وقصص الفقهاء الذين نالهم بطش الكراسي معروفة.

والخلاصة أن التقاتل ليس لأسباب دينية بحتة وإنما دنيوية مغلفة بدين، وهذا ما جرت عليه أحداث البشرية القاسية منذ الأزل.

بدنياهم بلا دينٍ وعلمِ

أصابوا كل ساميةٍ بسقمِ

نفوس السوء في وطن افتراقٍ

ديانتها بكرسيٍّ وحُكمِ

مفاسدها إذا طفحت تواصتْ

بتبريرٍ وتسويغٍ لإثمِ

***

د. صادق السامرائي

 

المقدمة: من الصعب إيجاد مفهوم دقيق لمصطلح العلمانية نظرا لكونه يحمل في ثناياه اللبس والغموض الدائم فكل بيئة تنظر إليه من زاويتها وحسب ما يخدم ثقافتها لذلك كان مفهومه شاسع ومتسع وهو ما لحظناه عند المفكرين العرب والغربيين فكل منهم ينظر إليه من منظوره الخاص وهو ما ساهم بشكل غير مباشر في تعدد مفاهيم مصطلح العلمانية وسنقوم في هذا المقال بالنظر إليه من زاوية عربية محضة.

هل تقبل الشعوب العربية العلمانية كأساس لنظام الحكم؟

إن العلمانية باعتبارها تقوم أساسا على مبدأ الفصل بين الدين والدولة بمعنى أن الشؤون الدينية والأمور السياسية والإدارية لا تتداخل مع بعضها البعض أي أن الدولة والحكومة عندما تصدر قرارات وتصاريح تجعلها بعيدة كل البعد عن المجال الديني وكذلك لا تنظر للأمور الدينية بعين السياسة ولكن هذا لا يعني أن هذه الدول لا تشرع لممارسة الدين وإتباعه وإنما تحترمه كعقيدة وجب على الإنسان أن يتبعها في حياته الخاصة لأن العامة تفرضها الدولة عن المواطنين وذلك يعود إلى نظام حكمها فالدولة تفرض نمط عيش معين لابد للمواطنين من إتباعه لتحقيق البعد التواصلي والاجتماعي بين جميع أفراد المجتمع. أحيانا نجد بعض الدول التي تشرع للدين كأساس لنظام الحكم وتعمل على المزج بين الأمور السياسية والشؤون الدينية وتشرع للقوانين من رؤية سياسية خالصة ولا تسن أي قرار إلا بعد العودة إلى الكتب المقدسة والفقهاء والبحث في أرائهم حول مسألة ما وهذا ما يسمى بالمزج بين الدين والسياسة في بناء الدولة وهذه الدول تعتبر أن الدين والدولة مكملان لبعضها البعض ولكن ترى في بعض الأحيان الأخرى دول عربية تفصل السياسة عن الدين أي بمعنى أنها تطبق مبدأ العلمانية والهدف من ذلك ضمان حرية المعتقد الديني وتوفير بيئة حيادية تمكن الجميع من ممارسة معتقداتهم الدينية بكل حرية ودون أي تأثيرات خارجية ورغم أن هذه الدول تطبق مبدأ العلمانية إلا أن في جانب كبير منها ترى أن هذا المفهوم لا يتناسب مع الدول الغربية نظرا لكونه قد نشأ في بيئة عربية إسلامية خالصة وهو ما يجعل هذه المجتمعات ترتبط بشكل وثيق بالدين الإسلامي وتعتبر العلمانية في بعض الدول العربية مثل تركيا محاولة للحد من تأثير الدين عن السياسة والاقتصاد وكأن ارتباط هذين البعدين يساهم في انحدار اقتصاد الدول وكأنه يكبل إبداعاتها وتطورها بينما نرى العلمانية في بعض الدول العربية الأخرى مثل مصر وتونس كانت تمثل عندهما نوع من الحضور الجزئي لها بمعنى أن هذه الحكومات سعت إلى إقامة نوع من الفصل بين المؤسسات الدينية والسياسية مع الحفاظ على احترام الدين كمكون أساسي للهوية الإنسانية والثقافية. فنلاحظ  أن هناك جدل كبير بين هذه الدول حول مفهوم العلمانية فهناك من ينظر إليه باعتباره يمثل خطرا عن حقوق الإنسان ومكانته في المجتمع بمعنى أنها لا تجعل من الذات الإنسانية كائنا مفكرا ومبدعا ومجتهدا بينما هناك من يراها تساهم في خلق الذات الخانعة الخاضعة المسلمة وذلك بسبب تأثير الدين عن السياسة بينما ترى بعض الدول الأخرى أن العلمانية تساهم بشكل مباشر في ضمان الحريات الفردية والتقدم الاجتماعي ولا ينظروا إليها باعتبارها تهدد قيمتهم الدينية والثقافية بل من خلالها بإمكان الفرد مزيد اكتساب حريات ثقافية أخرى تجعله قادر على معرفة مجالات حياتية أخرى بعيدة عن السياسة هو ما يساهم في خلق  ذات متمسكة بثقافتها الدينية ومساهمة في بناء مجتمعها وبذلك يمكن القول بأن مفهوم العلمانية قد تشعب من دولة إلى أخرى وشهد العديد من الاختلافات لذلك يصعب ضبط مفهوم محدد له نظرا لكون أن كل من أراد أن يعرفه نظر إليه من تفكيره فحسب فهو لا يضبط له مفهوم يتماشى معه في كل أنواع الثقافات وبذلك فان العلمانية تشهد أفكارا متداخلة في مضمونها ينبغي تنظيمها وتوضيحها خاصة فيما يتعلق بعلاقتها بحقوق الأفراد فهناك من ينظر إليها باعتبار ربط الدين بالدولة يساهم في خلق ذوات مكبلة وعاجزة على الإبداع وهناك بعض آخر يرى أن العلمانية تساهم بشكل واضح في تحرير الإنسان من الأوهام الزائفة التي تقر بان الدين موطن للتسليم والخمول بينما نرى أنه في امتزاجه بالبعد السياسي مما يساهم في خلق ذوات مبدعة وفاعلة ومساهمة في بناء المجتمعات.

الخاتمة

كان ولازال مصطلح العلمانية يحمل في ثناياه جملة من الغموض واللبس وذلك من خلال اختلاف البيئة والمجتمعات فكل منهما يشكل صورة معينة على مفهوم العلمانية وبالاضافة الى ذلك كان هذا المصطلح لا يختلف فقط حسب اختلاف البيئة وانما كذلك يختلف من رؤية انسانية معينة الى رؤية أخرى وبذلك يكون كل شخص يعرف العلمانية حسب زاوية نظره وحسب ما يخدم مصالحه وهذا ما اختلفت فيه الدول العربية بين من يراه مصدرا للتقدم والرقي بمعنى أن الدين هو سبب تخلف بعض الشعوب العربية وبين من يعتبره لا دخل له في مسألة التطور وانما يمكن للشعوب أن تتشبث بمقدساتها وبمبادئها الدينية مع تحقيق التقدم المرغوب فيه من قبل جميع الشعوب العربية.

***

ساسية لسود من تونس

تشهد الحياة العراقية نفورا ملحوظا من السياسة والسياسيين حتى ان المواطن العراقي صار يتحدث عن السياسة بسلبية وسخرية مريرتين وذلك بسبب الخيبة الكبيرة التي جناها من الأداء الفاشل للطبقة السياسية وانعكاس ذلك على حياته الاجتماعية والأمنية والاقتصادية التي انهكها الفساد والمحاصصة الطائفية والاثنية على أيدي السياسيين الطارئين الذين جلبوا العار على السياسة وجعلوا الغالبية من الشعب تنفر منها وتنعتها بأبشع الأوصاف في حين السياسة هي سلاح ذو حدين فهي ممكن ان تخلّدك وتجعل منك بطلا وهذا ما حصل مع شخصيات عديدة في التاريخ كان لهم الفضل في بناء بلدانهم ورسم حاضرها ومستقبلها ومن بينهم المهاتما غاندي الذي حرر الهند من قبضة الاستعمار الانكليزي والمهاتير محمد الذي انقذ ماليزيا من براثن الفقر ونقلها الى دولة صناعية عظمى وصانع نهضة سنغافورة لي كوان يو الذي نجح في بناء دولة من العدم وحولها الى واحدة من أنجح الدول الأسيوية والثائر تشي جيفارا الذي ضرب مثلا في الزهد عندما ترك وراءه امتيازات السلطة بعد تحرير كوبا عام 1959 وذهب لإستكمال نضاله في تحرير باقي مناطق امريكا اللاتينية، وكذلك الشخصية التاريخية فلاديمير لينين مؤسس الدولة السوفياتية التي لعبت دورًا مهمًا في تاريخ القرن العشرين، او ان السياسة قد تلحق بك العار وذلك عندما تدعها تفسد انسانيتك وتنحدر بك الى مهاوى الفساد والجريمة ومعادة الشعب .

للأسف عدد كبير من السياسيين الذين يتسيدون المشهد في بلدان عدة لم يقرأوا التاريخ لكي يستفيدوا من اخطاء غيرهم، فهؤلاء مراهقو سياسة قذفت بهم الصدفة والعوامل الخارجية الى سدة السلطة فسقطوا في مستنقع غرورها وأخذهم الزهو والخيلاء للتعامل مع المواطنين باستعلاء متجاوزين على حرياتهم الشخصية ومنتهكين خصوصياتهم بممارسات لا اخلاقية ولا انسانية وكذلك في تجاوزهم على القوانين بإصدارهم قرارات متهورة غير مدركين ان هذه السياسة تعجل بزوالهم وازاحتهم عن المشهد السياسي، ولدينا في العراق تجارب فشلت نتيجة سلوكها السياسي غير المنضبط وتصرفاتها الرعناء ومنها تجربة الحرس القومي عام 1963 حيث مرّت اكثر من خمسة عقود على هذه التجربة المريرة ولكن آثار وتفاصيل جرائمها الى اليوم مازالت ماثلة في ذاكرة العراقيين خصوصا الوطنيين منهم الذين اكتووا بنارها وشهدوا بشاعتها، زد على ذلك ان سلطة انقلاب تشرين العسكرية ــ سلطة عارف ــ التي أطاحت بحكم الحرس القومي بعد عشرة شهور من القتل والتنكيل والاعتقالات ولأهداف سياسية قامت بتوثيق تلك الجرائم في كتاب (المنحرفون) الصادر عام 1964 الذي وثّق بالصور والاعترافات والشهادات جرائم وانتهاكات يندى لها جبين الشرفاء ما يزال التاريخ يذكرها بشعور من الخجل والعار، وهكذا كل امة تأتي تلعن وتفضح سياسة التي قبلها فقد شهدنا بعد نهاية كل نظام سياسي ظهور شهادات عن انتهاكات قام بها النظام بحق الشعب، فهل فعلا بريق السلطة يعمي بصيرة الحاكمين الى درجة انهم يستبعدون الوقوع تحت سلطة من ظلموهم ؟ ولماذا يستهين الحكام بعقول الجماهير ويديرون ظهورهم لتجارب التاريخ وقلمه الذي يسجل كل شيء ؟ .

***

ثامر الحاج امين

 

في منتصف السبعينيات نشر اقتصادي جيكوسلوفاكي دراسة مهمة عنوانها: المشاكل الاساسية للتخطيط الاشتراكي. Fundamental problems of socialist  planningوتضمنت تلك الدراسة عشرة نقاط اعتبرها الكاتب هي المسؤولة عن عدم دقة وانتظام عمليات التخطيط في البلدان الاشتراكية في ذلك الوقت. النقطة التي اريد ان استخدمها لغرض هذا المنشور هي التي اسماها الكاتب:

غياب المعلومات، او Lack of information

والمقصود بهذه النقطة هو ان القيادات العليا لم تكن تحصل على المعلومات الصحيحة والكاملة بخصوص ما يجري على الارض فعلاً. يعود ذلك النقص في المعلومات الى البيروقراطية وتعدد المستويات الادارية اضافة الى وجود مصالح لكبار الموظفين في إخفاء الحقائق عن المسؤول لكيلا يفقدوا وظائفهم وامتيازاتهم او يتعرضون للعقاب. وستكون النتيجة هي وصول معلومات تتحدث عن نجاح الخطط وازدهار الحياة وعدم وجود مشاكل تستحق الذكر. لذلك فان المسؤول سوف لن يجد سبباً لتعديل اساليب وآليات وادوات التخطيط..

يضرب الكاتب مثلاً عندما فرض ستالين سياسة المقصات الزراعية التي تقوم على استقطاع معظم الفائض الذي يحققه المزارعون لغرض استخدامه في بناء القطاع الصناعي. الأمر الذي دمر حياة الفلاحين وسبب لهم الجوع والفقر. وفي احد الايام تذكر ستالين الموضوع وأمر باعداد فلم يصور حياة الفلاحين بعد فرض تلك السياسة ولكي يرى آثارها على حياتهم اضافة الى تقارير تفصيلية عن الموضوع..

لكن المسؤولين كانوا يكذبون عليه وينقلون له اخباراً كاذبة عن احوال الفلاحين، فكيف يخبرونه الآن ان الفلاحين يعيشون حياة تعيسة وهم جياع وفقراء؟.. لذلك ذهبوا الى استوديوهات السينما وقاموا بانتاج افلام تظهر فيها موائد الفلاحين وقد اثقلتها قناني الخمر والاوز المشوي.. واخذوه الى ستالين وقالوا له: هذه احوال الفلاحين الآن ولقد صورنا الافلام بشكل عفوي من حياتهم اليومية. وعندما شاهدها ستالين غضب وقال: لازال لدى هؤلاء الكثير من الفائض لذلك يجب اقتطاع المزيد من الفائض منهم. النتيجة كانت مجاعة واسعة مات بسببها ملايين الفلاحين لاسيما الاوكرانيين ...

هذا المثال ينطبق على بعض السياسيين في بعض الدول والذين عاشوا في عزلة عن المجتمع لعقود واعتمدوا على ما ينقله لهم بعض المستشارين والمقربين المنافقين الذين لا ينقلون لهم ما يزعجهم وانما يتلاعبون بالحقائق لإدخال البهجة الى نفس المسؤول ولي نعمتهم.. لا يظهرون في مناسبات عامة او احتفالات أو يسيرون في الشوارع للتعرف على واقع الحياة واحتياجات الناس.. انقطعوا عن مجتمعهم وعاشوا في عزلة تامة في اجواء مريحة ليس فيها ما يزعج وافترضوا او تخيلوا ان المجتمع كله يتمتع مثلهم بهذه الحياة.

***

د. صلاح حزام

القرن الحادي والعشرون لا يختلف عن القرون السابقة، التي تحققت في ربعها الأول فواجع عظيمة ومرعبة تحددت بموجبها ما تبقى من طبيعة الحياة فيه.

فالربع الأول من أي قرن من أخطر المراحل وأحلك الفترات، وحصل ما يزعزع الوجود الأرضي ويرعب البشرية، فأزفت الكورونا بصولتها التي قضت على (6،283،922) من البشر حتى يوم (19\5\2022).

ويبدو أن الاشهر الباقيات من الربع الأول من القرن الحادي والعشرين ستكون من أخطر الفترات التي ستمر علينا، فالعمليات العسكرية في أوكرانيا متواصلة، وتمحورت دول الناتو للمساعدة بإندفاعية غير مسبوقة في التأريخ.

وما يحصل في المنطقة من تداعيات، ربما يضع الحجر الأساس لمتوالية هندسية تدميرية هائلة المعطيات.

ومهما يُقال من تحليلات وتفسيرات، فأن القراءة السلوكية للقرون، تؤكد بما لا يقبل الشك أن الحرب العالمية حتمية، فالأوضاع تتأجج والمواجهات تتصاعد والمحاور تتشكل والسلاح ينازل، ومعامل إنتاج الأسلحة في ذروتها، والعقول تجتهد  لتوفير ما لا يخطر على بال من أدوات الشرور والدمار الرهيب، والكراسي تزدحم بالمندفعين نحو الحروب بذريعة المصالح الوطنية، فإلى أين تسير البشرية؟

الحرب العالمية الأولى قضت على (21 - 25) مليون عسكري، و (50 -55) مليون مدني، والحرب العالمية الثانية قضت على (70 - 85) مليون من البشر، وهذه الحرب علينا أن نتحدث عن أضعاف هذه الأعداد.

في الحرب العالمية الثانية كان نفوس الأرض (2 - 3) بليون، والضحايا كانت بنسبة (3%)، واليوم نفوس الأرض أضعاف ذلك، مما يعني أن الضحايا ستكون أكثر من نصف بليون إنسان في أقل تقدير.

فالحرب القادمة فيها أسلحة تختلف عن الحروب السابقة، لأن القوى المتصارعة ذات قدرات تدميرية هائلة ومهلكة.

قد يرى البعض أن ما تقدم نوع من التشاؤم، وهو ليس رأيا ولا تحليلا ولا أي إقتراب آخر، سوى قراءة لما يحصل في القرون وبتكرارية متواصلة وما شذ قرن عن هذا السلوك.

ويبدو أن البشرية تمر بمراحل نفسية تتأجج فيها طاقات الدمار الذاتي والموضوعي، وتندفع بهوجائية عارمة، للإنقضاض على وجودها بأكمله، لكي تتولد حالات غير مسبوقة تسعى إلى محق ذاتها بعد عقود تتراكم فيها أسباب الزعزعة والإنمحاق الأكيد.

وإن تساءلنا عن الحلم والحكمة والعقل، فأنها تحت أقدام القرون، فإرادة الأرض أقوى من إرادات ما عليها من المخلوقات المتوهمة بالإقتدار!!

***

د. صادق السامرائي

 

دائماً عندما نسترجع قصة ابنَي آدم، هابيل وقابيل، نحتفي بالابن هابيل (المجني عليه) ونعتبره رمزاً للطيبة والنقاء والرحمة، بينما يمثّل قابيل (الجاني) بالنسبة لنا القسوة والظلم والغدر. وكثيراً ما نستحضر كلمات هابيل: "لئن بسطت إليّ يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين" بوصفها عبارات خالدة تدلّ على التسامح وحب السلام والأخوّة الحقّة.

لكننا نتغافل عن الآية التالية حيث يكمل هابيل كلامه فيقول لأخيه وبلغة هجومية مُستفِزة: "إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين"!

ألم يكن الأجدر بهابيل في تلك اللحظة أن يستعطف أخاه الحاسد والغاضب والناقم (قابيل) ويذكّره بالرابطة الإنسانية والأسرية والأخوية بينهما فيقول له:

(إني "أخاف عليك" أن تبوء بإثمي وإثمك) بدلاً من (إني "أريد" أن تبوء بإثمك وإثمي)؟!

هل من المناسب أن يقول إنسان لأخيه الذي يريد قتله: إني أريد لك أن يتعاظم ذنبك وأن تكون من أصحاب الجحيم فأنت من الأشرار الظالمين؟!

هل يُفترض بهذه اللحظة أن تكون لحظة استفزاز وإساءة وتهييج للغضب أم لحظة استعطاف واسترحام واستدرار للرأفة والحنان الأخوي؟!

ألا يعتبر هابيل (الضحية) مسؤولاً بشكل ما عن الجريمة من خلال كلماته العدوانية والاستفزازية التي استثارت غضب أخيه قابيل (القاتل)؟!

ألا يمكن أن تدخل كلمات هابيل تحت مفهوم "الاستفزاز الخطير"، والذي يُعرّف في القانون الجنائي بأنه: "سلوك مقصود يهدف إلى إثارة غضب شخص ما أو إزعاجه بشكل كبير، وغالباً ما يؤدي إلى رد فعل عنيف أو غير متوقع. وهو يعتبر ظرفاً مخففاً في القانون الجنائي في بعض الحالات"؟!

فبعد أن صدرت تلك الكلمات من هابيل مباشرةً، ارتكب قابيل جريمته وقتل هابيل: "فطوّعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين".

ثم ندم على فعلته: "قال يا ويلتا أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي فأصبح من النادمين".

لاحظ أن ندمه وورود كلمة "أخي" على لسانه بعد ارتكاب الجريمة يدلّان على أنه لم يكن شريراً خالصاً، ولم يكن حالة ميؤوساً منها، بل كانت هنالك احتمالية وقابلية لردّه عن جريمته وإصلاحه لو أن هابيل تعامل معه برحمة أخوية وذكاء إنساني ومنطق أخلاقي.

***

همام طه

فضلا عن تخلف أساليب العمل في دوائرنا الرسمية والبيروقراطية الكريهة، التي يمارسها أغلب الموظفين ضد المواطنين المراجعين، أنا لا أطيق مراجعة أي منها لأي سبب، وأفضِّل انجاز معاملاتي الرسمية بأي طريقة ممكنة، باستثناء المراجعة الشخصية، فأنا مصاب حقا برهاب مراجعة الدوائر الرسمية، حتى أني إذا ما أجبرتني الظروف القاهرة على مراجعة إحداها مهما كانت المعاملة بسيطة، أتسلح عادة فضلا عن الوثائق الأربع المبشرات بالجنة بعلبة البندول 1000 ملغم وقنينة الماء، والكثير من اليأس.

وهذا ليس جديدا عليَّ، وإنما هي حالة رافقتني منذ سنين طوال، وعجزت عن التخلص منها، لأني لم أجد فرقا واضحا في تعاملهم بين ما كان عليه في (الأمس الشمولي)، وما هو عليه في (اليوم الديمقراطي)، فالموظف هو الموظف ذو الوجه المتجهم والسلطة العليا الآمرة الناهية، والمراجع هو المستضعف والمتهم والمستهدف.

وقد أجبرتني صروف الليالي يوم أمس الخميس 31/7/2025 على مراجعة إحداها وهي (مديرية الأحوال المدنية والجوازات والإقامة في واسط/ قسم التسجيل المركزي) للحصول على صورة قيد مترجمة لأغراض السفر.

منذ الصباح الباركر، وضعت عشري على رأسي، وولجت باب الدائرة؛ وأنا أشعر بضيق يكاد يخنقني ويحبس أنفاسي، وبعد اجتياز الاستعلامات، واجهتني لافتة مكتوب فيها: (مديرية الأحوال المدنية والجوازات والإقامة في محافظة واسط ترحب بالضيوف الكرام، حللتم أهلا، ونزلتم سهلا) ظننت بداية ـ وبعض الظن إثم ـ أنهم وضعوها في انتظار زيارات المسؤولين الرسميين تزلفا لهم مثلما هو معمول به منذ عشرات السنين، فشعرت وكأن صورة دوائر الأمس الشمولي برزت أمام تستفزني.

وقبل الدخول إلى ما أسميه عادة (وكر الرعب) خرج شاب أنيق، جميل المظهر، حسن الوجه ما إن رآني حتى بادر ليسألني: ـ أبغدادي أنت؟

أجبته: نعم أنا بغدادي، ولكني مقيم في الكوت منذ عشرين عاما.

ـ وما سبب الزيارة؟

الحصول على صورة قيد.

ـ ممكن أن تنتظرني قليلا، فأنا خرجت لغسل يدي وسأعود لك في الحال.

أنتظرك ولم لا.!

لحظات وعاد إليَّ مبتسما، وقال: أعَّرفك بنفسي؛ أنا عباس سلام حسين الزركوشي، تفضل لأساعدك في انجاز معاملتك. حينها شعرت بنوع من الاضطراب بفعل تشوش الرؤية بين ما هو مرسوم في يقيني عن الدوائر وما أراه امامي، فكلمة (تفضل لأساعدك) ليست مألوفة في دوائر الدولة. دخلنا الدائرة فوجدت الهدوء مسيطرا على أجوائها الباردة الندية فارتحت قليلا.

المهم أني خلال تنقلي بين الموظفين والأقسام، كنت أرى ابتسامة عباس سلام التي استقبلني بها مرسومة على وجوههم جميعا: محمد ومحمد واحمد وحسين وعباس، سواء كانوا موظفين مدنيين أم عسكريين. كانوا يستقبلوني بابتسامة صادقة وينجزون طلبي بأقصى سرعة ليحيلوني إلى مرحلة أخرى.

في هذه الجولة الطويلة التي تسبب بها خلل في صفحة نفوسي الشخصية وليس بتقصير منهم، كنت أرى مدير القسم العميد المهندس محمد محمد رضا حسين؛ والذي ترك باب غرفته مفتوحا على مصراعيه، كان يقوم بجولات مستمرة في القسم وبين الموظفين. وأقسم أنه أخذ معاملتي من يدي عدة مرات، وأجرى عليها المطلوب بشخصه لأن الموظف المختص كان مشغولا بمعاملة أخرى.

والأكثر من ذلك أنه كلما رآني نادى على موظفيه لينجزوا معاملتي بسرعة ويسألهم عن سبب التأخير غير المبرر. ثم لما عرف سبب التأخير وأنه يعود لي شخصيا وليس للموظفين تدخل بنفسه وجلس معهم على نفس الطاولة لحل الإشكال. وحينما أنجزت المعاملة بعثوني إلى قسم الترجمة عند شاب جميل وخلوق هو الرائد أحمد الذي استقبلني هو الآخر بابتسامة عريضة، وأخذ المعاملة من يدي، وقام بتدقيقها، فوجدها تحتاج إلى معلومات إضافية، فأعادني إلى قسم التسجيل الذي استمر بالعمل بجد وجهد وصبر جميل وأخلاق لا يعلى عليها إلى انتهاء وقت الدوام الرسمي، وحينما تهيأتُ للخروج فوجئت بأن رائد أحمد أرسل من يخبرني أنه كان المفروض به أن يغادر الدائرة لظرف طارئ، ولكنه لا زال ينتظرني لينجز معاملتي لكي لا يتسبب في تأخيري.!

إن هذه التجربة أشعرتني بسعادة لا توصف أحببت مشاركتها معكم، فقد نجحتْ في تخليصي من رهاب مراجعة الدوائر الرسمية، وبعثت في نفسي أمل أن يعيش أولادي واحفادي رفاهية مراجعة المؤسسات الرسمية بعيدا عن العناء الذي أصابنا من قبل، ومنحتني يقينا أن هناك بوادر خير بأن العراق بمثل هؤلاء الرجال وإخلاصهم وتفانيهم في العمل سيتقدم ويتقدم، فالشعوب تتقدم بالمخلصين من رجالها وابطالها، لا بالسياسيين الفاسدين، ولا بالإرهابيين الدمويين.

ولا أخفيكم أني بعد هذه التجربة اللذيذة، أصبحت من عشاق مراجعة الدوائر، بفضل رجال هذه الدائرة الرائعة (مديرا وموظفين).

وفي العودة إلى موضوع اللافتة فقد عرفت من خلال الحديث معهم أنهم وضعوها في مدخل القسم للترحيب بـ(المراجعين) من المواطنين، لا تزلفا لزيارة (المسؤولين)، وهذه واحدة من أعظم خطوات التقدم في العلاقة بين الموظف والمواطن في هذا الزمن المأزوم الصعب.

تحية إكبار وإجلال إلى جميع المنتسبين لهذه الدائرة الرائعة ولاسيما مديرها العميد المهندس محمد محمد ضياء والأستاذ عباس سلام حسين، والرائد أحمد، وجميع منتسبيها بلا استثناء، ليس لأنهم أنجزوا معاملتي البسيطة فحسب، وإنما لأنهم زرعوا الأمل في نفوسنا أن الشعار الذي رفعه محافظ واسط المستقيل الدكتور محمد جميل المياحي (القادم أفضل) قد وضع موضع التطبيق فعلا، وأن الأفضل ينتظر العراقيين إن شاء الله.

***

الدكتور صالح الطائي

الإنسان ذلك الكائن الذي يحتاج دوماً إلى ارتداء رداء الوقار؛ تراه مشغولًا يتصفّح أوراق وجوده في هذا العالم، لا ليُثبت حقيقة ذاته، بل لينهض بها ويثور لأجلها عندما يشعر أنّه بحاجة إلى نهوض. لقد صاغ الفلاسفة أفكارهم ونحتوها بناءً على هذا المعنى؛ فالوجود الإنساني للذات معادلة متغيّرة لا يمكن لها أن تستقر، وهذا ما يدعوها إلى أن ترتبط دائمًا بوجودها الكوني أولأن تثور. ولهذا تجد أنّ كبار الباحثين والمفكّرين في هذا العالم لم يشعروا يومًا بلذّة المائدة أو لذّة الحديث بقدر شعورهم بإرادة الفكرة، وبأهمية الذات الساعية لتحقيق الخلود. وتلك حقيقة أزلية لا يُدركها إلا أصحاب العقول الكبيرة؛ فهم لا يضيّعون أنفسهم في متاهات المكان، ولا يكترثون لأبجديات الزمان وحركته السريعة. بل تراهم مشغولين بتحدي تجارب  الإحباط  وتلك موضوعات كبيرة؛ والمتأمّل لما كتبه سبينوزا وكيركجارد وكامو يفهم هذا المعنى، لأنّ الحياة لا تقف عند عتبة الوهن والانكسار، بل تحتاج منّا جميعًا المواجهة وتحمل المشاق أملًا بالوصول إلى المبتغى.

***

عقيل العبود

شمس الدين موسى، النقاء الذي لم تطمسه أدران الدنيا، من الشخصيات التي لم يتشظى أثرها داخل نفسي، رغم طول العهد، وتباعد السنين، بل هو من أكثر الشخصيات تنازعاً على ذاكرتي، فالحقيقة التي لا يخالطني فيها شك، أو تداخلني فيها ريبة، أن شخصية "شميس" التي تحمل في أحشائها أصداء الماضي، حفية بأن ينكب عليها المرء، دراسة وتأطيرا، رغم ما قد يعتري هذه الدراسة من مزالق، والمهم قبل كل شيء، هو أن يشعر القارئ، قوة هذه الشخصية، التي كانت تنظر إلينا قبل أن تصاب بالعمى، في كثير من الرثاء، وفي كثير من الازدراء أيضا، وجنوحنا في هذا المقام، إلى الانصراف عن حياكة سردية متسارعة، متلاحقة، تضج تفاصيلها بالأحداث، دافعه هو شخصية شميس، التي جالت معانيها وراجت، في منطقتنا التي ترفض إلى الآن أن تفنى، أو يسجلها التاريخ في سطر مضى.

 وشمس الدين، قبل أن يدركه الفناء، لم ننكر عليها بطر حق، أو انتكاس فطرة، أو ارتكاس تصور، أوكفران نعمة، أو تبرم من ابتلاء، لقد استأثرت به رحمة ربانية، جعلته قبل أن يستحيل عدما، لا يتردى في أغشية الضلال، ولا يتهاوى في أعنة الغفلة، ولا ينجرف في شعاب الجهالة، فشميس الذي اتحدت شخصيته الهادئة، بابتسامته العفوية، لدرجة صعب معها التفريق بينهما، كان من أكثر  الناس في" حينا" ضحكاً، وابتساما، وعبثا، وسخرية، والضحك في عالم شميس، لم يكن أجزاء متناثرة، لا يربطها رابط، بل كان في الحق، مداخل متعددة تتكامل، ويدعم بعضها بعضا، فالضحك عنده هو الوسيلة التي طور آلياتها، للتغلب على صعاب الدنيا، فهو حلمه إذا طاش، وهو رضاه إذا سخط، كان الضحك عند شميس كتاباً حافلاً ممعتاً، تظن وأنت تقرأه، أنك تهوى الدنيا، وتقبل عليها، وتؤثر منها القناعة والرضا، والسعادة، والحبور، وعبقرية الضحك التي طورها شميس، وسار بها في طريق التدرج الطبيعي، حتى بلغت عنده مرحلة النضج الكامل، هي الأداة التي استطاع أن يخضع فيها الكثير من العلل التي يعاني منها، ويتحكم في سيرها،  هي الصيغة التي جعلته ينفق عمره القصير في سرور ولذه، ولا تساورنا خلجة من شك، أن ضحك شميس وتبسمه، كان يخفي خلفه مدناً من الحرقة واللوعة، نعرف نحن أسبابها وعلاتها، لقد كانت معاناة شميس" الذاهل الضرير" واضحة بينة، وكنا نراها وهو يستقيم حينا، ويتخبط أحياناً، لحلوكة المكان ووعورة المسير، ومكابدة شميس التي كنا نطيل النظر فيها، ونتابعها في غير ملل أو كلال، ونحن صبية صغار، استطاع شميس أن يحاربها، ويناهضها، ويتغلب عليها، في سهولة ويسر، فالشيء الذي استساغته نفس شميس العذبة الصافية، وأحبته، ونهضت به، هو التغاضي إلى مرحلة المغالاة التامة، برفض العجز الذي لم يتغلغل في أعماقه، أو يستبطن أغواره، لم يرسف شميس تحت أغلال الإعاقة الثقيلة، أو يرزح تحت أنيارها الضيقة، لقد تسامى شميس فوق كل هذا، وكانت وسيلته الناجعة الموصلة حقاً إلى خلاصه، هي ابتسامته الزاهية التي تتراقص دوماً على محياه، ابتسامته الوادعة التي لم تشع في ضعف، أو تتداعى في فتور، كانت تستأنف ارتسامتها بصور حادة ومتلونة، لتوضح لنا في جلاء، أن مهجته الراضية، التي لا تهزها قوارع الدنيا، ولا مروعاتها،  ملأ عليها اليقين شعاب فكرها، حتى خُيْلَ لها أن حاسة البصر التي يتهافت الناس على صونها، ليس لها علاقة بها أو صلة.

لقد كان عجز شميس محتماً لا مفر منه، ولكن الأصل الذي رسخ فيه، والفرع الذي تشبث به، هو عشق الحياة، ومحبة عائلته ومحيطه، لقد كانت حياة شميس التي قاست ضروباً من العناء، لوحة جميلة تحمل  بين ثنياها الكثير من الروعة، لوحة مشرقة ساطعة، ترمز خواصها التي تخاطب جميع الناس، بأن الذهول المرتبط بالمحمل العقلي، اختلاق بِيْنُ في بعض الحالات،  وأن بشاشة الوجه الصوفي، المستخف بكدر الحياة، لن ينوح على نفسه، عندما تتصل الأرواح بأجسادها، سلام على تلك الأرواح التي نسجت من دقائق التقوى، وروعة الخشوع، ونضار التصوف. سلاما على روح شميس التي نزهها الله عن الغضب، والسخط، والمعصية، والانحلال.

***

د. الطيب النقر

الجمعة 1/8/2025

الغرض التوثيقي للشعر يتواصل ولن ينتهي، أما الأغراض الأخرى بأنواعها، فأن شعراء الأمة إستنفدوها، ولا يمكن لللاحق أن يأتي بأحسن مما أبدعوه، ولهذا فالغرض التوثيقي هو الأبقى والأصلح للأمة، ولكي تدرس التأريخ عليك أن تطلع على شعراء المرحلة التي تتناولها، فعندما تدرس عصر المماليك عليك بالبوصيري، وعندما تدرس العراق في القرن العشرين، عليك بالزهاوي والرصافي والجواهري، وعندما تدرس تأريخ مصر منذ نهايات القرن التاسع عشر عليك بأحمد شوقي وحافظ إبراخيم، ولكي تقرأ تأريخ الدولة العباسية في سامراء لابد من قراءة أبي تمام والبحتري وإبن المعتز وعلي بن الجهم، فالشعراء أصدق كتّاب التأريخ وإن كذبوا!!

فمَن يستطيع أن يوثق بصدق وشفافية ودقة في الوصف والتقييم؟

المؤرخون لا يكتبون في وقت الحدث بل بعد حصوله بزمن طويل، ومعظم ما وردنا من مدونات مكتوب بعد مرور أكثر من قرن على الحدث، ومعظمه منقول وفقا لمنهاج (قال) و(ذكر عن)، وتتداخل تصوراتهم وآراؤهم ومواقفهم لترسم الصورة المكتوبة.

والشعراء يتأثرون بالأحداث ويمزجونها بعواطفهم ومشاعرهم وما تحثه من أفكار في مخيلاتهم، ويميلون إلى الوصف الدقيق والتعبير الأصدق عن الحدث بأدواتهم، التي ربما تحتاج إلى شيئ من التمحيص والتحليل والتشريح.

فعند قراءة ديوان البحتري يمكن رسم صورة أصدق عن مسيرة الخلفاء في سامراء، وكذلك دراسة ديوان أبي تمام فهو مختصر مكثف لمسيرة المعتصم فيها.

وعليه فأن الدراسات التأريخية المقطوعة عن عطاء الشعراء في أوانها منقوصة وتثير أسئلة وشكوك.

يخبّرنا عن الأحداث حرفُ

تسطره يراع فيها خوفُ

تدوّنه النُحات بعد وقتٍ

وترسمه الموارد والظروف

فما ذكر الرواة بها حقيقا

لأن سراتها برعت تدوف

***

د. صادق السامرائي

 

إذا أردنا أن ننشأ جيل جديد من المثقفين والمفكرين يبدعون في الرأي والفكر وتقديم ما لديهم من أفكار وحلول وتغيرات في سلوكيات الفرد ليكون مؤثرا في بناء المجتمع وتطوره في خضم الصراعات التي تأثر تياراتها في عقول الأفراد سلبا وإيجابا علينا أن نشجع على استحداث جيل قابل على تقبل الأفكار الجديدة وفهمها بالطرق والوسائل المنطقية التي تستوعب تفكيره وبأسلوب أقناعي منهجي بعيدا عن الإملاءات الخارجية والعادات والمعتقدات السابقة الخارجية المرافقة للأفكار السطحية التي لا تواكب العصر وطرح الأسلوب الجديد في الحوارات الهادئة التي تحاول استبعاد القديم من التراث الاجتماعي والعقائدي والديني وننطلق إلى الحداثة في الرأي ونمط التفكير المنطقي المعاصر الذي يحاكي عقول الأجيال الجديدة التي تعيش التغيرات الفكرية والعلمية والتكنولوجية لذا لزاما علينا أن نقف بثبات فكري حر ونثقف المواطن ونستفز عقله على البحث والتحري والتفكير بحرية واستعمال لغة الحوار البناء والهادف وتقبل الرأي الآخر بغض النظر عن المعتقدات المتشددة والآراء البعيدة عن الواقع وعدم التشدد بالأخذ أو الرفض .فأن الحرية في التفاعل والتعامل مع الآخرين في كسب المعرفة بطرق سلمية حديثة ثقافية هو السبيل إلى المعرفة الجادة التي تخدم المجتمعات وتساهم في تطويرها  من خلال إيجاد المساحة الحرة والواسعة في التفكير والبحث والنقاش والحوار بعيدا عن المعتقدات والآراء الدينية التي تجيرها بعض العقول المهيمنة عل القرار السياسي والديني التي تجعل من التيار الفكري الحر طرفا حائرا فاقد الثبات في التغير والتأثير في المجتمع ومحاصرا من قبل المؤسسات الفكرية النمطية المسيطرة على تصرفات المجتمع والمساس بها ومعارضتها يعتبرها جريمة بحق قدسيتها حيث وجود الكثير ممن لا يروق لهم الخوض أو الاستماع أو تقبل ما هو جديد وحديث في المفاهيم المعاصرة التي تتحدث عن التجديد للفكر السلفي المتعالي على الحوارات والنقاشات ومنع كل ما يعارض ما جُبلوا عليه سلفا .

فأن الحوار العلمي المنطقي الخاضع للنقاش والبحث والدراسة الواقعية المعروضة على العقل ومواكب للمجتمعات الجديدة بعيدا عن النقل هي الطريقة الصحيحة المراد منها الارتقاء العقلاني بالفكر والعقيدة والدين لخلق مجتمع خالي من الصراعات الفكرية والاجتماعية بوجود شخوص مفكرة ناضجة فكريا وعمليا وعلميا تأخذ بيد المجتمع نحو الثقافة الحرة المنهجية الواعية.

***

ضياء محسن الاسدي

يبدو هذا العنوان وكأنه عنوان رواية بوليسية للكاتبة البريطانية (اجاثا كريستي) وهي في الواقع رواية بوليسية حقيقية جرت على ارض العراق .

كان لانقلاب 8  شباط عام 1963م تداعيات كثيرة على جميع الاصعدة السياسية منها والاقتصادية والفكرية ذلك لان الانقلاب مؤامرة اشتركت فيها اطراف متعددة منها الداخلية التي تمثلت بالعناصر الرجعية والقومية وبقايا الاقطاع الذين تضرر"

مصالحهم بعد نجاح ثورة 14 تمور 1958م ومنها الخارجية العربية والأجنبية. وكان من تداعيات الانقلاب البيان رقم (13) الذي اذاعه الانقلابيون في البوم الاول من انقلابهم وقد دعوا فيه الى ابادة كل من يقاوم الإنقلاب ابادة جماعية فكانت موجة  الاعدامات وزج العناصر الوطنية في السجون مما زاد من حدة التذمر الشعبي وتدمر العناصر الوطنية داخل الجيش وقيام انتفاضة معسكر الرشيد بقيادة العريف حسن سريع  في 3/تموز عام 1963م التي كان فشلها سبباً في تبلور احداث جديدة اعطت قادة الانقلاب مميزات جديدة من اجل القيام بأعمال انتقامية بعد فشل الانتفاضة مباشرة ودفعتهم الى ارتكاب ابشع جريمة  في تاريخ العراق الحديث .

بعد فشل حركة حسن سريع زج الآلاف من الضباط الجنود والمدنيين المشاركين بالحركة في سجن رقم (1)  في معسكر الرشيد وكانت خطة حكومة شباط ارسالهم الى معتقل (نقرة  السلمان) الصحراوي في السماوة فقد اعدوا (15) عربة من قطار حموله قديم يستخدم لنقل الاغنام والحديد والاخشاب ووضعوا هؤلاء المعتقلين داخل هذا القطار واحكموا غلق ابوابه الحديدية وفي ساعة متأخرة من ليلة 3/4 تموز من عام 1963م استدعوا اقدم سائق قطار في العراق وهو عبد عباس المفرجي وابلغوه ان القطار يحمل مواد كيمياوية .

وقد اختلفت الروايات في عدد المعتقلين داخل قطار فقد روي ان عددهم كان 250 شخصاً، بينما ذكرت روايات اخرى ان العدد كان 520 بين جندي وضابط .

وكان ابرز المعتقلين العقيد غضبان السعد وقتيبة الشيخ نوري والرائد يحيى نادر الذي توفي داخل القطار ومن المدنيين مكرم الطالباني وسلطان ملا علي واعضاء من الحزب الديمقراطي الكردستاني وكان جميع المعتقلين بظنون انهم ذاهبون الى ميدان الرمي لتنفيذ حكم الاعدام بهم .

تحرك القطار فجر يوم 1963/7/4م وكان هدفه السماوة لان المدة التي تستغرق وصوله الى السماوة طويلة نا ساعات وهي كافية بقتل المعتقلين بسبب ارتفاع درجة الحرارة بحيث ان قادة البعث كانوا يراهنون على ان حرارة الشمس يمكن ان تقتلهم بعد ساعتين او ثلاث من شروقها على عربات القطار التي تحولها الشمس الى افران حديدية ملتهبة، اما الطبيب المعتقل رافد صبحي فقد نصح المحتفلين بعدم خلع ملابسهم كي يحافظوا على طاقاتهم .

قبل وصول القطار الى السماوة صعد شخص من اهالي المنطقة وابلغ سائق القطار ان حمولته ليست مواد كيمياوية او حديد بل بشر , فذهل السائق لهذا الخبر فأنطلق بأقصى سرعة وعند وصول القطار الى الديوانية هرع عدد كبير من المواطنين الى رش الماء على عربات القطار وعند السماوة زود الاهالي ركاب القطار بالماء والمواد الغذائية التي انقذتهم حتى وصولهم الى معتقل (نقرة السلمان) سالمين .

هذه هي قصة هذا القطار المشؤوم باختصار نكتبها للاجيال الجديدة التي لم تعاصر تلك الاحداث المؤلمة .

***

غريب دوحي

"يا بُني والله إني لأظن أن الله عزّ وجل خلقكَ شقيا"!!

هذه مقولة والد الحجاج بإبنه في حادثة معروفة ومدونة في كتب التأريخ، بعد أن عبّر له عن موقفه ووجهة نظره عمّا يدور في الواقع السياسي والإجتماعي آنذاك.

ويمكن قراءة شخصيته وفقا للآتي:

أولا: العصبية:

وهي الميل إلى القبيلة والعشيرة والطائفة والإمعان بتأكيد الإرادة الذاتية والجمعية، وقد عبّر عن ذلك بقوة وإدمان في سلوكه، الذي تفتق بعد أن تسنم مواقع قيادية في الدولة الأموية، التي كادت أن تنهار لولا إقدامه وإصراره على تثبيت أركانها وإعلاء لوائها، وفقا لمفاهيمه القيادية الحازمة التي لا تقبل القسمة إلا على نفسها.

وقد ترجم بسلوكه صدق ولائه وإنتمائه للنهج الذي تبناه الخليفة عبد الملك بن مروان، والذي بموجبه تم تأسيس الدولة الأموية القوية القادرة على التمدد والهيمنة على أصقاع الدنيا، وذلك بالقوة والإقدام الشديد الذي لا رجعة فيه أو إلتفاتة إلى الوراء، فالحجاج إنطلق كالصاروخ نحو أهدافه المتنوعة المتنامية بإرادة فولاذية حازمة.

ويبدو أنه قد سئم من حكم عبدالله بن الزبير الذي يُقال أنه كان قاسيا، فترك الطائف وإلتحق بالشرطة الأموية في دمشق.

ثانيا: النرجسية:

من الواضح أن الحجاج يتمتع ببعض الصفات النرجسية،  لكنه لم يصل إلى درجة تعظيم الذات والخروج عن كونه إنسان من عباد الله الذين يجاهدون في سبيل إعلاء كلمته وإقرار الحق والقضاء على مناوئيه، فقد أبدى الكثير من المواقف التي تشير إلى أنه متواضع أمام خليفته، ويذعن لأوامره وينفذها مهما كانت صعبة ومذلة لشخصه، لكنه يمتلك حب الذات والقدرة على الإفتخار بكونه قد أنجز وحقق ما لم يحققه غيره، ويرى أنه أهم أعمدة الدولة الأموية، وعنده عزة وكبرياء وإعتداد بأصله وفصله.

ثالثا: الغاية تبرر الوسيلة:

الحجاج مارس هذا السلوك بقوة وشراسة، فغايته القضاء على معارضيه وإخماد الفتن والإضطرابات، وقد إتخذ لذلك الهدف جميع الوسائل المتاحة التي توصله إلى ما يريد، ولا يعنيه في الأمر إلا الوصول إلى الغاية المنشودة.

وتتضح هذه القاعدة السلوكية في مواقفه المتنوعة، وقراراته القاسية التي ينفذها بآليات فورية قاصمة ومرعبة، وكأنه السلطان المطلق الصلاحيات، والذي ينفذ أوامر ربه بدأب وإصرار وعزيمة متوقدة.

فهو يشرعن قتله للآخرين ويستحضر لهم حجة ودليل، ولا يقتل حبا في القتل وحسب.

رابعا: السايكوباثية:

لا توجد أدلة ومواقف تؤكد هذه الشخصية، فطفولته وصباه مشحونتان بالعلوم القرآنية والعربية، وكان معلما ومؤدبا، وقد أدبه وعلمه أبوه الذي كان معروفا بالتفقه بالقرآن، ويبدو أنه كان صاحب منزلة عند بني أمية، وعلى علاقة بالخليفة.

والحجاج صاحب بينة وحجة ويقتل وفقا لحجة وسبب واضح، فأول مَن قتل في الكوفة شخص كلمه فسألوه هل يعرفه فنفى، وعندما أخبروه بأنه هو الذي ركل جثة عثمان بن عفان وكسّر أضلاعه، أمر بقتله فورا.

وقتله سعيد بن جبير كان لأنه معارضا وخارجا عن طاعة الخليفة وقد حاججه ونفذ أمر قتله.

فهو يقتل مَن يعارض ولا يعنيه شأنه أو مقامه، فحالما تثبت عليه تهمة المعارضة والخروج عن الخليفة ينفذ حكم الإعدام فيه. ولهذا كثر قتله لأسباب سياسية بحتة. وشأنه كأي قائد يريد تثبيت أركان دولة، فلا تأخذه لومة لائم بما يفعل.

وفي الختام فأن الحجاج كان قائدا يبرر سلوك السيف ويبحث له عن حجة وبينة، لكي يكون فاعلا ومنفذا لأمر رؤيته التي ملخصها، أما أن تكون معي أو أنت عدوي، ووفقا لذلك مضى أكثر من عقدين على ذات المنهج التفاعلي مع الرعية، فصار مرهوب الجانب، مرعوب الذكر، تتنافر من أمامه الرجال حفاظا على أرواحها ومبررات حياتها، ومات كأي مستبد بذل ضغطا شديدا على الناس، فتنفسوا الصعداء من بعده، وتشظى وجودهم وتدهورت أحوالهم، وهكذا دبّ الضعف في الدولة الأموية، كما دبّ فيها بعد وفاة مؤسسها، لكن هذه المرة تواصل وتعاظم حتى إنتهت قبل أن تتم عشرة عقود في الحكم.

***

د. صادق السامرائي

في أرضٍ كانت تُغنّي، باتت تبكي. في البلاد التي خطّت أولَ حرف، وغنّت أولَ نشيدٍ للخلود، يعلو اليومَ نشيدٌ آخر... نشيدٌ من نحيبٍ طويلٍ يُشبه الموال، لا يَعرفُ لحنًا غير الحزن، ولا مقامًا سوى الناي الجريح. هنا، في العراق، كلُّ شيءٍ يبدو كأنه يتذكّر، يتذكّرُ مجدًا لا يعود، وجرحًا لا يندمل. تمشي على التراب، فينحني لك كأنّه شيخٌ تعب من الوقوف، وتُصغي للريح، فتسمعها تقرأ لك مراثي أور وسومر وبابل، ثم تبكي معك في صمت.

أرضُ الأنبياءِ والملوكِ والشعراءِ، صارت ساحةً لمآتمٍ لا تنتهي، وصراخٍ لا يعلو إلا ليُدفن، وأرواحٍ تتجوّلُ في الأزقة كأنها تنتظرُ خلاصًا لم يُكتب.

أيُّ موالٍ هذا الذي لا يسكت؟ وأيُّ فمٍ هذا الذي وُلد ليبكي فقط؟

في العراق، حتى الولادات تُستقبل بالنواح، وحتى الأعراس تُقام في ظلّ حدادٍ مؤجَّل.

الشمسُ تطلعُ هناك من عيونِ الثكالى، لا من خلفِ الجبال، والقمحُ لا ينبتُ إلا من دماءِ العابرين. ومَنْ قال إنّ دجلةَ يضحك؟ لقد صارَ النهرُ شاهدًا على المجازر، ناطقًا باسمِ الخراب، يروي لنا – كلما عبرناه – حكايةَ شهيدٍ لم يُدفن، وأمٍّ ما زالت تُعدُّ الغداءَ لابنٍ غاب منذ سنين.

العراقُ... ليس وطنًا فقط، بل قصيدةٌ مكسورة، قصيدةٌ حاولَ الشعراءُ ترميمها فلم يفلحوا، لأنّ الحرفَ في بلادِ النكبةِ لا يُكتب بالحبر، بل بالنحيب.

كيف نكتبُ عن العراق؟ بأيِّ لسانٍ نترجمُ وجعه؟

هو الذي صارَ كلُّ جزءٍ فيه مأساةً قائمة، من الجنوبِ المبتلِّ بالوجعِ، إلى الشمالِ المُحمَّلِ بالأسى، ومن بغدادَ التي أرهقها العرشُ والخيانةُ معًا، إلى الموصلِ التي لا تزالُ تفتّشُ عن ظلِّها في الركام.

هل تذكرون حينَ كانت بغدادُ تُعلّمُ الدنيا الفصاحة؟

الآن، تعلّمُنا كيف نصمتُ أمامَ الفجيعة.

هل تذكرون بابلَ حين كانت ترفعُ بوّاباتها نحو السماء؟

الآن، تسألُ السماء عن عدالةٍ لم تنزل.

ويا لهذا "الموال"... كم خُيِّلَ لنا أنّه سيُغنّى للهوى، فإذا به يُغنّى للقبور.

وكم ظننّا أنّ العودَ سيعزفُ للفرح، فإذا به وترٌ مبتورٌ بين أصابعِ اليتامى.

وكم حسبنا أنّ الناي سيُهدهدُ الساهرين، فإذا به ينوحُ مع من بقيَ من العقلاءِ، على ما تبقّى من وطن.

في عراقِ المأساة، لا أحدَ يسألُ: "هل سننجو؟"

بل الجميعُ يتساءل: "هل نحنُ أحياءٌ حقًّا؟ أم نحنُ شخوصٌ في مَشهَدٍ كابوسيٍّ طويل؟"

لكن... ورغم كلّ هذا، ما زال في العراقِ موالٌ آخر، لا يُشبه الحزن. موالٌ صغير، يهمسُ به طفلٌ في مدرسةٍ طينية، أو راعٍ في سهلٍ منسيّ، أو عجوزٌ تحيكُ وشاحًا لابنٍ أسير.

موالٌ اسمه "الصبر"، وآخرُ اسمه "الرجاء"، وثالثٌ اسمه "الوطن"، وإنْ خَفَتَ صوتُه وسط العويل، فهو باقٍ، يشتعلُ في الصدور كجمرةٍ لم تُطفأ.

العراقُ... هذا الموالُ العظيم، الممزوجُ بالبكاءِ والمقاومة، سيظلّ يُغنّى... حتى يعودَ الحرفُ إلى لوحِ الطين، والصوتُ إلى نايِ سومر، والبهجةُ إلى سماءِ النخيل.

***

د. علي الطائي

30-7-2025

المجتمعات التي تكون فيها النشاطات فردية بحتة، وذات نظرة أنانية قاصرة تفصلها عن المسيرة المجتمعية، تتسبب بإنهيارات مروعة، وتوفر الفرص للطامعين بالإختراق والتمكن من إدارة البلاد وإمتهان العباد.

ونخب أي مجتمع إن لم تنظر بشمولية وقدرة على إدراك المآلات التفاعلية، فأنها تساهم في وضع المجتمع على خشبة الجزر الفتاك لحاضره ومستقبله.

إن ما يصيب بعض المجتمعات المنكوبة بأبنائها، هو الإنغماس بالذاتية والأنانية الشديدة الإنكار لوجود الآخر وضرورة تفاعله البناء مع غيره، فالأقوام المتعاونة لا يصيبها الذل والهوان، بعكس المتناحرة التي تتآكل ويدثرها الخسران.

فمن أهم أسباب التبعية والخنوع، الإمعان بالوهم الفردي والقدرة الذاتية المعزولة، التي تستمد قوتها من أعداء وطنها وأصحاب المصالح، التي يجندون لحمايتها أبناء البلاد المتوهمون بالقدرة على النفوذ المطلق والثراء السريع، وهم على أنفسهم وبلدانهم يتحاملون، ومَن يخون وطنه وينكل بمجتمعه يهين نفسه ويجني على حياته ويكون من المندحرين.

فالإمعان بالفردية يمنع تكون أي تيار قادر على التغيير والإنتقال بالواقع المعاش إلى أفضل مما هو عليه، وهكذا تجد المجتمعات الخالية من التواشج العملي والتفاعل التضامني غير قادرة على الإتيان بما ينفعها، وتستهلك طاقاتها في مواجهات بينية تخدم أعداءها، وهي في غفلة مما يخططون.

وهكذا، فعندما يغيب التيار المتوثب والدافق بالحيوية والعطاء المتسابك، تبدو المجتمعات عاجزة ومقعدة على قارعة طريق الثورات الإبداعية المتلاحقة في عالم تديره تكنولوجيا المعلومات والتواصلات الإليكترونية، ومستقبله يزدحم بمستجدات تفوق أي خيال معاصر.

تفرّدتِ المواجعُ في خطاها

وحاربتِ النوازعُ مَن عَلاها

لماذا فردُها ضدٌ لفردٍ

يجابهها ويسلبها مناها

إذا عصفتْ صراعاتٌ بقومٍ

فقد أكلتْ مصائبُها حَجاها

***

د. صادق السامرائي

 

لاتزال مشكلة الغيبيات وماوراء الطبيعة وخلق الإنسان- خلق آدم- أبو البشر، من طين. على قاعدة (وَ بَدَأَ خَلْقَ ٱلْإِنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ) التي حددت أصل الإنسان ومصدر نسله.. وذرية آدم التي تتناسل من ماء واهن، هو النطفة... من أعقد اشكاليات الفلسفة.. رغم كل التطور العلمي والفلسفي الذي حققه الإنسان في بحثه عن اجابات لكل تلك الاشكاليات..

ولان العلم يبحث في السبب والنتيجة للظواهر.. والتساؤلات التي تشغل بال الإنسان.. فقد كل العلم في طروحات اقرب إلى اليقين بالنتائج من الفلسفة.. التي ظلت تعيش متاهات الشك في النتائج.. إلى الحد الذي يقترب بالكثير من الفلاسفة إلى الحيرة، ومن ثم الإلحاد..

على أن الدين الاسلامي قد حسم كل الحقائق -الغيبية منها والحسية - على قاعدة (هو الله الذي لا اله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم).. وترك الباب للإنسان مفتوحا للبحث في ملكوت السماوات والارض والكائنات.. على قاعدة (افلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت والى السماء كيف رفعت والى الجبال كيف نصبت والى الارض كيف سطحت) للوصول الى حقائق الأمور والظواهر التي تشغل باله.. لترسيخ يقينه.. وإنقاذه من دوامة التساؤلات والشكوك التي تواجهه في بحثه عن ما يحيط به من حقائق.. والتي تعجز رؤاه الفلسفية، بل والعلمية احيانا..عن الإحاطة التامة بها..

***

نايف عبوش

بين ثمرات الشبكات الاجتماعية ورحابة الإنترنت

في عالم يزداد ترابطًا كل يوم، تحولت الشبكات الاجتماعية والإنترنت من مجرد أدوات تكنولوجية إلى عصب الحياة اليومية. لم يعد الأمر يقتصر على الترفيه أو التواصل، بل باتت هذه الوسائل تُشكل ملامح مجتمعاتنا، وتؤثر في وعينا، وعلاقاتنا، وحتى فرصنا المهنية والتعليمية. لكن، وسط هذا الزخم، يبرز سؤال جوهري: هل نعيش ثورة تواصلية مفيدة، أم أننا نغرق في عالم رقمي يفوق قدرتنا على السيطرة؟

ثمار لا تُنكر: بين تعزيز العلاقات ونشر المعرفة

من أبرز إيجابيات الشبكات الاجتماعية أنها جعلت التواصل فوريًا وسهلًا، مهما بعدت المسافات. أصبح بإمكان أي شخص أن يتحدث إلى أحبائه في اللحظة ذاتها، وأن يشاركهم لحظاتهم وأفكاره بكبسة زر.

إضافة إلى ذلك، ساهمت هذه المنصات في نشر الوعي والمعرفة، حيث تحولت إلى منابر حرة للتعبير وتبادل المعلومات، بل وأصبحت أداة قوية في الحملات المجتمعية وقضايا التغيير.

ولم تتوقف الفائدة هنا، بل امتدت إلى المجال المهني. فالعديد من المستخدمين وجدوا في هذه الشبكات فرصًا للعمل، والتسويق، وبناء شبكة علاقات مهنية لا تقدر بثمن.

الإنترنت... عالم بلا جدران

أما الإنترنت، فهو مكتبة مفتوحة بلا أبواب ولا حدود. ملايين الصفحات والمصادر متاحة لكل من يبحث عن المعرفة، في مختلف المجالات واللغات. التعليم عبر الإنترنت، على سبيل المثال، لم يعد ترفًا، بل أصبح وسيلة ضرورية للكثيرين، خاصة في المناطق النائية والظروف الاستثنائية.

كما بات الإنترنت مساحة للتفاعل والمشاركة في مجتمعات افتراضية، تشكّل أحيانًا مصدر دعم نفسي أو اجتماعي، وتعزز الإحساس بالانتماء، حتى لمن يشعر بالعزلة في محيطه الواقعي.

الوجه الآخر: تحديات العصر الرقمي

رغم كل تلك الإيجابيات، لا يخلو الأفق الرقمي من الغيوم. فالإدمان الرقمي بات ظاهرة مقلقة، تؤثر في الصحة النفسية والجسدية، خاصة بين الشباب والمراهقين.

يُضاف إلى ذلك خطر فقدان الخصوصية، حيث يمكن أن تُستغل المعلومات الشخصية بطرق غير مشروعة، ناهيك عن سرعة انتشار المعلومات المضللة التي قد تُحدث فوضى فكرية ومجتمعية.

مقارنة بين الشبكات الاجتماعية والإنترنت

التواصل فوري واجتماعي رسمي أو غير فوري عبر البريد وغيره

المحتوى تفاعلي وآني ثابت وغني بالمراجع والمصادر

الخصوصية تتفاوت حسب المنصة قابلة للتحكم بشكل موسع

المخاطر إدمان، شائعات، تنمر فيروسات، تهديدات أمنية

آراء من الواقع: بين الطب والتعليم

في حوار مع مختص في علم النفس، أشار إلى أن "الاستخدام المفرط للإنترنت قد يؤدي إلى اضطرابات مثل القلق والاكتئاب، لا سيما عند غياب التوازن بين العالم الواقعي والافتراضي."

أما أحد المعلمين، فأوضح أن "التعليم الرقمي أتاح فرصًا واسعة، لكنه بحاجة إلى دعم تقني قوي وتدريب للطلاب والمعلمين على حد سواء."

دراسات وشواهد داعمة

بحسب دراسة نشرتها مجلة بحوث كلية الآداب – جامعة المنوفية، فإن الشبكات الاجتماعية "تلعب دورًا كبيرًا في التوعية بقضايا التنمية المجتمعية". كما أشار تقرير صادر عن مكتبات المستقبل إلى أن "المكتبات الذكية" باتت جزءًا أساسيًا من منظومة التحول الرقمي في مجال التعليم والمعلومات.

لعل التحدي الحقيقي لا يكمن في هذه الوسائل نفسها، بل في كيفية استخدامها. ومن هنا تبرز التوصيات:

تحقيق التوازن بين الحياة الرقمية والواقعية.

رفع الوعي الرقمي لحماية الخصوصية والتمييز بين الحقيقة والمحتوى المضلل.

استثمار الإنترنت في التعلم المستمر والتطوير المهني.

في الختام...

يمثل "أفق التواصل الرقمي" مسارًا مزدوجًا: فهو عالم من الفرص اللامحدودة، لكنه يحمل في طياته تحديات معقدة. بين ثمار الشبكات الاجتماعية ورحابة الإنترنت، يبقى الاستخدام الواعي هو مفتاح الاستفادة، والخط الفاصل بين التقدم والانزلاق في دوامة رقمية لا قرار لها.

***

بقلم: رُبى رباعي – الأردن

رفد: دعم أعان بعطاء أو صلة.

تندر الروافد المعرفية في دولنا، فالسائد إستحضارات إستنساخية لما أنتجه غيرنا، فنحن نتبع ونقلد بقصور ونحسب أننا ندري، ونتباهى بتذييل ما نكتبه بمصادر أجنبية .

وما أكثر ترجماتنا لعطاء الآخرين، ولا نمتلك عطاءات أصيلة سائدة، ونشيح الطرف عن لغتنا وهويتنا وتراثنا المعرفي، ونتبجح بأننا ننهل من معين أجنبي.

المجتمعات تنضح مما فيها، ولا تنضح ماء غيرها، ونحن نتفاخر بأننا نجيد لسان غيرنا ونحط من قيمة لساننا، ونستهين بعقولنا، ونحسب كل ما هو آتٍ من بلادٍ بعيدة، جيد ويبهرنا وعلينا أن نتعاطاه كبلسم لمحنتنا المعاصرة.

وما أكثر السم المدسوس في عسل المستوردات من الأفكار والرؤى والنظريات، وكم خدعنا بأن العلة في تأريخنا وديننا وشعرنا، وعلينا أن نجدد وننكر ما عندنا ونتمثل ما عند الآخرين، فتحقق إستعمارنا فكريا وثقافيا وتميعت معارفنا، وتوهمنا بأن الأجداد ليسوا بشرا ولا يمكننا أن نكون مثلهم، لأنهم حالة ملائكية ذات قدرات خارقة.

فأضحى واقعنا الثقافي بلا روافد تنبع من جوهر أعماق الأمة، فجفت عروق وعينا، وتهدمت ركائز سلوكنا، وتهاوت خيام مصيرنا، وأمسينا ندين بالتبعية والخنوع للذين يغفلوننا ويحقنوننا بما ينومنا ويخدرنا، وهم بشراهتهم الإستحواذية ينهبون ما عندنا من كل شيئ، حتى بتنا بلا طعم ولا رائحة، وأخذوا يكيلون علينا الأوصاف السلبية ويحسبوننا أرقاما لا قيمة لها، وموجودات معادية للحياة، وتسعى لصناعة الموت في كل مكان.

إنها لعبة الفناء الذاتي التي تُسَخَر فيها عناصر الهدف لنخره وإسقاطه كأعجاز النخيل المتتشوقة للتحول إلى رماد، بدلا من إلتهامها بديدان التراب الغاشمة.

فاقتلوا بعضكم، يا أمة سئمت منها الأمم!!

روافدنا تقطّعها الأعادي

بأجيالٍ مكبّلة الأيادي

حكوماتٌ بها الأهدافُ فازتْ

لتقهرنا بزنزان البلادِ

أعاجيبٌ تفرّقنا لنبقى

بدائرةٍ من الفعل المُصاديِ

***

د. صادق السامرائي

 

في المثقف اليوم