عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

تتجسد فلسفة الوجود في أعمق تجلياتها حين تلتحم القيم بالآفاق الروحية للإنسان، وهي تجربة لم تعد بالنسبة لي مجرد ترف فكري، بل هي الرسالة الأسمى التي نذرت لها القلم والجهد؛ رسالة تسعى لاستعادة أصالة الكينونة وسط عالم يموج بالماديات. وفي قلب هذا الوجود الروحي، يتجلى التوحيد ليس فقط كعقيدة مًجردة، بل كحالة روحية ممتدة تنعكس على النفس طمأنينة واتساقاً، وقيمة معرفيّة عليا تمنح العقل ميزاناً مطلقاً لتفسير الوجود والغاية منه.

غير أن السير في هذا الطريق يكشف عن فجوات حادة استشعرتُ وطأتها في واقعنِا المعاصر؛ من حيث نقف اليوم أمام قيمٍ من اللغة ساقطة، تبدلت دلالاتها واغتربت ألفاظها الشريفة في سياقات التشويه.

ولعل أخطر مظاهر هذا الاغتراب الروحي هو غياب قيمة الصدق، الذي لم يعد مجرد فضيلة أخلاقية مفقودة، بل أصبح غيابه حجاباً كثيفاً يحول بين الإنسان ومعرفة حقيقته الأصليّة، حقيقة نفسه وحقيقة خالقه.

وأمام هذا الشتات الممزق، تبرز الحاجة الملحة إلى إحياء فلسفة المثل الأعلى، ذلك النموذج المتسامي الذي يحرك الوجدان ويوجه السلوك؛ ليكون المنار الذي يربط الأرض بالسماء، ويعيد للقيم مركزيتها في صياغة الوجود الروحي للإنسان على التعميم:

وتتضمن المقالة العناصر الآتية:

(1) الرسالة

(2) التوحيد.. كحالة روحية وقيمة معرفية

(3) قيم من اللغة ساقطة

(4) غياب قيمة الصدق

(5) فلسفة المثل الأعلى

ــ الرسالة:

في أواخر سنة 1995م، وبعد حصولي على الدكتوراة، قضيت بعدها مباشرة سنوات مشغولاً بالفكرة العلويّة وبقيم الوجود الروحي، وكتبت إذْ ذاك أكداساً لا حصر لها من الأوراق، ونشرت كثيراً من المقالات في المحروسة، بالأهرام المسائي والوفد ومجلة التصوف الإسلامي بالقاهرة، وكل ما هو كان متاحاً أمامي للنشر، لا أفرغ من فكرة إلا ويعقبها الشروع في أخرى.

كنت أقرأ كثيراً وأكتب ولا أتعب لا من ناحية الجسد ولا من ناحية النظر. كانت الكتابة بالنسبة لي متعة لا تدانيها متعة ونشاطاً يوقظ النفس من سُباتها العميق ويشعل العقل بنور المعرفة. إذ ذاك نشرت كثيراً من المقالات المطولة والدراسات المعمقة منها ما هو  نشر كاملاً فاحتفظت به بعد نشره، ومنها ما نشر بسبب المساحة مبتوراً، ومع ذلك كنت أحتفظ بالأصول وأحياناً بالمسودات.

كان الشغل الشاغل عندي هو فكرة الدفاع عن "القيم"، وكانت هي الفكرة الجامعة الشائعة في كل ما أردت أن أقوله مضمراً وغير مضمر، وبخاصّةِ تلك القيم التي يفرضها علينا الوجود الروحي. هذا الوجود الذي نلمسه عن قرب في ميادين الحياة الروحيّة، ولا يعني إيماننا بقيم الوجود الروحي أننا ننكر العالم المادي بما فيه ومن فيه، أو أننا لا نؤمن به؛ فذلك فضلاً عن كونه سذاجة ظاهرة هو أيضاً ممّا لم يخطر لنا على بال؛ إذ ليس في الأمر ثمة تناقض بين ضرورات العالم المادي ومطالب العالم الروحي، ولكنهما في سياق الوجود عالمان متكاملان ولا يعني تكاملهما إنهما يوجدان فرائض التناقض كأنهما عالمان منفصلان في فضاءين منعزلين.

العالم المادي ممّا لا شك فيه مظهر من مظاهر الحياة الروحيّة، وكل إيغال في مطالبه يؤكد وجود هذه الحقيقة على وجه من الوجوه، لكن الإقبال عليه والانصراف كل الانصراف له، بغير إدراك هذا الوجه هو المرفوض؛ فالإيغال الأجوف في ضرورات المادة يعوق النظر حتماً إلى مطالب الروح ولا يتيح الفرصة سانحة أمام العقل والضمير والبصيرة الهادية إلى إدراك الوجه الأمثل في البقاء على مثل هذا التكامل بين ما هو مادي وما هو روحي؛ فلا بدّ ممّا ليس منه بُد: من تكامل يؤدي إلى تعادل في موازين الحقائق، وفي إدراك الحقائق، وفي فهم حقائق الأشياء.

سيجد القاري في اصطلاح الوجود الروحي مناط القيم فكرة ضخمة مطروقة من جانبنا عمداً وقصداً في ثقافتنا الروحيّة.

ولعل السبب في هذا هو: أن كل ما كتبته من قضايا وآراء ومحاور ومباحث إنّما هو في سبيل هذه القضية الكبرى، أعني الوجود الروحي، فمن الوجود الروحي نبدأ وإلى الوجود الروحي نعود. وليس علينا من غضاضة ما دامت لنا قضيتنا الكبرى ننطلق منها وإليها نعود، ونراها من قبل ومن بعد، خير تعبير عن إصلاح الإنسان: إصلاحه الفكري والثقافي، وإصلاحه العقلي والوجداني، وإصلاحه الواقعي والحياتي على السواء.

لماذا نشكو أحر الشكوى في كتاباتنا ومؤلفاتنا، وفي صحفنا ومجلاتنا من فساد جربناه؟ ولماذا نشكو أحر الشكوى من أقلامنا الضعيفة، وثقافتنا المترهلة، ولغتنا المبتذلة، ومستوياتنا العلمية الركيكة، وواقعنا العملي والأخلاقي المتردي؟ ولماذا نشكو أحر الشكوى من عوامل القهر والتسلط والتخلف، ولسنا نجد في نفوسنا استنفاراً للهمم العالية تقاوم كل قهر، وتتصدى لكل تسلط، وترهب أسباب التخلف بقيم الحضارة والتقدم؟

لماذا نشكو أحر الشكوى من عوامل التشتت وأسباب التشرذم وقلة الإدراك للوحدة والتوحيد والاتحاد في ضمائرنا وقلوبنا قبل واقعاتنا وأمتنا وأوطاننا؟ لماذا نشكو أحر الشكوى من اهتزاز القيم وفقدان المبادئ وقلة الاكتراث لفعل الإرادة فينا وضوابط الأخلاق؟ لماذا نشكو أمر الشكوى من.. من... من... إلى كثير ممّا لو تعقبناه لاسودت أمامنا صفحات وصفحات؟!

لأننا ببساطة شديدة فقدنا أو كدنا قيم الوجود الروحي الذي من شأنه أن يمدنا بالطلاقة الروحيّة، فتمدنا بدورها بالتحرر من سطحية العلائق والأغيار، وتزيدنا فهماً للحرية التي تتكبر على الضرورة الماديّة، يعلو بمقتضاها الفرد الفذ في معارج الوعي والإدراك لكل القيم العلويّة التي ينتج عنها الآداب والفنون بمقدار ما ينتج عنها كل فضيلة روحية وعقليّة وفكريّة، تصدق بمقدار صدق الفضائل في ضمير الإنسان.

ــ التوحيد.. كحالة روحية وقيمة معرفية:

نعم.. ! إنما نشكو أمرّ الشكوى من بقاء التشتت والتشرذم فينا وفقداننا لتفعيل التوحيد في حياتنا المعرفيّة، بسبب أن قلة افتقار العربي المسلم إلى فهم غريزة التوحيد، لم تجعله يتمكن في ذاته من أن يُفعِّل هذه الغريزة على المستوى العقلي والثقافي ولا على المستوي العملي التطبيقي، غير أنه ينتكص على عقبيه، ويعودُ أدراجه مستغرقاً في التجزيئية المُفرطة، ولم يهيئه توحيده الفطري؛ لأن يجري عليه ممارسته العمليّة والواقعية؛ فأضحى تدينه في كفة، ونشاطه الفكري والثقافي والعملي في كفة أخرى، فجاءت عقليته عقلية فصل ومباعدة لا ربط فيها ولا توحُّد بين أجزائها، وليس بمقدورها أن تصل إلى "الوحدة" التي هى غريزتها الأصيلة المفطورة عليها. لكأنما العربي لم يستطع أن يفهم: ماذا عَسَاها كانت تكون فطرة الوحدانيّة؟

لكأنه لم يستطع بعدُ، لأجل تدينه الساذج البسيط، أن يكوِّن لديه رؤية مُوحَّدة، يجريها على الواقع الفكري والنظري، تماماً كما يجريها على الواقع الفعلي والتطبيقي، كما هى مُقررة قبلاً في الواقع الديني بالفعل، إذْ إن فكرة الرؤية الموحدة تلك، إنما هى فكرة دينية بالأساس، وليس للعقل فضل فيها إلا فضل الشرح والتحليل.

ثم ما معنى أن تكون متديناً بدين التوحيد الذي فطرت عليه تمارسه شكلاً دون أنْ تجريه معرفياً: واقعاً فكريّاً وثقافياً ومعنوياً وروحيّاً؛ ليكون هو عينه مجرى التجربة على المستوى الفعلي والتطبيقي؟

إنما العائق الوحيد أمام العقل العربي يبدو ظاهراً جليّاً في قلة الفهم أو عدمه لفطرة التوحيد، وتعطيل فاعلية الوحدة على صعيد الممارسة السلوكية، ونبذ قوتها واستبدالها بضعف الفرقة والخلاف والتشتت الدائم والاستغراق في التفاصيل والجزئيات؛ لتجيء التجزيئية هى العاملة في واقع أسود مُغرق في المحدوديّة النظريّة والعمليّة؛ الأمر الذي يجعل الباحث يشك كثيراً في أمته العربية والإسلامية: هل هذه بالفعل، والحال كما ترى، أمة تدين بالتوحيد عقيدة وعلماً ونظراً وسلوكاً وممارسة وتطبيقاً؟!

وهى إذا كانت تدين بالتوحيد فعلاً وتقريراً وواقعاً وتفصيلاً، لماذا عزلته عن واقعاتها الحياتية، فلم يسفر إلا عن فرقة وشتات: عزلته عن الواقع الفكري، فلم تستطع أن تتخذه أساساً لمنطلقاتها النظريّة، وعزلته عن الواقع الفعلي، فلم تتحقق من مجرياته التطبيقية، ولم يؤثر قيد أنملة في وقائع تلك المجريات، وعزلته مرة ثالثة عن الواقع الديني، فأنتج واقع الأمة التي تدين بعقيدة التوحيد شكلاً ينقصه المضمون؛ أنتج أصناماً وأوثاناً تُعْبَد من دون الله في أشكال جديدة، وقدَّست المخلوقين بدلاً من تقديس الخالق، وآمنت بالخرافة والتخلف دون الإيمان بالفهم البصير والعقل المستنير، وارتضت بالمذلة والهوان وقلة القيمة في واقعها الأسود لا تملك فيه سوى شعارات الغضب.

ولم لا.. لم يكن هنالك من عجب؟! فإذا لم يكن التوحيدُ معزولاً عن الواقع الديني أصلاً لما أضحى معزولاً كذلك عن الواقع النظري والفكري ثم الواقع الفعلي، الأمر الذي جعل الإيمان الديني لدى المسلم قشرة سطحية تخلو أو تكاد من المضمون العملي، وهو الذي لا نشك لحظة واحدة في أنه ينتج لغة ومدنية وعلماً وفناً وحضارة، ولو كان تدينه بالفعل مرهوناً ببصيرة التذوق الدافعة إلى العمل والإنتاج لربط كل الأشباه والأضداد وصعد بها عارجاً إلى توخِّي الوحدة.

ولكن الواقع الثقافي العربي الحالي يقول لك بأبلغ لسان: إنّ هذه البصيرة الذوقية مفقودة أو تكاد، الأمر الذي أطمع الأغيار فينا حتى دهسونا بأقدم النعال.

ــ قيم من اللغة ساقطة:

وإذا كانت قيمة التوحيد، وهي تُعَد أعلى هرم القيم، تبدو هزيلة في الفعل العربي غير منظور إليها بعين الاعتبار، فما بالك بسائر القيم الأخرى التي تترتب عليها بالضرورة؟

كيف يستطيع شبابنا أن يستلهم قيم الحق والخير والعدالة والجمال في سلوكه وعمله بعد اعتقاده في معطياتها، واستيعابه نظريّاً لمنطلقاتها؟ وماذا عساه يكون الحال في قيم مثل: الدّين والوطن، واللغة، والهويّة؟

خذ على ذلك مثلاً هناك من قريب: ثلاث قيم كبرى سقطت بين شبابنا اليوم، وكلما مرّ بهم الزمن نحو المستقبل يزداد إصرارهم على سقوطها: الوطنيّة، والدين، واللغة.

بالطبع، لن أتكلم هنا لا عن الدين ولا عن الوطنيّة، فالكلام عنهما طويل جداً، ولكن عن اللغة باعتبار مساسها مباشرة بالكتابة والتأليف.

كلما قرأت للأجيال الجديدة وجدت فقدان أهم خاصّة تستند عليها الكتابة التي تؤهل صاحبها لممارسة التأليف والعمل الإبداعي، وهى افتقارهم "لقوة الهضم" والصبر عليها وتربيتها سلفاً في طواياهم الباطنة، فبمقدار "قوة الهضم" يجئ الابتكار مرهوناً بقدرة العقل الهاضمة للأفكار والآراء، وللمباحث ووجهات النظر المختلفة. لا يتأتى الإبداع هكذا ضربة لازب أشبه ما يكون بطفرة عرضيّة لا جهد فيها ولا عناء.

القدرة على الإبداع في الذهن المبدع الخَلاّق موصولة بنسب عريق بقوة الهضم لأفكار السابقين؛ فلا إبداع من فراغ مطلقاً؛ بل إن المبدعين من فراغ لا مكان لهم إلا في مستشفى الأمراض العقلية على حد قول "ول ديورانت" في قصة الحضارة؛ لأنهم حين يبدعون، يبدعون من لا شئ، وبدون خميرة معرفيّة، فيجئ إبداعهم مرضاً عقلياً فيما لو جاز إطلاق وصف الإبداع على إنتاجهم. وما داموا يدركون من ذواتهم أنها تبدع، فهو إدراك موهوم، وهم مع ذلك يفتقرون إلى قوة تحصيلية لآراء الفكر وتوجّهات الرأي من أزمنة الماضي السحيق.

وهكذا؛ يكون شأن الإبداع كله لديهم: من فراغ ليس فيه تحصيل..!

وممّا يسترعي الانتباه حقاً أن الكاتب الفرنسي "بول فاليري" (1871م - 1945م) في كتابه "أشياء مسكوتٌ عنها"، كان قد وقف على هذه الحقيقة التي يعز وجودها ويندر في كتابات الشباب، عندما قال: "لا يوجد شئ أكثر ابتكاراً، ولا أشدّ شخصيّة من أن يتغذى الإنسان من الآخرين، ولكن ينبغي هضم هذا الغذاء والاستفادة منه. فالحق أن الأسد مكوّن من كباش مهضومة، ومتحوّلة إلى أسديّة". والمعنى واضح، وهو أن النحت الكثير في أعمال الآخرين، قبولاً ورفضاً أو عرضاً ونقداً، أو مقارنة وتحليلاً، أو ممّا يُتاح أمام العقل إعمالاً للفكر، يُصقل الشخصية العلميّة بموروث الملكات، ويحفظ لها استقلالها الفكري بعد الصقل والتكوين.

وليس غريباً على "بول فاليري" أن يذكر هذا، وهو يُعد من أبرز الشعراء والكتاب والمفكرين الفرنسيين في القرن العشرين؛ إذ تميزت كتاباته بالعمق الفلسفي والتركيز الشديد على آليات عمل العقل البشري، والوعي، والجماليات. وإذا كان كتابه "أشياء مسكوت عنها" عبارة عن شذرات قِصار وخواطر وتأملات مكثفة من دفاتر مذاكراته اليوميّة الدقيقة؛ فإنه ليدور حول آليات عمل الفكر والوعي، وكيفية عمل العقل البشري والعلاقة المركبة بين الوعي واللا وعي، وفلسفة اللغة والأدب من حيث يتناول قصور الكلمات عن التعبير التام عما عساه يدور في النفس ولا يحتمله مكنون الطرس، والفرق بين الصوت والمعنى في الشعر، وكذلك الفن والجمال وتأملات في طبيعة الإبداع الفني، وجهد الفنان الهادي لإنتاج الأثر الإبداعي، والحياة السياسة والمجتمع، ومفارقات حول اهتمامات النفس البشريّة مع التركيز على الأخلاق والسياسة. ومن أشهر مقولاته التي تبدو كمفارقات: الأمور التي تهمنا نتحدث عنها نادراً؛ فكل ما هو حاضر دائما في الذهن يندر حضوره على الشفاه"!.

(وللحديث بقيّة)

***

بقلم: د. مجدي إبراهيم

تنعكس اللغة في كلّ تصرفاتنا، وحواراتنا، وفي كلّ اللقاءات التي نتمتع بها، إن كان في المنزل أو المكتب أو في الشارع، أو في وسائل التواصل الاجتماعي على اختلاف أنواعها وأجناسها.

وبمقدار احترامنا لهذه اللغة تكون فاعلين للسمو بأنفسنا وبمكانتنا، وبغير ذلك نكون بمثابة من يستهزئ بنفسه وبلغته أمام نفسه وأمام الآخرين، ويُعبّر عن ضحالته وحالته المتردّية

ولكي نصل إلى حالةِ الإبداع في اللغة علينا أن نمزج اللغة مع التفكير الذهني النشط، ليتكوّن لدينا نسيج لغةٍ غنيّة وواسعة.

ومع انتشار مواقع الأدباء المختلفة ووسائل التواصل الاجتماعي، تمّ فسح المجال أمام الجميع كي يطفو كلّ فردٍ كيفما يشاء ويروم، وأن يتواصل مع الآخرين في أي زمانٍ ومكان، متغاضياً عن أمرٍ مهم يتلخّص في أن هذا التواصل يحتاج في المقام الأول إلى اللغة.

و لعلّ إنتشار هذه المواقع ساهم بشكلٍ كبير في كشف عورات الآخرين اللغوية، وطفت على السطح الفجوة العريضة والواضحة بين مكوّنات المجتمع في التعبير اللغوي والإملائي والنحوي والكتابي، وتدنّى مستوى التعبير وتوضّحت ضآلته.

وبذلك تشكّلت في مواقع التواصل الاجتماعي ظاهرة واضحة المعالم من التلوّث اللغوي، حيث اتّسمت بعض النصوص بلغةٍ غير واضحةٍ، ولا تحكمها قواعد لغوية، أو نحوية أو صرفية وإملائية. والأمثلة بين أيدينا كثيرةٌ جداً.

و كثيرون لا يفقهون أو لا ينتبهون أو يتجاهلون الكلمات المنقوصة، أو الأفعال المعتلّة، أو التنوين، أو الشدّة، أو جمع المذكر السالم، أو الأفعال الخمسة، أو الأسماء الستة، أو الفعل المعتلّ. أيضاً هناك نماذج كثيرة حول هذه الأخطاء بين أيدينا.

كما إنتشرت في هذه المواقع الأدبية منها وفي وسائل التواصل الاجتماعي بشكلٍ عام، عمليات السطو الأدبي، وتم فضح الأسماء التي تُمارس هكذا سطو، بل تمّ إنشاء مواقع متخصصة بفضح الذين يُمارسون السطو الأدبي وبالأسماء.

ولأن هذه المواقع انتشرت فيها الأخطاء اللغوية، لذا أسهمت بشكلٍ عفوي من خلال تكرار هذه الأخطاء إلى ترسيخها لدى الكثيرين الذين يستخدمون هذه المواقع، ممّا أدّى إلى إنتشار كتابات مشوّهة في حالاتٍ كثيرة، ومع الأسف هذه الكتابات المشوّهة تُقابل من أُدباء آخرين بنفس الموقع بتعليقات:

" رائع، قمة الإبداع، الله... روعة، بوحٌ رائع، يسلم اليراع، قلمكم نقش حرير المعاني ". وما إلى ذلك من عباراتٍ لا نستطيع أن نقول عنها إلاّ أنها نموذج واضح للدجل وللنفاق الثقافي والأدبي والاجتماعي، وخذلان لنقاء اللغة، ومساهمة واضحة في نشر التلوّث اللغوي وتوسيع مساحته.

كلّ هذه الأمور تختصر تاريخ طويل من الهزيمة الفعلية المُعاشة في المنطقة العربية بسبب ذاتي، وبسببٍ آخر يتمثّل بالغزو الثقافي المشبوه والشرير.

كما أن هناك كثير من الشباب الذين يتواصلون عبر مواقع التواصل الاجتماعي يستخدمون لغة ممزوجة بين العربية والاجنبية والأرقام يسمونها " فرانكو "، وإذا استخدموا اللغة العربية بمفردها لا يستطيعون بسبب الجهل باللغة العربية وبسبب الأخطاء الجسيمة التي يقعون بها. تُرى هل هذا بسبب التخبّط التربوي المعمول به في الإقليم، وترسيخ الإزدواجية اللغوية ؟.

بكل تأكيد إن مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الأخرى ليست مسؤولة عن هذا التردي، ولكن هذه المواقع بمجملها تعكس بشكلٍ واضحٍ ودقيق مدى التخلّف والجهل من خلال اللغة المستخدمة في هكذا مواقع.

وبنفس الوقت هناك مواقع تحترم نفسها، ولا تسمح بنشر أي مادة إذا لم تك سليمة لغوياً ونحوياً، لذا نرى أن عدد المواد المرفوضة عندها هي كثيرة.

وكلٌ منّا يُلا حظ في هذه الأيام أن معظم المدرسين لا يجيدون اللغة العربية، حتّى ولا يجيدون نطق الأحرف، ولا يهتمون بإخلاص في تدريس اللغة العربية لأجيال هذه الأمّة.

وإذا أحببنا أن نُعالج هذا الواقع، لا بُدّ من إعادة الإعتبار بشكلٍ جدّي للّغة العربية في كافة مراحل الدراسة بدءً من المرحلة الإبتدائية وصولاً إلى المرحلة الجامعية، وبهذه الحالة يتخرّج الطالب وهو مُلمّ بشكلٍ كامل بلغته الأم، حتّى ولو درس بعض العلوم باللغة الأجنبية، سيبقى ملمّاً ومتفوقاً في لغته لأن ذخيرته اللغوية فيها واسعة ويستوعبها بشكلٍ كامل.

أمّا الكتّاب الذين يطمحون نحو الإبداع، عليهم أن يدمجوا إسلوب قلمهم مع البلاغة، أي مع النحو والصرف، وبإسلوب أعلى لغوياً، حينها سنحصل على لغة واضحة وسليمة وبليغة، وتلج بسلاسة قلب المتلقي، الذي سيدرك تلقائياً قدرة الكاتب على تكوين كلام بليغ، وقدرته على اختيار الحرف المناسب.

نحن ندرك ونؤمن بدون أي شك، بأن لغتنا العربية عريقة وباقية، لكن مع الأسف إن سياسات مؤسساتنا الاعلامية والتربوية والثقافية قاصرة بكل معنى الكلمة لحماية لغتنا السامية على الدوام.

***

د. أنور ساطع أصفري

زمن الثورة الرقمية.. هل هذا الإقبال بفعل وجود حلقة مفقودة في الذكاء الاصطناعي؟

مقدمة: في عصر الثورة الرقمية، حيث أصبحت الخوارزميات والنماذج اللغوية الكبيرة تُسيطر على جوانب واسعة من الحياة، يلاحظ مراقبو سوق العمل ظاهرة لافتة: شركات التكنولوجيا العملاقة مثل جوجل، ميتا، أوبن إيه آي، مايكروسوفت تتهافت على توظيف خريجي الفلسفة والعلوم الإنسانية. هذا الإقبال ليس صدفة ولا مجرد تنويع في التوظيف، بل يعكس وعيًا عميقًا بأن التقدم التقني يواجه حدودًا معرفية وأخلاقية لا يستطيع المهندسون والمبرمجون وحدهم تجاوزها. الفلسفة، التي طالما اعتبرت "غير عملية" في عصر الصناعة، أصبحت اليوم مطلوبة لأنها تقدم أدوات تفكير نقدي، أخلاقي، ووجودي لا غنى عنها في بناء الذكاء الاصطناعي وإدارة آثاره الاجتماعية. فماذا ترتب عن التحول الذي حدث بعد ثورة الذكاء الاصطناعي في سوق العمل الرقمي؟

أولاً: الحلقة المفقودة في الذكاء الاصطناعي

الذكاء الاصطناعي الحالي يتفوق في معالجة البيانات، التنبؤ، والتعرف على الأنماط، لكنه يعاني من حلقة مفقودة أساسية: الفهم الحقيقي والـحكمة. النماذج اللغوية تولد نصوصًا تبدو ذكية، لكنها تفتقر إلى الوعي الذاتي، الإدراك الأخلاقي، والقدرة على التعامل مع الغموض والتناقضات الإنسانية. هنا يأتي دور الفيلسوف: نقد المفاهيم: الفيلسوف مدرب على تفكيك المفاهيم الأساسية مثل "الذكاء"، "الوعي"، "الإرادة"، و"القيمة". يسأل أسئلة جوهرية: هل الذكاء الاصطناعي يفهم فعلاً، أم يقلد فقط؟ ما معنى "الإبداع" عند آلة لا تملك تجربة ذاتية؟

الأخلاقيات والقيم: الذكاء الاصطناعي يتخذ قرارات تؤثر في الحياة (التوظيف، التشخيص الطبي، الحروب الآلية). الفيلسوف يساعد في صياغة إطارات أخلاقية تتجاوز "التوافق مع البيانات" إلى مبادئ عالمية مثل العدالة، الشفافية، والكرامة الإنسانية.

السياق الإنساني: التقنية تُغير طبيعة العمل، العلاقات، والذات. الفيلسوف يقدم رؤية وجودية تساعد في فهم كيف يغير الذكاء الاصطناعي هويتنا وعلاقتنا بالزمن والمعنى.

ثانياً: المهارات الفلسفية كميزة تنافسية

عمالقة التقنية لا يبحثون عن "فيلسوف" يقرأ أفلاطون فحسب، بل عن شخص يتقن:

التفكير النقدي العميق — القدرة على اكتشاف التحيزات المخفية في النماذج.

المنطق والبرهان — بناء حجج متماسكة حول سلامة الأنظمة.

الأنطولوجيا والإبستمولوجيا — فهم طبيعة الوجود والمعرفة في عالم يختلط فيه البشري بالآلي.

التواصل المعقد — ترجمة المفاهيم التقنية إلى لغة أخلاقية وسياسية مفهومة لصانعي السياسات والجمهور.

هذه المهارات تسمح للفيلسوف بأن يكون "جسرًا" بين المهندسين والمجتمع، مما يقلل من مخاطر "التقنية غير المنضبطة" التي تهدد الديمقراطية، الخصوصية، والاستقرار الاجتماعي.

ثالثاً: مواكبة السياق التاريخي والحضاري

تاريخيًا، كانت الثورات الصناعية السابقة تتطلب مهندسين وفيزيائيين. أما الثورة الرقمية فهي ثورة معرفية ووجودية. الذكاء الاصطناعي لا يغير فقط طريقة الإنتاج، بل يغير طبيعة الإنسان نفسه. هنا تظهر الحاجة إلى الفلسفة كـ"طب أخلاقي" للتقنية. بدونها، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز السيطرة، التحيز، والاستغلال. الفيلسوف يساعد في طرح الأسئلة الكبرى: ما هي الحدود التي يجب ألا تتجاوزها الآلة؟ كيف نحمي الإنسانية في عالم الذكاء الاصطناعي العام؟

تحليل خوارزميات التحيز الأخلاقي

يتم التعامل مع التحيز كبنية أساسية في الذكاء الاصطناعي. الخوارزميات لا تُنتج قرارات محايدة. كل نموذج ذكاء اصطناعي يحمل تحيزًا أخلاقيًا مدمجًا في بنيته، سواء كان ذلك واعيًا أو غير واعٍ. هذا التحيز ليس خطأ فنيًا بسيطًا، بل مشكلة فلسفية عميقة تنبع من كيفية تصميم البيانات، الدوال الهدف ، والهندسة المعمارية للنموذج.

أنواع التحيز الأخلاقي في الخوارزميات

التحيز في البيانات

أغلب النماذج تُدرَّب على بيانات تاريخية تحمل تحيزات المجتمع البشري (عنصرية، جنسية، طبقية). مثال: أنظمة التوظيف التي تفضل السير الذاتية من جامعات معينة أو أجناس معينة لأن البيانات التاريخية كانت كذلك. الخوارزمية لا "تكتشف" الحقيقة، بل تعيد إنتاج الأنماط التاريخية.

التحيز في التصميم

اختيار المهندسين للدوال الهدف يعكس قيمهم. إذا كانت الدالة تهدف فقط إلى "الدقة" أو "الربح"، فإن النموذج يتجاهل العدالة أو الكرامة. مثال: نماذج التوصية التي تعزز المحتوى الاستقطابي لأنها تُكافأ على وقت المشاهدة.

التحيز في التقييم

المقاييس المستخدمة غالبًا ما تتجاهل التأثيرات الاجتماعية غير المتكافئة. نموذج يحقق دقة 95% قد يكون كارثيًا على مجموعات مهمشة.

التحيز الوجودي

النماذج تفترض عالمًا يمكن اختزاله إلى بيانات قابلة للقياس. هذا يهمش الجوانب غير القابلة للقياس: الشعور، المعنى، الغموض الأخلاقي، والقيم غير المنفعية.

الآليات التقنية للتحيز

الانحياز في التعلم المعزز بالتفضيل البشري: حتى عندما يُستخدم بشر لتصحيح النموذج، ينقلون تحيزاتهم الثقافية.

التدريب على بيانات الإنترنت: الإنترنت يعكس عدم المساواة العالمية، فيصبح النموذج "ذكيًا" بطريقة غربية، ذكورية، أو طبقية.

التعميم غير المتكافئ: النماذج تتعلم أفضل على المجموعات المهيمنة وتفشل مع الأقليات (مثل اللهجات العربية أو اللغات منخفضة الموارد).

التحديات الفلسفية

مشكلة "القيم": من يقرر ما هي "القيم الصحيحة" التي يجب أن تُدمج في النموذج؟ هل هي القيم الليبرالية الغربية؟ أم قيم متعددة ثقافيًا؟

الوعي مقابل المحاكاة: الذكاء الاصطناعي يحاكي اللغة الأخلاقية دون أن يمتلك وعيًا أخلاقيًا. هذا يخلق خطر "النفاق الآلي" — آلة تقول الشيء الصحيح وتفعل العكس.

السلطة: من يملك القدرة على تعديل التحيزات؟ الشركات؟ الحكومات؟ المجتمع؟

حلول ممكنة (مع حدودها)

التدريب الدستوري: جعل النموذج يتبع "دستورًا" أخلاقيًا مكتوبًا.

التنوع في فرق التطوير: إدخال فيلسوف، عالم اجتماع، وممثلين عن ثقافات مختلفة.

الشفافية والتدقيق: جعل الخوارزميات قابلة للتفسير والمراجعة.

الحدود: كل هذه الحلول تبقى داخل إطار الشركات الرأسمالية، فلا تحل المشكلة الجذرية: السلطة المركزية على الذكاء الاصطناعي.

العدالة التفسيرية في التعلم الآلي

العدالة التفسيرية مفهوم فلسفي-تقني يتجاوز مجرد "العدالة الخوارزمية" التي تركز على النتائج الإحصائية. إنها تطالب بأن تكون عمليات التفسير نفسها عادلة: كيف يُفسر النموذج قراراته؟ لمن يُفسرها؟ وهل يُعطي تفسيرًا صادقًا ومتساويًا لجميع الأطراف المتأثرة؟

في التعلم الآلي، معظم النماذج "صندوق أسود". حتى عندما نستخدم تقنيات مثل شاب أو ليمون لتفسير القرارات، فإن هذه التفسيرات غالبًا ما تكون غير عادلة تفسيريًا.

أشكال عدم العدالة التفسيرية

التحيز في التفسير

النماذج تميل إلى تقديم تفسيرات أبسط وأكثر إقناعًا للمجموعات المهيمنة، بينما تقدم تفسيرات معقدة أو غامضة للمجموعات المهمشة. مثال: نظام يرفض قرضًا لشخص من أقلية، فيقدم تفسيرًا "موضوعيًا" (تاريخ الائتمان)، بينما يخفي التحيزات الهيكلية.

عدم المساواة في الوصول إلى التفسير

الشركات والحكومات تمتلك أدوات تفسير متقدمة، بينما المواطن العادي يحصل على تفسير سطحي أو مضلل ("بسبب سياساتنا"). هذا يخلق فجوة معرفية بين من يملكون القدرة على فهم الآلة وبين من يتأثرون بها.

التفسير الزائف

النماذج تُنتج تفسيرات تبدو معقولة لكنها لا تعكس السبب الحقيقي للقرار. هذا "نفاق تفسيري" يُستخدم لتهدئة الرأي العام دون إصلاح حقيقي.

التحيز الثقافي واللغوي

معظم أدوات التفسير مصممة بمنطق غربي، فتفشل في تفسير السياقات الثقافية المتنوعة (مثل اللهجات العربية أو القيم الجماعية في المجتمعات الشرقية).

التحديات الفلسفية

مشكلة "الحقيقة": ما هو التفسير "الصحيح"؟ هل هو التفسير الذي يعكس الرياضيات الداخلية للنموذج، أم الذي يفهمه البشر ويحترم كرامتهم؟

السلطة المعرفية: من يقرر ما هو "تفسير عادل"؟ المهندس؟ الفيلسوف؟ المتضرر؟ أم المجتمع؟

العدالة مقابل الكفاءة: التفسيرات العادلة غالبًا ما تكون أقل كفاءة تقنيًا، مما يخلق توترًا بين الربح والعدالة.

حلول ممكنة وحدودها

التفسير المضاد للتحيز: "لو تغير هذا العامل، لتغير القرار". فعال لكن محدود.

التفسير الجماعي: إشراك المتضررين في عملية التفسير.

النماذج القابلة للتفسير بطبيعتها مثل نماذج الشجرة أو المنطقية.

الحدود: كل هذه الحلول تبقى داخل إطار الشركات الخاصة، فلا تحل المشكلة الهيكلية لتركيز السلطة على الذكاء الاصطناعي. فكيف نسير نحو عدالة تفسيرية حقيقية؟

خاتمة:

الإقبال على طلبة الفلسفة ليس موضة عابرة، بل اعتراف بأن التقنية بدون فلسفة تُنتج ذكاءً بدون حكمة. الحلقة المفقودة في الذكاء الاصطناعي هي القدرة على التساؤل عن الغايات، لا فقط تحسين الوسائل. الفيلسوف في عصر الثورة الرقمية ليس "مفكرًا في برج عاجي"، بل شريكًا أساسيًا في تصميم مستقبل يبقي فيه الإنسان مركزًا. هذا الإقبال يعكس وعيًا متزايدًا بأن أكبر التحديات التقنية هي، في النهاية، تحديات فلسفية. من المعلوم أن التحيز الأخلاقي ليس خطأ يُصلح، بل سمة بنيوية للذكاء الاصطناعي الحالي. الخوارزميات لا تُنتج حيادًا؛ هي مرآة مُشوَّهة لقيم صانعيها ولبيانات مجتمعاتهم. الحل الحقيقي يتطلب فلسفة تقنية جريئة: إعادة التفكير في طبيعة الذكاء نفسه، ووضع الإنسان (بكل تنوعه وقيمه) في مركز التصميم. بدون ذلك، سيظل الذكاء الاصطناعي أداة لتعزيز السلطة القائمة بدلاً من تحرير الإمكانيات الإنسانية. الفلسفة ليست رفاهية في عصر الذكاء الاصطناعي، بل شرط وجودي لكي لا نصبح عبيدًا لآلات تعكس أسوأ ما فينا. في المجمل العدالة التفسيرية تتطلب أكثر من تقنيات؛ إنها تتطلب فلسفة تقنية تُعيد النظر في من يملك الحق في تفسير العالم. الذكاء الاصطناعي لا يجب أن يكون "صندوقًا أسود" يحكم حياتنا دون أن نفهم كيف أو لماذا. العدالة التفسيرية تعني أن كل إنسان متأثر بالآلة له الحق في تفسير صادق ومفهوم ومتساوٍ. بدونها، يصبح الذكاء الاصطناعي أداة جديدة لتعزيز عدم المساواة المعرفية والاجتماعية. الفلسفة ليست رفاهية هنا، بل شرط أساسي لكي لا نصبح عبيدًا لخوارزميات لا نفهمها ولا نستطيع مساءلتها.  فما مدى تأثير الذكاء الاصطناعي على الفلسفة؟ وكيف يجب أن نسير نحو فلسفة تقنية؟

***

د. زهير الخويلدي كاتب فلسفي

 

على الدوام يرى الفرد أن الزمن يسير في اتجاه مستقيم؛ ماضٍ انتهى، وواقع نعيشه، ومستقبل مرتقب. غير أن التطورات المعرفية والتقنية التي يشهدها العالم اليوم تطرح تساؤلا جديداً: هل ما زلنا نعيش داخل الحاضر فقط، أم أننا أصبحنا ننتقل داخل "زمكان معرفي" يتجاوز حدود الزمن والمكان التقليديين؟

في الفيزياء، يجسد الزمكان الإطار الذي تحصل داخله كل مظاهر الوجود المادي. أما في حقل المعرفة والعقل، فقد أصبح من الممكن الحديث عن "زمكان المعرفة والوعي"، وهو الحقل الذي تتفاعل فيه كل من الذاكرة والإدراك والخيال والتوقع، لتكوين المعنى واعادة بناء ادراكنا للعالم.

فالوعي الإنساني لا يعيش في الزمن الحاضر وحده، وعندما يتذكر الفرد طفولته، فإنه يعود إلى الماضي. وعندما يخطط لمشروع أو يتخيل مستقبلاً أفضل، فإنه ينتقل ذهنياً إلى ما لم يحصل بعد. وهكذا يصبح الذهن البشري كائناً يواصل رحلته عبر الزمن، ويجوب فضاء معرفيا يمتد من الذاكرة إلى الخيال، ومن المعرفة إلى الاحتمال.

لكن المعرفة ذاتها لم تعد محجوزة داخل الجمجمة، فالكتاب والخريطة والحاسوب والهاتف الذكي وشبكة الانترنيت وادوات الذكاء الاصطناعي، غدت جميعها امتدادات او مظاهر خارجية للوعي البشري ومكونات لعالم معرفي جديد. وبذلك لم يعد فضاء المعرفة هو الدماغ فقط، بل أصبح شبكة ممتدة تجمع الإنسان والتقنية والثقافة والمجتمع.

وفي هذا الافق، يظهر مصطلح أكثر إلهاما، هو "زمكان المستقبل"، فالمستقبل لم يعد مجرد زمن لم يصل بعد، بل أصبح ميدان من القدرات والمسارات الممكنة التي يمكن للعقل البشري الكشف عنها وتمثيلها قبل أن تطبق على ارض الواقع.

فالعالم الذي يضع تمثيلا لاكتشاف جديد، والمهندس الذي يصمم مدناً ذكية لعام 2050، والمعلم الذي يبني نماذج تعليمية للأجيال القادمة، جميعهم يعيشون جزءاً من وعيهم داخل المستقبل، إنهم لا ينتظرون المستقبل، بل يصنعونه معرفياً.

ومع ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي، أخذ هذا التحول افقا جديدا. فقد غدت الآلات قادرة على المشاركة في بناء التصورات المستقبلية، وتطبيق الاحتمالات، وخلق المعرفة بصورة تشاركية مع الإنسان. وهكذا انبثق فضاء معرفي جديد تتفاعل فيه عقول البشر مع النظام الذكي، وتتوسع فيه المعرفة من مجرد استذكار للماضي إلى مسار دائم لانتاج الممكن وصناعة المستقبل.

وقد يصبح السؤال الأهم الذي يواجه عملية التعليم في القرن الحالي هو: هل ما زلنا ندرب العقول على اكتساب معارف الماضي فقط، أم أننا نؤهلهم للتنقل داخل زمكان المعرفة والمستقبل؟

لقد كان جوهر التعليم التقليدي يتجسد في نقل المعرفة المتراكمة من الأجيال السابقة. أما في عصر الذكاء الاصطناعي، فقد أصبح الرهان الحقيقي هو صقل القدرة على إنتاج المعنى، وتخيل البدائل، واعداد ورسم السيناريوهات، وصناعة المستقبل قبل أن يأتي.

إن الانتقال الأهم الذي نعيشه اليوم لا يتعلق بالتقنية وحدها، بل بإعادة تعريف المعرفة ذاتها. فالمستقبل لم يعد نقطة زمنية ننتظر الوصول إليها، بل أصبح فضاءً معرفياً نعيش فيه، ونفكر من خلاله، ونشارك في بنائه.

وربما سيكتشف مؤلفي المستقبل أن اكبر قفزات القرن الحالي لم تكن طفرات صناعية أو رقمية فقط، بل كانت قفزة في الفرد لموقعه داخل "زمكان المعرفة والمستقبل"، حين أدرك للمرة الأولى أنه ليس مجرد شاهد على الزمن، بل شريك في انتاجه.

***

علاء جواد كاظم

على الرغم من أن الدين يعتبر من القضايا المهمة التي شغلت ولم تزل تشغل الوعي البشري عبر تاريخ المجتمعات البشريّة بشكل عام، إلا أن أهميته القصوى تأتي هنا في الشرق، كونه يشغل في الواقع مساحة أكثر اتساعاّ في وعي شعوبه عموما، ومنها الشعوب الإسلاميّة والعربيّة على وجه الخصوص، وذلك لاعتبارات عدة ياتي في مقدمتها:

أولاً: غياب التعامل مع العلم الوضعي بمعظم تجلياته عبر فترات زمنيّة طويلة من تاريخ الشعوب العربيّة والإسلاميّة، إن كان على مستوى النظريات الفلسفيّة الوضعيّة التي تبحث في الكون والوجود الإنساني، أم على مستوى التكنولوجيا من حيث إنتاجها أو إنتاج المعرفة المتعلقة بها، فنحن شعوب بقيت مستهلكة أكثر مما هي منتجة، بل وصل القول عند بعض الفقها المحدثين بأن الله خلقنا فقط نحن العرب والمسلمين كي نهدي الناس للدين والخير في هذه الحياة للحصول على الجنة الموعودة، بينما خلق الله بقية خلقه لخدمتنا، وبالتالي هم وحدهم المكلفين بالاختراعات العلميّةّ وتقديمها لنا كي نستفيد من ثمارها.

ثانياً: كون الإسلام هو آخر الديانات السماويّة، ومن خلال هذا المعطى استطاع الكثير من المفكرين ورجال الدين الإسلاميين ترسيخ فكرة أساسيّة في وعي المواطن العربي والإسلامي عموما مفادها، أن الإسلام (دين ودنيا) وقد جب كل ما قبله وما بعده، فأصبح بذلك هو المنطلق الوجودي والمعرفي لكل ما يهم حياة الإنسان حاضرا ومستقبلا، وبالتالي ظل الدين يشكل المنطلق الأساس في تفسير ووضع الحلول للمشاكل المتعلقة بحياة الإنسان عموما والمسلم على وجه الخصوص.

ثالثاً: إن قيام أول دولة في العالم العربي عل المشروع الإسلامي استمرت مئات السنين بفضل هذا المشروع، ولم يستطع العرب بوجه خاص أو المسلمون بوجه عام بعد انهيارها إعادة تشكيل دولة قويّة تواجه التحديات المصيريّة التي راحوا يتعرضون لها بشكل جدي منذ انهيار هذه الدولة حتى تاريخه، الأمر الذي جعل من الإسلام (الفردوس المفقود) بعد أن لمس العرب خاصة حالة ضعفهم وتراجعهم أمام تقدم الغرب من جهة، وتراجع المشروعان اليساري والقومي بكل اتجاهاتهما بسبب عدم اكتمال الظروف الموضوعيّة والذاتيّة القابلة لتطبيقهما على ارض الواقع من جهة ثانية.

رابعاً: سيطرة الأعاجم على الدولة العربيّة والإسلاميّة لفترات زمنيّة طويلة باسم الدين نفسه، لذلك غالبا ماكانت هذه القوى الأعجميّة الغازية تلجأ إلى تفسير النص الديني وفقا لمصالحها ورغباتها لاخضاع العرب بشكل خاص لسلطتها، هذه السلطة التي لايمكن أن تتحقق في صيغتها تلك إلا عبر إشهار الدين الذي سيضفي على هذه السلطة المشروعيّة، وهذا ما دفع القوى الحاكمة لهذه الدول على تغليب الرؤى والأفكار الدينيّة اللاهوتيّة والامتثاليّة وتجذيرها في وعي المواطن بدل الرؤى والاتجاهات العقلانيّة في الدين نفسه، كونها – أي القوى الحاكمة - كانت تشعر أن الاتكاء على الرؤى والمفاهيم العقلانيّة في الدين لتسيير أمور المسلمين ستفتح عليها أبواب قوى المعارضة، وتفضح حقيقة أمرها كقوى استعمارية غريبّة أو موالية للغرب لا يهمها إلا مصالحها واستمرار وجودها في الحكم، وكان من نتائج هذه السياسة على حياة العرب والمسلمين انتشار الصوفيّة بصيغتها الطرقيّة، التي ترافق مع انتشارها الإقطاع العسكري والفقر والجهل والتخلف، والتي لم يزل العرب والمسلمون يدفعون ثمنها حتى تاريخه.

خامساً: غزو الثقافات الغربيّة للعالمين العربي والإسلامي مع فترة الاستعمار، وردود الفعل الثقافيّة من قبل العرب والمسلمين لمواجهة هذه الثقافات الغربية الغازيّة، حيث كانت مسألة (العودة إلى التراث) هي السبيل الوحيد للمواجهة في ظل تخلف اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي، علما أن هذا التراث تجسد عموما في الدين وتفسيراته وتشريعاته، وأبعد عنه منذ زمن طويل كل ما هو عقلاني، وما يعبر عن هذه العقلانيّة من فقهاء وفلاسفة ومفكرين، من (ابن رشد وصولا إلى عبد الرحمن الكواكبي، وعلي عبد الرازق، وحامد أبو زيد) وما بينهما.

سادساً: لقد سيطر الاستعمار الغربي على العالمين العربي والإسلامي، وسعي هذا المستعمر بشكل مستمر ولم يزل على إبعاد المعرفة العلميّة بكل مستوياتها وحتى المرتبطة منها بالدين نفسه، عن وعي المواطن العربي والمسلم، وتشجيع هذه الشعوب المستعَمرة على إنشاء الطرق الدينيّة الداعيّة إلى تغييب العقل والمنطق وزرع الفتن الطائفيّة والمذهبيّة، في الوقت الذي كان فيه هذا المستعمر يحارب التيارات الدينيّة الداعية إلى مقاومة المستعمر ووحدة العرب والمسلمين، وهذا ما لمسناه في مواقف فرنسا وايطاليا وبريطانيا حيث كانت تحارب وبكل قوة التيارات الدينيّة الداعية إلى المقاومة في ليبيا والجزائر ومصر وسوريا الكبرى وتونس. وهذه المسالة بالذات تعتبر برأيي من المسائل الهامة التي حالت بين العرب والمسلمين عموما من جهة، والمعرفة العلميّة والعقلانيّة من جهة ثانية، لفترات زمنية طويلة من تاريخ حياة هذه الشعوب في ظل المستعمر الأوربي.

ولتوضيح هذه المسالة بالذات، دعونا نقف قليلا عند بعض الحقائق التي تؤكد ذاك الدور التخريبي الذي مورس على وعي شعوب الشرق عموما التي خضعت للمستعمر منذ بدء المشروع الاستعماري، والذي تمثل في غرس القيم الدينيّة المشجعة على الامتثال والظلاميّة والتفرقة الطائفيّة والمذهبيّة في وعي وممارسات الأفراد والجماعات المسلمة وغير المسلمة على حساب الاتجاهات العقلانيّة في الدين التي تدعوا إلى التطور والمحبة وسعادة الإنسان.

تذكر المصادر التاريخيّة أنه، في إحدى التقارير التي قدمها موظف في الإدارة البريطانية إلى الحاكم العام في الهند عام / 1789/،- أي فجر الاستعمار البريطاني على الهند – يشير هذا الموظف ناصحا رئيسه إلى ضرورة (تشجيع طقوس الديانة الهندوسيّة وتعاليمها العقائديّة.). وحول السياسة البريطانية في هذا الاتجاه أيضا يذكر موظف روسي يدعى " مينا يف " قائلا: (إن العمل المستقل الوحيد الذي يمكن للساكن الأصلي - في البلاد المستعمرة من قبل بريطانية - أن يقوم به، هو أن يصبح مؤسساً لطائفة دينيّة جديدة، فالحكام الانكليز لا يعارضون ولا يمنعون أحدا من أن يترأس حركة دينيّة. أما ما تبقى من مجالات النشاط فكلها يجب أن تغلق إمامهم). وفي مطلع القرن العشرين يكتب احد الدبلوماسيين الروس أيضا في هذا الاتجاه قائلا: (إن الصراع بين المسلمين والهندوس أمر مرغوب فيه بالنسبة للإنكليز، فهو بمثابة صواعق تحوّل الحقد الشعبي ضد النير الأجنبي إلى جهة لاتعود على هذا الأخير بأي ضرر.). هذا إضافة إلى وجود الكثير من هذه المواقف التي تصب في الاتجاه نفسه عبر عالمنا العربي يعرفها الكثير منا، والتي كانت تشير إلى اللعبة الطائفيّة التي مارسها الغرب في بلادنا ليس على المستوى الإسلامي فحسب، بل والمسيحي أيضاً، والتي لم تزل آثارها قائمة حتى الآن في سوريا ولبنان والعراق ومصر والسودان وغيرها. (1).

في تاريخنا الحديث والمعاصر، هناك أمثلة كثيرة تشير إلى الدور الاستعماري في اللعب على الورقة الدينيّة / الطائفيّة. فأثناء الحرب الباردة على سبيل المثال لاالحصر، يعلم الكثير منا كيف شجعت الولايات المتحدة التيار الأصولي السلفي الوهابي (طالبان) في أفغانستان، لمواجهة المد السوفياتي آنذاك، ناعته رجالاته بالمجاهدين، ثم كيف راحت تنقلب على هذا التيار بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حيث تحول المجاهدون إلى إرهابيين وقتلة وظلاميين، وكيف أن الكثير من الحكومات العربيّة التي كانت تحتضن هذا التيار راحت تتخلى عنه وتقف إلى جانب السياسة الامريكيّة في مواجهته، بل ومواجهة كل من يتعاطف معه. هذا وتتكرر هذه المواقف من قبل أمريكا وحلفائها قبل اجتياح العراق وبعد اجتياحه تجاه الطوائف الدينيّة في العراق، ففي الوقت الذي وقفت فيه أمريكا وحلفاؤها على سبيل المثال إلى جانب الشيعة ضد السنة أثناء الاجتياح مّدعية حمايتهم من ظلم واضطهاد نظام صدام في العراق، نراها اليوم تقف ضدهم مدعية بأنهم أدوات بيد إيران، وأنهم إرهابيون ومجرمون وقتله يمارسون الطائفيّة ضد السنة. بل راحت تشتغل على مسالة التحريض الطائفي من خلال أدواتها في المنطقة، الذين راحوا بدورهم يدفعون في هذا الاتجاه عبر بعض رجال الدين المرتزقة من خلال إصدار الفتاوى الطائفيّة التكفيريّة بحق هذه الطائفة أو تلك، لالشيىء إلا لكونهم يتبنون مشروع المقاومة ضد إسرائيل وأمريكا وكل أشكال الاستعمار في العالمين العربي والإسلامي.

ملاك القول: هكذا يستغل الدين عموما من قبل القوى المستعمرة ومن يواليها من الحكام العرب في دولنا العربيّة بشكل خاص، ومحاولة تحويله إلى إيديولوجيا جامدة، يعمل حملتها على نشر الفكر الظلامي الامتثالي الهادف إلى محاربة العقل والمواطنة ودولة القانون والمؤسسات، والدعوة إلى الفرقة الناجية بغية تفتيت المجتمع على أسس طائفيّة ومذهبيّة تعود مرجعياتها إلى مصالح أنانيّة ضيقة. هذا في الوقت الذي يظل الدين في جوهره ونصه العقلاني المفتوح على سعادة الإنسان، يشكل إذا ما استثمر بشكل عقلاني مشروعاً إنسانيّاً يحمل في جوهره الأسس العقلانيّة التي تساعد على التأسيس لخلق مجتمع المحبة والمساواة والانفتاح على الآخر فكرا وممارسة، وبالتالي القدرة على استيعاب قضايا العصر والاندماج في قضاياه المعاصرة.

***

د. عدنان عويّد - كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا.

.....................

1- لمعرفة المزيد عن دور المستعمر الغربي في اللعب على البعد الديني وتفتيت المجتمع، يراجع كتابنا (التبشير بين الأصولية الدينيّة وسلطة التغريب) وهو عنوان الكتاب ذاته. إصدار دار المدى – دمشق – 2000. وخاصة البحث الأول من الكتاب وهو عنوان الكتاب ذاته.

دعنا نؤكد مرة بعد مرة أن المجتمعات العربية، تحتاج قطعاً إلى توفير ما يكفي من الوظائف للشباب الذين أنهوا تعليمهم. لكن ينبغي التأكيد أيضاً أن توليد وظائف حقيقية، مشروط بالتوسع المنتظم لحجم الدورة المالية وقاعدة الإنتاج، وليس مجرد توفر أموال إضافية، أو مبانٍ نملأها بكل من يحتاج إلى وظيفة.

بعبارة أخرى، فثمة طريقتان لتوفير الوظائف: الأولى خلق مسميات وظيفية حقيقية أو وهمية، يسجل طلاب العمل أسماءهم فيها، ويتسلمون رواتبهم منها. وهذا ممكن دائماً طالما توفر المال. أما الطريقة الأخرى، فهي التنمية الشاملة والمستدامة، أي زيادة حجم الاقتصاد، لا سيما قطاع الإنتاج الذي يضيف قيماً اقتصادية، لم تكن موجودة في الأصل. الفارق بين اقتصاد إنتاجي واقتصاد خدمي، هو كالفرق بين مصنع يصنع أشياء ودكان يبيعها. فالمصنع يضيف قوة جديدة للدورة الاقتصادية، بينما الدكان ينقل تلك القوة بين مكان وآخر، من دون إضافة ملموسة.

إن ازدهار اليابان والصين وكوريا الجنوبية على سبيل المثال، يرجع في المقام الأول إلى صناعتها الضخمة، التي جعلت الأموال تتدفق عليها من مختلف بلدان العالم، فتضيف قوة جديدة إلى دورتها الاقتصادية، وتولد وظائف جديدة لطالبي العمل.

هناك في المقابل تجربة الهند في السبعينات، حين سعت الحكومة لخلق وظائف، بعضها وهمي، لمجرد تخفيف حدة البطالة. وقد أدت الزيادة المفرطة في الموظفين إلى تعقيد المعاملات الحكومية وشيوع الرشوة والفساد. وقد استمر هذا الوضع حتى مطلع القرن الحالي، حين أوقفت الحكومة تلك السياسة البائسة، واتخذت سبيل التنمية المستدامة والشاملة، ليس لحل مشكلة التوظيف، بل لتغيير وجهة الاقتصاد في البلد ككل. ونعرف اليوم نتائج هذا التحول، حيث بات الناتج القومي الإجمالي للهند هو الأسرع نمواً بين دول العالم الآن. ومعه تحسنت ظروف المعيشة ومستويات الدخل وعرض الوظائف ومكانة البلد على المستوى الدولي. وتقول أرقام رسمية إن مدينة بنغالور التي تمثل مركز الهند التقني، تحتضن 14000 شركة صغيرة startup تبلغ قيمتها 164 مليار دولار. ويقول رئيس وزراء ولاية كارناتاكا، التي تقع فيها بنغالور إن هذه المدينة باتت قبلة للشركات الدولية الراغبة في إنجاز وظائف عالية القيمة، وفيها حالياً 875 مركزاً لتقديم الخدمات التي تتطلب مهندسين ذوي خبرات عالية. ويتوقع أن ترتفع قيمة هذا القطاع إلى 110 مليارات دولار خلال السنوات الأربع المقبلة.

- حسناً، ما الذي يمكننا فعله؟

خلال العقدين الأخيرين، بذلت الحكومات العربية جهوداً جبارة لتطوير نظم التعليم فيها. لكن هذا التطوير لم يلامس العلة القاتلة في النظام، أي كون هدفه الأول إعداد موظفين لسوق العمل. تخرّج الجامعات العربية عشرات الآلاف من الشباب سنوياً. لكن نسبة كبيرة منهم يبقون عاطلين من العمل؛ لأن الاقتصادات المحلية عاجزة عن توليد وظائف جديدة بقدر متناسب.

الحل إذن ليس في تحسين جودة المناهج والمباني، مع أنها ضرورية على أي حال. الحل هو إعادة توجيه النظام التعليمي ككل، ليخدم هدفاً واحداً، هو إعداد الطالب ليقيم عمله الخاص، وليس العمل موظفاً عند غيره. ويجب التركيز على الأعمال الإنتاجية، من الزراعة إلى الصناعات البسيطة، إلى تطوير الحلول الرقمية للأعمال، وصولاً إلى التقنيات المتقدمة.

كثير من الناس يظنون هذا الاقتراح تخيلياً. لا لسبب سوى اعتيادهم على تعليم بسيط، يوفر وظائف بسيطة. فماذا لو فكرنا في تعليم أكثر تقدماً وتعقيداً، كي يهيئ أبناءنا لحياة أكثر تعقيداً وتقدماً، حياة محورها إنتاج الأشياء وليس استعمالها أو استهلاكها؟

التعليم الذي نحتاج إليه هو التعليم الذي يركز على تأهيل الشاب للتطلع إلى الآفاق البعيدة والمغامرة، والحساب الدقيق للعواقب، ونقد الواقع، والتمرد على المألوف، وإدارة الحياة والأعمال. هذا خير من إنفاق الوقت في علوم مفيدة، لكنها لا تعينهم على مواجهة تعقيدات الحياة الجديدة وتحدياتها.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

في لحظة تاريخية يتداعى فيها العقل النقدي العربي تحت ضربات "ثقافة السوق" المتوحشة، نجد أنفسنا أمام ظاهرةٍ مرضية بامتياز، وهي ما يمكن تسميته بـ "صناعة اللاشيء". لم يعد الأدب في راهننا، كما كان في زمنِ التنوير المتعثر، تعبيراً عن تناقضات الواقع أو محاولةً لاستشراف أفق التحرر؛ بل استحال إلى "سلعةٍ استهلاكية" خاضعة لقوانين العرض والطلب، تُنتج في معامل "العلاقات العامة" وتسوق بادوات "البروباغندا" الرقمية.

إن "اللاشيء" الذي نراه اليوم في رفوف المكتبات، وفي قوائم الجوائز، وفي أروقة المهرجانات الاحتفائية، ليس سوى انعكاسٍ بنيوي لأزمة المثقف الذي استقال من وظيفته التاريخية. لقد تحول الكاتب من "ضميرٍ للمجتمع" إلى "رجل مبيعات" يتملق ذائقة الجمهور التي جرى تسطيحها عمداً، أو يغازل لجان التحكيم التي تبحث عن نصٍ يرضي المركزية الغربية في نمطيتها السطحية. نحن أمام "أدبٍ بلا كاتب"، نص خاو من الجرح، مفرغ من الأسئلة الوجودية، ومصمم بعناية لكي لا يزعج أحداً، ولكي يمر برداً وسلاماً على وعي القارئ المستلب.

إن هذه الظاهرة لا يمكن فهمها بمعزل عن "اقتصاد الأدب". ففي ظل غياب مؤسسات نقدية مستقلة، وحلول "السوق" محل "الناقد"، أصبحت القيمة الأدبية تُقاس بعدد النسخ المباعة، وبعدد المتابعين على منصات التواصل، وبمدى "الترند" الذي تحققه الرواية أو الديوان. هنا، يغدو "النقد" مجرد إكسسوارٍ تجميلي، وظيفةٌ موكلة لموظفين في دور النشر، يغلفون الرداءة بأوراق السلوفان اللامع، ويسمون "التفاهة" حداثةً، و"الثرثرة" تجريباً.

نعم ان خطر "صناعة اللاشيء" يتجاوز مجرد الكتابة الرديئة؛ إنه اغتيل ممنهج للمخيال الجمعي. عندما يقتنع القارئ أن هذا "اللاشيء" هو الادب العظيم، فإننا نكون قد أفرغنا اللغة من طاقتها التحررية وحولناها إلى أداةٍ للاغتراب. المثقف، بالمعنى الغرامشي، هو من يفكك هذه البنى، ومن يرفض أن يكون صوتاً في جوقة "الاستهلاك الثقافي". إن مهمتنا اليوم ليست في الإنتاج الغزير للنصوص، بل في "مقاومة المعنى" ضد التميع، وفي استعادة شجاعة قول الحقيقة تجاه نصٍ يبيع الوهم.

إننا ندعو إلى "مقصلة المعنى"؛ إلى نقدٍ لا يعرف المجاملة، نقدٍ يدرك أن الأدب الذي لا يزعزع الثوابت، والذي لا يمتلك صلةً عضويةً بوجعِ الواقع وتناقضاتِ الممارسة الاجتماعية، هو أدبٌ ميت، حتى وإن طبعته أفخم المطابع أو توجته أضخم الجوائز. إننا أمام خيارٍ حاسم: إما أن نستعيد الأدب بوصفه فاعليةً نقديةً للمجتمع، أو أن نترك الحبل على الغارب لباعةِ الوهم ليصنعوا لنا "لاشيئاً" يملأ فراغ حياتنا، ويقبر ذكاءنا تحت ركام من الكلمات البراقة، الفارغة، والقاتلة.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

مقدمة: على المستوى التاريخي لم يكن التعدد الفقهي والمذهبي في التجربة التاريخية الإسلامية مظهرا من مظاهر الانقسام والتشظي في الدائرة الإسلامية، بل دليل حيوية عقلية وفكرية ومناخ اجتماعي حر ومنفتح أدى إلى تطوير عملية الاجتهاد ونشوء الاتجاهات الفكرية والسياسية في الدائرة الإسلامية.

و "علماء المسلمين يدركون بعمق وهم يسعون للتقريب بين المذاهب، أن المذهب في الإسلام لم يكن في نشأته الأولى مظهرا الانقسام المسلمين وتوزعهم، وإنما كان تعبيرا عن حيوية عقلية وعملية أدت إلى تشعب الآراء ونشوء التيارات المنهجية في استنباط الأحكام الشرعية ودلالات النصوص على النحو الذي أغنى الإسلام عقيدة وشريعة وأتاح للمسلمين أن يمارسوا أعمق أشكال الحوار المستند إلى المنطق والعلم. فسجلوا في تاريخ الفكر الإنساني وتطوره مأثرة الاستماع للرأي الآخر واحترامه". السيد محمد حسن الأمين، الاجتماع العربي الإسلامي، مراجعات في التعددية والنهضة والتنوير، ص 85، بيروت، 2003م.

لذلك فإن احترام هذا التعدد المذهبي فيما يعني حمايته. لأنه نتاج الحوار والبحث المضني والمتواصل عن الحقيقة. وحينما نطالب بحماية التعدد المذهبي في الدائرة الوطنية، فإننا نقصد حماية تلك القيم والمبادئ التي أنتجت ثراءا فقهيا وفكريا وعلميا في التجربة التاريخية الإسلامية. فلا يمكن أن نفصل ظاهرة تعدد المدارس الاجتهادية والفقهية في تجربتنا التاريخية عن قيم الحوار والاعتراف بالآخر وجودا ورأيا، وتوفر المناخ الاجتماعي المؤاتي للاجتهاد بعيدا عن ضغوطات السياسة أو مسبقات التاريخ.

و هذا بطبيعة الحال، يقتضي انفتاح المذاهب الإسلامية على بعضها في مختلف المستويات، وإزالة كل الحواجز والعوامل التي تحول دون التواصل الفعال بين مختلف المدارس الفقهية والمذهبية.

تقارب أم تعارف:

وفي تقديرنا أن مقولة التقريب من المقولات التي تجاوزها الزمن. وذلك لأنه على الصعيد الفكري والعملي تبلورت خيارات ومفاهيم، أخذت كل إيجابيات مقولة التقريب، وأضافت إليها أبعادا عملية واجتماعية.. فالتعارف كمفهوم ثقافي وممارسة اجتماعية، من المقولات والمفاهيم، التي تحتضن مضامين وحمولة عقدية وفكرية واجتماعية أرقى من مقولة التقريب. لهذا فإننا نعتقد أن الواقع المذهبي المتعدد، بحاجة إلى مشروع فكري وقانوني وسياسي، يضبط نزعات الاختلاف والتباين، ويوظف عملية التعدد والتنوع في إثراء الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية.. والتعددية المذهبية كغيرها من التعدديات، إذا لم تضبط بقانون عادل ومساواة سياسية وثقافية واجتماعية، فإنها تتحول إلى عبء على الواقع الاجتماعي على أكثر من صعيد ومستوى. فالتقريب كوعاء نظري أضحى لا يفي بحاجات ومتطلبات واقع التعددية المذهبية في المجالين العربي والإسلامي. فالتعددية المذهبية حقيقة قائمة في الكثير من الدول والبلدان العربية والإسلامية، ولا يمكن التغافل عن هذه الحقيقة أو متوالياتها ومتطلباتها، وإنما نحن بحاجة إلى نظام اجتماعي ـ ثقافي ـ سياسي، يحمي هذه الحقيقة ويحترم خصوصياتها، ويوفر للجميع على حد سواء الحماية والحرية.. ونحن نرى أن المقولة التي نطرحها على الصعيد الثقافي والاجتماعي كبديل عن مقولة التقريب، هي مقولة التعارف وهي من المقولات القرآنية والتي تحمل مدلولات ومضامين واسعة على صعيد تشكيل العلاقة الايجابية بين مختلف المكونات المذهبية في الأمة. وهذه المقولة (التعارف) على صعيد العلاقة المذهبية تعني:

1- توفر الاستعداد النفسي والاجتماعي والأخلاقي لبناء علاقة تعارف متواصلة مع الآخرين. فالنص القرآني الذي يحث على نسج تعارف وعلاقات بين القبائل والشعوب يوفر لنا إمكانية القول، أن التعارف مع الآخرين هو مشروع مفتوح على كل المبادرات والخطوات الإنسانية النبيلة، والتي تتغذى باستمرار مع وجود استعداد نفسي وأخلاقي واجتماعي عند جميع الأطراف لبناء علاقة تواصل مستديمة تفسح المجال لبناء علاقة سوية وسليمة بين جميع الأطراف والمكونات.

2- الاعتراف بالآخر، حيث أنه لا يمكن أن تنطلق في مشروع التعارف مع الآخرين بدون الاعتراف بوجودهم وآرائهم وأفكارهم. فالتعارف يقتضي الاعتراف أن في الوجود أو المجتمع أو الوطن آخرين. وهذا الاعتراف هو الذي يقود إلى مشروع التعارف على أسس واضحة ومثمرة.

3- إن التعارف في مضمونه وآفاقه، ينطوي على دعوة عميقة وجوهرية لمعرفة الآخر من خلال استكشافه وولوج منظوماته وقراءته كما هو، بعيدا عن الذاتية التي تسقط على هذا الآخر عصبيتها الاجتماعية والفكرية. وهذا يقتضي الحوار المتواصل والمستديم بين جميع الأطراف والمكونات، حتى يتسنى للجميع المعرفة المتبادلة واكتشاف الآخر بعيدا عن المسبقات والقناعات الجاهزة.

فالتعددية المذهبية في مجتمعنا وأوطاننا، ليست عيبا يجب إخفاؤه، ولا عبئا ينبغي التخلص منه، وإنما هي حقيقة تاريخية - اجتماعية ينبغي التعامل معها بحكمة وروية وبعد نظر، حتى ترتفع كل العناصر السيئة التي تشوب العلاقة بين المكونات المذهبية في المجالين العربي والإسلامي.. ومقولة التعارف هي أولى الخطوات في مشروع صياغة العلاقة الايجابية بين أهل المذاهب الإسلامية.

نقد الطائفية:

لعلنا لا نأتي بجديد حين القول ابتداءً، أن التعدد المذهبي لا يشرع بأي حال من الأحوال إلى ممارسة الطائفية ضد بعضنا البعض، بحيث يكون الانتماء المذهبي، هو الذي يحدد مستقبل المواطن. فإذا كان منتميا إلى المذهب الرسمي فإن أبواب الوظائف والمناصب في كل الحقول والميادين تكون مفتوحة أمامه.

أما إذا كان المواطن ينتمي إلى مذهب آخر، فإن العديد من دوائر الحياة تغلق في وجهه ولا يسمح له خدمة الوطن في بعض المواقع والحقول. لذلك فإن الخطوة الأولى في مشروع إعادة صوغ العلاقة بين أهل المذاهب الإسلامية في الفضاء الوطني، هو رفض الطائفية بكل مسوغاتها وتبريراتها، التي هي في المحصلة النهائية تساهم في تمزيق المجتمع وتفتيت الوطن. فبدون محاربة الطائفية ونقد أسسها الثقافية والسياسية ومرتكزاتها العقدية والفكرية، لن نتمكن من بناء العلاقة بين مكونات الوطن المذهبية والسياسية على أسس العدالة والاعتراف والاحترام المتبادلين.

وإن تقسيم أبناء الوطن على أسس طائفية لا يضر حاضر الوطن فقط بل يهدد مستقبله. وذلك لأن هذا التقسيم هو مقدمة التفتيت والانهيار.

لذلك فإننا جميعا ومن مختلف مواقعنا، ينبغي أن نقف ضد كل مظاهر التمييز الطائفي، وذلك لأن هذا التمييز لا يضر فقط الطرف الموجهة ضده، بل تضر وحدة الوطن والمواطنين، وتزيد من فرص الاحتراب الداخلي. فنقد الطائفية وفضح ورفض كل مظاهرها ووقائعها، هو الخطوة الأولى في مشروع بناء الوحدة الوطنية الصلبة وتطوير مستوى الانسجام والاندماج الاجتماعي.

إن الممارسات الطائفية البغيضة، هي التي تدق إسفينا عميقا في مشروع البناء الوطني، حيث أنها تساهم مساهمة كبرى في تفتيت المجتمع وخلق الإحن والأحقاد بين أبناء الوطن الواحد.

لذلك فإن فريضة الوحدة الاجتماعية والوطنية، بحاجة ماسة وملحة اليوم، إلى الوقوف بحزم ضد كل أشكال التمييز وبث الكراهية بين أبناء المجتمع الواحد.

ولا يمكن أن نبني علاقة سوية بين أبناء الوطن الواحد، إلا بنقد ومنع كل أشكال التمييز بين أبناء هذا الوطن. وبصرف النظر عن عوامل التمييز وموضوعاته، لا يصح أن نمارس التمييز المقيت ضد بعضنا البعض، لأن هذا التمييز هو الذي يدخلنا في أتون الضياع والصراع المفتوح على كل الاحتمالات والمخاطر.

إننا مع التعايش والوحدة بكل مستوياتها. الوحدة التي لا تبنى بتهميش مكونات المجتمع، وإنما بالاعتراف بها وتوفير كل موجبات الاحتضان والاحترام.

والتعايش لا ينجز بدحر التعدد المذهبي، بل بتوفير الفضاء السياسي والحضاري المناسب، لكي يمارس هذا التعدد دوره في بناء الوطن وتعزيز جبهته الداخلية.

والوقوف بحزم ضد كل حالات وأشكال التمييز الطائفي، يقتضي الالتزام بالآتي:

1. الاعتراف القانوني والسياسي بالمذاهب الإسلامية المتوفرة في الوطن، وإعطاءها المجال والفرصة لكي تمارس بحرية كل أعمالها وأنشطتها الثقافية والدينية والاجتماعية.

2. سن القوانين التي تجرم وتعاقب كل مواطن، يمارس التمييز الطائفي. فلا يمكننا أن ننهي التمييز الطائفي من فضائنا الاجتماعي والوطني، إلا بوجود منظومة قانونية متكاملة، تتعامل مع كل أشكال التمييز الطائفي باعتبارها جرما يعاقب عليه القانون.

3. تنقية المناهج التعليمية والتربوية والمنابر الإعلامية، من كل العناصر والقضايا التي تبث الكراهية الدينية والمذهبية. فلا يمكننا أن ننهي المشكلة الطائفية من واقعنا، إلا بإنهاء المصادر الثقافية والإعلامية التي تغذي هذه المشكلة وتمدها بالأسباب والمبررات. لذلك نحن بحاجة إلى جهد وطني حقيقي لتنقية كل المناهج الدراسية من كل المفردات التي تطعن في المذاهب الإسلامية الأخرى، أو تطعن في عقائدها ورموزها التاريخية. فتنقية مناهجنا التربوية ووسائل إعلامنا من كل المفردات الطائفية، هي خطوة ضرورية لإنهاء المشكلة الطائفية من فضائنا الاجتماعي والوطني.

فلا يمكن أن يسود الأمن فضائنا الوطني، ونحن نبث أو نسمح ببث ثقافة تدعو وتشجع على المفاصلة العملية والاجتماعية بين أبناء الوطن الواحد.

4. بناء ثقافة وطنية جديدة، قوامها الوحدة واحترام التعدد والتنوع بكل مستوياته وصيانة حقوق الإنسان. إذ إننا لا يمكن إنهاء المشكل الطائفي من فضائنا ومحيطنا، بدون إرساء ثقافة اجتماعية ووطنية جديدة، تعيد الاعتبار إلى الوحدة على أساس احترام التنوع، وتتعامل مع تعدد الاجتهادات الفقهية والفكرية باعتبارها من الحقائق التي تثري المجتمع والوطن. فنقد الطائفية بكل مستوياتها، يقتضي العمل على تطوير ثقافة الوحدة والحوار والتعدد في الفضاء الاجتماعي. فلا يمكننا أن ننهي الواقع الطائفي بالشعارات المجردة والمقولات الجاهزة، بل بالبناء الثقافي الجديد، الذي يرفض العقلية الأحادية والثقافة الإقصائية والمناهج الاستبدادية. وذلك لأن المشكل الطائفي يستمد حيويته وفعاليته، من تلك العقلية الإقصائية والمناهج التي لا ترى إلا ذاتها وتلغي ما عداها. لذلك فإن مواجهة المسألة الطائفية في وطننا، تقتضي العمل على تفتيت جذور الثقافة الإقصائية والعقلية الآحادية المتخشبة التي لا تقبل التعدد وتحارب مقتضيات الحوار الحر والموضوعي.

التعددية المذهبية والحماية القانونية:

لعلنا لا نحتاج لكلام كثير لإثبات أن العلاقة القائمة بين مكونات الأمة المذهبية، علاقة مليئة بالكثير من الصعوبات والمشاكل والالتباس والهواجس المتبادلة. وإزالة هذه العناصر السلبية، لا يمكن أن يتم بالخطاب الثقافي العام، الذي يؤكد على الوحدة وضرورتها، وأهمية أن تستعيد الأمة الإسلامية وحدتها وتضامنها، وإنما نحن بحاجة إلى منظومة قانونية متكاملة، تحمي حقيقة التعددية المذهبية وكل متوالياتها ومتطلباتها.

وفي تقديرنا أن غياب الأطر والإجراءات القانونية، التي تحمي التعددية المذهبية، وتوفر مناخ حضورها الايجابي في الحياة العامة، هو الذي يؤدي في أحد أبعاده إلى دخول المواد السامة وعناصر التوتر في العلاقات المذهبية الإسلامية. ولا يمكن أن تضبط نزعات التوتر المذهبي، بدون المنظومة القانونية الحامية والرادعة في آن. وإن الاختلافات المذهبية بكل متوالياتها، ليست مدعاة أو سببا لسلب الحقوق أو نقصانها. فكما أن للإنسان حق الاختلاف مع أخيه الإنسان، فله في ذات الوقت حق ممارسة حقوقه بعيدا عن السلب أو التمييز.

فالعلاقة في الدائرة الإسلامية بين مختلف التعبيرات المذهبية، هي علاقة اختلاف ومساواة في آن واحد، فلا يمكن أن نلغي حالة التعددية المذهبية في الفضاء الاسلامي، كما أنه لا يمكننا صياغة واقعنا الاسلامي العام على أسس التهميش والإقصاء بدعوى التنوع والتباين في المرجعيات والأفكار. وإنما اعترافنا بهذا التنوع الأصيل، ينبغي أن يقودنا جميعا إلى بناء أنظمتنا السياسية والاجتماعية والتربوية والثقافية على قاعدة الاعتراف بحق الاختلاف المذهبي والمساواة في الحقوق والواجبات.

والدولة هنا تتحمل مسؤولية قانونية وأخلاقية، لإيجاد البيئة المناسبة للتعايش السلمي بين مختلف مكونات المجتمع والوطن. فالتعدد المذهبي لا يشرع بناء الكانتونات الاجتماعية المتحاجزة والبعيدة عن بعضها البعض، وإنما لا بد أن يقودنا واقع التعددية المذهبية إلى بناء وطني جديد على أسس لا تحارب التعدد ومقتضياته، ولا ترذل التنوع وحاجاته، بل تتعامل بوعي وحكمة مع هذه التعددية. الوعي الذي يؤسس لحالة حضارية من التعايش السلمي على أسس الفهم والتفاهم والحوار والتلاقي وتنمية الجوامع المشتركة وصيانة حقوق الإنسان. والحكمة التي تمنع اندفاع أي طرف للقيام بأي تصرف يضر بمفهوم المواطنة أو يؤسس لخيارات اجتماعية لا تنسجم ومقتضيات الوحدة. والخطر الذي يتهدد الأوطان واستقرارها، ليس من جراء التعددية المذهبية، بل هو من جراء سياسة التمييز الطائفي التي تعمل على تفتيت المجتمع على أسس طائفية مقيتة.

 لذلك فإننا مع الاعتراف التام القانوني والسياسي بالتعددية المذهبية، ولكننا في الوقت نفسه ضد كل السياسات الطائفية التي تحول حقيقة التعدد من نعمة إلى نقمة، ومن عامل إثراء للسياسة والثقافة والاجتماع إلى مدخل للصراعات الطاحنة التي تدمر كل المكاسب والمنجزات. والآخر المذهبي ليس مشروعا للنفي والإقصاء المتبادل، وإنما هو مجال مفتوح وحيوي للتعارف والتفاعل والاغتناء.

إننا بحاجة إلى مواطنة مبنية على انتماء متكافئ بين متطلبات الخصوصيات المذهبية وضرورات العيش والانتماء الوطني المشترك. فالحرية المذهبية هي شرط المواطنة المتساوية، ولا يمكن أن ننجز هذا المفهوم في فضائنا الاجتماعي والثقافي والسياسي بعيدا عن شرط الحرية لكل التعدديات والتعبيرات.

***

محمد محفوظ

 

حرية التعبير كضرورة حضارية

إن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس اختلاف الآراء، وإنما تحويل الاختلاف إلى تهمة، والرأي إلى جريمة، والمخالف إلى عدو.

رأي الشريعة الإسلامية:

تعتبر شريعتنا الغراء إن السخرية، والتنابز بالألقاب، والتخوين، ورمي الناس بأوصاف جاهزة لمجرد أنهم خالفوا رأيًا أو اجتهدوا في فهم قضية، ليست من أخلاق الإسلام، بل نهى عنها القرآن الكريم صراحةً، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ … وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾.

انعدام الشرعية القانونية:

أن هذه الممارسات هي في الواقع وريثة العهود الدكتاتورية وأزمنة الإنحطاط والتخلف، وتتعارض مع الدستور، ومع المبادئ العالمية لحقوق الإنسان التي كفلت حرية الرأي والتعبير، ما دام الرأي لا يدعو إلى العنف أو الكراهية ولا يعتدي على حقوق الآخرين.

نطاق حرية التعبير:

ليس المقصود بحرية التعبير مجرد إبداء الرأي في القضايا العامة، وإنما تمتد لتشمل حرية البحث العلمي، والإبداع الأدبي، والاجتهاد الفقهي، والفكر السياسي، والنقد البنّاء في مختلف الميادين.

فالتقدم العلمي لا يتحقق إلا بحرية الباحث في طرح الفرضيات ومناقشتها، والأدب لا يزدهر إلا بإطلاق الخيال والإبداع،

والفقه الإسلامي نفسه قام عبر تاريخه على تعدد الاجتهادات واختلاف الآراء بين العلماء من غير تخوين ولا تكفير، كما أن الحياة السياسية الرشيدة لا تستقيم إلا بوجود رأي ورأي آخر، ومعارضةٍ مسؤولة، وحوارٍ يحكمه الدليل والاحترام المتبادل.

مدى حرية التعبير:

ليست حرية التعبير مطلقة، بل تخضع لقيود تفرضها القوانين لحماية الأمن القومي، النظام العام والآداب العامة،

حيث يُمنع قانوناً استخدام حرية التعبير للتحريض على الكراهية، العنف، التمييزالعنصري، أو التشهير.

صفة حرية التعبير:

وفي ضوء ماتقدم، فإن حماية حرية التعبير ليست ترفًا فكريًا، بل هي ضرورة حضارية، وضمانة لتطور المعرفة، وإصلاح المجتمع، وترسيخ دولة القانون.

رأي الفلسفة:

فولتير

يُنسب إلى الفيلسوف Voltaire قوله: «قد أختلف مع رأيك، ولكني أدافع حتى آخر لحظة عن حقك في التعبير عنه.» ورغم أن هذه العبارة ليست نصاً حرفياً من كلامه، فإنها أصبحت عنواناً لمبدأ عظيم، هو أن قوة الأفكار تُقاس بقدرتها على مواجهة النقد، لا بإسكات أصحاب الرأي الآخر.

ابن خلدون

لم يناقش ابن خلدون "حرية التعبير" بمفهومها الحديث، بل عبر مؤلفه الشهير "العمران البشري" مؤكداً أن غيابها يعجل بانهيار الدولة

ويرى ان الاستبداد يقتل الإبداع بينما يكسر القهر النفس البشرية ويقضي على دوافع العمل والابتكار.

وإن تكميم الأفواه يورث النفاق ويشيع الخوف والكذب، مما يضعف تماسك المجتمع.

وابتدع المبدأ التاريخي الآتي "المشورة أساس الحكم"

ويلتقي فكر ابن خلدون مع أطروحات التنوير الإسلامي في أن القمع وإقصاء الآخر مناهج تُنافي استقامة الأمة وتطورها.

سارتر

يؤمن الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر أن حرية التعبير هي أداة جوهرية لتحرير الإنسان، وليست مجرد حق سياسي. وباعتبار أن "الإنسان محكوم عليه بالحرية"، فإنالتعبير عن الرأي وتحمل مسؤوليته هو جزء لا يتجزأ من وجوده ومسؤوليته الأخلاقية تجاه الآخرين والمجتمع.

ففي نظريته عن "الأدب الملتزم"، يعتبر أن الكلمة هي فعل وتدخل مباشر في صلب الواقع؛ لذا يجب أن يُسخّر الكاتب والمفكر حرية تعبيره لفضح الظلم والدعوة إلى التحرر، والدفاع عن قضايا الإنسان بدلاً من الكتابة المنفصلة عن الواقع.

الروائي گابريل گارسيا ماركيز

يرى ماركيز ان تقييد حرية التعبير وحظر الكتب والأعمال الفكرية إجراءٌ عبثي لا يحقق غايته، لأن الأفكار لا تُهزم بالمنع، وإنما تُناقش بالحجة.

وكان يعتقد أن أي نظام أو ثورة واثقة من نفسها يجب أن تمتلك من النضج والقوة ما يكفي لـ "هضم" هذه الأعمال الأدبية المعارضة، بدلاً من اللجوء إلى سياسات القمع والحظر.

الانطلاق نحو زمن النهضة:

إن النهضة لا تُبنى بالتصفيق، ولا بتقديس الأشخاص، ولا بتخوين المخالفين، وإنما تُبنى بحرية الفكر، وسيادة القانون، واحترام الإنسان، والاحتكام إلى الحجة والدليل.

أما حين يصبح التخوين بديلًا عن البرهان، والشتيمة بديلًا عن الحوار، فإن ذلك لا يكشف قوة الفكرة، بل يكشف عجز أصحابها عن الدفاع عنها.

وظيفة حرية التعبير:

إن حرية التعبير ليست حقًا فرديًا فحسب، بل هي وسيلة المجتمع لاكتشاف الحقيقة، فالحقيقة لا تتجلى باحتكار الرأي، وإنما بتلاقح الأفكار، واختبارها بالنقد والبرهان؛ لذلك كانت حرية التعبير من أهم ضمانات تطور القانون والعلم والحضارة.

***

فارس حامد عبد الكريم

بغداد في 2026/7/7

الكثير من الأدوات الإجرائية التحليلية في الخطاب النقدي السردي في مرجعياته اللسانية والسيميائية والسايكونصية يمكن توظيفها في نقد الدراما التلفزيونية لما بين الاثنين من وشائج قوية وقريبة ومتينة. فالرواية وبإحالتها للعوالم الواقعية والمتخيلة تنصهر في رؤيتها السردية المعالجات الاجتماعية والنفسية والفلسفية. والدراما التلفزيونية الجادة والهادفة لا تبتعد عن تلك المعالجات الثلاث في بناء الحبكة وسيرورة الأحداث إلى جنب أن كثيراً من الأعمال الدرامية تأسست نصوصها على أعمال روائية مهمة، على الرغم من تغير وتحول النص عن الأصل لإرغامات الحركة والحوار والصورة والمكان ضمن مقتضيات الإخراج في الدراما لكنه بقي يحمل بعض ملامح صورته الروائية الأصل، فالمعادل البصري والمعادل الموضوعي والتقابل السيميائي في المشاهد، والدلالة اللونية للأزياء والأثاث والمكان، والتكثيف ومفهوم الإزاحة نحو ما هو هامشي في المشاهد، ودلالة أسماء الأعلام داخل العمل ومفهوم الصورة المجازية الكلية في البنية العميقة المسؤولة عن انسجام النص في علاقاته الخفية وكذلك الاستعارات الإدراكية في حبكة العمل الدرامي كل تلك الأدوات هي من أصول نقدية سردية في مرجعياتها اللسانية والسيميائية وتحضر كمجسات مؤثرة وفاعلة في سبر البنية الموضوعية والبنية الفنية للعمل الدرامي، وهذه المجسات سوف يتخذها هذا المقال منطلقاً لتحليل أحد الأعمال الدرامية المصرية التي تتناول واحدة من أهم القضايا الحيوية والحساسة في المجتمع المصري وهي المشكلة البنيوية في تردي التعليم الجامعي في مصر. فمن قبل قد اقتربت الدراما المصرية من ملفات خطيرة ترتبط بالجريمة المنظمة كالاتجار بالسلاح والآثار والتهريب والاتجار بالمخدرات وغسيل الأموال وبيع الأعضاء البشرية وإرهاب الجماعات المتشددة إلى جنب إرهاب الأنظمة الدكتاتورية الحاكمة واستبداد أجهزتها الأمنية القمعية، وجسدت هموم المهمشين والتحديات الاجتماعية التي تواجههم كالبطالة وأزمة السكن وجسدت الأمراض الاجتماعية التي تفتك بجسد المجتمع بسبب اتساع الفقر وغياب حقوق المواطنة مما أنتج شخصيات انتهازية وصولية متلونة تحترف الفهلوة والنفاق والتسلق وركوب الموجة بما يضمن لها منافعها ويجعلها بمأمن من الانسحاق وإنْ كان ذلك على حساب قيمها، ومن بين تلك الموضوعات كان موضوع التعليم وتصوير اهتزاز هيبة العلم باهتزاز منزلة الأستاذ الاجتماعية والاقتصادية وبربط قيمة العلم بالحصول على الشهادة والتوظيف في وقت تتسع فيه البطالة بين أصحاب الشهادات، وجسدت الصراع السياسي داخل أسوار الجامعة بين الإسلام السياسي المتشدد واليسار وأحزاب السلطة، ولكن كان ثمة أمر(مسكوت عنه) لفترة طويلة وبدأت في وقت قريب أعمال درامية مصرية تتناوله بجرأة غير مسبوقة، يتمثل هذا الأمر بالاقتراب من أزمة نظام التعليم ومشكلته البنيوية في الجامعة وفقدان الجامعة لمركزيتها الريادية التنويرية النقدية واكتفائها بالتلقين ونكوصها عن تعزيز المعرفة النقدية لدى الطلبة وتراجع الأستاذ بأن يكون فاعلاً ملهماً في حقل المعرفة وفي ميدان الحياة الاجتماعية وانكفائه على تسليع محاضراته وتبسيطها بنحو مخل لتنسجم مع عزوف الطلبة عن التعلم وانشغالهم بالمختصرات والملخصات، فتصبح الشهادة الجامعية حاجة شكلية ترتبط بالقبول الاجتماعي . يتضح ذلك في مسلسل (بين السرايات)، فهذا المسلسل المصري يجسد الواقع الاجتماعي والاقتصادي للمكان المحيط بالجامعة (بين السرايات) إذ يفتح نوافذ كثيرة على الحياة العلمية والعلاقات الإنسانية ويسلط الضوء على الكثير من أزمات التعليم الجامعي وتحدياته في مصر بنحو غير مسبوق، واسم المسلسل (بين السرايات) الذي عرض أول مرة عام 2015 وبإخراج (سامح عبد العزيز) يشير في رسالة ضمنية إلى اضمحلال الطبقتين البرجوازية والوسطى التي كانت تقطن المكان وتنامي الطبقات الفقيرة، فهذه الظاهرة من أبرز مظاهر المجتمع العربي وواحدة من أهم أسباب تدني الحياة المدنية وتراجع المجتمع وانحسار الديمقراطية وأفول المعرفة، والمفارقة الكبيرة أن المكان الهامشي بثقافته الشعبية وصراعه المحموم بين أصحاب المكتبات في تسويق الملازم هو من يتسلل إلى مفاصل الجامعة ويتحكم بأنماط التلقي العلمي للطلبة ويسهم في تسطيح المعلومات، فاقتصاد المنطقة ودخل أفرادها المعاشي يرتكز على تهيئة احتياجات الطلبة من توفير السكن لمن هم خارج القاهرة أو توفير حيوانات مختبرية كبيع القوارض والفئران لطلبة كلية العلوم، أو تهيئة أشخاص في أقبية سرية مغلقة يقومون بمعاونة الطلبة في الغش الالكتروني الرقمي وتلقين الطلبة بالأجوبة أثناء خوضهم للامتحانات، ويوفر المكان أشخاصاً يقومون بكتابة بحوث التخرج ورسائل الماجستير وأطاريح الدكتوراه للطلبة الفاشلين، ويهيئ الحي أمكنة مناسبة لتقديم محاضرات خصوصية يقدمها بعض أساتذة الجامعة ممن يسعون وراء الكسب المادي. فالمكان تاريخياً مثل منطقة مرموقة تقطنها معظم أسرة الخديوي محمد علي واشتملت على سراياهم وقصورهم الفارهة، ولرقي هذا الحي فقد وقع عليه الاختيار في بناء الجامعة حينما شيدت، ولكن المكان في الأحداث الراهنة التي يقدمها المسلسل يمثل انحسار التمدن المتحضر وزحف الرثاثة على العمران بسبب فشل مشاريع الدولة الوطنية في التنمية ولاتساع الفقر.

وشارة المسلسل ومقدمته تبدأ بموسيقى كلاسيكية جميلة وبظهور قبة الجامعة المصرية وساعتها في صور قديمة من زوايا مرتفعة وتظهر المساحات الخضراء والساحات العامة وحي السرايات في طرازه المعماري الفخم، وتضمنت تلك المشاهد صوراً أرشيفية لأحمد لطفي السيد وطه حسين وغيرهم من رموز التنوير وأيقونات التعليم الجامعي وصوراً للخريجين القدماء، ثم تتحول شارة المسلسل من تلك الذاكرة الأكاديمية الزاهية المهيبة إلى مشاهد من الحي كما يجسده المسلسل في واقعه الراهن البائس، ويطل أبطاله وأولهم الممثل (باسم سمرة) الذي يجسد دور (مخلص) بضحكته الصفراء المخادعة وبمشاهد تتضمن الرثاثة العمرانية التي تحيط ببيئة الجامعة وغياب الفخامة العمرانية وتردي الذوق، يظهر كل هذا مع أغنية شعبية بإيقاع صاخب. فالتقابل الصوري في المشاهد يتضمن سيميائية قصدية تعلي من شأن الآباء المؤسسين للحداثة وللنهضة التعليمية المتمثلة برموز الجامعة وتحقق تقابلاً متضاداً مع هيمنة حقبة طويلة من الاستبداد والقهر في الجمهوريات العسكرية، فهذه الشارة ترسم إشكالية ومأساة التحول من التنوير إلى التجهيل المنظم.

كما أن مشهد تطاير الأوراق في مكتبات الاستنساخ في الحي ضمن شارة المسلسل الاستهلالية يمثل عتبة درامية مهمة تجسد معادلاً بصرياً للترميز عن معادل موضوعي يستنتجه المشاهد من خلال تتبع حلقات المسلسل وتتمثل بسطحية التحصيل والتلقي غير الراسخ الذي لا يبني الشخصية العلمية الرصينة للطالب الجامعي، فما يتلقاه عرضة للنسيان وعدم الرسوخ الذهني لأنه مرتبط بهدف النجاح والحصول على الشهادة، فتتحول تلك الملخصات الجامعية إلى نفايات لا قيمة لها فتذروها الرياح بعد نهاية الامتحان . وثمة تداع رمزي لتطاير أوراق المحاضرات مع تطاير ونثر النقود في حلقات كثيرة تصور الملهى الليلي الذي يواظب مخلص على قضاء لياليه الحمراء فيه، يحضر ذلك في مقاربة تشبيهية مع تطاير الورق للترميز على الظهور بمظهر السخاء وتتضمن احتقار المال والتفاخر بتبديده من أجل ليالي حمراء زائلة تماماً مثلما هي مشاهد أوراق الملخصات والملازم التي تتطاير ترميزاً لانتهاء قيمتها بانتهاء الامتحان للإيحاء بأن المعرفة تنتهي بتأدية الطالب للامتحان، فالمال يجنى ويتم تبديده في متع عابثة وزائلة، فهو وسيلة وليس غاية، كذلك التعليم الجامعي فهو لا يطلب لأجل العلم نفسه بل لأجل الحصول على الشهادة بأي وسيلة كانت . وواحدة من المشاهد ذات الدلالات الرمزية الصادمة في أول اطلالة (مخلص) وفي أول حركة له في شارة المسلسل هو عدم اكتراثه وقيامه بدفع صندوق الورق بسرعة بقدم رجله تحت المنضدة كناية عن عدم توقير العلم والاستخفاف به.

ويجسد بطل المسلسل (مخلص) شخصية الإنسان الفهلوي الذي يمتلك مكتبة كبيرة للاستنساخ، ويحرص على أن يحصل على ثلاث شهادات وفي كل شهادة يقضي سبع سنوات كي يبقى في داخل الجامعة لفترة أطول كي يحظى بالصفة الرسمية في تواجده مزاولاً مهنته في تسويق الملخصات الدراسية وقرصنة الكتب والمصادر وبيعها للطلبة، وتنمو طموحاته وأطماعه ليهمن على سوق الورق في حي (بين السرايات) ويصبح (المعلم الكبير).

وتجسد الممثلة (سيمون) دور (صباح) بنت البلد المثابرة والمكافحة في تربية ابنها اليتيم، فهي تخفي عن أهل الحي وفاة زوجها كي لا تتعرض للاستغلال، وتعمل هي الأخرى بتقديم خدمات للطلبة من خلال مساعدتهم في تهيئة مكان مناسب لإيقاف سيارتهم الخاصة، وتظهر مرتدية زياً رجالياً شعبياً يناسب العمل في الدلالة على الاحتشام والكد والتعب، ولكن سرعان ما تغيرت في ملامحها وفي زيها ونزوعها نحو الطمع فانخرطت مع الموجة، فهي إذ تصارح أختها (قمراً) برغبتها بترك هذه المهنة المتعبة واللجوء لإنشاء مكتب لاستنساخ الملخصات للكسب المادي السريع في رغبة تراود معظم سكان الحي للتحول إلى تجارة الورق، ولكن الثانية تنصحها بالعدول محذرة إياها من تجار الورق: (دول "هؤلاء" مافيا ومش حيسيبوك)، وبإصرار تصبح واحدة من تجار الورق وتشق طريقها في حيل ملتوية فتقع في شراك الجشع والطمع، وتطور نشاطها من خلال تهيئة محاضرين يقدمون دروساً خصوصية في تخصصات بعيدة عن مؤهلاتهم العلمية في شكل من أشكال الزيف والخداع العلمي، وفي النهاية تقع ضحية للاحتيال والنصب فتفقد جميع مدخراتها من المال في صفقة وهمية من صفقات تجارة الورق.

ويعمد أصحاب المكتبات من سكان الحي لاختراق الحرم الجامعي والتأثير في الأساتذة وإغرائهم اقتصادياً في حثهم على وضع ملخصات تعليمية موجزة أو توزيع كتبهم وتوجيه الطلبة لاقتنائها حصراً من هذه المكتبات أو تقديم محاضرات خصوصية خارج الجامعة لمجاميع الطلبة. وإذ يأبى الكثيرون إلا أن البعض يقع فريسة للطمع فيتعامل مع (مخلص) ويخضع لأساليبه التسويقية التي تحط من السلوك المهني للأستاذ الجامعي، وأثناء ذلك يقنعهم (مخلص) بضرورة التقرب من الطلبة ومجاملتهم وخلق ألفة بينهم وينظم لهم سفرات ترفيهية تديرها مكتبته لكسر الحاجز الرسمي للتقرب من الطلبة بهدف تسويق تلك الملخصات.

ومن المعادلات البصرية السيميائية دلالة اللون الأحمر فيما يرتديه (مخلص) من ثياب وفي سيارته الحمراء وفي واجهة مكتبته وفي آثاث بيته، فهو يتضمن دلالة رمزية لإرادة الهيمنة والسيطرة والتأثير والجذب التجاري، وحينما مر بأزمة في آخر المسلسل لإحساسه بالذنب نتيجة قتل أحد المنافسين له في تزييف الكتب المقرنصة يصاب بأزمة نفسية واضطراب كبير فيرتدي اللون الأزرق في دلالة على المرونة والسلم ويظهر الممثل (صبري فواز) أخوه (محروس) الذي كان مخلص متسلطاً عليه يظهر مرتدياً للون الأحمر في مشاهد كثيرة بدلاً من مخلص في كناية رمزية لتبادل الأدوار في التسلط والهيمنة. إن دلالة أسماء الأعلام في النظام اللساني الاجتماعي هي دلالة اعتباطية، فالمسمى ممكن أن يغير اسمه أو يعبر عنه باسم غيره إلا أن التسمية في الأعمال الروائية والسردية بنحو عام والتسمية في الأعمال الدرامية تتضمن في أغلب الأحيان دلالة قصدية إيحائية غير اعتباطية، ومن خلالها يمكن النفاذ إلى رؤية المخرج وكاتب النص للوقائع الاجتماعية والتاريخية، فسيميائية الاسم في (مخلص) تتضمن لعبة التضاد والتناقض والزيف الاجتماعي في الظهور والادعاء بغير الحقيقة، فـ (مخلص) ليس مخلصاً في مهنته ونواياه.

ومن بين الوقائع التي جسدها المسلسل مشهد مكتبة الجامعة وخلوها من الطلبة، فهي قفر فارغة من القراء ولا يرتادها الطلبة الا في أوقات الامتحان للمذاكرة أو طلباً للراحة وليس لاستعارة الكتب، يظهر ذلك في حوار أمين المكتبة مع مجيء مخلص لاستعارة كتاب يريد تصويره وبيعه للطلبة والحوار عن قيمة الكتاب الورقي والكتاب الالكتروني وعزوف الطلبة حتى عن الكتاب الإلكتروني واهتمامهم بالملخصات والملازم. فالمنطلق الذرائعي لدى (مخلص) أن العصر هو عصر السرعة في الحصول على الأشياء من دون كد واجهاد ذهني أو بدني فهو يلح على عبارة (كله دلفيري حتى المزاكرة). كما يلوح من المسلسل عزوف الطلبة عن حضور المحاضرات وعدم اكتراثهم بتدوينها وعن العودة الى الكتب المنهجية والمصادر المساعدة مكتفين بالملخصات، بينما يقع الممثل (محمد الشرنوبي) الذي يجسد دور (وليد) الطالب القادم من الأرياف الى العاصمة ضحية لعوزه وفقره ويستغل التزامه ومواظبته وحضوره فيضطر للتعامل مع المكتبات ويضع لهم الملخصات، فهو الوحيد الذي يحضر ويدون المحاضرات بينما لا يأبه الطلبة بتسجيل وتدوين محاضرات أساتذتهم بل يعزفون عن الحضور ويسخرون من (وليد) لمواظبته على الحضور إذ تتفشى ظاهرة الغياب بنحو مفرط وغير مسبوق، فيتهكمون في مخاطبته (هوة في حد في الزمن دنا بيحضر محاضرات).

ويجسد المسلسل في أحد المشاهد الفساد في الرقابية الحكومية لمكتبات الاستنساخ التي تتجاوز على حقوق الملكية الفكرية وتقرصن الكتب، فلا تتمكن لجان التفتيش من منع تصوير المستنسخات من الكتب والملخصات الجامعية والقبض على المتجاوزين إذ سرعان ما يتم اطلاق سراحهم من قبل بعض موظفي التفتيش وتهريبهم قبل وصولهم لمراكز الشرطة لقاء دفع الرشا.

وفي دور (قمر) تطل الممثلة (نسرين أمين) لتمثل ثقافة المظاهر السطحية التي تحاول أن تتزين بالشهادة من غير رغبة في العلم، فعلى الرغم من تخرجها وحصولها على الشهادة إلا أنها في الحلقة الأخيرة وبعد التغيير وقيام ثورة يناير في نهاية المسلسل تدرك في قرارة نفسها أنها لا تمتلك مؤهلاً علمياً حقيقياً فهي تشعر بخواء وفراغ داخلي فتقرر في نهاية المطاف التقديم إلى الجامعة مرة أخرى لتتعلم بنحو حقيقي وتنال شهادة ثانية. إن دلالة اسم (قمر) في المسلسل مثل دلالة اسم (مخلص) يتضمن إيحاء رمزياً، فالاسم على غير المسمى، فقمر لا تمتلك مسحة من الوسامة، فكان شغلها الشاغل هو التبرج وظهرت في صالونات التجميل في مشاهد كثيرة جداً ومبالغ فيها، للترميز عن قباحة الجهل الذي يموه بالغش والظهور بالمظهر العلمي المزيف دون امتلاك ناصية التحصيل العلمي الحقيقي، فقد كانت ترتدي زي النقاب طوال فترة الامتحانات رغم سفورها كي تتمكن من الغش بوساطة لاقطة الأذن. وقد تزوجها (مخلص) مضطراً بهدف الإنجاب؛ لأن زوجته الأولى التي يحبها الممثلة (روجينا) التي جسدت دور (سمر) كانت عاجزة عن الإنجاب، لكنَّ (قمراً)قد خدعته إذ تعمدت عدم الإنجاب منه في كناية إيحائية أن الحصول على الشهادة بغير استحقاق هو خداع للمجتمع، فمن يحمل الشهادة التي حصل عليها من خلال الغش لا يمتلك الأهلية في تقديم خبراته النظرية والعملية التي يفترض أن تحصلها في الجامعة. فقد استغلت ثراء (مخلص) بسبب فقرها وخدعته في تعمدها عدم الإنجاب، فكانت النهاية الطلاق بينهما. وثمة استعارة رمزية ذكية جداً وراء عدم إنجاب (مخلص) على الرغم من قدرته على الإنجاب وعلى الرغم من زواجه الثاني من (قمر)، فهذه الاستعارة لم تكن دلالة مجازية ينتظم فيها مشهد واحد أو مشاهد عدة من المسلسل بل هي استعارة مجازية كلية للعمل الدرامي بأكمله فهو مجاز ممتد، تتلخص الاستعارة بعقم وعجز الممارسات التبسيطية والتسطيحية لأفكار العلم بهدف الكسب والاستثمار في التعليم أقول عجزها عن إنتاج فكر نقدي وإضافة نوعية للمجتمع، فسبيلها الوحيد هو إنتاج خريجين يحملون شهادات جامعية ويفتقدون الأهلية العلمية في الإحاطة بتخصصاتهم، فالشهادة تصبح منالاً سهلاً لغرض الحصول على فرصة عمل والقبول الاجتماعي فحسب. وإذا جرى النظر لهذه الاستعارات من منظور اللساني (جورح لايكوف) في منطلقاته التصورية الإدراكية فإن هناك مجالاً هدفاً يتمثله الذهن (التعليم التلقيني) من خلال مجال تصوري يعد مصدراً (العقم في الإنجاب)، وهذا الأخير هو نتاج ثقافة المرء وتجاربه، وغالباً ما تكون الاستعارات التي تحضر في الخطاب استعارات تواضعية غير إبداعية يمتاحها الخطاب الدرامي من وحي ثقافة العامة في أنساقها العرفية الاجتماعية، والأمر نفسه ينطبق على استعارات (عقم الفكر) في هذا المسلسل، فهي من الاستعارات التواضعية، ففي النسق الثقافي تلوح استعارات التثاقف والتحصيل من خلال الحقل الدلالي للتزاوج الإنساني، فالمثاقفة يعبر عنها بـ (تلاقح) الأفكار، والفكر الأصيل يسمى (بنات الأفكار)، والتعليم التلقيني الذي لا ينتج إضافة معرفية يسمى بـ (الفكر العقيم)، وغالباً ما يطلق المبدعون والمؤلفون على نتاجهم وإصدارهم الأول من مؤلفاتهم بـ (الابن البكر) وبقية المؤلفات بـ (الأولاد)، فنتاجهم العلمي هو من يحمل اسمهم بعد رحيلهم، ويطلق نعت (الاب) على أصحاب النظريات والمناهج من ذوي النصوص النظرية التأسيسية، فمن يقتفي أثر المؤسس يسميه أباً روحياً. إن الاستعارة الكلية (المجاز الممتد) في النصوص وفي الأعمال الدرامية الذي ينتظم فيها العمل بأكمله تضطلع بتحقيق الانسجام في بنيته العميقة، فإذا كانت الحبكة تمثل نسيجاً سطحياً لتماسك العمل الدرامي فإن القصدية والقوانين الدلالية الخفية التي تجعل العمل بمشاهده وحلقاته المختلفة بنية دلالية واحدة ينتظم المسلسل فيها بكل حلقاته هي تلك الاستعارة الخفية الكلية في مجازها الممتد في المعادلات الموضوعية والتي لا يمكن تلخيص وظيفتها بالتشويق والحفاظ على المسلسل من أن ينزلق إلى الميليودراما وظمآن حبك الأحداث بل هي من تجسد رؤية كاتب النص والمخرج إزاء تلك الأحداث الدرامية وإحالتها الواقعية الممكنة فهي تجلٍّ للرؤية الذاتية للمخرج والكاتب.

والمسلسل يوظف فكرة الديستوبيا التي تجسد عالم الشر والفقر والفتنه والصراع والعنف والكوارث التي تحل بالأفراد في مجتمع الديستوبيا، فالفاعلون في أدوارهم يجسدون رمزية الشر والسيطرة إلى جنب سمة مهمة هو انغلاق مجتمع الديستوبيا على نفسه وتحكم رؤوس معينة في إدارة هذا العالم المغلق المليء بالشر، وهم أصحاب مكاتب الاستنساخ الكبار الذي هم في الأصل تجار الورق ويقومون بقرنصة الكتب وإعادة تصويرها بأثمان زهيدة في احتيال على حقوق الملكية الفكرية للمؤلفين.

وتظهر مشاهد كثيرة صادمة من العنف والقتل والتحرش والغش والشجار والخداع والنصب والاحتيال ونكران الجميل والتنكر لأصحابه وعدم الوفاء، فتغيب مسحة الخير بين الحي من أبطال المسلسل، فالاحتيال والجشع والخديعة والاستغلال والطمع تعم حتى بين العلاقات الأسرية الواحدة وبين تجار الورق وجيران الحي.

ولحظة اندلاع ثورة يناير يصابون بصدمة كبيرة بسبب إضراب الطلبة عن الدوام وانخراطهم بالتظاهر وما ألحق ذلك من كساد في استنساخ الملخصات والملازم واقتناء الكتب، فلم يبدوا أي تعاطف مع الحراك الوطني واكتفوا بحراسة وحماية مكتباتهم وحيهم المغلق. وفي كثير من الأعمال الدرامية المصرية الأخيرة احتل ميدان التحرير اهتماماً كبيراً إلى حد المبالغة في تجسيد الروح الوطنية وحركة الشخوص الفاعلين وانخراطهم في الثورة وتعرضهم للعنف غير أن مسلسل بين السرايات يكتفي فيه أهل هذا الحي بمشاهدة أحداث الثورة من شاشات التلفزيون، فهم من المتوجسين من التغيير أما خوفاَ من المجهول لجهلهم أو أن كثيراً منهم من أصحاب مكتبات وتجار ورق كان يخشى من رياح التغيير ومآلات الكساد الاقتصادي من أن تضرر تجارتهم. وفي الإخراج الفني لهذا العمل يمكن ملاحظة الرسالة الضمنية لضيق أفقهم الفكري وجهلهم المطبق في المعادل البصري إذ إن حركة الأشخاص والكاميرا تحصل في زقاق ضيق جداً ولا ينتهي إلى شوارع رئيسية إلى جنب شيء مهم جداً هو أن إطلالة نوافذ البيوت يمتد فيها الإسقاط البصري في نظر الأشخاص إلى بعضهم البعض في مراقبة الأحداث ويغيب أفق المدينة وسماؤها وشمس نهارها تماماً، والاستثناء الوحيد يبرز في ذروة احتدام الصراع بين أهل الحي إذ يظهر القمر بصورة البدر بنحو مخيف في مظهر شبيه لظهوره في أوقات الخسوف في ضوء باهت غير ساطع مثلما يظهر في أفلام الرعب كناية وترميزاً إلى أنَّ ثمة لعنة كونية هي المسؤولة عن دستيوبيا هذا المكان، بينما ينتهي المسلسل بعد انتصار ثورة يناير بأطلاله أهل الحي إلى أفق السماء بنحو مضيء ورحب. أما نهاية العمل فقد بدت مرتبكة جداً وسعيدة أكثر من ممكنات الواقع بنحو لا ينسجم مع فكرة الديستوبيا التي لا يمكن أن تنتهي نهاية سعيدة مما أودى بفنية العمل لصالح الأيديولوجيا، فمنطق الديستوبيا يقتضي نهاية سوداوية وانهيار صادم ودامٍ يؤرق المشاهد ويسلبه جنبة التسلية والإمتاع، ولكن يمكنه من أن يشرع نوافذه لمراجعة أسئلة إشكالية يرزح تحتها الواقع الاجتماعي بهدف المعالجة والإجابة مثل مسلسل (دهشة) ليحيى الفخراني في نهايته المأساوية في مكانه المغلق قرية (دهشة) والصراع من أجل الذهب والمال بين القرابة الواحدة، وربما دائرة المسموح والممكن من الحرية المتاحة للمخرج هي التي اقتضت أن ينتهي المسلسل بهذه النهاية المؤدلجة غير الفنية، وعلى الرغم من ذلك إلا أن ثمة رسائل مشفرة حرصت المشاهد الأخيرة أن تتضمنها، فقد ظهر أهالي الحي لأول مرة في الفضاء الأخضر الطلق في الحدائق القريبة من جامعة القاهرة. ومن بين المشاهد الأخيرة ظهور عمال الخدمات في حملة تنظيفية في غسل أروقة الجامعة وكنس باحاتها من الأتربة وبنشاط وهمم دؤوبة في الترميز إلى التطهير الإداري للعناصر غير المؤهلة في التعليم وإزالة عوائق التفكير العلمي النقدي المؤمن بالتغيير، ويصادف هذا المشهد مرور مجموعة من الأساتذة من بينهم أستاذة تبادر مسرعة للانحناء لالتقاط مكنسة تنظيف سقطت من يد أحد عمال النظافة، فالمغزى من المشهد الذي يبدو هامشياً أن التطهير وتغيير مناهج التعليم وفلسفته برؤيا سياسية مهما نجحت إلا أنها متعثرة بدون بصيرة وقادة من داخل الجامعة نفسها تستشرف التغيير وتصنعه برؤية ومنهجية علمية، فواحدة من نوافذ التعبير عن المكبوت وغير المصرح به من المنظور الفرويدي هو إسقاط المعنى على شيء عارض وهامشي ليتجلى في الوعي الظاهر عابراً حدود اللاشعور والمكبوت من خلال التكثيف والإزاحة إلى ماهو عارض وهامشي وهذا ما حصل في مشهد التقاط المكنسة. كما يظهر مشهد الجامعة ولاسيما مشهد القبة بنحو مهيمن وتظهر مساحاتها الخضراء في حملة تنظيفية تتضمن إزالة الأتربة والأوساخ وجمع النفايات وطلاء الجدران باللون الأبيض كما يظهر الحي مبتهجاً بنشر الأعلام المصرية وطلاء الجدران باللون الأبيض في دلالة رمزية في البدء بصفحة جديدة.

إن النهاية المؤدلجة للمسلسل وتصوير أحداث ثورة يناير لم تضحِ بفكرة الديستوبيا فقط، فهي أسهمت بإطالة غير مسوغة لحلقات المسلسل، فقد تضمنت مشاهد متشابهة في الفكرة وحوارات لا تصب في السيرورة الدرامية بل لمقتضيات إنتاجية لإطالة المسلسل وتوفير 30 حلقة تعرض على مدار شهر رمضان الموسم التسويقي للأعمال الدرامية .

ولكن هل تصدق فنياً فكرة الديستوبيا على أحداث المسلسل على الرغم من واقعية معظمها أحداثه ؟ فإذا كانت (اليوتوبيا) المفردة اليونانية تعني المدن الافتراضية المتخيلة وغير الواقعية التي حلم بها الفلاسفة والتي يسود فيها الخير المطلق والسعادة والهناء بين البشر في تسامحهم وتصالحهم فان (الديستوبيا) وهي مفردة يونانية أيضاً على النقيض منها، فهي مدن مغلقة متخيلة وغير واقعية أيضاً ويسود فيها الشر المحض ويغيب فيها الخير، ويسيطر عليها مجموعة من الأشرار يديرون العنف والشر في أمكنة ضيقة تمثل عالم الديستوبيا، ويقعون تحت تأثير لعنة كونية تمثل شؤماً يلحق بهم الكوارث. وقد استلهمت الديستوبيا فنياً في أعمال مسرحية وروائية وبعض الأعمال الدرامية، كان من أبرزها في الدراما العربية المصرية مسلسل (أفراح القبة)، وهو في الأصل رواية لنجيب محفوظ، وكذلك مسلسل (دهشة) ليحيى الفخراني المستوحى من مسرحية (الملك لير) للكاتب الإنكليزي وليم شكسبير فالديستوبيا تهدف لمعالجة فكرة الشر فلسفياً من خلال أعمال أدبية وفنية، فهل تصدق الديستوبيا على أحداث المسلسل المذكور التي تمثل في معظمها أحداثاً واقعية تفتك في التعليم ويلمسها الجميع مع وجود أيضاً أحداث من الشر غير واقعية في وصف تردي التعليم في سوداوية طاغية ومفرطة ومبالغ فيها ؟ نرى من منظور درامي فني أنها (الديستوبيا) تصدق على أحداث المسلسل على الرغم من واقعية بعض أحادثها. فالمزج بين الواقعية والديستوبيا يتضمن رسالة ضمنية مشفرة تؤشر إلى التردي المذهل للواقع وتحذر من أن عدم معالجة الفساد وأسبابه من الفقر والجهل وتردي التعليم وتفاقم أزماته سوف تنتهي بنتائج كارثية مستقبلاً وغير متوقعة من انهيار منظومة القيم وسيطرة مسوخ الشر من البشر وزحفها لهدم معقل التنوير المتمثل بالجامعة من خلال تكريس التلقين وغياب المعرفة النقدية الحرة والمنتجة.

إن اختيار (بين السرايات) بؤرة للأحداث لا يصب في تحقيق فكرة المكان المنعزل في الديستوبيا فحسب بل هو اختيار فني يحقق التكثيف في السرد في اختصار الأحداث والشخصيات الكثيرة التي تسهم وتضطلع في تردي التعليم وانهيار جودته ورصانته، فالأمر لا ينحصر بتجار الورق وصانعي الملخصات من أصحاب المكتبات بل هناك تدنٍ في مستوى التعليم داخل أسوار الجامعة يسهم فيه أشخاص كثيرون، كما يسهم في هذا الانهيار العلمي غياب سياسية تعليمية حكومية، فالتكثيف السردي الدرامي يوحي فنياً بذلك، فشخصية (مخلص) في تقنية التكثيف تختصر العشرات من شخصيات الجامعة ومن شخصيات الحكومة ومن يمثل فساد الأجهزة الرقابية، وهي حيلة ذكية في الإسقاط لتحاشي تبعات البوح الصريح وتفادي الرقابة الفنية وتفادي حظر الأعمال الدرامية من قبل الرقيب الحكومي، ويمكن استنتاج ذلك من خلال النهاية السعيدة التي لا تنسجم مع منطق الديستوبيا، فالعمل يبقى حذراً من تبعات البوح الصريح ولكنه يرسل رسائل ضمنية، ففي المشاهد الأخيرة وعلى الرغم من حملات التنظيف ورمزيتها إلإ أن مخلصاً يبقى مرتدياً للون الأحمر في إشارة لونية لبقاء الجشع والاختراق وفي دلالة إلى أن الخطر الحقيقي يبقى جاثماً على الرغم من التغيير، ويتلخص هذا الخطر في الاستثمار في التعليم الذي يجد مقوماته وأسباب بقائه في الفساد الحكومي وهو تحد كبير يواجه أي تغيير في إصلاح التعليم.

***

كريم عبيد علوي

باحث وتدريسي بجامعة بغداد

مفتتح: لم يكن التعليم يوما مجرد مؤسسة تُوزَّع فيها الشهادات أو تُلقَّن فيها المعارف إلا لدى الشعوب المستغرقة في الماضي والذاكرة والتاريخ، بل هو الروح الخفية التي تُشغِّل الحضارة من الداخل، فعندما يكون التعليم قادرًا على إنتاج المعنى، وصياغة الكفاءة، وفتح أفق الابتكار، يصبح القوة التي تُعيد تشكيل الإنسان والمجتمع والدولة في آن واحد، أما حين يُختزل في الحفظ والتكرار والوظيفة، فإنه يفقد قدراته التنويرية والتغييرية الإصلاحية، ويصبح جزءًا من الأزمة بدل أن يكون أداةً لحلها وتجاوزها. هنا محل اعراب أهمية المقارنة بين التجارب التعليمية الملهمة في العالم المعاصر؛ كونها لا تقدم وصفات جاهزة، بل تزيل الستار عن شروط النهضة: وضوح الرؤية، مركزية المعلم، استقلال المؤسسة، وربط التعليم بالمشروع الحضاري الشامل. ضمن هذا الأفق، تبرز إسبانيا، والغرب ككل، والصين، ثم فنلندا، واليابان، وكوريا الجنوبية، وسنغافورة، وماليزيا، وإيران، وتركيا بوصفها تجارب مختلفة في الشكل، متقاربة في الجوهر، لأنها نجحت أو حاولت أن تجعل التعليم ركيزةً من ركائز النهوض التنموي الوطني.

التعليم وفلسفة الحضارة

من المتعارف لدى خبراء التربية والتعليم أن للتعليم ثلاث وظائف لا غنى عنها: تنشئة الإنسان، بناء المجتمع، ابتكار المستقبل، أي ان التعليم هو من يصوغ الذهن، ويهذب السلوك، ويُنشئ العلاقة بين الفرد والعالم على قاعدة من الفهم والمسؤولية، وإذا صارت هذه الوظائف متكاملة، يصبح التعليم أكثر من سياسة عامة؛ بل يصبح فلسفة حضارية تتجسد في المدرسة والجامعة والمختبر، وفي طريقة النظر إلى الزمن والعمل والمعرفة والتاريخ والمستقبل والحياة ككل.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: كم مدرسة نملك؟ بل: أي إنسان نريد أن ننشئ؟ وأي حضارة نروم؟ هذا السؤال هو ما يفسر اختلاف النماذج، ويجعل المقارنة بينها ضرورية لفهم موقعنا نحن، في العالم العربي والإسلامي، من حركة التاريخ الراهنة.

نماذج التعليم الملهمة

1. إسبانيا نموذج الإصلاح عبر التحول السياسي

إسبانيا الحديثة تمثل نموذجًا لافتًا لكيفية إعادة بناء منظومة تعليمية بأكملها كجزء من مشروع أوسع لإعادة تعريف الهوية الوطنية والانتقال من نظام سلطوي إلى دولة ديمقراطية حديثة، فقد ظل النظام التعليمي الإسباني، حتى نهاية حقبة الملك فرانكو، محكومًا بقانون التعليم العام لعام 1970، وهو إطار يعكس منطق الدولة المركزية المحافظة أكثر مما يعكس حاجات مجتمع منفتح ومتعدد، ومع التحول السياسي الكبير الذي عرفته إسبانيا مع دستور 1978، وانتقالها إلى نظام ملكي برلماني ديمقراطي، جعل البلاد تنفتح على موجة متلاحقة من الإصلاحات التعليمية، بدأت بقانون الحق في التعليم لعام 1985، ثم القانون العام لتنظيم النظام التعليمي لعام 1990 الذي مدّد التعليم الإلزامي حتى سن السادسة عشرة، وصولًا إلى الإصلاحات الأحدث التي واكبت الاندماج الأوروبي، وقد انتقلت الصلاحيات التعليمية تدريجيًا من الإدارة المركزية إلى الأقاليم المتمتعة بالحكم الذاتي، في مسار اكتمل بحلول سنة 2000، بما يعكس رؤية تربط بين الديمقراطية السياسية ومفهوم الديمقراطية التربوية.

لهذا الدرس الإسباني بالغ الدلالة، هذا ما اكتشفته عند مشاركتي في دارو تعليمية للغة الاسبانية واكتشاف الثقافة الاسبانية والريادة في عالم الترجمة من كل اللغات الانسانية للغة الاسبانية ضمن نشاط ترجمة مؤسساتي ضخم ورائد وواعد، حينها اكتشفت من خلال هذا النموذج أن التعليم لا يتحدث فقط عن "كيف نُعلّم؟"، بل يعيد صياغة السؤال الأعمق: "أي نوع من المواطن والدولة نريد أن نبني؟".

2. جامعات الغرب وصناعة الحضارة

بلا شك إسبانيا تمثل نموذجًا لإعادة الهيكلة الديمقراطية للتعليم، بينما التجربة الغربية الأوسع تمثل تحولًا فلسفيًا أعمق في تعريف وظيفة المعرفة ذاتها، فمنذ الثورة العلمية وفلسفة الأنوار، لم تعد الجامعة الغربية مؤسسة لسرد التراث ونقله، بل أصبحت -مع النماذج الذي صاغه فيلهلم فون هومبولت في الجامعة الألمانية الحديثة- مؤسسة تجمع بين التدريس والبحث في وحدة عضوية واحدة، حيث أصبح إنتاج المعرفة الجديدة جزءًا من صلب الوظيفة التعليمية، لا ترفًا يُضاف إليها. هذا التحول الجوهرية هو ما صنع الجامعة الحديثة بوصفها مؤسسة للبحث والإبداع، لا لحفظ الموروث فقط، حيث من رحمه خرجت الثورة الصناعية، ثم الثورة التكنولوجية، ثم اقتصاد المعرفة الذي يحكم العالم اليوم، هكذا نجح الغرب كونه جعل من الشك المنهجي والتجريب فضيلة تربوية، لا خطرًا يجب احتواؤه، وهذا بالضبط ما فرّق بين مسار تراكم معرفي مستمر ومسار آخر توقف عند لحظة معينة من تاريخه.

3. فنلندا: الثقة شرط التعليم الناجح

تعتبر فنلندا أحد أكثر النماذج احترامًا في الأدبيات التربوية المعاصرة، ليس لأنها الأكثر صرامة، بل لأنها الأكثر ثقة، حيث يمنح النظام الفنلندي المعلم مكانةً مهنية عالية، ويخفف من منطق وضغوط الامتحانات المتكررة، عبر التركيز على جودة التعلم لا على عدد الاختبارات، كما تشير التقييمات الدولية إلى أن هذا النموذج يقوم على صيغة التعليم العادل، وتقليص الفوارق، وتكريس مبدأ أن المدرسة ليست حلبة تنافس، بل فضاءً لرعاية الإنسان وتنمية قدراته الابداعية.

لعل خصوصية الدرس الفنلندي، أنه يؤكد على فكرة "التميز التعليمي لا يستلزم بالضرورة قسوة تنافسية؛ بل يمكن أن ينبثق من بيئة إنسانية متوازنة تحترم إيقاع المتعلم وتضمن للمعلم كرامته المهنية".

4. اليابان: الانضباط الأساس التعليم

كوكب اليابان، يقدم نموذجًا آخر يقوم على التوازن بين الانضباط الجماعي والحداثة التربوية، حيث استثمرت اليابان في التعليم منذ وقت مبكر بوصفه جزءًا من مشروع بناء الدولة الحديثة، كما حافظت على هذه المركزية في مختلف المراحل الاقتصادية والاجتماعية، كما تبرز في التجربة اليابانية قوة العلاقة بين المدرسة والأسرة والمجتمع، بحيث لا يُترك التعليم للمؤسسة وحدها، بل ينظر إليه بوصفه مسؤولية وطنية مشتركة. كما تتميز اليابان بأنها لم تجعل التعليم أداةً لقطع الصلة بالماضي، بل وسيلةً لإعادة ترتيبها على نحو يسمح بالحداثة دون انفصال عن الهوية، مما مكن المدرسة اليابانية لأن تكون مكانًا يُعلَّم فيه الانضباط، والاحترام، والجدية، والعمل الجماعي، وهي قيم شكلت بدورها إحدى قواعد التفوق الياباني في الاقتصاد والصناعة والبحث.

5. كوريا الجنوبية: التعليم روح العمران

تظل كوريا الجنوبية واحدة من أبرز نماذج التحول التعليمي في العالم الحديث، حيث انتقلت من مجتمع مثقل بآثار الحرب والفقر إلى دولة متقدمة في التكنولوجيا والصناعة، وكان التعليم في قلب هذا التحول، والنظام التعليمي الكوري من أعلى الأنظمة أداءً في الاختبارات الدولية، لكن قيمته الحقيقية لا تكمن فقط في النتائج، بل في تحويل التعليم إلى مشروع وطني شديد الارتباط بالتنمية الاقتصادية.

لذلك التعليم في كوريا الجنوبية ليس خدمةً عامة فحسب، بل هو استثمار استراتيجي طويل المدى، تُبنى عليه المهارات الوطنية، وتُدار عبره المنافسة الدولية، وتُقاس به قدرة الدولة على البقاء في الصفوف الأولى من الاقتصاد المعرفي.

6. سنغافورة: قوة الدولة في التعليم

يبدو التعليم في سنغافورة وكأنه فنّ من فنون هندسة التخطيط الحضاري، كون الدولة لم تترك المدرسة لتتطور عشوائيًا، بل صاغت لها إطارًا واضحًا يربط بين المناهج، وتكوين المعلمين، والمهارات المستقبلية، والهوية الوطنية، حيث النظام السنغافوري يدمج بين التعليم الأكاديمي، والأنشطة اللامنهجية، وتربية القيم، وتنمية المسؤولية الاجتماعية، بحيث يخرج المتعلم حاملًا للمعرفة، ومتمتعًا في الوقت نفسه بالكفايات الشخصية والاجتماعية اللازمة للحياة الحديثة أي رعاية وتنشئة إنسانية راقية.

هذه التجربة تعلمنا أن التعليم حين يُدار برؤية متكاملة، يمكن أن يتحول إلى أداة لإعادة تصميم المجتمع كله، لا مجرد مسار أكاديمي محدود.

7. ماليزيا: تعليم بين الأصالة والحداثة

نفدم ماليزيا نموذجًا مهمًا في العالم الإسلامي، لأنها حاولت منذ عقود أن تبني تعليمًا يوفق بين الهوية والتحديث. فقد جاءت Malaysian Education Blueprint 2013–2025 ، لتؤكد أن الهدف ليس مجرد التوسع في التمدرس، بل تحسين الجودة، ورفع مستوى المعلم، وتقوية اللغة والعلوم، وربط المدرسة بمستقبل اقتصادي أكثر تنافسية.

هذه التجربة الماليزية ذات دلالة خاصة للعالم العربي والإسلامي، لأنها لا تنطلق من قطيعة مع المرجعية الثقافية الاسلامية، ولا عبر الانغلاق عليها، بل من محاولة عملية لصياغة توازن بين الأصالة والكفاءة، بين القيم المحلية والانفتاح العالمي.

8. إيران: نموذج التعليم التخصصي المقيد

التجربة الإيرانية، مثال آخر على سعي مجتمع مسلم إلى بناء تعليم ذي طابع علمي وتقني ملحوظ، خصوصًا في بعض الحقول المرتبطة بالهندسة والعلوم الدقيقة. غير أن هذه التجربة، رغم ما راكمته من حضور أكاديمي وتخصصي، تظل محكومة ببنية سياسية وأيديولوجية خاصة جعلت التعليم جزءًا من مشروع الدولة الأيديولوجي بقدر ما هو جزء من مشروعها المعرفي، كما أن تجربة لا تصلح للاستنساخ في العالم العربي، لأن قوتها مرتبطة بسياقها الداخلي، وبطبيعة مركزيتها السياسية، وبمعادلة تنظيم العلاقة بين المعرفة والسلطة والهوية، حيث أن ما يصلح لإيران في هذا الإطار لا يَصلح بالضرورة لمجتمعات عربية متعددة المرجعيات والتكوينات والمؤسسات.

لكن ما تُظهره إيران يكمن في أن التعليم يمكن أن يحقق تقدمًا نسبيًا حتى في ظل الضغوط، لكن هذا التقدم لا يعني قابلية النموذج للتعميم. فالمسألة ليست في وجود جامعات أو كثافة تخصصات، بل في طبيعة الحاضنة السياسية والثقافية التي تجعل التعليم أداةً لصياغة مجتمع معين، وبالتالي فإن النقل الحرفي للتجربة الإيرانية إلى العالم العربي سيكون نقلًا لآلية خارج سياقها، وهو ما لا ينتج إصلاحًا حقيقيًا بل يخلق ازدواجية جديدة بين الشكل والمضمون.

9. تركيا: خصوصية نموذج الإصلاح التعليمي

تمثل تركيا حالة مختلفة ينبغي التعامل معها بحذر نقدي، لا بوصفها نموذجًا جاهزًا للاحتذاء، بل تجربةً ذات خصوصية تاريخية وجيوسياسية لا تتطابق مع العالم العربي، كون الإصلاحات التعليمية التركية، انبثقت حول رفع الجودة والعدالة، وتحسين الحوكمة، والاستجابة لسوق العمل، وهذا المسار ظل محكومًا بتوترات بين المركزية والهوية السياسية، وبين تحديث المناهج وتحول السياقات العامة. المؤكد أن النموذج التركي لا يصلح للعالم العربي لأنه قام داخل دولة قومية ذات بنية مؤسسية مختلفة، وبتراث من العلمانية التنظيمية المركزية، وبقدرة على توظيف التعليم في مشروع دولة موحدة نسبيًا، بينما في العالم العربي، فالمعضلة أعمق: تتعلق بتشتت البنى، وضعف الاستقلال الأكاديمي، وتعدد المرجعيات، وتباين مستويات التنمية، فضلًا عن غياب مشروع حضاري عربي جامع، لذلك استنساخ التجربة التركية قد يورثنا القشرة الإدارية دون الجوهر المؤسسي.

أي تعليم يصلح أحوالنا؟

في العالم العربي والإسلامي، لا يفتقر النقاش إلى الشعارات والأشعار حول أهمية التعليم، بل يفتقر إلى الحسم في سؤال الوظيفة: ما التعليم الذي نريده فعلًا؟ هل نريد تعليمًا للحفظ أم للفهم؟ للوظيفة أم للنهضة؟ لإنتاج الأفراد أم لبناء الإنسان؟ إن هذه الأسئلة ليست نظرية، بل هي مفتاح كل إصلاح جاد.

الذي يصلح أحوالنا ليس تعليمًا يكرر ما هو قائم، ولا تعليمًا يستورد القوالب الجاهزة دون فهم سياقها، بل تعليمًا يربط بين الأصالة والحداثة، وبين الهوية والانفتاح، وبين القيم والمعرفة. نحتاج إلى تعليم يعيد الاعتبار للمعلم بوصفه صانعًا للوعي، ويمنح المدرسة والجامعة استقلالًا حقيقيًا، ويجعل البحث العلمي جزءًا من الحياة الوطنية لا زينةً خطابية.

بل نحتاج إلى أن نفهم أن التعليم في عصرنا لا يُقاس بعدد السنوات الدراسية فقط، بل بقدرته على إعداد الإنسان لعالم تتصارع فيه الفلسفات، وتتزاحم فيه المرجعيات، وتتسابق فيه الأمم على قاعدة علمية وثقافية وحضارية بالغة التعقيد، فإذا لم يكن بمقدور تعليمنا تخريج عقلٍ نقدي، وروحٍ منفتحة، وكفاءةٍ منتجة، فإنه لن يخرجنا من موقع التبعية والتقليد إلى موقع الاستقلال والفعل.

من المدرسة إلى الحضارة

الأمم الحية والحرة لا تُصنع بالموارد وحدها، بل بطريقة فهمها للمعرفة وتوظيفها، فالتعليم، إذا أُحسن بناؤه، يستطيع أن يفتح طريقًا جديدًا في التاريخ، لأنه يهيئ الإنسان الذي سيبتكر، ويخطط، ويقود، ويعيد تعريف الممكن..

وعليه فإن التجارب الكبرى -من إسبانيا إلى الغرب، ومن فنلندا إلى اليابان، ومن كوريا إلى سنغافورة، ومن ماليزيا وإيران إلى تركيا- تؤكد أن الحضارة تبدأ يوم يتحول التعليم من عملية تلقين إلى فعل إبداع.

وفي عالمنا العربي والإسلامي، لن تكون النهضة ممكنة ما لم نعد طرح السؤال الجوهري بجرأة: أي تعليم نريد؟ وعندما نجيب عنه، لا بالكلام الإنشائي بل ببناء مؤسسات حية، عندها فقط سنبدأ في العبور من إدارة الأزمة إلى صناعة المستقبل.

***

ا. مراد غريبي

 

جدلية التقليد والتغيير في المجتمعات المعاصرة

في قلب التحولات الكبرى التي يشهدها العالم المعاصر، تقف الأنثروبولوجيا كعلم يسعى إلى تفكيك جدلية معقدة بين التقليد والحداثة، بين ما هو راسخ في الذاكرة الجمعية وما يفرضه الواقع الجديد من أنماط عيش وقيم وسلوكيات. فالحداثة ليست مجرد مرحلة زمنية أو تقنية، بل هي منظومة فكرية واجتماعية تتحدى البنى التقليدية، وتعيد صياغة علاقة الإنسان بذاته وبمجتمعه وبالعالم من حوله. وهنا يبرز دور الأنثروبولوجيا كأداة تحليلية قادرة على قراءة هذه الجدلية في عمقها، بعيدًا عن التبسيط أو الاختزال.

لقد اعتادت المجتمعات عبر التاريخ أن تواجه موجات التغيير بطرق مختلفة: بعضها قاوم بشدة حفاظًا على الهوية، وبعضها انخرط في التحديث دون شروط، فيما اختارت أخرى مسارًا وسطًا يقوم على التوفيق بين الأصالة والمعاصرة. والأنثروبولوجيا، بما تمتلكه من أدوات ميدانية ونظرية، تتيح لنا فهم هذه المسارات، ليس فقط بوصفها ظواهر اجتماعية، بل باعتبارها تعبيرًا عن صراع داخلي بين الذاكرة والابتكار، بين الماضي والحاضر، بين ما يجب أن يبقى وما يجب أن يتغير.

إن الحداثة، بما تحمله من قيم عقلانية وعلمية وتكنولوجية، تطرح أسئلة جوهرية حول مصير الطقوس والعادات والرموز التي شكلت عبر قرون أساس الهوية الثقافية. فهل يمكن لهذه الرموز أن تتعايش مع عالم سريع الإيقاع، قائم على الفردانية والرقمنة والعولمة؟ أم أن الحداثة ستفرض قطيعة جذرية تجعل من التقليد مجرد أثر تاريخي؟ هنا يتدخل التحليل الأنثروبولوجي ليكشف أن العلاقة ليست بالضرورة علاقة إلغاء، بل قد تكون علاقة جدلية حيث يعاد إنتاج التقليد في أشكال جديدة، ويُعاد تأويله بما يتناسب مع متطلبات العصر.

من منظور صحفي، يمكن القول إن هذه الجدلية ليست مجرد نقاش أكاديمي، بل هي قضية يومية يعيشها الأفراد في تفاصيل حياتهم: في طريقة لباسهم، في لغتهم، في احتفالاتهم، في علاقتهم بالسلطة، وفي تفاعلهم مع التكنولوجيا. ومن منظور أكاديمي، فإنها تمثل مادة خصبة لدراسة كيف يعيد الإنسان صياغة ذاته في مواجهة التغيرات، وكيف تتحول الثقافة إلى ساحة صراع بين قوى المحافظة وقوى التحديث.

وبذلك، يصبح المقال محاولة لفهم هذه الجدلية من خلال عدسة الأنثروبولوجيا، التي لا تكتفي بوصف الظواهر، بل تسعى إلى تحليلها وربطها بسياقاتها التاريخية والاجتماعية والسياسية، لتقدم صورة شاملة عن المجتمعات المعاصرة وهي تتأرجح بين إرثها الثقافي وضغوط الحداثة.

الأنثروبولوجيا والحداثة

حين نتحدث عن الأنثروبولوجيا، فإننا لا نقصد مجرد علم يدرس الإنسان في بعده البيولوجي أو الاجتماعي، بل نتحدث عن حقل معرفي واسع يسعى إلى فهم الإنسان في كليته: جسده، ثقافته، لغته، طقوسه، علاقاته، ورموزه. إنها علم الإنسان بامتياز، لأنها تضعه في قلب التحليل، وتتعامل معه ليس ككائن فردي معزول، بل كجزء من شبكة معقدة من المعاني والسياقات التاريخية والاجتماعية والسياسية. وقد نشأت الأنثروبولوجيا في القرن التاسع عشر في سياق توسع الاستعمار الأوروبي، حيث كان المستكشفون والباحثون يسعون إلى فهم "الآخر" المختلف عنهم، لكنها سرعان ما تجاوزت تلك النظرة الاستشراقية لتصبح أداة نقدية لفهم الذات أيضًا، أي لفهم المجتمعات الغربية نفسها في علاقتها بالحداثة والتغيير. ومن هنا، فإن الأنثروبولوجيا ليست فقط دراسة "الآخر"، بل هي أيضًا دراسة "الأنا"، أي محاولة لفهم الإنسان في كل مكان وزمان.

في هذا السياق، تبرز أهمية الأنثروبولوجيا في تحليل الثقافة باعتبارها منظومة من الرموز والمعاني التي تمنح الحياة الاجتماعية معناها. فالثقافة ليست مجرد عادات أو تقاليد، بل هي نظام معقد يحدد كيف يفكر الناس، كيف يتواصلون، وكيف يتفاعلون مع العالم. ومن خلال أدواتها الميدانية مثل الملاحظة بالمشاركة والمقابلات، تسعى الأنثروبولوجيا إلى الدخول في عمق هذه الثقافة لفهمها من الداخل. كما أنها تكشف أن ما يبدو مختلفًا أو غريبًا قد يكون في جوهره تعبيرًا عن نفس الحاجات الإنسانية: الحاجة إلى الانتماء، إلى المعنى، إلى النظام، إلى التواصل. وهكذا، تساهم الأنثروبولوجيا في بناء جسر بين الثقافات، وتساعد على تجاوز الصور النمطية والأحكام المسبقة، وتمنحنا القدرة على قراءة الظواهر اليومية بعمق أكبر، سواء كانت هجرة جماعية أو صراعًا ثقافيًا أو تحولًا اجتماعيًا.

أما الحداثة، فهي ليست مجرد مرحلة زمنية أو تطور تقني، بل منظومة فكرية واجتماعية شاملة أعادت صياغة علاقة الإنسان بالعالم. إنها مشروع يقوم على العقلانية والفردانية والعلم والتقدم، محاولة لتحرير الإنسان من قيود الماضي ومن سلطات التقليد الجامدة، لكنها في الوقت نفسه ليست قطيعة مطلقة، بل إعادة بناء على أسس جديدة حيث يُعاد تأويل الموروث بما يتناسب مع متطلبات العصر. نشأت الحداثة في أوروبا مع عصر النهضة ثم ترسخت مع الثورة الصناعية، لتصبح لاحقًا نموذجًا عالميًا بفعل العولمة، وارتبطت بمفاهيم مثل الحرية والديمقراطية والسوق والعلم، لكنها حملت أيضًا توترات عميقة بين الفرد والجماعة، بين العقل والإيمان، بين التقدم والتقاليد.

من منظور أنثروبولوجي، الحداثة ليست فقط ما يحدث في الغرب، بل هي أيضًا كيف تتفاعل المجتمعات الأخرى معها. فالمجتمعات العربية مثلًا واجهت الحداثة عبر مسارات متعددة: بعضها حاول استنساخ النموذج الغربي، وبعضها سعى إلى التوفيق بين الأصالة والمعاصرة، فيما اختارت أخرى المقاومة والرفض. وهنا تكمن أهمية الأنثروبولوجيا في تحليل كيف يُعاد إنتاج الحداثة محليًا، وكيف تُترجم قيمها إلى سياقات ثقافية مختلفة. الحداثة أيضًا أعادت تعريف الزمن والمكان؛ فبينما كان التقليد يقوم على الاستمرارية والذاكرة، جاءت الحداثة لتفرض إيقاعًا سريعًا قائمًا على المستقبل والابتكار، وهو ما انعكس على تفاصيل الحياة اليومية: من طريقة العيش والعمل، إلى أنماط التواصل واللغة، إلى أشكال الفن والفكر.

وبذلك، فإن الأنثروبولوجيا والحداثة يلتقيان في نقطة جوهرية: كلاهما يسعى إلى فهم الإنسان في جدليته المستمرة بين الماضي والمستقبل، بين التقليد والتغيير، بين الفناء والخلود. الأنثروبولوجيا تمنحنا أدوات لفهم التنوع البشري في عمقه، والحداثة تضعنا أمام تحديات إعادة صياغة هذا التنوع في عالم سريع التحول. إنهما معًا يشكلان عدستين لفهم الإنسان في زمن معاصر، حيث لا يمكن قراءة الظواهر الاجتماعية والثقافية إلا عبر هذا التداخل بين العلم والحداثة، بين الرموز والتقنيات، بين الذاكرة والابتكار.

التقليد والهوية

حين نتحدث عن التقليد والهوية، فإننا ندخل إلى قلب العلاقة بين الماضي والحاضر، بين ما ورثته المجتمعات عبر قرون وما تواجهه اليوم من تحديات الحداثة. فالتقليد ليس مجرد عادات أو طقوس جامدة، بل هو منظومة رمزية ومعرفية تشكل أساس الهوية الجماعية والفردية. إنه الذاكرة الحية التي تمنح الإنسان شعورًا بالانتماء والاستمرارية، وتجعل الثقافة أكثر من مجرد ممارسة يومية، بل إطارًا يحدد معنى الوجود.

الهوية، في هذا السياق، ليست شيئًا ثابتًا أو مغلقًا، بل هي بناء اجتماعي يتشكل باستمرار عبر التفاعل بين التقليد والتغيير. فالإنسان يجد نفسه دائمًا أمام سؤال: من أنا؟ وإلى أي جماعة أنتمي؟ وهنا يلعب التقليد دورًا حاسمًا، لأنه يوفر الإجابة الأولى عبر الرموز والطقوس واللغة والموروثات التي تحدد ملامح الجماعة. لكن هذه الهوية لا تبقى على حالها، بل تتعرض لإعادة صياغة مع كل تحول اجتماعي أو ثقافي أو سياسي.

من منظور أنثروبولوجي، يمكن القول إن التقليد هو أداة لإعادة إنتاج الهوية، لكنه أيضًا مجال للتفاوض والتأويل. فالمجتمعات لا تكتفي بتكرار الماضي، بل تعيد تفسيره بما يتناسب مع الحاضر. وهذا ما يجعل الهوية دائمًا في حالة ديناميكية، حيث تتأرجح بين المحافظة على الأصالة والانفتاح على التغيير.

في المجتمعات العربية مثلًا، يظهر هذا التوتر بوضوح في مجالات متعددة: في اللباس، حيث يتجاور التقليدي مع العصري؛ في اللغة، حيث تتداخل الفصحى مع العامية ومع اللغات الأجنبية؛ وفي الطقوس، حيث تُعاد صياغة الاحتفالات الدينية والاجتماعية لتناسب إيقاع العصر. هذه الأمثلة تكشف أن الهوية ليست مجرد ميراث، بل هي عملية مستمرة لإعادة إنتاج الذات في مواجهة الحداثة.

من منظور صحفي، يمكن قراءة هذا التفاعل في تفاصيل الحياة اليومية: في النقاشات حول التعليم، في الجدل حول دور المرأة، في الصراع بين القيم التقليدية وقيم السوق والعولمة. ومن منظور أكاديمي، فإن الأنثروبولوجيا تمنحنا أدوات لفهم كيف تُبنى الهوية عبر هذه الجدليات، وكيف يصبح التقليد ليس عائقًا أمام التغيير، بل مادة خام لإعادة تشكيله.

وبذلك، فإن من شأن ذلك يضعنا أمام حقيقة أن الهوية ليست مجرد انعكاس للتقليد، بل هي نتاج جدلية مستمرة بين الماضي والحاضر، بين ما يُراد الحفاظ عليه وما يُراد تجاوزه. وهنا تكمن أهمية الأنثروبولوجيا في كشف هذه الجدلية وتحليلها، لتمنحنا فهمًا أعمق للإنسان في زمن التحولات.

التغيير الاجتماعي

يُعد التغيير الاجتماعي أحد أبرز مظاهر الحداثة وأكثرها تأثيرًا في حياة المجتمعات المعاصرة. فهو ليس مجرد انتقال من حالة إلى أخرى، بل عملية معقدة تتداخل فيها عوامل اقتصادية، سياسية، ثقافية، وتكنولوجية، لتعيد تشكيل البنى الاجتماعية والأنماط الحياتية.

من منظور أنثروبولوجي، التغيير الاجتماعي هو لحظة اختبار حقيقية للثقافة والهوية. فالمجتمعات لا تواجه التغيير ككتلة واحدة، بل تتفاعل معه بطرق متعددة: بعضها يقاوم حفاظًا على الأصالة، وبعضها ينخرط فيه بحماس، فيما يسعى البعض الآخر إلى التوفيق بين الجديد والقديم. هذه التفاعلات تكشف أن التغيير ليس خطيًا أو موحدًا، بل هو جدلية مستمرة بين قوى المحافظة وقوى التحديث.

لقد فرضت التكنولوجيا والعولمة إيقاعًا سريعًا على هذا التغيير. فوسائل التواصل الاجتماعي مثلًا لم تعد مجرد أدوات للتواصل، بل أصبحت فضاءات لإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية، وأنماط التفكير، وحتى القيم. كما أن العولمة جعلت الثقافات أكثر انفتاحًا على بعضها، لكنها في الوقت نفسه أثارت مخاوف من فقدان الهوية المحلية. وهنا يظهر دور الأنثروبولوجيا في تحليل كيف تُعاد صياغة الثقافة في ظل هذه التحولات، وكيف يُعاد إنتاج الرموز والطقوس لتناسب العصر الرقمي.

من منظور صحفي، يمكن قراءة التغيير الاجتماعي في تفاصيل الحياة اليومية: في طريقة التعليم، في أنماط الاستهلاك، في دور المرأة، في علاقة الشباب بالعمل والسياسة. ومن منظور أكاديمي، فإن الأنثروبولوجيا تمنحنا أدوات لفهم هذه التحولات ليس فقط كظواهر سطحية، بل كجزء من ديناميات عميقة تعكس إعادة تشكيل المجتمع.

التغيير الاجتماعي أيضًا يطرح أسئلة جوهرية حول العدالة والمساواة. فبينما يفتح فرصًا جديدة، فإنه قد يعمّق الفوارق الطبقية أو يخلق أشكالًا جديدة من التهميش. وهذا ما يجعل دراسة التغيير الاجتماعي ضرورة لفهم ليس فقط كيف تتغير المجتمعات، بل أيضًا كيف يمكن أن تُدار هذه التغييرات بما يحقق التوازن بين التقدم والحفاظ على القيم الإنسانية.

وبذلك، فإن المحور الرابع يكشف أن التغيير الاجتماعي هو قلب الحداثة النابض، وهو الساحة التي تتجلى فيها جدلية التقليد والتغيير بأوضح صورها. وهنا يصبح دور الأنثروبولوجيا أساسيًا لفهم هذه الجدلية وتحليلها، لتمنحنا رؤية أعمق للإنسان وهو يعيد صياغة ذاته في مواجهة التحولات الكبرى.

الأنثروبولوجيا والحداثة

تضعنا العلاقة بين الأنثروبولوجيا والحداثة أمام جدلية معقدة، حيث يصبح علم الإنسان أداة لفهم كيف تتفاعل المجتمعات مع موجات التغيير، وكيف تُعاد صياغة الرموز والمعاني في ظل التحولات الكبرى. فالأنثروبولوجيا لا تكتفي بدراسة الماضي أو وصف الطقوس التقليدية، بل تنخرط في تحليل الحاضر، لتكشف كيف يُعاد إنتاج الثقافة في مواجهة الحداثة.

الحداثة، بما تحمله من قيم عقلانية وتكنولوجية وعولمية، تفرض على المجتمعات إعادة التفكير في أنماط عيشها وفي علاقتها بالزمن والمكان. وهنا يظهر دور الأنثروبولوجيا في رصد هذه التحولات، ليس فقط بوصفها مظاهر سطحية، بل باعتبارها عمليات عميقة تعيد تشكيل الهوية والذاكرة الجماعية. فهي تكشف أن التقليد لا يختفي بالضرورة أمام الحداثة، بل يُعاد تأويله وتوظيفه في أشكال جديدة، ليصبح جزءًا من الحاضر بدل أن يبقى أسير الماضي.

من خلال هذا المنظور، تصبح الأنثروبولوجيا جسرًا بين التقليد والحداثة، لأنها تتيح فهم كيف يتعايشان داخل المجتمع الواحد، وكيف يتحول الصراع بينهما إلى عملية إبداعية تُنتج أشكالًا جديدة من الثقافة. فهي تكشف أن الحداثة ليست قطيعة مطلقة، بل هي إعادة صياغة مستمرة، وأن التقليد ليس عائقًا أمام التغيير، بل مادة خام لإعادة البناء.

وبذلك، فإن الأنثروبولوجيا تمنحنا القدرة على قراءة المجتمعات المعاصرة في لحظة التوتر بين الماضي والمستقبل، وتساعدنا على إدراك أن الإنسان ليس مجرد متلقٍ للحداثة، بل هو فاعل يعيد تشكيلها وفقًا لخصوصياته الثقافية. هذه الجدلية هي ما يجعل الأنثروبولوجيا اليوم أكثر أهمية، لأنها تمنحنا أدوات لفهم الإنسان وهو يعيد صياغة ذاته في مواجهة التحولات الكبرى.

دراسات حالة عربية

حين نقترب من جدلية التقليد والحداثة، لا تكفي النظريات المجردة وحدها، بل يصبح من الضروري أن نقرأ الواقع عبر أمثلة ملموسة تكشف كيف تتفاعل المجتمعات مع التحولات الكبرى. هنا تتدخل الأنثروبولوجيا لتمنحنا عدسة تحليلية، نرى من خلالها كيف يُعاد إنتاج الهوية في ظل التغيير، وكيف يتجسد الصراع بين الماضي والمستقبل في تفاصيل الحياة اليومية.

في مصر، مثلًا، شكّلت التحولات الحضرية في القاهرة والإسكندرية مسرحًا لتغيرات عميقة في بنية الأسرة والعلاقات الاجتماعية. فمع توسع التعليم وانتشار عمل المرأة، ارتفعت نسب الطلاق بشكل ملحوظ منذ التسعينيات، وهو مؤشر على صراع بين القيم التقليدية التي كانت تضع الأسرة في مركز المجتمع، وبين الحداثة التي أعادت تعريف الفردانية والحرية الشخصية.

أما في الأردن، فقد لعبت سياسات التعليم دورًا محوريًا في إدماج النساء في المجال العام. ارتفعت نسبة مشاركة النساء في الجامعات بشكل كبير منذ مطلع الألفية، لكن حضورهن في مواقع القرار ظل محدودًا، ما يعكس استمرار تأثير البنى التقليدية رغم مظاهر التحديث. هنا يظهر التوتر بين خطاب المساواة الذي تطرحه الحداثة، وبين البنية الاجتماعية التي ما زالت تحتفظ بسلطتها الرمزية.

وفي لبنان، حيث التعددية الطائفية والثقافية، نجد أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة لإعادة صياغة الهوية. فالشباب يستخدمون هذه المنصات للتعبير عن ذواتهم، لكنهم في الوقت نفسه يظلون مرتبطين بالانتماءات الطائفية واللغوية والدينية. هذا المزج بين الحداثة الرقمية والتقاليد العميقة يكشف أن الهوية ليست ثابتة، بل تُعاد صياغتها باستمرار في مواجهة التحولات.

هذه الحالات العربية تُظهر أن التفاعل بين التقليد والحداثة ليس خطيًا ولا موحدًا، بل يختلف باختلاف السياقات التاريخية والسياسية والثقافية. ففي مصر، يظهر التوتر في الأسرة؛ وفي الأردن، يتجلى في التعليم والعمل؛ وفي لبنان، يتجسد في الهوية الرقمية. كلها أمثلة تؤكد أن الحداثة ليست مجرد استنساخ للنموذج الغربي، بل عملية معقدة من التفاوض وإعادة التأويل داخل كل مجتمع.

التحديات المستقبلية

إن مستقبل الأنثروبولوجيا يواجه مجموعة من التحديات المعقدة التي ترتبط مباشرة بجدلية التقليد والحداثة، وبالتحولات السريعة التي يشهدها العالم المعاصر. هذه التحديات ليست نظرية فحسب، بل عملية وملموسة، لأنها تمس قدرة هذا العلم على مواكبة الواقع وفهم الإنسان في سياقات جديدة.

أول هذه التحديات يتمثل في التكنولوجيا والرقمنة. فالعالم الرقمي خلق فضاءات جديدة للهوية والتواصل، حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي جزءًا من الحياة اليومية. هذا يفرض على الأنثروبولوجيا تطوير أدوات جديدة لدراسة الإنسان في الفضاء الافتراضي، وفهم كيف تُعاد صياغة الثقافة في بيئة غير مادية.

التحدي الثاني هو العولمة، التي جعلت الثقافات أكثر انفتاحًا على بعضها، لكنها في الوقت نفسه أثارت مخاوف من فقدان الخصوصية المحلية. هنا يصبح دور الأنثروبولوجيا أساسيًا في رصد كيف تتفاعل المجتمعات مع هذه الضغوط، وكيف تُعاد صياغة الهوية بين الانتماء المحلي والانفتاح العالمي.

التحدي الثالث يرتبط بـ الهجرة والتحولات الديموغرافية. فالهجرة الجماعية، سواء لأسباب اقتصادية أو سياسية أو بيئية، تعيد تشكيل المجتمعات وتخلق فضاءات جديدة للتنوع الثقافي. الأنثروبولوجيا مطالبة بفهم هذه التحولات، ليس فقط بوصفها حركة بشرية، بل باعتبارها إعادة إنتاج للهوية في سياقات متعددة.

التحدي الرابع هو الأزمات البيئية والمناخية. فالعلاقة بين الإنسان والطبيعة أصبحت أكثر هشاشة، والأنثروبولوجيا مطالبة بتحليل كيف تؤثر هذه الأزمات على الثقافة والطقوس والهوية، وكيف يمكن للمعرفة الأنثروبولوجية أن تساهم في بناء استجابات أكثر إنسانية واستدامة.

وأخيرًا، هناك تحدي إعادة تعريف الذات الإنسانية في ظل التطورات العلمية مثل الهندسة الوراثية والذكاء الاصطناعي. هذه التحولات تطرح أسئلة جوهرية حول معنى أن تكون إنسانًا، وحول الحدود بين الطبيعي والمصطنع، بين البيولوجي والرقمي. وهنا يصبح دور الأنثروبولوجيا حاسمًا في تقديم قراءة نقدية لهذه التحولات، وفي الدفاع عن البعد الإنساني في مواجهة النزعات التقنية البحتة.

بهذا، يظهر أن التحديات المستقبلية ليست مجرد عقبات، بل هي أيضًا فرص لتجديد الأنثروبولوجيا وتوسيع مجالها. فهي مطالبة بأن تكون أكثر مرونة، أكثر انفتاحًا، وأكثر قدرة على قراءة الإنسان في زمن التحولات الكبرى، لتظل علمًا حيًا قادرًا على تفسير جدلية التقليد والحداثة في كل مراحلها.

جدلية التقليد والحداثة: سؤال مفتوح

إن جدلية التقليد والحداثة ليست مجرد ثنائية متعارضة، بل هي مسار تاريخي متواصل يعكس قدرة المجتمعات على إعادة إنتاج ذاتها في مواجهة التحولات. فالأنثروبولوجيا تكشف لنا أن التقليد لا يموت بالضرورة أمام الحداثة، بل يعاد تشكيله في صور جديدة، وأن الحداثة ليست قطيعة مطلقة، بل إعادة تأويل للذاكرة الجماعية في ضوء الحاضر.

من هنا، يصبح دور الأنثروبولوجيا جوهريًا في فهم هذا التفاعل، لأنها لا تكتفي بوصف الظواهر، بل تحللها وتضعها في سياقها التاريخي والاجتماعي والسياسي. فهي تساعدنا على إدراك أن الإنسان ليس مجرد كائن يتأثر بالحداثة، بل هو فاعل يعيد صياغة الحداثة نفسها وفقًا لخصوصياته الثقافية.

وبينما تتسارع وتيرة التغيير بفعل التكنولوجيا والعولمة، يبقى السؤال مفتوحًا: كيف يمكن للمجتمعات أن تحافظ على هويتها دون أن تنغلق، وأن تنخرط في الحداثة دون أن تفقد جذورها؟ هذا السؤال هو ما يجعل الأنثروبولوجيا اليوم أكثر راهنية من أي وقت مضى، لأنها تمنحنا الأدوات لفهم الإنسان في لحظة التوتر بين الماضي والمستقبل، بين الأصالة والمعاصرة.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

لم يعد الحديث عن المثقف اليساري اليوم مجرد استعادة لسيرة تيار فكري كان له حضوره القوي في لحظات تاريخية سابقة، بل أصبح محاولة لفهم تحول عميق في موقع هذا المثقف ووظيفته داخل المجتمع. فالمسألة لم تعد مرتبطة بوجود أفكار يسارية أو غيابها، وإنما بكيفية اشتغال هذه الأفكار داخل الواقع، وبقدرة من يحملها على تحويلها إلى قوة تفسيرية وتغييرية في آن واحد. غير أن ما يلفت النظر في التجربة المعاصرة هو أن جزءا من هذا المثقف قد انتقل تدريجيا من موقع الفاعل النقدي إلى موقع المتلقي المنعزل، ومن أفق التغيير إلى أفق إعادة إنتاج ذاته داخل دوائر مغلقة لا تتصل بالمجتمع إلا بشكل رمزي أو خطابي.

هذا التحول لم يحدث فجأة، بل جاء نتيجة تراكمات فكرية وسياسية وثقافية. فقد ارتبط المثقف اليساري تاريخيا بمشروع تحرري واسع، كان يقوم على نقد البنى الاجتماعية غير العادلة، وعلى تفكيك علاقات الهيمنة، وعلى الدفاع عن الفئات المهمشة. غير أن هذا الدور، الذي اكتسب مشروعيته من اتصاله المباشر بالواقع الاجتماعي، بدأ يفقد تدريجيا فعاليته حين تحول إلى خطاب يتغذى على ذاته أكثر مما يتغذى على الواقع. فبدلا من أن تكون النظرية أداة لفهم العالم، أصبحت أحيانا معيارا جاهزا لقياس العالم، حتى عندما لا ينطبق عليه. إن الإشكال الأساسي هنا لا يكمن في صحة أو خطأ الأفكار اليسارية في ذاتها، بل في الطريقة التي يعاد إنتاجها بها داخل سياقات اجتماعية مختلفة. فحين تنقل المفاهيم من بيئاتها التاريخية الأصلية إلى مجتمعات ذات تركيبات مختلفة جذريا، دون إعادة تفكيك أو تكييف، فإنها تفقد جزءا من قدرتها التفسيرية. ومع الوقت، يتحول الخطاب إلى شبكة من المفاهيم المكررة التي تستخدم أكثر لإثبات الانتماء الفكري للنخبة، لا لفهم الواقع أو تغييره.

يمكن ملاحظة أن جزءا من المثقفين اليساريين قد انشغل بإعادة إنتاج لغة خاصة داخلية، تصبح مع مرور الزمن علامة على الانتماء أكثر من كونها أداة تحليل. هذه اللغة، رغم غناها النظري، غالبا ما تنفصل عن اللغة اليومية للمجتمع، وتخلق فجوة بين المثقف والجمهور. فبينما يعيش الناس تحولات اقتصادية واجتماعية مباشرة، ينشغل الخطاب النخبوي في مستويات تجريدية لا تجد صدى واضحا في التجربة اليومية للناس. وهنا يبدأ الانفصال الحقيقي بين الفكر والمجتمع. هذا الانفصال لا يعني غياب اليسار عن الساحة الفكرية، بل يعني تحوله إلى وجود محدود التأثير في المجال العام. فبدلا من أن يكون قوة اقتراح اجتماعي، أصبح في كثير من الحالات قوة تعليق نقدي على ما يحدث دون قدرة حقيقية على توجيهه أو التأثير فيه. وهذا التحول من الفعل إلى التعليق يمثل أحد أهم مؤشرات الأزمة. وفي موازاة ذلك، ظهرت إشكالية أخرى تتعلق بطبيعة العلاقة بين المثقف اليساري والجمهور. ففي التصور الكلاسيكي، كان المثقف يفترض أن يكون وسيطا بين النظرية والواقع، بين الفكرة والمجتمع. غير أن هذا الوسيط بدأ أحيانا يتحول إلى سلطة معرفية ترى نفسها أكثر قدرة على تحديد “الوعي الصحيح مقارنة بالفاعلين الاجتماعيين أنفسهم. وهنا تتشكل نزعة أبوية غير معلنة، حتى عندما يكون الخطاب معلنا الدفاع عن الحرية والمساواة.

هذه النزعة لا تظهر دائما في شكل مباشر، لكنها تتجلى في طريقة تفسير سلوك الجماهير، وفي سرعة إصدار الأحكام على اختياراتها السياسية أو الثقافية. فبدلا من تحليل هذه الاختيارات بوصفها جزءا من تعقيد اجتماعي واقتصادي وثقافي، يتم اختزالها أحيانا في مفاهيم مثل التضليل أو الوعي الزائف أو الانحراف عن المسار التاريخي. ومع أن هذه المفاهيم لها جذور نظرية معروفة، إلا أن استخدامها بشكل مطلق يحول المجتمع إلى موضوع حكم لا إلى موضوع فهم.إن هذه الإشكالية تقودنا إلى نقطة أكثر حساسية، وهي علاقة المثقف اليساري بفكرة التغيير نفسها. فالتغيير في التصور اليساري الكلاسيكي كان مرتبطا ببناء وعي طبقي، وتحولات بنيوية في الاقتصاد والمجتمع. لكن في السياق المعاصر، أصبح الواقع أكثر تعقيدا وتشظيا، بحيث لم يعد ممكنا اختزاله في محور واحد فقط. ومع ذلك، لم يتم دائما تطوير أدوات تحليل قادرة على استيعاب هذا التعقيد، مما أدى إلى فجوة بين طبيعة العالم المتغير وبين أدوات تفسيره. هذه الفجوة ساهمت في تعزيز الإحساس بالعزلة داخل بعض الأوساط اليسارية. فكلما اتسعت المسافة بين النظرية والواقع، زادت الحاجة إلى إعادة تأكيد النظرية بدلا من مراجعتها. وهكذا يتحول الخطاب إلى مساحة دفاعية أكثر منه مساحة نقدية، ويصبح الهدف هو الحفاظ على تماسك الرؤية الفكرية، حتى لو كان ذلك على حساب قدرتها التفسيرية.

وفي الوقت ذاته، لا يمكن تجاهل أن جزءا من هذه الأزمة مرتبط أيضا بتغيرات بنيوية في المجال العام نفسه. فصعود الإعلام الرقمي، وتعدد مصادر المعرفة، وتراجع احتكار النخب التقليدية للخطاب العام، كلها عوامل أعادت تشكيل موقع المثقف عموما، وليس اليساري فقط. غير أن الفرق يكمن في أن بعض التيارات الفكرية نجحت نسبيا في إعادة التكيف مع هذه التحولات، بينما بقيت أخرى أسيرة نماذج تواصلية قديمة. يصبح السؤال أكثر تعقيدا: هل نحن أمام أزمة في الفكرة أم أزمة في حامل الفكرة؟ بمعنى آخر، هل المشكلة في اليسار كمنظومة فكرية، أم في الطريقة التي يمارس بها بعض المثقفين هذا اليسار في الواقع؟ هذا السؤال لا يمكن الإجابة عنه بشكل قاطع، لكنه يفتح المجال لإعادة التفكير في العلاقة بين النظرية والتطبيق، وبين الفكر والمجتمع، وبين المثقف ودوره الفعلي في زمن تتغير فيه أدوات التأثير بسرعة غير مسبوقة.

ما يمكن ملاحظته في كل الأحوال هو أن استمرار أي مشروع فكري لا يعتمد فقط على صلابة أطروحاته، بل على قدرته الدائمة على مراجعة نفسه، وإعادة تعريف موقعه داخل مجتمع متغير. وحين يفقد هذا المشروع القدرة على النقد الذاتي، يبدأ تدريجيا في التحول إلى خطاب مغلق، مهما كانت نواياه الأصلية مرتبطة بالتغيير والانفتاح. وتحديدا تبدأ ملامح العزلة في الظهور، ليس كقرار واع، بل كنتيجة طبيعية لتراكم الانفصال بين الفكرة وسياقها الاجتماعي.

***

زكريا - نمر

 

الهامش كمركز مقلوب

في البدء، لم يكن المركز سوى وهم أنتجه الخوف من الفراغ، فجمع الناس في دوائر مغلقة وسمّاها مجتمعا أما الهامش فكان الفضاء الحقيقي الذي تتنفس فيه الحياة بعيدا عن ضجيج المركز وصراخه، ومن قلبه برز ذوو الهمم كشهادة حية على أن الوجود لا يقاس بمدى انتمائه إلى المركز بل بمدى قدرته على خلق مراكز جديدة تتشكل من داخلها ذاتها.

إن مسألة الهامش والمركز في فلسفة الوجود ليست مسألة مكان جغرافي أو موقع اجتماعي بحت بل هي مسألة نظرة أو بالأحرى مسألة "أنظمة النظر" التي تنتج حقيقة ما نراه. فالمركز في المنظور الغربي الحديث هو ذلك الفضاء الذي تتجمع فيه القوى المنتجة والأجساد الكاملة والعقول التي تشبه بعضها البعض في سرها العميق. وهو ببساطة فضاء "الذات نفسها" التي تكرر ذاتها في مرآة الآخر. أما الهامش فهو ما يقع خارج هذه المرآة، ما لا ينعكس فيها، ما يهدد تماسك صورتها. من هنا فإن إخراج ذوي الهمم إلى الهامش لم يكن مجرد سياسة اجتماعية أو اقتصادية بل كان فعلا فلسفيا عميقا يهدف إلى حماية "الذات المركزية" من مواجهة شبح الاختلاف الذي يحمله الآخر المختلف جسديا.

لكن الفلسفة، حين تتجرأ على نفسها تكتشف أن المركز نفسه هو الهامش المقنع، ذلك أن المركز يعيش في حالة دائمة من القلق، من الخوف من أن يتبدد، من أن تتفتت حدوده ومن أن يصبح هو نفسه هامشا لمركز آخر. هذا القلق هو ما ينتج العنف الرمزي والمادي تجاه كل ما يهدد تماسكه، وفي هذا السياق يظهر ذوو الهمم كـ"الآخر المطلق" الذي يفضح زيف المركز ووهم كماله. فالجسد المغاير سوى في تكوينه أو إدراكه هو ذلك الجسد الذي يرفض أن يكون مجرد مرآة تستنسخ صورة الجسد "الطبيعي" ويقدم نموذجا آخر للوجود لا يقاس بمدى قدرته على الإنتاج أو الاستهلاك بل بمدى قدرته على خلق معان جديدة للوجود نفسه.

الهمم كفلسفة للحد

إن مصطلح "ذوي الهمم" في ذاته هو ثورة لغوية وفلسفية على لغة العجز والإعاقة، فالهمة في التراث العربي والإسلامي هي ذلك العزم الذي يصعد بالإنسان فوق حدود جسده ومادياته وهي في الوقت نفسه دعوة إلى إعادة النظر في مفهوم "الحد" نفسه. ذلك الحد الذي يميز الشيء ويحدد هويته. والحدود هي التي تنتج المعنى من خلال التفريق بين الداخل والخارج، بين الذات والآخر، بين الطبيعي وغير الطبيعي، أما الهمة فهي ما يذيب هذه الحدود أو على الأقل ما يظهر أنها ليست طبيعية بل هي إنتاج تاريخي وثقافي.

ذوو الهمم لا يعيشون "رغم" حدودهم بل يعيشون "بفضلها" و"من خلالها". فالحد عندهم ليس سجنا يقيّد الوجود بل هو بوابة تفتح على وجود آخر، على طريقة أخرى من طرق الوجود في العالم، فالمعنى هنا يتعلق بكيفية ارتباط الإنسان بالعالم وبالآخرين. فالأعمى لا يعيش في عالم منقوص من الحس البصري بل يعيش في عالم يتشكل من خلال حواس أخرى تتطور وتتعمق بشكل يختلف جذريا عن التجربة البصرية وهذا العالم ليس "أقل" من العالم البصري بل هو "آخر" مختلف في بنيته وفي معانيه.

وهنا يبرز السؤال الجوهري: هل الوجود واحد أم هي وجودات متعددة؟ إذا كان الوجود واحدا فإن ذوي الهمم يصبحون "منقوصين" من نصيبهم فيه أما إذا كانت الوجودات متعددة فإنهم يصبحون شهودا على تعدّد الوجود وتعدد طرق الوجود في العالم وهذا التعدد ليس ترفا فلسفيا بل هو ضرورة أخلاقية ووجودية. فالاعتراف بتعدد الوجودات يعني بأن لا طريقة واحدة صحيحة للوجود وأن لا جسدا واحدا هو "الجسد الطبيعي" وأن لا عقلا واحدا هو "العقل السليم". وهذا الاعتراف هو ما يفضي إلى إعادة تعريف "الإنسان" نفسه من كائن محدد بحدود بيولوجية وعقلية ثابتة إلى كائن مفتوح على تعدد الاحتمالات والأشكال.

المركز الهامشي والهامش المركزي

في عالم يتجه نحو التركيز والتمركز، يظهر الهامش كفضاء للمقاومة والإبداع، لكن هذه المقاومة ليست مقاومة سلبية ترفض المركز وتكتفي بالاحتجاج عليه بل هي مقاومة إيجابية تنتج مراكز جديدة تتشكل من داخل الهامش نفسه. وذوو الهمم هنا ليسوا مجرد "ضحايا" يحتاجون إلى "إدماج" في المركز بل هم "منتجون" لمراكز معرفية ووجودية جديدة. فالإدماج في جوهره هو دعوة إلى الانصهار في المركز وإلى التخلي عن الاختلاف إلى أن تصبح "مثلنا"، أما ما نحتاجه فهو "التعددية المركزية"، أي اعترافا بأن المراكز متعددة وأن كل مركز يحمل في ذاته إمكانية أن يكون هامشا لمركز آخر.

هذا يقودنا إلى فكرة "المركز الهامشي" و"الهامش المركزي". فالأول هو ذلك المركز الذي يتشكل من داخل الهامش والذي لا يحاكي المركز التقليدي بل ينتج منطقا جديدا للمركزية. فمركزية ذوي الهمم ليست مركزية "القوة" أو "الكمال" بل هي مركزية "الحاجة" و"العطاء" و"العلاقة"، فالإنسان في حاجة دائمة إلى الآخر وهذه الحاجة ليست نقصا يجب سده بل هي شرط من شروط الوجود الإنساني نفسه. وذوو الهمم يذكروننا بأن هذه الحاجة هي ما ينتج المعنى وأن العلاقة ليست مجرد رابط بين ذوات مكتملة بل هي ما ينتج هذه الذوات ويشكلها.

أما الهامش المركزي فهو ذلك الهامش الذي يتشكل من داخل المركز نفسه والذي يفضح زيف مركزته. فالمركز كما قلنا يعيش في قلق دائم من تفتته ولهذا فهو ينتج دائما هامشا داخل ذاته: هامش المرض وهامش الجنون وهامش الضعف. وذوو الهمم حين يواجهون هذا الهامش الداخلي يجبرونه على الاعتراف بأنه ليس مركزا حقيقيا بل هو تراكم للهويات المتخيلة والحدود المصطنعة وبداية انهيار وتشكل مراكز جديدة.

الهمم والزمن: وجود آخر للزمن

إن أعمق ما في تجربة ذوي الهمم هو علاقتهم بالزمن. فالزمن في المركز هو زمن الإنتاج والاستهلاك، زمن خطي يتقدم نحو هدف محدد يقاس بالإنجاز والفعالية أما الزمن في الهامش وفي تجربة ذوي الهمم خاصة، فهو زمن آخر تماما، فهو زمن "الانتظار" و"الاستسلام" و"القبول" لكنه في الوقت نفسه زمن "العمق" و"التركيز" و"الحضور". فالانتظار هنا ليس سلبية بل هو فعل وجودي يتعلق بكيفية الوجود في العالم والاستسلام ليس استسلاما للقدر بل هو قبول للحدود التي تفتح على أفق جديد.

هذا الزمن المختلف هو ما يمكن ذوي الهمم من رؤية ما لا يراه الآخرون، فهم يعيشون في "شقوق" الزمن، في الفواصل بين اللحظات، في المساحات التي يتجاهلها الآخرون في اندفاعهم نحو المستقبل. وهذه المساحات رغم أنها تبدو فارغة، هي في الحقيقة ممتلئة بالمعنى. فالصمت هنا ليس نقصا في الكلام بل هو لغة أخرى والبطء ليس عجزا عن السرعة بل هو إيقاع مختلف للحياة والتوقف ليس موتا بل هو لحظة تجديد ولادة.

وهذا يقودنا إلى إعادة النظر في مفهوم "الحياة الطيبة" نفسه. فالحياة الطيبة في المنظور الغربي الحديث هي حياة "الاختيار" و"الحرية" و"الإنجاز" أما من منظور ذوي الهمم فهي حياة "القبول" و"العلاقة" و"الحضور" وهذا لا يعني أنهم لا يختارون أو لا ينجزون بل يعني أن اختيارهم وإنجازهم يتبعان منطقا آخر لا يقاس بالكم بل بالكيف، لا بالسرعة بل بالعمق، لا بالاستقلال بل بالعلاقة.

الخاتمة: نحو فلسفة همومية

إن ما نحتاجه اليوم ليس "تسامحا" مع ذوي الهمم ولا "إدماجا" لهم في مجتمع لا يزال يحمل منطق المركز والهامش بل نحتاج إلى "فلسفة همومية" تعيد التفكير في أسس وجودنا معا. فالهمة ليست مجرد صفة تتصف بها فئة من الناس بل هي مبدأ وجودي يتعلق بكيفية تجاوز الحدود وخلق معان جديدة وذوو الهمم ليسوا "آخرين" نحتاج إلى "فهمهم" أو "مساعدتهم" بل هم "نحن" في إمكانيتنا الأخرى، في ما يمكن أن نكونه لو تجرأنا على تجاوز حدود "الطبيعي" الذي نتصوره.

إن الهامش والمركز ليسا موقعين ثابتين، بل هما علاقتان تتبدلان حسب منظور الناظر، وما يبدو هامشا من منظور ما قد يبدو مركزا من منظور آخر، وذوو الهمم يذكروننا بأن "المركزية" ليست حقيقة وجودية بل هي وهم ننتجه لنبرر وجودنا ونخفف من قلقنا أما الحقيقة فهي أننا جميعا نعيش في هامش ما وأننا جميعا نحتاج إلى الآخر لنكمل معنى وجودنا. والهمة في النهاية هي ما يمكننا من رؤية هذا ومن التجرؤ على أن نكون "آخرين" حتى نكون "أنفسنا" حقا.

***

عبد السلام مسعودي - كاتب وشاعر تونسي

 ورئيس تحرير مجلة مدارات ثقافية الألكترونية

الحداثة مفهوم حضاري مستقبلي الطبيعة لان زمنها متجه نحوه المستقبل وشمولي النطاق للوجود الانساني في مجال (التقنيات) والاقتصاد و السياسة و الإدارة و الثقافة و وهي شديدة الارتباط بالفلسفة التي انتجتها (فلسفة العلم) على انها بنية فكرية تشتمل على تحولات عديدة فلسفيا وابستمولوجيا ومن سماتها انها لا تحدث دفعة واحدة بل بالانتقال من النمط التأملي للمعرفة الى النمط التقني المتدرج وتتمسك بإعمال العقل بمعناة الحسابي كما يرى هيد جر فالمنهج يكتسب منها أهمية قصوى لإنتاج معرفة تقنية لان عقل الحداثة عقل اجرائي تجزيئي.

 وتؤمن الحداثة بان التاريخ سيرورة (processes) وصيرورة أي المسار الحتمي الذي تحكمه عوامل ملموسة، وعليه فأن التاريخ حسب (ليوشتروس) سيكون وسيطا بين الواقع والمثال، مقابل نزعة سلفية ترجع كل شيء للتاريخ وقد انتج التأمل الحداثي في اوربا النهضة الاوربية و الإصلاح الديني ونقد المعرفة التقليدية، اما هيجل فانة اول من طرح فكرة القطيعة مع التراث المعرفي التقليدي، لان عصر الحداثة هو العصر الذي اختل به التوازن بين معرفة الماضي و معرفة المستقبل ولا يستمد معياره من التراث والماضي، بل ينادي المتحمسون بقطيعة جذرية وكاملة مع التراث والفكر التقليدي، وعلى مستوى انتاج المعرفة فالحداثة ترى ان الانسان قيمة مركزية وترجع كل المعرفة الى الذات المفكرة والعقل والإرادة الحرة وسماتها الفلسفية

لانها تتمتع بالفردانية و النقدية و التأمل البرهاني و تقبل الاخر والاحتكام الى منطق النسبية المعرفية وقد تأثرت بالحداثة النزعة البروتستانتيه التي ربطت بين الايمان الديني والتفكير الشخصي، اما العقلانية المطلقة فتعني رجوع كل شيء للعقل واسموها بـ(مبدأ السببية) لكنها عقلانية أداتية صارمة، واحيانا يصل بها الحال الى غياب المعنى، ولعلها تغيّب فكرة المقاصد الوجودية ويتحول العلم فيها الى اداة اجرائية للسيطرة على الانسان والطبيعة، وينمو في ظله غياب التراحم والعطف وصولا الى تشكل عالم صارم ورقمي، خال من القيم الروحية او القيم خارج الطبيعة الحسابية.

ان المشكل مع ثقافات الشعوب والأمم ان فكر الحداثة حينما يصطدم بالمنظومة التراثية التقليدية لأي ثقافة فانه يولد تمزقات وتشوهات ذهنية وحالة فصام وجداني وذلك لصلابة المنظومتين ويلاحظ ان الدعوة الى الحداثة تكشف عن انها لا تقل عنفا عن الدعوة للسلفية فهي تمارس فرض اراداتها بقسوة فقد رافقت الاستعمار الكلاسيكي مطلع القرن الماضي وهيمنته لكنها تغلف العنف برحيق اللطف، وتداعب الخيال، وتلجا الى الاغواء والاغراء وتتميز في وسطنا العربي والإسلامي بأساليبها الناعمة والحالمة ومن التعمق فيها يظهر:

انها حداثه براتيه وليست وجدانية للاسف جاءت مع الاستعمار والأجانب المعتدين، مغموسة في غربتها واغترابها، واستلاب هويات الشعوب الحضارية وهي عنيفة في فعلها التفكيكى لتراثنا برمته الصالح منه والطالح من دون تمييز يختلط فيها التحرر من الاساطير لكن مع السيطرة على المقدرات، فهي تنقد التراث الذي تسمية بالماضي، لتكبله بالحاضر و تقدم الحداثة نفسها على انها نمطية حتمية ونهاية للتاريخ ويلاحظ انها منذ قرن لعلها تراوح بين الاندماج التلقائي وردود الفعل التراثية المتصاعدة في عنفها، ولعلها كانت سببا في تحول الإسلاميين من العقلانية الى الجهادية، والأكثر خطورة انها تتمسك بطابعها الكلي (أي انها كل لا يتجزأ) فأما ان تؤخذ كلها او تترك كلها، وانها أداة تقدم ذات سمة صراعية أي انها لا تجري في افق معرفي بل في سياق الهيمنة للغرب وكما شهد عالمنا العربي والإسلامي فشل تجارب الإسلاميين فقد عرف مؤخرا تجارب الليبرالين والحداثيين الفاشلة أيضا والتي اتسمت باختلالات في توزيع الثروة، و الاغتراب الثقافي، والسطحية الشعبوية والخطاب التحريضي والنزعة السلطوية التي اجهدت المؤسسات في فهم حقيقتها و محاولة التزاوج الهجين بين الحداثة والتقاليد ولم توفق دعوة الحداثة الى مشروع نهضوي شامل ينطلق من الواقع العربي لوضع العرب على سكة التاريخ والتمدن، ففي المجال السياسي من مشروعها انها لم تحقق (حياة سياسية برلمانية صادقة ومستقرة) انما نموذج شكلي تطبق فيه ما يحقق مصالح سدنة الحداثة وهي مثل شكليات الإسلاميين الذين ينتقون ما يحقق مصالح الجهاديين فيطرحونها على انها حقائق نهائية فتداخلت مع النصوص سلطتهم في وضع الدساتير ولوائح الحقوق، فلا يزال الاستبداد السياسي في جوهره قائما رغم اختلاف السلوكيات مثل (نموذج الحزب الواحد)، والراي الواحد، واقصاء العلماء والكفاءات.

صحيح انهم استعانوا بالتقنيات العصرية ورداء الأيديولوجيات، الا انهم حقيقة كانوا وراء نكسات عديدة في مصر ولبنان وسوريا والجزائر وتونس، وكانوا وراء عسكرة النظم السياسية وفي المجال الاقتصادي فقد فشلت دعوى الحداثة العربية في إقامة نظام اقتصادي كفوء مندمج بالأسواق العالمية انتاجا واستهلاكا ولم يحققوا تنمية متوازنة، ولا تقدم في الشأن الإنساني والتقني وقد انتشر الفساد في اروقة (النماذج الحداثية) بشكل لافت فقد اخفقوا في الحد منه ومن استغلالهم للموارد العامة كما اخفقوا في مواكبة التطور الرقابي وهم أحوج الناس اليه

اما الشق الاجتماعي فهوا الأكثر ضرارا فالبطالة، والهجرة المحمومه للغرب، والعنف الذي ظهر كرد فعل على الفكر الحداثي وتدني الشعور بالمسؤولية الاجتماعية جراء الفردانية التي هي من أسس الحداثة وانتهاك (القوانين والنظام العام) كان بسبب الفهم العقيم للحريات، وتدني المستوى الثقافي، وتدني مخرجات التعليم، وسبب ذلك لان (للحداثة الغربية) صيرورة اوربية تدرجت وخلقت وعيا تاريخيا عندهم، فجاء الحداثيون العرب فاستوردوه وطبقوها دون الاهتمام باختلاف الصيرورات، وتدرجات الوعي، ومخرجات التاريخ

وما يختلف به القهر السياسي والاجتماعي بينهم وبين التراثيين انه عند الحداثيين يجري بأساليب ناعمة بينما عند الجهاديين يتم بأسلوب متوحش، ولا بد من لفت الانتباه الى ان الحرية التي يطالبون بها لم تطبق في المجال الاكاديمي انما انشغل الحداثيون بمعركتهم مع التقليديين فغاب الابداع والابتكار وبقينا نستهلك التقنية من الغرب ثم يعيرون خصومهم بانهم يأكلون ويعيشون بمنجزات الغرب وفي نفس الوقت يشتمون الحضارة الغربية.

لنكن شجعانا ونعلن ان تجارب الحداثيين قد أخفقت في عالمنا العربي بتوفير الشروط الأساسية لاستيعاب جديد الثقافة التراثية برؤية نقدية انتقائية للصالح منها للنهوض واستيعاب نقدي لثقافة التمدن الأوربي وفصل التقني عن القيمي والأخلاقي

لقد اغفل الحداثيون تعمدا معرفيات وقيم كثيرة اشتمل على تراث المسلمين الفكرية وهي لا تتناقض في جوهرها مع مدعيات العلمانية والحداثة مثل اراء ابن رشد والفارابي وأفكار المعتزلة ووحدوا بين تقنية الغرب وثقافتها واعتبروهما شيئا واحدا لها نطاق كوني واحد، وليست القيم مقومة بشكل خصوصي للغرب، والتقنية تراث مشترك واغمضوا عيونهم عن كل العناصر السلبية للحداثة ورفضوا مفردات أساسية مثل (تاريخ المعرفة الإسلامية) وعظمته (وحضارة المسلمين) واعتبروها فقط هباء بل عدوها اس التخلف وسببه الرئيسي

ان تكريس الاستلاب لا يحقق تقدما ولا تكييفا بين التراث والحداثة الحقيقية كما حصل في (اليابان /ماليزيا) فقد مارسوا نقد للتراث، ولكن اصحابنا امتنعوا ان يمارسوه للحداثة نفسها ان منطق العالم الحديث يقتضي التميز بين الذاتي (التراث الحضاري) والموضوعي (التقدم الغربي التقني) تمييزا يتقيد باثر الصيرورات ثم انهم لم يهتموا بظاهرة خطيرة وهي ان الثقافة التقليدية ارسخ في النفوس ولم يعالجوها بادماج الحداثة في نسيجها وبدل ان ينتجوا نموذجا حضاريا يجمع قيمنا وتراثنا مع حداثه التمدن،فقد جعلوا سجالنا بين ثقافتين متعارضتين ومزقوا بوصلتنا، بل انهم اوغلوا في مهمة التذويب والاستلاب وخلق السجال بالصراع بين الامة وحاضرها، والحال ان ما يطلبه الحداثيون لحصول التلاؤم بين تراثنا ومعطيات الحداثة يستلزم ان نطالب الحداثة ان تفكر باحترام واستيعاب التراث وهذه المعادلة التاريخية هي (الرهان الصعب)

في الختام ثمة أسئلة تظهر من ثنايا هذا السجال ومنها:

- ما مدى ملائمة الحداثة الغربية للتراث الاممي للإنسانية؟ وما مدى تقبل فكر الحداثة لعموم ثقافات الأمم

- وهل تقبل الشعوب الواعية مفاهيم الحداثة التي تزيح تراثهم الثقافي والفكري ومدنيتهم وتتسبب بالمعطيات السلبية (على تاريخهم الخاص بهم)؟.

- هل تستطيع الحداثة ان تبني ذاتها بإيجابية بدل نفي الاخر وهدمه، والازدراء به وانكار إنجازاته؟

- هل تستوعب العقلانية المتطرفة الماورائيات وقيم التحسين والتقبيح القانون الفطري

- وهل تستوعب الحرية الحداثية احتراما للنظام العام والحقوق العامة والاداب

- وهل ترقى ذاتية الحداثة الى إعطاء الدولة حقها والمجتمع حقوقه والمؤسسات دورها

نموذجان من الحداثة التاريخية للمسلمين: في تاريخ المسلمين صدمتان

 أولا حداثة المعتزلة: فان تيار الاعتزال نشا كرد فعل فكري على المقولات الراديكالية للخوارج في مسالة مرتكب الكبيرة والتمرد المنفعل على السلطة، والنزعة القتالية

 وكرد على وقوع دولة الخلافة في مستنقع اتباع سياسات الظلم والجور والتمييز فاعلنوا العدل أصلا من أصول الدين، واعلنوا مقابل النزعة الجبرية حرية الإرادة وضرورة الاختيار وهم معرفيا: احترموا النص الديني وقبلوه مشفوعا بالعقل ورفضوا كل ما يناقض البرهنه العقلية فاقصوا الخرافة والرؤى الذاتية وطبقا لنظريتهم في الحسن والقبح العقليين فانهم اقاموا منظومتهم على أساس معايير عقلية ومن الطبيعي ان تصدم هذه المنظومة مع السلطة الاستبدادية فلا تقبل موجبات العقلانية والنزعة البرهانية ومقتضى الحريات والتفكير المقاصدي وتعارض أفكار الاعتزال ووجبرية الحاكم المؤسسة الاستبدادية ولم يوافقوا ان تحدد السلطة أفعال المواطنين، فالفرد خالق لأفعاله، و عندهم ان الله فرض على ذاته المقدسة ان يفعل الاصلح لعباده فيجب على مدبر المدينة(رئيس الدولة) ان يقتدي بمدير الكون الأعظم ويفعل الاصلح لمواطنيه وبذلك يسطر مفكروهم منظومة فكرية حول الفهم الكوني للعدل والمفهوم الاجتماعي له، ويؤسسون منهجا معرفيا يقرر ان للعقلانية الحق في البحث في الالهيات والانسان والتاريخ والماورائيات

لذلك هاجمهم المتوكل العباسي واستأصل وجودهم البشري و وحارب سرديات فهمهم للعالم والتاريخ، فقد اسسوا البديل المضاد الفكري للاستبداد باعتماد الحرية والاختيار ورفض جبرية السياسة وجبرية رجال الدين. ووضعوا المسؤولية على الفرد إزاء أفعاله واختياراته لكنهم قيدوا تلك الحريات بالنظام العام والقيم الأخلاقية وبالاستناد الى اسس العقلانية، ورفضوا الاساطير والخرافات وخطابات التبجيل ومنها مثلا رؤية الجن. وعلى ما تقدم يمكننا القول ان المعتزلة قدموا اول محاولة للحداثة في التجربة المبكرة لدولة الإسلام ومجتمعة

ان الذي يميز علماء الاعتزال انهم لم يستسلموا للفكر اليوناني ولم يستلبوا مواطنيهم من تراثهم ويساهمون في غربتهم واغترابهم انما: تلقوا الفلسفة اليونانية وترجموها، ودرسوها، وفصلوا بين حقائقها الثابتة وبين تاريخ صدورها عن الفلاسفة والظروف التي أسهمت في بنيتها ثم فهموا مقاصدها، ونقدوها بعد اكتشاف ثغراتها فطوروها واعادوا انتاجها من جهود واصل بن عطاء حتى ابن رشد الحفيد (595هـ)

النموذج الثاني للحداثة في تراث المسلمين: وهو نموذج الفلسفة وتطوير العرفان واكتشاف الوجود اذ بعد اعلان الغزالي حربه على الفلسفة في كتابه (تهافت الفلاسفة) حورب الفلاسفة في العالم الإسلامي لكن منهجه لم يتخلص من الرد النوعي لانها أصبحت في القرن العاشر والحادي عشر الهجري عنصرا مهما في الثقافة وحظيت باعتراف في المحيط الديني، رغم ما اطبق على العالم الاشعري (السني) على تحريم الفلسفة وابعادها عن الافاق المعرفية السائدة، وكانت نظريات ابن عربي هي الأخرى قد حوصرت الا ان القرن العاشر فك الحصار عنها وصارت معرفة متداولة. ودخل على التصوف مد تصحيحي قدمت فيه تعاليم نظرية لدعم الممارسات وكان جلال الدين دواني قد احيا فلسفة نصير الدين الخواجة وعلق على فلسفة السهروردي فصارت الثقافة العقلية مركبة من (المشائية ونهج ابن عربي وتنويرية السهروردي) وظهر صدر الدين الشيرازي صاحب الاسفار والحركة الجوهرية، وفلسف حيدر املي تعاليم اهل البيت ووصفها بلائمة الكمال النهائي

لقد وفر الملا صدرا ثيولوجيا امامية مندمجة مع الاطار الفلسفي، وتابعه عملاق اخر هو الشيخ البهائي العاملي (ت 1622م) الذي كان الى جانب كونه فقيها عالما بالفلسفة والتصوف ومتادبا بالشعر العرفاني ثم مهندسا معماريا لكن هذه الحداثة قوبلت كأي تجديد علمي وفكري بمعارضة، فظهر الحر العاملي (1111هـ) في كتابة (الفوائد الدينية في الرد على الحكماء والصوفية)

رغم ان ذلك الإنجاز المعرفي المهم كاد يتحول الى قاعدة فكرية للانطلاق نحو افق ارحب للمعارف والعلوم والفكر الإسلامي المنطلق مع التأمل.

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

 

منذ أن قررت بعض المجتمعات أن تجعل من التأويل جريمة، ومن التفكير خروجا على الجماعة، أصبح اي مفكر يسير إلى محاكمته منذ اللحظة التي يرفع فيها رأسه فوق يقين القطيع. صار المفكر يدان لأنه فكر، وينفى لأنه اجتهد، ويقتل معنويا لأنه رفض أن يكرر ما قاله السابقون. وهكذا تحولت معارك الأفكار إلى محاكم تفتيش، لا تبحث عن الحقيقة، بل عن ضحية جديدة تقدم قربانا لسلطة الوهم..

وفي قلب هذه المأساة يقف نصر حامد أبو زيد. رجل لم يحمل سلاحا إلا العقل، ولم يرفع راية إلا السؤال، فحوكم لأنه فكر، ونفي لأنه قرأ النص بعين الباحث لا بعين المقلد، واغتيل نفسيا ومعنويا مرات لا تحصى قبل أن يرحل جسده.

قتلته في سمعته، وفي رزقه، وفي وطنه، وفي طمأنينته، حتى أصبح الموت البيولوجي آخر حلقات اغتيال طويل بدأ منذ اللحظة التي قال فيها: انا أفكر

لم يحمل الرجل سيفا ولم يدعُ إلى عنف ولم يملك سوى أدوات الباحث: العقل، واللغة، والتأويل. لكن هذه الأدوات كانت كافية لتعلن عليه حرب شرسة

 إنها ليست حكاية رجل، بل حكاية أمة ما زالت تخشى السؤال أكثر مما تخشى الجهل، وتخاف من العقل أكثر مما تخاف من الظلام.

في هذا المناخ، لم يكن نصر حامد أبو زيد يحارب الدين كما ادعى خصومه بل كان يحاول أن يحرر فهمه من احتكار التأويل وأن يعيد الاعتبار للعقل بوصفه شريكا في الفهم لا عدوا للإيمان. لكن المجتمعات التي اعتادت تقديس التفسير أكثر من تقديس الحقيقة، لا ترى في المفكر إلا خصما ينبغي إسكات صوته

إن مأساة نصر حامد أبو زيد ليست سيرة فرد، بل مرآة لمحنة العقل العربي، الذي ما زال يدفع ثمن كل محاولة لتحرير النص من سلطة القراءة الواحدة، وكل محاولة لإقناع الناس بأن الحقيقة لا تخاف السؤال، وأن الإيمان الواثق لا يرتعد أمام العقل

فكل حضارة أغلقت أبواب السؤال، وحاكمت أصحاب العقول الحرة ورفعت سيف التكفير أو التخوين فوق رقاب الباحثين، والمفكرين لم تكن تدافع عن هويتها، بل كانت تكتب شهادة انحدارها بيدها

سلسلة من الاغتيالات بدأت منذ أحرقت الكتب، ونفي الفلاسفة، وأقصي المجددون، وما زالت تتكرر كلما ولد سؤال جديد. وما دام المفكر يحاكم لأنه يفكر، ويدان لأنه يجتهد، ويغتال معنويا أو جسديا لأنه رفض أن يكون صدى للماضي فإن أمتنا ستظل تدور في الحلقة نفسها، تعيد إنتاج الهزائم وتبحث عن أسباب تخلفها في كل مكان إلا في المرآة

هم لم يقتلوا نصر حامد أبو زيد وحده، بل قتلوا معه احتمالا آخر لنهضة كان يمكن أن تولد، وأغلقوا نافذة كان يمكن أن يدخل منها الضوء.. وما نراه اليوم من تراجع حضاري. وجمود فكري، وعجز عن إنتاج المعرفة، ليس قدرا تاريخيا، بل هو الثمن الباهظ الذي تدفعه أمة اعتادت أن تقصي مفكريها وفلاسفتها

فلم نعرف من قبل أن حضارة بنيت على كراهية العقل، ولا نهضة ولدت من رحم التكفير، ولا مستقبل شيد فوق أنقاض الأسئلة..

فكم من نصر حامد أبو زيد ما زال يغتال كل يوم، لا بالرصاص بل بالتكفير والتشهير والإقصاء، ومحاصرة الفكر الحر. وكم من عقل وُئد قبل أن يزهر، وكم من مشروع تنوير أجهض قبل أن يرى النور

وسيأتي يوم تدرك فيه الأجيال أن الجريمة الكبرى لم تكن اغتيال مفكر بعينه، بل يوم جعلنا أصحاب العقول الحرة غرباء في أوطانهم، وأقمنا محاكم للضمير بدل أن نبني منصات للحوار..

فسلاما على روح نصر حامد أبو زيد. هو لم يكن نبيا ولا قديسا، بل إنسانا آمن بأن العقل هبة إلهية لا يجوز تعطيلها.

سلاما عليه يوم فكر، ويوم صبر، ويوم رحل، ويوم بقيت أفكاره حية تتحدى الزمن. ولعل أعظم وفاء له، ولكل عقل حورب لأنه أضاء، ألا نكتفي برثاء المفكرين بعد رحيلهم، بل أن نحمي حق الأحياء منهم في أن يسألوا، ويجتهدوا، ويختلفوا لأن الأمم التي تصون حرية الفكر هي وحدها التي تمتلك حق صناعة المستقبل

***

ابتهال عبد الوهاب

 

هناك مقولة قديمة تقول إن أخطر أنواع الهزائم ليست تلك التي تقع في ساحات القتال، بل تلك التي تقع داخل العقول. فالجيوش قد تنهزم ثم تعود، أما الأفكار التي تفقد صدقيتها فغالبا ما تترك فراغا يصعب ملؤه. وإذا كانت النخب هي عقل المجتمع، فإن أزمة النخب ليست أزمة فئة محدودة، بل أزمة أمة بأكملها. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح اليوم ليس لماذا تتراجعة الديمقراطية في العالم العربي والإفريقي؟ بل لماذا عجز المثقف الذي جعل الديمقراطية والحرية مشروعه الأساسي عن أن يصبح قوة قادرة على تغيير الواقع؟

منذ عقود طويلة، قدم المثقف الليبرالي نفسه بوصفه ممثل العقلانية والحداثة، وحامل مشروع الدولة المدنية، والمدافع الأول عن حرية الإنسان وكرامته. كان خطابه جذابا، وشعاراته براقة، ولغته مليئة بالمفاهيم الحديثة. غير أن الحصيلة النهائية تكشف مفارقة قاسية؛ فقد بقي حضوره في الجامعات والندوات والمؤتمرات ووسائل الإعلام أكبر بكثير من حضوره داخل المجتمع نفسه. كان مؤثرا في صفحات الجرائد، لكنه محدود التأثير في الشارع. كان يملك اللغة، لكنه لم يملك الجمهور. وكان يحسن نقد الآخرين، لكنه لم يتقن مراجعة نفسه. ليست المشكلة أن الليبرالية فكرة فاشلة. فالليبرالية، في أصلها الفلسفي، أسهمت في بناء دول القانون، وترسيخ الحريات العامة، وتقييد سلطة الدولة، وحماية الحقوق الفردية في كثير من التجارب التاريخية. لكن الأفكار لا تنتصر بقيمتها النظرية وحدها، بل بقدرتها على التجسد في واقع الناس. وهنا تبدأ الأزمة؛ إذ تحولت الليبرالية عند كثير من مثقفي العالم العربي والإفريقي إلى خطاب نخبوي منفصل عن المجتمع، وإلى هوية ثقافية أكثر منها مشروعا سياسيا واجتماعيا قابلا للحياة.لقد اعتاد المثقف الليبرالي أن يفسر كل إخفاقاته بأن المجتمع متخلف، أو أن الثقافة السائدة معادية للحرية، أو أن الدين والقبيلة والتقاليد تمنع الناس من تبني أفكاره. لكن هذا التفسير، رغم احتوائه على جانب من الحقيقة، يخفي سؤالا أكثر إزعاجا: ماذا لو كانت المشكلة أيضا في المثقف نفسه؟ ماذا لو كان قد أخطأ في فهم المجتمع، وفي بناء خطابه، وفي ترتيب أولوياته؟ ماذا لو كان قد تحول، من حيث لا يدري، إلى جزء من الأزمة التي يدعي أنه جاء لحلها؟

إن المثقف الذي يطالب الجميع بالنقد، ثم يرفض أن يكون هو نفسه موضوعا للنقد، يفقد أهم شروط الثقافة الحقيقية. فالمثقف ليس نبيا معصوما، ولا وصيا على المجتمع، ولا مالكا للحقيقة. إنه إنسان يخضع لأخطائه وتحيزاته ومصالحه مثل غيره. وعندما يتعامل مع أفكاره باعتبارها مقدسات، فإنه يعيد إنتاج العقلية التي يزعم محاربتها. أكثر ما يكشف أزمة المثقف الليبرالي هو أنه كثيرا ما تحدث عن الحرية باعتبارها القيمة العليا، لكنه نادرا ما سأل نفسه: حرية من؟ ولمن؟ وهل يمكن للإنسان الذي يعيش تحت وطأة الفقر والجوع والنزوح والبطالة أن يجعل حرية التعبير أولويته الأولى؟ وهل يكفي أن تمنح المواطن حق التصويت إذا كان عاجزا عن الحصول على تعليم جيد أو علاج كريم أو فرصة عمل تحفظ كرامته؟ لقد اختزل كثير من الليبراليين السياسة في الحقوق المدنية، واختزلوا الدولة في الدستور، واختزلوا الديمقراطية في الانتخابات، بينما الواقع أكثر تعقيدا من ذلك بكثير. فالديمقراطية لا تزدهر في مجتمع تسوده الأمية، ولا تحمي نفسها في اقتصاد يحتكر الثروة، ولا تستقر في دولة تنهشها المحسوبية والفساد. إن الحرية ليست جزيرة معزولة عن العدالة الاجتماعية، بل إن كل واحدة منهما تحتاج إلى الأخرى كي تكتمل. إن أزمة المثقف الليبرالي ليست أزمة خطاب فحسب، بل أزمة تصور كامل لدوره في المجتمع. لقد انشغل بمعارك الهوية أكثر من انشغاله بمعارك التنمية، وأصبح قادرا على مناقشة أحدث النظريات الفلسفية، لكنه عاجز عن تقديم إجابة عملية لسؤال بسيط يطرحه المواطن: كيف سأعيش حياة أفضل؟

لقد تحول جزء معتبر من الخطاب الليبرالي إلى خطاب استهلاكي، يكرر المصطلحات نفسها في كل مناسبة: المجتمع المدني، الحوكمة، الشفافية، المواطنة، التعددية، الإصلاح المؤسسي. وهي مفاهيم مهمة بلا شك، لكنها فقدت معناها عندما تحولت إلى شعارات جاهزة تردد أكثر مما تمارس. فالكلمات، مهما بلغت بلاغتها، لا تغير الواقع إذا لم تتحول إلى مؤسسات وسياسات وإرادة اجتماعية. أن بعض المثقفين الليبراليين وقعوا في تناقض لا يمكن تجاهله. فهم يطالبون بحرية الرأي، لكنهم لا يتسامحون مع الرأي المخالف. يدافعون عن التعددية، لكنهم يقسمون المجتمع إلى فئتين: متنورون وجهلاء. يتحدثون عن التسامح، لكنهم يمارسون الإقصاء الفكري ضد كل من لا ينتمي إلى دائرتهم الثقافية. وهكذا تصبح الليبرالية، التي جاءت لتحرر الإنسان من الاحتكار، أداة لاحتكار جديد يرتدي لغة أكثر أناقة.

إن المقال لا يستهدف الليبرالية كفلسفة، ولا يسعى إلى هدم قيم الحرية والدولة المدنية، بل يحاول مساءلة النموذج الذي حمل هذه القيم في واقعنا العربي والإفريقي. فالأفكار العظيمة لا تسقط بسبب خصومها فقط، وإنما قد تسقط أيضا بسبب سوء من يمثلها. وحين يفشل حامل الفكرة في تجسيدها، فإن المجتمع لا يحاكمه وحده، بل يحاكم الفكرة معه. ولذلك فإن الأزمة التي سنناقشها ليست أزمة تيار سياسي بعينه، وإنما أزمة المثقف العربي والإفريقي الذي استبدل بناء المجتمع بإدارة الخطابات، واستبدل إنتاج المعرفة بإعادة تدوير الشعارات، واستبدل النزول إلى الناس بالحديث عنهم من خلف المكاتب والمنصات. وما لم يخضع هذا النموذج لمراجعة جذرية، فإن الفجوة بين النخبة والمجتمع ستتسع أكثر، وسيظل المثقف يتحدث عن الحرية في قاعات مغلقة، بينما يواصل المجتمع البحث عمن يستطيع أن يقدم له الخبز، والعمل، والأمن، والكرامة.

***

زكريا - نمر

 

انتهى بنا المساق الماضي مع (ذي القُروح) إلى أنَّ أرباب التيَّار، الذي يُسمَّى ليبراليًّا- وهو في الأكثر لا من الليبراليَّة في شيء ولا من الأدب، بمقدار ما هو في صراع نفسيٍّ واجتماعيٍّ مؤدلَج- يُقدِّم مواعظه؛ فهو واعظٌ، بدَوره، ومن وجهة مَيله ونظره، أو قُل: هو داعيةٌ أيديلوجي. ذلك أنَّ أدعياء الحُرِّيَّة، والليبراليَّة، والعلمانيَّة، العَرَب منهم بخاصَّة، قد يعجبك خطابهم نظريًّا، لكن سرعان ما تكتشف أنه خطاب أُصولي مسيَّس أو مؤدلَج، كخطاب غيرهم، فلا حُريَّة هنالك ولا ليبراليَّة ولا علمانيَّة! لأنَّ هؤلاء كأولئك، أبناء البرمجة التربويَّة نفسها، التي ترَى: أنْ لا مكان في الوجود إلَّا للكراسي الأصوليَّة؛ ومن ثَمَّ فلا سبيل إلَّا بالانتقال من كرسيٍّ أصوليٍّ إلى آخَر! قلتُ:

ـ وبمناسبة مصطلح (العلمانيَّة)، هل ظلَّ له من معنى في عالمنا العَرَبي؟

ـ اضطرب العَرَب في ترجمة مصطلح (العلمانيَّة) اضطرابًا واسعًا، في مقابل المصطلح الإنجليزيSecular ، علماني، وSecularism، علمانيَّة. والشائع أنه يعني العِلميَّة، بكسر العَين، أي: عدم الإيمان إلَّا بالعِلم، وما يدلُّ عليه. على حين أنَّه يشير إلى الدُّنيويَّة، واللَّا دِينيَّة، أو عدم المبالاة بالدِّين ومقتضياته.

ـ كان بإمكان مترجم هذا المصطلح أن يختار مفردة أخرى بعيدة عن ذلك اللَّبس في المصطلح العَرَبي، يشير إلى التجرُّد من العواطف الدِّينية.

ـ ولاسيما أنَّ كلمة (Secular)  تبدو كأنَّها كلمة عَرَبيَّة!

ـ كيف؟

ـ لأنَّها تشير إلى السَّكِّ، وهو السَّد، مثل الصَّك. حتى إنَّ الناس باللَّهجة المِصْريَّة يصفون الإنسان غير المبالي بأنه: «راجل سَكَّة»، وحين تسألهم عن معنى هذه الكلمة، يقولون: معناها أنَّه «أيّ كلام»! والعلماني كذلك؛ لا يقيم وزنًا لا لدِين ولا لقيم اجتماعيَّة مرعيَّة.  ومن ثمَّ، يَصِحُّ القول إنَّ العلمانيَّ: رجل سَكَّة، مُنْسَكٌّ/مُنْصَكٌّ عن سِوَى مصالحه الدُّنيويَّة.

ـ هل نقول (السَّكَّة Secular) و(السَّكِّيَّة Secularism)، بدل (العلماني) و(العلمانيَّة)؟

ـ سبق السيف العذل! أمَّا بشأن الرواية العَرَبيَّة، التي كانت منطلق هذا النقاش في المساقات السابقة، فالحقُّ أنَّ معظمها ليست بأدبٍ، أصلًا، بمقدار ما هي مطايا لمواعظ فكريَّة، واجتماعيَّة، وأيديولوجيَّة. بل معظم كاتبيها لا يُحسنون قواعد العَرَبيَّة! فأيُّ أدبٍ ذاك؟!

ـ باتت الركاكة تُنعَت بالتجديد، والعِيُّ اللُّغوي يوشَّح بوسام الحداثة، والعُجمة توصف بالطليعيَّة، والسُّوقيَّة تقدَّم في زِيِّ التنوير والإبداع.

ـ في وقتٍ تُنعَت اللُّغة العَرَبيَّة السليمة والرصينة بأنها لُغة اتباعيَّة تقليديَّة. ولا عجب، فالمعوَّق يعاني من نزوع قَسْريٍّ نحو الدفاع عن شعوره بالنقص، بمهاجمة الأسوياء، في حالة نفسية من (الإسقاط Projection)، بالمفهوم (الفرويدي). وأيُّ عُجمةٍ أشدُّ من نصٍّ متفرنس، على سبيل النموذج، تكاد لا تفهم منه شيئًا، يأتيك بعنوان «ليلة الفلق»، لمستغرب عَرَبي؟! صاحبه قطعًا لا يُحسِن اللُّغة العَرَبيَّة، بدليل كتاباته ومؤلَّفاته، ثمَّ بدليل آخَر تجده من لقاءاته المسجَّلة، حتى إنَّه في بعضها قد يسأله المحاور باللُّغة العَرَبيَّة فيجيب بالفرنسيَّة!

ـ لماذا لا يكتب هذا بالفرنسيَّة، إذن، ليُترجَم عمله إلى العَرَبيَّة، إنْ كان حريًّا بالترجمة أصلًا؟ بدل أن يكتب بلغةٍ، لا أعجمية ولا عَرَبيَّة!

ـ هذه حال العَرَب مع لغتهم اليوم! وهو يوم، كما قال الشاعر: «مثل سالفةِ الذُّبابِ»! لا لقِصَره وطِيْبِه، بل لقِصَره وطِيْنِه، المطيِّن بستين طِينة!

ـ حال استلابٍ مخجل، وعبوديَّةٍ حُرَّةٍ للغرب والشرق. غير أنَّ الغرب أوَّلًا، وهو أَولى؛ من حيث هو سيِّد الأمس واليوم والغد!

ـ لذا حينما تزور عاصمة عَرَبيَّة، لا تستطيع تمييز هويَّة أهلها، لولا كتابة اسمها بالحروف اللاتينيَّة على مدخلها في المطار. يظن هؤلاء المساكين أنهم سيصبحون كالغرب حضارة ماديَّة إنْ تحدَّثوا بلغةٍ غَرَبيَّةٍ مكسَّرة، وإذا مَلؤوا شوارعهم بلوحاتٍ بالحروف اللاتينيَّة، بألسنة مستعمريهم في القرن العشرين والحادي والعشرين، فسمَّوا «وسط البلد»- كما كنا نسمِّيه أيَّام الجاهلية العَرَبيَّة- مثلًا: Downtown! لتشعر، أيُّها المواطن العَرَبيُّ المغلوب على لُغته، أنَّك تعيش في عاصمة التُّجار الأوباش (منهاتن)!

ـ لماذا هذا المنحدَر؟

ـ لأنَّ هؤلاء لا يدركون مَن هم؟ هذا إن كانوا عَرَبًا حقًّا! ولا يَعُون إلى أيِّ أُمَّة ينتمون؟ ولا أنَّ من يحاكونه لا يحترمهم، بل يزدريهم، وينظر إليهم كعبيد خانعين بالفعل، ثقافيًّا وعُنصريًّا. لكنَّهم يستمرؤون هذا وذاك. وستراهم يحاربون مَن يسعَى إلى إيقاظهم لتحريرهم من العبوديَّة. وهذه طبيعة راسخة دلَّ عليها التاريخ. فقديمًا قيل إنَّ المستعبدين في (الولايات المتَّحدة الأميركيَّة) رفضوا المحاولات التحريريَّة في عهد الرئيس الجمهوري (أبراهام لينكلون، - 1865)، الذي مات اغتيالًا، عن 56 سنة. وبدل أن يثوروا لتحرير أنفسهم بأنفسهم ثاروا ضِدَّ لينكلون لاستبقاء عبوديَّتهم. لأنَّ الحُرِّيَّة مسؤوليَّة، والعبوديَّة زريبة، يعيش فيها المستعبَد كدابَّة، يأكل ويشرب مجانًا، وربما يتكاثر أيضًا، وسوف يذبحه سيِّده متى شاء، ولكن ربما لم يشأ، فمنَّ عليه بالحياة وأعفاه من سكِّينة عيد الفِصح أو عيد الذَّبح الكبير. أمَّا الحُرِّيَّة، فمسؤوليَّة، وأمانة، ومواجهة، وتهديدٌ دائم. «لولا المشقَّة سادَ الناسُ كلُّهم»، كما قال جدُّك (أحمد بن الحسين)!

ـ أكثر من هذا أنَّ التردِّي اللُّغوي قد طال لغة التواصل مع الآخَر، ترجمة منه وإليه!

ـ التخلُّف بنية واحدة! نعم، لقد تردَّت الترجمة اليوم بتردِّي اللُّغة العَرَبيَّة والناطقين بها، إنْ كانوا ما زالوا ناطقين. غير أنها أفضل حالًا في غير عالمنا العَرَبي، وتلك مفارقةٌ دالَّة!  وإنْ شِئتَ شاهدًا على هذا، فما عليك سوى موازنة ترجمات بعض القصص العالميَّة، كقصص الروسي (أنطون تشيخوف)، نموذجًا، منشورةً في بعض المجلَّات العَرَبيَّة، خلال العقود الأُولى من القرن العشرين، مثل «المقتطف»، أو «الرسالة»، وغيرهما، بترجماتٍ لاحقةٍ للقاصِّ نفسه أو غيره، تكاد لا تفهم منها شيئًا؛ لأنَّها مكتوبة بلغةٍ شوهاء، لا عَرَبيَّة ولا أعجميَّة! وما تَردِّي الترجمات في العقود الأخيرة إلَّا وليد عاملين: تردِّي اللِّسان العَرَبي، وتحوُّل الترجمة في معظمها إلى تجارةٍ صِرف، كأكثر الأشياء في حياتنا اليوم. مع أنَّ المترجِم يأتيك مُقْعَنْسِسًا بأعلى الشهادات الجامعيَّة العُليا، ومدجَّجًا بأسمَى الألقاب، فيما عمله، ترجمةً، لا يدل على شيء ممَّا يدَّعي، بل هو، بالأحرى، لا يرقَى إلى مستوى ترجمة تلميذٍ كسولٍ في أحد أقسام اللُّغات والترجمة المتواضعة! وأفدح من هذا، أن تقرأ كتابًا في «تاريخ الأدب العَرَبي» لأستاذٍ جامعيٍّ، عمل- إلى أن توفي بجلطةٍ لُغويَّة- في أحد أقسام اللُّغة العَرَبيَّة في جامعة من جامعاتنا «العريقة»، فإذا أنت تقف على ما لا يصدِّقه عقل من الأخطاء اللُّغويَّة والأسلوبيَّة، وربما النحويَّة، التي لا تُقبل من طالبٍ في ذلك القسم. فما أعجب حالنا وحال اللُّغة العَرَبيَّة في عالمنا العَرَبي البائس!

ـ لماذا ظلَّ العَرَب في تخلُّفٍ مطَّرد، خلال قرنٍ واحدٍ، وغيرهم استمرَّ في تقدُّم مطَّرد، أو في أسوأ الأحوال في سكونٍ وثباتٍ على ما هو عليه؟!

ـ والَّذِي حَارَتِ البَرِيَّةُ فِيهِ

حَيَوانٌ مُسْتَحْدَثٌ مِنْ جَمَادِ!

تلك مسألة مركَّبة، ذات أدواء بنيويَّة، داخليَّة وخارجيَّة. سأحكي لك سالفتها في المساق المقبل، إنْ شاء الله.

* مرفأ:

أَرَىٰ هٰـذا الزَّمَـانَ أَبـًـا وأُمـًّـا

وأَشْبَـهَ بِالفَـتَىٰ عَـمًّـا وخَـالا

وقِـيْمَةُ كُـلِّ جَارِحَـةٍ جُـرُوْحٌ

تَبَـسَّـمُ بَـرْقُـهـا فِـيْـنـا خَـيَـالا

ولَوْلا غِـشُّ نَفْسِكَ ، يا جَهُوْلًا

لِنَـفْسِكَ، ما انْطَفَأْتَ فَـتًىٰ سُؤَالا

وكَمْ ذَا غَـشَّ مُهْـجَـتَـهُ أَمِـيْنٌ

ونَارُ جَـهَنَّمٍ تَـفْـلِـيْ القَـذَالا!

فلا تَسْمَعْ إلىٰ مَنْ صَاحَ: «إِنِّي...»،

وقِفْ وارْفَعْ لِوَا «إِنِّي» النِّضَالا

تَـمِيْدُ طُلَىٰ الدَّعَاوَىٰ كالزُّرَافَىٰ

وتَـقْصُرُ فـي تَطَاوُلِـهَا فَـعَـالا

فلا تَعِــدَنْ، فإنَّ الوَعْـدَ وَغْـدٌ

إذا جَـابَـلْـتَـهُ اقْـتَـادَ الجِـبَـالا

ووَعْـدُ الحُـرِّ يَمْلِكُـهُ كَعَـبْـدٍ،

وحُـرًّا باشِقًا يَـخْفِـيْ المُحَالا!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

ثمة آمال وتطلعات كبرى، معقودة على التعليم بكل مستوياته في كل الأمم والشعوب.. لأنه حجر الأساس لكل مشروعات التطور والتقدم.. فالتجارب الإنسانية جميعها، بشكل لا لبس فيه، تثبت أن تقدمها الاقتصادي والعلمي والحضاري، كله مرهون بتطوير عملية التربية والتعليم في مجتمعها..

فالتعليم هو الوسيلة الكبرى والفعالة، لانجاز مفهوم الاندماج والانسجام بين مختلف أطياف ومكونات المجتمع.. وهو الذي يهيئ الكوادر البشرية والكفاءات الإنسانية القادرة على بناء التطور والقيام بخطوات ملموسة في مشروع التقدم..

ومشروعات التنمية بكل مستوياتها، هي بحاجة بشكل دائم إلى تطوير التعليم بكل مراحله، حتى تردم الفجوة بين ما يأخذه الطالب في قاعات الدرس وحاجات السوق..

وبكلمة: إنه لا تقدم في أي مجتمع، وفي أي مجال من مجالات الحياة، بدون تطوير التعليم ومناهج التربية والتنشئة الوطنية..

وتنبع ضرورة الاهتمام بالعملية التربوية والتعليمية، من أن التعليم هو حجر الزاوية في مشروع التقدم والتطور الاجتماعي والثقافي..

فلا تقدم بلا تطوير تعليمي، ولا نجاح وطني، بدون العمل على بناء أسس متينة للعملية التربوية والتعليمية..

لهذا فإننا نعتقد أن التعليم هو أساس التقدم، وهو سبيلنا، لكي يكون لنا مكان تحت الشمس..

وعليه فإن الخطوة الأولى في مشروع التقدم هو العناية بالتعليم، لأن العناية به، هو مؤشر هام للقبول بأهمية وظيفة ودور العملية التعليمية في بناء التقدم الاقتصادي والاجتماعي..

ولكي تنجح في عملية التعليم،نحن بحاجة إلى حواضن مجتمعية تناقش مسائل التعليم، وتعمل على خلق المناخات الاجتماعية الإيجابية.. لهذا فإننا نقول: أن تطوير التعليم ضرورة وطنية وحضارية.. ووجود أصوات أجنبية، تطالب بتغيير بعض مناهج التعليم أو تطويرها، ينبغي أن لا يمنعنا من الاقتراب من هذا الملف الهام والحيوي..

نحن بحاجة إلى تطوير مناهجنا التعليمية، وهذه الحاجة ذاتية ووطنية.. لأننا كمواطنين نحن المستفيدون الوحيدون من عملية تطوير المناهج التعليمية..

لأنه لا يصح بأي حال من الأحوال، أن نواجه تحديات العصر ومتطلباته العلمية والتقنية بالإصرار على إبقاء ما كان على ما كان..

فالمجتمعات المتقدمة باستمرار، هي تفحص مناهجها التعليمية والتربوية، وتعمل عبر خبراء متميزون في التربية والتعليم، إلى إدخال تطويرات على المناهج التعليمية والتربوية بشكل سنوي ودائم..

فالمطالبة بتطوير التعليم، هي حاجة وطنية، ومن الضروري أن ننصت لهذه الحاجة.. لأن في عملية التطوير استجابة حيوية لمتطلبات التنمية الوطنية، وقراءة سليمة لتطورات العصر ومكاسب الحضارة الحديثة..

وعليه فإن المجتمعات التي تطمح إلى التقدم والتطور باستمرار، فإنها تمارس بشكل دائم عمليات الفحص والنقد والتطوير لمناهجها التربوية والتعليمية.. ولا تجد في هذه الممارسة، أي انتقاص لأي أحد.. لأن عملية التطوير هو القانون الثابت الذي ينبغي أن يسود في إدارة العملية التعليمية بكل مستوياتها..

فالعلاقة بين تطوير التعليم والتقدم بكل دوائره، هي علاقة السبب بالنتيجة.. فلا تقدم بدون تطوير مناهج التعليم، وأي تراجع على مستوى تطوير التعليم، سينعكس سليا على كل مشروعات التنمية والتقدم في مجتمعنا..

فالتقدم ليس رغبة مجردة، وإنما هو بناء متواصل للنفوس والعقول.. وهذا لن يتأتى بدون تطوير المناهج التربوية والتعليمية.. وحينما نقرأ تجارب الدول والمجتمعات، التي انتقلت من طور لآخر، واجترحت لنفسها تجربة لتطورها وتقدمها العام.. نجد أن من أهم وأوائل الخطوات التي قامت بها، هي تطوير التعليم في مجتمعها.. ففي التجربة اليابانية نجد أن من أوائل الخطوات التي قام بها الإمبراطور (ميجي) والذي يعد عصره، هو نقطة الانطلاق في مشروع التقدم العلمي والصناعي الياباني، هي تطوير المناهج التربوية والتعليمية اليابانية.. وفي جمهورية ألمانيا الغربية، التي خرجت من الحرب العالمية الثانية محطمة القوى، نجد أن تطوير التعليم هي من أوائل الخطوات التي قام بها الألمان للخروج من التداعيات الكارثية للحرب العالمية الثانية..

وفي الولايات المتحدة الأمريكية وتحديدا في بداية عقد الستينيات من القرن المنصرم، وبعد تداعيات أزمة خليج الخنازير، تداعت الإدارة الأمريكية للانخراط في مشروع إصلاح وتطوير التعليم..

وغيرها من التجارب التي تثبت أن مشروع التقدم العام، في أي مجتمع من المجتمعات، لا يمكن أن يتحقق بدون الانخراط في مشروع تطوير التعليم بكل مراحله ومستوياته..

من هنا فإننا من الضروري أن نؤكد في هذا السياق على النقاط التالية:

1-  إن الدعوة إلى ضرورة تطوير التعليم كسبيل إلى القبض على أسباب التقدم في مجتمعنا ووطننا، يقتضي العمل على إعطاء مشروع إصلاح وتطوير التعليم أولوية وطنية، لأنه من أهم المشاريع الوطنية، التي تستحق الدعم والرعاية وبذل الجهود النوعية..

لأن مشروع تطوير التعليم، ليس مسألة بسيطة وهينة، وإنما هو من المشروعات الوطنية، التي تتطلب تضافر جميع الجهود والطاقات، من أجل الوصول إلى نتائج ملموسة على صعيد التطوير..

لهذا فإن الخطوة الأولى على هذا الصعيد، هو إعطاء هذه المسألة أولوية وطنية قصوى..

2-  إن عملية إصلاح وتطوير التعليم الوطني، ليست عملية عشوائية أو سهلة المنال، وإنما هي بحاجة إلى خبراء ومتخصصون في التربية وصناعة المناهج، حتى نتمكن من الوصول إلى نتائج إيجابية على هذا الصعيد..

لهذا فإننا ندعو إلى خلق ورش فكرية وتربوية وطنية متخصصة، تستهدف بموضوعية وهدوء فحص المناهج التعليمية وتقويمها، وتحديد نقاط الضعف فيها كمقدمة ضرورية لتحديد معالم التطوير في المناهج التعليمية الوطنية..

فعملية التطوير التعليمي، تتجاوز مسألة أن يقوم أحد العلماء أو المختصين بكتابة منهج تعليمي جديد، وإنما هي بحاجة إلى مؤتمرات وطنية وورش فكرية وتربوية متخصصة، تناقش كل عناصر العملية التعليمية، حتى تتبلور عمليا واجتماعيا آفاق التطوير والإصلاح في العملية التعليمية الوطنية..

3-  إن وجود صاحب السمو الأمير فيصل بن عبد الله بن محمد على رأس وزارة التربية والتعليم، يجعلنا نعتقد بأن خيار التطوير الدائم لمناهج التعليم والتربية هو الخيار الذي تسير عليه الوزارة..

وعديدة هي الخطوات الإدارية التي قام بها معالي الوزير وتستهدف إحداث قفزات نوعية في أداء ومسيرة وزارة التربية والتعليم.. ونحن بانتظار المزيد من الخطوات التطويرية والإصلاحية في الحقل التعليمي.. كما أن دعوتنا إلى ضرورة تطوير التعليم الوطني في كل مراحله، هي منسجمة ورؤية ومشروع خادم الحرمين الشريفين لتطوير العمل التربوي والتعليمي الوطني..

وكلنا أمل بأن تترجم رؤية خادم الحرمين الشريفين الإصلاحية لحقل التعليم بشكل سريع ومتواصل، لأنها هي جسر العبور الوطني نحو المزيد من التألق والتميز..

***

محمد محفوظ

 

تفكيك بنيوي لمقايضة السلم الأهلي بنهب الأصول وإفراغ السيادة

ترتبط الجذور التاريخية والتحول الهيكلي لسياسات الهيمنة التوسعية الحديثة بمنعطفات كبرى شهدتها نهاية القرن التاسع عشر، والتي شكلت بداية الصعود الكوني للاستعمار الاقتصادي العابر للحدود التقليدية للقارات. لم يعد هذا الاستعمار الحديث، في طوره الراهن بشقيه الاقتصادي والعسكري، بحاجة إلى تسويغات أخلاقية تبرر سعيه لفرض نفوذه وموازين قوته خارج أطر القانون الدولي التقليدي ومبدأ السيادة المتساوية بين الدول. في هذا النظام العالمي الجديد، تمثل الشركات العملاقة عابرة القارات الكيانات الأكثر تأثيراً في صياغة سياسات الدول النامية؛ نظراً لامتلاكها موارد مالية ضخمة تفوق ميزانيات دول بأكملها، فضلاً عن حصولها على تسهيلات دبلوماسية، واستخباراتية، وتدخلات عسكرية مباشرة لحماية استثماراتها الاحتكارية ومصالحها الحيوية.

تتلازم هذه الهيمنة الاقتصادية مع التبعية الثقافية تلازماً بنيوياً حتمياً؛ إذ تشترط التبعية المادية وجود أطر فكرية واجتماعية تدعمها وتكرسها بالضرورة في وعي الشعوب المغلوبة. وتعمل هذه الهيمنة عبر قنوات "القوة الناعمة" والاستعمار الرقمي الحديث الذي يتوسع ليتكامل مع تأثير التكتلات الإعلامية والتقنية الكبرى، بهدف فرض أنماط استهلاكية معولمة وتفكيك البنى الاجتماعية والثقافية الأصيلة للدول المضيفة. ويترتب على هذا التوغل نتائج كارثية تؤدي إلى تشويه الهوية الوطنية، وبث الشك في الكفاءة الذاتية للمجتمعات، وفقدان احترام الذات الجمعي، مما يسهل في نهاية المطاف إخضاع القرار السياسي والمالي الوطني عبر التهديد المستمر بسحب الاستثمارات أو نقل المصانع ورؤوس الأموال إلى الخارج.

إن النظام المادي المعاصر يتجاوز حدود كونه مجرد أسلوب لإدارة العلاقات النقدية أو سياسات مالية قائمة على الخصخصة والتحرير المالي؛ بل إنه يتجلى كبرنامج كلي لإعادة الهندسة الثقافية والاجتماعية والوجودية، يهدف إلى صياغة مجتمعات تسودها ثقافة السوق والمنفعة بالكامل. في هذا الإطار الفلسفي، يجري السعي بلا كلل لتسليع كل مجال من مجالات الوجود الإنساني، بدءاً من الثروات الطبيعية والبيئة وانتهاءً بالبيانات الحيوية وانتباه البشر وتوجيه سلوكهم اليومي. يحدث هذا كله عبر عنف بنيوي ورمزي يعيد إنتاج علاقات الهيمنة من خلال احتكارات معرفية وتقنية معقدة، تضمن تدفق القيمة الفائضة والثروات المنهوبة من دول الأطراف الهامشية نحو مراكز النفوذ العالمي.

في هذا السياق المتأزم، تنشأ "الدولة السائلة أو الهلامية" على أنقاض الدولة الاستبدادية التقليدية. وفي هذه الدولة الجديدة، لا يوجد شيء صلب أو مستقر في بنيتها المؤسساتية، بل تسود حالة من السيولة والاختلاط التام بين مفاصل الحكم والشبكات غير الشرعية؛ فلا هيبة حقيقية للسلطة، ولا خطوط واضحة تفصل بين المؤسسة القانونية ومجموعات المصالح النافذة. وفي هذه الكيانات الضعيفة، لا تعمل شبكات المصالح العميقة بشكل خفي أو سري في الظل، بل إن المجاميع الناشطة في الإفساد والاستغلال تمارس أنشطتها التخريبية علانية على سطح الدولة التي تتشكل وتتراجع في آن واحد. وتتحكم السياسة المعاملاتية النقدية في السياسة المؤسساتية، حيث يجري تداول القوة، والمناصب العامة، والولاءات السياسية كسلع رخيصة تخضع لقوانين العرض والطلب، وبأسعار يحددها حجم التدفقات المالية القادمة من الخارج والقدرة على استخدام أدوات الضغط والترهيب، مما يحول البلد بأسره إلى ساحة مفتوحة لـ "مزاد الولاءات".

ترتبط هذه الهشاشة المؤسساتية بما يُعرف بـ "لعنة الموارد"؛ حيث تحقق الدول الغنية بالنفط والغاز والمعادن غالباً نتائج اقتصادية واجتماعية أسوأ بكثير من نظيراتها الفقيرة التي تفتقر لتلك الثروات. إذ تتحول وفرة الموارد في الدول الهشة إلى غنيمة كبرى تتنازعها القوى المحلية المحمية بالخارج والنخب الحاكمة الفاسدة. ولا تصبح الموارد لعنة في ذاتها، بل عندما تُدار في ظل نظم سياسية واهنة والاستبداد المالي المطلق. وهنا تحديداً تنشأ ديناميكية "عقد السفيه" كأداة قانونية وسياسية مضللة لتمرير اتفاقيات شائنة، تقوم في جوهرها على مقايضة السلم الأهلي الموهوم وتجنب الغضب الشعبي والاضطرابات الآنية، بتصفية الأصول الاستراتيجية للدولة وإفراغ مؤسساتها الخدمية والتنموية من مضمونها السيادي. ويتخذ هذا النهج طابع التدمير الممنهج لثروات الأجيال القادمة وحقوقها، مقابل الحصول على قروض استهلاكية عاجلة تضمن بقاء النخبة السياسية في سدة الحكم وتضمن صمت الجماهير المؤقت.

لقد انحصر الفقه القانوني والشرعي التقليدي طويلاً في معالجة السفه كحالة فردية معزولة ترتبط بنقص الأهلية الشخصية، ولم يبين حكمه ومخاطره باعتباره ممارسة جماعية ومؤسساتية منظمة تصيب الأنظمة السياسية وقوى الأمر الواقع. فالسفه المعاصر لم يعد متمثلاً في تبذير آحاد الناس لأموالهم الخاصة في وجوه غير نافعة، بل صار نهجاً بنيوياً مدبراً يمارسه بعض حكام الهامش عبر تبديد ثروات الأمة والإنفاق المحموم لإشعال الصراعات الداخلية، أو تقديم مئات المليارات في صيغة هبات وجزية مقنعة للقوى العظمى لتأمين صمتها ودعمها السياسي للبقاء في السلطة، في وقت تتضور فيه شعوبهم جوعاً وتعاني من الفقر والمجاعات وغياب الخدمات الأساسية.

يسهم حقل علم الإنسان الاقتصادي في تقديم تحليل ثقافي وعلاقاتي عميق لظاهرة الفساد، يتجاوز الرؤى الغربية والأخلاقوية السائدة التي تربط انخفاض معدلات التنمية بالفساد الأخلاقي الفردي بطريقة استعلائية تختصر المشهد المعقد في مقولة إن "الدول النامية فقيرة لأنها غير شريفة". بدلاً من ذلك، يدرس علم الإنسان شبكات المحسوبية والرشاوى الصغيرة كظواهر تبادل اجتماعي مشوهة، نتجت بالأساس عن تسلط البنى الاقتصادية الرسمية العابرة للحدود، وتوغل آليات السوق المتوحشة وسياسات الخصخصة الشاملة المفروضة من الخارج، مما أدى في النهاية إلى ما يمكن تسميته بـ "هيكلة الاحتيال" وجعله ممارسة يومية مقبولة.

إن تعميم منطق السوق والمصلحة الفردية الضيقة قد أدى إلى تدمير "الاقتصاد الأخلاقي" القائم على الالتزامات التبادلية والواجبات المدنية والأخلاقية المشتركة التي كانت تحمي المجتمعات عبر شبكات التضامن والتكافل غير القائم على البيع والشراء. ومع انسحاب الدولة من أدوارها الرعائية وتحول لغة المال إلى المعيار الوحيد لتقييم الوجود البشري وقيمة الأفراد، جرى استبدال هذه المنظومات بآليات احتيال هيكلية اعتيادية تُفرزها وتمنحها الشرعية قيم السوق المتوحشة. وتتبدى مظاهر هذا الانهيار الأخلاقي والاجتماعي على المدى البعيد في تطبيع ثقافة الجشع؛ حيث تتداخل الممارسات التجارية المشوهة والفساد مع السعي الفردي اليومي للبقاء، وتتحول قيم الأنانية والمادية المفرطة إلى معايير وحيدة للنجاح والتكيف الاجتماعي.

تقدم الذاكرة التاريخية للشعوب نماذج فجة لهذا التمكين الاستعماري القسري؛ إذ لم يكن الهدف من تدبير الانقلابات العسكرية ضد النظم الوطنية في سبعينيات القرن الماضي مجرد إسقاط حكومات أو تغيير شخوص السلطة، بل كان الهدف الحقيقي هو القضاء التام على فكرة بناء سيادة اقتصادية مستقلة في دول الجنوب العالمي، وتحويل تلك الدول إلى مختبرات تجريبية مبكرة لفرض التحررية الاقتصادية المتطرفة بالقوة العسكرية، عبر الخصخصة الجبرية للثروات وتفكيك بنية الدولة الاجتماعية لحماية مصالح الشركات الاحتكارية الاستعمارية المستفيدة من المعادن والموارد الاستراتيجية.

إن مواجهة آليات الهيمنة المركبة هذه تتطلب صياغة استراتيجية وطنية وقانونية متكاملة، تفكك البنية الحقوقية لتلك الاتفاقيات الشائنة وتواجهها بأدوات وطنية أصيلة ترتكز على محورين تنفيذيين رئيسيين:

أولاً: دسترة حماية الأوقاف والمال العام، وصياغة قواعد دستورية صارمة ومانعة تقيد قدرة أي حكومة، أو سلطة أمر واقع، على التصرف في المرافق الاستراتيجية والأوقاف العامة أو بيعها تحت أي مسمى.

ثانياً: إن أولى خطوات الانعتاق والتحرر من ربقة الديون البغيضة وعقود السفه تتمثل في السعي الجماعي لإحداث عملية "فك ارتباط" حقيقية، تهدف إلى إخضاع العلاقات الاقتصادية والتبادل الخارجي لمتطلبات التنمية الوطنية الذاتية، وتطهير الفضاء المعرفي والأكاديمي من سطوة الهيمنة التقنية الجديدة.

يتطلب هذا المسار بالضرورة استعادة التضامن الأخلاقي العضوي للمجتمعات، وبناء "المؤسسات الشاملة" البديلة التي تحمي حقوق المواطنين وتوزع القوة السياسية والاقتصادية بشكل عادل ومتساوٍ بين أفراد الشعب، تمهيداً لبناء نظام وطني بديل يستند إلى العدالة الإنسانية الحقيقية والتنمية المستقلة للشعوب الحرة.

***

غالب المسعودي

 

في أعماق كل إنسان قبو مظلم، رطب، يتردد فيه صدى صرخة طفل. لم نتركه هناك بالصدفة. أغلقنا الباب، رمينا المفتاح، وصعدنا إلى عالم النور نبتسم. كان الطفل جريحاً، مثخناً بالجراح التي لم نجرؤ على النظر إليها. كان يمثل كل ما رفضناه في أنفسنا: الضعف، الحاجة، الخوف الوجودي، الرغبة المتوحشة في أن يُحب دون شرط. فتركناه ينزف.

ثم، بعد سنوات، عندما نسمع خطوات ثقيلة تتردد من تحت الأرض، نندهش. الطفل لم يمت. لقد تحول إلى وحش.

العقد التي نكرهها ونعشقها في الوقت ذاته

العنوان ليس مجرد تناقض بليغ، بل هو تشخيص دقيق للحالة الإنسانية. نحن لا نتخلص من عقودنا — سواء كانت علاقات سامة، وظائف تخنق الروح، هويات زائفة، أو حتى أنماط تفكير مدمرة — لأننا، في أعماقنا، لا نريد ذلك حقاً. العقد ليست مجرد قيود خارجية؛ هي امتداد للطفل الجريح الذي ما زلنا نرفض مواجهته. نحبه بطريقة مرضية، لأنه يعرفنا أكثر مما نعرف أنفسنا.

يصف كارل يونغ هذا الطفل بـ”الظل” (the Shadow). ليس الشر المطلق، بل كل ما نفيناه لكي نكون “مقبولين”. الطفل الذي تركناه في القبو يمتص الطاقة، ينمو، يشوه نفسه. ثم يبدأ في السيطرة: يجعلنا نعود إلى الشخص الذي يؤذينا، يدفعنا نحو الإدمان الذي يخدر الألم، يهمس لنا أن الحرية مخيفة أكثر من السجن المألوف.

في مقاله الشهير “The Wound and the Bow”، يستعير إدموند ويلسون أسطورة فيلكتيتس — الجندي الذي يحمل جرحاً لا يلتئم، لكنه يمنحه قوة قوسه السحري. الجرح هو مصدر القوة والعذاب معاً. نحن نرفض شفاء الجرح لأننا نخشى أن نفقد القوس. العقد تصبح هويتنا. “أنا الذي يتحمل”، “أنا الوفي رغم كل شيء”، “أنا الذي يفهم الوحش بداخله”. هذه السرديات تعطينا إحساساً بالعمق والتميز، حتى لو كانت تدمرنا.

لماذا نحب الوحش؟

الإجابة تكمن في الطفولة المتروكة. الطفل الجريح تعلم أن الحب مشروط. فتعلم أن يحول نفسه إلى ما يُحب: الضحية، المنقذ، الثائر، المهمل، الذكي الذي يخفي ألمه بذكاء. عندما يكبر هذا الطفل إلى وحش، يصبح هو العقد نفسها. نحن لا نكسرها لأن كسرها يعني مواجهة الفراغ الذي خلفه الطفل. الوحش، على الأقل، يملأ الفراغ. يعطينا دراما، معنى، قصة نرويها لأنفسنا وللآخرين.

في علم النفس المعاصر، يتحدث بيسيل فان دير كولك في كتابه “The Body Keeps the Score” عن كيفية أن الصدمات لا تُخزن فقط في الذاكرة، بل في الجسد والسلوكيات المتكررة. الوحش ليس غريباً عنا؛ هو نحن عندما نرفض أن نكون كاملين. هو النسخة التي ما زالت تطالب بالحب الذي لم تحصل عليه، حتى لو كان الحب الآن مؤلماً أو مدمراً.

نرى ذلك في العلاقات: المرأة التي تبقى مع الرجل الذي يجرحها لأنه “يفهم جروحها” (أي يعيد تمثيلها). الرجل الذي يعود إلى العمل الذي يكرهه لأنه يؤكد له “أنا مسؤول”. المبدع الذي يعشق آلام الإبداع المزمنة لأنها تذكره بأنه حي.

مواجهة الطفل: الطريق الوحيد للحرية الحقيقية

التحرر الحقيقي ليس عنفاً على الوحش، بل إعادة احتضان الطفل. يونغ مرة أخرى: “ما لم يصبح اللاواعي واعياً، سيظل يوجه حياتك وستسميه القدر”. يجب أن ننزل إلى القبو، نجلس مع الطفل الجريح، نسمع صراخه دون أن نهرب. لا نقتله، ولا نتركه يسيطر. نحاوره.

هذا الحوار مؤلم. يتطلب شجاعة نادرة في زمن يبيع فيه العالم “الشفاء السريع” و”التحرر بالتأكيدات الإيجابية”. الشفاء الحقيقي بطيء، غير مريح، ولا ينتهي أبداً تماماً. لكنه الوحيد الذي يحول الوحش من سيد إلى حليف.

عندما نفعل ذلك، نكتشف شيئاً مذهلاً: العقود التي كنا نعتقد أننا نحبها لم تكن سوى أوهام. الحب الحقيقي للذات يسمح بالرحيل دون كراهية. يسمح للطفل أن ينمو، لا أن يتحول إلى وحش.

خاتمة: أنت تحبها… فماذا الآن؟

أنت لا تتحرر من عقدك لأنك تحبها. هذا صحيح. لكن السؤال الأعمق: هل تحب الطفل الذي داخلها؟ هل أنت مستعد أن تنزل إلى القبو الآن، وأنت بالغ، وتحمله على كتفيك إلى النور؟

الوحش ليس عدونا. هو رسول. يخبرنا أن هناك طفلاً ما زال ينتظر. وفي لحظة الاعتراف به، يبدأ التحرر — ليس بالكسر العنيف للأغلال، بل بتحويلها إلى جسور.

في النهاية، الحرية ليست غياب العقود. الحرية هي اختيار العقود التي تستحق أن تُحب، بعد أن تكون قد أحببت أولاً الطفل الذي كان يريد فقط أن يُرى.

***

بقلم: ذ يونس الديدي - باحث أكاديمي

مما لا شك فيه أن مستقبل التعليم الجامعي لم يعد سؤالًا مؤجلًا إلى العقود المقبلة، بل أصبح قضية نعيشها كل يوم ونحن نتابع التحولات التي تُحدثها تطبيقات الذكاء الاصطناعي في قاعات الدرس، وفي مختبرات البحث، وحتى في الطريقة التي يكتب بها الطلبة تقاريرهم ومشاريع بحوثهم.

أشعر بأن الجامعة تقف اليوم أمام منعطف تاريخي يشبه تلك اللحظات التي غيّرت فيها الطباعة وجه المعرفة، أو التي فتحت فيها شبكة الإنترنت أبوابًا جديدة للتعلم. غير أن ما يحدث الآن يبدو أكثر عمقًا، لأننا لا نتعامل مع وسيلة جديدة لنقل المعرفة فحسب، بل مع أدوات قادرة على إنتاج النصوص، وتحليل البيانات، واقتراح الأفكار، والإجابة عن الأسئلة في ثوانٍ معدودة.

كلما تأملت هذا المشهد، ازددت اقتناعًا بأن الأزمة الحقيقية ليست في وجود الذكاء الاصطناعي، وإنما في بقاء الجامعة حبيسة نماذج تعليمية تعود إلى القرن الماضي. فما زالت كثير من المؤسسات الجامعية تقيس نجاح الطالب بقدرته على حفظ المعلومات واسترجاعها في الامتحان، بينما أصبحت تلك المعلومات متاحة بضغطة زر، بل إن الخوارزميات قادرة على تلخيصها وترتيبها وشرحها بلغات متعددة. لذلك لم يعد السؤال الذي يشغلنا هو: هل سيستخدم الطلبة الذكاء الاصطناعي؟ لأنهم يستخدمونه بالفعل. وإنما أصبح السؤال الأكثر أهمية: هل ستتمكن الجامعة من إعادة تعريف رسالتها في زمن أصبحت فيه المعرفة نفسها سلعة متاحة للجميع؟

وأعتقد أن الأستاذ الجامعي سيواجه خلال السنوات المقبلة اختبارًا غير مسبوق. لقد اعتدنا أن يكون الأستاذ المصدر الأول للمعلومة، وصاحب السلطة العلمية داخل المدرج. أما اليوم، فإن الطالب يدخل القاعة وقد ناقش فكرة الدرس مع مساعد ذكي، واطلع على مراجع عالمية، وحصل على شروحات متعددة قبل أن يسمع المحاضرة. وهذا الواقع لا يقلل من قيمة الأستاذ، بل يدفعه إلى الانتقال من دور الملقن إلى دور الموجه، ومن ناقل المعرفة إلى صانع التفكير النقدي.

إنني لا أخشى أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الأستاذ، لأن العلاقة الإنسانية في التعليم لا يمكن اختزالها في خوارزمية. فهناك الإلهام، والحوار، والقدرة على اكتشاف مواهب الطلبة، وإثارة فضولهم العلمي، وهي عناصر يصعب على أي نظام آلي أن يؤديها بالكفاءة نفسها. لكنني أخشى أن يفقد بعض الأساتذة قدرتهم على التكيف مع هذا التحول إذا ظلوا يرفضون التعامل مع التقنيات الجديدة باعتبارها تهديدًا لا فرصة.

وفي المقابل، أجد نفسي أكثر قلقًا بشأن وضعية الطالب. فالذكاء الاصطناعي يمنحه سرعة هائلة في إنجاز الواجبات، لكنه قد يسلبه متعة البحث، وصبر القراءة ومسافاتها المرهق، ومشقة التفكير الطويل. لقد أصبحت بعض التقارير الجامعية تُنتج في دقائق، بينما كان إعدادها يستغرق أسابيع وشهورا . وهذا يدفعني إلى التساؤل: هل نحن نصنع خريجين أكثر معرفة، أم أكثر اعتمادًا على الآلة؟

إنني أؤمن بأن الجامعة التي ستنجح في المستقبل هي تلك التي ستغير فلسفة التقييم بالكامل. فالامتحانات التي تعتمد على الحفظ ستفقد معناها تدريجيًا، لأن أي نظام ذكي يستطيع تقديم الإجابة النموذجية بسرعة تفوق سرعة الإنسان. أما الاختبارات التي تقيس القدرة على التحليل، والنقد، والإبداع، والعمل الجماعي، وحل المشكلات الواقعية، فهي التي ستصبح المعيار الحقيقي للكفاءة الأكاديمية.

وأتصور أيضًا أن البحث العلمي سيشهد ثورة غير مسبوقة. فالذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على تحليل ملايين الوثائق العلمية في وقت وجيز، واكتشاف العلاقات بين البيانات، واقتراح فرضيات جديدة للباحثين. وهذا يعني أن الباحث الجامعي لن يقضي معظم وقته في جمع المعلومات، بل سيتفرغ أكثر للتفسير، والنقد، وابتكار الأسئلة الجديدة. وهنا تكمن القيمة الحقيقية للعقل البشري؛ فليست المشكلة في الوصول إلى المعلومة، وإنما في فهم معناها، وربطها بسياقاتها الإنسانية والاجتماعية والثقافية.

وأشعر كذلك بأن الحدود التقليدية بين التخصصات ستصبح أقل صلابة. فالطبيب سيحتاج إلى معرفة أساسية بعلوم البيانات، والمهندس سيحتاج إلى فهم أخلاقيات الذكاء الاصطناعي، والأديب سيجد نفسه مدعوًا إلى استيعاب التحولات الرقمية التي تعيد تشكيل مفهوم الإبداع. لذلك لن تكون الجامعة الناجحة هي التي تكدس المقررات، بل التي تفتح جسورًا بين العلوم المختلفة، وتُعد طالبًا قادرًا على التعلم المستمر طوال حياته.

ولا يمكنني الحديث عن مستقبل التعليم الجامعي دون التوقف عند البعد الأخلاقي. فالذكاء الاصطناعي يثير أسئلة معقدة حول الأمانة العلمية، والملكية الفكرية، وحقوق المؤلف، وحدود استخدام المساعدات الرقمية في إنجاز البحوث. وأرى أن الجامعة مطالبة بوضع مواثيق واضحة تحدد الاستخدام المشروع لهذه الأدوات، بحيث يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شريك في التعلم، لا إلى وسيلة للغش أو التحايل الأكاديمي.

ومن زاوية أخرى، أعتقد أن الجامعات المغربية والعربية عموما تمتلك فرصة تاريخية لتجاوز بعض الفجوات التي عانت منها لعقود. فبفضل الأدوات الذكية أصبح الوصول إلى أحدث الأبحاث العالمية أكثر سهولة، وأصبح بالإمكان ترجمة المصادر، وتحليلها، والاستفادة منها بسرعة كبيرة. لكن هذه الفرصة لن تتحول إلى إنجاز حقيقي إلا إذا رافقتها إصلاحات في المناهج، وتطوير للبنية الرقمية، واستثمار جاد في تكوين الأساتذة والباحثين.

وأنا أتأمل هذا المستقبل الملتبس، لا أرى نهاية للجامعة، بل أرى بداية مرحلة جديدة في تاريخها. فالجامعة التي ستبقى مؤثرة ليست تلك التي تكتفي بمنح الشهادات، وإنما التي تصنع العقول القادرة على طرح الأسئلة الحقيقية والصحيحة، حتى عندما تقدم الآلة إجابات تبدو كاملة. لأن المعرفة الحقيقية لا تُقاس بعدد المعلومات التي نحفظها، بل بقدرتنا على الشك، والمراجعة، والابتكار، وإعادة اكتشاف العالم.

ولهذا السبب، فإنني أنظر إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه امتحانًا للجامعة أكثر مما هو امتحان للطالب. فإذا أحسنت الجامعات استثمار هذه الثورة التقنية، فإنها ستخرج أجيالًا أكثر قدرة على التفكير والإبداع والمنافسة عالميًا. أما إذا اكتفت بمقاومتها أو تجاهلها، أو توبيخ من يستغلها فإنها ستخاطر بفقدان دورها التاريخي كمحرك للمعرفة وصانع للنخب.

وفي النهاية، يبقى اقتناعي راسخًا بأن مستقبل التعليم الجامعي لن تصنعه الخوارزميات وحدها، بل سيصنعه الإنسان الذي يعرف كيف يستخدمها بحكمة، ويُخضعها لقيم العلم، وأخلاقيات البحث، ورسالة الجامعة في خدمة المجتمع والإنسانية.

***

عبده حقي

 

لن أتحدث عن نسبيّة الجمال؛ فمن البديهي جدا أن اعتبار ما هو جميل حكمٌ تتفاوت فيه أنظار الناس، ولن أتحدث عن الدافع الفسيولوجي الذي يجعلنا أنصارًا للجمال أعداءً للقُبح؛ فمهما تكن ماهيته، فهو أمر حاصل لا محالة، وواقع ماثلٌ أمام أعيننا يجب أن نتعاطى معه، وهذا هو المهم، وإن كان فهمُ الجذور لا يقلّ أهميةً بَداهَةً.

الجمال قطاع عريض، تتنوّع أوجهه وإسقاطاته، فمنه السمعي ومنه المرئي ومنه المعنوي ومنه ومنه، بَيْدَ أني أركز حديثي هُنا على الجمال البصري، كما أني أستصحب في دهشتي سؤالا مركزيا واحدا يدور بخَلَدي، وهو:

أنحبُّ الجمال البصري لشكله وبريقه وظاهره وذاته استقلالا، أم لحمولة المعنى والإحساس القابعة فيه والمتدلّية منّا؟

ومُؤدّى السؤال: آلجمال تفاعلٌ أو وجودٌ خارجي؟ أهو تفاعلٌ يأخذ منا ويسكبه فيما نُعجَبُ به؟ أم هو وجودٌ مستقلٌ عنا وغير متّكئ علينا؟

فإذا كانت الأولى، فهل الجمال هو لغةٌ مشفّرة من الكون ليكشف لنا عن شيء ما، وجعلنا نلتفت للجمال لنلتفت بدورنا إلى سرٍ ما مُوْدَعٍ في قلب الجمال؟ أم هو ارتدادٌ مستتر لنفوسنا تودّ أن تبعث لنا صرخةً ما، فما وجدتْ سبيلا لهاته الصرخة إلا الجمال؟

وإن كانت الثانية، فكيف يمكن تصوّر مُدرِكات لا تبصر الجمال كما نفعل نحن؟ وماذا لو تمرّدنا على سؤالنا، ووسّعنا الدائرة، لنعيد صياغته ليكون: أتدرك الكائنات الأخرى الجمال؟ وإذا كان الجواب بنعم فهل لها معايير مختلفة؟ وماهي؟ ثم أيدرك الجمالُ جمالَه؟ أتدرك الوردة رونقها، وأيدرك الليل سحره؟ أيدرك المطر عذوبته؟

 أضِف لذلك أننا لو استحضرنا ثنائية الجمال والقُبح، فهل للجمال وجودٌ أصلا؟ أم هل أنه مجرد مسافة تضعها عقولنا لتنظيم فوضى الأشياء، أمْلَتْها عليها طبيعة المقارنة، فلولا القبح والنشاز وتباين مستويات الجمال، لكان كل شيءٍ لا يعدو كونه عاديًا طبيعيا متماثلا فاقدا أيّ تميّز؟

مهما يكن من أمر، فنحن أمام واقع نعيشه ليل نهار، والجمال بهذا الاعتبار له وجودٌ نقيم الدنيا ونقعدها لأجله،

فالانقياد للجمال مُبرمَجٌ فينا على نحو مرعب، فها نحن الرجال مثلا نرى أن الأنثى أجمل مظاهر الطبيعة، فهل الأنثى رسالة؟ أهي انعكاس؟ أهي قطعة تنقصنا؟ هذا أو ذاك أو غيره، إننا نتخذ خطوات جبّارة؛ كَرْمَى هذا الجمال الأنثوي، من حروب ضروس إلى تضحيات جِسام وسفك للدماء، فتأثير الجمال في حياتنا لا يمكن دَحضه ولا القفز عليه بأي حال من الأحوال.

ومحاولةً لتقديم إجابة على سؤالنا المحوري، فإني أجدني عاجزا عن تجاوز وجود حقيقي لحمولة المعنى والشعور لِما نراه جميلا، فما الجمال إلا حركةٌ بندولية بيننا وبين الجميل أكان كائنا ثابتا أم متحركا، بشرا أم حيوانا، من نتاج الطبيعة أو صنع الإنسان، إنه تفاعلٌ على بُعدٍ غامض، يحمل في تضاعيفه ويخبئ بين طيّاته معانٍ مطبوعة في أنفسنا، ومشاعر تستوطننا، ولتفاوت هذا التفاعل فإنه يمكن للواحد منّا أنّ يمر بالجمال ولا يبصره، أن يعبر بالجمال ولا يستشعره، أن يقف إزاءَ الجمال ولا يحرّك فيه ساكنًا، ولفيلسوف الحياة كلمة سائرة وحكمة ماضية في هذا، إذْ يقول في إحدى قصائده العصماء:

والذي نَفسُهُ بغير جَمالٍ***لا يرى في الوجود شيئًا جميلا

ويختمها بقوله:

كُنْ جميلا ترَ الوجود جميلا

جمال المرئيات هو ابن الشعور، والتغذية البصرية للإنسان مصدرٌ يتجاوز بُعد المادة وسطوتها! فمن يحيط نفسه بالجمال فهو محفوف بكثافة من المعاني المدهشة والأحاسيس المتخمة بالحياة، وحمولةُ الجمال من المعنى والشعور سخيّة في عطائها، وهي - إنْ جازَ لي - تردُّ المعروف إلينا بما أنّ لنا نصيبًا من هذا الجمال من حيث كوننا فاعلين لا مجرد متلقّين، فالجمال نتيجةٌ لنا دورٌ فيها، وليست شيئا منفصلا نُمنَح إياه، الجمال امتداد لنا، ولولانا لما كان له وجود، غير أن دورنا خفيٌ لا ندركه، عصيٌ على التعقّل، لكننا نلمسه فينا بكل جلاء، وما يحركه الجمال فينا لا يمكننا نكرانه، ولا يمكن للجمال العَبث بقلوبنا مالم تكن قلوبنا تتآمر معه بلغة مشتركة يستوعبها كلاهما؛ ومن ذاك يُراودنا الجمال جِيئةً وذهابًا بسلاسة مُلْغِزَة!.

***

محمـــد سيـــف

مدخل: لا مناص أن الطائفية في العالم الإسلامي ليست مجرد خلاف مذهبي متوارث، عند التأمل الأعمق، تكتشف بوصفها إحدى أكثر البنى تعطيلًا للمشروع الحضاري المسلمين، كونها لا تقف عند حدود الاختلاف العقدي أو الفقهي المشروع، وإنما تتجاوز ذلك عندما تصبح منطق شامل في تشكيل الوعي، وأداة لإعادة توزيع الولاءات، نظام لغوي تُدار به الخصومات السياسية والاجتماعية، حتى يغدو الانتماء المذهبي أقوى من الانتماء إلى الأمة، وأصلب حضوراً ورسوخاً من فكرة العمران الجامع المانع والمشترك بين التنوعات المسلمة.

وعليه السؤال عن تفكيك الطائفية ليس سؤالاً ثانوياً قابل لتأجيل الإجابة عنه في الفكر الإسلامي المعاصر، بل هو سؤال أساسي واستعجالي واي تخاذل عن خوض غمار تفكيكه سيمسّ قلب مشروع النهضة: كيف يمكن لأمة منقسمة في داخلها أن تنتج حضارة متماسكة في الخارج؟ هذه المسألة مصداقيتها أنها تكشف عن خلل يتجاوز المجال الديني الضيق، حيث لما تتجذر الطائفية، يصبح الخلاف وسيلة للتعبئة، وتكون الذاكرة مجالاً لإعادة خدش الجراح بدل مداواتها، وينتج التنوع الخوف المتبادل. عندئذٍ لا تصبح النهضة مجرد مشروع اقتصادي أو إداري، بل تصبح بالدرجة الأولى مشروعاً لتحرير الوعي من الانحباس داخل الهويات المغلقة القاتلة لأي فكرة حية، مع إعادة بناء الثقة بين مكونات الجماعة الحضارية الواحدة، لذلك لا يمكن تصور الطائفية بوصفها مجرد "مشكلة علاقات بين مذاهب إسلامية"، لأن هذا التوصيف يموه وزنها البنيوي، ويُبقيها في حدود الأخلاق العامة، بينما هي في الواقع تمسّ شروط الاجتماع العام والخاص للمسلمين، ويشوه نوعية المعرفة الدينية، وطبيعة التمثّل الرمزي للذات والآخر.

إشكاليات الطائفية

ينطلق هذا البحث من سؤال مركزي مفاده: كيف يمكن تفكيك الطائفية باعتبارها عائقاً بنيوياً أمام مشروع النهوض الحضاري، من دون الوقوع في إنكار التنوع المذهبي أو مصادرة حق الاختلاف؟ كما ينحدر عنه عدة إشكاليات داعمة: ما الذي يجعل الطائفية تتحول من مجرد اختلاف إلى نظام انقسام؟ وكيف أسهمت البنى السياسية والمعرفية في ترسيخها؟ وما نوع التحول المطلوب في الخطاب الديني والمؤسسات التربوية والمجال العام حتى يتحول التنوع المذهبي من مصدر توتر إلى مصدر غنى حضاري؟

مأزق الطائفية

لا يمكننا ان ننظر للتنوع المذهبي في ذاته كمشكلة، بل هو جزء من التاريخ الإسلامي ومن طبيعته الاجتهادية الواسعة، بينما المشكلة تبدأ حين لا يُدار هذا التنوع ضمن أفق مرجعي جامع، او يُنزَع من سياقه العلمي ليصبح علامة على الاصطفاف والعداء والتسقيط واللاتسامح، هنا لا يعود الخلاف مادةً للاجتهاد والتكامل والحوار والتعارف والتعايش، بل يتحول إلى هويات متصلبة تشتغل بمنطق "نحن" في مواجهة "هم"، هذا المأزق هو جوهر الطائفية، لأنه يعيد تعريف العلاقات بين المسلمين لا على أساس المقاصد الكبرى أو المصالح المشتركة، بل على أساس الحدود النفسية والرمزية التي تصنعها الذاكرة المشوهة والخطابات الاقصائية.

ولعل أخطر ما في الطائفية أنها تحتكر المجال العقائدي، وتتسرب إلى السياسة والتعليم والإعلام، فتنتج أجيالاً تتعلم رؤية الاختلاف بوصفه تهديداً مسبقاً، هكذا يصبح الانفكاك من الطائفية أمراً يتطلب أكثر من نوايا حسنة؛ إنه يحتاج إلى إعادة تشكيل البنية التي ينتج منها الوعي نفسه، ومن غير هذا الشرط البنيوي، ستظل الدعوة إلى الوحدة أقرب إلى التمنيات الأخلاقية منها إلى الاجتهادات التاريخية الفاعلة.

الوعي الحضاري للوحدة

لاريب ان كل مشروع للنهوض الحضاري لا يمكنه ان يستند الى تجميع القوى المادية وحدها، بل يستند إلى شرط أسبق هو القدرة على بناء وحدة معنوية وأخلاقية تسمح بتوجيه الطاقات نحو هدف مشترك. لأن النهضة لا تتحقق في مجتمع يتآكل من الداخل، حيث التآكل الداخلي يبدد الثقة، ويضعف الإرادة الجماعية، ويجعل كل إصلاح جزئي عرضة للانهيار عند أول مطب او أزمة، ومن هنا فإن تفكيك الطائفية ليس عملاً جانبياً، بل هو جزء من إعادة تأسيس المجال الحضاري ذاته، وصياغة هذا الوعي تتقاطع مع ما نبه إليه الفكر الإصلاحي الإسلامي في صيغ متعددة من شتى المذاهب والمدارس الاسلامية، فالاستبداد مثلاً، ليس مجرد خلل في السلطة، بل هو بيئة تولّد العصبيات وتستثمرها، والجهل المتبادل ليس مجرد تشوه أو نقص في المعرفة، بل هو شرط لإدامة وتعميق القطيعة، ثم إن التسقيط المتعمد للآخر ليس مجرد خطأ في السرد، بل هو وسيلة لإبقاء المسلمين داخل دائرة الخوف من بعضهم البعض.

 لهذا تصبح الوحدة هنا مفهوماً حضارياً مركباً، لا شعاراً عاطفياً او خطابات للتكاذب أو المجاملة، إنها تعني أن تتقدم الأمة بوعيها العام على حساسياتها المذهبية التي هي في الأصل اجتهادات بشرية يمكنها اللقاء والتعارف والتعاون والتعايش، دون ان تغفل هذه الأمة عن النظر إلى تعددها بوصفه طاقات قابلة للتكامل لا سبباً للتمزق والتناحر.

من الفرقة إلى الكلمة السواء

عند التمحيص في التجارب الحديثة، نكتشف أن الطائفية لا تنشأ دائماً من النص الديني نفسه، بل كثيراً ما تُصنع في منطقة التوظيف السياسي والاجتماعي، فحين يحتاج محرك الطائفية إلى تثبيت موقعه، أو حين تبحث القوى الهدامة عن أدوات تعبئة سريعة، يكون الانقسام المذهبي استثماراً جاهزاً ومربحاً، حيث يصبح ما كان بالأمس اختلافاً علمياً يتحول اليوم إلى خطاب تهييج طائفي، ثم إلى رموز للفرقة والاصطفاف المذهبي، ثم إلى سردية جماعية مغلقة تحرك ٱلة الخوف وتستدعي عواطف العداء.

هذا الاستثمار هو الذي يجعل الطائفية أكثر خطراً من مجرد التعصب الفردي؛ لأنها تتغذى من شبكات مصالح ومؤسسات وخطابات وسرديات قديمة يتم تحديثها، ويستفاد من هشاشة وارتباك المجال العام.

 لهذا لابد من إدراك وبعمق أن معالجتها لا يمكن أن تكون مجرد وعظ فردي، بل ينبغي أن تشمل إصلاحاً في وعي الأمة، وفي المناهج التعليمية، وفي الإعلام، وفي المؤسسات الدينية نفسها، وإذا لم يُمسَّ هذا المستوى العميق، فإن أي مشروع نهضوي للأمة الاسلامية نحو الكلمة السواء سيظل هشّاً، لأن المؤامرات ستبقى قائمة حتى لو خفّ الخطاب في العلن.

إعادة بناء الوعي

تجاوز مأزق الطائفية نحو النهوض، يقتضي أولاً إعادة بناء الوعي، وهذا الوعي لا يُبنى على الإلغاء، بل على التمييز بين ما هو اجتهادي وما هو أصيل، وبين ما هو تاريخي قابل للمراجعة والمناقشة وما هو مقصدي جامع، عندما يدرك المسلم أن الاختلاف المذهبي لا ينقض وحدة الدين، وأن الانتماء إلى مدرسة فقهية لا يستلزم العداء لغيرها، تبدأ الطائفية في فقدان قدرتها على التأثير، بينما حين تُقدَّم المذاهب بوصفها كيانات مغلقة مقدسة مكتفية بذاتها، فإن الانقسام يتصلب والشقاق يتوسع ويتعمق، ويصبح الحوار لاحقاً مكلفاً جداً.

إن هذا الوعي المرتجى يحتاج أيضاً إلى لغة جديدة، فالكلمات ليست بريئة، لأنها لا تصف الواقع فقط بل تصنعه، حيث كل خطاب يصر على ترسيخ الصور النمطية عن الآخر، أو يختزل جماعة كاملة في تاريخها الجدلي، يسهم في تثبيت الانقسام حتى لو زعم الدفاع عن الحقيقة. لذلك فالتفكيك الحقيقي للطائفية يبدأ من مراجعة اللغة نفسها: كيف نصف المختلف؟ كيف نرويه في كتبنا؟ كيف ندرّسه؟ وكيف نُدخله في المجال العام بوصفه شريكاً لا خصماً؟

بين التراث والتجديد

لا يمكن فصل الطائفية عن التحدي الأكبر الذي يواجه الفكر الإسلامي المعاصر: كيف نوفق بين التراث والتجديد من دون أن يتحول التراث إلى مقدس، أو التجديد إلى تحريف؟ الطائفية تزيد هذا السؤال تعقيداً لأنها تُحمّل الهوية المذهبية حمولةً زائدة تجعلها تقاوم كل انفتاح او حوار او مقاربات، فبدل أن يكون التجديد استجابة داخلية لمقتضيات العصر، يصبح موضع شبهة، وبدل أن يكون الاجتهاد وسيلة لتوسيع الفهم، يغدو مجالاً للصراع على الشرعية والملكية المطلقة للحقيقة.

لذا فإن تفكيك الطائفية لا ينفصل عن بناء تصور ناضج للتجديد داخل المجال الإسلامي. التجديد هنا لا يعني استيراد المنطق الغربي في غربلة التراث، بل يعني بناء وعي ديني عقلاني عادل يسمح بإدارة التعدد من غير هيمنة، ويضمن للمذاهب والاتجاهات حقها في الوجود والتعبير ضمن إطار المواطنة والعدل والتعارف فيما بينها وفق منطق استماع القول الأحسن والكلمة السواء والتعاون على البر والتقوى. عندما يتحقق هذا المستوى، يصبح من الممكن أن يتحاور التراث مع التجديد، أما استمرار الطائفية فيجعل الحوار والتعارف والتعايش عسيراً، لأن كل طرف يقرأ التجديد من خلال خوفه المذهبي، لا من خلال حاجات الأمة.

 استراتيجية تفكيك

 تفكيك الطائفية يستدعي استراتيجية متعددة المستويات:

أولاً، لا بد من تحرير الخطاب الديني من نزعة الإقصاء، وإعادة الاعتبار للمشترك الإسلامي بوصفه قاعدةً أعلى من الانتماءات الفرعية.

ثانياً، ينبغي مراجعة المناهج التعليمية حتى لا تُعيد إنتاج الصور المتعصبة في أذهان الأجيال الجديدة.

ثالثاً، يلزم بناء مجال عام عادل يضمن المساواة في الحقوق والتمثيل، لأن غياب العدالة هو أحد أهم الشروط التي تنمو فيها الطائفية وتترسخ وتستشري كأي داء فتاك.

والأهم من ذلك كله أن تتحول الوحدة من دعوة خطابية إلى ممارسة يومية: في المدرسة، والجامعة، والمسجد، ووسائل الإعلام، والمؤسسات الثقافية، حيث الوحدة لا تصنعها الخطب الكبيرة وحدها، بل تصنعها التفاصيل الصغيرة التي تعيد تأسيس العادة الاجتماعية على الثقة بدل الريبة وسوء الظن، عندما يبدأ الناس في رؤية الآخر شريكاً في الحياة العامة لا مهدداً لها، تكون الطائفية قد فقدت جزءاً كبيراً من قوتها.

مستخلص

إن الطائفية ليست مجرد مشكلة جانبية في العالم الإسلامي، بل هي أحد العوائق العميقة التي تعطل تشكل المشروع الحضاري، كونها تضعف الثقة، وتستنزف الطاقات، وتعيد المجتمعات إلى منطق الاصطفاف بدل منطق اللقاء والبناء، لذلك فإن تفكيكها ليس مهمة أخلاقية فقط، بل هو شرط من شروط النهضة نفسها، فلا عمران من دون وحدة معنوية، ولا وحدة من دون عدالة، ولا عدالة من دون وعي يحرر التنوع من أن يصبح ٱفة تمزق وتناحر وتخلف.

إن الرؤية الحضارية التي يمكن أن تنهض في هذا السياق هي رؤية تعتبر التعدد المذهبي ثراءً تاريخياً، لكنها ترفض تحويله إلى حدود وهمية مقدسة بين المسلمين، بل هي رؤية تدرك أن التعايش لا يكفي إذا لم يُدعَم بالإنصاف والرحمة وحفظ كرامة الأخ في الدين مثلما هي الحال مع النظير في الخلق، وأن الخطاب الوحدوي لا يكفي إذا لم يتحول إلى إصلاح تربوي وسياسي ومعرفي وثقافي شامل.

و بالتالي فإن الآفاق البحثية المستقبلية ينبغي أن تتجه إلى دراسة أثر التعليم والإعلام والمؤسسات الدينية في إنتاج أو تفكيك الطائفية، وإلى تحليل النماذج التي نجحت نسبياً في إدارة التنوع داخل إطار المواطنة والمشترك الحضاري سواءاً عربيا أو عالميا..

***

مراد غريبي

 

التركيز على الدماغ وتجاهل الجسد

يرى الخبير الرقمي اليساندرو كولاروسي ان الذكاء الاصطناعي يواجه خطر الوصول الى طريق مسدود. عالِم الظواهرية الفرنسي موريس ميرلو- بونتي (1908-1961) ادّعى انه لكي نفهم الوعي البشري نحتاج للتركيز على "المركز الحي للتجربة"(1) lived body وعلاقته بالعالم. باختصار، الفكرة هي انه بدلا من مواجهة العالم بشكل من "أحاسيس خام"، فان البشر يرون الأشياء باعتبارها تمثيلات ندركها تحديدا من خلال أجسادنا اثناء تفاعلها مع العالم. في هذا المقال سوف نستطلع مفهوم ميرلو بونتي للتجربة الذاتية بهدف فهم ما يُقال عن الذكاء الاصطناعي – الموضوع الذي يركز أساسا على تطوير أنظمة حاسوبية قادرة على أداء مهام تستلزم القدرات الذهنية للكائن البشري. طبقا لفهم ميرلو بونتي للخبرة الذاتية وآليات الادراك، فان الذكاء الاصطناعي محكوم عليه بالفشل لسببين أساسيين:

1- المحاكاة لا يمكن ان تمتلك نفس النوع من التفاعل الهادف مع العالم الذي يمكن ان يخوضه كائن واع متمتع بجسد، وان غياب مثل هذا التفاعل يعني غياب أساسي للذكاء.

2- السبب الثاني وربما الأهم، ان التوضيح الاختزالي للذهن كما جاء في بحوث الذكاء الصناعي ببساطة لا يرسم صورة دقيقة لما يُدرك، ويُمارس ويُستشعر بواسطة عقل مندمج داخل جسد مجرّب. وهكذا، لا يمكن تطوير الذكاء الصناعي بمجرد الهندسة العكسية للدماغ، ولا يمكن ايضا ان يعمل في بيئة مجردة من الجسد كما سنرى.

ان المركز الحي للتجربة او الجسد الحيوي هو علاقة بين الجسم والعالم الخارجي نكون بواسطتها قادرين على التأمل والذكاء. مارلو بونتي يؤكد ان المركز الحي للتجربة واع بعالم يحتوي على بيانات بحاجة للتفسير، مثل أشكال ومعاني مباشرة. احد مظاهر المركز الحي الذي يحلله بونتي هو دور التجربة الحسية، ويبدأ بحقيقة بديهية ان افكارنا هي نتاج لتفاعل الجسم مع العالم الذي يعيش به. وتحديدا، هو يعلن ان الشخص المدرِك "يعرض نفسه مع عالم بوصفه معطى جاهزا، كونه مسرحا لكل حدث ممكن، ويعامل الادراك كواحد من هذه الأحداث" (فينومينولوجيا الادراك،1962،ص 240).

يبدأ بونتي استطلاعه لمفهوم االمركز الحي للتجربة عبر تذكيرنا ان الادراك هو المكوّن الرئيسي لحياتنا في العالم، لكن المهم هو كيف ندرك. بالنسبة له، ان العالم الخارجي تتم ملاقاته، وتفسيره وادراكه بواسطة الجسم، عبر مختلف اشكال الوعي الانغماسي العميق الذي يتم من خلال الفعل. فمثلا، تتجلى جودة اللون في التجربة من خلال نمط سلوكي محدد من جانب الجسم، وتحديدا العين، الموجّهة نحو اللون. في حالة العين، خلايا معينة حساسة للالوان تُحفّز في الشبكية: تفاعل. وحول تجارب حسية أخرى وعلاقتها بالعالم، يكتب بونتي انه "بافتراض وجود العالم الموضوعي، يُفترض انه ينقل الى أعضاء الحس رسائل لابد من تسجيلها ثم فك شفرتها بطريقة تعيد فينا انتاج النص الأصلي. (فينومينولوجيا الادراك،ص7). طبقا لبونتي، هناك ارتباط مستمر بين المحفز الأصلي للعالم الخارجي وتجربتنا الادراكية الأولية له .

ماذا عن ادراكنا للاخرين؟ يكتب مونتي،"وعي الآخر يمكن استنتاجه فقط عندما تُقارن وتُحدد التعبيرات العاطفية للاخرين ، ويتم تمييز ارتباط دقيق بين سلوك الشخص الفيزيقي وتجاربه في الاحداث الخارقة"(ص 410). لذا نحن ندرك عقول الاخرين من خلال التعرف على سلوكنا الخاص نحوها. في الحقيقة، بالنسبة لبونتي، التفاعل مع الاخر يسمح بتطوير الذات. وفي معرض توضيحه لهذه العلاقة، هو يكتب ان "ما تعلمناه في مجال الادراك الفردي هو ان لا تُعتبر وجهات نظرنا كأطراف مستقلة عن بعضها، نحن نعرف انها تنزلق داخل بعضها البعض"(نفس المصدر).

كل شخص بحاجة الى تفاعل

رؤية بونتي جرى قبولها وتعزيزها من جانب علماء الادراك مثل ساندرا و ماثيو بليكيسلي، الذي يكتب بان "المعنى يتجذر في الفرد (المقدرة على التصرف والاختيار)، والفرد يعتمد على التجسيد. في الحقيقة، هذا هو الدرس المكتسب بشق الأنفس والذي في النهاية بدأ مجتمع الذكاء الصناعي استيعابه بعد عقود من الإحباط: لا شيء ذكي حقا سيتطور في حاسوب بلا جسد. في الحياة الواقعية لا وجود لشيء كوعي متحرر من الجسد"(الجسم يمتلك ذهنه الخاص به، 2008،ص12).

يعرض علماء الادراك التجربة الفكرية التالية لتوضيح أهمية المركز الحي للتجربة لبونتي:

"لو كنت تحمل معك حيوان ثديي صغير مثل هر صغير اثناء الشهور الأولى لتطور دماغه، وتسمح له برؤية كل شيء في بيئته لكن لا تسمح له ابدا التحرك بمفرده، هذا المخلوق السيء الحظ سينتهي به المطاف كفيفا مدى الحياة . ومع انه سيكون قادرا لتصور مستويات من الضوء واللون والضلال – القدرات الأساسية والمتأصلة في النظام البصري – لكن ادراكه العميق وتمييزه للأشياء سيكون سيئا للغاية. عيونه وأعصابه البصرية ستكون عادية وسليمة بشكل مثالي، لكن نظامه المرئي العالي سيكون عديم الفائدة".(ص 12-13).

بدون وصول مجسّد للبيئة، فان القط لا يستطيع تطوير نظامه العصبي بشأن الاستجابات الملائمة للمحفزات الخارجية. اذا كان هذا صحيحا، فهو يقترح ان آمال الذكاء الصناعي  (خلق محاكاة كومبيوتر او خوارزم معقدة جدا لدرجة ان تكون واعية) محدودة جدا لسببين رئيسيين:

1- ان الذكاء الصناعي، اذا كنا نعني به ذكاء محاكاة كومبيوتر متقدم، لا يحوز على القدرات المطلوبة للتفاعل البنّاء. أي، رغم ان الكائن البشري قد يتفاعل مع هكذا كومبيوتر، فهذا لا يعني ان  الانسان بهذا يساعد في خلق التقدم في المحاكاة فكريا. فيلم الفيديو الشهير The Sims (لعبة محاكاة الحياة) يوضح ما نعني بهذا. لاعب اللعبة يبني عالما صغيرا تقطنه شخصيات محاكية تشارك بمختلف أنواع التفاعلات مع بعضهم البعض، تنام، تأكل، وحتى تمتلك أهدافا وتذهب للعمل. مع ذلك، سيكون منافيا للمنطق السليم القول ان هكذا محاكاة يمكن اعتبارها تجسيدا فعليا للعالم. عند لعب اللعبة، يصبح ظاهرا بسرعة ان سيمز الصغير هو فقط "يعمل من خلال الحركات"، وان كل مظاهر القصدية والسلوك الموجّه نحو هدف هو فقط مظهر. وبتحديد اكثر، لا وجود هناك لتفاعل ضمن اللعبة عدى جعل الشخصيات ينفذون الخطوات التي جرت برمجتهم فيها. البرنامج لا يتعلم من أي تفاعل مع العالم. مثل القطة المحتجزة، لا فرصة يمكن ان تتعلم فيها الشخصيات. لذلك، خلف سطح المحاكاة، لاشيء – لا حياة داخلية، لا أفكار، لا وعي.

2- السبب الثاني لماذا الذكاء الصناعي لا ينجز ابدا وعيا هو انه لا يستطيع محاكاة الادراك، وانه لم ولن يمتلك القدرة على هذه المحاكاة بدون جسم يحتوي تجربة ذاتية باطنية. فمثلا، التجربة البصرية، هي اكثر من مجرد عملية ميكانيكية لتسجيل تأثيرات الفوتون. الكائن البشري يعرف ماهية رؤية لون ما كاللون الأحمر – ضمن سياق معين، وهو امر تعجز خوارزميات الذكاء الصناعي المحاكية عن تحقيقه.

فلاسفة مثل باتريشا تشرشلاند Patricia Churchland و دانيال دينيت يثيران معارضة لهذا الخط من التفكير، يجادلان انه اذا كان الذكاء يمتلك معرفة بكل الحقائق الفيزيائية، عندئذ سيعرف ماهية اللون الأحمر،مثلا. بكلمة أخرى، لا ينطوي الوعي الواعي على شيء يتجاوز معرفة الحقائق وتمثيلها في نظام لمعالجة الرموز. في الاستجابة لهذه الرؤية، الظواهيري ارثر ميلنك يقول ان منظور شيرشلاند و دينيت يعتمد على وجود توصيف ظاهراتي يمكن ان تدركه عملية فيزيائية او تتوافق معه (الفينيمولوجيا والواقع الفيزيائي للوعي،2011،ص 108)،وأيضا يذكر انه "اذا كانت ماهية اللون الأحمر – من منظور الظواهيرية – عصية على الوصف (ليس فيها توصيف ظاهراتي جوهري سوى خوضنا للتجربة وكونها تبدو على ذلك النحو)، عندئذ ومهما بلغت درجة اكتمال معرفة المرء بالفيزياء لن يكون بوسعه اطلاقا ان يدرك كنه اللون الأحمر او طبيعة الشعور به). بكلمة أخرى، هو يدّعي ان المرء سوف لن يعرف ابدا الطبيعة التجريبية لشيء يشبه الأحمر بدون ممارسته حقا: المعرفة في حقائق حول اطوال موجية، لا تكفي لأنك لايمكنك اختزال طبيعة هذه التجربة في أي نوع من وصف الحقائق. لذلك فان الخصائص الظاهراتية للوعي المجسد لا يمكن استنساخها في أي شكل اصطناعي فقط عبر برمجة حاسوب معين بحقائق.

خلاصة

الهدف من هذا المقال ليس لغرض الحط من قدر حقل الذكاء الصناعي المتنامي بسرعة. بالعكس، الباحثون صنعوا اختراقات مذهلة، مثل كتابة برامج يمكنها هزيمة أساتذة الشطرنج الكبار، او تطوير خوارزميات تتيح استرجاع البيانات بسرعة فائقة، ومهمات أخرى مفيدة للإنسانية. ما نود الإشارة اليه هو انه اذا كان بونتي صائبا بان التجسيد سمة أساسية في تطوير تجربة ذات معنى، عندئذ فان حقل الذكاء الصناعي لايمكنه بأي حال ان يأمل في محاكاة الوعي بمجرد تطوير الخوارزميات. يمكننا القول ان  ذكائنا، وحتى تجربتنا، ليست فقط نتاجا لدماغنا، وانما هي أيضا نتيجة لفعل أدمغتنا في العالم المادي. الذكاء الصناعي محكوم عليه بالفشل كمحاولة لمحاكاة الذكاء البشري من حيث افتقاره لعناصر تستجيب للمركز الحي للتجربة. السبب الأول والأعظم أهمية لفشل الذكاء الصناعي هو الافتقار الى تفاعل مشابه للإنسان. الخوارزميات المتجسدة في الكومبيوتر يمكن ان تكون معقدة جدا لخلق مظهر لسلوك ذكي (كما لوحظ في فيديو اللعبة) بدون بيانات تجريبية مصاحبة لوعي حقيقي والذي يسمح بتطوير تفاعل الذهن الإنساني. هذا يشير الى ان الذكاء الحقيقي والذكاء المحاكى ينتميان الى فئتين مختلفتين جوهريا. الذكاء المحاكى ببساطة يتبع برمجته، وهو خلافا للذكاء الحقيقي، لا يمتلك صوتا باطنيا. لهذا هو لايستطيع التفكير، ولا يستطيع ان يتلقى تغذية واعية من التفاعل بين العالم والجسم.

تنطوي محاكاة الذكاء البشري على ما هو اكثر بكثير من مجرد محاولة نسخ العمليات الفيزيائية للدماغ. في أفضل حالاته، يمكن للذكاء ان يحاكي مظهر السلوك البشري بدقة متناهية بحيث لا يستطيع الانسان التمييز بين الانسان والحاسوب. ومع ذلك، لن يكون بوسعه محاكاة التجارب الظواهيرية للمركز الحي للتجربة وان أي محاولة للقيام بهذا ستكون فقط محاكاة أخرى.

***

حاتم حميد محسن

........................

الهوامش

(1) مفهوم االمركز الحي للتجربة يشير الى تجربة الشخص الذاتية في كونه مادي، بدلا من التعامل مع الجسد فقط كشيء. انه يؤكد على كيفية الادراك والشعور والتصرف في العالم من الداخل الى الخارج، مدركا المعنى خلف الوجود المادي للمرء. في الظواهيرية، يتم التمييز بين الجسم الموضوعي the objective body وهو البناء البايولوجي الفيزيقي الحي و المركز الحي للتجربة the lived body وهو الجسم الواعي المجرّب. كيف تشعر بدقات القلب، تحس بالألم او الإبحار في الفضاء، انت لا تمتلك فقط جسما وانما تمارس ذاتك بجسمك.

في ضوء ما تقدم، نخلص إلى أن ابن خلدون كان صريحًا في نقده للمنطق وبيان حدوده، وهو بذلك يختلف عن أولئك الذين يعدّون المنطق علم التفكير الصحيح في كل الأمور، الدينية منها والدنيوية. ويحسن بنا أن نختم هذا النقد بقول ابن خلدون في علم المنطق:

«فهذا العلم، كما رأيته، غير وافٍ بمقاصدهم التي حاموا عليها، مع ما فيه من مخالفة للشرائع وظواهرها، وليس له فيما علمنا إلا ثمرة واحدة، وهي شحذ الذهن في ترتيب الأدلة والحجج لتحصيل ملكة الجودة والصواب في البراهين».

وبهذه الحجج اعتقد ابن خلدون أنه نسف جميع التبريرات المطروحة للبحث في المعقولات الميتافيزيقية للعالم.

ومع كل تحفظ ممكن، ينبغي الاعتراف بأن ابن خلدون قد وضع إصبعه على أهم مشكلة في تاريخ المعرفة، وهي مشكلة العلاقة بين الفكر والواقع، أو مشكلة الحقيقة الموضوعية، التي صيغت في الفكر العربي الإسلامي على النحو الآتي:

«كيف يتطابق ما في الأذهان مع ما في الأعيان؟»

أي: كيف يمكن تثبيت العلاقة بين الذهني الكلي والمادي الحسي المشخَّص والحفاظ عليها؟

وإذ شكك ابن خلدون في مطابقة الذهني الكلي للواقعي الحسي الجزئي المتعين، فإنه شكك، في الوقت نفسه، في كل ما بنته الفلسفة النظرية التقليدية. ولعل من الطريف الإشارة إلى أن مشكلة الكليات تُعد من أبرز المشكلات الفلسفية الكبرى في الفكر الفلسفي المسيحي الوسيط؛ إذ انقسم الفلاسفة بشأنها إلى تيارين كبيرين: الاسميين والواقعيين. وكان السؤال الذي واجه الفلاسفة آنذاك هو: هل الأفكار المجردة مجرد أسماء، أم إنها حقائق واقعية؟

وفي هذا السياق جاءت محاولة ابن خلدون في نقده للعقل الخالص، والمنطق التصوري، والميتافيزيقا التقليدية، بهدف تنقية التصور الفكري في طبيعته ووظيفته المعرفية. فالتصور، من حيث هو مرتبط جدليًا بمقتضى الشمول العقلي وبالطابع الفردي للكائنات الطبيعية، لا يتمتع بأساس متين. كما أن القول بأن المقولات محمولات منطقية وأنطولوجية في الوقت نفسه، أو بأن الواقعي عقلي والعقلي واقعي، لا يزيل الغموض والاضطراب اللذين يحيطان بالتصور ويلازمانه على الدوام.

فابن خلدون يرفض أن تكون المجردات المنطقية موجودة وجودًا موضوعيًا، لكنه في الوقت نفسه يتمسك بإرادة فهم الواقع، متخذًا موقفًا نقديًا من الذات، والواقع، والتاريخ، والعقل ذاته. وهو بذلك لم يرفض إمكان المعرفة العقلية.

لذا ينبغي القول إن ابن خلدون، في نقده للمنطق التجريدي، لم يكن يهدف إلى هدم مبادئ الفكر أو دحض قواعد التفكير السليم، وإنما أراد وضع المنطق في موضعه الصحيح، بوصفه ليس سوى آلة، أو ميزان، أو نظام لتنظيم الفكر، لا لتحصيل المعرفة. ولذلك رفض أن يقبل به من دون فحص حدوده ووظيفته، مؤكدًا أن الفكر الطبيعي يستطيع الوصول إلى مطلوبه من المعرفة من غير توسط المنطق الصوري. لذا أشار إلى أن:

«فحول النظار في الخليقة يحصلون على المطلوب في العلوم دون صناعة المنطق».

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

بين عالمية الرياضة ومفارقات العلاقات الدولية

- "ليست القيمة الحقيقية لأي حدث عالمي في عدد الجماهير التي يجذبها، بل في مقدار الاتساق بين الرسالة التي يرفعها والواقع الذي يعكسه".

- "أثبتت الرياضة أن المنافسة لا تحتاج إلى إلغاء الآخر، بينما ما زال النظام الدولي يعجز عن تطبيق الدرس نفسه " (الكاتب).

***

لم تعد الرياضة في القرن الحادي والعشرين مجرد نشاط ترفيهي أو منافسة بدنية تسعى إلى حصد الألقاب، بل غدت إحدى أهم المؤسسات الاجتماعية التي تعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتصوغ أنماطاً جديدة من العلاقات بين الأفراد والشعوب. فالحضارات لم تمنح الرياضة مكانتها لأنها تحتفي بالقوة الجسدية وحدها، وإنما لأنها نجحت في تحويل النزعة الإنسانية نحو الصراع إلى منافسة منظمة تحكمها قواعد العدالة، والانضباط، وتكافؤ الفرص، واحترام الخصم. ومن منظور علم النفس الاجتماعي، تمثل الرياضة فضاء رمزياً يعيد بناء الثقة بين الجماعات المختلفة، ويخفف من حدة الصور النمطية، ويجعل الاعتراف باستحقاق الآخر جزءاً من عملية بناء الهوية الإنسانية، إذ يتعلم الإنسان أن التفوق لا ينتقص من قيمة الآخرين، وأن المنافسة لا تعني العداء، بل تمثل أحد أكثر أشكال التفاعل الإنساني تحضراً. ولهذا أصبحت البطولات العالمية، وفي مقدمتها كأس العالم، أكثر من مجرد أحداث رياضية، إنها مناسبات تختبر قدرة البشرية على الاجتماع حول قيم مشتركة تتجاوز الحدود السياسية والهويات الضيقة.

غير أن علم الاجتماع النقدي يدعونا إلى النظر إلى هذه الصورة من زاوية أخرى أكثر عمقاً. فالأحداث الرياضية الكبرى ليست مجرد تجمعات إنسانية، بل هي أيضاً ظواهر اجتماعية تحمل أبعاداً رمزية وثقافية وسياسية، وتشارك في تشكيل الصورة الأخلاقية للدول التي تستضيفها. ومن هنا تكتسب استضافة الولايات المتحدة الأمريكية لكأس العالم دلالة رمزية تتجاوز بعدها التنظيمي أو الاقتصادي، لأنها تضع إحدى أكثر القوى تأثيراً في النظام الدولي أمام سؤال يتعلق باتساق القيم التي تحتفي بها الرياضة مع صورة الدولة في المجال العالمي. فهل يكفي أن تفتح الملاعب أبوابها لشعوب العالم حتى تصبح رسالة الانفتاح مكتملة؟ وهل يمكن للقيم التي تحتفل بالمساواة والاحترام المتبادل داخل المستطيل الأخضر أن تبقى منفصلة عن النقاشات الأوسع المتعلقة بالعلاقات بين الدول، وبكيفية ممارسة النفوذ، وبصورة العدالة في النظام الدولي؟ إن هذه الأسئلة لا تهدف إلى نفي أهمية الرياضة، وإنما إلى التأكيد أن القيمة الأخلاقية للرموز الكبرى لا تستمد قوتها من الاحتفال بها، بل من انسجامها مع الواقع الذي تمثله.

إن قوة الرياضة لا تكمن في قدرتها على تنظيم المنافسة فحسب، بل في قدرتها على إنتاج نموذج إنساني للعلاقات يقوم على الاعتراف المتبادل، واحترام الكرامة الإنسانية، والقبول بأن الاختلاف لا يمنع التعاون، وأن التفوق لا يبرر الهيمنة. ولهذا فإن المكانة الحضارية للدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من ملاعب حديثة، أو بما تنجح في تنظيمه من بطولات عالمية، وإنما بمدى قدرتها على تحويل القيم التي تعرضها أمام العالم إلى ممارسات تتجسد في تعاملها مع الشعوب كافة. فالعالم لا يحتاج إلى ملاعب تجمع البشر لساعات، ثم يعودون بعدها إلى واقع تحكمه علاقات يغيب عنها الشعور بالمساواة والعدالة، بل يحتاج إلى أن تصبح الفلسفة التي تقوم عليها الرياضة جزءاً من الثقافة السياسية والإنسانية معاً. وعندئذ فقط تتحول كأس العالم من احتفال كروي عابر إلى حدث حضاري يعبر عن صدق القيم التي يعلنها، ويصبح الانتصار الحقيقي ليس في رفع الكأس، بل في بناء عالم يتعامل مع الإنسان بالروح نفسها التي تحتفي بها الرياضة كالمنافسة العادلة، والاحترام المتبادل، والإنسانية التي لا تعرف حدوداً ولا تمييزاً.

بمعنى أدق، إن القيمة الحقيقية للرياضة لا تكمن في عدد الكؤوس التي ترفع، ولا في ضخامة الملاعب التي تشيد، وإنما في قدرتها على ترسيخ منظومة أخلاقية تجعل المنافسة وسيلة للارتقاء لا للهيمنة، وتجعل التفوق مدعاة للاحترام لا مبرراً للإقصاء. وحين تنجح المجتمعات في نقل هذه الفلسفة من ميادين الرياضة إلى ميادين السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية، تصبح القوة أداة للمسؤولية لا للسيطرة، ويغدو الاختلاف فرصة للتعاون لا سبباً للصراع. فالحضارة لا تبلغ ذروتها عندما تتقن تنظيم البطولات العالمية، بل عندما تجعل القيم التي تحتفي بها في الملاعب منهجاً دائماً في تعاملها مع الإنسان أينما كان.

***

د. حسام الدين فياض / باحث وأكاديمي سوري

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

(1850- 2026)

انتهينا في المقال السابق من هذه السلسلة إلى بيان ملامح مفهوم التدين في مرحلة النهضة العربية والإسلامية، وكيف ارتبط بمشروع الإصلاح والنهوض الحضاري.

وإذا ما انتقلنا إلى المرحلة التالية الممتدة من أعقاب الحرب العالمية الأولى وحتى منتصف القرن العشرين، نجد أن مفهوم التدين بدأ يتحرك داخل نسق مغاير تمامًا لما كان عليه في لحظة النهضة؛ إذ لم تعد الأسئلة المركزية تدور حول الإصلاح والعمران والتحديث بقدر ما أصبحت تدور حول الهوية والبقاء والمقاومة.

فمع توغل الاستعمار في المجال العربي والإسلامي، وتهاوي ما تبقى من البنى الجامعة التقليدية، بدأ الوعي الجمعي يعيش حالة قلق حضاري حاد، الأمر الذي دفع قطاعات واسعة من الشبيبة إلى البحث عن ملاذ رمزي يعيد إليها الشعور بالتماسك والانتماء. وهنا بالتحديد بدأ التدين يتحول من كونه مشروعًا إصلاحيًا مفتوحًا إلى كونه هوية مقاومة مشحونة بالتوتر الحضاري.

ولعل الأمر الذي ينبغي التنبيه إليه هنا أن هذا التحول لم يكن وليد التنظير الفكري وحده، بل كان ثمرة نسقية معقدة تشابكت فيها الهزائم السياسية مع التفكك الاجتماعي ومع تغوّل النموذج الغربي في التعليم والإدارة والثقافة. حيث شعر كثير من الناس آنذاك أن المجال العام يُعاد تشكيله بعيدًا عن المرجعية الإسلامية، وأن الدولة الوطنية الناشئة تتجه تدريجيًا نحو أنماط من العلمنة، والإدارة الحديثة لا تمنح الدين موقعه المركزي الذي كان يحتله سابقًا. ومن ثَمّ، بدأ التدين يكتسب وظيفة دفاعية جديدة، لا بوصفه علاقة روحية وأخلاقية فحسب، بل بوصفه وسيلة لحماية الذات الحضارية من الذوبان داخل الأغيار.

وفي هذا السياق تحديدًا برزت الجماعات الجانحة المتشددة والتيارات الحركية التنظيمية التي أعادت صياغة مفهوم التدين ضمن أطر أكثر انغلاقًا وتشددًا، فلم يعد التدين مجرد تجربة فردية تقوم على التزكية والعبادة وتهذيب النفس، بل أخذ يتحول تدريجيًا إلى مشروع تنظيمي يستند إلى التعبئة والاستقطاب، ويستهدف إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤى أيديولوجية محددة. وهنا يبدوا تحول المفهوم بالغ الأهمية؛ لأن التدين بدأ ينتقل من فضاء المسجد والكتاب والمدرسة إلى فضاء الجماعة والتنظيم والنسق الحركي المنغلق. حيث بدأت صورة المتدين نفسها تتغير داخل الوعي الجمعي، فلم يعد المتدين هو ذلك الإنسان المنصرف إلى إصلاح نفسه ومجتمعه بهدوء، بل أصبح في بعض السياقات هو الإنسان المنخرط في مشروع تعبوي واسع يسعى إلى إعادة صياغة المجال العام بأكمله.

فمع تزايد الاستقطاب السياسي والفكري، بدأت بعض النهوج التنظيمية تميل إلى رسم حدود حادة بين المتدين وغير المتدين، وهي الحدود التي تضخمت لاحقًا بصورة أكثر حدة. فقد تحوّل التدين تدريجيًا إلى غرابيل اجتماعية وثقافية يتم من خلالها تصنيف الناس والحكم على وعيهم ودرجة التزامهم. وشيئًا فشيئًا، أخذت بعض المظاهر الشكلية تحتل موقعًا متقدمًا في تعريف التدين داخل المخيال الشعبي، بينما تراجعت الأسئلة الكبرى المرتبطة بالأخلاق والعمران والحرية والعدالة.

ومن هنا بدأت تظهر البذور الأولى لذلك الانزياح الذي يقودنا لاحقًا إلى اختزال الدين في مظاهر جزئية أو شعارات مغلقة، الأمر الذي مهّد الطريق أمام المجترئين كي يحتكروا الحديث باسم الدين ذاته. ناهیک عن أن التحولات الدولية آنذاك أسهمت بدورها في إعادة تشكيل التدين داخل المجال العربي والإسلامي؛ فصعود القوميات الحديثة، وانهيار الخلافة العثمانية، وتزايد الخطاب الاستعماري، كلها عوامل دفعت قطاعات من الشبيبة إلى النظر إلى التدين بوصفه آخر الحصون المتبقية في مواجهة التفكك الحضاري.

غير أن المشكلة لم تكن في هذا الشعور في ذاته، بل في الكيفية التي أُعيد بها تشكيله داخل بعض الأنساق الحركية المغلقة، بحيث تحوّل أحيانًا من قوة أخلاقية منفتحة إلى أداة للمفاصلة والاستقطاب. وهنا بالتحديد بدأ التدين يفقد شيئًا من طابعه الإصلاحي الرحب الذي ميّز لحظة النهضة، ليدخل تدريجيًا في مسارات أكثر توترًا واحتقانًا، الأمر الذي سيبلغ ذروته لاحقًا مع مرحلة الصدام الأيديولوجي والدولة الوطنية بعد منتصف القرن العشرين.

وإذا ما حاولنا الاقتراب من المرحلة الممتدة منذ تسعينيات القرن العشرين وحتى ما قبل الثورات العربية، نجد أن مفهوم التدين بدأ يدخل طورًا جديدًا مختلفًا في بنيته ووظيفته معًا؛ إذ لم يعد التدين في هاتيك اللحظة خاضعًا بالكامل لسلطة المؤسسة الدينية التقليدية، ولا لسلطة التنظيمات الحركية المنغلقة كما كان في العقود السابقة، بل بدأ يتحرك داخل فضاء سيّال ومفتوح أعادت تشكيله العولمة والفضائيات والثورة الاتصالية المتسارعة.

ومن هنا تحديدًا بدأت تتفكك النسقية الصلبة التي حكمت التدين طوال عقود، لتحل محلها حالة من التعدد والتشظي والانتقائية، الأمر الذي يقودنا إلى ما يمكن تسميته فعلًا بـالمنطق المائي للتدين المعاصر؛ حيث لا يقين مستقر، ولا مركزية معرفية واحدة، ولا سلطة قادرة على احتكار تشكيل الوعي الجمعي كما كان الأمر سابقًا. فقد شهد حاضرنا المعيش آنذاك انفجارًا هائلًا في وسائل الإعلام الديني، بدءًا من أشرطة الكاسيت التي هيمنت في الثمانينيات، وصولًا إلى القنوات الفضائية العابرة للحدود في التسعينيات وبداية الألفية الجديدة.

وهنا ظهر ما يمكن وصفه بـالتدين الإعلامي؛ إذ لم يعد المتدين يتلقى معارفه عبر حلقات العلم التقليدية أو المؤسسات التعليمية وحدها، بل صار يتشكل عبر الشاشات والبرامج الجماهيرية والخطابات السريعة التي تخاطب العاطفة أكثر مما تبني المعرفة العميقة. والأمر الذي يبدوا بالغ الدلالة أن صورة الشيخ نفسها تغيرت؛ فلم يعد الشيخ مجرد متفقه أو عالم تقليدي، بل تحوّل في كثير من الأحيان إلى شخصية جماهيرية قادرة على التأثير في الشبيبة عبر الأداء الإعلامي والكاريزما دون النظر إلى مصدر علمه أو مؤهلاته التي تؤهله للتصدر والتعليم.

وفي هذا السياق برز نمط جديد من التدين يمكن وصفه بالتدين الانتقائي أو الفرداني؛ إذ أخذ الأفراد يُعيدون تركيب تدينهم بأنفسهم خارج الأنساق التقليدية الصارمة. فلم يعد الإنسان ملتزمًا بنهج فقهي أو حركي واحد، بل صار ينتقي من الخطابات والفتاوى والممارسات ما يتوافق مع تجربته الشخصية وواقعه الاجتماعي. ومن ثَمّ، أصبح التدين أكثر مرونة وسيولة، لكنه في الوقت ذاته فقد كثيرًا من تماسكه المعرفي القديم. وهنا بدأت تظهر ظواهر شديدة التعقيد؛ كتدين الاستهلاك، والتدين المناسباتي، والتدين العاطفي السريع، وهي ظواهر لم تكن مألوفة بالصورة ذاتها في المراحل السابقة.

ناهیك عن أن العولمة الثقافية أعادت هي الأخرى تشكيل علاقة الشبيبة بالدين والهوية. حيث وجد كثير من الشباب أنفسهم يتحركون بين عوالم متناقضة؛ عالم محلي محافظ، وعالم رقمي عالمي مفتوح على كل الأفكار والصور وأنماط الحياة. وهذا التداخل بين الأنساق المختلفة خلق حالة من القلق الهوياتي المستمر، الأمر الذي دفع بعضهم إلى مزيد من التشدد والانغلاق، بينما دفع آخرين إلى أنماط من التدين الخفيف أو الرمزي أو حتى الانفصال التدريجي عن المجال الديني كله.

وهنا يبدوا أن الأزمة لم تعد أزمة التزام ديني فحسب، بل أزمة معنى وهوية وموقع داخل عالم متغير بصورة متسارعة. ولعل أخطر ما في هذه المرحلة أن التدين أصبح أكثر قابلية للتسليع والاستهلاك الإعلامي. حيث دخل السوق بقوة إلى المجال الديني، وتحول بعض الخطاب الدعوي إلى منتج جماهيري يخضع لقوانين المشاهدة والتأثير والانتشار.

ومن هنا ظهرت شخصيات دعوية جديدة تخاطب الطبقات الوسطى بلغة التنمية البشرية والنجاح الفردي أكثر من مخاطبتها للأسئلة المعرفية والروحية العميقة. وبينما رأى بعض المشككين في هذه الظاهرة نوعًا من التخفف الإيجابي من الراديكالية القديمة، رأى آخرون أنها قادت إلى تفريغ التدين من مضمونه المعرفي والتحويلي، وتحويله إلى ممارسة استهلاكية ناعمة لا تمس البنى العميقة للوعي أو السلوك.

نخلص إذن إلى أن هاتيك المرحلة لم تشهد تراجع التدين بقدر ما شهدت إعادة تشكيله داخل نسق عالمي جديد تحكمه السرعة والسيولة وتفكك المرجعيات الكبرى. فقد خرج التدين من الأطر المغلقة القديمة، لكنه لم يدخل في المقابل إلى حالة استقرار معرفي أو أخلاقي واضحة، بل أصبح يتحرك داخل فضاء متشظٍّ تتنازعه المؤسسات الرسمية، والحركات الحركية، وقادة الرأي، والإعلام، والسوق، والمنصات العابرة للحدود.

وهكذا صار التدين أكثر حضورًا في المجال العام من جهة، وأكثر هشاشة واضطرابًا من جهة أخرى، الأمر الذي سيمهد لاحقًا للانفجار الأكبر مع الثورات العربية وصعود الإعلام الرقمي والخوارزميات في العقد التالي. وللحديث بقية... إلى المرحلة التالية الممتدة من أعقاب الحرب العالمية الأولى وحتى منتصف القرن العشرين.

***

بقلم:  د. بدر الفيومي

 

ليست كل الحركات التي يؤديها الإنسان عفوية كما تبدو. فالجسد، في لحظات بعينها، يتكلم بلغة أصدق من الكلمات، ويعترف بما تعجز عنه الشفاه. وما من هيئة أكثر بلاغة من وجه يستند إلى كف، كأن الإنسان في تلك اللحظة يعيد حمل نفسه بنفسه، بعدما أثقلته ألحياة بالكثير

إن اتكاء الوجه على الكف ليس علامة تعب فحسب، بل هو وضعية وجودية.. لحظة يتوقف فيها الصخب الخارجي ليبدأ الضجيج الداخلي. هناك، عند التقاء الملامح براحة اليد، ينكمش العالم إلى مساحة صغيرة، وتصبح الكف وطنا مؤقتا يأوي إليه العقل حين يتشرد، والقلب حين يضيق به اتساع الحياة.

في تلك الهيئة، لا يكون الإنسان جالسا أمام العالم، بل جالسا أمام ذاته. يراجع ما انكسر، ويستحضر ما غاب، ويحاور ما استعصى عليه فهمه. وكأن اليد لا تحمل الرأس وحده، بل تحمل أثقال الأعوام، وخيبات الأحلام، وأسئلة لم تجد بعد إجاباتها.

أحيانا نتكئ لأن الجمال نفسه يفوق قدرتنا على الاحتمال. فليست الدهشة أقل ثقلا من الحزن، وليس الفرح العظيم أقل إنهاكا من الألم العميق. هناك مشاهد تفيض من معناها حتى تضيق بها الحواس، فنلجأ إلى أكفنا لا لنستريح، بل لنحتمي من فيض الشعور. فكما أن العين قد تدمع من الوجع، فإنها قد تدمع أيضا من فرط الجمال.

ولعل اليد، منذ الطفولة، كانت أول ما عرفناه من معاني الأمان. بها احتضنتنا الأمهات، وربت الآباء على الأكتاف، وصافحنا الأحبة، ولوحنا للراحلين. لذلك حين نضع وجوهنا عليها، فإننا نستدعي، دون أن نشعر، ذاكرة الطمأنينة الأولى؛ كأن الإنسان، كلما أرهقه العالم، عاد يبحث عن حضنه الأول، ولو كان ذلك الحضن هو كفه.

وفي التأمل العميق، تبدو هذه الحركة وكأنها مقاومة هادئة للانهيار. فالإنسان لا يضع وجهه على يده لأنه استسلم، بل لأنه يؤجل السقوط. إنه يمنح روحه مهلة قصيرة لترتب فوضاها، ولتعيد إلى أفكارها نظامها، وإلى قلبها نبضه المتزن. فالكف ليست مجرد سند للرأس، بل دعامة للروح وهي تعبر جسور القلق.

وحين يسرح الخيال، تتوارى الحدود بين الواقع والحلم. يصبح الوجه المتكئ نافذة مفتوحة على عوالم لا يراها سواه.. يستعيد وجوها أحبها، وأمكنة فقدها، وأياما لم تكتمل، ومستقبلا لا يزال ينسجه بخيوط الرجاء. فكم من فكرة عظيمة، وقرار مصيري، وقصيدة خالدة، واعتراف مؤجل، ولد في تلك اللحظة الصامتة التي اتكأ فيها الوجه على الكف.

ربما لهذا السبب اقترنت صورة الفيلسوف دائما بالتأمل. فمنذ تمثال المفكر لأوغست رودان، الذي جعل اليد سندا لرأس مثقل بالأسئلة، أصبح اتكاء الوجه على الكف رمزا للوعي الإنساني وهو يصارع الوجود.

لهذا لا ينبغي أن نقرأ هذه الهيئة كعلامة كسل أو شرود، بل بوصفها لحظة يتصالح فيها الإنسان مع هشاشته. فالذين يملكون شجاعة التأمل، يدركون أن القوة لا تعني أن نبقى واقفين دائما، وإنما أن نجد في لحظة الاتكاء ما يعيد إلينا القدرة على الوقوف من جديد.

وهكذا، يظل الوجه المتكئ على الكف صورة تختصر الحكاية الإنسانية كلها.. مخلوق محدود يحمل أسئلة لا حدود لها.. وروحا تبحث عن يقين في عالم يزداد غموضا. وما بين الكف والملامح، يولد ذلك الصمت النبيل الذي لا يقول شيئا، لكنه يكشف كل شيء. ففي بعض الأحيان، لا يكون الاتكاء على اليد تعبيرا عن التعب، بل إعلانًا صامتا بأن الإنسان ما زال يفكر، وما زال يحلم، وما زال يقاوم التلاشي بفعل التأمل

***

ابتهال عبد الوهاب

 

إن ذروة الثورة المنهجية التي أحدثها ابن خلدون تتجلى في نقده للعقل والمنطق؛ إذ رفض الثقة المطلقة بالعقل من حيث هو معيار للحقيقة، وقانون لمعرفة الصواب من الخطأ. وربما كان ابن خلدون قد تأثر بأبي حامد الغزالي (ت 505هـ) في نقده للعقل وبيان حدوده، إذ أشار، في معرض دحضه لدعاوى العقل، إلى ما يلي:

“ولا تثقن بما يزعم لك العقل من أنه مقتدر على الإحاطة بالكائنات وأسبابها، والوقوف على تفصيل الوجود كله، ويسفه رأيه في ذلك. واعلم أن الوجود عند كل مدرك، في بادئ رأيه، منحصر في مداركه ولا يعدوها، والأمر في نفسه بخلاف ذلك، والحق من ورائه… فلعل هناك ضروبًا من الإدراك غير مدركاتنا؛ لأن إدراكاتنا مخلوقة محدثة، وخلق الله أكبر من خلق الناس، والحصر مجهول، والوجود أوسع نطاقًا من ذلك… وليس ذلك بقادح في العقل ومداركه، بل العقل ميزان صحيح، فأحكامه يقينية لا كذب فيها، غير أنك لا تطمح أن تزن أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية، وكل ما وراء طوره، فإن ذلك طمع في محال. ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب، فطمع أن يزن به الجبال، وهذا لا يدرك على أن الميزان في أحكامه غير صادق، لكن للعقل حدًّا يقف عنده، ولا يتعدى طوره حتى يكون له أن يحيط بالله وصفاته، فإنه ذرة من ذرات الوجود الحاصل منه. وتفطن في هذا الغلط من يقدم العقل على السمع في أمثال هذه القضايا، وقصور فهمه واضمحلال رأيه، فقد تبين لك الحق من ذلك”.

يفضح هذا النص المقتبس من المقدمة وجود تشابه واضح مع رأي أبي حامد الغزالي في نقده للعقل وبيان عجزه عن إدراك الأمور الإلهية، وتشبيهه العقل بالميزان الصحيح، أو المحك، أو المعيار.

ورغم ذلك التشابه، فإن ابن خلدون يذهب في نقده للعقل إلى أبعد مما ذهب إليه الغزالي؛ إذ يكشف عن عجز المنطق عن فهم الأمور الاجتماعية والسياسية. ويرى ابن خلدون أن “العلماء من بين الناس أبعد عن السياسة ومذاهبها”، وهو يقصد بالعلماء أولئك الذين يتبعون في علومهم القياسات المنطقية الصورية، إذ يقول إنهم اعتادوا في حياتهم العلمية أن يغوصوا إلى المعاني فينتزعوها من المحسوسات، ويجردوها في الذهن أمورًا كلية عامة، ثم دأبوا على تطبيق هذه الكليات العامة المجردة على السياسة والحياة الاجتماعية، ولهذا نجدهم يفشلون فيها فشلًا ذريعًا.

ولم تكن الثورة المنهجية الكبرى في فجر النهضة الأوروبية الحديثة إلا ثورة فكرية للتخلص من المنطق عامة، والمنطق الأرسطي خاصة، والقياس على وجه الخصوص؛ إذ أدرك الفلاسفة المنهجيون، أمثال فرنسيس بيكون وديكارت وجون لوك وهيوم وفيكو، أن تأخر العلم وتخلف المجتمع يعودان إلى شيوع المنهج الاستدلالي الذي يعتمد المنطق الصوري والقياس الاستنباطي.

وقد كانت الفلسفة والمعرفة عمومًا، طوال القرون السابقة للنهضة، تقومان على أساس منهجي عقيم لا يمكن أن يؤدي إلى علم جديد؛ فقد تجمد المنطق في قوالب فكرية جامدة، حتى إذا استغرق المفكر فيها أمسى وكأنه يدور في حلقة مفرغة لا يستطيع أن يتخلص منها. وقد رأى شيلر أن الحقيقة، في ضوء هذا المنطق، واحدة، والآراء إذن يجب أن تكون فيها متفقة؛ فأنت إما أن تكون مع تلك الحقيقة أو ضدها، فإذا كنت ضدها فأنت هالك، أما إذا كنت معها فليس لأحد أن يجرؤ على مناقضتك أو الاعتراض عليك. إنك محق إذا غضبت على أولئك الذين يجادلونك في الحقيقة؛ فالحقيقة حقيقتك، أو هي بالأحرى أنت إذا جردت نفسك من مشاعرك البشرية.

وهذا يعني أن المنطق لا يزيدك علمًا بشيء من حقائق الأشياء، ولا يقينًا بصحتها، كما لا يزيدك علمًا بخطئك، ولا يصحح لك خطأك. ولو كان العلم بالمنطق، لما كان تاريخه تاريخ تصحيح للأخطاء، بل لصار تاريخ تقديس للحقائق، ولما كان هناك نقد ولا تطور ولا تقدم ولا ارتقاء. فالمنطق، وفق هذا التصور، قد يصبح وسيلة إلى الانغلاق والتعصب وتقديس الأهواء، لا إلى الاختراع والاكتشاف والنقد المستمر والتقدم المتواصل.

وحين نصف المنطق التقليدي بأنه صوري، فإننا نقصد بذلك أنه يهتم بصورة الشيء ويهمل مادته. وأوضح تطبيق لهذا المنطق جاء في الهندسة؛ إذ يهتم المهندسون بالشكل الذي تظهر فيه الأشياء، كالهرم والمخروط والأسطوانة والمثلث والدائرة والمستطيل، ولا يبالون بالمادة التي تتكون منها هذه الأشكال. ولما رأى المناطقة نجاح منطقهم في ميدان الهندسة وغيرها من العلوم الرياضية، ظنوا أنهم سينجحون كذلك في جميع الميادين الفكرية، بما في ذلك الحياة الاجتماعية والسياسية.

وقد وجد غالبية المفكرين المسلمين، من الفلاسفة والفقهاء والمؤرخين وغيرهم، في المنطق الأرسطي ضالتهم المنشودة، فكانوا يجردون الأفكار من موادها، أي يبحثون -كما وصفهم ابن خلدون- في “صور” قد تجردت من “موادها”، دون مراعاة الوقائع والأحوال. كما اتخذوا القياس المنطقي سبيلًا لتأييد المذاهب والآراء، لذا وجدنا أصحاب المذاهب المتنازعة يتحاربون بسلاح القياس المنطقي كما يتحاربون بالسيف.

ولعلي لا أبالغ في القول إن سبب تخلفنا الثقافي والعلمي إلى اليوم يعود، في وجه من وجوهه، إلى رسوخ ذلك المنطق العقيم في عاداتنا الفكرية؛ إذ نجد كثيرًا من متعلمينا، الذين يعيشون في القرن الحادي والعشرين، لا يزالون يفكرون وفق ذلك المنطق ويتعصبون له، فيهملون الواقع الصارخ، ويحلقون في سماء المنطق الصوري والقياس التجريدي، غير عالمين بما حدث في العصر الحديث من ثورة على ذلك المنطق، وبيان عقمه وضرره. فليس هناك ما هو أشد أثرًا في عرقلة نمو المعرفة العلمية من المنطق التقليدي.

ولم تبدأ انطلاقة الثورة المعرفية العلمية الهائلة إلا بعد أن هدم فرنسيس بيكون جسور المنطق، ودحض أوهامه في الأورغانون الجديد.

ومن هنا تتضح أهمية الطفرة المنهجية الكبرى التي أقدم عليها ابن خلدون قبل بيكون ولوك وهيوم، بنقده مبادئ المنطق الصوري وكشفه عن زيف تطبيقاته على ظواهر الحياة الاجتماعية والتاريخية والسياسية؛ فقد أكد أن “صناعة المنطق غير مأمونة الغلط، لكثرة ما فيها من الانتزاع وبعدها عن المحسوس”. ووجه قصور المنطق، في رأيه، أن النتائج الذهنية التي تستخرج بالحدود والأقيسة غير يقينية، ولا تطابق ما هو موجود في الخارج، “اللهم ما يشهد به الحس من ذلك، فدليله شهوده لا تلك البراهين، فأين اليقين الذي يجدونه فيها؟”

ويستلهم ابن خلدون نقد الشيخ ابن تيمية للمنطق الصوري، كما يستلهم نقد أبي حامد الغزالي للعقل المجرد، ليعيد مزجهما في منهجه النقدي الجديد؛ إذ يرى ابن تيمية (ت 728هـ) أن البرهان المنطقي القائم على الكليات الذهنية لا يوصل إلى علم يقيني، بل إلى أمور ظنية مقدرة في الأذهان فقط، وأن العلم الحق هو الذي يستمد أحكامه من الأشياء الجزئية المتعينة بوجودها الخارجي. كما يميز بين “الإمكان الذهني” و”الإمكان الخارجي”، فالأول يستند إلى التفكير المجرد، بينما الثاني يستند إلى الاستقراء الحسي.

ومثل هذا التمييز نجده عند ابن خلدون بين “الإمكان العقلي المطلق” و”الإمكان بحسب المادة التي للشيء”.

ويروي ابن خلدون قصة طريفة تشبه أسطورة الكهف في جمهورية أفلاطون، مفادها أن وزيرًا اعتقله سلطانه هو وابنه الصغير، ومكثا في السجن سنين نشأ فيها الولد وكبر. فلما نضج عقله أخذ يسأل أباه عن لحم الغنم الذي يؤتى به إلى السجن لإطعامهما: من أي الحيوانات هو؟ لأن الولد لم ير الغنم في حياته، وكل ما رآه من الحيوانات في سجنه هو الفأر وحده، فتصور أن الغنم يشبه الفأر، وأبوه ينكر عليه ذلك.

أراد ابن خلدون من هذه القصة بيان أن تصورات الإنسان لا تخرج عن نطاق ما يألفه ويعتاد عليه في بيئته المحدودة، ولذلك يصعب عليه أن يتصور ما ليس مألوفًا لديه إلا بالقياس على المألوف.

إن ابن خلدون في هذه القصة يشبه الغزالي في قصة العميان مع الفيل؛ إذ ذهب أبو حامد الغزالي إلى أن موقف الناس من الحقيقة يشبه موقف العميان من الفيل، فكل منهم يصور الفيل من خلال الجزء الذي يحسه منه.

وينتهي ابن خلدون إلى القول: “ولا تنكر ما ليس بمعهود عندك، ولا في عصرك، بشيء من أمثاله، فتضيق حوصلتك عند ملتقط الممتلات، فكثير من الخواص إذا سمعوا أمثال هذه الأخبار عن الأمم السالفة بادروا بالإنكار، وليس ذلك من الصواب؛ فإن أحوال الوجود والعمران متفاوتة، ومن أدرك منها رتبة سفلى أو وسطى فلا يحصر المدارك كلها فيها”.

في الواقع، لم يكن نقد ابن خلدون للمنطق الصوري نقدًا عابرًا أو سطحيًا، بل كان نقدًا منهجيًا واعيًا؛ إذ أدرك عقم المنهج الاستدلالي في دراسة ظواهر الحياة والتاريخ، كما أدرك ذلك قبله الحسن ابن الهيثم في كتابه المناظر، إذ كتب يقول: “فخضت لذلك في ضروب الآراء والاعتقادات، فلم أحظ من شيء بطائل، ولا عرفت منه للحق منهجًا، ولا إلى الرأي اليقين مسلكًا جيدًا، فرأيت أنني لا أصل إلى الحق إلا من آراء يكون عنصرها الأمور الحسية، وصورتها الأمور العقلية”.

وفي السياق ذاته، وجدنا ابن خلدون يميز بين صورة الشيء ومحتواه أو مادته، إذ أشار إلى أن المناطقة والمؤرخين الذين يعتمدون القياس المنطقي كانوا مشغولين بصورة الأفكار وأهملوا مادتها. وقد كتب في نقد المؤرخين المقلدين الذين “يجلبون الأخبار عن الدول، وحكايات الواقع في العصور الأولى، صورًا تجردت من موادها، وصفائح انتضيت من أغمادها”، أي إنهم اهتموا بأغماد السيوف وأهملوا السيوف التي لم توضع الأغماد إلا من أجلها، وهي كناية عن اهتمام المناطقة بصور الأشياء المجردة وإهمال الأشياء ذاتها.

وينتهي ابن خلدون، في بيان مخاطر المنطق الصوري وعدم قدرته على فهم ظواهر الحياة الاجتماعية، وكيف أن العلماء المناطقة هم أبعد الناس عن فهم السياسة، إلى القول إن الرجل العامي، الذي لم يعتد التجريد الذهني كثيرًا، قد يكون أصدق حكمًا في الأمور من المناطقة؛ إذ إنه، لقصور فكره عن ذلك وعدم اعتياده عليه، يقتصر لكل مادة على حكمها، ولكل صنف من الأحوال والأشخاص على ما اختص به، ولا يتعدى الحكم بقياس أو تعميم، ولا يفارق في أكثر نظره المواد المحسوسة، ولا يجاوزها في ذهنه، كالسابح الذي لا يفارق البر عند الموج، فيكون مأمونًا من الخطأ في سياسته، مستقيم النظر في معاملة أبناء جنسه، فيحسن معاشه وتندفع آفاته ومضاره باستقامة نظره، وفوق كل ذي علم عليم.

ومن هنا يتبين أن صناعة المنطق غير مأمونة الغلط، لكثرة ما فيها من الانتزاع وبعدها عن المحسوس؛ فإنها تنظر في المعقولات الثانية، ولعل المواد فيها ما يمانع تلك الأحكام وينافيها عند مراعاة التطبيق اليقيني.

وحتى لا يساء فهم قولنا بنقد ابن خلدون للمنطق الصوري، فيفهم منه أنه لم ير في المنطق شيئًا جديرًا بالقيمة، تلزمنا الأمانة العلمية أن ننوه بأن ابن خلدون رأى في المنطق فائدة محدودة النطاق، تقتصر على ترتيب الأدلة وتحقيق الاتساق الفكري. فالباحث، في رأي ابن خلدون، لا يحتاج إلى المنطق إلا بعد أن ينتهي من البحث، وعندئذ يستخدمه لتقديم براهينه للناس في صورة منسقة مرتبة. أما فيما عدا ذلك، فإن استخدام المنطق يؤدي إلى نتائج مغلوطة، ومن هنا كان المناطقة غير قادرين على الوصول إلى نتائج صحيحة في الأمور الإلهية وفي الأمور السياسية وغيرها.

والسياسة، كما يقول ابن خلدون، “يحتاج صاحبها إلى مراعاة ما في الخارج وما يلحقها من الأحوال ويتبعها؛ فإنها خفية، ولعل فيها ما يمنع من إلحاقها بشبه أو مثال، وينافي الكلي الذي يحاول تطبيقه عليها، ولا يقاس شيء من أحوال العمران على الآخر؛ إذ كما اشتبها في أمر واحد اختلفا في أمور أخرى، فيكون العلماء، لأجل ما تعودوه من تعميم الأحكام وقياس الأمور بعضها على بعض، إذا نظروا في السياسة أفرغوا ذلك في قالب أنظارهم ونوع استدلالاتهم، فيقعون في الغلط، ولا يؤمن عليهم”.

هكذا أدرك ابن خلدون الطبيعة المتغيرة لوقائع التاريخ، الذي يتحدث عما لم يره أحد مرتين؛ أي عن ظواهر تاريخية فريدة لا تتكرر أبدًا، وحتى إن تشابهت في بعض الوجوه، فإنها تظل فريدة من حيث زمان وقوعها ومكانه والأشخاص الذين اشتركوا فيها.

***

ا. د. قاسم المحبشي

في المثقف اليوم