عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

شهادات ومذكرات

علي حسين: من "غثيان" سارتر إلى "ضحك" غالب هلسا

لم يكن أحد قد حضر إلى مجلة الثقافة، كنت أجلس وراء الآلة الكاتبة، أحلم أن أصبح مثل همنغواي الذي شاهدت صورة له وهو يضع أمامه آلة كاتبة صغيرة، طبعاً لم أصبح مثل همنغواي لأنني لا أملك خيالاً مثله، وأعتقد أن كتابة الرواية تفترض بصاحبها المزيد من الاطلاع وليس المزيد من الجلوس وراء الآلة الكاتبة، عندما أعيد قراءة أعمال صاحب "الشيخ والبحر"، أتيقن جيداً أنه كان أول روائي يمارس الصحافة على أنها أدب يومي.

 كانت الكتابة بالنسبة لهمنغواي أشبه بالطقس اليومي، فهو يستيقظ الساعة الخامسة صباحاً، كان ابنه يقول إن والده لديه مناعة ضد الأعراض الجانبية للسهر والإفراط في الشرب. في لقاء أجري معه في باريس ريفيو عام 1958، شرح همنغواي بالتفصيل أهمية تلك الصباحات: "عندما أعمل على قصة أو كتاب أبدأ كل صباح ما إن يطلع الضوء. لا أحد يقاطعك والمكتب بارد وتدفئه بالكتابة. أكتب بلا توقف، أتوقف عندما أعرف ما سيحدث لاحقاً. أكتب حتى تعرف أنك ما زلت تملك المزيد من عصير الكتابة، وأنك ما زلت تعرف ما سيحدث لاحقاً عندما تتابع الكتابة. لا شيء يمكنه أن يؤذيك، لا شيء سيحدث، لا شيء له معنى حتى يأتي اليوم التالي وتتابع ما كنت تفعله من قبل. ما يصعب تجاوزه حقاً هو الانتظار لليوم التالي" .

في ذلك الصباح، لم أكن أتوقع أن يحضر أحد للمجلة، لكني ما أن بدأت الضرب على مفاتيح الآلة الكاتبة، حتى سمعت وقع أقدام تقترب، ليس من عادة صاحب المجلة ورئيس تحريرها الدكتور صلاح خالص أن يأتي صباحاً، لحظات وسيدخل رجل مربوع القامة، كثيف الشعر ذو وجه مشرق يملك وسامة أتعبتها السنين، قال قبل أن يمد يده لمصافحتي: "ربما جئت مبكراً"، كنا في فصل الصيف وكان الزائر الغريب يرتدي جاكيت أنيقاً ويحمل بيده رزمة من الورق، أردت أن أقول إن رئيس التحرير لا يأتي صباحاً، لكنه قاطعني قائلاً: أنا غالب هلسا، ما أن سمعت الاسم حتى قفزت من خلف الآلة الكاتبة وأنا أرحب بالضيف وأدعوه لأن يجلس، لم أكن قد رأيت غالب هلسا من قبل، ولكنني قرأت روايته "الضحك" وكنت شغوفاً بعوالمها ما دفعني للبحث عن روايات جديدة له في المكتبة التي كنت أقضي فيها ما تبقى من النهار.. وفي ذلك الوقت أيضاً كانت مجلة الثقافة تنشر له سلسلة مقالات بعنوان "دراسات في الفلسفة العربية الإسلامية" ، والتي جمعها فيما بعد في كتاب بعنوان "العالم مادة وحركة"، ما أن نطق صاحب الجاكيت الانيق باسمه حتى تذكرت بطل روايته "الضحك" الذي كان يذكرني بروكانتان بطل رواية سارتر "الغثيان"، ولهذا لم أتركه يجلس على المقعد إلا بعد أن قلت له: يا أستاذ أنا من المعجبين جداً برواية الضحك، إنها أجمل رواية وجودية قرأتها، لم يتوقع مني هذا الكلام، فهو معروف في الوسط الثقافي بأنه ماركسي، سكت لحظة ثم قال بعد أن سلمني رزمة الورق التي كان يحملها بيده : هذه المرة الأولى التي يقال عن أعمالي إنها وجودية، وأضاف: هل قرأت رياح الخماسين؟ قلت: لم تصل إلى المكتبة التي أعمل فيها.

- أنت كتبيّ أيضاً، قالها لي وهو يبتسم.

كنت آنذاك في بدايات العشرين من عمري، وهو بشعره "الفضي" ربما تجاوز الأربعين عاماً، يبدو عندما يتحدث كأنه قادم من عالم آخر. قال لي: عندما كتبت "الضحك" كنت محبطاً، أشعر باليأس مما وصل إليه حال هذه البلاد العربية، كل الأحلام التي حلمنا بها تبخرت.

توقف ليخرج سيجارة من علبته، أشعلها ثم سحب نفساً عميقاً ليكمل: في "الضحك" كتبت جملة أثيرة على نفسي تلخص حالتي آنذاك: "من أجل أن أكتب قررت أن أعقد اتفاقاً مع الحياة، أن أسالمها وأتجنب صراعاتها الصغيرة البائسة.. في عملي تنازلت عن كل مطالبي عدا اثنين: الوقت والعزلة، ولم أكن خاسراً.".

- قلت له: وسارتر في "الغثيان" كان يريد أن يترك كل شيء وراءه من أجل التمتع بحريته.

المقارنة ليست في صالحي، قال وهو يسحب نفساً آخر من سيجارته، لا تنسَ أن رواية سارتر هذه أقيمت عليها دعائم الوجودية، بينما "الضحك" أولى محاولاتي المتواضعة في عالم الرواية.

قلت وانا احاول استعرض قراءاتي: لكن "غالب" بطل "الضحك" إنسان متمرد أشبه ببطل من أبطال الروايات الوجودية سواء عند كامو أو سارتر.

لمعت عيناه الملونتان وهو يقول: يبدو أنك مغرم بالوجودية.. طبعاً أنا أحترم مواقف سارتر وأيضاً المواقف التي كان يتخذها كامو، لكني أقرب إلى همنغواي الذي قرأته وأنا في العشرين من عمري، فهو أول كاتب يفتح لي الطريق لرؤية بصرية للواقع، كما علمني كيف أتخلص من اللغة المترهلة التي لا تقول شيئاً.

تحولت إلى تلميذ يَّتلقى درساً في فنون الأدب، انتبه غالب هلسا للحالة التي انتابتني، نهض ومد يده بالسلام، وقبل أن يخرج طلب مني عنوان المكتبة التي أعمل فيها قائلاً: لكي نواصل الحديث عن معشوقك سارتر.

تبدأ رواية "الضحك" بوصف لحالة بطل الرواية بعدما أقام علاقة جنسية مع بغيّ، كان لديه شعور بالدنس والقذارة، وأن رائحته امتزجت بروائح عرق البغي وجسدها الآثم، ولهذا نراه يشعر بالحنين إلى النظافة والبراءة، يختلط هذا المشهد الواقعي بحلم يلاحقه، حيث يجد نفسه يطالع منظراً من قريته التي ولد فيها، ونراه يحلم بالركض في شوارع القاهرة التي كانت خالية من الناس وقد ملأها الظلام، لينتهي إلى غرفة تحقيق يحاكم فيها بارتكاب جريمة لم يقترفها.

تبدأ الصفحات الأولى من رواية سارتر "الغثيان" بمكاشفة بطل الرواية لنفسه: "أعتقد أنني أنا الذي تغيرت، ذلك أيسر الحلول وهو أكرهها أيضاً، ولكن يجب أن أعترف أخيراً أنني معرض لهذه التغيرات المفاجئة التي تشبه الأحلام.. إن الأمر أكسب حياتي مظهراً متنافراً لا منسجماً.. هل أصبحت حقاً إنساناً يحب العزلة؟".

واصل غالب هلسا زيارته للمكتبة بين الحين والآخر، وفي كل مرة يدور حوار بيني وبينه عن آخر الكتب التي قرأتها، قلت له ذات مرة: "انتهيت من قراءة رواية ألبير كامو (الغريب)" ، واضفت إن الجملة الأولى من رواية كامو محيرة: "اليوم ماتت أمي، أو لعلها ماتت أمس، لست أدري. وصلتني برقية من مأوى العجزة: الأم توفيت. الدفن غداً. احتراماتنا.. وهذا لا يعني شيئاً، ربما حدث الأمر بالأمس". وضع غالب هلسا الكتاب الذي كان يقلب صفحاته، نظر في فضاء المكتبة كأنه يتذكر شيئاً ثم قال: يتصور بطل رواية ألبير كامو أن موت أمه ليس غلطته، وعندما سئل عن السبب الذي جعله يطلق الرصاص على العربي قال إن ذلك بسبب ضوء الشمس. إنها نظرة تلغي البعد الاجتماعي. ثم أضاف: يطلق الوجوديون على حالة ميرسو في (الغريب) وأيضاً حالة (روكنتان) في (الغثيان) صفة العبثية. إنها الحالة التي يفقد فيها الإنسان ثقته بكل المسلمات الاجتماعية، ويكون عاجزاً عن إيجاد قيمه الخاصة والتزامه النابع من ذاته.

قلت له إن كامو كان متأثراً برواية "الغثيان" وإن سارتر كتب يحيي "الغريب".

أجابني ونظراته لا تزال ساهمة: أعجبا! وتحية لم تدم طويلاً، فقد اختلفا بعد سنوات وهاجم كل منهما الآخر بقسوة.

يتذكر كامو في دفاتر ملاحظاته التي صدرت ترجمتها العربية بثلاثة أجزاء، أن علاقته بسارتر بدأت العام 1938 حين اكتشفه بالصدفة بعد أن أهداه صديق جزائري رواية: "الغثيان"، ما أن أغلق الصفحة الأخيرة من الرواية حتى قرر الكتابة عنها، آنذاك كان ينشر مقالات متفرقة في الصحف الجزائرية الناطقة بالفرنسية، يظهر المقال تحت عنوان "درس في الأدب": "هذه أول رواية من كاتب لنا أن نتوقع منه كل شيء، يا لها من سكينة طبيعية جداً عند الحدود البعيدة للفكر الواعي، ويا لها من مؤشرات دالة على مواهب غير محدودة، ونرى في كل هذا أساساً مكيناً لكي نرحب بـ "الغثيان" باعتبارها أول الغيث في عقل أصيل مفعم حيوية ونشاطاً، ما يجعلنا نتحرق شوقاً إلى الآتي من دروسه". كان عرض كامو لرواية "الغثيان" ينطوي على إعجاب كبير، ومثلما تحكي رواية سارتر الشهيرة تحطم الحياة الهادئة لبطلها روكانتن، فإن "الغريب" تتناول عبء الحياة اليومية على بطلها ميرسو، يكتب كامو في دفتر ملاحظاته: "إنه فكر ملياً ببطل الغثيان ووجده قريباً إلى نفسه، إنها أول رواية تعبر عنا بالصور الذهنية".

 بعد عام على صدور "الغريب" يكتب سارتر في الأعداد الأولى من مجلة الأزمنة الحديثة: "ليست الجريمة الحقيقية هي ما يحاكم ميرسو عليه، بل هي جريمة أخرى سيفهمها فهماً تاماً في النهاية، عندما يدرك مستوى جديداً من الوعي، إن رواية الغريب عمل كلاسيكي منهجي مؤلف عن العبث وضد العبث".

عندما نشر سارتر الغثيان كان في الثانية والثلاثين من عمره، وبطل الغثيان أنطوان روكانتان في حوالي الثلاثين من عمره، يمارس الاثنان سارتر وروكانتان فعل الحرية ويطلقان مقولتهما الشهيرة "إننا ملتزمون بفعل الحياة نفسه". إن العديد من النقاد الذين كتبوا عن الغثيان كانوا يرون أن سارتر كان يريد أن يدلي بتعبير شخصي عن تجربته.

أصدر غالب هلسا روايته الضحك وهو في الثامنة والثلاثين من عمره، وسيعترف في مقال كتبه عن الروائي الأردني تيسير السبول أن رواية الضحك انساقت إلى الرؤية العبثية، حيث فقد كل شيء معناه: " كانت روايتي الضحك تعبر عن أزمة جيل، ففيها تتفتت رؤيا كاملة إلى شظايا عبثية" – غالب هلسا أدباء علموني -.

يتذكر غالب أن روايته الضحك مرت بحالة من العبث، فعندما اعتقل عام 1966 في مصر، ترك وراءه مخطوط روايته "الضحك". وقد بقي في السجن ستة أشهر قام خلالها رجال الأمن باقتحام شقته واستولوا على مكتبته التي كانت تضم أكثر من ألف كتاب، لكن مخطوطة الرواية بقيت مكانها، لأن رجال الأمن كانوا يصادرون الكتب فقط.

يقتفي بطل رواية الضحك آثار الكاتب نفسه غالب هلسا وكأنه يريد أن يروي لنا سيرته الذاتية عن طريق الرغبات التي تتصارع في نفسه، إننا إزاء بطل مغترب أو كما وصفه الناقد فيصل دراج: "أضاع ما لا يريد وفتش عما يريد".

***

علي حسين - رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية