قضايا

الكلمات يمكن أن تكون أدوات للشفاء عند الشامان، تحمل القدرة على تغيير الحالة وقد تصل او لا تصل الى الشفاء التام، لأنها تشير إلى أزمة وجودية،  تساؤلات عميقة حول الذات والوجود تسهم في نبش جراح شديدة النزف حول الطريقة التي نفكر ونعيش بها،  لحظات هاربة، وتجارب توصلنا إلى الإحباط وفقدان المعنى عندما تصبح هذه الجراح شعائر تمثل تجربة وشقاء  الالم الإنساني، مما يدفع الإنسان إلى مزيد من البحث عن المعنى كي ينتج مفاهيم جديدة في الفلسفة ومزيدا من الكلمات، اللجوء الى الفكر  في معالجة هذه الجراح يتمثل في تأملها ووسيلة الشفاء هي الإصرار على إعادة الترميم، انه سؤال ملغم حول معنى الحياة بعد الأزمات، هل يمكن أن يؤدي الخراب إلى ولادة أفكار جديدة  أكثر فعالية...؟هل ادى السرد التاريخي  دورًا مهمًا في فهم الممارسات المعاصرة، خاصة في سياق الخيبة أو الإحباط...؟هل  يساعد السرد التاريخي في توضيح كيف تشكلت الشعائر والممارسات عبر الزمن...؟ ما يعزز الفهم العميق للأسباب وراء الخيبة هو سرد الأحداث التاريخية وكيف يمكن فهم القيم التي ترسخت في المجتمع وكيف تؤثر على ردود الفعل تجاه الخيبات...؟ يمكن أن يوفر السرد التاريخي دروسًا حول كيفية التعامل مع الأزمات، مما يساعد المجتمعات على تطوير استراتيجيات للتكيف، السرد التاريخي ليس مجرد استرجاع للماضي، بل هو أداة فعالة تساعد الأفراد والمجتمعات على فهم أنفسهم وتحدياتهم بشكل أفضل، ويعزز من قدرتهم على مواجهة الخيبات الحالية.

حدود فعالية السرد التاريخي

لا يستطيع السرد التاريخي أن يغطي جميع التجارِب الفردية، حيث تختلف ردود الفعل على الخيبة بشكل كبير من شخص لآخر، يمكن أن تكون بعض السرديات التاريخية متحيزة أو غير شاملة، مما يؤدي إلى إغفال بعض الأصوات أو التجارِب المهمة ،تتغير السياقات الثقافية والاجتماعية بسرعة، مما  يجعل بعض الدروس التاريخية غير ملائمة أو غير قابلة للتطبيق في السياقات المعاصرة،  يؤدي استخدام السرد التاريخي إلى تعميمات مبالغ فيها، حيث يتم إسقاط تجارِب معينة على سياقات مختلفة دون اعتبار للخصوصيات، بعض القضايا المعاصرة  تكون جديدة تمامًا ولا يوجد لها مثيل في التاريخ، مما يجعل السرد التاريخي غير كافٍ لمواجهتها، العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المعاصرة  تؤثر بشكل كبير على الخيبة، وهي عوامل قد لا تكون مذكورة أو مفهومة بشكل كافٍ في السرد التاريخي، على الرغْم أن السرد التاريخي يمكن أن يساهم في الفهم، إنه لا يقترح حلولا سريعة أو فعالة لمعالجة الخيبة في اللحظة الحالية ، يمكن أن يكون للسرد التاريخي دور مهم في فهم الخيبة المعاصرة، إلا أن له حدودًا تتعلق بتنوع التجارِب، والتحيز، والتغيرات الثقافية، لذلك، من المهم موازنة السرد التاريخي مع أساليب أخرى لفهم ومعالجة التحديات الحالية.

السرديات المتحيزة والخيبة المعاصرة

السرديات المتحيزة  تساهم في تعزيز الانقسامات بين الفئات الاجتماعية المختلفة، مما يؤدي إلى تفاقم مشاعر الخيبة والإحباط، يمكن أن تؤدي السرديات المتحيزة إلى تشكيل هُوِيَّة جماعية قائمة على تجربتها الخاصة، مما يعزز الشعور بالضحية ويعوق التقدم نحو الحلول، تُستخدم السرديات المتحيزة لتوجيه المشاعر نحو مجموعة معينة، مما يعزز الاستياء والخيبة تجاه الآخرين بدلًا من التركيز على الحلول البناءة، تتجاهل السرديات المتحيزة الحقائق المعقدة أو السياقات التاريخية، مما يؤدي إلى فهم مشوّه للخيبة، وهذا يعزز من الإحساس بالظلم. يُلعب الإعلام دورا مهما في تعزيز السرديات المتحيزة، بالتركيز على قصص معينة دون أخرى، مما يؤثر على كيفية إدراك المجتمع للخيبة، تساهم السرديات المتحيزة في تأجيج المشاعر السلبية مثل الاستياء والقلق، مما يؤدي إلى سلوكيات سلبية أو مدمرّة، لفهم الخيبة المعاصرة بشكل أفضل، من الضروري التفكير في السرديات بشكل نقدي والتعرف على الأصوات المختلفة والتجارب المتنوعة.

السرديات في سياق الخيبة المعاصرة

تاريخ هذه السرديات يركز على تجرِبة مجموعة معينة تمثل شريحة ضحية، مما يعزز الإحساس بالخيبة ويعوق البحث عن حلول، تبرز هذه السرديات التمييز والمعاناة التي تعرضت لها جماعات معينة، و تعزز مشاعر الخيبة تجاه المجتمع الأوسع لأنها تركز على قصص الفشل والأزمات الاقتصادية، مما يمكن أن يؤدي إلى نَظْرَة قاتمة تجاه المستقبل ويعزز مشاعر الإحباط، تُستخدم هذه السرديات في بعض الأحيان لتصوير الأجيال الشابة على أنها خائبة الأمل أو غير قادرة على تحقيق النجاح، مما يعزز الإحساس بالخيبة بين الشباب، تُستخدم السرديات المرتبطة بالصراعات السياسية لتصوير طرف واحد على أنه دائمًا مخطئ، مما يعزز الانقسام ويزيد من مشاعر الخيبة لدى أنصار الطرف الآخر، تسهم هذه السرديات المتحيزة في تعميق مشاعر الخيبة وتعزيز الانقسامات، مما يجعل من الصعب العمل على حلول فعّالة، من المهم التعرف على هذه السرديات والبحث عن سرديات بديلة تعزز الوحدة والفهم المتبادل.

التصدي والتعامل مع الخيبة

تطبيق الأفكار المتعلقة بالتصدّي للسرديات المتحيّزة والتعامل مع الخيبة في سياق الصراعات الحالية يواجه عدة تحديات رئيسية، ومنها  من الصعب إيجاد أرضية مشتركة بين الأطراف ذات الآراء المتباينة، مما يجعل الحُوَار المفتوح تحديًا، يؤدي الاستقطاب السياسي إلى تعميق الخلافات، مما يجعل من الصعب التعامل مع السرديات المتحيّزة، قد يكون هناك مستوى عالٍ من عدم الثقة بين الأطراف المختلفة، مما يعوق جهود الحُوَار والتعاون، قد تكون هناك تجارِب سابقة من الخيانة أو الفشل تجعل الأطراف متحفظة، في عصر المعلومات، يمكن أن تنتشر المعلومات المضللة بسرعة،  تعوق الفهم الصحيح، قد تتعرض القيادات لضغوط من قواعدها الجماهيرية التي تفضل السرديات المتحيّزة، الأزمات الاقتصادية تجعل الأفراد أكثر تركيزًا على القضايا المباشرة، مما يقلل من اهتمامهم بالحوار حول السرديات، بعض الأفراد والجماعات تسعى لتعزيز مصالحها الخاصة على حساب الحُوَار البنّاء، قد يتم استغلال الصراع من قبل بعض الأطراف لتعزيز سلطتها أو مكانتها. تطبيق الأفكار المتعلقة بالتصدّي للسرديات المتحيّزة في الصراعات يتطلب مواجهة عدة تحديات، منها الانقسامات وعدم الثقة، وكذلك التأثيرات الإعلامية يتطلب ذلك استراتيجيات مدروسة وموارد كافية لتعزيز الحُوَار والتفاهم بين الأطراف المختلفة.

الإعلام المتحيّز

 الإعلام المتحيز يلعب دورا مهما في ترسيخ السرديات المتحيزة، لذا يتطلب مجموعة من الاستراتيجيات الفعالة منها تطوير مناهج تعليمية تركز على مهارات التفكير النقدي، ما يمكّن الأفراد من تحليل المعلومات بشكل أفضل، تشجيع وسائل الإعلام الذي تقدم وجهات نظر متنوعة وغير متحيّزة،  تمويل و الدعم نشر محتوى إعلامي يقدّم سرديات متنوعة، مما يساعد على تقديم وجهات نظر مختلفة، تشجيع وسائل الإعلام على الالتزام بمبادئ النزاهة والموضوعية في التقارير، تنظيم مناقشات عامة حول تأثير الإعلام على المجتمع وكيفية التعامل مع المعلومات المضللة، نشر معلومات حول كيفية التعرف على الأخبار الزائفة والمعلومات الخاطئة على وسائل التواصل الاجتماعي، استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر معلومات موثوقة من مصادر موثوقة، تشجيع الأفراد على التحقق من المعلومات قبل مشاركتها، مما يساعد في تقليل انتشار الأخبار الكاذبة، زيادة الوعي حول تأثير الإعلام المتحيز على المجتمع وكيفية مواجهته. معالجة الإعلام المتحيز تتطلب جهودًا جماعية من الأفراد ووسائل الإعلام .طقوس الخيبة تشير إلى مفهوم الفشل ، وغالبًا ما يكون لها تأثير عميق على الشخصيات والأحداث، السرد التاريخي يمكن أن يظهر كيف تؤثر الخيبات على نفسية الشخصيات، مما يساهم في بناء تعقيدها لذا يمكن أن يستخدم السرد الماضي لاستكشاف آثار الخيبات، وكيف تؤثر على الشخصيات ومصائرهم، ويمكن أن تشمل طقوس الخيبة عناصر رمزية تعكس الفشل، مثل الأحداث المأساوية، مما يضيف بعدًا تجريديًا للسرد، باختصار فعالية السرد في طقوس الخيبة تعتمد على كيفية تجسيد الفشل وتأثيره على الشخصيات، استخدام الرمزية في طقوس الخيبة يلعب دورًا مهمًا في تعزيز التأثير العاطفي والفكري.

***

غالب المسعودي – باحث عراقي

 

(بين اللَّفظ والسَّبب)

كان (ذو القُروح) قد عرَّج بنا في المساقات السابقة على القراءات في التراث العَرَبي، وما يعتورها من أوهام ومبالغات. حتى قال:

ـ وفي مقابل ما حدَّثتك عنه من مغالاة، قديمة ومعاصرة، في شأن «نَهْج البلاغة»، يمكن أن تقف على مبالغات أخرى في تمحُّل الإعجاز اللُّغوي في «القرآن الكريم». 

ـ مثل ماذا؟

ـ سمعتُ مرَّةً حلقة من برنامج تلفازي على إحدى القنوات الفضائيَّة، فعَجِبْتُ بعد أن كنتُ أُعجَب بما يطرحه الرجل المستضاف.

ـ وما ذاك؟

ـ كان يزعم أن كلمة «عِبادي» إذا كُتِبت في المصحف بالياء، دلَّت على الكثرة، وإذا كتبت بدون ياء، دلَّت على القِلَّة، وأنَّ تلك ظاهرةٌ قرآنيَّةٌ مطَّردةٌ في المصحف كلِّه، وأنها خاصيَّة لا نظير لها في غيره.  واستشهد بآيات منها: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي، فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ.﴾ (البقرة، 186). [كثرة]. ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَحْمَةِ اللهِ.﴾ (سورة الزمر، ٥٣). [كثرة]. ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ.﴾ (سورة الإسراء، ٥٣).  [كثرة]. ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ.  الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ.﴾ (سورة الزمر، 17- 18).  [قِلَّة]. ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ .﴾ (سورة الزمر، 10).  [قِلَّة].  ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ.﴾ (سورة العنكبوت، 56). [كثرة].  هكذا قال. 

ـ لكن ماذا عن الآية: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُتَّبَعُونَ.﴾ (سورة الشعراء، 52)؟

ـ هنا السؤال!

ـ وإنَّما الحديث هنا عن قوم (مُوسَى) فقط، لا عن كلِّ العباد.  فهل قوم مُوسَى كانوا بالكثرة التي تُسوِّغ ذلك؟ 

ـ حسب «التوراة»، أو بالأصح «العهد القديم»، هم كثرة جِدًّا؛ وذلك لمآرب سياسيَّة معروفة.  أمَّا بحسب «القرآن»، فـ«شِرذمة قليلون».  وبذلك وصفهم (فرعون)، في السورة نفسها: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ.﴾ (سورة الشعراء، 54). 

ـ فلماذا استعمل هنا «عبادي» بإثبات الياء؟! 

ـ اسأل عمَّك، صاحب نظريَّة أنَّ كلمة «عبادي» إذا كُتبت في المصحف بالياء، دلَّت على الكثرة، وإذا كتبت بدون ياء، دلَّت على القِلَّة!

ـ لقد توفي، رحمه الله!

ـ رحمه الله! أعني اسأل من يأخذ بمثل هذا. وكذا في الآية الأخرى من (سورة الدخان، 23): ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا إِنَّكُم مُتَّبَعُونَ.﴾  على أنَّ قوم (مُوسَى)، مهما بلغوا كثرة، ليسوا كعباد الله المؤمنين جميعًا، الذين يدخلون الجنَّة، في قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليَوْمَ ولَا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ.  الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ.﴾ (سورة الزخرف، 68- 96). 

ـ ومع ذلك حُذفت الياء من كلمة «عبادي» هاهنا.  إذن، لا يمكن تقعيد قاعدة مطَّردة في هذا يُبنَى عليها الزعم بدلالة بيانيَّة، بل بمعجزة لُغويَّة. 

ـ أضف إلى هذا أمور، منها: أنَّ التقاء الساكنين يقتضي حذف أحدهما، في مثل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ.﴾  وهذا أظهر سبب لحذف الياء من كلمة «عبادي».  فإذا أُثبِتت لَزِم تحريكها، في مثل: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ...﴾. والأمر الآخَر، أنَّ حذف ياء المتكلِّم مألوف في لسان العَرَب.  وقد جاء من «القرآن» في آيات، مثل: ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءْ.﴾ (سورة إبراهيم، 40). أي «دعائي».  ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينْ.﴾ (سورة الكافرون، 6).  أي «ديني».  ومثل هذا في الآية: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادْ.﴾ (سورة الزمر، 17). ثُمَّ إنَّ في «القرآن» مراعاة لجوانب من الجرس الموسيقي، ولاسيما في فواصل الآيات.  ويُلحَظ ذلك بين الآيتين: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادْ﴾، ﴿وَعْدَ اللهِ لَا يُخْلِفُ اللهُ المِيعَادْ.﴾ (سورة الزمر، 17، 20).

ـ وهذه في النهاية قضيَّة إملائيَّة.

ـ نعم، وإملاء المصحف معلومٌ أنه لا دلالة فيه، ولا قياس عليه، وإنَّما يمثِّل مرحلة بدائيَّة من تطوُّر الكتابة العَرَبيَّة، ولا علاقة له ببلاغيَّة النصِّ؛ و«القرآن» لم ينزل مكتوبًا.

ـ إذن، ثمَّة أسبابٌ لُغويَّة، تتعلَّق بأعراف العَرَب في كلامهم، وإنَّما نزل «القرآن» بلسانهم، وإلَّا لأنكروه. 

ـ صحيح. وثمَّة كذلك أسبابٌ صوتيَّة، تتعلق بالأداء وضرورات الترتيل، كما كانت في الشِّعر ضرورات أدائيَّة موسيقيَّة تخرق مألوف الكلام في غير الشِّعر.  أمَّا تكلُّف غير ذلك، فإسرافٌ في التماس ما «القرآن» عنه في غِنًى، وهو فاتح أبواب على الطَّعن، وإظهار المسلمين بمظاهر من الادِّعاء غير العِلمي، هم في غِنًى عنها كذلك.

ـ على أن غُلُوَّ المسلمين في الرجال لا يقلُّ عن غُلُوِّهم في النصوص.

ـ بل يوشك أن يوقعهم هذا في مثل ما وقع فيه (النَّصارى) من غُلُوٍّ وتناقضٍ في (يسوع)، حتى ألَّهوه، ثمَّ زعموا صَلْبه، مع أنه لم يَعرف له أحدٌ قبرًا طوال التاريخ. 

ـ بل المسلمون واقعون في ذلك بالفعل كثيرًا، وإنْ أنكروا لفظًا ما هم فيه مؤلِّهة رجالٍ واقعًا وسلوكًا. 

ـ ولولا أنَّ دينهم يرفض جذريًّا تأليه غير الله، لنطقوا بما في صدورهم جهرةً لا مجازًا.  فمن غُلُوِّ الشِّيعة غُلُوُّهم الأسطوري المتوارث في آل البيت.  ومن غُلُوِّ المتصوِّفة غُلُوُّهم الفكاهي في الأولياء والصالحين.  ومن غُلُوِّ السلفيِّين من أهل السنَّة والجماعة غُلُوُّ بعضهم في أئمتهم وشيوخهم، وقبل ذلك غُلُوُّهم في (محمَّد، عليه الصلاة والسلام)؛ حتى لقد يُخضِعون كلام الله للحديث المروي، وإنْ لم يكن صحيحًا بالضرورة، وقد يتأوَّلون أحيانًا بعض «القرآن» لرفع الرسول وحديثه إلى مقام الله وقرآنه.  فمزَّق هؤلاء وأولئك جميعًا الأُمَّة تمزيقًا بسبب هذا الغُلُوِّ وذاك، وقبل ذلك مَزَّقوا العقل، بعد أن ألغوا عمله. 

ـ مثال ذلك، يا (ذا القُروح)؟

ـ ما أكثر الأمثلة! خُذ، مثلًا، قول بعضهم إنَّ كلام الرسول كلَّه وَحْيٌ يُوحَى، مستشهدين استشهادًا، مبتور السياقَين الداخلي والخارجي، ولا يُقرُّه عقل ولا نقل ولا قرآن، بالآيتين من (سورة النجم): ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾.  وتحت شعار الأخذ بعموم اللفظ لا بخصوص السَّبب- الغالطة المغالِطة- لا يتورَّعون عن أن يُسقِطوا سياق الآية الداخلي، وسياقها الخارجي. بل هم يُسقِطون العقل، والسيرة النبويَّة، ليتسوَّروا إلى القول، إذن: كلُّ ما جاء عن الرسول، أو نطق به، وَحْيٌ يُوْحَى من السماء! 

ـ وإذن، هو وَحْيٌ آخر؟

ـ نعم، هو كذلك لدَى الآخذين بهذا الفهم؛ ولذا ابتكروا مصطلح «الوحيَين». يقصدون «القرآن» و«الحديث». إنَّ قاعدة «الأخذ بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب» لا تستقيم بها قراءةٌ لأيِّ نصٍّ ولا فهمٌ لإشاراته. 

ـ لستُ أدري في أي عقلٍ اختمرت؟! 

ـ والصواب أن يُقال بقاعدة «الأخذ بخصوص السَّبب لا بعموم اللَّفظ».  وإلَّا فكم من الضلالات يمكن أن يُؤسَّس لها بقاعدة «الأخذ بعموم اللَّفظ لا بخصوص السَّبب»؛ بحيث تُسقَط أيُّ كلمةٍ وردت في سياقٍ خاصٍّ على كلِّ ما يمكن أن ينصرف إليه ظاهر معناها.  وهذا منافٍ لطبيعة اللُّغة أصلًا ووظيفتها ومدار دلالاتها.  وعليه:

1- ففي شاهدنا نجد «القرآن» ناطقٌ بنقيض الفهم الاجتزائي الأعور الدجَّال: «وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى،  مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهَوَى، إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى، عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوَى، ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى، وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى،  ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى، فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى، فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى.» 

2- إنَّنا أمام استدلال أولئك الغُلاة أمام منهاج «ويل للمصلين»، وإلَّا فالكلام في الآيات واضح كلَّ الوضوح عن نُطق الرسول بما أوحاه إليه جبريل من «القرآن» نفسه، لا عن كلام الرسول في ما خلا ذلك، ولو كان القصد كلام الرسول بعامَّة، لجاء النصُّ بصيغة: «وما يتكلَّم عن الهوى». 

3- لقد أراد القوم أن يرفعوا الرسول عن مقامه البَشَري المعلوم، وأن يَغْلُو فيه غُلُوًّا، ليزعموا أنَّه لا يَصدر إلَّا عن الوَحي في كلِّ كلامه. وإنَّما تلك سبيل الأوَّلين، ممَّن خلا من الغُلاة، التي بلغت- لا إلى القول إنَّ كلام الرسول كلَّه وَحْيٌ يُوْحَى فحسب- بل إلى القول بعدئذٍ: إنَّ الرسول هو الله نفسه! ومعظم النَّار من مستصغر الشَّرَر!   

4- هو استدلالٌ مخالفٌ كذلك لنصِّ «القرآن»، في مثل قوله: «قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ، يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ. فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ، فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا.»  فالرسول بَشَرٌ مثل غيره، في ما خلا ما يُوْحَى إليه من «القرآن».

5- ذلك الفهم مخالفٌ أيضًا لنصوص «القرآن» المعاتبة للرسول في بعض أقواله وأفعاله، ولو كانت وحيًا، فلِمَ العتاب؟!

6- هو مخالفٌ لسيرة النبي، الذي كان يتبرَّأ من بعض أقواله حين يتَّضح له عدم صوابها، كما في قِصَّة تأبير النخل، وكما في خطَّته في موقعة (بَدْر)، أو اتخاذ الأسرى قبل الإثخان في الأرض [سُورة الأنفال، 67]. وكما في قوله إنه إنما ينطق بالحكم بين المتخاصمين بناء على ما سمعه من حُجََّة، فمن حكم له بغير حقِّه، فإنما حكمَ له بقطعةٍ من النار.  إلى غير ذلك.  فهل كان هاهنا يتبرَّأ من وَحْيٍ أُوْحِي إليه؟  لو كان كلُّ كلامه وَحْيًا يُوْحَى، كما يذهب هؤلاء الغُلاة، لكان، إذن، يتبرَّأ من بعض ما أُوْحِي إليه، بتبرُّئه من بعض أقواله أو نسبتها إلى طبيعته البَشَريَّة! ولو كان لا ينطق إلَّا عن وَحْيٍ يُوْحَى، لما كان لمثل هذه الأمثلة، من أقواله وأفعاله، من معنى ولا مساغ. 

7- نعم، هو لا ينطق عن الهوى في أقواله، لكنه لا ينطق عن وَحْيٍ في كُلِّ أقواله، وذلك بوصفه بَشَرًا، وبوصفه إنسانًا، ابن لُغةٍ وثقافة، وليس بالإله ولا بابن الإله.  ولولا الغُلُو، لما ساغ في عقلٍ تصوُّر الحديثيِّين وزعمهم، بحيث يوشكون بدَورهم أن يجعلوا من (محمِّدٍ) (يسوعًا) آخَر، على طريقتهم. 

لا خلاف، إذن، في أنَّ محمَّدًا لا ينطق عن الهوى، لكنَّ كثيرًا من المسلمين ينطقون عن الهوى.  أعياهم تحريف الكلم عن مواضعه، على نهج (بني إسرائيل)، فانسربوا إلى تحريفه من خلال التأويل. هما أُمَّتان، أُمَّة حرَّفت اللفظ، وأُمَّة حرَّفت المعنى، ولا فرق.  هي اللُّعبة الطفوليَّة نفسها التي مَرَّ بها الإنسان في كلِّ زمانٍ ومكان: طفلٌ يلعب باللَّفظ، وطفلٌ يلعب بالمعنى.  طفلان لا يرضيهما النصُّ كما هو، ولا يجدان أنَّه يخدم أهواءهما، فماذا يفعلان؟: الأوَّل يحرِّف الكلمات عن مواضعها، والثاني يحرِّف الدلالات عن مواقعها.  والأخير أخطر؛ لأنه يُفسِد اللُّغة كلَّها، لا النصَّ المحدَّد وحده.

ولقد كان (أبو بكرٍ الصِّدِّيق) قد أدركَ هذا النزوع المبكِّر إلى تقديس (محمَّد)، لمَّا قال: «مَن كان يعبُد محمَّدًا، فإنَّ محمَّدًا قد مات، ومَن كان يعبُد الله، فإنَّ الله حيٌّ لا يموت.» وفي هذا السياق تصدُق مقولة أبي بكر؛ فمَن كان يعبُد محمَّدًا، فإنَّما محمَّدٌ بَشَرٌ مِثْلُكُم، يُوحَى إِلَيه، ومَن كان يعبُد الله، فإنَّ الله هو الذي أَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى.

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

 

تأملات في موقف موسى عليه السلام

كيف تكون مشاعر الإنسان حين ينتظر مواجهة مصيرية؟ كيف يستعد للقاء قد يغيّر مجرى التاريخ؟ وكيف يمكن للثقة بالله أن تحوّل القلق إلى يقين؟ والخوف إلى شجاعة؟

موسى عليه السلام، شاب نشأ في ظروف استثنائية خرجت عن القاعدة، ثم وجد نفسه هاربًا من مصر بعد حادثة قتل غير مقصودة. لاحقًا، تم اصطفاؤه من قبل الله سبحانه وتعالى لحمل رسالة عظيمة. لقد كُلف بمواجهة أعتى الطغاة (فرعون)، وتقديم الأدلة والبراهين التي تُثبت صدق رسالته. ظروف صعبة وعهد قريب بالله. في الطرف الآخر، كان فرعون جبّارً طاغيًا، متمردًا على الحق، لم يتردد في استخدام كل وسائل القهر والبطش لترسيخ سلطانه.

في قصة موسى مع فرعون موقف عظيم يختبر حقيقة الإيمان والصبر. ورد في سورة الشعراء، عندما أرجأ فرعون المواجهة مع موسى ريثما يتم جمع السّحَرة لمنازلته، في قوله تعالى:

(قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَـٰذَا لَسَٰحِرٌ عَلِيمٌ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِۦ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ ۝ قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَٱبْعَثْ في ٱلْمَدَآئِنِ حَـٰشِرِينَ ۝ يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ). (سورة الشعراء: 34-37).

يكاد يكون المحور الأول في المشهد هو الانتظار. إذ أجّل فرعون المواجهة مع موسى ريثما يتم جمع أكبر عدد من السحرة، فكيف تتشكل معاني الانتظار في هذا الموقف الجلل؟ وكيف نقرأ موقف موسى في تلك اللحظات المصيرية من منظور أعمق؟

 أول ما يتراءى للذهن لحظات الصراع الداخلي لموسى بين المشاعر الإنسانية وما يترتب عليها من قلق وترقب، وبين لحظات اختبار تبين الإيمان الراسخ وكيف يدفع صاحبه نحو الطمأنينة والتوكل. فكيف تعامل موسى مع هذا الاختبار وهو يستعد لمواجهة السّحرة.

إن موسى، بوصفه نبيًا مُرسلًا، كان على يقين تام بأن الله سبحانه وتعالى لن يخذله. ومع ذلك النفس البشرية لا تختبر مشاعر الترقب والانتظار دائمًا. برغم وجود الآيات البينات التي أيده الله بها، كالعصا التي تتحول إلى ثعبان مبين، ويده التي تخرج بيضاء للناظرين. كان يدرك أنه سيواجه أعظم طاغية في تاريخ البشرية، ذلك الذي لم يتورع عن قول " فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأَعْلَى" سورة النازعات: 24، وليست المواجهة شخصية، إنما هي صراع بين الحق والباطل، وبين الإيمان والكفر.

هذه اللحظات الصعبة لم تكن فراغًا زمنيًا، أو توقّفًا عن الحركة؛ إنما جزء من التدبير الإلهي لإظهار الحق. الانتظار يحمل معانٍ عميقة تتجاوز كونه مجرد حالة زمنية أو عملية نفسية، ويعبر عن علاقة الإنسان بالمستقبل المجهول وما يحمله من احتمالات.

الانتظار يُخرج الزمن من كونه محايدًا، إذ يفرض حالة من الترقب ويصبح ممتلئًا بالقلق. في هذا المنظر يرى الفيلسوف (مارتن هايدجر 1989- 1976) في مُجمل حديثه عن الزمن والوجود، أن الانتظار يعكس علاقة الإنسان بالزمن، فيُظهر وعيه بالمستقبل باعتباره بُعدًا جوهريًا للوجود الإنساني. فيتوقف الحاضر عن كونه محور التجربة ويُسيطر المستقبل على الوعي، فنرى أن الانتظار من هذا المنظور يصبح حالة وجودية.

بينما يعزو الفيلسوف الفرنسي (جاك دريدا 1930- 2004) الانتظار إلى التأجيل، بوصفه حالة مستمرة للرغبة، يبقى فيها الإنسان في علاقة مع شيء غير مكتمل (غير حاضر)، فيكون بهذا الوصف تجربة إنسانية تبين الافتقار إلى الكمال.

الانتظار، في أجلّ معانيه ليس فقط اختبارًا للصبر، بل هو التسليم والرجاء المرتبطان بالثقة الإلهية. والصبر في الانتظار فضيلة تُظهر قدرة الإنسان على مواجهة الزمن بثقة وتواضع.

لكن كل ذلك لا ينفي كون الانتظار تجربة مؤلمة، تكشف عن البعد التراجيدي للوجود حسب الفيلسوفة الفرنسية سيمون فايل( 1909-1943) التي عرفت بأفكارها العميقة حول الأخلاق والدين والعدالة، وقد يكون لحظة لإعادة التفكير والتأمل في كل شيء.

المواجهة الكبرى مع الزمن هو الحالة التي تصف علاقة الإنسان بالانتظار. من الممكن أن تكون قيدًا يكبل وعيه ويغرقه في القلق والاضطراب إذا استسلم لذلك، ومن الممكن أن يتحول إلى فعل إرادي للتعبير عن الحرية ويختار طريقة العيش في زمن الانتظار. في موقف موسى تتبين المسؤولية العظيمة والتوكل الكامل على الله برغم صعوبة الموقف.

الفيلسوف سورين كيركغارد (1813- 1855) يرى أن الانتظار جزءًا من العلاقة بين الإنسان والله، ليس بوصفه حالة من الترقب، إنما فعل إيماني عميق يعكس الثقة بالله. ويشير في كتاباته أن الإيمان الحقيقي يتجلى في القدرة على الانتظار دون تذمر، لأن المؤمن الحق يعلم أن الله قادر على تحقيق وعده، في الوقت المناسب. فليس الانتظار حلًا مفروضًا لعدم توفر البدائل، إنما جزء من العلاقة بالله.

في القرآن الكريم، يُعد الانتظار حالة إيمانية تتطلب الصبر والثقة بوعد الله. كصيغة اختبار للإيمان واليقين، تتمثل في قوله تعالى: (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) سورة الروم: 60

الانتظار كذلك جزء من الحكمة الإلهية لتحقيق غايات أعظم. فيكون الزمن هنا عاملًا مهمًا في تحقيقها، كما في سورة " يوسف" حين كان الزمن جزءًا من اختبار يعقوب عليه السلام الذي تحقق فيه الانتظار لعودة ابنه يوسف، تتمثل في قوله تعالى:(فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ) سورة يوسف:18، إذ يؤكد القرآن أن الانتظار ليس حالة من الفراغ، بل فرصة للإيمان والعمل واليقين بأن الله يدبر الأمور بحكمة إلهية.

الانتظار حالة إنسانية مشتركة بين الثقافات والفلسفات والديانات. لا يعتبر مجرد مرور للزمن، ولكن موقف وجودي يحرر تساؤلات الإنسان حول الصبر والحياة والمعنى.

تتقاطع السياقات بين القرآن والفلسفة حول مفهوم الانتظار، فهو اختبار وحالة إيجابية تتجلى في القرآن، ترتبط بالصبر والإيمان بوعد الله، وجزء من حكمة الله في ترتيب الأمور.

أما في الفلسفة، فهو يعكس الثقة في القوة الإلهية خاصة عند كيركغارد. وتجربة تعيد فهم الإنسان لوجوده عند هايدجر. فيكون اختبارًا للوجود الإنساني نفسه، يكشف عن عمق العلاقة بين الإنسان والكون.

الانتظار، سواء في القرآن أو في الفلسفة، موقف وجودي يعبّر عن الإيمان، الصبر، والوعي بالزمن. في لحظات الانتظار يُختبر الإنسان في أعماق نفسه، وفي موقف موسى: هل كان يثق بوعد الله؟ هل يظل ثابتًا على يقينه رغم التأجيل الذي فرضه فرعون؟

يمكننا القول إن موسى عليه السلام كان نموذجًا في الثبات والصبر. إذ لم يهتز أو يتراجع، أما تأجيل المواجهة مع السّحرة كانت فرصة لتعميق ثقته بالله، وتأكيدًا على استعداده للمواجهة الكبرى التي ستظهر الحق أمام الجميع.

كان الانتظار يحمل عدة معانٍ:

- التسليم لحكمة الله، وأن هذا الإرجاء لم يكن تأخيرًا عشوائيًا، بل كان جزءًا من التدبير الإلهي، ووسيلة لزيادة الصبر واليقين والثقة.

- الزمن في يد الله، يذكرنا الانتظار بأن الزمن ملك لله وحده، وأنه يدبر الأمور وفق رحمته وحكمته.

لحظات انتظار موسى توصف بأنها جسر عبر فيه إلى النصر، سلاحه الثقة بالله، ومفتاحه الصبر للعبور. الانتظار في موقف موسى يمثل موقفًا خالدًا، لتعميق الإيمان ونفي فكرة أن الانتظار فراغ زمني. والإيمان بأن النصر يتحقق مع الصبر: (إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ الصَّابرِين) سورة البقرة: 153. فالانتظار حالة يقررها الإنسان كفرصة عظيمة للتأمل والتقرب إلى الله، ولحظات تساهم في بناء اليقين.

***

ريما آل كلزلي

للأسف الشديد، رغم رحيل فاضل الربيعي، رحمه الله تعالى، لن يغلق ملفه الذي اشتعل بالتناقضات كالنار في الهشيم.. أسئلته التي حولها إلى حقائق مطلقة تذكرنا بخطاب الديماغوجيين الذين يصنعون اليقين من فراغ.. فكيف يختزل تاريخ الأنبياء وحضارات الشرق إلى مجرد خرائط يمنية متخيلة؟

فخ التلفيق..

ليس الخلط بين صموئيل النبي والسموءل الشاعر سقطة عابرة.. بل هو تعبير عن منهج يطحن الوقائع لينتج منها مسحوقًا لأسطورة يمنية تبتلع كل شيء.. ألف وخمسمائة عام تلغى بنفس واحد.. وكأن الزمن كرة طينية يشكلها الربيعي كيفما شاء.. ثم يأتي إنكار السبي البابلي والصراعات الآشورية ليكتمل المشهد.. فهل كل المؤرخين والأركيولوجيين الذين أثبتوا هذه الأحداث عبر قرون من البحث مجرد خونة للحقيقة؟

عندما يصر الربيعي على أن اليمن هي الهند القديمة.. وأن الرومان غزوا اليمن بدل فلسطين.. وأن رسائل تل العمارنة مزورة.. فإنه لا يقلب الجغرافيا فحسب.. بل يمحو الهويات.. كيف لليمين أن تكون مهد اليهودية بينما آثارهم وقصصهم منقوشة في كل حجر فلسطيني؟.. وكيف ينكر وجود الهيكل في القدس بينما قبور الأنبياء في الخليل تشهد على عمق التاريخ الفلسطيني؟.. أليس في هذا إعادة إنتاج للرواية الصهيونية التي تبحث عن جذور وهمية خارج فلسطين؟

لا يكفي أن ننقد الربيعي.. بل يجب فضح آلية تلاعبه.. فهو يستند إلى الهمداني كما لو أن كتاباته قرآن نزل من السماء.. ويتجاهل أن الهمداني نفسه كان يؤرخ لليمن لا لسرقة تاريخ الشعوب الأخرى.. فلماذا لا نسأل الربيعي عن السر في غياب أي دليل أثري يمني يدعم نظريته؟.. أين آثار هيكل سليمان المزعوم في السراة؟.. وأين شواهد غزو الإسكندر لليمن؟.. لماذا لا نرى إلا كلامًا مرسَلًا يتحوَّل إلى "حقيقة" بمجرد تكراره على الشاشات؟

من يحمي التاريخ من التشويه؟

مدرسة الربيعي وديب وأحمد الداوود ليست امتدادًا لكمال الصليبي.. بل هي نسخة مشوهة.. فالصليبي كان يملك منهجًا يقترب من العلم رغم اختلافنا معه.. أما هؤلاء فيحولون التاريخ إلى لعبة بلا قواعد.. يرفضون علم الآثار حين يعارضهم.. ويستدعون التوراة حين يحتاجون إليها.. وينتقي الربيعي من الباحثين الغربين ما يعزز روايته.. ويتناسى أن هؤلاء أنفسهم لم يجرؤوا على نقل أحداث التوراة إلى اليمن.. فلماذا يسبقهم هو إلى هذه المغامرة المجنونة؟

أسئلة حائرة.. تنتظر إجابات

لو وقف الربيعي أمام مرآة النقد الحقيقي.. لسقطت كل أقنعته.. كيف تتعامل مع نفي وجود الكنعانيين في فلسطين رغم أن أسماء مدنهم مذكورة في رسائل تل العمارنة؟.. وكيف تفسر وجود لغة كنعانية في النقوش الفلسطينية؟.. ولماذا ترفض أن يكون فرعون مصريًا بينما أهرامات الجيزة شاهدة على عظمة حضارته؟.. أليس إنكارك للكنعانيين إلغاء لتاريخ فلسطين نفسه؟

كاتب لا مؤرخ!

لا ينكر أحد على الربيعي براعته السردية.. لكن الرواية الأدبية غير البحث التاريخي.. فالأولى تلهو بالخيال.. والثاني يقيده الدليل.. خطورته تكمن في تزييف الوعي عبر خلط الأوراق.. فالشاب الذي يسمع أن الهيكل في اليمن.. وأن فلسطين ليست أرض الأنبياء.. سينسلخ عن تاريخه دون أن يدري.. وكأن الربيعي يكتب رواية بوليسية.. يمحو فيها الجريمة وينقلها إلى مكان آخر..

الفلسطينيون ليسوا بحاجة إلى منقذ يخترع لهم تاريخًا بديلًا.. فترابهم ينطق بالكنعانيين.. وحجارة مدنهم تحكي قصص الأنبياء.. الربيعي ومن على شاكلته يحاولون إنقاذنا بوهم.. لكن الأمة التي تهزم ذاكرتها تهزم حاضرها.. التاريخ ليس ساحة لتصفية الحسابات.. بل هو جذور ننتمي إليها.. أو نندثر بلا هوية.

تحريف روايات التاريخ..

اليوم رحل الدكتور فاضل الربيعي تاركا وراءه إرثا فكريا يثقل كاهل النقاش التاريخي بأسئلة ملحة: هل يمكن اختزال جغرافيا التوراة وقصص الأنبياء في رقعة ضيقة من الأرض؟ وهل يصح أن نعيد كتابة التاريخ عبر تخيل يلغي آلاف السنين من التراكم الحضاري؟

لم يكن الربيعي مجرد باحث يطرح فرضيات قابلة للنقاش، بل تحول إلى ظاهرة ثقافية ترفض العمل تحت سقف الشك العلمي. أخطاؤه الفادحة، مثل خلطه بين النبي صموئيل (القرن العاشر ق.م) والشاعر السموءل (القرن السادس ميلادي)، ليست مجرد هفوات، بل مؤشر على منهجية تتعامل مع التاريخ كـ"بازل" يفكك ويعاد تركيبه وفق هوى النظرية. فكيف يعقل أن تختزل 1500 سنة من الزمن في شخصية واحدة؟!

تتسع فجوات الربيعي عندما ينفي وقائع تاريخية مجمعا عليها، كالسبي البابلي أو الصراع الآشوري-المصري، مصرا على أن كل الأحداث التوراتية جرت في اليمن، والتي يسميها "الهند القديمة"! هنا، لا يكتفي برفض الآثار الكنعانية المنتشرة في فلسطين، بل يمحو دور حضارات الشرق الأدنى لصالح سردية يمنية ضيقة. فهل يعقل أن تكون رسائل تل العمارنة – التي تتحدث عن ممالك كنعانية – "مُزورة" أو "يمنية الأصل" دون دليل؟

الأخطر في أطروحات الربيعي هو نزع القداسة عن فلسطين كأرض الأنبياء، وإعادة تركيز كل شيء في اليمن، ما يخدم – ولو غير مقصود – روايات تهمش البُعد العربي الفلسطيني. فقوله إن اليمن هي مهد اليهودية، وأن هيكل سليمان بني في سراها، ليس مجرد تحريف جغرافي، بل إنكار لتاريخ فلسطيني متجذر.

بين كمال الصليبي وفاضل الربيعي: أيهما نصدق؟!

إذا كان كمال الصليبي نقل أحداث التوراة إلى عسير، فإن الربيعي حولها إلى اليمن، معتمدًا على المصدر نفسه: الهمداني. لكن هل تكفي إشارات الهمداني – رغم أهميتها – لإعادة تشكيل تاريخ ضارب في القدم؟ أليس في إغفال التنقيبات الأثرية، واستبعاد علماء مثل: إسرائيل فنكلشتين الذي يشكك في التطابق التوراتي-الفلسطيني، تناقض منهجي؟ فحتى المشككون في التوراة لا ينقلون أحداثها إلى اليمن!

أسئلة تبحث عن إجابات

لو أجري حوار جاد مع الربيعي، لكانت هذه الأسئلة جمرًا تحت الرماد:

- كيف تفسر وجود قبور الأنبياء إبراهيم وإسحاق ويعقوب في الخليل إن كانت قصصهم حدثت في اليمن؟

- إذا كان جالوت هو "جاليوس الروماني"، فكيف نوفق بين زمن داود (1000 ق.م) والوجود الروماني (القرن الأول ق.م)؟

- أين الدليل الأثري اليمني على غزو الإسكندر أو الحملة الرومانية عام 70م؟

لا ننكر على الربيعي جرأته في تحدي السرديات، لكن الفرق بين التحدي العلمي والانزياح التخيلي هو الدليل. التاريخ يبنى باللقى الأثرية، والنصوص الموثقة، والقراءة النقدية، لا باليقين المطلق الذي يلوي عنق الحقائق. قد يكون الربيعي كاتبًا ملهِمًا، لكن الباحثين الحقيقيين مطالبون بحماية التاريخ من أن يصير أسير نظريات تختزله إلى خرائط وهمية.

في النهاية، لا تصلح قراءة الماضي إلا بالاعتراف بتعقيده، فالحضارات لا تنبع من بئر واحدة، ولا تختزل في قرية ضائعة.

***

د. عبد السلام فاروق

المعارف درجات من حيث قيمتها، وعلاقتها بالإنسان وكيف تطورت جدليًا عبر التاريخ الطويل للبشر. ذكر الفلاسفة قديمًا نوعان من المعارف التي يكتسبها الإنسان:

١- العلم الحصولي: أي العلم الذي نتعلمه من خلال المطالعة والتحدث مع الآخرين، أي من خلال الاكتساب.

٢- العلم الحضوري: وهو العلم الكشفي/العرفاني أو بلغة فلاسفة الإسلام؛ العلم اللدني.. اي العلم الذي ينكشف من لدن الله إلى العبد.

العلم الحصولي أوسع من حيث هو متوفر ومتداول في الموروث الإنساني عمومًا؛ إذ يمكن التعاطي معه وفهمه من خلال التعلم والصبر والمرونة. وبعض العلم الحصولي لا يكون علماً حصوليًا بحتًا، بل قد يكون مبعثه علمًا كشفيًا حضوريًا، ولكن بصورة اختزالية، بحسب قدرة اللغة على توصيف التجربة وقدرة خيال الملتقي وانشراح عقله على المعلومة.

هذه المعرفة هي المتعارف عليها والمتداولة بين أغلب الناس، بما في ذلك أكبر العلماء والفلاسفة، فهم يشتغلون عقلياً داخل أُطر جاهزة في التفكير، سواءً من خلال المنطق القديم أم الحديث، الفلسفي أم العقلي، إلى آخره. ومع ذلك، يظل جوهر المعرفة ليس بحضوري، إنما من خلال تجارب الآخرين أو فهمهم لتجارب أناس سبقوهم.

الأنبياء وأهل العرفان مثلًا، هم أصحاب المعارف الحضورية، أي أنهم حصلوا على تجارب من غير اكتسابها من الآخرين، عبر التجربة الصرفة وتأملها، ثم إيصالها للمجتمع. وغالبًا ما تُبتر هذه التجارب أو على الأقل يساء فهمها، لأن نورها قد يكون أقوى من أن يدركه من لم يسلك طريق الحضور.

ودائماً ما تتصارع هذه العقول المختلفة في مسائل الدين والسياسية وغيرها، لا سيما في قضية التأويل وكيفية فهم النصوص التاريخية.

أهل الكشف لهم طريقتهم الخاصة في فهم العالم، وهي طريقة تتجاوز كل التجارب الأخرى، بينما يثير هذا الأمر استياء الفئة الأخرى، ذوي المعرفة الحصولية، لأن في ذلك إهانة لعدم قدرتهم على فهم هذه التجارب إلا من خلال ما نُصّ به لهم، وكيف توارثوه عبر الأجيال، حتى أصبحت التجربة ملعونة في ذاتها، التي كانت إبتداءً هي البنية واللبنة الأولى لبناء المجتمعات.

العلم الحضوري يتجلى لفئتين:

الأولى: الفلاسفة والمتأملين الذين يتمردون بشكل كامل ويحققون استقلالية عقلية لفترات ممتدة، وعليه ينكشف لهم ما لا تعيه العامة.

والثانية: أصحاب التجارب الروحية الحقيقة، التي تشكل بالنسبة لهم قفزة في التجربة الوجودية، وبعدها تنعدم لديهم القدرة على التعبير بطريقة منطقية، أو يبدو كلامهم غير عقلاني لذوي العقول المُقلِّدة التي تدور حول ذات مقولات أجدادهم.

هذا النوع من العلم محظور في كل زمان ومكان، ويشكل خطرًا على صاحب التجربة اذا باح بها. ولهذا السبب، أعتزل الكثير من المتصوفة الناس، وقالوا كلامًا بدا وكأنه صادر من أشخاص فقدوا صوابهم، لكن واقع الأمر أنهم توسعوا في منطقهم فأصبح أوسع وأعمق مما يستوعبه الإنسان العادي؛ رغم أن الوصول ليس مستحيلًا لمن أراد، عبر التأمل الصادق.

ولهذا، فإن كل علم حضوري هو علم محظور ومحاصر، بينما العلم الحصولي المتراكم الذي اعتاد عليه الناس، هو الذي تستكن له المخيلة الإنسانية، والعقلية العلمية، لأنه لا يشكل اختراقًا للعادة، والإنسان بتكوينه يميل إلى العادة، والخوف من المجهول يحركه أكثر من أي شيء آخر.

وعليه نعي أن العادة تنحو نحو العلم الحصولي، بينما الخروج عن العادة، والعيش في خطر والمجازفة، وطرح الأسئلة الأكثر جرأة وغباءً – هي التي تكسر هذه العادة وتفتح إمكان الوصول إلى عقل وروح العلم الحضوري.

***

خالد اليماني

 

هناك نوعان من السرديات التاريخية، التبشيرية والمغلقة تختلف في طبيعتها وأهدافها، السرديات التبشيرية تهدف إلى الإقناع، السرديات المغلقة تقدم معلومات بشكل محدد، العلاقة بينهما وتأثيرهما في تاريخ وعي الإنسان يعكس تفاعلاً معقدًا بين الفكر، القيم، والمعتقدات، السرديات التبشيرية تسعى إلى نشر أفكار جديدة أو تعزيز معتقدات قائمة، مما يؤثر بشكل كبير على وعي الأفراد والمجتمعات وتلعب دورًا في تحديد المفاهيم والمصطلحات التي تُستخدم في النقاشات، مما يسهم في بناء أساس معرفي. المعلومات المستندة إلى سرديات مغلقة تُستخدم في النصوص التبشيرية لتعزيز الحجج والأفكار، السرديات التبشيرية قد تواجه تحديات من السرديات المغلقة، حيث تسعى الأخيرة لتقديم معلومات موضوعية  تتعارض مع الآراء أو المعتقدات التبشيرية .عبر الزمن تتطور السرديات التبشيرية إلى نصوص تحليلية ، مما يعكس نضوج الوعي الجماعي والقدرة على التفكير النقدي، كلا  النوعين يمكن أن يؤثر على السياقات الاجتماعية والسياسية، حيث يمكن للسرديات التبشيرية أن تحفز حركة اجتماعية، بينما توفر السرديات المغلقة الإطار القانوني أو العلمي . السرديات التبشيرية والسرديات المغلقة يعملان معًا في تشكيل وعي الإنسان، حيث تؤثر كل منهما على الأخرى وتساهم في تطوير الفكر والمعتقدات .

دور السياق الاجتماعي والثقافي

ان تفسير العلاقة بين السرديات التبشيرية والسرديات المغلقة مهم جدًا، حيث يؤثر على كيفية إنتاج هذه النصوص وتلقيها، في مجتمعات معينة تُعتبر قيم مثل الكرم أو التعاون مركزية، مما ينعكس في السرديات التبشيرية، الأحداث التاريخية والاجتماعية تلعب دورًا في تحديد السياق الذي يُنتج فيه النص، السرديات التبشيرية قد تكون استجابة لتغيرات اجتماعية معينة أو أزمات وتكون استجابة لاحتياجات اجتماعية معينة، مثل الدعوة للعدل أو التصدي للظلم، مما يجعلها مرتبطة بشكل وثيق بالسياق الاجتماعي ،السرديات المغلقة تقدم معلومات مستندة إلى الحقائق، قد تعمل احياناعلى تحدي أو تقويض النصوص التبشيرية إذا كانت تتعارض مع الحقائق الموضوعية ،السياق يؤثر على الكتابة والإنتاج الثقافي، حيث يمكن أن تؤدي الأزمات الاقتصادية إلى إنتاج سرديات تبشيرية تدعو إلى التغيير أو الإصلاح، يمكن أن تلعب دورًا في التحريض السياسي أو التعبئة الاجتماعية، بينما قد توفر السرديات المغلقة إطارًا للسياسات العامة أو الإجراءات القانونية، السياق الاجتماعي والثقافي يلعبان دورًا حاسمًا في تشكيلهما ، حيث يؤثران على المحتوى، الإنتاج، والتلقي. العلاقة بين النوعين تتسم بالتعقيد والتفاعل، مما يعكس ديناميات المجتمع والثقافة في كل زمن.

المغالطات المنطقية في السرد التاريخي

التعرف على المغالطات المنطقية في السرد التاريخي تتطلب فهم الأنواع الشائعة من المغالطات، تحليل الحجج المقدمة، ومراقبة التناقضات، باستخدام هذه الأدوات النقدية، يمكنك تقييم السرد بشكل أفضل واكتشاف أي مغالطات قد تؤثر على مصداقيته، المغالطات التاريخية في السرد تمثل مشكلة تتعلق بدقة المعلومات وموضوعيتها، ويمكن اعتبارها (أسطرة) للنص بشكل مباشرحيث تشير إلى الأخطاء أو التفسيرات غير الدقيقة في السرد التاريخي، والتي قد تنجم عن تحريف الحقائق أو التفسير الخاطئ للأحداث، قد تنشأ المغالطات من التحيز، نقص المعلومات، أو محاولات لتوجيه الرأي العام ،خصوصا ما يتعلق بالنص المقدس الذي يُعتبر نصًا ذو قيمة دينية أو روحية عميقة، وغالبًا ما يُعتبر منزها من الخطأ ويحتوي على حقائق مطلقة من قبل مؤمنيه، ويُشكل جزءًا من الهوية الثقافية والدينية للأفراد والجماعات. يتناول السرد التاريخي النصوص المقدسة كجزء من التراث الثقافي والديني، ويبرز تأثيره على تشكيل الوعي الجماعي، مع ذلك، يُلاحظ أن بعض الروايات التاريخية قد تحتوي على مغالطات منطقية تؤثر على فهم الأحداث،مما يتطلب دراسة النصوص المقدسة من خلال السرد التاريخي تحليلًا نقديًا لفهم كيف يمكن أن تؤثر المغالطات المنطقية على الروايات. العلاقة بين المغالطات والنص المقدس في بعض الأحيان، يمكن أن تؤدي إلى تفسيرات مشوهة للنصوص المقدسة، مما يؤثر على كيفية فهمها وتفسيرها، قد تستخدم بعض الجماعات النصوص المقدسة لتبرير مواقف أو أفعال معينة، مما يتضمن مغالطات تاريخية أو تفسيرات غير دقيقة، لذا يجب أن يُؤخذ في الاعتبار وجود روايات أو تفسيرات متعددة للنصوص التاريخية والدينية، مما يعكس تنوع الآراء والتوجهات، بينما تؤثر المغالطات التاريخية على كيفية تفسير النصوص المقدسة، يجب التعامل مع كل من السرد التاريخي والنصوص المقدسة بطريقة نقدية لفهم السياقات والتفسيرات المختلفة.

الاركيولوجيا والمغالطات التاريخية

عندما تغيب الأدلة الأركيولوجية، يصبح التفكير النقدي أكثر أهمية في تقييم المغالطات التاريخية، في حالة عدم وجود توثيق أركيولوجي، يمكن أن تظهر المغالطات التاريخية بشكل أكبر، قد يعتمد السرد التاريخي على فرضيات أو تفسيرات غير مدعومة اويتم استخدام حالات فردية أو روايات غير موثوقة لتعميم استنتاجات غير دقيقة حول أحداث تاريخية ،استخدام التفكير النقدي لفهم السياقات الاجتماعية والثقافية يساعد في تقليل تأثير المغالطات في غياب الأدلة الأركيولوجية،كما يمكن الاستفادة من المصادر المكتوبة (مثل الوثائق التاريخية، الرسائل، أو الروايات) كأدلة، ولكن يجب تقييمها بعناية،ان استخدام الدراسات المقارنة مع ثقافات أو مجتمعات أخرى لفهم السياقات بشكل أفضل وتجنب المغالطات تشجع النقاشات المفتوحة حول المواضيع التاريخية ويمكن أن تساعد في كشف المغالطات، غياب التوثيق الأركيولوجي يزيد من أهمية التفكير النقدي في تقييم المغالطات التاريخية وتقييم المصادر، وفهم السياقات الثقافية والاجتماعية لتفادي الوقوع في المغالطات ،عند غياب الأدلة الأثرية يمكن أن تظهر عدة أنواع من المغالطات التاريخية. المغالطات التاريخية وغياب الأدلة الأثرية يمكن أن يؤدي إلى ظهور العديد من الاخطاء، مثل التعميم المتسرع، الاستدلال بالجهل، والهجوم الشخصي، من المهم أن يتم التعامل مع المعلومات التاريخية بعناية وموضوعية لتجنب هذه المغالطات، الأسس المنطقية للاستدلال في التفكير النقدي تشمل التحقق من الأدلة، التحليل المنطقي، التعرف على المغالطات، والمقارنة بين المعلومات، هذه الأسس تساعد الأفراد في تقييم السرد التاريخي بشكل موضوعي وكشف أي أخطاء قد تؤثر على الفهم الصحيح للأحداث، من المهم تطبيق التفكير النقدي لتفادي هذه المغالطات والحصول على فهم أعمق وأكثر دقة للتاريخ وكذلك تجنب استخدام الأساطير بشكل مبتذل أو غير مناسب علينا فهم السياق الثقافي، تجنب التعميمات، استخدام الأسطورة بدقة، الابتعاد عن الصور النمطية، تجنب الاستغلال التجاري، وتقديم تفسيرات غير واضحة. هذه تساهم في الحفاظ على قيمة السرد وتقديمه بشكل يحترم الثقافة ومعناها.

السرد أداة الفلسفة في التحليل

يمكن اعتبار السرد نفسه كأداة فلسفية، حيث يُستخدم في تحليل وتفكيك الأفكار. يُمكن للفلاسفة استخدام السرد كوسيلة للتعبير عن أفكارهم بطريقة إبداعية من خلال تحليل السرديات السائدة، يمكن للفلاسفة نقد المفاهيم والأفكار المترسخة، مما يفتح المجال أمام تفكير جديد، يمكن استخدام السرد في الفلسفة المعاصرة كأداة قوية لتقديم الأفكار، تحفيز التفكير النقدي، استكشاف التجربة الإنسانية، وتعزيز الوعي الثقافي. من خلال دمج السرد مع الفلسفة، يمكن خلق حوارات غنية ومؤثرة حول قضايا معقدة، مما يسهم في توسيع الفهم الفلسفي، رغم أن السرد يمكن أن يكون أداة قوية في الفلسفة، إلا أن له حدودًا تتعلق بفقدان الدقة، التأويل الشخصي، الاعتماد على العناصر الخيالية، تحديات التركيز، الفهم الفلسفي، التأثيرات الثقافية، وفصل الأفكار عن التطبيقات العملية. من المهم أن يُستخدم السرد بشكل مدروس ومتوازن لضمان عدم تجاوز هذه الحدود.

***

غالب المسعودي

العقل العربي، كمنتج تاريخي وسياسي، ظلّ خاضعًا لبنية سلطوية معقدة تتجاوز الأنظمة السياسية إلى أنماط التفكير والسرديات المهيمنة التي تمأسست عبر قرون من الاستلاب. إن هذا العقل لم يتشكل في فضاء حر، بل صيغ عبر أجهزة أيديولوجية متشابكة، تضافرت فيها السلطة السياسية، والدين المُمنهج، والمؤسسة العسكرية، والاقتصاد الريعي، لتخلق ذاتًا عربية هشّة، مستلبة، محاصرة بسرديات قسرية تمنعها من الانخراط في مشروع نقدي جذري.

هذه الهيمنة لم تقتصر على الجماهير، بل امتدت إلى المثقف الذي كان من المفترض أن يكون القادر على تفكيكها، لكنه في الغالب استحال إلى كائن مُذعن، خاضع، يكرر ما تنتجه المؤسسة بدل أن يكون قاطعًا معها. لكن هذا الاستلاب لا يمكن قراءته فقط من خلال المنظور السياسي، بل يجب فهمه أيضًا كنظام نفسي معقد، حيث يتحول القمع الخارجي إلى جزء من بنية اللاوعي، فتتم عملية ضبط الذات ليس فقط عبر القوة المباشرة، بل عبر آليات داخلية تجعل الفرد يتماهى مع القامع إلى حدّ الدفاع عنه.

وهنا يمكن استدعاء تحليل فرويد حول “الأنا الأعلى” بوصفه سلطة داخلية تتولى تأديب الذات، أو ما يسميه ألتوسير بـ “الاستدعاء الأيديولوجي”، حيث يُعاد إنتاج القمع داخل الفرد ذاته، لا عبر العنف فحسب، بل عبر منظومة القيم التي تفرض نفسها بوصفها طبيعية وغير قابلة للنقاش.

هذا الاستلاب يبدأ منذ اللحظة الأولى التي يُوضع فيها الفرد داخل منظومة تعليمية مُصممة لإعادة إنتاج التراتبية، لا لتحديها. المدرسة ليست فضاءً للشك، بل مصنعًا لإنتاج الامتثال، والجامعة ليست ساحةً للسؤال، بل مسرحًا لاستعراض الهيمنة وإعادة توزيعها.

هذه السيرورة تجعل العقل العربي غير قادر على إنتاج نقد ذاتي، لأنه غارق في تصديق السرديات الكبرى التي تصنع له وهم التفوق أو الاستثناء، رغم أنه في جوهره يعاني من هشاشة بنيوية تجعله غير قادر على مجابهة الأسئلة الوجودية للحداثة وما بعدها.

هنا يمكن الاستفادة من تحليل جان بودريار لفكرة “المحاكاة”، حيث لا يعود العقل العربي يعيش في واقع حقيقي، بل في محاكاة لواقع مصطنع تخلقه الدولة ووسائل الإعلام والمؤسسة الدينية، بحيث يبدو كل شيء طبيعيًا، حتى لو كان قائمًا على التزييف.

في هذا السياق، يصبح الخطاب الديني أداة حيوية لاستمرار الإذعان، ليس بوصفه دينًا قائمًا على تجربة روحية فردية، بل باعتباره جهازًا سلطويًا يُستخدم لإعادة إنتاج الطاعة، بحيث يُختزل الدين في سردية رسمية تُعادي النقد وتُعيد إنتاج المقدس في قالب يخدم البنية السلطوية.

وهنا لا يمكن الحديث عن العقل العربي دون استحضار مفهوم الهيمنة لدى غرامشي، حيث تصبح الأيديولوجيا وسيلة لضبط الجماهير عبر الاستيلاء على وعيها، لا عبر القمع المباشر فقط، بل عبر خلق منظومة تجعل الاستلاب يبدو طبيعيًا، بل مرغوبًا.

فالفرد العربي، وقد تشبّع بهذه البنية، يمارس نوعًا من الطاعة الطوعية، ليس خوفًا فقط، بل لأن أي محاولة للخروج على هذه السرديات تجعله في مواجهة الفراغ، حيث لا بديل جاهز سوى إعادة التفكير في كل شيء، وهذه مهمة مرعبة لمن نشأ على تقديس الموروث بوصفه يقينًا لا يُمسّ.

هذا ما يجعل السلطة أكثر فاعلية، حيث لا تحتاج دائمًا إلى ممارسة العنف المباشر، بل يكفي أن تجعل الجماهير ترى في الخضوع شكلًا من أشكال الهوية والانتماء.

هنا يظهر دور الجيش، ليس فقط كقوة قمعية، بل كمُنتج للسردية القومية التي تبرر وجوده كفاعل مقدس لا يخضع للمساءلة. فالأنظمة العربية لم تكن مجرد ديكتاتوريات عسكرية، بل كانت آلات ضخمة لإنتاج سرديات الاستثناء، حيث يصبح الجيش هو الحامي، والقائد هو الرمز، والمثقف هو المُبرر، والعدو هو الآخر المتخيل الذي يُعاد تشكيله حسب الحاجة السياسية.

وبهذا يصبح نقد السلطة ضربًا من الخيانة، حتى عند أولئك الذين يُفترض أنهم امتلكوا أدوات تفكيكها. من هنا يمكن استدعاء تحليل دولوز وغوتاري حول “آليات السيطرة”، حيث لم تعد السلطة في العالم الحديث مجرد قمع مباشر، بل تحولت إلى شبكات متداخلة من الضبط والإنتاج، حيث يصبح المثقف ذاته جزءًا من هذه المنظومة، إما عبر التواطؤ، أو عبر استدراجه إلى دوائر أكاديمية معزولة عن الفعل السياسي الحقيقي.

المثقف العربي، الذي كان من المفترض أن يكون في موقع المواجهة، ظل في الغالب عالقًا بين التواطؤ الصريح أو الصمت المُطبق. ربما لأنه، كما يرى فوكو، ليس كائنًا خارج السلطة، بل هو جزء من نظام إنتاج المعرفة الذي يحدد ما يُقال وما لا يُقال.

هذا يفسر لماذا ظل أغلب المثقفين يمارسون خطابًا دوغمائيًا، حتى عندما يرتدون قناع التقدمية. فهم إما موظفون لدى السلطة بشكل مباشر، أو خائفون من أن يُسحب الامتياز الرمزي الذي تمنحه لهم الدولة بوصفهم “مثقفين معترف بهم”، أو غارقون في ترف التحليل الأكاديمي المعزول عن الفعل السياسي.

وهنا تظهر المفارقة التي أشار إليها بيير بورديو حول “رأس المال الرمزي”، حيث يصبح المثقف خاضعًا لمنظومة السلطة لأنه يسعى إلى الحفاظ على مكانته، مما يجعله يعيد إنتاج الخطاب السائد حتى وهو يتظاهر بنقده.

لكن، وسط هذه العتمة، كانت هناك استثناءات. قلة من المثقفين حاولوا اختراق الجدار، من مهدي عامل إلى هشام جعيط، ومن صادق جلال العظم إلى نصر حامد أبو زيد، وغيرهم ممن دفعوا الثمن باهظًا لأنهم تجرأوا على خلخلة السرديات المهيمنة.

هؤلاء لم يكونوا فقط ضد السلطة السياسية، بل أيضًا ضد الذهنية القبلية والعشائرية التي تجعل المجتمع ذاته جزءًا من ماكينة القمع. فالثائر الحقيقي في العالم العربي لا يواجه فقط النظام، بل يواجه الجماهير التي تماهت مع القامع حدّ الدفاع عنه، كما رأينا في كل لحظة ثورية قُمعت بالهتاف نفسه الذي استخدمه القاتل.

إن هذه البنية المعقدة تجعل التحرر صعبًا، لكنه ليس مستحيلًا. ما يحتاجه العقل العربي اليوم ليس إعادة إنتاج ذات النخب الفاشلة التي صنعتها الدولة العميقة، بل ولادة مشروع ما بعد حداثي قادر على تفكيك كل شيء: الدولة، الدين السياسي، الجيش، المؤسسات الثقافية الرسمية، والأهم، نقد الذات بوصفها أيضًا جزءًا من المشكلة.

فالهروب إلى نظرية المؤامرة، أو تعليق كل شيء على شماعة “الخارج”، هو في ذاته شكل من أشكال إعادة إنتاج الهيمنة، حيث يتم إلغاء الفاعلية الذاتية لصالح خطاب الضحية.

لكن هذا المشروع لا يجب أن يكون مجرد هدم للسرديات القديمة، بل يجب أن يكون قادرًا على تقديم بديل، بديل لا يعيد إنتاج الشمولية في شكل آخر، بل يقوم على تحرير الفرد من كل وصاية، بحيث يكون قادرًا على إنتاج حقيقته الخاصة، بلا خوف، وبلا أوهام كبرى.

هذا البديل يجب أن يذهب إلى ما هو أبعد من المطالبة بإصلاح سياسي، ليصل إلى تفكيك عميق لكل البُنى السلطوية التي صاغت وعي الإنسان العربي منذ قرون، بحيث لا يكون التحرر مجرد شعار، بل تجربة وجودية كاملة تُعيد تعريف الذات والعالم.

***

إبراهيم برسي – باحث سوداني

عزيزي القارئ

في مقالي هذا اتناول موضوعًا بالغ الاهمية لـدى الناس على اختلاف دياناتهم السماوية والوثنية يتعلق ذلك بالمُخلّص أو المُنقذ أو المهدي وكل هذه الاسماء لها دلالة واحدة تُشير الى شخص واحد لكنه يختلف من ديانةٍ الى ديانةٍ أخرى.

المنقذ في الديانة الهندوسية

وأبدأ بالديانات الوضعية أو الوثنية حيث جاء في الهندوسية وهي أقدم الديانات وموطنها الهند أن فيها ثلاثة آلهة يُعبدون توحدوا في تشكيل الاهٍ له قوى ثلاث وهم براهما وهو الخالق وفيشنو وهو الحافظ وشيفا وهو المدمّر وحسب معتقدهم أنّ فيشنو هو الذي سيظهر لإنقاذ المعذبين والمظلومين والمُستضعفين في الأرض وفي ظهوره وهو العاشر والأخير سيعم الخير والرخاء للبشرية.

المنقذ في الديانة البوذية

تمخضت البوذية من رحِم الهندوسية وهي حركة إصلاحية لحلِّ مشاكل ومعوقات في النظام الاجتماعي للديانة الهندوسية والذي تبنى عملية الإصلاح رجل من سلالة الملوك اسمه بوذا اما الهندوسية فلا يُعرف عنها شيء ولا يُعلمُ مصدرها.

ومولد بوذا ويُدعى بالمُستنير في مدينة كابيلا فاستو الهندية وهو من قبيلة ساكيا وقد توفيت امه في اسبوعه الأول وقد اعتنى به أبوه ووفر له كل وسائل الترف إلاّ انه ترك كل هذا في التاسعة والعشرين من عمره بما فيها زوجته وأولاده وهام في الخلوات والغابات طلبًا لاكتشاف الحقيقة المطلقة والاستنارة.

أخذ بوذا المستنير بنشر تعاليمه التي أسماها بعجلة النظام وكان يوصي أتباعَه بالتواضع والرحمة وحُسن الخُلُق واتباع تعاليمه التي تنقسم الى ثلاثة اقسام:

1/ أحاديث سوترا بيتاكا وهي تنقسم الى خمسة أبواب

2/ فينابا بيتاكا وهو قانون الدخول للوصول الى مرتبة الرهبنة

3/ ابهي دراما بيتاكما وهي تعاليم لأعمال تنقسم لأربعة اقسام وهي / المعاناة / واصل المعاناة / وإيقاف المعاناة / وإزالة المعاناة

وقد وضع بوذا وصايا عشرًا اسماها بالقيود العشرة وتُوفي في عمر تجاوز الثمانين عامًا وتقول الرواية عنه انه مات مسمومًا ورواية أخرى تقول بأنّه تعافى من السم وحسب التقاليد تم حرق جثمانه واخذ رماده وتوزيعه على ثماني ولايات وبعد موته انقسم جماعته الى مدرستين الأولى هي المركبة الصغيرة والأخرى المركبة الكبيرة.

والذي يعنينا هو موضوع المنقذ او المُخَلّص فمدرسة المركبة الصغيرة تَبَنّتْ إله نايانا وهي تقوم على الفكر القديم الذي يعتمد على قيام الانسان نفسه بتطهير نفسه وبلوغ درجة النيرفانا ولا يصل لهذه الدرجة الا القليل من الرُهبان لذلك تَسَمّت بالمركبة الصغيرة وفي تصورهم تحول بوذا من معلم الى روحٍ سماويةٍ وقدرات سامية تتجلى لهم على شكل انسان لينقذ البشر من الكارما أي الطريق المظلم الذي سلكته نفوسهم في شهواتها الدنيوية التي اضلتهم.

وللمركبة الكبيرة مدرستهم التي تبنوها وتُسمّى الماهيانا وفي هذه المدرسة ارتفع بوذا لمصاف الاله ويُسمّى بالأفتار ومعناها التجسد والظهور على هيئة انسان له قوى وقدرة لا تُوصف فهو قادر على فعل كل ما يُريدُ إصلاحه.

المنقذ في الديانة الزرادشتية

تؤمن الزرادشتيه بالإله الواحد اسمه / أوهرامزاده / وهذا الاله أراد ان يجعل له الهين للخروج من وحدته واحد للخير وآخر للشر وبهذا هم يختلفون عن الهندوسية بتعدد الالهة كما يؤمنون بأن الحياة قائمةٌ على الصراع بين الخير والشر والنور والظلام وان النفس الإنسانية تحمل الصفتين وهم يعتبرون العلاقة بين الاله والانسان علاقة شراكة ولهم خمسُ صلواتٍ في اليوم ويتطهرون قبل الصلاة بالماء وإذا تعذر وجودهُ فالتيمم بالتراب او الرمل.

ولد زرادشت في النصف الأول من الالفية الأولى قبل الميلاد في منطقةٍ ريفيةٍ قريبةٍ من بحر قزوين.

أرسله ابوه ليتعلم في السابعة من عمره فأظهر نباهةً وذكاءً متميزًا وكانت له تأمّلات في مسائل الخلق والكون كما أنّ له موقفًا رافضًا للظلم واستغلال الناس البسطاء من قِبَلِ السحرة كما كان رفضه لعبادة الكواكب.

واختلف القول فيه فمنهم مَنْ اعتبره نبيّا ومنهم من اعتبره حكيمًا.

وتَذكرُ كتبهم روايةً ان أحد الكهنةِ أخبر الملك بولادة مولود يُقوض مُلكه وقد عرف الملك هذا المولود هو زرادشت فحاول قتله عِدّة محاولات إلاّ أنّها لم تنجح محاولات قتله ومن هذه محاولة القاء زرادشت في النار.

وعندما بلغ أشُدّهُ عزم الخروج وبلا عودة الى البراري والجبال حتى يجد الأجوبة الكبيرة التي تدور في رأسه عن الخَلقِ والخالقِ وعن أسباب هذه المعاناة والمشاكل في هذه الحياة.

وفي اثناء مسيرته وهو بجانب نهر دايني في أذربيجان هبط عليه كما تقول الرواية سيد الملائكة وهو / فاهومانا / بكتاب الايستاق / وهو من الاله / اوهرامزداه/ فيه مفاهيم عن الحياة وما يتعلق بالكون وفيه عن الحياة الاخرة التي فيها الجنة والنار وبين الجنة والنار موضع ثالث للأرواح التي فعلت الخير والشر وفيه تبقى حتى تتطهر.

لم تجد دعوة زرادشت اهتمامًا، ولكن بعد اعتناق ابن عمه/ سينوتاء/لأفكار زرادشت بدأ انتشارها ثم أُوحي له بالذهاب الى بلخ ويعرض دينه على حاكمها / كشتاسب / فما كان من حاكمها الاّ اعتناقه لديانة زرادشت بعد ان استمع اليه وقد قرّبه اليه الاّ ان بعض حاشية

الحاكم أخذت بالتحريض عليه حتى قام الحاكم بسجنه وبقي فيه الى أن مرض حصان الحاكم فقام زرادشت بالدعاء له وتم شفاءُهُ وعلى هذا العمل اخرجه الحاكم وقد طلب زرادشت منه معاقبة المحرضين على سجنه ثم عَمِلَ على توثيق علاقته بالوزير الأول جماسب فزوّجه اختَهُ وتزوج هو اخت الوزير.

كانت الحروب دائرةً بين الملك كشتاسب والطورانيين لأسباب دينية وقد قُتِلَ زرادشت

في إحدى هذه المعارك عن عُمُرٍ ناهز السابعة والسبعين داخل المعبد مع مجموعةٍ كبيرةٍ من الكهنةِ اثناء قيامه بالطقوس الخاصة بعبادة النار المقدّسة.

وطقوسهم تدور حول الطبيعة واعيادهم عيد الماء في الربيع او الصيف وعيد النار في الشتاء ويُقدّسُ الزرادشتييون النار والهواء والماء والتراب وللأموات طقوس فهم لا يحرقون الجسد ولا يدفنونه ولا يتركونه في العراء ولا رميه في الماء لكون الميت نجس ولا تسمح عقيدتهم في ذلك حتى يُحافظوا على طهارة هذه العناصر فصنعوا ابراجًا تُسَمّى بأبراج الصمت حتى تبلى وتُجمع العظام ثم تُلقى في بئر خاص بها ولهم كتب يدرسونها هي/ الافستا / وتسميه العرب الابستاق وهو أهم كتبهم ويأتي بعده بالاهمية / اليسنا / وللزواج طقوس خاصة وللمرأة مكانة وتقدير كبيران.

وتُؤمن الزرادشتية بمراحل ظهور المنقذ على رأس كلِّ الفية وفي الالفية الأخيرة يظهر المنقذ / سوشيانس / وعلى يده تتطهر الأرض وينتهي الظلم ويعم الخير على الأرض وتغمر البشرية السعادة.

وقفة تحليلية للديانات الوثنية او الوضعية

وهنا اودُّ القول ان هذه الأديان الوضعية لم تأتِ من فراغ فلها جذور دينية جرى عليها تحريف وتغيير حسب الظروف الاجتماعية والحياتية لتلك المجتمعات فأبونا آدم كان أوّل نبيٍّ اصطفاه الله تعالى ومن بعده ابنه النبي نوح عليهما السلام وكان صاحب رسالة تأمر العباد بعبادة الله الواحد الاحد وهذا ما جاء ذكره في القران المجيد الا انّه لم يذكر تفاصيلاً عنها سوى الطوفان وهي أول رسالة سماوية للبشر تدعو لعبادة الله وتوحيده وجاءت من بعده رُسلٌ كما نوّه عنهم القران المجيد [ ولقد ارسلنا رُسُلاً من قبلك منهم مَنْ قصصنا عليك ومنهم مَنْ لم نقصص ] سورة غافر الآية 78 وكذلك الآية 36 من سورة النحل أكدت أن الله سبحانه وتعالى قد أرسل رُسلاً الى أممٍ في قوله [ ولقد بعثنا في كلِّ أمّةٍ رسولاً ان اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ] صدق الله العلي العظيم ومن تلك العبادات أخذت العبادات الوثنية مفاهيمها العامّة وبنت عليها دياناتها الوضعية بعد تحريفها وهذا هو القول الراجح عندي.

المنقذ في الديانات السماوية

 1/ الديانة اليهودية تبلورت في زمن النبي موسى عليه السلام وهي امتداد لرسالة الأنبياء السابقين إبراهيم واسحاق ويعقوب ويوسف عليهم السلام وتكلم عنهم القران المجيد فصولاً كثيرةً ولهذه الديانة ايمانٌ بخروج المشيح أو المسيا والذي يعني عندهم الممسوح بزيت الزيتون المبارك وهو من سلالة النبي داود عليه السلام وقد تغيّر عندهم المعتقد في زمن الملك كورش الفارسي الذي اسقط مملكة بابل واطلق سراح اليهود من الاسر واعادتهم الى اورشليم القدس والسماح لهم ببناء الهيكل فقد اعتبروه المنقذ وقالوا يجوز أن يكون من سُلالة الملوك وتتقلب الشخصيات عند اليهود حسب ظروفهم وأوقات الشدة و الرخاء.

2/ المنقذ في الديانة المسيحية فالكل مجمعون على انه النبي عيسى ابن مريم عليه السلام الا انهم يختلفون في كينونته الان أهو يعيش بدمه ولحمه الادمي بعد ما صُلب أم هو الان يعيش بروحه النورانية وهذا الاختلاف لا يتعلق ببحثنا الا ان القران المجيد يقول شُبّه لهم أي انه لم يصلب ورفعه الله عز وجل وهو القادر على كلِّ شيء بهيئته الأدمية، وهذا ما اعتقدُهُ وقرينتي بذلك عروج نبينا محمد عليه واله أفضل الصلاة وأتم التسليم حيث كان عروجه في ملكوت الله وبلوغه سدرة المنتهى بهيأته الادمية ولا أتفقُ مع القول الاخر بعروج الروح.

3/ المُخَلّص أو المهدي عند المسلمين

وللمسلمين بمدارسهم الاجتهادية تأكيدٌ على ظهور المهدي الـمُنقذ المنتظر  وقولي بالمدارس وليس بالمذاهب لأن الاجتهاد هو مدرسة يبقى ضمن دائرة الإسلام الموّحَد وأمّا المذهب فهو طريق يفترق عن الدائرة الجامعة الـمُوَحِدة للمسلمين وعلى هذا ابني رأيي على انّها مدارس وليست مذاهبًا فمدرسة اهل السُنّة على اختلاف اجتهاداتها تقول: بحتمية ظهور المهدي في اخر الزمان ومن شجرة الامام علي عليه السلام ويُظهره الله العلي القدير في اخر الزمان وهذا يُخالف رأي الشيعة الاثني عشرية.

واعلق هنا على هذا الرأي لأقول متسائلاً كيف لنا أن نعرف هذا المهدي بعد أحقاب قد مضت واحقاب ستأتي لا نعلم ما يجري فيها والله العالِم وله المشيئة والامر بشأن هذا الظهور بأنّ هذا المنقذ أو المهدي هو من الشجرة العلوية وقد تتابعت الذراري وتداخلت الانساب ولم تَعدْ للشجرة تلك الحاضنة أقول كيف لنا التحقق من شجرته ونسبه العلوي؟؟ وكان الأفضل ان يقولوا بظهور رجل مُصلح يختاره العزيز الحكيم.

أما مدرسة الشيعة الاثني عشرية فإنها تقول أنّ المهدي عليه السلام من الشجرة العلوية الفاطمية الحسينية التي تبدأ بالإمام علي وابنه الحسين عليهما السلام وتنتهي بالإمام محمد بن الحسن العسكري عليه وعلى ابائه صلوات الله وسلامه وهو الامام الغائب الحاضر حيث يخرج هو والمسيح والرجل الصالح المسمى بالخَضِر عليهم سلام الله وصلواته يخرج لقتال المسيح الدجال والسفياني واعوانهما وإقامة دولة العدل والمساواة.

وعلى هذا بَنَتْ الأديان السماوية والوضعية فكرة الظهور على هذه الأرض في اخر الزمان الذي لا يعلمه الا الله سبحانه وتعالى.

وهذا ما حداني لأكتب مقالتي لاختلاف رؤيتي التي بنيتُها وذلك باستدلالي ببعض الآيات ومُبيّنًا أسبابَ هذا الاجماع على هذا الغلط.

فإذا رجعنا الى ما يُسمّى بالديانات الوثنية أو الوضعية وتساءلنا من أين استمدت هذه الأديان فكرة ظهور المُنقذ فأقول وبلا ريب أنها مستمدّةٌ من الأديان السماوية المحرفة وقد نوهتُ عنها آنفًا وجاء في سورة غافر الآية 78 التي تقول[ ولقد أرسلنا رُسلاً من قبلك منهم مَنْ قصصنا عليكَ ومنهم مَنْ لم نقصص عليك] وابونا ادم عليه السلام اول نبي موحد ومن بعده ابنه نوح عليه السلام وفي هذا ما يُغني وتطمئنُ اليه النفوس من أنّ الديانات الوثنية أو الوضعية هي ديانات سماوية بالأصل حُرفتْ وانحرفتْ عن نهج التوحيد و الآية الشريفة رقم 74 في سورة الشعراء تبين هذا القصد حيث تقول [قالوا بل وجدنا اباءنا كذلك يفعلون] اذن فالعملية هي تقليد اعمى فيه للحُكّام مصالح ولأصحاب النفوذ منافع في ترسيخ هذه الوثنية.        وقد بقيت من تلك الأديان السماوية ظِلالها كظهور الـمُنقذ وبعض النفحات الإنسانية التي تغلغلتْ بأعماق مفاهيمها بعد تحريفها، فالأديان الوثنية أو وهي بالأصل اديان سماوية.

وكل هذه الروايات والأحاديث المنقولة عن الاديان الوثنية والسماوية أراها

تتقاطع مع ما جاء في القران المجيد عن ظهور المهدي والمسيح والرجل الصالح الخَضِر عليهم وعلى نبينا واله الصلاة والسلام.

ومن خلال التفسير لبعض الآيات المباركات غرّب المفسرون وتعسفوا في تفسيرها ليكون التوافق بشواهد الآيات على ظهور الامام المهدي عليه السلام في آخر الزمان على هذه الأرض التي نحن عليها اليوم وبظهوره تقوم دولة العدل ويعود السبب في هذا الاعتقاد الغلط الى أنّهم أخذوا اعتقاد السابقين  وبنوا على رواياتهم وكأنها كلام مُنزّلٌ فصارت من الـمُسَلّمات لا بل من المُقدسات فلا يُمكننا النقاش فيها وهم يعلمون أن أكثرها من المدسوس أو المُحرّف أو المزيّف والى الآن يدأبُ أهل المدرستين على التمسك بالاحاديث والروايات في حين ذكَرَ القران المجيد هذا التحريف في قوله تعالى الآية 46 في سورة النساء/من الذين هادوا يُحرفون الكَلِمَ عن مواضعه/وفي سورة المائدة الآية 41/يُحرفون الكَلِمَ من بعد مواضعه/صدق الله العلي العظيم

ونوه نبينا محمد عليه وآله افضل الصلاة والسلام في حديث له بعرض كل حديثٍ يُنسبُ له على القران المجيد فما توافق مضمونه مع القران المجيد فالحديث صحيحٌ واذا اختلف فعلينا ان نضرب به عرض الجدار وعلى هذا ابني أن كلّ حديث يتكلم عن أمور غيبية لا قيمة له.

وإذا كانت النصوص السماوية تُحرّف فما بالنا بالأحاديث والروايات التي نقلتها لنا كُتُبُ المدرستين السنية والشيعية وفيها ما فيها من سرد قصصي عن ظهور الامام المهدي وإنّ القارئ لها يجد نفسه يقرأ في رواية ابي زيد الهلالي فتحكي عن أمورٍ هي من علم الغيب ما انزل الله بها من سلطان.

وأنّ الله سبحانه وتعالى يؤكد لنا بحجب الغيب عن أحبّ خلقه اليه وهو الرسولُ عليه واله أفضل الصلاة والسلام ذكرها في قرانه المجيد ومنها ما جاء في علم عدد اصحاب الكهف الذين أووا اليه لكنه ذكر ما قاله الناس  في ذِكْرِ العدد فقال سبحانه/ سيقولون ثلاثةٌ رابعهم كلبهم ويقولون خمسةٌ سادسهم كلبهم ويقولون سبعة و ثامنهم كلبهم رجمًا بالغيبِ قُلْ ربي أعلمُ بعِدتهم / وأوصى سبحانه رسوله في قوله/ فلا تُمارِ فيهم الا مراءً ظاهرًا ولا تستفتِ فيهم منهم أحدا /صدق الله العلي العظيم/ الآية 22.

وكذلك لم يذكر القران المجيد للنبي عليه واله أفضل الصلاة والسلام أسماء المنافقين في قوله تعالى/إذا جاءك المنافقون قالوا الى آخرها/ المنافقون الآية 8

وكذلك جاء في سورة التحريم والخطاب عن كلام كان دائرًا بين النبي عليه واله أفضل الصلاة والسلام وبين إحدى زوجاته فلما نبأت به عرّف الله تعالى نبيّه بافشاء ذلك السر ولم يذكر اسم تلك الزوجة.

والذي جاء في قوله تعالى [قل لا أدري ما يُفعل بي ولابكم] صدق الله العلي العظيم/ الاحقاف الآية 9 وفي قوله تعالى [قل لو كنتُ أعلم الغيبَ لاستكثرتُ من الخير وما مسني السوء] صدق الله العلي العظيم/ الأعراف الآية 188 وفي قوله تعالى / وإمّا نُرينّك بعض الذي نعدهم أو نتوفينكَ فالينا مرجعهم/ صدق الله العلي العظيم ففي هذه الآيات هو القول الفصل بعدم العلم بالغيبيات وموضوع ظهور المهدي مع المسيح والخَضِر عليهم السلام هو من جملة الغيبيات لا يعلمها الا الله سبحانه وتعالى.

وتأتينا الروايات والاحاديث عن النبي وعن اهل بيته عليهم افضل الصلاة والسلام وعن بعض الصحابة رضوان الله تعالى عنهم تأتينا الروايات منقولة بعد عقود من الزمن لتكلمنا عن ظهور المهدي عليه السلام وعن الاحداث التي ستسبق الظهور لتكون الروايات الحجة القاطعة ويتغافلون أو يَتركون ما جاء في كتاب الله الذي أوضح بما لا جدال فيه أنّ ظهور الامام المهدي والمسيح والرجل الصالح عليهم السلام هو مرتبط بقوله تعالى/ يوم تُبدّل الارضُ غير الارضِ والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار/ صدق الله العلي العظيم سورة إبراهيم الآية 48 وسأتناول الموضوع بالتفصيل بعد استشهادي بالحجج التي استند إليها الشيعة من الآيات القرآنية فهم يُفسرون الآية الكريمة/ ونُريدُ أنّ نَمُنَّ على الذين استُضعِفوا في الأرض ونجعلهم أئمّةً ونجعلهم الوارثين/ الآية 5 سورة القصص بظهور المهدي عليه السلام ولو رجعنا الى الآية التي بعدها لوجدنا انها تتحدث عن بني إسرائيل في الآية 6 من نفس السورة وبه يتوضح لنا القصد حيث تقول الآية / ونُمَكنَ لهم في الأرض ونُري فرعونَ وهامانَ وجنودَهما منهم ما كانوا يحذرون/ لكن مَنْ كتب عن الامام المهدي أخذ بما يتناسب وقناعته التي بناها وعليها استند كي يُجاري ما قالت به الديانات التي سبقت الإسلام ويُجاري الروايات والاحاديث التي تحدثت لنا عن ظهور المهدي وكذلك استشهادهم بالآية 33 من سورة التوبة وهي/ هو الذي ارسل رسوله بالهُدى ودين الحقِّ ليُظهرَهُ على الدين كلّه ولو كره المُشركون / والآية 55 من سورة النور / وَعَدَ الله الذين امنوا منكم وعملوا الصالحات لَيَسْتَخلِفِنّهمْ في الأرضِ كما استخلف الذين من قبلهم ولَيُمَكِننّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم ولَيُبدِلَنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يُشركون بي شيءً ومَنْ كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون / صدق الله العلي العظيم.

كل هذه الآيات المباركات كانت عن وعدٍ مستَقْبلي من الله للمؤمنين وقد تحقق لهم في الدنيا ولو انتبهوا الى اخر الآية / ومَنْ كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون/ ففي هذه الجملة نتبين انها تتحقق في زمن الرسول عليه واله افضل الصلاة والسلام ولو كانت تتكلم عن ظهور المهدي عليه السلام ما استوجب ذِكْر / ومَنْ كفَر بعد ذلك / وهذه إشارة الى ان الاستخلاف في زمن الرسالة ولا علاقة له بزمن المهدي عليه السلام إلاّ أنّ الذين تأثروا بالروايات والأحاديث لووا معانيها وأوّلوها وغالطوا القران المجيد ليقولوا جاءت هذه الآيات المباركات لتُخبرَ عن ظهور المهدي عليه السلام في آخر الزمان وعلى الأرض التي نحن عليها.

والذي توصلتُ اليه من خلال قراءتي أن المهدي والمسيح والخَضِر عليهم السلام سيظهرون ولكن في أرضٍ ومكانٍ غير هذه الأرض مستندًا الى قوله تعالى / يوم تُبدلُ الأرض غير الأرض والسماواتُ وبرزوا لله الواحد القهّار / وقوله تعالى في سورة الطلاق الآية 65 / الله الذي خلق سبع سماواتٍ ومن الأرض مثلهنّ يتنزلُ الامر بينهنّ لتعلموا أنّ الله على كلّ شيءٍ قدير / صدق الله العلي العظيم.

وللقارئ انقل ما جاء في تفسير الميزان لهذه الآية وهو من التفاسير المعتبرة لدى الشيعة أقول والقول للمفسر الطباطبائي (واختلاف الروايات في تفسير التبديل لا تخلو عن دلالة على انّها أمثال مضروبة للتقريب والـمُسَلّم من معنى التبدل أنّ حقيقة الأرض والسماء وما فيهما يومئذ هي من اديم الأرض غير أن النظام الجاري فيهما غير النظام الجاري فيهما بالدنيا وينقل لنا صاحب الميزان في روايةٍ عن العياشي في تفسيره منقولاً عن تفسير القُمي ان الأرض تُبدل الى خبزة بيضاء في الموقف يأكل منها المؤمنون) انتهى 

أقولُ لو رجعنا الى سورة الزمر الآية 67 التي جاء فيها وصف الأرض في قوله تعالى / وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضتُهُ يومَ القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يُشركون / صدق الله العلي العظيم فهنا يتبين لنا أن الأرض في قبضة الله العلي القدير لتصفية الحساب مع البشر وبعدها تكون النقلة الثانية بعد فرز العباد ففي هذا اليوم قيامة العدل الهي ويقول الباري عز وجل في اخر السورة / وسيق الذين اتقوا ربّهم الى الجنة زمرا حتى اذا جاؤوها وفُتِحت أبوابُها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده واورثنا الارضَ نتبوأُ من الجنة حيث نشاء فنعم اجر العاملين وترى الملائكة حافين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم وقضي بينهم بالحق وقِيلَ الحمد لله رب العالمين / الآية 75 صدق الله العلي العظيم.

وهنا اقولُ متسائلاً أي أرض هذه التي أورثهم الله؟؟ والجواب يقينًا أنّها في سماء أخرى كما قال رب العزة / ولقد خلقنا سبع سماوات ومن الأرض مثلهن / صدق الله العلي العظيم.

وجاء في تفسير الميزان للطباطبائي قوله: وعليه فالمعنى خلق من الأرض سبعًا كما خلق من السماء سبعًا فهل الارضون السبع سبع كرات من نوع الأرض التي نحن عليها والتي نحن على احداها؟ أو الأرض التي نحن عليها سبع طبقات محيطة بعضها ببعض والطبقة العليا بسيطها الذي نحن عليه؟ أو الاقاليمُ السبعة التي قسموا المعمور من سطح الكرة؟ الى آخر تساؤلاته الى أن يقول في تفسير سورة حم السجدة محتمل آخر في غيرها.

وربما قيل أن المراد بقوله / من الأرض مثلهن / أنه خلق من الأرض شيئًا هو مثل السماوات السبع وهو الانسان المركب من المادة الأرضية والروح السماوية التي فيها نماذج سماوية ملكوتية / انتهى تفسير الطباطبائي.

ويقول الطباطبائي في تفسيره للآية 105 من سورة الأنبياء / ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون / صدق الله العلي العظيم والمرادُ من وراثة الأرض التسلط على منافعها إليهم واستقرار بركات الحياة بها فيهم وهذه البركات امّا دنيوية راجعة الى الحياة الدنيا واما أُخروية وهي مقامات القرب التي اكتسبوها في حياتهم الدنيا ويقول أيضًا ومن هنا يظهر أن الآية مطلقة ولا موجب لتخصيصها بإحدى الوراثتين/ انتهى تفسير الطباطبائي للآية.

ومن هذه الخُلاصةِ استخلص أن يوم الحساب يكون على ارضٍ لها خصوصية لذلك اليوم مثلما قال الباري يوم تُبدل الأرض غير الأرض وفيها يختلط الصالحون من العباد مع الطالحين ويدور بينهم حديث وطلب من الطالحين بان يلتمسوا نورًا من نور الصالحين ويكون الجواب لهم ارجعوا وراءكم والتمسوا نورًا ويُضرب بينهم سورٌ له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قِبَله العذاب ويُساق الذين آمنوا الى الجنة زمرًا فتتلقاهم الملائكة بالسلام وبالترحيب ويكون قول المؤمنين/ الحمد لله الذي صدقنا وعده واورثنا الأرض نتبوّأُ الجنة حيث نشاء فنعم أجر العاملين / صدق الله العلي العظيم وعلى هذه الأرض يكون ظهور المهدي والمسيح والخَضِر عليهم السلام حيث تقوم دولة العدل الالهي والسلام الابدي الى ما شاء الله سبحانه وتعالى.

وقد يعترض عليّ المعترضون ممن يؤمن بظهور المهدي عليه السلام على ارضنا التي نحن عليها اليوم فجوابي على اعتراضه هو ان ارضنا هي دار امتحان لفرز الناس وغربلتهم وبعد الفراغ من حساب البشرية على ارض قد تبدلت كما جاء في سورة الزُمُر ومنها ستكون النقلة الى احدى الارضين التي أنشأها الله العلي القدير في السماوات الأخرى والتي جاء ذكرها في سورة الطلاق الآية 12 وهذا هو استنتاجي وإلاّ ما الغاية من وراء خلق هذه الارضين التي ذكرها الباري عز وجلّ في القران المجيد ولم يثبت تفسيرها عند المفسرين؟

وآخر قولي قوله تعالى / هو الذي أنزل عليك الكتابَ منه آياتٌ محكماتٌ هُنّ أمُّ الكتابِِ وأخَرُ مُتشابهاتٌ فأمّا الذين في قلوبه زيغٌ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاءَ الفتنةِ وابتغاءَ تأويلهِ ولا يعلمُ تأويلَهُ إلاّ اللهُ والراسخون في العلم يقولون آمنا به كلٌّ من عند ربِّنا/ صدق الله العلي العظيم الآية 7 آل عمران.

***

الحاج عطا الحاح يوسف منصور – الدنمارك / كوبنهاجن

الخميس 27 آذار 2025 / المصادف 26 رمضان 1446

 

تمهيد: أكثر ما يخشاه الإنسان دائمًا هو التغيير، تغير مناخ البيئة، الأحوال، ونمط الحياة، رغم قدرته على التكيف والتأقلم التي تُميّزه عن سائر الكائنات الحية. مع ذلك، يظل الإنسان يهاب المجهول والتغييرات المفروضة عليه التي تنتزع منه سلامه الاجتماعي والثقافي المتعارف عليه، ويجد صعوبة بالغة في قبول واقع الحياة كونها صيرورة - تتصير من شيء إلى آخر، من حالة إلى أخرى.
التهجين الثقافي وإمكان الاستقلالية:
تدفق المعلومات وتداخل الثقافات اليوم يبعث لدى الكثيرين القلق الهُوَوِيّ؛ قلق الهوية والانتماء. وهذا القلق الذي يحاول أن يبقى راسخًا على ما اعتاد عليه من رؤية للوجود، ونمط التفكير، يصعب عليه المران على طرق تفكير مغايرة، حديثة، متجاوزة؛ فما بالك إذا كانت مناقضة ومعارضة للرؤية الوجودية والفلسفية السابقة؟
ومع ذلك، يثبت لنا التاريخ، من خلال تراكم الأحداث والتقلبات السياسية والتداخلات الثقافية على مر العصور: أن الإنسان قادر على الحفاظ على ما هو عليه، على فلسفته في الحياة، وعلى نمط جوهري من التفكير رغم هذه التداخلات المتواصلة. على سبيل المثال – والأمثلة بالمئات – المسلمون في الهند، رغم احتكاكهم مع غير المسلمين من ناحية، واختلاف ثقافة وانماط الحياة والمعيشة تمامًا من ناحية أخرى، لم يخسر الفرد والعائلة المسلمة جوهر الإسلام.
وعليه وجب التفريق بين: الجوهري والعارض؛ الجوهري هو ما نؤمن به بالأعماق ويعطي لحياتنا معنى، ولها أثر أو حمولة ثقافية متجذرة فينا؛ بينما العارض: هو كل التغيرات المؤقتة التي لا تغير في جوهر الإنسان، بما في ذلك الثقافة ذاتها، إذ أن الجزء الأكبر من الثقافة غير معني فقط بالدين، وعليه يبقى تأثيرًا عارضًا، وقبوله والتماشي معاه لا يتعارض بالضرورة الجوهر؛ وهذا التمييز الدقيق يسهم في تقبل التغييرات في العالم دون الشعور بالخوف والذعر لأن ما يمثل هويتنا الثقافية والدينية جوهرياً لن يتغير بتغير العوارض.
حتميّة التهجين الثقافي:
وعلى الجانب الآخر، هناك جوانب الأصل فيها التغيير والصيرورة، بسبب التداخل الثقافي والحوار والتوليف، وهذا يحصل على المدى القريب في عالمنا اليوم، لا المدى البعيد. كل العالم يتشكل من كل شيء آخر في الوقت نفسه، وهذه الانصهارات تشمل: العلم وطبيعة التعلم وبناء المعارف والفنون وغيرها.
كل هذه الجوانب قائمة على التأثر والتأثير والتهجين، خصوصًا في عصرنا هذا سريع التداخل والتأثر.. وأي محاولة لإجهاض هذه الظاهرة تعد تحديًا لطبيعة سير التاريخ والعالم، وهو سلوك مجتمعي غير مجدٍ وقد أثبت فشله في عصور الظلام. إن الانفتاح الواعي على الثقافات، مع فهم الديناميكية الحتمية الحاصلة، يشكل اليوم الضمانة الوحيدة للبقاء.
خاتمة وتأمل:
وعند إدراكنا أن الهوية والجوهر يتطوران بتطور وعي الإنسان عبر الزمن والتجربة وتراكم المعارف، ندرك أن أدوات المعرفة تطور أدوات الفهم، وعليه فإن الحفاظ على الجوهر لا يكون بتجميده في قالب محدد، إنما يتحقق من خلال مسؤولية جماعية وتاريخية تستوعب الهوية والدين والحقيقة والثقافة كمشروعات مستمرة من الكشف المتجدد عبر المعرفة والتجربة والزمان.
***
خالد اليماني

 

هذا النص مستعار من مقولة سوف نعرفها في نهاية المقال، يقول " البير كامو " الإنسان هو المخلوق الوحيد الذي يرفض أن يكون على حقيقته، وأي منا يسقط ما بداخله على الآخر في أحسن الأوضاع وفي أسوئها، هو الإنسان عَينهُ لو قلنا أنه حكيم ومتزن، أو حقير محتقن بالحقد، لابد أنه يلجأ إلى إسقاط ما بداخله على الآخرين، بشكل فردي، أو جمعي، أفراد أو شعوب، هذا الاسقاط من المشاعر والانفعالات هي سمات في أي منا نحن معشر الأسوياء إذا ما سلمنا جدلًا نحن فعلا نمتلك هذه الصفة وهي (السوية) ولو هي مثلٌ أعلى نحاول أن نقترب منه بدرجة أو بأخرى كما يراها "صلاح مخيمر"، رغم أن الأسوياء لا يبرأون أيضًا من بعض سمات المرضى، أو من لديهم إنحرافات متنوعة ومختلفة، وأقصد الانحرافات في الشخصية مثل النرجسية، الشخصيات المضادة للمجتمع " السيكوباث" أو حتى ممن يحملون انحرافات في الحرية الجنسية " عذرًا الشذوذ الجنسي مع أحترامي لمن يعتنق ايديولوجية الانحرافات كمعنى وكمبنى في البنية والتكوين "، نطلق هذه التسمية عليهم تمشيًا مع تغيير قوانين الطبيعة البشرية لأغراض سياسية فرضت على الشعوب سمات الانحرافات بأنها الحرية الجنسية .
آلية " ميكانيزم " الاسقط وهي أحد الآليات التي يلجأ إليها الفرد في مواقف الحياة اليومية، وهي بالتأكيد آلية لاشعورية – لاواعية وعرفها التحليل النفسي بأنها حيلة من حيل دفاع الأنا بمقتضاها ينسب الشخص إلى غيره ميولًا وأفكارًا مستمدة من خبرته الذاتية، يرفض الاعتراف بها لما تسببه من ألم وما تثيره من مشاعر الذنب، فالإسقاط بهذه المثابة وسيلة للكبت أي أسلوب لاستبعاد العناصر النفسية المؤلمة عن حيز الشعور، والعناصر التي يتناولها الإسقاط يدركها الشخص ثانية بوصفها موضوعات خارجية منقطعة الصلة بالخبرة الذاتية الصادرة عنها أصلا، وهناك تعريف آخر للإسقاط بأنه حيلة نفسسية ينسب فيها الشخص سماته الذاتية وعواطفه وميوله لموضوعات بيئية من أشخاص وأشياء، كما دون هذه المعلومات سامي محمود علي في كتاب ثلاث مقالات في انظرية الجنسية لسيجموند فرويد .
تساؤلنا ماذا فينا؟ ولكن نراه في الآخرين، هو البخل، الانانية، حب الذات أولا، المكيدة وأختلاق التبرير لكل فعل، الغدر، الخيانة، الإلتواء في الحديث واللف والدوران، الوصول إلى تحقيق الهدف بأية وسيلة ممكنة حتى وإن كانت لا أخلاقية، هي فينا فعلا ولكن نراها في الآخرين، نسقطها كفكرة في دواخلنا على الأخرين، ولو عدنا إلى أصل المقولة في عنوان هذه المقالة، هي مقولة سيجموند فرويد مؤسس التحليل النفسي، حينما سئل عن الشخصية اليهودية، لماذا هي هكذا؟ فأجاب اليهودي فينا ولكن نراه في الآخرين .
هي إذن سمات وليست صفات، والسمة أكثر ثباتًا في الشخصية، ومن الصعب تغييرها وهي التي تقود صاحبها لأن يطلب العون من المحلل النفسي بعد ان طغت في تفكير الشخص وأخذت تضايقه وتعيق نشاطه العقلي والفكري وسلوكه اليومي وتعامله وربما حتى أنفعالاته، إذا ربما أصبحت ثقيلة في النفس، إن أدركها وأقتنع في وجودها، وأنا أشك في ذلك . فالبخل، أو اللاوفاء، واللا إلتزام بالمواثيق والعهود، هي التي لا يستطيع صاحبها أن يقاومها، فتصرعه أما مريضًا، أو حقودًا على نقيضه الذي لا يحمل هذه السمات، فالذي يتكلم عنك بالسوء، كان يتمنى أن يكون مثلك ولكنه لم يستطع، والذي يغتاب الناس في عرضهم وشرفهم، فهو فاقد هذا الشرف، أو العرض، او الكرامة، ومن أجاز لنفسه أن يكون عبدًا، لم ولن يستطيع أن يكون غير ذلك وربما ذليل ولو تبوأ أعلى المناصب والمكانات الاجتماعية، تنضح منه بقايا الخسة والشعور بالدونية، فالرئيس الامريكي ترامب يشعر بإن ادارة أكبر دولة في العالم وهي الولايات المتحدة الامريكية هي مؤسسته التجارية، لم يحدث لديه الإعلاء والتسامي بهذا المنصب، وخطابه أوضح دليل على ذلك، لغة التجارة هي السائدة، الخطاب الواضح في كلماته وبعض هفواته، كما هو الحال في بعض الدول التي تم تنصيب رؤساء وزعماء من الجيش في ادارة الدولة، فالسمة الطاغية هي السلوك العسكري، وعندما يتهذبب سلوكه يحيل من يخالفه وباسرع وقت لمحكمة عسكرية خاصة بدون أي حقوق للدفاع . لذلك يمكننا القول بأن الإسقاط هو وسيلة تكيف، فهذا الشخص إذا ما واجه صعوبة في حياته اليومية فإنه يسقط ما في داخله على الآخرين كوسيلة لحماية نفسه، وبدلًا من مجابهة واقعه النفسي يقوم بإسقاط مشاعره ويمارس وجودة بشكل بدائي. يقودنا قول تولستوي الجبناء هم أكثر الناس حديثًا عن الشجاعة، ونحن نقول بأن البخلاء هم أكثر الناس حديثًا عن الناس واتهامهم بالبخل، وفي حياتنا اليومية المعاشة الكثير من الأمثلة.
***
د. اسعد الامارة

لماذا يقرر شخص غني أن ينهي حياته، إما بالانتحار وإما بالانسحاب من واجهة الشهرة والمكانة؟
قد يبدو مفهوما أن يقرر شخص عادي وضع حد لحياته بحبل أو طلقة مسدس. فتعب الحياة وشقاؤها، وتحطم الآمال على صخرة الواقع المرير، أضف إلى ذلك عدم الرضى عن توزيع المعايش بين الناس، والعجز عن احتمال وطأة الفقر أمام مظاهر الغطرسة والثراء اللذين تنعم فيهما فئة قليلة؛ كل هذه أسباب توعز للمرء بالانسحاب من مشهد لا يطاق. أما رحيل الأثرياء والمشاهير فيثير الحيرة والدهشة، خاصة من لدن المؤمنين بأن سعادة المرء تكمن في رصيده، وساعة يده، ويخته الذي يطوف به أنحاء العالم.
لم يكن ليو تولستوي من أعظم أدباء روسيا ومفكريها فحسب، بل كان أيضا أحد أثريائها الذين وفرت لهم الحياة كل الملذات المتاحة في عصره. وبالرغم من ذلك لم يخف قلقه وعذابه المتواصل من كون الحياة مجرد خدعة كبيرة. وظل سؤال " وماذا بعد؟" يثير في نفسه أسباب الحيرة والقلق، ويدفعه للاكتئاب والرغبة في الانعزال، فكان يردد:" حسن، سيكون عندك ستة آلاف فدان في أرقى منطقة،وثلاثمئة حصان. وماذا بعد؟ حسن، ستكون أكثر شهرة من غوغول وبوشكين وشكسبير وموليير، بل وكل كتاب العالم. وماذا بعد؟"
بحث تولستوي عن الجواب لفترة طويلة في الكتب وطرق عيش الناس، فاهتدى إلى أن الراحة الحقيقية هي في العيش وسط البسطاء من فلاحي روسيا آنذاك، مع نوع من المعرفة لا يوجد إلا في العقيدة: معرفة توّحد الإنسان مع الله، لا بمعنى وحدة الوجود التي ينادي بها غلاة الصوفية، وإنما بمعنى التوحد مع أوامر الله وتعاليمه ووحيه وأوليائه.
تكشف سيرة تولستوي أن ثورته على الحياة المترفة سببها التصنع والتعقيد الذي يُفقدها جمالها، ناهيك عن تنصلها من القيم والأخلاق التي ينبغي أن تحكم العلاقات داخلها. ومسألة التصنع هاته تقف اليوم سببا وجيها وراء إقدام عدد من مشاهير الفن والسينما على الانتحار، حيث تندس خلف الصورة المشرقة لهؤلاء تجليات هشاشة نفسية، وخوف مستمر من العجز عن مواصلة الظهور بالمثالية التي ترسمها الكاميرات ووسائل الإعلام.
في صيف 2012 أصدر نجم السينما الأمريكي روبن وليامز كتابا بعنوان "12 خطوة"، ووضع على غلافه ملحوظة تؤشر على ما سيؤول إليه الوضع بعد سنتين فقط: " أريد أن أساعد الناس على أن يكونوا أقل خوفا"، لكن يبدو أنه لم يحتمل هذا الخوف فوضع حدا لحياة تضج بالشهرة والثروة، والإنجاز السينمائي الضخم. وفي حديث زوجته لوسائل الإعلام تظهر شخصية مختلفة تماما عن الممثل المرح الذي ظل لسنوات يرسم الابتسامة على وجوه الناس، حتى أن الصحف العالمية لقبته ب" أطرف رجل عاش على الإطلاق".
كانت سنواته الأخيرة مستنزفة بفعل نوبات القلق والارتياب، وتأثرت حياته المهنية حين بدأ يفقد قدراته كممثل بارع، خاصة في آخر أعماله" ليلة في المتحف". ويبدو حسب مخرج الشريط الوثائقي "رغبة روبن" أن هذا الأخير لاحت عليه بوادر مرض "خرف أجسام ليوي" الذي يصيب خلايا الدماغ، فكان يتجنب اللقاءات العامة وحتى مقابلة الأصدقاء، لكن المحطة الأخيرة من حياته لم تخل من مبادرات تبعث رسائل وجيهة عن معنى الحياة، منها تبرعه بمبلغ 50 ألف دولار سرا لبنك الطعام في مدينة سياتل الأمريكية.
ينتحر الأغنياء ممن يعتبرون الحياة صفقة، حين لا يتحملون تبعات تلك الصفقة على حياتهم ومسيرتهم في عالم المال والأعمال. ورغم اليقين المسبق بأن مغامرات من هذا القبيل تنطوي على الربح والخسارة، إلا أن لذة تحقيق الثروة وتحصيل المكانة الاجتماعية اللائقة لا ينفي كون شبح الخسارة حاضرا ومتربصا، وأن على المرء أن يرتب نفسه على كل الاحتمالات ليمكنه مواصلة العيش والنهوض مجددا بعد كل كبوة.
كان رجل الأعمال الألماني أدولف ميركل يعيش حياة وصفها البعض بأنها طريقة حياة علم الأخلاق البروتستانتي. فالرجل متقشف في عيشه، يركب دراجة هوائية حين يذهب للعمل، ويسافر في الدرجة الثانية من القطار لإيمانه بأنك لن تصل أسرع إذا ركبت في الدرجة الأولى. وهكذا تمكن ميركل، بما يملكه من إصرار ورؤية واضحة وحكيمة عن مجال الأعمال، أن يحول النشاط التجاري في مجال الأدوية الذي ورثه عن عائلته، إلى ثاني أكبر شركة لبيع الأدوية في أوروبا.
على مدار أربعة عقود بنى أدولف امبراطورية تضم 120 شركة، بإيراد سنوي يبلغ نحو 38 مليار أورو. لكن حين حدثت الأزمة الائتمانية كان ميركل ثريا في الأصول، وفقيرا في التدفق النقدي كما صرح بذلك مستشار العائلة. لذا أمام انهيار أسعار الأسهم طالبته البنوك بضمانات إضافية، وصار الرجل الذي وُصف بالمفاوض العنيد، يأخذ جرعات من الدواء خلال محادثاته مع أزيد من 30 دائنا.
فقد ميركل موقعه ضمن المائة أغنى رجل في العالم، فكان عليه أن يهرب من نظرات الشماتة مثلما يهرب من ملاحقة البنوك التي تطالبه بسداد قروضها. وتحرك شبح الخسارة من مكانه ليدفع بالرجل إلى الانتحار ممددا على قضبان السكة الحديدية، في إحدى قصص السقوط المؤلمة التي تعلن أن السعادة ليست فقط مجرد صفقة.
إن كنت بسيطا في عيشك فهذا أمر جيد، وإن لم تكن كذلك فعليك أن تحاول. وهذه البساطة هي ليست دعوة لتجريب الفقر والحرمان، ولا عودة إلى البداوة وشظف العيش، لأن التحضر درجة طبيعية في الرقي الإنساني. ولكن، يتساءل أحمد أمين، ألا يمكن أن نتحضر وأن نتبسط معا؟
يبدو الأمر ممكنا برأي الكاتب المصري، مادامت البساطة لا تتعارض مع الانتفاع بنواتج العلم والتقنية. فما يحتاجه الإنسان المعاصر هو التخفف من أعباء الحياة المادية، والإيمان بأن هناك حياة روحية سامية وجميلة، تستحق أن يوفر لها المرء نصيبا من وقته وتفكيره.
ليس الأمر طبعا بتلك السهولة، فهناك من يعتبر الدعوة للبساطة خطرا يهدد الاقتصاد والمجتمع الاستهلاكي. لذا فإن ثقافتنا التي تجد صعوبة في تقبل البساطة، بحاجة للمراجعة واتخاذ القرار لتحديد ما هو مفيد وما هو غير مفيد. وبرأي دومينيك لورو فإن البساطة لا تتحقق إلا عبر التحرر من الأفكار المسبقة، والمخاوف والضغوط التي تثقل كاهلنا. إن البساطة التي تعني اقتناء القليل، تفسح المجال لما هو جوهري وأساسي، مثل القيم الإنسانية، والراحة النفسية، والجمال والحرية؛ بمعنى آخر: لكل ما هو حي.
***
حميد بن خيبش

في المقام الأول نستطيع أن نؤكّد أن البطالة في العالم تُعتبر من أخطر ما يُواجه الإنسان، والتي تترك بصمات سلبية تؤثّر على حياة الفرد واستقرار المجتمع.
ولا تزال هذه الظاهرة رغم محاولات القضاء عليها تترك آثارها السلبية على الفرد وعلى المجتمع. آخذين بعين الإعتبار أن الحروب وعدم تقديم الدعم لقطاع الأعمال من قِبل الحكومات، وإهمال جانب التنمية البشرية، وتلاشى دورها على الوضع الاقتصادي وبشكلٍ مباشر في المجتمعات التي تُحاول التطور والتقدم والسير في ركب المجتمعات الأخرى، إلاّ أنها وباعتبارها من المجتمعات النامية، فإن المطبات أمامها، وكثيرٌ من الأمور تحتاج إلى بترٍ وإلى إصلاح، ومراجعة مجمل الخطوات المعمول بها.
وهناك أسباب أخرى للبطالة واستفحالها منها: غياب دور التنمية الاجتماعية، وإهمال جانب التعليم والتوعية، والتزايد المتسارع في عدد السكان، وفشل الشباب في الحصول على فرصة عملٍ مناسبة، وهذا ما يُسبب اليأس والإحباط بين صفوف هذه الشريحة من المجتمع على الأقل، وغياب الإهتمام بالدراسات الاستثمارية، التي تهدف إلى استيعاب أعدادٍ كبيرة من المستخدمين والعمال والموظفين، وتخفيف فجوة البطالة السائدة.
ومن أجل تجاوز هذه الحالة المأساوية لا بُدّ من تخصيص معاهد مهنية متطورة تفتح المجال أمام الشباب فرص العمل وفق اختصاصهم.
كما لا بُدّ من بتر الإعتماد على العمالة الأجنبية، والاعتماد على العمالة الوطنية المحلية فقط، من أجل الحدّ من البطالة المسيطرة على الواقع المُعاش.
كما لا بُدّ من تشجيع المبادرات الفردية، وحالات الإبداع في مجال العمل الحر، ودعم كافة عمليات التعليم للقوى العاملة، وتسليط الأضواء على التعليم المهني، والذي من خلاله تتم المشاركة الفعلية والفاعلة بين القطاعين العام والخاص.
إن التنمية البشرية قولاً واحداً لا تستطيع أن تأخذ دورها في ظلّ نظامٍ سياسي متخلف وقمعي وفاسد.
حيث أن التنمية البشرية تُمثّل بصريح العبارة العملية التي تعتمد على " الإنسان " بهدفِ تطوير قدراته، كي يصلَ من خلال مجهوده الفردي إلى مستوى معيشي يضمن يضمن كرامته وعزّة نفسه ، والمتعة في إحترام الذات، وضمان حقوق الإنسان.
كما تؤكّد التنمية البشرية أن البشر هم الضمانة الحقيقية للأمم وثروتها.
أمّا المطبات التي تُعيق أو تواجه مسيرة التنمية البشرية يُمكن اختزالها، وتؤكّد أن المشاكل التعليمية والإعلامية والثقافية والاجتماعية، والمشاكل السياسية، والوضع الاقتصادي، والحالة النفسية والصحية للأفراد، تُعتبر جميعها من أبرز معوقات التنمية البشرية.
إنها التنمية التي تساهم في التقدم والنمو المتصاعد، وتحسين المعيشة الإنسانية، وتنمية حالات الإبداع والمهارات التي تلعب دوراً فاعلا ً في تحسين حياة المجتمعات، إضافةً إلى ذلك نأخذ بعين الإعتبار أن التنمية البشرية ساهمت في إفادة عشرات الآلاف من الأُسر من خلالِ تمويلها واعتبارها أُسر منتجة.
إن التنمية البشرية تلعب دوراً فاعلاً في تحسين حيثيات الحياة من كل جوانبها، من خلالِ التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبشرية والتي بدورها تُحقق تقدماً شاملاً في شرائح المجتمع.
1 - ونرى في الجانب الآخر، أن هناك كثيرٌ من الكتّاب يتلاعبون بمصير الفرد من خلالِ ترويجهم لكتبٍ كثيرةٍ وتكتظ بها المكتبات، مليئة بالنصائح وضروب الأمثال، وتحمل مفاتيح النجاح والفوز في الحياة.
ومثل هذه الكتب تجعل المرء يشعر بوقتٍ طريفٍ مليء بساعات الاستغراق في التفكير في صومعة الخيال، والتحليق في عالمِ الأمل والخيال المليء بالأحلام.
بنفس الوقت نؤكّد أن الأوهام تلعب دوراً كبيراً في حياة البشر، على الأقل تبعدهم عن الحقيقة التي قد يكون لها تأثيراً سلبياً على الإنسان، لذلك نراهم ومن خلالِ الأوهام يستطيع الفرد أن يُجسّد حقيقةً خاصّة به.
الوهم والاعتقاد به يبعثُ أحياناً الثقة عند الإنسان، ويُوحي له أيضاً بالنجاح، لكن حياته تبقى غير واقعية، وبالتالي يميل إلى التمسّك بالسخافات والأوهام، بعيداً عن مواجهة الحياة بحقيقتها.
2 - إنّ الساحة العربية مليئةٌ بالكتب التي تبيع الأوهام والأباطيل، وبكلِ تأكيد الهدف الرئيسي لانتشار مثل هذه الكتب في بلادنا هو لإبعاد الأجيال عن الحقيقة، وعن النمو الإيجابي، وعن الإبداع والتألق والتقدم، كي نبقى على الدوام في حالةٍ من التخلّف والجهل الذي لا يُفارقنا.
وبكلِ تأكيد إن التبعية والفساد حتّى التواطؤ، هو الذي فتح بلادنا وجعلها أراضٍ خصبةٍ لتلقي هكذا هراء، وهكذا معرفةٍ مُزيّفة.
حتّى هذا الزيف وصل إلى إبداعنا الفني بكلِ مجالاته، بهدفِ الهروب إلى الوراء، وبذلك أصبح الفن في كلِ مجالاته فنّاً هابطاً بإمتياز.
كما أصبحت مشاعرنا هابطة ومُزيّفة، حتّى مشاعر العشق والمحبة، تماماً كما الأداء السياسي والاقتصادي، وكأننا أصبحنا في عالمٍ يعجّ بتخمةٍ بكلِ ماهو باطلٍ وغير حقيقي، وكلّ الأمور أصبحت تصبّ في الهراء والخيال الخاص بنا.
3 - هناك ركائز أساسية لتحقيق التنمية البشرية، ولعلها وفي المقام الأول: النظام السياسي الديمقراطي، ومقدرة المؤسسات على التنظيم والتخطيط الراقي بعيداً عن الفساد والمكاسب والمحسوبيات، والنظام الذي ينطلق من أساسيات حقوق الإنسان والعدل والعدالة والمساواة، والنظام الذي يُراعي الواقع الصحي ضمن حدود الرعاية الكافية، ومقدرة مؤسسات الدولة على التعامل مع التقنيات المتطورة والحديثة، والتي ستكون رديفةٌ أساسية لمقوّمات التنمية البشرية.
إن التنمية البشرية تهدف إلى تنمية مهارات الفرد وإبداعه وقدراته، وبالتالي تتم تنمية واقع المجتمع، وواقع الدولة، إن كان على الصعيد السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي والفكري، وجعل أي إنسان ممتلكاً مقدرته وتطوير ذاته، وتغيير حياته ومعيشته نحو الأفضل على كافة الأصعدة، المالية والنفسية والفكرية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى الإرتقاء بنفسه وسط محيطه وفي مجتمعه.
مع الأسف إن معظم الأنظمة العربية تُحارب الإنسان، وتضع العديد من المطبات أمام فكره وثقافته ومهاراته، حتّى أمام وضعه النفسي والمعيشي والصحي.
لذا نرى أن الواقع العربي المُعاش لا يتناسب فعلاً مع عوامل وأساسيّات التنمية البشرية، التي يجب أن تأخذ دورها في مُكوّنات المجتمع العربي.
المنطقة العربية تفتقد إلى العدل والأمان، والعدالة الاجتماعية، والمساواة بين الجنسين، ومبادئ حقوق الإنسان، وحقوق الطفل وحقوق المرأة.
في البلاد العربية تنتشر بشكلٍ واضح البطالة المُقنّعة، وتنتشر سياسة الإقصاء والتهميش وسياسة الرأي الأوحد.
وإذا فعلاً أردنا أن نلج فعلاً درب التطور العملي علينا أن نفسح المجال الإيجابي للتنمية البشرية لتأخذ دورها الفاعل في مجتمعنا، من خلال إجراءاتٍ فعلية لا بُدّ منها، وفي المقام الأول مراجعة كافة خطاباتنا السياسية والدينية والاقتصادية والثقافية والإعلامية والفكرية والتربوية، واستبدالها بخطابٍ يتلاءم مع الواقع الدولي المُعاش، ومع التطور والرقي والتقدم لمعظم دول العالم.
و بدون هكذا خطوات يبقى إعلامنا وواقعنا، وتبقى خطاباتنا وشعاراتنا مجرّد أحلامٍ وأوهامٍ ليس إلاّ.
4 - من خلالِ المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي والتربوي، وواقع هذه المجالات، تُقاس التنمية البشرية، حيث أنها أي التنمية البشرية هي كُلٌ متكامل، وشاملة ومتكاملة، ومترابطة فيما بينها، وهي التي تستحضر الإمكانيات البشرية والمادية من أجلِ تحقيق التحوّل الجدّي في المجال الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي والفكري.
لأن التنمية البشرية بحاجةٍ ماسّةٍ إلى مُشاركةِ أبناء المجتمع لإكمال مسيرتها حتّى نهايتها.
وفي هذه المسيرة البنّاءة يتطلّب من الدولة إجراء تحوّلٍ جاد، بعد مراجعةٍ نقديةٍ وموضوعيّةٍ لواقعها، وتأسيس هيئة بحوثٍ علمية فاعلة، تُشارك في مجريات أمورها الجامعات ومؤسسات التعليم العالي والدراسات العليا، ومراكز الأبحاث بمختلف توجّهاتها واختصاصاتها، بهدفِ استقطاب الكفاءات العلمية.
ومن ثُمّ الاعتماد على قاعدةٍ علميةٍ متكاملة متوافقة، لتشجيع الأبحاث العلمية وحلّ مشاكل المجتمع المختلفة من كل جوانبها، إن كانت اقتصادية أم سياسية، وإيجاد آليات نشطة لحلّ هذه المشاكل وبترها.
التنمية البشرية لا تستطيع النشاط في بلدٍ يُعاني ولم تنتهي مشاكله بعد، إن كانت داخلية أو مشاكل كبرى يُعاني منها.
الوطن لا يستطيع أن ينهض كما المجتمع، من دون توفّر آلية سياسية وإرادةٍ سياسية تتحمّل مسؤولياتها، من أجلِ الدعم المعنوي والمادي وتوجيه مقدرات الدولة، من خلالِ عمليةٍ مدروسة، تضع الأمور في نصابها السليم. في مجال التعايش الإيجابي في المجتمع، وبتر الإقصاء، وتفعيل دور المشاركة، وتأمين العدالة والإنصاف،ة وتحقيق مبادىء حقوق الإنسان، ومنحه أسباب معيشته وكرامته، وتأمين مستوى معيشي لائق لأفراد المجتمع، وعدم التمييز بين كافة مكوّنات المجتمع.
لأن الإنسان هو الفاعل الأساسي في مجال التنمية البشرية وخاصّة في المجال الاقتصادي، وبالتالي تأمين وتوفير الرخاء للفرد وللمجتمع وللدولة، حيث أن التنمية البشرية تهتم بشكلٍ مباشر بمستوى النمو الإنساني، وتنمية قدرات الإنسان إن كانت بدنية أو عقلية أو نفسية أو اجتماعية.
كما تعني التنمية البشرية كعملية باستثمار الموارد والمدخلات والمخرجات، وبأي نشاطٍ اقتصادي يُوفّر الثروة والإنتاج الهادف، لتنمية قدرات الإنسان من خلالِ كامل الاهتمام ببنية المؤسسات وتطويرها والانتفاع بقدراتها لدى أفراد المجتمع.
مع كامل إيماننا بأن المواطن العربي موهوبٌ ومبدع وباستطاعته الإبداع في تحقيق إنجازاتٍ علمية رائعة، ومن أجل هكذا تنمية لا بُدّ من إجراء المزيد من الإصلاحات لكافة مؤسسات الدولة، وخاصّة الجانب الإداري، بهدفِ تهيئة جيلٍ جديد مبدع ومهني، وفرز العناصر الشابة المتميّزة فنّياً كي تكون في المقدمة، في المواقع الانتاجية في المجال الصناعي والقطاعات الاقتصادية ومجالات الثروة الباطنية الحيوية في علاقتها مع مجال الاقتصاد، الذي هو في حاجةٍ ماسّة إلى تهيئة مستلزمات التنمية البشرية الشاملة في البلد، وفق خطةٍ علمية وبسقفٍ زمني مُحدد.
كما لا بُدّ من الإشارة إلى أن أحد أهم حقوق الإنسان هو الحق في تقرير المصير، وهو واحدٌ من قواعد القانون الدولي الأساسية من أجلِ إقامة العلاقات الوديّة بين الدول والتعاون فيما بينها.
وحق تقرير المصير هو حقٌ مؤكّد للسكان في الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
علماً أن مفهوم حق تقرير المصير يعود تاريخ ظهوره إلى فترة الثورة الأمريكية عام 1776، ومن ثُمّ الثورة الفرنسية 1789، والهدف الأساسي منه، تمكين الشعوب من التخلّص من الأنظمة السياسية التي تنتهج القمع والإستبداد.
كما لا بُدّ من حق تقرير مصير الفرد، وكمال ذاته، واحترام استقلاليتها، إن كان في المجال الفكري أو الجسدي، وضمان الحريات الفردية، ونشر الحريات السياسية والعمل الحر، والمواطنة المتساوية بين كل مكونات المجتمع وتحقيق الضمان الاجتماعي بشكلٍ عادلٍ وإنساني.
وأحياناً كثيرة نرى أن حق تقرير المصير بشكلٍ عام أو الفردي، مع الأسف مرتبط بالموافقة الخارجية مؤسسات ودول، وتدخلات الدول الكبرى في هذا المجال، وبذلك نرى أن حق تقرير المصير مرتهن برأي الجهات الخارجية التي تنشط وفق أجنداتها ومصالحها بعيداً عن القومية والدولة والسيادة والجغرافية.
إن عملية التنمية البشرية ستبقى شبه فاشلة في بلادنا العربية لسببٍ رئيسي هو الفساد المتفشّي المستشري في كل مؤسسات الدول، وسيطرة حيتان الفساد على مراكز القرار، وفقدان الحريات والحقوق، وانتشار الحقد والكراهية.
ولكي نخطو الخطوة الأولى في الدرب السليم نحو التنمية البشرية لا بُدّ من مراجعة كافة خطاباتنا السابقة وفي كافة المجالات، والإعتماد على برنامجٍ وطني سليم، وبتر الفساد وحيتانه، وإطلاق الحريات، وفسح المجال أمام المجتمع المدني، والعمل على ترسيخ مبادىء حقوق الإنسان وحقوق المواطن، وتطهير إدارات مؤسسات الدولة، وفسح المجال أمام المواطن ليكون بعيداً عن الإقصاء أو التهميش وليكون فاعلاً في المشاركة في صناعة القرار السياسي والاقتصادي البلاد، والعمل الجاد والجريء في ترسيخ سياسة التداول السلمي للسلطة.
***
د. أنور ساطع أصفري

مقدمة: النظرة إلى الفوضى كما لو كانت مصدرًا للإبداع هي وجهة نظر قد تبدو مثيرة على سطحها، لكنها في الحقيقة تسعى لتجميل هزالٍ فكريٍ كبيرٍ في محاولة لتفسير الواقع المحير. بينما يحاول بعض المفكرين وضع الفوضى في سياقٍ يعكس أفقًا جديدًا للمعرفة، نلاحظ أن هذه التصورات تنبني على أسس غامضة وغير واضحة، تمامًا كما يفعل وعاظ السلاطين الذين يتحدثون عن الحقائق في قوالب مفخمة فارغة، ليستمروا في إيهامنا بأن الفوضى ليست سوى جسرًا نحو الإبداع والحرية الفكرية. هذه الأيديولوجية لا تطرح أي تساؤل حقيقي حول قدرتنا على تحديد هذه الفوضى من عدمها، بل تجعل منها ذريعة لتبرير التناقضات الفكرية السطحية.
التهويل الفلسفي: الفوضى كأداة لتحرير الفكر
يدّعي الكاتب أن الفوضى قد تكون أداة لتحرير الفكر، لكن هذا الادعاء يشوبه إغراق في التأويلات الفلسفية دون ربطها بواقع ملموس. يرى الكاتب أن الفوضى تفتح آفاقًا جديدة للمعرفة، لكن ماذا عن التساؤل الأساسي: هل الفوضى، من حيث هي، قادرة على توليد أي إبداع حقيقي؟ أم أنها مجرد غطاء للضياع الفكري؟ الفوضى، في الكثير من الحالات، ليست أكثر من تكرار للمشاعر المزعجة التي يصعب التوافق معها، ولا تساهم بأي حال في تحفيز الفهم العميق للمجتمع أو للوجود. النقد الحقيقي لا يأتي من التفكير في الفوضى كحالة مزاجية، بل من فهم الأطر المعرفية التي تُمكِّننا من تجاوز التشتت وتحقيق التماسك المعرفي. ولكن، كما في كثير من الأحيان مع وعاظ السلاطين، نرى أن الكاتب يقفز من مفهوم إلى آخر دون أن يتيح للقارئ فرصة التأمل أو التدقيق في أبعاد هذه الفوضى المزعومة.
فوضوية إبداعية أم عبث فكري؟
المقارنة بين الفوضى والإبداع في المقال تبدو سطحية، حيث يتم تصوير الفوضى وكأنها التربة الخصبة للإبداع. لكن هذا التصور لا يعكس الواقع بشكل حقيقي. الفوضى التي يتحدث عنها الكاتب ليست إلا نوعًا من العبث الفكري الذي لا يقدّم أي حلول جذرية أو تأثيرات على الثقافة أو الفكر المعاصر. المبدعون الذين استخدموا الفوضى في أعمالهم، مثل هيرمان هيسه أو سارتر، لم يتخذوا من الفوضى قيمة مطلقة، بل كانوا يدركون حدودها في سعيهم لإعادة النظر في المسلمات الاجتماعية. في حين أن الكاتب هنا يعمم ويدعو لتبني الفوضى كمنهج للإبداع دون أن يوضح كيف يمكن ترجمة هذه الفوضى إلى نتائج حقيقية.
الفلسفة والفوضى: هراء أم نقد حقيقي؟
في الفصل المخصص للفلسفة، يحاول الكاتب ربط الفوضى بنظريات فوكو وهايدغر وسارتر، لكن يبدو أنه يستخدم هذه الأسماء الكبيرة لتعزيز حجته دون أن يقدم فحصًا حقيقيًا للفكر الفلسفي وراء هذه النظريات. فوكو، على سبيل المثال، لا يتحدث عن الفوضى كأداة للخلق بقدر ما يتحدث عن العلاقة بين المعرفة والسلطة. بالمثل، هايدغر لا يُشجع على الفوضى الخلاقه، بل يركّز على الكائن بوصفه موجودًا في العالم. لم يقدم الكاتب هنا أي إشارة جادة إلى هذه السياقات الفلسفية العميقة، بل اقتصر على استخدام هذه الأسماء كأدوات لتمرير فكرة أيديولوجية غير متماسكة فكريًا.
الفوضى كمصطلح سطحي: فقدان المعنى والاتجاه
حين ينظر الكاتب إلى الفوضى على أنها حالة ضرورية للنقد الاجتماعي، فإنه يغفل عن حقيقة أن الفوضى ليست بالضرورة حلاً للتحديات المعرفية. الفوضى قد تكون، في واقع الأمر، نوعًا من الهروب من الإجابات الصعبة والتحديات الفكرية الحقيقية. بإغراق القارئ في مفاهيم غير محددة حول الفوضى، يعزز الكاتب نوعًا من الهروب الفكري الذي لا يساهم في فهم أعمق للواقع الاجتماعي والسياسي.
خاتمة والنتائج: إبداع بلا أساس
ما يقدمه الكاتب هو تأويل فلسفي قد يبدو مبتكرًا في ظاهره، لكنه في حقيقة الأمر إعادة تدوير لأفكار قديمة تحت قشرة جديدة. الفوضى التي يروج لها ليست في الحقيقة أكثر من نوع من العبث الفكري الذي لا يحقق أي غاية حقيقية سوى الاستمرار في تهويل الفضاء الفكري. كالعادة، مثل وعاظ السلاطين الذين يزينون الأفكار بالألفاظ الجذابة دون أن يعمقوا في جوهرها، يبقى الكاتب في دائرة من التفكير السطحي الذي لا يتجاوز الجمل الفضفاضة والشعارات الفكرية دون أن يقدم رؤية حقيقية للكيفية التي يمكن أن تتحقق بها الفوضى كأداة للإبداع.
***
الكاتب: سجاد مصطفى حمود
...................
المراجع:
1. فوكو، ميشيل. أركيولوجيا المعرفة. 1972.
2. سارتر، جان بول. الوجود والعدم. 1943.
3. هيسه، هيرمان. سارق اللؤلؤ. 1927.

 

كعادته، أقحم إبن خلدون نفسه في مسألة " الصنعة " أي تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب وبيّن رأيه في هذه المسألة وهو ليس كيميائياً أصلاً وأكثر.. تكلّم في موضوعات هي أقرب للخرافات والدجل ولَعَمري كيف ورّط نفسه فانكفاَ ثم سقط في وحل الهلوسات التي لا تليق به كمؤرِّخ معروف وعالم إجتماع كما دأبَ البعضُ على نعته؟ إليكم نماذج من هذه الخزعبلات والترّهات التي كتبها إبن خلدون في مقدمته:
أنهى إبن خلدون كتابة مقدمته في العام 779 الهجري (أي حوالي العام 1358 الميلادي).
كتبها في المغرب وأهداها إلى (…أتحفتُ بهذه النسخة منه خزانة مولانا السلطان الإمام المُجاهد الفاتح الماهد…، أمير المؤمنين أبو فارس عبد العزيز إبن مولانا السلطان الكبير المُجاهد المُقدّس أمير المؤمنين أبي الحسن إبن السادة الأعلام من بني مرين) / (الصفحات 5 و6 من المصدر 25). في حين نشطت أغلب وأشهر حركات الإستشراق وترجمات آثار العرب ومخطوطاتهم خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. لقد سبق إبنُ خلدون هذا النشاط بأكثر من خمسة قرون من الزمن. معه عذر ولكن، لِمَ أغفل ذكر إبن النديم وفهرسته الأشهر؟ أفَلمْ يسمعْ به أو أن يطَّلعَ عليه؟ لقد ذكر إبن خلدون في مقدمته
(الصفحة 3) مشاهير المؤرخين من العرب المسلمين أمثال إبن إسحق والطبري وإبن الكلبي ومحمد بن عمر الواقدي وسيف بن عمر الأسدي والمسعودي وغيرهم من الفلاسفة كالغزالي وإبن رشد والكندي والفارابي وإبن سينا والكيميائيين والمشتغلين بصنعة الكيمياء كالمجريطي والمٌغيربي والطغرائي وجابر بن حيان وسواهم. كما ذكر الكثير من مصادر علماء الفقه والشريعة خاصة على الصفحات 261 – 246 من مقدمته. وقد إنتقد غامزاً دقّة المسعودي والواقدي بالقول (… وإن كان في كتب المسعودي والواقدي من المطعن والمغمز ما هو معروف عند الأثبات / المقدمة ص 3). كيف يعرف إبن خلدون المسعودي ويجهل مُعاصره إبن النديم؟؟ لو كان إبن خلدون، كما أحسب، قد إطَّلع على فهرست إبن النديم لكان غيّرَ الكثير من مواقفه وآرائه. أو أن الرجل قد عرفه وإطّلع عليه بالفعل لكنه لسبب ما أهمله ولم يأخذ به.
سأرجع إليه ثانيةً حين أتعرض لموضوعة إبن خلدون وكيمياء الذهب.
يبدو لي أنَّ الرجل مستودع هائل ونادر للمتناقضات. فقد جمع في رأسه الصرامة الموضوعية التي سبقت زمانها من جانب، والإعتقاد بالخوارق والمعجزات والسحر (المُقدمة: علوم السحر والطلّسمات/ الصفحات 393 - 399) والخزعبلات من جانب آخر. نقرأ نموذجاً من هذه التخريفات التي لا تليق برجل كإبن خلدون على الصفحة 73 من مقدمته ما يلي (… ومن تأثير الأغذية في الأبدان ما ذكره أهل الفلاحة وشاهده أهلُ التجربة أنَّ الدجاج إذا غُذيت بالحبوب المطبوخة في بعر الأبل وأُتُخِذ بيضُها ثم حُضِنتْ عليه جاء الدجاج منها أعظم ما يكون. وقد يستغنون عن تغذيتها وطبخ الحبوب بطرح ذلك البعر مع البيض المُحضّن فيجيء دجاجها في غاية العِظَم وأمثال ذلك كثير…). هل نُصدّق أن قائل هذا الكلام هو نفسه إبن خلدون صاحب نظريات البداوة والحضارة والعمارة والفساد؟؟
هل سمع الناس بسخافات كهذه وهل يليق ب (مؤسس علم الإجتماع) أن يتورط بخوض مثل هذه الخرافات؟ أريد تفسيراً من المعجبين به جداً جداً علماً أني سبق وأنْ بيّنتُ في بعض كتاباتي أنَّ كل ما قاله من أفكار [سمّاها البعض نظريات !؟] موجوده قبله بعدة قرون منها ما هو مذكور في القرآن (وإذا أردنا أنْ نُهلِكَ قريةً أمرنا مُترفيها ففسقوا فيها فحَقَّ عليها القولُ فدمرّناها تدميرا سورة الإسراء الآية 16) وفي سورة النمل ألآية 34 (قالت إنَّ الملوكَ إذا دخلوا قريةً أفسدوها وجعلوا أعِزّةَ أهلها أذِلّةً وكذلك يفعلون) أليسَ هذا الكلام في عمران الدول وفسادها الذي أطال إبن خلدون الكلام عنه في مقدمته؟ وبعضها مذكور في القرن الهجري الثاني على لسان بعض خلفاء بني العبّاس ولا سيّما أبو جعفر المنصور. يبقى موضوع تعاونه مع الغازي المغولي (تيمورلنك) واستخذائه له في المقابلة التي تمت بينهما خارج أسوار دمشق المحاصرة وتقديمه له معلومات عن أحوال وجغرافية الشمال الإفريقي في عدّة كراسات، حسب اعترافه، وهذا بالطبع عمل إستخباراتي خطير تورّط فيه إبن خلدون لكي ينجو بنفسه ويدع دمشق وأهل دمشق لسيوف المغول الغُزاة قتلاً ونهباً وسبياً وحرائقَ ودماراً. هذا هو {عالم الإجتماع !؟ }.
***
د. عدنان الظاهر
آذار 2025

عندما يعود بك الزمن إلى كتب التقطتها من أرفف كانت يوما تتنفس ثقافة، تشعر كأنك تلمس ظل إنسان. هكذا التقطت كتاب "تجلي الجميل" لهانس جادامر، بترجمة الدكتور سعيد توفيق، في تلك الأيام الباكرة من الألفية، حين كان المركز القومي للترجمة ورشة للعقل، يديرها الدكتور جابر عصفور. كان يصر أن يضع بين يدي كل كتاب جديد، كأنه يمنحني قطعة من عالم لم نعشه. اليوم، تغيرت الرفوف، وصارت الكتب كالغرباء في وطن نسي لغته.
جادامر، الفيلسوف الذي رأى في الفن مرآة للوجود، يفتح في هذا الكتاب أفقًا تأويليا لاستعادة الجمال من سجن الحداثة. يذكرنا بأن الفن القديم لم يكن مجرد لوحة تعلق، بل كان حكاية تنسجها الجماعة، وطقسا يذوب فيه الفرد بالكل. أما اليوم، فالفن تحول إلى كيانٍ معزول، يسكن المتاحف كأشباح، بعيدًا عن نبض الحياة. هذه المفارقة التي يكشفها جادامر ليست نقدًا للفن، بل صرخة ضد اغتراب الإنسان عن جذوره.
الترجمة، هنا، ليست نقلًا لغويا، بل إحياء لروح النص. الدكتور سعيد توفيق، كمترجم خبيرٍ بدهاليز الفلسفة، نجح في أن يجعل النص الألماني ينطق بالعربية بسلاسة نهر. لم يخن جادامر، بل حمله بلغة تليق بثراء أفكاره، كأنما يضع القارئ في حوارٍ مع فيلسوف يهمس: "الجمال ليس فكرة، بل تجربة نعيشها".
لكن، أينا يذكر تلك الأيام؟ أيام كان الكتاب هدية من صديقٍ مثقفٍ كجابر عصفور، يغريك بكل إصدار جديد كأنه سر يكشف. المركز القومي للترجمة كان خيمة تجمع المشتغلين بالكلمة، أما اليوم، فكأنما الثقافة صارت غيمة تمر من بعيد، لا تمطر إلا نادرًا.
لم يكن جادامر في كتابه هذا يحاور الفن وحده بل كان يحاور الزمن نفسه. زمن انشق إلى شظايا: ماضٍ كان الجمال فيه جزءًا من نسيج الوجود اليومي وحاضر صار الفن فيه لغزا يحلل في مختبرات النخبة. الكتاب، بترجمة سعيد توفيق التي تشبه عبور النص من ضفة الاغتراب إلى ضفة الحميمية، يطرح سؤالا جوهريا: هل يمكن أن نستعيد الجمال كـ" حدث" يلمسنا قبل أن يكون فكرة نفككها؟
هنا، يفتح جادامر نافذة على الهرمنيوطيقا كفن للفهم، لا كمنهجٍ جاف. إنه يرى أن العمل الفني ليس شيئا نفسره، بل شيئا نعيشه، كالضوء الذي يخترقنا دون أن نمسك به. لكن الحداثة حولت هذا الضوء إلى شيء، إلى سلعة تعرض في سوق القيمة الرمزية. الفن الذي كان يوماً صلاة جماعية صار طقسا فرديا، والمتحف الذي كان يجب أن يكون بيت الذاكرة صار مقبرة للأشياء الميتة.
الدكتور سعيد توفيق، بوعي المترجمِ الذي يعرف أن الفلسفة حكاية قبل أن تكون مصطلحات، نجح في أن ينسج لغة عربية تحمل ثقل الأسئلة الوجودية دون أن تنكسر. ترجمته ليست مرآة عاكسة بل هي حوار صامت بين لغتين، بين عقلين. كأنما يقول لنا: الفلسفة الألمانية يمكن أن تولد من جديد تحت شمس العربية، إذا وجدت من يحملها باحترام الحرفِ وروح المعنى.
أما جابر عصفور، صديقي الذي أهداني الكتاب مع عشرات الكتب الأخرى، فكان يرى في الترجمة مقاومة ثقافية. المركز القومي للترجمة، في عصره، كان مشروعا لإنقاذ الذاكرة من طوفانِ التسطيح. اليوم، حين أزور مقر المركز، أشم رائحة الغياب. الرفوف التي كانت تضج بالكتب كأنها خلية نحل صارت متحفا للصمت. حتى الكتب الجديدة تبدو كغرباء في بلد لا يتذكر لغته.
ما يفعله جادامر في "تجلي الجميل" هو تفكيك وهم الاستقلاليةِ الذي يحيطُ بالفن الحديث. حين يقول إن الجمال كان في الماضي حدثا جماعيا، فهو يشير إلى أن أزمة الفن هي في جوهرها أزمة انفصالِ الإنسانِ عن عالمه. الفن لم يعد ينبع من الحياة، بل صار يسكن في جزرٍ معزولة: لوحة تعرض، سمفونية تسمع، رواية تقرأ... كل شيء منفصل عن سياقه الحيوي.
لكن هل يمكن أن نعود؟ هل يمكن أن نستعيدَ تلك اللحظة التي كان فيها الفن تنفسا مشتركا؟ جادامر لا يقدم إجابات جاهزة، بل يفتح أبواب الأسئلة. هو يذكرنا بأن الهرمنيوطيقا ليست أداة لفك الشفرات، بل هي استعداد للاستماعِ إلى ما يقوله العمل الفني لنا الآن، في هذا الزمنِ بالذات. الفن الحقيقي لا ينتمي إلى ماضيه، بل ينتمي إلى كل لحظة نعيشه فيها من جديد.
في زمنٍ تسيطر عليه ثقافة الاستهلاكِ، حيث يختزل الجمال في "إنستجرام" والصورةِ السريعة، يبدو كتاب جادامر كنداءِ صحوة. نداء يوقظنا من سباتِ العادة، ويدعونا إلى أن نرى الفن كـ "لقاء" وجودي، لا كـ "شيء" نحصيه في سجل الإنجازات.
أما أنا، الذي قرأت الكتاب في زمنٍ كان جابر عصفور يملأُه بالكتب كأنها أطفال يولدون من رحمِ الثقافة، أتساءل: هل صارت الترجمة اليوم مجرد نشاطٍ بيروقراطي؟ أم أن هناك من لا يزال يؤمن بأن الكتب جسور نعبر بها إلى ذواتنا قبل أن نعبر بها إلى الآخرين؟
تبقى كلمات جادامر، في هذا الكتاب، كالندبة التي تذكرنا بأننا جرحنا الجمال حين فصلناه عن الحياة. وتبقى الترجمة، حين تكون أمينة، كالوشم الذي يحمل قصص الأجداد على جلد الأحفاد.
"تجلي الجميل" ليس كتابا عن الفن فحسب، بل سيرة جمالٍ ضائعٍ بين الماضي والحاضر. يذكرنا بأن النقد الحداثي للفن قد يكون مرآة لأزمتنا نحن: أزمة انفصالٍ عن العالم، وعن بعضنا. وكأن جادامر يناجينا: عودوا إلى حيث كان الجمال ينبع من الحياة، لا من المتاحف.
هكذا كانت الكتب أيام جابر عصفور: جسورا بين العوالم. أما الآن، فكثير من الجسورِ صار خرابا، وكثير من الأسرار بلا حكاة. ولكن، يبقى الكتاب بصمة نور في ظلام الزمن الرديء.
***
عبد السلام فاروق

كيف تُستخدم المصطلحات السياسية والدينية لإخضاع الشعوب
لم يكن الاستبداد يومًا مجرد سلطة خشنة تُمارَس بالحديد والنار، بل هو هندسة متقنة للوعي، معماريّة للذهن تُشيَّد بالمفاهيم قبل السجون، وباللغة قبل البنادق. فالكلمات ليست محايدة، إنها دواليب الزمن، وقاطرات التاريخ، وأحيانًا، قيود لا تُرى. ومنذ أن أدرك الطغاة أن العنف العاري يخلق المقاومة، لجأوا إلى ما هو أكثر مضاءً: تفخيخ المصطلحات، وإعادة تعريفها بحيث تبدو كما هي، لكنها تحمل نقيضها. فالطاعة ليست طاعة، بل “استقرار”، والخضوع ليس خضوعًا، بل “مصلحة وطنية”، واحتكار السلطة ليس استبدادًا، بل “وحدة الصف”.
يبدأ كل استبداد بعملية إعادة تأويل ممنهجة للمفاهيم، حيث تتحول اللغة إلى أداة ضبط لا تُمارِس القمع المباشر، لكنها تشكل العقل ببطء، كما ينحت النهر الصخور بصبر لا ينفد. منذ لحظة دخول الإنسان إلى فضاء السلطة، سواء عبر الدولة أو المؤسسة الدينية، يجد نفسه محاطًا بمفاهيم لا يملك رفاهية مساءلتها، لكنها تشكل حياته بأدق تفاصيلها. فالطاعة ليست فقط علاقة بين الفرد والسلطة، بل منظومة تُعاد هندستها في المدارس، ودور العبادة، والبرامج التلفزيونية، والوثائق الرسمية، وحتى في الأحاديث اليومية التي تجري بلا اكتراث، لكنها تحمل في طياتها ترسبات قرون من الإخضاع الممنهج.
حين قال أفلاطون إن الحاكم ينبغي أن يكون “راعيًا” لشعبه، لم يكن يدرك أنه يضع حجر الأساس لاستعارة قاتلة. فالراعي لا يكون إلا إذا كان الناس قطيعًا، والقطيع لا يسير إلا بوهم الطاعة أو بسوطها. ولذا، شُيِّدت النظم السلطوية على مصطلحات تُعيد إنتاج هذه العلاقة، فأُفرغت السياسة من معناها الجدليّ، وأُعيد تعريفها كعلاقة رأسية، لا تقوم إلا على الطاعة والتسليم.
في السياق الديني، تحولت عبارات مثل “طاعة أولي الأمر” و"درء الفتنة" و"الخروج على الجماعة" إلى أسلحة مفاهيمية تضمن للسلطة بقاءها، لا بالحجة، بل بإرهاب الفكرة نفسها. هكذا أصبح الحاكم ظلّ الله، وأي مساس به مساس بالعقيدة. حتى أن الغزالي، رغم تأملاته العميقة، سقط في فخ هذه الصياغة حين قال: “السلطان ضروري في نظام العالم”، رغم أن السلطان لم يكن يومًا إلا الضرورة الوحيدة في خراب العالم.
أما في الحقل السياسي، فالأمر أكثر تعقيدًا، إذ يتخذ الخطاب أشكالًا أكثر حداثة، لكنها لا تقل قِدَمًا في جوهرها. فمصطلحات مثل “الأمن القومي” و"المصلحة العليا للدولة" تُستخدم اليوم بذات الطريقة التي استُخدمت بها في عصور السلاطين، لكن في لبوس جديد. في القرن العشرين، لم يكن القمع في الأنظمة السلطوية يُمارَس بذريعة الحق الإلهي، بل تحت راية “حماية الاستقرار”. ومن السودان البشير إلى عراق صدام، ومن سوريا الأسد إلى ليبيا القذافي، ظل “الاستقرار” حجر الأساس في قمع كل ما يهدد احتكار السلطة.
منذ فجر التاريخ، كان للسلطة قدرة خارقة على التكيف، على تغيير جلدها دون تغيير جوهرها. ففي الدولة الأموية، حين أراد عبد الملك بن مروان أن يُحكم قبضته على الخلافة، لم يُشهر سيفه فحسب، بل أشهر مفهومًا: الجبرية، التي صاغها وعّاظ السلطان لتصبح أيديولوجيا تخدم الخليفة. فصار الحاكم هو قَدَر الأمة، ورفضه هو رفض لإرادة الله. هذه الصياغة لم تكن سوى صورة أولية لما سيأتي لاحقًا في الأنظمة الحديثة، حيث يُعاد إنتاج الطغيان لا بالسيوف، بل بالمفاهيم.

وما الجبرية سوى نواة لأشكال أخرى من إعادة إنتاج الطاعة؟ في العصر الاستعماري، كانت “رسالة الرجل الأبيض” هي الجبرية بثوب حديث، حيث صُوّرت الهيمنة الغربية كقدر لا يُردّ، ومهمّة حضارية لا تقاوم. أما في الدولة الوطنية، فقد تحول الاستعمار إلى استعمار داخلي، حيث استبدلت الشعارات، لكن البنية بقيت كما هي. فالقائد الضرورة هو ذاته الحاكم بأمر الله، والدولة الأمنية هي امتداد للحامية الاستعمارية، وإن تغيّرت الأسماء.
لكن هل يمكن قلب الطاولة؟ هل يمكن للمصطلحات أن تُحرر بدل أن تُكبِّل؟ هنا يأتي دور المثقف، ليس بوصفه مصلحًا اجتماعيًا، بل بوصفه مُخرِّبًا للخطابات المستقرة. فالتفكيك ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة سياسية، وهو فعل مقاومة بحد ذاته.
حين قال غرامشي: “الهيمنة تبدأ بالثقافة”، كان يضع أصبعه على الجرح. فالسلطة لا تحكم بالسلاح فقط، بل بمنظومة كاملة من الخطابات التي تجعل الطاعة أمرًا بديهيًا. ومن هنا، فإن تفكيك اللغة ليس تمرينًا لغويًا، بل مواجهة للهيمنة في أعمق مستوياتها.
لكن هذا التفكيك لا ينبغي أن يكون هدمًا فحسب، بل إعادة بناء. فالمفاهيم لا تزول، بل تتحول، وما يُفكَّك اليوم يمكن أن يُعاد تشكيله غدًا. فالمصلحة الوطنية، مثلًا، ليست مفهومًا سلطويًا في جوهرها، بل أداة يمكن أن تُستعاد لصياغة مشروع شعبي، والأمن القومي ليس سلاحًا لقمع المعارضين، بل يمكن أن يكون ضمانًا لحماية الجماهير من الدولة نفسها.
غير أن السلطة تتكيف، وها هي تعيد إنتاج نفسها في الفضاء الرقمي. فمن كان يظن أن وسائل التواصل الاجتماعي ستكون منبرًا للتحرر، وجدها تتحول إلى ساحة جديدة للرقابة، حيث يُعاد تعريف “حرية التعبير” وفق شروط السوق والتوجهات الأيديولوجية السائدة. فمن يحكم اللغة يحكم الوعي، ومن يحكم الوعي يحكم المصير.
في الصين، على سبيل المثال، صيغ مصطلح “التناغم الاجتماعي” ليبرر الرقابة على الإنترنت، وفي الغرب، أُعيد تعريف “الأخبار المزيفة” بحيث أصبحت أداة لإسكات الأصوات غير المرغوبة. أما في العالم العربي، فما زالت المصطلحات تُستخدم بذات الحيلة القديمة: فمن يرفع صوته يُتهم بأنه “عميل”، ومن يطالب بحقوقه يُتهم بأنه “مخرّب”، وهكذا تدور الدائرة.
التاريخ ليس قدرًا، والمصطلحات ليست محايدة، واللغة ليست أداة للتعبير فقط، بل هي أداة للتحكم أو للتحرر. وما دام الاستبداد قادرًا على إعادة إنتاج نفسه عبر الخطاب، فإن المقاومة تبدأ من تفكيك الكلمات التي صيغت لخدمته، وإعادة تعريفها بحيث تصبح في خدمة الإنسان، لا الطاغية.
فالطاعة ليست استقرارًا، والاستبداد ليس قدَرًا، واللغة ليست حكرًا على السلطة. ومن هنا، فإن استعادة الوعي لا تبدأ فقط من تحرير الأجساد، بل من تحرير الكلمات، لأنها أول ما يُسلب، وآخر ما يُستعاد.
***
إبراهيم برسي - باحث سوداني

إنّ الأديب الحقيقي الملتزم الواقعي، شاعراً كان أو قاصاً أو روائيّاً، لا يفصل الحالة الأدبيّة التي يشتغل عليها عن الحالة الاجتماعيّة التي تحيط به أو ينشط داخلها، لما بينهما من ترابط عضوي، وتشابك يصل إلى حدّ التماهي، إنّ الأديب يظل جزءاً لا يتجزّأ عن محيطه ممثلاً في أسرته ومجتمعه وأمته ووطنه، فهو ظاهرة اجتماعيّة بامتياز، تنطلق من المجتمع لتصبّ فيه، وهو جزء من تراثها في مرحلة اجتماعيّة معيّنة عبر التاريخ، في الوقت الآخر هو جزء أيضاً من ماضيها ومؤسس بالضرورة لمستقبلها أيضاً، وهو طاقة تعكس حال المجتمع في تحوّلاته المستمرّة، في حياته وحركيّته… والأديب إضافة لكونه هكذا، أي هو صورة المجتمع، فدوره لن يقتصر على تصوير الواقع وقضايا فحسب، بل عليه أيضاً أن يعمل على تنميته وتطويره من خلال إظهار عوامل تخلفه ورسم الحلول لتجاوز معوقات تخلفه. وما التنوّع الإبداعي في القضايا التي يتناولها الأديب بشكل عام، إلّا دلالة على عمق التجربة التي مر بها هذا الأديب، ورمزيتها الرؤيويّة. من هنا تأتي واقعيّة الأدب وتأثيره وذاتيّته وثوريته والتزامه بقضايا الفرد والمجتمع والإنسان عموماً.
إن الأديب الواقعي لملتزم هو ليس المنغرسّ في تربة وطنه فحسب، بل وفي تراث أمته، ولكنّه في الوقت ذاته، هو منفصل عن تراث أمته نسبيّاً، وما انفصاله هنا إلا من أجل إعادة تأويل واستلهام هذا التراث بما يتفق وروح العصر.
من خلال تعرفنا على مناهج النقد الأدبي الحداثيّة وبخاصة (السياقيّة) منها، وهي المناهج التي تدرس العوامل الخارجي المحيطة بالكاتب التي تؤثر فيه عند كتابته لنصه الأدبي، مثل المنهج التاريخي الذي يهتم بالأحداث والوقائع التاريخيّة. والمنهج النفسي الذي يعتمد على آليات علم النفس في دراسة النص، ويهتم بنفسيّة المبدع وعقده النفسيّة إن توفرت، والمنهج الوصفي والمنهج النسوي ومنهج النقد الثقافي وغيرها، أو المناهج ما بعد الحداثيّة (النسقيّة) منها وهي المناهج التي اهتمت بالبنية الداخليّة للنص فقط، وأهملت العوامل الخارجيّة المحيطة بالنص، كالبنيويّة التي قالت بموت المؤلف، وعدم الاهتمام بمولده أو تاريخ حياته أو بنيته النفسيّة، ويقوم الناقد أو المتلقي بدراسة النص من خلال لغته فقط وليس كوسيلة تواصل، وهذا ما يدفع الناقد في هذا المنهج للبحث عن جماليّة النص. فالتركيز على اللغة نجده أيضاً في المنهج التفكيكي، ومنهج التلقي، وعند المنهج الشكلاني الروسي .. الخ، فكل هذا المناهج (النسقيّة) عملت على دراسة العمل الأدبي لذاته، والاشتغال على نظريّة الأدب للأدب، أو الفن للفن.
فمن خلال اطلاعنا كما ذكرت على جوهر هذا المناهج تبين لي أن أفضل المناهج التي يجب علينا دراسة النصوص الأدبيّة بكل تجلياتها وخاصة في مجال النثر والشعر، هو المنهج الواقعي الذي بينا في دراسة سابقة لنا طبيعة هذا المنهج وسماته وخصائصه وأهدافه، وخاصة في تياره الاجتماعي الذي جاءت نظريّة أو منهج الانعكاس لـ"جورج لوكاش" لتضفي عليه حيويته عندما ربط ما بين البناء التحتي والفوقي وطبيعة العلاقة الجدليّة بينهما. هذا مع تأكيدنا على ضرورة الاتكاء على المناهج النقديّة الأخرى، فهي ليست عديمة الفائدة في آليّة عملها وسماتها وخصائصها وأهدافها، ففيها جوانب جيدة قادرة على إغناء المنهج الواقعي الاجتماعي، وليست مسألة اللغة كعلامات وإشارات ورموز سواء أكانت طبيعيّة لا يتصرف الانسان فيها، كصوت الحيوانات أو عناصر الطبيعة، أو الاصوات الدالة علي التوجع والألم وغير ذلك. أم كانت هذه العلامات اصطناعيّة أوجدها الإنسان نفسه للتعبير عن حاجاته وتداولها في اللغة اليوميّة المباشرة، أي في اللغة التقريريّة، أو اللغة الأدبيّة وما تحمله هذه اللغة الأدبيّة من جماليات البلاغة كالانزياح والتشبيه والاستعارة والصورة والرمز .. وغير ذلك. وبالتالي أستطيع القول إن اللغة بكليتها هي علامات أو أصوات راحت تدل على كل مفردات الحياة. فللفن لغته وما تحمل من دلالات، وكذلك الفلسفة والطب والعلوم الطبيعيّة والاجتماعي وغير ذلك.
إن المناهج التي فيها ما يعانق الواقعيّة الاجتماعيّة برأيي هي أداة لإثراء القراءات النقديّة، وهي أنموذج أنسب لتصور قراءة الداخل والخارج (المضمون والشكل) قراءة دقيقة لبنية النص الشعري والنثري ونسيجهما... قراءة تتطلب بالضرورة تفكيك أو تشريح بنية النص، لا لهدم بنيته العامة وإقصاء العوامل الخارجيّة التي أنتجته من أجل خلق قراءات لا حدود لها عند المتلقي الذي ارتبط بالنص بعيدا عن المؤلف وظروف حياته التي ساهمت في إنتاج هذا النص، بل هي عملية تفكيك لبنية النص للبحث عن المستوي الاجتماعي والدلالي والنحوي والرمزي والأسطوري، والتركيبي، والصوتي والايقاعي والجمالي في هذا النص.
إذاً إنّ العلاقة بين الأدب والمجتمع علاقة قويّة متماسكة كما بينا أعلاه، لا يمكن فصلها؛ إذ إن أيّ أديب مهما بلغ من الشهرة لا يمكن أن ينتج أدباً إلاّ في إطار الجماعة التي يعيش معها. وهو يستمدّ تجربته الذاتيّة من هذا المجتمع، وتتولد انفعالاته من خلال شبكة العلاقات الاجتماعيّة في مواقفها المتعددة، تلك التي تمدّه بدفق المشاعر والانسياب الشعري بشكل خاص.
وبناءً على ذلك تعد دراسة الجانب الاجتماعي عند أديب ما، هي في غاية الأهميّة؛ لأنها تكشف عن علاقة الأديب بالواقع الاجتماعي الذي عايشه، من خلال النظر إلى النصّ الأدبي الذي أنتجه، وهذا النوع يعتمد على المنهج الاجتماعي في كشف تلك العلاقات بين الأديب وبيئته الخاصة المتصلة بأسرته ومكان سكنه، ومكونات المجتمع الذي يعيش فيه. وقد تأثر النقاد العرب المحدثون بهذا المنهج الاجتماعي، ونظروا إلى النص الأدبي بوصفه وثيقة اجتماعيّة مهمة، وأن المجتمع هو المنتج الفعلي للأعمال الإبداعيّة، فالقارئ حاضر في ذهن الأديب وهو وسيلته وغايته في آن واحد؛ لأن الأدب في أي بلد هو انعكاس للصورة الاجتماعية التي يمارسها المجتمع بكل فئاته. (1)،
تنوع الخصائص الاجتماعيّة في البعد الأدبي:
نظراً لارتباط الأدب بالوجود الاجتماعي، فإن هناك تعدداً في خصائص أو مفردات البعد الاجتماعي في مضمون الأعمال الأدبيّة، حيث تشمل نـساءً ورجالاً، وأطفالاً وشيوخاً ينتمون إلى مهن متنوعة ومكانات اجتماعيّة وعلميّة مختلفـة، مثلما نجد فيها أحداثاً وتناقضات وصراعات سياسيّة وثقافيّة واجتماعيّة طبقيّة، وهناك حرب وسلم.. الخ. وكل هذه المفردات تشكل المنطلقات الموضوعيّة والذاتيّة للأديب، وغالباً ما يتشابك العديد من هذه المفردات مع بعضها في نطاق عمل إبداعي اجتماعي ضيق، يرصده لنا الأديب من خلال نافذته الخاصـة التي يطل من خلالها على واقعه، وهي تختلف من أديب لآخر. وبالرغم من أن هذه الخصوصيّة لهذا العمل أو ذاك، إلا أن هذه الخصوصيّة التي يقدمها الأديب عن أي ظاهرة اجتماعيّة لا تـتم بمعزل عن بقيّة عناصر المجتمع أو خصائصه، وإنما تظل مرتبطة بالضرورة مع غيرها من الخصائص بشكل مباشر أو غير مباشر، وهنا يأتي التأكيد على التزام الأديب مـن خلال تفاعله مع وسطه الاجتماعي الذي يتحرك فيه. وبهذا يتم التعرف علـى موقـف الأديب عن طريق ربطه بالنسيج العام الذي يتداخل معه والحكم عليه مـن خـلال هـذا التداخل. (2).
البعد التاريخي والوطني والقومي في الأدب:
- البعد التاريخي:
إن الأديب بشكل عام لا يكتب التاريخ أو يدون الأحداث والوقائع الماضية ليكون أدبه سجلا لأحداث التاريخ كي لا تنساه الذاكرة، وإنما يأتي التاريخ هنا حصيلة وعي إبداعي تتداخل فيه خبرات متعددة للكاتب، ومن ثمة لا يكون التاريخ هو المحور والغاية، ولكنه إطار لأحداث كثيرة تكشف عن الهموم والقضايا التي تشغل ذهنية الأديب .
لذلك فإن القضايا التاريخيّة التي يشتغل عليها الأديب في نصه شعراً كان أو قصة أو رواية، هي تحيل إلى الماضي بصفته مرجعيّة للذات المبدعة، تستمد منه انشغالات متعددة الأبعاد يحتاج إليها المبدع، وتعمل على إثراء وإغناء النص الإبداعي من جهة، والمتلقي وهو يتأمل تلك اللمسات يجد فيها علاقات معبرة عن صور شتى ترسم ملامح الحاضر في اندماجه مع الماضي في أشكال فنيّة رائعة، تختلف عن السياق التاريخي الجاف الذي يسرد الأحداث بطريقة تخلو من ملامح انعكاس الذات على الماضي في تلونها وتشكلها عبر مسارات تعلو وتنخفض تنكسر وتنحني تستقيم وتتعرج من جهة ثانيّة. وعلى هذا الأساس يأتي التاريخ في النص الأدبي لحظة تأمل في زمن سادته انكسارات وأوهام وضعف وقوة ورقي وحضارة،
إن النص الأدبي يستمد القوة والجماليّة من الأبعاد التاريخيّة التي يتجاوز بها الأديب عند تناولها النمطيّة، فالشعر الحداثي مثلاً حين يوظف ملامح التاريخ المتجلية في الخرافة والأسطورة والشخصيات والأحداث الدينية والسياسية والاجتماعية، فإنه يهدف إلى بناء نص شعري جديد يتصف بالحداثة والجماليّة، ويستطيع المتلقي أن يدرك الأهداف التاريخيّة أو العودة إلى الماضي في تشكيلة من الإبداع تنأى عن الأسلوب التاريخي النمطي الذي يتناوله المؤرخ.
إن ينطبق على البعد التاريخي من قضايا اشتغل عليها النص الأدبي كما بينا أعلاه، ينطبق أيضاً على البعد الوطني والقومي والإنساني عموماً.
إن " الشخصيّة الإنسانيّة التي يشتغل عليها الأديب لا تقتصر حدودها على التجربة الفرديـّة أو الاجتماعيّة أو الوطنية والقومية، وإنمـا تمتـد أيضاً لتستوعب التجربة الإنسانيّة عموماً.
***
د. عدنان عويّد
كاتب وباحث من سوريا.
..........................
الهوامش:
1- العقاد، عباس محمود، دراسات في المذاهب الأدبية والاجتماعية، مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة، القاهرة، 2012م. ص15.
2- نقد الرواية في الأدب العربي : أحمد إبراهيم الهواري، القاهرة ، دار المعـارف ، د/ط ، ٩٩٣م. صـ.٢٦٧. بتصرف

 

تنتهي الكثير من التعريفات الأكاديمية إلى حدِّ الحرية بكونها إمكانية الفرد، دون جبرٍ أو شرط، على اتخاذ قرار أو تحديد خيار من عدة إمكانات موجودة... أو هي حق الفرد في التعبير عما يراه مناسباً، دون أي ضغطٍ خارجي أو حتى نفسي. وهذا يقودنا إلى وصفها، وببساطة شديده، بـ(كسر القيود في التعاطي مع الأشياء من حيث خلق الأفعال وممارستها)، ولكن، ومن المفارقة، نجد أن الحرية من أكثر المفاهيم التي تحتاج إلى قيد أخلاقي لتكون فعلاً ملائماً وصالحاً للمداولة الاجتماعية. وهنا نصل إلى التساؤل الجوهري عن مدى علاقة الحرية بالحتمية الأخلاقية؟. أي هل نفهم من الحرية فعل مجرد عن كل التبعات والمسؤوليات؟ أم هي مبدأ يحتاج في صيرورته وسيرورته إلى عملية إدامة إلزامية؟.
وقبل أن نجيب عن ذلك، لنا أن نشير إلى أن الحرية لا تكمن في الوجود بقدر ما تتعلق بالماهية، وحتى في الأخيرة فهي لا يمكن أن تكون إلا باشتغالٍ نسبي ومحدود، ففضلاً عن كوننا لا نمتلك الخيار في خلقنا بهذه الهيئة أو في تلك البيئة، فإننا نفتقر من جهةٍ أخرى إلى رسم خصوصيتنا وطريقة تفكيرنا، فنحن لا نختار ما يجب أن نكون عليه، لذلك دائماً ما تبقى صورة الإنسان الكامل تطاردنا من جهة ونطاردها من جهة أخرى(تحت معايير دليل الكمال لـ ديكارت) دون جدوى من اللحاق بها؛ وبالتالي فما نحن إلا نتاج البيئة التي نشأنا فيها دون خيارٍ أو معرفة(تحت معايير هربرت سبنسر "الإنسان ابن بيئته")، وقد نكون فيها مجرد دمية، نتوجه إلى حيث ما يريد الرقيب أن نتجه، سواء أكان الرقيب ديناً أو فكرة طائفية أو حتى مؤسسة تربوية واجتماعية، فهو-أي الرقيب- يُمارس على الفرد إمكانية الصناعة والتدجين، فنحن لم نكن كذلك، بل صرنا كذلك.
وعلى كلِّ حالٍ، فينبغي أن تقترن الحرية بالمسؤولية، كما أقرت الفلسفة الوجودية ذلك، بل يجب أن تكون قرينة القيد والحدود، لأن حالها كحال (الفضيلة) من وجهة نظر أرسطو والكندي، أي إنها الوسط الذهبي بتعبير الفيلسوف الصيني (كونفوشيوس)، فلا إفراط ولا تفريط، فالحرية الدينية على سبيل المثال تقع وسطاً بين هامشين، التعصب الأصولي من جهة، الذي يقضي على حرية الفرد في أن يختار دينه ومعتقده، فيحكم عليه بالانفلات، والانفلات القيمي من جهةٍ أخرى، والذي يؤدي بالأخير إلى ازدراء الأديان والمعتقدات، فينتهي بالحكم على الآخر بكونه متعصباً وإرهابياً... أما وسط هتين الحريتين فتكمن الحرية الدينية، التي تدع للآخر في أن يعتنق دينه ومذهبه دون التطرف وإقصاء أصحاب الملل والنحل الأخرى. وكذا الحال بالنسبة للحرية الأخلاقية، فهي أيضاً وسط بين رذيلتين، الانغلاق والعزل عن المجتمع بدافع الحفاظ على السمعة والتقاليد، والانحلال الأخلاقي الذي يمارس الحرية بشكلٍ هجين وصارخ. أما الحرية الأخلاقية فهي قرينة الذوق العام، والتي تُمارس أفعالها بمسؤولية اجتماعية، لا تنتهي بصاحبها إلى الرجعية ولا إلى متاهات الشهرة العمياء.
من خلال ما تقدم نجد أن الحرية تلتزم في تطبيقها على مسؤولية كبيرة، فهي إن احتلت المكانة الوسطية بين المبادئ، بقي عليها أن تحترم مقررات غيرها، وإن أدى ذلك إلى الاختلاف، أما الحرية المطلقة فقد تنتهي إلى احتدام الخلاف، وشتان ما بين الخلاف المُنهِك والاختلاف المُنتج.
ففي الوقت التي تكون فيه الحرية مرهماً ضرورياً لعلاج الأزمات النفسية لمعشر المنغلقين والمتعصبين، في أن تخرجهم من ضلالات العمى إلى إشراقات المستقبل، عن طريق تفعيل خاصية العيش السليم، فإننا اليوم بحاجة فعلية إلى الحتمية في ترويض الانفلات الأخلاقي الذي يُمارس تحت يافطة الحرية، فينبغي أن يتم تقنين المفهوم لدرجة سلب الحرية عن الحرية ذاتها.
***
د. حيدر عبد السادة جودة

يبدو ان الخلاص غير مطلوب في المجتمعات الوهمية والة القمع التكنولوجية هي المهيمنة، المشهد فانتازيا والكائن اسطوري يحلم بالمستحيل وهو يحاول ان يختار شكلا اعلى من الوجود كي يتجلى في الحياة، الوعي العميق والإدراك يمكن أن يقودا إلى شعور بالاغتراب، إلا أنهما أيضًا يمكن أن يكونا مصدراً للنمو الشخصي والتواصل الأعمق مع الذات، هكذا يمكن أن يؤدي إلوعي العميق دوره في الواقع، و يكشف عن تناقضات العالم، مما يسبب شعورًا بالعزلة، الشعور بالاغتراب هو ناتج عن التفكير النقدي والتأمل العميق في مشاكل الانسان، يشعر الانسان بالغربة و عدم الانتماء، مما يؤدي إلى تمرده على القيود الاجتماعية، ويظهر ذلك كاغتراب، هذا التحرر والاغتراب يمكن أن يكون تجربة إيجابية، ولكنه يؤدي أيضًا إلى شعور بالعزلة، المفكرون يحتاجون إلى مجتمعات تشاركهم نفس الاهتمامات لتخفيف نفورهم الداخلي، بالتالي هذا الشعور يكون تجربة شائعة بين العلماء والفلاسفة نتيجة للإدراك العميق، لكنه ليس أمرًا حتميًا. يمكن ان يكون إدراك عبثية الوجود وفكرة أن الحياة قد تحمل معنى ثابتًا أو هدفًا، هوالذي يمثل الصراع بين رغبتنا في إيجاد معنى والواقع الذي يبدو عبثيًا، بالتالي يؤدي الاعتراف بعبثية الوجود ولايسمح بخلق معنى خاص . يحتاج الانفصال عن الواقع ومواجهة الحقيقة الهروب أحيانا، يمكن أن يوفر الهروب راحة مؤقتة، إلا أنه يؤدي أيضًا إلى تفاقم الشعور بالفراغ إذا لم يتم التعامل مع المشاعر الحقيقية بشكل واقعي، وبهذا يمكن أن يكون نوعًا من الدفاع النفسي، إلا أنه يؤدي إلى عدم معالجة القضايا الأساسية، ويفاقم الفراغ الوجودي على المدى الطويل. بينما تكون هذه الآليات وسائل مؤقتة للتعامل مع الفراغ الوجودي، لكنها لا تعالج القضايا الأساسية، البحث عن معنى خارجي، يمكن من خلق معني وهمي لكنه الاستسلام، ولايمكن أن يكون نقطة انطلاق في خلق معاني خاصة، التركيز على اللحظة الراهنة وتحقيق توازن بين الفهم الفلسفي للعبثية وعيش حياة مليئة بالرضا يمكن ان يؤدي الى خلق معنى وتجاوز عبثية الحياة.
التمرد على العبثية متاهة عقلية
التمرد على العبثية يُعتبر متاهة عقلية في بعض السياقات، لكنه أيضًا يكون جزءًا من عملية الفهم والنمو الشخصي.عندما يواجه الأنسان فكرة عبثية الوجود، يشعر بالقلق والإحباط. التمرد يمكن أن يكون استجابة طبيعية لهذا الشعور، حيث يسعى الأشخاص للعثور على معنى أو هدف، التمرد يدفع الأفراد للبحث عن معانٍ جديدة أو قيم بديلة، هذا البحث يمكن أن يكون محفزًا للتفكير النقدي والنمو الشخصي في بعض الأحيان، يمكن أن يؤدي التمرد على العبثية إلى صراع داخلي مستمر، هذا الصراع يكون مرهقًا، حيث يتنقل الأفراد بين قبول العبثية ومحاولة مقاومة ذلك، بعض الأشخاص يستخدمون التمرد كوسيلة للتعبير عن أنفسهم من خلال الفنون أو الكتابة، هذا الإبداع يمكن أن يكون طريقة فعالة لمعالجة العبثية وتحويلها إلى شيء ذي معنى، التمرد على العبثية أيضًا يمكن أن يكون جزءًا من رحلة الفهم والنمو، من خلال مواجهة هذه الأفكار، يجد الأنسان طرقًا جديدة لإيجاد المعنى وعيش حياة مُبدعة رغم العبثية.
النسيان الطوعي
النسيان الطوعي والإدراك العميق في مقاربة فلسفية مثيرة، يمثل كل منهما جوانب مختلفة من التجربة الإنسانية ويشيران إلى القدرة على استعمال المشاعربشكل اعمق، مما يؤدي إلى فهم أكبر للذات والعالم. الإدراك العميق يعزز الوعي باللحظة الراهنة ويشجع على التفكير النقدي، يرتبط بحضور الوجود والوعي، وكيف يمكن أن يؤدي ذلك إلى فهم أعمق لمعنى الحياة، تجاهل أو نسيان التجارب أو المشاعر المؤلمة، يمكن أن يكون نوعًا من الدفاع النفسي الذي يهدف إلى تجنب الألم أو المعاناة، وقد تؤدي إلى فقدان جزء من التجربة الإنسانية، التوازن بين الإدراك العميق والقدرة على النسيان الطوعي يكون ضروريا أحيانًا لتخفيف العبء، لكن يجب ألا يكون ذلك على حساب النمو الشخصي وفهم الذات، يمكن استخدام النسيان الطوعي كوسيلة لتخفيف الضغط النفسي، بينما يُستخدم الإدراك العميق كوسيلة لمواجهة وتحليل المشاعر، البحث عن توازن بين هذين المفهومين يمكن أن يؤدي إلى حياة أكثر رضا، الوصول الى السلام الداخلي يكون بالوعي العميق وادراك الاشياء بشكلها الكامل والواقعي.
السلام الداخلي
لا توجد طريقة واحدة واضحة للوصول إلى السلام الداخلي. قد تكون مزيجًا من الوعي العميق، الفهم البسيط، وإدراك الواقع كما هو. من خلال استكشاف هذه الطرق، يمكن للفرد أن يجد طريقه الفريد نحو تحقيق السلام الداخلي، العديد من الفلاسفة تمردوا على الأفكار السائدة أو المعتقدات التقليدية في سعيهم للبحث عن معنى أعمق للحياة. هذا التمرد كان جزءًا من رغبتهم في فهم طبيعة الوجود، إدراك العبثية في الحياة يمكن أن يؤدي إلى تمرد ضد القيم التقليدية، حيث يسعى الأفراد لتجاوز المعنى الظاهري والبحث عن معاني جديدة، الفلاسفة وصلوا إلى الإدراك العميق للحياة من خلال التفكير النقدي والتأمل الذاتي والتفاعل مع العالم. تمردهم كان نتيجة لرغبتهم في البحث عن معنى أعمق، ورفض القيم الاجتماعية السائدة، هذا التمرد ساعدهم على تطوير أفكار جديدة ومفهوم أعمق، العديد من الفلاسفة واجهوا تجارب صعبة، هذه التجارب دفعتهم إلى التساؤل عن معنى الحياة والوجود، مما ساهم في تمردهم على الأفكار السائدة، الفلاسفة الذين يخوضون تجارب عميقة يميلون إلى التفكير فيها بشكل نقدي، هذه التأملات تساعدهم على فهم المعاني المحتملة وراء تجاربهم، مما يعزز الإدراك العميق من خلال التفكير في تجاربهم ومحاولة الوصول الى السلام الداخلي، يمكن للفلاسفة أن يتحدوا معتقداتهم الشخصية مما يؤدي إلى إدراك أعمق للحياة، عندما يعاني الفيلسوف من تجارب خاصة، قد يشعر بأنه مضطر للتمرد على القيم أو المعتقدات التي لا تعكس واقعه. هذا التمرد يمكن أن يكون دافعًا للبحث عن فهم أعمق للتجارب الشخصية، مما يدفع الفلاسفة للبحث عن معانٍ جديدة وتطوير أفكار تتجاوز الفهم التقليدي، التجربة الشخصية للفيلسوف تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل تمرده وإدراكه العميق لمعنى الوجود، المعاناة والنجاحات، إلى جانب التأمل النقدي في هذه التجارب، يمكن أن تؤدي إلى فهم أعمق وتحدي القيم السائدة، مما يسهم في تطوير أفكار فلسفية جديدة.
الوعي العميق ومجتمعات الحافة
مجتمعات الحافة، أو ما يُعرف بالمجتمعات المهمشة، تشكل عادةً أغلبية اجتماعية في معظم السياقات، بالرغم من انها تُعتبر أقلية في المجتمع الأوسع، هذه المجتمعات تتضمن أفرادًا أو مجموعات تعاني من التهميش الاجتماعي، الاقتصادي، والسياسي، وغالبًا ما تواجه تحديات مثل الفقر، نقص الفرص، والتمييز ومع ذلك هذه المجتمعات كبيرة من حيث العدد في بعض السياقات، في المناطق الحضرية تأثيرها الاجتماعي والسياسي قد يكون محدودًا بسبب العوامل الهيكلية التي تعيق مشاركتها الفعالة في الحياة العامة، يمتلك أفراد مجتمعات الحافة وعيًا عميقًا حول قضاياهم الخاصة، لكن هذا الوعي لا يتماشى دائمًا مع المفاهيم الأوسع للوعي العميق التي تتعلق بمشكلات المجتمع بشكل عام، الوعي العميق يمكن أن يساعد في فهم قضايا مجتمعات الحافة بشكل أفضل، مما يعزز من قدرتهم على مواجهة التحديات، يتعرض الوعي العميق للتهديد بسبب عدم فهم القضايا الثقافية والاجتماعية الخاصة بهذه المجتمعات، مما يؤدي إلى فرض حلول غير ملائمة وخلق الفجوات الثقافية بين مجتمعات الحافة والمفكرين الذين يحملون وعيا متقدما تؤدي إلى صعوبة في التواصل وفهم القضايا بشكل مشترك، يتم تجاهل القيم والتقاليد المحلية، مما يؤدي إلى فقدان الهوية والانفصال عن القضايا التي تهمهم ويفقدهم القدرة على اتخاذ قرارات دون قيود خارجية أو داخلية.
***
غالب المسعودي

أظن أننا جميعاً نعرف الظاهرة التي تسمى «تضخم الذات» أو «الأنا المتضخمة». ولعل كلاً منا قد لاحظ حالات تكشف عن ذوات متضخمة، في مقابلات صحافية أو على منصات التواصل الاجتماعي، أو في المجالس، وربما اختبرها بعضنا في نفسه، في بعض الأحيان على الأقل.
وتتمظهر هذه الحالة في صورة تكبُّر على الغير، بل قد يبلغ الأمر حد مطالبة الناس بالتسليم بفضله عليهم، فإن لم يستجيبوا، بادر بإنكار كل قيمة لهم وكل حُسن فعلوه في حياتهم.
ليست هذه مشكلة كبرى، فضررها محدود، لكنها تصل إلى مستويات خطرة، حين يتحول التعبير عن الذات المتضخمة إلى إعلان كراهية لجنس بأكمله، مثل القول بأن الأحباش أو البنغال فيهم كذا وكذا، أو القول بأن البوذيين أو اليهود فيهم كذا وكذا، أو أن العرب أو الأكراد فيهم كذا وكذا. هذا التنميط السلبي لشعوب كاملة يتبلور مع الزمن على شكل كراهية منفلتة، تبرر كل أذى يقع على الناس، وربما حرضت على إيذائهم، أو حتى قتلهم.
السؤال الذي يُلح على ذهني هو: هل يمكن لوسائل الاتصال الجمعي أن تُحول هذه الحالة الفردية إلى سلوك جمعي؟ هل يمكن للسياسيين وغيرهم من النافذين والمؤثرين على الرأي العام أن يُحولوا الكراهيات الفردية إلى كراهية عامة؟
تردَّد هذا السؤال في ذهني وأنا أقرأ خبراً من الفلبين فحواه أن الحكومة ستُسلّم رئيس الجمهورية السابق إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي تتهمه بارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية، خلال حربه على تجار المخدرات بين 2011 و2019.
وتقول الأنباء إن الشرطة قتلت 6000 شخص في تلك الحرب، من دون محاكمة. سألتُ نفسي: كيف تسنَّى للرئيس أن يواصل هذه المقتلة العظيمة، طوال ثماني سنين من دون عوائق جدية، بل لعلِّي أزعم أن الشعب، أو شريحة مُعتبرة منه، كانت راضية بتلك المقتلة، لأنها اقتنعت بأن البلد فيه فعلياً 6000 تاجر مخدرات، كما قال الرئيس. ومما يدل على رضا تلك الشريحة هو تكرار انتخاب رودريغو دوتيرتي في منصب عمدة مدينة دافاو، حيث أسس فرقة إعدام ميداني، ثم انتخابه رئيساً للجمهورية، وقبل ذلك عُرض عليه منصب وزير الداخلية أربع مرات. هذا يدل على أن الرجل محبوب، رغم المعلومات الكثيرة التي تفيد بأن كثيراً من الضحايا قُتلوا لمجرد أن الشرطة وجدتهم في مواقع يرتادها الحشاشون.
حسناً... ما الذي يحمل الناس على دعم حملة دموية كهذه، وهل يمكن أن تتكرر في أماكن أخرى؟
هل يمكن لسياسي مثل دوتيرتي أن يقنع الناس العاديين بأن احترامهم مشروط بقتل مَن يكرهونه؟
الذي فعله رودريغو دوتيرتي، حين رشح نفسه لمنصب نائب العمدة في دافاو، هو إقناع المواطنين بأن سكان الأحياء المعروفة بتجارة الحشيش، ومن يتواجد قريباً منها أو يتعامل مع سكانها، هم عدوهم، وأنهم يستحقون القتل. ولتسهيل المهمة على الناس، فإنه لم يكلفهم بقتل أحد، بل أقنعهم بأن يكرهوه فقط وأن يتمنوا موته، وسيأتي أشخاص آخرون لحمل العبء الأثقل؛ أي القتل.
هكذا قتل 6000 شخص، بينهم ما لا يقل عن 1150 طفلاً وامرأة، رمياً بالرصاص، في بيوتهم أو على قارعة الطريق، من دون أن تُواجه الشرطة استنكاراً أو شجباً من جانب جمهور الناس، ومن دون أن تحتاج الحكومة إلى تبرير تلك الدماء.
أظن بعضنا يستذكر الآن حوادث القتل الجمعي التي سمعنا عنها، في غزة وحواليها، وفي سوريا والعراق، وفي السودان والصومال، وفي مناطق أخرى... ألم تبدأ المسألة بأشخاص مثل دوتيرتي، يقنعون المواطنين بأن أولئك أعداؤهم وأنهم يستحقون القتل، وأن المطلوب منهم هو فقط إعلان التأييد أو التبرير، وسيتولى غيرهم الجزء الأصعب من المهمة.
لو سمعتم بشخص يدعو للتخلص من سكان بلد بأجمعه أو قبيلة بمجملها أو دين بكل أتباعه، ألن تقفز إلى أذهانكم قصة رودريغو دوتيرتي؟
***
د. توفيق السيف

 

فهم يتجدد لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]. لاح في أفق تفكيري وتدبري لهذه الآية الكريمة، وما سُميت آية إلا دعوة كريمة من الكريم المطلق الأبدي، وهو الحق سبحانه، إلى مائدة الأفكار التي يُدعى إليها أولو الألباب من الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات، لتقتات القلوب من هاته المعاني الذوقية اللذيذة معنى، الراقية مضمونًا، المطرَّزة مبْنى، كما هو الشأن في بناء الآيات القرآنية. وهذا ما جعلني أكتب حول هذا الموضوع الذي يُعد استثمارًا معنويا في أسواق التجارة التي لا تبور، بشكل جميل لا يُضاهى.
لفهم المقصود، لنرجع بتفكيرنا إلى أنواع الروائح الكريهة في تاريخ البشرية، وأساليب البشر في مكافحتها من أجل عيش يوم هنيئ. فلا شك أن الإنسان في حياته اليومية عبر التاريخ، ومنذ القدم، يتعرض لمواقف مختلفة، إما بتصبب عرق متراكم يؤذي الجالسين على نفس المائدة، أو التعرض لروائح كريهة من حيوانات ميتة أو فضلاتها. كما أن الفضاءات المغلقة أيضًا تجتمع فيها الروائح الكريهة التي تتراكم بشكل قد لا يُطاق.
وبسبب كل ما سبق، اجتهد الإنسان منذ القدم في اختراع وإبداع أجود أنواع العطور ليُقضي على ما يُسيء رونق حياته اليومية، ليحيى حياة هنيئة طيبة.
إذا تأملنا أنواع العطور اليوم، ستجد منها ما هو خفيف لمجرد الانتعاش اليومي، ويغطي ويستر المستور ولا يزيله من الجذر (Body Mists). ولإزالة الروائح الكريهة بقوة، يمكن استخدام المسك أو العنبر، وهي تدخل ضمن (Parfum Oils). ولروائح الطعام الكريهة، تُستخدم في الغالب عطور (Dior Sauvage).

وقد سقتُ هذه الأمثلة لِنُشخِّص الفهم العميق للحديث النبوي الشريف:
عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«مَثَلُ الجَلِيسِ الصَّالِحِ وَجَلِيسِ السُّوءِ كَحَامِلِ المِسْكِ وَنَافِخِ الكِيرِ، فَحَامِلُ المِسْكِ إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الكِيرِ إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا مُنْتِنَةً» (متفق عليه).
فبتحليل دقيق، مع استحضار ما سبق، سيُحيلنا ذلك إلى أن الحسنات درجات في فاعليتها بنحو السيئات، بحسب نية العبد وإبداعيته في تنزيل تلك النية على أرض الواقع. ولهذا اختلف الأنبياء في مقاماتهم، وتنوع الأولياء في درجاتهم، وتفاقمت دركات أهل الكفر والنفاق -والعياذ بالله-.
فلا شك أن التصورات تبتدئ بفكرة، وهي النية، ثم بعد التصور يأتي التنزيل الواقعي لذلك التصور. فنجد أن المخترع نزل فكرة صنع طائرة من مجرد تصور، أو صنع عجلة كانت سبب تقدم البشرية في كل ميادين تقدمها؛ لأن العجلة كانت عند بعض العلماء من أهم الاختراعات في تاريخ البشرية. حيث لا يختلف اثنان في أن سهولة التواصل بين بني البشر تعتمد على سهولة باقي الاختراعات مهما تنوعت؛ لأنه لولا العجلة لما تمكنوا من استحضار المواد الأولية لأي اختراع آخر.
عالم السموم وإيجاد ترياق لها بحر عميق لمن تبحر فيه، حيث إن أنواع السموم ودرجات فعاليتها تختلف -ولا شك حسب الأطباء- فمنها ما يسبب شللًا للأعضاء، ومنها ما ينتج اختناقًا تنفسيًا، كما أن منها ما قد ينتج عنه أمراض سرطانية أو مزمنة، وأخرى تسبب الموت في جرعات متوالية، ومنها ما قد يقتل فورًا.
في المقابل، فإن العقل البشري طور أنواعًا من الترياق ضد كل هذه الأنواع من السموم، حيث طور الإنسان أنواعًا من الترياق الكيميائي الذي يحول السم إلى فيتامين (B12)، ومنها ما يسهل إخراج السموم من الذات الإنسانية، ومنها ما يزيل تراكم السموم الزئبقية في جسم الإنسان، كما أن هناك من أنواع الترياق ما يخلص الجسم من السموم بإخراجها من الكبد.
والحديث في ذلك عند أهل الاختصاص يطول، وقد أخذنا منه ما يفيدنا لفهم المقصود في ارتباطه بحديثنا عن إكسير الخير، وفعالية درجات الحسنات في إذابة السيئات وإزالة روائحها المعنوية الكريهة بعطر أعمال الخير المتباينة في درجاتها.
يقول الحق سبحانه في الآية الكريمة، والقانون الكوني الرهيب في جماليته والغني بمعانيه الذي يأخذ بالألباب:
﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 21].
ليس المقصود -في نظرنا- في تفسير هذه الآية هو شرح التباين الحاصل بين الحياة الدنيا والآخرة، بقدر ما أن القصد هنا يتمحور حول أعمالنا المرتبطة باهتماماتنا اليومية، سواء كان دافعنا إليها دنيويًا أو أخرويًا. هذه الدوافع والنوايا والتصورات القبلية هي ما يجعل التفاضل كبيرًا في نتائجها. هذا التفاضل والتباين يكبر كلما تعلق بهدف سماوي أخروي، ويصغر كلما كان مرتبطًا بما هو أرضي دنيوي.
وما سُميت الدنيا -في نظرنا- إلا لصغر ودناءة نتائجها، وما ارتبطت الآخرة بما هو سماوي غيبي إلا لسمو وعلو درجاتها ومقاماتها علوًا كبيرًا. وضرب الله مثالًا على ذلك اصطفاء مريم عليها السلام اصطفاءً جوهريًا ليُحيلنا إلى أهمية مفهوم الجوهر والأخلاق الطيبة وفاعليتها في إزالة السموم المعنوية.
يقول تعالى:
﴿يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 42].
وهو ما يشبه قول الرسول ﷺ في الحديث النبوي الشريف:
عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
«عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا. وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ، فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا» (متفق عليه).
إن كل متدبر في الآية الكريمة والحديث النبوي الشريف سيتبادر إلى ذهنه الارتباط الوثيق بينهما في أن تكرار الأشياء في الحياة اليومية يمكن من إتقانها وتمكينها واستقرار أثرها في قلب الإنسان، سواء في جانبها الإيجابي أو السلبي. وهو قانون الاصطفاء في جانبه الإيجابي أو السلبي، فمن كل شيء خلق الله زوجين اثنين، فلينظر كل أحد في أي شق أراد أن يصطفي ويختار بضم الياء.
وختامًا، فإن ما يزيل السموم القاتلة بترياقاتها الكيميائية يُحيلنا إلى درجات وفاعلية الترياق المعنوي في إزالة كل دركات السموم المعنوية من حقد وكره ونفاق وغفلة وفتنة وأمراض اجتماعية، بأعمال القلوب التي هي التصورات القبلية لكل أعمال الجوارح. فالتوبة والأوبة إلى الله تعالى دافع قوي للإبداع في الأعمال القلبية الأخرى من حلم وصبر ومحبة وشوق وإيثار وتدبر وتعقل، يورث الحكمة التي هي كيفية تنزيل الآية والقانون الكوني على أرض الواقع لكل مؤمن في حياته اليومية. ولا يتأتى ذلك إلا بفهم وفقه ووعي عن الله عز وجل، الذي به يحقق الإنسان المؤمن القصد من خلقه في هذا الكون.
***
د محمد غاني - كاتب، المغرب

الفيزياء وحدود العلم التجريبي

عبر التاريخ، طوّر البشر سُبلًا متعددة لجمع المعرفة، مدفوعين بفضول فطري. تطورت هذه السُبل من التفكير المنطقي في الأكاديميات اليونانية، إلى مشاريع علمية ضخمة تعادل اقتصادات دول، كمشاريع الفضاء وأبحاث الفيزياء الجزيئية. في هذا المقال، أحاول تسليط الضوء على تطوّر مناهج المعرفة تاريخيًا، وكيف يمكن للفيزياء والعلم الحديث أن يعيداننا، بعد مضي قرابة أربعة قرون، إلى نقطة البداية: التساؤل الفلسفي والعقلانية.
مسار تطور طرق جمع المعرفة
اعتمد الفلاسفة الأوائل على العقلانية الفلسفية للوصول إلى فهمٍ لطبيعة الوجود. انتهجوا منهجًا استنتاجيًا قائمًا على التحليل المنطقي، مؤمنين بأن المعرفة يمكن استنباطها من مبادئ عقلية أولية. استمر هذا التصور لفترة طويلة، بدءًا من الفلاسفة اليونانيين كأرسطو، وصولًا إلى ديكارت وسبينوزا، اللذين رسّخا مفهوم أن التفكير المنطقي وحده كفيل باكتشاف الحقيقة.
أما التحول إلى المنهج التجريبي، فقد بدأت ملامحه بالظهور لدى العلماء المسلمين في العصر الذهبي، أمثال ابن الهيثم، والبيروني، وابن سينا. رأى ابن الهيثم، في كتابه المناظر، أن المعرفة لا تكتمل دون التجربة والتحليل. إلا أن هذا الإسهام كثيرًا ما يُهمَّش في السردية الغربية، التي تبدأ عادةً من أمثال غاليليو ونيوتن بوصفهم المؤسِّسين للعلم التجريبي الحديث.
لقد أثبتت العلوم التجريبية قدرتها الفائقة على تفسير الظواهر الطبيعية، بل وحتى الظواهر السلوكية والإنسانية. ويُعزى هذا النجاح إلى عوامل متعددة، من أبرزها تطوّر فلسفة العلم التي رسمت حدودًا واضحة لما يمكن اعتباره علمًا. هذه الحدود، التي بلورها فلاسفة كبيكون، وبوبر، وتوماس كيون، جعلت من العلم التجريبي مجالًا مفتوحًا على التصحيح والاختبار المستمر.
بين العقلانية والعلم التجريبي: اختلاف في المنهج والرهان
العقلانية، كما تُفهم في السياق الفلسفي، هي المذهب الذي يرى أن العقل هو المصدر الأهم، بل الكافي، للمعرفة. وقد أسست لمنهج استنتاجي يرى أن التفكير المنطقي وحده قادر على بناء معرفة يقينية. غير أن هذا المنهج، رغم ما وفره من أدوات تحليلية، بقي في معظمه معلقًا في فضاء التأمل، غير قادر على اختبار صدقية نتائجه في العالم الواقعي.
في المقابل، جاء العلم التجريبي ليبني معرفته على التجربة القابلة للرصد والاختبار، واضعًا الواقع في مركز العملية المعرفية. لم يلغِ دور العقل، بل أعاد ترتيب العلاقة بينه وبين الواقع؛ فبات العقل خادمًا للواقع، لا حاكمًا عليه. وقد ساعد هذا التواضع المعرفي في جعل العلم التجريبي أكثر قدرة على التقدّم والتصحيح والتطوير.
ميكانيكا الكم كحالة غير مسبوقة
رغم النجاح الهائل الذي حققته العلوم التجريبية، فإن القرن العشرين شهد أزمة معرفية قلبت مفاهيم الفيزياء الكلاسيكية. جاءت ميكانيكا الكم، لا لتكمل مشروع الفيزياء، بل لتعيد التفكير في أسسه. ففي المستوى دون الذري، لم تعد التجربة وحدها كافية للوصول إلى نتائج يقينية. فمجرد القياس ذاته يؤثر على النظام المدروس، ويغيّر من سلوكه.
تُقدّم ميكانيكا الكم تصورًا للعالم يختلف تمامًا عن التصورات الكلاسيكية؛ فالجسيمات لا تكون في موقع محدد، بل توصف عبر دالة موجية تمثل احتمالات وجودها في أماكن متعددة. قبل القياس، يكون الجسيم في حالة تراكب، أي في عدة حالات محتملة في آن واحد. وعند القياس، تختفي هذه الحالة لتظهر نتيجة واحدة فقط، كما لو أن الجسيم "اختار" موقعًا معينًا.
تتعدد التفسيرات الفلسفية لهذه الظواهر؛ فهناك من يرى أن الدالة الموجية تمثل واقعًا فيزيائيًا حقيقيًا (تفسير أنطولوجي)، وهناك من يعتبرها مجرد أداة تعكس معرفتنا (تفسير إبستمولوجي). وكلا التفسيرين منسجمان مع النتائج التجريبية، لكن الاختلاف بينهما يبقى فلسفيًا في جوهره.
هكذا، نجد أن الفيزياء المعاصرة، وعلى رأسها ميكانيكا الكم، دفعت العقل مرة أخرى إلى الواجهة، لا كبديل عن التجربة، بل كأداة لتأويل نتائج لا تكفي التجربة وحدها لفهمها. وأمام هذا التعقيد، لجأ بعض الفيزيائيين إلى فرضيات يصعب إخضاعها للتجريب، كفكرة الأكوان المتعددة.
في الختام: نحو عقلانية جديدة
في نهاية المطاف، يبدو أن مسار العلوم التجريبية، بكل ما فيه من دقة وصرامة، يعيدنا إلى سؤال فلسفي قديم: ما حدود معرفتنا؟ بل يعيدنا تحديدًا إلى العقلانية، ولكن ليس بصيغتها الكلاسيكية التي تفصل العقل عن التجربة، بل إلى عقلانية جديدة، تأخذ في اعتبارها التداخل المعقّد بين الملاحظة والتأويل، بين التجريب والتفكير النظري.
نحن اليوم لا نملك إجابات حاسمة، بل احتمالات وتفسيرات يظل كثير منها مفتوحًا للتأويل. لم يعد العقل سيدًا مطلقًا، بل شريكًا متواضعًا في مشروع لفهم الكون، مشروع يحتاج إلى تعاون دقيق بين المناهج المختلفة للمعرفة، دون أن يدّعي أيٌّ منها احتكار الحقيقة.
***
فضل فقيه – باحث
.....................
قراءات اضافية:

-Heisenberg W. Physics and Philosophy: The Revolution in Modern Science. London: George Allen & Unwin; 1958.
-Kova A. The weirdness of quantum mechanics forces scientists to confront philosophy. Big Think. Published February 8, 2023.

 

لم يكن الفكر يومًا رفاهيةً زائلةً أو زينةً يتأنق بها من يقتاتون على هوامش النصوص، بل كان وسيظل ميدانًا لصراع الإنسان مع واقعه، ومنبرًا للتساؤل الدائم الذي يهزّ أركان الجمود.
والقراءة النقدية التي نحن بصدد تحليلها ليست خروجًا عن هذا المسار، بل تأتي كإسهامٍ جادّ في بلورة معالم الصحافة الثقافية، وإعادة مساءلة دورها في إنتاج المعرفة ومشاركتها.
لقد استطاعت هذه القراءة النقدية أن تنفذ إلى قلب إشكالية الصحافة الثقافية، متجاوزةً الطابع الاستهلاكي لبعض المنابر إلى تفكيك علاقتها بالمثقف العضوي، وما إذا كانت فضاءً للحوار والتجديد، أم مجرد دائرة مغلقة تعيد إنتاج ذاتها بشكل روتيني بحت.
والمقال هنا لا يكتفي بوصف المشهد أو الاكتفاء بموقع الرائي المحايد، بل يتورط فيه، مُسائلًا ذاته بالقدر ذاته الذي يُسائل فيه الآخر.
أهمية هذا الطرح تتجلى في كونه يزاوج بين النقد الذاتي ونقد المؤسسات الثقافية، فلا يكتفي الكاتب بمساءلة صحيفة المثقف موضوع النقد، بل يمدّ أسئلته إلى ذاته ايضا، متسائلًا عن موقعه داخل هذا النسق. وهذه الازدواجية تمنح المقال قوةً ومصداقية، إذ يتحول النقد هنا من سلطة تُمارس من موقع الوصاية، إلى فعلٍ عضوي يتجاوز أحكام القيمة إلى الحفر في طبقات المعنى.
إن البناء اللغوي لهذا النص يتسم بجزالة المفردات وثراء التراكيب، حيث تتضافر الجمل المتماسكة في نسيجٍ يجعل القراءة أشبه بتجربة فكرية جمالية في آنٍ معًا. فهو لا يُسهب في التوصيف السطحي، بل يختار كلماته بعناية، فيأتي النص مشحونًا بكثافة فكرية لا تنفصل عن طاقته التعبيرية.
أما على المستوى النقدي، فيمكن القول إن هذا المقال ينتمي إلى مدرسة النقد الجدلي، حيث لا يضع الأمور في ثنائيات جامدة، بل يخلق دينامية داخل النص، فيظل القارئ متنقلًا بين التساؤلات، لا ليجد إجاباتٍ نهائية، بل ليشارك ويدعو الى المشاركة الفعالة في توليد أسئلةٍ أكثر عمقًا املا في الوصل الى الامثل.
هذه المقاربة تجعل من النقد فعلًا مفتوحًا، لا يبتغي هدم ما هو قائم لمجرد الهدم، بل يسعى إلى بناء بدائل أكثر حيوية وانفتاحًا.
والنقد هنا ليس تمرينًا لغويًا ولا محاولةً لتسجيل المواقف، بل هو التزامٌ معرفيٌّ واعي يحاول أن يردم الفجوة بين التنظير وديناميكية التطبيق، بين المثقف والجمهور، وبين الخطاب الثقافي وواقعه الاجتماعي. وفي هذا السياق، يكتسب هذا المقال قيمته الحقيقية، إذ إنه لا يدين الصحافة الثقافية من موقع المتعالي، بل من موقع الشريك في إنتاجها، الأمر الذي يمنح النقد بعدًا أخلاقيًا يخرجه من دائرة الخطابة إلى مجال التأثير الفعلي.
إن قراءةً نقديةً كهذه تكشف عن أهمية وجود منابر "مثل المثقف" تستوعب هذا النوع من الطرح، لأن النقد الموضوعي والبنّاء لا غنى عنه في تطوير العمل الصحافي الثقافي، وضمان انفتاحه على آفاقٍ جديدة. فالمجلة أو الصحيفة التي تحتضن هذه الأصوات تبرهن على أنها ليست مجرد قناة لنقل المحتوى، بل مختبرٌ لإنتاج الأفكار، ومجالٌ لاختبار حدودها وإمكاناتها.
في النهاية، فإن هذه القراءة النقدية ليست مجرد مقالةٍ عابرة، بل نموذجٌ لما ينبغي أن يكون عليه النقد الثقافي: فعلٌ حيويٌّ لا يكتفي برصد المشكلات، بل يضع ذاته على المحك، ليؤكد أن الفكر الحقيقي لا يتوقف عند حدود القول، بل يمتدّ إلى مساءلة الذات والواقع في آنٍ واحد.
***
سعاد الراعي

 

يحتدم رأيان في قضية تذوق الأعمال الأدبية، سعيا لتحديد المسافة بين النص وقارئه. هل يتعلق الأمر بمتعة وجدانية متحررة من أي استدلال عقلي أو مسبقات لغوية وبلاغية؟ أم هي ملكة لا تستوعب جمالية قول شعري أو نثري، إلا باستيفائها شرط الإلمام بمعارف تساعد على الإيضاح وتبديد الغموض؟
إلا أن كلا الرأيين يتفقان على أن التذوق في مجال الآداب لا يتحقق بدون فهم. فالمتذوق في عالم الإحساس الجسمي يكفيه جزء يسير لبلوغ الإحساس المطلوب، سواء تلذذا أو نفورا، بينما يحتاج متذوق الأدب إلى وقت طويل، ينتهي خلاله من قراءة النص أو استماعه إلى نهايته.
تكمن خصوصية الأدب في كونه يتطلب إلماما بنظام رموزه، حيث الكتابة رمز ننفذ من خلاله إلى شيء كامن خلفها. ولذا يتوجب على كل قارئ أن يفك شفرات النص أولا، ثم يحدد مدلول كل كلمة في نفسها أولا، ثم بوضعها داخل سياق تعبيري وتركيبي متعدد بتعدد النصوص الأدبية زمانا ومكانا. وهو الجهد الذي لا تتطلبه التعبيرات الفنية الأخرى، من تشكيل وموسيقى وغيرها.
كل تذوق إذن يشتمل على معرفة في حدها الأدنى بلغة النص الأدبي وأسلوبه، والقواعد التي تحكم جنسه، ثم الاتجاهات التي ينحاز إليها كاتبه، اجتماعية كانت أم سياسية أم غيرها. وهذا يعني أنه لا يوجد قارئ يبدأ من نقطة الصفر كما يؤكد الدكتور إبراهيم عوض (1)، وأن الملكة النفسية التي تدرك نواحي الجمال لابد أن تسبقها عملية الفهم.
تلهمنا قراءة النصوص الأدبية شعورا مكثفا بالنشوة والامتلاء، لأنها استنطاق لما تحمله الرموز من صور خيالية، ورؤى ومشاعر وجدانية. وهو الشعور الذي لا يتحقق إلا بشكل مضطرب ومشوش في باقي الإبداعات الفنية، حيث اللوحة أو المعزوفة الموسيقية حاضرة أمام المتلقي يعاينها ويسمعها. أما النص الأدبي فلا يُقيد القارئ بهذا الحضور المادي، بل يحرره معتمدا على الخيال الذي لا يلتزم سوى بالخطوط العامة للنص.
هذه الحرية تتيح للمتذوق أن يخلق للنص الأدبي أوضاعا وأشكالا لا حد لها، وأن يستغرق فيه لدرجة الفناء، بحيث يصبح شخصا من شخوصه وليس مجرد متابع. وهي السمة التي يشير إليها أوسكار وايلد في قوله: " تتلخص السمة الوحيدة المميزة للشكل الرائع في أن باستطاعة أي واحد أن يُضمنه ما يخطر على باله، أن يرى فيه ما يريد أو يرغب".
يبدأ التذوق فرديا قبل أن يتخذ طابعا جماعيا نسميه "الذوق العام"، ثم ينعكس فيما بعد على الفرد. وهذا يعني أن التذوق عملية متجددة باستمرار، تتيح لبعض الأعمال الأدبية والفنية عموما أن تصمد أمام اختبار الزمن، بينما تفشل أخرى ويكون مآلها النسيان، رغم ما قد تستحوذ عليه من شهرة إبان صدورها. لذا يمكن القول دون مواربة أن التذوق الأدبي مشاركة إبداعية، تعزز بروز طاقات الخلق والإبداع لدى القراء، وتُنمّي التعبير الجمالي عن الذات والوجود.
رغم أن الأعمال النقدية للأديب المصري طه حسين تشكلت قبيل منتصف القرن الماضي، إلا أننا نلمس في تكويناتها إرهاصات ذكية بأهمية التذوق في إنتاج الدلالة الأدبية، والإسهام في تخمر الأفق النقدي الذي حرّك فيما بعد ثورة البنيوية. لقد تميز إنصات طه حسين للمنجز الأدبي باستحضار قارئه الضمني، ومشاركته أحكامه في الأدب والنقد، وبالتالي إرساء استراتيجية فكرية تتمثل القارئ وتصنفه إلى مستويات، بدءا بالموافق له وانتهاء بمن يفترض أنه خصمه. وقبل أن يتوجه للقارئ بصفته ناقدا للعمل الأدبي، كان يهمس في أذنه باعتباره متذوقا، يتدرب على اختبار فهمه، واستكشاف المنطقة الواصلة بينه وبين العمل الأدبي.
إذا أخذ طه حسين في نقد القصة، يقول الدكتور صلاح فضل، كانت بؤرة تركيزه على فعاليتها الجمالية تنصب على وصف حاله كقارئ، ووصف ما يتعين على بقية القراء أن يستوعبوه منها؛ فموقف القارئ هو الذي يحدد طبيعة النص، وليس العكس كما يتوهم بعض الناس.. إنه بذلك يبني الخطوط الجوهرية لصورة القارئ وهو يبني المعالم البارزة للنص القصصي. (2)
وطّأت الأعمال النقدية لطه حسين أرضية الاشتغال على الذوق والتذوق، باعتباره مقياسا للكفاءة الأدبية، ولكون غاية الأدب في النهاية هي تحقيق التواصل الجمالي. وهو يحدد للتذوق مستويين: أحدهما الذوق الجماعي لعموم الناس في زمان معين، والثاني هو الذوق الفردي الذي يمتاز به نخبة القراء، ويتيح لهم اختبار فاعلية النص الأدبي وكفاءته الوظيفية؛ لكنه يضعهم في علاقة جدلية متوترة، تسهم في تأطير ما يسميه بالحياة الفنية.
يستهدف التذوق جوهر العمل الأدبي وأصالته، وعوامل تأثيره في النفس الإنسانية. ولتحقيق ذلك يتسلح بقوتين: قوة الشعور وقوة الفكر. لذا يدافع بعض النقاد عن ضرورة الاستعانة بمعارف مختلفة، تتيح للمتذوق تعليل الذوق الذي حصل له من قراءة هذا العمل أو ذاك. يتعلق الأمر هنا بمستوى ثان هو "التعمق"، حيث ينتقل القارئ إلى تحليل وتعليل النص، ليكون تذوقه أعمق وأدق.
خلال هذا المستوى يصبح التذوق الأدبي قراءة للنص من داخله، وتحقيقا لأدبية الأدب كما يحددها الدكتور بيومي توفيق مصطفى في صورة حوار بين القارئ والنص؛ يصغي القارئ لكلماته فيثير الحوار من الهزة والقلق أكثر مما درج عليه، ويحاول استكناه الشكل اللغوي وسبر أغواره وتحليل طاقته الإبداعية. تلك الأدبية التي تثق بالنص وتعترف بقدراته، وتمارس فحصا مستمرا لتداخل بنيته، وفك شفرته، فتنمي ملكات الأدب بمعزل عن أشياء مقحمة عليه، كأبحاث علم النفس وعلم الاجتماع والجمال. (3)
يمنح التعمق في الأعمال الأدبية فضيلة توجيه النشاط الإنساني والفني للكاتب، في حال تحرره من ذاتيته المفرطة وإنصاته لنبض المجتمع. وهو توجيه ذو دلالة قيمة، يجعل من التذوق الأدبي مقياسا للتجربة الإنسانية في شمولها وجزئياتها، وفي صلابتها وتكيفها. لذا حين عكف تولستوي على تذوق مجمل الأعمال المسرحية لشكسبير، متحررا من سلطة التقعيد التي انتهجها النقد الكلاسيكي، كشف عن صورة العالَم الإقطاعي الذي كان شكسبير يتحرك داخله، ويحدد لأعماله وجهة ارستقراطية لا تهتم بالطبقات الكادحة!
كيف نتذوق الأدب؟
يثير رونان ماكدونالد في كتابه (موت الناقد) مسألة التحول الجذري الذي طرأ على المشهد الثقافي منذ الثورة الطلابية لسنة 1968. وكيف أن معاداة السلطة في مجتمع الشباب الأوربي امتدت لسلطة الناقد الأكاديمي الذي يملي وجهة نظره حول الآداب والفنون، كأنها كلمة فصل لا تلقي بالا لجمهرة واسعة من القراءة غير المتخصصين. هكذا إذن ازداد النقد تباعدا عن القراء، بعد أن تحول إلى ما يشبه العلم الإنساني الذي يستعير علوم اللغة والعلوم التجريبية في مقاربته للنص الأدبي؛ فعمد القارئ " الجديد" إلى التخلص من النقد وأحكام القيمة، ليفسح المجال ل "وجهات نظر"، يدلي بها قراء تتنوع معارفهم وتوجهاتهم، وبالتالي "أذواقهم".
كان لزاما أن يستحث هذا المنعطف الحرِج جمهور الدارسين لتأطير القراءة التذوقية، وتمكين القارئ من معايير واستراتيجيات تُشركه في تكوين النص الأدبي وإعادة إنتاجه. بل واشترط بعض النقاد كفاءات محددة يجدر بالقارئ أن "يتخلق" بها، من قبيل الموهبة الفطرية، والحساسية الفنية، والوعي المعرفي الشامل، والحياد الذي لا يُكره مستويات النص على التجاوب مع انتماء القارئ او اتجاهاته الفكرية والدينية وغيرها.
شكّلت قاعات الدرس منطلقا لتأسيس معايير تذوق النص الأدبي، وتخريج جيل من القراء يتميز أداؤه في التفاعل مع الأعمال الفنية المختلفة بالمنهجية والدقة. واهتمت الدراسات المعتمدة بوضع قوائم المهارات المطلوبة (رشدي أحمد طعيمة، أحمد عبده عوض، أحمد مناع، فرانك وآخرون..)، والتي يمكن الاتكاء عليها باعتبارها مستويات معيارية للتذوق، من قبيل:
- معرفة المعنى الدلالي والإيحائي للكلمة.
- التمييز بين الأساليب المختلفة في العمل الأدبي.
- استنباط العاطفة المسيطرة على العمل الأدبي.
- إبراز الدور الجمالي للصور والأخيلة في النص.
- تحديد العناصر البنائية للعمل الأدبي. (4)
وأما خارج قاعات الدرس فإن التذوق منوط بقدرة القارئ على التأمل الذي يحقق إفادة المعنى، والتأثر بالتجارب التي يعانيها الأدباء، كل وفق أسلوبه الذي تقترن فيه خصائص التعبير الفني بروعة الأداء، وبالتصوير الذي يُبرز المعاني في إطار مبدَع يهز النفوس.
يصير التذوق الأدبي حركة مستمرة بين النص وقارئه، حتى يحدث التوازن والتناسب، وتتحقق التجربة الجمالية. لذا يتوجب على المتذوق أن يجرد حواسه وشعوره إلى جانب فكره ليصدر عنه قبول العمل الأدبي أو رده وفق ملكة فنية عارفة.
يورد ابن سلام الجمحي في (طبقة الشعراء) خبر الرجل الذي قال لعلّامة البصرة خَلَف الأحمر: إذا سمعتُ الشعر واستحسنته فما أبالي ما قلتَ فيه أنت وأصحابك، فقال خلف: إذا أنت أخذت درهما فاستحسنته، فقال لك الصرّاف: إنه رديء، هل ينفعك استحسانك له؟
***
حميد بن خيبش
......................
(1) د. إبراهيم عوض: التذوق الأدبي
(2) د. صلاح فضل: حواريات الفكر الأدبي. ص148
(3) د. بيومي توفيق مصطفى: أدبية الأدب. ص7
(4) د. ماهر شعبان عبد الباري: التذوق الأدبي.

في سيرته الذاتية الشعرية (المقدمة،1799)، يصف الشاعر البريطاني وليم وردزورث William Wordsworth حلماً رأى فيه فارسا عربيا يمتطي جواده بسرعة كبيرة حاملا حجرا و درعا. الحجر مثّل العقل والعلم، بينما الدرع يرمز الى الشعر والإلهام. كلاهما كانا في خطر شديد، ومن الواضح ان وردزورث منح قيمة عليا متساوية لكل منهما.
من الصعب تقدير ما اذا كان خطر هاتين القيمتين ازداد أم تناقص منذ ايام وردزورث (1770-1850)، لكن يبدو من الواضح ان العقل والعلم حصلا باستمرار على المكانة الراقية على حساب الشعر والخيال. هذا الموقف اكتسب قوة أكبر بفعل عاملي الوضعية والإختزالية، بصيغتهما "هذا هو ذلك فقط". طبقا للاختزالية، البايولوجي في النهاية يُختزل الى الكيمياء، والكيمياء تُختزل الى الفيزياء، وفي نفس المنحى، الشعر ربما يُختزل الى البايولوجي. لكن المعركة لازالت مستمرة.
في كتابها الشهير (قصص دارون: السرد التطوري،2009 جورج اليوت ورواية القرن التاسع عشر) تقارن الكاتبة واستاذة الادب جيليان بيرGillian Beer تلاميذ العقل مع مخلوقات اكثر قدرة على التخيّل. تطرح بير ادّعاء فرويد بان "النرجسية الكونية للرجال، وحبهم للذات،عانت حتى الان من ثلاث ضربات عنيفة من بحوث العلم (الصعوبة في مسار التحليل النفسي، 1953). هذه الضربات حسب ترتيبها الزمني هي : الثورة الكوبرنيكية التي اسقطت مركزية الارض، الجدال الداروني بان "الانسان ليس كائنا مختلفا او متفوقا على الحيوانات"، وثالثا، ادّعاء فرويد بان "الايغو ليس سيدا في بيته" طالما نحن نتصرف بحوافز لاواعية. هذه الضربات لإحساس الانسانية بالخصوصية،ترابطت كخطوات متتابعة قدماً للذهن العقلاني.
هل ان هذه "الثورات" في هوية الانسان التي تبدو أخف في تعاقبها هي دليل على تكيّف الانسان؟وكما بالنسبة للاولى، ربما العديد يشعرون بالفرح في اننا لسنا عالقين في كون ما قبل كوبرنيكوس الصغير نسبيا محاطين بكرات بلورية متحدة المركز بجحيم مشتعل بعيدا عنا .
من الواضح ان الثورة الدارونية عبر الانتخاب الطبيعي كانت فكرة صعبة القبول من جانب اكثرية الناس. تكتب بير عن "القشعريرة المادية" العميقة للعديد من الفيكتوريين الذين شعروا بها من تصوّر العلاقات الجديدة بين الناس والحيوانات – شعور غريزي بالتهديد من جانب البدائي واللاعقلاني في السيطرة على الانسانية الرشيدة. يرى البعض ان التهديد الحقيقي هنا هو للنموذج الأصلي الطبيعي لـ "الاختلاف البشري" – وهي الفكرة التي بدونها لا يستطيع الذهن البشري، بكل اصنافه الاجتماعية، من العمل ابدا. اذا تم انكار الشعور القوي بالاختلافات بين الانسانية وبقية العالم، فان الاضطراب الذهني والعاطفي والارباك والجنون سوف يكون هو السائد . حاليا – تقريبا 165 سنة بعد كتاب اصل الانواع الذي نُشر عام 1859 – العديد من الناس يشعرون بالرفعة بدلا من الانحطاط بسبب قرابتنا بالوحوش، وبكل الاشياء العضوية وغير العضوية. لكن ربما التباينات في صورة شخص ما عن العالم، بما في ذلك اختلافه هو عن الاخرين، هي ضرورية للذهن للاحتفاظ بإحساسه بالهوية؟ اذا كان الأمر كذلك، أين نؤسس الآن إحساسنا بالاختلاف؟
البعض يسقطون الاختلاف وبشكل ضار وغير مستديم على العرق او الثقافة او الجنس. و بنفس التحفيز الاساسي، العديد من النقاد يطالبون وبشدة ان الفن يجب ان يكون مزعجا ومواجها، ويدفعنا دائما الى اعادة ترتيب جذرية لأفكارنا.
كانت هناك ايضا جوانب اخرى صعبة لنظريات دارون. مقدمة خطاب وليم هيرشل William Herschel حول دراسة الفلسفة الطبيعية (1831) "أثارت حماسا شديدا في الشاب تشارلس دارون اضافت الكثير من المساهمات المتواضعة لهيكل العلوم الطبيعية" . مع ذلك، وصف هيرشل لاحقا ثورة دارون بـ "قانون الاضطراب والتشويش"، لأن كل شيء بدا يحدث بشكل مجزأ وعشوائي. كذلك، وكما يقول هكسلي T.H.Huxley،"اذا لم يكن هناك انقطاع ولا خرق في استمرارية السببية الطبيعية"، هل نستطيع كجزء من الطبيعة الحفاظ على معنى الحرية والاختيار الذي تعتمد عليه انسانيتنا؟ (حاليا، ربما هناك طرقا، مثل نظرية الأنظمة العامة، قادرة على انتشالنا من فخ الحتمية، عبر بيان مثلا ان الكون يمكن ان يتكشف بطرق غير متوقعة كثيرا، يرمي حقائق جديدة نحن جزءاً منها و يمكن ان نساهم بها بشكل واع وخلاق).
وفق المنظور المادي الخالص او الطبيعي الذي صاغه دارون،فان كل الأحكام الاخلاقية والجمالية هي وهمية، او في أفضل الاحوال، هي ذاتية فقط. اذا كان كل شيء يعمله الفرد طبيعي (لأنه لا يوجد شيء آخر يكون عليه)، لماذا نستمر بالكفاح ضد اللاعدالة، او نحاول "إنقاذ" المحيط الحيوي؟ مرة اخرى، يبدو ان الاختلافات تذوب في ظلمة رمادية حزينة ويأس معاد للانسانية.
وبالرغم من هذا، وربما جزئيا عبر تجاهل المضامين، استمر الناس بعمل التمايزات والاختيارات مدعومين ومحرّضين من جانب الطبيعة الخلاقة للّغة. الذهن البشري ككل نجا من ثورات العلم عبر الحكايات، والشعر،والتحيزات و ايجاد معنى الجمال. فمثلا، جون ستيوارت مل لجأ الى وردزورث لإنقاذه من الإنهيار العصبي الناجم عن الفراغ والكآبة في الفلسفة المادية.
يجدر الانتباه الى اسلوب فرويد الذكوري في التعبير عن وصف الثورات العلمية الثلاث بالحركات. افتراضه ان الايغو يجب ان يكون "سيدا في بيته" هو ابوي في العبارة، واشارة فرويد لنرجسية الرجل تبدو متأسسة على سيطرة الذكر الاجتماعية بدلا من ان تكون فكرة انسانية شاملة. بدلا من رؤية التحليل النفسي كفارس لإستعمار الظلام، نحن يمكننا التفكير في العقل المتجسد المستكشف لكلا الجنسين باعتباره يخلق روابطا جديدة بين الظلام والنور، العقلاني والعفوي. هذا يقودنا الى تصور الانسانية كافراد يتفاعلون بنوايا طيبة وآمال واهتمام بالملاحظات، لكن لانزال لا نتوقع ابدا معرفة المعنى التام لما يفعلون. لا توجد هناك طريقة بان الضوء العقلاني سيمتد الى كل ما حولنا، لذا يتعين الوثوق بالظلام المتبقي. بهذا الفهم،نستطيع مثلا، نؤكد القرابة مع الحيوانات التي سوف من المحتمل تبقى دائما محيرة. لاحاجة هناك لاحتضان الافاعي والنمور او الذئاب، لكن لاحاجة لايذائهم بدون سبب كاف.
في نفس الوقت هناك الحس الشعري والمرمم في ان هناك نسيج واحد للوجود: نسيج متعدد الالوان ومزخرف بشكل معقد يتضمن كل من العضوي واللاعضوي. دارون ترك بعمق بصمة من القرابة البايولوجية على الذهن الحديث، وعلم الكون الذي يشتق مكونات اجسامنا من النجوم القديمة يدفع الترابط بعيدا. لكن خيال وردزورث كان هناك سلفا عندما ننظر في مقطع مبكر حيث يكتب "قلب يهتز الى الابد، مستيقظ/ للشعور بكل الاشكال التي يمكن ان تتخذها الحياة/ ذلك الاتساع لايزال تعاطفه يمتد/ ولايرى أي خط ينتهي عنده الوجود"(مشية في المساء،1793).
ان أكبر تهديد لهذا الإحساس بكمال الوحدة ربما لايكون في النهاية أي شيء فلسفي، وانما وجود الألم الذي لايمكن توضيحه، الى جانب الحكم بان هذا الألم عظيم ايضا ومدمر،لايمكن تحمّله من جانب الكائن البشري الضعيف. نحن (ربما) نبقى منقسمين في ثنائية عاطفية لا يمكنها ابداً ان تحوّل بشكل دائم وروتيني اللامقبول الى ايجاب. دارون الذي هو ذاته عانى جدا من موت بنته الشابة بسبب المرض، مع ذلك كتب "طبقا لتقديري، السعادة تسود حتما بين الكائنات الحية، مع ذلك هذا سيكون من الصعب اثباته ... بعض الاعتبارات الاخرى،تقود الى الايمان بان كل الكائنات الحية ،كقاعدة عامة،تكونت لتتمتع بالسعادة" (السيرة الذاتية،1876). وردزورث ايضا واجه خسارة وحزن – خاص به وبالناس الآخرين – وهذا بالنسبة له اصبح جزءاً مما نستمع من "موسيقى الانسانية الحزينة والبطيئة"،والتي تبقى مسلية بشكل محير.
كتب دارون ايضا في سيرته الذاتية "الصعوبة الفائقة او استحالة تصوّرهذا الكون الهائل والمدهش، المتضمن الانسان بقدرته في النظر بعيدا الى الوراء وبعيدا نحو المستقبل، كنتيجة للحظ الأعمى او الضرورة. عندما افكر بهذا انا اشعر مكرها للنظر الى ان السبب الاول يمتلك ذهنا ذكيا بدرجة ما مشابه لما لدى الانسان، وانا استحق ان يُطلق علي مؤمنا". مع ذلك، وبصدق تام، هو يستمر لإضعاف هذا الاستنتاج بالسؤال،"هل عقل الانسان الذي،كما اعتقد، تطور من ذهن متدن كالذي تمتلكه ادنى الحيوانات، يمكن الوثوق به عندما يُطرح هكذا استنتاج عظيم؟". هو يقرر انه ليس بسبب ما يبدو من الإزدراء الدائم لعقول الغوريلا – ولهذا يقول، "انا يجب ان اكون راضيا بالبقاء لاادريا". هذا هو استنتاج دارون المتواضع. هناك جو من الشعور الكئيب في قبوله. في وردزورث نجد ادّعاء للحقيقة اكثر شمولا وإلهاما لكنه نسخة شعرية و غير دوغمائية. بالنسبة لوردزورث، الطبيعة كانت روحا تشكيلية "في عملها المظلم واللامرئي توفق بين العناصر المتنافرة".
الطبيعة المُجسدة على شكل "هي" توفر ارشادا – شيئا ما لطيفا، احيانا شرسا، لكنه دائما يضيف الى الإحساس بالمعنى، يدمج بين الفخامة والمتعة العميقة في الكون. هذه التجربة من الشعر لا تساعد في عمل ادّعاءات الحقيقة التي، بالطبع، يقترب منها الناس بوجهات نظر مختلفة هم احرار في انكارها.
وردزورث اعترف بان ما أسماه "فلسفة القرود" من المرجح ان تهاجم الشعراء واصحاب الرؤى بمثل هذه المصطلحات المهينة مثل المحتالين والمتطفلين والمتخلفين عقليا. لكننا تُركنا مع بدائل مفهومة يمكن ان نسلط عليها الضوء بشكل حاد. من هذه، استنتاج وردزورث هو بالتأكيد معقول ومحبط في آن واحد. لذا مع كل الاحترام الواجب لعالم عظيم مثل دارون، لايزال يريد إنقاذ كل من الحجر والدرع من كارثة ثقافية، يمكن القول ان وردزورث هو أفضل مرشد ومثال للحياة الانسانية.
***
حاتم حميد محسن
....................
Wordsworth&Darwin, philosophy Now Feb/Mar 2025

 

لم يكن الفكر يومًا ترفًا يتسلى به العابرون في مسالك التلقي، بل كان—وسيظل—عتاد الوجود في مجابهة ظلامه، وخنجرًا يفلّ هشاشة المسلّمات التي تُختزل بها الحياة. وإن كان للفكر من موئلٍ يحتشد فيه، فإن الصحف والمنابر الثقافية كانت دومًا انعكاسًا لما استقرّ في وعي الجماعة من تصوّرات، ومختبرًا لإعادة إنتاج الأسئلة التي تشاغب صلادة اليقينيات.
غير أنّ الصحافة الثقافية، في سعيها للقبض على وهج المعنى، قد تسقط في فخاخٍ لا تخرج منها سالمة، إذ تترنّح بين النخبوية التي تُفقدها جدواها، والتسطيح الذي يسلبها فرادتها. وهنا، في هذا الحيّز الذي أتسلل إليه الآن ككاتبٍ تتنازعه أسئلته بقدر ما تشدّه مسؤولياته، أجد نفسي مضطرًا لأن أمارس النقد لا بوصفه سلطةً تُلوّح بأحكامها، بل كالتزامٍ لا ينفكّ عن صميم الموقف المبدئي للمثقف العضوي.
إنّ المثقف—بمعناه الغرامشي العميق—ليس محض كائنٍ يلوك المصطلحات ويتنقل بين النصوص، بل هو حاملٌ لرسالةٍ تضطلع بكسر الاحتكارات المعرفية وإعادة توزيع الوعي كحقٍّ للجميع، لا كسلعةٍ يُتاجَر بها في مزاد الصفوة. وإنني إذ أتناول صحيفة المثقف بالنقد، لا أنطلق من موقع الندّية العابثة، بل من إيماني بأن النقد—في جوهره—ليس إلّا فعل حبٍّ شديد التطلّب، لا يرضى بما هو قائم لأنه يؤمن بإمكان ما يجب أن يكون.
وإني إذ أُمنح هذه المساحة لأمارس فعلي النقدي داخل هذا الفضاء، أجد نفسي أمام تناقضٍ لا بدّ من الاعتراف به: كيف لمن يمارس النقد الجذري أن يقبل باستضافةٍ في ذات المنبر الذي يواجهه بالسؤال؟ لكنّ هذا التناقض ليس مما يُخيفني، بل هو عينه ما يؤكد الحاجة الملحّة لفحص الحدود التي تقف عليها الصحافة الثقافية في عالمٍ باتت فيه الفجوات بين الفكر والمجتمع أكثر عمقًا.
إنّ مشكلة المثقف لا تكمن في غياب المحتوى، بل في طبيعة الخطاب الذي يكرّس المسافة بين الكاتب والقارئ، بين الفكرة وواقعها، بين التنظير وإمكانات التفعيل. ففي كثيرٍ من الأحيان، تظلّ المقالات محصورةً في سياقاتٍ أكاديميةٍ تجريدية، تصوغ المعضلات بمنطق المغلق على ذاته، دون أن تمتلك نَفَس النقد الذي يغامر بالدخول إلى عمق الفوضى ليعيد تشكيلها.
وإنني إذ أؤمن بأن الفكر لا يُختزل في المخرجات النصيّة وحدها، بل هو فِعلٌ تغييريٌّ بالأساس، أجد نفسي متسائلًا:
كيف يمكن لمشروعٍ ثقافيٍّ أن يبقى حبيس دوائر محدودة من التلقي دون أن يُعيد مساءلة شروط خطابه؟
كيف تُبنى الصحافة الثقافية على دعوى الانفتاح بينما تبقى محصورةً في ترديد ذات الأسماء وذات المفاهيم، كأنّ لا خارجَ ممكنًا لهذا النسق؟
لكن، إن كان لي أن أُوجّه السهام، فلا ينبغي أن أكتفي بتوجيهها نحو الصحيفة وحدها، بل لا بدّ أن أوجّهها نحوي أيضًا. فأنا، في نهاية الأمر، جزءٌ من هذا الفضاء، شريكٌ—بوعيٍ أو بغير وعي—في إنتاجه وإعادة إنتاجه.
فهل يكفي أن أنقد المنابر الثقافية وأنا أستثمر وجودي فيها؟
هل أستطيع التبرّؤ تمامًا من النخبوية التي أُدينها، وأنا أمارس الكتابة بأسلوبٍ لا يبرأ هو الآخر من تعقيدٍ يجعل الوصول إليه محفوفًا بالمجازفات؟
إنّ الكتابة، في جوهرها، هي موقفٌ مزدوج: ممارسةٌ للمعرفة، ومساءلةٌ لا تنقطع عن طبيعة هذه الممارسة. وإن كنت أتمسّك بدوري كمثقفٍ عضوي، فلا ينبغي أن أرى نفسي فوق النقد، بل عليّ أن أسائِل ذاتي بالقدر ذاته من الحِدّة التي أُسائل بها الخطابات الأخرى.
إنّ الالتزام بالمثقف العضوي ليس شعارًا يُرفع، بل امتحانٌ عسيرٌ يتطلّب من صاحبه أن يبقى في اشتباكٍ دائم مع الواقع، لا أن يتحصّن خلف المفاهيم. وإنني إذ أكتب الآن، لا أُحاول أن أُبرّئ نفسي من التعقيدات التي تحكم وضعي ككاتب، لكنني على الأقل أضع هذه التناقضات في الضوء، بدلاً من أن أُداريها تحت لافتاتٍ برّاقة عن التنوير والمقاومة الثقافية.
وإنّني إذ أُمارس هذا النقد، أُدرك أن لا خلاصَ فرديًا في معركة الفكر، وأنّ كل محاولةٍ لإنتاج خطابٍ جديدٍ تظلّ ناقصةً ما لم تنفتح على نقاشٍ أوسع، على جدلٍ لا يخشى الانهيار، بل يجعله وسيلته للوصول إلى أفقٍ أكثر رحابة.
ليست المثقف هي المشكلة في حدّ ذاتها، بل طبيعة الصحافة الثقافية ككلّ، بما فيها أنا وأنت والآخرون، بما فيها كل من ظنّ أنه يمسك بناصية الفكر وهو في الحقيقة لا يزال أسيرًا لأنماط التعبير القديمة.
فإن كانت هذه المساحة قد أتاحت لي أن أقول ما أقول، فذلك لا يعفيها من النقد، كما لا يعفيني من مسؤوليتي في أن أجعل نقدي متجاوزًا لحدود القول، متجذرًا في فعاليةٍ لا تكتفي بأن تُشير إلى المشكلة، بل تسعى لصنع بدائل أكثر حيوية.
هذا المقال ليس بيانًا ختاميًا، وليس حكمًا نهائيًا، بل هو محض استهلالٍ جديدٍ لسؤالٍ قديم:

 كيف يكون الفكرُ فاعلًا، لا مجرد تكرارٍ لمرايا تُعيد انعكاس ذاتها بلا انقطاع؟
***
إبراهيم برسي

عزيزي القارئ المُحبِّ للحكمة.
أمّا بعد، يُذكر في تاريخِ الأغارقة قصصٌ وعبرٌ تُبذرُ في عقلك ووجدانك على حدٍ سواء. وفي هذا التاريخ مَعينٌ من دليل المبتدأ والخبر، لا ينضب من الحكمةِ والرشادِ والأمل. نسوقُ إليكَ أيها القارئ، مقام فيلسوفٍ عظيمٍ من الأغارقةِ الشامخين، عِلمًا وفهمًا وافهامًا وتفاهمًا. إنه فيلسوفٌ يَعلُو في سماءِ الحكمةِ الإغريقية ولا يُعلى عليه. ازداد بمدينة ستاغيرا عام 384 (ق. م)، عاش بأحضان محبوبته ورمز عطائه الفلسفي مدينة أثينا، وانتقل أيضا إلى مدينة أسوس، المدينة التاريخية التي انتصر فيها الإسكندر الأكبر على داريوس الثالث ملك الفرس عام 333 (ق. م). تتلمذ على يد الفيلسوف أفلاطون، فكان الأوّلَ على دفعته في الأكاديمية. فهل عرفتم من يكون؟
إنه الفيلسوف صاحب العقل الإغريقي الجبّار أرسطو، صاحب المقولاتِ، والتحليلات، وَواضع علم المنطق، والخطابة، والأخلاق... وعلوم ومعارف أخرى ذات الإرتباط بالطبيعة والإنسان. وهو مؤسّس "اللوقيون" أو "الليسيه"، المدرسة الفلسفية النموذجية التي بزغ فيها نجم التقليد الفلسفي المشائي الذي عُرف به هذا الفيلسوف.
أمّا بعد، أسوقُ إليك أيها القارئ الباحث عن الحكمة المُحبِّ لها والمُتلمسِ نفحاتها، قصةً طريفة، بطلها أرسطو وتلميذه الإسكندر المقدوني الأكبر، عظيم الأغارقة المُبجل الذي لا يهدأ له بال، ولا يرتاح له حال، إلا بجوارِ الفيلسوف المَشَّاء. فهل يَخفى على كاتبِ هذه السطور إنْ كانَ فاهمًا أن يُوصلَكَ إلى مرتبةِ الافهام؟ ولا على ساردِ هذه القصة إنْ كانَ مُقتنعًا بنور الحكمة الوضَّاح أن يَعجز عن الإقناع؟ فمُحالٌ مُحَالْ..!!
إليكَ بالقصة: كان للإسكندر الأكبر مجلسٌ في قصره، ذائع الصيت، وكان يُجلسُ على يمينه بهذا المجلس، أستاذه الفيلسوف أرسطو الذي أخذ عنه الحكمة والعلوم والمعارف، فجعله مقربا منه أينما حلّ أو ارتحل. وبينما يُجلسُ على يساره رئيس وزرائه، والرجل الثاني في الدولة بعد الإسكندر. وفي يوم من الأيامِ، تقدم إلى مجلسه أحد المُتزلفين من خُدّام الدولة الأوفياء، من الذين يُبدون لكَ غِيرتهم على هيبة الدولة حسب زعمهم الكاذب المُريب، ونِفاقهم الخبيث الذميم. وأمثال هؤلاء وَأُولئك، ممن يُظهرون تَزلفهم للبلاط على طريقة الذئاب التي تتخفى بدُربةٍ ومهارةٍ وإتقانٍ خلف رداءِ المكر والخداع، وتُظهر لكَ بُرقع الطهارةِ والصفاء.. وما أكثر هؤلاء المنافقين داخلَ بلاطِ الحُكَّامِ وخارجه! هُمْ خُدَّامُ الأعتاب الأوفياءِ الصلحاء، الظرفاءِ الأسوياء..!!
اقترب الرجل المُتزلف، وهو يحيي الإمبراطور بابتسامةٍ ماكرة مرسومة على فكيه، مُكشِّرًا عن نابيه، مُطأطئًا رأسه في تذلل وتواضع، غير مُظهرٍ لذيلهِ الطويل المَلْفُوفِ على بطنه، وهو يمشي على حافريه. عوى المتزلف الذئب قائلا:
- سيّدي الإمبراطور! إسكندرنا الأكبر المقدوني المُعظم المخلّد!
أتسمح لي سيدي بطرح سؤالٍ نابعٍ من غيرتي على دولتكم.
- تفضل خادم أعتابنا الذي يغار على هيبة دولتنا.
- نعم سيدي! أعزتكم الآلهة وباركتْ إمبراطوريتكم!
- قلتُ لكَ سلني يا هذا..!! ماذا تريد أن تقول؟ بدون كثرة المقدمات..!!
- حسنا مولاي! كيف تضعون في مجلسكم المُوقر المبارك هذا، على يمينكم، وعلى مقربة منكم، الفيلسوف أرسطو، وعلى يساركم خادمُ الدولة رئيس وزرائكم؟
كيف يُعقل يا مولاي الإسكندر الأكبر أن تُعلونَ شأنًا من الذي ليس بممثلٍ للدولة والسلطة، وتُقلون شأنًا من رئيسِ وزرائكم الذي جعلتموه في هذا الموضع منكم؟
عفوًا يا مولاي.. أعتذر لجنابكم العالي بالآلهة على تطفلي.. إنّني فقط أتحدثُ عن هيبةِ دولتكم وعظمة مجلسكم الذي نعتبره جزءًا لا يتجزأ من إمبراطوريتكم المُمتدة حتى أطراف الأرض.
ابتسم الإسكندر المقدوني للسائل المُتزلفِ خادم أعتاب البلاط بسخرية وهو يبدي استهزاءه لغيرته المبالغ فيها على دولته، مستهجنًا كلامه ثم أجابه:
ـ اعلم أن رئيس وزرائي الذي تتحدث عنه، أستطيعُ أن أصنع منصبه هذا بمرسومٍ مني لا يأخذ مني غير سطرٍ أمليه على كاتبي، فيكتبه على جلد غنم أو ماعز على حد سواء!
ولِمَ أُكلّفُ نفسي عناء إملاء السطر؟
بل بكلمةٍ واحدةٍ أتلفظها، فآتي بآخر جديد على المقاس الذي أختاره لكي يحل محله وأُجلسه على يساري بمجلسي. إنّه بإشارةٍ مني يكون ذلك. أصنعُ ما أريد. وأنتَ أيضا لو كنتَ مكاني لاستطعتَ القيام بنفس الشيء. وكما قلتُ لكَ فالمسألة ها هنا لا تستدعي صعوبة إخراج القرار أو حتى العمل على تنفيده..!!
أمّا أرسطو فمن هذا الذي يستطيعُ أن يصنعَ مثله؟
هل يا تُرى بمرسوم؟ أم بسطر؟ أم بإشارةٍ مني...؟
ثم اعلم يا هذا أنّني أستطيعُ أن أُلغي رئيس وزرائي بنفس الطريقة التي أخبرتكَ بها قبل قليل.
أمّا أستاذي أرسطو فمن هذا الذي يستطيعُ منا أن يُلغيَ منصبه ومكانه؟
وأنا نفسي باستطاعة الشعب أن يثور عليَّ فينقلب ضدي، ويتم إبعادي عن الحكم فأصير مجرد رجلٍ عادي مثلي مثل أي مواطنٍ إغريقي..!!
أمّا أرسطو فمن منا يستطيع أن يجعله رجلا عاديا..؟!
إنّه كالآلهة! نعم كالآلهة! لا يد لنا في صُنعه أو إلغائه! لذلك فهو دائمًا الأعلى مرتبة منا جميعا.
بُهتَ المُتزلف واحمرَّ وجهه وجحظتْ عيناه في مجلس الإسكندر، وكأنّه استشعر صفعةً كالسيفِ القاطعِ، فازورَّ من لهيبها ثُمَّ تجمَّع وانصرفْ!
هكذا أيها القارئ كان مقام أرسطو عند الإسكندر المقدوني الأكبر عظيم الأغارقة. إنه مقامُ الفيلسوف حيثُ أَقَامَهُ بنفسه وعِلمه وأخلاقه، وشَهِدَ له بذلك تلميذه الإسكندر الذي شدّ به أَزْرَهُ، فكان الفيلسوف له عونًا على الحكم ومُوجِّهًا لسياسته داخل إمبراطوريته التي اممتدتْ حتى بلاد فارس. ولا عزاء أيها القارئ لمن ينكَّر لأستاذه ويرتمى في أحضان الانتهازية والوصولية لقضاء مآربه..!! وما أكثر هؤلاء بحكم وجودهم على سطح الأرض في صنعِ تاريخٍ بشريٍّ مِلؤه التملق والتزلف، وبما في هذا التاريخ من مُيوعةٍ مُبتذلة، ونفاقٍ مشروع، وكذبٍ مُباح..!!
لذلك أيها القارئ المُحبِّ للحكمة،
لا تستغرب إن وجدتَ الناس يجعلون من كلِّ جَرْوٍ وعْواعٍ إلا وله رأي ومعرفة وصوت وفلسفة وشعر...!!
عجبي لمن يريد من هؤلاء الانتهازيين أن يَسلب النار حرارتها والريح عصفها والشمس نورها، والذي لا نرى فيه إلا تفاهةً تَستتير بمِعطفِ المعجبين والهاتفين المُذكِّينَ للأنانية الهمجية وحبِّ الذات إلى درجة أن صارتْ نظرة المتعجرفين صغيرةً جدًا لعظمة الكونِ اللامحدود، وفي مقابل ذلك صارتْ نظرتهم كبيرة جدًا لذواتهم إلى درجة النرجسية والعياد بالله..!!
وقد صدق أرسطو عندما رد على هؤلاءِ المتعجرفين قائلا: "إن المعرفة تجعلنا متواضعين لأننا ندركُ بواسطتها مدى عظمة الكون وصغر أنفسنا".
وبعد، فَلْيُبَارِك كلُّ مُحبٍ للحكمةِ هذا الفيلسوف مباركةً تُخلِّدُ ذِكراه في سماءِ الفكرِ الإغريقي، ثُمَّ عليه وعلى سيرته العطرة أسمى عباراتِ التقدير والاعتزاز.
***
بقلم: محمد الشاوي

رَضِىَ المُتَيّمُ فِي الهَوىٰ بِجُنونِهِ، خَلُّوهُ يَفْنَىٰ عُمْرِهِ بفُنُونِهِ
لا تَعْذِلُوهُ فَلَيْسَ يَنْفَعْ عَذْلُكُمْ، ليس السلو عن الهوى من دينه (أبو الحسن الشيشتري)

في درب المناجاة، لا يبرح القلب يترنح كالطير الباكي، ولا تصحو الجوارح كلها، على نقيض ما تلهج به سوانح الدنيا وملماتها، دون أن تصرف آثار البوح عما ترنو إليه محبة المعشوق ونياط العاشق.
هذه المفازة البعيدة والفرادة اللذيذة، لا تصبر عن الإماطة، فيما يجدر به أن يكون تأويلا لحقيقة الوجود، حتى يتألف بيان المباينة بين الرب والمربوب، والخالق والمخلوق. وهو ما تقره الفطرة، وتسلكه الدوافع الإيمانية عقلا وإيمانا واعتقادا.
فما شكل ونوع المناجاة في تفكير الرائي؟ وما تدبير القول فيما ينتج عن التناجي والتَسَارّ المجليان للكشف والتعلق والخشوع والتطهر؟
في التفكير الصوفي، يكون الحب الإلهي، مقامات وأحوال تسبر الحالة الوجدانية العرفانية المنبثقة عن بوح ومناجاة، تبذر لغة خاصة ممتلئة بجمال الذوق وحسن الصنعة وارتقاء الشعر. وفي سحر هذا التجرد الإيتيقي لحال المتصوفة، تستكنه النفس بعضا من تجليات الفناء في الحب الإلهي، فيجود البدل الوجداني المناجاتي بأبلغ ما تفور به الوجدانات، دهشة وتحيرا واستغرابا.
ﻭتطرح ﺭﺅﻳﺔ التناجي تلك، ﻫﺎﺟس تجاوز المحسوس والمادي ومحدودية الذات من أجل معانقة المطلق الكلي لذاك الجمال المنذور، تحت سلطة لامرئية، توازي استيهامات التلقي وحضور كل أنواع الخشوع والذلة والاعتذار والمسكنة والافتقار.
عن أبي الحسن الشاذلي أنَّهُ قال: قيل لي: يا عليُّ، طَهِّرْ ثِيَابَكَ من الدَّنَسِ تَحْظَ بمَدَدِ اللهِ في كلِّ نَفَسٍ، فقلت: وما ثيابي؟ فقيل لي: إنَّ الله كساك حُلَّة المعرفة، ثم حلة التوحيد، ثم حُلَّة المحبة، ثم حُلَّة التوفيق، ثم حُلَّة الإيمان، ثم حُلَّة الإسلام، فمن عرف الله صغر لديه كل شيء، ومن أحب الله هان عليه كل شيء، ومن وحَّد الله لم يشرك به شيئًا، ومن آمن بالله أمن من كلِّ شيء، ومن أسلم لله قَلَّمَا يعصيه، وإن عَصَاهُ اعتذَرَ إليه، وإن اعتذر إليه قَبِلَ عُذْرَهُ. قال: ففهمت من ذلك قوله تعالى: "وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ".
فذلك أن مناجاة من يدرك ويبصر، هو معرفة بذات المدرك، وتكسي ب"حلة المعرفة"، وحلة التوحيد، كناية على إبداع لا تضاهيه سوى حجب الإيمان والتسليم بكل شيء، والتقرب بكل شيء، مخافة العصيان وانكفاء بسمة الاعتذار قبل العذر. وإلى ذلك، تصير حالة التطهر مساحة واجدة وموجودة. يقول الجنيد: " اللهم وكل سؤال سألته فعن أمر منك لي بالسؤال، فاجعل سؤالي لك سؤال محابّك، ولا تجعلني ممن يتعمد بسؤاله مواضع الحظوظ بل يسأل القيام بواجب حقك". ذلك السؤال الذي لا يميط اللثام عن كل ما يجوس بالأنفس حين انشغالها بالمعشوق، وانحلالها عن طريقه وكونه.
ولهذا يحمل المتصوفة في بلاغات مناجاتهم آثار الخوف من عاديات الذنوب وأوساخ الدنيا، فيبلُغون أقصى درجات المناجاة، ليحتموا بالمغفرة والسُلُوًّان، ومرضاة الرضوان، فيوثرون الإغراق في تمجيد الذات الإلهية وإعلائها. يقول أحدهم تعبيرا عن هذا التناص الروحي:
"مثال الذَّنْبِ عند أرباب البصائر كجيفةٍ أدخلت الكلاب خراطيمها فيها، أرأيت إذا غمس رجلٌ فمه في جيفة أفما تعيب عليه؟ إذا كان الحق سبحانه قد جعل ميزانًا للبيع والشراء أفما يجعل ميزانًا للحقائق؟!".
ومثال ذلك عندنا، أن إدراك الحقائق لا يكون بدون انشداد وتحري، إطاعة واستطاعة، وإذعان وتماهي. والمناجاة بكل ذلك، يكرس صفة التسامي والتوق إلى ملاقاة الحبيب بما يجدر بالمخلوق وما يقتضي لدى خضوعه واستسلامه.
يقول أحد الشعراء:


فإن بَدَا منهم حال توَلُّهِهِمْ
عن الشريعةِ فاتْركْهم مع اللهِ
*
لا تَتَّبِعْهُم ولا تَسْلكْ لهم أثرًا
فإنهم طُلقاءُ اللهِ في اللهِ
***

د. مصطفَى غَلْمَان

بين حرية الفكر وأسر البيولوجيا

لو أن النيل توقف عن جريانه يوما، متكئا على أمجاد ضفتيه الفرعونيتين، لصار بركة آسنة تذكر بالماضي ولا تنتج حياة. هذا بالضبط ما يحدث حين تحول الهوية نفسها إلى مسلحة بالدم و"السحنة" و"السلالة"، بدل أن تكون نهرا يجمع روافد التاريخ، ويواري في أعماقه أسرار التحول. كتاب سلامة موسى عن "مصر اصل الحضارة" يضعنا أمام مرآة مكسورة لزمن مضى، تتقطع فيها صورة مصر إلى شظايا بيولوجية، وكأن حضارة بنت الأهرام بالعقل والروح، يمكن اختزالها في حمض الفوليك.
لم يكن سلامة موسى - ذلك المفكر الكبير - مجرد كاتب، بل كان ابنا شرعيا لعصره؛ عصرِ الهوس بالعلموية (Scientism) كبديل عن الدين، وبالعرق كبديل عن الثقافة. هنا، تخطر مفارقة: كيف لرائد تنويري أن يقع في فخ التبسيط البيولوجي، مقرا بأن جينات المصريين تحمل سر تفوق أجدادهم؟! الجواب يكمن في أن النزعة الفرعونية - التي انبثقت مع فك رموز حجر رشيد - لم تكن سوى رد فعل هش لصدمة الاستعمار الغربي. فـ"الغرب" الذي استعبد الجسد المصري بالاحتلال، استعبد العقل المصري أيضا بمعرفته المزيفة عن الشرق. فجاءت دعوة موسى للعودة إلى الفرعونية - عبر بوابة الدم - كصرخة لاستعادة الكرامة، لكنها - للأسف - استعارت أدوات الخصم العرقية ذاتها.
البيولوجيا كأيديولوجيا
ما أخطر أن تتحول الهوية من سؤال ثقافي متنوع إلى إجابة جينية مغلقة! حين يتحدث سلامة موسى عن "السحنة المصرية "، فإنه - دون قصد - يقيد مصر في إطار أنثروبولوجي ضيق، يشبه ذلك الذي رسمه علماء الاستعمار لـ"تقسيم" البشر إلى أعراق متراتبة . لكن أليس العبقرية المصرية - من ابن سينا إلى طه حسين - هي التي أثبتت أن الحضارة تبنى بالانفتاح، لا بالانغلاق؟! ألم تكن مصر دائمًا بوتقة انصهار للآشوري والنوبي والفارسي والعربي، حتى صار "الدم المصري"- لو جاز التعبير - كالنيل: خليط من كل الأنهار، لكنه نهر واحد؟!
حرية الفكر وعبادة التراث:
ليس المطلوب هنا محاكمة سلامة موسى- فكل عقل ابن زمنه - بل محاكمة الفكرة ذاتها: هل يصح أن نتعامل مع التراث كمعطى “بيولوجي" يورث، أم كـ "مصدر ثقافي" يفتح للنقاش؟ دعوة سلامة موسى -رغم نبل مقصدها - تقع في فخ التقديس، وكأن الهوية إرث ننقله في الجينات، لا مشروع نصنعه بالإرادة. هنا، يبرز سؤال جمال حمدان الذي طالما أرقه: هل مصر جغرافيا أم تاريخ أم مشروع؟! إذا كانت الإجابة "كل ذلك"، فلماذا نختزلها في "سلالة" ؟!
نحو هوية نيلية
قد نغفر لسلامة موسى تعلقه بـ"الفرعونية البيولوجية"، فربما كان ذلك ضرورة تاريخية لمواجهة شعب مهان. لكننا- اليوم-أمام تحد أكبر: أن نصنع هوية تستوعب الفرعوني دون عقدة التفوق، والعربي دون عقدة النقص، والإفريقي دون عقدة الحدود. هوية تكون كالنيل: تصب فيها كل الروافد، لكنها تظل نهرًا واحدًا يجرِي نحو المستقبل، لا نحو الماضي.
سيناريوهات المستقبل
1. الجذور التاريخية كـ «ألغام»: لماذا تعود الفرعونية البيولوجية اليوم؟
لا ينفصل هوس سلامة موسى بالهوية الفرعونية عن سياق جيوسياسي معقد: مصر أوائل القرن العشرين كانت جسدا مقسما بين احتلال بريطاني يسحق كرامتها، ونخبة وطنية تبحث عن سردية تعيد لها الفخر المفقود. لكن الخطر هنا ليس في الفكرة ذاتها، بل في تحويلها إلى أيديولوجيا قابلة للاستنساخ. فاليوم، نرى إحياء جديدًا لخطابات التفوق العرقي تحت مسميات مثل «أصالة الدم» أو «الحفاظ على النقاء الجيني» ، وكأن التاريخ يعيد نفسه بوجه معصفر بالتكنولوجيا! السؤال الاستراتيجي: هل تريد مصر أن تكون أمة مستقلة بهوِيتها، أم سجنا كبيرا لـ«مومياوات فكرية»؟
2. المعضلة الجيوسياسية: الهوية بين التميز والانعزال
مصر- بحكم موقعها -جسر بين قارات ثلاث، وحضارتها نتاج لتفاعل الأفارقة والآسيويين والأوروبيين. لكن النزعة الفرعونية البيولوجية - كما قدمها موسى - تحول هذا الموقع المفتوح إلى قلعة منغلقة، تحاصر نفسها بأسوار الماضي. هل يعقل أن تنافس مصر- التي كانت ولا تزال محور العالم -بمفردات انعزالية ؟! الإجابة تكمن في مفارقة: قوة مصر الإستراتيجية تأتي من قدرتها على استيعاب التناقضات، لا إنكارها.
3. البيولوجيا كـ«سلاح استعماري»: استدراج الضحية لتكرار جريمة الجلاد
الغرب - الذي اخترع «العنصرية العلمية» لتبرير استعماره - نجح في تصدير أدواته الفكرية إلى النخب المحلية، فصار المصري يحارب الاستعمار بعقدة التفوق نفسها التي زرعها فيه المستعمر! هنا يبرز السؤال المحوري: كيف لنا أن نصوغ هوية وطنية لا تستورد عقد التفوق/ الاضطهاد من الغرب، بل تستلهم خصوصية مسارها الحضاري؟
4. سيناريوهات المستقبل: الهوية بين «التطهير العرقي» و«التنقية الثقافية»
لو افترضنا أن مصر تبنت رؤية موسى البيولوجية بشكل رسمي، فما السيناريوهات الممكنة؟
- السيناريو الكارثي: انقسام مجتمعي بين من يصنفون «أصحاب دم فرعوني» وآخرين «دخيلين»، مع تصاعد خطاب الكراهية.
- السيناريو الانعزالي: تقوقع ثقافي يفصم مصر عن محيطها العربي والإفريقي، وفقدان تدريجي لدورها الإقليمي.
- السيناريو التوافقي: تبني هوية مركبة تعترف بالفرعونية كـ«طبقة» من طبقات التاريخ، دون إنكار العروبة أو الأفريقانية.
5. البديل الاستراتيجي: الهوية كـ« مشروع ديناميكي» لا كـ « نسب جامد»
الدرس الأهم من تجربة سلامة موسى هو أن الهوية - إذا تحولت إلى مسلحة - تقتل ذاتها. البديل يكمن في رؤية ثلاثية الأبعاد:
- البعد الأفقي: الاعتراف بتعددية الروافد المكونة للشخصية المصرية (فرعونية، عربية، إفريقية، متوسطية).
- البعد الرأسي: الربط الواعي بين الطبقات التاريخية دون تقديس أي منها.
-البعد المستقبلي: تحويل الهوية إلى أداة لصناعة مشروع وطني يستوعب التحديات العالمية (كالتغيرات المناخية، والثورة التكنولوجية).
الخاتمة الإستراتيجية: النيل لا يبحث عن منبعه، بل عن مصبه .. مصر التي تستمد شرعيتها من «نقاء الدم» ستكون دائمًا أضعف من مصر التي تستمد قوتها من « نقاء المشروع ». الفرق هنا جوهري: الأولى تحفر قبرها بالحنين إلى الماضي، والثانية تبني جسورها نحو المستقبل.
***
عبد السلام فاروق

تتشكَّل تجاربُنا في هذا العالم من خلال تفاعلنا مع الآخرين عبر اللُّغة، وهي أداة تطورت جنبًا إلى جنب مع الفكر الإنساني. لطالما ظن الإنسان أنَّ الكلمات تحمل معاني ثابتة ومحايدة، لكن الواقِع أكثر تعقيدًا، إذ تتغير الدَّلالاتُ عبر الزمن، متأثرة بالسياق والاستعمال والتَّأويل.
الكلمات تحمل أكثر من مجرد تعريفات مُعجميَّة، إذ تتشكل من خلال التَّجربة والاستعمال، وتكتسب أبعادًا تتجاوز معناها الظاهر. حين تُنطق أو تُكتب، فإنها تدخل في شبكة معقدة من العلاقات، حيث لا يكون اللَّفظ معزولًا عن السياق الذي وُلِد فيه، ولا عن التأثيرات التي تراكمت داخله عبر الزمن. لهذا، لا يمكن التعامل مع اللغة بوصفها أداة محايدة، فهي دائمًا مشحونة بدلالاتٍ تتجاوز المقصود المباشر، وتستدعي آثارًا من استخدامات سابقة قد تظل حاضرة حتى دون وعي المُتكلِّم بها.
وهكذا، فإنَّ المعنى لا يُستخلص من المُفردة وحدها، بل ينبثق من التفاعل بين الكلمات، ومن موقعها داخل البنية التي تحتويها. في كل استعمال، تنشأ إمكانية جديدة للفهم، حيث تتغير العلاقات وفقًا للسياق والنية والانطباعات المسبقة. ما يبدو واضحًا عند القراءة الأولى قد ينفتح على مستويات أخرى عند التأمل في طبيعة التَّراكيب المستخدمة أو في الدَّلالات التي تستدعيها الكلمة ضمن نص معين. ولهذا، يصبح الفهم عملية ديناميكية، لا تتوقف عند حد معين، بل تتطور مع كل قراءة جديدة.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، إذ لا تنشأ أي كلمة من العدم، فكل لفظ يحمل أثر استعمالاته المتراكمة، ويتحرك في فضاء لغوي تتداخل فيه الأزمنة والدلالات. عند استخدام مصطلح ما، يتجاوز معناه المباشر، مستدعيًا إرثًا لغويًا متجذرًا. وهو ما أسمِّيه: «طيفُ المعاني»، وهو يشير إلى ذات المعنى، لكنه أكثر وضوحًا وأدق من كلمة “الأثر” عند دريدا. يمنح هذا التراكم اللغة عمقًا وحيوية، ويفتح المجال لتعدد التأويلات، حيث يتشكل المعنى من تفاعل قصد المُتكلِّم وإمكانات الفهم لدى المُتلَقِّي.
على هذا الأساس، الألفاظُ ليست كياناتٍ ثابتة، فإن التعامل معها يقتضي وعيًا بحركتها الدائمة، وبالاحتمالات التي تنفتح من خلالها. كل نص يخلق شَبكةً من المعاني التي قد تتقاطع مع النُّصوص الأخرى أو تتعارض معها، مما يجعل أي خطاب امتدادًا لحوار مستمر بين الحاضر والماضي، بين القصد والتأويل، بين الدَّلالة الظَّاهِرة والاحتمالات التي تظل كامنة في بنية اللغة نفسها.
***
خالد اليماني

 

في عالم يمتلئ بالادعاءات الكاذبة والجهل والخرافات، ويموج بالتحديات والتحولات، عالم يتلاعب فيه السياسيون بنا وبأفكارنا، ويسوقوننا في دوامة من الفساد ونهب الاموال، يبرز التفكير النقدي ليس فقط كأداة حيوية للشخصية، بل كمسؤولية ملحة تقع على عاتق كل فرد. انه واجبنا نحو انفسنا واجيالنا القادمة، ان نتحرر من قيود التبعية، وان نمتلك القدرة على التمييز بين الحق والباطل، وان نسعى لبناء مجتمع قائم على العدل والشفافية. التفكير النقدي ليس مجرد مهارة مكتسبة، بل هو نهج حياة يحرر العقل من قيود الانقياد الاعمى، ويصقل الشخصية لتكون قادرة على مواجهة التضليل والتلاعب وفضح الفساد واستعادة زمام المبادرة في بناء مستقبلنا. انه يمنحنا القدرة على التفكير المستقل، ويمكننا من تحليل المعلومات وتقييمها بشكل موضوعي، واتخاذ قرارات مستنيرة. من خلال التفكير النقدي، يكتشف لنا معنى وجودنا ودورنا في الحياة. نتساءل ونستكشف ونحلل، مما يقودنا الى فهم اعمق لنفسنا وللعالم من حولنا. يدرك المفكر النقدي ان التلقين هو عملية تقيّد العقل وتحجّم الابداع. انه يرفض ان يكون مجرد ببغاء يردد ما يسمعه، بل يسعى الى فهم الحقائق وتحليلها بنفسه.
الاسئلة الجوهرية وادوات التحليل
التفكير النقدي أداة حياتية تمكننا من التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين الرأي والحقيقة. تخيل نفسك تقف أمام بحر من المعلومات المتضاربة، كيف ستعرف أيها جدير بالثقة؟ هنا يأتي دور التفكير النقدي، فهو يزودك بالبوصلة التي ترشدك في هذا البحر المتلاطم. لكن التفكير النقدي لا يمكنه تحقيق ذلك دون معرفة ومعلومات. فبدون قاعدة بيانات واسعة ومتنوعة، يصبح التفكير النقدي مجرد أداة فارغة. لذا، الجمع بين التفكير النقدي والمعرفة المتينة هو المفتاح للوصول الى الحقائق واتخاذ قرارات مستنيرة.
يبدا التفكير النقدي بطرح الاسئلة الجوهرية: ما هو مصدر هذه المعلومة؟ هل هو موثوق؟ هل هناك اي تحيزات كامنة؟ هل الادلة المقدمة قوية وكافية؟ هل هناك وجهات نظر اخرى تم تجاهلها؟ هذه الاسئلة ليست مجرد تمارين عقلية، بل هي ادوات تمكننا من تحليل المعلومات بعمق، وتقييم الحجج بموضوعية، والوصول الى استنتاجات مستنيرة.
عندما تواجه خبرا او معلومة، فان الخطوة الاولى هي التحقق من المصدر. السؤال الاساسي الذي يجب ان يرافقنا دائما هو: من هو مصدر هذه المعلومة؟ هل هو موثوق؟ فعندما نصادف خبرا او معلومة، يجب ان نبدا بالبحث عن مصدرها الاصلي، هل هي وكالة انباء معروفة، صحيفة موثوقة، ام مجرد منشور على وسائل التواصل الاجتماعي؟ لا تكتف بذلك، بل تحقق من سمعة المصدر، هل لديه تاريخ في نشر معلومات دقيقة؟ هل هو معروف بالشفافية والنزاهة؟ والاهم من ذلك، ابحث عن مصادر اخرى تؤكد نفس المعلومة، فكلما زادت المصادر الموثوقة التي تؤكد المعلومة، زادت الثقة بها. هذه الخطوات العملية تمكننا من بناء اساس متين من المعلومات الموثوقة، وتجنب الوقوع في فخ الاخبار المزيفة والتضليل.
بعد التحقق من المصدر، حان دور تحليل المحتوى. لا تقبل اي معلومة دون دليل، اطلب من صاحب المعلومة تقديم ادلة تدعم ادعاءاته، وحلل الادلة المقدمة، هل هي قوية وكافية؟ هل هناك اي ثغرات او تناقضات في الحجة؟ ابحث عن اي تحيزات محتملة في المحتوى، هل هناك اي محاولة للتلاعب بالعواطف او تضليل الجمهور؟ لنفترض انك رايت خبرا مثيرا للجدل على وسائل التواصل الاجتماعي؛ لا تشاركه فورا، بل تحقق من مصدر الخبر، وابحث عن مصادر اخرى تؤكده، حلل المحتوى، وابحث عن اي علامات تدل على التضليل.
لا تكتفِ بوجهة نظر واحدة، بل ابحث عن وجهات النظر المختلفة حول القضية، وحلل نقاط القوة والضعف في كل وجهة نظر، وحاول ان تفهم دوافع الاشخاص الذين يحملون وجهات نظر مختلفة. تخيل انك تستمع الى شخص يحاول تضليلك، لا تقبل كلامه دون تفكير، اطلب منه تقديم الادلة، وحلل حججه، وحاول ان تفهم دوافعه.
كل معلومة او حجة تستند الى افتراضات معينة، حاول ان تحدد هذه الافتراضات، واسال نفسك: هل هذه الافتراضات صحيحة؟ هل هناك اي افتراضات بديلة؟ لا تتردد في التشكيك في الافتراضات الشائعة او المسلمات.
استخدم الادوات المتاحة للتحقق من المعلومات، مثل محركات البحث ومواقع التحقق من الحقائق وادوات تحليل البيانات.
التفكير النقدي والابداع
ان التفكير النقدي ليس مجرد اداة للدفاع عن النفس ضد التضليل، بل هو ايضا محرك للابداع والابتكار. انه يشجعنا على التفكير خارج الصندوق، وطرح الاسئلة غير التقليدية، وايجاد حلول جديدة للمشاكل القديمة. انه يمنحنا القدرة على بناء مستقبل افضل، لاننا نصبح قادرين على اتخاذ قرارات مستنيرة ومسؤولة.
كيف يمكن للتفكير النقدي ان يكون محركا للابداع والابتكار، هذه بعض الامثلة العملية: يبدا التفكير النقدي بالتشكيك في الوضع الراهن، هذا التشكيك يفتح الباب امام استكشاف بدائل جديدة وحلول مبتكرة. تخيل انك في مجال تصميم المنتجات، بدلا من قبول التصميمات التقليدية، تساءل: "لماذا نصنع هذا المنتج بهذه الطريقة؟ هل هناك طريقة افضل واكثر كفاءة؟" هذا التساؤل قد يقودك الى ابتكار منتجات جديدة او تحسين المنتجات الحالية، وهذا هو جوهر الابداع.
لا يقتصر التفكير النقدي على التشكيك فقط، بل يشجع على توليد الافكار الجديدة من خلال البحث عن العلاقات بين المفاهيم المختلفة، وتحليل المشاكل من زوايا متعددة، واستخدام الخيال والابداع. لنفترض انك تواجه مشكلة معقدة، استخدم تقنيات العصف الذهني، تلك العملية الابداعية التي تشجع على تدفق الافكار بحرية ودون قيود، لتوليد مجموعة متنوعة من الافكار، من خلال فتح العقول على مصراعيها، وتشجيع الجميع على المشاركة بأي فكرة تخطر ببالهم، مهما بدت غريبة او غير تقليدية، ففي هذه المرحلة، لا مجال للنقد او التقييم، بل الهدف هو اطلاق العنان للخيال، وجمع اكبر قدر ممكن من الافكار، التي قد تكون نواة لحلول مبتكرة ومبدعة. ثم استخدم مهارات التفكير النقدي، التي تتضمن التحليل العميق والتقييم الموضوعي والمنطقي، لتقييم هذه الافكار واختيار الافضل. ابدا بتحليل كل فكرة على حدة، وفكر في مدى جدواها وقابليتها للتطبيق، وهل تتناسب مع الاهداف المرجوة؟ ثم قارن بين الافكار المختلفة، وقم بتقييم نقاط القوة والضعف في كل منها، وفكر في المخاطر والمكافأت المحتملة لكل خيار. لا تتردد في طرح الاسئلة الصعبة، مثل: هل هناك اي افتراضات غير صحيحة؟ هل هناك اي تحيزات محتملة؟ هل هناك اي حلول بديلة؟ استخدم المنطق والاستدلال لتقييم الادلة، وتجنب التفكير العاطفي او المتحيز. في النهاية، اختر الفكرة التي تتوافق مع معاييرك وتلبي احتياجاتك بشكل افضل. هذه العملية تضمن ان الحلول التي تتوصل اليها ليست فقط مبتكرة، بل ايضا قابلة للتطبيق وفعالة.
بعد توليد الافكار، ياتي دور التقييم والتنقيح. في مجال البحث والتطوير، على سبيل المثال، استخدم مهارات التحليل والتفكير المنطقي لتقييم جدوى الافكار الجديدة، وحدد المخاطر المحتملة، وطور خطط عمل لتنفيذ هذه الافكار. هذا التقييم النقدي يضمن ان الافكار الابداعية تتحول الى ابتكارات عملية ومجدية.
التفكير النقدي يمنحنا القدرة على اتخاذ قرارات مستنيرة ومسؤولة، وهو ما يساعدنا على بناء مستقبل افضل. في مجال ادارة الاعمال، استخدم مهارات التحليل المالي والتفكير الاستراتيجي لاتخاذ قرارات استثمارية مستنيرة، وتطوير خطط عمل فعالة، وادارة المخاطر بشكل مسؤول. هذه القرارات المستنيرة هي التي تقود الى النجاح والتقدم.
كما يمكن للتفكير النقدي ان يحدث تغييرا جذريا في مجالات مختلفة. في مجال التعليم، يمكن ان يدفع المعلمين الى تطوير اساليب تدريس مبتكرة تشجع الطلاب على التفكير النقدي والابداعي. في مجال الطب، يمكن ان يدفع الاطباء الى تطوير اساليب علاج جديدة واكثر فعالية. وفي مجال التكنولوجيا، يمكن ان يدفع المهندسين الى تطوير تقنيات جديدة ومبتكرة تحل المشاكل المعقدة. هذه الامثلة توضح كيف يمكن للتفكير النقدي ان يكون محركا قويا للابداع والابتكار، وبناء مستقبل افضل للمجتمعات.
وعندما نمتلك ادوات التفكير النقدي، نصبح اكثر قدرة على تحدي الافكار والمعتقدات التي يفرضها السياسيين والمتطرفين. سوف لن نقبل الامور كما هي، بل نسعى الى فهم الاسباب والنتائج. في عصر المعلومات، نواجه سيلا من الاخبار والمعلومات المتضاربة. التفكير النقدي يمكننا من التمييز بين الحقيقة والزيف، واتخاذ قرارات مبنية على معلومات موثوقة. يساهم التفكير النقدي في رفع مستوى الوعي لدينا، مما يجعلنا اكثر قدرة على المشاركة الفعالة في بناء مجتمعنا ووطننا.
انه يشجعنا على الابداع والابتكار، فهو يدفعنا الى التفكير خارج الصندوق، وايجاد حلول جديدة للتحديات التي تواجهه، ويساهم في تحقيق التنمية المستدامة، من خلال التشجيع على التفكير في القضايا البيئية والاجتماعية والاقتصادية بشكل مسؤول. كما يعتبر التفكير النقدي اساسا لبناء مجتمع المعرفة، حيث يتم تشجيع الحوار والنقاش وتبادل الافكار.
يمكن القول ان التفكير النقدي هو ضرورة حتمية للانسان المستقل في هذا العصر. انه يمنحه الحرية والاستقلال الفكري، ويمكنه من مواجهة التحديات وبناء مستقبل افضل.
***
ا. د. محمد الربيعي
.........................
مقالات للكاتب حول الموضوع:
- اهمية التفكير النقدي في التعليم والثقافة والبحث العلمي. 2024. الثقافة الجديدة. العدد 442
- تحدي التفكير النقدي مقابل الحفظ والتلقين. 2020. شبكة الاقتصاديين العراقيين.
- ما هي أهمية وفوائد "التفكير النقدي"؟ 2017. كتابات في الميزان.

klepto cracy كليبتو كراسي أو الكليبتوقراطية، إصطلاح ظهر في بدايات القرن التاسع عشر يصف النظام السياسي الذي يستولي على صناعة القرار فيه أشخاص يعتمدون منهج الفساد المالي والفساد الإداري، يعملون على توظيف صلاحيات السلطة في تسهيل وصول الفاشلين والفاسدين الى المناصب الإدارية المهمة والمناصب السياسية المتقدمة. هذا يعني وجود خلل وإنحراف في هيكلية الواقع السياسي للسلطة. يظهر هذا الإنحراف في أجندات عمل مؤسسات الحكومة من قبيل تضمين الخطاب الحكومي الرسمي آيات قرآنية وأحاديث نبوية وحكم وعبارات المواطنة والإنسانية ولغة الحوار والمدنية والتثقيف وعبارات (القانون فوق الجميع) و(استقلال العدالة ونزاهة القضاء)، وإنصاف المظلومين، وتقديم الخدمات للمواطنين وتخفيف معاناة الفقراء، وتوفير فرص العمل، وحق التعليم وحرية التعبير، وإقامة مهرجانات وندوات ومحاضرات حكومية لمكافحة الفساد، وتوجيه الوعي العام للمواطنين، وتحذيرهم من عمليات الإحتيال والابتزاز، ونشر ارقام للخطوط الساخنة، واطلاق اسماء شخصيات تاريخية وطنية اتصفت بالنزاهة والشجاعة والابداع والمبدئية على هذا الشارع وتلك البناية وذاك المجمع.
يقابل ذلك ملفات فساد ضخمة لمسؤولين كبار في الحكومة، وهدر مقنن لمبالغ طائلة في ميزانية الدولة، وخروج ميسر لمسؤولين متهمين بقضايا فساد من البلاد، وغياب واضح لمصير أموال مسروقة، وظهور مئات الأشخاص من ذوي الثراء الفاحش مقابل ملايين الفقراء والعاطلين، مشاريع وهمية، صفقات مشبوهة، صفقة القرن، عقود فضائية، رواتب مزدوجة، منح ونثريات شكلية، وتدخل للمزاجية الرسمية في إستقطاع نسب من رواتب الموظفين والمتقاعدين.. و.. و..
وكلما كبرت هذه القضايا وكثرت ملفات الفشل والفساد، اشتغلت الماكنة الإعلامية الرسمية لتعلن عن مبادرة حكومية لمكافحة الفساد وعن تشكيل لجان لتقصي الحقائق، وإستصدار أوامر إعتقال بحق موظفين فاسدين، وإجراء إتصالات ومشاورات مع جهات معنية لسد الثغرات، وإستضافة شخصيات ومنظمات مدنية لتشكيل منطقة عمل مشتركة مع الحكومة لتحسين أداء مؤسساتها، وغيرها من عمليات ترقيع ذلك الإنحراف في هيكلية السلطة. منها عرض مفهوم الحياة مقابل مفهوم العدالة بحيث يتم تضييع إهتمام الناس بتطبيق العدالة في إشغالهم بمشاريع تحسين حياتهم بشراء منزل جديد وسيارة حديثة ومشاريع عمل في السوق العالمية المفتوحة وتوفير قروض ميسرة وفرص عمل ووظائف. هكذا ينصرف الناس الى شؤونهم الحياتية الخاصة حتى صاروا يسمعون ويقرأون ويشاهدون عبر شاشات الإعلام ووسائل التواصل الإجتماعي عن حجم الفساد المالي والفساد الإداري للحكومات المنتخبة، واقتصر رد الفعل عند كثيرين على إستياء وانفعال وقتي يزولان بعد اختفاء الخبر السيء، ويعودان مع ظهور خبر آخر، وهكذا، حتى ادمن كثير من الناس هذا الحال السيء الذي حوّل بدوره احزاب سياسية متسلطة الى قوى كبيرة غير صديقة للمجتمع تسحق كل من يواجهها.
أمام هذا التورم المتعاظم في قوة السلطة الفاشلة والفاسدة، بدا حضور قوة المؤسسة الدينية ضعيفاً في تفاصيل المشهد الحياتي للبلاد، عندما اقصرت المؤسسة الدينية دورها على تقديم النصح والإشارة الى مكامن الخلل، فما كان منها بعد قولها (بح صوتنا) إلا ان أدارت ظهرها لهذا التورم في قوة السلطة السياسية واعلنت رفضها إستقبال المسؤول الحكومي الفاشل والفاسد. واعطت لصلاة الجمعة حيث الخطبة السياسية، إجازة مفتوحة حتى بعد زوال المؤثر الذي تسبب في تعليق صلاة الجمعة وهو وباء كورونا.
وبعد ان ضمنت حكمة المرجعية الدينية قوة وقدرة حسمها للقضايا المصيرية الكبيرة كما حصل في فتوى الجهاد الكفائي وظهور الحشد الشعبي . اصبح المجتمع العراقي أمام تحديات كثيرة وخطيرة تتعلق في التفاصيل الدقيقة وفي طريقة حياة الناس والنظام الإجتماعي وانماط السلوك التي يتعامل بها الناس مع بعضهم في شؤونهم الخاصة من جهة، ومع الحكومة من جهة اخرى، وهذه التحديات في إعتقادي لا تقل خطورة عن القضايا المصيرية الكبيرة. تتأتى خطورتها من كون النظام السياسي العراقي اليوم مصاب بواقع منحرف في هيكليته، كما ذكرنا في بداية الحديث، نتج عن هذا الواقع المنحرف قلق مستمر أصاب الشخصية العراقية المتصفة بالصبر والتحمل طيلة اكثر من عشرين سنة من بداية القرن الواحد والعشرين وحتى اليوم، والذي راح ينذر بإنفجار كبير، لا يبدو من واقع حال الحكومة انها منتبهة لهذا القلق، أو مكترثة له، أو انها تدرك حجم هذا الإنفجار النفسي وحجم الأضرار التي يمكن ان يلحقها بالبناء الإجتماعي. لأنها لا تزال تستخدم لغة قديمة من شأنها ان تقضي على حركة العملية السياسية، هي لغة شتم وإهانة وإعتقال متظاهرين مدنيين يطالبون بحقوق أو خدمات و.. و.. وتهديم دور وإزالة تجاوزات اغلبها كان لأناس مدنيين فقراء. كما انها لا تزال ماضية في مشاريعها المالية، فبعد ان بدا العجز واضحاً في ميزانية الدولة بسبب حجم الأرقام المخيفة للأموال المسروقة من قبل سياسيين ومن يعمل بمعيتهم، راحت تبحث في سبل إستحصال أموال من الناس عن طريق رفع رسوم المعاملات الشخصية في دوائر الدولة وزيادة الضرائب وابتداع سبل حجز أموال الناس وإرغامهم على إنجاز شؤونهم المالية الخاصة عن طريق المصارف الحكومية والدوائر الرسمية على وفق ضوابط وقوانين وتعليمات وضعية تخدم تضخيم عائدات الحكومة المالية اكثر من استهدافها خدمة المواطن.
أمام هذا المشهد الحياتي الذي تبرز فيه قوة المؤسسة السياسية في حماية المال لصالحها، وتبرز فيه قوة المؤسسة الدينية في حماية مصير الصالح العام. اصبح المجتمع أمام قوتين إحداهما قوة غير صديقة تدخل في التفاصيل الدقيقة هي قوة المؤسسة السياسية، وقوة اخرى صديقة لا تدخل في التفاصيل الدقيقة هي قوة المؤسسة الدينية. لذا اصبح من الضروري جداً ظهور قوة صديقة تدخل في التفاصيل الدقيقة للمشهد الحياتي للمجتمع، هذه القوة ينبغي ان تكون قوة الثقافة، بالفهم الإنثروبولوجي لكلمة الثقافة، حيث لا يزال المواطن يكتنز كثيراً من القيم العليا والأخلاق، وكثيراً من طاقة الأمل في تغيير الواقع السيء، لأنه يمتلك مقومات وجود ذلك الأمل عبر الموروث التاريخي واحداثه، وعبر خبرته من خلال تجارب الواقع، تجعله يتمتع برصيد كافٍ لإعادة البناء الإجتماعي، يحتاج فقط الى قوة صديقة قادرة على استثمار هذا الرصيد. هنا تبرز مسؤولية المثقف الحقيقي في وعي المرحلة القادمة من عمر البلاد التي يراد لها ان تكون امتداداً للواقع المنحرف في هيكلية الجهات المتنفذة حالياً. وهذا واضح من خلال الخطوات التحضيرية للعملية الانتخابية القادمة.
الثقافة اليوم معنية بإصدار ما اصطلح عليه بـ حكم الثقافة. تحدد فيه ملامح التكوين الجديد للقادم من الأيام وتعين المواطن على قراءة ما بين السطور وتثير وعيه بقيمة صوته، وتحفظه من التحول الى كتلة بشرية مادية قابلة للاستهلاك والاستغلال والإستغفال.
***
د. عدي عدنان البلداوي

مما لا شك فيه، أن الناس في عالم اليوم يمرون بحالة غير مسبوقة وهائلة من الكذب والخداع الإعلامي وقلب الحقائق، وهذا ما يسمى بالتضليل الإعلامي. لقد أصبحنا اليوم نعيش في فوضى إعلامية، اختلطت فيها الحقائق بالأباطيل، وشوّهت الحقائق.
يهدف التضليل الإعلامي إلى خلق حالة من الفوضى الفكرية التي تؤدي إلى بلبلة عقول الناس عن طريق تشويه الحقائق أو قلبها، وبالتالي يمكن تطّويع عقول الناس وتغيير أفكارهم بما يتناسب مع أهداف حملة التضليل. من الأمثلة الحديثة التي عاشتها المجتمعات البشرية، جائحة كرونا. فبمجرد انتشار فايروس الكرونا في دول العالم، ظهرت في وسائل الإعلام، أصوات تكذّب اخبار الجائحة، وتوحي إلى أنها مؤامرة مفّتعلة من الحكومات بالتواطؤ مع شركات الأدوية. انقسم العالم بين مؤيد ومعارض، وشوّهت الحقيقة، ودخل الشك إلى قلب الحقيقة. وما زال التناقض في الآراء قائم لحد الآن. ونعيش اليوم حالات الخداع والتضليل الإعلامي في جرائم الحرب والإبادة الجماعية التي يمارسها الجيش الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني، ولا يوجد مُنصف ولا نصير. هذه أمثلة واضحة على تأثير الإعلام على عقول الناس. وفي مثل هذا الوضع السائد حالياً، من تضارب في المعلومات وتشويه في الحقائق، يقف الناس في حالة من التشظي الفكري والعقائدي!! فما هو السبيل إلى معرفة الصدق وتجنب الكذب؟
ظهر في أوروبا، في ستينيات القرن الماضي، مصطلح التضليل الإعلامي، ويسمى بالإنكليزية (Disinformation) ليشير إلى التسريب المقصود والمتعمد للمعلومات المفبركة أو الكاذبة. واستُعمل مصطلح (Misinformation) ليشير إلى تسريب المعلومات الخاطئة. وتختلف المعلومات المضَلِّلة عن المعلومات الخاطئة في، أن التضليل يكون متعمداً وله أهداف محددة، بينما لا يوجد عامل التعمد في المعلومات الخاطئة، بل هي غالباً ما تحصل بحسن نية وبدون قصد أو تعمد.
تتفق معظم المصادر التي تبحث في موضوع التضليل الإعلامي على تعريف التضليل الإعلامي: بأنه عملية نشر معلومات كاذبة، مُضلِّلة أو مفبرَكة، أو قلب الحقائق أو اجتزائها وتغييرها، بقصد خداع الناس والسيطرة على عقولهم، بهدف نشر آراء أو أفكار معينة، لأغراض سياسية أو دينية أو عسكرية، أو غيرها من الأهداف المقصود إملائها على الناس، من خلال الإيحاء بواقع مزيّف وغير حقيقي، يكون مقنعاً ومحبوكاً حبكة عالية لكي يصّدقه الناس على أنه الحقيقة بينما هو وهم. وقد يكون التعريف أكثر دقة إذا ما قلنا "أن التضليل الإعلامي هو استعمال وسائل الإعلام المنتشرة عالمياً للتأثير على، أو السيطرة على عقول الناس وأفكارهم وعقائدهم، عن طريق نشر معلومات كاذبة أو تشويه الحقائق أو اجتزائها وحذف جزء منها، وجعلها خاضعة لما يريدون ترّويجه بما يتماشى مع مصالحهم الخاصة، وذلك على فرضية أن (عامة الناس لهم مدى محدود من الانتباه). والملاحظ، ولسبب غير معروف، أن أكثرية الناس يميلون إلى تصديق الشائعات ورفض الحقائق مهما كانت مبررة ومنطقية.
من الأهداف المعروفة للتضليل الإعلامي، هو العمل على كسر أو إحباط الحالة النفسية للخصم جيشاً وشعباً، عن طريق نشر أو تصوير أخبار أو أفلام كاذبة تبين قوة الجيش المحارب والقتل الوحشي المروِّع ليخاف الناس ويرتدعوا.
الخِداع والاحتيال هما إحدى الطرق المستعملة في التضليل الإعلامي. يتم ذلك بنشر خبر أو تقرير في وسائل الاعلام، على أن يكون الخبر كاذباً أو مفبركاً، ويكون قابلاً للتصديق، ومحبوك بحرفية أو تقنية عالية جداً. من الأمثلة الشائعة على أسلوب الخِداع هو نشر فيديوهات مفبركة أو فيديوهات قديمة عن حوادث معينة كانفجارات أو مظاهرات أو اجتماعات أو غير ذلك، حدثت في وقت سابق وفي مكان ما، وبهدف معيّن، وتكون مصوّرة بدقة عالية فيصدقها عامة الناس على الرغم من كونها غير صحيحة. وقد برعت أمريكا في أسلوب الخداع والتحايل لتضليل الرأي العام. مثال ذلك:
في فترة حكم الرئيس بوش الاب، عام 1990، واثناء احتلال الجيش العراقي للكويت، أدلت فتاة تبلغ من العمر 15 عاماً بشهادتها امام مجلس الشيوخ الأمريكي، وقالت إنها شاهدت جنود عراقيون دخلوا مستشفى كويتي وسرقوا الحاضنات وألقوا الأطفال الخدّج على الأرض ليموتوا. تناقلت وسائل الإعلام هذه الشهادة، وانتشر الخبر بسرعة، وأيّدت القصة منظمة العفو الدولية فاكتسب مصداقية عالية، واستُغلت الشهادة لتجريم أفعال الجيش العراقي. بعد ذلك اتضح أن الشهادة كاذبة وأن القصة مفبركة. فالحاضنات لم تسرق، وإن الأطفال ماتوا بسبب هرب الممرضين والأطباء من المستشفى، والقصة اختلقتها المخابرات الأمريكية لتبرر تدميرهم للجيش العراقي.
لم يخجل الامريكان من فعلهم هذا ولم يتعظوا. ففي شباط 2003، فترة حكم الرئيس بوش الابن، كَذَبَ الامريكان مرة أخرى على العالم عندما ظهر كولن باول، وزير خارجية أمريكا، في مجلس الأمن حاملاً انبوبة صغيرة تحتوي على مسحوق أبيض (يقصد جرثومة الجمرة الخبيثة)، وعرض صوراً قال إنها من الأقمار الصناعية تمثل شاحنات كبيرة تحمل في داخلها مختبرات كاملة، متطورة ومتنقلة لإنتاج الجراثيم القاتلة، مؤكداً على امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل استناداً إلى معلومات استخبارية مؤكدة. وكان هذا هو المبرر القوي لغزو العراق. بعد الغزو واحتلال العراق تبيّن أن العراق لا ولم يمتلك أي نوع من أسلحة الدمار الشامل وإن هذه القصة كلها كذب وافتراء لتنفيذ خططهم الإجرامية.
من الأساليب الأخرى المعروفة والمستعملة كثيراً لتضليل الناس هو أسلوب التكرار. ويعتمد هذا الأسلوب على تكرار نشر الخبر الكاذب بصورة مستمرة إلى أن يتقبله الناس فيصدقونه ويعملون به، عملاً بمقولة وزير الدعاية في حكومة هتلر (جوزف غوبلز) التي قال فيها "اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الناس" وأضيفَ إليها "ثم اكذب ثم اكذب ثم اكذب حتى تُصَدق نفسك". وهذا ما يفعله الامريكان والأوروبيين في الوقت الحاضر، فهم أصبحوا يُصَدقون اكاذيبهم التي ينشرونها على إنها حقائق، ولا يصدقها الناس في انحاء العالم الأخرى. فهم يقولون (وهم يُصَدّقون ما يقولون) أنهم يلتزمون بالقانون الدولي، والكل يعلم أنهم يتنكرون لجرائم الحرب والتطهير العرقي التي يرتكبها الجيش الإسرائيلي بحق الفلسطينيين، ومثل ذلك قولهم عن حقوق الانسان والديمقراطية. ونذكّر هنا بمقولة إبراهام لنكولن "تستطيع ان تخدع كل الناس بعض الوقت، أو بعض الناس كل الوقت، لكن لا تستطيع أن تخدع كل الناس كل الوقت".
من الأمثلة التي نعيشها حالياً على اعتماد الاعلام الغربي لأسلوب التكرار بهدف التضليل، هو ربط تهمة الإرهاب بالإسلام. يعمد الإعلام الغربي بكل أنواعه على توصيف العمل (الانتحاري أو التفجيرات أو الدهس وغيرها) بأنه عمل إرهابي إذا كانت له صلة مباشرة أو غير مباشرة بالإسلام، وتزدحم الاخبار والتحليلات عن الحادث كونه عمل إرهابي، بينما لا تطلق صفة الإرهاب على الحوادث المشابهة لمثل هذه الأفعال إذا لم تكن لها علاقة بالإسلام، وغالباً ما يوصف الفاعل بالمريض النفسي، ويمر الحادث مرور الكرام في القنوات الإخبارية، على الرغم من أن مثل هذه الحوادث تقتل أعداداً كثيرة من الأبرياء وتكون أشد قسوة وبشاعة من غيرها. في أمريكا مثلاً، دخل شاب أمريكي أبيض إلى كنيسة للسود أثناء أداءهم القداس وقَتَل أثني عشر أمريكياً أسود ولم يعتبر الحادث إرهابياً، ولم يأخذ الخبر حيزاً مهما في وسائل الإعلام. وفي مناسبة أخرى، دخل شاب أمريكي أبيض إلى معبد لليهود أثناء أدائهم العبادة وقتل أثني عشر يهودياً ولم يعتبر حادثاً إرهابياً. في المقابل دخل شاب أمريكي مسلم من أصول عربية إلى حانة للمثليين وقتل أثني عشر شخصاً منهم فاعتبر الحدث إرهابياً وقامت الدنيا ولم تقعد. وباستعمال استراتيجية تكرار ربط الإرهاب بالإسلام، تطبّعت عقول الناس على مثل هذه الاخبار بحيث أصبح الآن بمجرد ذكر كلمة الإرهاب تبرز في عقول الناس شخصية الإرهابي كشاب مسلم وملتحي. ومع الأسف تطابقَ هذا مع عقولنا نحن العرب المسلمين وأصبحنا نصدق تهمة الإرهاب وربطها بالمسلمين.
تاريخياً، تذكر بعض المصادر أن التضليل الإعلامي تم استخدامه منذ القرون البعيدة. فقد استخدمه اليونانيون في حروب أثينا وإسبارطة، وكذلك الرومان. وفي العصر الحديث، يُذكر أن ستالين استعمل التضليل الإعلامي للتحكم بالمعلومات. واستخدمه هتلر اثناء الحرب العالمية الثانية لكسر أو تحطيم الإرادة لأعدائه. إلّا أن هذه المعلومات لا تَصِف بدقة مفهوم التضليل الإعلامي، لأن التضليل الإعلامي يعتمد بالأساس على توفر وانتشار وسائل الإعلام لغرض التأثير على الرأي العام في ترسيخ المعلومة الكاذبة أو قلب الحقائق. وحيث أن وسائل الاعلام لم تكن بالوفرة أو الانتشار الذي هي عليها الآن، لذلك فان تأثيرها يكون محدوداً على فئة معينة وقليلة من الناس، أو لفترة زمنية محددة، وغالباً ما كانت تمارس لأهداف عسكرية. أما في تاريخنا المعاصر فقد ابتدأ استغلال التضليل الإعلامي، كما نصفه اليوم، في تسعينيات القرن الماضي. وتحديداً، تزامن ذلك مع انتشار الآلاف من القنوات الفضائية وسهولة الحصول عليها، مع انعدام الضوابط أو سلطة الرقابة عليها، فأخذت تبث مختلف الآراء والأفكار وتنشر الدجل والفساد. وفي نفس الحقبة الزمنية ظهرت الانترنت وأصبحت متوفرة لعامة الناس، وجرى عليها ما جرى على القنوات الفضائية، بل يمكن القول إنها فاقت القنوات الفضائية من حيث التأثير المضلل على الرأي العام.
وفي بداية القرن الحالي، ظهرت مواقع التواصل الاجتماعي، التي انتشرت بين الناس في جميع انحاء العالم بسرعة وبصورة مذهلة، بحيث أصبح من الصعب الآن أن تجد شخصاً لا يستعمل أو لا يتفاعل مع وسائل التواصل الاجتماعي. وأصبحت الوسيلة الإعلامية الأولى، الأكثر انتشاراً وتداولاً بين الناس، والأكثر قبولا عند الناس، وذات مصداقية كبيرة. على الرغم من أنها تعتبر الآن من أكثر الوسائل الإعلامية استعمالاً للكذب والتضليل الإعلامي. والسبب في ذلك هو سهولة الحصول عليها، وانعدام الضوابط والرقابة على محتوياتها، ويمكن لأي شخص أن ينشر فيها ما يريد بدون عائق أو محاسبة.
تعرّف مواقع التواصل الاجتماعي: بأنها تطبيقات أو برامج تكنولوجية تسمح بنقل أو تبادل المعلومات بين الافراد بسهولة، مع إمكانية العثور على، والاتصال المباشر مع، اشخاص أو مجموعات بشرية لها اهتمامات مشتركة. ظهرت مواقع التواصل الاجتماعي في نهاية تسعينيات القرن الماضي. ظهر اولاً الفيسبوك عام 2003، ثم ظهر اليوتيوب عام 2005 في ولاية كاليفورنيا، ثم اشترته شركة غوغل عام 2006 بمبلغ 1.6 مليار دولار. بعدها ظهرت منصة تويتر (حالياً تسمى x) في عام 2006. وأخيراً توّجت مواقع التواصل الاجتماعي بظهور الذكاء الاصطناعي، والذي من المتوقع ان يتفوق وبامتياز على كل وسائل الإعلام لما له من الإمكانيات التقنية العالية في الفبركة والتزييف، والتي يصعب جداً الكشف عنها.
والعجيب أن الناس يصدقون، وبشدة، الأخبار والمعلومات التي تنشر في مواقع التواصل الاجتماعي حتى إنهم يدافعون عنها ويؤكدون على صحتها، على الرغم من أن معظمها تنشر أخباراً كاذبة ومُضلِّلة.
حديثاً، ظهر ما يسمى بالذباب الالكتروني أو الجيش الالكتروني، وهو عبارة عن مجموعة كبيرة من الحسابات الوهمية ينشئها مجموعة من المبرمجين المحترفين التابعين للأجهزة الامنية للدول. تنشر هذه الحسابات الوهمية مئات الآلف من الصور والفيديوهات والأخبار الكاذبة والمضللة، بما يتماشى مع أهداف الدول التي تستعمل هذا الأسلوب للتأثير على عقول الناس. وتنتشر وتتداول هذه الرسائل بسرعة بين الناس. ومن المعلوم أن المعلومات الكاذبة والأكثر تضليلاً هي تلك التي تُبنى على جزء من الحقيقة، لكي يتم تحويرها أو تغيرها بما يتناسب مع أهداف التضليل، لكي تصبح أكثر قبولاً للتصديق من قبل الناس ثم يعاد نشرها لتبدوا كأنها معلومة جديدة على الرغم من انها قديمة جداً.
وقد برعت الولايات المتحدة وإسرائيل في إنشاء غرف الكترونية متطورة جداً للتضليل ونشر الأكاذيب المفتعلة بهدف التلاعب بأفكار الناس وقيمهم وعاداتهم.
ويحق لأي شخص أن يتساءل " هل هناك تأثيرات سلبية للتضليل الإعلامي على الثقافة والفكر العربي؟" الجواب نعم. فقد حدثت تغيّرات جوهرية في الثقافة والفكر العربي!! فعلى سبيل المثال، انتشار الفكر الطائفي المتعصب والتكفيري المدمّر في تاريخنا المعاصر بما لم يكن له مثيل في تاريخنا القديم والحديث. فقد ترسخت الأفكار الطائفية بمختلف وجوهها في المجتمعات العربية. وأدّت إلى صراعات عنيفة داخل المجتمعات. وظهرت أيضاً اجتهادات وتأويلات تمس أركان الدين وتشريعاته مما زعزع ثقة بعض الناس بدينهم واخذوا يشككون بأحكامه. وكذلك تصديق بعض الناس لما يروّج له من أن التاريخ مزيّف ومشوّه، وأن التراث لا أهمية له. وغير ذلك الكثير مما يمكن ملاحظته على طبيعة تفكير أفراد المجتمع التي أصبحت متناقضة مع واقعه الشرقي الأصيل.
والرسالة الختامية من كل ما تقدم: ماذا علينا أن نفعل في التعامل مع التضليل الإعلامي؟
علينا أولاً أن نعي ونفهم بصدق أن مواقع التواصل الاجتماعي التي أنشأت بهدف التواصل والتعارف بين الافراد والمجتمعات ونشر الأفكار والثقافات، قد تمّ استغلالها للتحايل والابتزاز والتزوير، وانتهاك خصوصيات الافراد والتشهير بهم. المهم ان يعلم الجميع، ويتأكدوا، أن معظم ما ينشر في مواقع التواصل الاجتماعي من فيديوهات أو وثائقيات أو مقالات، هو كاذب ومضلل ومبني على جزء من الحقيقة ليصدقه الناس، وأنه في الحقيقة يحتوي على معلومات مفبركة محبوكة بتقنية عالية جداً قد يصعب كشفها من قبل عامة الناس.
وثانيا: عليناً أن نعوّد أنفسنا على عدم تقبل أي معلومة تصلنا من وسائل الإعلام على إنها صحيحة ومقبولة، إلّا إذا كنّا على علم بالمعلومة ومتأكدين منها. وبغير ذلك فعلينا أن نتحرى صحة المعلومة من مصادر أخرى معروفة وموثوقة. فإن لم نجد ما يؤيدها، فإنها تكون موضع شك لحين التأكد من صحتها. وكقاعدة عامة: فإن كل خبر يصدر من شخص أو جهة غير معروفة، يجب التعامل معه بالحذر والتشكيك في مصداقيته. وإذا ما عوّدنا أنفسنا على توخي الحذر والشك في تصديق المعلومات، سنكون قادرين على كشف الخداع والتضليل، فنتجنبه ونأمن شرّه.
***
د. صائب المختار

 

من أجل عالم بلا أسرار حققت السلطة الرابعة ثورة فعلية، بكشفها عن أسرار وجرائم ذوي الياقات البيض، من سياسيين ومسؤولين حكوميين ورجال أعمال، ظلت انحرافاتهم وتجاوزاتهم غائبة عن أدبيات علم الاجتماع، بسبب ندرة المعلومات أو صعوبة الحصول عليها.
يعود الفضل بالأساس لثورة المعلومات التي لا تجامل مطابخ الأسرار الملوثة، ليتمكن الناس من رؤية الحقيقة كما هي لا كما تقررها الأنظمة. وهذا الكم المفجع من الفضائح التي تنكشف بوتيرة غير مسبوقة، يعزز الحاجة إلى إرساء حقل جديد في علم الاجتماع، يدرس الخروقات والتجاوزات التي تشوش على استقرار المجتمع وقواعده الضبطية.
كان عالم الاجتماع الأمريكي وليام سون William Son أول من دعا إلى العناية بهذا الحقل المعرفي، وضرورة تدخل الباحث الاجتماعي لتحليل وتأويل ردود الأفعال إزاء الفضائح، ورصد الآليات التي تعمل على توحيد الأحكام القيمية بشأنها. إلا أن هذا التقصي والبحث ينبغي أن يتم ضمن المتعارف عليه بشأن مسؤولية الباحث العلمي، وتجرده أثناء دراسة المعضلات الاجتماعية، لأن الهدف ليس هو التشهير وإنما تحرير المجتمع من العاهات والتقرحات التي تعيق استشرافه للمستقبل.
تنشأ الفضيحة حين يفشل المرء في التفاوض مع المعتقدات الاجتماعية الراسخة، والتزام المبادئ التي يفرضها المجتمع. وهي في عمقها جزء من طبيعة البشر" التلصصية" التي تتطلع لإطلاق الأحكام على الغير؛ لكنها في الوقت ذاته تحفز ميكانيزمات المجتمع على استئصال الفاسدين، لإضرارهم بالمؤسسات، وزعزعة الثقة بالقوانين والآداب العامة.
ولا يتخذ الحدث شكل الفضيحة إلا إذا تضمن جملة من الأركان يحددها المؤلف بنحو خمسة عشر، أهمها:
- كونه مناف للأخلاق والأعراف والقواعد القانونية.
- تستر فاعله عليه خوفا من انكشاف أمره.
- احتماؤه بمبررات تسويغية.
- لا يكشف أمره زمن حدوثه بسبب التعتيم والتكميم الذي يفرضه منصب الشخص.
- وصمته أقسى من أية عقوبة سجنية، لأن له تأثيرات علائقية ونبذية مجتمعيا..
للفضيحة إذن دور اجتماعي في تنقية المجتمع من عناصر الفساد، وإعادة التوازن لحياته التنظيمية. ويتميز العصر الحال بميلاد تنظيمات وهيئات مدنية، تعمل في جو من الحرية الفكرية والاستقلالية عن المؤسسات الحكومية، مما يتيح لها العمل كمصفاة مدنية تكشف الممارسات المجافية للأخلاق والقانون قبل استفحالها.
ترتبط الفضيحة بالشهرة، أي بالسمعة الاعتبارية المتميزة التي يحققها المرء بفضل أدائه المهني، أو نتيجة إعجاب شريحة واسعة من الناس بتألقه في أحد المناشط الاجتماعية التي تحظى باهتمامهم. لكن الشهرة تقيد حركة الشخص وتمنعه من التصرف على سجيته، وأحيانا أخرى قد تسبب الغرور والتعالي مما يؤدي إلى فقدانها. بينما يميل البعض الآخر إلى تفضيل السمعة على الشهرة، لكونها رديفة الاحترام والتقدير، حتى وإن كانت أضيق نطاقا من الشهرة.
ولا يعني كشف السلوك المفضوح دوما رغبة في تنقية المجتمع من المارقين على قواعده التنظيمية، إذ يعرض عالم الفن والرياضة عشرات الفضائح التي كانت سببا في شهرة مرتكبيها، ونحت مسارهم إلى النجومية. يتعلق الأمر هنا بطبيعة الضوابط الاجتماعية التي قد تكون متشددة، وتدفع بالتالي إلى الاستنكار وانسحاب المفضوح من موقعه تحت تأثير ما يمكن اعتباره إعداما اجتماعيا، أو غير متشددة، مثلما هو الشأن بالنسبة للمجتمع الفرنسي والإيطالي، فتعتبر الواقعة حدثا شخصيا، يمكن تبريره بمسوغات عقلية أو أعراف تقي من الوصمة الاجتماعية، لذا لم تمنع التحقيقات القضائية، واتهامات الفساد التي لاحقت رئيس الوزراء الإيطالي السابق سيلفيو برلوسكوني إبان حكمه، من إعادة انتخابه أكثر من دورة!
تنعقد الفضيحة بتوفر ثلاثة أركان: الجاني، والضحية، والسلطة الرابعة إلى جانب منظمات المجتمع المدني. وقد يكون الجاني ضحية انحرافه عن المعايير، أو ضحية بعض أشكال التكسب الإعلامي والمهني التي يثيرها التنافس حول المناصب ومواقع القرار. وتدفع المرأة ثمنا اجتماعيا ونفسيا أبلغ حدة مقارنة بالرجل، خاصة في ظل التطور التقني الذي أسهم في تحويلها إلى سلعة للمقايضة والاستثمار المؤقت، وتدنيس وظيفتها الاجتماعية داخل الأسرة وخارجها.
إن الفضيحة هي أقسى تعبير عن الممارسات المعيبة التي يزلزل انكشافها مكانة الفرد، ويؤثر على علاقاته بمن حوله. غير أن الثقافة الاجتماعية في بعض البلدان العربية على سبيل المثال، تفصح عن ازدواجية مريبة في تأكيد الوظيفة الثقافية لبعض الممارسات الموروثة التي تندرج تحت مسمى الفضيحة الاجتماعية، من قبيل: الاحتفال المصاحب لختان الإناث، أو لسروال العروس ابتهاجا بالعذرية، وإدراج بعض أشكال العنف ضد المرأة ضمن السلوكيات المقبولة اجتماعيا.
تخلّف الفضيحة أثرا اجتماعيا صادما ومحفزا في الآن ذاته، فهي من جهة تكشف الخروقات والانحرافات التي مست آليات الضبط الاجتماعي، ومن جهة أخرى تحفز على مراجعة القواعد المخترقة، وجعلها أكثر دقة ومحاسبة. وهنا يكمن دور الباحث الاجتماعي في كشف التشريعات والقوانين الضعيفة، وتتبع جدية تنفيذ القرارات المعرّضة لأساليب احتيالية والتوائية متعددة.
وفي المقابل تنشط بنية الفساد للتستر على الفعل المنافي للضوابط قبل افتضاحه، وتفعيل أشكال التضليل والتمويه التي تحمي الصورة الاجتماعية للفاعل وتُجنبه المساءلة. وسواء كان التستر صادرا عن فرد أو حزب أو حكومة، فإن آلياته المتعددة تسلط الضوء على الطبيعة المؤسسية للفساد، ودورها في تفريخ النماذج الفضائحية. هكذا تتم مقاومة الفضيحة أو منعها من خلال:
- آلية التجنب: بالابتعاد عن تناول الموضوع المتستر عليه لئلا يثير الانتباه.
- آلية التسويغ: بالحديث عن تدني الدخل الشهري للموظف، وغلاء المعيشة وغيرها..
- آلية التمييع: بإهمال الشكاوى المتعلقة بها.
- آلية الإنكار: برفض الحديث عن الموضوع كليا.
- آلية التمويه: من خلال تبني سلوك مغاير، أو ادعاء المثل العليا والاستقامة.
على الرغم من سلبياتها، والدوي الذي تُحدثه بكشفها للممارسات المعيبة، إلا أن الفضيحة تقدم خدمة للمجتمع على المدى البعيد، فهي بتعريتها للعناصر الفاسدة في النظام، تُعزز الرقابة الإعلامية على مفاصله النسقية، وتُدين دوافع الانحراف المعياري التي تهدد قيم المنافسة الشريفة، والموضوعية في الترقي للمناصب والحفاظ عليها.
تقدم الفضائح السياسية المحلية أو الدولية، مثالا للممارسات غير الطبيعية التي يغذيها الشعور بتهديد المنافس، والرغبة في بالبقاء بالمنصب، والتمتع بمزايا النفوذ والسلطة. أما فضائح رجال الدين الذين يُفترض بهم السهر على التنشئة الدينية، والاستقامة الأخلاقية، وتقوية الرباط الروحي للأفراد، فإنها تنعكس بشكل خطير على الهوية الذاتية والاجتماعية، وتسلب الدين مهمته الجليلة والسامية، باعتباره دستور الحياة الذي لا يمكن للفرد أن يستمر في العيش بدونه. يظهر الأمر جليا من خلال ردود الأفعال التي أعقبت فضائح الاستغلال الجنسي للأطفال على يد قساوسة الكنائس الكاثوليكية، والتي وثقت الراهبة السابقة ماري ديسبينزا جزءا من فظائعها في كتاب "انقسام: طفل، وقس، والكنيسة الكاثوليكية".
وصرّح البابا فرانسيس لوسائل الإعلام بأن نحو ثمانية آلاف قس من مجموع أربعمئة وأربعة عشر ألفا في أنحاء العالم، يتحرشون بالأطفال. كما أقرّ بشناعة هذه الجرائم طالبا الغفران من الضحايا، ومعلنا أنه مثل المسيح، سيستخدم العصا ضد القساوسة المولعين جنسيا بالأطفال. وترتب عن سلسلة الفضائح تلك تخلي أزيد من تسعين ألف مواطن عن المذهب الكاثوليكي في إنجلترا وحدها.
على امتداد ستة فصول من كتابه (علم اجتماع الفضائح) راهن الدكتور معن خليل العمر على تأكيد فاعلية الحقل الجديد في الارتقاء بعلم الاجتماع من مستوى وصفي-سردي إلى مستوى نقدي-إصلاحي، وذلك بجعل الفضيحة مادة بحثية ناقدة، تكشف عن آليات تكسير النسق الاجتماعي، وصور تجاوزات المسؤولين وصناع القرار التي ظلت غائبة عن أدبيات علم الاجتماع لزمن طويل.
والدكتور معن خليل العمر عالم اجتماع عراقي، حاصل على شهادة الدكتوراه من جماعة واين ستيت الأمريكية عام1976، وتولى التدريس بعدد من الجامعات داخل العراق وخارجه. ويعد من أنشط الباحثين في علم الاجتماع العربي وأغزرهم إنتاجا، حيث تجاوزت مؤلفاته ستين كتابا، بالإضافة إلى قائمة طويلة من البحوث والدراسات التي أكدت حسه السوسيولوجي العميق في رصد وتحليل الظواهر الاجتماعية، خاصة علم الإجرام، والمشكلات الاجتماعية، والاتجار بالبشر.
ومن أهم إصداراته المنشورة:
- نحو علم اجتماع عربي،1984
- علم اجتماع المعرفة، 1991
- جرائم الاحتيال،2006
- علم ضحايا الإجرام،2008
- الجريمة المنظمة والإرهاب،2013
- حقول مستحدثة في علم الاجتماع المعاصر،2017
- علم اجتماع الفقر، 2019..
***
حميد بن خيبش

في عالم ما بعد الحداثة، حيث تتفكك الهويات الثابتة وتنسف الرؤى التقليدية للمعرفة، يصبح التحرش ليس مجرد فعل مادي يحدث في الشارع أو مكان عام، بل هو أيضًا بنية معرفية تخلق التفرقة بين “الذات” و”الآخر”. هو ثمرة لحقب تاريخية حملت في طياتها اختلالات فكرية جعلت من الجسد الأنثوي ساحة للصراع الرمزي، بين ما هو مقدس وما هو مدنس، وبين ما يُقبل وما يُرفض. فالتوترات بين الجنسين ليست مجرد صراع بيولوجي، بل هي صراع ثقافي مرتبط بالعلاقات الاجتماعية التي تعيد إنتاج نفسها على مدار الزمن.
من خلال هذه الفكرة، يظهر الجسد الأنثوي ليس ككيان ذاتي يُعبّر عن حرية الفرد، بل كفضاء يُخضع لسلطة ثقافية، حيث يُنظر إليه كجسم للاستهلاك، التسلية، أو حتى كأداة للسيطرة. وعليه، يصبح التحرش بكل أشكاله ليس فقط سلوكًا فرديًا أو تصريحًا كلاميًا، بل هو أسلوب لتأكيد الوجود في نظام اجتماعي يدافع عن امتيازات طبقية وذكورية قديمة، حتى وإن تغيرت أشكالها. هذا السلوك يعكس ضرورة وجود الآخر ليظل المُهيمن في مكانه، وبالتالي فإن التحرش يصبح أداة لصيانة الهياكل الاجتماعية التي تقوم على الهيمنة الذكورية، وهو ما يعزز من استمرار هذه الأنماط القمعية.
العقل الذي يعرض هذه الظاهرة يتأثر بعوامل عديدة، منها البناء الاجتماعي والتاريخي، حيث يتم تجسيد الهويات من خلال الرموز والممارسات اليومية. أما في نظر علماء النفس، مثل سيغموند فرويد، فإن التحرش يعبر عن نزاع داخلي في النفس البشرية بين رغبات مكبوتة وأعراف اجتماعية تضغط على الفرد لكي لا يعبّر عن هذه الرغبات بشكل علني. هنا، يصبح التحرش ليس فقط فعلًا ضارًا للجسد الأنثوي، بل هو أيضًا علامة على خلل أعمق في البنية النفسية للمعتدي، وهو ما قد يعكس اضطرابًا في العلاقة مع الهوية الشخصية والسلطة. هذا الجانب النفسي يرتبط بتصورات الفرد حول الجسد والسلطة، حيث إن الشخص الذي يمارس التحرش قد يكون في الواقع يعبر عن هشاشة داخله وتوتره النفسي الذي يترجم إلى محاولة الهيمنة على الآخرين، بما في ذلك الجسد الأنثوي الذي يُعتبر رمزيًا جسد السلطة وموضوع السيطرة.
عندما ننظر إلى هذه الظاهرة من منظور كل من لويس ألتوسير وميشيل فوكو، يمكننا أن نرى أن التحرش هو جزء من عملية “التشكيل الأيديولوجي” للمجتمع. في هذا السياق، يرى فوكو أن السلطة لا تقتصر على المؤسسات القمعية فقط، بل هي موجودة في كل جانب من جوانب حياتنا اليومية، بما في ذلك الطريقة التي ننظر بها إلى الآخر وكيف نحدد مساحات الجسد والمكان. فالجسد الأنثوي في هذا السياق هو ساحة للصراع بين الأيديولوجيات التي تستمر في تهميش وتقييد النساء، مما يخلق ديناميكيات قمعية تظل محورية في الثقافة المعاصرة.
التفسير الفوكوي لهذه العلاقة بين الجسد والسلطة يُظهِر كيف أن التحرش ليس مجرد حالة فردية للعدوان، بل هو نتاج لبنية اجتماعية أوسع، حيث يتداخل الذكاء الاجتماعي مع الذكورية السامة التي تُعيد إنتاج نفسها من خلال الإعلام، التربية، والعلاقات الاجتماعية اليومية. التحرش، في هذه الحالة، لا يُفهم فقط باعتباره سلوكًا منحرفًا، بل جزءًا من دائرة السيطرة التي تُمثلها هذه البنى الثقافية المستمرة.
هذا التفسير يكشف عن كيفية تجذر التحرش في بنية مجتمعية تشجع على تبني النماذج التقليدية للجنس والسلطة، والتي تُصر على تعزيز الذكورية السامة عبر أطر تربوية وتعليمية تجعل من الجسد الأنثوي هدفًا للتسلط والهيمنة الرمزية.
وبينما نجد أنفسنا في عالم مليء بالتغيرات السريعة والتحولات الفكرية التي تعيد تشكيل هوياتنا، يجب أن نتساءل: كيف يمكن فهم التحرش في ظل هذه الفوضى المعرفية؟ هل يمكننا حقًا وضع إطار ثابت لفهمه؟
في عالم ما بعد الحداثة، تصبح الإجابة على هذه الأسئلة متشابكة، حيث لا توجد إجابة واحدة، بل تعدد للحقائق. إن التحرش، بما هو كائن ثقافي واجتماعي، يمكن أن يظهر في صورة أشكال متعددة: من الاعتداء اللفظي في الشوارع إلى تصرفات سلوكية في الأماكن العامة، وكل ذلك يشكل شبكة من الأفعال التي تُعيد تأكيد الأدوار التقليدية. هذه الأشكال المتعددة لا تنفي أنها مرتبطة ببنية فكرية وثقافية معقدة، تستمر في إنتاج آليات القوة التي تحدد “المكان” و”الحق” في التعبير عن الذات، وتؤكد على الهيمنة الذكورية في المجتمع.
ومن هذا المنظور، لا يُمكن أن يكون التحرش مجرد فعل فردي، بل هو تجسيد لثقافة من التسلط تتجذر في الفكر الاجتماعي والنفسي للأفراد. هذا التسلسل من الأفعال يحمل في طياته تناقضات معمارية في المجتمع الذي لا يزال يراهن على الهويات الثابتة للذكورة والأنوثة، ويستمر في تكرار أنماط القمع الرمزية والجسدية. يُصبح التحرش إذاً ليس مجرد حالة من الفوضى الجنسية، بل هو عملية منتجة لقوى اجتماعية وثقافية تعمل على استمرارية الهيمنة وتثبيت الفوارق بين الجنسين. كما أن هذا التكرار للممارسات القمعية لا يقتصر على الأفراد، بل يمتد إلى المؤسسات والأنظمة التي تعزز هذه الفوارق وتعزز من منطق “الآخرية” لدى النساء، مما يعيد إنتاج السياسات الاجتماعية التي تساهم في تفشي التحرش على المستوى المجتمعي.
وعليه، فإن التقليل من أهمية هذه الظاهرة أو محاولة تقليصها إلى مجرد “أفعال فردية” هو تهرب من المسؤولية الاجتماعية التي تتحملها المؤسسات الثقافية والنفسية في إعادة تشكيل هذه الهويات. لا يمكن أن تكون الحلول للقضاء على التحرش محدودة بالقوانين التي تُعاقب الفعل فقط، بل يجب أن تشمل أيضًا إعادة بناء ثقافة كاملة تُعيد التفكير في مسألة الجسد، السلطة، والهوية. لذلك، يجب أن تكون المعالجة أكثر شمولًا بحيث تتضمن تغييرًا بنيويًا في طريقة فهمنا للجسد والعلاقات بين الجنسين. وهذا يتطلب جهدًا جماعيًا يشمل المجتمع المدني، والمؤسسات التعليمية، ووسائل الإعلام، التي تستطيع إعادة تشكيل الفكر الجماعي تجاه الجنس والسلطة.
هذه الثورة الثقافية والمعرفية، إن تمت، ستكون مدخلًا للتحرر الحقيقي من التسلط، وسيبدأ المجتمع في فهم التحرش ليس فقط كحالة تضر بالنساء، بل كجزء من جرح أعمق في بنية السلطة الاجتماعية التي تستمر في تكريس هيمنة الذكور على الفضاءات العامة والخاصة.
إن التحليل العميق للتحرش باعتباره بنية ثقافية واجتماعية يُبرز ضرورة مواجهة هذه الظاهرة من جذورها، وليس فقط معالجة أفعالها الظاهرة. فالتصدي للتحرش يتطلب أكثر من مجرد تطبيق قوانين ردعية، بل يستدعي تغييرًا ثقافيًا حقيقيًا يعيد تشكيل فهمنا للجسد والسلطة. علينا أن نعيد التفكير في طريقة تربية الأجيال القادمة، في كيفية بناء هوياتهم الجنسانية والاجتماعية بعيدًا عن الأنماط التقليدية التي تساهم في تعزيز الهيمنة الذكورية.
فإذا كانت السلطة المجتمعية قد عملت على تكريس هذه الهياكل القمعية على مدار عقود، فإن الطريق إلى التحرر يتطلب جهدًا جماعيًا يشمل التغيير في بنية الفكر الاجتماعي والنفسي. الثورة الثقافية والمعرفية التي نتحدث عنها ليست مجرد رفاهية فكرية، بل هي شرط أساسي لإرساء مجتمع أكثر عدلاً، حيث يُحترم الجسد البشري، ويُعاد تحديد العلاقات بين الأفراد وفقًا لقيم الحرية والمساواة.
عندها فقط، ستتمكن الأجيال القادمة من العيش في بيئة لا تحكمها قوة هيمنة أو ثقافة قمعية، بل بيئة تشجع على احترام الآخر وتقديره بعيدًا عن التصنيفات الجندرية الجامدة.
***
إبراهيم برسي – باحث سوداني

 

مدخل إلى شخصية ابن طفيل وتكوينه الفكري

حين نقترب من سيرة ابن طفيل، لا نرى مجرد فيلسوف من فلاسفة الأندلس، بل نواجه مشروعًا متكاملًا لشخص نذر نفسه لفهم الوجود وإضاءة طريق العقل. وُلد أبو بكر محمد بن عبد الملك بن طفيل في وادي آش بالأندلس مطلع القرن الثاني عشر الميلادي، وامتدت حياته بين غرناطة ومراكش، في فضاء ثقافي شهد تلاقح العلوم، وتصارع الرؤى، وخصوبة التجربة الروحية. جمع في تكوينه بين الطب والفلك، وبين القضاء والشعر، لكنه اختار أن يعبّر عن أعمق أفكاره من خلال الفلسفة، مستلهمًا روح القصة الرمزية التي مهّد لها من قبله ابن سينا، ومكمّلًا مسارها برؤية أكثر اكتمالًا واتساعًا.
ما ميّز ابن طفيل لم يكن مجرد اطلاعه على الفلسفة الإسلامية واليونانية، بل قدرته على تطويعها ضمن سياق يزاوج بين التجربة العقلية والتأمل الوجودي. لم يكن معنيًّا ببناء نسق نظري مغلق، بقدر ما كان مهتمًّا بتجسيد إمكانيات المعرفة الذاتية، وبناء جسر بين الإنسان والعالم من خلال العقل الحر، لا عبر التلقين أو التبعية. هذه الرؤية لم تكن حبيسة المقولات المجردة، بل اختار لها ابن طفيل قالبًا سرديًّا فريدًا، جسّده في عمله الأشهر: حي بن يقظان.
قصة “حي بن يقظان” بوصفها تجربة وجودية
ليست قصة “حي بن يقظان” مجرد سرد لحياة شخص نشأ في عزلة، بل هي إعادة تمثيل فلسفية لميلاد الوعي. تبدأ الحكاية من جزيرة خالية من البشر، حيث يظهر طفل مجهول الأصل، يتربى بين أحضان الطبيعة، فيتعلّم كل شيء من خلال ملاحظته الحسية وتجاربه اليومية. شيئًا فشيئًا، يبدأ الطفل “حي” في إدراك الظواهر من حوله، ثم يتأمل في الحياة والموت، ويتوصل بنفسه إلى وجود مبدأ أول خالق ومنظم.
لا يعتمد حي في اكتشافه على معلم أو نصوص، بل يرقى في مدارج الفهم عبر مزيج من الحدس والتجريب. هذا المسار الرمزي يرسم صورة حية لمسيرة العقل البشري حين يكون متحررًا من القيود. وحين يلتقي حي لاحقًا بالعابد “أبسال”، تتضح مفارقة عميقة: فـ”حي” الذي لم يتلقَ أي تعليم ديني، توصّل إلى نفس جوهر الحقيقة التي عرفها أبسال عن طريق الوحي. إلا أن حي، بفطرته الحرة، سرعان ما يصطدم بالمجتمع، حين يقرر الذهاب مع أبسال إلى الناس، فلا يستطيعون تحمّل رؤيته الفلسفية العميقة، ويفضّلان عليه الشكل الظاهري للدين.
القصة إذن ليست مجرد مغامرة فكرية، بل دعوة إلى تأمل العلاقة بين الإنسان والمعرفة، بين الروح واللغة، وبين الفرد والمجتمع. ابن طفيل يصوغ في هذا النص أطروحة عن قدرة العقل البشري على إدراك الحقيقة، لكنه في الوقت نفسه يعترف بحاجات العامة إلى الرموز والشعائر، ما يفتح مجالًا لفهم الدين كمنظومة تربوية لا كإجبار معرفي.
تأثير القصة ورمزيتها في تاريخ الفلسفة
لم يلبث أثر “حي بن يقظان” أن تجاوز حدود الثقافة الإسلامية، فحين تُرجمت القصة إلى اللاتينية عام 1671، استوقفت العديد من فلاسفة أوروبا في عصر النهضة والتنوير. رأى فيها جون لوك مثالًا حيًا على مفهومه في أن العقل يولد كصفحة بيضاء تُشكّلها التجربة، وهو ما يشكل صدى مباشرًا لما فعله حي في الجزيرة. كما أُعجب بها دانييل ديفو، الذي بنى في روايته “روبنسون كروزو” صورة قريبة لشخصية الفرد المعزول الذي يكتشف ذاته في مواجهة الطبيعة.
أما في السياق الإسلامي، فقد أثارت القصة تفاعلات مختلفة، أبرزها رد ابن النفيس في “الرسالة الكاملية”، حيث اقترح مسارًا مختلفًا لنشوء المعرفة، أكثر ارتباطًا بالمجتمع واللغة. غير أن ابن طفيل ظل مميزًا في اختياره للعزلة طريقًا للتطهر المعرفي، وفي جعله من التأمل طريقًا للترقي الروحي. القصة لم تكن دفاعًا عن الفلسفة ضد الدين، بل كانت سعيًا لتجاوز هذا التعارض، عبر تقديم نموذج إنساني يُجسّد المعرفة لا كمجموعة مفاهيم، بل كرحلة وجدانية عقلية تصل في نهايتها إلى الصمت المملوء باليقين.
خاتمة
“حي بن يقظان” ليس مجرد نص أدبي أو فلسفي، بل علامة بارزة في تاريخ الفكر الإنساني، تجسّد كيف يمكن أن تتجسد الفلسفة في صورة سرد حي. عبر شخصية ابن طفيل، نلمس اتساعًا في الأفق العقلي، وعمقًا في الرؤية الوجودية، وتجسيدًا نادرًا لتحالف العقل مع الروح. من خلال القصة، نُعيد التفكير في علاقتنا بالمعرفة، في جدوى العزلة، وفي حتمية البحث عن المعنى. وربما يكمن سحر هذا العمل في قدرته على أن يظل حيًا، يقظًا، كلما أعدنا قراءته.
***
خالد اليماني - باحث

أول الأسئلة، هل هناك من ازمة...؟ وماهي تداعياتها على الواقع الحضاري...؟ وهل هناك مفهوم حقيقي لسلطة الأسطورة في الثقافة ...؟ يبدو ان هناك خارطة دهليزية تعمل في الخفاء، مهيمنة ومرتكزة على تفتيت المكان والزمان وتعمل كحاضنة اجتماعية، تبلور استراتيجيات الهيمنة وتحاول بكل جهد البرهنة على صحة المقولات بعد ان يوصم الاخر بالمدنس وارتداء عباءة المقدس للوصول الى الأهداف تستغلها خفافيش الثقافة المعترشة على موائد التخلف، هذا يعكس كيف يمكن أن تستفيد بعض الأفكار من الانقسامات في مجتمعات تتطارح فيها الأيديولوجيات و السياسات التي تروج للجهل، تكتسب قوة ونفوذًا من خلال ضعف الوعي الثقافي للموروث الأسطوري الذي له دور كبير في هيمنة خراب الثقافة. رغم ان الأساطير تساهم في تشكيل الهوية الثقافية والجماعية، ما يمكن أن يؤدي إلى تعزيز الانتماء، ولكن يمكن ان تؤدي أيضًا إلى الانغلاق، الأساطير تحمل قيماً وعبرًا يمكن أن تؤثر في سلوك الأفراد والمجتمعات، مما يدعم أنماط التفكير التقليدية ويمكن أن تُصبح الأساطير أدوات للحفاظ على الوضع الراهن، مما يعوق التغيير الثقافي والاجتماعي، سرديات الأساطير تُستخدم في الفنون والأدب، مما يعزز من استمرارية الأفكار والمعتقدات القديمة، بالتالي يمكن أن يعزز الموروث الأسطوري من هيمنة بعض الثقافات أو الأفكار على حساب الأخرى، و يسهم في التخلف الثقافي.
الصراع بين التقليد والحداثة
يمكن أن يحدث صراع بين القيم التقليدية المستمدة من الموروث الأسطوري والرؤى الحديثة. بينما يسعى البعض للحفاظ على الهوية الثقافية، يسعى آخرون لتبني قيم جديدة، تساهم وسائل الإعلام والتكنولوجيا في نشر الأفكار والتوجهات الجديدة، مما يؤدي إلى تفكيك بعض المعتقدات التقليدية، ولكن يمكنها أيضًا تعزيز الأساطير من خلال إعادة تقديمها في سياقات جديدة، مع زيادة الوعي النقدي يبدأ الأفراد في إعادة تقييم الأساطير والتقاليد، ما يؤدي إلى تفكيك بعض الأفكار القديمة وإعادة تفسيرها لتتناسب مع القيم المعاصرة، الحركات التي تسعى للعدالة الاجتماعية والمساواة قد تتحدى الأساطير التقليدية وتعزز من سرديات جديدة تتماشى مع التغيرات الاجتماعية مع تزايد التنوع الثقافي، يمكن أن تتداخل الأساطير من ثقافات مختلفة، مما يؤدي إلى تشكيل هويات جديدة تعكس مزيجًا من الموروثات القديمة والحديثة. بعض المجتمعات تسعى للحفاظ على الموروث الثقافي في ظل التغيرات الاجتماعية، مما يؤدي إلى جهود لإعادة إحياء الأساطير والتقاليد، ولكن بطريقة تتناسب مع السياقات الحديثة، بشكل عام تتفاعل هذه العوامل بشكل ديناميكي تؤدي إلى تأثيرات متبادلة بين الموروث الثقافي والتغيرات الاجتماعية الحديثة.
هل نحن بحاجة الى اساطير جديدة؟
السؤال عن الحاجة إلى الأساطير في العصر الحالي، خاصة بعد الثورة التكنولوجية، هو موضوع مثير للتفكير. الأساطير تقدم تفسيرات للوجود، وتعطي معنى للأحداث والتجارب، مما يساعد الأفراد على فهم العالم من حولهم، تلعب الأساطير دورًا في تشكيل الهوية الثقافية، مما يسهم في تعزيز الانتماء إلى مجتمع معين خاصة في أوقات التغيير تستخدم الأساطير كوسيلة للتواصل بين الأجيال، مما يعزز من الروابط الاجتماعية ويساهم في نقل الحكمة الجماعية تلهم الأساطير الفنون والأدب، مما يساهم في الإبداع ويعزز من التجارب الإنسانية في ظل التغيرات السريعة، يشعر الأفراد بالقلق وعدم اليقين، هنا تأتي الأساطير لتوفير شعور بالأمان والاستقرار التكيف مع التغيرات، يمكن أن تساعد الأساطير في تفسير التغيرات الجديدة، مما يسمح للمجتمعات بالتكيف معها بشكل أفضل على الرغم من التقدم التكنولوجي، تظل الأساطير تلعب دورًا مهمًا في الحياة الإنسانية، حيث توفر إطارًا لفهم التجارب والمشاعر، وتعزز من الروابط الثقافية والاجتماعية.
تتغير الأساطير مع التطور التكنولوجي
تتغير الأساطير بشكل ملحوظ مع التطور التكنولوجي، وهذا التغيير يمكن أن يُفهم من خلال عدة جوانب، يتم إعادة تفسير الأساطير التقليدية لتتناسب مع السياقات الحديثة، مما يؤدي إلى ظهور سرديات جديدة تعكس التحديات المعاصرة تساهم وسائل الإعلام والتكنولوجيا في نشر الأساطير بشكل أوسع، مما يمنحها أشكالًا جديدة، مثل الأفلام، الألعاب، والمحتوى الرقمي، مع تزايد التواصل العالمي، تتداخل الأساطير من ثقافات مختلفة، مما يؤدي إلى ظهور أساطير جديدة تمزج بين العناصر التقليدية والتكنولوجية. في عالم سريع التغير، تسعى المجتمعات للاحتفاظ بهويتها الثقافية من خلال الأساطير، مما يؤدي إلى تجديدها لتظل ذات صلة تعيد التكنولوجيا تشكيل كيفية سرد القصص، حيث يمكن أن تتضمن الأساطير عناصر تفاعلية، مع تطور التكنولوجيا، تتغير القيم والمعتقدات، مما يؤثر على كيفية فهم الأساطير وتفسيرها بالتالي تتفاعل الأساطير مع التطور التكنولوجي بشكل ديناميكي، مما يؤدي إلى تجديدها وتكييفها لتظل ذات صلة في عالم متغير.
دور الذكاء الاصطناعي في خلق أساطير جديدة
يلعب الذكاء الاصطناعي دورًا متزايد الأهمية في خلق أساطير جديدة بطرق متعددة. يمكن للذكاء الاصطناعي توليد سرديات جديدة من خلال تحليل الأنماط في الأساطير القديمة ودمجها بأساليب حديثة، مما يؤدي إلى خلق أساطير جديدة يمكن للذكاء الاصطناعي تحليل اهتمامات الأفراد وتقديم قصص وأساطير تتناسب مع تفضيلاتهم، مما يجعل الأساطير أكثر تفاعلية وشخصية من خلال تطبيقات الذكاء الاصطناعي، يمكن للجمهور التفاعل مع الأساطير بشكل جديد، مثل الأساطير التي تعتمد على الخيالات المتعددة، مما يعزز من تجربة السرد، يساعد الذكاء الاصطناعي في إنشاء شخصيات جديدة تحمل سمات وأساطير تتناسب مع العصور الحديثة، مما يضيف عمقًا للسرد يمكن للأساطير التي يُنتجها الذكاء الاصطناعي أن تعالج قضايا معاصرة مثل التغير المناخي، الهوية الرقمية، والأخلاقيات التكنولوجية، مما يجعلها ذات صلة بالواقع الحالي يمكن للذكاء الاصطناعي دراسة وتحليل مجموعة واسعة من الأساطير القديمة، مما يساعد في فهم الأنماط الثقافية والتاريخية التي يمكن استخدامها لخلق أساطير جديدة، يفتح الذكاء الاصطناعي المجال أمام كتّاب وفنانين جدد لتجربة أفكار وأساليب سرد جديدة، مما يعزز من الإبداع الفني. من خلال هذه الأبعاد، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يسهم بشكل كبير في خلق أساطير جديدة تعكس التغيرات الثقافية والتكنولوجية في العصر الحالي ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يخلق أساطير فريدة تتناسب مع خصائص كل ثقافة، مما يساعد في التعرف على الأنماط الرمزية والموضوعات الشائعة، يمكن للذكاء الاصطناعي إنشاء قصص جديدة بناءً على العناصر الثقافية المحددة، مثل القيم، التقاليد، والرموز، مما يجعل كل أسطورة تعكس خصوصيات ثقافة معينة، يمكن إنشاء أنظمة ذكاء اصطناعي تفاعلية تسمح للجمهور بالمشاركة في خلق الأساطير، مما يعزز من الإبداع الجماعي ويجعل الأساطير أكثر ارتباطًا بتجارب الأفراد، يمكن للذكاء الاصطناعي دمج عناصر من الفولكلور المحلي، مثل الشخصيات الأسطورية، الأحداث التاريخية، والمعتقدات، مما يؤدي إلى إنشاء أساطير فريدة تتناسب مع الثقافة المستهدفة .استجابة للتغيرات الاجتماعية، يمكن للذكاء الاصطناعي تصميم أساطير تعكس التحديات والقضايا الحالية التي تواجه الثقافة، مما يجعلها ذات صلة ومعاصرة، يمكن للذكاء الاصطناعي العمل بعدة لغات، مما يسمح بخلق أساطير في لغات مختلفة، وبالتالي تعزيز التنوع الثقافي، يمكن للذكاء الاصطناعي أيضًا تسهيل تبادل الأفكار بين الثقافات المختلفة، مما قد يؤدي إلى خلق أساطير جديدة تمزج بين العناصر الثقافية المختلفة، بهذه الطرق يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساهم في خلق أساطير فريدة تعكس التنوع الثقافي وتلبي احتياجات المجتمعات المعاصرة.
الأسطورة عبر التاريخ
عبر التاريخ استخدمت الأنظمة الحاكمة الثقافة والاساطير لتعزيز سلطتها، مما أدى إلى تهميش الثقافات الأخرى وتدمير الهويات .بعض الفلاسفة استخدموا أفكارهم واساطيرهم لتعزيز أنظمة اجتماعية أو سياسية معينة، مما قد يؤدي إلى تبرير الظلم أو الاستبداد، عندما تُفرض أفكار أو معتقدات ثقافية معينة على الشعوب، يُمكن أن تؤدي إلى فقدان الهوية الثقافية وتدمير التراث، استخدم المستعمرون الثقافة والتعليم كوسائل لتبرير الاستعمار، مما أدى إلى تدمير الثقافات المحلية، يمكن أن تؤدي الفلسفات أو المعتقدات الضيقة إلى الصراعات والحروب، حيث يُستخدم الاسطورة كأداة لتبرير العنف. استخدمت الأسطورة تاريخياً كوسيلة لتبرير العنف والاستعمار حيث استخدم المستعمرون أساطير تتعلق بتفوقهم الثقافي أو العرقي لتبرير احتلال أراضٍ جديدة. اعتبروا أن غزوهم للأراضي الجديدة هو جزء من خطة إلهية لنشر الدين، مما أدى إلى تبرير العنف ضد من لا يعتنقون ديانتهم، تظل الأساطير أداة قوية في تشكيل الرأي العام وتبرير الأفعال، وقد استخدمت عبر التاريخ كوسيلة لتبرير العنف بشكل فعّال.
***
غالب المسعودي

تلقيت رسالة من أحد الأصدقاء، وهو أكاديمي في إحدى الجامعات العربية متسائلًا وناقدًا:" ألم يقتضب التشيع في إيقاعات احتفالية تستعاد دوريًا؟ ألم يتحول التشيع في الوعي المعاصر إلى طقوس ومأتم وزيارة الأربعين وو؟
ثم طلب مني التعليق، أقول: إن هذا الاختزال الذي يمارسه بعضهم هو استلاب مزدوج، يتجلى أولًا في تجريد التشيع من حمولته الفكرية العميقة، وثانيًا في إعادة صياغته كظاهرة احتفالية جوفاء، لا تمتد جذورها إلى الحراك النقدي والاجتماعي الذي ميزه في التاريخ. هذه الرؤية، التي تسجن التشيع في إطار الشعيرة وحدها، ليست مجرد سوء فهم بريء، بل هي عدسة تشويهية تُسقط من الحساب التحولات الفكرية التي أسهمت في هندسته كقوة حضارية فاعلة.
ولست هنا في مقام تحليل معمق للخطاب الشيعي وطقوسه وتحقيبه، ولا في سياق تفكيك التصورات السائدة فيه عبر تراكماته فذلك له مجاله وأدواته من الانثروبولوجيا التاريخية ومنهجياتها النقدية التي قد تستدعي قلب المفاهيم رأسًا على عقب. ما يعنيني هنا هو الإلماح إلى رفض اختزال المنظومات بطريقة متسرعة، متجاهلة التداخلات المعقدة بين الممارسة والفكر، بين الرمزي والسياسي.
إن التاريخ لا يُوثق بسطحية العناوين ولا بتحليل الاستهلاك العاطفي، بل هو انبثاقٌ لحركة الفعل الإنسانيَّ في صراعه مع الوجود، إذ يتخطى التشيعُ بُعدَه الطقوسي ليتجلى كدينامية حضارية، يتقاطع فيها الجهاد بالمعرفة، والبذل بالتأمل. فليس التشيع محض انتماء مذهبي، بل هو مدرسة معرفية أنجبت العباقرة، وناضلت، انطلاقًا من رؤية كونية تدرك أن المواجهة ليست ضد الآخر الديني أو المذهبي أو السياسي بقدر ما هي صراع مع القوى المهيمنة والأنظمة القامعة التي عملت على تدجين الفكر وسلب الإرادة الفاعلة.
إن التشيع، في جوهره، لم يكن يومًا مجرد ممارسة طقوسية، بل كان دائمًا رؤية نقدية للحكم والمعرفة والتاريخ، واستمرارًا لمسار من المراجعة والنظر والتحدي لمراكز السلطة والهيمنة. لذا، فإن أي محاولة لاختزاله في الشعائر وحدها ليست سوى تفريغ ناعم لمضامينه الكبرى، وجعل الفكر حبيس الأداء، في تجاهل صارخ لأثره في بنية الدولة والمجتمع والفكر الإسلاميَّ ككل.
لا يمكن إنكار أن التكرار المفرط للطقوس والممارسة الشعائرية المكثفة لا تبقى مغلقة داخل فضائه الداخلي، بل تُعيد تشكيل صورة التشيع في وعي الآخر، إذ تتقلص التجربة إلى بعد نمطي واحد، فتُقرأ من خلال مرآة الطقس لا من خلال عمقها الفكري وتضاريس التاريخي فيها. من ثَّم، نرى أن المؤسسات الدينيَّة أمام مسؤولية تاريخية ومعرفية تقتضي إعادة النظر في حجم هذه الممارسات وتوجيهها نحو وعي أكثر اتزانًا، يضمن ألا يُختزل التشيع في مظهره الاحتفالي وحده.
إن العالم اليوم أشبه بقرية كونية صغيرة، تخضع للمراقبة المستمرة عبر عدسة مكبرة، إذ لا يمكن لأي تجربة أن تعيش في عزلة عن أعين المراقبين والمتأملين، سواء بحسن نية أو بسوء تأويل. لذا، فإن مسؤولية إنتاج وعي حضاري متجاوز لثغرات الطقس تقع على عاتق الفاعلين في المشهد الدينيَّ،" ومديري شؤون التقديس فيه"، ليس من باب الانفصال عن الموروث، بل من باب إعادة هندسة حضوره، ليكون جسرًا نحو فهم أعمق للتشيع، لا حاجزًا يحصره في أفق ضيق من الشعائر وحدها.
إن التجربة التاريخية للمجتمعات والملل الكبرى تكشف أن إعادة النظر في الموروث، بممارساته وصوره، لم تكن يومًا فعلًا ترفيًا، بل ضرورة وجودية فرضتها ديناميكيات التحول الحضاري. فالأمم التي امتلكت الجرأة على تحليل ذاتها ونقد موروثها، لم تفقد هويتها، بل وسّعت أفقها، وأعادت إنتاج صورتها بوعي أكثر عمقًا ومسؤولية.
هذا يعني أنّ الطقس الديني لا بد أن يخضع لميزان النقد والمعايرة، لا من منطلق الرفض، بل من منطلق إعادة تعريف وظيفته داخل المنظومة الفكرية والاجتماعية. إذ إن الطقوس التي لا تثمر استقطابًا معرفيًا، ولا تحرك حراكًا فكريًا، تظل ممارسات خاملة، تستدعي الغربلة والزحزحة من خلال قراءة علمية متأنية، تعيد ضبط العلاقة بين الشكل والمضمون، بين الممارسة والمعنى.
وتاريخ التشيع، بامتداداته العميقة، ليس غريبًا عن هذه الحركة النقدية؛ فهو تاريخ متحرك، لا ساكن، تاريخ مراجعة وتحدٍّ، لا جمود واستكانة. وكل لحظة فارقة فيه كانت وليدة نقد الذات قبل نقد الآخر، ما يجعل من النقد ونقد النقد في الطقوس امتدادًا طبيعيًا لمنهجه التاريخي، لا خروجًا عنه.
***
أ. م. د. حيدر شوكان سعيد
جامعة بابل/ قسم الفقه وأصوله

يمكن تعريف الثقافة على انها سلوك اجتماعي ومعيار موجود في المجتمعات البشرية، وتعد مفهوماً مركزياً في حقل الدراسات الانثروبولوجية... ويقول الدكتور قاسم جمعة في بحثه عن (ثقافة الجمهور): إن الثقافة لا تنحصر دلالتها وفق القاموس العنصري، بل هناك تعدد هوياتي وفقاً للرؤية الانثروبولوجية. من ذلك نفهم تعريف (ريموند وليم)، الذي اعتبر مصطلح الثقافة من أكثر المفردات تعقيداً في اللغة الانكليزية، فهي تنطبق على عدة معان وترتبط بأكثر من ميدان، حيث ترتبط بالحضارة، وهل الحضارة من تؤسس الثقافة؟ أم أن الحضارة هي مجموعة من الثقافات؟. وبما أنها مرتبطة بالحضارة، فهي ترتبط من وجوه أخرى بالفرد والمجتمعات واحساسهم الفني ووعيهم.
ويشير المؤلف البريطاني (تيري إيغلتن) إلى مدى التعقيد والالتباس الذي يطرأ مفردة الثقافة، وينتهي إلى أربعة معانٍ رئيسة للثقافة، فقد تعني تراكماً من العمل الفني والذهني، وقد تعني: الصيرورة التي يحصل بها الإرتقاء الروحاني والذهني، وقد يعني بها، القيم والعادات والمعتقدات والممارسات الرمزية التي يوظفها الرجال والنساء في الحياة، أو هي الطريقة الكلية المعتمدة في الحياة... ويؤكد (إيغلتن) إلى أن الثقافة بالمعنى الفني والذهني للمفردة، قد تشمل على أوجه الإبتكار السائدة، في حين أن الثقافة كطريقة في الحياة هي في العموم مسألة عادات، فتصبح الثقافة في هذا السياق: هي ما فعلته أنت مراراً من قبل؛ بل وحتى ما فعله أسلافك لملايين المرات، ولكي تكون أفعالك صالحة للإنضمام في هذا السياق الثقافي، يلزمها أن تكون متساوية ومتناغمة مع أفعال الأسلاف... فالثقافة في السياق الفني يمكن أن تكون حالة طليعية؛ أما كطريقة للحياة فهي في مجملها مسألة عادات وحسب؛ ولما كانت الثقافة الفنية نخبوية، فهي تختلف عن الثقافة باعتبارها صيرورة تطورية والتي قد يراها المرء موضوعة أكثر ارتباطاً بمتطلبات المساواة والعدالة البشرية. على أن (إيغلتن) يذهب إلى إن اعتبار الثقافة الطريقة الكلية في عيش الحياة قد تكون أكثر صواباً عند تطبيقها على المجتمعات القبائلية أو ما قبل الحديثة بأكثر مما هو الحال مع المجتمعات الحديثة.
وفي الوقت الذي يشير فيه (هوركهايمر) و(أدورنو) في كتاب (جدل التنوير) إلى ما يسموه بقطاع الثقافة، ويقصد بهذا المصطلح: استخدام الأفلام والإعلانات والبرامج والمجلات، كأدوات لإنتاج ثقافة شعبية. نستخدم نحن مصطلح قطّاع الثقافة، وهي تسمية قرينة بتسمية قطّاع الطرق، ونقصد به: تلك النخبة المسيطرة على بعض المعارف، والتي تسعى من خلالها إلى تدجين الذوات الاجتماعية تحت طوعهم وسطوتهم، وتعمل على إقصاء ونبذ كل من تجرأ على الخوض في بحار تلك المعارف، لأنها حكر على النخبة وليست متاحة للجميع. هكذا تضمن النخبة أن لا يمس أطرافها بأدنى أذى، ما دامت تحتمي بالسلطة، ودعنا نسميها بسلطة الزور.
ومما تجدر الإشارة إليه، أن مصطلح النخبة قد يدل على مثقفٍ واحد أو مجموعة من المثقفين ينتمون إلى توجهات أيديولوجية محددة، فمن هو المثقف؟ وهل له أنواع؟ نستطيع الإجابة عن هذا التساؤل من خلال منجزين كبيرين ورائدين في مجال الدراسات المهمومة بإشكالية المثقف، وهما (انطونيو غرامشي) و(ميشيل فوكو).
يستخدم غرامشي مصطلح المثقف بشكلٍ عريض، ليشير إلى كل أولئك الذين لديهم دور تنظيمي، ثقافي أو ايديولوجي في المجتمع... وهو هنا يؤمن بوجود نوعين متمايزين من المثقف، المثقف العضوي والمثقف التقليدي، ويتضح مفهوم الأخير بتعريف الأول، يعرف غرامشي المثقف العضوي بأنه المثقف الذي ينتمي إلى طبقته ويمنحها وعياً بمهامها، ويصوغ تصوراتها النظرية عن العالم، ويفرضه على الطبقات الأخرى من خلال الهيمنة، ويدافع عن مصالحها، ويقوم بالوظائف التنظيمية والأداتية لضمان تقسيم لعمل الاجتماعي داخل الطبقة، ومن ثم استمرارها... ومن خلال هذا التعريف تتبين النوايا الماركسية.
أما (فوكو)، فيستفيد من تفرقة (غرامشي)، ليؤسس لثنائية المثقف الكوني والمثقف المتخصص، على أن الكوني عند (فوكو) يقابل التقليدي عند (غرامشي)، والعضوي عند الأخير يقابل المتخصص عن (فوكو)، إلا أن (فوكو) يعزو المثقف الكوني إلى الماركسية والوجودية، فينطلق فوكو من قول: انتهاء عصر المثقف المالك للحقيقة، فيقول: لقد مرت تلك الحقبة الكبرى من الفلسفة المعاصرة، حقبة (سارتر ) و(ميرلوبونتي)، حيث كان على نص فلسفي، أو نص نظري ما، أن يعطيك معنى الحياة والموت، ومعنى الحياة الجنسية، ويقول لك هل الله موجود أم غير موجود، وما هي الحرية، وما ينبغي عمله في الحياة... من هنا يتضح أن المثقف الكوني عند (فوكو) هو المثقف النسقي، أما المتخصص فهو الذي يقطع نهائياً مع دعوى الشمولية والكونية والفلسفات النسقية، ليهتم بتقويم أدوات للعمل ومناهج للتحليل، على أنه غير مرتبط بجهاز الانتاج، بل مرتبط بجهاز المعلومات.
***
د. حيدر عبد السادة جودة

منذ زمنٍ بعيد، والإنسان يحاول أن يقول ما يشعر، أن يُخرج من داخله ما يفيض به، أن يجعل ما في قلبه مرئيًا للآخرين. هذا الميل قديم، عميق، فطري ربما. وكلما عظُمت التجربة، زادت الحاجة للقول، للبوح، للعثور على الكلمات التي تُشبه ما عايشه في الداخل. لكنّ هذا المسعى لم يكن سهلًا أبدًا. هنالك دومًا شيء يتفلت من العبارة، شيء يبقى على الحافة، لا يُقال، ولا يستقر في لفظٍ أو جملة.
ذلك أن اللغة، رغم عظمتها، ليست بابًا مفتوحًا إلى الأعماق، بل نافذة تطلّ منها الرؤية من جهة واحدة. ليست مرآة صافية تعكس التجربة كما هي، بل سطحًا يلتقط ما يمكن الإمساك به، ويترك خلفه كل ما لا يُطابق الشكل أو النظام أو القالب. فما نقوله ليس دائمًا ما نعيشه، وما نصفه ليس أبدًا ما شعرنا به تمامًا. والكلمات، مهما اقتربت، تبقى إشارات.. لا مساكن.
فاللغة لا تُمسك جوهر الأشياء، بل تدور حوله، تُلامس أطرافه، تنسج صورًا من خارجه. نحن لا نُسمّي الشيء كما هو، بل كما بدا لنا، كما عرفناه ضمن تصورٍ سابق، أو كما وافقَ ذائقتنا وخيالنا. وهي، في هذا الدور، تؤدي مهمتها النبيلة: تجعل التواصل ممكنًا، تُقرّب الفهم، تضع علاماتٍ في الطريق. لكنها لا تهبط إلى عمق الكينونة. لا تُقيم هناك، ولا تنقل لنا النبض الخفيّ الذي لا يُوصَف.
وحين نُدرك هذا، يتغيّر موقفنا من اللغة. لا نُعاديها، ولا نعبدها. بل نصغي لها بصبر، ونعرف أنها تضيء زوايا وتترك أخرى في الظل، وأنها تُفسّر أحيانًا، لكنها تُربك أحيانًا أكثر. لأن في التجربة الحية ما لا يُضبط، وما لا يقبل التكرار، ولا يُعاد بنفس اللفظ، ولا يُحكى بنفس الطريق. إنها أوسع من القول، وأعمق من التعريف، وأصدق من الترجمة.
ولهذا، حين نبحث عن معنى الوجود، عن الحب، عن الفقد، عن الحضور، ونظن أن اللغة ستُعطينا إياها جاهزة في جملٍ منمقة أو تعريفاتٍ دقيقة، نُصاب بخيبة. لأن اللغة لا تُعطي، بل تلمّح. لا تُفصح، بل تُشير. وحتى إشاراتها محكومة بمنطقها، لا بمنطق الشعور. فما نعيشه في لحظة صدق، لحظة تأمل، لحظة دهشة أو حزن أو حضور، لا يُعاد بالكلمات، بل يُبتلع في الداخل، ويُكتفى بتأمله دون محاولة نقله إلى العبارة.
ثمّ إننا حين نُراكم في حياتنا مئات الكلمات، ونحفظ آلاف العبارات، لا نكون بالضرورة قد اقتربنا أكثر من الحقيقة. بل قد نكون قد ابتعدنا عنها، واستبدلنا الحضور بالفهم، والصمت بالشرح، والتجربة بالقاموس. كأننا استبدلنا الموسيقى بالنوتة، والغابة بالخريطة، والحياة نفسها بوصفها فقط.
وفي النهاية، لا يُلام الإنسان على حبّه للكلمات، ولا على محاولته المستمرة للقول، لكنه يُلام إن ظنّ أن ما قاله هو كل ما في الأمر. لأنّ الحياة، كما هي، لا تُختصر، ولا تُودَع في لغةٍ مهما بَلغت فصاحتها.
***
خالد اليماني - باحث

في المثقف اليوم