عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

عبد الهادي عبد المطَّلب: الصّورة.. ذاكرتنا حين ننْسى

كل الكلام، حكيا كان أو كتابة، تجمعه الصّورة، لو اجتمع كل كتاب العالم ليكتبوا، ما وفَّت كتباتهم، نثراً أو شعراً، ولا أتتْ بما تأتي به الصّورة، قاسيّةً أحداثُها أو مُفرحة، لأنّنا قد ننسى الحظة بتفاصيلها فضاءاتها وناسها وروائحها، لكن الصّورة، بأمانتها، أبداً لا تنسى، حين نقف أمام مشهدٍ ما، تُشَغّل الذّاكرة آلياتها العصبيّة لتُخرجه من ظلماتها إلى زمن الحكي والتّذكّر.

قد يُسقطُ الحكي بعض التّفاصيل، قد يُحرّفها، أو يكذب فيها، عمداً أو نسياناً، لكن الصّورة بقوّتها وصدقها تحضر، تُظهر زيف الحكي، لأنّها حين سجنتها الذّاكرة في تجاويفها وسراديبها، أوقفت العالم وعطّلت حركته، ليشهد من دون زيادة أو نقصان، وينتبه الكلام، حكياً كان أو كتابة، أن الصّورة أقوى منه وأصدق في مضائها حين تقطع بين الصّدق والزّيف.

تحضر الصّورة حين تذوي الذّاكرة أو تتعطّل، أو حين يصعُب عليها استدعاء تفصيل محدّد، لتُلملم تفصيلات مهما صغُرت، وتخوض مع النّسيان معركة صعبة، وهي تُحاول محْوَ أحداث أو تفاصيل قد لا ينتبه الحكي لها، لتكون الغلبة للأقوى، والصّورة، في هذا المقام، هي الأقوى بحضورها، وصدقها وتسجيلها أدق التّفاصيل، دقيقةَ كانت أو كبيرة، لتحيى الذّاكرة من جديد وتنتعش آليات الاسترجاع فيها، ويستعيد الكلام همَّته ويُساوق أحداث الصّورة لحظة بلحظة، باعثاً في زمنها الماضي، مهما بعُد، حاضرا يرتكز على لحظة التذكُّر والاسترجاع، يرافق ذلك مقامات الحكي تأثيرا وتأثّرا، ما يجعل للصورة روحا تُحيي الذاكرة، رغم تغيُر المكان والزّمان والنّاس، لأنها تحتفظ بمعالمها الأولى، بروح لحظتها التي وقف عندها الزّمن والمكان بملامحهما، وتفاصيل الأحداث، فينبعثُ الكلام حيّاً يُحيلُ الماضي حاضرا دائما، والذكرى حدثاً يُعاش من جديد.

الصورة، ما نَحملُه بداخلنا، شاهدةٌ لِلَحْظة مقتطفة من زمن مضى، تحمل ما كنا عليه، أو ذِكرى سُجِّلت، مرَّت بنا في مكانٍ ما، في زمنٍ ما، كُنا أو لم نكن جزءاً منها، حضورا أو شهودا. قد نكونُ في الصّورة حضورًا يبني تفاصيلها، أو نكتفي بالمشاهدة والتسجيل بعيدا عن أحداثها، فنُحيي لحظةً من لحظاتها ضدّاً على النّسْيان والتّواري خلف جِدار الصّمت، لأنّها أصبحتْ منا، تحمل أشيائنا، وتعيد بعضاً منّا إلينا.

تتعب الذّاكرة من حمولتها، ومن سطْوة المحو التّلاشي، وتبْقى الصورة وحَفْرِياتها عالقةً في ثناياها، عميقا في دواخلنا تأْبى أن تنمحي أو تندثر أو تتلاشى، تسكن حيّزا منّا وتُصبح أثراً يظهر ويختفي كلما هبّتْ نسمةُ ذِكرى تُعرّي ما علق بها من نسيان وإهمال، ولأنها "مفاتيح نلتقطها لتفتح لنا أبوابا في الذاكرة قد أغلقها النسيان"1، لتبعث فينا لذّة التذكر والاسترجاع، فينْتَعشُ الحكْيُ ويغوص بعيدا في المعاني والمواقف والشخوص المؤثثة لفضاء الصورة، يبعثُها من جديد، فرحة تُحيي فينا لذّة التّذكّر، كما قد تبعثُ فينا ألمَ التّذكُّر، فتجلدُنا حقيقتها التي ـ كنا ـ  نحاولُ نِسيانَها.

الصورةُ تأريخٌ لِلَحظةٍ مضتْ، تسلّلَتْ بحمولتها وتفاصيلها من بين أيدينا، واتخذت رُكناً قصِيّا فينا، وتكوّمت أحداثاً تعيش بياتها، تنتظر ساعة ظهورها لنعيشها من جديد، لحظة لا نملكُ لها ترميما أو رُتوشاً أو توْضيبًا، لأنها الحقيقة الوحيدة التي تَحفظ بداخلنا كل حمولاتها التي لا يمكنُ مراوغتها أو خداعها، لأننا حين سجّلْناها، ملكتْنا وانبرتْ رُكنًا عميقًا من ذواتِنا، مخبوءة في أرشيف الذاكرة بعد عزلها بسبب زحمة الحياة، تنتظِرُ لحظةَ الخُروج بآلامها وآمالها، بِأفراحِها وأحزانها، بلذّتها ومرارَتِها، فما كان ميتا يُصبح حيّاً، وما كان منسيا يسْتفيق ويتحرك ليُعيد إلينا جزءاً منا.

الصّورة ولادةٌ حين ننظر إليها، فتعود للظُّهور الملامح والإرهاصات وتوجّعات الولادة، وتنطلق الشرارة لنقْتنصَ لحظاتٍ سكنتْنا وحاولنا نِسْيانها، أو كنّا شهوداً على أحداثها، فاعلين أو مُتفرّجين، نتعقَّبُ أثرها، ونُعيد تفاصيلها ولحظة اقتناصها، يكفي أن نتذكّر، فينهال شلال الحكي كأنك ترى الحدث، الصورة، عيانا، فتعيش اللحظة حاضراً بكل حمولاتها.

الصورة حكايةٌ بتفاصيلها الدقيقة المُعلنة وغيرِ المعلَنة، نظرةٌ إليها فتنطلق الشرارة تضيئ جوانب الذاكرة فينقشع ضباب النسيان، أو يشتعل فتيل التذكّر، فتطفو على السطح الأحداث شريطا ساعةَ الحَكْي، فيُؤثث جوانبها التي غَيِشها الغبشُ أو النّسيان أو الإهمال، أو تعمُّدُ دفْنٍ وإقبارٍ فتسكنها الحياة، وتتغشّاها الحركة، وتتلبّسُها الألوانُ والكلمات، وتُفتَح الأقفالُ فيُزهر التذكّر فرحاً بألوانها وتفاصيلها واحداثها وفضاءاتها وشخوصها وحركاتها، وتُعيدها إلينا بعد انفصالٍ عنّا، فتتدافع التفاصيل وتتزاحم وتتنادى مكونة تلك الصورة النائمة والتي وافقت العين والعقل والتّذكر، فتظهر من جديد، لنعيش نفس اللحظات بفارق بسيط هو الزمن، زمن الحدث وزمن التذكر، لأن التذكر يستجلبُ الماضي ويبني الأحداث ويُركّبها كمُرْبِكة، ليُعيدَها أمامنا مشاهدَ حية في زمن حاضر نعيشه الآن.

الصورة ضد النسيان، ضدّ الموت، الصورة حياة تضجُّ بالحياة، تبرُقُ كذكرى في ظُلمة النسيان، تُعيد الأحداثَ إلى سطح الذاكرة، فتتَّضح المعالم وتنشط الجوارح، وتتفتّقُ الأحاسيس وتتمازج وتفيض التّفاصيل، فيظهر المخبوء المتربص بنا في دواخلنا، وتدمع العين أو يبتسم الثّغر، أو ينكسر القلب كمَدا وحسرة، ونقف فجأة، وجها لوجه أمام ذاكرتنا، فتجتاحنا الصّورة كموجةٍ عاتية ظننّاها همدت، أو سكنت ركنا مظلما منا، أو اختفت بسبب الصور التي تراكمت مع مرور الزمن، لكنها هناك، نائمة في ركن من الذاكرة كفتنة تنتظر شرارةً توقظها وتبعث فيها الحياة، فتنهض من سباتها مستنفرةً طاقاتها مستحضرةً مؤثثاتها، لتنهض من جديد والأعين تتفحّص جوانب الصورة لتعيد بناء اللحظة كلاما يُحكى.

الصورة تؤكّد أنه كان هناك حدث ذات يوم، فهي الشاهد على ضياع اللحظة أو نسيانها، وهي ترميم للفقد والحقيقة الوحيدة المتبقية، فتصبح هي الواقع والأصل والذاكرة ظل لها، بل بقوتها تفرض علينا ما نتذكّره وتعيد إلينا ما نسينا، وتفتح الأبواب المغلقة في وعينا. نحن لا نستدعي الذكرى بوعينا، بل الصورة هي التي تقتحم نسياننا، يكفي تفصيل صغير في زاوية الصورة يعمل كشرارة كهربائية تعيد بناء المشهد بأحداثه بل بروائحه، وحرارته جوه، وصخبه وحتى الشعور الذي كان يغمرنا ساعتها، لأن العقل ينسى الهوامش والتفاصيل الصغيرة والصورة تحفظها لتمنح الذكرى واقعيتها وحميميتها.

الصورة تحمل من الألم ما يذكّرنا بأن اللحظة لن تعود أبدا، وأن الزّمن لن يعود ولن يكرر نفسه، فهي لا تحفظ اللحظة كما عشناها، بل تحفظ أثرها، فالأشخاص تفرقوا وابتعدوا، والأصوات اختفت والروائح التي كانت تربطنا بالمكان تلاشت، لتبقى الصورة شاهداً يؤكد حضوراً وقع ذات مرة، فتمنحنا الشعور باللحظة فقط.

***

عبد الهادي عبد المطَّلب - الدار البيضاء/المغرب

...........................

1 ـ بشاير الشيباني ـ شاعرة وأديبة كويتية .