قضايا

ما أُطلق عليه (البطريق العدمي) ليس مجرد طائر خرج عن مساره الطبيعي، بل كائن أعلن تمرّده الصامت على منطق القطيع… ففي المشهد الذي وثّقه الفيلم الوثائقي عام 2007، لم ترصد الكاميرا حركة بيولوجية عابرة، بل لحظة وعي نادرة، إذ اتّخذ أحد البطاريق اتجاهاً معاكساً، مبتعداً عن دفء الجماعة ومتقدّماً نحو المجهول، وكأنه يرفض أن يُختزل الوجود في طقس دائري مكرر تُعاد فيه طقوس الأكل والبقاء بلا سؤال، بدا وكأن قراره يهمس بحقيقة أعمق: أن العالم لم يُخلق ليكون حظيرة آمنة، بل فضاءً مفتوحاً لاكتشاف ما يخفيه من معانٍ مؤجَّلة.

وعلى ذات المسار الرمزي سار النورس (جوناثان ليفنجستون) في رواية (ريتشارد باخ)، إذ تمرّد على سرب لا يعرف من الطيران سوى ما رُسم له سلفاً ولا يرى في الأفق إلا حدود الحاجة والغريزة، فاختار أن ينفلت من هندسة التحليق الموروثة وأن يقفز بروحه قبل جناحيه نحو علوٍ آخر خارج جمود السرب ورتابة قوانينه، وهناك حيث الخطر والاحتمال تحققت له بحبوحة التحرر حين استعاد الطيران بوصفه معنى لا وظيفة.

أما (إيرين ييغر) بطل الكاتب الياباني الشهير (هاجيمي ايساياما) ورائعته في مانغا (الهجوم على العمالقة)… فقد حمل منذ طفولته جرح السؤال ذاته؛ سؤال ما وراء الأسوار، فلم تكن الجدران وسيلة حماية بالنسبة له بل رمزاً خانقاً لعالم مسروق، لذلك أصر على الخروج إلى الخارج، إلى البحر والصحارى والمحيطات، لا بوصفها أمكنة جغرافية فحسب، بل باعتبارها استعارات كبرى للحرية، فانضم إلى فيلق الاستطلاع مؤمناً بأن الحرية لا تُمنح بل تُنتزع وأن الوجود الحق يبدأ لحظة كسر السياج الأول.

تكشف هذه الثلاثية، رغم اختلاف وسائطها بين الوثائقي والأدب والأنمي، عن جوهر واحد: قلق الكائن أمام حدوده وتمرده على المعنى الجاهز وسعيه المحموم نحو الحرية، وحين نضع هذه النماذج الثلاثة جنباً إلى جنب لا يعود السؤال متعلقاً بالشخصيات ذاتها بل بما تمثله في وعينا نحن، (فالبطريق العدمي) ليس كائناً غريباً عن الإنسان بل صورته الأولى حين يُلقى في العالم قبل أن يتعلم اللغة وقبل أن يفهم الدين وقبل أن تمنحه الثقافة تفسيرات جاهزة لما يحدث له، إنه الإنسان في لحظة الصدمة الأولى، موجود لأنه موجود، يتحرك لأنه إن توقف سيفنى، يمضي لا بدافع الأمل بل بدافع الغريزة الخالصة، هنا لا معنى للحياة ولا عبث لها، لأن العبث ذاته يحتاج وعياً كي يُدرك، ولهذا تبدو عدميته صافية باردة خالية من الغضب كأنها حياد كوني مطلق، وجود بلا احتجاج ولا تصالح، مجرد حضور عارٍ في عالم لا يفسر نفسه.

لكن هذا الوجود لا يمكن أن يستمر طويلاً، فالكائن ما إن يبدأ بالسؤال حتى يغادر براءته الأولى، وهنا يولد (جوناثان) لا كنورس فحسب بل كقفزة في الوعي، لم يعد الاكتفاء بالبقاء كافياً ولم تعد الغريزة مبرراً أخلاقياً للحياة، يظهر لأول مرة التوتر الخطير بين الفرد والجماعة بين ما أستطيع أن أكونه وما يُراد لي أن أكون، (جوناثان) لا ينكر القطيع لكنه يرفض أن يكون القطيع سقفاً للوجود، فيكتشف أن الحرية ليست حالة طبيعية بل انحراف عن السائد وأن كل خروج عن المتوسط يُقرأ بوصفه تهديداً للنظام، ومن هنا تصبح الحرية فعلاً أخلاقياً قبل أن تكون حقاً اختياراً واعياً لدفع الثمن، لأن من يرى أفقاً أبعد لا يستطيع أن يعود إلى العمى الطوعي دون أن يخون ذاته. غير أن هذه المرحلة، على نقائها، تظل رومانسية إلى حد ما، ف(جوناثان) ما زال يؤمن بأن الحرية ممكنة دون أن تتحول إلى لعنة، وأن الفرد يستطيع أن يسمو دون أن يهدم العالم من حوله، لكنه لا يرى بعد البنية العميقة للعنف الكامن في التاريخ ولا يدرك أن بعض الحُجب لا تقطع بالطيران، بل تُبنى أصلاً لمنع أي تحليق محتمل، وهنا يولد (إيرين ييغر) بوصفه انهيار الحلم الوجودي الجميل وانتقال الحرية من سؤال أخلاقي إلى معضلة كونية.

(إيرين) لا يسأل كيف يكون الإنسان حراً بل لماذا تُصادَر الحرية أصلاً ومن المستفيد من استمرار القيد، وحين يكتشف أن العالم منقسم بنيوياً إلى سادة وضحايا، مركز وهامش، إلى من يكتب التاريخ ومن يُسحق تحته، تتشقق داخله فكرة الخلاص النقي، لم تعد الحرية مشروعاً فردياً بل صراعاً صفرياً إما أن أكون حراً أو يُمحى وجودي، وهنا تتحول الحرية من نور إلى نار ومن قيمة إلى قوة ومن حلم إلى آلة، في هذه اللحظة المأساوية لا يعود العنف خياراً أخلاقياً بل ضرورة وجودية كما يراها الوعي المكسور، فيصبح الإنسان مستعداً لأن يحمل خطيئة العالم كله على كتفيه كي يفتح ثغرة واحدة في جدار القدر، حتى لو علم مسبقاً أن هذه الثغرة ستبتلعه هو أولاً، (إيرين) لا ينكر بشاعة ما يفعل لكنه يرى أن البشاعة جزء من منطق العالم ذاته وأن البراءة لم تكن يوماً متاحة للجميع، بل هي امتياز لمن وُلد خارج دائرة القهر.

وهكذا نكتشف أن المأساة الحقيقية لا تكمن في تحوّل الضحية إلى جلاد بل في أن النظام نفسه لا يتيح خياراً ثالثاً، فالحرية هنا لا تُنال دون أن تُلوَّث ولا تتحقق دون أن تنقلب ضد ذاتها، ولذلك يبدو (إيرين) أقرب إلى التراجيديا الإغريقية منه إلى بطل معاصر، محكوماً بمعرفة لا يستطيع الهروب منها، ومساقاً نحو مصير يكرهه لكنه يحققه في آن واحد، وكأن الوعي حين يبلغ منتهاه يتحول من نعمة إلى عبء لا يُحتمل.

وعند هذه النقطة تعود الثلاثية لتلتقي في دائرة واحدة: البطريق يمشي لأنه لا يعرف، جونوثان يطير لأنه يؤمن، وإيرين يدمر لأنه عرف أكثر مما ينبغي، ثلاثة أشكال للوجود الإنساني لا يتناقض أحدها مع الآخر، بل يتعاقبون داخل الإنسان نفسه عبر الزمن، فنبدأ حياتنا عدميين بلا وعي، ثم نصبح مثاليين نحلم بالحرية، ثم نكتشف أخيراً أن العالم أعقد من أن يُنقَذ بنقاء الفكرة وحدها، وهنا لا يبقى السؤال: من هو على حق؟ بل أي مرحلة نعيشها الآن؟ وأي ثمن نحن مستعدون لدفعه مقابل أن نقول: نحن أحرار؟.

إن البحث المحموم عن المصير المجهول لا يقود بالضرورة إلى خلاص منتظر بل كثيراً ما يستتبع الوقوع في مصير معلول، فكل خروج عن المألوف يحمل لعنة السؤال، وكل محاولة لبلوغ الحرية تستبطن ثمناً لا يُدرك إلا بعد فوات الأوان، فذلك (البطريق) الذي انتهج درب فردانيته حين انسل من قطيعه متجهاً عكس المسار، لم يكن يخطو نحو النجاة بقدر ما كان يوقّع على عزلته الأخيرة، لقد اختار أن يرى العالم بعين واحدة، عين السؤال، غير آبه بنداء الدفء ولا بحكمة البقاء، فسقط وحيداً في بياض لا نهاية له، ليغدو تمرده فعلاً نبيلاً من حيث النية، ومأساوياً من حيث المآل، إذ لم يحتمله الجليد ولم تنتظره الحياة…

وكذلك (النورس جوناثان) حين اختار التحليق خارج سربه لم ينل الحرية بوصفها نعمة صافية بل ذاقها بوصفها اغتراباً، لقد حلق أعلى، نعم، لكنه حلق وحيداً، فالسرب لا يغفر لمن يرى أبعد منه ولا السماء تكافئ من يغامر بلا سند، فكانت حريته مشروطة بالعزلة، ومعرفته مقرونة بالنبذ، وكأن الارتفاع في مدارج الوعي يستلزم دائماً الانفصال عن الجماعة…

أما مجنون الحرية (إيرين ييغر) فقد طاردها طوال حياته كما يُطارد السراب، ظن أن الحرية تكمن خلف الأسوار ثم خلف البحر ثم خلف العدو ليكتشف متأخراً أن كل باب يُكسر يولّد جداراً جديداً، فكلما اقترب منها ابتعدت عنه أكثر، حتى غدت الحرية نفسها قدراً قاسياً لا يُحتمل، وتحول الساعي إليها إلى أداة من أدواتها العمياء، وهكذا لم يكن المصير المجهول وعداً بالخلاص، بل اختباراً وجودياً فادحاً، فمن يخرج عن القطيع لا يختار طريقاً آخر فحسب بل يختار شكلاً آخر من الألم أشد نقاءً… وأشد وحدة.

تكشف هذه الثلاثية العدمية — البطريق، جونثان ليفنجستون، وإيرين ييغر — أن الحرية لا تأتي بوصفها خلاصاً نهائياً بل بداية لمأساة جديدة، فالخروج من القطيع لا يعني النجاة بل الدخول في عزلة مؤلمة حيث يصبح الإنسان مسؤولاً عن اختياره بدل أن يكون محمياً بالامتثال، التمرد هنا فعل أخلاقي لا فوضوي لكنه لا يُكافأ، فالعالم لا يحتفي بمن يرى أبعد منه بل يعاقبه، القطيع لا يخشى الشر بل يخشى الوعي ولهذا يُقصى المختلف، لا لأنه مخطئ بل لأنه مبصر، كما تُظهر هذه النماذج أن المعرفة ليست نوراً خالصاً بل عبء ثقيل يسلب الطمأنينة، فالحقيقة حين تُكتشف لا تمنح عزاءً بل تجرّد الإنسان من راحة الجهل، وقد يتحول السؤال نفسه إلى لعنة حين يعجز صاحبه عن التعايش مع واقع لم يعد يقبله، وفي أقصى تجلياتها قد تنقلب الحرية إلى طغيان باسمها، كما في نموذج (إيرين) حين يصبح الحلم مبرراً للدمار وتتحول القيمة إلى صنم يطلب الضحايا…

الخيط الفلسفي الجامع بين هذه العدميات المتباينة يقوم على سؤال واحد يتخفّى خلف كل الحكايات: هل نحن أحرار لأننا نختار؟ أم نختار لأننا محكومون بما نحن عليه؟ (البطريق) يمثّل حرية بلا وعي، وجوداً يتحرك داخل الطبيعة دون سؤال أو قلق أو معنى، فهو حر لأنه لا يعرف أنه ليس حراً، (جوناثان) ينتقل بنا إلى التمرد الواعي، إذ يدرك حدوده ويرفضها دون أن يحوّل حريته إلى أداة تدمير، فيسعى إلى تحقيق ذاته لا إلى كسر العالم، أما (إيرين) فيبلغ أقصى درجات الوعي حيث تتحول المعرفة نفسها إلى عبء، فيرى المصير قبل أن يعيشه فيغدو اختياره ملتبساً بين الإرادة والقدر، وكأن الرحلة الوجودية تسير من العدم الصامت إلى التمرد الواعي ثم إلى المأساة الوجودية الكاملة، حيث كلما اتسع الوعي ضاقت الحرية وكلما اقترب الإنسان من الحقيقة ازداد ثقلها عليه، وهكذا تقف هذه الثلاثية عند مأزق الإنسان الأبدي: إما حياة بلا معنى داخل القطيع أو معنى يُدفع ثمنه من الحياة نفسها.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

هل التكنولوجيا بديل للمعلم ام امتداد لخبرته؟

كان المعلم في السابق المصدر الرئيس للمعلومة والموجه الوحيد للدرس وصاحب السيطرة الكاملة على مجريات العملية التربوية. فضلا عن كونه المقوم الرئيسي لاداء الطلاب والمصمم الوحيد للانشطة التربوية داخل المدرسة. وقد اتسمت العملية التعليمية بوقتها بطابعها التقليدي القائم على الحفظ والتلقيين وقلة التفاعل الصفي، ومحدودية مصادر التعلم التي اقتصرت على الكتاب المدرسي والسبورة، الى جانب الوقت الطويل التي تستغرقه عملية التقويم والتقييم. اما اليوم، قد دخل التعليم مرحلة جديدة غير مسبوقة في تاريخ البشرية. في ظل التسارع الهائل في التطور التكنولوجي وما يرافقه من تحديات وفرص حقيقية لتغيير مسار الانسان كيفا وكما. يرى بعض الباحثين أن ازدياد وتيرة استخدام التكنولوجيا الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي في كل مفاصل الحياة اليومية للانسان قد يحدث تحولا جذريا في انماط التعليم والتعلم ويخلق بيئات تعلم ذاتية ومتكيفة. بينما يؤكد اخرون أن المعلم سيبقى حجر الاساس في العملية التربوية مهما بلغت تطور الادوات الرقمية. ومن هنا يبرز سؤال جدلي: هل ستحل التكنولوجيا الذكية مكان المعلم أم انها امتدادا لخبرته وتعززا لدوره؟. أن هذه الجدلية لا تعبر عن صراع بين القديم والجديد، بقدر ما تعكس محاولة لفهم طبيعية العلاقة المتغيرة بين طرفان يشتركان في غاية واحدة: هي تحقيق تعليم اكثر فعالية وانسانية وقدرة على مواكبة تحديات المستقبل. وبين حيوية حضور المعلم وقدرات ودقة الادوات الذكية، يتشكل مسار تربوي جديد يعيد تعريف التعليم في القرن الواحد والعشرين.

ويقصد بالجدلية هنا "التفاعل بين مسارين قد يبدوان متعارضين" لكنهما بالواقع قد يكونان تكامليين، وهما: المعلم والتكنولوجيا لا سيما تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي. قد ظهرت هذه الجدلية بسبب تسارع وتيرة التطورات التكنولوجية وقدرتها على تقديم محتوى تعليمي تلقائي، وتقييم فوري، ومحاكات تعليمية فضلا عن وتخصيص التعلم وفق احتياجات كل طالب. الامر الذي فتح بابا للتسائل: هل مازال المعلم ضروريا في غرفة الصف؟.

ورغم هذا التطور، ما زال للمعلم ادوار جوهرية لا يمكن للتكنولوجيا أن تحل محلها، واهمها البعد الانساني والاجتماعي، والتوجيه الفكري والتفكير النقدي، والعدالة بالتعامل مع الفروق الفردية للطلبة، وقيادة الصف الدراسي وفق قواعد السلوك التربوي، وبناء الثقة ومراعاة مشاعر وعواطف الطلبة. فالتكنولوجيا مهما بلغت درجة تطورها تبقى اداة مبرمجة تفتقر الى الحس الانساني.

في المقابل، تؤدي التكنولوجيا دورا محوريا في تسريع الوصول الى المعلومة والمعرفة عبر المصادر المفتوحة، وتعزيز التفاعل باستخدام تقنيات الواقع الافتراضي والمعزز والمحاكاة التعليمية والتجارب الافتراضية، والالعاب التعليمية. كما تمتلك ادوات الذكاء الاصطناعي التوليدي قدرة على تخصيص التعلم من خلال تتبع مستوى الطالب وتقترح له مسارا يناسب مستواه، فيما يعرف "التعلم التكيفي"، فضلا عن تخفيف العبء الاداري عن المعلم من خلال تصحيح وتقييم الواجبات وادارة الصف الافتراضي واعداد تقارير الاداء.

بعد دخول واستخدام مختلف انواع هذه التقنيات الرقمية في المدرسة وغرفة الصف اسهم في اعادة تعريف دور المعلم الذي لم يعد ناقلا للمعرفة، بل اصبح ميسرا وموجها للتعلم، ومصمما لبيئة التعلم الرقمية ومحللا لبيانات الطلبة ومرشدا لاستخدام ادوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتحسين جودة التعلم. ونتيجة لذلك، اتسمت العملية التربوية المعاصرة بالتفاعل والتشاركية، والتعلم الذاتي، وتعدد الوسائط الرقمية الى جانب التقييم الفوري والمستمر.

ومع ذلك، لا يخلو هذا التحول من المخاطر والتحديات التي تفرضها استخدام التكنولوجيا في عملية التعليم والتعلم، وابرزها تهميش الدور الحيوي للمعلم في حال الافراط في استخدام التقنية وتحويله من قائد تربوي لعملية التعلم الى مجرد مشرف تقني واتساع الفجوة الرقمية بين الطلاب، بالاضافة الى تهديد بعض المهارات الاساسية مثل الكتابة اليدوية والتفكير النقدي والبحث الاكاديمي المنهجي.

ومن هنا تبرز جدلية القوة: من يوجه من؟ وتعد هذه الجدلية واحدة من اكثر الجدليات اثارة في الفكر التربوي المعاصر، اذ لم يعد استخدام ادوات الذكاء الاصطناعي مجرد وسيلة تقنية جديدة الى المنظومة التربوية، بل هو تحولا فلسفيا اعاد طرح سوال جوهري: هل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي منافس للمعلم ام شريك له؟ في حال قاد الذكاء الاصطناعي عملية تعلم الطلبة تحول دور المعلم الى مجرد مراقب وتحول الطالب الى متلقي سلبي يتلقى اجابة جاهزة دون انخراط ذهني في البحث والتحليل. اما اذا قاد المعلم المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي، أن هذه التقنية تصبح وسيلة للتمكين وتمنح الطلبة تعلما اعمق واكثر تفاعلا من خلال تنمية مهارات التفكير النقدية، وتحليل دقة الاجابات ومصداقيتها.

ومن هنا تبرز الحاجة لايجاد توازن تربوي واخلاقي في اخضاع تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لفلسفة تربوية معاصرة يقودها المعلم لجعلها وسيلة فعالة وليست غاية في حد ذاتها. فهي تصبح منافسا عندمنا تستخدم بلا رؤية تربوية، وشريكا معرفيا عندما يحدد المعلم اهداف وغايات استخدامها في تعزيز التفكير النقدي والابداعي، ودعم التعلم القائم على الاستقصاء ومعالجة الفروق الفردية وتنمية المهارات الرقمية كالابداع والذكاء الجماعي وحل المشكلات وتقديم الحلول المناسبة.

وفي الختام، يتضح أن العلاقة بين التكنولوجيا الذكية والمعلم ليست صراعا، بل هي علاقة تكامل مشروط بين الاداة الذكية والعقل الانساني. فالتكنولوجيا لا تلغي دور المعلم، لكنها تنهي نموذج المعلم التقليدي القائم على الحفظ والتلقين لان التعليم ليس مجرد نقل معلومات، بل هو تربية شاملة ومتكاملة. وستفسح المجال امام معلم قادر على توظيف الادوات الذكية بوعي تربوي، يقود التعلم نحو الفهم العميق والتحليل والاستنتاج والابداع والتفكير النقدي والتعلم القائم على الاستقصاء.

***

علاء جواد كاظم

 

في المفهوم: المنهج هو مجموع الخطط والأساليب والطرائق التي تُستخدم لتحقيق أهداف ومصالح محددة. والمناهج وفق هذا المعطى، تتعدد بناءً على طبيعة الأهداف والمصالح المراد الوصول إليها، سياسيّة كانت أو علميّة أو أدبيّة أو إداريّة .. وغير ذلك. أما عنوان موضوعنا المراد بحثه هنا فهو المنهج المتعلق في الجوانب السياسيّة والفكريّة بشكل عام، وخاصة المتعلق منها في قضايا نهضة الشعوب وتقدمها، ومنها بشكل خاص نهضة أمتنا العربيّة المتخلفة وكيفيّة تقدمها.

نقول في هذا الاتجاه: إذا كان معظم من اشتغل ولم يزل يشتغل على قضايا النهضة والتقدم في عالمنا العربي من أحزاب ومثقفين ومفكرين وسياسيين، يقرون أو يعترفون بتخلف الواقع العربي، وأنه يعيش حالة فوات حضاري في وجوديّه المادي والفكري، وأن هناك أمماً أو شعوباً أو دولاً قد سبقتنا في مجال التطور والتنمية الماديّة والقيميّة والفكريّة، إلا أن الكثير ممن اشتغل على قضايا نهضتنا وتقدمنا ظل ينظر في مسائل تجاوز تخلف ومعوقات هذه النهضة من باب مناهج فكريّة غالباً ما تلتقي مع يؤمن به هذا المشتغل أو ذاك من هذه المناهج، أو ما يمتلك من خطط وأساليب تفكير وعمل يجد فيها طريق النهضة والخلاص من مأزق التخلف الذي نحن فيه. فهناك من يأخذ بالمناهج الماديّة مثلاً كالمنهج المادي التاريخي الجدلي، والمنهج التاريخاني وغيرهما من المناهج ذات التوجه المادي العقلاني النقدي عموماً، وهناك من يأخذ بالمناهج المثاليّة بعمومها الذاتيّة والموضوعيّة منها، كالمنهج البنيويّ والظاهراتي والسيكولوجي وغيرها من المناهج التي تقوم على الرؤى الذاتيّة المنفردة والمعزولة عن محيطها الاجتماعي، أو على قوى غيبيّة أو طبيعيّة خارج إرادة وعقل الإنسان وتحكمهما في الواقع المعيوش. فكل منهج من هذه المناهج له حوامله الاجتماعيّة، مثلما له مواقفه الأيديولوجيّة أيضاً التي تشكل السياج الداعم لهذا المنهج، بل إن كل من المنهج والموقف الأيديولوجي يشكلان وجهين لعملة واحدة إذا ما كانت تكمن وراء المنهج قوى طبقيّة محددة. فمن يأخذ بالمنهج المادي التاريخي مثلاً نراه يقسم الواقع الذي يتعامل معه إلى بنائين، تحتي ويشمل قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج، وبناء فوقي ويمثل مجموعة الرؤى والأفكار والمبادئ والقوانين التي تعبر عن درجة تطور البناء التحتي، ثم هو ينظر أيضاً إلى تلك العلاقة الجدليّة ذات التأثير المتبادل بين مكونات البناء التحتي مع بعضها من جهة، وبين التأثير المتبادل أيضاً بين مكونات البناء الفوقي مع بعضها من جهة ثانية، وأخيراً بين كل مكونات البنائين مع بعضهما بعضاً في سيرورتهما وصيرورتهما التاريخيتين، أي في حركة وتطور وتبدل مكونات البنائين من جهة ثالثة. أما الموقف الأيديولوجي أو النظري الداعم لهذا المنهج فهو الموقف اليساري عموماً، وحوامله الاجتماعيّة التي تتوزع ما بين الطبقات الكادحة ممثلة بالعمال والفلاحين وتحالف قوى الشعب العامل، ووصولاً إلى البرجوازيّة الوطنيّة. وهذا الموقف المادي الجدلي يختلف عن موقف كل المناهج المثاليّة العاملة أو الموظفة لخدمة الطبقات المستغِلة، فالمنهج البنيوي على سبيل المثال لا الحصر، يقوم بفصل كل ظاهرة من ظواهر الواقع عن بعضها وأخذها كبنية واحدة قائمة بذاتها بكل أجزائها، لها تاريخها وواقعها ومكوناتها وعلائقها الخاصة بها. بينما الموقف الأيديولوجي أو النظري فهو الموقف الليبرالي، وحوامله وغالباً ما تكون من القوى البرجوازيّة، وهي قوى تجد في السوق الحرّة الاقتصاديّة عالمها وحركتها ونشاطها، بكل ما تعبر عنه هذه السوق من فوضى الإنتاج، وما يقوم على هذه الفوضى من استغلال لجهود الآخرين وتفاوت في توزيع الثروة الوطنيّة، ومن منافسة واحتكار للسلع، واستلاب وتغريب وتشيئ للإنسان.

أما لو أخذنا بعض المناهج المثاليّة الأخرى كالمنهج المثالي الموضوعي على سبيل الثقال لا الحصر، لوجدنا أن هذا المنهج بقر بأن هناك قوىً خارج عالم الإنسان تؤثر في حياة الفرد والمجتمع، وأن هذا التأثير غالباً ما يكون بشكل حتمي ليس للإرادة الإنسانيّة فيه أي دور، وإن وجد هذا الدور الإرادي فهو ضعيف لا يتعدى خصوصيات عالم الفرد الروحيّة والسلوكيّة، لأن كل شيء قد حدد حدوثه بكتاب محفوظ إما من قبل قوى خارج نطاق الطبيعة، أو من قبل فكرة مطلقة قد تمثل مفهوم الحتمية الميكانيكيّة لسيرورة الظواهر وصيرورتها. أما الموقف الأيديولوجي أو الفكري لهذا المنهج فهو العقيدة الدينيّة على الغالب، والحوامل الاجتماعية لهذا المنهج هي حوامل خليطة من كل شراح وطبقات المجتمع، ففي الوقت الذي تجد فيه القوى الاجتماعية المسحوقة خلاصها من شقائها واستغلالها وتحقيق عدالتها في هذا الدين، تجد فيه القوى الاستغلاليّة كذلك عوامل قوتها وتبرير سيطرتها واستغلالها للآخرين أيضاً. وذلك من خلال تفسير وتأويل نصوص هذه الأيديولوجيا وفقاً لمصالح كل شريحة أو طبقة من هذه الحوامل.

بشكل عام نستطيع القول هنا: إن طبيعة الحوامل الاجتماعيّة الحاملة لهذه المناهج ومصالحها بشكل عام، تلعب دوراً كبيراً في تبني المنهج وسياجه الأيديولوجي أو النظري الذي يحقق لها مصالحها، وبالتالي نراها تشتغل عليه لتحقيق ما تدعيه من مواقف فكريّة وسلوكيّة ومنها نهضة المجتمع وتقدمه.

وبتعبير آخر، إن كل حامل اجتماعي له مصالحه التي تحدد بالضرورة توجهاته الفكريّة والعملياتيّة معا. فالقوى الوطنيّة والقوميّة التي تكره الاستغلال والتفاوت الطبقي الحاد والتجزئة القوميّة، نراها في الغالب تميل نحو تبني المناهج العلميّة أو العقلانيّة، والسعي لتطبيق أفكارها الداعية إلى العدالة والمساواة والحرية، فهي مع الملكيّة العامة ومع المواطنة والتعدديّة والتشاركيّة في السلطة، بغض النظر هنا عن شهوة السلطة ومنافعها وتأثيرها على بعض هذه الحوامل، وما تمارسه هذه الحوامل من انحرافات عن الخط المنهجي والنظري الذي تتبناه. أما الحوامل الاجتماعيّة الحاملة للمناهج المثاليّة، فهي في الغالب تميل إلى الملكيّة الخاصة، والدفع باتجاه الروح الفرديّة والحفاظ على البنى الطبقيّة القائمة بكل إشكالاتها. هذا بالنسبة للحوامل الاجتماعيّة المتبنية للمناهج المثاليّة المتعلقة بالفكر الليبرالي، وأدوات هذه المناهج القوى الطبقية المالكة، وهي تقوم بالغالب على الذاتيّة والارتجال والحدس والوعظ والضمير وغير ذلك. أما الحوامل الاجتماعيّة المتبنية للمنهج المثالي الموضوعي بصيغته الدينية الوثوقيّة، فهي حوامل تتمسك بالنص الديني وما شرع له هذا النص من مسائل تتعلق في حريّة وسعادة الإنسان، وهي لا تملك من شيء سوى العمل على تطبيق ما تطالب به هذه الشريعة ووفقاً لصيغتي الحلال والحرام الواردة في النص المقدس أو الحديث أو ما أجمع عليه رجال الدين في مراحل تاريخيّة محددة، وبالتالي كيفيّة الوصول إلى هذا الحلال والابتعاد عن الحرام، ففي الوقت الذي نجد من الحوامل الاجتماعيّة للعقيدة من يستخدم مفهوم الدولة والسلاح كوسائل فاعلة لتطبيق العقيدة أو الأيديولوجيا الدينيّة، وهم أصحاب الإسلام السياسي، نجد في الوقت الآخر من يعتقد بان الطريق الصحيح لتحقيق شريعة هذا الدين هو ترك مفاسد الحياة والابتعاد عن كل ما يدنس الروح والجسد، وذلك عبر الانعزال والمجاهدة على الطريقة الصوفية للوصول إلى الحقيقة المطلقة التي تربط الفرد بربه.

أمام هذه المواقف المنهجية، يتبين لنا بأن للمنهج وحوامله والموقف الأيديولوجي أو النظري الذي يسيج هذا المنهج، وتظهر لنا أيضاً سبل المعرفة الصحيحة للطرق والأساليب التي علينا اتباعها للوصول إلى نهضتنا، مثلما تبين لنا القوى الاجتماعيّة الحقيقيّة المنوط بها تحقيق الفعل النهضوي.

إن تجارب الماضي النهضويّة وما حققته المناهج الفكري بما تقوم عليه من مواقف فكريّة أو أيديولوجيّة، قد أثبتت فشلها وعجزها لأسباب قد لا تتعلق بالمنهج وبآليّة عمل هذه المناهج فحسب، وإنما تتعلق بحواملها الاجتماعيّة أيضاً التي تغيريها شهوة السلطة. لذلك لا بد لنا من إعادة النظر بطبيعة المناهج التي اشتغلنا عليها مئات السنين وأثبتت فشلها حتى الآن، فنحن بحاجة ماسة في الحقيقة إلى المنهج العقلاني النقدي والتنويري فكراً وممارسة... نحن بحاجة للمنهج والفكر الذي يعمل على استيعاب كل من يؤمن بوطنه ومواطنيته، ويؤمن بالآخر شريكاً له ومن حقه أن يساهم في إدارة شؤون وطنه دون إلغاء أو تكفير أو استفراد بالسلطة... نحن بأمس الحاجة للمنهج العلمي ونظريته العلميّة التي تحتوي في مضمونها قيم العلمانيّة والديمقراطيّة والمواطنة، وأن الوطن للجميع بغض النظر عن دين الفرد وعرقه ومذهبه وعشيرته وقبيلته.

***

د.عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد من سوريا

إذا كانت حروب الإشاعة تمثل القلب الصلب في منظومة التحديات التي تفرزها الحروب المعلوماتية والتكنولوجية المعاصرة، فإن مكمن خطورتها لا يكمن فقط في سرعتها أو في اتساع مجال انتشارها، بل في قدرتها على طمس الحدود الفاصلة بين الوسيلة والغاية، وبين الخبر كأداة معرفة، والدعاية باعتبارها تقنية للهيمنة. فهي تُقيم مساواة خادعة بين ما تنتهي إليه أنظمة الإعلام، بما راكمته من أدوات وتقنيات، وبين الغايات القصوى للبروباغندا التي لم تعد فعلا عفويا أو ارتجاليًا، بل أضحت بنية استراتيجية محكمة، تُدار بعقل بارد لإعادة تشكيل الواقع، لا لوصفه.

في هذا السياق، تتحول الإشاعة من خطاب هامشي إلى سلطة موازية، تتغذى على هشاشة الوعي الجمعي، وتستثمر في الفراغات التي يعجز القانون الدولي عن ملئها، لتحل محلّه منطق القوة والاصطفاف. وهنا لا يعود الصراع محكوما بقواعد النزاعات التقليدية، بل يُعاد إنتاجه داخل الفضاء الرمزي، حيث تُهزم الدول قبل أن تُقهر، وتُسقَط الشرعيات عبر السرديات قبل أن تُستهدف بالبندقية.

إن الوقائع الحديثة تكشف بوضوح أن السلطة الإعلامية لم تعد منشغلة فقط بنقل الأحداث أو تفسيرها، بل بانخراطها العميق في تجارب ثقافية موجهة، تقوم على التشويش المتعمد، وإرباك المعنى، وإعادة تركيب الحقائق بما يخدم منطق السيطرة. فالتزييف لم يعد استثناءً، بل أصبح ممارسة منهجية، تُدار عبر شبكات معقدة من الرموز والصور والخطابات، تُفرغ الحقيقة من بعدها الأخلاقي، وتحولها إلى مادة قابلة للتلاعب.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى قراءة فلسفية نقدية لهذه الظاهرة، لا بوصفها خللا عابرا في أخلاقيات الإعلام، بل كتحول بنيوي في طبيعة السلطة ذاتها، حيث لم يعد النفوذ يُمارس فقط عبر الجغرافيا أو الاقتصاد أو السلاح، بل عبر التحكم في السرد، وتوجيه الإدراك، وصناعة الوهم بوصفه حقيقة قابلة للتداول. ففي زمن الحروب المعلوماتية، لا يُهزم الخصم حين يُدمر، بل حين يُقنع بأنه قد هُزم. وفي امتداد هذا الأفق الفلسفي، تبرز التدافعات الدولية الراهنة بوصفها إعلانا صريحا عن أفول نموذج العلاقات الدولية المؤسَّس على مرجعية القانون الدولي ومنظومة الاتفاقات متعددة الأطراف. فالعالم وهو يعيد ترتيب توازناته، لم يعد يحتكم إلى النصوص بقدر ما ينصاع لقوة الفعل، ولا إلى الشرعية بقدر ما يخضع لفاعلية التأثير. وفي هذا التحول العميق، تنسحب القواعد القانونية إلى الهامش، لتحل محلها هندسة جديدة للصراع، قوامها السيطرة على المعنى قبل السيطرة على المجال.

ضمن هذا السياق، تنخرط وسائل الإعلام، بتقنياتها المتسعة وقدراتها المتجددة، في مسار يتجاوز الوظيفة الإخبارية أو التفسيرية، لتغدو فاعلا بنيويا في إعادة إنتاج الهيمنة. فالتطبيقات الحاسوبية الكبرى، التي تهيمن على مجالات الثقافة واللغة والتواصل، لم تعد مجرد أدوات محايدة، بل أنظمة اشتغال قائمة على خوارزميات وظيفية دقيقة، تُعيد تشكيل البيانات وتوجيهها داخل فضاءات سيبرانية منظمة، تخدم في جوهرها منطق التسلط المؤسساتي وتكريس اللامتكافئ في القوة.

وهنا، يفرض السؤال نفسه حول مدى اتساع الاختراقات الممنهجة التي تستهدف البنى العالمية الهشة، تلك التي أنهكها الحصار وضيّق عليها الخنق الاقتصادي والسياسي. فهذه البيئات، بما تحمله من هشاشة معرفية وإعلامية، تتحول إلى حقول اختبار مثالية لتقنيات التأثير السيبراني، حيث يُعاد تشكيل الوعي الجمعي وفق نماذج جاهزة، تُزرع في العمق دون أن تُرى، وتُفَعَّل لحظة الحاجة السياسية.

وفي هذا المقام، تستعيد البروبجندا دورا يتجاوز ما عُرف عنها في قراءاتها الكلاسيكية. فهي لم تعد مجرد أداة لتأليب الرأي العام أو فرض سردية بعينها، بل أصبحت ممارسة متقدمة لإنتاج أفكار "مؤتمتة"، تُضبط إيقاعاتها عبر توجيه منظم، وتُمرَّر باعتبارها تعبيرًا تلقائيا عن الواقع. وبهذا تُصنع قطيعة صامتة بين الماضي والحاضر، حيث يُفرغ التاريخ من سياقه، ويُعاد تأويل الحاضر خارج جذوره، فيتحول الزمن نفسه إلى مادة قابلة لإعادة البرمجة.

إننا إزاء نمط جديد من الهيمنة، لا يقوم على محو الذاكرة دفعة واحدة، بل على تشويشها، ولا على فرض خطاب أحادي، بل على إغراق الفضاء بخطابات متنافرة تُعطّل القدرة على التمييز. وفي هذا التشتت المنهجي، تفقد الحقيقة مركزيتها، ويصبح الوعي أسيرًا لتدفقات لا يملك أدوات مساءلتها، في زمن لم تعد فيه السيطرة مرئية، بل موزعة، ناعمة، وعميقة الأثر.

إن ما نشهده اليوم لا يمكن اختزاله في مجرد تحولات تقنية أو انزياحات إعلامية عابرة، بل هو تعبير كثيف عن تحول سوسيولوجي عميق في بنية السلطة والمعنى معا. فالصراع لم يعد يدور حول من يمتلك الحقيقة، بل حول من يمتلك القدرة على تنظيم تداولها، وضبط شروط ظهورها واختفائها. وكما نبه ماكس فيبر إلى أن السلطة الحديثة تقوم على "شرعية المعنى قبل شرعية الإكراه"، فإن الهيمنة المعاصرة لا تُمارَس بالسلاح وحده، بل عبر إنتاج قبول اجتماعي مُسبق لما يُراد فرضه.

وفي هذا الأفق، تستعيد أطروحة بيير بورديو راهنيتها حين اعتبر أن أخطر أشكال العنف هو العنف الرمزي، ذاك الذي يُمارَس بموافقة ضمنية من ضحاياه، لأنه يتخفى في اللغة، وفي الصور، وفي أنماط التفكير اليومية. فالإعلام المؤدلج والخوارزميات الموجهة لا تفرض خطابها بالقسر، بل تُعيد تشكيل "الهابيتوس" الجمعي، فتجعل المهيمن يبدو طبيعيًا، والمفروض يبدو بديهيًا، والمُختلّ يبدو نظامًا.

و يُضيء زيغمونت باومان هذا التحول حين تحدث عن "السيولة" بوصفها سمة العصر، حيث تتفكك الأطر المرجعية، وتغدو الحقائق عابرة، واليقينيات مؤقتة. كما لا تنتصر البروبجندا لأنها أكثر صدقا، بل لأنها أكثر قدرة على التكيف مع اللامعنى، وعلى السباحة داخل الفوضى الإدراكية دون أن تفقد فعاليتها.

وكان ميشال فوكو قد قدّم المفتاح الأعمق لفهم هذا المشهد حين ربط بين المعرفة والسلطة، مؤكدا أن كل نظام معرفة يُنتج في الوقت نفسه نظاما للضبط والمراقبة. فالحرب الإعلامية والخوارزمية ليست سوى امتداد لهذا المنطق، حيث تُدار الأجساد والعقول معا، لا عبر المنع، بل عبر التوجيه الدقيق للرغبات والاهتمامات وأنماط الاستهلاك الرمزي.

وعلى هذا الأساس، فمواجهة هذا النمط من الهيمنة لا يمكن أن تتم عبر أخلاقيات إعلامية مجردة، ولا عبر استعادة خطاب قانوني فقد الكثير من فاعليته، بل عبر إعادة بناء الوعي النقدي، وتحصين المجال العمومي بأدوات الفهم السوسيولوجي، التي تسمح بكشف آليات الإخضاع غير المرئي. فكما يقول إميل دوركايم، "لا يمكن للمجتمع أن يفهم ذاته إلا حين يجعل من نفسه موضوعًا للمعرفة".

إنها دعوة في جوهرها إلى مقاومة ناعمة، لا تقوم على الرفض الانفعالي، بل على تفكيك البديهيات، واستعادة القدرة على السؤال، في زمن لم تعد فيه السيطرة تعلن عن نفسها، بل تمارس صامتة، باسم الحرية، وتحت قناع التواصل.

***

د. مصطفى غَلْمان

تُعد إشكالية الاستبداد في المجتمعات المعاصرة، لاسيما في الدول التي يصنفها الفكر الاقتصادي والسياسي بـ "الدول الرخوة"، من أعقد المعضلات التي تواجه مسارات التنمية والتحرر الإنساني. إننا نسعى هنا إلى تقديم تحليل معمق للتعاضد القائم بين أنماط "الاعتمادية المسمومة" التي تربط المحكومين بالسلطة، وبين تمدد "الفجاجة السلطوية" التي تتجاوز الأطر القانونية والمؤسسية لتستقر في فضاءات الميتافيزيقيا والخطاب الغيبي. إن الاستبداد في هذا السياق ليس مجرد ممارسة قمعية فوقية، بل هو منظومة "تعاضدية" تشترك فيها بنية الدولة الرخوة مع البنية النفسية للإنسان المقهور؛ لتنتج واقعاً يتغذى فيه الفساد على غياب القانون، وتقتات فيه السلطة على "العبودية المختارة" والاعتراف المبتور.

تشريح الدولة الرخوة وآليات الفجاجة السلطوية

 تمثل "الدولة الرخوة"، كما صاغها الاقتصادي السويدي غونار ميردال، المختبر المثالي لفهم كيف يتحول الاستبداد إلى بنية مستدامة تتجاوز شخوص الحكام لتصبح أسلوب حياة. إن "الرخاوة" في هذا السياق لا تشير إلى غياب القوة القمعية أو الأجهزة الأمنية، بل تعني تحديداً غياب "هيبة القانون" والقدرة على تطبيقه بإنصاف وشمولية على كافة طبقات المجتمع.

يرى ميردال أن جوهر التخلف والفقر في دول العالم الثالث لا يعود حصراً إلى نقص الموارد المادية، بل يمتد إلى غياب احترام القانون وانتشار الفساد الذي أضحى هيكلياً ومؤسسياً. ففي الدولة الرخوة، تعمد السلطة إلى إصدار قوانين قد تبدو مثالية أو متقدمة من الناحية النظرية، لكنها تظل "حبراً على ورق"؛ إذ تمتلك النخب المتنفذة من المال والنفوذ ما يمنحها حصانة فعلية من الخضوع لهذه التشريعات، بينما يتم توظيف القوانين ذاتها كأداة مشروعة لقمع الضعفاء أو معاقبة خصوم السلطة السياسيين.

الفجاجة السلطوية كبديل للشرعية الإنجازية

 عندما تخفق الدولة في النهوض بوظائفها الحيوية كالتنمية والتعليم وإرساء العدالة، فإنها تفقد "هيبتها" المعنوية وشرعيتها القائمة على الإنجاز. ولكي تعوض السلطة هذا الفقدان الجوهري، تلجأ إلى ممارسات "فجة" تتسم بالعنف المادي والرمزي المباشر. الفجاجة هنا تعني ممارسة السلطة في صورتها الخام العارية، دون أقنعة مؤسسية أو وسائط ديمقراطية؛ حيث يتم استغلال ذريعة "أمن الدولة" بشكل مفرط في الخطاب الإعلامي للنيل من المطالبين بحقوقهم المشروعة. وبذلك، تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات صلبة لحماية المتنفذين وصيانة فسادهم. هذا النمط من الحكم يعزز حالة "الاعتمادية المسمومة"؛ إذ يدرك المواطن -تحت وطأة الحاجة والخوف- أن الحصول على حقه أو نيل الحماية لا يتم عبر القنوات القانونية، بل عبر التقرب من مراكز القوى أو القبول بالخنوع التام مقابل ضمان البقاء.

جدلية السيد والعبد والاعتمادية المسمومة

 لفهم الأسباب الكامنة وراء استمرار الشعوب في تحمل هذا النمط من السلطة الفجة، ينبغي العودة إلى الجذور الفلسفية التي تفسر العلاقة بين الحاكم والمحكوم، وتحديداً "جدلية السيد والعبد" عند هيغل ونظرية "العبودية المختارة" عند إتيان دي لا بويسي:

قدم هيغل في أطروحته "ظواهرية الروح" تحليلاً فلسفياً عميقاً للعلاقة بين وعيين يتصارعان من أجل نيل "الاعتراف". ينتهي هذا الصراع بانتصار طرف (السيد) الذي خاطر بحياته في سبيل الحرية، وهزيمة طرف آخر (العبد) الذي آثر البقاء المادي والنجاة على الكرامة والحرية. ومع ذلك، يكتشف هيغل مفارقة مذهلة: وهي أن السيد يصبح معتمداً كلياً على العبد؛ ليس فقط في تلبية احتياجاته المادية، بل في استمداد جوهر هويته كـ "سيد" من اعتراف العبد به، مما يخلق قيداً تبادلياً يربط الطرفين في حلقة من التبعية.

تكتمل هذه الرؤية مع إتيان دي لا بويسي الذي تساءل: كيف يمكن لشخص واحد (الطاغية) أن يستعبد ملايين البشر؟ وجاء جوابه متمثلاً في مفهوم "العبودية المختارة"؛ أي القبول الطوعي بالخضوع نتيجة التعود أو فقدان الرغبة الفطرية في الانعتاق. يرى لا بويسي أن الشعوب هي التي تمنح الطاغية قوته في المقام الأول، وأن التحرر لا يحتاج بالضرورة إلى عنف مضاد، بل يتطلب فقط "التوقف عن الخدمة". غير أن هذه التراتبية تخلق شبكة واسعة من المنتفعين الصغار الذين يذودون عن النظام الاستبدادي ليس حباً فيه، بل دفاعاً عن مصالحهم المرتبطة بوجوده، مما يجعل "العبودية المختارة" حالة جماعية معقدة يصعب فك ارتباطاتها المتشابكة.

بنية الإنسان المقهور وهدر الكرامة في الدول الرخوة

لا يكتفي الاستبداد بالسيطرة على المجال السياسي، بل يتوغل في أعماق البنية النفسية لينتج ما وصفه الدكتور مصطفى حجازي بـ "الإنسان المقهور" أو "الإنسان المهدور". إن القهر هنا يتجاوز الممارسة الخارجية ليصبح عملية داخلية تهدف إلى "تحطيم اعتبار الذات". ويرى حجازي أن التخلف ليس مجرد حالة اقتصادية، بل هو "بنية شخصية" تتسم بالاستلاب وضياع الهوية. ففي المجتمعات المقهورة، تفضل الأنظمة الحاكمة "الأشياء" على "الإنسان"؛ حيث يُعتبر فقدان الموارد أشد إيلاماً من هدر الأرواح، مما يعمق شعور الفرد بأنه مجرد أداة لا قيمة ذاتية لها.

تؤدي هذه الحالة النفسية إلى ظهور أنماط سلوكية تعزز "الاعتمادية المسمومة". فعندما ينهار اعتبار الذات، يتضخم في المقابل تقدير "المتسلط" في وعي المقهور، فيبدأ بالتماهي مع الجلاد والاعتراف الضمني بحقه في السيادة والقهر. كما يركن الإنسان المقهور إلى "الحلول السحرية"؛ فهو لا يبحث عن وسائل عقلانية للتغيير، بل يظل في انتظار "الزعيم الملهم" أو "القوة الخارقة" التي ستغير واقعه دون جهد منه. ولعجزه عن مواجهة السلطة مباشرة، يفرغ غضبه المكتوم في تدمير الممتلكات العامة أو في ممارسة الاضطهاد على من هم أضعف منه داخل الأسرة أو تجاه الآخر المختلف.

إن هدر الكرامة يؤدي بالضرورة إلى فقدان السيطرة على المصير؛ حيث يعيش الفرد تحت رحمة "تعسف المستبد" و"تقلبات الطبيعة" في آن واحد. ففي الدولة الرخوة التي ينهار فيها التعليم وتغيب العدالة، ينشأ المواطن في بيئة تقمع ملكة النقد وتغرس قيم الاستكانة، مما يغلق السبل أمام أي محاولة واعية للتغيير.

هيمنة الميتافيزيقيا وفضاء الغيبيات

 عندما تضعف المؤسسات وتتوارى العقلانية السياسية، ينفتح الباب لهيمنة "الميتافيزيقيا" والخطاب الغيبي كأداة لشرعنة الاستبداد وتخدير الوعي الجمعي. لقد أبدع عبد الرحمن الكواكبي في تحليل العلاقة العضوية بين الاستبدادين السياسي والديني، موضحاً كيف يتخذ المستبد السياسي لنفسه دائماً "صفة قدسية" يدعي بها مقاماً ذا صلة خاصة بالخالق.

هذا التوظيف للدين يهدف:

أولاً إلى "إضفاء الشرعية الإلهية" على الظلم، فتصبح معارضة الحاكم خروجاً عن الإرادة السماوية، ويصبح الصبر على الجور فضيلة وقضاءً لا مرد له.

وثانياً، يؤدي ذلك إلى بروز طبقة من "أعوان الاستبداد" من بعض رجال الدين والمثقفين الذين يسوغون أفعال السلطة. وأخيراً، يتم تحويل انتباه الجماهير عن البحث في أسباب الانحطاط السياسي والاقتصادي، لتُدفع للبحث عن الخلاص في "الأدعية" و"السكينة" وتجنب ما تصفه السلطة بـ "اللغو"، وهو في حقيقته المطالبة بالحقوق الأساسية.

في ظل "العجز المؤسسي" للدولة الرخوة وفشلها في تقديم تفسيرات منطقية للأزمات، يلجأ الإنسان المقهور إلى التفسيرات الخرافية لواقعة. فتصبح مفاهيم كـ "الحسد" و"القسمة والنصيب" هي المسؤول الأول عن الفشل التنموي، بدلاً من مساءلة السياسات الحكومية الخاطئة. يؤدي هذا التحول الميتافيزيقي إلى تحريف دور الدين من كونه قوة محفزة ، إلى أداة للسيطرة وإخماد النزعات التحررية، حيث يكتفي الناس بانتظار "الكرامات" بدلاً من الفعل المنظم، وتكتسب السلطة حصانة مطلقة ضد أي نقد موضوعي.

الاستنتاجات والتطلعات المستقبلية

 إن تحليل "الاعتمادية المسمومة" في الدول الرخوة يكشف عن أن الاستبداد ليس قدراً محتوماً، بل هو نتاج تداخل معقد بين الفشل المؤسسي، والانهيار النفسي، والتوظيف الميتافيزيقي الممنهج. إن ما يضمن امتداد هيمنة "الفجاجة السلطوية" هو هذا "التعاضد" المعقد؛ حيث تغذي رخاوة الدولة الفساد، ويحطم الفساد كرامة الإنسان، مما يدفعه للوذ بالغيبيات التي تمنح السلطة بدورها شرعية مطلقة تسمح لها بمزيد من الفجاجة. إن التحرر الحقيقي يتطلب مسارات متوازية تبدأ باستعادة سيادة القانون وإعادة بناء اعتبار للذات الإنسانية.

***

غالب المسعودي

.....................

المراجع:

ميردال، غونار. (تحليل مفهوم الدولة الرخوة)، مراجع كلية الإدارة والاقتصاد، جامعة كربلاء.

هيغل، جورج فريدريك. ظواهرية الروح. (دراسات في جدلية السيد والعبد).

لا بويسي، إتيان. مقال في العبودية المختارة.

حجازي، مصطفى. التخلف الاجتماعي: مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور. المركز الثقافي العربي.

الكواكبي، عبد الرحمن. طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد.

تقارير ودراسات: (جريدة القبس، نداء الوطن، مجلة الجديد) حول بنية الدولة الرخوة وسيكولوجية القهر.

لم يتحدث الفيلسوف الألماني الكبير" مارتن هايدغر" عن السعادة بالمعنى التقليدي المرتبط بالمتعة أو الرضا النفسي، بل نظر إليها كحالة نابعة من الوعي العميق بالوجود. الإنسان عند هايدجر ليس مجرد كائن يفكر أو يشعر، بل كائن "هنا" في العالم (Dasein)؛ أي موجود بوعي كامل بما حوله، متصل بزمنه ومحيطه، ومسؤول عن خياراته ووجوده. السعادة الحقيقية عنده لا تتحقق من التسلية أو الممتلكات، بل من القدرة على العيش حياة أصيلة وواعية بالموت وبالحرية الفردية.

إدراك الموت هو حجر الزاوية في فلسفة هايدغر، فهو يحرر الإنسان من الروتين والعادات، ويجعل وجوده ذا معنى. يقول في Being and Time: "Confronting death is the possibility of authentic existence." بمعنى أن مواجهة حقيقة الموت تمنح الإنسان فرصة ليعيش أصيلًا. هذا المفهوم يتقاطع مع الفكر الإسلامي، الذي يعتبر الموت واقعًا حتميًا: "كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ" (آل عمران: 185)، ويدعو الإنسان إلى وعي مسؤول بحياته، والسعي لتحقيق الغاية من وجوده.

هايدغر يميز بين الحياة الأصيلة والحياة غير الأصيلة، حيث تمثل الحياة الأصيلة مواجهة الإنسان لذاته، واختيار قراراته بحرية واعية، بعيدًا عن التقليد والسطحية. والفكر الإسلامي يشبه هذا المفهوم، إذ يشجع على التفكر والوعي بالمسؤولية الفردية أمام الله: "وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ" (الأنبياء: 7)، مؤكداً أن الاختيار الواعي والالتزام بالقيم الأخلاقية هما أساس حياة صادقة.

الوجود مع الآخرين أيضا عنصر مهم في فلسفة هايدغر، فالإنسان موجود اجتماعيا، لكن علاقاته تصبح أصيلة إذا كانت صادقة وواعية. وفي الإسلام، يحثّ الدين على الصدق والإحسان مع الناس: "وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا" (البقرة: 83). هذا يشير إلى تقاطع واضح بين الفلسفة الوجودية والحياة الإسلامية في أهمية العيش بصدق ووعي داخل المجتمع.

أما عن الحب، فإن حياة هايدغر الشخصية تكشف جانبا إنسانيا وعاطفيًا. تزوج من إليزه شولتز عام 1917 ولديه ابنة واحدة، لكنه عاش الحب بطريقة فلسفية وعميقة؛ فهو يعشق الوجود نفسه والأفكار والمعنى والطبيعة، كما يظهر في اهتمامه بالمشي في الغابات والتأمل في الفن واللغة، وكتبه مثل Being and Time و_Introduction to Metaphysics_ و_Poetry, Language, Thought_ تعكس هذا العشق للوجود والفكر. يمكن القول إن حبه كان حبًا وجوديًا وفلسفيًا، حيث يلتقي العاطفي بالواعي، والإنساني بالمعنوي.

يمكن اعتبار فلسفة هايدغر حول السعادة والحياة والحب بأنها العيش الأصلي والواعي مع الذات والعالم، مواجهة الموت، اختيار الحرية، وتقدير الوجود بصدق وعمق. وهذا يتقاطع مع الفكر الإسلامي الذي يؤكد على المسؤولية أمام الله، الوعي بالموت، السعي للحياة الصادقة، والعلاقات الإنسانية المبنية على الصدق والإحسان. كلاهما يدعونا إلى فهم أعمق للوجود، وجعل حياتنا مليئة بالمعنى، سواء على المستوى الفردي أو الروحي أو الاجتماعي.

***

ليلى تباني - الجزائر

جماليات مستترة في نصوصه الوجودية والأدبية

لم يخصص جان بول سارتر للفن التشكيلي دراسة مستقلة، ولم يترك كتاباً عن الجمال أو فلسفة الفن يتضمن موقفاً واضحاً من التعبير الفني والجمالي، لكننا نجد في ثنايا كتاباته ودراساته الأدبية والفلسفية ما يمكن أن نعتبره نظرة فنية، أو موقفاً جمالياً له تطبيقاته في الفن التشكيلي.

في دراسته المهمة عن المتخيل التي حلل فيها التخيل، توصل إلى أن الوعي يمارس التخيل على شكل إبداعي، ولهذا يختلف عن "المدرك"، وربط بين التخيل والجمال أو الموضوع الجمالي، ووازى بينهما، اعتمد سارتر في هذه الدراسة على المنهج الظواهري في التحليل، لتأثره بهذه الفلسفة في بداية حياته.

وفي دراسة أخرى مهمة له عنوانها "ما الأدب"، فيها يتوصل إلى أن الفن التشكيلي والشعر والموسيقى يتقاربون ويتلاقون في مهماتهم الإبداعية، ذلك أن الفنان والموسيقار والشاعر يتعاملون مع الأشياء لا المعاني أو الدلالات، والأشياء تبدو مستقلة، تفيض بغناها وتدعونا لتذوقها بحرية تامة، ولهذا لا يمكن للفنان التشكيلي أن يلتزم، كالشاعر والموسيقى، النثر وحده هو الملتزم لأنه مرتبط بالمعاني.

هاتان الدراستان تمثلان التجارب الأولى للكتابة عن الفن التشكيلي، فيهما، يبدو سارتر منظراً، بعيداً عن الدراسات التطبيقية الوصفية، هما محاولة لتطبيق نظرته في الجمال والفن على تجارب فنية محددة.

يبدو أن سارتر يربط بين مفهومه للالتزام في الفن التشكيلي والابتعاد عن التمثيل والمشابهة، لذلك يقول: حين يفلح الرسام في رمي التشابه والتمثيل فان المعنى المتحرر يتجلى. هذا يعني أن الفنان إذا استطاع أن يحقق شكلاً من التعبير لا مجال فيه للمحاكاة فان الالتزام في الفن التشكيلي ممكن، بل يصبح ضرورة بالنسبة لفنان اختار أن يعبّر عن عصره، شرط أن يتمتع الفنان بحسّ سليم. لا ينفر الجمهور من عمل يقدمه له حضوره الذي يعتمد توفر العناصر المرئية والخفية. وهذا ما حققه بيكاسو في لوحته الخالدة "الجورنيكا"، التي يقول عنها سارتر أنها العمل الفني الوحيد الذي يقدم لنا مجزرة رهيبة، فيها من الجمال لا مجال للشك فيه.

كان لسارتر تأثير مباشر على الفن التشكيلي المعاصر، وذلك لعدة أسباب، لعل أهمها الأزمة النفسية في المرحلة القلقة التي عاشتها أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، والشعور بالخوف الذي رافقها، يضاف إلى ذلك رغبة سارتر في نشر الأفكار على نطاق الحياة ليوسّع دائرة تأثيره، وربطها بالواقع، وهكذا تأثر عدد من الفنانين بأفكاره، وعاش عدد آخر منهم حالة من التشابه مع الأزمة، عبروا عنها على نحو آخر.

ولعل أهم هذه الدراسات التي ارتبطت بمعاصريه من الفنانين ما كتبه عن الفنان النحات جياكوميتي، لأنهما ينطلقان من أرضية مشتركة، عايش فيها سارتر تجارب صديقه، وعرفها عن قرب، وتأثر جياكوميتي بالوجودية بل عاينها.

يقول سارتر: ليس هدف جياكوميتي تقديم صورة لنا، إنما يقدم أخيلة تثيرنا، وتهبنا ذاتها، تماثيل جياكوميتي لا تقدم لنا نسخاً من الواقع، بل تقدم خيالاً، هذه الخيالات هي الموضوعات الجمالية التي تتمتع بوجودها الخاص، وتستقل بنفسها عنا.

ارتبط جياكوميتي بسارتر فكرياً وسلوكياً منطلقاً من فكرة أساسية تقول: إن كل إنسان يعيش في العالم في جزيرة مغلقة. وبهذا لا وجود لتماس حقيقي بين الأشياء، لذلك نحت تماثيله متباعدة يحيط بها الفراغ، من مادة هشّة، تتعرض للفناء، وجعل الفضاء المحيط بالإنسان أكثر أهمية منه. لهذا قال عنه سارتر: إنه الفنان الأول الذي خطر له أن ينحت الإنسان عن بُعد، أي عن مسافة ما.

إن الفراغ برأي سارتر هو مسافة محددة تفصل بين انسان وآخر غير قابلة للنقصان مهما حاول الإنسان الاقتراب من أخيه الإنسان.

تمكن جياكوميتي من ربط فنه بالوجودبة عبر محاولة تجسيد أهم أفكار سارتر حول الوجود والعدم، وعلاقة الإنسان بالآخر، وهي منطلق أساسي لمشكلة عاشها، بكل جوارحه.

لم يكن جياكوميتي مجرد فنان يطبّق آراء سارتر بل يعيشها، ولذا كان يعيش بوضع بوهيمي، يقضي سنوات في عمل فني ما، ثم يحطّمه، ويعود منصرفاً لعمل آخر، كان مخلصاً إخلاصاً غريباً للحظة التي يعيشها، يكره الأبدية، ويركّز على الإبداع، يحب الإنسان وينقّب عن نفسه في مغامرة تبدو الإبداعية كلها فيها.

هكذا نرى بوضوح كيف انتقلت الأفكار الوجودية إلى الفن التشكيلي وكيف عبّر الفنان عنها بأعمال، وكيف ارتبطت أفكار عدد من الفنانين بالتجربة الوجودية على مستوى التنظيم والأفكار، وعلى مستوى الممارسة. وهناك عدد من الفنانين في الغرب وفي بلداننا العربية تأثروا بتلك الأفكار، لشعورهم بالوحدة والقلق، لم يكن التأثير مباشراً في بعض الأحيان، بل تعبير حر عن شعور الإنسان بالعبث واللا جدوى في العالم الرأسمالي المسؤول عن الفجوات والأزمات الإنسانية والاقتصادية.

قدم سارتر للفن التشكيلي رؤية فلسفية عميقة، جعلت من النقد الفني وسيلة للتعمّق في فهم الوجود الإنساني والعلاقات الاجتماعية. ولم تكن كتاباته مجرد تحليلات شكلية للأعمال الفنية، بل كانت غوصاً في أعماق التجربة الإبداعية وربطاً عضوياً بين الفن والحرية والوجود.

لقد نجح سارتر في تقديم وجهة نظر وجودية للفن، جعلت من العمل الفني وسيلة للتحرر والتعبير عن الذات في عالم مليء بالقلق والغربة. وتظل آراؤه النقدية مرجعاً هاماً لكل من يريد فهم العلاقة العميقة بين الفلسفة والفن في القرن العشرين.

***

جمال العتّابي

يُعدّ الخيال من أعظم المنح التي أُعطيت للإنسان، حتى إن العالم ألبرت أينشتاين اعتبره أقوى من المعرفة ذاتها، لأن المعرفة تقودنا من نقطة إلى أخرى، بينما الخيال قادر على أن يحملنا إلى أي مكان. فالخيال ليس ترفًا ذهنيًا، بل هو المساحة الأولى التي تولد فيها الأفكار قبل أن تتحول، عبر الإبداع، إلى واقع ملموس. ولولا الخيال العلمي، لما وصل الإنسان إلى ما يشهده اليوم من تطورات مذهلة في شتى مناحي الحياة.

ورغم ذلك، يظل السؤال مطروحًا: لماذا نعيش بخيالٍ له جناح واحد؟

يسعى الإنسان، في معظم الأوقات، إلى الكمال والمثالية، ويواصل محاولاته في البحث والاكتشاف، لكنه في كل مرة يصطدم بحقيقة أن الصورة لا تكتمل. فالتاريخ البشري مليء بأحلام بدأت خيالًا محضًا، ثم تحولت إلى إنجازات واقعية، مثل حلم السفر إلى الفضاء، الذي ظل طويلًا حبيس عقول العلماء قبل أن يصبح حقيقة. ومع ذلك، ليست كل الأحلام قابلة للتحقق، فهناك أفكار لا تزال حتى اليوم أسيرة الخيال.

من أبرز هذه الأحلام، حلم السفر عبر الزمن. لم يكن هذا الحلم مجرد رغبة في العودة إلى الماضي أو القفز نحو المستقبل، بل محاولة إنسانية عميقة لكسر سلطة اللحظة، والسيطرة على الزمن الذي يمضي دون استئذان. ومع هذا الحلم ظهرت أفكار أخرى لا تقل جرأة، مثل إيقاف الزمن أو تسريعه أو إعادة لحظة بعينها، وكأن الوجود شريط يمكن التحكم في سرعته.

ويتسع الخيال ليشمل حلم الانتقال الفوري، حيث يختفي الإنسان من مكان ليظهر في آخر دون عبور المسافة، وكأن الجغرافيا مجرد وهم مؤقت. ومن هنا برزت تصورات الثقوب الدودية ومحركات أسرع من الضوء، في محاولة لطيّ الزمكان بدل الخضوع لقوانينه. وفي الخلفية، يلوح احتمال الأكوان المتوازية، لا باعتبارها مجرد فرضية علمية، بل كإمكانية للعبور بينها، ومواجهة نسخ أخرى من ذواتنا عاشت اختيارات مختلفة.

وفي قلب هذه الأحلام يقف السؤال الأخطر: العقل البشري.

هل يمكن نقل الوعي الإنساني إلى وسيط رقمي دون فقدان الذات؟

وهل يمكن قراءة الأفكار لا بوصفها إشارات عصبية فقط، بل بوصفها معنى وشعورًا وحنينًا؟

وهل يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يمتلك وعيًا حقيقيًا، أم سيظل مجرد محاكاة متقنة؟

عند هذه النقطة، يتجاوز الخيال العلمي حدود التقنية، ليصبح اختبارًا حقيقيًا لمعنى الإنسانية ذاتها.

أما الجسد، ذلك السجين الزمني، فيحلم الإنسان بتجاوزه؛ بإيقاف الشيخوخة، وتجديد الأعضاء، وتغيير الشكل والقدرات بإرادة واعية، كأن الجسد لم يعد قدرًا محتومًا، بل مشروعًا قابلًا للتطوير. وفي أقصى هذا الحلم، تظهر فكرة الخلود، أو حتى إعادة إحياء الموتى بوعيهم الكامل، لا كنسخ ناقصة، بل كامتداد حقيقي للوجود.

وفوق كل ذلك، يظل الكون مفتوحًا على أسئلته الكبرى: المادة المظلمة، الطاقة المظلمة، تسخير طاقة النجوم، بل وحتى احتمال أن يكون واقعنا كله محاكاة كبرى، وأن أعظم اكتشاف علمي لم يتحقق بعد هو اكتشاف باب الخروج منها.

وهكذا يبقى الخيال العلمي مجموعة أفكار لم تتحقق بعد، خيالًا بجناح واحد، لكنه رغم ذلك يواصل التحليق في الوعي الإنساني، لا ليمنحنا إجابات جاهزة، بل ليذكّرنا بأن كل تقدّم بدأ بسؤال، وأن ما نعيشه اليوم كان يومًا ما مجرد حلم تجرأ عقلٌ ما على تخيّله.

***

بقلم: محمد أبو العباس الدسوقي

 

من نقد الغرب الى تبرير الذات

ليست قضية إبستين، في جوهرها، معركة بين الشرق والغرب، ولا صداما بين العلمانية والدين، ولا دليلا على انحطاط الحداثة كما يتوهم بعضهم. هي قضية واحدة بسيطة في معناها، ثقيلة في دلالتها: انتهاك الجسد البشري، وسحق براءة الطفل، وتحويل الانسان الى سلعة.

إبستين في الوعي الغربي ليس رمزا ثقافيا ولا شيخا ولا مرجعا اخلاقيا، بل متهم وجانح، سقط اجتماعيا واخلاقيا وقانونيا. وما يثار حوله من فضائح وملفات هو تعبير عن صدمة مجتمع، لا عن تبرير جريمة. الفعل هناك مدان لذاته، لا لكون فاعله ينتمي الى معسكر بعينه.

اما المأساة الاكبر، فهي حين يصبح الفعل ذاته، اذا ما عبر حدود جغرافيتنا الملعونة، قابلا للتقديس، لا للادانة. لا لان جوهره تغير، بل لان الغطاء تغير. فالجريمة حين تتدثر بعباءة الشريعة، تتحول من انتهاك الى حكم، ومن اغتصاب الى زواج، ومن قتل الى حد، ومن سبي الى فقه.

هنا لا يعود السؤال: ماذا فُعل؟ بل: تحت اي اسم فُعل؟

فالطفلة التي تغتصب تصبح  زوجة. والمرأة التي تقتل تصبح عارا مغسولا. والمرتد الذي يعدم يصبح خطرا عقائديا. والطفل الذي يذبح يختفي خلف قاعدة فقهيه جافة: لا يؤخذ الاصل بالفرع

لم يكن سبي الايزيديات حدثا شاذا، ولا خطف الدرزيات والعلويات استثناء، ولا بيع الكرديات اليوم مفاجأة. كلها حلقات في منطق واحد: تحويل الانسان الى غنيمة حين يخرج عن الهويه السائدة، وتطبيع الوحشيه حين يوقعها نص، او يباركها شيخ، او يسكت عنها مجتمع.

الفرق الجوهري بين ما حدث مع إبستين، وما يحدث هنا، ليس في الفعل، بل في الموقف منه. هناك، يحاسب الفعل لانه جريمة ضد الانسان. هنا، يبرر الفعل لانه منسوب الى الله. وهناك، ينهار الفاعل اخلاقيا مهما علا شأنه، وهنا، يرفع الجاني الى مرتبة الصلاح كلما ازداد دمه على يديه

العلمانية لم تخلق هذه الجرائم، والحداثة لم تبررها. على العكس، كل منظومة قانونية حديثة تعتبر المساس بالطفل جريمة مطلقة، لا يخففها عقد، ولا يبررها عرف، ولا يغسلها نص. الجسد الطفولي هناك خط احمر انساني، لا ماده فقهية قابلة للاجتهاد.

الفلسفة الاخلاقية، منذ كانط، وضعت مبدأ لا يحتمل الالتفاف: الانسان غاية في ذاته، لا وسيلة لتحقيق غايات الاخرين ولا مادة لاختبار النصوص. والطفل بوصفه اكثر اشكال الانسان هشاشة، هو الاختبار الحقيقي لاي منظومة اخلاقية. فمن يفشل في حماية الطفل، يفشل في ادعاء الاخلاق، مهما علت لغته، او تقدست مراجعته

المفارقة المؤلمة ان من يدين إبستين لا يدينه لان الفعل قبيح، بل لانه فعل خارج منظومته. ولو ان إبستين كان شيخا، او مسلما، او حمل توقيعا فقهيا، لوجدوا له الف مخرج، والف فتوى، والف تأويل. فالمشكله ليست في الجريمة، بل في مرآتها.

نحن لا نعيش ازمة اخلاق، بل ازمة تعريف الاخلاق. حين يفصل الضمير عن الانسان، ويلصق بالنص، يتحول كل شيء الى مباح، شرط ان يحمل اسما مقدسا. وهنا تصبح البيدوفيليا شريعة، والقتل فضيلة، والسبي سنة، والاعتراض كفرا.

القضية، في حقيقتها، ليست إبستين، بل نحن. ليست الغرب، بل المعايير. ليست العلمانية، بل الانسان.

ان اخطر ما تواجهه المجتمعات ليس وجود العنف، بل تطبيعه، ولا ارتكاب الجرم، بل منحه قداسة رمزية تحصنه من المساءلة.

ان اي منظومة اخلاقيه لا تضع كرامة الطفل، وحق الحياة، وسلامة الجسد فوق كل اعتبار ديني او ايديولوجي، هي منظومة تعيد انتاج الجريمة باسم الفضيله، وتستبدل العدالة بالتأويل، والضمير بالطاعة. ومن هنا، لا يكون تجاوز هذه الازمة ممكنا الا باستعادة الانسان بوصفه معيارا، والقانون بوصفه حدا، والعقل النقدي بوصفه ضمانه، ضد كل عنف يرتدي ثوب المقدس.

واعتقد ان كل مجتمع لا يحسم هذه القضية لصالح الإنسان، انما يعلن، صامتا، افلاسة الأخلاقي.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

يحدث، في اللحظات التاريخية الفارقة التي تبلغ فيها الأمم ذروة عطائها المادي وسلطانها الظاهري، أن يلتقي الثراء الفاحش بالنفوذ المطلق، فيلقى هذا الالتقاء شرارة خاصة، تولد شكلاً استعراضياً متفرداً من أشكال القوّة، يجد في الجسد البشري للآخر مسرحه الأثير والأكثر دلالة.

هذا ليس مجرد استنتاج نظري يجترحه العقل، ولا هو فرضية جامدة، لكنه، في تقديري، نمط تاريخي عميق الجذور، يتكرر ظهوره عبر تعاقب الحضارات الإنسانية، كلما بلغت نخبتها الحاكمة ذروة الترفع عن المحاسبة وانعدام المنافس الحقيقي.

في هذه اللحظات الحرجة، تشهد المتعة الجنسية تحولاً جوهرياً في وظيفتها من فعل طبيعي ومشترك بين البشر، إلى أداة من أدوات إثبات الهيمنة وإعلان السيادة، وقد تتحول أحياناً إلى طقس سادي مرعب، يتم فيه إهانة جوهر الإنسان نفسه، عبر استباحة جسده وتحويله إلى مجرد ألعوبة، أو أداة قابلة للاستهلاك ثم التخلص منها. إنه ما يمكن أن نسميه، بتعبير يحاول رصد هذه الآلية المعقدة، (اقتصاد الرغبة المرتبطة بالقهر)، حيث لا تكتمل لذة السيطرة السياسية والاقتصادية، ولا يشعر صاحبها بالتمام والاكتمال، إلا باقتحام جسد الآخر، واستباحته، سواء أكان هذا الآخر عبداً أو جارية في المجتمعات القديمة، أم ضحية من ضحايا شبكات الاستغلال الحديثة، المخبأة خلف واجهات متعددة من الشرعية والرفاهية والامتياز.

وقد شهدت مجتمعاتنا العربية والإسلامية، في أيام مجدها المادي وتراكم ثرواتها الكثيفة، وجوهاً صارخة من وجوه هذه الظاهرة. ففي قصور بني أمية المتأخرة، وفي ديوان بني العباس في عصور ترفهم وزهوتهم، وصولاً إلى قصور السلاطين العثمانيين في قمة بذخهم وسلطتهم، لم تكن علاقات القوة والنفوذ تقدر بالجيوش الجرارة والعقود التجارية الضخمة فقط، إنما كانت تحسب أيضاً بعدد الغلمان والجواري، وبنوعية الوصيفات اللاتي يتم انتقاؤهن وفقاً لها، وكيفية تدريبهن وتشكيلهن وإعدادهن لخدمة أهواء السادة وإشباع رغباتهم. بحيث تحولت مؤسسة الرق آنذاك، وبموجب الشرعية الدينية والثقافية السائدة، إلى آلية مؤسسية فعالة لهذا النمط من الاستعراض. فما يروى من حكايات عن تهذيب الغلمان أو تزيين الجواري وتعليمهم فنون الغناء والرقص، ليس مجرد حكايات عن متعة بريئة؛ هو في جوهره تأكيد رمزي عميق على ملكية الإنسان للإنسان، واختزال الكائن البشري إلى شيء مادي يكتسب قيمته وأهميته من قدرته على الإمتاع والخدمة.

بل إننا، في عصرنا الحالي هذا، الذي تعلن فيه المجتمعات التزامها الصارم بمبادئ حقوق الإنسان وكرامته، لا نزال نسمع بين الحين والآخر أخباراً تتسرب عن بعض أفراد الأسر الكبري أو النخب المالية، الذين نشأوا وتربوا في بيئات تشدد على القيم الدينية والأخلاقية في خطابها العلني، وتروي هذه الأخبار حكايات عن مطالب جنسية غير تقليدية، تصل أحياناً إلى حد الجريمة المنظمة في تنظيمها واستغلالها للضعفاء.

هذا التناقض الصارخ بين ثقافة حساب الآخرة الديني، وبين ممارسات اللذة الأرضية غير المحدودة، يكشف عن فجوة عميقة في النسق الاجتماعي والسياسي السائد، وعن قدرة الثروة الهائلة والنفوذ المطلق على خلق دوائر أخلاقية خاصة، منفصلة تماماً عن الأخلاق العامة للمجتمع، ومعفاة من قوانينه الضابطة.

وهنا قد يثور سؤال مشروع أليست المجتمعات القديمة، بوجود نظام الرق المقنن والمقبول، كانت أكثر حرية وصراحة في التعبير عن الرغبة، مقارنة بمجتمعاتنا الحديثة التي اخترعت ثقافة الكبت والحشمة منذ القرن التاسع عشر؟

الحقيقة أن هذه الحرية المزعومة كانت امتيازاً حصرياً لفئة السادة والأقوياء فقط، وكانت مبنية على إنكار إنسانية فئة أخرى كاملة هي فئة المستعبَدين والمملوكين. إنها حرية قائمة على الاستعباد، وليست حرية إنسانية شاملة وعادلة. أما الكبت الحديث، فهو في أحد وجوهه الجوهرية، أداة من أدوات الضبط الاجتماعي للدولة القومية والطبقة البرجوازية الصاعدة، وهو يمارس بصرامة على العامة والضعفاء، بينما تظل دوائر النخبة والقوة تمارس انحرافاتها وشهواتها في الخفاء، ولكن بنفس الجوهر الاستغلالي والاستعلائي القديم.

والهدف من استحضار هذا الموروث التاريخي وتحليله ليس الانزلاق إلى فخ تشويه التراث أو تبني رؤية استشراقية تجعل من كل خليفة أو سلطان شره مثالاً على تشوه الحضارة العربية الإسلامية. فذلك تبسيط ساذج، يغفل حقيقة أن كل حضارة عرفتها البشرية على مر العصور شهدت أوجهاً مظلمة ومنحرفة، وأن تقييم الحضارات لا يتم بوجود الانحراف في ذاتها، بل بقدرتها على إنتاج آليات فعالة لضبط هذا الانحراف وردعه. فالحضارة الراشدة، في تعريفها العملي، هي التي تنجح في وضع سياج أخلاقي وقانوني متين يحمي كرامة الإنسان الأساسية، ويحد من طغيان الأقوياء، ويضمن محاسبتهم إذا ما تجاوزوا الحدود والخطوط الحمراء.

الأزمة الحضارية في ضوء انهيار الضوابط

وهذه هي بالضبط المعضلة الكبرى التي تكشف عنها لحظتنا الراهنة، خاصة في مجتمعات كانت تقدم نفسها، وتقدم على أنها، النموذج الأرقى للديمقراطية وحقوق الإنسان. فالأزمة التي تعيشها الولايات المتحدة الأمريكية، وتتجلى رمزياً وقوةً في فضيحة "جيفري إبستين" وجزيرته الخاصة، هي في جوهرها أزمة ضبط مؤسسي. إنها تمثل الانهيار المخيف لقدرة المجتمع المدني ومؤسساته التشريعية والقضائية والإعلامية على محاسبة الأقوياء، عندما تصل ثرواتهم ونفوذهم إلى مستوى أسطوري يمكنهم من خلق دولة داخل الدولة، ونظام قانوني مواز، ومناعة اجتماعية وسياسية تكاد تكون تامة.

إن مشاهدة مجتمع يتغنى صباح مساء بحرية الصحافة والإعلام، أو مجتمع يتشدق بقدسية الحياة البشرية، ثم يتغاضى مؤسسياً عن قتل مواطنين عزل في الشوارع دون محاسبة حقيقية للجناة، هي صدمة كاشفة لهشاشة المبادئ الكبرى التي قامت عليها هذه المجتمعات.

هذه الفضائح ليست مجرد حوادث جنائية معزولة يمكن تطويقها؛ إنها فضائح كاشفة عن بنية نفسية واجتماعية أعمق، تستعيد منطق السيد والعبد في ثوب عصري مزركش. إنها إعادة إنتاج، بآليات جديدة، لمنطق الاستعراض السادي للقوة عبر امتلاك الجسد الآخر، ولكن هذه المرة تحت غطاء من القانون والمشروعية الزائفة، وباستخدام أدوات العولمة والمال والاتصالات الحديثة.

طبعاً، لكل ظاهرة فرادتها وتعقيداتها الخاصة، ولا يمكن إسقاط التعميمات التاريخية ببساطة وسذاجة على فضيحة مثل (فضيحة إبستين)! . لكن القراءة المتأنية والعميقة لما تكشفه ملفات هذه القضية المظلمة تجعلنا نربطها بتحولات كبرى، تعصف بالرأسمالية المعاصرة وبالذات الإنسانية في عالم الحداثة المتأخرة. ويمكن رصد هذه التحولات في ثلاثة محاور رئيسية:

أولاً: الرأسمالية (النيوليبرالية) في ذروتها

لقد وصل التراكم الرأسمالي إلى مستوى هائل وغير مسبوق من التركيز في أيدي قلة ضئيلة، وهو ما أنتج طبقة من "الأوليجارشية العابرة للقوميات" !، تشعر في قرارة نفسها بأنها فوق القوانين المحلية والدولية. هذا التراكم الفاحش لا يولد سلطة اقتصادية وسياسية فحسب، بل يولد شعوراً مرضياً بالعظمة والإفلات التام من العقاب، وهو ما يترجم نفسياً وسلوكياً إلى ممارسات استعراضية ومتهورة. فالثروة هنا تتحول من وسيلة للعيش الكريم إلى أداة لتمويل وتحصين عالم خيالي مواز، تسقط فيه كل المحرمات والقيم الأخلاقية. إنه عنفوان إجرامي متولد عن اليقين المطلق بالقدرة على شراء الذمم واختراق كل الأنظمة. كما أن طبيعة الاقتصاد الاستهلاكي اللامادي المعاصر تعزز من منطق تحويل كل شيء، بما في ذلك العلاقات الإنسانية والجسد البشري نفسه، إلى سلعة قابلة للاستهلاك والاستبدال والإهدار.

ثانياً: تحرير الرغبة الموجه

لقد شهدنا تحولاً جذرياً في المنطق الرأسمالي المهيمن، من مرحلة اعتمدت على كبت الرغبة وتأجيل الإشباع، من أجل خلق قوى عمل منضبطة وقادرة علي الادخار كما رأى عالم الاجتماع ماكس فيبر، إلى مرحلة جديدة تعتمد بشكل صارخ على تحرير الرغبة وتوظيفها واستثمارها وتسليعها. فاقتصاد الخدمات والاستهلاك المعولم يحتاج إلى إنسان مشتعل الرغبات، يسعى لإشباعها باستمرار وبأسرع الطرق. هذا التحرير الموجه والمدروس يخلق مناخاً ثقافياً عاماً يمجد اللذة الفردية المباشرة، ويبرر السعي وراءها بكل السبل الممكنة. في هذا السياق، تخرج الممارسات الجنسية المتطرفة والشاذة من هامش الانحراف السري الضيق، إلى سوق تحت الأرض واسعة ومتداخلة، تقدم بضائع وخدمات متخصصة، مدفوعة بمبدأ المتعة كغاية قصوى مطلقة، منفصلة عن أي إطار أخلاقي أو اجتماعي أو إنساني.

ثالثاً: الهشاشة النفسية للإنسان المعاصر

يعيش الإنسان في مجتمعات (الحداثة السائلة)، على حد تعبير زيجمونت باومان، في حالة من التشرذم الوجودي والقلق الدائم. حيث اهتزت روابط الجماعة التقليدية، وانهارت السلطات الدينية والأخلاقية الموحدة، وغرق الفرد في عزلة قاتلة رغم اتصاله الافتراضي الهش بكل العالم. هذه العزلة العميقة تخلق فراغاً وجودياً هائلاً، وشعوراً باللامعنى، وتوقاً محموماً لتجارب شاذة وحادة تثبت للفرد أنه ما يزال حياً، وأن له وجوداً مميزاً.

وفي المقابل، فإن التطور التكنولوجي المذهل يمنح هذا الإنسان المعزول والقَلِق إحساساً واهماً بالسيطرة المطلق على العالم من خلال شاشة هاتفه الذكي. هذا المزيج الخطير من الهشاشة الداخلية والسيطرة الخارجية الوهمية، يبحث عن متنفس، وغالباً ما يجده في أشكال من العنف الجنسي المشهدي. هنا، يتحول الجنس من فعل حميمي ومتبادل إلى مجرد مشهد لإثبات الذات وإعلان السيطرة، حيث يصبح الآخر مجرد دمية أو خلفية صامتة في مسرحية تأكيد "الأنا". إنه منطق يقترب كثيراً من رؤية "الماركيز دي ساد" الفلسفية المظلمة، التي رأت في العنف الجنسي أسمى تعبير عن حرية الإرادة الفردية المطلقة، المتحررة من كل القيود الدينية والاجتماعية والإنسانية.

 التحدي الحضاري الأكبر

ما نراه اليوم، في الولايات المتحدة وغيرها من مراكز القوة العالمية، ليس مجرد فساد أخلاقي عابر يمكن للنظم القانونية إصلاحه بسرعة، إنه عرض لمرض بنيوي عميق حيث تتفكك فكرة المواطنة المتساوية تحت وطأة التراتبية الطبقية المهولة التي خلقتها الرأسمالية المتأخرة. كما تحول القانون في الكثير من الأحيان من أداة سامية لحماية الضعيف وصون كرامته، إلى غطاء قانوني معقد ومتداخل لحماية القوي وتكريس امتيازه. إنه انهيار للمنظومة الضابطة التي تميز المجتمع الحضاري عن غابة المصالح الفردية المتوحشة.

لذلك، فإن التحدي الحضاري الحقيقي أمام الإنسانية في القرن الحادي والعشرين، لم يعد مقتصراً على تحقيق النمو الاقتصادي المتوازن أو التفوق التكنولوجي المذهل. التحدي الأكبر والأعمق هو إعادة بناء العقد الأخلاقي الاجتماعي على أسس جديدة وراسخة. عقد اجتماعي يؤكد، بشكل لا يقبل الجدل أو المساومة، أن الكرامة الإنسانية هي خط أحمر غير قابل للانتهاك أو الشراء، بغض النظر عن مقدار الثروة أو النفوذ أو الجاه. عقد يبني مؤسسات رقابية وقضائية مستقلة حقيقياً، لا تستطيع الثروة الطائلة اختراقها أو التأثير على قراراتها العادلة. عقد مجتمعي حي يرفض الصمت والاستسلام، ويثور على انحرافات النخب وانتهاكاتها، مهما بلغت قوتها وامتيازاتها وعلاقاتها.

فالحضارة، في نهاية المطاف، ليست أبراجاً زجاجية شاهقة ولا ثروات طائلة متراكمة في الخزائن السرية. الحضارة الحقيقية تتجلي في قدرة البشر، مجتمعين ومتضامنين، على وضع قيود لأقواهم، وحماية أضعفهم، وصون الكرامة المتأصلة التي تجعل من الإنسان إنساناً. وهذا هو الدرس الأعمق الذي تقدمه لنا صفحات التاريخ المترعة بالألم والأمل، من قصور بغداد وإسطنبول القديمة، إلى جزيرة إبستين "الحديثة"!

***

د. عبد السلام فاروق

في العصر الرقمي الذي يسيطر على تفاصيل حياتنا اليومية، أصبح الهاتف الذكي رفيق الطفل الدائم، لا باعتباره وسيلة للتواصل أو التعلم فقط، بل بوصفه نافذة مفتوحة على عالم متسارع بالأحداث والمعلومات. ومع تزايد الاعتماد عليه، لم يعد الهاتف مجرد أداة مساعدة، بل غدا جزءًا من يوميات الطفل وهويته الناشئة، وهو ما يفرض على الأسرة وعيًا متزايدًا بكل لحظة يقضيها الطفل أمام الشاشة.

لقد تغيرت ملامح الطفولة ذاتها، إذ يقضي كثير من الأطفال ساعات طويلة في التحديق في الشاشات، على حساب اللعب الحر والتفاعل المباشر مع الأقران. هذا التحول ينعكس تدريجيًا على السلوك الاجتماعي، فيعزز الميل إلى العزلة، ويضعف مهارات التواصل، ويحد من قدرة الطفل على التعبير عن مشاعره وتكوين علاقات إنسانية متوازنة.

ومن الناحية النفسية، يؤدي الاستخدام المكثف للهاتف إلى اختلال التوازن الانفعالي، حيث تظهر علامات التوتر والعصبية عند حرمان الطفل من الجهاز. فالهاتف يوفر متعة فورية وإشباعًا سريعًا، ما يجعل ضبط الوقت وحدود الاستخدام تحديًا حقيقيًا للأسرة، ويكشف عن اعتماد متنامٍ على الإثارة الرقمية بدل التفاعل الواقعي.

كما يكتسب الطفل منظومته القيمية والسلوكية تدريجيًا من المحتوى الذي يتعرض له. فالمشاهد العنيفة، والألعاب التنافسية، والتحديات الخطرة، تشكل تصوراته عن العالم، وقد تشوش فهمه للصواب والخطأ، وتخلق فجوة بين ما يتلقاه من توجيه أسري وما يراه في فضائه الافتراضي المفتوح.

وينعكس هذا الاعتياد المبكر على الهاتف في القدرات العقلية للطفل، إذ يعتاد على التلقي السريع والمجزأ للمعلومة، مما يضعف التركيز والاستيعاب والتفكير التحليلي. ويصبح من الصعب عليه متابعة الأنشطة التعليمية التي تتطلب صبرًا وانتباهًا متواصلًا، في ظل عقل اعتاد الإيقاع السريع للتطبيقات الرقمية.

ويؤثر هذا النمط كذلك على الصبر والتحمل، فالطفل الذي ينشأ في ثقافة الإشباع الفوري يواجه صعوبة في تقبل الفشل أو مواجهة التحديات التي تحتاج جهدًا واستمرارية. ومع الوقت، تتراجع قدرته على المثابرة، ويصبح أقل استعدادًا للتعامل مع مشكلات الحياة اليومية بثبات وحكمة.

ومن الزوايا اللافتة، أن بعض التطبيقات تزرع سلوكيات سطحية، كالمقارنة المستمرة بالآخرين وربط القيمة الذاتية بعدد الإعجابات والمشاهدات. هذه الممارسات تولد القلق الاجتماعي، وتضعف الثقة بالنفس، وتهدد نمو شخصية متزنة، ما يستدعي تدخلًا تربويًا واعيًا لإعادة تشكيل نظرة الطفل إلى ذاته.

أما على مستوى العلاقات الأسرية، فيعيد الهاتف الذكي تشكيل الروابط داخل البيت. فالجلسات العائلية قد تتحول إلى لحظات صامتة، ينشغل فيها كل فرد بشاشته، فيضعف الحوار الوجداني، ويصبح التفاعل الافتراضي بديلاً عن التواصل الإنساني المباشر، وهو ما يقلص فرص التنشئة الاجتماعية السليمة.

ويظهر التأثير الجسدي للهاتف بوضوح في حياة الطفل، حيث يؤدي الجلوس الطويل أمام الشاشة إلى إجهاد العين، واضطرابات النوم، وقلة الحركة. فالضوء الأزرق يؤثر في إفراز هرمون الميلاتونين، ويضعف جودة النوم، بينما يقل النشاط البدني الضروري لنمو العضلات والعظام، ما يزيد من مخاطر الخمول والسمنة.

ومن منظور نفسي أعمق، يعزز التعرض المفرط للشاشات القلق والتقلب المزاجي، خاصة مع انتشار التنمر الإلكتروني ومشاهد العنف. هذه التجارب الرقمية قد تولد شعورًا بالخوف أو العجز، وتضعف إحساس الطفل بالأمان، ما يجعل المراقبة الأسرية ضرورة لا غنى عنها.

ولا يمكن إغفال تأثير الهاتف على الهوية القيمية والدينية، فالمحتوى غير المراقب قد يضعف قدرة الطفل على التمييز الأخلاقي، ويخلق تعارضًا بين القيم الأسرية والقيم المضمرة في العالم الرقمي. وهنا تبرز أهمية الحوار الأسري بوصفه جسرًا بين الطفل وما يستهلكه من محتوى.

ويكمن الخطر الأكبر في تحول الهاتف إلى “معلّم صامت”، يشكل وعي الطفل ووجدانه بعيدًا عن النقاش والتفكير النقدي. فالطفل قد يصدق الصورة الرقمية أكثر من توجيه والديه أو معلميه، مما يجعل تحقيق التوازن بين التقنية والتربية مسؤولية ملحّة.

كما يسهم الاعتماد على الهاتف كمصدر أساسي للمتعة في نشوء إدمان رقمي تدريجي، تحفزه آليات المكافأة السريعة وإفراز الدوبامين. ومع الوقت، تتراجع القدرة على الاستمتاع باللعب الطبيعي، والتفاعل الاجتماعي، والأنشطة التي تنمي الخيال والإبداع.

وتلعب الفوارق الاجتماعية والثقافية دورًا حاسمًا في توجيه استخدام الطفل للتكنولوجيا. فالأسر الواعية توظف الهاتف كأداة تعليمية داعمة، بينما تجعل قلة الوعي الطفل أكثر عرضة للمخاطر الرقمية، مما يعمق الفجوة في النمو المعرفي والسلوكي بين الأطفال.

كما يؤثر الاستخدام المفرط للهاتف على اللغة والتواصل، إذ يؤدي ضعف الحوار المباشر إلى محدودية المفردات، وتراجع مهارات التعبير الشفوي، وهو ما ينعكس على الأداء الدراسي والتفاعل الاجتماعي لاحقًا.

وفي هذا السياق، يبرز دور الأسرة في اعتماد رقابة ذكية لا تقوم على المنع المطلق، بل على وضع ضوابط واضحة، ومتابعة المحتوى، وإشراك الطفل في تنظيم وقت الشاشة، بما يعزز حس المسؤولية والانضباط الذاتي. ولا يقل دور المدرسة أهمية، من خلال برامج التربية الرقمية التي ترسخ الاستخدام الواعي للتكنولوجيا.

وفي المحصلة، يظل الهاتف الذكي أداة مزدوجة التأثير؛ يمكن أن يكون نافذة للمعرفة والإبداع، كما يمكن أن يتحول إلى تهديد لنمو الطفل النفسي والاجتماعي والجسدي إذا غاب التوجيه. فالطفولة مرحلة تأسيس، تتشكل فيها القيم والعادات والمهارات التي ترافق الإنسان طوال حياته.

إن مستقبل أطفالنا مرهون بقدرتنا على تحقيق التوازن بين العالم الرقمي والواقع الإنساني، بين المتعة اللحظية والتجربة العميقة، وبين الشاشة والحياة. فالأسرة الواعية، والمدرسة المسؤولة، والمجتمع الفاعل، شركاء في حماية الطفولة ومنحها حقها في النمو المتكامل.

فالطفولة ليست شاشة، بل حياة نابضة بالاكتشاف، والحركة، واللعب، والحوار. ومن واجبنا أن نعيد رسم حدود التقنية، بما يضمن للطفل الحرية والحماية معًا، ليكبر إنسانًا متوازنًا، واعيًا، وقادرًا على العيش في عالم تتداخل فيه الرقمنة مع الواقع دون أن تفقده إنسانيته.

***

فؤاد لوطة كاتب مغربي/ أستاذ اللغة العربية

 

إعادة بناء التاريخ المصري في اعمال السيد القمني

كتب: وائل ابو عقصه*

ترجمة: علي حمدان

***

تحرير الدين، تحرير الوطنية

القمني ليس عالم آثار محترفًا ولا مؤرخًا. يُعرّف مجاله بأنه علم اجتماع الدين، ويُفسّر اهتمامه الكبير بالإسلام بأنه نابع من خشيته من أن الإسلام السياسي بدأ يفرض نمطًا جديدًا من الحياة. تتأثر أعماله في مجال التاريخ تأثرًا عميقًا بالتحديات اليومية التي واجهها الليبراليون في مصر. ومن هذا المنظور، فإن لأعماله التاريخية التفكيكية وظائف سياسية. وتؤكد هذه الملاحظة الغالبية العظمى من مقالاته القصيرة في الصحف والمجلات التي تُركز على الإسلاموية والقومية العربية. في الواقع، يُعدّ نقاش التاريخ أسلوبًا يستخدمه في جدالاته السياسية الواقعية.

 أكثر أعماله إثارةً للجدل في التاريخ هي تلك التي تركز على الإسلام. وأبرز كتبه في هذا الصدد هو كتاب "الحزب الهاشمي وتأسيس الدولة الإسلامية" (1996). في هذا الكتاب، يتحدى القمني التصور التقليدي الجامد لتأسيس الإسلام. ويحلل الأسس الاجتماعية والاقتصادية التي شكلت خلفية ظهور الإسلام وعصره النبوي في مكة المكرمة في القرن السابع الميلادي. ويرى أن فكرة التوحيد العربي قبل الإسلام (الحنفي) قد طورها جد النبي، عبد المطلب بن هاشم، الذي رغب في تأسيس مملكة هاشمية وتوحيد شبه الجزيرة العربية تحت حكمه وحكم أبنائه من بعده. وقد تأثر عبد المطلب بالفكرة التوراتية للدولة التي يؤسسها ملك نبي. أما ما تبقى من العصر النبوي فيُوصَف بمصطلحات علمانية تُبرز العلاقات الاستراتيجية بين الهاشميين والقوى الأخرى في مكة التي كان من المقرر أن تُقام فيها مثل هذه الدولة. وكانت خلفية ظهور الإسلام صراعًا اجتماعيًا سياسيًا بين الأمويين طبقة النبلاء في مكة والهاشميين، الذين شجعوا الطبقات الدنيا من النساء والعبيد على الثورة ضد أسيادهم الأمويين. وكما في مؤلفاته عن مصر القديمة، يؤكد القمني على الدوافع الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية التي تقوم عليها الرواية الإلهية للنبي وآل بيته. وقد طور هذه الأفكار في كتابه "حُروَبُ دَولَةِ الرَّسُولِ" (1993)، حيث يقترح تفسيرًا علمانيً لسيرة محمد. وكما في مؤلفاته التي تركز على نبيي التوراة إبراهيم وموسى يطبق القمني سياقه العلماني والتاريخي على تاريخ النبي والإسلام في كتابه.

أثارت كتاباته حول تاريخ الإسلام جدلاً واسعاً من المثقفين المحافظين والشخصيات الإسلامية البارزة. هاجم فهمي هويدي "الحزب الهاشمي"، واصفاً إياه بأنه "كتابات عربية شيطانية". هويدي، الذي تناول كتاب القمني بعد مناقشة رواية سلمان رشدي آيات شيطانية، زعم أن عمل القمني – ومحمد أركون - أسوأ من رواية رشدي لأنه يدمر العقيدة الإسلامية "بصمت ودون أي ألم". ويكمن خطر هذه الأعمال، كما أضاف، في قدرتها على "التسلل إلى العقل والروح". انتقد الإسلامي عصام الدين أبو العزيم كتاب القمني، مشيرًا إلى أن الكتاب يتضمن في الواقع هجماتٍ خفيةً وعلنيةً على الإسلام والكعبة والنبي ووصف كتاب القمني بأنه يحتوي على أفكارٍ أسوأ حتى من أفكار الكافر الذي يكره الإسلام وهاجم إسلامي آخر، هو محمد أحمد المسير، القمني، قائلاً: إن الإنسان في هذا الكون ليس إلهًا صغيرًا، ولكنه يتحرك بإرادة الله.

كانت القضية الأكثر إثارة للجدل في هذه المناقشات هي منهج القمني في التاريخ. انتقده الإسلاميون لمحاولته علمنة الرواية الإسلامية للتاريخ. اقترح هويدي حلاً لهذه "المشكلة": "إذا كانت هناك حاجة لمثل هذا النقاش [حول المقدس]، فليكن بين علماء من النخبة الدينية (أهل العلم والخاصة) لأن إشراك عامة الناس في نقاش حول الدين قد يؤدي إلى الفتنة."

إلى جانب تفسير التاريخ القديم والإسلامي، تتناول مؤلفات القمني القرآن الكريم أيضًا. ففي أحد مؤلفاته المبكرة، نشر نصًا حول ظاهرة النسخ في القرآن. وفي هذا العمل، يؤكد على ما طرحه مفكرون بارزون سبقوه، مثل نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون، حول ضرورة وضع آيات القرآن الكريم في سياقها التاريخي في سياق إعادة التقييم الإسلامي. من هذا المنظور، يقترح القمني رفض التصنيفات التقليدية للنسخ، وبالتالي تجاوز حتى التفسير الجريء لأبي زيد، الذي استُخدم لاحقًا كدليل في محاكمته، مما أدى إلى مأساة.

يستند القمني في ادعاءاته إلى المنهج العلماني. وهو يفسر حديث الغرانيق (حديث الكركي المتوج) وفقًا لما يلي: إلى التحول الاجتماعي والاقتصادي الذي شهدته مكة في القرن السابع الميلادي. ووفقًا لهذا التقليد، في بدايات الإسلام، صلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم بين طبقة قريش. وبينما كان يتلو آية تتعلق بآلهة العرب قبل الإسلام، تابع بالدعاء طالبًا شفاعتهم. وينسب القرآن الكريم هذه الأحداث إلى تدخل الشيطان في وحي النبي. يقترح القمني، الذي يستشهد بالحديث والتفسير القرآني، فهم تغير "موقف الوحي" تجاه آلهة الجاهلية كتطور للإيمان. ويفسر حديث الغرانيق في سياق التحول من الدولة القبلية إلى الاتحاد العربي (ضد البيزنطيين والفرس) ومنح امتيازات لأرستقراطية مكة في النظام الجديد. وكان النسخ في الواقع هو الأسلوب الإجرائي لهذا التحول.

علاوة على ذلك، يتفق القمني مع ما طرحه علماء الليبرالية السابقون أركون في سبعينيات القرن العشرين وأبو زيد في ثمانينياته حول التعقيد الناجم عن الترتيب غير الزمني للآيات في جمع عثمان للقرآن. جادل هؤلاء العلماء بأن هذا يجعل الفهم التاريخي للقرآن صعبًا. يؤكد القمني على ضرورة إعادة ترتيب آيات القرآن وفقًا لتسلسلها الزمني (أو على الأقل موضوعاتها) وليس وفقًا لطولها، كما في النسخة التي جمعها عثمان. وبالتالي، فإن القراءة الصحيحة للقرآن ينبغي أن تكون من النهاية – من أقدم الآيات - إلى البداية. يرى القمني أن الخطر الأكبر في هذا الوضع هو الخلط بين الآيات المنسوخة والآيات الصحيحة، وبين الآيات التي تتحدث عن الحرب وتلك التي تتحدث عن السلام وحرية المعتقد، وبين فرض الإسلام. ويخلص القمني إلى أن النتيجة كانت أن المسلمين يواجهون صعوبات في فهم الدين البسيط. وقد أدى هذا الوضع إلى الحاجة إلى "رجال دين في دين لا يعترف برجال الدين"، ونشأت فئة من الناس يفسرون إرادة الله، وأصبحوا وسطاء بين المؤمنين والله.

شكّلت هذه الأعمال المذكورة أعلاه بداية صراع مستمر بين القمني والإسلاميين. وحدثت واقعة مهمة عام 1997، حين أوصى مجمع البحوث الإسلامية، وهو هيئة معتمدة داخل الأزهر، المحكمة بحظر كتاب القمني "رب الزمان". اتُهم القمني باستغلال الدين، ومحاولة إثارة الفوضى، وتشويه صورة الإسلام، والاستهزاء بالعلماء والتراث، والإضرار بالوحدة الوطنية. ُبرئ القمني من هذه التهم، وألغى القاضي قرار حظر نشر الكتاب. وبلغ هذا الصراع ذروته في الفترة 2004-2005، حين اتُهم القمني بالردة، وتلقى تهديدات بالقتل من حركة الجهاد المصرية ومن أحد فروع تنظيم القاعدة في العراق. بعد هذه الحادثة، نشر رسالة ندم وأعلن توقفه عن الكتابة؛ إلا أنه عاد إلى الكتابة بعد نحو عامين. وفي عام 2009، حصل على إحدى أرفع الجوائز الوطنية في مصر (جائزة الدولة التقديرية)، وهي مناسبة أصبحت محور جدل واسع.

يعتقد القمني أن الإسلام في العصور الوسطى لا صلة له بالعصر الحديث. ويرى أن الإسلاموية كأيديولوجية سياسية مدمرة للحداثة، وستؤدي إلى الفاشية. ويؤكد أن الإسلاموية أيديولوجية شمولية تسعى إلى تشكيل الأخلاق الإنسانية، والمعايير، والسلوك، والعلاقات بين الأفراد والعالم. وتنبع هذه الأيديولوجية من رؤية للعالم قائمة على وجود الحقيقة اللاهوتية في النص المقدس الخالد للقرآن الكريم. في نظر مؤيديه، ليس مجرد دين أو خطاب ديني بل هو مشروع شامل يهدف إلى تغيير الوضع الراهن وفرض العقيدة الإسلامية على العالم. يزعم القمني أن أوضح تناقض داخلي في هذا المشروع يكمن في افتراض الإسلاميين أن إرادة الله هي فرض تصور إلهي أبدي واحد غير تاريخي للنص في مختلف الظروف والفترات. ويجادل بأن الدين لا يمكن أن يكون إلا مسألة فردية، وبالتالي فهو قابل للتغيير.

يؤكد القمني في مؤلفاته على التناقض المزعوم بين الإسلام في العصور الوسطى والأفكار الحديثة كالقومية والديمقراطية وحرية الإيمان والمساواة بين المرأة وغير المسلمين. ويزعم أن جميع هذه الأفكار قد رفضتها مختلف تيارات الإسلام السياسي.  على عكس العديد من المصلحين الإسلاميين، يرفض القمني الادعاء التبريري بأن الإسلام في العصور الوسطى يجب أن يكون مصدر أي فكرة سياسية أو أخلاقية يتبناها المسلمون. ويجادل بأن الأفكار الليبرالية الحديثة غريبة عن تقاليد الإسلام في العصور الوسطى، ويجب على المسلمين المعاصرين تبنيها. ويؤكد أن أهم رسالة يجب أن يتعلمها المسلمون من الوحي القرآني هي التكيف مع العصر: فتكيف الإسلام مع عالم متغير هو "السمة المميزة للإسلام مقارنة بالأديان الأخرى".

يتحدى القمني العديد من التصورات السائدة عن الإسلام السياسي. في العديد من المقالات، يجادل بأن الشورى (التشاور) ليس ديمقراطية؛ وأن التصور "القديم" للإسلام لا يزال يضطهد النساء وغير المسلمين. بل إنه يدعو إلى إلغاء التعاليم الدينية المتعلقة بقوانين الرق (فقه العبودية) وإلى إلغاء الشرعية القانونية لـ 23 آية قرآنية تُجيز الرق. ويجادل بأن أتباع الإسلام السياسي يصرون على أن الإسلام هو أول دين يُرسي حقوق الإنسان، بينما يرفضون الحريات الأساسية كحرية المعتقد. ويتابع قائلاً إن الإسلاميين يشيرون إلى أن الإسلام هو أول دين منح المرأة حقوقها، مع أن الشريعة تنص في الوقت نفسه على أن المرأة ترث نصف ما يرثه الرجل، وأن شهادة امرأتين تعادل شهادة رجل واحد، ولا يجوز للمرأة أن تكون حاكمة دولة.

في مجموعته "شكرًا... بن لادن!" (شكرًا لك... بن لادن!)، يكتب أن ربما أهم حقيقة انكشفت للعالم الحر بعد

 11 سبتمبر 2011، هي الخطأ الفادح الذي ارتكبته هذه الدول مع الشعوب العربية عندما قررت التحالف مع أكثر الأنظمة استبدادًا والإسلام السياسي "الإجرامي". ويؤكد أن الحركات الإسلامية لا تختلف جوهريًا، بل تختلف فقط في الاستراتيجيات، لا في الأهداف. علاوة على ذلك، يرفضون الإرث الليبرالي للديمقراطية ولا يتبنون سوى المبدأ التقني للانتخابات.

في إحدى مقالاته، يقارن القمني بين أفكار يوسف القرضاوي، الذي يُنظر إليه من قِبل العديد من المسلمين على أنه معتدل، وفهمي هويدي، الذي يُنظر إليه على أنه مستنير. وينقل عن القرضاوي، الذي كتب عن المبدأ العلماني المتعلق بحياد الدولة في المسائل الدينية، قائلاً: "قد يكون هذا مقبولاً لدى المسيحية... لكن الإسلام يطالب بتشكيل الحياة وفقًا لقوانينه ومبادئه... فطبيعة الإسلام هي القيادة لا "الانقياد". وينقل كذلك عن هويدي، الذي ذكر أنه "لا توجد صلة ضرورية بين الديمقراطية والعلمانية". يخلص القمني إلى وجود تناقض بين الدولة الليبرالية ومُثُل الإسلام السياسي. ووفقًا لوجهة نظره، فإن الديمقراطية التي يطمح إليها الإسلاميون ليست ديمقراطية ليبرالية.

إضافةً إلى نقد القمني المستمر للإسلاموية، فإنه ينتقد أيضًا القومية العربية. ويزعم أنه لا توجد فروق جوهرية بين هاتين الأيديولوجيتين رغم تاريخ الصدام بينهما. فمن وجهة نظره، تُشكل كلتا الأيديولوجيتين خطابات سياسية جماعية تسعى إلى توحيد العرق أو الدين ضد الأعراق أو الأديان الأخرى. كما أن كلا التيارين السياسيين يدعوان إلى الشعبوية التي تسحق الفرد المدني. ويطرح القمني بديله الليبرالي بالقول إن العلاقة بين الوطن والمواطن يمكن تحديدها بقوانين دستورية واضحة تعتمد بالدرجة الأولى على حريات المواطن الفرد، دون النظر إلى دينه أو لونه أو عرقه. لا يمكن للوطن أن يكون وطنًا بدون التاريخ الذي صنعه شعبه. ينبغي أن تكون هذه نقطة انطلاق كل نقاش سياسي.

لا يعترف تعريف القمني للهوية السياسية الجماعية بأي سمات سياسية عرقية أو دينية. فمن وجهة نظره، تقوم القومية على الشراكة القانونية للدولة القومية المصرية، لا على الدين (الإسلام السياسي) أو العرق أو الثقافة (العروبة). وكما هو الحال في المدرسة الليبرالية المصرية في فترة ما بين الحربين، تُصيغ الليبرالية مفهوم الهوية الجماعية. بالنسبة للقمني، فإن الحجة المؤيدة للقومية المصرية ليست مجرد نقاش حول هوية المجتمع السياسي، بل هي حاجة ملحة في النضال السياسي ضد من يُسيّسون العرق والدين. وهو يجادل بأن بناء أيديولوجية وطنية على الدين، كما يفعل الإسلام السياسي، سيؤدي إلى الطائفية، بينما بناء أيديولوجية وطنية على العرق، كما تفعل القومية العربية، سيؤدي إلى العنصرية. وكما في حججه حول التاريخ القديم، يؤكد القمني على العلاقات المفترضة بين النماذج العرقية الدينية للقومية العربية والإسلاموية والصهيونية.

الخلاصة

من منظور سياسي، قدمت الأعمال التاريخية للقمني للمفهوم القومي بعده "المتخيل" استناداً إلى تصوره في أعماله، يُقدّم سردًا وطنيًا لتاريخ مصر، يسعى إلى تعزيز التعددية العرقية والدينية. يبدأ هذا السرد في مصر القديمة والوثنية، ويستمر عبر العصور. يُنظر إلى الغزو العربي الإسلامي على أنه على قدم المساواة مع الغزو اليوناني والروماني، أي حكم مصر من قِبل غير المصريين. يُنظر إلى عهد محمد علي ومصر الملكية نظرة إيجابية، لأنهما حفّزا تأسيس دولة قومية مصرية. تُعتبر فترة ما بين الحربين العالميتين عصرًا من التقدم نحو التحرر والديمقراطية، انتهى بصعود الناصرية القومية العربية وانقلاب عسكري أدى إلى إقامة نظام استبدادي .بالنسبة للقمني، ازدهرت الثقافة المصرية في كل مرة نجح فيها المصريون في خلق استقلالهم الذاتي وثقافتهم التعددية.

يتحدى سياق أعمال القمني التصورات القومية العربية والإسلامية للماضي، وذلك من خلال إعادة بناء بديل ليبرالي قومي. يمثل فكره أيديولوجية ليبرالية شاملة تُصاغ من خلالها مفاهيم التراث والأخلاق والدين والهوية والديمقراطية والقومية.

***

.....................

* محاضر اول في الجامعة العبرية بالقدس، قسم العلوم السياسية.

المصادر:

Academia.edu.

سيد القمني، رب الزمان، مؤسسة هنداوي، القاهرة، مصر، 1996 .

سيد القمني، حروب دولة الرسول، مؤسسة الهنداوي، القاهرة، مصر،  1993.

سيد القمني، النبي إبراهيم والتاريخ المجهول، مؤسسة الهنداوي، القاهرة، مصر، 1996.

هل هو الدراسة أم الثروة؟

في سياق الدراسات الإنسانية والنفسية، يُعد السؤال عن مفتاح السعادة للإنسان واحداً من أكثر الأسئلة إثارةً للجدل والتأمل، حيث يتقاطع فيه الفلسفي مع الاجتماعي والاقتصادي، ويعكس تنوع التجارب البشرية عبر العصور. السعادة، كمفهوم، ليست مجرد حالة عابرة من الرضا أو الفرح، بل هي حالة شاملة من التوازن الداخلي والانسجام مع الذات والمحيط، تتجاوز اللحظات المؤقتة لتصبح نمط حياة مستدام. منذ أيام الفلاسفة اليونانيين القدماء، الذين ربطوا السعادة بالفضيلة والمعرفة، وحتى العصر الحديث الذي يربطها بالإنجازات المادية، يظل السؤال قائماً: هل مفتاح السعادة يكمن في الدراسة والتعليم، الذي يبني الوعي والقدرات الفكرية، أم في الثروة والغنى، الذي يوفر الرفاهية والأمان المالي؟ هذه الدراسة تسعى إلى استكشاف هذا الجدل من منظور أكاديمي معمق، مسترسل في تحليل الأبعاد النفسية والاجتماعية والاقتصادية، لنصل إلى فهم أعمق لما يشكل السعادة الحقيقية، مع الاعتراف بأنها ليست مطلقة بل نسبية تختلف باختلاف السياقات الثقافية والفردية.

لنبدأ بفحص دور الدراسة كمفتاح محتمل للسعادة. الدراسة، كعملية مستمرة للاكتساب المعرفي، تمثل أداة أساسية للتنمية الشخصية، حيث تفتح أبواباً لفهم العالم والذات بشكل أعمق. من الناحية النفسية، ترتبط الدراسة بالإحساس بالإنجاز والتقدم، فالإنسان الذي يتعلم يشعر بأنه يتطور، مما يعزز من الثقة بالنفس ويقلل من الشعور بالعجز أمام تحديات الحياة. على سبيل المثال، في مجتمعات تعتمد على الابتكار والتكنولوجيا، يصبح التعليم مصدراً للفرص المهنية التي تؤدي إلى الاستقلالية، وهذا الاستقلال بدوره يغذي السعادة من خلال الشعور بالسيطرة على المصير الشخصي. كما أن الدراسة توسع الأفق الفكري، مما يسمح للفرد بتجربة متعة الاكتشاف والتأمل، كما في قراءة الأدب أو استكشاف العلوم، حيث تتحول المعرفة إلى مصدر فرح داخلي مستقل عن العوامل الخارجية. في السياق الاجتماعي، يساهم التعليم في بناء علاقات أقوى، إذ يمكن المتعلمين من التواصل مع الآخرين على أساس مشترك من الأفكار والقيم، مما يقلل من العزلة ويعزز الشعور بالانتماء. ومع ذلك، لا تخلو الدراسة من تحدياتها، فالضغط الأكاديمي المفرط قد يؤدي إلى الإرهاق والقلق، خاصة في أنظمة تعليمية تركز على المنافسة بدلاً من التعلم الحقيقي، مما يجعلها في بعض الحالات مصدراً للشقاء بدلاً من السعادة. إذن، الدراسة ليست مفتاحاً مطلقاً، بل هي أداة تعتمد على كيفية استخدامها، حيث تكون أكثر فعالية عندما تكون مدفوعة بالفضول الداخلي لا بالإكراه الخارجي.

من جهة أخرى، تُقدم الثروة نفسها كمفتاح بديل للسعادة، مستندة إلى قدرتها على توفير الراحة المادية والحرية في الاختيارات. من الناحية الاقتصادية، تعتبر الثروة ضماناً للأمان، حيث تلبي الحاجات الأساسية مثل الطعام والسكن والرعاية الصحية، وتتجاوزها إلى الرفاهية مثل السفر والترفيه، مما يقلل من التوتر الناتج عن القلق المالي. في مجتمعات استهلاكية حديثة، ترتبط السعادة غالباً بالقدرة على الاستهلاك، حيث يشعر الغني بأنه يمتلك الوسائل لتحقيق الرغبات الفورية، مما يولد شعوراً بالقوة والرضا. كما أن الثروة تفتح أبواباً اجتماعية، مثل الانضمام إلى نخبة معينة أو دعم الأعمال الخيرية، مما يعزز الشعور بالقيمة الذاتية والتأثير على الآخرين. ومع ذلك، تكشف الدراسات النفسية عن حدود هذا النهج، فالسعادة المرتبطة بالثروة غالباً ما تكون مؤقتة، حيث يتكيف الإنسان سريعاً مع مستويات الرفاهية الجديدة، مما يؤدي إلى ظاهرة "الدوامة الاستهلاكية" التي تطلب المزيد دون الوصول إلى رضا دائم. بالإضافة إلى ذلك، قد تؤدي الثروة إلى العزلة، إذ يصبح الغني عرضة للشك في نوايا الآخرين، أو يفقد المتعة في الجهد اليومي الذي يمنح الحياة معنى. في سياقات ثقافية مختلفة، مثل تلك التي تؤكد على القيم الروحية أو الجماعية، قد تُنظر إلى الثروة كعبء يبعث على الحسد أو الشقاء، خاصة إذا كانت مصحوبة بفقدان التوازن بين العمل والحياة الشخصية. إذن، الثروة توفر أساساً مادياً للسعادة، لكنها لا تضمنها إلا إذا كانت مدعومة بعناصر أخرى مثل الغرض والعلاقات.

عند مقارنة الدراسة بالثروة كمفتاحين للسعادة، يبرز التباين في طبيعتهما: الدراسة تمثل استثماراً داخلياً يبني القدرات الذاتية، بينما الثروة تعتمد على عوامل خارجية قد تكون عرضة للتقلبات الاقتصادية أو السياسية. في كثير من الحالات، تكمل الدراسة الثروة، إذ يؤدي التعليم إلى فرص مهنية أفضل تؤدي بدورها إلى الغنى، مما يجعل السؤال ليس اختياراً بين اثنين بل اندماجاً. ومع ذلك، إذا أردنا تحديد أيهما أقرب إلى المفتاح الحقيقي، يميل التحليل إلى تفضيل الدراسة، لأنها توفر سعادة مستدامة مبنية على النمو الشخصي، بينما الثروة قد تكون وهماً إذا لم تكن مدعومة بمعرفة كيفية إدارتها أو استخدامها لأغراض أعلى. في السياق النفسي، يشير مفهوم "التدفق" إلى أن السعادة تنبع من الانغماس في أنشطة تحدي المهارات، وهو ما توفره الدراسة أكثر من الاستهلاك السلبي الذي قد ترتبط به الثروة. كما أن الدراسة تعزز القدرة على التكيف مع التغييرات، مما يجعلها أكثر مقاومة للصدمات مقارنة بالثروة التي قد تتبخر في أزمة مالية. ومع ذلك، في مجتمعات فقيرة أو غير مستقرة، قد تكون الثروة الأولوية الأولى لتلبية الحاجات الأساسية قبل الاستثمار في التعليم، مما يعكس نسبية المفتاح حسب الظروف.

في النهاية، يتجاوز مفتاح السعادة الحقيقي الثنائية بين الدراسة والثروة، ليشمل مزيجاً من العناصر المتكاملة مثل الصحة الجسدية والنفسية، العلاقات الاجتماعية القوية، والشعور بالغرض في الحياة. السعادة ليست في الوصول إلى هدف معين، سواء كان درجة علمية أو حساب بنكي، بل في الرحلة نفسها والقدرة على الاستمتاع باللحظة الحاضرة. إذا كانت الدراسة توفر الأدوات الفكرية لفهم هذا، والثروة الوسائل المادية لتحقيقه، فإن المفتاح الحقيقي يكمن في التوازن بينهما، مع التركيز على القيم الداخلية التي تجعل الحياة ذات معنى، مما يجعل السعي للسعادة عملية مستمرة ومتطورة تعكس جوهر الوجود البشري.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

لَيْسَ التاريخُ سِجِلًّا للأحداثِ فَحَسْب، بَلْ هُوَ أيضًا مِرْآةٌ للنَّفْسِ الإنسانية، ومَنظومةٌ لفهمِ صِراعات المُجتمعاتِ وهُوِيَّاتها. وفي الأدب، يَتحوَّل التاريخُ إلى تَجْرِبة فَنِّية تَتحرَّك بَيْنَ الذاكرةِ والخَيَالِ مِنْ جِهةٍ، وَبَيْنَ الواقعِ الماديِّ والرُّوحِ المَعنويةِ للأحداثِ مِنْ جِهةٍ أُخرى.

في الأدبِ الفِلَسْطينيِّ، يَتجلَّى التاريخُ في تَجْرِبة الاحتلالِ والنَّكْبةِ والتَّهْجير، وَهُوَ حالةٌ مُستمرة مِنَ الألَمِ والمُواجَهة. الأديبُ والصحفيُّ غَسَّان كَنَفَاني (1936- 1972) لَمْ يَكُنْ يَكتبُ التاريخَ بِمَعناه التقليدي، بَلْ كانَ يُحوِّله إلى تَجْرِبة إنسانية شخصية وجَمَاعِيَّة في الوَقْتِ نَفْسِه. ففي كِتاباته، يُصْبحُ التاريخُ مَسْرَحًا للألَمِ الفَرْدِيِّ والجَمَاعِيِّ، وعَيْنًا تَرى المَأساةَ، وتَبحثُ عَن العَدالة.

لكنْ مَا يُميِّز كنفاني هو الطريقة التي يُعالج بها التاريخَ عَبْرَ الذاكرةِ والغِيابِ. فالأماكنُ المُهدَّمةُ، والمَنازلُ التي هُجِّرَ أهْلُها، والأسماءُ التي تتلاشى، لَيْسَتْ مُجرَّد رُموز، بَلْ هِيَ عَلامات على انكسار الإنسان الفِلَسْطينيِّ، وتَشَظِّي هُوِيَّته. والتاريخُ عِند كنفاني لَيْسَ سَرْدًا فَحَسْب، بَلْ هُوَ أيضًا بُنيةٌ عاطفية تَغمُر القارئَ في مَأساةِ شعبٍ يُصارع النِّسيانَ والاحتلالَ. إنَّه تاريخٌ يَنْزِف، تاريخٌ يعيشُ في الأحلامِ والكوابيسِ، تاريخٌ يَتحوَّل إلى فِعْلِ مُقَاوَمةٍ أدبي.

على الجانبِ الآخَر مِنَ المُحيطِ الأطلسي، نجدُ الروائي الأمريكي وليام فوكنر (1897 - 1962) الذي استعارَ التاريخَ مِنَ الجنوبِ الأمريكي بعد الحربِ الأهلية، مُحاولًا فهم أثر العُبودية والانقسامِ الاجتماعيِّ على النَّفْسِ الإنسانية.

في أعماله، يتجاوز فوكنر السَّرْدَ التاريخيَّ لِيَصنعَ بُنيةً نَصِّيةً مُعقَّدة تتداخل فيها الحِكاياتُ الفرديةُ والجَمَاعِيَّة. التاريخُ بالنِّسْبةِ إلَيْه هُوَ شَبَكَةٌ مِن الأصواتِ والذاكراتِ المُتقاطعة، ومَساحةٌ لبحثِ الإنسانِ عَنْ هُوِيَّته وسط الخرابِ الأخلاقي والاجتماعي.

يَعتمد فوكنر في مُعالجةِ التاريخ على التقنياتِ السَّرْدية غَير الخَطِّية: تَعَدُّد الأصوات، الانسياب الحُر للوَعْي، التداخل بين الماضي والحاضر. هذه التقنيات تُتيحُ للقارئِ تَجْرِبة التاريخ بطريقةٍ نَفْسِيَّة ومَعرفية في الوقتِ ذاتِه، حيث لا يَكُون التاريخُ حَدَثًا مَوضوعيًّا، بَلْ حياة مُستمرة تَتَنَفَّسُ في النَّصِّ. حياة تُعبِّر عن التَّنَاقضاتِ والجُرْحِ العميقِ للمُجتمع.

مِثْل كنفاني، يَجعلُ فوكنر مِن التاريخِ مَلحمةً إنسانية، لكنْ مِنْ زاويةِ التَّفكيكِ النَّفْسِيِّ، والتَّحليلِ الاجتماعيِّ العميق.

رَغْمَ الفُروقِ الثقافيةِ والجُغْرافيةِ بَيْنَ كنفاني وفوكنر، إلا أنَّ هُناك خُطوطًا مُتوازية في تعاملهما معَ التاريخ:

1- التاريخ كَجُرْحٍ نَفْسي وجَمَاعي: في كُلٍّ مِنْ فِلَسْطين وجَنوبِ الولايات المُتَّحدة، التاريخ لَيْسَ أحداثًا فَقَط، بَلْ هُوَ أيضًا إرْثٌ مِنَ الألمِ والصَّدمةِ التي تتغلغل في الفردِ والمُجتمع.

2- التقنيات السَّرْدية للتعبير عن الذاكرة: كنفاني يعتمد على الحَكْي البسيط المَشحون بالعاطفة، بَينما فوكنر يَستخدم أساليب مُعقَّدة تَعكِس تداخلَ الماضي والحاضرِ، لكنَّ النتيجة واحدة: جَعْل القارئِ يَشعر بالوزنِ النَّفْسي للتاريخ.

3- الهُوِيَّة والانتماء: في نُصوصِ الكاتبَيْن، التاريخُ مُرتبط بالهُوِيَّة، وهذا يُشكِّل الفردَ، ويُحدِّد عَلاقته بِمُجتمعه وماضيه.

أمَّا الاختلافُ الأساسي فَهُوَ في المَنَاخِ الثقافي والسياسي. كنفاني يَكتبُ التاريخَ بِوَصْفِه أداةَ مُقَاوَمَةٍ وَصَرْخَة ضِد الظُّلْم، وفوكنر يكتبُ التاريخَ كَتَحليلٍ نَفْسي واجتماعي لِصِراعاتِ الإنسانِ معَ نَفْسِه، ومعَ الآخَرين، في بيئةٍ مَشحونة بالذَّنْبِ والانعزالِ.

مُعالجة التاريخ عِند كنفاني وفوكنر تُؤَكِّد أنَّ الأدبَ لَيْسَ مُجرَّد تَوْثيق، بَلْ هُوَ تَجْرِبة إنسانية وَوِجْدَانية وفِكْرية. كِلاهُما يُحوِّل الماضي إلى حاضرٍ حَيٍّ، ويَجْعله مَحفورًا في وِجْدانِ القارئ.

كنفاني يَجعلُ التاريخَ صَرْخَةً للمُقاوَمةِ والذاكرةِ الفِلَسْطينية، وفوكنر يُحوِّله إلى صَدى نَفْسي واجتماعي يُضيء التناقضاتِ الإنسانية. والأدبُ عِندهما يُظْهِرُ أنَّ التاريخ لَيْسَ أحداثًا عابرة، بَلْ هُوَ رُوحُ الإنسانِ، وذاكرةُ الشعب، وجُروحُ الزمنِ التي لا تلتئم.

والكاتبان يُمثِّلان صَوْتَيْن مُخْتَلِفَيْن في الزمانِ والمكان، لكنَّهما يتشابهان في الاهتمامِ بالتاريخ كَحَقْلٍ مَليء بالنِّزَاعاتِ الإنسانيةِ والجُروحِ الجَمَاعِيَّة. فوكنر في جنوبِ الولايات المُتَّحدة بعد الحربِ الأهلية، وكنفاني في فِلَسْطين بعد النَّكْبَة، يُعالجان التاريخ كحاضرٍ يَطغى على الوَعْي الفرديِّ والجَمَاعِيِّ.

يُواجِه كنفاني في رِواياته تاريخَ النَّكْبَةِ والمَأساةِ الفِلَسْطينية، لكنَّه يَحْمِلُه عَبْرَ صَوْتِ المُهَجَّرِين واللاجئين، مُكَثِّفًا المُعاناة اليَومية، وَصِرَاعَ الهُوِيَّةِ الضائع بَيْنَ الحَنينِ للأرضِ والفِقْدانِ القَسْرِيِّ.

وفي رِواياتِ فوكنر، يتشابكُ الزمنُ معَ تقنيات الوَعْي الداخلي، وتُستعاد الذكريات في ضَبابها لتشكيلِ فَهْمٍ مُركَّب للهُوِيَّةِ الجَنوبيةِ المُمزَّقة بَيْنَ العُبوديةِ والحربِ الأهلية.

وَيَربطُ بَيْنَ الكاتبَيْن إدراك أنَّ التاريخ لَيْسَ مُجرَّد خَلْفية للأحداث، بَلْ قُوَّة حَيَّة تُشكِّل الوَعْيَ، وَتَفْرِض على الأفرادِ والشُّعوبِ مُوَاجَهَتَه،وإعادة رِوايته بشكلٍ يُوازن بَيْنَ الواقعِ والذاكرةِ، بَيْنَ الألمِ والبحثِ عَن المَعْنى.  

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

في زمنٍ تتسارع فيه الأخبار عبر الشاشات، وتُختصر العناوين في إشعارات الهواتف، بدا المشهد الفرنسي مختلفاً وهو يمنح وساماً رسمياً لبائع صحف متجوّل. لم يكن الحدث سياسياً ولا عسكرياً ولا علمياً، بل إنسانياً خالصاً، إذ قلد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الأربعاء الماضي، بائع صحفٍ مخضرماً وسام الاستحقاق الوطني برتبة فارس. ومثل هذا الخبر قد يمر مروراً عابراً في نشرات الأخبار، لكنه في الحقيقة يحمل معنى أعمق من مجرد تكريم فرد. إنه احتفاء بمهنة، وبذاكرة مدينة، وبعلاقة حميمة بين الناس والورق.

أمضى علي أكبر، وهو من أصل باكستاني، أكثر من خمسين عاماً في شوارع باريس يبيع الصحف للناس. ولد في شمال باكستان أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، وانتقل إلى باريس في عام 1973 بحثاً عن حياة أفضل، ليدخل مهنة بيع الصحف في أحد أحياء العاصمة. وسرعان ما أصبح شخصية مألوفة لدى سكان المدينة وزائريها. يقرأ عناوين الصحف بأعلى صوته، ويوزّعها على المقاهي والمارة، بروح من الدعابة والمحبة والدفء الإنساني، حتى غدا آخر بائع صحف متجول في باريس، وربما في فرنسا بأكملها، بعد أن انقرضت هذه المهنة تقريباً بفعل التطور التكنولوجي والتحول الرقمي. وكان من اللافت أن يصفه ماكرون بأنه " أكثر الفرنسيين فرنسياً "، و" صوت الصحافة الفرنسية "، في إشارة إلى أن الصحف الورقية لم تكن مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل جسراً يومياً للتواصل بين الناس، ونبع حياة اجتماعية في المقاهي والشوارع. وتكريم كهذا يقول أن المهن البسيطة في ظاهرها قد تكون عظيمة في أثرها، فبائع الصحف ليس حلقة تجارية فحسب، بل حلقة ثقافية. بين يديه تمرّ عناوين السياسة والفكر والأدب والفن، ومن " بسطيته " الصغيرة تبدأ رحلة الخبر نحو عقل القارئ. إنه أحد آخر الحراس الواقفين على بوابة الورق.Screenshot

في عالمنا العربي، حيث تتراجع الصحافة الورقية تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والتحولات الرقمية، يبدو هذا الوسام رسالة رمزية بليغة، فالصحيفة ليست مجرد سلعة، بل تقليد مدني، وطقس يومي، وذاكرة ملموسة. رائحة الحبر، خشخشة الصفحات، طيّ الجريدة ووضعها تحت الإبط، كل ذلك ليس حنيناً رومانسياً فحسب، بل جزء من تاريخ المعرفة الحديثة. وكثيراً ما يحمّل صحفيون مخضرمون، تراجع الصحف الورقية لغياب مؤسسات توزيع فاعلة، واختفاء باعة الصحف المتجولين من الشوارع والتقاطعات، وهذا ما أضر بالصحف الورقية، وليس العصر الرقمي وحده.

يظل علي أكبر ليس مجرد بائع صحف، بل صوتاً حياً لحقبة إعلامية تحوّلت مع الزمن، ودليلاً على أن للصحافة الورقية إرثاً ثقافياً وإنسانياً لا يمكن تجاهله حتى في عصرنا الرقمي المتسارع . والطريف أنه، رغم اقامته الطويلة في باريس، لم يحصل بعد على الجنسية الفرنسية، وهو يأمل - كما يقول - أن يساعده هذا التكريم في تحقيق حلمه بالحصول عليها .

***

د. طه جزّاع – كاتب أكاديمي

 

إنَّ الخطأ، والنسيان، والزيادة والنقصان، أدواء تَعْتَوِر المكتوب كما تَعْتَوِر المرويَّ شفويًّا.  بل قد يكون ما يَعْتَوِر المكتوب من ذلك أكثر وأفسد للنصِّ، وإنمَّا مزيَّة الكتابة على الرواية تكمن في مغالبتها عوامل الزمن المتطاول، بتثبيت الذاكرة في مادَّة، يُفترض أنْ تبقَى أطول مدَّةٍ لتُتوارث عبر الأجيال.  ومع ذلك، فكم في تراثنا العَرَبي من نصوصٍ مكتوبةٍ ضاعت؛ لأنَّها كُتِبت، ولم تُحفَظ ولم تُرْوَ!  ولو كانت مرويَّةً لبقيت منها بقايا، على أقلِّ تقدير. وحسبنا شاهدًا تاريخيَّا ما حدث جرَّاء الغزو المغولي، أو ما حدث في الأندلس، أو ما يحدث دائمًا جرَّاء الكوارث الطبيعيَّة أو الحرائق من تلف مقتنياتٍ، قد يشمل مكتباتٍ كاملة. وهكذا يتبيَّن أنَّ المسألة التوثيقيَّة تظلُّ نِسبيَّةً في المفاضلة بين الشفاهي والكتابي، والرواية والتدوين، وأنَّ من المجازفة إطلاقَ الأحكام التعميميَّة في هذا الشأن، دون دراسة كلِّ حالة بحالها، بعيدًا عن المصادرات النمطيَّة، بلا تأمُّلٍ عِلميٍّ دقيق، وتحليلٍ استقرائيٍّ شامل.

أمَّا منهاج الشَّكِّ، فمنهاجان: منهاج الشَّكِّ للوصول إلى ما يُشبِه اليقين على أساسٍ عِلمي.  وهو ما يُفهَم من المنطلقات الديكارتيَّة على حقيقتها. ومنهاج شكٍّ آخَر، هو منهاج الشَّكِّ للشكِّ.  وهو منهاجٌ مريض؛ قد ينشأ عن أسباب أيديولوجيَّة، أو قوميَّة، وبالجُملة عن قِيَمٍ عاطفيَّة، لا شأن لها بقضايا العِلم وإحقاق الحقائق. وفي ميدان الأدب، قد ينشأ الشَّكُّ- بدعوَى العِلميَّة- عن فرض مقاييس عقليَّة، أو واقعيَّة، لا صلة لها بطبيعة الأدب أصلًا. فلو فُرض منطق العقل والواقع، لساغ، إذن، أن تُنكَر نسبة معظم الأدب إلى أصحابه، بما في ذلك الأدب المعاصر. لأنَّ الخطاب الأدبيَّ خطابٌ مضادٌّ للعقل العِلمي، والواقع الاجتماعي، والبيئة المحيطة. ولولا هذا لكانت القصيدة، مثلًا، تقريرًا صحفيًّا لا شِعرًا.

وهذا اللَّون المريض من الشَّكِّ بات مضمار راكضين معاصرين، من مدَّعي البحث، من مستشرقين وعَرَب، حتى بلغ الأمر لدَى فئام منهم إلى التشكيك في تاريخيَّة بعض الأعلام(1)، والأحداث، والكُتُب، واللُّغات، والنصوص، بل التشكيك في التاريخ كلِّه؛ بذريعة أنَّ وثائقه غير كافية عِلميًّا، من وجهة نظر هؤلاء!  يكاد أحدهم يُكذِّب كلَّ روايةٍ أو خبر، مهما تواترا، أو تضافرت عليهما الأدلَّة، أو أُثبِتا بالنصوص القطعيَّة الثبوت، ما لم يكن صاحبنا قد عاش بنفسه في الماضي، وشَهِد بعينَيه، وسمع بأذنَيه، وصافح بيدَيه ذلك الماضي بتفاصيله! بل لو أنَّه عاش بنفسه في الماضي، لرأيت له في الاعتلال بحَوَص العَينَين، أو عشاهما، أو طَرَش السمع، أو عَطَب اليد، ما يتنصَّل به بُغيةَ الإنكار أو التشكيك؛ لأنَّ الغَرَض مَرَضٌ، فوق مَرَض الشَّكِّ، ولا يجتمعان والبحث عن الحقيقة المجرَّدة في غِمدٍ واحدٍ أبدًا.

ومن الطريف في هذا السِّياق أن تجد مِن هؤلاء المَرْضَى- وبعضهم قد يحمل شهادةً عُليا بزعمه- مَن يتساءل عن الشواهد الكتابيَّة عن أعلام عاشوا قبل التاريخ. نعنى قبل وجود الكتابة التي نعرفها. فتراه يتساءل مثلًا عن حقيقة شخصيَّات مثل (النبيِّ موسى)، أو (إبراهيم)، بل عن (نوح)، متسائلًا: ولِـمَ لا نجد كتابات عنهم، إنْ كانوا حقًّا شخصيَّات تاريخيَّة؟!

هكذا خاض بنا (ذو القروح) مخاضه الجديد. فقلتُ له:

-إذن، هذه محض شخصيَّات أسطوريَّة، هكذا ببساطة، لدى أولئك المؤتفكة!

-مع أنَّ تعامل الباحث هنا مع التاريخ. ولتاريخ نشوء الكتابة في العالَم مسارٌ معلوم.  والقفز على هذه الحقائق قفزٌ على العِلم والتاريخ إلى ضروب من الأساطير المعاصرة. ذلك أنَّ فَنَّ الكتابة في عصر (مُوسَى)، مثلًا، كان إمَّا بالكتابة التصويريَّة، وإمَّا بالكتابة المقطعيَّة، وربما بالكتابة الحروفيَّة الأبجديَّة. فالأُولَى: الهيروغليفيَّة التصويريَّة المِصْريَّة، والثانية: المسماريَّة المقطعيَّة العِراقيَّة، والثالثة: الأبجديَّة، التي كانت قبل القرن العاشر قبل الميلاد في بداياتها الأُولَى، وبالفينيقيَّة غالبًا، وظلَّت حينًا من الدَّهر محدودة الاستعمال، وفي الأغراض التجاريَّة أكثر من أيِّ مجالٍ آخَر.  تلك هي الضروب الثلاثة من الكتابة التي عُرِفَت في العالم خلال الحقبة التي عاش فيها (مُوسَى)، أو قُل: خلال القرن 13 و14ق.م. هذا فضلًا عمَّا قبل ذلك من حِقَب لم تعرف الكتابة. فأمَّا المسماريَّة، فبَعيدة الاحتمال جِدًّا في استعمال (مُوسَى) و(بني إسرائيل) في ذلك الطَّور المبكِّر. واحتمال الكتابة بالأبجديَّة الرمزيَّة الحروفيَّة يبدو أبعد من المسماريَّة؛ لتأخُّر نشوئها قياسًا إلى عصر (مُوسَى)، أو تأخُّر انتشارها.(2) وعلى افتراض أنها قد عُرِفت الكتابة الأبجديَّة في عصره، فلا بُدَّ أنها كانت نادرةً جدًّا ومحدودة الأغراض.(3) فإنْ كانت من كتابةٍ في بني إسرائيل إذ ذاك، فبالكتابة التصويريَّة المِصْريَّة.  و«التوراة» تشير إلى أنَّ وسيلة الكتابة كانت النقش على الحجَر.(4) وعلى هذا قِسْ تصوُّرك لتلك المجاهل من التاريخ السحيق، التي يُصِر بعضٌ على وجود وثائق مكتوبة عنها، وإلَّا حكمَ بأن أخبارها من قبيل الأساطير.

-ومؤدَّى ذلك أنَّ الاعتماد الأكبر خلال تلك الأزمان كان بالضرورة على الحِفظ والترديد، حسب الثقافة الشفاهيَّة البدائيَّة.

-ومثالب الذاكرة الشفاهيَّة، والرواية السماعيَّة، وعيوب آليَّاتها معروفة، وهي قابلة للخلط والنسيان، والإضافة والنقصان.(5) وهي إلى ذلك جماعيَّةٌ، تذوب فيها الفرديَّة غالبًا في اللِّسان الجمعي.  ولذا كانت عوامل الاضطراب متضافرةً جدًّا، وأسباب الضياع كثيرة، وطُرق التناقض واردة، وبخاصَّة مع عدم الاستقرار، ونزول الكوارث التي تتتالَى على الناس، وناهيك بهذا كلِّه من أسبابٍ لغياب الشواهد التوثيقيَّة.

-وما تلك الأسفار المسطورة في مجلَّدها الضخم، بين دفَّتَي ما يُسمَّى «العهد القديم»؟

-ما هو إلَّا نتاج قرونٍ لاحقةٍ من التدوين التاريخي الجماعي؛ لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سجلَّات الذاكرة.

-ومع هذا، سترى، وَفق هذا السياق، مشهدًا لظاهرة أراها في تفاقم، خلال السنوات الأخيرة.

-وما ذاك؟

-أعني كثرة المُثَرثرين عن عوالم الغيب، والعجائب، وأسرار الإنسان، والكون. ولا سيما من فئة الشباب، وتصدُّر النساء هذا المضمار، على نحوٍ لافت، وغير مسبوق. خائضين في موضوعات مثل: «المفتاح السحري لتحقيق ما تريده»، «أسرار الكون وحقيقتك من خلال التعرُّف على السِّرِّ القديم»، «الاستقبال اللَّا محدود: تمرين عملي لزيادة الرزق والبركة في حياتك»، «لتدخل حياتك المعجزات»، «من أين جئنا؟ قصة بدايتنا مع الخالق قبل التقمُّص»، «سِرٌّ من أسرار عالم الغيب: البُعد الأعلى- كيف تتصل بعالم الغيب؟»، «كلُّ شيءٍ من جوهر واحد، يُدرِك ذلك بالوجدان في لحظة اتصال حقيقي»، «ما الشيء الذي يقف حائلًا بينك وبين رزقك؟»... إلخ.

-حسبك حسبك من هذا الهُراء!

-ويُلحظ أنَّ معظم هذا الضخِّ من الكهانة الجديدة يأتي عبر وسائل التواصل من بلدان عربيَّة بعينها أكثر من غيرها. وهي خطابات تنطلق غالبًا من منطلقات دِينيَّة. مع أنَّ المتصدِّرين فيها لا يُحسنون قراءة آيةٍ قرآنيَّةٍ دون لحنٍ أو خطأٍ لُغويٍّ، يَدُلَّان على أنْ لا علاقة لهؤلاء بما يقولون، لا من حيث النص، ولا من حيث القراءة، ولا من حيث فهم النصوص، فضلًا عن تفسيرها أو تأويلها!

-ويزيد الطِّين بِلَّة توظيف ما يُسمَّى (الذَّكاء الاصطناعي) صوتيًّا لتسمع لغةً منكرة، لم يسبق للعَرَبيَّة أن عرفتها، حتَّى في قراءة «القرآن». وهذه آفة عربانيَّة مبتدعة عبر ما يُسمَّى الذَّكاء الاصطناعي! وبذا يُدلي الذكاء الاصطناعي بدلوه في إفساد ما تبقَّى من اللُّغة العَرَبيَّة، وإفساد الذائقة واللِّسان، لدى الناشئة وغير الناشئة!

-يبدو أنَّ لديك ثأرًا، يا (ذا القُروح)، مع الذَّكاء الاصطناعي. ولسان حاله يقول لك:

ترفَّـقْ عَـذُولِـي، فمـاذا الصِّـِياحْ

على (GPT) في حِـمَى العُرْبِ طاحْ؟!

لكن هل الظاهرة جديدة؟  أم أنَّ وسائل المتابعة المستجدَّة الراهنة هي الجديدة؟ فأبرزتها، وأتاحت متابعتها، وإنْ دون قصد؛ إذ صارت تقتحم عليك عينيَك أنَّى اتجهتا؟  تُرى أهي تأتي بحثًا عن الشهرة؟  أم عن انشغالٍ حقيقيٍّ بتلك القضايا المثارة؟  أ وَتدل على فراغ أم على امتلاء؟

-لا، ليست بجديدة، بل هي ظاهرة ثقافيَّة قديمة، لكن التقنية اليوم تروِّج لها. وتمثِّل تأرجح الذِّهن بين اليقين المطلَق والشَّكِّ المطبِق، وكلاهما مرضٌ ثقافي. ونحن هنا لا نقصد بالضرورة تلك البثوث المتعلِّقة بالتبشير، أو التنفير، أو التشكيك، أو السياسة، أو نحوها من خطابات الصِّراع الفكري والدِّيني، ذات المآرب الواضحة؛ دعوةً للناس للاصطفاف في صفٍّ معين، ومناصبة صفٍّ آخَر العداء.  بل بعضها خطابات تبدو بريئة، سِوَى ممَّا قد تكتنفها من الرغبات في الإثارة والصِّيت. وهكذا تلحظ أنَّنا أمام عصر شفويٍّ جديد، عبر التقنية، لا لتوثيق المعلومات، بل لنشر الأفكار الجماهيريَّة، المعبَّأة بهدف تحشيدٍ ما. ولا سبيل إلى مكافحة مثل هذا الوباء إلَّا بنشر الكلمة الصحيحة، والفكرة العِلميَّة، وهما كفيلتان ببثِّ الوعي، وإيصاد نوافذ العقول عن عجاج السنين والساحات. فالعُملة الجيِّدة في عالَم الأفكار تطرد العُملة الرديئة، بخلاف ما يزعمه الاقتصاديُّون في عالَم المال؛ من حيث إنَّ عُملة الأفكار تتعامل مع عقل الإنسان، والأصل في عقل الإنسان البحث عن الحق، ما لم يكن العقل نفسه قد تُودِّع منه، ففقد هويَّته. وهنا تأتي مسؤوليَّتا التعليم والإعلام.

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

........................

(1)  بل من طرائف هذا المِراء أن يصل الأمر إلى ما قد يُطرَح من تساؤلات معاصرة حول تاريخيَّة شخصيَّة (محمَّد، عليه الصلاة والسلام)، أو تاريخيَّة «القرآن»، والزعم أنَّ ذلك كلَّه صناعةٌ عباسيَّة! وإنْ كان هذا أصلًا محض تقليدٍ استنساخيٍّ أعمَى واستيرادٍ تقليديٍّ رخيص. وجَدوا مثل هذا مطروحًا في الغرب حول شخصيَّة (السيِّد المسيح، عليه السلام)، فقالوا: لماذا لا ننقل هذا إلى ساحة الإسلام أيضًا؟ وقد يأتي مثل هذا الاستيراد (الموازي والمقرصَن) بأيدي مسيحيَّة، دفاعًا عن طريق الهجوم، وإنْ على غير عدو، لكن لتتساوى الرؤوس! في غفلةٍ عن الفارق البيِّن بين تاريخٍ مغرقٍ في القِدَم- اكتنفه الغموض، وانقطاع التواتر التوثيقي، والغُلوُّ الفاحش، والأَسْطَرة؛ فهو لذلك يحتمل التساؤل- وتاريخٍ واقعيٍّ، متواتر التوثيق، روايةً وكتابةً وشواهد، لا يعدو التشكيك فيه، والحالة هذه، ضربًا من مسرحيَّات العَبَث واللَّا معقول، تليق بـ(صموئيل بيكيت)، لا بالعِلم وأهله.

(2)  يُنظَر ما جاء تحت عنوان «التوراة في ضوء تاريخ الكتابة»، الفَيفي، عبدالله بن أحمد،(2019)، تاريخ بني إسرائيل وجزيرة العَرَب، من التَّاريخ الميثولوجي إلى الجغرافيا الهرمنيوطيقيَّة: مُراجعاتٌ منهاجيَّةٌ في نماذج تاريخيَّة مُعاصرة (مع ترجمة «وصف بلاد العَرَب قبل الميلاد»، لسترابو)، (الأردن: عالم الكُتب الحديث)، 373- 000.

(3)  عُثِر على ألفبائيَّتين بدائيَّتَين، بسيطتَين ومحدودتَي الانتشار، تعودان إلى بضعة قرون قبل الألفبائيَّة الفينيقيَّة، هما (كتابة طُور سيناء)، والكتابة (الأوغاريتيَّة). الأُولى بالكنعانيَّة القديمة، عُثِر عليها في (شِبه جزيرة سيناء)، في (سرابيط الخادم)، اختُلِف في تاريخها، فهناك مَن أعادها إلى القرن 19ق.م، ومَن لا يراها تتعدَّى في قِدَمها القرن 15ق.م.  كما عُثِر على هذا النَّمَط من الكتابة في بعض أماكن من جَنوب (فِلسطين). أمَّا الأوغاريتيَّة، فبالكنعانيَّة القديمة أيضًا، وعُثِرَ عليها في تلٍّ بقرية (رأس شُمرة)، على ساحل (البحر الأبيض المتوسِّط)، شَمالي (اللَّاذقيَّة)، في (سُوريَّة). وتعود إلى القرن 15 أو 14ق.م.  وهي كتابة تستعمل المسماريَّة في شكل الحروف، وإنْ لم تكن مسماريَّةً مقطعيَّة. (يُنظَر: سوسة، أحمد، (1973)، العَرَب واليهود في التاريخ: حقائق تاريخيَّة تُظهرها المكتشفات الآثاريَّة، (دمشق: العربي)، 130- 133، 461). غير أنَّ هاتين الألفبائيَّتَين البدائيَّتَين المحدودتَين لم تحظيا بالانتشار كالألفبائيَّة الفينيقيَّة. وبذا فإنَّ استعمال كتابة طُور سيناء في تدوين «التوراة» ربما عُدَّ محتملًا، وإنْ كان استعمالهم الكتابة التي جاؤوا من بيئتها الثقافيَّة، وهي (الهيروغليفيَّة) المِصْريَّة، يظلُّ الأرجح.

(4)  يُنظَر: سِفر الخُروج، 24: 12.

(5)  يُنظَر في هذا مثلًا: (Lord, Albert, The Singer of Tales؛ أونج، والتر ج، الشفاهيَّة والكتابيَّة).

نحن نحدق طويلا في تاريخ الصلاحية المطبوع على علبة طعام محفوظ، ونسال بقلق عن بلد المنشأ، كانما نخشى ان يتسرب الينا الفساد من طعام فاسد. نتحرى، ندقق، ونعيد العلبة الى الرف ان شككنا في يوم واحد زائد عن عمرها المسموح.

لكننا، على نحو يثير الدهشة والقلق معا، نبتلع الافكار كما هي، بلا سؤال، بلا فحص، وبلا ادنى ارتياب.

الافكار لا تحمل تاريخ انتاج، ولا تلصق على جبينها بطاقة تحذير تقول، صنعت في زمن القهر، او نشات في بيئة الخوف، او صالحة للاستعمال في عصور الجهل فقط.

ندخلها الى عقولنا بثقة عمياء، ونسمح لها ان تعيد ترتيب وعينا، وان تشكل احكامنا، وان تحدد مواقفنا من الانسان والحياة والاختلاف.

كم من فكرة فاسدة عاشت فينا اطول من اي منتج منتهي الصلاحية؟

وكم من معتقد عتيق نجا من المساءلة لانه قدم لنا في غلاف مقدس، او ورثناه دون ان نجرا على مساءلة اصله وسياقه وضرورته؟

الفكرة التي لا نعرف تاريخها، تشبه طعاما بلا مكونات. قد تشبع لحظة، لكنها تسمم على المدى البعيد.

والفكرة التي نجهل بلد منشئها، قد تكون ابنة ظرف سياسي، او اداة سلطة، او نتاج خوف جماعي، لكنها تقدم لنا باعتبارها حقيقة ابدية.

المجتمعات التي تخاف من فحص الافكار، تصاب بتسمم عقلي مزمن، لا يظهر فجاة، بل يتراكم في السلوك، في اللغة، في نظرتنا للاخر، وفي قدرتنا على التفكير الحر.

وحين نرفض مراجعة الافكار، نحول عقولنا الى مخازن لكل ما هو منتهي الصلاحية، ونستغرب لاحقا لماذا نمرض، ولماذا نعجز عن التقدم.

الفلسفة، في جوهرها، ليست ترفا ذهنيا، بل جهاز فحص دقيق.

تسال عن تاريخ الفكرة، عن سياقها، عن من استفاد منها، ولماذا صمدت، وهل ما زالت صالحة لزمننا ام لا.

انها دعوة لان نقرا الافكار كما نقرا الملصقات الصغيرة على المنتجات، بحذر، وبمسؤولية، وبحق كامل في الرفض.

فالعقل الذي لا يفحص ما يدخل اليه، لا يختلف كثيرا عن جسد لا يميز بين الغذاء والسم.

واسوا اشكال الفساد، ذلك الذي لا رائحة له، ولا لون، لكنه يسكن الافكار.

لهذا لم يكن سقراط مزعجا لمدينته لانه شكك، بل لانه علم الناس ان يسالوا عن اصل الافكار قبل الايمان بها. ولم يكن كانط يطالب بالعقل الجريء ترفا، بل ضرورة اخلاقية حين قال ان التنوير هو خروج الانسان من قصوره الذي اقترفه في حق نفسه. اما نيتشه فحذر من الافكار التي تطيل عمرها بالعادة لا بالحقيقة، وتعيش فينا لاننا ورثناها لا لاننا اختبرناها.

الفكرة التي لا تخضع للنقد تتحول الى سلطة، والسلطة حين تفلت من السؤال تفسد، حتى لو ارتدت ثوب الحكمة او القداسة. وكما قال سبينوزا، فالعقل الحر هو الذي يفهم لا الذي يخضع. لذلك فان خلاص المجتمعات لا يبدا بتغيير المنتجات، بل بتجديد الافكار، ولا يتحقق بتقديس الموروث، بل بمساءلته، ولا يكتمل الا حين نمتلك شجاعة ان نلقي في سلة المهملات كل فكرة انتهت صلاحيتها، مهما كان اسمها، او قداستها، او عدد المؤمنين بها.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

مفتتح: ليس خفيا على احد أن العالم يشهد اليوم تحولات عميقة و جذابة في بنية وتشكيل القوة والثروة، تحولات تختلف في عمقها عن كل ما سبق من ثورات صناعية وتقنية. لقد كانت القوة في الماضي تُقاس بما تملك الأمم من موارد طبيعية وجيوش وآلات، بينما اليوم تُقاس بما تُنتجه من معرفة، وبما تبتكره من أفكار، وبما تمتلكه من عقول قادرة على تحويل هذه المعرفة إلى تكنولوجيا، وإلى نماذج تنظيمية، وإلى حلول للمشكلات المعقدة التي تواجه البشر¹. إن أهم التحولات العميقة في مطلع القرن 21 هو التحوّل الذي يُطلق عليه «اقتصاد المعرفة» لم يعد خيارًا اختياريًا للأمم التي تريد أن تحافظ على سيادتها وكرامتها، بل أصبح شرطًا وجوديًا للبقاء في قلب الحضارة الإنسانية المعاصرة².

وعالمنا العربي، الذي كان يومًا مركزًا لإنتاج المعرفة ونشرها، من بغداد العباسيين الى قرطبة الأمويين و حواضرالموحدين بالغرب الإسلامي، نجده اليوم كما قال الدكتور كمال أبو المجد أمة ترى و لا ترى (برفع الشتاء) إننا لانزال في موقع المتفرّج والمستهلك، الذي يدمن شراء ما ينتجه الآخرون، ويستورد التكنولوجيا التي يبتكرها غيره، ويُصدّر عقوله الذكية إلى الجامعات والمختبرات الغربية³. هذا الواقع المؤلم يثير إشكالات مركزية: هل يمكن للعالم العربي أن يستعيد موقعه في خريطة المعرفة العالمية؟ وما هي العوائق البنيوية التي تحول دون ذلك؟ وما هي الإمكانات الحقيقية المتاحة للنهوض؟

اقتصاد المعرفة

يُقصد باقتصاد المعرفة ذلك النمط الاقتصادي-الحضاري الذي تصير فيه المعرفة – بكل تجلياتها العلمية والتقنية والتنظيمية والإبداعية – هي المحرك الأساسي للنمو الاقتصادي، والمصدر الرئيسي للاشكال التنافسية، والمعامل الرئيسي في تحديد مكانة الأمم ودورها في النظام العالمي⁴.

في هذا الاقتصاد، تتجاوز القيمة الاقتصادية للفكرة قيمة الآلة التي تُنتجها، ويصبح الباحث والمبتكر أكثر أهمية من صاحب رأس المال التقليدي، وتتحوّل الجامعات ومراكز البحث من فضاءات للتدريس إلى حقول إنتاج حقيقية للثروة الوطنية⁵.

هذا التحوّل ليس مجرد تطوّر تقني أو اقتصادي محدود، بل هو إعادة تشكيل عميقة للبنية الحضارية: في طريقة التعليم، وفي نوعية النخب، وفي شكل المؤسسات، وفي توزيع السلطة والنفوذ⁶. لأن الدول التي تملك أكبر احتياطيات النفط لم تعد بالضرورة الأقوى، بل تلك التي تملك أكبر عدد من الباحثين المتميزين، وأفضل الجامعات، وأكثر براءات الاختراع، وأقوى النظم التعليمية القادرة على تحويل الأجيال الجديدة إلى عقول مبدعة وناقدة ومنتجة⁷.

هنا يتحدد التحدي الأكبر للعالم العربي: كيف ينتقل من اقتصاد ريعي يعتمد بشكل أساسي على استخراج الموارد الطبيعية وتصديرها، إلى اقتصاد منتِج يعتمد على العقول والأفكار والابتكارات؟ وكيف يتحوّل من مستهلك سلبي للتكنولوجيا إلى منتج فاعل لها؟⁸

العالم العربي وسلم اقتصاد المعرفة

حين نضع العالم العربي على مقياس اقتصاد المعرفة، تبرز صورة كارثية لكنها ضرورية للمواجهة الصادقة مع الذات. فالإنفاق على البحث العلمي في معظم الدول العربية لا يتجاوز 0.5% من الناتج المحلي الإجمالي، مقابل 2-4% في الدول المتقدمة⁹. وعدد الباحثين يبلغ في المتوسط 650 باحثًا لكل مليون نسمة، بينما يتجاوز 4000 في الاتحاد الأوروبي و7000 في كوريا الجنوبية¹⁰. أما براءات الاختراع المسجّلة من العالم العربي كله من طنجة الى مسقط فلا تتجاوز 1% من المجموع العالمي، بينما تسجّل دولة مثل كوريا الجنوبية وحدها أكثر من 200 ألف براءة سنويًا¹¹. والمنشورات العلمية العربية لا تتجاوز 2% من الإنتاج العلمي العالمي، رغم أن العالم العربي يضم 5% من سكان الأرض¹².

هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات باردة، بل هي تعبير عن تخلف معرفي حضاري عميق يتسع يومًا بعد يوم، ويُبقي العالم العربي في موقع التابع لا القائد، والمستهلك لا المنتج، والمقلّد لا المبتكر¹³. وما يزيد الأمر خطورة أن هذه الفجوة لا تُترجَم فقط في شكل تأخّر اقتصادي، بل تتحوّل إلى نوع جديد من التبعية الحضارية يمكن تسميته بـ«الاستدمار المعرفي»: حين تصبح الأمة مجبرة على شراء التكنولوجيا من الخارج، وعلى استيراد الخبراء، وعلى التعلم بمناهج ليست من صنعها، وعلى قبول المعايير التي يفرضها الآخرون¹⁴. هذا الشكل من التبعية أخطر من الاستعمار التقليدي؛ لأنه لا يحتل الأرض فقط، بل يحتل العقل والخيال والإرادة، ويجعل الأمة تفكر بلغة الآخر، وتحلم بأحلامه، وتقيس نجاحها بمعاييره¹⁵.

لماذا تأخرنا في اقتصاد المعرفة؟

يمكن إرجاع تأخر العالم العربي في اقتصاد المعرفة إلى مجموعة من العوامل البنيوية المتشابكة:

أولها وأخطرها الأنظمة التعليمية اللاواقعية و العاجزة، التي لا تزال تقوم في جوهرها على التلقين والحفظ والاستظهار، بدلًا من تنمية ملكات التفكير النقدي والإبداع وحل المشكلات¹⁶. الجامعات العربية تحوّلت في معظمها إلى مؤسسات تدريس فقط، لا إلى مراكز بحث وابتكار، وهي تُخرّج ملايين الخريجين بمهارات لا يحتاجها السوق ولا تتناسب مع متطلبات الاقتصاد المعرفي¹⁷.

ثاني هذه العوامل هو نزيف هجرة العقول المستمر نحو أمريكا و كندا و أستراليا و الاتحاد الاوروبي، حيث يغادر مئات الآلاف من أفضل الخريجين والباحثين العرب، بحثًا عن بيئة تقدّر الكفاءة وتدعم البحث وتحترم الحرية الأكاديمية¹⁸. الأسباب متعددة نعد منها: انخفاض الأجور، ضعف التقدير الاجتماعي، غياب بيئة البحث، نقص المختبرات والإمكانيات، القيود السياسية والبيروقراطية الخانقة، وغياب الحرية الفكرية¹⁹. النتيجة أن العقول العربية تبني حضارة الآخرين، بينما يعاني وطنها من الركود والتخلف.

ثالث هذه العوامل هو سيطرة الاقتصاد الريعي على معظم الدول العربية، وخصوصًا النفطية منها، التي بنت اقتصاداتها على عائدات الموارد الطبيعية لا على الإنتاج المعرفي²⁰. هذا النمط الاقتصادي لا يحفّز الابتكار، ولا يشجّع البحث، ولا يستثمر في العقول؛ لأن الثروة تأتي بلا جهد إنتاجي حقيقي. والأخطر من ذلك أن الاقتصاد الريعي يُنتج عقلية ريعية: انتظار الفرص الجاهزة، والاعتماد على الآخر، وغياب روح المبادرة والمخاطرة²¹.

رابع هذه العوامل وربما أعمقها هو تقييد الحريات الأكاديمية، فلا يمكن أن يزدهر البحث العلمي والابتكار في بيئة تقمع حرية التفكير²². الجامعات العربية تعاني من رقابة على المناهج، وتدخلات سلطوية في تعيينات الأساتذة، وخوف من المواضيع الحساسة، ومناخ عام لا يشجع على المساءلة والنقد.

بينماالإبداع يحتاج إلى حرية: حرية السؤال، وحرية الشك، وحرية التجريب، وحرية الخطأ. وهذه كلها نادرة في كثير من الفضاءات الأكاديمية العربية²³.

آفاق النهوض باقتصاد المعرفة عربيا

رغم سوداوية الصورة العربية فيما يرتبط بإقتصاد المعرفة، إلا أن هناك إمكانات حقيقية وفرصًا واعدة يمكن التأسيس عليها. فالعالم العربي يمتلك ثروة بشرية هائلة: ملايين الشباب المتعلمين، المتصلين بالإنترنت، القادرين على التعلم الذاتي، والمنفتحين على العالم²⁴. هذا الجيل يمكن أن يكون المحرك الحقيقي للنهضة المعرفية، إذا وُفّرت له البيئة المناسبة. كما أن الثورة الرقمية أتاحت فرصًا غير مسبوقة: التعليم عن بُعد يتيح لأي شاب أن يتعلم من أفضل الجامعات العالمية، وريادة الأعمال الرقمية تسمح لأي مبدع أن يطلق مشروعه بتكلفة منخفضة، والاقتصاد الإبداعي يفتح مجالات واسعة في المحتوى الرقمي والتطبيقات والتصميم و الإدارة و الهندسة بشتى مجالاتها²⁵.

وهناك أيضًا تجارب عربية رائدة بدأت تشق طريقها نحو اقتصاد المعرفة، وخصوصًا في دول الخليج. التي رفعت بعضها الإنفاق على البحث والتطوير إلى 1.75% من الناتج المحلي، على سبيل المثال لا الحصر المملكة العربية السعودية سجلت زيادة 17.4% في الإنفاق على البحث العلمي في سنة واحدة، وقطر دخلت ضمن قائمة أفضل 50 دولة في مؤشر الابتكار العالمي²⁶. هذه التجارب تُثبت أن الإرادة السياسية والاستثمار الجاد يمكن أن يُحدثا تحولًا حقيقيًا.

استراتيجيات اللحاق بمضمار اقتصاد المعرفة

لاشك بأنه لا نهضة حقيقية بلا إصلاح تعليمي عميق مدخله الانتقال من الحفظ إلى التفكير، ومن التلقين إلى الإبداع، ومن الانفصال عن الواقع إلى الارتباط بحاجات المجتمع والاقتصاد²⁷. ويجب أن يبدأ هذا الإصلاح من التعليم المبكر، لأن بناء العقل النقدي لا يمكن أن يتأخر إلى الجامعة. كما يجب ربط التعليم بسوق العمل، بحيث تُخرّج الجامعات كفاءات يحتاجها الاقتصاد المعرفي، لا عاطلين عن العمل يحملون شهادات لا قيمة لها²⁸.

ويجب أن تعمل الدول العربية الجادة على اطلاق برامج جادة لاستعادة الكفاءات المهاجرة، من خلال توفير رواتب تنافسية، وبيئة بحثية محترمة، وحرية أكاديمية حقيقية، وتكريم اجتماعي للعلماء والباحثين²⁹. كما يجب مضاعفة الإنفاق على البحث العلمي عدة مرات، ورفعه إلى 2% على الأقل من الناتج المحلي، وإنشاء مراكز بحث متقدمة في المجالات الاستراتيجية كالذكاء الاصطناعي والطاقات المتجددة والتكنولوجيا الحيوية³⁰.

ولن يكون هناك اقتصاد معرفي حقيقي بلا حرية: حرية الباحث في اختيار موضوعاته، وحرية الأستاذ في التدريس، وحرية الطالب في السؤال، وحماية الجامعات من التدخلات الخارجية، وتشجيع ثقافة النقد والمساءلة³¹. كما يجب إشراك القطاع الخاص في هذه المعركة، من خلال تشجيع الشركات على الاستثمار في البحث والابتكار، ودعم الشركات الناشئة، وخلق حاضنات ومسرّعات أعمال في المجالات التكنولوجية³².

مستخلص

عالمنا العربي اليوم أمام خيار مصيري: إما أن ينهض ويدخل عصر اقتصاد المعرفة بقوة وجدية، وإما أن يبقى على الهامش، يتفرج على الآخرين وهم يصنعون المستقبل. الخيار الأول صعب، يتطلب إرادة سياسية قوية، واستثمارات ضخمة، وإصلاحات عميقة، وتغييرًا في العقليات³³. لكنه ليس مستحيلًا؛ فالتاريخ يشهد أن أممًا كانت متخلفة قبل عقود استطاعت أن تتحول إلى قوى معرفية واقتصادية عالمية. الخيار الثاني سهل، لا يتطلب جهدًا: الاستمرار في الاستهلاك والاعتماد على الريع وتصدير العقول واستيراد التكنولوجيا. لكن نتيجته واضحة: التهميش الحضاري، والتبعية الدائمة، وفقدان السيادة³⁴.

ما يُطمئن أن العالم العربي لم يكن يومًا عاجزًا عن الإبداع. حين أُتيحت الفرص، وتوفرت البيئة، أنتج علماء وفلاسفة ومفكرين غيروا وجه التاريخ. المشكلة ليست في العقل العربي، بل في البيئة والنظام والإرادة³⁵. اليوم، الفرصة لا تزال قائمة، لكنها فرصة لن تدوم طويلًا. حركة التغيير في العالم تتسارع، والفجوة تتسع، والوقت ينفد. اقتصاد المعرفة ليس لهوا فكريًا، بل ضرورة بقاء. والسؤال الحقيقي ليس: «هل نستطيع؟»، بل: «هل نريد حقًا بناء اقتصاد معرفي؟»³⁶.

***

مراد غريبي

.......................

الهوامش

1.  محمد عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً لإعادة تعريف السلطة والتأثير"، الاقتصاد الرقمي العربي، 11 أكتوبر 2025، ص 3.

2.  نبيل جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي في الوطن العربي: الفرص والتحديات"، مجلة الباحث، العدد 7 (2010): ص 47.

3.  "هجرة العقول العربية"، موقع علوم اليمن، ص 2.

4.  مركز الملك فهد الثقافي، الاقتصاد المعرفي (الرياض: مركز الملك فهد الثقافي، 2018)، ص 17.

5.  جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 48.

6.  عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 5.

7.  المرجع نفسه، ص 6.

8.  جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 51.

9.  المرجع نفسه، ص 53.

10.   عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 8.

11.   صالح المطيري، "الابتكار أو الاندثار: البحث العلمي العربي واقعه وتحدياته"، الجمعية الكويتية لحماية البيئة، 25 يوليو 2018، ص 4.

12.   المرجع نفسه، ص 5.

13.   جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 55.

14.   عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 9.

15.   المرجع نفسه، ص 10.

16.   عبد الله الجبوري، "مجتمع الاقتصاد المعرفي وآفاق الذكاء الاصطناعي في عالمنا العربي"، موقع كتابات، 15 مارس 2024، ص 3.

17.   "تحديات المستقبل: الاقتصاد المعرفي والبطالة"، الرابطة العربية للتربويين التنويريين، 12 نوفمبر 2025، ص 6.

18.   رياض القاسم، "هجرة الأدمغة العربية: الأسباب والحلول"، مجلة الدراسات القانونية والاقتصادية، المجلد 6، العدد 2 (أكتوبر 2020): ص 232.

19.   "هجرة العقول العربية"، ص 3.

20.   جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 57.

21.   المرجع نفسه، ص 58.

22.   عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 11.

23.   الجبوري، "مجتمع الاقتصاد المعرفي"، ص 7.

24.   عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 12.

25.   المرجع نفسه، ص 13.

26.   المرجع نفسه، ص 14.

27.   "تحديات المستقبل: الاقتصاد المعرفي والبطالة"، ص 9.

28.   المرجع نفسه، ص 10.

29.   القاسم، "هجرة الأدمغة العربية"، ص 238.

30.   جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 60.

31.   عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 15.

32.   المرجع نفسه، ص 16.

33.   جعيجع، "بناء الاقتصاد المعرفي"، ص 61.

34.   المرجع نفسه، ص 62.

35.   المطيري، "الابتكار أو الاندثار"، ص 11.

36.   عبد الكريم، "الاقتصاد المعرفي.. أفقاً جيوسياسياً"، ص 18.

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرّد أداة تقنية تُيسّر تفاصيل الحياة اليومية، بل أصبح مرآة كبرى تعكس أسئلة الإنسان عن ذاته، حدود تفكيره، ومصير وعيه في عالم تُدار مفاصله بخوارزميات دقيقة. ففي هذا العصر الرقمي المتسارع، لم يعد السؤال المطروح: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل صار السؤال الأعمق: ماذا يفعل بنا؟ وكيف يعيد تشكيل طرائق تفكيرنا، حدود وعينا، ومعنى إنسانيتنا ذاتها؟

إن التفكير في الذكاء الاصطناعي هو، في جوهره، تفكير في الإنسان: في امتداداته المعرفية، في مسؤوليته الأخلاقية، وفي موقعه داخل عالم لم تعد فيه الآلة محايدة، ولا الإنسان معفى من المحاسبة. فالذكاء الاصطناعي، مهما بدا محايدًا في بنيته التقنية، يظل مشبعًا بخيارات بشرية، ومنظومات قيمية كامنة، وقرارات تتجاوز حدود البرمجة الصرفة.

لقد أثّر التقدّم المتسارع في تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تأثيرًا عميقًا في طرائق تفكير البشر وأنماط تفاعلهم مع العالم. وأثار إدماج هذه التكنولوجيا في مجالات حيوية كالرعاية الصحية والتعليم والنقل، تساؤلات جوهرية حول مستقبل الفكر البشري في عصر الذكاء الاصطناعي. ويسعى هذا المقال إلى مقاربة آثار هذه التقنية في عمليات التفكير الإنساني، وكيف يمكن لها أن تعيد تشكيل أفقنا المعرفي ومستقبلنا الوجودي.

يتمثّل أحد أبرز المخاوف المرتبطة بهذا التحوّل في احتمال أن تحلّ التكنولوجيا محلّ القدرات المعرفية الإنسانية. فمع التطوّر المتسارع لأنظمة الذكاء الاصطناعي، يتنامى القلق من اعتماد الإنسان المفرط عليها، بما قد يفضي إلى تآكل مهارات التفكير النقدي والاستقلالي، وانحسار الإبداع والابتكار، حيث يتحوّل الإنسان إلى مستهلك سلبي للمعلومة بدل أن يكون فاعلًا في إنتاجها وتأويلها.

غير أن الخطر الأعمق الذي يطرحه الذكاء الاصطناعي لا يتعلّق فقط بإزاحة بعض الوظائف أو إعادة تشكيل أنماط التفكير، بل يمسّ سؤال المعنى ذاته. فالآلة، مهما بلغت قدرتها على المعالجة والتحليل، تظل عاجزة عن طرح سؤال «لماذا؟» بوصفه سؤالًا وجوديًا وأخلاقيًا. إنها تجيب عن «كيف» و«متى» و«بأيّ كفاءة»، لكنها لا تفكّر في الغاية، ولا تُقيم وزنًا للقيمة. ومن هنا يظلّ المعنى حكرًا على الإنسان، بوصفه كائنًا يسائل أفعاله، ويتحمّل تبعاتها، ويعيد توجيهها وفق منظومة قيمية متحوّلة.

في المقابل، لا يمكن إغفال قدرة الذكاء الاصطناعي على تعزيز القدرات المعرفية البشرية وتوسيع آفاق الفكر الإنساني. فمن خلال أدواته المتقدّمة، أصبح الإنسان قادرًا على الولوج إلى كمّ هائل من المعارف والمعطيات التي لم يكن بلوغها ممكنًا في السابق. وهو ما قد يفضي إلى تحوّلات نوعية في البحث العلمي، وحلّ المشكلات، وصناعة القرار، بما يسهم في الارتقاء بنوعية التفكير الإنساني.

ومع ذلك، فإنّ هذا الاتّساع المعرفي يفرض تمييزًا ضروريًا بين الذكاء الحسابي والحكمة الإنسانية. فالذكاء الاصطناعي يوسّع حدود المعرفة، لكنه لا يُنتج الحكمة. والحكمة، كما أكد الفلاسفة، تقتضي تجربة إنسانية، وحدسًا، ومسؤولية، ووعيًا تاريخيًا، وهي عناصر لا يمكن اختزالها في خوارزمية أو نموذج تنبّؤي. ومن ثمّ، فإن التحدّي الحقيقي لا يكمن في تطوير آلات أذكى، بل في تربية إنسان أقدر على توظيف هذا الذكاء دون أن يفقد بوصلته الأخلاقية.

ويتميّز الذكاء الاصطناعي كذلك بقدرته على إضفاء طابع ديمقراطي على المعرفة، عبر جعل التعليم في متناول فئات واسعة من البشر. فالأدوات التعليمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي تتيح تجارب تعلم مخصّصة تراعي الفروق الفردية، وتعيد صياغة علاقتنا التقليدية بالمعرفة، بما يمكّن الأفراد من استثمار إمكاناتهم إلى أقصى حدّ ممكن. غير أن هذا التحوّل يضع التربية أمام مسؤولية تاريخية جديدة: تربية الإنسان على ملكات السؤال، والشكّ، والتأويل، والتمييز بين المعلومة والمعنى.

فالتربية في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد معنيّة بنقل المعرفة فحسب، بل بتكوين عقل ناقد قادر على مساءلة ما تقدّمه له الآلة بدل الاكتفاء باستهلاكه.

غير أن هذا الانتشار الواسع للذكاء الاصطناعي لا يخلو من إشكالات أخلاقية عميقة، تتعلق بتأثير التكنولوجيا في الفكر والسلوك الإنسانيين. إذ يظلّ خطر إعادة إنتاج التحيّزات الاجتماعية والثقافية قائمًا، بل قد تتكثّف داخل خوارزميات تبدو محايدة في ظاهرها. ومن هنا تبرز أهمية تحمّل المطوّرين وصنّاع القرار لمسؤولياتهم الأخلاقية، والعمل على توجيه الذكاء الاصطناعي توجيهًا واعيًا يحمي الإنسان من الانزلاقات التقنية غير المحسوبة.

وثمّة بُعد آخر لا يقلّ أهمية، يتمثّل في قدرة الذكاء الاصطناعي على تعزيز التواصل والتعاون بين البشر. فبفضل التقدّم في معالجة اللغات الطبيعية والتعلّم الآلي، باتت هذه الأنظمة قادرة على تقليص الحواجز اللغوية والثقافية، وتعزيز التفاهم بين المجتمعات، بما يدعم بناء عالم إنساني أكثر ترابطًا.

كما يُنتظر أن يُحدث الذكاء الاصطناعي تحوّلًا عميقًا في مجال الرعاية الصحية، من خلال تحسين دقّة التشخيص وفعالية العلاج. إذ يتيح تحليل كميات ضخمة من البيانات الطبية استخلاص أنماط خفيّة تساعد المهنيين الصحيين على اتخاذ قرارات أدقّ وأكثر آنية، وهو ما يعزّز ثقافة القرار المستند إلى المعطيات والأدلّة.

اليوم، أصبح لعقولنا، المحدودة نسبيًا، شريك سريع يُدعى «الذكاء الاصطناعي». والسؤال الجوهري: هل يشكّل هذا التحالف إضافة نوعية أم تهديدًا مبطّنًا؟ فالذكاء الاصطناعي قادر على معالجة كمّ هائل من المعلومات في زمن قياسي، والتعرّف إلى أنماط تتجاوز الإدراك البشري، وتحفيزنا على التفكير من زوايا غير مألوفة.

ومع ذلك فإن هذا «الصديق الذكي» قد يُغذّي، في الآن ذاته، نزعتنا إلى الكسل المعرفي. فالثقة المفرطة في إجابات الأنظمة الآلية، وتغاضي الإنسان عن مساءلتها أو اختبارها، قد يؤدي إلى ما يُعرف بالتحيّز للأتمتة، حيث تتآكل تدريجيًا قدرات التفكير والاستدلال الذاتي.

وفي هذا السياق، يشير غيوم ديلاكور، الرئيس العالمي لتطوير الأفراد بشركة «إيه بي بي»، إلى أن امتلاك الذكاء الاصطناعي لإجابات جاهزة يمثّل فائدة وتحدّيًا في آن واحد، مؤكدًا أن الحاجة إلى التفكير النقدي تصبح أكثر إلحاحًا في بيئة تُقدّم فيها الإجابات بسرعة ويقين ظاهريين.

كما يفرض الذكاء الاصطناعي إعادة التفكير في مفهوم العمل ذاته. فمع أتمتة عدد متزايد من الوظائف، لم يعد العمل مجرّد نشاط إنتاجي، بل أضحى سؤالًا مرتبطًا بالكرامة والاعتراف الاجتماعي. ويستدعي هذا التحوّل تفكيرًا سياسيًا وتربويًا جديدًا، يعيد الاعتبار للعمل الإبداعي والرمزي، ويبحث عن صيغ بديلة للاندماج الاجتماعي تحفظ للإنسان موقعه في عالم تتقاسمه الآلة والخوارزمية.

وفي عمق هذا التحوّل، يبرز توتّر خفي بين منطق السيطرة التقنية ومنطق الحرية الإنسانية. فكلّما ازدادت الأنظمة الذكية قدرة على التنبّؤ بالسلوك الإنساني وتوجيهه، تزايد خطر تقليص هامش الحرية الفردية. ومن هنا تكتسب مسألة السيادة الرقمية وحماية المعطيات الشخصية بعدًا فلسفيًا، لا تقنيًا فقط.

وعلى خلاف التصوّرات التشاؤمية، تكشف قراءة فلسفية شمولية للشرط الإنساني المعاصر أن الإنسان، بوصفه مبدع الذكاء الاصطناعي، لا ينفكّ يكتشف ذاته عبر هذا الامتداد العلمي والمعلوماتي. فالذكاء الاصطناعي ليس كيانًا مستقلًا، بل تجلٍّ من تجلّيات الذكاء الإنساني ذاته، فيما يشكّل الحفظ الرقمي للمعطيات استعارة حديثة لفكرة التوثيق والمساءلة.

ومن ثمّ يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي يشكّل اختبارًا أخلاقيًا للحضارة المعاصرة. فهو يكشف طبيعة علاقتنا بالسلطة والمعرفة والإنسان. فإذا استُخدم أداة للتحرّر، أمكن له أن يفتح آفاقًا جديدة للعدالة والمعرفة، أمّا إذا تُرك لمنطق الهيمنة والسوق، فقد يتحوّل إلى أداة لإعادة إنتاج اللامساواة والاغتراب.

كما يجب النظر إلى الذكاء الاصطناعي كفرصة لإعادة صياغة الثقافة الرقمية، وإرساء منظومة قيمية تحمي الإنسان من الانزلاق نحو استهلاك المعرفة بشكل آلي أو رقمي فقط.

إننا نتّجه نحو مجتمع إنساني جديد، تتداخل فيه العوالم الواقعية والافتراضية، ضمن حضارة يكون فيها الإنسان مدعومًا بالتقنية لا مستلبًا بها. فالآلة، مهما بلغت درجة تطوّرها، تظلّ أداة، ولا يمكنها أن تكون بديلًا عن الإنسان بوصفه غاية الحضارة ومرجعيتها القصوى.

يظلّ الإنسان، مهما تقدّمت الآلات وتطوّر الذكاء الاصطناعي، محورًا للمعنى وللسؤال الوجودي. فالوعي، والحرية، والمسؤولية الأخلاقية، هي مفاتيح لا يمكن لأي خوارزمية أن تحلّ محلّها. والإنسانية الحقيقية تكمن في قدرتنا على استعمال الذكاء الاصطناعي كامتداد لوعينا، لا كبديل عنه، على أن تظلّ كل خطوة في هذا الامتداد خاضعة للتأمل النقدي، والمساءلة الأخلاقية، والإبداع الوجودي. فالآلة تساعدنا على رؤية العالم أسرع، لكن الإنسان وحده قادر على تساؤل «لماذا؟» وصياغة معنى الحياة والوجود.

***

فؤاد لوطة - كاتب مغربي

 

من منطق الإغلاق إلى أفق المقاصد

يُثير السكوت التشريعي في الإسلام إشكالًا معرفيًا عميقًا طالما جرى التعامل معه بحذر أو تهميش، إذ اعتاد الوعي الفقهي قديمًا أن ينظر إلى ما لم يرد فيه نص صريح بوصفه مجالًا للاجتهاد الاضطراري أو محاولة لسدّ فراغٍ تشريعي فرضته محدودية الوقائع زمن التنزيل، وهو ما أسهم في شيوع فهمٍ اختزالي لدى بعض الخطابات المتعجلة، قوامه الاعتقاد بأن اكتمال الدين لا يتحقق إلا بكثافة القول وتضييق المساحات، وأن الصمت التشريعي علامة نقص لا مظهر حكمة.

غير أن هذا التصور، عند فحصه في ضوء بنية النص القرآني والسنة النبوية وممارسات التشريع الأولى، يكشف عن قصور منهجي بيّن، إذ يفترض أن اكتمال التشريع لا يتحقق إلا عبر الاستغراق في التفصيل، بينما تشير معطيات التاريخ والنص معًا إلى أن السكوت لم يكن عجزًا، بل اختيارًا مقصودًا، وأن ترك المساحات مفتوحة كان جزءًا من حكمة التشريع لا خللًا فيه، بل إن هذا السكوت ذاته شكّل عنصرًا ضابطًا لحركة الفهم لا ثغرة ينبغي سدّها. وهو ما أسهم لاحقًا في تغذية نزعة تقريرية لدى بعض المجدفين المجتزئين، ممن اختزلوا اكتمال الدين في كثافة القول وضيق الأفق، وتعاملوا مع الصمت التشريعي بوصفه نقصًا في البيان لا اختيارًا مقصودًا في التشريع.

فالقرآن، بوصفه النص التأسيسي الأول، لم يأتِ بمدونة قانونية تفصيلية مغلقة، بل بنسق قيمي عام، أو بنسقية تشريعية مرنة، تضع المبادئ الكبرى وتترك تنزيلها مفتوحًا لاجتهاد الإنسان في الزمان والمكان. فآيات الأحكام، على أهميتها، محدودة عددًا، وقد قدّرها الأصوليون بنحو خمسمئة آية من مجموع القرآن، وهو عدد ضئيل نسبيًا إذا قيس باتساع الحياة الإنسانية وتحوّلها المستمر.

وهذا التفاوت لا يمكن تفسيره إلا بكون النص قصد العموم والمرونة لا الاستيعاب التفصيلي، وقصد أن يكون هاديًا لا مُقيدًا، موجّهًا لا مصادِرًا. وقد عبّر الشاطبي عن هذا المعنى بوضوح حين قرر أن الشريعة «إنما وُضعت لمصالح العباد في العاجل والآجل، وأنها راعت الكليات قبل الجزئيات» ، وهو تقرير يجعل السكوت وظيفة تشريعية واعية، لا نقصًا في البيان ولا ضعفًا في المقصد.

ويظهر هذا السكوت المقصود في عشرات الأمثلة التي شكّلت أساسًا لاجتهادات كبرى لاحقًا، بعد أن مرّت عبر غرابيل الفهم والتأويل. فالقرآن لم يحدّد شكل الدولة، ولا نظام الحكم، ولا آليات اختيار الحاكم، مكتفيًا بمبادئ عامة كالشورى والعدل والأمانة، تاركًا تفاصيل التنزيل رهينة السياق التاريخي والواقع الاجتماعي. وقد تُرك تحديد هذه المسائل للواقع المتغير، وهو ما يفسر اختلاف التجارب السياسية الإسلامية دون إخراجها بالضرورة من دائرة المشروعية، رغم محاولات بعض المتفقهين لاحقًا تحويل هذه التجارب إلى قوالب مقدسة، بما يقود إلى زيغٍ بيّن في الخلط بين التاريخ والنص. وقد نبّه القرافي المالكي إلى هذا الخلل حين فرّق بين الأحكام المرتبطة بالمقاصد العامة، وتلك التي تتغير بتغير الأعراف والأزمنة (الفروق).

كما لم يحدّد النص شكل النظام الاقتصادي تفصيلًا، فلم يضع نموذجًا مصرفيًا، ولا نظمًا دقيقة للتجارة الدولية، ولا قواعد للملكية الحديثة، بل اكتفى بتحريم الربا، والأمر بالعدل، ومنع أكل أموال الناس بالباطل، تاركًا ما عدا ذلك للاجتهاد المتغير بحسب الأغيار وتبدّل المصالح، وهو ما قرره الحنفية بوضوح، حيث أكد السرخسي أن «النصوص محدودة والوقائع غير متناهية، فلا بد من إعمال الرأي لتحقيق مقصود الشرع» .

وفي مجال العبادات نفسها، التي يُظن عادة أنها أكثر المجالات انغلاقًا، نلحظ مساحات واسعة من السكوت، خلافًا لما يتصوره الوعي الجمعي حين يُعاد إنتاج الدين في صورة طقوس جامدة. فالقرآن لم يبيّن عدد ركعات الصلاة، ولا تفاصيل هيئاتها، ولا أوقاتها الدقيقة، بل ترك ذلك للسنة العملية، ثم ترك للسنة نفسها هامش تنوع مشروع، كما في اختلاف صيغ الأذان، أو تنوع هيئات الصلاة الثابتة في الحديث، وهو تنوع فسّره العلماء على أنه توسعة لا اضطراب. وقد قرر الإمام الشافعي أن تنوع العبادة من مقاصد الشريعة، لما فيه من رفع الحرج وكسر الجمود، وهو قول ينسف محاولات الاختزال التي يمارسها بعض المجترئين المتأولين، ممن يتعاملون مع الدين بوصفه قالبًا واحدًا لا يحتمل التعدد. وهو أصل تبناه تلامذته، كإمام الحرمين الجويني والغزالي، حين أكدا أن التعدد الفقهي ثمرة طبيعية لاجتهاد معتبر لا خللًا في الشريعة.

ويبرز السكوت التشريعي بوضوح في القضايا المستجدة التي لم يعرفها العصر النبوي، مثل العقود المركبة، والأنظمة الإدارية، والعلاقات الدولية، والطب الحديث. فلم يرد نص يمنع أو يبيح التأمين، أو الشركات المساهمة، أو التلقيح الصناعي، أو نقل الأعضاء، ومع ذلك لم يُنظر إلى هذا السكوت بوصفه نقصًا، بل بوصفه مجالًا للاجتهاد وفق مقاصد عامة، كحفظ النفس والمال. وقد قرر النسفي الحنفي أن «الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يدل دليل على التحريم»، وهو أصل يجعل السكوت دالًا لا فارغًا.

غير أن هذا الفهم المقاصدي جرى تعطيله، في حاضرنا المعيش، على يد جماعات جانحة من المتأسلمين، ممن حوّلوا السكوت إلى ساحة تجريم، والاجتهاد إلى تهمة، والنص إلى أداة إغلاق، فمارسوا أقصى درجات التصلب باسم الدين، دون وعي بالمالات ولا اعتبار للعواقب. فاختزلوا الشريعة في أوامر صلبة، وأفرغوها من بعدها الأخلاقي والإنساني. وقد نبه ابن قدامة الحنبلي إلى خطورة هذا المسلك حين قرر أن «الجمود على الظواهر مع إهمال المعاني يفضي إلى مخالفة مقصود الشرع».

وقد استند الفقهاء في ضبط هذا المجال إلى أصل معتبر، هو قول النبي ﷺ: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحدّ حدودًا فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء رحمةً لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها»، وهو حديث يضع حدًا فاصلًا بين البيان المشروع والتكلف في ملء المسكوت عنه. كما التقط الأصوليون هذا المعنى مبكرًا كالزركشي وابن النجار من الحنابلة أن اعتبار المآلات شرط في صحة الاجتهاد، وأن الحكم إذا أدى إلى مفسدة راجحة سقط اعتباره، ولو استند إلى ظاهرٍ مجرد. وذهب ابن القيم في إعلام الموقعين إلى أبعد من ذلك حين قال إن (الشريعة مبناها على الحكم ومصالح العباد، فكل مسألة خرجت من العدل إلى الجور ليست من الشريعة وإن أُدخلت فيها بالتأويل) ، وهو قول يكشف بوضوح أن الجمود ليس وفاءً للنص، بل خيانة لمقصده.

كما يظهر السكوت التشريعي في موقف النبي -صلى الله عليه وسلم- نفسه من كثير من الوقائع، حيث امتنع عن إصدار حكم مباشر، تاركًا المجال للاجتهاد أو العرف. ففي حادثة تأبير النخل، حين قال: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، أرسى مبدأً بالغ الأهمية، مفاده أن التشريع لا يتدخل في كل تفاصيل الحياة، وأن الخبرة الإنسانية لها مجال مستقل. وفي قصة الأسرى بعد بدر، لم ينزل النص ابتداءً بحكم قاطع، بل جرى النقاش والاجتهاد، ثم جاء التعقيب القرآني لاحقًا، وهو ما يدل على أن التشريع نفسه كان يتفاعل مع الواقع لا يصادمه، وهي دلالة غائبة تمامًا عن خطاب الإغلاق المعاصر الذي تمارسه الجماعات الحركية.

فتحويل الفراغ التشريعي إلى أصل مقصود يغيّر جذريًا طريقة التعامل مع النص. فبدل أن يُنظر إلى السكوت بوصفه نقصًا ينبغي سده بأي فتوى، يصبح السكوت مساحة اختبار للعقل الأخلاقي والاجتماعي، ومسؤولية مشتركة بين النص والواقع، وحريّ بنا أن نعي هذا التحول قبل أن نغرق في فوضى الإفتاء أو في استبداد القراءة الواحدة. وهذا ما يفسر لماذا رفض كثير من الصحابة الإكثار من الفتوى، وكانوا يتحرجون من الإجابة، إدراكًا منهم أن النص لم يُرِد أن يقول كل شيء، وأن كثرة القول قد تقتل الحكمة.

ومن ثم؛ فإن مصادرة السكوت التشريعي لا تفضي فقط إلى جمود فقهي، بل تؤسس لنمط من العنف الرمزي والديني، حيث يتحول القول الواحد إلى معيار للإيمان، ويُجرَّد المخالف من شرعيته قبل مساءلته. وقد نبّه الشوكاني والشنقيطي، كلٌّ بطريقته، إلى أن تضييق دائرة الاجتهاد واحتكار الفهم هو من أعظم أسباب الانحراف باسم النص، وأن الشريعة إنما جاءت «لرفع الحرج لا لتعميقه».

وعلى النقيض من ذلك، فإن الشريعة التي تعترف بالسكوت، وتؤسسه أصلًا مقصودًا، تُنتج فقهًا يضبط القوة، ويحدّ من التوحش باسم الدين، ويعيد الاعتبار للتواضع المعرفي بوصفه شرطًا من شروط الإيمان لا نقيضًا له. ولذلك فإن الدفاع عن السكوت التشريعي ليس دفاعًا عن فراغ، بل دفاع عن أخلاق التشريع نفسها، وعن حق المجتمع في أن يفكّر دون تهديد، وأن يختلف دون أن يُدان، وأن يجتهد دون أن يُقصى.

وهكذا يغدو السكوت أحد أقوى أدوات الشريعة في مواجهة العنف، لأنه يضع حدًا لوهم الامتلاك الكامل للحقيقة، وينقل الفقه من منطق الإغلاق إلى أفق المقاصد، ومن وهم الاكتمال إلى وعيٍ تاريخي وأخلاقي أعمق.

***

بقلم: د. بدر الفيومي

لا يعرف اسم فاديم زيلاند (Vadim Zealand) الحقيقي ، وهو اسم مستعار لكاتب ومفكر روسي مشهور في مجال علم الجذب وتطوير الذات،وكان مهندسا للفيزياء الكوانتية، وكاتبا ومدربا في مجال التطوير الذاتي، ومن اهم كتبه (تحول الواقع).

و فيما يتعلق بنظريته المعروفة باسم (التحول) فهي تقوم على فكرة أننا نعيش في "واقع متعدد الأبعاد و نستطيع التأثير في واقعنا من خلال القضايا الاتية:

1. التخلي عن السلبية والتركيز على ما نريده (بدلًا من التركيز على ما لا نريده).

2. استخدام الطاقة النفسية بشكل صحيح لتجنب "المعاكسات" التي تجذب المشاكل.

3. فكرة "السيناريوهات": الكون يعرض علينا سيناريوهات مختلفة، واختياراتنا تحدد أيهانعيش.

4. التوازن والحياد: عدم الانجرار وراء العواطف السلبية أو الإيجابية المفرطة.

5. "المرايا": يعكس الواقع أفكارنا ومعتقداتنا الداخلية.

تُرجمت كتبه للعديد من اللغات وحققت انتشارًا واسعًا في روسيا والعالم العربي.

ومما يؤاخذ عليه انه يستخدم مفاهيم الفيزياء الكوانتية بشكل مجازي أو غير دقيق علميًا، كما ان البعض يعد فكره مزيجًا من الروحانيات وعلم النفس أكثر منه منهجًا علميًا ، بالاضافة الى ان الاخرون يعتقدون  أن أفكاره مشتقة من نظريات قديمة (مثل قانون الجذب) ،مع هذا فشعبيته انتشرت في العالم العربي ، سيما افكار (قانون الجذب-الطاقة الكونية -تطوير الذات

والثقة بالنفس)، و من اشهر افكاره أنت لست ضحية للظروف، بل أنت من يختار الواقع الذي يعيشهعبر أفكاره وطاقته."

ويعتقد زيلاند أننا لا نعيش في كون واحد ثابت، بل في "فضاء من الاحتمالات" حيث توجد نسخلا حصر لها من الواقع متاحة لنا في كل لحظة.

يشبه الأمر بشجرة ضخمة من السيناريوهات المتوازية – كل فرع يمثل حدثًا محتملًا، ونحنننتقل بين هذه الفروع بخياراتنا وطاقتنا النفسية.

والمكونات الاساسية لنظريته تتكون من:

1. فضاء المتغيرات ، وهو مكتبة ضخمة تحتوي على كل ما يمكن أن يحدث في الماضي،الحاضر، والمستقبل ، والواقع الذي نعيشه هو فقط "مسار" واحد نختاره من هذا الفضاء.

2. "المرايا"  وكيف يعكس الواقع داخلك ، فالواقع كمرآة تعكس حالتك الداخلية (أفكارك، مشاعرك، معتقداتك).فإذا ما شعرت أنك ضحية، سيرسل الواقع لك أحداثًا تثبت ذلك، اما إذاشعرت بالثقة والاستحقاق، سينعكس ذلك في أحداث إيجابية.

وما يريده هو ان  لا تغير الواقع مباشرة، بل غير نفسك، فيتغير انعكاسك في المرآة.

3. المعاكسات– قوى الطاقة السلبية ، وهو كيان طاقي يتشكل عندما يركز مجموعة من الناسطاقتهم على فكرة واحدة (مثل دين، نظام سياسي، شركة، عرف اجتماعي) ، وهذه المعاكسات تتغذى على الطاقة الانفعالية للناس (الغضب، الحماس، الخوف) اما هدفها فهو البقاء والسيطرة، حتى لو كان على حساب أفرادها. ونصيحة زيلاند بهذا المجال هو ان لا تعطي طاقتكلها، حافظ على حيادك وعدم الانجرار.

4. الهدف. النية: وهو ما  تريده، لكنك تشعر بأنه بعيد، فترسل إشارة "نقص" للكون يبقىبعيدًا، اما النية فسوف تتصرف كأنه ملكك بالفعل، فتشعر بالاطمئنان ،عندها  يتحقق ، ويعطي مثالا

الهدف: "أريد سيارة" - تركيز على عدم امتلاكها - فستبقى بعيدة.

النية: أنا أختار واقعًا أملك فيه سيارتي- شعور بالامتلاك -فسوف تصل إليك.

آلية عمل "التحول" في الواقع:

1. اختر واقعك من "شجرة السيناريوهات

كل صباح، يستيقظ الكون ويقول لك: "هذه هي السيناريوهات المتاحة اليوم، أيها تختار؟".

إذا فكرت: "سيكون يومًا سيئًا" سوف تختار فرع الأحداث السيئة.

إذا فكرت: "سأتعامل مع ما يأتي" سوف تفتح احتمالات أفضل.

2. قانون (التخلي)

- كلما تشبثت بشيء، هرب منك (لأنك تشعُر بـالنقص).

- التخلي ليس استسلامًا، بل هو ثقة بأن ما يناسبك سيأتي.

- مثل طفل يمسك برملة: كلما أرخى قبضته، استقرت الرملة في يده.

3. الهمس الصباحي و"همس النجوم"

- الهمس الصباحي: تذكير نفسك كل صباح بأنك "سيد اختياراتك".

- همس النجوم: التواصل مع النسخة العليا منك في فضاء المتغيرات (النسخة التي حققت كلما تريده).

كيف تتحرك في هذا الواقع عمليًا؟

خطوات التطبيق:

1. حدد ما تريده

***

ا.د. رحيم محمد الساعدي

” ليست أزمة المعرفة في نقص الحقائق، بل في ضيق الأدوات التي نستخدمها لالتقاط المعنى، فالعقل قد يرى، لكنه لا يفهم إلا بحدود ما تعلّم أن يسأل عنه “.

” كل أداة معرفية تحمل داخلها تصوراً خفياً عن الإنسان والعالم، وما لا تسمح الأداة برؤيته، يُنفى خارج دائرة الفهم “ (الكاتب).

عندما تقرأ وتفهم معنى عبارة: المعرفة أسيرة أدواتها، تدرك بأنها تحذير له دلالاته ومعانيه الابستمولوجية، فالعقل الإنساني لا يرى العالم كما هو، بل كما تسمح له أدواته أن يراه. فالإنسان لا يلمس الحقيقة بيده، بل يتوسطها بعقله، بلغته، بمفاهيمه، وبالمنهج الذي يصنع به طريقه نحو الفهم. ولأن هذه الأدوات ليست بريئة، فهي تصوغ العالم الذي تدرسه على صورتها.

حين ينظر الفيلسوف أو العالم أو الباحث إلى ظاهرة ما، فإنه يفعل ذلك من خلف منظار منهجي محدد، يوجه رؤيته ويقيدها في آن معاً. فالأداة التي تمنحنا القدرة على الفهم، هي ذاتها التي تحدد حدود هذا الفهم. فالمنهج التجريبي، على سبيل المثال، يكشف عن القوانين لكنه يسكت عن المعاني، والاستبيان الكمي يترجم التجربة الإنسانية إلى أرقام، لكنه في الوقت نفسه يختزل غناها الرمزي والعاطفي. وهكذا، تتحول المعرفة شيئاً فشيئاً إلى انعكاس للمنهج الذي صنعت به، لا للواقع كما هو في ذاته.

في هذا السياق، ليست المشكلة في الأدوات بحد ذاتها، بل في وعينا بها. فحين يظن الباحث أن أدواته محايدة، يقع في فخ خفي من الهيمنة، لأن كل أداة تحمل في طياتها تصوراً للعالم، وللإنسان، ولما يعتبر " معرفة " أصلاً. ومن هنا ينبع البعد السوسيولوجي للعبارة: فالأدوات التي ننتج بها معرفتنا ليست معزولة عن بنية المجتمع الذي أنشأها. إنها تعبر عن قيمه، وعن مصالحه، وعن توازنات القوة فيه.

فالمجتمع الصناعي المتقدم، مثلاً، أنشأ أدوات معرفية تهتم بالقياس والضبط والإنتاجية، بينما المجتمعات التقليدية كانت تميل إلى أدوات تستند إلى الحكمة والتجربة المباشرة. في الحالتين، المعرفة تعكس روح المجتمع الذي أنتجها، بقدر ما تعيد إنتاج تلك الروح في وعي أفراده.

أما المنظور النقدي، فيتسلل إلى هذه العلاقة ليكشف ما وراءها من سلطة. فالمعرفة ليست مجرد بحث عن الحقيقة، بل هي أيضاً ممارسة اجتماعية تنطوي على علاقات قوة. الأداة المنهجية يمكن أن تكون وسيلة للسيطرة بقدر ما هي وسيلة للفهم، حين تختزل الإنسان إلى رقم، أو الظاهرة إلى متغير، أو الثقافة إلى نموذج قابل للقياس. وهنا يصبح تحرير المعرفة مرهوناً بتحرير أدواتها من منطق الهيمنة الذي يسكنها.

غير أن التحرر لا يعني التخلي عن الأداة، بل الوعي بها وإعادة تشكيلها. فكل ثورة فكرية في التاريخ الإنساني كانت في جوهرها ثورة في الأداة، حين تحول الفلاسفة من التأمل المجرد إلى الملاحظة التجريبية، وحين انتقل علم الاجتماع من الوصف الأخلاقي إلى التحليل البنيوي، وحين أعادت الثورة الرقمية تعريف مفهوم الملاحظة والتحليل من جديد. ومع ذلك، تظل كل أداة جديدة تقيم حدوداً جديدة للمعرفة، وكأن الفكر يسعى أبداً إلى الانعتاق وهو يدرك أن حريته مؤقتة.

إن إدراك أن المعرفة أسيرة أدواتها هو الخطوة الأولى نحو وعي نقدي حقيقي. فهو لا يدعونا إلى رفض المنهج، بل إلى مساءلته، إلى جعل الأداة شفافة أمام العقل لا متوارية وراءه. فالمعرفة لا تتطور حين نغير ما نعرف، بل حين نغير كيف نعرف. وعند هذه النقطة فقط، يصبح التفكير ذاته فعل تحرر مستمر من قيود أدواته ومن ظلال مسلماته، في رحلة لا تنتهي نحو رؤية أعمق للعالم وللذات معاً.

خلاصة القول إن المعرفة التي لا تراجع أدواتها، تتحول تدريجياً من مشروع وعي إلى نظام دفاعي ضد الأسئلة المقلقة وبالأخص النقدية منها، وهذا ما يحدث في مجتمعاتنا العربية المعاصرة التي لا تمتلك القدرة على مراجعة وتطوير أدوات فهمها وتفسيرها للواقع الاجتماعي المعاصر.

***

د. حسام الدين فياض

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

في لحظة ما، يطرق الوعي أبوابنا بلا استئذان، ويتركنا أمام الحقيقة عراة. لا يسأل عما إذا كنا مستعدين، ولا يمنحنا راحة الجهل، بل يفرض علينا رؤية ما لا تطيقه الجموع، في هذه اللحظة، ندرك أن السؤال لم يعد ترفا، بل موقف وجودي، وأن التمرد ليس اختيارا، بل ضرورة للحفاظ على ما تبقى من الذات.

لم أستيقظ على الوعى ولكني عانيت كثيرا، فجاءني كصدمة باردة، كعين ثالثة فتحت قسرا، فرأيت ما كان ينبغي ألا يرى. منذ تلك اللحظة، لم أعد صالحة للانتماء، ولا قادرة على الذوبان في دفء الجموع. لم يكن الوعي لحظة إشراق، بل لحظة قطيعة. قطيعة مع البديهيات التي تسلم بلا مساءلة، ومع الطمأنينة التي تمنح لمن يتنازل عن حقه في السؤال. في التفكير. وفي التأويل والتأمل والشك. منذ تلك اللحظة، لم أعد أسكن العالم كما يسكنه الآخرون، بل صرت أقف على مسافة منه، أراقبه بعين لا تطمئن، وعقل لا يقبل الاكتمال.

أن تكون واعيا، فذلك معناه أن تنفصل بصمت عن الدفء الزائف للجماعة، أن تكتشف أن ما يسمى بالانتماء ليس دائما سوى حيلة نفسية للهروب من عبء السؤال.  الوعي لا يمنحك الطمأنينة، بل يسلبك لذة الذوبان في القطيع، تلك اللذة السهلة التي تعفي الإنسان من التفكير، وتريحه من قلق الاختيار، وتمنحه شعورا مؤقتا بالأمان.

الواعي يرى ما لا يراد له أن يرى. يلمح الثقوب الصغيرة في الأثواب التي تتزين بشعار الكمال، ويدرك أن ما يلمع ليس بالضرورة نقيا، وأن ما يصفق له الجميع قد يكون أكثر الأشياء خواء. لذلك يصبح الوعي عزلة راقية، عزلة لا تقوم على احتقار الآخرين، بل على الشك، وعلى رغبة صادقة في ألا يعيش الإنسان مستعارا داخل أفكار لا ينتمي اليها.

أدرك الآن ما كان يقصده نيتشه حين تحدث عن القطيع؛ لم يكن يهاجم الناس بقدر ما كان يحذر من الراحة المميتة التي تمنحها الجماعة.  أنا دفعت ثمن هذه الراحة مرفوضة، واخترت قلق السؤال على طمأنينة التقليد، فكان نصيبي اغترابا لا يراه إلا من جرب أن يفكر وحيدا.

أعيش اغترابا لا يراه أحد. ليس اغتراب مكان، بل اغتراب عقل. كما لو أنني وضعت خطأ في زمن لا يحتمل الأسئلة. ديكارت علمني الشك، لكن أحدا لم يخبرني أن الشك يحرق أصحابه، وأن من يهدم المسلمات لا يجد مأوى بعدها. اغترابي ليس مكانيا، بل وجودي. كما قال سارتر، الإنسان محكوم بالحرية، وأنا محكومة بوعي لا يسمح لي بالهرب. أعرف أن بإمكاني أن أعود إلى القطيع، أن أغلق عيني وأعيش بسلام، لكنني فقدت هذه القدرة إلى الأبد. الوعي لا يمنح تذكرة رجوع. اغترابي ليس شعورا، بل موقف. أنا غريبة لأنني لا أقدس ما لا أفهمه، ولا أحترم ما لا يمر على عقلي. سارتر قال إن الإنسان مسؤول عن حريته، لكن أحدا لم يقل لنا إن المجتمع سيعاقبك كلما تحملت هذه المسؤولية بجدية.

نيتشه ايضا لم يكن متطرفا حين جلد أخلاق العبيد، كان دقيقا. هذه المجتمعات لا تريد قيما، بل قيودا. لا تريد إنسانا حرا، بل كائنا مطيعا يتقن ترديد ما لقن له. وأنا رفضت هذا الدور، فصرت نشازا، وصار وجودي نفسه استفزازا. أحيانا أشتهي بساطة الذين لا يسألون، أولئك الذين يعيشون داخل إجابات جاهزة، لكنني حين أحاول، أشعر أنني أخون نفسي. فكما قال كامو، التمرد ليس صراخا، بل موقف داخلي، وأنا متمردة فقط لأنني أرفض أن أعيش حياة لم أخترها. كل اختيار أتحمله وحدي، وكل قلق أدفع ثمنه من احتراق روحي.

أما كامو، فقد فهم العبث جيدا. هذا العالم لا يكافئ الوعي، بل يعاقبه. ومع ذلك، أتمرد. لا لأنني أؤمن بالنجاة، بل لأن الانصياع أقبح من الهزيمة.  تمردي صامت، لكنه عنيد، يشبه الوقوف منتصبة في وجه معنى لا يريد أن يولد.

 كامو فهم أن العبث ليس في العالم فقط، بل في البشر الذين يدافعون عن عبثهم بعنف. وأنا أتمرد، لا لأغيرهم، فقد فات الأوان، بل لأحافظ على ما تبقى مني. تمردي هو آخر خطوط الدفاع عن ذات ترفض أن تتحول إلى رقم..

في القطيع، الحقيقة جاهزة، والرأي موروث، واليقين معلب. أما الوعي فيعيد كل شيء إلى محكمة السؤال، ويجعل من الإنسان خصما دائما للمسلمات. هنا لا يعود الخطأ مخجلا، بل يصبح فضيلة، لأن الخطأ الناتج عن التفكير أكرم من صواب ناتج عن التقليد.

أن تكون واعيا يعني أن تتخلى عن راحة التصفيق الجماعي، وأن تتحمل ثقل الوقوف وحيدا حين يجلس الجميع. أن تدفع ثمن الرؤية وضوحا مؤلما، وأن تكتشف أن الكمال الذي يروج له ليس سوى قناع يخفي تحته خوفا عميقا من الاختلاف.

أنا لا أبحث عن الخلاص، ولا أطلب الفهم. كل ما أريده هو ألا أعود. ألا أرجع تلك المرأة التي كانت تصدق بسهولة، وتبتلع الأكاذيب كي تنام.  الوعي أخذ مني السلام، لكنه منحني نفسي.

وهذا، رغم كل شيء، ثمن أدفعه وأنا واقفة على قدماي وفي قمة اتزاني. أنا لا أدعي امتلاك الحقيقة، كل ما أملكه هو هذا القلق النبيل، وهذه المسافة بيني وبين العالم. مسافة موجعة، لكنها صادقة. ففي عالم يقدس الذوبان، يصبح الوعي شكلا من أشكال الشجاعة، ويغدو الاغتراب ثمنا لا مفر منه لمن قرر أن يرى بعينيه، لا أن يساق.

ما أريده فقط هو ألا أُستدرج مرة أخرى إلى يقين لا أفهمه، ولا أُقايض وعيي براحة زائفة. لقد تعلمت أن السلام الذي يشترى بإلغاء العقل ليس سلاما، وأن الانتماء الذي يبنى على الصمت ليس سوى شكل مهذب من العبودية.. أنا لا أنتمي إلا لهذا الوعي الذي أبقاني انسانه.

سأبقى في هذه المسافة، حيث لا دفء القطيع ولا عزلة الجهل، بل مواجهة عارية مع الذات والعالم. مواجهة موجعة، لكنها الوحيدة التي لا تخونني.  فالوعي، مهما بدا قاسيا، هو الشكل الأخير من الكرامة الإنسانية، والتمرد، وإن بدا بلا أفق، هو الاعتراف الصادق بأنني أرفض أن أعيش أقل مما أنا انا عليه الآن من وعي بنفسي والعالم.

***

ابتهال عبد الوهاب

تجمع غالبية المصادر السوسيولوجية الانثروبولوجية على حقيقة مفادها؛ أن الإنسان ليس فقط (صانع للرموز) وإنما هو كائن مغمور بها ومتماهي معها، بحيث لا يمكن له أن يأتي بأي نشاط اجتماعي أو يبادر بأي فاعلية ثقافية دون أن تكون مشحونة بالرموز ومعززة بالتمثلات، التي عادة ما تكون رابضة في قيعان الذاكرة التاريخية وراكسة بين ثنايا المتخيل الجمعي . وعلى هذا الأساس لا تألوا نظم الحكم السياسي جهدا"في توظيف تلك الرموز واستثمار تلك التمثلات، كلما دعتها الحاجة لتبرير مواقفها وتسويغ سياساتها وشرعنة سلطتها، واضعة نصب عينيها حقيقة ان الإجماع الذي توفره تلك الرموز والتمثلات يصعب على أية جهة معارضة أو معادية اختراق شباكه وتفكيك عناصره، حتى وان كانت ترزح تحت وطأة مظاهر الطغيان السياسي والحرمان الاقتصادي والارتهان الإيديولوجي .

ولأجل توضيح العواقب الاجتماعية والتداعيات السياسية والتبعات الحضارية التي قد تنجم عن انشطار الذاكرة التاريخية، حري بنا الإشارة الى ضرورة التمييز ما بين مفهوم (الذاكرة الاجتماعية) وبين نظيرة مفهوم (الذاكرة التاريخية)، اللذان يتواتر ذكرهما بكثافة في أغلب البحوث والدراسات السوسيولوجية والانثروبولوجية والسيكولوجية، دون الاهتمام بما يشتملان عليه من فوارق واختلافات دلالية . ذلك لأن الفرق بين الذاكرة الأولى والذاكرة الثانية فرق كبير واختلاف نوعي، يستحسن بالباحث المعني ألاّ بجهل أو يهمل تلك الفوارق والاختلافات وإلاّ فإنه سيكون عرضة لارتكاب الكثير من الأخطاء والوقوع في العديد من المغالطات . ولعل ما يحدث في واقع معظم المجتمعات المتصدعة والمفككة من حساسيات نفسية وانقسامات اجتماعية وصراعات سياسية، قمين بإظهار تبعات ما قد ينجم عن ذلك الإهمال أو التجاهل، ليس فقط في مضمار الخطابات المتشنجة والتصورات المحتقنة فحسب، بل وكذلك في مجال العلاقات المجيشة والسلوكيات المستنفرة .

فعلى الرغم من واقعة التشابه بين كلا المفهومين على صعيد الاشتغال في مجالات (الذاكرة السردية)، إلاّ أنهما لا يلبثان أن يفترقا على صعيد الفعل والتأثير في (السياقات الواقعية) . ففيما تستمد الذاكرة (التاريخية) أهميتها من كونها مقترنة بالسيرورات التاريخية التي يفترض أن أحداثها وقعت في الماضي وتعاقبت على تناقلها الأجيال كموروث مثخن بالرموز، الأمر الذي أكسبها ميزتين أساسيتين؛ الأولى وتتمثل بطابع (الثبات) النسبي في مضامير الوعي الجمعي والمتخيل التاريخي، بحيث ان دلالاتها القيمية والرمزية لا تسقط أو تضمحل بالتقادم الزمني، وذلك لكونها تعتمد في سردها وتدوينها على مصادر (الدين) و(الأسطورة) بشكل أساسي . والميزة الثانية تتجلى عبر خلقها نوع من (التوافق) العرفي والقيمي بين مختلف المكونات التي يتشكل من نسيجها المجتمع . هذا في حين تمتح الذاكرة (الاجتماعية) نسغ ديمومتها ودينامياتها من معين جدليات وتناقضات الواقع المعيش، الذي تتقاطع في إطاره الارادات، وتتصارع ضمن نطاقه الجماعات، من منطلق ارتكازها على ما تستدعيه أهداف (السياسة) من نوازع ومصالح (الاقتصاد) من منافع . وهو ما يسبغ عليها طابع (التغيّر) الدائم في المضامين، و(التبدل) المستمر في الاهتمامات .

وعلى أساس ما تقدم، يمكن القول إنه - على عكس ما يتوقع من الذاكرة (الاجتماعية) - يفترض بالذاكرة (التاريخية) أنها (توحد) أكثر مما (تفرّق)، و(تجمع) أكثر مما (تقسّم) . من حيث كونها تشتمل على كل يجعل الإنسان فخورا"بماضيه وشديد الاعتزاز بتاريخه، بصرف النظر عن مقدار ما تمثله من أحداث واقعية ومعطيات معاشة، لاسيما وان مواريث كلا المجالين (الماضي) و(التاريخ) غالبا"ما تستوحي قيمتها من (الدين) قداسته ومن (الأسطورة) رمزيتها، بحيث يمنحاها هامشا"لا يستهان به من (الحصانة) الاعتبارية إزاء كل ما يعرضها للنقد الموضوعي ويسوقها للمساءلة المشروعة . ولذلك، فالويل للمجتمعات التي لا توحّد جماعاتها سردية تاريخية مشتركة، ولا تجمع مكوناتها منظومة دينية موحدة . إذ كلما حاولت الذاكرة (الاجتماعية) رأب الصدوع وترميم الشروخ الناجمة عن الاختلاف في الرؤى والتباين في المصالح، لتخطي الخلافات الجانبية وتجنب الصراعات البينية التي من شانها إهدار الكثير من الفرص وفقدان الكثير من الامتيازات، كلما تدخلت الذاكرة (التاريخية) لتأجيج تلك الخلافات وتسعير تلك الصراعات، بوازع من دعاوى (الأحقيات) الفئوية و(الأفضليات) العصبوية التي طالما كانت – ولا تزال – السبب الرئيسي بخراب ودمار تلك المجتمعات، ومن ثم إعاقة خروجها من دوامات العنف السياسي والتخلف الاجتماعي والفوات الحضاري .

***

ثامر عباس

إعادة بناء التاريخ المصري في اعمال السيد القمني

كتب: وائل أبو عقصه*

ترجمة: علي حمدان

***

توسيع حدود التراث: تعدد الماضي، وتنويع الحاضر

في كتابه "الأسطورة والتراث" (1991)، يؤكد القمني أن الاهتمام الكبير الذي أبداه الباحثون العرب بموضوع التراث كان نتيجةً لفشل مشروع الحداثة العربية الذي تبناه المفكرون والأنظمة الثورية التقدمية ويتابع قائلاً: "إلى هذا الفشل العام، لم يجد الفكر العلماني العربي قاعدة اجتماعية راسخة في المجتمعات العربية". ويعزو السبب الأبرز لهذا "التوجه الهائل" نحو الماضي إلى الأثر السلبي لإسرائيل على جيرانها. إضافةً إلى الجرح الغائر للفخر القومي العربي، قدّم النظام الإثني الديني الإسرائيلي نموذجا لاتجاهات مماثلة في البيئة العربية.

يوضح القمني أن "الجماهير العربية" تشعر بالحاجة إلى أيديولوجية جماعية تستمد مرجعتيها في الإسلام. فبالنسبة لهم، يصبح الإسلام المُؤَدلج بالنسبة لهم أمة وعرق"، وبالتالي يشمل جميع المسلمين في كل مكان. ويتابع قائلاً إن المنطق الأيديولوجي الذي تجاوز هذا التجنيد الهائل، أطال المواجهة مع إسرائيل وحوّل النزاع العربي الإسرائيلي إلى نزاع مسلم-يهودي - صراع بين "أفضل أمة أُخرجت للبشرية [الشعب المسلم] ضد الشعب المختار [الشعب اليهودي]".

هكذا يفهم القمني، الذي يعتبر نفسه ابنًا لهزيمة عام 1967الحنين العربي إلى التراث. مثله مثل العديد من العلمانيين السابقين، وخاصة الماركسيين، يعتبر هذا الانخراط الفكري نتيجة ازمة ثقافية عميقة. أدت هذه الأزمة إلى تقديس مفهوم التراث، الذي شكل جوهر الشرعية في النهضة العربية المنشودة. من هذا المنظور، تشكل أعمال القمني محاولة مستمرة لإعادة تعريف، وتوسيع، وتحدي التعريفات التي تطورت في سياق الأزمة الثقافية. يُعرّف التوجه الأيديولوجي الذي شكل تفسيره للتاريخ بأنه الليبرالية، التي تبناها كـ "مبدأ، أيديولوجية ونموذج لإنقاذ" مصر.

على غرار المدرسة المصرية الليبرالية القومية في فترة ما بين الحربين العالميتين، التي أسسها أحمد لطفي السيد وطه حسين، يتبنى القمني الليبرالية كأيديولوجية شاملة. ففي حالته، لا تقتصر الليبرالية على كونها جوهر موقفه من التيارات السياسية والقيم الاجتماعية والدينية فحسب، بل إنها تُشكّل أيضًا تصوره للتاريخ والذاكرة الجمعية. ويؤكد القمني أن التعريف العربي للتراث لا ينبغي أن يقتصر على التراث الإسلامي العربي في العصور الوسطى، كما حدده المفكرون القوميون العرب والسياسيون. يرى أن الحدود الزمنية للتراث ينبغي أن تشمل أيضاً تاريخ ما قبل الإسلام وما قبل العرب للجانب الشرقي من البحر الأبيض المتوسط، ولا ينبغي حصر بدايته في "عصر التدوين".

يشير القمني إلى هذا النقد في "مشروع" الجابري الذي بدأ بكتابه "نحن والتراث" (1980)، واستمر من خلال سلسلته كتاب "نقد العقل العربي" (2002). الجابري، الذي ينحدر من خلفية عربية جامعة، حصر تعريفه للتراث في التاريخ الإسلامي العربي، وتحديدًا في عصر التوثيق في القرن الثامن الميلادي. يرى أن هذا العصر شهد بداية تطور العقل العربي، أو الوعي التاريخي العربي. وقد مثلت هذه التعريفات الزمنية بداية بناء ما سيُعرف بالتراث، أو كما يقول الجابري، "إطار الشرعية والإحالة إلى الجانب العربي من الأمور". وآخرون، مثل محمد أركون، وسّعوا تعريف التراث ليشمل "التقاليد الإسلامية الواسعة"، بحيث يمكن أن ينعكس مظهره في الأساطير والقصص الشفوية. وقد لعبت هذه العناصر دورًا فاعلًا في تشكيل "الخيال" الذي شمل في مراحل لاحقة في مسيرة أركون التراث المتوسطي التوحيدي.

يُوسّع القمني، الذي يكتب بصفته مصريًا لا عربيًا أو مسلما التعريفات الزمنية للتراث. ويؤكد أن المثقفين العرب والإسلاميين يستخدمون هذه التعريفات لتأسيس الذاكرة التاريخية والهوية السياسية، وهي عملية تنظر إلى التاريخ القديم على أنه غريب أو تعترف به فقط بعبارات سلبية، مثل الجاهلية، أي "العصر البربري" الذي حكمه الطغاة والزنادقة.

يرى القمني أن مفهوم الذاكرة الوطنية لمصر كقصة تبدأ بالفتح الإسلامي لعمرو بن العاص في القرن السابع الميلادي هو مفهوم خاطئ تماماً. فقد بدأ تاريخ مصر قبل ذلك بآلاف السنين، وسجل تاريخها القديم أول مملكة في تاريخ العالم.

لا تقتصر الموروثات التاريخية المصرية على التاريخ العربي فحسب، بل تشمل أيضًا التاريخ الفرعوني واليوناني والروماني والمسيحي والإسلامي. ينبغي إدراج جميع هذه الموروثات في تعريفات تاريخ مصر والدول العربية المجاورة لها. يرى القمني أن المرحلة التاريخية العربية والإسلامية لمصر هي إرث احتلال لا يختلف عن إرث الرومان أو أي ثقافة أخرى أثرت بعمق في النسيج المصري المحلي. ويجادل بأن الفتح الإسلامي لمصر كان في الواقع شكلاً من أشكال الاستعمار تضمن الاستيطان وفرض ثقافة أجنبية.

لا يقتصر مفهوم القمني للتراث على مجرد ادعاءٍ بالتاريخ الوطني؛ بل إن تعريفه قائم على حججٍ وضعية. والمنهجية التي يقوم عليها تتأثر بشدة بأعمال المؤرخ السوري المتخصص في الأديان والأساطير القديمة، فراس السواح، ومؤلفات من مجالاتٍ كالفرويدية والبنيوية. وتستند افتراضات القمني النظرية على فكرة أن الناس يميلون بطبيعتهم إلى تفسير حياتهم ووجودهم. ويتجلى هذا الميل في اللغة والدين والأساطير، وكل تعبير ثقافي يُستخدم للحفاظ على بنى المعنى الخفية. وبهذا المعنى، يُنظر إلى تاريخ المنطقة على أنه متسق، قبل وبعد ظهور التوحيد.

يستخدم القمني هذه المنهجية لتفسير تاريخ الأديان في سياق الصراعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية على السلطة. ويسلط الضوء على العلاقات بين الأديان التوحيدية، والأساطير والتقاليد الوثنية ما قبل الإسلام وما قبل التوحيد. ويتأصل نهجه العلماني في تصوره القومي، الذي يفترض أن جزءًا من ثقافة مصر القديمة قد تحول ونجا من التوحيد والإسلام. ويتسم نهجه بالعقلانية، إذ يؤكد أن العقلانية تتجاوز تطور الأساطير والأديان وتحولاتها.

على عكس القوميين العرب، والإسلاميين اليساريين، والليبراليين مثل الجابري، وحسن حنفي، وزكي نجيب محمود، الذين سعوا إلى التأكيد على التقاليد العقلانية داخل الإسلام، وبالتالي إهمال أو تجاهل التقاليد الأخرى التي يعتبرونها غير عقلانية، يرى القمني أن فهم التاريخ دون عنصر الأساطير ليس دقيقًا ولا علميًا لأنه يتجاهل تأثير التقاليد الجاهلية على الإسلام. وينتقد هذه المناهج الانتقائية بحجة أن هؤلاء الكتاب يعتبرون الأسطورة خرافة، وقد أشار القمني إلى أن تجاهل دور الأسطورة في صياغة التوحيد يشوه التاريخ الوطني بفصل شعوب المنطقة عن تراثها الوطني.

في كتابه "رب الثورة"، أطروحته للدكتوراه التي نُشرت لاحقًا ككتاب، ركّز القمني حصريًا على التاريخ الفرعوني. وناقش تطور فكرة "الإيمان بالأبدية" في مصر القديمة. هذه الفكرة، وفقًا لتفسيره، هي نموذج أولي لمفهوم الإله الموحد ككيان أبدي ويفسر تطور هذا المفهوم في مصر القديمة كنتيجة للصراع الاجتماعي بين الطبقات الدنيا والعليا. هذا الصراع أدى إلى الثورة التي أنهت الأسرة السادسة ومثّلت ظهور آلهة جديدة تُعنى بمصالح عامة الشعب بدلاً من الأرستقراطية. من بين استنتاجات القمني الادعاء بأن الديانة المصرية القديمة كانت أول من أنتج فلسفة ما وراء الطبيعة، حتى قبل الإغريق، وأن العقيدة المصرية القديمة احتوت على فكرة الخلق كنتيجة للوغوس وقدمت نموذجًا أوليًا لفكرة الجنة والنار. بالإضافة إلى ذلك، كانت أفكار شائعة مثل الخلود، والبعث، والخلاص، وطقوس مثل المعمودية والحج قد تطورت بالفعل في مصر القديمة.

يُفصّل القمني هذه الحجج في كتابه "الأسطورة والتراث"، مُجادلاً بأن:ظهور التوحيد هو المرحلة الأخيرة في تطور الدين، الذي يبدأ بـ "طقوس مُخصصة للطبيعة، وعبادة الأجداد... والشرك وإله قومي" وينتهي بـ "الإله الكوني" . وانطلاقاً من هذا الافتراض، يستكشف القمني تحوّل الأساطير عبر الديانات الوثنية القديمة إلى اليهودية والمسيحية والإسلام. ومن بين الأفكار والطقوس المُتحولة العديدة التي يصفها: مفهوم المسيح أو النبي الملك؛ فكرة التضحية؛ قصة الطوفان؛ وقصة الخلق. خصص كتابه "قصة الخلق" (1994) لهذا الموضوع، مقارنًا بين الروايات الأوغاريتية والبابلية لقصة الخلق والروايات التوحيدية اللاحقة.

باستخدام هذا التفسير، يجادل القمني بأن جزءًا من التراث الإسلامي للشعب المصري ذو أصل أجنبي، ومستمد من القصص التوراتية. هذه القصص موروثة من ثقافات ما قبل العبرية، جمعها العبرانيون القدماء، وحرّفوها لتناسب دينهم القومي، ولتبرير احتلالهم وتأسيس مملكتهم.على سبيل المثال، تُفسَّر قصة قابيل وهابيل التوراتية، وفقًا لمنهجه، على أنها قصة تُظهر الله مُفضِّلًا العبرانيين الرحل (الذين يُمثِّلهم هابيل الراعي) على المصريين والكنعانيين والبابليين، وهم سكان المنطقة الزراعيون (الذين يُمثِّلهم قابيل).

انطلاقًا من هذا التصور للتاريخ القديم، يجادل القمني بأن القومية العربية والإسلام السياسي قد تبنّيا روايات عبرية أجنبية (الإسرائيلية) حول التاريخ الوطني لشعوب المنطقة هذه قدّمت الروايات الفرعونية والكنعانية وغير العبرية لشعوب المنطقة بصورة سلبية. وتم تصوير تاريخ المنطقة قبل العرب وقبل التوحيد كعصر من الهرطقة والهمجية. وقد تبنّت المسيحية والإسلام هذا التراث المشوّه وقامت القومية العربية والإسلام السياسي بإضفاء الطابع المؤسسي عليه. لذا، فإن تعريب أو أسلمة التراث يُعدّ بالضرورة تشويهاً تاريخياً للذاكرة الوطنية وللتراث الأصيل: "إن غياب الوعي الحقيقي بالتراث الأصيل، كنتيجة لغياب التوجه النقدي، هو الخطر الحقيقي الذي يُهدد هذه الأمة [مصر]... وهو أسوأ أنواع الاستعمار." هذا المفهوم هو الأطروحة الرئيسية التي استندت إليها أعمال القمني في التاريخ القديم. من منظور سياسي، تُفكك أعماله في هذا السياق القصص التوراتية من خلال تقديم روايات بديلة وعلمانية عن أنبياء اليهودية، المسيحية، ثم الإسلام لاحقًا، وبذلك أعاد بناء التاريخ الوطني لـمصر والدول المجاورة لها. وختامًا، فإن نقد القمني الليبرالي للتراث لا يقتصر على التاريخ العربي والإسلامي فحسب، بل يشمل أيضًا التاريخ القديم قبل العرب وقبل الإسلام.  يرتكز تصوره على منهج علماني يعتبر التعريفات العربية والإسلامية للتراث امتدادًا للتوحيد. ومن خلال توسيع النطاق الزمني للتراث، سعى القمني إلى تقديم خطاب سياسي بديل لكل من القومية العربية والإسلام السياسي. وتختتم الرسالة السياسية لأعماله التاريخية بالقول ان جميع روايات الأديان التوحيدية، بما فيها الإسلام، تؤكد في الواقع أسس الصهيونية. كان توحيد الخصوم الداخليين (القومية العربية والإسلام السياسي) والخصوم الخارجيين (الصهيونية) استراتيجيته الحاسمة. وفي هذا الصدد، شكّل رفض الدولة العرقية الدينية والتطلع إلى نموذج ديمقراطي ليبرالي نظرته إلى موضوعين أساسيين: الدين والهوية الجمعية.

***

......................

* محاضر اول في الجامعة العبرية في القدس.

الأحتراق النفسي.. مفهوم او متلازمة تمت صياغته من قبل عالم النفس الأمريكي "هربرت فريودنبرج" في السبعينات لوصف عواقب الإجهاد النفسي الشديد، وتلك التي يتعرض لها الأطباء والممرضات بسبب مساعدتهم للآخرين الذين نصفهم بأنهم (شموع تحترق من أجل الآخرين).

ولقد شاع هذا المفهوم في الصحة النفسية التي تدّرس في الجامعات ليشير الى:

 حالة من التعب والاحباط وهبوط الأداء الوظيفي ناجمة عن ضغط الجهد النفسي في العمل، أو من جراء التكريس لقضية معينة، او لطريقة معينة في الحياة، او لعلاقة معينة.. ولكنها تفشل في انتاج الغاية المطلوبة.

لفت اهتمام علماء النفس المتخصصين بالصحة النفسية بعد ان اصبح ظاهرة مؤسساتية أصابت عددا من العاملين في المؤسسات الصحية والتربوية والاجتماعية والعاملين في البنوك، فتحول هذا الاحتراق الى ما يسمى (سايكولوجيا المنشأت والمنظمات والمؤسسات).. وبينها ما حصل في العراق خلال العشرين سنة الأخيرة.

وتسأل عن اسباب الأصابة بهذا الأحتراق فنوجزها:

 التركيبة الشخصية للفرد الذي يكون واقعا" تحت تأثير اتجاهات فكرية ووظيفية غير واقعية، كأن يرسم لمستقبله اهدافا" لا يستطيع تحقيقها على مستوى الواقع فيصاب بخيبة امل واحباط تؤدي الى احتراقه نفسيا" وقد حصلت لكثير من الشباب الخريجين في السنوات العشرين.

 و حين تسود بيئة العمل التنافر والبغضاء والحسد وتلقط الاخطاء، واتباع الادارة اسلوبا" سلطويا" لا يحترم انسانية العاملين، وقد حصل ايضا لأن اختيار الأدارات في العراق لا يتم على أساس الكفاءة، بل الانتماءات الحزبية والولاءات.

غير أن أهم أسبابه:

 شعور الموظف بالحيف حين يرى ان ما يتقاضاه لا يساوي ما يبذله من جهد فكري وتعب جسمي، وهذا ما حصل للعراقيين في سنوات الحصار الثلاث عشرة العجاف.. فراتب المعلّمة - في سبيل المثال – كان لا يساوي ثمن حذاء لها. او حين يشعر الفرد الكفوء أنه مغيّب أو مهمّش، وأن من دونه كفاءة يأمر وينهي ويجلس على كرسي أكبر من حجمه بكثير كما هو حاصل الآن،حتى على صعيد الوزراء كما هو الحال في وزارات التربية والتعليم العالي والنقل.. وسبع اخرى!.

 أو حين يشعر أن الحال قد تردّى وصار على وصف الشاعر: (تمزقت حتى لم أجد فيك مرقعا) فيكفر بالقيم والوطن.

هل يحدث فجأة؟

لا يحدث الاحتراق النفسي فجأه بل يمر بمراحل:

 الاولى: مرحلة الحماس الوظيفي، وفيها يكون الموظف (طبيب، مدرّسة..) في قمة نشاطه الايجابي، مفعما" بالتفاؤل والتوقعات الكبيرة بانجاز اشياء متميزة في مجال اختصاصه. وغالبا" ما يرفض الفشل في عمله ولا يقبل الا بالانجاز الكامل.

 الا أنه بعد سنوات يدخل المرحلة الثانية: الركود.. وفيها تنخفض الطموحات ويدرك الموظف " الطبيب النفسي مثلا " انه محدود بالمتغيرات الموجودة في البيئة الطبية والاجتماعية التي يعيش فيها، وانه لن يستطيع ان يغير ما يريد بمحض ارادته وحماسه لفعل ما هو افضل، وان الأمراض النفسية صارت كالوباء، وأنها ستبقى موجودة مهما كانت براعته. 

 واذا لم يكن واقعيا" في نظرته المهنية، فانه ينحدر الى المرحلة الثالثة: الاحباط، وفيها يكتشف ان كل نظرياته الوردية السابقة اصبحت باهته لا لون لها، وانه محدود جدا" فيما يريد ان ينجز، وانه لن يغير ولن يستطيع ان يغير. وفي مرحلة الاحباط هذه ستظهر عليه اعراض نفسية وبدنية ناجمة عن الشعور بالانهاك والارهاق والالام البدنية. 

 اذا استمر هذا الحال فانه يدخل المرحلة الرابعة: التبلّد،وفيها يكون يائسا" من التغيير، تسيطر عليه حالة من عدم المبالاة والسخرية والتهكم من كل شخص يفكر تفكيرا" ايجابيا" بالتغيير او تحسين الاوضاع بالمؤسسة التي يعمل فيها، وكأن لسان حاله يقول لكل من يفكر بأشياء جديدة للتحديث: لا فائدة من ذلك لقد حاولنا قبلكم وفشلنا.

والتساؤل:

 ترى كم من العراقيين أصيبوا بالاحتراق النفسي على مدى أربعين عاما من احتراقات بكل الوان النار؟!. بل لك أن تقول: كم منهم لم يحترق نفسيا ومع ذلك ما يزال متعلقا بالحياة.. وبالوطن؟!

***

د. قاسم حسين صالح

مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية

تعقيباً على مقالة باسم الموسوي "نقد نقد الحكم الديني"

هذه قراءة نقدية في دراسة مطولة بعنوان "نقد نقد الحكم الديني" بقلم الباحث باسم الموسوي. ولأن هذه الدراسة مهمة ونوعية وعميقة بحثياً، ورغم إنني أختلف مع مضمونها جوهريا، فقد أوليتُها اهتماما خاصا وتوقفت تحليليا عند فقرات مهمة منها ضمن قراءة نقدية أولية سريعة. قراءتي النقدية هذه لن تشمل غالبية مكوناتها للأسف بسبب انشغالاتي الكتابية الراهنة، ولكني سأحاول أن أركز قراءتي على نقطة أو نقطتين مركزيتين في موضوع الحكم الديني والدولة الحديثة وموقف النقد العقلاني التحرري منهما. وستجدون رابطا يحيل إلى نص الدراسة الكامل بعد فقرات قراءتي فيها ولها:

مماثلة سلطة القداسة بسلطة العقل

يبدأ الباحث مقالته بالتشكيك في "تحررية" الأطروحة التأسيسية لنقد الحكم باسم الدين، معتبرا أن هذه الأطروحة الذاهبة إلى أن "ربط السلطة بالقداسة يؤدّي حتما إلى تعطيل المحاسبة، وإلى تحويل الدين إلى أيديولوجيا قمع، هو ربط افتراضي لم يُساءَل نقديا بما يكفي". الباحث وإنْ كان يعترف بوجاهة هذا النقد، ولكنه يعتقد أن الافتراض القائل بأن "نزع الدين من الحكم يفضي تلقائيا إلى سياسة عقلانية، محايدة، وغير قمعية هو نقطة ضعف النقد لا قوّته".

بكلمات أخرى، فالباحث هنا ينقل النقد من مستوى التعارض المفاهيمي بين حكم ديني مسلح بقداسته الخاصة وغير قابل للمساءلة والمحاسبة النقديتين ونهج نقدي عقلاني يريد حكم سياسي ملموس وخاضع للمساءلة والمحاسبة البشرية، ثم يأخذ على المنطق الناقد للحكم الديني أنه يفترض نقلة تلقائية نحو سياسة عقلانية محايدة وغير قمعية. هذه النقلة متوهَمة تماما ولم يقل بها أكثر الباحثين التأسسيين التحرريين مبالغة في مناهضة الحكم الديني. لنلاحظ أن الباحث يختلق منطقا عقلانيا مليئاً بالثقوب وعلى مقاسه الخاص ليسهل له نقده ودحضة لاحقا بسهولة. إذْ ليس هناك منطق نقدي عقلاني فعلي على أرض الواقع وفي التجربة التاريخية يقول بهذه النقلة التلقائية أو يعفي نفسه من النقدية العقلانية فلا يطبقها على نفسه. بمعنى؛ حتى إذا وُجد افتراضا، ما يشبه هذه النقلة التلقائية أو يماثلها أعراضاً، فهو- أي هذا المنطق - ليس بمنجاة من النقد العقلاني ذاته. وسجل تجارب الحكم التي يمكن وصفها على سبيل التعريف بالتحررية أي غير الدينية لم يقدم تجربة خالية من العيوب والأخطاء كهذه.

إن الباحث لا يجيب على سؤال مقابل محتمل يقول: هل أن نزع العقلانية والتحررية القائمة على المحاسبة والانتخاب الحر من الحكم، والأخذ بقواعد الحكم المقدس الديني غير القابل للمحاسبة، أفضت تلقائيا إلى سياسة عقلانية، محايدة، وغير قمعية في التجربة التاريخية؟ وهذا السؤال افتراضي ولا تاريخي وخالي من المضمون كسابقه. أليست النقدية العقلانية التحررية هي بمثابة ردة فعل على "لاعقلانية" الحكم باسم الدين أحيانا وباسم الطاغية الفرد اللاديني أحيانا أخرى، والذي يقوم جوهره كسلطة على خدعة مفادها إنه "حكم بشري فئوي أو طبقي أو فردي استبدادي تذرع بالنص الديني أو بقداسة الطاغية ليديم سلطته وقمعه"؟  هل الخلاف هو إذن بين جوهرين الأول ديني والثاني لا ديني، أم بين نموذجين للحكم؛ الأول تحرري والآخر استبدادي قد يكون ديني وقد لا يكون؟

فوكو والحداثة والمقدس

يستعين الباحث الموسوي بالفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو صاحب «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي» ومبتكر مصطلح «أركيولوجية المعرفة»، ومنتفعا معرفيا من مفهوم فوكو الذاهب إلى أن "السلطة لا تعمل فقط عبر القانون أو السيادة أو الخطاب الديني الصريح، بل عبر أنظمة معرفة تُنتج ما يُعتبر عقلانيا، طبيعيا، أو بديهيا. حين يُنتقد «الحكم باسم الدين»، ولا ينتقد في الوقت نفسه الحكم باسم العقل، أو باسم الأمن، أو باسم الدولة الحديثة، فإنه يُعاد إنتاج تراتبية معرفية تجعل من بعض أشكال السلطة غير مرئية، وبالتالي غير قابلة للنقد".

ورغم أن الموسوي لا يوثق اقتباساته هذه من فوكو أو غيره توثيقا أكاديميا ولكني سأتعامل معها على أساس الثقة البحثية وبافتراض إنها اقتباسات دقيقة ترجمةً و نقلا، وأقول: هنا يقع الباحث في التباس كبير فهو يعول على مقولة فوكو بعدم اشتغال السلطة - السلطة عموما هنا - عبر القانون أو السيادة ثم يضيف إليهما "أو الحكم الديني" وليس ثمة مساواة في الماهية هنا، دع عنك أن فوكو يريد الافتراض إن الأنظمة المعرفية في كل سلطة سواء كانت دينية أو غير دينية تفعل فعلها في جعل "بعض أشكال السلطة غير مرئية، وبالتالي غير قابلة للنقد"، وهذا الافتراض سواء صحَّ أم لم يصح هو خارج نطاق دفاع أو تبرير الحكم الديني. أما في الفقرة التالية التي يقول فيها الباحث – الموسوي – إن فوكو يظهر "أن الحداثة لم تلغِ المقدس بل أعادت توزيعه فالدولة الحديثة لا تحكم باسم الله، لكنها تحكم باسم مفاهيم لا تقلّ إطلاقية: النظام، الصحة العامة، الأمن القومي، التنمية، المصلحة العامة. هذه المفاهيم لا تُطرَح بوصفها خيارات سياسية قابلة للنقاش، بل بوصفها ضرورات لا بدّ منها. وبهذا المعنى، فإن نقد «القداسة الدينية» من دون نقد قداسة الدولة الحديثة يظلّ نقدًا انتقائيًا".

أما هذه الفقرة، فالتساؤل الكاشف هو؛ لكن من قال "إن هذه المفاهيم حول النظام، الصحة العامة، الأمن القومي، التنمية، المصلحة العامة لا تُطرَح بوصفها خيارات سياسية قابلة للنقاش بل بوصفها ضرورات لا بد منها"، هل هو فوكو أم الموسوي استنباطاً، ونسبها القائل إلى مناهضي الدولة الدينية والحداثيين؟ وكيف يستقيم هذا القول والمفاهيم الحداثية ذاتها ومنذ بداياتها قائمة على الجوهر النقدي الذي لا تستثني شيئا من نيران نقده؟

التجربتان الدينية واللادينية تاريخيتان

والحال، فهذا الكلام في المحصلة الأخيرة لا يعني شيئاً على صعيد الوقائع والمفاهيم؛ فلا هو جعل الحكم الديني أكثر عقلانية ولا هو دحض عقلانية الحكم اللاديني. فالثابت أن كلا التجربتين في الحكم - الديني وغير الديني - كانتا بشريتين تاريخيتين، وكانتا موضوعا للنقد العقلاني. وبمقدار ما تحصنت كل تجربة في تطبيقاتها وإفرازاتها المؤسساتية بما هو عقلاني وإيجابي بمقدار ما صمدت أمام نقد العقل. إن مفهوم الحداثة على غموض ماهيته وتعقيدها، يتداخل بشكل عميق مع التجارب البشرية في الحكم مع الجوهر والنزعات العقلانية التي قد يفرضها الواقع أو قد تأتي نتيجة اجتهادات عبقرية لقيادات فلسفية وسياسية خاصة في ظروف تاريخية خاصة. وعلى هذا سيكون قول الموسوي "إن نقد «القداسة الدينية» من دون نقد قداسة الدولة الحديثة يظلّ نقدًا انتقائيًا" قولا نافلا وقليل الحصيلة المضمونية طالما إنَّ أحدا لم يحصن الدولة الحديثة ضد النقد العقلاني ولكن ما يريدون تحصينه واعتبارها مقدسا لا بشريا وغير قابل للنقد أو المحاسبة هو الدولة الدينية. أما محاولة إضفاء طابع شبه مقدس على الدولة الحديثية فلن تكون طريقة غير منتجة في الهجاء الفكري.

يتكرر هذا الخطأ المنهجي في قول الباحث إن "الأخطر من ذلك أن النقد يفترض نموذجا معياريا للدولة، غالبا ما يكون مستمدا ضمنيا من التجربة الأوروبية، ثم يقيس عليه تجارب غير أوروبية بوصفها انحرافات. "..." وفق هذا المنظور، لا يكون «الحكم باسم الدين» مجرد خطأ فكري داخلي في المجتمعات الإسلامية، بل نتيجة احتكاك عنيف بين أنماط حكم محلية وتشكّلات دولة حديثة فُرضت عبر الاستعمار أو ما بعده. إنّ نقد الدين بوصفه عائقا أمام الحداثة السياسية يتجاهل أن الدولة الحديثة نفسها دخلت هذه المجتمعات كجهاز قهر، لا كعقد اجتماعي". لدى تفحص هذه الفقرة نرى إنها تمارس لعبة اختلاق المشكلة والمشهد برمته لتفتي فيه وتفسره بشروطها "وبراحتها" فهي تفترض "وجود نموذج معياري للدولة، غالباً ما يكون مستمدًا ضمنيًا من التجربة الأوروبية"، ومعلوم إن نموذجا معياريا كهذا لا وجود له إلا في ذهن الباحث والذين يشاركونه نظرته الأيديولوجية للتجارب الإنسانية التأريخية ومنها التجربة الأوروبية. ففي أوروبا الغربية ذاتها لم تهبط الدولة الحديثة كاملة منجزة من السماء بل عبرت تضاريسها التاريخية الخاصة وخاضت في برك ومستنقعات دماء الحروب الأهلية والإقليمية حتى وصلت إلى ما وصلت إليه. وهي ما تزال تشكو من نقائص ونقاط ضعف كثيرة بل وقد زادت هي ذاتها وأفرزت في التطبيق نقاط ضعف وخلل أخرى جديدة وانحيازات طبقية مدمرة للطبيعة والإنسان.

الثقافة الحديثة والأخرى الغربية

إن سبب هذا الخلل المنهجي لدى الباحث هو خلطه بين ما هو أوروبي غربي وما هو إنساني مفتوح وتراكمي حديث. فالتجربة الإنسانية الحديثة هي عنده نفسها الأوروبية الغربية وهذا جهل خطر بالوقائع. صحيح أن حصة أوروبا وأوروبا الغربية تحديدا من الثقافة الإنسانية الحديثة كانت حاسمة لأسباب تاريخية قطعا، ولكنها لم تكن أوروبية فقط في المنشأ والسيرورة والمآل بل شاركت فيها البشرية جمعاء. والأوروبيون أنفسهم على سبيل المثال لا يخجلون ولا يخفون إسهامات الفيلسوف العقلاني العربي المسلم ابن رشد "آفيروس" في نهضتهم وصعود تجربتهم العقلانية في الحكم كما في الفلسفة والثقافة عموما، سواء في عصر النهضة (Renaissance) التي امتدت بين القرنين الرابع عشر والسادس عشر في إيطاليا ثم شملت أوروبا الغربية التي كانت غارقة في الظلام، أو في عصر التنوير "عصر العقل" الذي أشرق على عالم الأفكار في القارة الأوروبية خلال القرن الثامن عشر.

كما أن من المعروف على نطاق واسع ان نهضة اليابان الآسيوية الحديثة بدأت قبل مشاركتها في الحروب الأوروبية "العالمية بقرن تقريباً، وتحديدا منذ إصلاحات ميجي (Meiji Restoration) عام 1868 التي أنهت حكم الإقطاع الشوغوني الذي دام لعدة قرون، وحولت البلاد من دولة معزولة إلى قوة صناعية عالمية. وفي فترة مقاربة، وقبل اليابان بعقود قليلة شهدت السلطنة العثمانية محاولة إصلاحات تحديثية جريئة عرفت بعصر التنظيمات (1839م). العسكرية والإدارية والقانونية شملت تنظيم مؤسسات الحكم، تعديل الضرائب (إلغاء الجزية)، وإلغاء نظام الحكم الفردي المطلق، واجتماعية كضمان وتحسين حقوق غير المسلمين. ورغم تحقيق العثمانيين نجاحات في التحديث، إلا أن تجربتهم واجهت صعوبات في تحديث الإمبراطورية ككل، واستمرت محاولات الإصلاح حتى نهاياتهم لأن الوقت كان قد تأخر كثيرا على هذه الإصلاحات.

كل هذا يكشف تعسف النظرة التبسيطية والأيديولوجية الإسلامية أو القومية للتطورات الحضارية للعالم ككل ولأوروبا بشكل خاص. أضف إلى ذلك أن النظر إلى الصدام بين الشرق الإسلامي والغرب الاستعماري حديث زمنيا نسبيا ولم يتبق منه سوى شطره المتعلق بدعم الغرب للكيان الصهيوني الإبادي السائر إلى الزوال بفعل تناقضاته وطبيعته اللاعقلانية والعنصرية الخرافية أما اعتبار العلمانية عدوانا غربيا يريد القضاء على تجربة الحكم الديني في الشرق، فهو كلام لا يمت بصلة لمنهجية البحث العلمي ومكانة ليس هنا بل قراءة هذا الصدام في ميادين الصراع الطبقي على المستوى العالمي آنذاك.

مرة أخرى يلجأ الباحث الموسوي إلى باحث غربي مشهور بنظريته التأسيسية للمنهج التفكيكي والمعروف بـ "فيلسوف اللغة" هو جاك دريدا فيكتب ويقتبس من دون توثيق كالعادة: "تقوم إحدى الركائز الصامتة في نقد الحكم باسم الدين على افتراض أن الخلل الجوهري يكمن في استمداد الشرعية من مصدر متعالٍ، وأن الخلاص يتحقّق حين تُعاد الشرعية إلى القانون الوضعي والإرادة البشرية. غير أن هذا الانتقال، الذي يبدو بديهيًا في الخطاب الحداثي، يغفل سؤالًا أكثر إزعاجًا: من أين يستمدّ القانون نفسه شرعيته؟ وهل القانون، حين يقطع صلته بالمقدّس، يتحوّل فعلًا إلى فضاء عقلاني خالص، أم إلى شكل آخر من العنف المؤسِّس"؟ إن الإجابة على هذا السؤال أكثر من سهلة فإذا كان الحكم الديني يستمد شرعيته من نص مقدس متعال غير قابل للنقد والمحايثة والمحاسبة فإن حكم الدولة الحديثة يستمد شرعيته من المحكومين الذين يختارون حكامهم بحرية مع حقهم في نقد تجربتهم وتعديلها جزئيا أو كليا وإلى درجة إبطالها وإعادة كتابة دستورهم من جديد. أما الاستعانة بفكر جاك دريدا لتفكيك ما يسميه "هذا الاطمئنان" فهو شأن آخر، إذ أن دريدا الذي "يبيّن أن كل قانون يستند في لحظة تأسيسه إلى عنف لا يمكن تبريره قانونيا" كما يكتب الموسوي، لا يستثني من تحليله هذا النموذج في الحكم أو ذاك بل يتكلم بعمومية عن ميكانزمات تفاعل الشرعيات في التاريخ، وهي لا تفيد الباحث المدافع عن الحكم الديني مثلما هي لا تفيد غيره، لأنها تفكك وتحلل التجربة البشرية في الحكم أيا كان، ويفسر القانون أيا كان فلا يكون القانون - الديني او غير الديني - نقيضا للعنف، بل مؤجِّلًا له، منظِّمًا إياه، ومخفيًا مصدره". وحين يقول الباحث "يبدو أن النقد يتوجّه إلى «التشريع الإلهي» لأنه يغلِق باب النقاش، لكنه لا ينتقد بالقدر نفسه تحوّل القانون الوضعي إلى أفق نهائي لا يُساءَل الدساتير، والأنظمة، وحدود السيادة، كثيرًا ما تُعامَل بوصفها خطوطًا حمراء، لا لأنها عادلة دائمًا، بل لأنها شرط الاستقرار"، فهو يقفز على حقيقة مهمة هنا وهي أن الدساتير والأنظمة والقوانين في الدولة الحديثة لا تعتبر خطوطا حمراء لأنها "مقدسة علمانيا" كما قد يوحي كلامه، بل هي مما يجوز ويجب نقدها والاعتراض عليها وتعديلها بالأغلبية التصويتية، بعكس دساتير وأنظمة قوانين الدولة الدينية المقدسة.

لغة تصالحية بناءة

في الجزء الأخير من نصه الطويل هذا يميل الباحث إلى لغة تصالحية وبناءة يحاول من خلالها مقاربة خط ثالثٍ ينأى عن دعاة الدولة الحديثة العلمانية المتطرفة وعن الدولة الدينية القمعية فيكتب: "لا يعني هذا الدفاع عن إدخال الدين إلى الحكم، ولا إنكار مخاطر التوظيف الديني للسلطة، بل يعني أن نقد هذا التوظيف لا يكتمل إلا بنقد موازٍ للعلمنة حين تتحوّل إلى لغة تفوّق رمزي. فالدولة التي تُقصي الدين باسم الحرية قد تُقصي، في الوقت نفسه، فئات كاملة من المشاركة السياسية، لأنها لا تتكلّم اللغة الصحيحة للحداثة". وهذا كلام سليم يمكن البناء عليه سيما وأن تجارب الدولة الحديثة فعلت ذلك في خضم تطورها التأريخي ولكنها لم تنجح في الخروج من انحيازها ودورها الطبقي لمصلحة الطبقة السائدة والمهينة أيا كان مستوى تطور المجتمع موضوع البحث. ويقترب الباحث مزيدا من الاقتراب من المنهج الموضوعي المرتجى حين يكتب: "هكذا، يتّضح أن السؤال ليس: هل نريد دولة دينية أم دولة علمانية؟ بل: أيّ علمنة، وأيّ دولة، وأيّ تعريف للحرية؟ من دون هذا التفكيك، يبقى نقد الحكم باسم الدين نقدا ناقصا، لأنه يستبدل شكلًا من أشكال الهيمنة بشكل آخر، ويكتفي بتغيير مفردات السلطة من دون مساءلة بنيتها".

وأعتقد أن الاستنتاج الأخير يمكن أن يشكل أرضية مفاهيمية مناسبة لبحث تجديدي وتقدمي في مقاربة موضوع نموذج الدولة الحديثة المراد من وجهة نظر تحررية وحداثية لا تهمش وتشطب على التجارب الثقافية والروحية لأي شعب من شعوب العالم.

***

علاء اللامي - كاتب عراقي

...........................

*رابط يحيل إلى النص الكامل للدراسة: نقد نقد الحكم باسم الدين بقلم: باسم الموسوي

https://www.al-akhbar.com/topics-opinions/875480/

تخيل نفسك في عالم يعج بالتحديات والأزمات، عالم تتقاطع فيه الضغوط الاقتصادية مع الاضطرابات الاجتماعية والشخصية، وتتشابك فيه وتتلاقى المخاوف الأمنية مع القلق النفسي والوظيفي. في هذا الواقع المضطرب، لا يعود الإنسان مهدداً فقط في استقراره المادي، بل في توازنه الداخلي وهويته وصورته الذاتية وكيانه الاجتماعي. تتحول الحياة اليومية إلى ما يشبه “الأتون” الذي يصهر المشاعر والأفكار، ويجعل الفرد يعيش في بوتقة من التوتر المستمر والقلق الدائم، يفقد فيها الإحساس بالأمان، ويبتعد رويداً رويداً عن ذاته وعن الآخرين من حوله وكأنه في عالم لا يتعرف به على أحد.

في مثل هذا السياق، يظهر أثر الأزمات ليس فقط في القرارات الكبرى، بل في التفاصيل الصغيرة التي لا تكاد يدركها إلا من يعيش بقربها ومعها: في نبرة الصوت داخل البيت، في نظرة المدير لموظفيه، في صبر المعلم على طلابه وإنسجامه مع زملائه ومسؤوليه، وفي قدرة الأب أو الأم على الإصغاء لأبنائهم بعد يوم طويل من القلق والتعب. هنا يبدأ الإنسان بالشعور وكأنه يدور في دائرة مغلقة لا نهاية لها، تشبه الرحى التي تطحن القمح بلا توقف، فلا يرى نهاية واضحة لمعاناته ولا أفقاً قريباً للخلاص أو الشعور بالراحة.

الإنسان بين الضغط والانفصال عن الذات

حين تتراكم الضغوط دون مساحات للتفريغ والتعبير عن الأراء والمشاعر وغياب مساحات للتفهم والفهم والتعاطف والدعم، يدخل الإنسان في حالة من الانفصال النفسي والذهني. يصبح حاضراً بجسده وغائباً بإحساسه ومشاعره، يؤدي واجباته اليومية كأنها مهام آلية، بلا شغف أو معنى حقيقي للمهمات واليوميات التي يعيشها. هذا الانفصال لا يظهر فجأة، بل يتسلل تدريجياً: يبدأ بضعف وقلة للتركيز، ثم ببرود المشاعر وفقدان الأمل في الحاضر والمستقبل، ليس فقط لنفسه، بل لأبنائه وزملائه ومن يعمل معهم ويعيش بجوارهم ضمن دائرته الاجتماعية والمجتمعية.

في بيئة العمل، قد نرى هذا الانفصال في موظف كان يوماً مبادراً ومبدعاً، ثم أصبح يكتفي بأداء الحد الأدنى من المطلوب. لم يعد يقترح أفكاراً، ولا يشارك في النقاشات، ولا يشعر بأن صوته مسموع أو أن جهده مقدر ومعترف به. هذا الموظف لا يعاني فقط من ضغط العمل، بل من فقدان المعنى في ما يقوم به.

أما في الحياة الأسرية، فقد يظهر هذا الانفصال في أب أو أم يعودان إلى المنزل مثقلين بالتعب والهموم، فيجد الأبناء أمامهم وجوهاً متعبة، صامتة، تفتقر إلى الدفء والاحتواء. ومع مرور الوقت، يتعلم الأبناء بدورهم أن يكبتوا مشاعرهم، وأن يتعاملوا مع القلق كجزء طبيعي من الحياة، دون أن يجدوا نموذجاً حياً للصبر أو الأمل أو التوازن.

البحث عن “الملجأ الآمن”

في خضم هذا الواقع، يبدأ الإنسان بالبحث عن ملجأ نفسي، عن مساحة يشعر فيها بالاستقرار والطمأنينة، حتى لو كانت صغيرة ومؤقتة. قد يكون هذا الملجأ في ابتسامة صادقة تخرج من القلب، كلمة طيبة من زميل، أو في لحظة صمت وتأمل، أو في إنجاز بسيط يشعره بأنه ما زال قادراً على العطاء والتأثير.

في إحدى بيئات العمل التي تعاني من ضغط شديد بسبب الأزمات الاقتصادية، قرر مدير فريق أن يبدأ كل اجتماع أسبوعي بدقائق قليلة لما سماه “دائرة الأمان”. يطلب من كل موظف أن يشارك بشيء إيجابي حدث معه أو أنجزه خلال الأسبوع، مهما كان بسيطاً. في البداية، بدا الأمر غريباً ومستهجناً وغير عملي للبعض، لكن مع الوقت، تحولت هذه الدقائق إلى مساحة إنسانية اشعرت الفريق وأعادتهم فهمهم لأنفسهم ودورهم الإيجابي بأنهم ليسوا مجرد أرقام أو مهام جامدة، بل بشر يحملون قصص نجاح ومشاعر وتجارب ثرية.

وفي الحياة اليومية، قد نجد هذا الملجأ في أسرة تقرر أن تخصص وقتاً ثابتاً يومياً للجلوس معاً دون هواتف أو شاشات، يتحدثون فيه عن يومهم، عن مخاوفهم، وعن أحلامهم وآمالهم حتى لو كانت صغيرة. هذا الوقت، رغم بساطته، قدم معنى مهم واصبح يمثل حصناً نفسياً منيعاً يخفف من حدة الضغوط ويعيد بناء جسور الثقة والتواصل الفعال مع المجتمع الذي يحيط بهم ويعيشون في كنفه.

من الدائرة المغلقة إلى المسار الواعي

الخروج من “الدائرة المغلقة” للأزمات لا يكون غالباً بحلول سريعة أو شعارات كبيرة، بل بخطوات واعية ومتدرجة تعيد للإنسان إحساسه بالسيطرة والمعنى. أول هذه الخطوات هو الاعتراف بالمشاعر بدل إنكارها وكبتها. فالقوة الحقيقية لا تكمن في تجاهل الألم، بل في فهمه والتعامل معه بوعي وادراك.

الخطوة الثانية هي إعادة ربط الفرد بقيمه ومبادئه الأساسية: ما هي رؤيتهورسالته وغاياته؟ لماذا وكيف يعمل؟ ماذا يريد أن يزرع وينمي في أبنائه؟ ما الأثر الذي يتمنى أن يتركه في مجتمعه؟ حين تعود هذه الأسئلة إلى الواجهة، يتحول العمل من مجرد عبء وهم إلى رسالة وأهدف سامية وجليلة، وتتحول الحياة من سلسلة أزمات إلى مسار تعلم ونمو.

أما الخطوة الثالثة، فهي بناء شبكات دعم إنسانية، سواء في الأسرة أو في بيئة العمل أو في المجتمع. الإنسان بطبيعته كائن اجتماعي من الصعب أن يعيش بمعزل عن غيره، وقوته تتضاعف حين يشعر أنه ليس وحده في مواجهة التحديات، بل هناك من يعيش معاناة ويدعمه ويسانده.

الأمل كفعل يومي

الأمل ليس شعوراً عابراً أو ترفاً تقال كلماته في زمن الرخاء والدعة، بل حياة وممارسة يومية. هو قرار يتخذه الإنسان كل صباح بأن يبحث عن معنى وقيمة لحياته ومهماته، مهما كانت الظروف قاسية ومؤلمة. في المدرسة، قد يكون الأمل في معلم يرى في طلابه طاقات مستقبلية رغم ضعف الإمكانيات التي يمتلكونها. في العمل، قد يختار القائد الإنصاف والتقدير بدل القسوة والضغط. وفي البيت، قد يكون مهمة الوالدين التنمية في أبنائهم قيم الصبر والانضباط والرحمة بدل الخوف والتشاؤم والعيش في مربع الألم والشكوى والسوداوية.

في عالم يعج بالأزمات، لا يكون الخروج من الأتون المؤلم هروباً من الواقع، بل إعادة بناء العلاقة معه وتكييفه. أن نتعلم كيف نقف في قلب العاصفة دون أن نفقد إنسانيتنا وحضورنا ودورنا، وكيف نحول الضغوط إلى وعي، والخوف إلى حذر إيجابي، والتحديات إلى فرص للنمو والترقي.

خاتمة: استعادة الإنسان في قلب الأزمة

في النهاية، قد لا نستطيع تغيير العالم من حولنا بسرعة، لكننا نستطيع أن نغير الطريقة التي نعيش بها داخله. حين يستعيد الإنسان علاقته بربه وعلاقته معه ارتباطاً روحياً قوياً على مستوى التعبد له والصلة والدعاء والتقرب به وتعميق فهم الذات واستثمار قوتها وما تمتلكه كمن نقاط إيجابية ومضيئة، ويجد ملجأه في قيمه وفهمه وأفكاره ومشاعره النبيلة، ويحيط نفسه بدوائر دعم إنسانية، يتحول الأتون من نار تحرق إلى نار تنضج وتشكل وتمنح معنى قوي لمهمته ودوره.

وهكذا، يصبح الخروج من الدائرة المغلقة ليس نهاية للأزمة، بل بداية لمسار جديد من الوعي، يحمل فيه الإنسان نفسه ومن حوله نحو مساحة أوسع من الطمأنينة والاتزان والأمل.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

31-1-2026 

لم يهمل حكماء الحضارة الإسلامية تحليل أقوال الأدعياء والمتعالمين الكاذبة التي لم تؤثر في فساد العقيدة عند ذيوعها في الجمهور فحسب، بل أصابت بعض خواص المتعلمين، وحفنة من العارفين، وعصبة من الحكام، وجل قادة الرأي وصنّاع الرأي العام أيضًا.

وقد ترتب على هاتيك الادعاءات وجود مجالًا فسيحًا للاجتراء والتجديف وتزوير الأحداث والزج بالعديد من المصطلحات العلميّة في غير موضعها.

فقد ذهب بعضهم إلى الدَّس في الحديث الشريف، والشطح في تأويل آيات القرآن الكريم، واختلاق المواقف التي تسيء إلى سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم وقادة الرأي من علماء التراث الإسلامي؛ الأمر الذي دفع حكماء الإسلام إلى وضع مناهج نقدية تقوم بمهمة الغرابيل العقليّة الواعية لتنقية التاريخ الإسلامي الذي تأثر بالكثير من الادعاءات والشائعات التي باتت مع مرور الوقت جزءًا لا يتجزأ من موروثهم العقدي والثقافي الذي أصاب العادات والتقاليد، والتربية، والسياسة، والتعليم، والحياة اليومية في الثقافة الإسلامية، ومازال.

ويمكننا إيجاز نهج علماء الحديث الشريف في القواعد التي وضعوها لتخليص ثقافة المسلمين من هذه الآفة، تلك القواعد التي استنوها للتحري والتقصي في الطلب والجمع والتدوين، ثم الذيوع والاحتجاج بالصحيح منها على دونها، وأولى هذه الشروط والقواعد: التأدب والإخلاص في البحث عن الأصدق والأعلم والأتقن في الرواية.

فلا يقبل الحديث من الكذوب أو المشكوك في أخلاقه وعلمه، ثم عرض الرواية التي تلقاها على مائدة النقد قبل تدوينها، بادئاً بالقرآن الكريم لمقابلة مضمونها بما جاء في الذكر الحكيم، وإذا لم يجد سياقها فيلجأ إلى العقل ويجعل المقصد الإلهي هو معيار قبول تلك الرواية من عدمه، ثم الالتزام بدقة النقل لفظًا ومعنى ودلالة، وذلك لحفظ النص من التجديف أو التحريف مع ذكر أسماء الرواة الذين تلقى عنهم. على ألا يصح لجامع الحديث أن يدلي برأيه إلا بعد اكتساب خبرة الممارسة في التحري والجمع ثم تحصيل المعارف التاريخية التي تمكنه من الحكم على صحة الرواية، والدراية بحيثيات موضوعها.

كما أكدوا أنه لا ينبغي على من يشرع في تدوين الحديث أن يضيق بشكوك أو نقود غيره من العلماء الذين لهم باعٌ أكبر في هذا الموضوع، ذلك فضلًا عن حرصه على مراجعة المصنفات التي وضعها سابقوه من جُمَّاع الحديث؛ الأمر الذي يقطع بأن هذه القواعد اجتهادية عقلية تخضع بطبيعتها لدرجات الإصابة والخطأ.

وحسبنا أن نشير إلى اجتهادات علماء الحديث الذين حرصوا على وضع مصنفات لتنقية الحديث وضبطه وذلك بقدر معارفهم وتصوراتهم ومعاييرهم للحكم على الروايات ومضمونها فذكروا أسباب رد الحديث أو ضعفه أو تكذيبه أو الاضطراب في سنده ومتنه، أو الحكم بجودته أو استحسانه، أو الإسناد الصحيح، والأصح متنًا.

ولم يتحرَّج علماء الحديث من التصريح بأن كتب جُمّاع الحديث لا تخلو من البدع أي (ما أدخل في الدين مخالفًا للقرآن أو السُّنة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) أو ما يناقض ظاهر الرواية أو مضمونها أيًا من المقاصد الشرعية التي اتفق علماء الأمة على صحّة استنباطها من أصول العقيدة.

وتجدر بنا الإشارة إلى باكورة إرهاصات البحث التاريخي عند المسلمين، وذلك لإثبات: أن علم الرواية والدّراية، والجرح والتعديل، وغير ذلك من غرابيل حكماء الإسلام النقديّة؛ لتنقية السيرة النبويّة والأحاديث من الأكاذيب والإفك والضلالات.

لم يكن هذا النهج محاكيًا أو دخيلًا على الفكر الإسلامي؛ فقد فطن علماء الإسلام إلى أهمية تدوين التاريخ منذ القرون الأولى للهجرة،  ومن أهم المصنفات التي ظهرت في ذلك الفن كتاب " التاريخ" لعوانه بن الحكم (ت 764 م)، وهشام بن محمد بن السائب الكلبي (ت 819 م) ثم كتاب " تاريخ البخاري" لمحمد بن إسماعيل البخاري (ت 870 م) الذي يختص بتتبع المرويات التاريخية وأصحابها، وكتاب " الطبقات الكبرى" لمحمد بن سعد البغدادي (ت 845 م)، وهو من أوائل كتب السيرة النبويّة.

أمّا أولى المصنفات العربية المعنية بالنقد التاريخي للأخبار الشفهيّة، لتخلصيها من البدع والخرافات والأكاذيب هي التي عرفت بالعبر ونذكر منها: كتاب "الأمثلة للدول المقبلة" لمحمد بن عبدالله المسبحي (ت 1038 م) وكتاب " مرآة الجنان وعبرة اليقظان في معرفة ما يعتبر من حوادث الزمان"؛ لعبدالله بن أسعد اليافعي (ت 1367 م)، وأخيرًا كتاب "العبر وديوان المبتدأ والخبر" لعبد الرحمن بن خلدون (ت 1406 م) الذي يعد بحق الرائد الأول لفلسفة التاريخ وعلم الاجتماع والنقض الحضاري في الثقافة العربية الإسلامية.     

لذا نجد ابن خلدون يثير قضية من أخطر القضايا التي لم نفلح في أن نبرأ من مآلاتها في ثقافتنا المعاصرة ألا وهي الكذب في الإعلام، وتزييف الأخبار، وتزوير الوقائع، والدَّس في الشرائع، فذهب في معرض حديثه عن الفلسفة العمليّة ومباحثها الأخلاقية والتربوية والسياسية والتعليمية إلى التحذير من الكذب في الرواية، وإذاعت الخبر بين الناس، والترويج للشائعات، وتأكيده على أن الجهل والتعصب متفشي بين العوام.

وبيّن أن الثقة المفرطة في أحاديث المشاهير من الرواة لا تضلل الجمهور فحسب بل أهل الرأي والسلاطين أيضًا، وأن المداهنة والتملق مثل فحيح الأفاعي فهو يدفع إلى الجنوح عن المقصد والعجز عن تقدير مآلات الخبر وتوابعه وعواقبه ذلك فضلًا عن التعلق بالأوهام والولع بالغرائب، وسيما بين حديثي السن ومحدودي التجارب.

وحسبنا أن نختم حديثنا في هذا السياق بآراء عبدالرؤوف المناوي     (ت1621 م) وذلك لأنه يقطع بصحة ما أوردناه عن صفات البنية الأخلاقية العمليّة في فلسفة حكماء الإسلام التطبيقية وأصولها القرآنية وحرصها على ربط الواقع المتحول بالمقصد الشرعي الثابت الذي لا يتبدل فها هو يقول عن مهام الحاكم (إن من وظيفة الحاكم حفظ الدين ودفع شبهات الزائغين الكاذبين، وزجر الغواة والمجترئين والمبتدعين في أصول العقيدة وذلك لأن الإهمال في ردعه وتقويمه يشكك الناس فيما يعتقدون من صحيح الدين ويثير الفتن ....، فإذا رسخت البدع والأضاليل في الصدور ولحقت بالعقول أفضت إلى عظائم الأمور، ومن خرج من المبتدعة عن الطاعة تدارك أمره حسب الاستطاعة، ولا يجوز للحاكم قتل من اتهم بالزندقة زورًا، وإن ظهرت عليه مخايلها ما لم يثبت عليه ما يوجب الكفر الصريح، بل إمهاله ومراجعته أسوة بالمصطفي صلى الله عليه وسلم الذي كان يدارى المنافقين مع تواتر الوحي بذكر نفاقهم وشقاقهم).

أمّا اختلاف العلماء في الأحكام، فلا يعد بدعًا أو كذبًا بل هو باب من أبواب الاجتهاد، فلا يجوز التعرض إليهم أو الاعتراض على اجتهاداتهم فيما يتنازعون فيه من تفاصيل الأحكام، كما ليس للحاكم أو السلطان أن يحملهم أو يكرههم على مذهب ارتضوه أو نحلة رفضوها، فإنّ ذلك لا يصدر إلا عن معاند.

تلك كانت صورة عامة لموقف حكماء الحضارة الإسلامية فقهاء ومتكلمين وفلاسفة من ظاهرة الكذب ومشتقاته، أما الصوفية فلهم منطق خاص لا تفلح فيه الغرابيل العقلية الناقدة التي لا تقوى على مراجعة مشاهدات أرباب الأحوال والمقامات ولا تحليل أقوال الفانين الماحين المستورة في القلوب والسرائر، ولا قراءة تنبؤاتهم أو الحكم على كراماتهم بالصدق أو البهتان، ولما لا ..؟

وقد أجمع الفلاسفة أن الإحجام عن محاورة أو محاججة أصحاب البصائر من العارفين هو الأسلم حتى لا يخوض العقل فيما يجهل، ويفصل في قضايا ذوقية لا يدركها سوى الواصلين ومع ذلك فأننا نعيب على أدعياء هذا الميدان ومنتحليه والمتشبهين بأصحابه الذين يقولون ويفعلون ما لا يقبله صحيح الدين ويقع في دائرة البدع المستهجنة.       

 وإذا ما حاولنا قراءة موقف حكماء الإسلام من ظاهرة الكذب قراءة فلسفية فسوف يتبيّن لنا: أن جميعهم تناول موضوع الكذب تناولًا عقليًا منطقيًا يحوي التفسير والتبرير ووحدة المعايير التي هي أقرب إلى النسقية المترابطة منه إلى السياقية المفككة في مبحثي المعرفة والقيم؛ إذ عرفوا الكذب بأنه نوع وعرض لجنس الشر في مفهومه وجعلوا أشكاله من (مداراة، تضليل، مداهنة، خيانة، اجتراء، تجديف، تزوير، خداع ....) ما صدقات له.

أمّا في معالجتهم للبنية الأخلاقية للشر من الزاوية العملية فقد نظروا إليه باعتباره آفة حاقت بالأنفس العاقلة ورذيلة أفسدت الأخلاق النقية فلم يرجع ذلك التقييم إلى حكم موروث أو إلزام وضعي أو محاكاة لنظرية فلسفية سابقة بل استمدوا ثوابته من بنية أخلاقية تستند إلى بديهية راشدة تشتمل في تكوينها على وعي ودراية بمفهوم الكذب باعتباره رذيلة مناقضة للصدق والحق والواقع، تحوي في أغراضها المنفعة الخاصّة والإفساد المبرر وهدم للثوابت الإنسانية القائمة على الاستعداد الفطري لفعل الخير.

وقد تميزت تلك البنية العاقلة التي انتصرت لفضيلة الصدق وحاربت الكذب بكل أشكاله بثبات ومرونة وحريّة إرادة في التطبيق، الأمر الذي جعلها ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالمنظومة القيمية القرآنية التي حملت على الكذب، وجعلته مرادفًا لصوت الشيطان المحرض دومًا على شتى الرذائل والمفاسد، ولعل هذه الرابطة سبقت في ذلك ما دعت إليه (فلسفة العلو المعاصرة) التي نادى بها الفيلسوف المتصوف الألماني فولفانج شتروفه     ( 1917 م: 2011 م) في الاخلاق العمليّة؛ إذ ذهب في نظريته الثيوصوفية ( theosophy ) إلى أن الانسان الواعي إذا كان في مقدوره إدراك مادية الواقع وميله إلى الشهوات والرذائل؛ فعلى الحكيم ألا ينفر من ذلك الحال بل يسعى إلى رده إلى أصله الشاغل بالقيم والفضائل عن طريق محاربته لأصل تلك الشرور التي تقوده إلى الشهوات المادية والمنافع الفردية، أي أنه واجب على الإنسان العاقل المصلح أن يتعالى على الدنس إذا بات واقعًا ثم يقوم بإصلاحه عن طريق اتصاله اتصالًا مباشرًا بالأصل الروحي النقي؛ لإعادة ذلك الواقع الدنس إلى أصله الذي فطر عليه.

ولعل هذا عين ما فعله حكماء الحضارة الإسلامية في انحيازهم للقيم الإسلامية التي تجمع بين الواقعي والروحي، والثابت القابل للتطور والخالي من الاضطراب والتناقض في نسقه الأخلاقي الذي يلزم به سائر البشر (أمة الدعوة وأمة الاستجابة) دون عنصريّة أو طبقية أو تحيز إلى جنس بعينه.

 كما أن تلك القيم الأخلاقية التي حث عليها القرآن مترابطة في نسقية صارمة لا يمكن تفكيكها أو الخروج عنها، ورغم ذلك أن نسقها الثابت عملي في تطبيقاته التي تتسع لكل الأوضاع الإنسانية وتراعي في استثناءاتها كل ما يفرضه الواقع من مواقف وضروريات، وذلك لأن حكمها على القيمة لا يحتكم إلى الغايات الجزئيّة المباشرة بل إلى المقاصد الكلية التي لا تتعارض مع الحق والخير والجمال، وعليه فإن حملة حكماء الإسلام على ظاهرة الكذب انطلاقًا من بنية جامعة بين المعقول والمنقول لا يشوبها أي اضطراب أو تناقض أعيى العديد من الفلاسفة قدماء ومحدثين، بل ومعاصرين في الغرب خلال تحليلاتهم للأخلاق الوضعية العمليّة.

وعلى رأسهم روجيه جارودي (ت 2012 م) الذي اعترف بأن ذيوع الأكاذيب في المنظومة الأخلاقية الوضعيّة الغربية هو الذي انتهى بفلاسفتها إلى القول بصدام الحضارات في حين أن المنظومة القيمية القرآنية ما برحت تدعو إلى حوار الحضارات والكف عن الخداع والكذب.

ومن الغريب أن نجد الفيلسوف التفكيكي جاك دريدا، يصرح في تحليلاته لتاريخ الكذب عام 1997 م،  بأنه ليس من الضروري الحكم على الكذب بأنه خطأ أو شر أو مناهض للحقيقة، بل يمكننا أن نحتكم للمقصد أو الغاية في تقييمنا الفردي النسبي لفعل الكذب مستشهدًا بحديث للقديس أوغسطين على وجه مغاير لمقصده الحقيقي!

ونخلص من ذلك كله، إلى أن ذيوع الكذب في الحضارة الإسلامية كان من أهم عوامل أفولها وانحدارها وذلك عقب جنوحها عن البنية الأخلاقية الإسلامية، وميلها للمفاهيم المتعددة (للكذب) النابعة من الأغيار الأخلاقية التفكيكية.

وما أشبه اليوم بالبارحة؛ فعلى قادة الرأي في ثقافتنا إعادة قراءة فلسفة الكذب للمفاضلة بين بنية حكماء المسلمين الأخلاقية النسقية، وبين شبكة أمريكا التفكيكية التي يسعى فلاسفتها لإذاعتها في ثقافتنا المغتربة.

(إذًا لم يُصبح للحديث بقيّة)

***

بقلم: د. عصمت نصّار

  

 

ملخص البحث: تتناول هذه الدراسة ثنائية الفكر والمطالعة بوصفها محورًا مركزيًا في تكوين الشخصية المعرفية والثقافية للفرد، مع إبراز الدور التفاعلي بينهما في إنتاج المعرفة وفهم العالم. استندت الدراسة إلى رؤى شوبنهاور حول تأثير القراءة على تنمية الخيال والفكر الفردي، وإلى لوي التوسير في تحليل أنظمة العلامات ودورها في نقل المعاني، كما استندت إلى مقاربات أمبرتو إيكو في نظرية التأويل وقراءة النصوص، وإلى تأويلات رولان بارت حول النصوص الثقافية والرمزية.

ركز البحث على مفاهيم أساسية تتعلق بالعوالم الممكنة، التي تسمح للقارئ بتخيل تجارب معرفية متنوعة، والجماعات التأويلية التي تشكل إطارًا اجتماعيًا لتفسير النصوص وممارسات المطالعة، بما يعكس البعد الثقافي والسياقي للفكر. توضح الدراسة أن العلاقة بين الفكر والمطالعة ليست مجرد عملية اكتساب معلومات، بل هي عملية تفاعلية ديناميكية تؤدي إلى صقل القدرة على التفكير النقدي، وفهم الرموز الثقافية، وبناء شخصية معرفية قادرة على التعامل مع التعقيدات الفكرية والاجتماعية.

كما يبرز البحث أن المطالعة تعمل كأداة لتوسيع المدارك المعرفية، بينما يتيح الفكر إمكانية معالجة هذه المعرفة وتحويلها إلى إدراك نقدي وإبداعي، في حين يشكل السياق الثقافي والاجتماعي الإطار الذي تتجلى فيه هذه العملية. وتخلص الدراسة إلى أن دمج ممارسة المطالعة مع تنمية الفكر النقدي في سياق ثقافي واجتماعي محدد يمثل شرطًا أساسيًا لبناء شخصية معرفية متكاملة قادرة على التفاعل مع التحديات المعرفية الحديثة.

الكلمات المفتاحية:

الفكر - المطالعة - العوالم الممكنة - الجماعات التأويلية - التأويل الثقافي

Abstract:

This study examines the dialectical relationship between thought and reading, positioning it as a central axis in the formation of an individual’s cognitive and cultural identity, while highlighting the interactive role they play in knowledge production and world understanding. The research draws upon Arthur Schopenhauer’s insights on the impact of reading in cultivating imagination and individual thought, Louis Tousser on the analysis of sign systems and meaning transmission, Umberto Eco’s perspectives on interpretive theory and textual reading, and Roland Barthes’ reflections on cultural and symbolic texts.

The study emphasizes key concepts such as possible worlds, which allow readers to imagine diverse cognitive experiences, and interpretive communities, which provide a social framework for text interpretation and reading practices, reflecting the cultural and contextual dimensions of thought. The research demonstrates that the relationship between thought and reading is not merely the acquisition of information but a dynamic interactive process that sharpens critical thinking, enables understanding of cultural symbols, and fosters the development of a cognitive identity capable of engaging with complex intellectual and social challenges.

Furthermore, the study highlights that reading serves as a tool for expanding cognitive horizons, while thought enables the processing of this knowledge into critical and creative insight. The cultural and social context frames this interaction, underscoring that integrating reading practices with the cultivation of critical thought within a given socio-cultural context is essential for constructing a well-rounded cognitive personality able to navigate contemporary intellectual challenges effectively.

على سبيل التقديم

في عالم اليوم الذي تتسارع فيه المعلومات وتتعدد فيه مصادر المعرفة، أصبحت عملية المطالعة والفكر أكثر تعقيدًا وثراءً، حيث لم تعد القراءة مجرد نشاط تلقائي لنقل المعلومات، بل أصبحت مسارًا تأويليًا وفكريًا يفتح أمام القارئ آفاقًا متعددة للعوالم الممكنة. في هذا السياق، تؤكد فلسفة شوبنهاور على أهمية القراءة كأداة لتوسيع مدارك الفرد وإغناء خياله، بينما يركز لوي التوسير على العلاقة بين اللغة والفكر، معتبرًا أن المطالعة هي عملية تحويلية تتحقق عبر الوسائط اللغوية والثقافية. أما من منظور الدراسات السيميائية، يرى أمبرتو إيكو أن القارئ ليس مجرد مستقبل سلبي للنص، بل هو عنصر فاعل يشارك في بناء المعنى داخل الجماعات التأويلية، حيث تتشكل القراءات المختلفة وفق السياقات الثقافية والمعرفية والاجتماعية التي ينتمي إليها القارئ. كما يعزز رولان بارت هذا الطرح من خلال مفهومه "موت المؤلف"، مؤكدًا أن النص يكتسب أبعاده التأويلية الحقيقية فقط حين يُتاح للقارئ أن يشارك في تفسيره وقراءته المتعددة.

وتبرز أهمية هذه الدراسة في تسليط الضوء على العلاقة الجدلية بين الفكر والمطالعة، حيث تشكل هذه الثنائية محورًا لفهم كيف يبني القارئ المعرفة ويعيد إنتاجها ضمن أطر معرفية وثقافية متعددة. كما تهدف الدراسة إلى استكشاف كيف تتفاعل العوالم الممكنة مع الجماعات التأويلية، وكيف يساهم السياق الاجتماعي والثقافي في صياغة معاني النصوص وتجارب القراءة، ما يجعل المطالعة فعلًا معرفيًا وفكريًا متجددًا ومتعدد الأبعاد.

انطلاقًا من هذا الإطار، تطرح الدراسة الإشكالية الأساسية التالية:

كيف تؤثر المطالعة على تكوين الفكر الفردي والجماعي، وما هو دور العوالم الممكنة والجماعات التأويلية والسياق الثقافي في إعادة إنتاج المعنى وتأويل النصوص؟

وتسعى الدراسة من خلال هذه الإشكالية إلى:

أولا: تحليل العلاقة بين القراءة والفكر من منظور فلسفي وسيميائي.

ثانيا: فهم دور العوالم الممكنة في توسيع مدارك القارئ وإثراء التجربة التأويلية.

ثالثا: استكشاف آليات عمل الجماعات التأويلية وتأثيرها على إعادة إنتاج المعنى.

رابعا: إبراز أهمية السياق الثقافي والاجتماعي في صياغة التجربة القرائية والمعرفية.

بهذا، فإن الدراسة تسعى لتقديم إسهام متكامل في فهم ثنائية الفكر والمطالعة، انطلاقًا من مفاهيم كلاسيكية وحديثة، مع مراعاة البعد السيميائي والثقافي والاجتماعي، لتكون إسهامًا نقديًا وعلميًا يعزز الفهم المعرفي لهذه العلاقة الجوهرية في العملية الإنسانية للمعرفة.

ثنائية الفكر والمطالعة: سلطة الفئات التأويلية

إننا ونحن نعالج النصوص السردية للحكايات الشعبية، كان من اللازم والضروري أن نخلق تلك المسافة الواجبة بيننا وبين نص الحكاية على اعتبار أنها حكاية اكتمل تشكلها وأصبحت نصا أدبيا قابلا للقراءة، هذا التشكل منحنا نوعا ما، حرية في الكشف عن وجود قراءة أخرى للنصوص، حيث حاولنا أن نحاور هذه النصوص، وتحدونا الرغبة في ملئ فراغاتها، وكذا البياض الكامن بين السطور، والكشف عن المسكوت فيها لتكون هاته القراءات مبدعة لنصوص جديدة ، فالقارئ في هذا السياق يستحضر خلفياته المعرفية ويستدعيها ، بل وقد تفرض هي نفسها عليه ، كسلطة مؤسساتية وكجمعيات وفئات تأويلية، وهذا معناه أن القراءة ترتبط بالزمان الذي تتم فيه، وهي بالضرورة تفرض معاييرها على القارئ، وبهذا فالمعنى يوجد في القارئ وليس في النص، لكن يمكن الإشارة إلى أن هناك علاقة جدلية تفاعلية بين القارئ والنص من جهة، هذه العلاقة تحددها ضرورة عدم تجاهل النص الذي لابد من مراعات بنياته الداخلية ودلالة ألفاظه المعجمية والتي يجب استحضارها قبل تبني أي معنى آخر بعيد عما يمدنا به المعجم من معنى أولا، فالقراء هم من يصنعون النصوص ويقومون بإعادة تشكيلها مراعين في ذلك البنيات والدلالات المعجمية للنص، ومستحضرين خلفياتهم المعرفية والفكرية، وخاضعين للسياقات الزمنية للقراءة ، فالعلاقة الجدلية بين القارئ والنص هي ما تعطي للنص قراءة أخرى منفتحة على التجديد والإبداع، ما دام النص منفتحا على كل القراءات والتأويلات من جهة، ومحتفظا بكل خصائصه وبنيات مفرداته المعجمية الداخلية المشكلة له من جهة أخرى.

الفكر والمطالعة: رؤى شوبنهاور:

إن هذه العلاقة الجدلية والتفاعلية بين طرفي الإبداع، بين النص المشكل سلفا بكل مقوماته وخصائص بنياته الداخلية والقارئ المفكر/ الباحث، هي ما تعطي للنص سلطته وعنفوانه، حيث يبقى للقارئ حريته ومنطلقاته المرجعية ضمن تصور يؤمن بأن "المعنى لا يعطى بل يشيد، وأن تشييده يستند إلى معطيات من داخل الخطاب، ومن خارجه ومن علاقات تتجاوز المستوى الحكائي المباشر" على حد تعبير الدكتور جمال بندحمان في مقدمة كتابه سيمياء الحكي المركب"([1]). إذن فالعلاقة التي يطرحها الفكر والتفكير من داخل الخطاب وخارجه تعد إحدى المسائل التي اشتغل عليها الفلاسفة من أرسطو([2]) 384 – 322 إلى اليوم حيث حاول رصد طرق تنميته وتحفيزه وكذا عوائقه، وفي هذا السياق بين الفيلسوف الألماني أرتو شوبنهاور 1788– 1860 أن المطالعة تشكل أحد العوائق الأساسية

أمام التفكير الأصيل، إذ ليست المطالعة في نهاية المطاف سوى اقتحام أفكار وخواطر دخيلة على الذهن تجعله يخضع لقهر خارجي، ويفكر في قضايا غريبة عنه، في حين أن العقل المفكر هو الذي يفكر لنفسه وبنفسه ويصدر عن نوازعه الأصلية لتي يحددها في تلك اللحظة، وبناء عليه فإن الإفراط في المطالعة يمكن أن يحول دون مرونة الذهن وحيويته، ذلك أن أسهل طريقة لممارسة التفكير غير الأصيل هي أن يتناول – الإنسان – المرء كتابا كلما أحس بالفراغ.

إن الأفكار كي تكون أصيلة في نظر شوبنهاور يجب أن تكون نابعة من ذهنه، أما الاطلاع على أفكار الآخرين عن طريق المطالعة فيشبه الاقتيات على فتات المآدب التي لم يستدع الإنسان إليها، أو ارتداء أثواب الغير.

الظاهر أن المطالعة من منظور شوبنهاور تشكل بديلا سلبيا عن التفكير الأصيل الحر النابع من الذات، إذ أن هذا الحشد العارم من الكتب سوى مجموعة من الدروب الكاذبة نتوه فيها خطانا، في حين أن الذي يفكر لنفسه تفكيرا أصيلا بعيداً عن سلطة الكتب يملك البوصلة السحرية ترشده في طريقه السوي طريق التأمل الذاتي الحر.

صحيح أن الإنسان ينبغي عليه أن يطالع، لكن فقط عندما يصاب ذهنه بالخمول، وهو ما يحدث حتى لأفضل العقول، أما إذا تناول الكتب لا لشيء إلا لتشتيت أفكاره الأصلية النابعة من ذاته فإنه يكون قد انساق إلى الخطيئة ضد الفعل، مثله في ذلك مثل من يفر من روعة الطبيعة ليحملق في متحف من النباتات الجافة الميتة أو في رسم طبيعي على لوح ، فعلا، إن الإنسان قد يصل إلى اكتشاف حقيقة ما بعد عناء وتفكير طويل، وهذا أفضل من أن يجدها جاهزة وبسهولة دون تفكير في كتاب معين، ذلك أن المعرفة لا تصبح جزءا من نسق تفكيرنا، إلا إذا اكتسبناها بجهدنا الفكري الذاتي، حيث تصبح آنذاك على علاقة بمعارفنا السابقة وتصطبغ بصبغة أفكارنا، وتترسخ في أذهاننا، إلى درجة يصعب معها نسيانها.

إن الذي يفكر تفكيرا ذاتيا حراً بعيداً عن سلطة الكتب يجد أفكاره الشخصية أولا، ثم يبحث بعد

ذلك في الكتب عن الأفكار التي تعززها وتؤيدها.

أما فيلسوف الكتب، أو صاحب العقل القارئ كما يسميه "شوبنهاور"([3]) فيبدأ على العكس من

ذلك، من الكتب ليصل في النهاية على كل يشبه الكائن الآلي الذي لا يمت بصلة إلى اللحم الحي، دون أن يدرك أن الحقيقة التي اكتسبها بالمطالعة تشبه الأطراف الصناعية أو الإنسان الزائف. أما الحقيقة التي نتوصل إليها بتفكيرنا الشخصي فتشبه الأطراف الحية التي تخصنا بالفعل.

واضح أن "القارئ المفكر" لا يقيم قطيعة مطلقة مع الكتب بل يستعين بها إما لدعم أفكاره الشخصية أو لتزجية الوقت في انتظار مجيء الأفكار الذاتية الأصلية دون إدمان لأن هذا الأخير يجعل منها – أي الكتب – بديلا عن التفكير الشخصي فينسى المرء ما هو أصيل، ويغترب عن ذاته باقتفاء خطى الفكر الدخيل، وينسحب من عالم الواقع في حين أن هذا الأخير هو الذي يحفز أكثر على التفكير، ما دام العالم هو الموضوع الطبيعي للفكر لا الكتب. وهنا يكمن الفرق الجوهري في نظر "شوبنهاور" بين العلماء والمفكرين، فالعلماء هم من أدمنوا المطالعة أما أهل الفكر فهم الذين اتجهوا رأسا إلى عالم الطبيعة وأضاءوا الطريق أمام الإنسانية، وساروا بها قدما إلى الأمام.

يقول شوبنهاور: "... وأنا عندما أسمع عن أولئك الفطاحل من أهل العلم وعن معارفهم ... لا يسعني إلا أن أقول لنفسي: لا شك أنه لم يكن لديهم كثير من الفكر ليشغلهم حتى استطاعوا أن يقرؤوا كل ما قرؤوه ..." وعليه، وعلى الرغم من موقف "شوبنهاور" الداعي إلى ممارسة التفكير الشخصي ووجوب التحرر من العوائق التي تحول دون تحقيقه وفي مقدمتها القراءة / المطالعة فإنه ظل سجين تمثل "ميتافيزيقي" لا جدلي يفصل بين التفكير والمطالعة مختزلا هذه الأخيرة في المطالعة أو القراءة السلبية والشارحة التي يكتفي فيها القارئ بتكرار المقروء، في حين أن الفكر المعاصر قد كشف عن وجود قراءة أخرى للنصوص، تكون إيجابية وفاعلة يحضر فيها التفكير الأصيل، ويلعب فيها القارئ المفكر دوراً أساسياً في تشكيل النصوص المقروءة وإعادة بنائها.

القارئ والنص: من لوي ألتوسير إلى أومبرطو إكو

إن إعادة بناء النصوص المقروءة ليس بالأمر الهين كما يعتقد البعض، بل إنها عملية شاقة،

فهي عملية خلق وتجديد وإبداع وهذا ما نلاحظه مثلا عند المفكر لوي التوسير ([4]) 1918 – 1990 في مقدمة كتابه "قراءة في الرأسمال" حين أشار إلى وجود قراءة أخرى ألا وهي:

"... القراءة الفاعلة المنتجة التي تولد النص اللامكتوب ... قراءة مشككة تهم المباشر وترفض البداهات وهي تسعى إلى أن تكشف في بياض النص المسودة التي تختفي من ورائه ... قراءة تقوم على الابستمولوجيا اللامباشرة التي تعتبر أن لا وجود لمعرفة أولى بل تؤمن بأن كل معرفة هي دوما معرفة – ضد، وأن تملك المعاني نهاية درب، وأن التستر من محددات كل حقيقة ..." ([5]).

فالقارئ يلعب دورا محوريا حسب النظريات الحديثة في هذا المجال وأساسا في تشكل النصوص وإعادة بنائها انطلاقا من العوالم الممكنة كجهاز ونظام مفاهيمي استقاه "أومبرطو إكو" من علم الدلالة المنطقي ونقله من مجال تحليل "اللغة" إلى تحليل "النصوص السردية" على وجه الخصوص وذلك مع سيمائيين آخرين.

كييطوف Petofi

فان دايك Van Dijk

وبإيجاز يقتديها المدخل النظري لإشكالية علاقة النص بالقارئ "المفكر" يمكن أخذ فكرة عن العالم الممكن إذا ما علمنا أن البعض يسميه بالعالم الاعتقاديLes mondes Doxostiques العوالم الاعتقادية "العالم الممكن" هو وضع الأشياء معبر عنه بواسطة مجموعة من القضايا وهو عالم مكون من مجموعة من الأفراد المزودين بخصائص، وقد يتجسد في سلسلة من الأحداث، كما يتجسد في عالم توقعات القارئ ويندرج ضمنه كذلك عالم المتن الحكائي وعوالم شخصيات، هذا المتن، وقيمة العوالم الممكنة في مجال السيمياء تكمن في كونها تمد هذه الأخيرة بوسائل الوصف والمقارنة بين مختلف أوضاع الأشياء المتضمنة في العوالم التي ينشئها "القارئ"، وبين مختلف أوضاع العوالم السردية بالإضافة إلى تمكينها المحلل من تقديم محتويات هذه العوالم في صورة "جداول" للإحاطة بمكوناتها بدقة، ومعرفة إن كان بإمكان عالم من أن يتنافر مع عالم آخر وما الذي يميز أحدهما عن الآخر.

وعليه وللإشارة فأنواع "العوالم الممكنة" بالنسبة للسرد هي كالتالي:

- العالم السردي: وهو المصرح به من طرف المؤلف.

- العوالم الممكنة: وهي مجرى الأحداث الممكنة كما تتخيلها أو تتمناها أو تردها أو تعلنها شخصية

محددة.

- عالم القارئ: هو عالم يشكله القارئ التجريبي ويسمى كذلك بالجولات الاستدلالية.

عموما فالهدف من "العوالم الممكنة" وتحيينها باستخراج أفرادها، ورسم خصائصهم الضرورية هو المقارنة بينها وتعميق فهم النص، ويظهر أن العوالم الممكنة تتقاطع مع أفق الانتظار، إلا أنه إذا كان أفق الانتظار يُدْرس بوصفه منجزا وتاريخا، فإن "العوالم الممكنة": أداة إجرائية لفهم النص وتحليله.

إذن وانطلاقا من العوالم الممكنة، التي شيد صرحها أومبرطو إيكو واستقاها من علم الدلالة المنطقي كما أسلفنا ونقلها إلى مجال تحليل اللغة وإلى النصوص السردية على وجه الخصوص، هناك عوالم وسياقات أخرى وجب التطرق إليها بالضرورة إنها عوالم وسياقات تخص القارئ ومنطلقاته الفكرية والمعرفية في علاقته مع النص – وعوالمه الممكنة – لذا استوجب منا الأمر الإشارة والوقوف عند نظرية "استجابة القارئ" و"الجماعات التأويلية".

نظرية استجابة القارئ: ستانلي فيش

ستانلي فيش والجماعات التأويلية:

بشيء من التركيز يمكن القول إن هذه النظرية من خلال معطيات يتعلق بالأساس "كجمالية التلقي" سمحت للقارئ بأن يستحضر ما لديه من خلفيات معرفية في شكل المدونة مع إيزر، والموسوعة مع أومبرطو إيكو، وأفق الانتظار مع ياوس بحيث أصبح القارئ عنصرا فاعلا في عملية القراءة وإنتاج المعنى، كل ذلك مع عدم تجاهل النص الذي لابد من مراعاة – بنياته ودلالات ألفاظه الحرفية حسب إيكو والتي يجب استحضارها قبل تبني أي معنى آخر بعيدا عما يمدنا به المعجم أولا.

والاهتمام بالقارئ هو ما سوف نجده كذلك حاضرا لدى تيار نظرية استجابة القارئ، وما يطلق عليه كذلك نقد استجابة القارئ، وتعتبر نقد استجابة القارئ من النظريات النقدية التي تمثل نظرية التلقي في صيغتها الأمريكية والتي أسس منطلقاتها كل من الناقد "ستانلي فيش"Stanley Fish "ونورمان هولاند"Norman Holland و"روبرت هُولب " Robert Holub الذين ركزوا جميعا على عودة القارئ في عملية مقاربة النص الأدبي أو أي نص آخر.

انطلاقا من سنوات السبعينيات من القرن الماضي على التفكير في ذلك والتنظير له بطرق مختلفة، وتعتبر "ستانلي فيش"([6]). أحد أكبر منظري نقد استجابة القارئ وممن أثارت أفكارهم النقدية المعلقة بقراءة النصوص ودرجة حضور القارئ في عملية التلقي الكثير من ردود الفعل، وفي إطار سياق الردود ينطلق ستانلي فيش من نقد التيار الشكلاني الذي يعتبر أن النص يحتوي على خصائص شكلانية تظل ثابتة ولا تعرف التغيير بتغيير القراء والسياقات، لقد أضفى الشكلانيون على النص خصائص مادية فجعلوا منه مجرد مادة لا غير. وقد تحكم في هذه الرؤية الشكلانية الرغبة في اكتساب النقد الأدبي طابعا موضوعيا علميا Scientiste حيث رفضوا أن يكون لذاتية القارئ – الناقد أي دور في فهم النص وتحيينه.

وفي مقابل ذلك يرى ستانلي فيش أن النص ليس مادة، ويقترح فرضية أساسية مفادها أن القارئ هو من يمد النص بالمعنى وليس العكس، وحسب هذا التصور فإن النص يغيب ويصبح القارئ هو الحامل الحقيقي للمعنى إذ لا يوجد تأويل صحيح يمثل ما أراد النص قوله أو تأويل مكمل الحقيقة أو جزءاً منها على الدوام إن "المعنى" بالنسبة لفيش يوجد "في القارئ وليس في النص".

فبدل تصور عملية التلقي كما هي لدى أومبرطو إيكو الذي يركز على الضوابط والحدود التي يفرضها النص، فإن فيش يتحرر من كل تلك الضوابط ولا يعيرها أية أهمية لأن القراءة ترتبط "بالزمان" الذي تتم فيه وهي عبارة عن تجربة خاصة تكون المركزية فيها للقارئ. يقول ستانلي فيش: "إن التأويل ليس هو التحليل لكنه هو فن البناء، فالمؤولون لا يقومون بفك شفرات القصائد بل يصنعون هذه القصائد؛ النص هو ما يصنعه القارئ".

النص حسب هذا التصور لا يستطيع إذن أداء أية وظيفة، باستثناء أن يكون مرآة، تنعكس عليها أفكار قرائه، ولأخذ فكرة عن كيفية توصل ستانلي فيش إلى هذه النتيجة التي تقلب ما تعارف عليه الدارسون عامة، يذكر أنه في أحد الأيام سجل على السبورة وهو بصدد تدريس مادة اللسانيات سلسلة من أسماء الباحثين اللسانيين، الواحد أسفل الآخر وبدل أن يمحوها عند انتهاء الدرس تركها على السبورة، فالتحق طلبة آخرون بنفس القاعة، حيث قرر ستانلي فيش أن يخبرهم بأن سلسلة هذه الأسماء المكتوبة على السبورة، هي قصيدة دينية تعود إلى القرن السابع عشر، وبما أن المادة التي كان ستانلي فيش يدرسها لهؤلاء الطلبة هي تحديداً الأشعار الدينية للقرن السابع عشر فإن لا أحد ممن التحق منهم بالفصل، بعد خروج طلبة اللسانيات الآخرين، فطن إلى أن الأمر كان فقط مجرد خدعة، فانخرطوا في تأويل أسماء هؤلاء اللسانيين المعاصرين، وربطوا دلالتها بالكتاب المقدس وتعاملوا معها بوصفها قصيدة فعلا. وهذا ما انتهى بستانلي فيش إلى القول بأن الأمر لم يكن يتعلق سوى بسلسلة أسماء للسانيين معاصرين وليست قصيدة شعرية، بما أنها ليست من إنتاج مؤلف بعينه وهم تحديدا من جعل منها قصيدة. وبناء عليه أعلن فيش تصريحه الاستفزازي أن القراء هم من يصنعون النصوص، ومن هذا المنطلق عمل فيش على تبيان أن القارئ لا يستمد معنى النص من فراغ، فعلى الرغم من تأكيده على حرية القارئ، إلا أنها حرية مرتبطة بالسياق المؤسساتي الذي يوجد فيه القارئ.

إن القارئ يصنع النص فعلا، لكن ذلك لا يتم من تلقاء ذاته، فهو يصنعه من داخل ظروف تفرض عليه معاييرها، إنه يصنعه وفقا للعديد من الافتراضات والمحددات الناجمة عن وضع قراءته.

إن هذه الظروف التي يقرأ فيها القارئ النص هي ما يسميه ستانلي فيش بالجماعات التأويلية أو الفئات التأويليةCommunautés Interprétatives التي يتعذر على القارئ الإفلات منها، إذ هي التي تمده بسياق التأويل وتضبط تعليقات القراء وتهبها أطر الفهم الملزمة لها، وهذه الفكرة تبرز القيمة القصوى التي يهبها "ستانلي فيش" لسياق القراء بحيث يمكن القول إن القارئ هو من يصنع النصوص، إلا أن ذلك يتم في إطار فئة أو جماعة تأويلية كمجموعة طلبة يتلقون نفس الدرس مثلا. وهكذا يقول ستانلي فيش ما مفاده: "أن المعنى ليس ملكا لنصوص مستقرة ثابتة أو قراءة أحرار مستقلين بل هي ملك لفئات تأويلية مسؤولة في الآن ذاته عن شكل أنشطة القارئ وعن النصوص التي ينتجها هذا النشاط".

وإذا ما تم الرجوع إلى تجربة ستانلي فيش مع طلبته، يمكننا القول بأن هناك فئتين تأويليتين طبقتا على نص واحد طرقا مختلفة لتشييد المعنى، إذ بالنسبة للفئة الأولى فقد اعتبرت النص مجرد أسماء، أما بالنسبة للفئة الثانية فقد تعاملت معه على أساس أنه قصيدة دينية، وقد استطاع "فيش" بهذا المفهوم أن يثبت بأن التصريح بكون النص غير ثابت المعنى وبأن المعنى المحدد بشكل موضوعي لا وجود له، ولفهم تصور ستانلي فيش وربطه بسياق ظهوره يذهب إيف ستون YVES GITTON إلى أن نظرية القارئ الصانع للنص المقترحة من طرف ستانلي فيش ذات علاقة بموجة التحرر والابتكار التي ترجع لسنوات الستينيات وبداية السبعينيات، وأنه يجب ربطها بأشكال أخرى من أشكال التحرر المعاصرة، والتمكين والمطالبة بالاستقلال، فبمقتضى هذا التصور لسنا في حاجة إلى أن ننتظر السيد لكي يعطينا مفتاح التأويل الجيد والذي لا يمتلكه إلا هو، لذلك فعلى الرغم من الانتقادات التي تعرضت لها هذه النظرية إلا أنها ساهمت في تجديد الكثير من الأفكار التي ارتبطت بالتأويل والنص والقارئ قديما وحديثا.

دور القارئ في النصوص الشعبية:

وعليه فالتراكم والزخم الذي عرفته مختلف القراءات لإشكالية التفكير والقراءة أي علاقة القارئ بالنص ستبرزه النظريات والمدارس النقدية المتعددة التي تسعى وتبحث كلها في النص الإبداعي ليس فحسب للبحث عن كينونته ولكن لمحاولة إيجاد نقطة الالتقاء بين الذات القارئة والذات المبدعة.

لذا سنحاول العمل وبشيء من التركيز التطرق لبعض المنطلقات الفكرية والنظرية التي من خلالها صاغ "رولان بارت" نظرية التلقي حتى يمكننا من خلالها التفاعل بإيجابية مع نصوص الحكاية الشعبية، من منطلق وحدة التفكير والقراءة، على اعتبار أولا أن المؤلف في نصوص الحكاية الشعبية غالبا ما يكون مجهولا / موت المؤلف/ هذا من جهة ومن جهة أخرى فالقارئ / الباحث في متن الحكاية الشعبية يكون فاعلا ومتفاعلا في الان ذاته، مع بنياتها الحكائية القابلة للتأويل والمفتوحة على كل القراءات.

ولعل الاهتمام بإشكالية القراءة يكشف عن مستويات العلاقة بين الإنسان ومختلف المجالات المعرفية المكتوبة، لاسيما في عصر تعددت فيه جسور الروابط بين المثقفين وعبرت الكلمة الحدود لتجد مستقرا لها في الفكر الآخر.

إننا عندما نقرأ فإننا لا نبحث عن "معنى"، خلافا لما رأته الناقدة رويان سوزان سليمان حين خصصت مبحثا في كتابها للإجابة عن السؤالين: كيف نقرأ؟ ولماذا نقرأ؟ ([7]) فإن الناقد فولفغانغ إيزر قد ألف كتابين في هذا الموضوع "القارئ الضمني" و"فعل القراءة"([8]).

قلت أننا عندما نقرأ فإننا نبحث عن معنى، وإنما نبحث عن ذواتنا في المقروء، ولهذا تبرز الذات كعامل أساسي في اختيار المؤلف، لكن الإشكال يتجلى في الكيفية التي تتم بها القراءة كما يتجلى في الأدوات التي تسعف القارئ للكشف عن باطن النص.

وإذا كان العامل الأول في تحديد وجهة النظر إلى الحياة تبرز في نظرة المبدع إلى العالم، فإن القارئ أصبح ضروريا لتشكيل هذه النظرة بل ذهبت كثير من الدراسات إلى القول: بأن النص لا يولد إلا مع القارئ. لقد سبق "لرولان بارت" أن أعلن عن "موت المؤلف" وفي ذلك تعبير عن ولادة عصر "المتلقى" لأن الذي يخاطب في النص هي اللغة وليس المؤلف، ولأن دلالة النص لا يوحي بها مؤلفه وإنما نظامه اللغوي في علاقته بالمتلقى.

عناصر العلاقة بين القارئ والنص:

إن رولان بارت عندما يرى أن القراءة والنقد هي لعبة المرايا اللامتناهية للنص، لأن الأثر المقروء يوحي بقراءات متعددة "إن الأثر لا يخلو لكونه فرض معنى على أناس مختلفين، وإنما لكونه

يوحي بمعاني مختلفة لإنسان واحد"([9]).

هكذا تبرز عن كل عملية قراءة عناصر تستدعي المعالجة كشرط أدنى لتحقيق التواصل، ويمكن حصر هده العناصر فيما يلي:

1 القارئ / 2 النص

I ـ القارئ: يتموضع القارئ انطلاقا من رؤيتين للنص المقروء، ولهذا دأبت العديد من الدراسات المعاصرة إلى تعريفه تبعا لهذا التموضع. إنه في جميع الحالات المتلقى الذي يؤسس علاقة مع النص بدءا من مستوى اختياره ثم قراءته. فإعادة إنتاجه. والملاحظ أن صورة المتلقي كثيرا ما تعمل فيها مجموعة من العوامل يؤشر عليها وعي القارئ في تفاعله بوعي القراءة وبوعي النص المقروء الشيء الذي يجعلنا بين صنفين من المتلقين:

أ 1 * المتلقي المشارك أو القارئ المنتج؛

ب 2 * المتلقي غير المشارك أو القارئ المستهلك.

إن الحديث عن مختلف أصناف المتلقين هو الحديث عن المسافة الفاصلة بين "النص" ووظيفة "اللغة" ولهذا يتولد عن عملية الاندماج بينهما تعدد واختلاف في القراءات ويبقى السؤال مطروحا: ماذا يقول النص؟

البحث في "ماذا يقول النص" هو في الأصل نتيجة بحث "ما يقوله القارئ" ذلك أن سلطة الذات القارئة تختزل النص الأصلي، تريحه يخفت أمامها صوت المبدع، إنها سلطة لا تعمل على تحليل بواعث عملية الكتابة بقدر ما تعمل على إسقاط ثقافة جاهزة على إبداع وهذا من شأنه أن يحرف الموضوعية في القراءة.

إن الثابت في كل قراءة هو النص أما المتغير فهو القارئ وأدواته، وإذا كنا عند نهاية كل قراءة نصل إلى نتيجة، فإن هاته النتائج مهما بدت موضوعية فإنه لابد من التركيز على شيئين اثنين:

- ظروف الكاتب عند الكتابة.

- ظروف القارئ عند القراءة.

بالنسبة للقارئ نستطيع رصد مختلف الصعوبات التي تواجهه في عملية القراءة ونحصرها في المستويات التالية:  -1- القارئ   الذات

2- القارئ     مبدع النص

3- القارئ     النص المقروء

1 ـ القارئ / الذات:

هل يستطيع القارئ أن ينفصل من ذاته؟ هل يستطيع أن يقيم حدا فاصلا بين الذات

والموضوع؟

ما هي ظروفه عند القراءة؟ وما هي مؤهلاته؟

2 ـ القارئ / مبدع النص

ما هي علاقة القارئ بالمؤلف؟

أوجه الالتقاء وأوجه الاختلاف؟

هل يمكن للقارئ أن يندمج في عملية القراءة دون الاهتمام بظروف الكتابة؟

إلى أي حد يستطيع القارئ تمثل هذه الظروف؟

3 ـ القارئ / النص المقروء

ما هو سبب اختيار النص؟

ماذا يمثل هذا النص بالنسبة لفضاء القارئ؟

إلى أي حد تتحقق مقصدية القارئ في قراءته للنص المختار؟

هذه أسئلة القراءة إن لم تكن أسئلة القارئ، وهي بقدر ما تكشـف الحجاب عن المسكوت عنه في هذه العملية المعتدة فإنها تقيم الدليل على كل قراءة لا تخلو من خطورة وأن مبعث هذه الخطورة ليس هو النص وإنما هو القارئ، هي ثقافتهم الخاصة التـي اعتبرتهاJohanna natali بمثابة قوانين الأساس([10]).

IIـ النـــص:

سيقتصر البحث في هذه النقطة على دراسة نص الحكاية الشعبية بشكل عام نظرا لطبيعة التعامل معه سواء عند انتقائه أو عند قراءته، وسنقف على عنصر يشكل جوهر تحديد العلاقة بين النص والقارئ.

1 ـ النص العربي بين الاختيار والتمثل:

النص حيز كلامي تتعدد معانيه، وتتفاضل دلالته، وتختلف سياقاته وتتعارض بياناته، إنه حيز ينطوي على بياضات وفراغات تخترقه شقوق وفجوات، إنه كائن وليس جثة، ينبض دوما يتفاعل مع قارئه.

جاء في لسان العرب "النص رفعك الشيء، نص الحديث ينصه: رفعه، وكل ما أظهر قد نص.

وقال عمر بن دينار:

ما رأيت رجلا أنص للحديث من الزهري أي أرفع له وأسند.

يقال: نص الحديث إلى فلان، أي رفعه، وخصص الرجل غريمه: أي استقصى عليه...

ومنه قول الفقهاء:

نص القرآن، نص الحديث أي، نص الحديث أي ما دل ظاهر لفظه عليه من الأحكام ([11]).

والنص "مدونة كلامية، يعني أنه مؤلف من الكلام وليس صورة فوتوغرافية أو رسما أو عمارة أو ريا.... وإن كان الدارس يستعين برسم الكتابية وفضائها وهندستها أثناء التحليل. أما من حيث وظيفته فهو "تواصلي" يهدف إلى توصيل معلومات ومعارف ونقل تجارب إلى المتلقي"([12]).

وفي المعجم اللساني: نجد تعريفا للنص كما يلي: "النص هو مجموعة الأحاديث اللسانية الخاضعة للتحليل"([13]).

وبالعودة إلى رولان بارت: فهو يرى أن النص مجال منهجي لا يعرف النهايات ولا تحده التقسيمات، ولا يخضع لسلطته التسلسلات الهدمية، فهو استشارة مفتوحة على عدد لا نهائي من المعاني والدلالات الآن بناء بلا إطار، يتميز بالحركية والفاعلية المستمرة وينطوي على تقدريته المعنى الذي لا يمكن أن تقتصه شكية التفسيرات لأن له طبيعة انفجارية، كما أنه يتفاعل مع غيره من النصوص وينتمي إلى مجال تناصي ولكن يطيح في نفس الوقت نجد أنه الأصول والمصادر، ولا يعترف بمفهوم الأبوة لأن مفهوم التناص يقضي عليه".

لقد أصبح الاهتمام بالنصوص نامية ركز عليها النقاد المعاصرون سواء منهم "البنيويون أو الشكلانيون" ولهذا كثر الحديث عن أنحاء النص وتحليل النص ولسنيات النص، ودينامية النص، وبنية

النص وغيرها من الدراسات التي حاولت الإجابة على كثير من الجوانب الخفية من الإبداع.

إن المقصود بالنص هنا هو ذلك الأثر المتوفر على بنية شاملة محكومة بشرط الكتابة لهذا ليست كل النصوص المكتوبة تتوفر على هذه القاعدة وهنا يبرز مفهوم "التمثيل والاختيار" شرطا أساسيا في عملية الانتقاء. لكن كيف يمر النص شيئا فشيئا من الوظيفة التعليمية إلى الوظيفة الجمالية؟

يرى امبرطوايكــو: أن العقبة الأولى التي تواجه القارئ تنتمي إلى النوع الاستدلالي، أي أن يجعل القـــراءة معناه استنبـط – خمـن، استبدل على سياق ممكن انطلاقا من النص حيث ينبغـي لمتوالية القراءة إما تأكيده أو تصحيحه ثم أنه بمجرد ما يدخل القارئ إلى النص يكون فرضية أولية عن مجموع المضمون العام للنص وهذا يتطلب تفكيك وتحديد المعاني والدلالات التي يزخر بها([14]).

انطلاقا من هذه السياقات الفكرية والمنطلقات النظرية التي حاولت أن تصيغ وتنسج مقاربات جادة لإشكالية العلاقة بين فعل القراءة والنص أو ما يمكن التعبير عنه بوحدة التفكير والقراءة التي يؤشر عليها وعي القارئ في تفاعله بوعي القراءة وبوعي النص المقروء الشيء الذي دفع بنا ونحن نشتغل على نصوص الحكاية الشعبية أن نستحضر كل هذا الرقم النظري حول الموضوع، جاعلين من هاته المقاربات بوصلتنا ومنهجنا وخارطة طريق نقتحم من خلالها عوالم المتن السردي الحكائي بكل حرية وإيجابية متفاعلين بكل وعي مع "سلطة" ومكونات النص الأصلي جاعلين من ألفاظه ودلالاته المعجمية الإطار المرجعي، في ملئ بعـض من البيانات الكامنة بين السطـور، باحثين عن المسكوت عنه بين ثنايا المتن الحكائي، موسعين دلالة المعاني والألفاظ، انطلاقا من السياقات الزمنية الراهنة والخلفيات المعرفية والنظرية في هذا المجال.

وعليه فسيكون تعاملنا مع نصوص الحكاية الشعبية تعاملا مفتوحا على المعاني والمضامين والألفاظ أي الشكل والإطار المعجمي للنص من جهة ومن جهة ثانية سننفتح على التأويل ، خاضعين المضامين لسياقات القراءة مادام الكاتب/ المؤلف لنصوص الحكاية غائبا/ مجهولا والقارئ/ الباحث حاضرا ومتفاعلا ، من أجل إنتاج المعنى، من داخل النص ومن خارجه([15]) برؤية تتوخى إعادة بناء المتن الحكائي وفتحها على سياقات الزمن الراهن في محاولة إعادة صياغة وبناء المتن الحكائي انطلاقا من دواخله السردية وعوالمه المفتوحة على كل القراءات وهذا ما سنسعى للقيام به ونحن نشتغل على تحليل الحكايات الشعبية من خلال كتاب أجمل الحكايات من الفولكلور الشعبي المغربي لمؤلفه يسري شاكر

على سبيل الختام

في ختام هذا البحث، يتضح أن العلاقة بين النص والقارئ ليست مجرد عملية تلقائية أو استهلاكية للمعنى، بل هي جدلية معقدة تقوم على التفاعل بين الفكر النقدي للمتلقي والتمثلات التأويلية التي يحملها. لقد أظهرت الدراسة أن إنتاج المعنى عملية ديناميكية، تتشكل في أفق القراءة الحديثة بتداخل العوامل الثقافية والفكرية والشخصية للقارئ، فضلاً عن خصائص النص ذاته من حيث البنية والرموز والوظائف السيميائية.

إن هذا التفاعل البنّاء بين النص والقارئ يعكس طبيعة المعرفة الأدبية كعملية مستمرة تتجاوز حدود النص نفسه لتصل إلى فضاءات الفكر النقدي والتأويل الفردي والجمعي، مما يجعل القراءة تجربة معرفية ثرية وقادرة على إعادة إنتاج المعنى وتوسيع آفاقه. ومن هنا، تتضح أهمية اعتماد مقاربات تحليلية متعددة مثل السيميائية والدراسات الثقافية والنقد التأويلي لفهم هذه الجدلية، بما يضمن قراءة متعمقة للنصوص وتقديراً لعوامل السياق التي تؤثر في الفهم والتأويل.

ختامًا، يمكن القول إن النص والقارئ يشكلان وحدة وظيفية معرفية متكاملة، حيث تتجسد من خلالهما القدرة على الحوار بين الماضي والحاضر، بين الكاتب والمتلقي، وبين النص والوعي النقدي، ليبقى إنتاج المعنى عملية مفتوحة على التجدد والإبداع، تتجاوز حدود الزمن والمكان، وتؤكد الدور المركزي للقراءة كفعل ثقافي وفكري واجتماعي متجدد.

***

د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث جامعي مغربي

.................

الهوامش

([1] ) ـ جمال بندحمان، سيمياء الحكي المركب – البرهان والعرفان، الصفحة 11، الطبعة الأولى I، السنة 2014، القاهرة، رؤية للنشر والتوزيع.

([2] ) ـ أَرِسْطُو ‏( 384 ق.م 322 ق.م ) أو أَرِسْطُوطَالِيس المعلم الأول هو فيلسوف يوناني وتلميذ أفلاطون ومعلم الإسكندر الأكبر. وهو مؤسس مدرسة ليسيوم ومدرسة الفلسفة المشائية والتقاليد الأرسطية، وواحد من عظماء المفكرين. تغطي كتاباته مجالات عدة، منها الفيزياء و‌الميتافيزيقيا و‌الشعر و‌المسرح و‌الموسيقى و‌المنطق و‌البلاغة و‌اللغويات و‌السياسة و‌الحكومة و‌الأخلاقيات و‌علم الأحياء و‌علم الحيوان.كان لفلسفته تأثير فريد على كل شكل من أشكال المعرفة تقريبًا في الغرب، ولا يزال موضوعًا للنقاش الفلسفي المعاصر.

([3] ) ـ ولد شوبنهاور في الثاني والعشرين من شهر فبراير سنة 1788 م. درس الفلسفة بجامعة جوتنجن بين عامي 1809 و1811، ثم انتقل إلى جامعة برلين (1811 – 1813م) حيث ختم دراسته بحصوله على الدكتوراه عن رسالته التي دونها تحت عنوان: الأصول الأربعة لمبدأ السبب الكافي وهي رسالة في العقل وصلته بالعالم الخارجي، وهو يقصد بالسبب الكافي علاقتنا بالعالم الخارجي وفهمنا إياه. ويرى أن السبب الكافي الذي يتحدث عنه يقوم على أصول أربعة هي: ((علاقة بين مبدأ ونتيجة – علاقة بين علة ومعلول–علاقة بين زمان ومكان – علاقة بين داع وفعل)). والصور الثلاثة الأول تخص التصور النظري، أما الصورة الرابعة فهي العمل. وهذه الأربعة هي التي ينشأ عنها تصورنا للعالم الخارجي، وانفعالنا معه. ثم أخرج كتابه الثاني وهو العالم إرادة وتصور أو العالم إرادة وفكرة. وقد كان تلميذا لكانط. مات أبوه منتحرا وهو في السابعة عشرة (1805 م). عاش بعد ذلك حياة شقية تعيسة بسبب خلافه مع أمه بسبب حياة التحرر من كل قيود الفضيلة التي عاشتها أمه بعد أبيه، وقد انتهى الخلاف بينهما إلى قطيعة كاملة حتى ماتت ولم يرها.

([4] ) ـ لوي بيير ألتوسير (‏16 أكتوبر 1918 - 22 أكتوبر 1990) كان فيلسوفا ماركسيا. ولد في الجزائر ودرس في مدرسة الأساتذة العليا في باريس حيث أصبح أستاذا للفلسفة فيها. كان ألتوسير لفترة طويلة عضوا في الحزب الشيوعي الفرنسي واعتبر أحد أهم المنظرين الماركسيين في القرن العشرين.يعتبر ألتوسير ماركسيا بنيويا، رغم أن علاقته بمدارس أخرى للبنيوية الفرنسية ليست مسألة انتماء بسيط وقد انتقد العديد من أوجه البنيوية.

([5] ) ـ عبد السلام بنعبد العالي، سوسيولوجية الحياة اليومية، الصفحة 56-57.

([6] ) ـ ستانلي فيشStan Ley Fish 1938: ناقد أمريكي صدر له كتاب تحت عنوان: هل هناك نص في قاعة الدرس هذه؟". - سلطة الفئات التأويلية

.

IS There a texte in this choss, the Authonity of interpretive communitics

وقد ترجم باللغة الفرنسية بالعنوان التالي:

Quand lire c’est (L’autorité des communautés interactives).

([7]) – Le romon à thèse ou L’outorité fictive puf 1983, p.46.

([8]) – The implied of reader, London 1980 The oct of reading, London 1981.

([9]) –Roland, Bart, Le degré zéro de L’écriture. الطيب بيار، الدعم، العدد الثاني،يونيو1996

([10]) – A-propos des critiques des chots de bond laire

([11] ) ـ في منظور مادة نص، الصفحة 98.

([12]) ـ د: محمد مفتاح تحليل الخطاب الشعري استراتيجية التناص، دار السنوبر ط1 1985 ص120.

([13]) -Larousse Jaque du bois et autres.

([14]) ـ للمزيد من التعمق في نص القارئ أو القارئ كنص يراجع كتاب introduction aux études littéraires méthodes du texte.

([15]) ـ جمال بندحمان، سيمياء الحكي المركب – البرهان والعرفان، الصفحة 11، الطبعة الأولى I، السنة 2014، القاهرة، رؤية للنشر والتوزيع.

قراءة في عقل الباحث والمفكر تحسين الشيخلي

جاءت مقالة تحسين الشيخلي عن اعمال الملتقى العربي للذكاء الاصطناعي الذي اقامه اتحاد مجالس البحث العلمي العربي – جامعة الدول العربية بالتعاون مع جامعة المستقبل ببابل، لتكشف ما وراء النقاشات التقنية وتضعنا امام سؤال مصيري: هل نناقش الذكاء الاصطناعي، ام نعيش داخل ذكاء الاخرين؟

هذا السؤال يقود الى جوهر رؤيته: ان الخطر الحقيقي ليس في التاخر التقني، بل في فقدان السيادة المعرفية. الشيخلي يرى ان من يملك الخوارزمية يملك الواقع، وان الدول التي لا تمتلك نماذجها وبياناتها ستعيش داخل عقل غيرها، حتى لو بدت متقدمة تقنيا. هنا يظهر مفهومه عن "الاستعمار الخوارزمي": استعمار بلا جنود، لكنه يفرض ارادته عبر البنية التقنية ذاتها.

لقد كشف الشيخلي عن "الغفلة التقنية" التي قد تجعلنا ننبهر بالتطبيقات ونغفل عن الاصول. اعجابي بهذا الطرح ينبع من انه لا يكتفي بالحديث عن المستقبل كزمن سياتي، بل يفتش عن الهوية داخل الاكواد، عن الذات التي قد تضيع ان لم نملك عقلنا الخوارزمي. ومن هذا الوعي المبكر بخطر الغفلة التقنية، ينتقل الشيخلي الى التحذير الاشد خطورة: التبعية المعرفية.

"الاستعمار الناعم" والتحرر المعرفي

توقفت طويلا عند تحذيره من هذه التبعية. هنا اجد نفسي ماخوذا بعمق الفكرة، فالاستعمار الخوارزمي الذي وصفه الشيخلي هو استعمار بلا جنود، لكنه اخطر لانه يتسلل الى لا وعينا الجمعي. اعجابي بهذا التصوير انه يضعنا امام حقيقة ان الخوارزمية هي "دستور العصر الرقمي"، فاذا لم نكتب دستورنا بايدينا وبقيمنا، سنظل مجرد بيانات في جداول الاخرين. السيادة الخوارزمية التي ينادي بها الشيخلي هي بالفعل "بيان استقلال" جديد، يذكرنا ان التحرر في المستقبل لن يكون سياسيا او اقتصاديا فقط، بل معرفيا ايضا. واكثر ما يدهشني في هذا الطرح انه يحول القلق الى طاقة بحثية خلاقة، ويجعل من الاستشراف فعلا انقاذيا لا مجرد تنظير.

حوار "الواقع" و"الرؤية"

لكن الشيخلي لا يكتفي بالتحذير، بل يفتح بابا للحوار بين الواقع القائم والرؤية الممكنة. في ردوده على بعض المداخلات، تجلى نبل الشيخلي وادبه الفكري، فهو لا ينكر فجوة الواقع، لكنه يرفض ان تتحول هذه الفجوة الى مقبرة للطموح. اعجبتني هذه الصرامة الممزوجة باللطف، لانها تجعل الاستشراف فعلا انقاذيا لا مجرد تنظير. المجتمع الذي يتبنى هذه الرؤية لن ينتظر حتى يمتلك شروط السيادة ليبدا الحديث عنها، بل سيحول القلق الى وقود للبحث العلمي الجاد، ويجعل من الفكرة مشروعا للتحرر المعرفي.

ومع ذلك، فان هذه الرؤية، مهما كانت استشرافية وملهمة، تصطدم بواقع البحث العلمي العربي. فالتقدم في سباق الخوارزميات لا يمكن ان يتحقق في فراغ، بل هو جزء من منظومة اكبر اسمها العلم والبحث والابتكار. لا يمكن ان نطالب بذكاء اصطناعي عربي مستقل ونحن نهمل جذور المعرفة، ونترك الجامعات بلا انتاج علمي، والمختبرات بلا تمويل، والعقول بلا بيئة محفزة.

فالسيادة الخوارزمية ليست غصنا يمكن ان يزدهر وحده، بل هي ثمرة شجرة كاملة. من يملك الرقائق يملك القدرة الحسابية، ومن يملك البيانات يملك المادة الخام، لكن من يملك البحث العلمي يملك القدرة على تحويل هذه العناصر الى عقل صناعي مستقل. بدون ذلك، سنظل مجرد مدخلات في انظمة الاخرين، مهما بدا اننا نواكب العصر.

ان تبني رؤية الشيخلي سيظل امنية ما لم نبدا باصلاح جذري للبحث العلمي العربي. فالمستقبل لن يقسم الدول الى متقدمة ومتخلفة، بل الى دول تفكر بذاتها ودول يُفكر عنها. ولكي نكون من الفئة الاولى، علينا ان نعيد بناء منظومتنا العلمية من الاساس:

- تعليم يزرع حب البحث والتفكير لا مجرد حفظ المناهج.

- جامعات تنتج معرفة لا شهادات.

- سياسات تعتبر مراكز البيانات والنماذج الوطنية اصولا سيادية لا تقل اهمية عن النفط او الحدود.

- ثقافة ترى في الابتكار شرطا للبقاء لا ترفا.

وهنا يكتمل المعنى الذي طرحه الشيخلي: ان السيادة الخوارزمية لن تتحقق الا اذا امتلكنا الشجرة كاملة، لا غصنا واحدا. ومن لا يملك منظومته العلمية، لن يملك خوارزمياته، وسيظل يعيش داخل عقل الاخرين.

اخيرا، لقد علمتني قراءة الشيخلي ان المستقبل ليس مكانا نذهب اليه، بل هو خوارزمية نصممها الان. اعجابي بافكاره يتجدد كلما ادركت ان السؤال الحقيقي ليس: هل نستخدم الذكاء الاصطناعي؟ بل: هل نستخدم ذكاءنا نحن، ام ذكاء الاخرين؟

***

محمد الربيعي

مقدمة: في عمق الوجود الإنساني، يبرز الإنسان ككائن معقد يتشكل من تفاعل ديناميكي بين الخارج والداخل، حيث يُعتبر نتاجاً مباشراً للظروف المحيطة به، تلك الظروف التي تشمل البيئة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والتاريخية التي يولد فيها وينمو. هذه الظروف ليست مجرد خلفية سلبية، بل هي قوى تشكيلية تُحدد مسارات الحياة، فالطفل الذي ينشأ في أحياء الفقر المدقع يتعلم الصراع منذ الصغر، يصبح مقاوماً للشدائد لكنه قد يحمل جروحاً نفسية تجعله يرى العالم من منظور الشك والحذر، بينما الشاب الذي يترعرع في بيئة الرفاهية قد يطور مهارات الابتكار والثقة بالنفس، إلا أنه قد يفقد القدرة على التعاطف مع الآخرين الذين لم ينعموا بمثل هذه الفرص. فكيف يتشكل الانسان؟ وماهي ظروف تشكله وتكون أفكاره؟

ظروف تشكل الانسان

هذا التشكيل البيئي يذكرنا بكيفية أن الإنسان ليس كائناً مستقلاً تماماً، بل هو نتاج تراكمي للتجارب الخارجية، حيث تؤثر الظروف الاقتصادية في تشكيل الطموحات، ففي مجتمعات الركود الاقتصادي يصبح البقاء هو الهدف الأسمى، بينما في اقتصاديات النمو السريع يصبح الطموح اللامحدود سمة أساسية، وهكذا يصبح الإنسان وليداً لظروفه، يتكيف معها ويتعلم منها، لكنه في الوقت نفسه يحاول أن يتجاوزها، محاولاً رسم مصيره بيده.

مع ذلك، فإن هذا التشكيل الخارجي لا يمثل الصورة الكاملة، إذ يظل الإنسان أسيراً لأفكاره، تلك الأفكار التي تتجاوز الظروف المادية لتصبح سجناً داخلياً يحد من حريته الحقيقية. الأفكار هنا ليست مجرد أدوات تفكير عابرة، بل هي بنى نفسية عميقة تشكل الإدراك والسلوك، فالإنسان الذي يعاني من ظروف قاسية قد يطور أفكاراً سلبية تكبله، مثل الاعتقاد بأن النجاح مستحيل أو أن العالم مكان معادٍ، مما يجعله يدور في حلقة مفرغة من اليأس، حتى لو تغيرت ظروفه الخارجية. هذا الأسر يظهر بوضوح في حالات الاكتئاب أو القلق المزمن، حيث تتحول الأفكار إلى أغلال غير مرئية، تجعل الإنسان يرى الفرص كتهديدات، والنجاحات كوهم، فالفرد الذي نجا من حرب أو كارثة طبيعية قد يحمل في ذهنه صوراً مرعبة تجعله يعيش في خوف دائم، حتى في أوقات السلام، مما يؤكد أن الظروف تخلق الإنسان، لكن الأفكار تحبسه داخل نفسه. هذا التوتر بين الولادة من الظروف والأسر في الأفكار يعكس طبيعة الإنسان ككائن مزدوج، حيث يتأثر بالخارج لكنه يعيد تفسير هذا التأثير من خلال مرشحات ذهنية، فالأفكار ليست نتاجاً سلبياً فقط، بل هي أيضاً أدوات للتغيير، إلا أنها غالباً ما تتحول إلى عوائق إذا لم يتم التعامل معها بوعي.

في سياق اجتماعي أوسع، يظهر هذا المفهوم في كيفية أن المجتمعات تشكل أفرادها من خلال الظروف الثقافية والتاريخية، فالشعوب التي مرت بفترات استعمار طويلة غالباً ما تولد أجيالاً تحمل أفكاراً عن الذات كضحية، مما يجعلها أسيرة لماضيها حتى بعد الاستقلال، حيث تظل الأفكار عن التبعية والضعف تحد من التقدم، رغم تغير الظروف السياسية. هنا، يصبح الإنسان وليداً لتاريخه الجماعي، يرث الظروف كتراث، لكنه يظل محاصراً بأفكار موروثة تحول دون الابتكار، فالفرد في مجتمع محافظ قد ينشأ في ظروف تفرض عليه قيماً تقليدية، لكنه إذا طور أفكاراً متمردة، يصبح في صراع داخلي، أما إذا بقي أسيراً للأفكار السائدة، فإنه يعيد إنتاج الظروف نفسها للأجيال القادمة. هذا الدور الدوري يبرز في الظواهر النفسية مثل التحيزات المعرفية، حيث تؤدي الأفكار المتحيزة إلى تفسير الظروف بطريقة تؤكد تلك الأفكار، مما يجعل الإنسان سجيناً في فقاعته الذهنية، فمثلاً، الشخص الذي يعاني من ظروف عمل قاسية قد يطور فكرة أن النجاح يأتي فقط من خلال الاستغلال، مما يمنعه من البحث عن فرص أفضل، وهكذا يظل أسيراً لأفكاره رغم إمكانية تغيير الظروف.

من الناحية النفسية، يعمق هذا المفهوم فهم الإنسان ككائن يعيش في توازن هش بين التأثير الخارجي والداخلي، حيث تُشكل الظروف الشخصية مثل التربية الأسرية أو التجارب المبكرة الأساس للأفكار، لكن هذه الأفكار تتطور لتصبح مستقلة نسبياً، قادرة على إعادة تشكيل الواقع. الإنسان الذي يولد في ظروف من العنف الأسري قد يصبح عنيفاً بدوره، أسيراً لأفكار عن السلطة كوسيلة للبقاء، أو قد يطور أفكاراً عن السلام كوسيلة للتحرر، مما يجعله يغير ظروفه، لكن في كثير من الحالات، يظل الأسر الذهني قائماً، كما في حالات الاضطرابات النفسية حيث تتحول الأفكار إلى هاجس يسيطر على الحياة، فالفنان الذي يعيش في ظروف الفقر قد يطور أفكاراً عن الفن كوسيلة للخلاص، لكنه إذا أصبح أسيراً لفكرة الكمال، قد يدمر نفسه قبل أن يحقق إنجازه. هذا يؤكد أن الإنسان، رغم كونه وليداً لظروفه، يحتاج إلى وعي ذاتي ليتحرر من أسره الذهني، فالتأمل والتعليم يمكن أن يكونا أدوات لإعادة تشكيل الأفكار، تحولها من أغلال إلى أجنحة، لكن بدون ذلك، يبقى الإنسان في صراع دائم، يتأرجح بين ما فرضته الظروف وما حبسته الأفكار.

في المجال الفلسفي، يتردد هذا المفهوم في أفكار كثير من المفكرين، حيث يُرى الإنسان كنتاج للظروف الاجتماعية التي تُحدد وجوده، لكنه في الوقت نفسه يمتلك حرية داخلية محدودة بأفكاره، فالحرية الحقيقية ليست في تغيير الظروف فقط، بل في تغيير النظرة إليها، مما يجعل الأفكار سجناً إذا كانت سلبية أو بوابة للتحرر إذا كانت إيجابية. الإنسان في ظروف الثورات الاجتماعية يصبح ثائراً، لكنه إذا بقي أسيراً لأفكار الانتقام، قد يعيد إنتاج الظلم نفسه، بينما إذا طور أفكاراً عن العدالة، يمكن أن يبني مجتمعاً أفضل. هذا التوازن يجعل الإنسان كائناً تراجيدياً، وليداً لعالمه الخارجي لكنه أسير لعالمه الداخلي، وفي هذا الصراع يكمن جوهر الوجود الإنساني، حيث يسعى دائماً للتوفيق بين ما هو مفروض وما هو ممكن، محاولاً التحرر من كلا الجانبين ليصبح سيد مصيره الحقيقي.

الجوانب النفسية لمفهوم الإنسان

في أعماق النفس البشرية، يتجلى الإنسان ككائن يتشكل من خلال تفاعل معقد بين الظروف الخارجية والعوالم الداخلية، حيث تُعتبر الظروف البيئية والاجتماعية والعاطفية الرحم الذي يولد منه الشخصية، لكن الأفكار تتحول تدريجياً إلى سلاسل غير مرئية تحد من حركته النفسية. من منظور نفسي، يُرى الإنسان كوليد لظروفه، فالتجارب المبكرة في الطفولة، مثل التربية الأسرية أو التعرض للصدمات، تشكل الأساس للنمط النفسي، حيث يتعلم الطفل كيفية التعامل مع العالم من خلال هذه الظروف، فإذا نشأ في بيئة مليئة بالدعم العاطفي، يطور آليات دفاعية إيجابية تجعله مرناً أمام التحديات، أما إذا واجه إهمالاً أو عنفاً، فإن هذه الظروف تخلق جروحاً نفسية تؤثر على بنية الذات، مما يجعله عرضة للقلق أو الاكتئاب في مراحل لاحقة من الحياة. هذا التشكيل النفسي ليس عشوائياً، بل هو عملية تكيفية تُشبه آلية التعلم الشرطي، حيث تربط الظروف بين المحفزات الخارجية والاستجابات الداخلية، فالإنسان الذي يعاني من فقر مدقع في صغره قد يطور خوفاً من الفقدان يجعله يتمسك بالممتلكات بشكل مرضي، حتى لو تحسنت ظروفه المادية، مما يبرز كيف أن الظروف ليست مجرد حدث عابر، بل هي بذور تنبت في اللاوعي لتشكل الشخصية الأساسية. مع ذلك، فإن هذا الولادة النفسية من الظروف لا تكتمل دون الاعتراف بالأسر الذي تفرضه الأفكار، إذ تتحول الأفكار إلى هيكل داخلي يسيطر على الإدراك والسلوك، مما يجعل الإنسان سجيناً في قفص ذهني من صنعه. من الناحية النفسية، تُعتبر الأفكار جزءاً من الآليات المعرفية، حيث تعمل كمرشحات تفسر الواقع، فإذا كانت الأفكار مشوهة بسبب تجارب سابقة، مثل الاعتقاد بأن "أنا غير كفء" الناتج عن فشل دراسي في الطفولة، فإنها تحول دون الاستفادة من فرص جديدة، حتى لو تغيرت الظروف إلى الأفضل، مما يؤدي إلى حالة من الجمود النفسي. هذا الأسر يظهر بوضوح في نظرية التحيزات المعرفية، حيث تميل الأفكار إلى تأكيد نفسها ذاتياً، فالإنسان الذي يرى نفسه ضحية لظروفه قد يركز فقط على الأحداث السلبية، متجاهلاً الإيجابيات، مما يعزز من حلقة اليأس والعزلة، وهكذا يصبح أسيراً لأفكاره التي تحول الظروف الخارجية إلى سجن داخلي، حتى في أوقات الازدهار. على سبيل المثال، الشخص الذي نجا من صدمة نفسية كبيرة، مثل فقدان عزيز، قد يطور أفكاراً عن العالم كمكان غير آمن، مما يجعله يعيش في حالة من اليقظة المفرطة، رغم أن الظروف الفعلية قد أصبحت مستقرة، وهذا يعكس كيف أن الأفكار ليست مجرد انعكاس للظروف، بل هي كيان مستقل يمكن أن يتجاوزها ويسيطر عليها. في سياق الاضطرابات النفسية، يتعمق هذا المفهوم ليصبح أداة تفسيرية للعديد من الحالات، فالإنسان وليد ظروفه في تشكل الاضطرابات مثل اضطراب ما بعد الصدمة، حيث تكون الصدمة الخارجية السبب المباشر، لكن الأفكار المتكررة عن الذنب أو الخوف تحولها إلى أسر دائم، مما يجعل العلاج يركز على إعادة هيكلة هذه الأفكار من خلال العلاج المعرفي السلوكي، الذي يساعد في تحرير الإنسان من أسره الذهني. هنا، يبرز التوتر النفسي بين الولادة والأسر، فالظروف تخلق الشقوق في الذات، لكن الأفكار تملأها بسموم تحولها إلى جروح مزمنة، كما في حالات الاكتئاب السريري حيث يولد الاكتئاب من ظروف مثل الفقدان أو الإجهاد المزمن، لكن الأفكار السلبية عن الذات والعالم والمستقبل، كما وصفها آرون بيك، تجعل الإنسان أسيراً في دوامة من اليأس، حتى لو تحسنت الظروف الخارجية، مما يؤكد أن النفس البشرية ليست مجرد رد فعل سلبي، بل هي نظام ديناميكي يعيد إنتاج الواقع من خلال أفكارها. كذلك، في مجال النمو النفسي، يظهر هذا المفهوم في مراحل التطور، فالطفل وليد لظروف عائلته التي تشكل هويته، لكن في مرحلة المراهقة، تتحول الأفكار عن الاستقلال إلى أداة للتحرر أو الأسر، إذ إذا كانت الأفكار مشبعة بالشك الذاتي، يبقى الشاب أسيراً لماضيه رغم تغير ظروفه. من منظور نفسي اجتماعي، يمتد هذا التوازن إلى كيفية أن الظروف الجماعية تشكل الأفراد، ففي مجتمعات تعاني من النزاعات أو الفقر، يولد الإنسان مع ميل نفسي للصمود، لكن الأفكار الجماعية عن الضعف أو الظلم تحول هذا الصمود إلى أسر، مما يؤدي إلى ظواهر مثل الاكتئاب الجماعي أو القلق المجتمعي، حيث يصبح الإنسان أسيراً لأفكار موروثة تحول دون الابتكار أو التغيير. هذا يظهر في دراسات علم النفس الثقافي، حيث تختلف كيفية تعبير الأفكار عن الذات بين الثقافات، ففي الثقافات الجماعية، قد تكون الظروف الاجتماعية أقوى في التشكيل، لكن الأفكار عن الالتزام بالجماعة تحول الفرد إلى أسير للتقاليد، بينما في الثقافات الفردية، تمنح الظروف حرية أكبر، لكن الأفكار عن النجاح الفردي قد تؤدي إلى عزلة نفسية. في كل الحالات، يظل الإنسان في صراع نفسي داخلي، يحاول التوفيق بين ما فرضته الظروف وما حبسته الأفكار، وهنا تكمن أهمية الوعي النفسي، الذي يمكن أن يحول الأفكار من أغلال إلى أدوات للنمو، من خلال ممارسات مثل التأمل أو العلاج، حيث يتعلم الإنسان كيفية إعادة صياغة أفكاره ليتحرر من أسره، محولاً ظروفه إلى فرص للتطور بدلاً من قيود. فماهي علاقة متشابكة في تشكيل الذات والسلوك؟

الذكاء العاطفي والأفكار

في قلب التجربة الإنسانية، يقف الذكاء العاطفي كجسر حيوي بين العالم الداخلي للمشاعر والعالم الخارجي للأفكار والأفعال، فهو ليس مجرد قدرة على التعرف على المشاعر وإدارتها، بل هو أداة عميقة تؤثر مباشرة في كيفية توليد الأفكار، تفسيرها، وتوجيهها نحو مسارات بناءة أو مدمرة. يُعرف الذكاء العاطفي، كما طوره دانيال جولمان، بأنه القدرة على إدراك العواطف الذاتية والآخرين، فهمها، استخدامها لتسهيل التفكير، وإدارتها لتحقيق أهداف إيجابية، وهذا التعريف يكشف عن ارتباط وثيق بالأفكار، إذ تُولد المشاعر أفكاراً، وتُشكل الأفكار بدورها مشاعر جديدة في حلقة مستمرة من التفاعل الديناميكي. عندما يمتلك الإنسان وعياً عاطفياً عالياً، يصبح قادراً على ملاحظة كيف تؤثر عواطفه على أفكاره، فالغضب قد يولد أفكاراً انتقامية أو دفاعية، بينما الفرح يفتح أبواب التفكير الإبداعي والتفاؤل، وهنا يبرز الذكاء العاطفي كحارس يمنع سيطرة العواطف السلبية على مسار التفكير، محولاً الطاقة العاطفية إلى وقود للتفكير المنطقي والإيجابي.

الجانب الأول في هذه العلاقة يكمن في الوعي الذاتي، وهو الركن الأساسي للذكاء العاطفي، إذ يتيح للفرد التعرف على مشاعره في اللحظة ذاتها، وفهم كيف تؤثر هذه المشاعر على تدفق أفكاره. الشخص ذو الذكاء العاطفي المرتفع لا يترك العاطفة تتحكم في أفكاره بشكل أعمى، بل يلاحظها كظاهرة منفصلة، فيقول لنفسه مثلاً: "أشعر بالقلق الآن، وهذا القلق يجعلني أفكر في أسوأ السيناريوهات"، مما يمنحه مسافة نفسية لإعادة تقييم الأفكار بدلاً من الاستسلام لها. هذا الوعي يمنع تشكل التحيزات المعرفية السلبية، مثل التفكير الكارثي أو التعميم الزائد، اللذين غالباً ما ينبعان من عواطف غير مدارة، فالخوف قد يولد أفكاراً عن "الفشل المحتوم"، لكن الذكاء العاطفي يتدخل ليحول هذا الخوف إلى حذر بناء يدفع نحو حلول عملية. بهذا المعنى، يصبح الذكاء العاطفي أداة لإدارة الأفكار غير المباشرة، إذ يساعد في كسر الحلقات السلبية التي تربط بين العاطفة والفكرة المشوهة، مما يفتح المجال لتفكير أكثر توازناً وواقعية. من جهة أخرى، تؤثر الأفكار بدورها في تعزيز أو إضعاف الذكاء العاطفي، فالأفكار الإيجابية والمتفائلة تغذي مشاعر الثقة والأمل، مما يجعل الإنسان أكثر قدرة على التعاطف مع الآخرين وإدارة علاقاته، بينما الأفكار السلبية المزمنة، مثل "أنا غير كفء" أو "الآخرون دائماً يخذلونني"، تحول دون الوعي العاطفي وتجعل الفرد أسيراً لردود فعل انفعالية. هنا يظهر دور الذكاء العاطفي في إعادة صياغة الأفكار، من خلال التنظيم الذاتي الذي يسمح بتهدئة العواطف أولاً، ثم استبدال الأفكار السلبية بأخرى أكثر توازناً، كما في تقنيات العلاج المعرفي السلوكي التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمبادئ الذكاء العاطفي. الشخص الذكي عاطفياً يستخدم عواطفه كإشارات لفحص أفكاره، فإذا شعر بالحزن، يسأل نفسه: "ما هي الأفكار التي أدت إلى هذا الحزن؟ هل هي واقعية أم مبالغ فيها؟"، وهذا التساؤل يحول العاطفة من عدو إلى حليف في عملية التفكير الناقد. في سياق العلاقات الاجتماعية، يبرز الارتباط بين الذكاء العاطفي والأفكار بشكل أوضح، إذ يتيح الوعي الاجتماعي فهم مشاعر الآخرين، مما يساعد في تعديل الأفكار عنهم بدلاً من الحكم السريع. الشخص ذو الذكاء العاطفي لا يفترض نوايا سلبية بناءً على عاطفة لحظية، بل يفكر في السياق العاطفي للآخر، فيقول: "ربما يكون غاضباً بسبب ضغط عمله، وليس بسببي"، وهذا يولد أفكاراً أكثر تعاطفاً ويقلل من الصراعات. كذلك، في إدارة الضغوط، يساعد الذكاء العاطفي في استخدام العواطف لتحفيز التفكير الإبداعي، فالتوتر المدار يمكن أن يصبح دافعاً لأفكار حلول مبتكرة، بينما التوتر غير المدار يولد أفكاراً جامدة وتجنبية. هذا التوازن يجعل الإنسان قادراً على تحويل العواطف إلى طاقة تفكيرية إيجابية، مما يعزز الإنتاجية والرضا الذاتي.

خاتمة

في النهاية، يظل هذا المفهوم دعوة للتأمل في طبيعتنا المزدوجة، حيث نولد من الظروف لنعيش أسرى أفكارنا، لكن في الوعي تكمن مفتاح التحرر، يفتح أبواباً نحو حياة أكثر حرية وإبداعاً. كما يعمق الجانب النفسي لهذا المفهوم فهم الإنسان ككائن مزدوج الطبيعة، وليد لظروفه التي تبني أساسه، لكنه أسير لأفكاره التي تحدد حدوده، وفي هذا التوتر يكمن سر الوجود البشري، حيث يسعى الإنسان دائماً نحو التوازن، مستخدماً الوعي كمفتاح للتحرر، ليصبح ليس مجرد رد فعل للخارج، بل مبدعاً لعالمه الداخلي، قادراً على تجاوز الظروف وإعادة تشكيل أفكاره نحو حياة أكثر سلاماً وإنجازاً. هذا المنهج النفسي ليس مجرد تحليل، بل دعوة للتأمل في أعماق الذات، حيث يمكن أن يتحول الأسر إلى حرية إذا تم التعامل مع الأفكار بذكاء عاطفي، مما يجعل الإنسان سيد مصيره النفسي الحقيقي. لذلك يمثل الذكاء العاطفي مفتاحاً لتحرير الإنسان من أسر أفكاره السلبية، إذ يمنحه القدرة على مراقبة التفاعل بين المشاعر والأفكار، وتوجيهه نحو نمو شخصي مستدام. بدون ذكاء عاطفي، تبقى الأفكار عرضة لسيطرة العواطف الخام، مما يؤدي إلى دوامات من القلق أو الاكتئاب، أما معه، فيصبح التفكير أكثر مرونة وإبداعاً، والحياة أكثر توازناً وانسجاماً. هذه العلاقة ليست مجرد آلية نفسية، بل هي جوهر القدرة على العيش بحكمة، حيث يتحول الإنسان من رد فعل لعواطفه وأفكاره إلى صانع واعٍ لمصيره الداخلي، مستخدماً الذكاء العاطفي كبوصلة توجه الأفكار نحو السلام الداخلي والعلاقات الإيجابية. فماهي الطرق المعرفية العلاجية السلوكية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

تعاضد الرأسمالية العالمية وتراجيديا الحياة العارية

تعد العلاقة بين السلطة السياسية وكرامة المواطن في المجتمعات المعاصرة واحدة من أعقد الإشكاليات التي تواجه الفلسفة السياسية وعلم الاجتماع والتحليل الاقتصادي. تبرز "سياسة الإذلال" كأداة حكم جوهرية في الأنظمة التي توصف بـ "الرخوة"، وهي الأنظمة التي تعاني من هشاشة مؤسساتية وبيروقراطية مزمنة، لكنها في الوقت ذاته تمارس سطوة سيادية مطلقة على جسد وحياة المواطن. إن التساؤل الجوهري الذي يطرح يتمحور حول ما إذا كان هذا الإذلال الممنهج يمثل آلية لدمج هذه الدول في منظومة الرأسمالية العالمية كأطراف تابعة ومستباحة، أم أنه يمثل "عذاب قبر حياتي" يفرضه النظام المحلي على "المواطن العاري" الذي جُرّد من حقوقه.

عبر تشريح مفاهيم "الحياة العارية" عند جورجيو أغامبين، ونظريات التبعية عند سمير أمين، ومفهوم "الدولة الرخوة"، يتضح أن الإذلال ليس مجرد عرض جانبي لسوء الإدارة، بل هو تقنية حيوية تهدف إلى تحويل سياسية فاعلة من قبل رأس المال العالمي. إن هذا التداخل المعقد بين الهيمنة الاقتصادية الدولية والبطش السيادي المحلي، مبيناً كيف يتم استغلال "حالة الاستثناء" لتحويل الوجود الإنساني إلى مجرد مادة خام في دورة التراكم الرأسمالي.

 جدلية الإدماج والإقصاء في الفكر الأرسطي وما بعده

يرى أغامبين أن تعريف أرسطو للمدينة (بأنها تنشأ من أجل الحياة، ولكنها تستمر من أجل الحياة الفضلى) يمثل اللحظة التأسيسية التي تم فيها إقصاء "الحياة العارية" من المجال السياسي مع شمولها فيه في آن واحد عبر هذا الإقصاء. في الأنظمة الرخوة، يتم إنتاج ما يسمى بـ "الحياة العارية" بشكل مكثف. هذه الحياة ليست مجرد وجود بيولوجي، بل هي المنتج السيادي الناتج عن التقاطع بين القانون وحالة الاستثناء. المواطن في هذه الحالة يتم إقصاؤه من الحقوق والضمانات السياسية مع إبقائه تحت رحمة السلطة في جانبها العقابي والمادي الصرف.  

الدولة الرخوة كبيئة حاضنة لسياسة الإذلال

تُعرف "الدولة الرخوة" في الأدبيات السياسية بأنها تلك الدولة التي توجد فيها منظومات قانونية ودستورية شكلية، لكنها تفتقر إلى الإرادة أو القدرة على تطبيقها بعدالة، حيث يتفشى الفساد والبيروقراطية والترهل الإداري. هذا الرخاء المؤسساتي يقابله "صلابة" مفرطة في ممارسة العنف الرمزي والمادي ضد الفئات الأضعف في المجتمع. 

تستخدم الدولة الرخوة سياسة الإذلال كآلية تعويضية عن فقدان شرعيتها الإنجازية. عندما تعجز الدولة عن توفير التنمية الاقتصادية أو الأمن الاجتماعي، تلجأ إلى تحطيم كرامة المواطن لجعله يشعر بالدونية والارتهان الدائم لعطايا السلطة أو تجنب بطشها. تشمل هذه السياسات آليات معقدة تتغلغل في النسيج اليومي للحياة: 

البيروقراطية كأداة تعذيب: تحويل الحصول على أبسط الحقوق (مثل وثيقة هوية أو علاج طبي) إلى رحلة من المذلة والانتظار والرشوة. هذا "الإذلال الإداري" يهدف إلى إفهام المواطن أن وجوده القانوني هو "منحة" من السلطة وليس حقاً أصيلاً. 

العقوبات البدنية والتشهير العلني: استخدام أجهزة الأمن لإهانة الأفراد علناً، سواء عبر التحرش اللفظي أو الجسدي في الأماكن العامة، مما يؤدي إلى كسر "الأنا" الجماعية للفرد والمجتمع. 

تخفيض سقف التوقعات: من خلال الإذلال المستمر، يتم دفع المواطن إلى القناعة بأن "النجاة" هي أقصى طموحه، مما يؤدي إلى خمول سياسي تام وتخلي عن المطالبة بالعدالة الاجتماعية أو التغيير الهيكلي. 

إن هذا الإذلال يمثل "عذاب قبر حياتي" لأنه يسلب الإنسان القدرة على التخيل أو التخطيط للمستقبل، ويحصره في لحظة البقاء البيولوجية المحضة. هنا تلتقي الفلسفة بالواقع الاقتصادي؛ فالمواطن الذي يشغله البحث عن رغيف الخبز أو النجاة من إهانة شرطي، هو المواطن المثالي لنظام يريد تحييد القوى الاجتماعية لضمان استمرار نهب الفائض لصالح النخب المرتبطة بالمركز العالمي.  

الدولة الرخوة والسيادة المنقوصة

ان الربط بين الأنظمة الرخوة ومفهوم "الدولة الرخوة" حيث تنهار الوظائف الأساسية للدولة وتتحول السيادة إلى مجرد أداة لحماية بقاء النخبة الحاكمة. يُستخدم الرعب السياسي والسيطرة على الموارد الطبيعية لترسيخ السلطوية السيادية، حيث تُحول الموارد إلى ثروات تُستعمل في تمويل أجهزة القمع بدلاً من التنمية. المواطن هنا يجد نفسه "عارياً" تماماً؛ فلا هو محمي بقانون الدولة المحلي، ولا هو مشمول بحماية القوانين الدولية التي غالباً ما تغض الطرف عن الانتهاكات في سبيل استقرار المصالح الاقتصادية.  

التبادل اللامتكافئ واستنزاف الفائض البشري

يرى سمير أمين أن النظام الرأسمالي العالمي يتكون من بنية ثنائية:

 "مركز" مسيطر يستثمر في "محيط" أقل تطوراً. يتم استخراج الفائض الاقتصادي من المحيط إلى المركز عبر آلية "التبادل اللامتكافئ". في هذا السياق، تؤدي الأنظمة الرخوة دور "الوسيط الكمبرادوري" الذي يسهل عملية النهب هذه. 

لتحقيق هذا الاستنزاف، يجب أن تبقى قوة العمل في المحيط رخيصة ومقموعة ومحرومة من الوعي المنظم. هنا تبرز "سياسة الإذلال" كضرورة اقتصادية؛ فهي الوسيلة لضمان عدم تمرد المواطنين على ظروف العمل القاسية أو الأجور التي تقل كثيراً عن القيمة الحقيقية للإنتاجية. إن الفرق بين الأجور في المركز والمحيط يتجاوز بكثير الفرق في الإنتاجية، وهذا هو جوهر الاستغلال العالمي الذي يحول العامل في الدول النامية إلى "حياة عارية" اقتصادياً. 

الإذلال لخفض التوقعات الشعبية

تؤكد هذه البنية أن إفقار المواطن وإذلاله في "الأطراف" ليس مجرد نتيجة للجهل المحلي، بل هو ضرورة هيكلية لاستمرار تراكم رأس المال العالمي. إن المواطن المستلب هو الترس الذي يدور لخدمة المصالح الكبرى، حيث يتم تحويل موارده الطبيعية وقوة عمله إلى ثروات تتدفق نحو المراكز الرأسمالية، بينما يُترك هو لمواجهة "عذاب القبر الحياتي" في ظل دولة لا تعترف به إلا كمصدر للجبايات أو مادة للقمع.  

استهلاك الفائض والبرجوازية الكمبرادورية

تشير الدراسات إلى أن جزءاً كبيراً من الفائض الاقتصادي المحقق في الدول المتخلفة يتم تبديده على استهلاك الطبقة الحاكمة التابعة (الكمبرادورية)، بدلاً من إعادة استثماره في الصناعة الوطنية. هذه الطبقة تستخدم سياسة الإذلال ضد الشعب لضمان عدم مطالبتهم بهذا الفائض. الرأسمالية العالمية، بدورها، تساند هذه البرجوازيات المحلية لأنها تضمن بقاء الدولة في حالة "تبعية تكنولوجية" ومالية دائمة. هكذا، يصبح الإذلال أداة لضمان "الاستقرار" المطلوب للاستثمارات الأجنبية، حيث تعني "الرخاوة" هنا غياب القوانين التي تحمي المواطن، مقابل "صلابة" القوانين التي تحمي رأس المال. 

 سيكولوجية المواطن الخامل والفاعلية المشوهة

طرحت الليبرالية المشوهة في ظل الأنظمة الرخوة فكرة "المواطن الخامل" مقابل "المواطن الفاعل" الذي يعمل فقط ليدفع الضرائب دون المطالبة بحقوق المشاركة السياسية. يتم ربط حق المواطنة الفعلي بمدى القدرة على الاستهلاك أو دفع الجبايات، مما يحول الفقراء (وهم الأغلبية) إلى "حياة عارية" خارج إطار الحماية الاجتماعية.

إنه "عذاب القبر الحياتي" يتجسد في فقدان "الوكالة السياسية.

 تاريخية الإذلال في العلاقات الدولية

لم يكن استخدام الإذلال وليد اللحظة؛ فالتاريخ يشهد على استخدامه كأداة لكسر إرادة الشعوب والدول التابعة. يُذكر تاريخياً أن سياسات الإذلال استخدمت ضد الدولة العثمانية في مراحل ضعفها لإجبارها على إصلاحات تخدم المصالح الأوروبية، مما أدى إلى فقدانها لسيادتها تدريجياً. كما مارست بعض الأنظمة الشمولية سياسة الإذلال ضد أعضائها وضد المنظمات الدولية لضمان التبعية المطلقة للقيادة. هذا التراكم التاريخي يثبت أن الإذلال هو "تقنية حكم" فعالة لخفض سقف الطموحات الشعبية أمام الهيمنة العالمية.  

تحدي سياسة الإذلال

رغم قتامة مشهد "الحياة العارية"، فإن الفكر النقدي والواقع النضالي يطرحان إمكانيات للمقاومة. تنتقد الفيلسوفة جوديث بتلر رؤية أغامبين، معتبرة أن فكرة "الحياة العارية" قد تنزع الوكالة عن الناس وتجعلهم يبدون كضحايا سلبيين لا يملكون إرادة.  

الإذلال كعقد عمل بين السلطوية والرأسمالية

يمكن استنتاج أن سياسة الإذلال في الأنظمة الرخوة تعمل كـ "بروتوكول تعاون" غير مكتوب بين النخب المحلية والنظام الرأسمالي العالمي. الأنظمة الرخوة توفر "البيئة البيولوجية" المقموعة والمذلة التي يحتاجها رأس المال العالمي لتعظيم أرباحه عبر التبادل اللامتكافئ، بينما يوفر النظام العالمي لهذه الأنظمة الغطاء السياسي والمالي للبقاء في السلطة.

هذا التعاضد يخلق "منظومة مغلقة" تجعل من الصعب على الدول الرخوة الخروج من دائرة التبعية دون تغيير جذري في بنية السلطة المحلية وعلاقتها بالسوق العالمي. إن "عذاب القبر الحياتي" ليس مجرد استعارة، بل هو وصف دقيق لحالة المواطن الذي يعيش في "برزخ" قانوني وسياسي؛ فلا هو مواطن يتمتع بكامل حقوقه، ولا هو كائن خارج التاريخ، بل هو مادة للاستغلال المستمر.  

تراجيديا الوجود في الهامش وآفاق التحرر

إن سياسة الإذلال في الأنظمة الرخوة ليست مجرد نتيجة لضعف الكفاءة الإدارية، بل هي تقنية سيادية وحيوية مدروسة تهدف إلى إنتاج "المواطن العاري" القابل للاستغلال في منظومة الرأسمالية العالمية. هذا الاستلاب يمثل "عذاب قبر حياتي" يسلب الإنسان جوهره السياسي ويحوله إلى مجرد جسد مستباح تحت رحمة حالة الاستثناء الدائمة.

إن كسر حلقة الإذلال يبدأ من رفض "حالة الاستثناء" ومن الإصرار على أن تكون الحياة البشرية "غير قابلة للاستباحة". إن الصراع ضد الإذلال هو صراع ضد تعاضد القمع المحلي مع النهب العالمي، وهو في جوهره صراع من أجل استعادة الحق في "الحياة الفضلى" بعيداً عن كابوس الاستلاب وعذاب الوجود العاري.

***

غالب المسعودي

.........................

المراجع

cambridge.org

Bare Life” and Politics in Agamben's Reading of Aristotle | The ... (“'Bare Life' and Politics in Agamben's Reading of Aristotle”)

sup.org

Homo Sacer | Stanford University Press

studysmarter.co.uk

Giorgio Agamben: 'Political Theory', 'Bare Life' - StudySmarter

democraticac.de

الدولة وتجلياتها: الأشكال التي ظهرت بها والأبعاد التي ذهبت إليها - المركز ... (“الدولة وتجلياتها: الأشكال التي ظهرت بها والأبعاد التي ذهبت إليها”)

ahewar.net

نجيب اسطيفان - صفحات مظلمة في تطبيق الماركسية

lubab.aljazeera.net

الجسد المستباح في الثقافة السياسية العربية خصائص العلاقة بين ...

revsoc.me

نظرية الإمبريالية: (2) نقد مسألة التبعية - بوابة الاشتراكي

asjp.cerist.dz

نظرية النظام العالمي الرأسمالي وموقع المنطقة العربية منها - ASJP

shorufatcenter.com

بحث في نظرية النظام العالمي / ايمانويل فالرشتاين - مركز شُرُفات لدراسات وبحوث العولمة والارهاب

archive.org

أنينل ألكسندرو فنادولينا

 

لم يعد الإعلام وسيطًا للمعرفة، بل أداة لإعادة تشكيل الوعي في اتجاه مناوئ للعقل. فسياسات الميديا السائدة تعمل بوعي منهجي على خفض قيمة التفكير النقدي، ورفع منسوب التفاهة والجنون الرمزي، من خلال الإثارة والتسطيح وصناعة الوهم بدل البحث عن الحقيقة.

هذا الانحراف ليس عارضًا ولا بريئًا، بل يندرج ضمن منطق الهيمنة الرمزية؛ حيث يُقصى العقل ويُستبدل بالمؤثّر السطحي، ويُمنح أصحاب الفراغ ملايين المتابعين، لأنهم الأقدر على إدارة القطيع لا على إيقاظ الوعي.

تراجع الوعي، واستفحال التفاهة، وانحطاط الذوق العام، لا يعود إلى قصور القدرات العقلية بقدر ما يرتبط بإعادة تشكيل الإنسان ذاته داخل منظومة استهلاكية ضاغطة. ففي سياق تغمره المثيرات السريعة والصادمة والمحتوى المرئي التافه، يتبلّد الحسّ الجمالي تدريجيًا، ويفقد العقل القدرة على التذوق العميق والتمييز النوعي.

وقد نبّه فرويد إلى أن هيمنة مبدأ اللذة الفورية تُضعف وظائف الضبط النفسي، فتتراجع الحاجة إلى المعنى لصالح الإشباع العاجل. وعلى المستوى الاجتماعي، لم تعد الثقافة أداة لتشكيل الوعي وبناء الذات، بل تحوّلت إلى سلعة تُنتج على نطاق واسع وفق منطق السوق. وحين يُختزل الفن والفكر في منطق المنتَج، يصبح الهدف الانتشار والكمّ، لا الارتقاء والقيمة.

اليوم، لم يعد يهم ما تقول بقدر ما يهم عدد الذين أعجبوا بك. تحوّلت الصورة إلى حقيقة، والصوت العالي إلى معرفة، والوجه الجميل إلى فكرة. عصر أعاد تعريف القاع، قاعًا لا يُرى لأنه يعلو، ويتصدّر، ويصفّق له الجميع.

القيم لم تعد تُقاس بالمعنى، بل بعدد المتابعين، ولم يعد الوعي معيارًا للجدارة، بل قدرة التافه على إثارة الضجيج في فراغ بلا جدران. نحن في زمن غلب فيه الهامش المتن، وضاعت فيه الفكرة بين مؤثرات بصرية ومؤثرين بلا أثر.

إنه عصر الصعاليك الجدد؛ ليس أولئك الذين تمردوا على السلطة قديمًا بحثًا عن الحرية، بل الذين باعوا كل شيء مقابل ضجيج لحظي، واستبدلوا الفكر بالمؤثرات، والمضمون بالتصفيق، والوجود بالظهور.

لسنا نغرق في التفاهة فحسب، بل نصفّق ونحن نهوي. لقد تجاوزت التفاهة كونها سلوكًا عابرًا لتصبح هوية عامة، وثقافة سائدة، ومنهج حياة. والمؤلم أن مظاهر هذا الانحدار تتصدر المشهد، عبر سباق محموم نحو السطحيات وهروب جماعي من المعنى، والمسؤولية، وأي مساءلة للذات.

أي مجتمع هذا الذي حوّل مشكلاته الأسرية إلى عروض مفتوحة على منصات التواصل؟ تُنتهك الخصوصية علنًا، وتُهدر حرمة البيوت، وكأن الستر لم يعد قيمة، ولا الحياء مبدأ، ولا العيب عيبًا. والأخطر أن الجمهور يتغذّى على هذه الانتهاكات؛ يعطّل عقله، ويهدر وقته، ويتلذّذ بانهيار حياة الآخرين. هذه ليست متابعة عابرة، بل تواطؤ أخلاقي.

ولم تقف التفاهة عند هذا الحد، بل تسلّلت إلى تفاصيل الحياة اليومية، وقدّمت نفسها بوصفها “ترندًا” أو “مواكبة للعصر”. تحوّلت الأماكن الخاصة إلى مسارح استعراض، تُختزل فيها القيمة الإنسانية في صورة، أو لقطة، أو إعجاب عابر. لا فكر، ولا رسالة، ولا معنى؛ مجرّد حضور فارغ يطلب التصفيق.

إن أخطر ما في هذا العصر، أنه لا يشعر ضحاياه بالخطر، بل يجعلهم يستمتعون بالانحدار، ويبرّرونه، ويدافعون عنه. ومع الوقت، يصبح التفكير عبئًا، والجد مللًا، والقيم تخلّفًا، بينما تُكافأ التفاهة بالشهرة والمتابعة.

إلى أين نمضي؟ وإلى متى نواصل الهروب من قضايانا المصيرية إلى الانشغال بتوافه الآخرين؟ المجتمعات لا تسقط دفعة واحدة، بل تنهار حين تفقد بوصلتها، وحين تنشغل بالتافه عن الجوهري، وبالضجيج عن البناء. وما لم نُراجع أنفسنا بصدق، ونُعيد الاعتبار للقيم، والعمل، والخصوصية، فإن القادم—لا قدر الله—قد يكون أشد قسوة مما نراه اليوم.

***

فؤاد لوطة – كاتب مغربي وأستاذ اللغة العربية

 

على المستويين المنهجي والمعرفي، ثمة محاولات عديدة، تستهدف خلق مساوقة بين مفهوم الدين المنزل من السماء، وبين الأيدلوجيا، وهي تفسير بشري خاضع لظروف زمانه ومكانه لمبادئ الدين وقيمة الأساسية.

فقيم الدين واسعة وشاملة، وقادرة ذاتيا على استيعاب مستجدات الحياة، بما توفره نزعة الاجتهاد من علم عميق بالمكونات الأساسية للدين، وقدرة عقلية على استنباط أحكام وتصورات جديدة على موضوعات جديدة، انطلاقا من كليات الدين وثوابته العليا. 

كما أن قيم الدين الأساسية، بطبيعتها عابرة لكل زمان ومكان وخالدة بخلود الإنسان. بينما تفسيرات البشر لهذه القيم محددة بحدود زمان ومكان، وغير قادرة هذه التفسيرات على تجاوز مقتضيات الزمان والمكان. لذلك يصح القول أن في كل زمان ومكان، يمكن أن نعطي تفسيرا محددا لتلك القيم، بحيث يكون هذا التفسير متعلقا أو متأثرا بطبيعة ظروف ذلك الزمان والمكان. 

ولعل الإشكالية الحقيقية التي تثيرها النزعات الأيدلوجية على هذا الصعيد، هي أنها أي الأيدلوجيا تتعامل مع تفسيرات البشر أو تعمل عبر التعبئة الأيدلوجية، إلى التعامل مع عناصر الأيدلوجيا وتفسيرات البشر لمفاهيم الدين وقيمه الأساسية وكأنها هي الدين ذاته. 

من هنا لو تأملنا في طبيعة المجتمعات والجماعات الأيدلوجية، لرأينا أن هذه الجماعات تتعامل مع قناعاتها وأفكارها، بوصفها هي الإسلام ذاته، وإن رفض هذه القناعات أو معارضتها، يعود وفق المنظور الأيدلوجي وكأنه رفض أو معارضة لقيم الدين ذاتها. كما أنه في هذه الجماعات، تتفشى نزعة الجزمية والثبوتية في التعامل مع قناعات الذات وأفكارها الأساسية. وتعمل هذه الجماعات على تعميم نزعة الجزمية لدى الإتباع في التعامل مع قناعات الجماعات الأيدلوجية.  ولا شك أن نزعة الجزمية، تلغي إمكانية الانفتاح الفعلي والتواصل الحقيقي مع قناعات واجتهادات الغير. فبعض هذه الجماعات الأيدلوجية، تدعي الانفتاح والتواصل، ولكن على المستوى الفعلي هم لا يتعاملون أو لا يلتزمون بحقيقة التواصل ومقتضيات الانفتاح. فهم كأنهم فقط يزينون قناعاتهم الأيدلوجية بجلباب الانفتاح والتواصل. فالجزمية في التعاطي مع قناعات الذات، تفضي إلى الانطواء العملي والانكفاء المعرفي الذي يحول دون الاستفادة الفعلية من المنجزات والمكاسب العلمية والمعرفية الإنسانية. 

لهذا فإن هذه الجماعات الأيدلوجية المغلقة، تعيش حالة الرهاب من حقائق التنوع والتعدد بكل مستوياته. لأنها لا ترى إلا ذاتها وتلغي من الناحية الفعلية كل ما عداها. فهي تحارب التنوع والتعدد، وتتمسك بأهداب التفسير الأحادي لقيم الدين، ولا تتواصل معرفيا مع الاجتهادات العلمية الأخرى، والتي تنطلق من ذات الأرضية المعرفية، إلا أنها تختلف معها سواء في مضمون الفهم والتفسير أو في نظام الأولويات أو ما أشبه ذلك من دوائر الاختلاف. 

فأزمة الجماعات الأيدلوجية الدينية اليوم، هو في التعامل مع قناعاتها النظرية والتحليلية بوصفها هي المعادل الذاتي والموضوعي للدين، وإن الخروج على هذه القناعات، كأنه خروج من الحق إلى الباطل، وأنها تتعامل مع مبادئ وقيم الدين بنزعة حزبية ضيقة وكأن الدين جاء فقط بمقاس هذه الجماعة. وكل إنسان يريد الهدى والاستقامة فعليه أن يمر بصراط هذه الجماعة الأيدلوجية أو تلك ويلتزم بمقولاتها وقناعاتها الأساسية. ولعل الكثير من المشاكل التي تعانيها مجتمعاتنا اليوم، وبالذات فيما يتعلق وسؤال التعدد الديني والمذهبي، هي تعود في جوهرها، إلى هذه النزعة الأيدلوجية التي تعمل على حبس قيم الدين في فهمها وتفسيرها وحدها للدين. 

ويبدو أنه لا خروج فعليا من هذه المشاكل، إلا بفك الارتباط بين النزعة الأيدلوجية والدين. لأن الدين بمنظومته التشريعية وقيمة الأخلاقية ومبادئه الإنسانية، أوسع من كل النواحي من الأفهام الأيدلوجية مهما كانت هذه الأفهام. 

وإن التفسيرات التعصبية للأفهام الأيدلوجية هو الذي يساهم في تحويل الدين من طاقة إيجابية للتهذيب والوحدة بين الناس. 

إلى مصدر للشقاء والقتل والفرقة بين الناس. فقيم الدين كالمسجد تجمع ولا تفرق، وتحتضن الجميع مهما كان وضعها الاجتماعي أو فهمها ومستواها المعرفي. بينما النزعات الأيدلوجية تطرد المختلف، ولا يسع عقلها وقلبها للاختلاف والتعدد، وتعمل عبر آليات قسرية إلى إخضاع الناس إلى قناعاتها وأفكارها. وإذا أبدى الناس رفضهم لهذه القناعات اتهموا في دينهم، وتم التعامل معهم بوصفهم من أهل الزيغ والضلال. 

فقيم الدين تتعالى على انقسامات البشر، وتعمل عبر آلياتها التربوية والأخلاقية والقانونية لمعالجة هذه الانقسامات. بينما النزعات الأيدلوجية تساهم في إنتاج الخلاف والنزاع بين البشر، وتنمية الفوارق بين البشر. 

ولو تأملنا في طبيعة الوظائف والأدوار التي تقوم بها اليوم بعض الجماعات الأيدلوجية، لرأينا أن هذه الجماعات تخضع لتفسيرات بشرية، ضيقة لقيم الدين، دون أن تمتلك الجرأة على عرض هذه التفسيرات على النص القرآني وثوابته الأساسية. حينما تنادي بعض الجماعات الأيدلوجية الدوغمائية أن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم جاء بالذبح، يتم التعامل مع هذه المقولة وكأنها من النصوص المتعالية على الزمان والمكان. 

بينما لو عرضنا هذه المقولة على آيات الذكر الحكيم وسيرة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، والتي كلها رحمة، لوجدنا أن هذه المقولة تساهم في تشويه سيرة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وفق النص القرآني، وليس وفق مدونات المؤرخين التاريخية. 

فحينما يقبع الإنسان في السجن الأيدلوجي، يتعامل ببلادة تامة مع الإنسان وجودا ورأيا وحقوقا. وإن هذا الإنسان ما دام ليس على نهجي أو فهمي أو مذهبي، فهو لا يستحق مني التعاطف أو التضامن أو التعاضد. أسوق هذا الكلام لأنني اطلعت على بعض التغريدات الأيدلوجية بعد حادثة الدالوة في منطقة الأحساء مفادها إنني ذهبت إلى التعزية بهؤلاء الضحايا انطلاقا والتزاما بما قام به الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم مع اليهود. حينما نساوي بين اليهودي والمسلم المختلف، هل هذه المساواة منضبطة بمعايير التفاضل والتقوى وفق الرؤية القرآنية. 

أم أن هذه المساواة والبوح بها، هو نتاج تربية أيدلوجية، طائفية، منغلقة، ومعادية لحق الاختلاف.

قيم الدين لا تؤسس لبلادة في المشاعر الإنسانية، بل هي تساهم في إثراء المشاعر الإنسانية. لأن كل ما هو ديني هو بالضرورة إنساني. 

وإن الملتزم بقيم الدين تثرى مشاعره وتفيض إنسانية. 

أما من ينطلق من النزعات الأيدلوجية المغلقة، فهو يقمع مشاعره الإنسانية ويحجز البعد الإنساني في شخصيته بجدار سميك من التبريرات الأيدلوجية. 

لهذا كله فإن الخطوة الأولى في مشروع إصلاح أوضاعنا، هو الانعتاق من ربقة النزعات الأيدلوجية الدوغمائية، والانفتاح على كل الاجتهادات والمقولات الدينية التي تثري الواقع الإنساني في أبعاده المختلفة.

***

محمد محفوظ – باحث سعودي

 

إعادة بناء التاريخ المصري في اعمال السيد القمني

كتب: وائل ابو عقصه

ترجمة: علي حمدان

***

كان من أبرز التحولات في الخطاب الفكري العربي بعد عام 1967 انشغال فكري مكثف بمسألة التراث التاريخي، من قبل مثقفين ينتمون إلى تيارات سياسية علمانية غير إسلامية. وكان الافتراض النظري الذي استندت إليه معظم هذه الأعمال هو ضرورة إنتاج أساس إسلامي عربي "أصيل" للحداثة، لتجاوز ما وُصف بأنه أيديولوجيات "مستوردة" و"سطحية" و"غربية". وسعى الخطاب الفكري حول التراث إلى خلق أطر مرجعية جديدة لمسائل الشرعية في الفكر العربي، وهدف إلى تقديم تفسير وفهم حقيقيين للعصر المعاصر، الذي كان يُنظر إليه على أنه يمر بأزمة.

أدى صعود وسقوط النقد الماركسي الحديث وأزمة الفكر العلماني في أواخر سبعينيات القرن العشرين إلى ظاهرتين متناقضتين بين المثقفين اليساريين: تحول ميتافيزيقي نحو التراث الإسلامي، وبداية انتقال نحو الليبرالية بلغ ذروته في نهاية الحرب الباردة. شهدت سبعينيات القرن العشرين صعود الإسلام السياسي. وقد أدى انهيار الفكر اليساري السائد (الناصرية) بعد حرب 1967، والدور القيادي لدول الخليج النفطية المحافظة في السياسة الإقليمية العربية، وصعود السادات في مصر وحافظ الأسد في سوريا، إلى تراجع النظام الإقليمي ومفاهيمه السياسية - "المعسكرات المحافظة والرجعية" مقابل "المعسكرات التقدمية والجمهورية" - التي شكلت الخطاب السياسي لما قبل عام 1967. وقد عززت الثورة الإيرانية عام 1979 صعود الإسلام السياسي.

شكلت التغيرات الرئيسية على المستوى السياسي سياق الانشغال الفكري بالتراث. بالإضافة إلى التغيرات الداخلية العربية، تجلّى ذلك في تراجع نظرية المعرفة الثورية (الثورة) وشهدت أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات من القرن العشرين ظهور نقد يساري جديد متأثرًا بصعود ما بعد الحداثة (وخاصة أعمال ميشيل فوكو)، والذي هدف إلى تفكيك أسس التنوير، والمركزية الأوروبية، والعقلانية. نجح الإسلام السياسي من جهة وما بعد الاستعمار من جهة أخرى في فرض نقدهما على موضوع أصالة الفكر العربي، خاصة خلال الثمانينيات والسنوات التي تلتها.

تتميز الأعمال في مجال التراث بالشمولية، كما يتضح في المشاريع الفلسفية التي استكشفت مفاهيم مستمدة من مجال المعرفة، كالعقل العربي والإسلامي. وقد أثمر هذا الاهتمام أبرز وأشمل الأعمال في مجال الفكر والفلسفة باللغة العربية في العصر الحديث. بعض العلماء، مثل محمد عمارة، وحسن حنفي، ومحمد عابد الجابري، عرّفوا أنفسهم بالقومية العربية والإسلامية؛ وآخرون، مثل حسين مروة وغالي شكري، وطيب تيزيني، عرّفوا أنفسهم بالماركسية؛ بينما عرّف آخرون، مثل زكي نجيب محمود، ومحمد أركون، ونصر حامد أبو زيد، أنفسهم بالليبرالية؛ وقد أثرى هؤلاء جميعًا الساحة الفكرية العربية بأعمال ركزت على قضية التراث من منظورات أيديولوجية مختلفة. شمل الجدل الدائر حول التراث مجموعة متنوعة من المواضيع السياسية مثل الهوية السياسية، وروايات التاريخ الوطني، والأخلاق، ووضع الدين في الدولة.

كان تركيز الخطاب الفكري خلال سبعينيات القرن العشرين وما بعدها على موضوع التراث مصحوبًا باهتمام عام ومؤسس تجلى في تنظيم مؤتمرات وندوات عامة في العديد من الدول العربية. رأى ماركسيون بارزون هذا التوجه بين اليساريين واليساريين السابقين، والليبراليين، على أنه رجعي. واعتبروه في المقام الأول تجسيدا لتزايد نفوذ الإسلام السياسي على الخطاب السياسي العلماني ومظهرا من مظاهر أزمة اليسار التقدمي.

على سبيل المثال، علّق جورج طرابيشي عام ١٩٧٤ على البيان المشترك للعلماء المجتمعين في الكويت لمناقشة قضية التراث. جادل بأن هذا البيان يُمثّل أزمة المثقفين التقدميين ويُكرّس "الشعور بالتخلف". اتفق الفيلسوف المصري اليساري الشهير فؤاد زكريا مع هذا الرأي، وأكّد على الصلة بين الخطاب الفكري والممارسة الاجتماعية. ورأى أن المأساة الكبرى لهذا التوجه هي تجلّيه الشعبي، حيث تمّ من خلاله تجنيد العلماء لحماية الحجاب، وإطالة اللحى، وارتداء الأزياء "الإسلامية" الأخرى التي تُعتبر جزءًا من النهضة الأصيلة المتوقعة. وجد التنوير العربي، الذي وُصف بـ"العلماني"، نفسه في موقف دفاعي عندما تمّ تقديم "العلمانية" بصورة سلبية، باعتبارها رأس حربة للإمبريالية الثقافية. كان انشغال المثقفين العلمانيين بالنصوص الدينية، بالنسبة له، تعبيراً عن هزيمة مطلقة.

كان الدافع الرئيسي للنقد اليساري في سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين والافتراض بأن انشغال اليسار بالتراث يعني تبني موقف نسبي تجاه الثقافة. وقد قوضت هذه النسبية وحدة التنويرين خلال استخدام تعريفات للأفكار والمعايير التي تعود أصولها إلى الأيديولوجية الإسلامية السياسية. جادل الخطاب الإسلامي بأن التراث" هو الأصل الأصيل للأمة الإسلامية؛ وبالتالي، فإن أي أيديولوجية لا جذور لها في هذا الإطار ليست إلهية هي دخيلة. وقد تبنى العديد من اليساريين هذا الافتراض خلال سبعينيات القرن العشرين. في الواقع، على الرغم من النقد اليساري للانشغال الفكري بالتراث، فقد أصبحت فكرة أهمية التراث الإسلامي في الحياة السياسية العربية مفهومًا سائدًا. بعد سبعينيات القرن العشرين، أدرك المفكرون العلمانيون ضرورة أن تكون أيديولوجيتهم السياسية متجذرة في التاريخ المحلي. ومن الأمثلة على هذا التحول الفكري تطور فكر الطرابيشي، الذي انخرط بعمق في مفهوم التراث خلال أواخر ثمانينيات القرن العشرين على الرغم من الاقتباسات المتكررة من سبعينيات القرن العشرين من مرحلته الماركسية.

خلال ثمانينيات القرن العشرين، أبرزت حدود التعريف العربي الإسلامي للتراث التصورات العرقية الدينية لدى المثقفين الذين تم تعريفهم بالقومية العربية والإسلاموية. استند نقدهم الثقافي إلى فكرة أنه لا يمكن أن يكون هناك بناء أيديولوجيا و اجتماعي أو سياسي مشروع خارج إطار التراث العربي الإسلامي. على سبيل المثال تم تصوير التاريخ العربي الحديث للقرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين الذي أطلق عليه العديد من المفكرين العرب اسم النهضة على أنه نتاج ثقافة منحطة متبناة من الغرب الإمبريالي، وبالتالي أدى الى الفشل. أحد الفلاسفة البارزين الذين يمثلون هذا التوجه هو محمد عابد الجابري، الذي كتب عام 1980 أن الليبرالية تساوي "الاستغلال الطبقي، والتلفيق الأيديولوجي، والهيمنة الإمبريالية.

يتناول هذا الفصل الانشغال بالتراث من منظور الأفكار السياسية المنهجية. ونقدم بالتفصيل إسهامات السيد القمني جدل التراث في سياق الصراع بين مختلف الأيديولوجيات. وقد يكشف عرض أعماله في السياق العام للفكر العربي عن الانقسام السياسي الكامن وراء النقاش الفكري العربي في مواضيع مثل الذاكرة الجمعية، والقومية، والديمقراطية، والدين، والأخلاق، ومن هذا المنظور، نبين كيف تشكل أعمال القمني المتعلقة بـالماضي والحاضر أيديولوجية ليبرالية شاملة أو رؤية للعالم تم التعبير عنها باللغة العربية بمصطلح "الليبرالية" – وهي تيار سياسي يمثل احد رموزها.

السيد القمني عالم مصري بارز، انخرط بعد ثمانينيات القرن العشرين انخراطاً عميقاً في المسعى الفكري العربي لإعادة تعريف موضوع التراث. وسعى القمني من خلال مؤلفاته إلى إرساء أساس معرفي لرؤية عالمية ليبرالية تهدف إلى تعزيز الجذور الأصيلة للنظرية الليبرالية في التاريخ الوطني المصري.

وُلد القمني عام ١٩٤٧؛ وكان والده تاجرًا وخريجًا من الأزهر. بدأ مسيرته الفكرية كقومي، وفي أواخر ثمانينيات القرن العشرين - لا سيما بعد الغزو العراقي للكويت -تحوّل إلى الليبرالية. منذ منتصف تسعينيات القرن العشرين، أصبح القمني أحد أبرز المدافعين عن الليبرالية المصرية، وربما الأكثر انتقادًا للإسلام السياسي. لم يقتصر نشاطه الجدلي على المؤلفات المكتوبة، بل امتدّ إلى وسائل الإعلام الشعبية أيضًا. في هذا الصدد، يجدر بالذكر أنه شارك ثلاث مرات في مناقشات على أحد أشهر البرامج التلفزيونية باللغة العربية، برنامج "الاتجاه المعاكس" على قناة الجزيرة، حيث هاجم الإسلام السياسي بشدة. كتب أطروحته للدكتوراه تحت إشراف فؤاد زكريا. وفي عام ١٩٨٨، نشر أطروحته ككتاب بعنوان "رب الثورة: أوزريس وعقيدة الخلود في مصر القديمة".

تنقسم أعمال القمني إلى ثلاث فئات رئيسية: أعمال تركز على التاريخ القديم للمنطقة (وقد جُمع بعضها تحت عنوان

الإسرائيليات أو "التراث اليهودي العبري")؛ وأعمال تركز على تأسيس الإسلام (والتي جمعها تحت عنوان الإسلامية أو "الأعمال الإسلامية")؛ ومجموعته من المقالات حول المواضيع اليومية التي كتبها للصحف والمجلات المصرية.

يُعَدُّ التعليم في أي بلد مرآةً لمشروعه المجتمعي وأداة مركزية لتحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية. وفي السياق المغربي، يشكّل ملف التعليم منذ عقود أحد أبرز التحديات التي لا تزال تؤرق صناع القرار، وتثير نقاشًا متواصلًا في مختلف الأوساط السياسية والثقافية والاجتماعية. فالحديث عن النهضة التعليمية في المغرب يستدعي الوقوف عند ثلاثية مترابطة: الرؤية الإصلاحية، والطموح المجتمعي، والعوائق البنيوية، وهي ثلاثية تُحدد مسار التحول الذي تتطلع إليه البلاد في هذا المجال الحيوي.

ملامح الرؤية الإصلاحية

تبنّى المغرب منذ مطلع الألفية الثالثة سلسلة من الإصلاحات الكبرى في المجال التربوي، لعل أبرزها الميثاق الوطني للتربية والتكوين (1999)، الذي اعتُبر لحظة تأسيسية في إعادة التفكير في المدرسة المغربية، ثم جاء بعده البرنامج الاستعجالي (2009-2012)، فـرؤية 2030، التي راهنت على جعل التعليم في قلب النموذج التنموي الوطني.

الرؤية الحالية للإصلاح ترتكز على محاور عدة، أهمها:

- ترسيخ مبادئ الإنصاف وتكافؤ الفرص.

- تحسين جودة التعلمات.

- إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية.

- تعزيز دور الرقمنة والابتكار في العملية التعليمية.

- تأهيل العنصر البشري، خاصة المدرسين وأطر الإدارة التربوية.

لكن ما يُسجَّل، رغم تعدد هذه المحاولات، هو وجود فجوة واضحة بين التصورات النظرية الطموحة والواقع الميداني الذي ما يزال يعاني من أعطاب بنيوية مزمنة.

تطوير المناهج الدراسية…الرهانات والصعوبات

إن أي حديث عن إصلاح المنظومة التعليمية لا يستقيم دون التطرق إلى مسألة المناهج الدراسية. فالمقررات هي وعاء المعرفة والقيم التي يُفترض أن يُبنى بها المواطن الصالح والكفء. وقد شهد المغرب عدة مراجعات لهذه المناهج، لكن معظمها بقي رهين المقاربة التجزيئية أو ذات الطابع التقني، دون معالجة جوهرية للأسئلة الكبرى، من قبيل: ما نوع الإنسان الذي نريده؟ وما دور المدرسة في بناء هذا الإنسان؟

رغم بعض الجهود التي بُذلت في إدماج القيم الحقوقية، وتكريس مقاربات بالكفايات، وتبني البيداغوجيا النشيطة، إلا أن المقررات ما تزال:

- ثقيلة المحتوى وضعيفة التحفيز.

- تُراكم المعارف بدلًا من تنمية الروح النقدية والإبداعية.

- تعاني من انفصالها عن الواقع، خصوصًا في التعليم القروي.

- تُدرّس بلغة غير مستقرة (بين العربية، والفرنسية، ومحاولات إدماج الأمازيغية والإنجليزية).

هذا التذبذب اللغوي يُضعف كثيرًا من فعالية العملية التعليمية، ويخلق صراعًا هوياتيًا ومعرفيًا لدى المتعلمين، الذين يُطالبون بفهم مضامين لا تُقدَّم لهم بلغتهم الأم، ولا بلغة علمية موحدة.

الطموح المجتمعي وأزمة الثقة

التحولات التي يشهدها المغرب في مختلف الميادين أفرزت طموحًا مجتمعيًا متزايدًا نحو تعليم منصف وذي جودة، لكن هذا الطموح يصطدم بـأزمة ثقة حقيقية في المدرسة العمومية. هذه الأزمة تعكسها عدة مؤشرات:

- لجوء الأسر، حتى ذات الدخل المحدود، إلى القطاع الخاص رغم كلفته الباهظة.

- انتشار دروس الدعم المؤدى عنها، ما يعمّق الفوارق الطبقية.

- تراجع مكانة الأستاذ في الوعي الجمعي، بفعل ظروف العمل غير المشجعة، والمشاكل المرتبطة بالتوظيف الجهوي، وضعف التكوين الأساس والمستمر.

في هذا السياق، تغيب الرغبة في الاستثمار في المدرسة العمومية كمشروع وطني جامع، ويستفحل نوع من اللامبالاة أو الاستسلام للأمر الواقع، مما يهدد الأسس القيمية لأي إصلاح حقيقي.

العوائق البنيوية للإصلاح

رغم الاعتراف السياسي المتكرر بمكانة التعليم كأولوية وطنية، فإن عوائق الإصلاح تبقى عميقة، نذكر منها:

  • ضعف الحكامة:

لا تزال المنظومة تعاني من التداخل في الصلاحيات، وغياب آليات صارمة للتتبع والتقويم، وخلل في توزيع الموارد.

  • الهشاشةالمجالية:

التفاوتات بين الوسطين الحضري والقروي صارخة، سواء من حيث البنية التحتية أو عدد الأطر التربوية أو جودة التكوين.

  • التمويل:

الاستثمار في التعليم لا يزال دون المطلوب، كما أن صرف الميزانيات لا يراعي دائمًا الأولويات الحقيقية (البحث العلمي، التكوين المستمر، التحفيز).

  • الإرادةالسياسية:

غياب نفس طويل المدى والتناوب المستمر على تدبير القطاع يُفرغان الإصلاحات من مضمونها، ويكرسان نوعًا من العبث المؤسساتي.

أي أفق للنهضة التعليمية في المغرب؟

لا يمكن التفكير في نهضة تعليمية حقيقية دون تبنّي مقاربة شمولية تُعيد الاعتبار للمدرسة كمؤسسة لإنتاج الإنسان والمواطن، لا فقط كفضاء لتلقين المعارف.

نهضة التعليم تتطلب:

- إعادة الاعتبار للمدرس: مهنيًا وماديًا ورمزيًا.

- دمقرطة التعليم: أي تجاوز الفوارق بين الجهات والطبقات.

- إصلاح جذري للمنهاج الدراسي: من حيث اللغة، والمحتوى، والطريقة.

- تفعيل حقيقي للجهوية التربوية: بما يسمح لكل جهة بالاستجابة لخصوصياتها الثقافية والتنموية.

- دمج الرقمنة والتكنولوجيا بشكل ذكي ومتدرج.

- ترسيخ ثقافة التقييم والمحاسبة في مختلف مفاصل النظام.

لكن الأهم هو امتلاك إرادة سياسية صادقة، تضع التعليم فوق كل الحسابات الظرفية، وتجعل من المدرسة العمومية رافعة استراتيجية للعدالة الاجتماعية والتنمية البشرية.

إن الطموح نحو نهضة تعليمية مغربية ليس رفاهًا فكريًا، بل هو ضرورة تاريخية ومجتمعية لا تحتمل التأجيل. فإما أن نمتلك الشجاعة الكافية لكسر الحلقة المفرغة بين الإصلاح والتراجع، وإما أن نظل ندور في دوامة القرارات المؤجلة والرؤى المنفصلة عن الواقع.

وبين الرؤية والطموح والعوائق، تقف المدرسة المغربية اليوم على مفترق طرق حاسم: فإما أن تكون قاطرة للتقدم، أو أن تبقى عالقة في أزمات مزمنة، تكلف البلاد أجيالًا ضائعة ومستقبلًا مهدورًا.

***

حسن لمين

مدرس اللغة العربية ومهتم بالشأن التربوي

تظل التوهمية الاولى العقلية الغربيه المواكبه للظاهرة الاليه تولد التوهمات بلا توقف حتى وصلت درجة من التفارق الخطر، بين الادراكية البشرية والوعي، بمقابل الواقع وحركته والياته، ومع اخر ظاهرة هي من تولدات وتحورات طور الانتقال من الانتاجية اليدوية، لم يعد ممكنا تجاوز الحاح الضرورة الواجبه عقليا من يومها، عندما اصبحت مسالة الارتقاء العقلي التصوري محكومة لانقلابيه من نوع ماهو حاصل واقعا من تحول تاريخي نوعي، الامر الذي عجز دونه العقل البشري، وبالذات الاوربي بما هو مركز الانقلابيه الاليه الاول،اذ ظلت الرؤى واجمالي الفعالية العقلية ساعتها مرهونه لقوة وطاة ومخلفات المنظور اليدوي، ماقد اشاع والى اليوم مفاهيم توهميه دون السياق التحولي الانقلابي الحاصل.

 ويشمل الوهم لهذه الجهه اغفال المسالة المجتمعية باعتبارها المحور الاساس لعملية الانتقال من اليدوية بما تنطوي عليه من انقلابيه في النوع المجتمعي، من المجتمعية اليدوية الحاجاتيه الجسدية، الى العقلية التكنولوجية، مع كل مايتصل بهذا الاغفال للجانب الدينامي الاساس من عجز عن رؤية التصارعية الناشئة الفعليه مع الاله وحضورها، وانتقال المجتمعية الى الاشتراطات البنيوية الاليه، في الوقت الذي يظل فيها العقل الاوربي مصرا على ابقاء المجتمعية الارضوية الجسدية كما هي، باعتبارها الظاهرة او المعطى المجتمعي الاحادي الذي لايتغير، ومن هنا تنبثق اخطر التوهميات القائلة ابتداء بالنوع الغربي واعلى صيغه كما تجلت في الكيانات والدول والنظم الحديثة باعتبارها تطويرا غير عادي للقائم، والعجز دون رؤية عدم اهلية الصيغ المذكورة عن مواكبه التحولية الجارية، وانتقال المركز الالي الى القارة الجديدة والكيانيه المفقسة خارج رحم التاريخ، باعتبارها مجتمعية لفكرة نافيه لمفهوم ( الدولة الامه) التي تستمر مستعمله وغالبه جهلا، كاداة تعريف لغيرها ولما يخالفها كليا نوعا وتكوينا واليات فعل وحضور، بالذات كقيادة للغرب المنهار بالحروب والتنافس، وكقوة دفع بالدينامية الاليه الى مرحله مختلفة، مابعد الالية المصنعية، الى التكنولوجيا الانتاجية.

 وليس لدى الغرب ولا العالم اية محاولة نظر مستمدة من واقع التحولية المجتمعية الاليه الحاصلة، وبالذات ماقد رافقها من انبثاق اخر، سوى انبثاق الاله كمثال "المجتمعية بلا تاريخ مجتمعي"، المنفصلة عن ماقبلها، وبالاخص منه الاوربي والمتميزه بخاصيات اولها محو ماقبل، اي ازالة المجتمعية التاريخيه من الوجود بالاستناد للاله المصنعية ابتداء، حين تمت ازاله 60 مليون انسان هم اهل المكان، مع ماتبع من غزو مستمر للعالم باسم رساليه متوهمه تقول بان الامريكي كائن اوجده الله بعد ان اختاره لكي يعمم العدالة على الارض (1) وهو مايمثل مبدا كيانيا وجوديا لهذا الجزء المستجد من الكرة الارضية، جوهر مسوغات وجوده واستمراره بغض النظر عن مسالة " الحرية التي تقتل اهل الارض وتبيدهم" فيصفق لها الغرب، واعتماد مبدا الابادة جوهرا وجوديا شاملا للعالم، ابتداء من السلاح النووي الذي جرى استعماله للمرة الاولى والاخيرة على يد هذا المكان المستجد "الرسالي"، ذهابا الى التكنولوجيا الانتاجية وانعكاساتها العسكرية والاقتصادية، وصولا اليوم الى "الذكاء الاصطناعي" حيث ينتظر ان يدخل الجنس البشري عملية ابادة شبه تامه، كينونة ووجودا طبيعيا، عن طريق اخراج الكائن البشري من العملية الحياتيه والاجتماعية.

 واذا ماجرى حتى الان استعمال مامعروف ب " الذكاء الاصطناعي" في المجالات حيث انهاء التفاعلية العقلية الطبيعية، ومنها الخطأ والقصور، مع المشاعر ومستلزمات الفعل والتطور العقلي الطبيعي، فان مايواكب هذا الشكل من استعمال التكنولوجيا بصيغتها الراهنه سوف يلغي اهم مدعيات الغرب المتعلقة ب "الحرية الشخصية"، بانهاء الحيز الشخصي واستباحته على مستوى الافراد، والاهم استعمال الوسائل المستجده عسكريا بما يتعدى مع اجراءات اخرى فعل القنابل النووية، ولعل ماحصل مؤخرا في فنزويلا مثال يلقي ضوءا، هذا غير الغزو الروبوتي القادم، والذي سيرمي الكائن البشري خارج العملية الانتاجية، تاركا اياه للعطالة المطلقة، ومن ثم للا جدوى ولا اهميه تبيح التخلص منه اذا اعتمدنا النوايا الاصل، هذا مع العلم ان الممكنات العسكرية الحالية هي الاخرى في طريقها للزوال لصالح الربوت المقاتل الذي سيضع الكائن البشري امام حالة ابادة "آلية" من نوع مناسب، مقارنه بتلك الاولى التي اودت بالهندي الاحمر حامل القوس والنشاب.

 الكيانيه المسماة بداهة مجتمعية، المولوده خارج الرحم التاريخي، تجد نفسها اليوم ومن هنا فصاعدا سيدا مطلقا، و" ضرورة" اوجدتها الارادة الالهية كي تنهي المجتمعات التقليديه من على ظهر الكوكب الارضي، في الوقت الذي ماتزال المجتمعات المشار اليها سادرة تتغنى بمنجزها العظيم، وعلومها التي لاتضاهى الى يوم تقع الواقعه الكبرى.

 والاهم الاخطر والمثير للحنق، استمرار مستوى الجهل بما حاصل، لابل والتغني به واعتباره من قبيل المنجز العلمي البشري الاخير، وفي افضل الاحوال محاولة الدخول في منافسه او مايعتبر صراعا من اجل وضع مفاعيل وممكنات الحدث الحاصل بصالح القوى المجتمعية المعتبره معبرا عن المطامح البشرية، مثل مايفعل من مازالوا يصرون على اعتبار انفسهم بمثابة "يسار" انتهى زمنه، وصار رواية مرهونه بمحطة تاريخيه منتهيه ولم يعد لها وجود الا في التخيلات المريضة، بينما تلح على الكائن البشري وسط الخطر الاعظم الداهم، ضرورة اعادة النظر في الانقلابيه الالية والتكنولوجية اجتماعيا، على اعتبار هذا التحول هو بالاحرى حالة انتقال نحو مجتمعية اخرى لاارضوية عقلية، مع ان التطور ات تشير الى مابعد تكنولوجيا انتاجية، هي الحالية الراهنه وقد غدت واجبه، والعقل البشري قريب من ان ينفتح امامه الباب لاول مرة كي يحضر لنصبح بعد اليوم بشرا يمتلكون الاسباب المادية الضرورية لايقاظ الذكاء البشري النائم، ذلك الموجود في الجمجمه البشرية بنسبة تزيد على الخمسة وثمانين بالمئة، غافيه وغير مستخدمه ماتزال، لان الاشتراطات التطورية ونوع الانتاجية اليدوية الجسدية واشتراطاتها كانت تمنع يقظتها، بانتظار الساعه.

 اليوم تبدا معركة الكائن البشري المصيرية العظمى الفاصله، فاما الفنائية الزاحفة على يد اللا مجتمعية المتاخرة، و مايعرف"بالذكاء الاصطناعي" تمويها وقصورا عقليا، مع انه بالاحرى "الذكاء الابادي"، او الانقلاب التحولي الاكبر الذي هو مصير ومآل الكائن البشري المقرر له منذ ان وجد، حين يتحول الى عقل، مغادرا الجسد ومتبقيات الحيوانيه العالقة به من زمن ابعد بكثير، ويروح مغادرا كوكب الارض بعد ان انتهت مهمته، الى الاكوان العليا غير المرئية المناسبه للحياة العقلية.

 ـ يتبع ملحق : التكنولوجيا العليا العقلية او الفناء ـ

***

عبد الأمير الركابي

برحيل المستشرق فرانشيسكو غابريالي (1904-1996) طَوت الدراسات العربية في إيطاليا مرحلة مهمّة من تاريخها، ودخلت طورًا جديدًا صار يُعرَف بـ "الاستعراب" (L’arabismo)، طرأت عليه مستجدّات ودبّ فيه نوع من التفرّع. لماذا شَكّل الرجل مرحلة فاصلة رغم أن السابقِين واللاحِقين العاملين في مجاليْ الاستشراق والاستعراب كثيرون؟ أوّلا لانهماكه بحزم في تطوير الدراسات العربية بحثًا وتدريسًا وترجمةً؛ وثانيا لطبعه الأجيال اللاحقة بمنهج التعاطي العلمي والتخصّصي مع الدراسات العربية. ففي مرحلة مبكرة كان الإتيان بفرانشيسكو غابريالي لتولي مهام "معهد الشرق" في روما (IPO)، الذي أسّسه المستشرق كارلو ألفونسو نللينو سنة 1921، والذي مثّل أهم بؤرة في دراسة الحضارة العربية في إيطاليا، بغرض تطهير المعهد من النظرة الفاشية للشرق والعبور به نحو رؤية جديدة تجاري أوضاع إيطاليا ما بعد الفاشية. لكن غابريالي لم ينحصر عمله بتولي مقاليد المؤسسة البحثية المعنية بالشرق والعالم العربي، بل أشرف أيضا على كرسي اللغة العربية وآدابها في جامعة روما "لاسابيينسا"، كبرى جامعات أوروبا التي يفوق عدد طلابها في الوقت الحالي المئة ألف. ولِثقل المهام التي تولاها فرانشيسكو غابريالي مثّلَ الرجل مرجعية للعديد من المستشرقين والمستعرِبين الإيطاليين ممن تتلمذوا على يديه وتشرّبوا منهجه في دراسة الحضارة العربية، وكذلك لوفرة الأعمال التي أنجزها حتى باتت من المرجعيات الكلاسيكية في إيطاليا. نذكر من بينها "تاريخ الأدب العربي" (1951)، "الإسلام في التاريخ.. دراسات في التاريخ" (1966)، "محمد والفتوحات العربية الكبرى" (1967).

فمنذ أواخر الألفية الثانية، وتحديدا منذ العشرية الأخيرة، بدأ يدبّ في ساحة الاستشراق الإيطالي حراك، ستتّضح ملامحه وسيرسو عند الاهتمام بالعربية وآدابها، وهو ما سيُعرَف لاحقا بالاستعراب. توزّعت انشغالاته على ثلاثة محاور رئيسة: تدريس العربية، وتقديم الأدب العربي بوجهيه القديم والحديث، وترجمة الأعمال الأدبية. وشكّل تدريس العربية وآدابها محور نشاط عدد من الجامعات الإيطالية مثل "الأورِيِنتالي" في نابولي، وجامعة روما "لاسابيِينسا"، وجامعة البندقية، وجامعة باليرمو، أبرز المؤسسات الجامعية في إيطاليا وأعرقها. ليغدو تدريس العربية وآدابها، في الوقت الحالي، شائعا في العديد من الجامعات في شمال إيطاليا وجنوبها.

ذاع صيت أسماء إيطالية في مجال الترجمة من العربية لارتباطها أساسا بترجمة الأعمال الأدبية. نذكر على سبيل المثال عَلَمين بارزين: إيزابيلا كاميرا دافليتو وفرانشيسكا كورّاو، لريادتهما في المجال ولنشاطهما الحثيث في الترويج للأدب العربي، حيث انشغلت الأولى بترجمة الأعمال الروائية بشكل رئيس، واهتمت الثانية بترجمة الشعر. تقاسم الثنائي الساحة الإيطالية ولم يخل عملهما من التنافس والتدافع، وكوّنت كل منهما فريقا من الأتباع والمريدين صبّ في مصلحة ترويج الأدب العربي واللغة العربية. واستطاعت كلتاهما تقديم سلسلة من الروائيين والشعراء العرب للقارئ الإيطالي، تسنّى بمقتضاه إخراج الدراسات العربية من حيز الجامعات الضيق إلى الساحة الثقافية الرحبة. وهي رحلة شاقة وممتعة كما روت لي كاميرا دافليتو وكورّاو بعضا من فصولها، أخرجت المنتوج العربي من العتمة إلى النور، حتى باتت أسماء عربية مثل غسان كنفاني، وإميل حبيبي، وصنع الله إبراهيم، ورشيد ضيف، ونجيب محفوظ، ولطيفة الزيات، وعبد الرحمان منيف، وإبراهيم الكوني، والطيب صالح، وأبو القاسم الشابي، والسياب، ومحمود درويش، وعبد العزيز المقالحي، وأدونيس متداوَلة على ألسنة الطلاب والمثقفين الإيطاليين.

اليوم أضحى المعنيون بالترجمة من العربية كثيرين. فقد شهدت العشريتان الأخيرتان ظهور لفيف من المترجمين استطاع كسب ثقة دُور النشر وحاز شيئا من القبول لدى القارئ الإيطالي. نذكر على سبيل الذكر ماريا أفينو ومونيكا روكّو وديانا إِلفيرا وباولا فيفياني وبربارا تيريزي ووسيم دهمش وفرانشيسكو ليجيو وألدو نيكوسيا وسيمونِه سيبيليو. صحيح يبذل المترجمون جهودا مقدَّرة في الترجمة من العربية، غير أنّ التخيلية المركزية للثقافة العربية المتأتية من حقبة الاستشراق الكلاسيكي لا تزال تحول دون الاهتمام الكافي بالأدب الخليجي أو الأدب المغاربي مثلا. بالإضافة أن التحولات الجارية في الساحة الثقافية العربية لا تجاريها مواكَبة دائمة من المترجم الإيطالي، وهو ما يجعل كثيرا من الترجمات تأتي نتيجة العلاقات الشخصية أو التوصيات، وقد لا تعبّر عن واقع الحركة الأدبية العربية.

لقد مثّل خطّ الاستعراب، المتمحور حول دراسة الأدب العربي المعاصر وتدريس العربية، عنصر تحوّل إيجابي. وتركّزَ الاهتمام على نقل الأعمال الإبداعية، وتدريس القضايا التي تمور بها الساحة الثقافية العربية، بغرض تقديم صورة راهنة عن العالم العربي. لكن تبيّن أن ملاحَقة الإنتاجات الأدبية وحدها لا تكفي، وهو ما حثّ على توسيع نطاق الانشغال بالثقافة العربية. فكان أن ظهرت في الساحة اهتمامات بالمقاربات السوسيولوجية والتاريخية والدينية والأنثروبولوجية والسياسية، بغرض إتاحة وعي شامل بالوقائع العربية الجديدة، بعيدا عمّا تُروّجه الدعاية، وكان من أبرز المشتغلين فيها الراحل ماسيمو كامبانيني وإنزو باتشي وإيدا زيليو غراندي وأوغو فابييتي وستيفانو آليافي ولاورا غواتزوني.

في خضمّ تلك المنجزات المقدَّرة، ثمة جانب مهمّ في ترويج العربية وتيسيرها للمتعلم الإيطالي، بقي بعيدا عن الضوء. وهو دور تولّته المؤسسة الجامعية الإيطالية في أقسام اللغة العربية وآدابها داخل الكليات. فقد انكبّ جمع من الأكاديميين الإيطاليين على الاشتغال على بنية العربية كلغة، وعلى مناهجها التعلّمية كلغة عصرية، وعلى الجانب الألسني والتاريخي للغة الضاد. ونظرا إلى طابع الاشتغال التقني لتلك المجالات، فقد ظلّت حبيسة الوسط الأكاديمي. توزعت الأشغال على مجالين بالأساس: الجانب المعجمي والجانب النحوي للغة، في المستوى الأول تعود الحركة المعجمية بين العربية والإيطالية إلى قرون سالفة، ويُعدُّ القاموس الإيطالي العربي "فابريكا مانيا" (1636م) وهو من إعداد دومينيكو جرمانو الأقدم. شهدت الحركة عدة تطورات حتى بلغنا في الحقبة المعاصرة قاموس ريناتو ترايني العربي الإيطالي، الصادر سنة 1966، والأكثر اعتمادا بين الدارسين والمترجمين في إيطاليا. يكشف القاموس عن دراية معمقة لصاحبه بالصناعة المعجمية، وهو شبيه بموسوعة لغوية (1763ص). وفي مسعى لتحيين هذا القاموس العمدة وتجديده جرى اختصاره في مجلد واحد، وتبقى الحاجة ملحة اليوم إلى تحويله إلى قاموس إلكتروني.

يَروج في الأوساط الجامعية كذلك "قاموس اللغة العربية" لإيروس بلديسيرا، أستاذ اللغة العربية في جامعة كافوسكاري في البندقية. وهو قاموس يحاول أن يلبي حاجة الطلاب الناطقين بالإيطالية والساعين إلى تعلّم العربية. كان الهاجس الرئيس لبلْديسيرا وهو تقديم قاموس يلبّي حاجة الدارس من المصطلحات والمفردات في لغة عربية معاصرة. فبموجب نشاطه التدريسي كان بلْديسيرا على دراية بالحاجة الملحة إلى قاموس معاصر. التجربة الناجة لبلديسيرا في "قاموس اللغة العربية" شجّعته على توليد قاموسين آخرين، "العربي الوجيز" و "العربي الصغير"، من القاموس الأصلي استهدف بهما شرائح مبتدئة في تعلّم العربية. 

لكن تعليم العربية وتعلّمها قام أيضا على عاتق دارسين وباحثين في المجال اللغوي، منهم الأستاذ جوليانو ميون الذي تركزت أبحاثه حول قضايا تاريخ اللغة وتيسير مسائل الإعراب. والدارس أوليفييه دوران الذي انشغل بقضايا اللهجات والدارجة. وكذلك ومونيكا روكو التي انشغلت بالقضايا التعلّمية للعربية، وبالمثل أيضا ماريا أفينو التي قدمت عملا مميزا في مجلدين من خلال تيسير النحو العربي عبر تجديد الكِتاب الكلاسيكي للاورا فيتشا فالياري.

أضحى الإيطالي يطالع إبداعات عربية راهنة مترجَمة إلى لغته، مثل "موت صغير" لمحمد حسن علوان، و"الطلياني" لشكري المبخوت، و"لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" لخالد خليفة وأخرى، بعد أن تعزّزت المواكَبة بفضل الصدى الحسن للجوائز العربية التي باتت تسلّط الضوء على الأعمال الجيدة. وقد كانت حركة الترجمة في ما مضى بطيئة للغاية، حيث لم يُترجَم من العام 1900 وإلى غاية العام 1988 سوى 27 عملا روائيا عربيا إلى الإيطالية.

***

د. عزالدّين عناية - كاتب تونسي مقيم بروما

كان الفيلسوف اليوناني اناكساجوراس رائدا في فهمه لتوسع الكون. أفكاره الثورية حول تعدد الأكوان والطبيعة اللانهائية للوجود وضعت الأساس للاكتشافات العلمية اللاحقة وردمت الفجوة بين التأمل القديم والفيزياء الفلكية الحديثة. في السردية الكبرى لعلم الكون، يبرز الفلكي الأمريكي ادوين هابل Edwin Hubble (1929) كرائد في فهمنا الحديث لتوسع الكون. لكن قبل ألفي سنة من ملاحظة هابل لإبتعاد المجرات عن الارض، طرح الفيلسوف اليوناني اناكساجوراس (500-428 ق.م) اطارا فكريا لازال يتردد صداه في نظريات الكون الحديثة. ومع انه لم تتوفر لديه الأدوات الحالية للعلم، لكن أفكاره الراديكالية حول حركة الكون ودور العقل (نوس) Nous ووجود عوالم متعددة، كل ذلك ميّزه كشخص تنبؤي في تاريخ الفكر.

توسع الكون: علم الكون المبكر لدى اناكساجوراس

تبدأ رؤية اناكساجوراس العالمية بقول هام وعميق: "كل الأشياء كانت مجتمعة". وكما جاء في مذكرات الفيلسوف الافلاطوني الجديد سيمبليسوس Simplicius في تعليقه على فيزياء ارسطو، ان هذه العبارة تقترح حالة بدائية للكون حيث كل شيء كان موجودا في خليط غير مختلف. فقط من خلال تدخّل العقل – العقل الكوني – بدأت الحركة في هذه الوحدة الفوضوية. وبهذا انطلقت عملية من الانفصال والاختلاف. هذه الحركة لم تكن متناهية وانما مستمرة، تشير الى ان الكون يتوسع ويتطور.

في هذه الرؤية، يبدو اناكساجوراس سابقا لعصره. مفهومه لكون دائم التطور حيث العناصر تتحرك وتنفصل باستمرار، يعكس المبادئ الأساسية الكامنة خلف التوسع الكوني الحديث. هابل اظهر ان المجرات تتحرك بعيدا عن بعضها، بما يشير الى توسع الكون. ونفس الشيء، افترض اناكساجوراس ان الكون في حركة دائمة يقودها مبدأ عقلاني أساسي.

اناكساجوراس ونظرية تعدد العوالم

طور اناكساجوراس أيضا مفهوما يتماشى مع آخر النظريات في الكواكب والعوالم المتعددة التي يمكن العيش فيها. كاتب السيرة اليوناني ديوجين لايرتيوس في عمله (حياة وأفكار فلاسفة بارزين) يسجل بعض أقوال اناكساجوراس .هو ادّعى ان العوالم الأخرى تحتوي على شموس واقمار كما في عالمنا. كان هذا ادعاءً ثوريا: اذا كانت الاجرام السماوية توجد في أماكن أخرى، لماذا لا توجد حياة هناك أيضا؟ هذه الرؤية وضعت الأساس للتأملات الفلسفية حول تعدد العوالم وأثّرت على مفكرين مثل الفيلسوفين اليونانيين ديمقريطس وابيقور. اليوم، ومع اكتشاف آلاف الكواكب في مناطق خارج النظام الشمسي والتي يمكن ان تصلح للسكن تبدو رؤى اناكساجوراس اكثر تنبؤية وأقل تأملا. رفضه لوجود عالم احادي عكس إحساسا عميقا حول طبيعة الكون.

الفصل بين العقل والاحساس

ما وراء مساهماته للعلم، ادخل اناكساجوراس نظاما مزدوجا للواقع احدهما نظام فكري والأخر نظام حسي. هو جادل ان العقل هو القوة التي تضع نظاما للكون والذي بدونه يبقى فوضويا. العقل يحكم انفصال العناصر وظهور الواقع المنظم. في حوار فيدو، يذكر افلاطون تأكيد اناكساجوراس على العقل كسبب للنظام في الكون. هو ميز بين ما نتصوره بالحواس وما نفهمه بالعقل. هذا الاطار المفاهيمي سبق الاتجاهات العقلانية للفلاسفة اللاحقين أمثال افلاطون وديكارت.

هذا التمييز كان حاسما في تطور المنهجية العلمية. عبر إعطاء الأولوية للعقل والمشاهدة على التجربة الحسية، مهد اناكساجوراس الطريق لرؤية عالمية تُفهم فيها الطبيعة من خلال تحقيق منهجي بدلا من تفسير ميثولوجي.

تأثير اناكساجوراس

كانت أفكار اناكساجوراس مثيرة للجدل في زمانه. طبقا لما ذكره المؤرخ اليوناني بلوتارخ  في عمله (حول النفي) ان الاثنيين عاقبوه بالنفي بسبب اقتراحه ان الشمس هي صخرة نارية وليست كينونة الهية. مع ذلك، رؤيته لكون ديناميكي منظم عقليا تنبأت المبادئ التي ستحدد لاحقا الفيزياء الحديثة وعلم الفلك. عقيدته في الحركة الكونية والفصل ووجود عوالم متعددة يتماشى مع الاكتشافات العلمية الحديثة، ما جعله رائدا ليس فقط كفيلسوف وانما كمبدع غير معترف به في علم الكون. لو انه عاش في عصر التلسكوبات والرياضيات المتقدمة، ربما لكان اول من يتحدث عن تمدد الكون. في هذه الحالة، يكون اناكساجوراس جسرا فكريا بين التأمل القديم واكتشافات علم الكون الحديث. هو كان مفكرا حقا بقيت أفكاره تتردد عبر الزمان والمكان.

***

حاتم حميد محسن

في المثقف اليوم