قضايا

"نحن لا نعرف حقيقةَ الحروب، ولكن يمكن أنْ نرويها بإتقانٍ"

هذه اللافتة تُعلَّق مع كلِّ صراع مُسلّح يلفُه الغموض والإشكال. الحرب - كما هي- مسألة فائقة على دقة الوصف. لأنَّها خارج مستوى العقل، هي رأساً تخاطب الغرائز والأهواء، فلا نتوقع منها سوى الأهوال والفواجع. أليست كذلك في ذاكرة البشرية القريبة أو البعيدة؟! كما أنَّ الحروب تُطبخ على نار هادئةٍ عبر المؤامرات وأعمال التجسس والشحن الايديولوجي. وفي حمأة الاحداث والوقائع، تتشابك أيادي الأوغاد والعملاء والمتواطئين وتجار الأسلحة والمرتزقة نفخاً في نيرانها حتى النهاية. أي لا تُوجد أسباب عقلانية تدفعُ في اتجاه الحروب ولا تستند المواقف إلى قاعدةٍ مشتركةٍ تجمعُ شتات الآراء، لأنَّ الطرف الذي يعقلنها منطقياً قد يصبحُ هو أول ضحاياها. بل لن يستطيع أيُّ طرف التحكم في مسارها إزاء الاحتمالات غير المتوقعة للصراع.

من جهةٍ أخرى، غير متاح للإنسان العادي أنْ يدرك مغزى الحرب (مثل الحرب الامريكية الايرانية). هل سيقول العقل في مستواه العام: علينا أنْ نتقاتل مع بعضنا البعض حتى ننهي مسألة (امتلاك ايران للاسلحة غير التقليدية كما يُقال)؟! إذن لماذا لا تنتهي هذه المسألة دون آثار دمويةٍ؟ وحتى لو ادّعى العقل العام ذلك، فإنَّه سيُعاود الكرّةَ مرةً أخرى ليتساءل: ما الجدوى مما جرى من أحداثٍ؟ وما مستقبل الصراع؟ وكيف سيتوقف عاجلاً أم آجلاً؟ بل لماذا كان صراعاً دموياً من البداية؟ وماذا عن اليوم التالي لانتهاء الحرب بين أمريكا وايران؟ وما بدائل الحرب إنْ لاحت احتمالاتُها في المستقبل؟

تطرح الأسئلة شيئاً مهماً: أنَّ حدوث الحرب لم يتم داخل غرف العمليات العسكرية فقط، بل عبر غرف إدارة السرديات والخطابات والمقولات. وأنَّ صياغة العبارات والمصطلحات صناعة حربية ثقيلة لا تقل خطورةً عن صناعة الصواريخ والآليات والقذائف. وربما يتم القصف مرةً بالصواريخ البالستية والأسلحة غير التقليدية، ولكن هناك قصفاً آخر عبر التعليقات والشعارات القادرة على أن تصيب مراكز الاقناع والتبرير في العقول. لأن الحروب تستمد مادتها الأثيرة من الجانبين وأنَّ فضاء المعارك واحد واحد ولكن الأسلحة مختلفة. ولم يتورع اطراف الحرب بين أمريكا وايران من استعمالها دون حدود.

لماذا السرديات؟

لابد من السرديات لأخراج صورة الحروب وفقاً لمآرب أطرافها البعيدة. وهي محاولة لاستباق الواقع بواسطة عمليات من الحكي والقص واطلاق التبريرات والدلالات واستحضار المرجعيات والتلويح بمخاوف في قوالب بلاغية تعيد تشكيل ذهنيات الجمهور وتمهد تربة التلقي للأفعال المنجزة والأحداث المنتظرة. السرديات بذلك تشكّل أفقاً للتفسير يأخذُ معه الذهنيات نحو ما يريد قوله، هادفاً إلى تحقيق الأقوال في العقول قبل الواقع. أي يُدخل السرد المتلقين في استراتيجية غسيل الخلفية وبث صور وإثارة أفكار لاقناعهم بأن صاحب السردية يقف موقفاً حقيقياً لا أقول صحيحاً. لأن صحة السردية لا يتم التأكّد منها مباشرة. ولكن وظيفتها هي احداث اختلال في الفهم وقبول البدائل المطروحة.

السردية حكاية يتم من خلالها هندّسة الأحداث وترتيبها عبر الذهنيات، بحيث تبدو محبوكة النسْج ومتتابعة الخطوات وسائرة وفقاً لخطوط مرسومة، وتبلغ من التشويق والاثارة حداً غير قليل كي يستبقها الناس وينتظرون مراحلها بكل شغفٍ، وكأنّها ألعاب افتراضية هم جزء منها وفقاً لأهدافها المحددة. ولذلك تعزف السرديات على نقاط إلتقاء الغرائز والأخيلة والمعتقدات والاراء الشائعة تبعاً لقاعدة الغموض والالغاز. ومن فرط قوتها الرمزية، تغذي لدى فئات واسعة من الناس ما يريدون سماعه وانتظار المزيد منه طوال الوقت. بل ويتحولون إلى مشجعين في مقاعد الجماهير الذين يصيحون مع كل هدف مثل جماهير كرة القدم. وهذا لون من التمثيل الذهني للأحداث على مستوىة أكثر انتشاراً وتأثيراً. ويعطي صاحب السردية إمكانية التزيد في إثارة الشغف والخيال. ويكون الكذب هو الاثير الذي يبدو شفافاً لقلب الوقائع إلى أدلة وتحويل الأعمال الحمقاء إلى طقسٍ وحشو الأشكال الفارغة بمضامين فعلية كما نراها في مواقف أمريكا واسرائيل.

أمّا منْ يمتلك عقلاً فاحصاً ناقداً، فستدخله تلك العملية البلاغية في دهاليز سردية تأخذ وقتاً طويلاً لفك خيوطها. وسيكون عليه أنْ يمتلك ثلاثة أشياء: الأول: هو القدرة على البحث عن المعرفة الأخرى لما هو سائد وعن مصادر المعلومات الدقيقة لكشف الزيف والمراوغة. والثاني: قراءة الواقع والأحداث الحربية والسياسية جيداً. والثالث: القدرة على استباق حبكة السرد وتمزيق نسيجه والتنبؤ بما سيحدث لاحقاً. لأنَّ أية سردية تخاطب الذهنيات حين تسكن داخلها لا من خارجها، أي بعد أن تجد لها تربة من التصديق سرعان ما تواصل الضخ المعلوماتي والأكاذيب التي تلف العقول وتطمس الشغف. وبذلك تشكل تفسيراً يبدو مقنعاً لما يجري.

في هذا الإطار، ليست أقوال الساسة وتحليلات الاعلام حول الحرب الامريكية/ الايرانية هي الحقيقة، يتكشف لنا يومياً حجم تعمية اطراف الحرب على الوقائع وأساليب المراوغة والهروب من ميدان الخطاب الواضح سواء من قبل الامريكان والاسرائيليين أم من الايرانيين. والتعمية باتت مقصودة من رموز الصراع (ترامب ونتنياهو وأقطاب النظام الايراني). إن الحروب لا يعنيها أنْ ترسم صورة حقيقيةً أمام المتابعين. الحروب ما كانت لتقع إلاّ من أجل اختلاق حقيقة معينةٍ. بالأدق فرض حقيقة تخص الطرف الغالب وإنْ لم تكن عادلةً. إذ لا توجد عدالةٌ في الحروب أصلاً حتى ولو كانت مبرراتها عادلةً في أحايين كثيرة!!

وذلك لكون الحرب تُشن بحثاً عن واقع جديدٍ بجميع الطرق الممكنة وغيرها. وهذا ما أكدته اسرائيل من ضرورة رسم خريطة جديدة للشرق الأوسط. وكم تباهي نتنياهو أمام الجمهور السياسي بأنه يزهو بما عمله من احداث تغيير حقيقي في موازين القوى لصالح كيانه الصهيوني. وأنَّ اسرائيل اتخذت هذه المبادرة العسكرية تجاه ايران كأنَّها تحمل مسئولية تاريخية عن المستقبل. إذن كيف تفرض الحروب واقعها الخاص ثم ننتظر منها أن تقول الحقيقة ؟!

بالاجمال لا يتجاوز ما ورد ضمن معرفة الحروب شيئاً ذا أهمية مقارنةً بما حدث في الحرب الامريكية الايرانية. وجدت هذه الحرب في كلامنا، في رؤوسنا، في خطاباتنا، في بلاغتنا، في تعبيراتنا الجارية أكثر مما نلقاها في الواقع . إنَّ الصور والأخبار والتصريحات والتعليقات التي تحكي ما يجري إنما هي علامات تسكن الأدمغة وتنقل ما بها من رغبات. دونالد ترامب دماغ ثقافي ما بعد حداثي، وكان حريصاً منذ اليوم الأول أنه سينقل للمتابعين أحد أمزجة الحروب بامتياز. مزاج يجمع بين رجل التجارة وعقد الصفقات زائد نزق سياسي ومراهقة حربية لافتة واستعراض عسكري بازخ وتقارير غير صحيحة والرمي المجازي بالعبارات في ميدان القتال. إنَّ تجارب الحرب مرتبطة بمعتقدات أطراف المعارك. بينما ما يقوله نتنياهو يعد " سرداً مختلطاً" بلاهوت بني اسرائيل وبالآمال السياسية لشعبه وسط منطقة السرديات. ويكمل دونالد ترامب الصورة من وراء المحيط معتبراً أمريكا هي عقدة الحبكة في دائرة الصراع السردي. وأنّه دونها لن تحل المشكلات سلاماً وحرباً، كأنَّ أمريكا قد امتلكت نسيج السرد دون تعقيب. وكثيراً ما يرمي أحدهما بطرف الخيط ليكمل الآخر القصة ما بين الشرق الأوسط والقارة الأمريكية. نظراً لوحدة المرجعية وسريان المخطط إلى غايته.

وعلى افتراض أننا ذقنا ما ذقنا من طعم الحروب التاريخية في المنطقة، فما علمناه (سردياً) متقدم على التذوق كما يصف زهير بن أبي سلمى. أي أن الكلام، الحكي، أسبق من التجارب وهذه بديهية ثقافية، لأن عقولنا تُولد في اللغة حين تتورط مع حركة الواقع. نظام اللغة يترقب مع سبق الاصرار والترصد: ماذا نحن فاعلوم في المواقف المختلفة، حيث لا فاصل هناك بين اللغة والأشياء والأفعال، فالأخيرة أخذت دلالتها مما يوجد في عقولنا من كلمات ومعانٍ. مذاق الحرب هو مذاق الكلام، القصص الحاملة للأهوال والمآل. المعرفةُ تعني سردية الحرب كأنَّها شيء معروف لدينا بحكم نسق الثقافة الحكاء . فهي رواية قارّة في لاوعينا الثقافي إلى درجة التغلغل.

يقول زهير بن أبي سلمى:

وَما الحَربُ إِلّا ما عَلِمتُم وَذُقتُمُ  

وَما هُوَ عَنها بِالحَديثِ المُرَجَّمِ

*

مَتى تَبعَثوها تَبعَثوها ذَميمَةً 

 وَتَضرَ إِذا ضَرَّيتُموها فَتَضرَمِ

*

فَتَعرُكُّمُ عَركَ الرَحى بِثِفالِها  

وَتَلقَح كِشافاً ثُمَّ تَحمِل فَتُتئِمِ

*

فَتُنتَج لَكُم غِلمانَ أَشأَمَ كُلُّهُم 

 كَأَحمَرِ عادٍ ثُمَّ تُرضِع فَتَفطِمِ

السبب أن أحداث الحروب تضع نفسها في النقطة التي لا تعود عندها مفهومةً. وهذا جزء من التكتيك الحربي الذي يخضع لصناعة الصورة الذهنية. ولعل الدول الأوربية وأبرز مثقفي الغرب قد تساءلوا مراراً: حول ضرورة تحديد أهداف ضرب إيران؟ ولماذا تضع امريكا كل قوتها ومقدراتها في خدمة اسرائيل؟ والثقافة على الدوام لا تقول شيئاً اعتباطياً، لأن المبررات لابد أن تُشتق من جسم الأفكار التي هي رائجة. وترامب ونتنياهو يبدوان كـ" رأسين بلُونيين " بلا عقل ولا فهم واضح حيال المسألة. فقد بعثاها (أي الحرب) ذميمةً بعبارة زهير بن أبي سلمى وتركا رحاها تعرك كل من يقابلها وأن تلد ناقتها الجرباء أفظع النتائج. وهما (ترامب ونتنياهو) لا يعلمان أنَّ" آبار الغضب " في المنطقة بحجم التواجد الاسرائيلي الأمريكي الذي خرج عن المألوف. لقد أخذا خريطة العالم العربي رهينة لمركز إدارة الأحداث العسكرية في واشنطن وتل أبيب كأن الخريطة لا يوجد بها مفاتيح أخرى.

ضخ السرديات

قبل شرارة الحرب الامريكية الايرانية كنا نتلقى دفقاً وفيراً من السرديات. اغرقت السرديات الواقع وفتحت سيلاً من القصص التي تلف شعوب المنطقة لفاً محكماً. تقول أمريكا: إنها لن تسمح لايران بامتلاك أية أسلحة نووية. في إشارة إلى كون تلك الاسلحة محرمة دولياً. وأنها تستحضر التجارب القريبة حول المصطلح وكم خِيضت حروب دولية للقضاء على من يقترب من امتلاكها. ولاسيما أن السردية الأمريكية تُناور قوى المجتمع الدولي، فمازالت العبارات الرنانة التي قيلت في امتلاك الارهاب لأسلحة غير تقليدية تترك صداها في آذان المسئولين والهيئات المختصة. ومازالت الاستجابة نفسها من مجتمعات الغرب ساريةً حتى اللحظة. إذن ... ما الجديد الذي حدثَ حتى تندهش دول الغرب (انجلترا وفرنسا) بصدد الحرب الامريكية على دولة مارقة اسمها إيران!!

سماع ترامب لكلمة (الله أكبر) أثناء أحد خطاباته المتلفزة كان كفيلاً باخراج المشهد كأنه حادثة ارهابية. حيث انفرط عقد الحضور وهرع ترامب من المكان، وكأنه يقف على حافة انفجار لقنبلة موقوتة. والربط بين نداء (الله أكبر) واستعادة كلمات الارهاب لا يحتاج إلى علامات الوضوح، حتى يرمي بثقله تجاه الصراع المتفجر في الشرق. وعندما يتم ربط ايران بكل السمات اللاهوتية للدولة وكونها تمول جماعات متطرفة وتدعم بعض الأذرع التي تتحرش برديفتها اسرائيل، فهذا كفيل باثارة الاسلاموفوبيا.

وبخاصة أن الثقافة الغربية (الامريكية) تحديداً تعتبر أن اسرائيل بمثبة المولود الشرعي لها. وأن مكانها يجب أن يظل مصوناً بالأسلحة والرعاية الحربية مهما كلف أمريكا من عتاد. بل سردياً تشكل اسرائيل ترمومترا لمستوى الخطابات السياسية في الشرق الأوسط، يتم بواسطته قياس تحولات الثقافة حولها ومعرفة ردود الأفعال التي تنقلها لقيادات الغرب والبيت الأبيض. اسرائيل أضخم سردية سياسية حربية حتى الأن ويدور في فلكها أحجام ضخمة من الخطابات والوثائق التي تتطلب فك شفرتها ومعرفة كيف صيغت غرباً وشرقاً.

استكمالاً للسردية الأمريكية، يثير ترامب تيمة عالمية أخرى باعتباره مدافعاً عن العالم الحر ضد ايران، حين أشار إلى أن الحرب مهمة للعالم أجمع لمنع اعتداء إيران على مؤسساته ومكتسباته الحضارية. وكأنَّ ترامب يقول للغرب: إن ايران تنتمي إلى عالم بربري، وأن مكانها ليس بين دول العالم المعاصر. ايران دولة متوحشة مثل حيوانات الغابة المفترسة. ولا يليق بالمجتمعات المتحضرة الصمت إزاء هذا الكائن الغريب الأتي من أزمنة غابرة ليمارس الوحشية تجاه اسرائيل ودول الخليج العربي. وعلى المنظمات والهيئات الدولية أن تقف بجوار امريكا واسرائيل في حربها. والكلام لا يخلو من تحذير سردي قديم إلى من يؤيد الارهاب. ولكنه يطرق عليه بقوة ليختبر مدى سخونته المعتادة في مثل هذه المواقف. على أمل أن يلقي الكلمات، فإذا بالتاريخ القريب يكمل الحكاية الغربية.

التعبير المقلوب: أن منْ لم يؤيد أمريكا تجاه ايران، فسيكون مدعماً لارهاب سيطال العالم أجمع. وتدريجياً سيكون متورطاً معها فيما تمارس. وهذا لايخلو ضمنياً من إلقاء التهم يميناً ويساراً وبخاصة حول الصين وروسيا الاتحادية. ترامب يتلاعب سردياً بتيمة المجتمع الدولي ويغازل آذان القوى الغربية ما بين شجب مواقفه المحايدة والدعم غير الواضح لحربه على ايران. مثل العربجي (سائق العربة الكارو) الذي يضرب الحصان بالسياط (الكرباج) مرةً، ثم يأخذ بضرب الهواء مرات كثيرة ليحدث فرقعه مسموعة. فقد خاطب ترامب دول حلف الناتو بكونها دولاً لا وزن لها دون وجود الولايات المتحدة. أي أن معادلة حلف الناتو معادلة صفرية ما لم تعتمد على رمزية أمريكا في كل الحروب التي خاضها. والمقايضة السرية لا يعوزها الشرح بين تأييد الحرب بل بين الدخول في الحرب جنباً إلى جنب وبين الخروج من الباب الواسع لإفشال حلف الناتو. هكذا يقول السرد بمزيد من التهديد لمن لا يشارك حتى بالرأي.

و لم يفُت ترامب أن يلقي بمزيد من " الضخ السردي" لمن تضرر بالآثار الجانبية للحرب الامريكية الايرانية ويقصد مجتمعات ودول الخليج العربي. فقد أشار أن ضرب ايران للقواعد الامريكية في هذه الدول يعد اعتداءً على سيادتها، وأن هذا الموقف يدخل في دائرة انتهاك القوانين الدولية التي تحفظ الحقوق. وأن ايران ليست أمينة على فكرة" حُسن الجوار". وهو بالطبع يريد إثارة الشحناء والتباغض والصراعات بين ايران ودول الجوار العربي.

وليس بعيداً عن المشهد رغبة امريكا في الزج بالعرب إلى حلبة الحرب كطرف أصيل من باب الرد على الضربات الايرانية لهم. والدول الخليجية كانت في موضع" الاحراج السياسي" نتيجة الاحداث المتفاقمة. واستطاعت حتى الآن أنْ ترد بالقدر الذي تحتمله المواقف، وأن يكون ردها حراكاً دبلوماسياً وسياسياً أكثر منه عسكرياً. لأنّ البديل هو الدخول في الصراع الحي مباشرة وأن يتم دفع فاتورة حربية باهظة في صراع دموي لا ناقة لها فيه ولا جمل. وأن تتحول الدول العربية من " دول عبور" إلى أطراف أصلاء في الميدان. ثم مع المرور الوقت، تتقهقر أمريكا رويداً رويداً إلى الخلف واضعة السيادة والقدرات العربية في المقدمة. لأن أمريكا لا تعبأ بمصالح العرب ولا ايران كذلك تهتم بهذه المصالح وهناك موروثات من الأعمال السياسية التي تثبت موقف الجانبين!!

ربما ذلك ما جعل سردية ترامب مكشوفة ولم تستطع تغطية مساحة الخليج العربي حتى اللحظة. لأنه لا يمكن أن تتحمل مجتمعات الخليج الخسائر بالوكالة. مفهوم أن يكسب الأطراف بعض المواقف والمقدرات بالوكالة أوقات الصراع إذا كانت هناك مصلحة في ذلك، ولكن أن يتكبدوا خسائر فادحةً لم يكونوا هم أصحاب شرارتها ولا هم مسيري عملياتها ولم يكن القرار الأول والأخير بين أيديهم، فهذا أمر غريب إلى درجة كبيرة!! كما أنه كان منزلقاً خطيراً لم تنجر إليه دول الخليج العربي. وهذه النقطة جعلت نسيجَ السردية الأمريكية لم يكتمل. كان ترامب يأمل انجرار " العالم العربي وأكراد ايران " في العمليات الحربية حتى يسوّق الصورة أمام العالم: بأن ايران هي امبراطورية الشر المحض وليس أبلغ دليل على ذلك من كونها شريرة أمام عناصر شعبها وجيرانها العرب.

ولكن حسنا فعلت دول الخليج ذلك، لأنَّ المسألة ليست انغمار اً في احداث وصراعات الآخرين على أراضيها، ولكن المسألة تحتاج إلى تفكير خارج السردية الأمريكية الاسرائيلية وخارج السردية الايرانية بالمثل. تفكيير استراتيجي آخر يرتبط بقدرة المجتمعات الخليجية على تقوية سيادتها ووجودها الدولي على خريطة العالم وهذا له سياق آخر. وتحتاج إلى تغيير أساليب التعاون الدولي في مجالات الاقتصاد والعلاقات الدولية وتنويع مصادر السلاح والاتفاقيات العسكرية بين الدول.

غير أنَّ أمريكا تعود لتسويق الفكرة إنْ لم تكن الآن فعلى الأقل في المستقبل المنظور. يسرد ترامب أنَّ حكام ايران مجموعة من الموتورين والمختلين عقلياً ولا يجب أنْ نترك دول الجوار في أيديهم كألعويةٍ يتلهون بها من وقت لآخر. وكأنه هو المانع للحمق السياسي والحربي في المنطقة رغم أنه أبرز صانعيه. وهو يعتمد على أن السردية لن تخضع للمساءلة، ولن يقول له أحد أنَّ دول المنطقة لن تنجر إلى حرب تستنزف قدراتها وتظل كشاهد قبر لواقع مجهول. والمدهش أن ترامب لا يهتم بصورة الدول العربية أصلاً، وحتى لم يخصص لها لقاء عاماً واحداً لمناقشة الأوضاع والحلول التي تليق بالمنطقة العربية. بل تأتي المسألة الخليجية في السرد عرضاً كلما أراد ترامب تجميل المشاهد وعدم نسيان قواعده في الشرق!!

عندما تتعثر السردية الامريكية، تدخل اسرائيل لترقيعها، فلم يكف نتنياهو عن الترقيع بادعاء أن ايران دولة معادية كل العداء للشرق الأوسط. وهنا نزع نتنياهو الهويات عن أصحابها وأظهر نواياه غير البريئة إزاء وضع يده الصهيونية على تضاريس المنطقة. لقد استحالت المنطقة في سردية اسرائيل إلى دول رديفة منسلخة من جلدتها القومية والعروبية وأن تتمتع بكل مقومات أخرى إلاَّ أن تصبح دولاً وطنيةً. وهذه السردية تريد أنْ يأتي العرب عرايا أمام اسرائيل لتعطيهم العلامات والأزياء المناسبة لوجودهم السردي الجديد. هل ستحتمل دول العرب هذه السردية؟ هل يمكن التعامل مع دول المنطقة فرادى وعرايا في انتظار عناوين اسرائيل المختلقة؟

أتصور أنّ تدخل بعض الدول العربية كان لمنع اكتمال هذه السردية، حين توسطت بين أمريكا وايران لحلحلة المشكلة. فسردية نتنياهو معروفة تمام المعرفة وهي أهازيج صهيونية توراتية على إيقاع الحروب في المنطقة منذ وعد بلفور مروراً بتأسيس الكيان الاسرائيلي وحربي عام سبع وستين وأكتوبر ثلاثة وسبعين إلى ابادة غزة الأخيرة. كيف تكون سردية بهذا الخداع والالتواء التاريخي واللاهوتي قابلة للطرح؟ والعجيب أنَّ نتنياهو يقول سرديته بكامل الثقة والاريحية كأن هناك من يصدق ويؤكد قبوله لما يقال. ولذلك من باب الخداع أن يذهب نتنياهو في اتجاه امريكا حين دفعت حبكة الصراع بالانابة عن العالم الحر. وأنهما يدافعان في هذه الحرب عن كرامة الحضارة المعاصرة إزاء أوغاد العصور البدائية!! والأعجب لو نلاحظ أن موقع الأوغاد البدائيين مقعد شاغر استراتيجياً بالنسبة لأمريكا واسرائيل. فهما يضعان فيه من وقت لآخر عدواً بعينه، مرة يجلس عليه دعاة الارهاب الديني ومرة يجلس عليه الفلسطينيون أصحاب الحق والأرض ومرة يجلس عليه الايرانيون. وهناك بالطبع اعداء جدد بحسب المرحلة وصناعة العدو في المستقبل!!

استغلت ايران ثغرات السردية الامريكية الاسرائيلية، لتطرح ما تحكي: أنَّ تواجدها في المنطقة العربية نتيجة الدفاع عن الحقوق المسلوبة للشعوب الاسلامية. فالاسلام يدعو لنصرة المسلمين ولا تهم حدود الجغرافيا والتاريخ. وطبعاً يوازي التواجد الايراني ثقل التواجد الامريكي، لأن خطوط الصراع بدأت من هنا: عندما تزاحمت السردية الايرانية مع السردية الامريكية الاسرائيلية. وتبين أنَّ السردية الأمريكية لديها كما أشرت مآرب نزع الهويات لصالح اسرائيل، فكذلك إيران تنزع الهويات لصالح اتساع نفوذها والسيطرة على خريطة المقدرات العربية. ولكن إيران دخلت من باب لاهوتي كي لا تُشعِر شعوب المنطقة بالغرابة. وإنْ كانت أمريكا قد دخلت من باب الكولونيالية التي تضفر وجودها مع تواجد الكيان الصهيوني.

المشكلة في سردية إيران كونها لم تأت بالاسلام مجرداً ولا بالثقافة الاسلامية التي هي لحمة الثقافة العربية فقط، ولكن سرديتها غارقة في الايديولوجيا السياسية لولاية الفقية. أي سيكون العرب على موعد مع ثقافة غارقة في الايديولوجيا اللاهوتية المسيَّسة. وهو ما رسّخ تاريخياً – على الأقل طوال ما يربو عن أربعين عاماً - الهواجس السياسية تجاه تضخم رقعة ولاية الفقية، حتى أطلت برأسها داخل المجتمعات العربية(اليمن ولبنان والسعودية وسوريا). أي وجود بعض الطوائف العربية الذين يدينون بالولاء لمركزية ولاية الفقية في طهران. ولذلك رغم أن المجتمعات العربية ترفض سرديتي أمريكا واسرائيل إلاَّ أنهم يرفضون على المستوى نفسه سردية إيران. فالأخيرة تتدخل في المنطقة لمصالح سياسية بالاضافة إلى مرجعية أخرى ستغير الثقافة السائدة بجانب كونها ستغير آليات السلطة وأنظمة الحكم. أي أن السردية الايرانية ستكون حاملة للبديل الجذري لا مجرد التجاور الجيو سياسي فقط.

وعندما تسرد ايران بأن ضرباتها للقواعد الأمريكية في الخليج ليست إلاَّ استهدافاً لمصالح امريكا، كان صعباً على الذهنية العربية تصديق ذلك رغم كراهية اسرئيل واحتلالها لجزء من جسد الأمة العربية. لأن رواسب الحساسيات الايرانية الخليجية قد طفت على السطح مرةً أخرى. لدرجة أن التواجد الأمريكي المكلف والأضرار التي سببها بات منزوياً أمام الضربات الايرانية المنتقاة. وعاد السرد الايراني ليقول بأن دول الجوار هي دول مقدرة ولا يحمل إزاءها إلا النوايا الطيبة ولها كامل الحقوق السياسية. ولكن لم تأخذ أنظمة دول الخليج أقوالاً كهذه على محمل الجد، واعتبرتها لوناً من تلطيف الضربات العسكرية بتيمات سردية مصيرها التلاشي مرة أخرى. وسارت الشعوب العربية في الاتجاه نفسه رغم التناقض إزاء هذا الموقف والنكاية في ضرب اسرائيل وملاحقتها بالصواريخ العابرة للحدود.

الملاحظ أنَّ حربَ السرديات تجاهلت تماماً ألصق شيء بالمجتمعات العربية وهو خصوصيتها الثقافية والإنسانية. وكذلك لم تدرك العمق التاريخي للمواقف إزاء ايران وأمريكا واسرائيل. وقد يقول قائل إنَّ السردية الأمريكية الاسرائيلية تمر دون تعليقات كثيرة. ولكن هذا القول لايدرك: أنّ بعض المصالح وبعض العلاقات الخارجية قد يدفع أحياناً لغض الطرف عما يُقال من السرديات المتداولة لا سردية بعينها، ولكن أصل المواقف العربية لا يُمحى وأنَّ أصالة الحقوق والسيادة أمور غير قابلة للمقايضة.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

 

قراءة فلسفية في الموقف الأوروبي تجاه أزمات الشرق الأوسط

في تشابك الجغرافيا وتناقضات التاريخ: تُعد العلاقة بين القارة الأوروبية ومنطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً في التاريخ السياسي والفلسفي الحديث؛ إذ لا يمكن فهمها بمعزل عن إرث الاستعمار القديم الذي لم يمت، بل تناسل في قوالب جديدة تحت مسمى "الهيمنة الليبرالية المستحدثة". إن فحص الموقف الأوروبي من الحروب المستعرة في الشرق الأوسط يتطلب غوصاً في أعماق المفاهيم الفلسفية التي شكلت وعي "السيادة" و"التبعية" منذ معاهدة "صلح وستفاليا" عام 1648، وصولاً إلى انكسارات القرن الحادي والعشرين. (انظر: هوبسباوم، عصر الإمبراطورية).

 الجذور الفلسفية للسيادة وإرادة المنتصر

تأسس النظام الدولي الحديث على أنقاض الحروب الدينية في أوروبا، مما أدى إلى بلورة مفهوم "السيادة الوطنية"، الذي منح الدول استقلالاً نظرياً داخل حدودها. ومع ذلك، يرى الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين في أطروحته حول "حالة الاستثناء" أن السيادة ليست مجرد قانون يسري على الجميع، بل هي القدرة المطلقة على "تعليق القانون" نفسه. ومن هنا، فإن السيادة الأوروبية بدت تاريخياً وكأنها "إرادة المنتصر" الذي يحدد من يدخل في نطاق الحماية القانونية ومن يظل في "العراء السياسي" أو ما يسميه أغامبين "الإنسان المستباح".

التباعد الكبير وتكريس الفجوة الحضارية

ارتبطت قوة أوروبا بما يصفه المؤرخ كينيث بوميرانتس بـ "التباعد الكبير"، وهي اللحظة التاريخية التي مكنت الغرب من تجاوز قيود النمو والتحول إلى قوة مهيمنة عبر استغلال الموارد المستعمرة. هذا التباعد لم يكن اقتصادياً فحسب، بل كان فلسفياً بامتياز؛ حيث ترسخ شعور بالتفوق الأخلاقي يبرر التدخل في شؤون "الآخر" بدعوى التمدين ونشر قيم الحداثة.

في الشرق الأوسط، تم توظيف هذا المفهوم لنزع الصبغة السيادية عن الدول، وتحويلها إلى مجالات نفوذ تابعة للمركز الأوروبي. إن الفلسفة الأوروبية، رغم ادعائها الكونية، ظلت حبيسة "المركزية الغربية" التي ترى في الشرق مجرد "مختبر" لتجريب نظريات الديمقراطية أو ساحة خلفية لتصريف الأزمات الأمنية. هذا التباعد هو الذي يفسر البرود الأخلاقي الأوروبي تجاه الضحايا في الشرق الأوسط مقارنة بالضحايا في العمق الأوروبي (كما في الأزمة الأوكرانية).

استعارة "أحدب نوتردام": سيكولوجية التهميش والازدواجية

تقدم رواية فيكتور هوغو "أحدب نوتردام" (1831) أرضية خصبة لفهم الموقف الأوروبي المعاصر. إن شخصية "كوازيمودو" ليست مجرد تشويه خلقي، بل هي تمثيل رمزي لـ "الآخر" الذي يُنظر إليه بعين الريبة والاشمئزاز رغم حاجته الماسة للحماية. إن الصراع في الرواية هو صدام بين "السلطة الاستبدادية" التي يمثلها القاضي فرولو، وبين "الضحية المهمشة".

في القراءات النقدية المعاصرة، يعكس هذا التناقض الموقف الأوروبي من شعوب الشرق الأوسط؛ حيث يتم تارة الاحتفاء بالثورات والمطالب الديمقراطية (تمثلاً بقيم التنوير)، وتارة أخرى يتم شيطنة هذه الشعوب كـ "تهديدات أمنية" أو "أحمال ديمغرافية" بمجرد تحولهم إلى لاجئين يطرقون أبواب القارة. إن أوروبا هنا تلعب دور "الجمهور الغوغائي" في الرواية، الذي يرفع المهمش ملكاً للحمقى في لحظات "الربيع العربي" العابرة، ثم يسحله بالتعذيب النفسي والقوانين العنصرية عند أول بادرة خوف من فقدان الرفاهية.

"الكتاب سيقتل الصرح "

في فصل "هذا سيقتل ذاك"، يتنبأ هوغو بأن المطبعة (الكتاب) ستدمر سلطة الكاتدرائية (الصرح). وبالإسقاط على واقعنا المعاصر، فإن "الصرح" هو الدولة القومية الأوروبية بحدودها الويستفالية التقليدية، بينما "الكتاب" هو تدفق المعلومات، والشبكات العابرة للحدود، وسطوة الشركات الكبرى والقرارات التي تُتخذ في مراكز القوى العالمية.

تعاني أوروبا اليوم من تمزق وجودي؛ فهي متمسكة بـ "صرحها" المؤسساتي (الاتحاد الأوروبي)، بينما تتآكل سيادتها تحت وطأة مراكز القوى في واشنطن وبكين. هذا الانتقال من المركزية السيادية إلى التشتت النيوليبرالي خلق حالة من "الذيلية"، حيث تتبع أوروبا قرارات القوى الكبرى لأنها لم تعد قادرة على حماية فضاؤها السيادي بمفردها. إن "الكتاب" (العولمة) قد قتل بالفعل قدسية "الصرح" السيادي الأوروبي، وجعل قرارات باريس وبرلين مجرد هوامش على متن الكتاب الأمريكي.

التبعية البنيوية: أوروبا بين واشنطن والاحتلال

يبرز مفهوم "الذيلية" كأداة تحليلية محورية لفهم الموقف الأوروبي. يرى المفكر برهان غليون أن القارة تعاني من "إفلاس استراتيجي"؛ فهي تطمح لشرق أوسط مستقر يخدم مصالحها في الطاقة والأمن، لكنها ترفض في الوقت نفسه نمو أي تيار استقلالي حقيقي قد يهدد الهيمنة الغربية العامة. (المرجع: غليون، المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات، 1988).

تتجلى هذه التبعية في قبول العواصم الأوروبية للقرارات الأمريكية حتى عندما تضر بمصالح القارة المباشرة. أما في ملف الصراع العربي الإسرائيلي، فتتحول المواقف الأوروبية غالباً إلى صدى للسياسة الأمريكية، مع التركيز على "إدارة النزاع" بدلاً من حله. إن العجز الأوروبي عن فرض "حل الدولتين" أو وقف المجازر هو دليل قاطع على أن "السيادة الأوروبية" مجرد قشرة رقيقة تخفي تحتها ارتهاناً كاملاً للمظلة الأمنية الأمريكية والضغوط اللوبية الصهيونية التي تغلغلت في البنية السياسية لفرنسا وألمانيا وبريطانيا.

 يورغن هابرماس وسقوط "الفضاء العام"

يرى يورغن هابرماس أن الاتحاد الأوروبي هو وسيلة لاستعادة القدرة على تنظيم الأسواق وحماية القيم الديمقراطية عبر "الفعل التواصلي". لكن الموقف من أزمات الشرق الأوسط كشف عن فشل "اليوتوبيا الهابرماسية". فالحوار العقلاني الذي يبشر به هابرماس توقف عند حدود البحر الأبيض المتوسط. (المرجع: هابرماس، حول دستور أوروبا، 2012).

إن السيادة في الممارسة الأوروبية لم تعد تُبنى على الحوار، بل على "التحالفات الأمنية الصلبة". لقد سقط الفضاء العام الأوروبي في فخ "الأمننة"، حيث أصبحت حقوق الإنسان مجرد أداة خطابية تُستخدم ضد الخصوم، وتُعلق عندما يتعلق الأمر بالحلفاء. هذا التناقض هو ما يسميه سلافوي زيزيك بـ "الأيديولوجيا التي تعمل في الخفاء"، حيث تدعي أوروبا الحياد الأخلاقي بينما هي غارقة في دعم منظومات القمع والاحتلال.

الهيمنة الثقافية عند غرامشي وصناعة "الرضا الأوروبي"

لفهم سبب استمرار التبعية الأوروبية رغم التكاليف الباهظة، يجب الرجوع إلى مفهوم "الهيمنة الثقافية" لأنطونيو غرامشي. يرى غرامشي أن القوى المهيمنة عالمياً تحافظ على قوتها ليس عبر الإكراه الفيزيائي فحسب، بل عبر "الرضا العفوي" الذي تمنحه الدول التابعة للاتجاه العام الذي تفرضه المجموعة المهيمنة.

إن الهيمنة الأمريكية على أوروبا ليست مجرد قواعد عسكرية؛ بل هي "ثقافة سياسية" أصبحت جزءاً من "الحس السليم" للنخب الأوروبية. يتم ترويج قيم "الليبرالية المستحدثة"، والدفاع المشترك تحت لواء "الناتو"، والتحالف غير المشروط مع إسرائيل كحقائق موضوعية لا تقبل الجدل. تقوم المؤسسات الأكاديمية والإعلامية بدور "الوكلاء" الذين يرسخون هذه الهيمنة، مما يجعل أي محاولة للخروج عنها تبدو كـ "انتحار سياسي". إن أوروبا اليوم تعيش حالة "الرضا التابع" حيث تظن أنها تختار قراراتها، بينما هي تنفذ مقتضيات الهيمنة الأمريكية. (المرجع: غرامشي، دفاتر السجن).

 فشل "السلام الاقتصادي"

لقد روجت أوروبا والولايات المتحدة طويلاً لفكرة "السلام الاقتصادي"؛ وهي الفرضية التي تدعي أن التجارة والتعاون سيحلان محل الحقوق السياسية. ومع ذلك، أثبتت التجربة المريرة أن "الرخاء تحت الاحتلال" هو وهم يهدف إلى تحويل المقاومة السياسية إلى عمالة رخيصة ومستهلكين مدجنين.

إن الاستثمارات الاقتصادية دون حل سياسي يحترم حق تقرير المصير هي مجرد محاولات لـ "شراء الصمت"، وهي محاولات محكومة بالفشل كما أثبتت الانتفاضات المتكررة. الموقف الأوروبي الذي يركز على تقديم "المساعدات الإنسانية" بدلاً من ممارسة "الضغط السياسي الفعال" لإنهاء الاحتلال، هو في جوهره محاولة لتجميد الصراع وضمان استمرار التبعية الاقتصادية للمنطقة تجاه المركز الأوروبي.

نحو استعادة الفاعلية والتحرر من "الذيلية"

إن فحص الموقف الأوروبي من أزمات الشرق الأوسط يكشف عن فجوة هائلة بين "الخطاب الأخلاقي" و"الممارسة السياسية". إن أوروبا، الغارقة في إرثها الاستعماري والمرتهنة لهيمنة القوى المنتصرة في القرن العشرين، لم تعد تمتلك زمام المبادرة السيادية. إنها تلعب دور "الوصيف" المطيع لواشنطن، مع محاولات خجولة للحفاظ على ماء الوجه عبر بيانات الإدانة التي لا تغني ولا تسمن من جوع.

إن خروج أوروبا من "شرنقة التبعية" يتطلب شجاعة فلسفية لإعادة تعريف هويتها بعيداً عن المركزية الغربية المتغطرسة. وبدون ذلك، ستظل المواقف الأوروبية تتراوح بين الوعظ الأخلاقي العقيم والتبعية الاستراتيجية المهينة، وسيبقى "الصرح" الأوروبي مهدداً بالانهيار أمام "كتب" التحولات العالمية الكبرى التي تكتبها اليوم قوى صاعدة لا تقيم وزناً لـ "السيادة الويستفالية" المتآكلة.

***

غالب المسعودي

....................

مراجع

أغامبين، جورجيو (2003). حالة الاستثناء. ترجمة ناصر إسماعيل. بيروت: دار التنوير. (مرجع أساسي لفهم تعليق القانون الدولي).

غليون، برهان (1988). المسألة الطائفية ومشكلة الأقليات. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات. (لتحليل الإفلاس الاستراتيجي الأوروبي).

زيزيك، سلافوي (2008). عن العنف: تأملات في وجوه مألوفة. ترجمة فاضل جكتر. (لتحليل العنف الأيديولوجي الموضوعي).

هابرماس، يورغن (2012). حول دستور أوروبا: مقال. (لفهم طموحات وفشل المشروع التواصلي الأوروبي).

غرامشي، أنطونيو. دفاتر السجن. (لفهم آليات الهيمنة وصناعة الرضا التابع).

بوميرانتس، كينيث (2000). التباعد الكبير: الصين وأوروبا وصناعة اقتصاد العالم الحديث. (للسياق التاريخي للهيمنة الاقتصادية).

هوغو، فيكتور (1831). أحدب نوتردام. (كمصدر للاستعارة الفلسفية والأدبية في النص).

 

ثمة مفارقة لافتة تطبع تاريخ الفكر العربي الحديث وهو أنّ فكرة الوحدة نشأت قبل أن تنشأ الدول التي يُفترض أن تتوحد. فحين كان المفكرون العرب في مطالع القرن العشرين يتداولون مشاريع النهضة والوحدة، لم تكن فكرة الدولة الوطنية قد ترسّخت بعد في الوجدان الجمعي، ولم تكن الحدود قد رُسِمَت بخرائطها النهائية. وهكذا وُلِدَت الفكرة في فراغ مزدوج: فراغ الدولة من جهة، وفراغ الشعب المتخيَّل كوحدة سياسية واعية من جهة أخرى. وهذا الفراغ المزدوج هو ربما أصل المعضلة الذي لم تتجاوزه الفكرة حتى اليوم.

وغنيٌّ عن القول بأن مشروع الوحدة العربية لم يكن فكرةً عابرة أو ترفاً ثقافياً، بل كان استجابةً لتحدياتٍ كثيرةٍ وضاغطة أبرزها لاستعمار الأجنبي الذي جثم على صدر المنطقة عقوداً طويلة، وكان في الوقت ذاته محاولة لاستدعاء ماضٍ مُجيد يُستأنس به في مواجهة الحاضر المأساوي. غير أن ما بُني على الاستجابة الثورية والانفعالية، أياً كان مشروعيته الأخلاقية، يظل رهين انفعاليته، عاجزاً عن تحويل الحلم إلى هندسة عقلانية منضبطة ومتراكمة تؤدي إلى إنتاج سيرورة توحيدية حقيقية وملموسة.

اللغة... رحِم الفكرة أم مقبرتها؟

يُشكّل التساؤل عن دور اللغة في الوحدة العربية عقدةً حقيقية في قلب هذا الجدل. فالقائلون بمركزية اللغة يستندون إلى أن العربية ليست وعاءً للتواصل فحسب، بل هي نسيج الهوية وذاكرة حضارية ومستودع القيم المشتركة. وقد ذهب ميشيل عفلق، المؤسس الأيديولوجي لحزب البعث، إلى أبعد من ذلك حين جعل اللغة روحاً حيّة تسري في العروبة كما تسري في الفرد روحه، فكتب: "اللغة ليست أداةَ تعبير فحسب، بل هي العقل ذاته الذي يفكر به الشعب ويحسّ بوجوده."

بيد أن هذا الطرح يصطدم بإشكالية واقعية جوهرية وتبدو إلى حد اللحظة غير قابلة للحل أو التجاوز. فالصراعات الأيديولوجية بين التيارات العربية التي عصفت بالمنطقة كثيراً ما اتخذت من اللغة سلاحاً خطابياً لضرب خصومها لا أداةَ حوار وفهم وتواصل. فتحولت اللغة إلى سلاح ذي حدين. نعم؛ "الناس يفهمون بعضهم"، لكن هذا الفهم المباشر جعل من الفضاء العربي ساحة سهلة ومكشوفة للاحتراب الإعلامي والأيديولوجي.

وعندما تقوم أحد الأطراف بمهاجمة طرف آخر بناء على خلافات سياسية أو إيديولوجية، كانت اللغة المشتركة تضمن وصول الشتائم والتحريض والتعبئة الأيديولوجية إلى كل بيت عربي، بسهولة فائقة، دون الحاجة إلى ترجمة. لقد خلقت اللغة مجالاً عاماً واحداً، ولكنه مجال مأزوم ومحتقن، حيث أصبحت القضايا الخلافية عابرة للحدود على نحوٍ فوري وتلقائي، مما جعل اللغة عامل "استقطاب وتفريق" أكثر من كونها عامل توحيد وتوافق، فتم تسخيرها في سبيل كل أنواع الصراعات.

الجدل الفكري وخريطة الانقسامات

لم يكن الفكر العربي بمنأى عن هذه التعقيدات، بل كان مرآتها الأكثر شفافية. فقد دار داخله جدل عاصف حول طبيعة الوحدة ومشروعيتها وشروطها. ذهب التيار القومي التقليدي، في نسختيه البعثية والناصرية، إلى أن الوحدة حتميةٌ تاريخية وجغرافية وثقافية، وأن التفرّق هو الاستثناء الناجم عن عوامل خارجية بحتة (الاستعمار).

وفي مقابل هذا الموقف، انتهى عدد من المفكرين النقديين، كعبد الله العروي وهشام جعيط وجورج طرابيشي، إلى أن الوحدة ليست قدراً محتوماً، بل هي مشروعٌ ينبغي بناؤه، وبناؤه يستلزم أولاً بناء الدولة الوطنية المتماسكة التي تكون نقطة انطلاق لا نقطة تجاوز. وقد أشار العروي في "مفهوم الأيديولوجيا" إلى أن القومية العربية تعاني من خلل بنيوي: أنها تريد أن تقفز فوق مرحلة التحديث الداخلي إلى الوحدة الكبرى، وكأنها تريد بناء السقف قبل أن يُرسى الأساس.

أفرز الواقع التعديلَ التدريجي للفكرة، فتحوّل الخطاب من "الوحدة" بمعناها الاندماجي إلى "التضامن" أو "التكامل"، وهو تحوّلٌ يعكس ضمناً اعترافاً بمعوقات المشروع في صيغته الأولى. وقد تجلى ذلك في تبدّل مفردات الخطاب الرسمي العربي من "الوحدة القومية" في خمسينيات القرن الماضي وستينياته، إلى "التكامل الاقتصادي" في السبعينيات والثمانينيات، إلى ما لا يكاد يُسمى شيئاً في واقع اليوم.

وقد شهد العالم العربي منذ نهايات القرن العشرين تحولات كبرى أعادت رسم خريطة الممكن والمتخيَّل في سياق فكرة ومشروع الوحدة، لعل أبرزها:

النزعة الوطنية: أفضى الفشل المتكرر لمشاريع أو محاولات الوحدة من جهة، وصعود الدولة الوطنية وترسّخ نخبها وبيروقراطياتها ومصالحها، من جهةٍ أخرى، إلى ما يمكن تسميته بـ"الوطنية المضادة" لمشروع الوحدة التقليدي. فتحوّلت "القطرية"، وهو ما يرادف "الهوية الوطنية" من مصطلح أقرب إلى شتيمة أو إرهاص هوياتي في قاموس خمسينيات وستينيات من القرن الماضي القومي إلى التعريف الأسبق والأعمق في قائمة الهويات/الانتماءات عند كثير من مواطني الدول العربية.

صعود الهويات البديلة: بالتوازي مع تراجع الخطاب القومي العروبي، صعدت الهويات البديلة والمنافسة. الإسلام السياسي الذي يُعيد تعريف الجماعة على أساس ديني لا لغوي، والهويات الإثنية والطائفية التي كان الخطاب الوحدوي يحاول إسكاتها تحت الغطاء الأيديولوجي. فتبيّن أن الغطاء كان يُخفي لا يُذيب، وأن ما خُبّئ تحته لم يتوقف عن التراكم (والملاحظة التي لا تخلو من طرافة أن كثيراً من أشياع التيارات القومية المعاصرة اندست في عباءة الإسلام السياسي أو انسحبت إلى خندق الهوية الإثنية/الطائفية، وهناك من وزّع دم انتمائه بين الاثنين وبكل سلاسة ويُسر).

درس الهندسة الصبورة

قدّم الاتحاد الأوروبي تجربة تستحق الدراسة المعمقة. فأوروبا لم تنطلق من وحدة لغوية أو ثقافية، بل من تنوع لغوي وثقافي هائل، ومن تاريخ يزخر بحروب دموية طاحنة بلغت ذروتها في حربين عالميتين. ما أُنجز كان ثمرة مسار تدريجي متأنٍّ بدأ بالفحم والصلب في 1951 قبل أن يُتوَّج باليورو والبرلمان الأوروبي. الدرس الأبرز هو أن التكامل لم يبدأ بالوجدان القومي، بل بالمصلحة الاقتصادية المحسوبة، وبناء منظومة لإدارة الخلافات بصورة عقلانية، وإيجاد صيغة للتضامن المُلزِم وقت الأزمات. أما في العالم العربي، فقد جاءت محاولات الوحدة موازيةً لبناء الدولة، بل سابقةً عليه في أحيان كثيرة، فقد سعوا إلى إقامة الاتحاد قبل حتى قبل أن يكتمل بناء الدول ذاتها. ومع مرور الوقت لم يتم بناء منظومات فاعلة لتأسيس مصفوفة مصالح جماعية، ولمراكمة المشتركات، ولإدارة رشيدة للتباينات والاختلافات والتحديات المختلفة، بما ينتصر لروح العمل الجماعي.

نموذج آسيان (رابطة أمم جنوب شرق آسيا) يقدِّم هو الآخر درساً هاماً في هذا الصدد. فثمة تعدد ديني ولغوي وعرقي مذهل بين أعضائه، ومع ذلك حقق التكامل مستوى لافتاً في التعاون الاقتصادي والاستقرار السياسي على الرغم من كل التحديات المشتركة أو الخاصة بكل دولة. في هذا النموذج، تم التركيز على ما يجمع من مصالح اقتصادية وتنموية ملموسة بدلاً من الإغراق في الصراعات الأيديولوجية والهوياتية. لم يطرح آسيان على نفسه سؤال: "من نحن في الجوهر؟"، بل طرح السؤال الأكثر إجرائية: "ما الذي يمكننا بناؤه معاً؟". ولعل في النموذج درساً يمكن أن تستفيد منه التجربة العربية: أن الهوية المشتركة حين تتحول إلى سلاح أيديولوجي، تصبح مجالاً للمزايدات الساذجة، وعائقاً أمام التكامل لا رصيداً له.

نحو قراءة متجاوزة

ليس الغرض هنا بالطبع إثبات استحالة أي شكل من أشكال التكامل العربي، ولا الانتصار للتشرذم أو إضفاء عليه مشروعية فكرية. الغرض أن نقرأ الظاهرة بعيون نقدية مفتوحة على كل محطات التجربة وإرهاصاتها النظرية والواقعية.

ما تحتاجه المنطقة العربية اليوم ليس إعادة إحياء خطاب الوحدة في صيغته القومية الخطابية، بل طرح سؤال مختلف: ما هي المشتركات التي يمكن بناؤها على قاعدة المصلحة المحسوبة والمؤسسة القانونية وبما يُحقق ويُراكم المنافع المتبادلة واستقرار البلدان وازدهارها؟

اللغة العربية مشترَكٌ ثمين فعلاً، لكنه مشترَك في حاجة ماسة إلى تحريره من كل قيوده المُكبّلة، ورفع الوصاية الأيديولوجية عن الكلمة. فحين تُصبح اللغة فضاءً حراً للحوار والتواصل الإيجابي، لا أداةً في يد هذا التيار أو تلك الجماعة، عندها قد تُعيد اللغة مكانتها الفعلية كجسر عبور سَلِس لا كعصا غليظة تَشُق أو كسور يعَزِل.

ربما المأساة الحقيقية أن فكرة الوحدة العربية كانت صحيحة في مشاعرها خاطئةً في هندستها، سليمة في قلبها متوعكة في آليات تنفيذها. وهي دعوة للبناء من الداخل إلى الخارج، من المواطن إلى الأمة، ومن المؤسسة إلى الاتحاد. بخلاف ما كانت عليه طوال عقود: محاولة هبوط الوحدة من السماء على مجتمعات لم تُبنَ بعد.

***

أمين اليافعي

 

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات وتتكدّس فيه الإجابات الجاهزة، يبدو أن المستقبل – كما يرى الفيلسوف والروائي الإسباني خوسيه كارلوس رويث – لن يكون حليفًا لمن يحفظون الأجوبة، بل لمن يُحسنون طرح الأسئلة. هذه الفكرة تتسلل بهدوء عبر روايته «امرأة متعلّمة»، حيث تستحضر شخصيات وأفكار حنّة آرنت وكانط وفوكو وشوبنهاور وليبوفيتسكي وأرسطو وغيرهم، في رحلة أدبية وفلسفية بطلتها «إيفا»، أستاذة الفلسفة التي تبلغ ذروة إنجازها الأكاديمي، قبل أن يقلب تشخيص إصابتها بسرطانٍ عضال حياتها رأسًا على عقب. ومن خلال حواراتها مع ممرضها، تخوض سفرًا تأمليًا يشبه الوصية الأخيرة، تتناول فيه الصدق والذنب والوحدة والمغفرة والحزن، وتعيد مساءلة معنى أن نحيا بوعي.

يرى رويث أن الحوار ليس فنًا عابرًا، بل حرفة تحتاج إلى معلمين وزمن وممارسة. فالمحادثة الحقيقية، كما يوضح، تقوم على علاقة متبادلة تُنشئ رابطة بين المتحاورين. غير أن هذه العناصر جميعها تمرّ بأزمة في زمن يمجّد الفرد العصامي، ويُعلي من شأن الاكتفاء الذاتي، ويُضعف الاعتراف بفضل المعلّم أو بضرورة التعلّم من الآخر. لم يعد كثيرون ينظرون إلى من يحاورونهم بوصفهم شركاء في بحثٍ مشترك عن الحقيقة، بل بوصفهم جمهورًا يُغذّي نرجسيتهم ويمنحهم انتباهًا مؤقتًا.

المشكلة، في نظره، لا تكمن فقط في ضعف الإصغاء أو في العجز عن السؤال، بل في غياب تربية حقيقية على السؤال نفسه. فالإصغاء الفضولي يفتح باب التعلّم ويولّد أسئلة جديدة، لكن ثقافة المنصات الرقمية عزّزت نمطًا من الخطاب يقوم على إعلان المواقف لا على اختبارها. يتحول الكلام إلى بيانٍ يقينيّ يخلو من الشك، وتُغلق أبواب الحوار قبل أن تُفتح. لا مجال للسؤال، ولا مساحة للشك البنّاء. وقد أعطت الأنظمة التعليمية الأولوية للإجابات، حتى باتت الآلات الذكية قادرة على تقديمها بكفاءة، بينما يظل السؤال الجيد مهارة إنسانية نادرة. لذلك يعتقد رويث أن المستقبل سيكافئ من يعرفون كيف يسألون.

أما عن تأثير الشاشات فيرى أنه يجد صعوبة في إجراء حوار حقيقي عبرها، لأن المحادثة تبلغ ذروتها في الحضور المباشر، حيث تتداخل الإيماءات ونبرات الصوت وتعابير الوجه في تشكيل المعنى. الشاشة، رغم قدرتها على وصل البعيد، تظل وسيطًا يفصل بقدر ما يصل، وتخضع الرسالة لقواعدها السردية، فيصبح الإطار مؤثرًا في المضمون، وغالبًا ما يختزله ويُفقِره.

وتثير الرواية أيضًا سؤال العلاقة بين الفلسفة وكتب التنمية الذاتية. بطلة العمل، بوصفها أستاذة للفلسفة، تنظر بعين نقدية إلى ما تعتبره تبسيطًا مُخلًّا لأفكار الفلاسفة الكبار. فبدل قراءة سينيكا أو شيشرون أو أبيقور أو ماركوس أوريليوس في سياقاتهم، تُقدَّم خلاصات سريعة وشعارات مختزلة تفقد روح النص الأصلي. ومع ذلك، تعود البطلة في لحظاتها الأخيرة إلى محاولة مخاطبة الناس بلغة أقرب إلى حياتهم اليومية، في مفارقة تُظهر توتر العلاقة بين الصرامة الأكاديمية والرغبة في التأثير الواسع.

في حديثه عن الصدق، يؤكد رويث أن من الصعب إقناع الناس نظريًا بفضيلته، لكن تجربة الكذب تكشف ثقلَه. فالكذبة عبءٌ مستمر؛ إذ تفرض على صاحبها أن يحافظ عليها خشية انكشافه. إنها سجنٌ زمنيّ، بينما الصدق – رغم كلفته – يحرّر صاحبه من ذلك العبء. أحيانًا لا يدرك الإنسان معنى الحرية إلا حين يختبر قيود الزيف.

ومن موقعه أستاذًا جامعيًا، يلاحظ رويث تقلّص الثروة اللغوية لدى الطلاب، بل في المجتمع عمومًا. فقد صارت الرسائل الإعلامية أكثر اختزالًا وأقرب إلى اللغة الإعلانية منها إلى اللغة التأملية، وتراجعت المفردات الدقيقة التي كانت تثري الكتب المدرسية. هذا التبسيط المفرط، وإن جاء بدعوى تسهيل الفهم، قد يُفضي إلى إفقار إدراكي؛ إذ غالبًا ما ترتبط محدودية المفردات بضعف القدرة على التفكير المعقّد. كما أن الفوارق اللغوية بين الطبقات الاجتماعية قد تعمّق فجوات قائمة، ما يستدعي مقاومة تربوية تُعيد الاعتبار لتعلّم اللغة وإتقانها بوصفه فعلًا يحفظ الكرامة الفكرية.

وحول هيمنة الترفيه على حساب المعرفة، يرى رويث أن المشكلة ليست في تفضيل المتعة على التعلّم، بل في ضعف الإرادة اللازمة لبذل الجهد الذي يتطلبه اكتساب المعرفة. فالناس بطبيعتهم لا يرغبون في الجهل، لكنهم يحتاجون إلى اختبار لذة الفهم بأنفسهم. وهنا يكمن التحدي التربوي الأكبر: توفير بيئة ومنهج وأدوات تُمكّن الأجيال الجديدة من تذوّق متعة المعرفة، لا بوصفها واجبًا ثقيلًا، بل خبرة مُرضية تُغني حياتهم وتوسّع أفقهم.

بهذا المعنى، لا تتحدث رواية «امرأة متعلّمة» عن مرضٍ فردي بقدر ما تُشخّص عِلّة أوسع في طريقة عيشنا وتواصلنا وتعلّمنا. إنها دعوة إلى استعادة الحوار، وإعادة الاعتبار للسؤال، والتمسك بثراء اللغة، والرهان على المعرفة بوصفها تجربة تحرّر لا عبئًا إضافيًا في حياة مثقلة بالإجابات السريعة.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

ان الانسان كثيرا ما ينخدع ببريق المعرفة الشكلية مئات الكتب التي يقرأها او الشهادات الممهورة باختام جامعات عريقة او المكانة الاجتماعية التي يحوزها او المنصب الوظيفي الذي يتكئ عليه غير ان كل هذه المكاسب تظل بلا قيمة حقيقية اذا لم تتحول الى جوهر يغني الروح ويهذب الضمير ويعمق القدرة على التمييز الاخلاقي والمعرفي والشعوري

المعرفة في ذاتها ليست ضمانا للفضيلة بل قد تكون احيانا حجابا يحجب الانسان عن ذاته اذا لم تصقل بالوعي النقدي ولم تصف بالممارسة الاخلاقية فما جدوى عقل واسع الاطلاع ان كان اسيرا لرغباته الضيقة وانفعالاته اللحظية وما نفع ثقافة مترامية الاطراف اذا كانت عاجزة عن تحرير صاحبها من اسر التعصب والانحياز لقناعات مسبقة لا تفعل سوى اعادة انتاج الجهل في صورة اخرى

ان الامتحان الحقيقي لكل ما يراكمه الانسان من معرفة يكمن في مدى قدرته على بناء انسان اكثر عدلا ورحمة اكثر تبصرا وحيادا اقل انقيادا لسطوة الاهواء ومن هنا فان القيمة الاخلاقية والمعرفية لا تستمد من حجم ما نقرأ او ما نمتلك من القاب بل من الكيفية التي تعيد بها هذه المعارف تشكيل وعينا وتهذب بها قدرتنا على الحكم على العالم وتحررنا من ضيق الذات نحو افق الانسانية الرحب.

الارتباط بين المعرفة والقيمة الاخلاقية شرطا ضروريا لبناء انسان متوازن يدرك ان المعرفة ليست امتيازا شخصيا يتباهى به بل امانة في عنقه وان الاخلاق ليست شعارات براقة بل ميزان يزن به اختياراته وافعاله. فالمعرفة الحقيقية هي التي تزرع في صاحبها حس المسؤولية والعدل والرحمة والاخلاق الاصيلة هي التي تجعل من العلم جسرا الى خدمة الانسانية لا سلما الي النفوذ والألقاب.

واخيرا إن قيمة الإنسان لا تقاس بكم الكتب التي التهمها، ولا بعدد الشهادات الممهورة بختم الجامعات، ولا بارتفاع موقعه الاجتماعي أو لمعان منصبه الوظيفي؛ فكل ذلك يظل أدوات خاوية إذا لم يفضِ إلى جوهر أرقى، يتمثل في القدرة على التمييز الأخلاقي والمعرفي والشعوري.

ولهذا تغدو الفلسفة بما هي مشروع نقدي متواصل ليست مجرد ترف عقلي او زخرفة فكرية بل دعوة ملحة لاعادة تعريف انسانيتنا وتذكير دائم بان قيمة الانسان لا تختبر فيما يحفظه بل فيما يصبح عليه.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

كلما انجذب القلب إلى سؤال العلة، وانفتح العقل على أفق المعرفة، تعود الذاكرة إلى نصّ حي بن يقظان للفيلسوف والمفكر الأندلسي أحمد بن طفيل، باعتباره مختبرا سرديا استشكاليا للوجود، تتقاطع فيه التجربة الإنسانية مع أعمق أسئلة الإدراك. ففي عزلة جزيرة مهجورة نائية ينمو الكائن الإنساني خارج اللغة الموروثة، خارج الجماعة، ليختبر إمكانات العقل وحده، وقدرته على اقتحام حجب العالم.

هذا النص الفانتاستيكي لم يكتف بإثارة سؤال: كيف نعرف؟ بل دفعه إلى تخومه القصوى: ما الذي يؤسس المعرفة في أصلها؟ أهي الحواس، أم العقل، أم حدس يتجاوزهما معا؟ وهل يظل الإنسان قادرا على بناء عالمه المعرفي انطلاقا من فطرته، أم أن المعرفة قدرٌ اجتماعي لا يكتمل إلا بالآخرين؟

في هذا الأفق، تتجاور مسارات فكرية كبرى، من ابن سينا إلى أبو بكر الرازي، ومن شهاب الدين السهروردي إلى ابن طفيل نفسه. جميعهم سعوا إلى استكشاف العلاقة بين العقل الإنساني والعقل الكلي، بين المحدود والمطلق، بين الأرضي والعلوي. في هذا المسار، يتدرج الوعي من المحسوس إلى المعقول، ومن المعقول إلى إشراقٍ يكاد يلامس ما يسميه المتصوفة "عين اليقين".

يقول ابن سينا إن النفس "تعلم ذاتها بذاتها"، في إشارة إلى قدرة داخلية على إدراك الحقيقة دون وسيط خارجي. ويذهب شهاب الدين السهروردي إلى أن المعرفة نورٌ، وأن الإدراك ليس سوى انكشافٍ تدريجي لذلك النور في مراتب الوجود. أما أبو حامد الغزالي، فيجعل من التجربة الباطنية مسارا يتجاوز حدود البرهان، حين يكتب: "ليس الخبر كالمعاينة".

وبين هذه الرؤى، يتشكل سؤال مركزي: هل المعرفة بناءٌ عقلي صرف، أم تجربة وجودية يعيشها الإنسان بكليته؟

إن ما يفتحه نص ابن طفيل لا ينتمي إلى زمنه وحده، بل يتسلل إلى راهننا بأسئلة أكثر إلحاحاً: كيف نفكر في عصر تُنتج فيه الخوارزميات معارف جاهزة؟ وهل ما نستهلكه من معلومات يقودنا إلى الحكمة، أم يراكم وهماً بالمعرفة؟ وهل ما يزال بإمكان الإنسان أن يخلو إلى ذاته ليعيد اكتشاف العالم، كما فعل "حي"، أم أن الضجيج الرقمي صار بديلاً عن التأمل؟

لقد نبه رينيه ديكارت إلى أن الشك هو بداية اليقين، غير أن زمننا يكاد يعكس المعادلة: يقين سريع بلا شك، ومعرفة فورية بلا مسار. بينما يذكّر مارتن هايدغر بأن "السؤال هو تقوى الفكر"، وكأن التفكير الحق يبدأ حين نتريث أمام المجهول، لا حين نغلقه بإجابات جاهزة.

أما في الأفق الصوفي، فإن جلال الدين الرومي يرى أن "ما تبحث عنه يبحث عنك"، في إشارة إلى علاقة جدلية بين العارف والمعروف، حيث تتحول المعرفة إلى رحلة وجود، لا مجرد تحصيل.

وفي ضوء ذلك، تغدو سردية "حي بن يقظان" مرآة مزدوجة، تعكس إمكانات الإنسان في بلوغ المعرفة، وتكشف في الآن نفسه هشاشة يقيناته. فهي تطرح من داخل سرديتها، سؤالا لم يفقد راهنيته، يتوجه بالاستفهام عن ماهية المعرفة هل هي طريقٌ إلى الحرية، أم عبءٌ يضاعف اغتراب الإنسان في عالم يتسارع بلا معنى؟

إن القراءة المتجددة لهذا النص تفتح أفقا للتفكير في علاقة الإنسان بزمنه: كيف يتغير الوعي حين تتغير وسائط الإدراك؟ وكيف يعاد تشكيل الحقيقة في عالم تتداخل فيه الحدود بين الواقع والتمثيل؟

يظل نص ابن طفيل مشتعلا في عمق الأسئلة، لا يقدّم أجوبة نهائية، بل يوقظ فينا ذلك القلق المعرفي الخلاق، الذي يجعل من الإنسان كائناً يسأل… لأن السؤال في جوهره، هو أول أشكال الحرية.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

ويتعالى على الدول والامبراطوريات

تظل الفلسفة اختصاصاً فوق المذاهب والفرق، وتتعالى على الدول والإمبراطوريات، لأنها ليست مجرد فن من الفنون أو علم من العلوم، بل هي النشاط الإنساني الوحيد الذي يجعل الإنسان يواجه نفسه ووجوده وكل ما يُبنى حوله من أسوار، في مواجهة مفتوحة لا تعرف حدوداً ولا تُقيَّد بسلطة. فمنذ أن نطق سقراط في أثينا بأن «الفيلسوف هو الذي يعرف أنه لا يعرف»، أصبحت الفلسفة ذلك الصوت الذي يرفض أن يُسجَن داخل مذاهب أو يُستعبد لإمبراطوريات. إنها تتجاوز الفرق الدينية لأنها تسأل عن الإله نفسه قبل أن تؤمن به، وتتجاوز الدول لأنها تُسائل السلطة قبل أن تخضع لها، وتتجاوز الإمبراطوريات لأنها تُفكّك الأساطير التي تُبنى عليها هذه الإمبراطوريات، حتى لو كانت إمبراطوريات العقل ذاتها. في أصولها اليونانية، كانت الفلسفة قد ولدت بالفعل متعالية على المدينة-الدولة. سقراط لم يكن أثينياً يدافع عن ديمقراطية أثينا، بل كان مواطناً كونياً يُحاكم الديمقراطية نفسها أمام محكمة العقل. عندما رفض أن يهرب من السجن، لم يكن يخضع لقانون الدولة، بل كان يُثبت أن العقل أعلى من أي قانون. أفلاطون أخذ هذا الإرث وصاغه في «الجمهورية» التي ليست دولة حقيقية، بل نموذجاً مثالياً يتجاوز كل دولة موجودة، حتى إمبراطورية الإسكندر التي جاءت بعده. أرسطو، تلميذه، لم يقف عند حدود المدينة اليونانية؛ بل جعل المنطق أداة كونية تُطبَّق على كل لغة وعلى كل حضارة.

هكذا أصبحت الفلسفة، منذ البداية، ليست ملكاً لأثينا أو لمقدونيا، بل ملكاً للإنسان كإنسان. وهذا التعالي لم يكن رفاهية، بل كان شرط بقائها: فلو أنها خضعت لمذهب أو لدولة لماتت مع موت ذلك المذهب أو سقوط تلك الدولة. عندما انتقلت الفلسفة إلى العالم الإسلامي في العصر الذهبي، لم تكن مجرد ترجمة لأرسطو، بل كانت تجاوزاً جديداً للفرق والمذاهب. الكندي والفارابي وابن سينا وابن رشد لم يُخضعوا الفلسفة للشريعة، ولم يُخضعوا الشريعة للفلسفة؛ بل جعلوها حكماً بينهما. ابن رشد في «فصل المقال» لم يكن يدافع عن مذهب أشعري أو معتزلي، بل كان يُثبت أن العقل الإنساني قادر على الوصول إلى الحقيقة بغض النظر عن النص الديني. وحينما حُورب ابن رشد في الأندلس، لم تمت الفلسفة معه؛ بل انتقلت إلى أوروبا لتُغذّي النهضة، لأنها كانت قد أصبحت فوق الخلافة العباسية والدولة الأموية والإمبراطورية العثمانية. الفلسفة هنا لم تكن «فلسفة إسلامية» بمعنى الملكية، بل كانت فلسفة الإنسان الذي يحدث أن يكون مسلماً أو يهودياً أو مسيحياً، لكن عقله يظل حراً.  ثم جاءت الحداثة الأوروبية لتُؤكّد هذا التعالي بطريقة أشد جذرية. ديكارت لم يكن فرنسياً يخدم الملك لويس الرابع عشر؛ بل كان عقلانياً يُشكّك في كل شيء، حتى في وجود الملك نفسه، حتى وصل إلى «أنا أفكر إذن أنا موجود» الذي يتجاوز كل إمبراطورية. كانط، في كونيغسبرغ، لم يكن يخدم بروسيا؛ بل كان يُعلن أن «التنوير هو خروج الإنسان من قصوره الذي هو ذنبه» – قصور لا يقتصر على الكنيسة أو الدولة، بل يشمل كل سلطة خارجية. هيجل رأى في التاريخ نفسه صيرورة الروح المطلقة، لكنه لم يجعل الروح ملكاً لإمبراطورية نابليون أو للدولة البروسية؛ بل جعل كل دولة وكل إمبراطورية لحظة مؤقتة في حركة الروح التي تتجاوزها جميعاً.

نيتشه أعلن موت الإله، لكنه في الوقت نفسه أعلن موت كل إيديولوجيا وكل قومية وكل إمبراطورية تُبنى على أكذوبة «الأنا الجماعي». حتى ماركس، الذي بدا وكأنه يخدم طبقة، كان في الحقيقة يُفكّك كل دولة وكل إمبراطورية بوصفها أدوات للاستغلال، ويُعلن أن الفلسفة الحقيقية هي التي تُغيّر العالم لا التي تفسره فقط – وهذا التغيير نفسه يتجاوز كل حدود قومية. في القرن العشرين، حينما سقطت الإمبراطوريات الكبرى – العثمانية والنمساوية المجرية والبريطانية والسوفييتية – بقيت الفلسفة واقفة. هوسرل في ألمانيا النازية كان يُصفّي الوعي الخالص من كل واقعية قومية. هيدجر، رغم تورطه السياسي المؤسف، كان يُعلن نهاية الميتافيزيقا التي خدمت كل الإمبراطوريات. سارتر في فرنسا المحتلة كان يُعلن أن «الوجود يسبق الماهية»، فالإنسان حر حتى لو كانت الدولة سجناً. هابرماس بعد الحرب العالمية الثانية أعاد بناء العقلانية ليس كعقل ألماني أو أوروبي، بل كعقل تواصلي عابر للحدود يُنقذ الحداثة من براثن الإيديولوجيا. حتى في العالم العربي، كان طه حسين وعلي الوردي وزكي نجيب محمود يُمارسون الفلسفة لا كدفاع عن قومية عربية، بل كتفكيك للأساطير القومية نفسها، وكتجاوز للصراعات المذهبية بين سنة وشيعة أو بين علمانيين وإسلاميين. فما الذي يجعل الفلسفة قادرة على هذا التعالي الدائم؟ إنه طبيعتها المزدوجة: هي نقد وهي بناء في آن واحد. كل مذهب يُقدّم إجابة نهائية، أما الفلسفة فتُسائل الإجابة نفسها. كل دولة تُبنى على أسطورة شرعية، أما الفلسفة فتُفكّك الأسطورة. كل إمبراطورية تُدَّعي أنها نهاية التاريخ، أما الفلسفة فتُعلن أن التاريخ لم ينتهِ بعد، وأن كل نهاية هي بداية جديدة للسؤال. الفلسفة هي فوق المذاهب لأنها تُحوّل المذهب إلى موضوع للتفكير لا إلى قيد للمفكر. وهي فوق الدول لأنها تُحوّل المواطن إلى كائن كوني يُسائل انتماءه نفسه. وهي فوق الإمبراطوريات لأنها تُذكّر كل إمبراطور أن سلطته مؤقتة، وأن العقل الذي يُفكّر فيها أبدي. من ناحية أخرى، تظل الفلسفة ليست مجرد شاهد على الثورات، بل هي الشرارة التي تشعلها، والنور الذي يضيء طريقها، والمحكمة التي تُحاكم نتائجها. فالثورة ليست مجرد انفجار شعبي أو انقلاب سياسي؛ إنها لحظة يُعاد فيها تشكيل الوجود الإنساني نفسه، وهذا الإعادة لا يمكن أن تحدث دون أن يسبقها سؤال فلسفي جذري: ما الذي يجعل النظام القائم غير عادل؟ وما البديل الذي يستحق التضحية بالدم والروح؟

الفلسفة هنا ليست رفيقة الثورة فحسب، بل هي أمها الروحية، لأنها تُحوّل الغضب إلى وعي، والاحتجاج إلى برنامج، والفوضى إلى مشروع تحرري كوني. منذ البداية، كانت الفلسفة ثورية في جوهرها. سقراط، في أثينا، لم يقُد جيشاً ولم يُشعل حريقاً، لكنه أشعل ثورة داخلية في عقول الشباب حينما سأل: «ما العدالة؟» و«من يستحق الحكم؟». هذا السؤال نفسه هو الذي جعل أثينا تُحاكمه وتُعدمه، لأن الديمقراطية نفسها شعرت أن الفلسفة تهدد أسسها. أفلاطون أخذ هذه الثورة السقراطية وجعلها نموذجاً في «الجمهورية»، حيث دعا إلى ثورة كاملة ضد الحكم الديمقراطي الفاسد، مطالبًا بملك فيلسوف يُقلب نظام الأشياء رأساً على عقب. هكذا أصبحت الفلسفة أول من أعلن أن الثورة ليست تغييراً سطحياً للحكام، بل تغييراً للروح الجماعية، للقيم، للأساطير التي تُبنى عليها الدول. أرسطو، بدوره، أضاف البعد العملي: الثورة عنده ليست مجرد تغيير، بل هي تصحيح للانحراف عن الدستور الطبيعي، فالفلسفة هي التي تُحدد متى تكون الثورة مشروعة ومتى تكون فوضى. لكن الثورة الحديثة الحقيقية، كما نعرفها، ولدت من رحم الفلسفة التنويرية. لوك ومونتسكيو وروسو لم يكتبوا بيانات ثورية بالمعنى الحرفي، لكنهم كتبوا الدستور الروحي للثورة الفرنسية والأمريكية. لوك أعلن أن الحكم يقوم على العقد الاجتماعي، وأن الشعب له الحق في الثورة إذا انتهك الحاكم هذا العقد – فكرة أصبحت شعار «لا ضرائب بدون تمثيل» في أمريكا. روسو ذهب أبعد: «الإنسان يولد حراً ويُوجد في كل مكان مقيداً»، فالثورة عنده ليست مجرد تغيير سياسي، بل عودة إلى الطبيعة الحرة، إلى الإرادة العامة التي تُلغي كل سلطة غير مشروعة. حينما اندلعت الثورة الفرنسية عام 1789، كان الشعب يهتف بأسماء هؤلاء الفلاسفة، وكان روبسبيير يقرأ روسو ليبرر الإرهاب الثوري نفسه. الفلسفة هنا لم تكن أداة، بل كانت الوعي الذي حوّل الجياع إلى مواطنين، والرعايا إلى أحرار. كانط، في كونيغسبرغ البعيدة، لم يشارك في الثورة الفرنسية جسدياً، لكنه أعلن أنها «حدث تاريخي لا يُنسى» لأنها أثبتت أن الإنسان قادر على أن يخرج من قصوره الذاتي. كانط رأى في الثورة تجسيداً للعقل العملي: الحرية ليست هدية، بل واجب فلسفي. هيجل أخذ هذا الإرث وجعله جدلياً: الثورة هي لحظة في صيرورة الروح، حيث ينفي الواقع نفسه ليصل إلى مرحلة أعلى. الثورة الفرنسية عنده ليست خطأً، بل ضرورة تاريخية جعلت الحرية تتحقق في الدولة الحديثة. هكذا أصبحت الفلسفة ليست فقط مُلهمة للثورة، بل مُفسِّرة لها، ومُبرِّرة لها، وناقدة لها في الوقت نفسه. ثم جاء ماركس ليُحوّل الفلسفة إلى سلاح ثوري مباشر. في «البيان الشيوعي» و«رأس المال»، لم يعد الفيلسوف يفسر العالم، بل يغيّره. ماركس أخذ من هيجل الجدل، ومن فيورباخ النقد الديني، ومن الاقتصاد السياسي الإنجليزي، ليصنع فلسفة الثورة البروليتارية: الثورة ليست مجرد تغيير سياسي، بل قلب للبنية الاقتصادية نفسها، ثورة تُنهي الاغتراب الإنساني وتُعيد الإنسان إلى ذاته. بدون هذه الفلسفة، لما كانت هناك ثورة أكتوبر 1917 في روسيا، ولا الثورات الصينية والكوبية والفيتنامية. لينين نفسه كان يقرأ هيجل في أثناء المنفى ليُعدّل الماركسية، وماو تسي تونغ كان يُطبّق الفلسفة الماركسية على الواقع الصيني كأداة ثورية. هنا تكشف الفلسفة عن وجهها الأقوى: قدرتها على أن تتحول من تأمل إلى فعل، من نظرية إلى براكسيس. في القرن العشرين، أصبحت الفلسفة شريكة في ثورات التحرر الوطني والوجودية. سارتر وكامو وفانون لم يكتبوا فقط عن الحرية، بل جعلوا الوجودية فلسفة الثورة الجزائرية والكونغولية والفلسطينية. سارتر قال: «الإنسان محكوم عليه بالحرية»، فالثورة هي التعبير الأعلى عن هذه الحرية في مواجهة الاستعمار. فرانز فانون في «معذبو الأرض» حوّل الفلسفة إلى تحليل نفسي وسياسي للعنف الثوري: العنف ليس وحشية، بل تنظيف للوعي المستعمَر. هكذا أصبحت الفلسفة ليست فقط أوروبية، بل كونية، تشعل ثورات في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية. حتى في ثورات القرن الحادي والعشرين، كالربيع العربي، كانت الفلسفة حاضرة بصمت عميق. لم تكن هناك كتب فلسفية تُقرأ في الميادين، لكن الأسئلة الفلسفية كانت تُهتف: «الشعب يريد إسقاط النظام» – هذا ليس شعاراً سياسياً فحسب، بل هو صدى لروسو ولوك وماركس. الشباب العربي كان يطالب بالكرامة والحرية والعدالة، وهذه قيم فلسفية قبل أن تكون سياسية. المفكر الايراني علي شريعتي أو الفيلسوف التونسي زهير الخويلدي أو المصري حسن حنفي كانوا يُقدّمون نقداً فلسفياً للاستبداد قبل الثورة وبعدها، يُفككون أساطير الدولة الأمنية ويطالبون بفلسفة عربية جديدة تُعيد بناء الوعي الثوري. حتى في فشل بعض هذه الثورات، كانت الفلسفة هي التي تُحاكم الفشل: لماذا تحولت الثورة إلى استبداد جديد؟ هذا السؤال هو الذي يُبقي الثورة حية في الوعي الجماعي. فما الذي يجعل دور الفلسفة في الثورات بهذا العمق والاستمرار؟ إنه قدرتها على أن تكون نقدية وإبداعية في آن. الفلسفة تنقد الواقع القائم بلا رحمة (نقد الميتافيزيقا عند نيتشه، نقد الإيديولوجيا عند ماركس، نقد السلطة عند فوكو)، ثم تُقدّم رؤية بديلة (المدينة الفاضلة عند أفلاطون، الإرادة العامة عند روسو، المجتمع اللا طبقي عند ماركس، الوجود الحر عند سارتر). هي تُحوّل الثورة من رد فعل غريزي إلى مشروع عقلاني، ومن لحظة عنف إلى عملية تحرر مستمرة. بدون الفلسفة، تتحول الثورات إلى انقلابات أو فوضى أو ديكتاتوريات جديدة. أما معها، فتصبح الثورة لحظة في صيرورة الإنسان نحو الحرية الكاملة. لذلك، تظل الفلسفة في كل ثورة هي الصوت الذي لا يُسكت: صوت يُذكّر الثوار أن السلطة الجديدة قد تصبح استبداداً إذا لم تُحاكم فلسفياً، وأن الحرية ليست نهاية الطريق بل بدايته. الثورة تموت إذا مات السؤال الفلسفي في داخلها. ولهذا السبب، مهما سقطت الأنظمة ومهما انتصرت الثورات أو فشلت، فإن الفلسفة تبقى هي الثورة الدائمة، الثورة التي لا تنتهي لأنها ثورة العقل على كل ما يُقيّده. هي التي تُعلّم الإنسان أن يثور على نفسه أولاً، ثم على العالم، حتى يصبح الوجود كله ثورة مستمرة نحو ما هو أفضل، نحو ما هو إنساني أكثر. لذلك تظل الفلسفة، حتى في أحلك العصور، ذلك الملاذ الذي لا يُغلق. حينما تُحرق الكتب، يبقى السؤال الفلسفي محترقاً في الذاكرة. حينما تُسجن الأجساد، يبقى العقل حراً. حينما تسقط الإمبراطوريات، تبقى الفلسفة تكتب تاريخاً جديداً. إنها ليست اختصاصاً أكاديمياً ضيقاً، بل هي الطريقة الوحيدة التي يستطيع بها الإنسان أن يعيش فوق كل ما يُبنى حوله من أصنام. ولهذا السبب، مهما تغيّرت المذاهب والفرق، ومهما سقطت الدول والإمبراطوريات، فإن الفلسفة تبقى هي الوحيدة التي لا تسقط، لأنها ليست شيئاً يُبنى، بل هي الفعل الذي يُفكّك كل بناء ويُعيد بناءه على أساس العقل الحر. هذا هو سر بقائها الأبدي، وهذا هو سر تعاليها الذي لا يُقهر: أنها ليست ملك أحد، بل هي الملكية الوحيدة التي يمتلكها كل إنسان بمجرد أن يبدأ في التفكير.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

يشكّل العنف في المدارس إحدى الإشكاليات التربوية الأكثر تعقيداً في العصر الحديث، نظراً لتداخل أسبابه وتشابكها بين الجوانب الأسرية والنفسية والتربوية والاجتماعية. وتؤكد التقارير الدولية أن ملايين الطلاب حول العالم يتعرضون سنوياً لأشكال من الاعتداء البدني أو اللفظي أو النفسي أو الرقمي داخل بيئاتهم التعليمية، وهو ما يجعل هذه الظاهرة تهديداً مباشراً لسلامة الطلاب النفسية وتقدّمهم الأكاديمي، ولقدرة المدرسة على أداء رسالتها التربوية في بيئة آمنة. ومن خلال تحليل أعمق، يتّضح أن العنف المدرسي لا ينشأ من فراغ، بل هو نتاج منظومة متداخلة من الظروف الاجتماعية والاقتصادية والتربوية التي تشكّل شخصية الطالب وتحدد طريقة تعامله مع الضغوط والتحديات اليومية.

إن تأثير البيئة الأسرية يظل أحد أهم العوامل المؤثرة في تكوين السلوك العدواني لدى الأطفال. فالطفل الذي يعيش في أسرة يسودها التوتر والصراعات، أو يشهد ممارسات عنيفة، أو يعاني من الإهمال العاطفي، غالباً ما يفتقد آليات التعامل الصحي مع المشكلات، فيلجأ إلى العنف باعتباره وسيلة للتعبير أو الدفاع أو فرض الذات. كما أن الأساليب التربوية القائمة على العقاب البدني أو الإذلال أو المقارنات القاسية تزرع في الطفل شعوراً بعدم الأمان والانتقاص، ما يجعله ميّالاً إلى ممارسة السلوك العدواني داخل المدرسة كردّ فعل انعكاسي. ولا يمكن إغفال أثر الضغوط الاقتصادية التي تعاني منها بعض الأسر، إذ تؤدي هذه الضغوط إلى زيادة التوتر داخل المنزل وإضعاف قدرة الوالدين على المتابعة والتواصل مع الأبناء، فينشأ الطفل في بيئة لا توفر له القدر الكافي من الدعم العاطفي والاستقرار النفسي.

أما المدرسة بوصفها البيئة الثانية للطالب، فهي تؤدي دوراً متناقضاً؛ فقد تكون مكاناً للنمو والتطور، وقد تصبح في غياب التخطيط والتوجيه ساحة للعنف والصراع. فالمدارس التي تفتقر إلى سياسات واضحة للسلوك والانضباط، أو التي يسودها غموض في الإجراءات وآليات التعامل مع المشكلات، تصبح بيئة خصبة للعنف. كذلك فإن الاكتظاظ في الفصول، وضعف الرقابة في الممرات والساحات، وغياب الأنشطة اللامنهجية التي تساعد الطلاب على تفريغ طاقاتهم بطريقة إيجابية، كلها عوامل تزيد من احتمالية الاحتكاكات والصراعات بين الطلاب. ويُضاف إلى ذلك تأثير العلاقة بين الطلاب والمعلمين، إذ تؤكد الأدلة أن المعلم الذي يتبع أسلوباً قاسياً، أو يمارس تمييزاً أو يسخر من الطلاب، يُسهم بشكل غير مباشر في تشجيع السلوك العدواني بينهم، بينما يسهم المعلم الذي يتمتع بالعدل والحزم والاحترام في بناء بيئة مدرسية آمنة تقل فيها معدلات العنف.

وتُظهر الدراسات المتخصصة أن العوامل النفسية لها أهمية كبيرة في تفسير الظاهرة. فبعض الطلاب يعانون من مشكلات في التنظيم الانفعالي أو لديهم صعوبات في ضبط الغضب أو يتميزون بمستويات عالية من الاندفاعية دون تلقي الدعم النفسي المناسب، مما يجعلهم أكثر استعداداً للجوء إلى العنف في مواقف التوتر. كما أن الطلاب الذين يعانون من مشاعر الدونية أو الإقصاء أو الوصم الاجتماعي غالباً ما يبحثون عن طرق لتعويض هذا الشعور من خلال فرض الهيمنة على الآخرين أو اكتساب مكانة اجتماعية داخل المجموعة باستخدام القوة. ويرتبط هذا بالضرورة بدور ضغط الجماعة المدرسية، حيث قد يلجأ الطالب للعنف فقط ليحظى بقبول أو اعتراف من زملائه.

وتكتسب الظاهرة بعداً جديداً مع تطور التكنولوجيا، حيث أصبح التنمّر الإلكتروني أحد أخطر أشكال العنف التي يصعب كشفها أو احتواؤها. فالعنف الرقمي يتميز باستمراريته وانتشاره وسهولة ممارسته دون مواجهة مباشرة، مما يسمح للمعتدي بأن يمارس ضغطاً نفسياً كبيراً على الضحية عبر الصور أو المقاطع أو الرسائل المسيئة. ويضاعف العالم الرقمي من معاناة الطلاب، لأن آثار الإساءة لا تتوقف عند حدود المدرسة، بل تمتد إلى المنزل والفضاء الشخصي للطفل، وهو ما يجعل هذا النوع من العنف أكثر وطأة وتهديداً للصحة النفسية.

أما عن الآثار المترتبة على العنف المدرسي، فإنها تتجاوز حدود الضرر المباشر وقد تمتد لسنوات. فالطلاب المتعرضون للعنف يعانون غالباً من القلق المزمن، والشعور بالتهديد، وتراجع تقدير الذات، وظهور أعراض اكتئابية، وربما اضطرابات سلوكية. وينعكس هذا على تحصيلهم الدراسي الذي يتراجع نتيجة ضعف التركيز، والخوف من المشاركة الصفية، والغياب المتكرر عن المدرسة. كما تخلق ظاهرة العنف بيئة مدرسية مشوهة يسودها التوتر والقلق وعدم الانتماء، ما يؤدي إلى انخفاض الروح المعنوية بين الطلاب والمعلمين، وتراجع جودة التعليم. وعلى المستوى الاجتماعي، يؤدي انتشار العنف إلى تآكل العلاقات بين الطلاب، وظهور مجموعات متصارعة، واتساع فجوة الثقة بين الطلاب وإدارة المدرسة. وتشير الدراسات الطويلة المدى إلى أن الطلاب الذين يمارسون العنف أو يتعرضون له في سن مبكرة قد يكونون أكثر عرضة لاحقاً للسلوك الإجرامي أو العنف الأسري أو الانخراط في أنشطة غير قانونية، ما يشير إلى ضرورة التدخل المبكر لمنع امتداد السلوك العدواني إلى المراحل اللاحقة من الحياة.

وتقتضي مواجهة هذه الظاهرة اعتماد رؤية شاملة لا تقتصر على العقاب التقليدي، بل تمتد إلى معالجة الجذور النفسية والاجتماعية والسلوكية. ومن أبرز الأساليب الفعالة بناء ثقافة مدرسية قائمة على الاحترام المتبادل، وتطبيق سياسات واضحة للسلوك والانضباط، وتوفير برامج تنمية المهارات الاجتماعية والعاطفية التي تُمكّن الطلاب من إدارة غضبهم، وتحسين تواصلهم، وحل النزاعات بشكل سلمي. كما يتطلب الأمر تعزيز دور المرشد النفسي والاجتماعي في المدرسة، وتدريب المعلمين على اكتشاف مؤشرات العنف المبكر، والتعامل مع الطلاب بطرق تربوية تدعم النمو النفسي المتوازن. ولا يمكن إغفال دور الأسرة؛ فهي شريك أساسي في التصدي للظاهرة من خلال بناء علاقات إيجابية مع الأبناء، ومراقبة سلوكهم الرقمي، والتعاون مع المدرسة لمتابعة المشكلات السلوكية. ويُضاف إلى ذلك أهمية إشراك المجتمع المحلي والجمعيات المتخصصة في تقديم حملات التوعية وبرامج الدعم.

إن بناء مدرسة آمنة خالية من العنف هو مشروع تربوي ومجتمعي طويل المدى يتطلب تخطيطاً واعياً وتعاوناً متكاملاً بين مختلف الأطراف. فالمدرسة ليست مجرد مكان للتعلم الأكاديمي، بل هي بيئة تُشكّل شخصيات المستقبل، وإذا كانت هذه البيئة غير آمنة أو مليئة بالخوف، فإن مخرجاتها ستكون بالضرورة مُحاطة بالتوتر والاضطراب. ولذلك فإن الاستثمار في مكافحة العنف المدرسي هو استثمار في جودة التعليم، وفي الصحة النفسية للطلاب، وفي بناء مجتمع متوازن قادر على العيش في سلام، بعيداً عن دوائر العنف التي تتغذى على الإهمال واللامبالاة.

***

أ.د. هاني جرجس عياد

استاذ علم الاجتماع بكلية الآداب والعلوم الإنسانية - الجامعة الإسلامية بولاية منيسوتا – الولايات المتحدة الأمريكية (المركز الرئيسي

مساهمة عبد المجيد جحفة نموذجًا

مقدمة: أضحى الدرس اللساني المغربي خلال العقود الأخيرة أحد أبرز الحقول المعرفية المؤثرة في تطور البحث اللغوي العربي المعاصر، إذ استطاع أن يؤسس لنموذج علمي يجمع بين استيعاب النظريات اللسانية الحديثة وإعادة تأويلها داخل السياق الثقافي العربي. ولم يظل هذا الإنتاج العلمي حبيس المجال المحلي، بل أسهم في تشكيل فضاء معرفي عربي مشترك، تجلت مظاهره في التفاعل الأكاديمي بين الجامعات المغربية ونظيراتها في المشرق العربي، وخاصة في التجربة النقدية واللسانية السعودية التي انفتحت على عدد من التصورات المنهجية المغربية واستثمرتها في تطوير أدوات التحليل اللغوي والنقدي.

وفي هذا الإطار، برزت أسماء علمية وازنة مثل عبد القادر الفاسي الفهري، وحسن الصميلي، وعبد الواحد خيري، وفاطمة اليحياوي، ولطيفة القاديري وغيرهم، غير أن تجربة الباحث اللساني عبد المجيد جحفة تمثل نموذجًا دالًا على دينامية الانتقال المعرفي العربي، لما اتسمت به أعماله من عمق نظري وانشغال إبستمولوجي بسؤال المعنى وبنيات اللغة العربية (جحفة، 2010).

أولًا: اللسانيات بوصفها حفريات معرفية

يقدّم عبد المجيد جحفة في كتابه حفريات في العربية تصورًا أركيولوجيًا للبحث اللساني، حيث تصبح اللغة مجالًا للتنقيب المعرفي الذي يكشف الطبقات التاريخية المتراكمة داخل الألفاظ والدلالات. فاختيار مفهوم «الحفريات» لا يحمل بعدًا استعاريًا فقط، بل يعكس تصورًا علميًا يرى أن المعاني تخضع لتحولات زمنية مشابهة لتحولات الطبقات الأثرية (جحفة، 2010).

ومن هذا المنطلق، يتحول اللساني إلى «أركيولوجي للمعنى»، يعمل على استنطاق العلامات اللغوية واستعادة تاريخها التداولي. وقد أسهم هذا التصور في إعادة توجيه الدراسات الدلالية العربية نحو فهم تطوري للمعنى، وهو توجه وجد صداه في عدد من الدراسات العربية الحديثة التي سعت إلى الربط بين اللسانيات والتاريخ الثقافي للغة.

ثانيًا: الاتصال الدلالي بين العربية المعيارية والعربية المغربية

يرفض جحفة المقاربة التقليدية التي تبحث عن الفصيح داخل الدارج، ويقترح بدلًا منها دراسة العلاقات الدلالية التي تربط بين أنماط العربية المختلفة بوصفها أنظمة متفاعلة داخل نسق لغوي واحد. فالمقارنة لا تقوم على التطابق، بل على تحليل مسارات تطور المعنى عبر ظواهر التخصيص والتعميم والانزياح الدلالي (جحفة، 2010).

ويكشف هذا الطرح عن تصور دينامي للغة العربية باعتبارها كيانًا حيًا يتطور وفق شروط الاستعمال الثقافي والاجتماعي، وهو ما ساهم في تعزيز الرؤية الوحدوية للغة العربية داخل البحث اللساني العربي، ومهّد لإمكانات تفاعل علمي أوسع بين المدارس اللسانية العربية، بما فيها التجربة السعودية التي انخرطت في دراسة التنوع اللغوي ضمن إطار العربية الجامعة.

ثالثًا: إشكالية المعنى بين الإدراك والعالم

في كتابه مدخل إلى الدلالة الحديثة، يطرح جحفة سؤالًا إبستمولوجيًا مركزيًا: أين يوجد المعنى؟ ويرى أن الإجابة تقتضي تجاوز الثنائية التقليدية بين اللغة والعالم، لأن المعنى يتشكل داخل علاقة تفاعلية تجمع الإنسان ببيئته الإدراكية (جحفة، 2018).

ويؤكد الباحث أن المعنى ليس خاصية مستقلة عن البنية اللغوية أو الذهن البشري، بل نتيجة عمليات إدراكية تسمح للإنسان بتمثيل العالم والتواصل بشأنه. ويستند في ذلك إلى التصورات الإدراكية التي أبرزت دور البيئة في بناء المعنى، كما عند غيبسن الذي اعتبر الإدراك عملية تفاعل مباشر مع المحيط (Gibson, 1979).

رابعًا: النظريات الدلالية والتصورات المنطقية للمعنى

يعرض جحفة ثلاث مقاربات كبرى لتعريف المعنى:

النظرية المرجعية التي تربطه بالإحالة على العالم،

نظرية الأفكار التي تجعله تمثيلًا ذهنياً،

النظرية السلوكية التي تفسره من خلال الاستجابة التواصلية.

وتشترك هذه النظريات في مبدأ «التعيين»، أي تحديد المعنى عبر علاقته بعنصر خارجي أو ذهني (جحفة، 2018). كما يناقش التصور المنطقي الذي يربط المعنى بشروط الصدق، وهو تقليد يمتد إلى الدراسات الدلالية المنطقية الحديثة، مقابل الاتجاه النفسي الذي يجعل المعنى بنية معرفية داخل الذهن الإنساني.

خامسًا: المتكلم وإنتاجية المعنى

يناقش جحفة البعد الإبداعي للمتكلم مستندًا إلى التصور التوليدي الذي يرى اللغة قدرة إنسانية خلاقة، كما ذهب إلى ذلك تشومسكي (Chomsky, 1986). فالمعنى، وفق هذا المنظور، يرتبط بقصد المتكلم، وهو ما يجعل إنتاج المعنى عملية دينامية لا تنفصل عن الفعل اللغوي ذاته.

غير أن هذا التصور يفتح المجال لنقاشات تأويلية حول دور المتلقي، وهو ما أسهم في تقريب اللسانيات من النقد الأدبي ونظريات التأويل، الأمر الذي يعزز إمكان بناء جسور معرفية بين الدراسات اللغوية والنقدية في السياق العربي المشترك.

سادسًا: تمثيل المعنى في النحو التوليدي

يميّز جحفة بين الدلالة التأويلية والدلالة التوليدية داخل النحو التوليدي، حيث تمنح الأولى الدلالة دورًا تفسيرياً لاحقًا للبنية النحوية، بينما ترى الثانية أن المكون الدلالي يسهم في توليد البنية التركيبية نفسها (جحفة، 2018).

ويستحضر نموذج غروبر الذي يفترض وجود مستوى دلالي سابق للوحدات المعجمية، حيث تتشكل الأوليات الدلالية قبل تحققها اللفظي. وقد ساعد هذا التصور على إعادة التفكير في العلاقة بين المعنى والتركيب داخل الدراسات اللسانية العربية الحديثة.

سابعًا: اللغة والزمن وإشكالية الإحالة الزمنية

في كتابه دلالة الزمن في العربية، يعالج جحفة الزمن باعتباره مقولة نحوية ودلالية في آن واحد، مشيرًا إلى أن فهم القول اللغوي يقتضي فهم إحالته الزمنية (جحفة، 2012).

ويرى أن تعقيد الزمن في العربية يعود إلى تداخل المستويات النحوية والدلالية والإدراكية، إضافة إلى قلة الدراسات الوصفية الشاملة للنسق الزمني العربي، مما يجعل البحث في الزمن اللغوي مجالًا مفتوحًا أمام الدراسات المستقبلية.

خاتمة

تكشف تجربة عبد المجيد جحفة اللسانية عن نموذج معرفي عربي قائم على الحوار بين النظرية والتطبيق، وبين التراث والحداثة، وهو ما جعل أعماله تسهم في تطوير التفكير الدلالي العربي وإدماجه ضمن النقاش اللساني العالمي.

ومن هذا المنظور، يمكن اعتبار المشروع اللساني المغربي أحد الجسور المعرفية التي أسهمت في تعزيز التفاعل العلمي بين المغرب والسعودية، حيث أتاح انتقال المفاهيم والمقاربات اللسانية بناء أفق عربي مشترك يقوم على التكامل العلمي وتبادل الخبرات، بما يعكس وحدة المجال الثقافي العربي في تعدده المنهجي.

***

د.  منير محقق

...............................

لائحة المراجع والمصادر (APA)

- Chomsky, N. (1986). Knowledge of Language: Its Nature, Origin, and Use. New York: Praeger.

- Gibson, J. J. (1979). The Ecological Approach to Visual Perception. Boston: Houghton Mifflin.

- جحفة، عبد المجيد. (2010). حفريات في العربية. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق.

- جحفة، عبد المجيد. (2012). دلالة الزمن في العربية. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق.

- جحفة، عبد المجيد. (2018). مدخل إلى الدلالة الحديثة. الدار البيضاء: أفريقيا الشرق.

- الفاسي الفهري، عبد القادر. (2000). اللسانيات واللغة العربية. الدار البيضاء: توبقال.

لماذا تشتعل الحروب بين بعض الدول؟ هل من بدائل تجنبنا الصراع؟ بأي معنى تحتمت– مثلاً – المواجهةُ الحربية بين أمريكا / اسرائيل وإيران؟! إحدى الاجابات الممكنة وليست الوحيدة: أنَّ " الايديولوجيات السياسية " المغلقة هي ما تصل بالدول إلى الصراعات الدموية، وأنَّها لا تتراجع قبل أنْ تترك نفسها للانتحار. وأنَّ ما نشاهده من حربٍ هو مجرد مظاهر لقيامة فاجعةٍ. لأنَّ ما يحكم الصراع (كما في حالتي أمريكا اسرائيل/ايران) ايديولوجيتان أخرويتان eschatological ideologies لا مجرد نظامين سياسيين وكفى. أي ترسمان مسارات أخر الزمان وما فيها من أحداث وعبر ونبوءات. وذلك ضمن سرديات متصارعةٍ على المستوى الرمزي كخطابٍ استراتيجي لا يقل خطورةً عن القوى الحربية.

هناك " الايديولوجيا الصهيونية " في سياق اسرائيل و" الايديولوجيا اللاهوتية " في السياق الايراني. وهما ايديولوجيتان لديهما صور عن نهاية العالم والموت والغيب السياسي بشكل من الأشكال. ليس مصادفة كلام نتنياهو بمنطق الاخرويات السياسية إزاء الحرب على ايران وهو ليس رجل دين: "سنصل في نهاية المطاف الى الملكوت، وسنصل الى عودة المسيح". بينما ترى الايديولوجيا اللاهوتية لإيران: أنَّ نهاية اسرائيل الكارثية أمر محتوم دينياً وتاريخياً من جنس نهاية الشر في العالم. وأنّ نهاية كهذه ستكون إمارةً فارقةً على استحكام الصراع لصالح المسلمين وانتصار الطائفة المؤمنة كما يقال.

ويمكن مقارنة الايديولوجيتين في الواقع بصرف النظر عن مبررات هذا الطرف أو ذاك تجاه الحرب الدائرة. وكذلك يمكن تحليل أساليب التفكير بخلاف مواقف المؤيدين للجانب الايراني وأسباب المؤيدين للجانب الأمريكي. فلكل طرف أنْ يدافع سياسياً عن مواقفه كيفما شاء، وأنْ يلقي الاتهامات يميناً ويساراً بحسب ما يريد. فالاوهام التي تحيط بالطرفين أوهام مجانية مثل الكوارث لا تباع ولا تشترى. الاوهام والكوارث أحداثٌ تقع بالضرورة على نحو مفاجئ من جنس ما يعتقد البشر. ولا علاقة لهذا الأمر بالدين، لكنه من صناعة ايديولوجيا تستغل رصيد القداسة، وتعيد انتاج الطاقات الدينية في إطار قابل للتوظيف السياسي.

كل أيديولوجيا لا تنتهي بسهولةٍ دون أنْ تجر معها أسئلةً حول القوة والواقع ونمط الحياة. في محاولة لأنْ تحشر داخل" أدمغة البشر " كلَّ ما تريد قوله وما تحدد من مواقف. هي تتحول إلى أشكالٍّ متباينةٍ من الانبعاث مرة أخرى خلال أية مرحلة تشعر فيها بالضعف. غرض الأسئلة استعادة السيطرة على الواقع مجدداً. لأنَّ الايديولوجيا مسكونةٌ بمخاوف فقدان هيمنتها على البشر. ولكنها عوضاً عن أنْ ترى تفاصيل الواقع بدقة، تزيد قبضتها احكاماً وهيمنةً. وهو ما يُعرف بفائض العنف كصفةٍ متفاوتةٍ في الأيديولوجيات المسيَّسة. لعلّ ذلك ما كانت تتحسب له أمريكا واسرائيل طوال الوقت إزاء إيران: لأنَّ النظام الايراني مُغلف داخل ايديولوجيا سياسيةٍ لها مبرراتها اللاهوتية غير القابلة للمراجعة.

ليس يوجد ما تخشاه "أمريكا –اسرائيل "أكثر من الأيديولوجيا الشاملة التي لا تعترف بهما، ايديولوجيا تراهما على وجه الحقيقة داخل" بروباجندا السياسات " المعلنة. واللافت أنَّ الايديولوجيات المغلقة تعرف مثيلاتها تماماً بدليل وقوفها بالعداء أمام بعضها البعض. كان روح الله الخميني يصف أمريكا بعبارة " الشيطان الأكبر" بينما يُطلق على اسرائيل "الغدة السرطانية" المرشوقة في خاصرة العالم الاسلامي. وأنهما سبب كوارث المسلمين ويجب محاربتهما في كل مكان من العالم. يقول عن أمريكا: "أمريكا لا تمتنع عن ارتكاب أيةَ جريمةٍ من أجل السيطرة على العالم سياسياً واقتصادياً وثقافياً وعسكرياً".

ويقرر الخميني أيضاً كأنه يلفت نظر الأجيال إلى قادم الأيام: "جميع مصائبنا اليوم.. هي من أمريكا " وهو ما حصل اليوم وغداً بالنسبة إلى أيامه. ويحث العالم كله لا المسلمين فقط على التخلص من الكيان العولمي الشرير: "يجب على العالم القضاء على أمريكا، وإلّا فإن هذه المصائب ستظل تسحق العالم ما دامت أمريكا موجودةً". وسارت الأنظمة السياسية الايرانية على الطريق نفسه بكل ترسانة المفاهيم والمبادئ التي أرساها. وهو ما تشكل في ترسانة عسكرية كانت تحت الاستعداد لهذا الغرض.

في المقابل تصنف" أمريكا واسرائيل" إيران عدواً أول في المنطقة. ولم تمر مناسبة أو أخرى دون النصّ على كونها خارج حدود القانون الدولي وخارج سلطة منظمات السلام والتعاون العالمي. أي تحرك أمريكا ضدها الأدوات العولمية الناعمة التي تتحكم في آليات السياسة الدولية. وأنها (أي إيران) دولة لا تمتثل لفكرة التعايش في منطقة الشرط الأوسط. وصف دونالد ترامب إيران بأنها "امبراطورية الشر"، وذهبت رديفتها اسرائيل إلى اعتبارها دولة ترعى الارهاب وتحرك الأذرع التابعة للتحرش بها. وتدخلت أمريكا لتروج لفكرة أن ايران لديها أطماع سياسية في دول الخليج وليس هذا فقط، بل روجت إلى أنَّ اطماع ايران تمتد للسيطرة على المقدسات الاسلامية وأماكن الحج في بلاد الرسالة. كما أنَّ ايران– فيما يقال– لا تكف عن زيادة النفوذ الشيعي داخل المجتمعات الاسلامية السنية. ولذلك حرصت أمريكا من فترة لأخرى على اثارة النعرات المذهبية على خلفية التواجد الايراني لاحياء الحساسيات الدينية القديمة بين السنة والشيعة.

كثيراً ما تقف الايديولوجيات بأتباعها عند حافة الجنون. كأنَّها تقول: لن انسلخ عن ذاتي مهما كانت الأسباب، وأنَّ خط النهاية بالنسبة إلى الاتباع هو مركزية رؤيتها وحسب. حتى بات محتوماً أنْ تلتف الايديولوجيا حول ذاتها كلما شعرت بالتهديد. مثل ثعبان الاناكوندا الذي إنْ شعر بالأخطار يلتوي حول جسمه تمهيداً للانقضاض على الفرائس. سارت الايديولوجيات السياسية واللاهوتية بهذه الطريقة، معتبرهً أنَّ كل وجود مغاير لها مجرد فريسةٍ تنتظر المصير البائس. ميكانيزم الايديولوجيا لا تسمح بالانفتاح على الآخر، بل تُوصد كافة الأبواب أمام الآخرين بإحكام شديد. ولا ترى الواقع بعيون مغلقة فقط، ولكنها تراقب الأحداث من وراء أسوار محصنةٍ ضد الاختلاف.

ليس ثمة حل لمأزق الايديولوجيا إلاَّ بالتفاوض على الموت. التفاوض حول: بأية طريقة ستكون النهاية آمنة أو غير آمنة. عندما تشعر الايديولوجيا بكون الواقع يُسحب من قبضتها، تدفع إلى الصراعات الوجودية. أخطر الأمثلة على ذلك كما أشرت " الايديولوجيا الصهيونية " و"الايديولوجيا اللاهوتية" تحت شتى العناوين. عندئذ لن يفلح التفاوض بصدد هاتين الايديولوجيتين إلاَّ عند خطوط المواجهة. ليس ثمة ما بعد الايديولوجيا في هذه الحالة، لأنه لا يوجد بعد الايديولوجيا إلاَّ الموت. وهذا ما ظهر جليّا عند مواجهات اسرائيل وايران!!

ظلت الاثنتان تترقبان لحظة التصادم الوجودي طوال الوقت، لا الصهيونية تريد التراجع عن التقدم نحو مآربها، لأنَّ كل ما يعترض الطريق إنما هو عدو عليها محاربته. ولا الايديولوجيا اللاهوتية المسيّسة للنظام الايراني تقبل بمنطق التنازل، لأنها قائمة على العداء المدمر لاسرائيل، وأنَّ ذلك جزء لا يتجزأ من جهاز المعتقدات الدينية، وقد جلس ممثلو الايديولوجيتين مراراً إلى طاولة التفاوض في وجود وسطاء دوليين، ولكن دون جدوى. أكثر من "عقدٍ كامل" استُنفد في عمليات التفاوض والقاء التهم المتبادلة على الجانبين. وكلما بلغت العملية التفاوضية نقاطاً معينةً، سرعان ما تمتد إلى أجلٍّ غير مسمى!!

حتى قبل أنْ تبدأ، فشلت عمليات التفاوض بين امريكا / اسرائيل وايران... ولكن ما السبب فكرياً كما سأطرح؟!

تبدو كلمة التفاوض في هذا السياق من المستحيلات. لأنَّها بمثابة " الكود الخطأ " لصندوق أسود ولن يفتح إطلاقاً بين الجانبين الامريكي والايراني. أصبح التفاوض حواراً بين الطرشان، يتفاوض كل طرف بشكل غامض كمنْ يتحدث إلى كائن أسطوري من عالم آخر. لأنَّ الايديولوجيات لا تقبل كلمة تفاوض من حيث المبدأ. وإلّا لأعلنت كل ايديولوجيا إذابة كيانها بين كرٍ وفرٍ. لو نجح التفاوض لقتلت الصهيونية تاريخها، ولو قبلت الايديولوجيا اللاهوتية الايرانية وجود اسرائيل لدمرت أسسها. الايديولوجيات حولّت الحرب الامريكية الايرانية إلى صراع وجود لا وجهات النظر.

هناك بعض النقاط التالية التي تكشف طبيعة الايديولوجيتين:

أولاً: الاتجاه المضاد

تختلف الايديولوجيتان الأمريكية/الاسرائيلية والايرانية في التوجهات، ولكنهما متشابهتان في التكوين، ومسيّستان في آليات العمل المادي والرمزي. انطلاقاً من هذا، فإن الصهيونية والأيديولوجيا اللاهوتية تتزاحمان على مناطق النفوذ المشتركة. ولن تكون هناك أدنى مهادنةٍ بينهما. فلا تتوافق أية أيديولوجيا مع نظيرتها إطلاقاً. منذ أنْ تُولد الواحدة منهما إلاَّ وتوجد مكتملةً من تلقاء نفسها. ليس هذا وحسب، بل تتحرك الايديولوجيتان في إطار المعنى السابق تجاه كافة القضايا المصيرية.

الايديولوجيا الصهيونبية تؤمن منذ لحظتها الأولى بأنَّ أرض فلسطين أرض يهودية المنشأ والتكوين، وأنَّها أرض الميعاد وعلى جميع يهود العالم الذهاب إلى الحلم الموعود لبني اسرائيل. لم تتزحزح الصهيونية عن هكذا مضمون قيد أنملة. وقد اعتبرت اعتقادها " قومية عبرية " لا مجرد رأي. وبالتالي اعتبرت الأيديولوجيا الصهيونية العلاقة مع ايران علاقة "عداء مطلق"، نظر ت إلى طهران كعدو استراتيجي يسعى لتدميرها عبر برنامجه النووي وبواسطة وكلاء إقليميين "محور المقاومة". ولذلك تبنت إسرائيل في جميع المراحل سياسة "الضربات الاستباقية" واستهداف المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية وصولاً إلى درجة الانفجار الحربي. لأن الايديولوجيات العنيفة لا تجلس إلى سماع همسات الأخرى، ولكنها تدمن الاستمتاع بصراخ وآلام أصحابها جيداً!!

عندما سُئل ترامب عن الموقف تجاه إيران، عزز التوجهات الصهيونية المختلطة بمآرب الكولونيالية: "إن إيران هي الراعي الأول للارهاب في العالم... وأنَّ هذا النظام الارهابي لايمكن أنْ يمتلك سلاحاً نووياً. أكرر، لن يمتلك سلاحاً نووياً ". وبلسان " الايديولوجيا اللاهوتية"، يقول المؤسس الأول للنظام الايراني روح الله الخميني: " أمريكا هي التي تدعم اسرائيل والموالين لها.. وهي التي تمنحها القدرة على تشريد العرب والمسلمين." يتكلم الخميني بصيغة القرار الأخير لا التحليل. لأنَّ رؤيته أصبحت متغلغلة في الثقافة السياسية السائدة. ويلفت نظر أنصاره: "إنكم ترون أنَّ دولة متهرئة كإسرائيل تقف أمام المسلمين... فلو إتحد المسلمون وألقى كل منهم دلواً من الماء على اسرائيل لجرفتها السيول". يعني أن العتاد الحربي سيكون في حالة تأهب وإنْ تعاقبت الأجيال لأن الهدف واحد.

ثانياً: انكار الآخر

لا تقبل الايديولوجيتان اعترافاً متبادلاً بينهما على صعيد الواقع. فكل أيديولوجيا تسير بمنطق: " إما كذا أو كذا". أي إما أن تكون هي الايديولوجيا المتمتعة بالوجود الأوحد أو لا شيء على الاطلاق. هكذا تشكل ايران " امبراطورية الشر المحض" من وجهة نظر الصهيونية. ولا يتم الاعتراف بها أصلاً كدولة ذات سيادة. لأنه ليس ممكناً شن الحرب على دولةٍ أيا كان الخلاف معها دون اسقاطها من الحسبان. الايديولوجيا تمثل حداً فاصلاً لا يعود معه الآخر ذا صفة. وبذلك يتجاوز الانكار الوجودي حدود المعقول.

يعبر روح الله الخميني عن المعنى المقابل: " اسأل الله العلي القدير أنْ يزيد من يقظة ووعي المسلمين ويدفع شر أعداء الاسلام من بلاد المسلمين". ليوضح أن الانكار من باب كون الآخر عدواً لا للشعب الايراني، بل للاسلام والمسلمين كافةً. والتعبير له دلالة أكبر مما يُتوقع. فكيف يقطع الخميني بحجم العداء المجرد تجاه كيان سياسي ما لم تكن ثمة ايديولوجيا تجعله مطلقاً؟! ولكن في حالة وجود الايديولوجيا، فالأخيرة ترى أبعد من حركة الواقع وتتشمم مصير الأفكار وتحولها إلى أسلحة فتاكة.

يعود روح الله الخميني ليؤكد الفكرة: " إنَّ الايدي المجرمة لمستكبري العالم وأعوانهم وخاصة اسرائيل لن يتم قطعها عن الدول الاسلامية ما لم تنهض الشعوب الاسلامية والمستضعفون في العالم ضدهم... وتطرد هذه الغدة السرطانية من القدس ولبنان". فهو يريد أن تنهض الشعوب الاسلامية لقطع يد الاحتلال الصهيوني من المنطقة العربية. وتوسيع نطاق الصراع يغدو أمراً ممكناً على الدوام. والفكرة كانت مبرراً لتأسيس أذرع مساندة لإيران داخل بعض الدول العربية.

ولكن الخميني يشعر أن الأزمة العالقة توجد في فلسطين ولبنان بحكم أنهما على خط المواجهة المباشرة، فكان خطابه أكثر عمومية تبعاً لحدود الأيديولوجيا لا الحدود الجيوسياسية. وإذا كان ذلك خلال أعوام قيادته للثورة الاسلامية في ايران، فماذا لو كان موجوداً الآن وحدث الاعتداء الحربي من قبل معسكر الايديولوجيا الصهيونية؟ بالتأكيد كان سيتخذ الاجراءات ذاتها وسيقول أكثر من هذا في الاتجاه نفسه.

ثالثاً: القصور الذاتي

القصور الذاتي للأيديولوجيتين هو ميل العقل السياسي (الامريكي-الاسرائيلي والايراني) للتمسك بالمعتقدات الغالبة، والآليات السياسية، والتوجهات الفكرية الحالية، ومقاومة تغييرها أو تبني أفكار جديدة. يشبه هذا المفهوم القصور الذاتي الفيزيائي، حيث يستمر النظام السياسي في نهجه الفكري نتيجة نقص التحفيز للتطور، ممارسة العادات السياسية المُدمرة، والخوف من التغيير، مما يؤدي إلى جمود عقلي عام يمنع التكيف مع المتغيرات والتحولات الطارئة في النظام العالمي.

عندما سُئل أحد المسئولين الايرانيين عن كونهم مستعدين للحرب، قال مباشرةً:" إن بلاده على أتم الاستعداد، ثم أردف: كنا نعد العدة لتلك اللحظة منذ أربعين عاماً". كان تأكيد روح الله الخميني واضحاً منذ البداية: " لقد أشرت أنَّ الحكومة الاسرائيلية الغاصبة تشكل خطراً كبيراً على الاسلام ودول المسلمين بسبب الأهداف التي تسعى إليها، وأخشى أنْ تضيع الفرصة للوقوف بوجهها إذا ما أمهلها المسلمون.. ولما كان الخطر موجهاً الى الإسلام، فإنّ على الدول الاسلامية خاصة والمسلمين عامة أنْ يقضوا على جرثومة الفساد هذه بأي نحوٍ كان، وأنْ لا يتورعوا عن تقديم العون في هذا السبيل... ويجوز إنفاق وجوه الزكاة أو سائر الصدقات في هذا الامر الحيوي المهم".

بالأسلوب ذاته، رسمت الصهيونية مساحة ضيقةً حول ايران على ألّا تبرحها. وظلت تراقب أنفاس ايران النووية وغيرها من مظاهر الحياة، قتلت كلَّ رموز المجتمع الايراني في العلوم والسياسة ونوابغ ريادة الأعمال. لم تترك أية فرصة للدولة الايرانية لبناء قدراتها الخاصة. السبب أن الايديولوجيا الصهيونية تحالفت مع الكولونويالية الامريكية في المنطقة للاستيلاء على ثروات الدول. وقد وجدت إيران خارج السيطرة ولا تنفذ أوامر البيت الأبيض. وهذه الفكرة هي أحد معالم المرحلة التي نحياها: تجريد المجتمعات من أسباب تميزها لتظل في حاجة دائمة إلى الكيان الصهيوني. وليبقى الأخير هو الوحيد المتميز في منطقة معدومة المعالم.

قبيل الأحداث الأخيرة، قال المبعوث الأمريكي إلى المنطقة توم باراك: إنه لا توجد في الشرق الأوسط دول، بل هناك "قبائل وقرى" فقط، أي قبائل وعشائر وعائلات تحرس مناطق حيوية معينة وأن الغرب هو من قسمها جغرافياً وأعطاها صفة الدول عن طريق اتفاقية سايكس بيكو. وقال نتنياهو : "إن اسرائيل هي الدولة الديمقراطية الحرة الوحيدة في منطقة الشرق الأوسط وسط محيط من رمال الديكتاتورية والاستبداد". وهي نظرة تفرزها الايديولوجيا الصهيونية لكل دول العالم العربي ولنكن أكثر تحديداً. فكيف ستكون إيران متميزة إلى حدٍ يجعلها تناطح دولة الكيان ومن يقف وراءها.

رابعاً: التوسع والاستحواذ

لا تكف الايديولوجيتان عن النظر طمعاً في مساحات الفراغ الايديولوجي لا فيما تهيمنان عليه. وهذه معضلة داخل الايديولوجيا، لكونها مبنية بالاساس على التهام غيرها سواء أكانوا عقولاً أم دولاً أم سياسات. إذ تفرض سطوتها طوال الوقت. اسرائيل لا تقف كدولة مستقلة هذا لو كان ينطبق عليها مصطلح الدولة بمعناه الحداثي. لكنها تحاول فرض وجودها بالسياسة مرةً وبالقوة الغاشمة مرات كثيرة وبالتدخل والمؤامرات مرات لا تنتهي. كل ذلك تحت مبررات التطبيع في أحايين كثيرة.

التطبيع هو التعبير السري عن النوايا الاستعمارية للايديولوجيا الصهيونية. التطبيع عملية ترويض لمجتمعات ترفض الكيان الغريب المسمى بإسرائيل. لأن التعايش معه ليس أمراً سهلاً إذا كانت مركزيته أيديولوجيا كولونيالية. كما أن التطبيع يجر معه عمليات أخرى من المراقبة وزرع العملاء واستغلال القوة لمآرب أخرى. وبخاصة المتعلقة باستلاب القدرات والبحث عن المصالح مع القوى الكبرى في العالم.

من جهةٍ أخرى يقول روح الله الخميني: "على الامة الاسلامية وانطلاقاً من واجبها الانساني وبموجب القيم العقلية والاسلامية. أنْ لا تتورع عن تقديم أية تضحية من أجل اجتثاث ربيبة الاستعمار (اسرائيل)، وأن تساعد المقاتلين في جبهات الحرب مع اسرائيل مادياً ومعنوياً، وكذلك عن طريق التبرع بالدم والادوية والمؤن والسلاح". وهذا القول يذهب إلى سلطة الدين اعتماداً على مخزون الكراهية تجاه اسرائيل. وهو بالطبع مبني على الموروث الاسرائيلي الدموي في المنطقة العربية الاسلامية، لقد شردت الفلسطينيين وأبادت أجيالاً من الشباب في معظم دول الصراع.

خامساً: لعبة البدائل

تضع الايديولوجيتان السابقتان وجودهما كبديل للأخرى. وإن لم تكن احداها بديلاً، فهناك لعبة البدائل التالية. وهي طرح أذرع وقوى تأخذ مكان المركز وتؤدي الوظائف الخاصة بالأيديولوجيا الأم. الصهيونية صورة مصغرة من أيديولوجيا كولونيالية استخدمت في أوروبا تجاه المجتمعات المستعمرة وقدمتها أمريكا كنموذج براق للاستيلاء على ثروات الدول. وما تقوم به الألة الحربية لاسرائيل إنما هو تطبيق لنموذج معد سلفاً بغرض الاستيلاء على الأرض وترسيخ النموذج الكولونيالي العابر للقارات. كثيراً ما أشاد نتنياهو بقوة إسرائيل (وهو يعلم أنها ذيل أمريكا والغرب) في تشكيل شرق أوسط جديد.

في حمأة الحرب مع ايران وبعد اغتيال المرشد الأعلى، قال دونالد ترامب: "يجب أنْ تكون لي الكلمة والرأي في تعيين المرشد" المقبل. هل هذا أمر معقول أمام ايديولوجيا أخرى؟ بل هل الأمر وارد عقب اغتيال ترامب للمرشد؟ وكيف يكون منصب ديني سياسي بهذه الخطورة محلاً لرهان كولونيالي؟!

ولكن تحسباً للعبة البدائل يؤكد روح الله الخميني: " لا تعقدوا أحلاف الاخوة والمودة مع اسرائيل عدوة الاسلام والمسلمين والمشردة لأكثر من مليون مسلم بريء... لا تجرحوا مشاعر المسلمين.. لا تفتحوا الطريق أمام اسرائيل وأعوانها الخونة للدخول الى أسواق المسلمين. لا تعرضوا إقتصاد البلاد إلى الخطر من أجل اسرائيل وعملائها." لأنَّ الخميني يدرك أن البديل يستحضر مركزية الايديولوجيا وسيشكل قوى ينتمي ولاؤها إلى أمريكا -اسرائيل.

ويحدد روح الله الخميني آفاق البدائل للايديولوجيا اللاهوتية الايرانية: "على الامة الاسلامية وانطلاقاً من واجبها الانساني وبموجب القيم العقلية والاسلامية أن لا تتورع عن تقديم أية تضحية من أجل اجتثاث ربيبة الاستعمار هذه، وأن تساعد المقاتلين في جبهات الحرب مع اسرائيل مادياً ومعنوياً، وكذلك بواسطة التبرع بالدم والادوية والمؤن والسلاح". فكان انشاء الأذرع الايرانية وفتح جبهات أخرى للقتال تدين بالولاء الايديولوجي السياسي لإيران. فهناك الحوثيون وحزب الله والمليشيات العقائدية في العراق وبعض الجماعات الاسلامية التي تتلقى التمويل والدعم لتكون شوكة في ظهر الايديولوجيا الصهيونية.

سادساً: المآرب واحدة

تستهدف الايديولوجيتان الهيمنة على مجال سياسي واحد. الصهيونية تريد الهيمنة على العالم العربي والاسلامي وقد نزعت عنه هويته التاريخية ليصبح عنوانه الجديد "الشرق الأوسط". بحيث تتحرك الايديولوجيا الصهيونية كما تريد، ولتصبح كافة الأقنعة الثقافية قادرة على استيعابها دون مبررات الهوية والدين والعرق. لأنَّ الشرق الأوسط هو لعبه المجال الموحد تحت قبعة العولمة والأمركة. إن فيزياء الايديولوجيا هي فيزياء دمج الأشياء والعناصر تحت هيمنتها على أن تستطرق كافة المعالم والتضاريس لصالح ما تريد.

أخطر ما ترفضه أمريكا واسرائيل أن يتم تسمية الأشياء بمسمياتها. فشرط" الاستيطان الايديولوجي" هو تغيير الأسماء لتغدو ذات دلالة تسمح باشهار المآرب. لأن الظفر في الحروب لايضمن تشغيل الايديولوجيا الصهيونية في المنطقة حتى تتكون هناك ثقافات متصهينة. وهذا ما قالته جولدا مائير: " سيتفاجأ العرب يوماً ما بأننا أوصلنا أبناء إسرائيل إلى سدة الحكم فى بلدانهم". وليس ضرورياً أنْ يكون هؤلاء اسرائيليين بالمعنى المعروف، ولكن هي لعبة الثقافة المتصهينة بعد أنْ تمحو معالم المعايير والهويات.

و كذلك هذه هي آلية الايديولوجيا اللاهوتية لخطط ايران في المنطقة. وليست الآلية دينية، ولكنها تتشكل مع السياسات وخريطة السيطرة لتقوية النفوذ وبناء امبراطورية عملاقة. يخاطب روح الله الخميني آذان المسلمين: "واجب على كل مسلم أن يعد نفسه لمواجهة اسرائيل". ولكن بأي منطق؟ هل دول المنطقة العربية الاسلامية تمتلك التوجهات نفسها؟! وبخاصة أنَّ ميراث هذه الدول حرج مع الاستعمار ولو تحت عناوين لاهوتية من جلدتها الاقليمية. إنَّ أكثر المناطق صعوبةً هي خريطة العالم العربي، كمنبت تاريخي للاسلام كما أنها تمثل نقطة إلتقاء الحضارات.

يلجأ روح الله الخميني إلى لغةٍ أخرى: " يا مسلمي العالم ومستضعفي المعمورة انهضوا وقرروا مصائركم بأنفسكم، الى متى تقوم واشنطن... بتقرير مصيركم؟ الى متى تدنس قدسكم بأقدام حثالات أمريكا واسرائيل الغاصبة؟ الى متى تتفرجون على ارض فلسطين المقدسة ولبنان والمسلمين المظلومين في تلك الديار وهم يرزحون تحت سيطرة المجرمين؟ ". هكذا تبقى القوة الخاملة من اتباع الاسلام هي حلبة الصراع. إذ يواصل قوله: " من واجب العلماء والخطباء أنْ يذكروا الناس في المساجد والاوساط الدينية بجرائم اسرائيل"

في الأخير.. لعلَّ ما تمارسه الايديولوجيتان (الصهيونية والايديولوجيا اللاهوتية) شيء واحد بأسلوبين مختلفين. وبلغة المنطق، فإنهما " لا يجتمعان معاً ولا يرتفعان معاً ". ومن ثمَّ كانت الحرب هو الحل الأخير الذي يحقق "القيامة السياسية". لأنَّ التفاوض هو الزناد القاتل لعدم الاعتراف المتبادل وهو اللامعقول بالأساس. وحتى لو جلس الطرفان على مائدة الحوار، فبفضل نتائج الانهاك الحربي، ولكنه لا يشكل قناعات حرةً.

و بالطبع كل ذلك دون أدنى اهتمامٍ بحرية المجتمعات العربية الاسلامية ومن غير تطوير لأبنيتها الأساسية ولا دفع تقدمها الحضاري. فالأيديولوجيتان يعنيهما المصالح الخاصة بالمقام الأول، وأن يكون العالم العربي رصيداً من حطبٍ إنْ لم يُجدِ سياسياً واقتصادياً، فهو وقود مناسب لاشعال الحروب.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

 

ليس كل بيتٍ مليءٍ بالناس بيتًا مليئًا بالأمان… فالعائلة الحقيقية هي التي تمنح أبناءها معنى الحياة قبل أي شيءٍ آخر.

ما دفعني إلى هذا الحديث المؤلم حادثةٌ وقعت قبل أيام، حين أقدم شاب من عائلة محترمة وميسورة الحال على إنهاء حياته. ترك هذا الشاب رسالةً لوالديه يبرّر فيها فعلته بشعوره العميق بعدم جدوى الحياة، وعبّر فيها عن مشاعر قاسية تجاه أقرب الناس إليه: أمه وأبيه، واضعًا عليهما اللوم فيما آل إليه وضعه.

إن فقدان شاب في مقتبل العمر، لا لفقرٍ أنهكه، بل لعدم شعوره بالأمان، ولفراغٍ عاطفيٍ أوجعه، يدعونا إلى وقفةٍ صادقة مع مفهوم العائلة في زمنٍ اختلّت فيه المعايير؛ زمنٍ تتسارع فيه التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأجهزة الذكية، وتغمره الألعاب الإلكترونية، إنه عصر التواصل الاجتماعي، وهو سيفٌ ذو حدّين، أُتيح فيه المجال لكل من هبّ ودبّ أن يُدلي بدلوه دون ثقافةٍ أو معرفة، مما قد يؤثر سلبًا على الأطفال والشباب.

في هذا الوقت، يواجه الشباب تحدياتٍ كبيرة، حيث صعوبة الحياة نتيجة انعدام فرص العمل، وتتكدّس الشهادات على حساب الكفاءة والمهارة، مما يدفع بعضهم إلى اليأس. كل ذلك يضع مسؤوليةً أكبر على عاتق العائلة، ويفرض علينا التأمل في برود العلاقات بين الآباء والأبناء وانعكاس ذلك عليهم، واستشعار مسؤولية المجتمع بأسره في بناء بيئةٍ تُعيد للإنسان إحساسه بقيمته، وتمنحه معنى لحياته، وتؤكد له أن المعاناة، مهما اشتدّت، لا تعني اليأس، ولا تبرّر القطيعة أو الكراهية.

العائلة هي الإطار الأول الذي تتشكل فيه شخصية الإنسان؛ فيها تُغرس القيم، وتتكوّن المنظومة الأخلاقية، ومنها يتعلّم الطفل لغته الأولى في الحب والخوف والاحترام والثقة بالنفس، ونظرة الأمل والتفاؤل بالحياة رغم صعوبتها. وهي الحاضنة الأولى للروح، والملاذ الذي يلجأ إليه الإنسان كلما أثقلته أعباء الحياة. فالعائلة ليست مجرد رابطة بيولوجية، بل علاقة مسؤولية وأمان، والتزام أخلاقي متبادل يقوم على الرعاية والاحتواء والدعم.

ولا شك أن تعقيدات الحياة أفرزت تحدياتٍ كبيرة أمام العائلة، جعلت السعي وراء المال وتأمين متطلبات المعيشة في مقدمة أولويات الأهل. ورغم أن هذا السعي ينطلق أساسًا من حرصهم على أبنائهم وتوفير حياة كريمة لهم، إلا أنه لا ينبغي أن يكون على حساب الطمأنينة والشعور بالأمان. فالعائلة، وإن كانت تُعرّف كوحدة اجتماعية تقوم على روابط الزواج والقرابة، إلا أن جوهرها الحقيقي يقوم على التراحم والتكافل والتكامل؛ فهي منظومة قيم قبل أن تكون مجرد تجمع أفراد.

ومن صفاتها الاحترام المتبادل؛ فلا تُكسر هيبة أحد أفرادها، ولا تُهان كرامته، ويشعر كل فرد فيها أنه ليس وحيدًا في أزماته. كما تقوم على القدوة الحسنة، حيث يُعدّ الأب والأم النموذج الأول، فيرى الأبناء القيم مطبّقة أمامهم لا مجرد كلمات تُقال. فلا إفراط في القسوة ولا تفريط في التربية، والعائلة المتماسكة لا تُقاس بثروتها المادية بقدر ما تُقاس بثرائها القيمي. حين ينشأ الطفل في بيت يسوده التعاطف، يتعلم أن العالم ليس ساحة صراع، بل مساحة تعاون ومحبة. وحين يرى والديه يتحاوران باحترام ويتجاوزان خلافاتهما بحكمة، يدرك أن القوة ليست في الصوت المرتفع، بل في الاتزان.

وفي مثل هذه الأجواء، أجواء التراحم والتفاهم والالتزام الأخلاقي، يكتسب الأبناء منظومتهم القيمية والأخلاقية، كالأمانة والصدق، من خلال تعامل والديهم وتصرفاتهم اليومية. ويكتسبون النزاهة لأنهم يشاهدون رفض الغش والخداع في تفاصيل حياة الوالدين. وبذلك يتربّون على الصدق، لأن الكذب لا مكان له داخل البيت، ويتشرّبون الإخلاص في العمل لأنهم يعيشون هذه القيم في بيئتهم، ويستمعون إلى أحاديث عن قيمة الجهد والضمير. كما تنمو بينهم عاطفة سوية تجاه إخوتهم، فيتشاركون ويتسامحون. فالأجواء الرحيمة تصنع أبناءً واثقين بأنفسهم، يعرفون حقوقهم وواجباتهم، ويوازنون بين العاطفة والعقل.

الطفل الذي ينشأ في بيئة مستقرة عاطفيًا يكون أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة وضغوطها، واتخاذ قرارات أخلاقية مستقلة، وأكثر قدرة على مقاومة الانحراف والضغوط السلبية، وعلى بناء علاقات صحية في العمل والمجتمع، وتحمل المسؤولية دون تهرّب، ومواجهة الفشل دون انهيار.

تزرع العائلة في أبنائها جذورًا عميقة، وكلما اشتدت رياح الحياة بقيت تلك الجذور ثابتة. وحين يكبر هؤلاء الأبناء، ينقلون ما تعلموه إلى عائلاتهم الجديدة، فتنتقل القيم من جيل إلى جيل كما تنتقل الملامح الوراثية. فالأمانة التي عاشوها تصبح سلوكًا طبيعيًا، والصدق الذي تربّوا عليه يتحول إلى منهج حياة، والتعاطف الذي شهدوه في طفولتهم يصبح لغة تعامل مع أزواجهم وأبنائهم, ومن هنا جاءت تلك العبارة الشائعة: “فلان ابن عائلة”، في إشارةٍ إلى عائلةٍ غرست فيه القيم والأخلاق، حتى أصبحت جزءًا من هويته وسلوكه.

تقوم العائلة أساسًا على ركنين عظيمين: الأم والأب. فالأم هي الحضن الأول ونبع الحنان والاحتواء؛ هي الدفء الذي يحتاجه الطفل، وهي المدرسة الأولى في العاطفة واللغة والقيم. أما الأب فهو السند، ومصدر الطمأنينة والاتزان والحماية، والنموذج الأول للالتزام والمسؤولية. وقد تفرض الحياة أحيانًا غياب أحد هذين الركنين، ولكن رغم الألم تبقى العائلة قادرة على التماسك إذا حمل الطرف الآخر الرسالة بإخلاص، وضاعف جهده في الرعاية والاحتواء. فكم من أم أصبحت أمًا وأبًا معًا فأنشأت جيلاً صالحًا، وكم من أب تحمّل المسؤولية كاملة فحفظ أبناءه من الضياع. فتماسك العائلة لا يرتبط بالرفاهية، بل بالمحبة والتضحية.

العائلة المتماسكة تورّث القيم قبل أن تورّث المال، وتبني إنسانًا يتمتع بكرم الأخلاق، قادرًا على أن يكون أمينًا ونزيهًا وصادقًا ومخلصًا ورحيمًا.

وفي الختام، لعل هذه الحادثة المؤلمة تذكّرنا جميعًا بأن أبناءنا لا يحتاجون فقط إلى طعام وكساء وتعليم، بل يحتاجون قبل ذلك إلى قلبٍ يسمعهم، وبيتٍ يحتضن ضعفهم، وكلمةٍ تطمئن خوفهم، وسقفٍ يوفر لهم الدفء والشعور بالانتماء. فلنقترب منهم أكثر، ولنفتح أبواب الحوار قبل أن تُغلق القلوب، ولنمنحهم الأمان قبل أن يبحثوا عنه بعيدًا عنا. فلنحفظ بيوتنا عامرة بالمحبة، فربما كانت كلمة صادقة أو حضن دافئ كفيلين بإنقاذ روحٍ كانت على حافة اليأس.

الأبناء لا يطلبون الكمال من آبائهم، بل يطلبون القرب والرحمة والإنصات. فإذا وجدوا ذلك في بيوتهم، كبروا مطمئنين إلى أن العالم — مهما اشتد — ليس مكانًا موحشًا، وأن لحياتهم معنى.

***

د. سعد عبد المجيد ابراهيم

يشهد العالم تحوّلا عميقا في طرائق إنتاج المعنى وتداوله، نتيجة الانتقال من نموذج اتصالي تقليدي تمحور حول المؤسسة الإعلامية إلى فضاء رقمي شبكي تتداخل فيه الذوات والخطابات والصور في زمن فوري. ضمن هذا الأفق، لم يعد الإعلام قناة لنقل الخبر أو الرأي، بل غدا محيطا يوميا تتشكل داخله الخبرة الإدراكية والوجدانية للإنسان. هذا التحول يضع سؤال الهوية في قلب إشكال جديد يتصل بكيفية تشكّل الذات في بيئة تتكاثر فيها صورها، وكيف يعاد بناء الانتماء في فضاء يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية.

في هذا السياق، يذهب مانويل كاستلز إلى أن إنتاج السلطة والمعنى انتقل من المراكز الصلبة إلى الشبكات المتداخلة التي تعيد توزيع القوة الرمزية، بينما يرى زيغمونت باومان أن السيولة التي تطبع الحداثة المعاصرة أزاحت الأطر المستقرة للهوية، ودفعت الفرد إلى إعادة التفاوض المستمر مع ذاته ومحيطه. من هنا تبرز الحاجة إلى فهم العلاقة بين الإعلام الرقمي والهوية في أفق فلسفي يربط التقنية بالبناء الرمزي، ويستحضر دور الاقتصاد الثقافي في إعادة إنتاج المعنى.

إن ثمة ما يلهمنا بأن الهوية، هي بالأساس عملية تشكّل متواصلة تتداخل فيها اللغة والذاكرة والرموز وأنماط العيش. وقد أبرز بول ريكور أن الذات تُبنى عبر السرد، أي من خلال قدرة الإنسان على تأويل تجربته ضمن حكاية تمنحه الاتساق والاستمرارية. ففي السابق، كانت مؤسسات التنشئة تضطلع بدور محوري في بناء هذا السرد، أما اليوم فقد أضحت المنصات الرقمية فاعلا مركزيا، حاملة منطقا يقوم على السرعة والتفاعل والاقتصاد القائم على جذب الانتباه. وفي امتداد لهذا التحليل، يوضح جان بودريار أن عالم الصور قد يتقدم على الواقع ذاته، حيث تتكاثر التمثلات وتعيد تشكيل الإدراك، وهو ما يتجلى بوضوح في البيئة الرقمية التي تُعرض فيها الذات وتُعاد صياغتها باستمرار.

اللغة بدورها تعرف تحولات ملموسة داخل هذا الفضاء، إذ تتراجع مركزيتها لصالح الصورة والرموز المختزلة، ما يخلق اقتصادا جديدا في التعبير. وقد أشار مارشال ماكلوهان إلى أن الوسيط يؤثر في طبيعة الرسالة، وهو ما يجعل إيقاع السرعة والاختزال مؤثرًا في بنية المعنى ذاته. هذا الوضع يفتح إمكانات إبداعية واسعة، لكنه يضع أيضًا الخطاب أمام خطر التسطيح، حيث تتقدم الإثارة على التأمل. وفي الآن نفسه، تطرح هيمنة اللغات العالمية إشكال التوازن اللغوي، خاصة وأن بيير بورديو يعتبر اللغة رأسمالا رمزيا يمنح موقعا وسلطة داخل الحقل الاجتماعي.

أما على مستوى الوعي، فقد أصبح انتقاء المحتوى خاضعا بشكل متزايد لعمل الخوارزميات، التي ترتب ما يظهر للمستخدم وفق معايير غير مرئية. هذه الآليات تؤثر في تشكيل الرأي العام، وتعيد ترتيب أولويات النقاش. وفي هذا الإطار، يؤكد يورغن هابرماس أهمية المجال العمومي كفضاء للنقاش العقلاني، غير أن الفضاء الرقمي يخضع في كثير من الأحيان لمنطق الانتشار السريع، حيث تتقدم المضامين الجذابة على التحليل العميق. ويتقاطع ذلك مع تصور غي ديبور الذي يرى أن المجتمع المعاصر يميل إلى تحويل الحياة إلى عرض دائم، تصبح فيه الهوية عنصرًا بصريًا يسعى إلى جذب الانتباه.

وقد أفرز هذا الوضع أنماطا جديدة من الانتماء، تقوم على الاهتمام المشترك بدل الارتباط بالمجال الجغرافي، ما يعزز التعدد ويتيح أشكالًا جديدة من التفاعل، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى انغلاق داخل دوائر متشابهة. ويستحضر هذا التحول ما ذهب إليه بنديكت أندرسون حول الجماعات المتخيلة، حيث تتشكل الهويات عبر وسائط التواصل، وهو ما يتضاعف اليوم بفعل التداخل بين هذه الجماعات.

في موازاة ذلك، تبرز تحديات تتصل بتسليع الرموز الثقافية وخضوعها لمنطق السوق، وبهيمنة الفاعلين التقنيين على البنية التحتية للمجال الرقمي، فضلًا عن تراجع المرجعيات العميقة لصالح الإيقاع السريع. وقد نبه ميشيل فوكو إلى أن السلطة تتجلى في تنظيم المعرفة وتوجيهها، وهو ما يجد امتدادًا له في التحكم بالخوارزميات وتدفقات المعلومات.

أمام هذه التحولات، تبرز الحاجة إلى بناء وعي نقدي يتجاوز الاستخدام التقني نحو فهم آليات الاشتغال الرقمي، مع العمل على إدماج التراث في الفضاء الرقمي لضمان استمراريته، ودعم الإنتاج المعرفي المحلي بما يحقق توازنا بين الانفتاح والخصوصية، إلى جانب بلورة سياسات عمومية تربط التحول التكنولوجي بالبعدين الثقافي والرمزي.

تتطلب هذه اللحظة التفكير في الهوية باعتبارها بناءً متجددا، يتشكل في تفاعل دائم مع التحولات التقنية والثقافية. ويؤكد تشارلز تايلور أن الاعتراف عنصر حاسم في تشكّل الذات، وهو ما يكتسب بعدًا مضاعفًا في الفضاء الرقمي الذي يتحول إلى ساحة دائمة للتعبير والتفاوض حول المعنى.

النتيجة في اعتقادي، أن الهوية في زمن الشبكات ليست معطى مكتملا، بل أفق مفتوح يتشكل عبر التفاعل والاختيار. والتحدي يتمثل في توجيه هذا التحول بما يحفظ التوازن بين الانخراط في العالم الرقمي وصون الخصوصيات الثقافية، حتى يظل هذا الفضاء مجالًا لتجديد المعنى وتعزيز التنوع، لا لتقليصه أو إفراغه من محتواه.

***

د. مصطفى غَلْمــان

الانزياح من الحيز المادي إلى الوجود الشبكي

الانزياح الوجودي في عصر السيولة

يُمثّل التحول الجذري نحو الرقمنة في مطلع الألفية الثالثة انزياحاً وجودياً (أنطولوجياً) غائراً أعاد صياغة جوهر الشرط الإنساني؛ إذ انتقل الفرد من حيز مادي محكوم بحدود فيزيائية واجتماعية وقيمية جليّة، إلى فضاء شبكي يتسم بالسيولة والتدفق المستمر. إن هذا الانزياح لم يكن مجرد انتقال تقني لوسائل الاتصال، بل هو تحول بنيوي في ماهية الوجود الاجتماعي والنفسي، أفرز ما يمكن تسميته "وهم الحرية المطلقة". يتجلى هذا الوهم في الاعتقاد بأن الفضاء الرقمي يمنح تحرراً كاملاً من القيود الأخلاقية والقانونية والاجتماعية التي تضبط إيقاع الواقع المادي. هذا الاعتقاد خلق بيئة مثالية لظهور ممارسات منحرفة واضطرابات في الشخصية وجدت في المنصات الرقمية وسيطاً مثالياً للتعبير عن مكنوناتها دون رادع.

تتداخل في هذا السياق الأبعاد الفلسفية التي تدرس طبيعة الحرية الرقمية، مع الأبعاد الاجتماعية التي ترصد تفكك الروابط التقليدية في المجتمعات العربية، والأبعاد النفسية التي تحلل السمات "القاتمة" للشخصية وتأثيرها على السلوك الرقمي. إن الفضاء الرقمي في المنطقة العربية يواجه تحديات مضاعفة؛ فمن جهة، يمثل أداة للتمكين المعرفي وتعزيز الحقوق، ومن جهة أخرى، يتحول إلى ساحة لإعادة إنتاج الصراعات التاريخية، ونشر خطاب الكراهية، وبروز أنماط جديدة من الجرائم السلوكية التي تتغذى على مجهولية الهوية وضياع الرقابة الاجتماعية الواعية.

 وهم الحرية المطلقة والمفارقة الأخلاقية

تاريخياً، ارتبط مفهوم الحرية بالقدرة على الفعل ضمن إطار من العقل والإرادة الواعية، وليس مجرد الانفلات العشوائي من القيود. يرى أرسطو أن الحرية الحقيقية تنبع من العقل والقدرة على الاختيار بناءً على الفضيلة، لا اتباع الهوى المطلق. أما في الفضاء الشبكي، فيبرز "وهم الحرية" كنتيجة لغياب الحضور الجسدي المادي، مما يوهم المستخدم بأنه في حيز يتجاوز قوانين الطبيعة والاجتماع. ومع ذلك، يصطدم هذا التصور بحقيقة أن الكون والمجتمعات مبنية على قواعد تضبط إيقاعها، وأن التحلل من كل قيد يؤول بالضرورة إلى استبداد القوي بالضعيف، وهو ما حذر منه "كارل بوبر" في أطروحته حول "مفارقة الحرية"؛ حيث إن الحرية غير المحدودة تؤدي حتماً إلى نقيضها، أي زوال الحرية ذاتها تحت وطأة الفوضى.

يمثل الانزياح نحو الفضاء الرقمي نوعاً من "السيولة الوجودية" (بتعبير زيجمونت بومان)، حيث تتحول الذات من كيان فيزيائي صلب له تبعات ومسؤوليات، إلى "ذات رقمية" مشفرة في رموز وأيقونات. هذا الغياب للجسد يلغي "نظرة الآخر" التي كانت تمثل رادعاً أخلاقياً مركزياً في الفلسفة الوجودية عند "سارتر". ففي الفضاء المادي، يفرض الوجود المكاني للآخر التزاماً أخلاقياً متبادلاً، أما في الفضاء الشبكي، فإن مجهولية الهوية تكسر هذه الحواجز الرمزية، مما يسهل الانزياح نحو ممارسات عدوانية لم يكن الفرد يجرؤ على اجتراحها في حيز الواقع المادي الملموس.

 أزمة الشرط الإنساني في الوجود الشبكي

يتسم الوجود الرقمي بأنه وجود "منزوع الجسد"، وهو ما يضع الكيان الإنساني في مأزق معرفي غير مألوف. إن الفرد في المجتمع الرقمي يصبح "مركباً رقمياً غامضاً" يتم التعبير عنه من خلال الآثار الرقمية كالتفاعلات والمشاركات. هذه الرموز التجريدية تعيد تعريف مفهوم "الحضور"؛ فالفرد موجود رقمياً بقدر ما يترك من أثر لحظي، مما يدفع الأفراد إلى المبالغة الحادة في التعبير عن الذات للوصول إلى "اليقين الوجودي" عبر التفاعل الجماعي الكثيف.

من منظور "سبينوزا"، تكمن الحرية في الوعي بالأسباب والامتثال للقوانين الطبيعية، بينما يعتبر الانقياد الكامل للانفعالات "عبودية". وفي الفضاء الشبكي، يجد المستخدم نفسه منقاداً لانفعالات لحظية تغذيها المنطق البرمجي (الخوارزمي) للمنصات، مما يحول "وهم الحرية" إلى شكل من أشكال الاستلاب التقني، حيث يصبح الفرد مفعولاً به ومادة خاماً للمنظومة الرقمية بدلاً من أن يكون فاعلاً حراً يسعى للمعرفة.

 التحولات الاجتماعية في البيئة العربية

تواجه الهوية العربية في العصر الرقمي صراعاً محتدماً بين "الهوية الافتراضية" التي تتبنى قيم العولمة الاستهلاكية، وبين "الهوية الأصيلة" المشبعة بالتراث والتقاليد. أدى هذا الصراع إلى تآكل أركان النظام الاجتماعي التقليدي، حيث تراجع دور المؤسسات الضابطة كالأبوة والمدرسة لصالح الشبكات العالمية والقيم العابرة للحدود.

يبرز هنا مفهوم "الفرد الكبسولة"، وهو الفرد الذي يتقوقع في حالة من "العزلة الحقيقية" رغم تواصله الافتراضي الكثيف مع الملايين. هذا النمط الوجودي يقلل من جودة الوقت العائلي ويخلق فجوة تواصلية عميقة بين الأجيال. هذه العزلة المادية تعزز النزعة الفردانية الرقمية، حيث يبحث الفرد عن "انتماء وهمي" في مجموعات افتراضية قد تتبنى أفكاراً متطرفة أو ممارسات منحرفة لتعويض النقص في الروابط الاجتماعية الواقعية.

السمات الشخصية القاتمة والتفاعل الرقمي

يعد الفضاء الرقمي بيئة جاذبة للأفراد الذين يحملون "السمات القاتمة الأربع": النرجسية، والنفعية الذرائعية (الميكيافيلية)، والاعتلال النفسي (السيكوباتية)، والسادية. توفر هذه المنصات آليات لإشباع الاحتياجات النفسية المضطربة لهؤلاء الأفراد بطرق مدمرة للمحيط الاجتماعي:

النرجسية الرقمية:

 تتسم بالسعي المرضي للفت الانتباه وتضخم الأنا. يجد هؤلاء في المنصات وسيلة لتقديم "نسخة مثالية" متخيلة عن ذواتهم، عبر تعديل الصور ونشر النجاحات الوهمية للسيطرة على نظرة الآخرين.

النفعية الذرائعية:

 تتجلى في التلاعب بالآخرين واستخدامهم كأدوات لتحقيق مآرب نفعية. يستخدم هؤلاء الفضاء الرقمي لنشر الشائعات الممنهجة والخداع الإلكتروني للسيطرة على الوعي الجمعي.

الاعتلال النفسي الرقمي:

 يظهر من خلال غياب التعاطف والاندفاعية العمياء، والقيام بسلوكيات عدوانية كالتنمر الإلكتروني دون شعور بالذنب، مستغلين المجهولية للهروب من التبعات القانونية.

السادية الرقمية:

 وهي الاستمتاع الصريح بإلحاق الأذى النفسي بالآخرين، وترتبط بظاهرة "التصيد الرقمي" حيث يتعمد المستخدم استفزاز الآخرين وجرهم لنزاعات حادة للاستمتاع بضيقهم واضطرابهم.

تشير الدراسات في البيئة العربية إلى بزوغ ما يسمى "التكيف النرجسي الرقمي"، حيث تعيد المنصات صياغة السمات الشخصية بناءً على آليات المكافأة البرمجية (الإعجابات)، مما قد يؤدي إلى اضطرابات حادة في تقدير الذات في حال غياب التفاعل المنشود.

أثر انخفاض الكبح النفسي عبر الإنترنت

يعد مفهوم "انخفاض الكبح" حجر الزاوية في تفسير الممارسات المنحرفة رقمياً؛ إذ يؤدي غياب التواصل المباشر إلى خفض القيود الاجتماعية. في المجتمعات العربية التي تلعب فيها قيمة "الحياء الاجتماعي" دوراً ضابطاً، يسمح الإنترنت بتجاوز هذه الضوابط، مما يولد نوعين من الانفلات:

الانفلات الحميد:

 الذي يسمح بالبوح الوجداني وطلب الدعم في القضايا الحساسة.

الانفلات السام:

 الذي يؤدي لانطلاق الدوافع العدوانية، واستخدام الألفاظ النابية، وممارسة خطاب الكراهية الذي يهدد السلم المجتمعي.

 التوتر بين الحرية والضبط القانوني

تواجه دول المنطقة معضلة قانونية في الموازنة بين حماية حرية التعبير كحق دستوري أصيل، وبين ضرورة صون المصلحة العامة. ويلاحظ وجود اتجاه نحو "التجريم المفرط" عبر صياغات قانونية فضفاضة مثل "تهديد المبادئ الأسرية" أو "نشر أخبار كاذبة"، مما يمنح السلطات صلاحيات قد تقوض المحتوى التعبيري المشروع. كما أن توسع المراقبة الرقمية يخلق بيئة من "الرقابة الذاتية" القهرية التي تقتل روح الإبداع والنقد البناء.

استنتاجات

إن دراسة الفضاء الرقمي تكشف عن انزياح عميق في القيم والسلوكيات، حيث تحول "وهم الحرية" إلى وسيط لاضطرابات الشخصية. لقد أثبت التحليل أن هذه الاضطرابات لا تظهر بشكل عشوائي، بل تجد في بنية المنصات (المجهولية، والسرعة) محفزات تعيد تشكيل السلوك البشري نحو الأسوأ في حال غياب الضمير الأخلاقي والوعي القانوني. يظل الفضاء الرقمي مرآة عاكسة لصراعات الذات والمجتمع؛ مما يتطلب تضافر جهود الفلاسفة وعلماء النفس والقانون لبناء بيئة رقمية تحترم الحرية وتصون الكرامة الإنسانية في آن واحد.

***

غالب المسعودي

.........................

مراجع تعزيزية

بومان، زيجمونت. (2005). الحداثة السائلة. ترجمة: حجاج أبو جبر، القاهرة: الشبكة العربية للأبحاث والنشر. (مرجع محوري حول سيولة الروابط الاجتماعية في العصر الرقمي).

هيدغر، مارتن. (1954). السؤال عن التقنية. (دراسة فلسفية حول كيفية سيطرة التقنية على كينونة الإنسان وتحويله إلى مورد).

فوكو، ميشيل. (1975). المراقبة والمعاقبة. (لتحليل آليات الرقابة الرقمية الحديثة وكيفية تحول الفضاء الشبكي إلى سجن بانوبتيكي معاصر).

أبو زيد، أحمد. (2010). الهوية والتحولات الثقافية في العالم العربي. (لفهم صراع الهوية بين الأصالة والافتراض الرقمي).

سارتر، جان بول. (1943). الوجود والعدم. (لتعزيز مفهوم "نظرة الآخر" وتأثير غياب الجسد على المسؤولية الأخلاقية).

المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. (2024). المؤشر العربي: اتجاهات الرأي العام نحو التحول الرقمي والحريات.

 

على سبيل البداية: حين تتكلم الشعوب وتكتب سيرتها بلغتها العميقة خارج كتب التاريخ

ليست الثقافة الشعبية مجرد بقايا من الماضي أو زخارف فولكلورية تُستدعى في المناسبات، بل هي الذاكرة الحية التي تحفظ روح الإنسان عبر الزمن. إنها اللغة غير المكتوبة التي تتحدث بها الشعوب حين تصمت السياسة، والجسر الخفي الذي يربط البشر رغم اختلاف اللغات والحدود والجغرافيا.

فعلى امتداد التاريخ، شكّلت الثقافة الشعبية التعبير الأكثر صدقًا عن التجربة الإنسانية؛ ففي الحكايات المتوارثة، والأمثال المتداولة، والأغاني الجماعية، والطقوس الاجتماعية، تختزن الشعوب خبرتها في الحياة، وتعيد صياغة علاقتها بالعالم وبالآخرين. ولهذا لم تكن الثقافة الشعبية يومًا تراثًا جامدًا، بل كانت دائمًا كائنًا حيًا يتجدد مع تحولات الإنسان والمجتمع.

واليوم، في زمن العولمة والتقنيات الرقمية، لم تعد الثقافة الشعبية محصورة داخل حدودها المحلية، بل تحولت إلى فضاء إنساني مشترك تتقاطع داخله الرموز والتجارب، بما يفتح أفقًا جديدًا لتقارب الشعوب.

الثقافة الشعبية: ذاكرة تصنع الهوية

تحمل الذاكرة الشعبية وظيفة تتجاوز مجرد حفظ الماضي؛ فهي تمنح الجماعة معنى وجودها واستمراريتها. فالأمثال ليست كلمات عابرة، بل خلاصة تجارب طويلة؛ والحكايات ليست تسلية للأطفال، بل مدارس رمزية تُنشئ الوعي الأخلاقي والاجتماعي.

ومن خلال هذه الذاكرة، يشعر الإنسان بانتمائه إلى تاريخ ممتد، حيث يصبح الماضي حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية. إنها آلية خفية تضمن تماسك المجتمع في مواجهة التحولات المتسارعة، إذ يعود الناس إلى مخزونهم الرمزي كلما واجهوا الأزمات بحثًا عن المعنى والاستقرار.

وهكذا، تبدو الثقافة الشعبية كأنها خزان الهوية الجماعية، تحفظها دون أن تجمدها، وتجدّدها دون أن تقطع صلتها بالجذور.

رموز تعبر الزمن ولا تموت

اللافت في الثقافة الشعبية أنها لا تختفي، بل تتحول. فالحكاية التي كانت تُروى حول النار أصبحت فيلمًا أو مسلسلًا، والمثل الشعبي الذي كان يُتداول شفويًا صار ينتشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

إن قوة الرمز الشعبي تكمن في قدرته على إعادة تشكيل نفسه بما يلائم كل عصر. فالوسائط تتغير، لكن المعاني الإنسانية تبقى: الشجاعة، الحب، العدالة، التضامن، والأمل.

ولهذا تستمر الثقافة الشعبية لأنها تعبّر عن حاجات إنسانية متكررة، تعود للظهور في صور جديدة كلما تغير الزمن.

الإنسانية المشتركة: حين تلتقي الشعوب دون موعد

تكشف الثقافة الشعبية عن حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: البشر، رغم اختلافاتهم، يعيشون التجارب ذاتها. فالحكايات الشعبية في المغرب تشبه نظيراتها في آسيا أو أوروبا من حيث صراع الخير والشر، وانتصار العدالة في النهاية.

كما تختصر الأمثال الشعبية حكمة إنسانية مشتركة؛ فالمثل المغربي «اليد الواحدة ما تصفقش» يجد نظيره في ثقافات أخرى، وكأن الإنسانية تتحدث بصوت واحد عبر لغات متعددة.

أما الأغاني الشعبية، فهي التعبير الأكثر مباشرة عن المشاعر الإنسانية؛ إذ يستطيع المستمع أن يفهم الحزن أو الفرح في لحن لا يعرف لغته. وهنا تتجلى الثقافة الشعبية كمساحة وجدانية مشتركة تتجاوز الحدود السياسية والثقافية.

الثقافة الشعبية كقوة ناعمة للتقارب الإنساني

في عالم يزداد انقسامًا، تبرز الثقافة الشعبية باعتبارها أحد أهم أدوات الحوار غير الرسمي بين الشعوب. فهي لا تفرض نفسها بالقوة، بل تنتشر عبر الإعجاب والتأثر والتبادل الرمزي.

يكفي أن نتأمل كيف انتشرت الأطعمة والموسيقى والطقوس الاجتماعية عبر العالم لنفهم أن الإنسانية تمارس حوارًا صامتًا دائمًا، تتبادل فيه الشعوب عناصر هويتها دون أن تفقد خصوصيتها.

إن الثقافة الشعبية لا تلغي الاختلاف، بل تحميه؛ فهي تحتضن التنوع وتحوّله إلى مصدر غنى إنساني، مما يجعلها أساسًا ممكنًا لبناء عالم أكثر تسامحًا وتفاهمًا.

نحو أفق إنساني جديد

إن الحديث عن تقارب الشعوب لا يمكن أن يتحقق عبر الخطابات السياسية وحدها، بل يحتاج إلى وعي ثقافي عميق يبدأ من معرفة الذات والانفتاح على الآخر في الوقت نفسه. فالحوار الحقيقي لا يقوم على تلميع الصور المتبادلة، بل على الاعتراف بالتعدد والاحتفاء به.

ومن هنا تبدو الثقافة الشعبية أحد أهم الموارد الحضارية القادرة على إعادة صياغة العلاقات الإنسانية، لأنها تنطلق من الإنسان العادي، من حياته اليومية، ومن مشاعره المشتركة التي لا تعرف الحدود.

إنها دعوة إلى أن نرى العالم لا باعتباره فسيفساء متصارعة، بل عائلة إنسانية كبرى تتقاطع داخلها القصص والأغاني والأحلام.

وفي هذا الأفق، تصبح الثقافة الشعبية أكثر من تراث؛ إنها مشروع إنساني مفتوح نحو مستقبل يقوم على الحوار والتعايش وتقارب الشعوب.

***

بقلم: د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث

 

من الصعب تحديد مستويات وعمق تفكير الانزياح الإيديولوجي عند بعض الأطر الأكاديمية والجامعية من الجيل الجديد. من المتعب قراءة رمزيات التنظير المعياري لديهم الذي ينتج الولاءات والانبطاح، وذلك عندما يربط الهدف ببروز مصالح ذاتية أو أخرى متوزعة بالنفعية. وكذا من الصعب معرفة دواعي وخلفيات توجيه الرأي العام نحو الخضوع والإيجاب والقبول بحتمية قدر إكراهات معيشة الحياة، وحتمية التصديق المطلق لأصحاب القرار التنفيذي. لكن المشكلة الكبرى حين تغلب لغة العزف على وتر واحد، فاعلم أن هناك توجيهات صارمة وصامتة، أو أن هنالك ريع (حلال) في متناول اليد والاستهلاك الفاسد بقضايا الوطن.

لغة جديدة ظهرت رديئة، وباتت تماثل لغة شفهي (ميكرو- تروتوار/ Micro Trottoir) في إعلام الشارع (الفايسبوك) من قبل بعض من يحملون شواهد أكاديمية وجامعية، وقد تتشابه حد (تهجئة الكتابات) في علوم الدارجة. لغة تُشابه ما تتناقله (ميكروفونات) البلاهة والتفاهة، والتي تأسست لضرب القيم الحصينة، وتشتيت الرأي العام وفق خليط من الأفكار والقناعات السمجة والملتوية، ولما لا اختراق ما بقي من أسس نظافة الفكر والعقل البنائي الذي كان يتخرج بفخر من جامعاتنا الوطنية ويؤطر المواطنين والمواطنات.

تلك مظاهر جديدة من التحولات التي ترتكز على بلاهة الرأي والأسلوب والتوجيه، ورمي الأفكار والقناعات المفبركة، والعمل على تمرير نوعية من سموم تناقضات حربية السياسية، ولما لا خلق الفجوة الرقمية بين الحقيقة والتزييف.

كل هذا بحق باتت أزمة بعض من النخب التي تحمل الشواهد والديبلومات، وتتشدق بالعلمية والتحليل المنهجي، وما هي بالطبع إلا أداة تُسخر وكراكيز لتلميع الفاسد والفساد، وجعل أبي لهب يتسيد على فعل التقوى والخير!!!

من شدة العوز الثقافي المغربي، حين تركب تلك النخبة على ممرات الوطن والوطنية، ومحاولات تنميط الفكر، والعمل الحثيث على (فورماطاج/ Formatage) مكونات شخصية المواطن البسيط نحو إيمان جديد مفبرك بالبلاهة. نخب جديدة من الفكر الجامعي ومن بعض الوصوليين الذين يمتلكون ألوان العمى، ويفسرون الخير بالشر، والشر بالخير، وبازدواجية ماكرة. فقد تصبح الوطنية عندهم تماثل الخضوع والانبطاح والقبول حتى بالمتغيرات الدولية، ولما لا الهرولة نحو إلحاق الوطنية بمطامح ومطامع أخرى، وقد تصبح الوطنية عند هؤلاء من بيادق (البحلسة) والتمسح عند عتبات الولاءات تنميط متغير المواقف لا خلاف عليه، وعقل جمعي حاضر في قيادة القطيع اللامفكر.

اختلاف الأمة في الرأي فيه رحمة التنوع، من تم كانت التعددية الحزبية مسلكا سديدا نهجته الدولة المغربية بارتياح. وقد كان ولازال هذا الوعاء الشامل وغير الاستبدادي (الحزب الواحد) كيس أمان لكل الارتدادات والحوادث الاجتماعية الفزعة عبر تاريخ المملكة، لكن من العيب أن تأتي تلك الكُمشة من الانتهازيين على صفحات مجانية من إعلام الشارع (الفيسبوك)، وتعمل على صناعة لسعة السم المقوية للباطل وإدخال مصالح الدولة العليا ضمن منظومتهم الانتهازية، فإن هذا من العجب الذي يرتدي جلباب الحكيم في جسد شيطان مارد ماكر يختفي وراء مصالح حب الدولة والوطن ومن (الحب ما قتل).

الأهم عند هذه الفئة المستنيرة بعلم نشيد (لَعَبْ وَكُولْ)، هو دوام سيولة المال السخي، والعمل بالتوجيهات مهما كانت نوعيتها المنحطة، فأن تصبح الزيادة في ثمن المحروقات مصلحة وطنية لا محيد من التصفيق لها، والخضوع لها بفرح الكاميرات (البودكاست/Podcast )!!! فهذا مكر سياسي تجريدي من القيم!!! وأن يتم التنظير لتلك الوطنية الساذجة، والتي تتمثل في أن يتحمل المواطن تبعات توجهات الدولة الكبرى في صنف خلق التحالفات الجيوسياسية، وكأن المواطن مفعول به بالنصب!!!

هيهات فهيهات أن تكون الوطنية تكلفة فقط من المرتدات الضاغطة عند المواطن بحتمية القبول بها، وليس أن يكون المواطن جزءا من إنتاج الرأي والرأي المضاد. فالوطنية ليست نمطا استهلاكيا يُوازي الأكلات السريعة (الفاست فود/ Fast Food) ومرتبطة بالحروب والكوارث وبالمنجزات الرياضية، بل الوطنية الحقة هي جزء لا يتجزأ عن قيم الوطن وثوابت الدولة العليا بلا متغيرات. الوطنية الحقة أخلاق ومواقف الشعب المشتركة، والتي تتسم بحقيقة الهوية الثقافية الفردية والجماعية، وتلك الذاكرة المشتركة للشعوب.

ما أثارني من هذه الفئة الأكاديمية الجديدة المتشدقة بالمعارف (الجيوسياسية)، والمستنيرة من الانحيازيات السياسية والتحكمية، هو ذاك الولاء المطلق لأرباب النعمة في ضمير الغائب والمستتر والمنفصل، وكذا هو اللعب بقضايا الوطنية العليا بالاستهلاك الفاضح والمرتبك، وتقويض مرتكزاته الاعتقادية والاعتيادية.

فئة من نخب (أعطيني لسانك آكل به الشوكْ)!!! وكأنهم من الحراس الأمناء على هذا الوطن الكريم (حاشا والله أن يكونوا كذلك)!!! إنهم نوعية من توليفات رؤى الشيطنة السياسية الجديدة التي تصنع (تهافت التهافت على الأزمات من حروب وكوارث والمنجزات الرياضية) لكي تأكل الثوم بأفواه شرهة، وتُذهب تخوفات الجن المارد الذي يُغذي نمط حياتها بأنفة التعالي والتنظير والتهكم.

لا علينا فالفراغ العقلاني المتوتر بخلطة عاشوراء السياسية، وسيادة الفكر الثقافي الرخو، والمواقف السياسية الغائبة عند الأحزاب السياسية الوطنية، هي من تركت لهذه الفئة (المتنطعة) كي تلعب أدوار وكلاء البلاهة (... قاضي حاجة)، والاسترزاق من نشرات (إعلام الشارع) البئيس، ولكن التاريخ لن يغفر لهذه الفئة الرائدة في تثمين البلاهة التي تبيع الوهم والذمم، بل التأريخ سيعود بالعودة نحو المعقولية حتما وتحييد وكلاء إعلام أولي النعمة.

***

محسن الأكرمين

 

لا أريد أن أظلم الفلسفة، فقد كانت رفيقة درب جميلة. علمتني كيف أفكر، كيف أشك، كيف أنقض المسلمات وأفكك البديهيات. علمتني أن أسأل لماذا؟ وكيف؟ ومن أين؟ وإلى أين؟ لقد أطلقت في رأسي ألف سؤال، وألف سؤال آخر يتفرع من كل سؤال. كانت الفلسفة أشبه بمرآة حدباء تعكس لي صورتي مكبرة أو مصغرة، لكنها لم تكن قادرة على أن تخبرني من أنا حقاً.

أذكر أنني قرأت "الوجود والعدم" لسارتر، وانبهرت بتحليله للوعي والحرية والمسئولية. لكنني حين أغلقت الكتاب، وجدت نفسي أمام فراغ وجودي مخيف. سارتر يقول: "الإنسان محكوم عليه أن يكون حراً". حرية بلا مرجعية، بلا غاية، بلا معنى سوى المعنى الذي نصنعه بأنفسنا. وكأننا نصنع قارباً من ورق في محيط هائج، ثم نأمل أن ينقذنا!

وقرأت نيتشه وهو يعلن موت الإله، ويبشر بالإنسان الأعلى الذي يتجاوز الخير والشر. لكنني وجدت أن "موت الإله" لم يلد إنساناً أعلى، بل أنتج وحوشاً صغيرة تتصارع على السلطة والمال والشهوات، وجعلت من الأرض ساحة حرب لا ترحم. وقرأت كانط وهيجل وشوبنهاور، وتتلمذت في مدرسة الفكر الوضعي المنطقي، ووجدت أن العقل حين يعتمد على نفسه فقط، يصبح كمن يحاول أن يرفع نفسه من الشعر. إنه يصول ويجول داخل دائرة مغلقة، لكنه لا يستطيع أن يقفز خارجها ليرى الحقيقة كما هي.

الفلسفة تشبه رجلاً يدور في غرفة مظلمة ومعه مصباح صغير. يرى الجدران، يرى الأثاث، يرى ظلاله على الحائط. لكنه لا يرى ما وراء الجدران. لا يرى الشمس، ولا السماء، ولا النجوم. هو أسير الغرفة، مهما كبر مصباحه.

العجز الفلسفي عن هداية القلب

وهنا مربط الفرس... الفلسفة قد تهدي العقل، لكنها تعجز عن هداية القلب. والقلب له منطق آخر، منطق لا تعرفه كتب المنطق الصوري ولا قوانين الاستدلال الرياضي.

القلب يريد أن يعشق، أن يخاف، أن يرجو، أن يطمئن. القلب يريد أن ينام مطمئناً إلى أن هناك يداً كبرى تدبر هذا الكون، وأن هذا الوجود ليس عبثاً، وأن الموت ليس نهاية الحكاية. القلب يشبه الطفل الصغير الذي يخاف من الظلام. يحتاج إلى يد حانية تمسك بيده، إلى صوت دافئ يطمئنه: لا تخف، أنا معك. الفلسفة تحاول أن تقنع هذا الطفل بأن الظلام مجرد غياب للضوء، وأن الخوف مجرد استجابة بيولوجية، وأنه لا وجود للوحوش تحت السرير. لكن الطفل لا يقتنع. هو يريد شعور الأمان، لا تفسير الخوف!

كم مرة قرأت عن "البراهين العقلية على وجود الله"؟ براهين أرسطو والأكويني وديكارت وكانط. كانت مقنعة عقلياً، لكنها لم تكن كافية لتجعلني أسجد لله باكياً. كانت تشبه برهان رياضي على أن النار حارة. صحيح، لكنه لا يدفئني!

القلب يحتاج إلى لقاء، ليس إلى برهان. يحتاج إلى أن يشعر بالقرب، لا أن يقتنع بالوجود. يحتاج إلى أن يذوق، لا أن يعرف. وهنا كان العجز الفلسفي الأكبر. الفلسفة تظل واقفة على باب الحديقة تصف الزهور، لكنها لا تدخلك إليها. تخبرك عن رائحة الياسمين، لكنك لا تشمها. تصف لك طعم العسل، لكنك لا تتذوقه.

الغرور السخيف.. أو وهم الوصول

ثم هناك غرور آخر أخطر... ذلك الغرور الذي يصيب الباحث عن الحقيقة بعد أن يقرأ ويطالع ويناقش. يبدأ يشعر بأنه وصل، وأنه أصبح فوق العامة، وأنه يمتلك مفاتيح الحقائق التي لا يعرفها الآخرون. كنت أظن أن قراءة "فلسفة الدين" لهيجل، و"نقد العقل المحض" لكانط، و"الظاهريات" لهوسرل، و"التأويلية" لجادامير، تجعلني إنساناً متفوقاً قادراً على رؤية ما لا يراه الآخرون. لكن هذا الغرور السخيف كان ينهار في اللحظة التي أواجه فيها سؤالاً بسيطاً طفولياً لماذا نحن هنا؟. كنت أجد أن كل تراكماتي الفلسفية لا تنتج جواباً يملأ الفراغ، بل تنتج المزيد من الأسئلة والاحتمالات والنظريات المتضاربة. الفلسفة تشبه امرأة جميلة تغريك وتغويك، لكنها حين تصل إلى اللحظة الحاسمة، تخذلك. تمنحك وعوداً بلا وفاء. تفتح أمامك ألف باب، لكن كل باب يؤدي إلى ألف باب آخر.

وأدركت أنني كمن يبني برجاً عاجياً عالياً، وكلما ارتفع البناء، ازدادت عزلته عن الأرض، وازداد خوفه من السقوط. وكلما قرأت أكثر، كلما ازددت حيرة وشكاً واضطراباً. وكأنني أدور في دائرة مفرغة: كلما عرفت أكثر، أدركت أنني لا أعرف شيئاً.

العودة إلى القرآن.. كالمريض العاقل

حين أكون كالمريض العاقل الذي لا يخفي علته على الطبيب... هذه هي الصورة الدقيقة. المريض العاقل هو الذي يعرف أنه مريض، ويعرف أن علاجه عند الطبيب، فيذهب إليه صادقاً كاشفاً عن جراحه. وكنت أنا ذلك المريض. كنت أشكو من داء الحيرة، من داء القلق الوجودي، من داء الفراغ الروحي. وذهبت إلى فلاسفة العالم أظنهم أطباء، لكنني وجدتهم في كثير من الأحيان مثل مرضى يحاولون علاج بعضهم بعضاً! ثم عدت إلى القرآن، ليس ككتاب مقدس أقدسه بالتقاليد، بل كطبيب أعرض عليه علتي. قرأته كمن يبحث عن دواء، لا كمن يؤدي طقساً دينياً. ويا للفرق!

في القرآن، لم أجد براهين فلسفية جافة على وجود الله، بل وجدت نداء: "يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم". لم أجد نظرية في الأخلاق، بل وجدت تزكية: "قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها". لم أجد فلسفة في التاريخ، بل وجدت سنناً إلهية: "وتلك الأيام نداولها بين الناس". القرآن لا يجادلك في وجود الله، بل يخاطب فطرتك التي تعرف الله أصلاً، ثم تذكرك به. إنه كمن يوقظ نائماً، لا كمن يثبت لفقير بلاستيكي أنه فقير!

اقرأ قوله تعالى: "فلينظر الإنسان إلى طعامه أنا صببنا الماء صباً". إنه لا يقدم برهاناً على وجود الخالق، بل يدعوك للتأمل في ما تراه بعينيك كل يوم. يدعوك لترى المعجزة في المألوف، والآية في العادي. القرآن يشبه النهر الجاري. تستطيع أن تقف على ضفته وتناقش مصدره ومجراه ووجهته. لكن الأفضل أن تنزل فيه فتغتسل وترتوي! الفلسفة تقف على الضفة تناقش. القرآن يدعوك للنزول.

ما وجدته في القرآن.. وما لم أجده في الفلسفة

ماذا وجدت في القرآن تحديداً مما لم أجده في كل كتب الفلسفة التي قرأتها؟

أولاً: وجدت اليقين بعد الشك. الفلسفة تعيش في منطقة الشك الممنهج، وتعتبره فضيلة. والشك فضيلة في البحث، لكنه عاهة في الحياة. الإنسان لا يستطيع أن يعيش بشك دائم. يحتاج إلى يقين يبني عليه حياته. وفي القرآن وجدت يقيناً لا يقوم على الإلغاء العقلي للشك، بل على تجاوزه إلى رتبة أعلى: "الذين يؤمنون بالغيب".

ثانياً: وجدت المعنى بعد العبث. الفلسفة الوجودية تقول: الحياة عبث، لكنك أنت من تصنع معناها. وكأنها تقول: أنت غريق، لكنك أنت من يصنع طوق النجاة من الزبد! القرآن يقول: "وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين". الحياة لها معنى موضوعي، لها غاية، لها خالق يعلم لماذا خلقها. وهذا المعنى يمنح الوجود ثقله وقيمته.

ثالثاً: وجدت الطمأنينة بعد القلق. الفيلسوف الوجودي يعيش في قلق دائم، ويظن أن هذا القلق هو علامة وعيه وصدقه. لكن القرآن يعد بطمأنينة أخرى: "ألا بذكر الله تطمئن القلوب". طمأنينة لا تعني التوقف عن التفكير، بل تعني أن تفكر وفي قلبك سكينة، وأن تبحث وفي روحك سلام.

رابعاً: وجدت المنهج بعد الفوضى. الفلسفة تقدم لك مذاهب متضاربة، وتتركك في حيرة الاختيار. القرآن يقدم لك منهجاً متكاملاً للحياة، عقيدة وشريعة، وأخلاقاً وقيماً، وتصوراً للكون والإنسان والحياة. ليس مجرد أفكار للتأمل، بل خريطة طريق للسير.

خامساً: وجدت الرحمة بعد الجفاف. الفلسفة جافة، عقلانية، باردة. حتى حين تتحدث عن الحب والرحمة، تتحدث عنهما نظرياً. القرآن يخاطب القلب كما يخاطب العقل، يمس الوتر الحساس في النفس. تجد فيه الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، والقصص والأمثال، كلها تصب في نهر واحد هو هداية الإنسان.

لكن... هل يعني هذا هجر الفلسفة؟

لا، لا أدعو إلى حرق كتب الفلسفة، ولا إلى تكفير الفلاسفة، ولا إلى العودة إلى قراءة القرآن فقط دون أي ثقافة أخرى. هذا تطرف جديد لا أريده. ما أدعو إليه هو وضع الفلسفة في مكانها الصحيح، لا جعلها إلهاً من دون الله. الفلسفة أداة تفكير، ليست غاية للحياة. هي جسر، لا مدينة. هي مصباح، لا شمس. يمكن للفلسفة أن تنمي عقلك، وتشحذ ذكاءك، وتعلمك كيف تناقش وتحلل. لكنها لا تستطيع أن تروي ظمأ روحك، ولا أن تملأ فراغ قلبك، ولا أن تهديك إلى معنى وجودك.

القرآن يهديك إلى الله، ثم تأتي الفلسفة لتفهم وتتدبر وتتفكر. القرآن هو الأصل، والفلسفة يمكن أن تكون خادمة له، لا سيدة عليه. تماماً كما كانت الفلسفة في العصور الذهبية للحضارة الإسلامية، خادمة للعقيدة، أداة لفهم الوحي، وسيلة للدفاع عن الإيمان، لا بديلاً عنه.

أن ترى النور بعينيك

في النهاية، أستطيع أن أقول إن رحلتي مع الفلسفة كانت ضرورية، لكن عودتي إلى القرآن كانت حتمية. كنت كمن سافر حول العالم بحثاً عن وطنه، ليكتشف أن وطنه كان أجمل ما رأى، لكنه لم يدرك جماله إلا بعد أن سافر!

الفرق بين الفلسفة والقرآن يشبه الفرق بين من يصف لك النور ومن يريك النور بعينيك. الفلسفة تصف، والقرآن يري. الفلسفة تناقش، والقرآن ينير. الفلسفة تحلل، والقرآن يهدي. وما زلت أرجع إلى القرآن من حين إلى حين... أرجع إليه كلما ضاقت بي الأرض بما رحبت، كلما تاهت بي السبل، كلما شعرت أنني أغرق في بحر الأسئلة بلا شاطئ. أرجع إليه فأجد فيه ما لا أجده في أي كتاب آخر: نوراً يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه، ويهديهم إلى صراط مستقيم.

هذا ليس كلاماً إنشائياً، ولا خطاباً وعظياً. إنها شهادة إنسان عاش التجربة، وذاق المر والمرير، ثم وجد ضالته أخيراً.

"قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون".

***

د. عبد السلام فاروق

الدم والتراب.. فلسفة الاستخلاف والتبعية الوظيفية

المبتدأ الوجودي وصناعة المعنى

تُمثّل قصص الخلق في الشرق الأدنى القديم الدعامة الوجودية التي شيدت عليها الحضارات الإنسانية رؤيتها للكون، والذات الإلهية، وموقع الكائن البشري في خارطة الوجود. ولا تقف ملحمة "إينوما إيليش" البابلية (عندما في الأعالي) وسفر التكوين العبري عند حدود السرد الأسطوري لنشأة العالم، بل يمتد أثرهما ليرسما إطاراً منطقياً وفلسفياً يحدد طبيعة العلاقة بين الخالق والمخلوق.

إن المقارنة بين هذين النصين لا تنطوي على مجرد رصد للتشابهات اللغوية، بل تغوص في عمق الأسئلة الكبرى:

 لماذا وُجد الإنسان؟ هل كان وجوده ضرورة لاستقرار النظام الكوني المهدد بالفوضى، أم كان تبريراً مستقلاً لحكمة إلهية متعالية؟ يسعى هذا البحث لاستكشاف هذه القضايا عبر تحليل معمق يستند إلى المعطيات اللغوية والفلسفية، في محاولة لفك الاشتباك بين الرؤية البابلية التي ترى الإنسان "ترساً" في آلة كونية مجهدة، والرؤية التوراتية التي تضعه في مقام "الوكيل الملكي" المكرم.

 الجغرافيا السياسية للنص المقدّس

لا يمكن فهم الفلسفة الكامنة وراء "إينوما إيليش" أو سفر التكوين دون استحضار البيئة التي أنتجت هذه النصوص. تعود الملحمة البابلية في شكلها النهائي إلى العصر البابلي القديم (حوالي 1100 قبل الميلاد)، وهي تعكس بيئة الرافدين القائمة على مواجهة فيضانات دجلة والفرات العنيفة، مما جعل "الصراع" قيمة مركزية في بقاء الكون (طه باقر، 2006). عنوان الملحمة، المستمد من كلماتها الافتتاحية، يعبر عن رؤية كونية تبدأ من الفراغ الذي يسبق "التسمية"، حيث لم يكن للسماء أو الأرض هوية بعد.

في المقابل، يمثل سفر التكوين استجابة ثقافية ولاهوتية معقدة، يرى المؤرخ كارين آرمسترونغ أنها تشكلت في سياق المواجهة مع الفكر الرافدي، خاصة خلال فترة السبي البابلي. في حين يُؤرخ البعض كتابة السفر إلى تاريخ أبكر، إلا أن النص بصيغته النهائية كان يهدف إلى تقديم بديل توحيدي للمنظومات الأسطورية المحيطة، محاولاً "تطهير" قصة الخلق من الصراعات المادية وتقديمها كفعل إرادي منظم صادر عن إله واحد متعالٍ (آرمسترونغ، 2015).

فلسفة البدء (صراع العماء مقابل الكلمة الآمرة)

تقوم الفلسفة البابلية للبدء على فكرة "صراع العماء"؛ حيث النظام لا يولد إلا من رحم العنف. الإله "مردوخ" يقتل "تيامة" (رمز الفوضى)، يشق جسدها كسمكة مجففة، ويجعل نصفها سماءً ونصفها أرضاً. هذا يعني أن الكون في جوهره "مادة إلهية ميتة" أُعيد تدويرها قسرياً. وبحسب بول ريكور في كتابه "رمزية الشر"، فإن هذا النموذج يجعل "العنف" عنصراً وجودياً أصيلاً في استقرار الكون (ريكور، 1967).

في المقابل، يقدم سفر التكوين "خلقاً هادئاً"؛ الله لا يقاتل المادة، بل يأمرها. عبارة "ليكن نور" ليست صرخة حرب، بل هي تجلٍ للإرادة المنظمة. إن استقرار الكون في الرؤية التوراتية لا يعتمد على انتصار عسكري إلهي دائم، بل على "كلمة" ثابتة وقوانين كونية أرساها الخالق منذ البداية، مما يحول المادة من "جثة إله مهزوم" إلى "خليقة حسنة".

علّة الوجود (بين الضرورة المصلحية والإفاضة الإرادية)

عند الانتقال إلى اللحظة التي يقرر فيها الخالق إيجاد الإنسان، نلمس التباين الأكبر في "الموجبات":

في "إينوما إيليش": يظهر خلق الإنسان كـ "خاطرة متأخرة" أو حل لمشكلة عمالية واجهت الآلهة. بدأت القصة بتذمر الآلهة الصغرى (الأنوناكي) من ثقل العمل الشاق في حفر القنوات، مما دفع الإله "إنكي" لاقتراح خلق كائن جديد يحمل "نير الآلهة" لكي "ترتاح الآلهة". الإنسان هنا هو "بديل" وظيفي، ووجوده ضرورة لاستقرار النظام من زاوية مصلحية؛ فبدون العمل الإنساني، ستتمرد الآلهة مجدداً وتعود الفوضى (صموئيل كريمر، 1971).

في سفر التكوين: موجب الخلق ليس حاجة أو نقصاً لدى الإله، بل هو فيض من الإرادة والحرية. الله في التصور العبري منزه عن التعب، وبالتالي لم يُخلق الإنسان ليمد الخالق بالقوت. يُخلق الإنسان في نهاية أيام الخلق كـ "تاج للخليقة"، ويُمنح السيادة والبركة. الوجود الإنساني هنا هو "تبرير لذاته" ضمن مشروع يهدف للتواصل مع كائن صُنع "على صورة الله ومثاله".

 مادة التكوين (وجاهة "دم كينغو" وواقعية الشر)

تكتسب الأسطورة البابلية وجاهتها الوجودية من كونها تضع "العنف" في صلب المادة المكونة للإنسان. ففي الملحمة، لم يُخلق الإنسان من مادة محايدة، بل من دم الإله "كينغو" (قائد جيوش الفوضى)، مما يجعل الميل للتمرد والعدوانية "بذرة تكوينية" في الجبلّة البشرية.

هنا تبرز مفارقة فلسفية: إذا كان المبتدأ (المادة) ملوثاً بالعنف، فإن الخبر (التاريخ) سيكون دموياً بالضرورة. هذا يجعل التوحش البشري في التاريخ ليس "انحرافاً" بل "تحقيقاً للطبيعة الأصلية". أما في التوراة، فالإنسان يُخلق من "تراب" ونفخة إلهية، مما يجعل شره "خياراً أخلاقياً" طارئاً وليس قدراً مادياً. يرى الفيلسوف ميرسيا إلياد أن هذا يحمل الإنسان مسؤولية أخلاقية ثقيلة، لأن الشر هنا ليس "جينياً" بل هو "سقوط" من مرتبة الكمال الممكنة (إلياد، 1987).

 السيادة المستلبة (الاستخلاف مقابل "ماكينة الطقوس")

تشير التحليلات الحديثة، مثل رؤية وائل حلاق في "الدولة المستحيلة"، إلى أن الإنسان عبر التاريخ غالباً ما استبدل "السيادة الإلهية" (التي تقتضي العدل والرحمة) بـ "سيادة الأنا" أو "سيادة الدولة". هذا التحول هو في جوهره "نقض" لصفة الاستخلاف؛ لأن الخليفة في الفلسفة الدينية هو "ظل" للخالق وليس "بدلاً" عنه.

وعندما يتحول الإنسان إلى "ترس في ماكينة الطقوس"، فإنه يعود فعلياً إلى "النموذج البابلي" للعبودية المقنعة. الطقوس في المنظور السومري كانت "صيانة كونية" إجبارية لإطعام الآلهة الجائعة، بينما في المنظور التوحيدي ينبغي أن تكون وسيلة لتحقيق "العدل". النكوص التاريخي حوّل العبادة إلى غاية وظيفية ميكانيكية تهدف لتجنب الغضب الغيبي، وهو ما يتفق مع نقد نيتشه للأديان التاريخية التي رأى فيها وسيلة لترسيخ "أخلاق العبيد".

صراع "الترس" و"الوكيل"

نخلص إلى أن التاريخ البشري ليس "سيرة استخلاف" ناجحة، بل هو صراع مرير للهروب من عبودية المادة (دم كينغو) نحو حرية الروح (نفخة الخالق). الرؤية البابلية (الواقعية المظلمة) هي الأكثر قدرة على تفسير دموية التاريخ كما هو، بينما الرؤية التوراتية/الإبراهيمية (المثالية الخطرة) هي الأكثر قدرة على رسم ما "ينبغي أن يكون".

بين "الضرورة الميكانيكية" و"التبرير الغائي"، تظل الكرامة البشرية معلقة؛ فالواقع يثبت أن الإنسان يفضل غالباً أن يكون "ترساً" في نظام قمعي يهرب فيه من مسؤولية الحرية، على أن يكون "وكيلاً أخلاقياً" يمارس الرحمة والتدبير.

***

غالب المسعودي

........................

مراجع مقترحة

آرمسترونغ، كارين (2015). تاريخ اللورد: البحث في 4000 عام من العهد القديم والجديد. ترجمة: فاضل لفتة، دار التنوير.

باقر، طه (2006). ملحمة كلكامش وقصص أخرى من التراث الرافدي. دار المدى.

حلاق، وائل (2014). الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.

ريكور، بول (1967). رمزية الشر. ترجمة مراجعة، منشورات النور.

كريمر، صموئيل نوح (1971). من ألواح سومر. ترجمة: طه باقر، مكتبة المثنى.

إلياد، ميرسيا (1987). أسطورة العود الأبدي. ترجمة: نهاد خياطة، دار الحداثة.

سفر التكوين. الكتاب المقدس (العهد القديم)، نسخة الفاندايك.

توفي يورغن هابرماس، أحد أبرز أعلام الفلسفة والنظرية الاجتماعية المعاصرة، في 14 مارس 2026 عن عمر يناهز 96 عامًا. وليس من السهل تلخيص مسيرة شخصية بهذا الوزن الفكري في بضعة أسطر.

برحيل يورغن هابرماس، لا يفقد العالم مجرد فيلسوف بارز، بل يخسر أحد أكثر العقول التي سعت بإصرار إلى فهم شروط العيش المشترك في عالم معقّد ومضطرب. لقد كان حضوره الفكري، الممتد لأكثر من سبعين عامًا، شاهدًا حيًا على قدرة الفلسفة على أن تكون فاعلة، لا متأملة فقط، وأن تتدخل في صلب الواقع لا أن تكتفي بوصفه.

لم يكن هابرماس مفكرًا عاديًا ضمن تقاليد الفلسفة الألمانية؛ بل كان صوتًا عالميًا أعاد صياغة العلاقة بين العقل والمجتمع، بين النظرية والممارسة. أعماله، التي عبرت حدود اللغات والثقافات، لم تكن مجرد إنتاج أكاديمي غزير، بل مشروعًا فكريًا متكاملًا يسعى إلى إعادة بناء أسس العقلانية في زمن الشك.

والمثير في مسيرته أنه لم يكتفِ بإنجاز مبكر يخلّد اسمه، كما يفعل كثيرون، بل ظلّ حتى سنواته الأخيرة في حالة يقظة فكرية دائمة، يكتب، يحاور، ويناقش، وكأن الزمن لم يكن قادرًا على إبطاء اندفاعه نحو التفكير.

تكوّن وعي هابرماس السياسي في لحظة تاريخية حاسمة: ما بعد الحرب العالمية الثانية. لم تكن تلك التجربة مجرد سياق زمني، بل كانت صدمة وجودية كشفت له هشاشة الإنسان حين يفقد بوصلته الأخلاقية. متابعته لمحاكمات نورمبرغ لم تكن حدثًا عابرًا، بل لحظة تأسيسية أدرك فيها أن الديمقراطية ليست ترفًا سياسيًا، بل ضرورة أخلاقية.

من هنا، لم تكن الديمقراطية بالنسبة له مجرد نظام حكم، بل أفقًا إنسانيًا، مشروعًا مفتوحًا يتطلب يقظة مستمرة. لقد أصبحت الديموقراطية "الكلمة السحرية" التي تنظّم فكره، والخيط الذي يربط بين كل أعماله.

لم يتعامل هابرماس مع الديمقراطية كحقيقة منجزة، بل كعملية مستمرة تتطلب النقد والمراجعة. فقد أدرك مبكرًا أن بناء مؤسسات ديمقراطية لا يعني بالضرورة تحقيق حياة ديمقراطية فعلية، وأن الخطر يكمن في الفجوة بين الشكل والمضمون.

كان يرى أن الديمقراطية تفقد معناها حين تتحول إلى واجهة شكلية، أو حين تُختزل في آليات انتخابية فارغة من روح المشاركة. لذلك، دعا إلى نموذج أعمق: ديمقراطية تشاركية تداولية، يكون فيها المواطن فاعلًا لا مجرد متلقٍ، وشريكًا في صنع القرار لا شاهدًا عليه.

من أكثر انتقاداته حدّة ذلك التداخل المتزايد بين السياسة ومنطق السوق. فقد حذّر من "ذوبان السياسة" في حسابات المصالح الاقتصادية، حيث تتحول القرارات إلى صفقات، وتُستبدل الشفافية بالتسويات الخفية.

في مواجهة ذلك، طرح رؤية تقوم على تمكين المواطنين من أدوات حقيقية للمساءلة والتأثير، وعلى إعادة الاعتبار للنقاش العمومي كفضاء للعقل، لا كساحة للصراع بين القوى. كان يؤمن بأن الحل لا يكمن في الانسحاب من السياسة، بل في تعميقها.

ما يميز هابرماس أنه لم يحصر نفسه في الأبراج الأكاديمية، بل انخرط في النقاشات العامة، واعتبر أن الفيلسوف لا يكتمل دوره إلا حين يشارك في الفضاء العمومي. لقد جمع بين صرامة المفكر والتزام المواطن، بين التحليل النظري والحضور العملي.

ساهم فكره في تشكيل اللغة السياسية الحديثة، ليس فقط في ألمانيا، بل في أوروبا عمومًا، حيث ترك بصمة واضحة على الخطاب الديمقراطي، وإن ظل تأثيره العملي أقل مما كان يُؤمل.

ولم يكن تكريمه بجائزة "أمير أستورياس" مجرد اعتراف بإنجازاته، بل إقرارًا بدوره في إبقاء التفكير النقدي حيًا في زمن يميل إلى التبسيط والاختزال. فقد ظل وفيًا لفكرة أن الفلسفة ليست تقديم إجابات جاهزة، بل فتح أسئلة ضرورية.

لقد ساهم في فهم تعقيدات مجتمعات الرأسمالية المتأخرة، وفي تحليل تحولات العالم المعولم، مقدمًا أدوات فكرية تساعدنا على التفكير في الحاضر دون أن نستسلم له.

وفي النهاية، لم يكن هابرماس مجرد منظّر للديمقراطية، بل كان تجسيدًا لها. في إيمانه بالحوار، في دفاعه عن العقل، وفي التزامه بالمجال العام. لقد أثبت أن الفكر يمكن أن يكون شكلًا من أشكال المسؤولية، وأن الفلسفة يمكن أن تكون فعل مقاومة هادئة في عالم يميل إلى الضجيج.

رحل هابرماس، لكن الأسئلة التي طرحها ما تزال مفتوحة حول الديموقراطية والعدالة ومستقبل العالم، تلك هي الأسئلة التي تجعل حضوره مستمرًا، حتى في غيابه.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

ليست كل العلاقات في حياتنا تقاس بقرب المسافة أو بطول السنوات؛ فبعض البشر يدخلون حياتنا كما تدخل الفكرة العظيمة إلى العقل: فجأة… ثم لا يعود العالم بعدها كما كان. هؤلاء لا يمرون بنا مرور العابرين، بل يتركون في أرواحنا شقوقا يدخل منها الضوء. وحين أفتش في ذاكرة روحي عن أولئك الذين صنعوا في وعيي هذا الضوء، وأيقظوا في داخلي هذا القلق الجميل، قلق المعرفة، أجد اسما ينهض من بين الوجوه كلها بوضوح خاص:

أستاذي ومعلمي الأول… الفيلسوف الدكتور حسن حماد.

لم يكن مجرد أستاذ يشرح نصوص وأفكار الفلاسفة، بل كان واحدا من أولئك النادرين الذين يجعلونك تشعر أن التفكير نفسه مغامرة، وأن العقل يمكن أن يكون وطنا أوسع من كل الحدود.

لم يكن يعلمنا الفلسفة بوصفها تاريخا للأفكار، بل باعتبارها تمردا دائما على السكون العقلي. كان يذكرنا، صراحة أو ضمنا، بأن أخطر ما يصيب المجتمعات ليس الجهل، بل اليقين المغلق. علمنا أن الشجاعة الفكرية ليست صراخا في وجه السلطة، بل القدرة على أن تظل حرا في مجتمع يخشى الحرية. وأن الفلسفة ليست ترفا ذهنيا، بل محاولة مستمرة لإنقاذ الإنسان من نفسه، ومن الأوهام التي يصنعها لنفسه.

كان حضوره أشبه بورشة دائمة لإيقاظ الوعي. يتنقل بين الأفكار كما يتنقل البحار بين الجزر المجهولة؛ لا يخشى العواصف الفكرية، ولا يهرب من الأسئلة المحرجة.

ولذلك لم يكن مشروعه الفلسفي مجرد تنظير أكاديمي، بل معركة فكرية مفتوحة ضد أنماط متعددة من الاستبداد: استبداد السلطة، واستبداد التقليد، واستبداد المقدس حين يتحول إلى أداة لإغلاق العقل.

ففي كتاباته، كما في محاضراته، كان يحاول أن يفتح النوافذ التي أغلقت طويلا في الثقافة العربية. نوافذ الحرية، ونوافذ النقد، ونوافذ الأنسنة.

كان يؤمن دائما أن الفكر الذي لا يمس حياة الناس يبقى مجرد حبر جميل على الورق. بل كان يرى أن الفلسفة إن لم تمس حياة الناس وتوقظ وعيهم فإنها تتحول إلى معرفة باردة بلا أثر. لذلك اتجهت كتاباته منذ البداية إلى تشريح البنية العميقة للوعي العربي، وكشف تلك الطبقات الصلبة من الأفكار الموروثة التي تحاصر العقل وتمنعه من المغامرة. ولهذا انشغل بأسئلة المجتمع: بالهوية المرتبكة، بالوعي المشوه، وبالمأزق الذي تعيشه مجتمعات تتأرجح بين ماض ثقيل وحداثة لم تهضمها بعد.

وفي دفاعه المستميت عن الحرية لم يكن ينطلق من شعار سياسي، بل من قناعة فلسفية عميقة: أن الإنسان لا يمكن أن يكون إنسانا حقا إلا إذا كان حرا.

كما انشغل بقضية المرأة، ليس باعتبارها قضية فئة، بل باعتبارها مرآة تكشف درجة تحضر المجتمع كله. فالمجتمع الذي يقمع نصفه لا يمكن أن يكون مجتمعا سليم العقل أو الضمير.

أما عن الاغتراب، فقد كان يرى أن الإنسان الحديث يعيش مفارقة وجودية قاسية: أن يكون محاطا بالناس، ومع ذلك يشعر بوحدة عميقة. وأن يعيش في وطنه، لكنه لا يجد فيه مكانا حقيقيا لروحه. وهنا كان يعود دائما إلى السؤال الفلسفي الأكبر: كيف يمكن للإنسان أن يصنع معنى في عالم يبدو في كثير من الأحيان بلا معنى؟

كان جوابه بسيطا وعميقا في آن واحد: بالمعرفة، وبالتمرد، وبالإيمان بأن الوعي نفسه فعل مقاومة. ولذلك كان يرى أن الاعتراف بعبثية بعض جوانب الحياة لا يعني الاستسلام لها، بل تحويلها إلى دافع لخلق معنى جديد. وكثيرا ما كان يعود إلى الفكرة التي قالها الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر: إن الإنسان "ملقى في العالم". لكن أستاذي كان يضيف دائما:

ربما كنا قد ألقي بنا في هذا العالم دون اختيار… لكننا نستطيع أن نختار كيف نعيشه. ولهذا كان يؤمن أن الوعي هو الشكل الأرقى للمقاومة. فحين يدرك الإنسان هشاشة الواقع لا يستسلم لها، بل يحاول أن يصنع من هذه الهشاشة بداية لمعنى جديد. هكذا كان أستاذي: لا يهرب من الأسئلة الصعبة، بل يقترب منها أكثر… كما يقترب الجراح من الجرح ليكشف حقيقته.

ثمة عقول تشبه المصابيح القديمة في الأزقة المعتمة، لا تتباهى بضوئها، لكنها تضيء الطريق لمن يمرون بالقرب منها. ومع الوقت تكتشف أن ذلك الضوء الصغير كان كافيا ليغير مسار الرحلة كلها.

ولذلك لم يكن الدكتور حسن حماد مجرد أستاذ فلسفة، بل صانع عقول، ورفيق رحلات فكرية طويلة، وواحدا من أولئك الذين يجعلونك ترى العالم بعيون لم تكن تعرفها من قبل. فالإنسان، كما كان يردد، ليس مجرد كائن يعيش في العالم، بل كائن يسعى دائما إلى تفسيره وتغييره. هكذا ظل أستاذي واحدا من أولئك الذين لا يكتفون بقراءة الواقع، بل يحاولون إعادة كتابته.

أستاذي الدكتور حسن حماد… الفكر عنده موقف، والوعي مسؤولية، والإنسان هو القضية الأهم التي ينشغل بها دائما.

حين كتب عن "دوائر التحريم" لم يكن يقصد مجرد توصيف ثقافي لحدود المسموح والممنوع، بل كان يريد أن يلفت الانتباه إلى أن العقل العربي يعيش داخل سياج غير مرئي من المحرمات الفكرية. كان يقول إن أخطر ما يهدد أي مجتمع ليس الفقر في المعرفة، بل الخوف من السؤال. فحين يصبح التفكير مغامرة محفوفة بالمحاذير تتحول الثقافة كلها إلى حقل ألغام يمشي فيه العقل بحذر دائم.

وفي كتابه "ذهنية التكفير" اقترب من واحدة من أكثر الظواهر خطورة في الثقافة العربية. لم يتعامل معها كظاهرة دينية فحسب، بل بوصفها بنية نفسية وفكرية ترى الاختلاف تهديدا لا فرصة للحوار. أراد أن يقول إن المجتمعات التي تحاكم الأفكار بمنطق التكفير أو الإقصاء تفقد تدريجيا قدرتها على الإبداع، لأن الإبداع لا ينمو إلا في فضاء الحرية.

شغله الدائم هو الإنسان. الإنسان بوصفه كائنا قلقا، باحثا عن معنى، ممزقا بين ماض يثقل ذاكرته وحاضر يتغير بسرعة مذهلة. لذلك تناول بإلحاح إشكالية الهوية، ورأى أن أزمة الهوية في مجتمعاتنا ليست مجرد سؤال ثقافي بسيط، بل نتيجة تراكم طويل من التوتر بين التراث والحداثة. فالإنسان العربي، كما كان يرى، يعيش غالبا بين زمنين: زمن قديم يضغط على وعيه، وزمن جديد يطالبه بأن يعيد التفكير في كل شيء.

ولم يكن اهتمامه بالفلسفة منفصلا عن الأدب. فقد أدرك مبكرا أن الأدب العظيم هو أحد الطرق العميقة لفهم الإنسان.

وحين كتب عن العظيم نجيب محفوظ لم يقرأه كروائي يروي حكايات عن الحارة المصرية فقط، بل كفيلسوف سردي يعبر عن تحولات الروح المصرية وصراعها بين القدر والحرية. رأى في عالم محفوظ مختبرا إنسانيا حيا تتحرك فيه الأسئلة الكبرى للفلسفة داخل مصائر بشرية ملموسة.

وفي كتابه "قوة الأمل" حاول أن يطرح فكرة تبدو بسيطة لكنها عميقة في معناها. كان يرى أن الأمل ليس وهما نفسيا ولا تعزية عاطفية، بل موقفا فلسفيا في مواجهة قسوة العالم. فالأمل عنده ليس إنكارا للواقع، بل شجاعة الاستمرار في مواجهته. الإنسان لا ينتصر على عبث الحياة إلا حين يمتلك تلك القدرة العجيبة على الاستمرار في البحث عن المعنى رغم كل شيء.

أما في دراسته عن "البحث عن السعادة عند نيتشه" فقد اقترب من الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه بوصفه مفكرا حاول أن يحرر الإنسان من القيود الأخلاقية الجامدة. لم تكن السعادة عند نيتشه حالة من الراحة أو الطمأنينة، بل تجربة من التجاوز الدائم. الإنسان، كما فهمها حسن حماد، لا يجد سعادته في الامتثال للقيم السائدة، بل في قدرته على خلق قيمه الخاصة.

كما تأثر بعمق بالفلسفة الوجودية، خاصة أفكار الفيلسوف الفرنسي جان بول سارتر. وفي تحليله لسارتر كان يركز على أن المشاعر الإنسانية ليست مجرد انفعالات نفسية عابرة، بل طرق لفهم علاقتنا بالعالم. فالقلق والغضب والخوف ليست علامات ضعف، بل إشارات إلى التوتر العميق الذي يعيشه الإنسان حين يدرك حريته ومسؤوليته في آن واحد.

ومن هنا جاء اهتمامه الدائم بالصراع بين الفلسفة والسلطة. فالفلسفة بطبيعتها تفتح الأسئلة، بينما تميل السلطة إلى إغلاقها. لذلك ظل الفلاسفة عبر التاريخ مصدر قلق لكل سلطة تحاول أن تفرض على العقل حدودا لا يجوز تجاوزها.

ولهذا أيضا كان نقده شديد الوضوح لما سماه "القمع المقدس". ذلك القمع الذي يتخفى وراء الخطاب الديني ليمنع التفكير الحر. كان يرى أن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع هو أن تتحول الأفكار إلى مناطق محرمة. فالمجتمع الذي يخاف من أسئلته يخاف في الحقيقة من مستقبله.

وفي المقابل كان يرى في الفن أحد أهم مساحات التحرر الإنساني، وهو ما عبر عنه في كتابه "الخلاص بالفن". فالفن في نظره ليس ترفا جماليا، بل تجربة روحية تعيد للإنسان حساسيته تجاه العالم. الفن يحرر الإنسان من قسوة الواقع، ويمنحه القدرة على أن يرى الجمال والمعنى حتى في أكثر اللحظات قسوة.

لكن الأثر الحقيقي لأي مفكر لا يقاس بعدد كتبه فقط، بل بعدد العقول التي أيقظها. وهنا تكمن فرادة تجربة حسن حماد.

ويأتي عيد ميلاد الفيلسوف العظيم حسن حماد متزامنا مع مواسم للفرح وبدايات الربيع الجديدة واخضرار الحياة، ومع بهجة عيد الفطر، ودفء الامومة في عيد الام.

وكأن الحياة أرادت أن تذكرنا بمعنى خفي:

أن هناك نوعين من الولادة في حياة الإنسان. الأولى تمنحنا إياها الام… حين تفتح لنا باب الوجود. أما الثانية، فيمنحنا إياها المعلم العظيم… حين يفتح لنا باب الوعي. ولهذا سيظل أستاذي بالنسبة إلي واحدا من أولئك الذين لا يكبرون في الذاكرة، بل يكبرون في القيمة وفي المعنى.

كبر عاما جديدا… لكن الأرواح التي تعيش في الأفكار المستنيرة لا تشيخ ولا تكبر.

كل عام وأنت ذلك الصوت الذي يذكرنا بأن التفكير شجاعة، وأن المعرفة مغامرة، وأن الإنسان، مهما ضاق العالم حوله، يستطيع دائما أن يخلق معنى لحياته.

كل عام وأنت برهان حي على أن الفلسفة ليست كتبا تقرأ، بل وعيا يوقظ الحياة في الإنسان. كل عام وأنت تعلمنا أن أخطر ما في العالم ليس الجهل، بل الاطمئنان إلى الجهل. كل عام وأنت تفتح نافذة جديدة في جدار الصمت الطويل.

كل عام وأنت تذكرنا بأن الإنسان أكبر من خوفه، وأن العقل أوسع من القيود التي توضع حوله. كل عام وأنت ذلك الضوء الذي لا يعلن عن نفسه، لكنه يجعل الطريق أكثر وضوحا لمن يسيرون بالقرب منه. كل عام وأنت تذكرنا أن التفكير شجاعة، وأن المعرفة مغامرة لا يخوضها إلا الأحرار. كل عام وانت دائما بخير وصحة وفي احسن حال.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

يحب الناس تكرار المقولة المأثورة «رضا الناس غاية لا تُدرك». وقد كان أحد أساتذتي يستشهد بهذا القول، حين يحدثنا عن مداراة الناس، ويضيف إليه «والسعي فيه فضل لا يُترك». ولا ينسى التذكير بأن هذه إضافة من عنده، كيلا نسهو فنخلطها مع المأثور. وقد ذهب الأستاذ إلى ربه. وبعد زمن وجدت أن نيل «رضا الناس» ليس من المستحيلات، إذا اتضح المراد بالرضا، ولم يخلط بغيره. وتوجد في أيامنا هذه وسائل عديدة لقياس رضا الناس، وأشهرها فيما أظن «تقرير السعادة العالمي» الذي تشاركت في إعداده 3 هيئات هي «مركز أبحاث جودة الحياة» بجامعة أكسفورد، و«مؤسسة غالوب لأبحاث الرأي العام»، بالإضافة إلى «شبكة حلول التنمية المستدامة» (SDSN) التابعة للأمم المتحدة.

يركز هذا التقرير على العوامل التي تجعل الناس راضين عن حياتهم، متفائلين بالمستقبل أو متشائمين. ومن بينها عوامل تتعلق بالمعيشة والسلام الاجتماعي، والحريات العامة وشيوع العدالة وسيادة القانون. هناك أيضاً تقارير دولية عن رضا المستهلكين وتفاؤلهم، وأخرى عن توقعات مديري المشتريات، التي تشير إلى تفاؤل بأن الناس ستُنفق أكثر أو أقل، أي هل هم متفائلون بالمستقبل القريب أم متشائمون؟ وهو واحد من معاني الرضا. ويظهر أن العديد من المجتمعات يشعر أعضاؤها بقدر من الرضا عن حياتهم، يزيد أحياناً وينقص أحياناً أخرى.

زبدة القول إن رضا الناس غاية ممكنة. لكن بلوغها يحتاج إلى إخراج الرضا من الكلام العام الذي يميل للغموض، إلى التفصيل الذي يمكن -بناء عليه- وضع مؤشرات عن موضوعات الرضا وحدوده.

لكن، لماذا نهتم برضا الناس؟

الجواب: إن رضا جمهور الناس عن وضعهم الحياتي هو العلامة الأبرز على ما نسميه في علم السياسة «الشرعية السياسية». هذا الرضا تعبير عن ارتياح الجمهور لسياسات الدولة؛ إما لأنها وفرت لهم أسباب المعيشة، وإما لأنها وفرت الفرص الكافية للتنافس العادل، وإما لأنها بذلت -في هذا السبيل- جهداً يستحق التقدير. وأحسب أن الإشارة الأولى إلى هذا المعنى في التراث العربي، وردت في وصية الإمام علي بن أبي طالب لواليه على مصر «إن سخط الخاصة يغتفر مع رضا العامة... إنما عمود الدين وجماع المسلمين والعدة للأعداء، العامة من الأمة، فليكن صغوك لهم وميلك معهم».

بطبيعة الحال لا نتوقع أن تكون الأوضاع مؤاتية دائماً. كل بلد سيواجه يوماً ما أزمة في السياسة أو الأمن أو تدبير الوظائف أو التضخم أو الركود الاقتصادي أو غيرها. ولا بد أن كثيراً من الناس لن يرضوا، ولا بد أن كثيراً منهم سيحمّل الحكومة مسؤولية الأزمة، فكيف نصف الوضع يومئذ؟

الجواب: إنه من غير الواقعي أن نتوقع الرضا الدائم، خصوصاً إذا أضفنا إليه الجانب العاطفي، حيث يتأثر البشر -بطبعهم- بعوامل مختلفة، عقلانية وغير عقلانية، فيرضون ويغضبون، لمبررات يتفقون عليها مع غيرهم، أو قد ينفردون بها من دونهم. حينئذ فلا بد أن نضع «الرضا» في محله، فلا نجعله شرطاً وحيداً للشرعية السياسية أو سلامة النظام الاجتماعي.

والذي أميل إليه أن النظام الاجتماعي -إذا كان يقيم العدالة، بالمعنى الذي شرحته في مقال الأسبوع الماضي- مشروع حتى في حالة عدم الرضا. وأشير خصوصاً إلى مبدأ سيادة القانون التي اعتبرتها أبرز تجسيدات العدالة، ولا سيما العدالة التوزيعية والقضائية. في اعتقادي أن العدالة هي الأساس، والرضا يأتي زيادة عليها، والعطف والتراحم يأتيان فوقهما. فإذا استطعنا إقامة نظام اجتماعي يسود فيه التعاطف والتراحم بين الدولة والمجتمع فقد بلغنا غاية المطلوب، وإن لم نستطع اكتفينا بالتراضي، وإن لم نستطع فلا ينبغي أن نفرّط في مبدأ العدل، وأبرز تجسيداته سيادة القانون، كما أسلفت.

***

د.  توفيق السيف

 

"تعكس الحرب الايرانية / الأمريكية صراعاً رمزياً بين الروح والمادة"

العلاقة بين" الروح والحرب" علاقة مشبعةٌ بالمفارقات وتثير الخلفيات الثقافية للصراع الإنساني. ففي الوقت التي يشتدُ فيه وطيس الحرب، تتجلى الروحانيات. وعندما يحل الصراع العنيف، تتقافز الروح داخل فضاء المعارك وساحات النزال. الحروب في منظورها الأقصى هي تجليات الروح وتفريغ للطاقات النفسية. (الروح والحرب) شقان يرتبطان حضوراً وغياباً منذ حفريات التاريخ. يتداخلان تماهياً من خلال حياة الأفراد والمجتمعات. تترجم الحربُ حماسة البشر وتشفُ عما يخبأه الإنسان من دوافع وغرائز وآمال. وتتجلى الروح عبر الحروب، حين يدافع المحاربون عن المقدسات والأوطان وقيم الحياة. كما أنها تستحضر أكثر المعتقدات والشعائر ارتباطاً بــ" الروح الجمعي " للناس وقت الصراع.

لم تدرك " أمريكا – اسرائيل" جانباً كهذا إزاء إيران بقدر ما هو مؤثر وعميق الجذور. صحيح أنَّ الألة الحربية الأمريكية رصدت كلَّ صغيرةٍ وكبيرةٍ على أرض ايران من مواقع اطلاق الصواريخ حتى المؤسسات العسكرية وصولاً إلى كهوف الأسلحة الثقيلة، ولكنها لم تدرك مخابئ الروح ومنابت الرؤى الكونية للمجتمع الإيراني. ولم تنس بعض الصفحات الاعلامية الغربية اظهار علامات الحداثة على شباب ايراني راهن يرتدي ملابس عصرية Modern clothesويطبع مظاهر " المراهقة الحضارية" على الأيادي والشعر والعيون والوجوه والأجسام مثل الوشم والتاتو والنقوش الجلدية والحلقان.

وهذا الأمر دال ثقافياً على أنَّ الحروب رغم قوتها التقنية إلاَّ أنها قد تمثل أحد أشكال" العمى الثقافي". وأن الصراع يضلل إلى حد بعيد بحكم أخيلة العنف المتواترة. لا تتزامن البصيرة الثقافية عادةً في ظل الصراع الحضاري مع البصيرة الحربية لأطراف الحروب. وقد اعتمدت أمريكا بصدد إيران على تحليل الشعارات الايديولوجية لأقطاب ايرانيين دينيين تخيف دولاً عربية أكثر من سواهم!!

إنَّ جمهورية ايران تضرب بجذورها الروحية في التراث الفارسي المرتبط بالتصوف والاتجاهات الميتافيزيقية حول العالم وحقائق الطبيعة وأسرار الكون. والشيء الدال أنَّ الشاعر والمفكر الباكستاني/ محمد إقبال قد نال درجة الدكتوراه في الفلسفة عام 1908 من جامعة كامبريدج بإنجلترا، وكانت أطروحته بعنوان" تطور الميتافيزيقا في بلاد فارسThe Development of Metaphysics in Persia"، ولم تكن دلالة العنوان مرتبطةً بإيران فقط كما يُلاحظ، لكنها دلالة معبرة عن امتداد ثقافي يجمع " جغرافيا الروح الفارسي الايراني" معاً. وبحثت الدراسة في تاريخ الفلسفة الفارسية والتصوف من حيث هما عاملين على تكوين الفكر واتجاهات المعنى بالنسبة للإنسان، وجاءت الاطروحة ضمن دراسات اقبال ذات المناهج الغربية قبل تركيزه المكثف على قضايا الفكر الإسلامي، وكانت خطوة مهمة معرفياً لفهم الآفاق الروحية الفاعلة في الثقافة الايرانية الحديثة والمعاصرة.

كذلك يعد المستشرق الفرنسي هنري كوربان من أبرز الباحثين الغربيين الذين التفتوا إلى تلك النقطة، إذْ تعمق في دراسة التصوف والفلسفات الشيعية بوصفها عوامل أساسية لدراسة الثقافة الفارسية الإيرانية عموماً. حيث قضى كوربان نحو ثلاثة عقود كاملة في إيران (خاصة بين 1946- 1978). ركز في أبحاثه على "العرفان" والتصوف الفلسفي، وأقام علاقات علمية وثيقة مع مفكرين إيرانيين، أبرزهم السيد محمد حسين الطباطبائي، وساهم في نقل الفكر الروحي الإيراني إلى الغرب، مُبرزاً العلاقة الوثيقة بين التشيع، التصوف، وفلسفة الإشراق. وحقق كوربان مخطوطات نادرة لرزبهان شيرازي وصدر الدين الشيرازي وناصر خسر وحيدر آملي. وكوربان هو من هو ، إذْ ترجم" المتن الميتافيزيقي" للفكر الغربي كله المتمثل في كتاب مارتن هيدجر " الوجود والزمان" من اللغة الألمانية إلى الفرنسية. وقد اعتمدَ في دراساته وتحقيقاته منهجاً فينومينولوجياً في قراءة النصوص، مركزاً على"التأويل" الباطني لبلوغ الحقيقة الروحية المختفية في أعمال المتصوفة.

الاساطير والآداب الفارسية كانت ركناً أساسياً في تشكيل رؤى الحياة للمواطن الايراني. في حين انطلقت أمريكا مع الحرب معبرةً عن توجهات مادية صرف: " بترول ايران" ، " بترول دول الخليج" ، "اعادة هيكلة الشرق الأوسط"، "اسرائيل من البحر إلى النهر"، " تطبيع العرب مع اسرائيل"، " تجارة الأسلحة"، " تدعيم الكيان المحتل"، "التغطية على جرائم غزة"، " ترسيخ مركزية أمريكا"، " تفريغ فائض العنف"، " شرعنة النفوذ الاستعماري"،" ابتزاز العرب"، "استنزاف القوى الاقليمية"،" تحصيل الجبايات السياسية".

أي أنّ هناك سرديتين ثقافيتين وراء الحرب بين ايران وأمريكا. " سردية روحية " تحكي مسيرة الروح وكيف شكلت الوجود الايراني، وكانت بمثابة "سياسات رمزية " تخطط لأطر الصراع من جهة الدولة الايرانية. وكانت سبباً لولاء كثير من الأذرع الاقليمية للمرجعية الشيعية في طهران مثل الحوثيين وحزب الله. وهناك " سردية برجماتية " تعتمد على الموروثات الكولونيالية وتستغل منتجات التكنولوجيا وهيمنة الغرب حضارياً على صور العالم الراهن.

ما لم تكن إيران مرتبطةً بالجوانب الروحية ما كان لأغلب الشعب الايراني أنْ يتمسك بمواقفه السياسية، حتى وإنْ قيل كثيراً عن استبداد النظام الحاكم وهيمنته الايديولوجية. ليس ذلك الجانب الروحي من قبيل التنسك السياسي بمعناه العادي، ولكن الروحانيات تُعطي أوقات المحن براحاً لا حدود له. تخلط الواقع الفج بمخزون الأسرار والحقائق النفسية للشعوب. وبلاد فارس إحدى البيئات العتيدة في "المحن والمنح" سواء في الحروب أو في أسرار وجودها طوال التاريخ. لا توجد منطقة شرق أوسطية لم تهب عليها روحانيات فارس عن طريق الديانات القديمة أو القصص والسرديات الأدبية وسير العارفين والحكماء الروحانيين الكبار. جغرافيا فارس هي " جغرافيا الحكمة " التي اتسعت بمقدار رقعة الحضارات القديمة. وهي منطقة عبور حضاري للتراث والأحداث (الفرس والروم). وتركت آثارها السردية في نصوص الأديان الابراهيمية (التوراه والانجيل والقرآن).

‏    بعد مقتل المرشد الأعلى للنظام الايراني نتيجة القصف الامريكي، اتضحت المكانة الروحية التي يتمتع بها أمام العالم. ويأتي بعده كافة الرموز السياسية الأخرى التي تستقي منه السلطة والرؤية. وبصرف النظر عما إذا كان النظامُ محكوماً بأطر لاهوتيةٍ أم لا، فالشيء البارز هو الفائض الروحي الذي يضاف إلى ساحات المقاومة. وكأنَّ الروح تسير جنباً إلى جنب جنود المعركة من زاوية تلك الثقافة. ورغم كون الأسلحة قطع تقنية محايدة،إلاَّ أن ايران حرصت على إطلاق اسماء اسلامية عليها. ربما يكون ذلك من باب إضفاء الطابع الايديولوجي الغالب على مفردات الحياة، غير أنه يذهب إلى مرجعية الثقافة التي غدت متغيراً مهماً في الصراع حتى باتت تفسر بعض الافعال السياسية.

- فتاح 1 و2): صواريخ تعني الفاتح.) صواريخ فرط صوتية (Hyper Sonic) استخدمتها إيران لاختراق منظومات الدفاع الإسرائيلية مثل Arrow 2 وArrow 3.

- خيبر أو خيبر شكن:) نسبة إلى غزوة خيبر التاريخية.) صاروخ باليستي ذكي بعيد المدى يعمل بالوقود الصلب.

- خرمشهر (خيبر): صاروخ باليستي يعمل بالوقود السائل، بمدى 2000 كم، يُعد الأقوى تدميراً في الترسانة الإيرانية.

- سجيل: اسم صخر من طين (إشارة دينية). صاروخ باليستي يعمل بالوقود الصلب وقادر على الوصول لمدى 2500 كم.

- قدر -110 Ghadr صاروخ باليستي متوسط إلى بعيد المدى، يصل مداه إلى 1650-2000 كم.

- سومار: اسم مدينة، تيمناً بقرية سُويت بالأرض، ويستخدم كرمز للقوة. صواريخ كروز والتي تمتلك قدرات على الطيران المنخفض لتفادي الرادارات.

- قاسم (قاسم سليماني): نسبة إلى قاسم سليماني. لواء إيراني بارز وقائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني منذ عام 1998 حتى تم اغتياله عام 2020.

- شهاب 3: صاروخ باليستي بعيد المدى، يُعد من الركائز الأساسية في الهجمات الإيرانية ضمن الحرب الجارية ضد التحالف الأمريكي الاسرائيلي.

- ذو الفقار: اسم سيف الإمام علي بن أبي طالب. صاروخ باليستي إيراني قصير إلى متوسط المدى، يعمل بالوقود الصلب، ويتميز بدقته العالية في إصابة الأهداف الأرضية والبحرية. كُشف عنه عام 2016، ويبلغ مداه التقريبي 700- 750 كم، وهو مشتق من عائلة صواريخ "فاتح- 110" التكتيكية،

- الوعد الصادق: اسم أطلق على عمليات صاروخية. أطلقت إيران هذا الاسم على هجمات طائرات مسيرة وصواريخ باليستية استهدفت إسرائيل في 13-14 أبريل 2024 (الوعد الصادق 1)، ولاحقاً في أكتوبر 2024 (الوعد الصادق 2) بعد اغتيال قيادات حزب الله.

هنا تبدو أشكال الروح ضروباً من الأسلحة الشرسة في ميدان الحروب على خلفية الصراعات التي تأكل الأخضر واليابس. وبالمقابل قد تزحف الحرب كالرقطاء لتلدغ الشعوب في أعماق روحها وتترك جروحاً رمزية لا تندمل. ولكن تبقيها الروح متأججة في ثنايا الاحداث، وسرعان ما تتقدم الصفوف معبرةً عن قوة شعبٍ ما في ساحات الصرع. ليس ذلك التبادل بين الروحي والحربي من قبيل الثنائية بين طرفين متضادين، ولكن الروح والحرب إزدواجية خارج نطاق السيطرة. تشكلان العالم والحقائق رغم أنهما لا تقدمان شيئاً فاصلاً داخل المجتمع بالضرورة.

كان هيراقليطس سبّاقاً لعصره على صعيد الفكر الغربي ولم يكن في حاجة إلى العيش في القرن الواحد والعشرين حتى يقول: " الحرب هي أم كل الأشياء". قصد هيراقليطس أن روح الحياة منبثقة في الأشياء والكائنات والظواهر بقانون السيرورة والتحول. قانون يميز فكرة الصراع والتغيرات الجذرية. فالحروب تولّد عالماً مختلفاً عما نعهده من أشياء كما يؤكد كارل ماكس إنها " قابلة التاريخ " وهو أحد صناع الفكر الاقتصادي المعاصر الذي يعكس آفاق الحروب والنزاعات المادية والطبقية. بينما الروح هي الامتداد السري لعالمنا الإنساني بصورة لا تخلو من الانطلاق والتحرر.

على مستوى الثقافة الايرانية، يقول جلال الدين الرومي كأنّه يعيش لحظة الحرب الراهنة: "إنهم مشغولون بالدماء، بالفناء، أما نحن فمشغولون بالبقاء. هم يدقون طبول الحرب، ونحن لا ندق إلاَّ طبول الحب". يؤكدعلى شيء طريف أن الموت قد يكون هدفاً في حدذاته، وهو مسار الفناء الذي ينشده البعض. تأكيد بمثابة الرد الروحي على قول هيراقليطس ودونالد ترامب ونتنياهو في وقت واحد منذ اليونان حتى الأمريكان. ولا يترك الرومي الباب مغلقاً في وجه المقاومة الروحية أيا كان لونها، إنما قال بأن الحب هو الذي يحرك الوجود الإنساني. وليس الحب شيئاً سهلاً على الطلاق، بل لا يقل تأثيراً عن قوة الحرب والصراع.

إنّ دق طبول الحب هو المعادل الموضوعي لدق طبول الحرب. والحب يطهر ساحة الحرب بالتبعية، لأن الأول يريد ترسيخ الحياة بملء الكلمة بينما الموت هن قتل الحياة. ودوماً نوازع الحياة أكثر نفاذاً من نوازع الموت. يلجأ الرومي إلى قانون الحياة ليرد على ثنائية الروح والحرب استناداً إلى جوانب إنسانية. لأنَّ الحب يحتاج إلى انسان حتى يحرك المواقف، بينما الموت يحتاج إلى قاتل قناص يغتال من يمر به. وثمة فرق شاسع بين الانسان والقناص،الأول يتمتع بالوجود على الأصالة في حين يتلصص الثاني بصورة دموية على الآخرين.

يعبر جلال الدين الرومي عن اتصال الروح بالإنسان حيث الوحدة التي لا تحتاج إلى لغة: " الروح التي فيها شيءٌ من روحك تعرفُ كيف تخاطبك بلا كلمات". فكما أنَّ الحرب قائمة على عمى ثقافي، فالروح تتطلب اتصالاً إنسانيا كي تلتقي مع روحك. وليس شرطاً وجود اللغة، لأنَّ الاتصال تمّ قبل اللغة ومازال محتفظاً بحرارته الإنسانية. والحرب تقطع هذه الصلة، فهي تبحث ابتداءً عن تنافر الأرواح والشقاق بين الشعوب.

كم من الأوصاف الشريرة التي أطلقها دونالد ترامب ونتنياهو إزاء إيران؟ أوصاف كثيرة دالة على كون الحروب تقطع لا تصل، تقف على جثث الآخرين لا تبث فيهم روح الحياة. وربما فَهِم الايرانيون العاديون تحريض ترامب للشعب الايراني من تلك الجهة. لأنَّه ليس أمراً ممكناً إثارة دوافع شعب ضارب في التاريخ تجاه ممارسة الموت. لأنّ الشعوب ذات العمق الحضاري لا تدار من خارج التاريخ، كل شعب أصيل ينصت إلى التاريخ جيداً حتى يعود إلى أصالته فعلاً وحركة في الحياة. وليس ذلك تأييداً لأعمال سياسية وحشية داخل الدول أو خارجها. لكنها شهادة يطلبها التاريخُ تبياناً لوجود البشر أمام ارهاصات الفناء.

يوضح جلال الدين الرومي: " الروح هي التي ترفرف حول الحقيقة، وهي التي تبحث عن الجمال في كل شيء". والرومي يؤشر ضمنياً إلى أن الحروب لا تبحث عن الحقائق، لكونها تطمس الحقيقة بالأساس. وأنها تشتبك مع أصول الحياة الحُرة فينا. كل الحروب تحتاج إلى بروباجندا من الكذب والتدليس وإثارة الفتن والقلاقل دون توقف. لم تمر أمريكا بصراع حربي من غير إطلاق كم مهول من الأكاذيب حتى تعمي الأنظار عن أرض المعارك. ليس بعيداً عن المشهد إزاء حرب الخليج الثانية عندما قيل إنّ العراق يمتلك أسلحةً نوويةً وأسلحة دمار شامل. وفي حينه تمَّ تحريك الأكاذيب المسلحة بواسطة الهيئات الدولية. وأشارت التقارير كذباً أيضاً إلى شبهات نووية في بلاد الرافدين. ومن ثمَّ انطلقت القوات الأمريكية بقيادة جورج بوش الابن لغزو العراق بحثاً عن موطئ الأكاذيب. وبعد أن قتلت جحافل القوات الامريكية ملايين العراقيين وشرّدت ملايين آخرين، لم تجد شيئاً حقيقياً مما قيل.. أين الحقيقة إذن؟ لم تقل الحرب آنذاك: ماذا عن الحقيقة التي التقى عندها الجنود والعملاء!!

وبما أنَّ الحروب تترك جروحاً في الروح، يرى الرومي أن " كلُّ جرحٍ ناداك لتفهم… فإمّا أن تفهم، أو تُعيد الألم بشكل آخر". وهذا الجرح النازف يتكرر للأسف مع حروب امريكا واسرائيل في المنطقة المغطاء بأشلاء ودماء العرب سواء أكانوا فلسطينيين أم مصريين أم لبنانيين أم سوريين أم ضحايا ابرياء في منطقة الخليج. الحروب تطلق الروح من قيودها لتحلق نحو الفهم النافذ. الحروب لحظة تعرية كاملة لوجودنا الانساني. إنها تنزع الأوهام عن نوايانا وأهدافنا التي نتخابث بها مع كل صراع محتمل. جاء الدليل على ذلك من أنظمة غربية. أشار ت فرنسا إلى: أنَّ الحرب الامريكية الاسرائيلية على ايران في حاجة ماسة إلى تحديد أهدافها مجدداً!! والدليل النوعي للحرب أنها أضرّت بحياة الإنسان في الصميم وقتلت الأبرياء. لأن النوايا الخبيثة تفتك بمنْ لا ذنب لهم سوى كونهم محاطين بالكراهية.

" الذين يحاولون استئصال الحقد والكراهية من نفوسهم هم الشجعان فقط، أما الذين لا يحاولون فهم الجبناء العاجزون".. هكذا يوصِّف جلال الدين الرومي ميدان المعركة. بينما رسم قادة امريكا واسرائيل ميداناً دموياً للحرب كانت نتيجته الدمار والهلاك والتشريد للشعوب. وهم ليسوا شجعاناً بالقوة التي يلوحون بها ليلا ونهاراً. لكونهم لم يستأصلوا شأفة الحقد والكراهية. إن الوجود الاسرائيلي والأمريكي في مناطق محتلة هو بؤرة كراهية بالمقام الأول. فالحرب مؤسّسة على هذين الجانبين (الحقد والكراهية) في أشكال تكنولوجية متطورة. إن الحروب تضرب بجذورها في النفوس وقد تُرجمت إلى صراعات دموية وليس بينها وبين الموت سوى الانسان. والصراع مع أنه يحمل لافتات عسكرية ومخاوف من وجود الأسلحة، إلاَّ أنه جريمة بمقاييس الانسانية. لأن أية لافتة سيحملها الصراع مثل أقوال قادة أمريكا واسرائيل إنما هي لافتة لقتل الانسان أيا كان شرقاً أم غرباً.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

 

هل يمكن التفكير في الحرب اليوم باعتبارها عرضا لأزمة أعمق تصيب طاقة الفكر الإنساني ذاتها؟ كأن شيئا ما في وعينا الجماعي قد تصدّع، فصار الخوف أكثر نفوذا من الحكمة، وصارت صناعة البؤس أكثر سرعة من بناء المعنى.

في مثل هذه اللحظات التاريخية، لا تبدو الحروب مجرد صراع بين قوى متقابلة، وإنما علامة على خلل يصيب تصور الإنسان لذاته ولغيره.

فالإنسان، حين يعتاد تحقير الآخرين، يقترب من لحظة انكسار أخلاقي خفي. إذ كيف يمكن لبشر يسكنون الأرض نفسها، ويتنفسون الهواء ذاته، ويحدّقون في المصير نفسه، أن يتحولوا إلى موضوع للكراهية أو مادة لوهم التفوق؟ عند هذه العتبة يتسلل الشر بهدوء إلى الحياة البشرية، لا كقوة أسطورية غامضة، بل كتحول تدريجي في النظرة إلى الإنسان، حيث يغدو الآخر أقل قيمة في أعيننا، وتصبح إنسانيته شيئا يمكن تجاهله أو محوه في صمت.

قرأت عن “تفاهة الشر” لحنة آرندت، حيث يتسلل العنف إلى العالم عبر عقول توقفت عن مساءلة نفسها. فالشر في كثير من الأحيان، لا يصدر عن وحوش استثنائية، بل عن بشر عاديين فقدوا شجاعة التفكير. وفي تلك اللحظة يصبح العنف إجراءً ممكنا، وتتحول القسوة إلى لغة مألوفة في السياسة والتاريخ.

ومع ذلك، ظل الفكر الفلسفي يذكّرنا بأن الكرامة الإنسانية لا تقبل التجزئة. فقد رأى إيمانويل كانط أن الإنسان يحمل قيمة مطلقة، وأنه يستحق أن يُعامل دائما كغاية في ذاته. هذه الفكرة البسيطة تحمل في طياتها اعتراضا أخلاقيا عميقا على كل حرب تنسى أن من يسقطون فيها ليسوا أعداء مجردين، بل وجوها إنسانية كاملة.

أما إيمانويل ليفيناس فذهب أبعد من ذلك حين رأى أن وجه الآخر يضعنا مباشرة أمام مسؤولية أخلاقية. فمجرد حضور الآخر يوقظ فينا نداءً خفياً يحثنا على الاعتراف به واحترام هشاشته. غير أن الحروب حين تتصاعد، تعمل على إطفاء هذا النداء، وتعيد تشكيل المخيلة الإنسانية بحيث يصبح الآخر خطرا ينبغي إلغاؤه.

هكذا يتراكم وهم التفوق، وتتغذى الأحقاد القديمة، ويتحول التاريخ إلى ساحة صراع مفتوحة. عند هذه العتبة يقترب الإنسان من الحالة التي وصفها توماس هوبز حين تخيّل العالم كغابة يتصارع فيها الجميع ضد الجميع. غير أن هذا التصور، على قسوته، لم يكن قدرا محتوما بقدر ما كان تحذيرا من المصير الذي ينتظر البشرية عندما تتآكل ثقتها المتبادلة.

إن ما يُراق في الحروب لا يقتصر على الدم، بل يمتد إلى المجال الأخلاقي ذاته. فكل عنف غير مبرر يترك جرحاً في فكرة الإنسان عن نفسه، ويجعل المستقبل أقل قابلية للثقة. ومع مرور الزمن، يتراكم هذا النزيف الخفي حتى يتحول إلى أزمة حضارية كاملة.

لهذا يغدو التفكير في الحرب تفكيرا في مصير الإنسان نفسه. فالسؤال العميق الذي يواجه عصرنا لا يتعلق فقط بمن يربح المعركة، وإنما يتعلق بالصورة التي سيحملها الإنسان عن إنسانيته بعد أن ينقشع غبارها. ففي نهاية المطاف، لا تختبر الحروب قوة الجيوش وحدها، بل تختبر أيضاً قدرة البشر على البقاء أوفياء لفكرة الإنسان.

ربما لهذا السبب لا ينبغي النظر إلى الحروب فقط بوصفها وقائع عسكرية أو صراعات جيوسياسية، بل كاختبار صامت لعمق الوعي الإنساني نفسه. فكل حرب في جوهرها تكشف مقدار ما بقي في الإنسان من قدرة على التفكير، ومقدار ما فقده من حساسية أخلاقية تجاه مصير الآخرين. إنها لحظة ينكشف فيها الفرق بين حضارة تتقدم في التقنية، وحضارة تنضج في المعنى.

لقد استطاعت البشرية أن تبلغ قمم الابتكار العلمي، وأن تحيط الكوكب بشبكات المعرفة والتواصل، لكنها لم تنجح بعد في تحرير نفسها من نزعات الخوف والهيمنة التي تعود إلى أقدم طبقات التاريخ.

إن التحدي الحقيقي لعصرنا لا يكمن في امتلاك القوة، بل في امتلاك البصيرة التي تمنع استخدامها ضد فكرة الإنسان نفسها. فالتاريخ يعلمنا أن الحضارات لا تنهار فقط بسبب الهزائم العسكرية، بل حين تفقد قدرتها على رؤية الآخر بوصفه شريكا في المصير لا خصما في الوجود.

لذلك، فإن التفكير في الحرب هو في النهاية تفكير في مستقبل الأخلاق داخل العالم المعاصر. فإذا كانت السياسة قادرة على إشعال الصراعات، فإن الفكر وحده قادر على تذكير البشر بأنهم، رغم اختلافاتهم، ينتمون إلى هشاشة مشتركة ومصير واحد. وعند هذه النقطة بالذات يبدأ الأمل، حين يدرك الإنسان أن إنقاذ الآخر ليس فضيلة فحسب، بل شرط خفي لإنقاذ إنسانيته هو أيضا. فربما لا تكمن المعضلة الكبرى في أن الحروب تقع، بل في أن البشر ينسون بعد كل حرب الدرس الأكثر بساطة، أن الإنسانية مثل الضوء، لا تنقسم. فإما أن تظل مضيئة في الجميع، أو تنطفئ قليلا في الجميع.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

هو محمد اصف محسني القندهاري عالم شيعي أفغاني ولد 1935 وتوفي عام 2019، وهو واحد من مراجع التقليد في أفغانستان ومن ابر الشخصيات الدينية, دخل منذ صباه كتاتيب العلم في أوائل عمره ثم تدرج في دراسة علوم الدين بفروعه المتعددة وقد تنقل لأغراض الدراسة والتأهيل بين مدن أفغانستان وباكستان والعراق وايران، ولما بلغ مبلغ العلماء تدرج الى صنف العلماء الافذاذ وتوزعت اهتماماته على تطوير المعرفة الدينية فكانت له اراؤه في مجالات عدة ومنها اهتمامه الشديد بعلم الرجال وعلوم الحديث والرواية، واشتغل في الفقه لا سيما في فقه المسائل المستحدثة ثم ولج غمار علم الكلام الجديد والثقافة العامة، والرؤيه القرانية للدولة والمجتمع واسهم في تقنين فقه الاسره في دولة افغانستان، واشتغل في رسم التصور الإسلامي لاقتصاديات المجتمع والدولة .

قد تتلمذ على كبار مراجع الشيعه في النجف الاشرف مثل السيد محسن الحكيم والسيد الخوئي والسيد السبزواري وتابع تاهيله العالي في قم على ايدي علماء كبار حتى استوفى شروط الاجتهاد المطلق لكنه صب اهتمامه على دراسة موسوعة بحار الانوار للمقدس المجلسي ويعد الشيخ اصف محسني مكملا لمشروع السيد الخوئي في ضرورة تمحيص رجال الحديث امتدادا لمنهج العلامة وابن طاووس في وضع معايير منهجية لتقبل الرواية والاحتجاج بها فكان حقا الحلقة الثالثة من هذا المشروع

أي المكمل لمشروع العلامه الحلي لتقسيم الحديث والروايه الى اصنافها الأربعه باعتبار قوة الحديث وصلاحيه الاحتجاج به والمكمل لمشروع السيد الخوئي في رؤيته لضرورة الاسناد

فكتب أولا كتابه (بحوث في علم الرجال وفي طبعته الرابعه هناك اراء مهمه واساسيه (1) ووضع منهجيته في توثيق الرجال، وقد سأله بعض المتابعين عن عقيدة الرجعه عند الشيعه والروايات التي وردت فيها والتي قيل عن بعضها انها معتبره سندا ومرويه في موسوعه بحار الانوار للمجلسي فصارت وجهته تمحيص كل المرويات في موسوعه البحار (2)

ومن المعلوم ان (موسوعة بحار الانوار) بلغت حدا بحيث صارت مرجعيه فكرية في الثقافة الشيعيه وصار الكتاب اهم مراجع خطباء المنبر الحسيني الذي يعزي له صناعة الراي العام الشيعي، ناهيك عن تحول بعض مرويات البحار عقيدة شيعيه، و صار (البحار) مصونا من النقد او أي عمليه إعادة تفكير او مراجعه

فتصدى الشيخ محسني في مشروعه النقدي لتحقيق اسانيد روايات البحار التي ظهر له ان الكثير منها غير صحيحه في نسبة صدورها عن ائمه اهل البيت، وان الضعف السندي من ابرز افاتها، ويحدو الشيخ محسني وراء ذلك هدف نبيل هو مقاربة إشكاليه تراجع المسلمين وتخلفهم بسبب روايات تقع كلها في الطراز الصوفي الأسطوري (3) ويتلخص منهجه انه يرى ضرورة الشروع بفحص السند ونقده وتقويمه، اما اذا صح السند فيتجه الى العقل وتحليل المتن وعرضه على المحكمات القرانية والمتواتر والعقلانيات والتاريخ والضروريات الاجتماعيه فاذا خالف هذه المحكمات رد الحديث حتى مع صحة سنده، وهذا المنهج كما يظهر افضل من الحركه من المتن الى نقد السند

ويتضمن منهج الشيخ محسني فكرة ان (تعدد الاسانيد) الضعيفه لروايه ما لا يكسبها حجية سنديه، وان كان الشيخ اصف لم يغلق الباب نهائيا فقد تكون الروايه محتفه بقرائن توجب عدم اهدار قيمتها المعرفيه، وقد اخترع ان يأخذ من الروايات التي لم يقبلها بما اسماه (القاسم المشترك)(4) مثل قبول العقل بحجية العلم اذ الشرع لم يردع عنه ويعتقد اصف محسني ان العمدة في حجية الخبر بناء العقلاء وان كان من احاديث الاحاد (5)

وفي مجال قانون الاسره صاغ اصف محسني قانونا شيعيا للأحوال الشخصية وقد اثار القانون (الجماعات التي تتبنى الثقافة الغربية، ثم كتب كتابا عن المراه في الشريعة الإسلامية واسهم في جهود التقريب بين مذاهب المسلمين لانهاء العداء بين المسلمين و أسس في قندهار اكبر حسينيه واسس الى جنبها مدرسه علميه وقام بالتدريس فيها ثم أسس اكاديميه أفغانستان للعلوم والمعارف ثم اسس جامعه اسماها جامعة خاتم النبيين، وانشأ قناه تلفزيونية اسماها (قناة الحضارة) وكتب في فقه المسائل الطبيه، وقواعد الحرب في الشريعه والقانون الدولي ثم كتب نظرية الضمان في الفقه الإسلامي اوضح فيه مشروعيه التعويض المدني عن الضرر المادي والمعنوي وشروط تحقق الضمان ومبطلاته، وأنواع الضمان (المباشر والمتسبب)، واحكام معالجه الغصب مما يمكن تحويلها من لغة الفتوى الفقهيه الى نمط لتاسيس نظرية فقهية كبرى وله كتاب مهم في العقائد الدينيه، وكتاب في التقارب بين المذاهب من النظريه الى التطبيق وكتاب المراه في الشريعه الاسلاميه وكتاب في الفتاوى السياسيه

ومن اراء الشيخ محسني انه لا يرى الاجماع حجه محصلا كان او منقولا ولا يرى الاجماع اللطفي الذي قال به الشيخ الطوسي ومن اخذ به، وقد ناقش نظرية اللطف وردها، وبناء علية فهو لا يرى ان الشهرة دليل معتبر ولا جابر للضعف (6) ولعل ما يقع بالمرتبة الثانية كتابه المهم الاثار الفقهيه التي تناول فيها بترتيب جديد للبحث الفقهي بدأه بالمحرمات ثم مباحث الواجبات، ثم المسائل الطبيه وكتاب الضمانات والقواعد الفقهية الأصولية، واحكام الأراضي ثم كتاب القضاء والشهادات والاحكام الحكومية والجهاد وقد صممت الموسوعة على اثنا عشر مقاله وللشيخ اصف مواقف عمليه فقد أسس جماعه لمقاومه الغزو السوفيتي الافغانستانية عام 1978، ومن المدهش ان محسني يرى ان جريان الاحداث في الكون يتم بموجب القوانين الكونية والسنن، اما المعجزات ففي غايه القله، لان المعجزه عنده خارجه عن حساب العقلاء.

وله راي سياسي مهم يقول (لو وقعت السلطه بيد بعض بني هاشم فهل تصير أحوال الشيعه احسن من أحوالهم في النظام الاموي والعباسي ام اسوا؟ والشق الأول في اعتقادي مرجوع لانه ملك عقيم).

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

..........................

(1) حيدر حب الله: نظريه السنه

(2) اصف محسني: مشرعة البحار 1\7

(3) ظ: مشرعة البحار 1\9 اذ يقول الكثير من منقولات الرواة من الغلاة سيقت على انها اقوال للرسول والائمه وكأنها سنه قطعيه مما يؤدي الى ثقافه محرفه لا سيما في الاعتقاد

(4) محسني: مشرعة بحار الانوار ج1\9

(5) لدى منهج محسني معيارين لقبول الرواية (الصحه السنديه والصحه الصدرريه) فلا الاسناد كاف بكفايه نهائية ولا الضعف السندي دليل على الوضع انما الضعف في كليهما في اعلى تقدير قرينه على عدم الحجية

ظ مشرعة البحار 1\22

(6) حيدر حب الله نظريه السنه 756

 

أن التناقض بين الخطاب الاخلاقي والممارسة العملية يفسر غالبا بازدواجية النظام السياسي العالمي. الا أن هذا التوصيف يبقى هامشيا ما لم يحلل بنيويا. فالازدواجية لا تنكشف في القرارات الظرفية الحرجة فقط، بل تبدو احيانا سلوك متكرر في اسلوب ادارة الازمات العالمية وتطبيق الاليات القانوية والاخلاقية. ويطرح هذا المقال توصيف نظري يمكن أن نعرفه  "التحصين النخبوي المتبادل" بوصفه مفهوم يفسر ظاهرة التناقض ويحللها، ويضعها في سياق مقارن مع الواقع السياسي العالمي، والسياسة الليبرالية، ونظرية النخبة.

يشير مفهوم التحصين النخبوي، لسياسة بنيوية مغلقة تتظافر من خلالها النخب السياسية والاقتصادية والاعلامية ضمن النظام العالمي لحماية بقاء منظومة النفوذ المتبادل، حتى لو تعارضت الأطر القانوية والخطاب الاخلاقي المعلن مع الممارسة الفعلية.

لا ينطلق هذا المفهوم من وجود فرضية مؤامرة عالمية، بل يفترض وجود تبادل مصالح مشتركة عابرة للحدود السياسية والجغرافية، واعتماد متبادل بين مراكز القوة، وثمن باهض لكشف التناقض البنيوي في النظام السياسي. لذلك يذهب هذا النظام الى لملمة الازمات العالمية بدلا من كشفها وتفكيكها.

يستند التحصين النخبوي على اليات رئيسية أهمها: اولا، احتواء اي ازمة عالمية بدل من اعادة هيكلية النظام، عبر تحميل المسؤولية لفرد واحد دون المساس بالبنيوية العليا. ثانيا، اعادة ترتيب الخطاب العام بتغيير الحوار من فشل بنيوي في المنظومة الساسية العالمية الى خلل اخلاقي فردي او فشل ادراي. ثالثا، الازدواجية في تنفيذ القانون العالمي ومعايير حقوق الانسان كالحرية والعدالة وغيرها وفق اعتبارات ومصالح استراتيجية. رابعا، ادارة الوعي العام عالميا من خلال خفض التركيز الاعلامي او اعادة توجيهه نحو قضية ثانوية.

تعمل هذه الاليات الاربعة عبر تنسيق غير مباشر، تحكمه شبكة مصالح النخب السياسية العالمية.

لو قارنا هذا المفهوم مع الواقعية السياسية، نجد أن الدولة هي الفاعل السياسي في الواقعية، وأن النظام العالمي غير منضبط ومستقر، وأن المصلحة الوطنية والقوة هما المصدران الرئيسيان للسلوك السياسي. لذا وفق هذا المنظور، التناقض ليس تناقضا بالاصل، بل هو تعبير طبيعي لمنطق القوة. اما في منظور التحصين النخبوي، فالنخبة السياسية العابرة للحدود هي الفاعل الاساسي، والتركيز على شبكة المصالح المشتركة، وتفترض وجود خطاب اخلاقي عام يدار بشكل انتقائي. لذا يتجاوز مفهوم الواقعية السياسية، اذ لا يركز على سلوك الدولة وحدها، بل يشدد على اهمية سلوك البنية العليا للنظام العالمي.

اما في المقارنة مع السياسة الليبرالية، فهي ترى المؤسسات العالمية تقلل من حالة الفوضى، وأن القانون العالمي يضبط السلوك السياسي، ويشترط التعاون. غير أن الواقع يكشف احيانا عن انتقائية في تطبيق هذه القواعد. وتفسر الليبرالية هذا الخطأ ناتج من ضعف المؤسسة، في حين يرى التحصين النخبوي أن المؤسسة ذاتها قد تكون جزءا من مجموعة الاستقرار النخبوي. فالازدواجية ليست فشل عرضي، بل نتاج توازن المصالح داخل البنية السياسية العليا.

والذهاب الى نظرية النخبة لمفكرين مثل فيلفريدو باريتو و غايتانو موسكا، يرون أن كل مجتمع تسيطر عليه اقلية من الناس. وهنا تتقاطع هذه الفكرة مع مفهوم التحصين النخبوي، لكنه يضيف اتجاهين اساسيين وهما، الاتجاه العابر للحدود، واتجاه حماية البنية الشبكية لا مجرد السيطرة عليها. فالنخبة لا تسيطر على القرار العالمي فقط، بل تحميه ويحمي بعضها بعضا من اجل حماية النظام والقانون الدولي الذي يمنحها الامتياز والحصانة.

وينكشف هذا التناقض في الازدواجية بين الخطاب الاخلاقي الداعي لحماية المدنيين، ودعم سياسات تؤدي الى انتهاكات كبيرة لحقوق الانسان وسقوط ضحايا. ويكشف ذلك أن تكلفة المساس بالعلاقات الاستراتيجية الكبرى اعلى من تكلفة التناقض الخطابي، ما يجعل الازدواجية وظيفة لضمان استقرار بنية التحصين.

ويمكن مشاهدة ادلة بارزة تمييز هذا المفهوم عن الواقعية والليبرالية. الدليل الأول يتمثل في تناقض تطبيق القانون الدولي، من خلال مقارنة قرارات الإدانة، واستخدام حق النقض (الفيتو)، وطبيعة العقوبات المفروضة في أزمات عالمية مشابهة. فالمقارنة بين حرب غزة (2023-2024) ضمن الصراع الدائر بين حماس واسرائيل، والحرب الروسية – الاوكرانية، يتضح الاختلاف في سرعة تطبيق القوانين ومعدل الدعم الدولي لصالح طرف دون اخر. وهذا التفسير يعزي الى منطق التحالفات الاستراتيجية، وتعزوه الليبرالية إلى ضعف آليات تنفيذ القانون. في حين يراه التحصين النخبوي سلوك بنيوي يعزز العلاقات الاستراتيجية الكبرى ويحول دون المساءلة الكاملة.

الدليل الثاني الذي يتعلق بشبكات النخب العابرة للحدود الجغرافية، سواء كانوا سياسيين، او رجال أعمال أو مؤسسات إعلامية، عبر المصالح الدولية المشتركة والتمويل المالي والعضويات المتداخلة.

الدليل الثالث يتمثل في إعادة تشكيل الخطاب الإعلامي العالمي للأحداث الجارية، حيث ينتقل النقاش من نقد البنية السياسية إلى وضع المسؤولية على شخص واحد.

وتظهر هذه المسألة بوضوح في قضية جيفري إبستين، اذ كشفت قضيته عن شبكة علاقات دولية واسعة تشمل شخصيات ونخب سياسية بارزة ورجال اعمال ومؤسسات اعلامية، ولكن تناولها من قبل القضاء ووسائل الإعلام يركز على الشخص نفسه، دون تحليل شامل للبنية الاجتماعية التي ساهمت في وجود هذه الشبكة النخبوية واستمرارها لمدة سنين. وهذا التحليل يتجاوز مفهوم الواقعية السياسية، التي لا تهتم بشكل خاص بتداخل النخب غير الحكومية، كما أنه يتعدى الليبرالية المؤسسية التي تذهب إلى اعتبار ما حدث مجرد خلل رقابي او قانوني. وبالمقابل، يشير مفهوم "التحصين النخبوي المتبادل" إلى وجود اسلوب من الدعم المتبادل ضمن البنية النخبوية، مما يمنح النظام العالمي القدرة على الاستمرار دون تغييرات مفصلية، حتى بعد ظهور أزمات أخلاقية كبيرة.

وتكمن القيمة النظرية لهذا المفهوم في ربطه بين الواقع السياسي ونظرية النخبة، وتفسره لضرورة بقاء النظام العالمي رغم اخطائه الكارثية وفضائحه الاخلاقية، وتأطيره لمفهوم الازدواجية في تطبيق المعايير الدولية ضمن تحليل بنيوي. وهو لا يلغي النظريات السياسية السابقة، بل يدمجها عبر زج عامل "شبكة الحماية المتبادلة". فالازدواجية وفق هذا الاتجاه، نتاج الحماية الاستراتيجية للعلاقات العالمية، تدار عبر القانون والخطاب والاعلام. والدليل هو أن الاشخاص الفاعلين ينتمون الى شبكة علاقات استراتيجية متقاطعة توفر لهم الحماية. أن تكرار الانتقائية عبر ازمات مختلفة، رغم اختلاف السياقات المكانية، يدل على استقرار بنيوي لا مجرد قرارات مصلحية عابرة.

***

علاء جواد كاظم

تأمل في قصة العبد الصالح مع موسى في سورة الكهف

تبدأ الحكاية بتسرب الحوت/ غداء موسى وفتاه/ في البحر بعد أن أنسى الشيطان فتاه الحرص عليه ليوثّق وعظ جليل حول تعلّم بالصبر يفتقد مع تقلب وتنوع الوسائل في زمن يسابق حتى أنفاسه، اختار الله رائدا له وصفه بعبد من عباده، أوتي الرحمة وعلما من لدنه، صفات المعلم الحق: الصلاح، والرحمة، وسعة الاطلاع، فكيف به الذي ابتعث معلما للنبي موسى؟!

ما أود الخوض فيه حول طريقة تعامل المعلم مع موسى النبي الذي تصفه مواضع أخرى من القرآن الكريم بسريع الهبوب، والانفعال تجاه أمر يجابهه، ثم سرعان ما يندم ويستغفر ربه، أذكر ذلك في معرض استنصاره الذي من شيعته على عدوه " فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مبين" القصص (15)

قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ" القصص (17) "

وكان سيهب لنصرته إثر دعوة منه ثانية لولا أن تيقظ لكلمة حق أتته من عدو آخر له، فتنبه لما كان سيجر من الغواية "قَالَ لَهُ مُوسَىٰ إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُّبِينٌ" القصص (18).

يبدو أن شخصية موسى لم تتصف بالاستسلام والتعلم التلقيني، بل كان يسعى إلى التيقن بالأدلة ضمن نفس لم يهدأ غليانها فيما جاش فيها من التفكير والتحليل، مثال ذلك ما التمسه من الله جل شأنه من النظر إليه:

"َقَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي ۚ وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ" الأعراف (143)

اللافت للمتابع أن سبحانه ما امتنع عن نبيه، لكنه لقنه درسا، صبر عليه، فلم ينعته بالكفر، وهو الذي جبله وطبع نفسه في سعيها إلى الأدلة والشروح طريقا لليقين، وأوصى بها عباده الصالحين، وتلك ميزة، لا عيب ما دام القصد الله، لذا اختار له فيما ذكرت سورة الكهف معلما ارتقى به رويدا رويدا، وقد عرفه العجول النافذ الصبر!

انظر الأسلوب الذي يتحاور به الطرفان رغم أنه يمكن القول إنهما تدانيا في المكانة إلا أن الله الذي قال "إنما يخشى الله من عباده العلماء" فاطر (28) جعل من نبيه موسى متعلما أمام معلم مصطفى ليهيئه لأمر جلل، وأمض صدره بالقلق حيال أحداث شهدها معه بأم عينيه، فلم يستوعبها منطقه، رغم أن السورة أوحت أن تسرب الحوت بمثابة إشارة سماوية جعلته وفتاه يرتدان على أعقابهما قصصا ليباشر موسى رحلة التجلي المنتظرة..

هي مفاجأة لموسى أن بادره العبد الصالح بتعقيبه عن المشقة التي سينالها في صحبة التعلم، وبهذا قبض على زمام انفعاله من أوله:

"قال إنك لن تستطيع معي صبرا" الآية (67)

وإذ بموسى العارف نفسه جيدا يرد على معلمه بأسلوب شرط مرتجيا فيه مساندة الله في ضعفه، عبارة تحلت بما ينتظر من متعلم شغوف من التأدب أمام من هو أعلى منه قدرا،أقلها في مثل هذا الموقف:

" قال ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا" الآية (69)

وتمسك المعلم فيما امتدّ من المحاورة بالصيغة ذاتها " لن تستطيع" مستخدما النفي المستقبلي مع فعل المضارع وهو يتابع غضب موسى تجاه ما يرتكبه ولا يجد له تفسيرا،  وإثر كل تصرف غريب من العبد الصالح، كان موسى يستدرك تسرعه، فيرجع التلميذ المطيع الأسف..

فؤاد موسى المفطور على الإيمان استفزه خرق السفينة الذي يعني إغراق أهلها، وإذ به يهتف لمعلمه:

" لقد جئت شيئا إمرا" الكهف (71)

وقتل الغلام أفظع " لقد جئت شيئا نكرا" الكهف (74)

وكأن موسى نسي موقف التعلم برمته، فاستعاد هياجه الأصلي أمام ما شهداه في القرية التي استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما، وبعدها رأى من معلمه العجب، فكيف يقيم جدارا في قرية أهلها لؤماء تخلوا عن أبسط واجباتهم تجاه عابري سبيل، ألا وهو الضيافة؟!

قابل الإساءة بخير لم يفهم له تفسيرا!

"فَانطَلَقَا حَتَّىٰ إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ ۖ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا" الكهف (77)

هذا ما قصم ظهر البعير في محاورة تبودل فيها الصبر والاعتذار بتتابع وتواز، يتكرر

"لن تستطيع معي صبرا" في حفاظ على الصيغة النحوية والصرفية نفسها ما دام ماء الدرس جاريا، ولكن عندما أشرف الختام تغيرت الأداة الناصبة النافية المستقبلية "لن"

إلى" لم" أداة الجزم ونفي الماضي المستمر إلى الحاضر، فغاب حرف الياء من الفعل المرافق:

" قال هذا فراق بيني وبينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا" الكهف (78)

أسلوب المعلم الحكيم في تدرجه في عرض ما استفز صبر موسى حتى بلغ أوجه مع الحدث الأخير صاحبه تدرج في استعمال الفعل (استطاع) أيضا إلى أن تجلت الزبدة مع اللفظ الأرشق (تسطع) موحية أن المعلم تنفس صبره الأخير مع تلميذه المجادل المتشكك، وتعرى أخيرا ما أبهم وألغز على موسى..

ولكن ما السر وراء تمكن أداة الجزم (لم) في تسيد الوعظ حتى النهاية؟!

وما السر في أن الفعل وردّ الفعل تواجها مباشرة دون تأجيل الموعظة لشاهد آخر في حكاية القرية البخيل أهلها، وإقامة الجدار حفاظا على كنز اليتيمين؟!

ترى هل يمكن نسب هذا التعلم إلى مرحلة كان يحضّر الله موسى للنبوة، أم خلالها؟

لعل الجواب اختبار ميداني يفعّل الاستفادة من خلفية هذا الدرس القيم، فكم من غوص وتحمّل لنتتوج بما نرغب!

***

أمان السيد - كاتبة

سيدني في 12-3-2026

مات الفيلسوف الألماني يوهان هابرماس بعد أن ترك لنا فلسفة تدافع عن العقل واهمية الرأي العام في ديمومة الديمقراطية، عاش 96 عاما كان فيها ايرز الفلاسفة الذين جمعوا يجمع بين التحليل الفلسفي الدقيق والانخراط النقدي في الشأن العام، حيث تحولت مؤلفاته الى جزء اساسي من الحوار حول العقل والديمقراطية والحداثة في سنوات اتسمت بثورات سياسية وحروب، إلا أن هذه الفلسفة تعرضت لسقطة اخلاقية كبيرة عندما اتخذ هابرماس موقفاً مؤيداً لاسرائيل في حرب الابادة التي شنتها على غزة.

رحل يوهان هابرماس في نفس اليوم الذي رحل فيه كارل ماركس قبل 143، كانت الصحافة الالمانية تصفه بأنه آخر ديناصورات اليسار، ويقول عن نفسه: " أشعر شعوراً غلاباً بأنني آخر الماركسيين "، أرتبط اسمه بالماركسية منذ بداياته في مدرسة فرانكفورت، ولكنه قدم قراءة نقدية واسعة للماركسية التقليدية، فبينما كان ماركس يركز على " قوى الإنتاج " باعتبارها محرك اساسي للتاريخ، رأى هابرماس أن التحرر الإنساني لا يتحقق فقط عبر تغيير علاقات الملكية، بل عبر تحرير التواصل الإنساني من الزيف والإكراه، فهو يعتبر نفسه ماركسياً من حيث الدعوة الى تحرر الإنسان، والوقوف بوجه مخططات الرأسمالية، ولكنه في المقابل كان يرفض الحتمية التاريخية والاقتصادية، ويفضل عليها ما اسماه " الحتمية التواصلية "، ورغم انه استخدم بعض المفاهيم الماركسية في نظريته " التواصلية "، لكنه بنى عمارته الفلسفية بمعاونة افكار كانط وهيجل وفرويد وماكس فيبر وجون ديوي ولوكاتش ودوركهايم وغيرهم، لكن رغم ذلك علينا ان لا ننسى ان هابرماس ظل طوال مسيرته الفلسفية ينطلق من بعض الاسئلة الاساسية المستوحاة من الماركسية، وهي كيف يُكَّونُ النوع البشري، وكيف يتكاثر مادياً ومنطقياً، وكيف ينبغي ان يكون ذلك. في كتابه " بعد ماركس " – ترجمه الى العربية محمد ميلاد – بعلن هابرماس عن طموحه لإعادة بناء المادية التاريخية حيث يقول: " يقصد باعادة البناء تفكيك نظرية ما وإعادة بنائها مجددا في شكل جديد، بغية تحقيق الهدف الذي رسمته هذه النظرية "، لقد كان غرض ماركس في نظر هابرماس تحقيق العدالة الاجتماعية وإزالة العبودية الاقتصادية، وضمن هذا المنظور صاغ هابرماس نظريته للديمقراطية المتجددة، التي تشكل الوطنية الدستورية نقطة الارتكاز فيها.

يورغن هابرماس الذي رحل عن عامنا يوم السبت الماضي، ظل يواصل اصدار الكتب وكان آخرها كتاب صدر العام الماضي بعنوان " "الأمور التي يجب أن تتحسن"، وفيه، يرفض "الاستسلام لليأس"، مؤكداً أنه من الممكن "مواجهة أزمات الحاضر بقوة والتغلب عليها في نهاية المطاف".

، قال عن جمهوره من القراء، انه كان حتى سنوات مضت يعتقد ان قراء كتبه في الغالب هم زملاءه من الاكاديميين أو الطلبة، لكنه لاحظ في السنوات الأخيرة انه امام جمهور آخر من القراء يثقون في الفلسفة التي للاسف اراد لها البعض ان تفرط في التخصص، مما اضر بها على حد قوله، ويضيف ان التاريخ " المزعج " للفلسفة وحده الذي يُمكنها من ان تبلغ الكمال.

يعترف هابرماس ان كل قارئ مراهق معرض للغرام بنيتشه وقراءة: " هكذا تكلم زرادشت " بصوت عال، لكن مع مرور الزمن والتجارب فإن القارئ الجيد سيجد لقاحا ضد النثر التحريضي الذي يبثه نيتشه في ثنايا كتبه وستعيش معه فقط، الافكار المعرفية التي اثارها نيتشه.

هابرماس الذي يؤمن ان الفلسفة مسعى الى الحكمة ومهمتها ان تكون لنا دليلاً هادياً في علاقتنا بانفسنا، وبرفاقنا من البشر، ظل حتى الشهور الأخيرة من حياته يجلس قبالة الكومبيوتر بشعره أبيض، ونظره الذي اتعبته الكتب، وتلك اللمعة الطفولية التي يقول انه استمد ملامحها من امه، منذ ان نشر في الثالثة والثلاثين من عمره اول كتبه: " تحول بنية الرأي العام " وهو رسالة الدكتوراه الثانية التي أراد ان يقدمها تحت اشراف تيودور أدورنو احد ابرز فلاسفة مدرسة فرانكفورت، وفيه يقدم رصداً شاملاً لمسار الدعاية من القرن السابع عشر الى التاسع عشر وتطور فكرة الرأي العام وتكوين الإرادة الديمقراطية التي نشأت مع الراسمالية، بحيث تم صياغة فكرة الديمقراطية الليبرالية على نموذج العلاقة بين البائع والمشتري في السوق، حتى ادت الدعاية في العصر الحاضر إلى الاحتواء الكلي للراي العام وافراغ الوعي الفردي والجمعي من وظيفته النقدية الفعالة

بعدها سيواصل اصدار كتبه، سواء في الشأن الفلسفي الاكاديمي او من خلال حضوره المكثف في الفضاء الفكري والسياسي، حيث يتدخل مرارا للادلاء برأيه في قضايا الشأن الالماني والاروربي ومحاربة الارهاب ونقده للسياسة الاميركية التي يراها متغطرسة، لكنع اخفق وتلعثم عندما تحدث عن الصراع الفلسطيني الاسرائيلي.

 في معظم كتاباته تميز هابرماس بكونه فيلسوفا ينتج المعرفة ومثقفا فاعلاً في المجتمع، كان همه الاول كما يقول هو العودة بالفلسفة لأن تصبح ناقدة لما يجري حولها.

ولد يورغن هابرماس في مدينة دوسلدورف عام ١٩٢٩، وقد عانى في طفولته من اعاقة في الفم حيث كان فكه العلوي يعاني من شق، جعله يجد صعوبه في الكلام ويعاني من " التلعثم "، مما دفعه فيما بعد إلى الاهتمام بمسألة التواصل بين البشر ليقدم دراسات مهمة عن التواصل. عاش مع اسرته متوسطة الحال حياة بسيطة لكنها طموحة، فالام متدينة كانت تتمنى ان يصبح ابنها محاميا، فيما الاب تنقل بعدة مهن محاسب، مدير مخازن، نشأ وسط مصاعب الأزمة السياسية التي عاشتها المانيا بعد الحرب العالمية الاولى وظهور الحركة النازية وتفوّق في الدراسة مع اهتمامه الكبير بقراءة الادب. في السادسة عشر من عمره سيخدم في الجيش او ما سمي بحركة شباب هتلر، في ذلك الوقت كانت عائلته فخورة بخطب هتلر.. لم يستمر طويلا في حركة الشباب تركها ليعود الى دراسة الفلسفة في جامعة بون وزيورخ، وستشغله فلسفة هيدغر التي تحمس لها في بداية شبابه، لكنه فيما بعد ادان افكار هيدغر التي كان يرى في البعض منها مسايرة لفكرة النازية حول تفوق العرق الآري، وسيكتب مقالا بعنوان " هيدغر ضد هيدغر " يناقش فيه كيف سمح هيدغر الفيلسوف الكبير لنفسه بالنزول الى مستوى الفكر البدائي الذي كانت تنادي به النازية.

في العام ١٩٥٤، يحصل على درجة دكتوراه التي خصصها للفيلسوف الالماني شيلنغ. في بداية الخمسينيات يعمل مساعداً للفيلسوف تيودور أدورنو ومنه تعلم كيف يتميز " بروح ناقدة للذات "، إلا ان هذه العلاقة لم تستمر طويلا، فقد كانت ماركسية هابرماس الصريحة تزعج هوركهايمر مدير المعهد،، فيقرر عام ١٩٥٨مغادرة جامعة فرانكفورت قاصدًا جامعة ماربورغ ليعمل استاذا للفلسفة، وسيعود عام ١٩٦٤ الى جامعة فرانكفورت ليشغل منصب أستاذ الفلسفة وعلم الاجتماع حيث بدأ منذ تلك السنوات كواحد من ابرز منظري علم الاجتماع، بالاضافة الى مكانته كفيلسوف نقدي يحظى باحترام وتقدير اليسار الالماني.. وسيستمر بالعمل حتى عام 1994 ليحيل نفسه الى التقاعد، يتفرغ لمشروعه الفلسفي، واصل الكتابة في موضوعات متنوعة مثل تاثير التكنلوجيا، والارهاب، حيث يؤكد هابرماس على التزامه بالمنهج النقدي وبتحرر البشر، فالسلطة المتزايدة للتكنوقراطية ولاقتصاد السوق تجعل من التحرر امرا صعب المنال، كما ان اعلان الانتماء لاي مشروع نقدي او تحرري، صار ينظر اليه باعتباره نابعا من التزام اخلاقي وشعور بالايثار، لقد كانت مهمة هابرماس هي الدفاع عن ضرورة النقد، وكان عليه ان يبحث لنظرية النقدية عن مبرر للوجود وعن اساس معرفي.. وسيشكل كتابه " المعرفة والمصلحة " – ترجمه الى العربية حسن صقر - الصادر عام 1968 والذي انتقد فيه النموذج السائد للمعرفة، وبيّن انه يمثل احد نماذج المعرفة البشرية القائمة على تحقيق المصلحة، وهو يؤكد على وجود علاقة جدلية بين المعرفة العلمية والتقنية من جهة، وبين المصالح من جهة اخرى،، ولهذا فالمعرفة في المجتمع ليست بريئة الى هذا الحد الذي يتوهمه الجميع.

ومع شهرة هابرماس العالمية كواحد من ابرز فلاسفة العصر الحديث، فإنه كان عالم اجتماع وباحث في الشان السياسي حاول من خلال رؤية فلسفية تحليلية دمج التحليل الفلسفي بعلم الاجتماع مع الاهتمام بنظرية المعرفة - الابستمولوجيا – ولهذا نجده يطرح بشكل دائم السؤال عن موفهوم "الحياة العادلة"، فهو يؤكد ان حقوق الإنسان وسيادة الشعب متزامنان ومتبادلان، أي إنه لا يسبق أي منهما الآخر، وكل منهما يعتمد على الآخر. وفي الوقت نفسه، يربط هذا المفهوم بين مفهومي الاستقلال الخاص والعام ويعطي كلًّا منهما ثقلًا مكافئًا. فالسياسة بحسب هابرماس هي التعبير عن " الحرية التي تنبع في آن واحد من ذاتية الفرد وسيادة الشعب"، ويدعم هابرماس نسخة حداثية من فكرة سيادة الشعب نُزعت منها وجهة النظر القديمة القائلة إن الأفراد يشكلون شخصية مُسلطة عليها الأضواء. " سيادة الشعب لا تتجسد في ذات جمعية، أو في كيان سياسي على غرار تجمع لكل المواطنين"، بل تكمن في أشكال " غير موضوعية" من التواصل والخطاب متداولة في المنتديات والهيئات التشريعية.

عندما تُذكر مدرسة فرنكفورت يُذكر هابرماس كواحد من ابرز فلاسفتها برغم اختلافه مع منهج مؤسسيها، فقد حاول اخضاع مدرسة فرانكفورت للتعديل، لإقامة نظرية نقدية توجه الاهتمام الى نوعية العلاقات والاتصالات وتوضيح اهمية القوى الخارجية الضاغطة والسلطة التي تمارسها التكنولوجيا على الانسان، من طريق الكشف عن وعي جديد يتخذ في نهاية الامر صورة"عقلانية تكنولوجية". ولهذا نجده في كتابه"التقنية والعلم كأيديولوجيا" - ترجمه الى العربية حسن صقر - يحاول الانتقال بفلسفته النقدية الى مرحلة متقدمة تدور حول دور العلم والتقنية في مجتمع ما بعد الحداثة، كما يكشف عن العلاقة بين العلم والتقنية بصفتها إيديولوجيا، والطابع الإيديولوجي النفعي للعلم والتقنية في المجتمع الأوروبي.

 من اهم الفصول في هذا الكتاب المناقشة التي يطرحها هابرماس حول العلم وموقف المتدينين الذين يعتبرون ان العلم تمادى واخذ ينقلب على الانسان، بحيث لم يعد العلم في خدمة الإنسان بقدر ما أصبح الإنسان في خدمة العلم.. وهو يرى ان على المتديننين، ان يدركوا أن دور الدين مقبول في الحياة العامة، شرط ان يبذلوا مجهودا لتجاوز التفاوت المعرفي مع المجتمعات العربية والديانات الاخرى، وان يعترفوا بسلطة العلوم التي تحتفظ بالاحتكار الاجتماعي للمعرفة على العالم. واخيرا لابد ان يفهم المتدينين ان أولويات دولة الحق الدستوري، تستند إلى أخلاق وقيم دنيوية،اكثر منها دينية.

في كتابه الضخم " نظرية الفعل التواصلي " – ترجمه الى العربية فتحي المسكيني، نجده يسعى لحل الصراع السياسي والعنف من خلال لعبة المنظومات المالية والمؤسسات الادارية والنقاش العمومي، فهم يتناول التواصل من منظور علم الاجتماع إذ يقول:  " إن تحول المنظور الذي انتقل من الفعل الغائي إلى الفعل التواصلي بدأ مع ميد ودوركهايم فهؤلاء إلى جانب ماكس فيبر ينتمون إلى جيل المؤسسين للسسيولوجيا الحديثة"، والإجابة على السؤال كيف يكون الفعل الاجتماعي التواصلى ممكناً؟ يقول هابرماس ان " صياغة نظرية التواصل وبلورة القوانين التي تتحكم فيه، وهذا التواصل عبارة عن علاقة موازية حرة بين فئات المجتمع المتعددة ومتباينة العلاقة، تتوخى بناء وعي حر لا تحكمه المؤسسات أو الأيدولوجيات المفروضة من قبل الأنظمة السياسية ".

رحل هابرماس بعد تعثره امام مأساة غزة، لكنه يبقى مفكراً لا يُمكن تجاهله، فقد سعي لتطبيق قيمه الفكرية على حياته ونظرته الى العالم، وعمل بجد ليكون دقيقًا وواضحاً في كتاباته، لقد ادرك عابرماس منذ بداياته أن مهمة الفيلسوف، ليست أن يتحول الى مصلح او داعية، بل ان يكون صاحب رؤية أو حتى صوتاً لمن لا صوت لهم، وأن يبذل ما في وسعه لإعادة الصوت لمن لا صوت لهم، حتى نتمكن من بناء عالم مشترك، لكنه فاجأنا في بعض المواقف انه لم يرتقِ دائماً إلى هذا المثال، وهكذا على الرغم من نبحر هابرماس في الفلسفة والعلوم تبحراً لا شك فيه، ورغم تقدمه الفكري الذي لا يمكن لأحد أن ينكره، وحثه المجتمعات على التطلع إلى امام، فإننا حين ننظر لموقفه السياسي الأخير نجد ما يبدو لنا غريبا وغير مألوف، ولا ينتمي الى الافكار التي بشر بها. ورغم هفوته الأخيرة إلا انه سعى حتى النهاية من أجل تحسين الأفكار والرؤى في هذا العالم.

***

علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

قراءة ثقافية في تبريرات الوجود

يعدُّ مفهوم الكولونيالية من المفاهيم التي سمحت للمجال الاستعماري الغربي بالبحث في مستويات السيطرة على الآخر في المناطق التي تقع خارج الجغرافيا الغربية؛ كون أن السيطرة على الآخر تعني صناعة وتشكيل صورة "الآخر" في العقل الغربي، ومن ثم نقل تطبيقات هذه الصورة المتخيلة إلى الداخل الغربي، ليكون هذا الآخر ممثلاً بهذه الصورة النمطية التي يوجدها المستعمر المتحكم في إيجاد الآخر وفق تصوراته. لذا، كان الهدف من التأسيس الكولونيالي عملية استكمال ما بدأه الاستشراق في السابق من خلال رحالته ومستشرقيه الذين نقلوا تصوراتهم عن الآخر، التي شابها الكثير من التشكيك بمعلوماتهم عنه وعن جغرافيته وطبيعته وأفراده وغير ذلك.

ومن هذا التصور بنى (إدوارد سعيد) أهم مفاصل تحليله للنظرة الاستشراقية الغربية، وخاصة فيما يدل على الجغرافيا المتخيلة، وما أضاف إليها من تصور آخر وهو "شرقنة الشرق" الذي يعد فعلاً تكوينياً للشرق. ومن ثم فإن الجغرافيا المتخيلة هي: "الأرضية المفترضة التي وقع عليها بناء صورة الآخر الشرقي في الذهنية الغربية وفي خطابه الكولونيالي، وحتى في الثقافة الداخلية للشعوب الغربية، حيث درس (سعيد) هذا المفهوم من خلال وجهات نظر ثلاث (فلسفية ونفسية وبلاغية)، مستعرضاً عدداً من الأحداث التي تؤيد وجود المفهوم في الذهنية الغربية بامتداداتها التاريخية والأدبية والفكرية"(1).

ففي المفهوم الخاص بالجغرافية المتخيلة، عمل المجال الكولونيالي على إضافة معلومات تغطي حقيقة الوجود الجغرافي للمناطق خارج الوجود الجغرافي الغربي عامة، وللمنطقة العربية خاصة، ابتداءً من دول المغرب العربي - وخاصة الجزائر- التي بدأ فيها تطبيق الفعل الكولونيالي من خلال الحملات الفرنسية الاستعمارية لهذا الجزء من الوطن العربي، وصولاً إلى المناطق العربية الأخرى في دول المشرق العربي. وعُدَّت هذه المناطق امتداداً للتاريخ الموغل بالسحر والشعوذة والتخلف والنساء، وغيرها من الأوصاف التي قُدمت من خلال أعمال المستشرقين ولوحات الرسامين وغيرها من الأعمال التي نقلت تصورات عن هذه المناطق، وما كان يحتاجه الغربي في تشويه صورة الآخر الثقافية، حتى أصبح للشرق صورة خاصة في المخيال الغربي أطلق عليها (إدوارد سعيد) مصطلح شرقنة الشرق، الذي يشير به إلى: "تكوين الشرق في الجغرافيا التخيلية، بمعنى أن الشرق قد خُلق. وهي كلمة يريد أن يشير بها (سعيد) إلى أن العلاقة بين الشرق والغرب هي علاقة قوة، ومن السيطرة، ومن درجات متفاوتة من الهيمنة المعقدة المتشابكة"(2)، التي تصنع الآخر بالطريقة التي يريدها المتحكم بالقوة والمهيمن على المعرفة في إيجاد البعد التأويلي الذي يريده، وليس إلى الحقيقة الموجودة فعلاً على أرض الواقع.

عمل المستعمر الكولونيالي على إيجاد صيغ جديدة في بسط نفوذه، ومنها ما يعتقده ملائماً لأهدافه في السيطرة على الآخر من أجل تحقيق الانتشار الذي يسعى إليه في سبيل تحقيق الهيمنة؛ فبعد أن صوّر الآخر وجغرافيته التخيلية وشرقنه على أساس معتقدات غير واقعية، بل هي مختلقة في الأساس من نظرة هدفها السيطرة عليه، عمد إلى تحقيق الأهداف الكولونيالية في الهيمنة والإخضاع والاستغلال والتمركز في نشر المحتوى الكولونيالي ثقافياً واقتصادياً وسياسياً وغير ذلك، للوصول إلى الانتشار.

وهذه النظرية –أي الانتشار– طبقها المستعمر في العالم ومناطقه المختلفة التي خضعت للسيطرة، ومنها منطقة الشرق الأوسط. وهذه النظرية اكتمل تكوينها وغاياتها وأهدافها في القرن التاسع عشر، وتعود أصولها إلى القرنين السادس عشر والسابع عشر في أوروبا، حيث "نشأ نظام عقائدي لخلق نوع من الترابط بين واقع التغيير الجديد داخل أوروبا والتوسع الاستعماري خارجها"(3). ومن هذه الأصول العقائدية ذات الأبعاد التوسعية، سعى الغرب إلى بسط نفوذه على بقاع العالم، معتقداً بذلك أن العالم خارج النظام الغربي -والذي كان مركزه أوروبا أولاً ثم أمريكا ثانياً- غير متحضر ولا يستطيع الاعتماد على نفسه في النهوض العمراني والثقافي والأخلاقي.

لذا، برر لنفسه العمل على مدار أربعة قرون من نهضته العمرانية على استغلال كل ما هو خارج أرضه لصالحه، من خلال التمركز على التفوق الصناعي والعسكري. وهذا الصراع الذي خاضته الدول الغربية مع الحضارات الأخرى -وخاصة في الشرق- لم يكن صنيعة هذا التفوق الصناعي والعسكري في هذه القرون الأربعة فحسب، بل هو صنيعة صراع حضاري طويل يمتد إلى البدايات الأولى من الصراع بين اليونان -التي تعد المرجعية الحضارية للغرب كما يرى بعض الفلاسفة والمفكرين الغربيين- مع الحضارات الشرقية في بلاد ما بين النهرين وفارس وبلاد الفراعنة في مصر، مروراً بالحروب الصليبية التي استمرت قرابة الخمسة قرون، وصولاً إلى المراحل المتقدمة من الصراع بين شقي العالم.

هذا الصراع تُوِّج في بدايات القرن العشرين من خلال انتصار الاستعمار الغربي المتمثل بالقوتين البريطانية والفرنسية، مع انحسار الدولة المسلمة التي كانت تسيطر على الأراضي العربية وهي الدولة العثمانية. ومن خلال هذه المراحل من الصراع الطويل وقراءة اليهود لطبيعة هذا الصراع بشكل جيد، عملوا على استغلاله لصالحهم من خلال الوقوف مع الجهة المنتصرة والمسيطرة على العالم ودعمها، بتوفير مجال يسهم في بسط نفوذهم للفترات القادمة على هذه المنطقة الواعدة اقتصادياً، وكذلك كونها منطقة استراتيجية تسهم في عملية السيطرة على العالم لتوسطها القارات.

لذلك، عملت المنظمات اليهودية على الاستثمار في هذه البيئات الجديدة من أجل فرض كيانهم لرعاية مشروعهم الاستيطاني، "ومنذ البداية، قايض (بن غوريون) بين توافر دولة عظمى تظلّل الكيان الصهيوني بالرعاية الكاملة، مقابل تقديم خدماته لحماية مصالحها في الشرق الأوسط. وأدرج هذه المعادلة في صلب الاستراتيجية العليا للكيان، الذي حظي -لحظة ولادته- بدعم غربي شامل، تُوِّج في آذار 1950 بالإعلان الثلاثي الصادر عن واشنطن وباريس ولندن، تتعهد بموجبه بالدفاع عن وجود إسرائيل وأمنها. وتدرّجت الرعاية بالترتيب الزمني: بريطانيا، فرنسا، الولايات المتحدة؛ حيث تكّفلت كل منها، في مرحلة ما، بلعب دور الدولة الراعية الأولى"(4).

واستمرت هذه العملية في ثلاث صور من الرعاية، وأصبحت هذه الدول هي الحاضنات التي أسهمت في تكوين هذا الكيان في المنطقة العربية. وسنركز على الحاضنات الثلاث التي مهدت لظهور الكيان في الشرق الأوسط في المقال القادم من هذه السلسلة الثقافية.

***

أ. د. محمد كريم الساعدي

.....................

الهوامش:

1.  أ.د محمد كريم الساعدي: الإشكالية الثقافية لخطاب ما بعد الكولونيالية، البصرة: دار الفنون والآداب للنشر، ط2، 2022، ص70.

2.  المصدر نفسه، ص72.

3.  جي. إم. بلاوت: نموذج المستعمر للعالم، الانتشار الجغرافي وتاريخ المركزية الأوروبية، ترجمة: هبة الشايب، القاهرة: المشروع القومي للترجمة، 2010، ص39.

4.  محمد خواجه: استراتيجية الحرب الإسرائيلية، بيروت: دار الفارابي، ط1، 2014، ص25، ص26.

 

يولد الانسان نقيا، خفيفا، بلا تاريخ ولا اقنعة. لا يعرف عن العالم سوى الدهشة، ولا يعرف عن نفسه سوى ذلك النبض الصغير الذي يعلن حضوره في الوجود. ثم تبدأ الحياة في كتابة سطورها على صفحته البيضاء. شيئا فشيئا تتراكم التجارب، وتتسرب الاوهام، وتتشكل الاقنعة. فيتعلم الانسان ان يكون شيئا اخر غير نفسه:

يتعلم الخوف قبل الشجاعة، والتقليد قبل الاكتشاف، والاجابة قبل السؤال. وهكذا، قبل ان يعرف ذاته، يجد نفسه غارقا في ادوار لا حصر لها. مرة يكون الابن الذي يجب ان يشبه اسلافه، ومرة المواطن الذي يجب ان يطيع نظامه، ومرة المؤمن الذي يجب ان يخاف سماء يفسرها له الكهنة، ومرة الفرد الذي يجب ان ينحني لقوانين الجماعة حتى لو خنقت روحه.

في البداية كان ضعيفا، ثم اكتسب قوة. لكن المفارقة ان القوة التي يكتسبها كثيرا ما تكون قوة وهمية: قوة المكانة، او السلطة، او الشهرة، او اليقين المطلق. فيتوهم الانسان، لبرهة عابرة، انه محور هذا الكون، وانه الكائن الذي تدور حوله الاشياء.

لكن الحياة، بصرامتها الفلسفية، لا تترك احدا طويلا في هذا الوهم. فمع مرور الزمن، ومع كل خيبة، ومع كل سؤال لم يجد جوابا، يكتشف الانسان الحقيقة القديمة: انه لم يكن سوى عابر في هذا الوجود الهائل.. وهنا تبدأ الرحلة الحقيقية. فالحياة، في جوهرها، ليست خطا مستقيما بل دائرة خفية يعود الانسان فيها دائما الى نقطة البداية. غير ان العودة هذه المرة ليست عودة الجهل، بل عودة الحكمة.

يعود الانسان متعبا من ادواره الكثيرة ومن شخصياته المتعددة ومن الاقنعة التي التصقت بوجهه حتى كاد ينسى ملامحه الاولى. فيخلعها واحدا بعد الاخر، كما يخلع المسافر ثيابه الثقيلة بعد رحلة طويلة في العاصفة. عندها فقط يبدأ السؤال الحقيقي:

من انا؟

لكن مأساة انسان اليوم انه يبحث عن هذا السؤال وسط عالم صاخب لا يسمح له بالانصات الى ذاته.. عالم تحاصره فيه قوى متعددة: كهنة يهددونه بالسماء، وطغاة يهددونه بالسجون، ونخب مزيفة تصنع حوله متاهات من الافكار الجاهزة. فيتحول الوجود الى مسرح كبير، لكل فرد فيه دور مكتوب مسبقا. مجتمع يطالبك ان تكون نسخة اخرى من الجميع، ان تفكر كما يفكرون، وتؤمن كما يؤمنون، وتحلم كما حلموا من قبل. فان خرجت عن النص قليلا، ونظروا اليك كما لو انك خلل في النظام.

وهكذا ينشأ انسان بلا ملامح خاصة، انسان يشبه من قبله ويكرر ما قيل قبله، حتى يصبح الوجود كله سلسلة طويلة من النسخ المتشابهة. انها لعنة المجتمعات القطيعية؛ حيث يذوب الفرد في الحشد، وتختفي الاسئلة الكبيرة تحت ضجيج الاجابات السهلة. ولهذا يقف الانسان دائما امام خيارين مؤلمين: اما ان يفقد ذاته ليذوب في هذا الجمع الباهت، او ان يعزل نفسه دفاعا عن تلك الشرارة الصغيرة التي ما زالت تسكن روحه.

لكن متى تتغير حياة الانسان حقا؟

يقول سقراط: حين يدرك انه لا يعرف.

ويقول سينيكا: حين يعرف حدود قدرته.

اما العظيم دوستويفسكي فيرى ان التحول يبدأ عندما يتالم الانسان وحيدا، لان الالم الفردي يكشف له ان خلاصه لا يأتي من احد.

ويذهب نيتشه ابعد من ذلك حين يقول: ان الانسان يتغير حين يتجاوز نفسه.

بينما يرى سارتر له رأي اخر فيقول: ان لحظة التحول الحقيقية هي حين يؤمن الانسان بحريته.

اما شوبنهاور فيعتقد ان الانسان لا يتحرر الا عندما يتجاوز ارادته.

وفي نبرة سوداء ساخرة يقول سيوران: ان الانسان يتغير حين يموت.

وفي وجهه نظري المتواضعه اقول: تتغير حياة الانسان حين يلامس معنى لحياته. حين يكتشف ان وجوده ليس مجرد تكرار لما كان، ولا مجرد استجابة لما يريده الاخرون، بل مغامرة شخصية لا يستطيع احد ان يعيشها نيابة عنه.

هنا تأتي القراءة، والفكر، والدهشة. فالكتاب ليس مجرد كلمات؛ انه حياة اخرى تضاف الى حياتنا. كل فكرة جديدة تفتح نافذة في العقل وكل سؤال جديد يحرر الروح خطوة اخرى من سجون اليقين الجامد. ولهذا لا ينبغي للانسان ان يطمئن الى اجابة واحدة. فالعقل الذي يتوقف عن السؤال يبدأ في الذبول.

اما الفضول، ذلك القلق الجميل الذي يدفع الانسان الى البحث، فهو الذي يجعل الفكر يقظا، ويجعل الروح قادرة على اكتشاف العالم مرة بعد اخرى. الفضول هو الباب الذي تدخل منه الرياح النقية الى العقل، وهو الشك الذي يفتح الطريق امام الابداع. وهكذا تنمو روح الانسان، لا باليقين الصلب، بل بالاسئلة الحية. وفي نهاية الرحلة، حين ينظر الانسان الى حياته كلها، يكتشف الحقيقة البسيطة التي كانت امامه منذ البداية:

انه لم يأت الى العالم ليكون نسخة من احد، ولا ليؤدي دورا مكتوبا له مسبقا، بل ليكون ذاته... تلك الذات التي بدأ بها رحلته نقيا، ثم ظل يبحث عنها طوال حياته. يكتشف الانسان حقيقة بسيطة تأخر كثيرا في فهمها: ان الحياة لم تكن اختبارا للطاعة، ولا مسرحا لتقليد الاخرين، بل فرصة نادرة ليكون الانسان ذاته. فكل ما عدا ذلك اقنعة عابرة، تزول… وتبقى الذات وحدها هي الحقيقة.

***

ابتهال عبد الوهاب

يشعر الجميع وبألم وحسرة، بما وصل إليه المجتمع العربي من تخلّف وانحطاط، ومكانة سياسية شديدة التدنّي بين دول العالم. وهذه المكانة تميّزت بالتبعية المطلقة للغرب لِما وصلت به لِحدّ الخنوع، مصحوبة بالخوف والمذلّة من تحدي الدول الكبرى. ومازالت عملية الانحدار والتشظّي في المجتمع العربي مستمرة وبنفس الوتيرة التي سار عليها المجتمع العربي منذ سقوط الدولة العثمانية بعد الحرب العالمية الأولى وسيطرة الاستعمار الأوروبي على دول المنطقة. إنه واقع مرير ومؤلم لا يمكن نكرانه. الكلّ يتساءل لماذا هذا التدهور والانحطاط الذي يسود المجتمع العربي؟ وما هو السبيل للتخلص من هذا الواقع المُذل؟

نظرة متفحّصة للعالم الإسلامي

لو نظرنا إلى مجموعة الدول الإسلامية في العالم لوجدناها تنقسم إلى مجموعتين: الأولى هي مجموعة الدول الإسلامية العربية، والثانية هي مجموعة الدول الإسلامية غير العربية مثل تركيا، إيران، ماليزيا، اندونيسيا، كازاخستان والبوسنة والهرسك، وأخرى غيرها من الدول الإسلامية غير العربية. ولو نظرنا إلى الدول الإسلامية غير العربية، لوجدناها تتمتع بحالة جيدة من الاستقرار السياسي، وانتهاج سياسات اقتصادية مفيدة للبلد وللشعب. كما إن شعبها يسودهم التلاحم والتآخي والانسجام، بعكس الدول الإسلامية العربية التي يعمّها الفشل والفوضى في مختلف مجالات الحياة، ويسود شعوبها التفّرقة والانقسام والطائفية المقيتة.

ولو ألقينا نظرة متفحّصة على حال الدول الإسلامية في العالم، لوجدنا أن الدول العربية فقط هي التي توصف وتتصف بالتخلّف والجهل والعنف والإرهاب. وبينما تحصل الدول الإسلامية غير العربية على منزلة مقبولة أو جيدة بين دول العالم، نرى أن منزلة الدول الإسلامية العربية في العالم هي بدرجة متدنية جداً بحيث لا تُرضي أحد. وهذا بحدّ ذاته ينفي صحة الفكرة التي تدّعي أن الدين الإسلامي أو الاجتهاد الإسلامي هما اللذان يدعوان إلى التخلّف والجهل والعنف والإرهاب. من كل ذلك يمكننا أن نستنتج إن السبب في تدهور مكانة العرب والدول العربية في المجتمع الدولي والعالمي هو بسبب العرب أنفسهم، وليس بسبب الإسلام كدين أو بسبب الاجتهاد الديني أو تدهور الحضارة الإسلامية. ولذلك ينبغي على العرب نبذ فكرة إن الدين أو أيّ من أصوله هو السبب في تخلّف العرب، والبحث عن الأسباب الحقيقية للتخلّف عسى أن يعود التلاحم بينهم.

وعموماً فإن مجموعة الدول الإسلامية غير العربية تشكل المجموعة الأكبر من الدول الإسلامية في العالم، وتشكل الدول العربية الإسلامية المجموعة الأصغر من الدول الإسلامية في العالم، من حيث عدد الدول التي تتشكل منها كل مجموعة، وعدد النفوس (المسلمين) الموجودين في كل مجموعة. وعلى الرغم من قلة عدد الدول العربية وعدد نفوس المسلمين فيها بالنسبة إلى مجموعة الدول الإسلامية، وبالمقارنة مع نظيرتها في الدول الإسلامية غير العربية، إلاّ أنه إذا ذُكر الإسلام أو الحضارة الإسلامية فإنه غالباً ما يقترن ذكره بالدول العربية دون الدول الإسلامية غير العربية. ويعزى ذلك إلى أن الإسلام ظهر في جزيرة العرب، وانتشرت الحضارة الإسلامية ونهضت بهمّة وعزيمة العرب، حتى إن الحضارة الإسلامية يُشار لها أحياناً بالحضارة العربية.

ولو ألقينا نظرة متفحصة على هذا الوضع المزرى للمجتمع العربي، لعرفنا أن السبب الجوهري في تردي المجتمع العربي هو الانحطاط الأخلاقي الذي ساد وما زال يسود المجتمع العربي، وانتشار الفقر والجهل بالإضافة إلى العوامل الأخرى المعروفة. كل هذه العوامل أدت إلى تحطيم شخصية الفرد في المجتمع العربي وجعلها شخصية ضعيفة مترددة، خانعة وذليلة، لا تشعر بأن لها قيمة أو وجود أو كيان نافع بين مجتمعات العالم الأخرى. وقد يستاء البعض من هذا التوصيف لكن واقع الأمة العربية يؤيد ذلك.

تدهور شخصية الفرد العربي

لو نظرنا إلى شخصيات المجتمع العربي التي قادت المجتمع في منتصف القرن الماضي في مختلف مجالات الحياة سواء السياسية أو الفكرية والأدبية والفنية وغيرها، وقارنّاها بشخصيات مماثلة لها في الوقت الحاضر في نفس مجال اختصاصها، لتبين لنا البون الشاسع والفرق الهائل بين رجال العصرين. ذلك أن رجال العهد الماضي تميّزوا بالكفاءة والقيم الأخلاقية والثقافة والاحترام. بينما نجد اليوم صعوبة أن نلقى شخص يضاهي رجال العهد الماضي بالكفاءة والأخلاق والاحترام. فعلى سبيل المثال، لو قارنّا المثقفين والمفكرين العرب من الجيل الأول من روّاد النهضة الثقافية، قبل قرن من الآن، فسنلاحظ إننا لا نستطيع أن نجد لهم مماثل أو منافس في الزمن الحديث من حيث الكفاءة والاحترام والتقدير. ولا ننسى القيادات السياسية السابقة للمجتمع العربي وما تمتعت به من شخصيات كاريزمية وطنية مخلصة وشجاعة، وإذا ما قارنّاها بقيادات العصر الحالي، فيمكننا أيضاً أن نلاحظ الفرق الشاسع بين الجيلين من حيث الكفاءة والاحترام. وما زال فنانوا الزمن القديم (الزمن الجميل) يقفون كقامات شامخة لا مثيل لها في الزمن المعاصر. فتغريدة فيروز وأم كلثوم، وعبد الوهاب وعبد الحليم كانت تهز المشاعر وتوقظ النفوس، بعكس ما يفتقده فنانوا اليوم وشعراءه من حضور في الساحة الفنية، وما نسمعه منهم من ازدراء وانتقاص وتهميش للدولة والشعب والأمة العربية، وهذا يمثل قمة الانحطاط الأخلاقي.

لماذا تدهورت شخصية الفرد العربي على هذا النحو؟

يمكن اعتبار تدهوّر شخصية الفرد العربي كجزء من التدهّور الذي أصاب شخصيات الأفراد في عموم العالم. وبصورة عامة، يمكننا أن نقول إن الانحطاط في الأخلاق يمثل ظاهرة عامة انتشرت في كل مجتمعات العالم، مثال ذلك انتشار ظاهرة الإباحية والمثلية الجنسية والفساد بمختلف انواعه. وقد ظهرت مظاهر الانحطاط الأخلاقي في مجتمعات العالم بصورة متدرجة منذ بداية النصف الثاني من القرن الماضي، وما زالت مستمرة حتى الآن. لكن هذه الظاهرة حدثت بصورة متفاوتة بين المجتمعات في العالم أجمع. ويمكننا أن نلاحظ أنها ظهرت بدرجات متقدمة في المجتمع العربي تحديداً. وأيضاً يمكننا أن نلاحظ إن الشخصيات القيادية في كل مجالات الحياة السياسية والثقافية والفنية وغيرها، في الوقت الحاضر وفي معظم أنحاء العالم، تتصف بأنها أضعف وأقل كفاءةً بكثير من مثيلاتها في القرن الماضي. وكذلك يمكننا أن نقول إنها وجدت بدرجات متفاوتة بين مختلف مجتمعات العالم، لكنها مع الأسف ظهرت بصورة أوضح وبدرجة أكبر في المجتمعات العربية.

عوامل تاريخية

تاريخياً، تكوّن الوطن العربي بعد الحرب العالمية الأولى، بعد أن وقع تحت الاحتلال الفرنسي البريطاني ومن ثمّ تقسيمه إلى دول متعددة، أو قُل مستعمرات، خضعت للاستعمار الأوروبي بحسب معاهدة سايكس بيكو. وتمّ تشكيل ما يسمى بمجموعة الدول العربية. وكان هذا أول إطلالة للفرد العربي لمفهوم الوطن والمواطنة. لكنها كانت مفاهيم منقوصة وغير واضحة المعالم بالنسبة للفرد العربي، ذلك لأن المشكلة الكبيرة التي واجهها الشعب العربي في تلك الحقبة من الزمن هي التخلص من الاستعمار. انشغل الشعب العربي في النصف الأول من القرن الماضي بالحصول على الاستقلال. وتمّ الحصولَ على الاستقلال، وبدأ بناء الأوطان كلٌ حسب اجتهاده. ثمّ حصلت النكسة في عام 1967، ويا لها من نكسة. لقد كانت النكسة وما زالت بلاءً مدمراً لشخصية وثقافة وفكر أفراد المجتمع العربي. فقد صرّح الكثير من المفكرين والسياسيين العرب أن النكسة هزّت مشاعرهم وغيّرت مفاهيمهم وأفكارهم التي كانوا يؤمنون بها. ويبدو أنهم تعاملوا معها وكأن النكسة كانت زلزال عاتياً أحرق الأخضر واليابس في العقل العربي، علماً أن النكسة (حرب عام 1967) كانت مجرد معركة خسرها العرب مثل الكثير من الدول والجيوش التي خسرت معارك كبيرة ومدمرة لكنهم نهضوا ثانية وتغلبوا على الخسارة والإحباط، وذلك لأنهم لم يتعاملوا معها كخسارة مأساوية لا يمكن التغاضي عنها، بل اعتبروها معركة خاسرة يمكن ويجب تجاوزها وتعويضها بأحسن منها. وهنا يبرز تساؤلاً مهماً وهو لماذا سميّت بالنكسة، ولماذا لم يعمل قادة البلدان على التعامل معها كمعركة خاسرة يمكن تجاوزها، بدلاً من تهويل الخسارة وتعظيم تأثيرها على أفراد المجتمع عامةً، وبالنتيجة أدت إلى حالة من الإحباط وانكسار الشخصية العربية. وما زال أفراد المجتمع العربي، حتى الآن، يندبون حظهم في النكسة ولا يستطيعون تجاوزها على الرغم من مرور أكثر من خمسين عاماً على ذكراها. فمتى سيتخلص العرب من عقدة النكسة وتبعاتها المذلّة؟

ثم بدأت مرحلة الحروب التي عصفت بالدول العربية وعانى منها الشعب العربي. بدأت هذه المرحلة بالحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي. ولا تهمنا نتيجة الحرب أو سببها لأن البلدين كانا خاسرين. لقد فقدوا الكثير من أبنائهم، ودمّر اقتصادهم وبلدهم، وبدأ الفقر والعوَز ينخران المجتمع العراقي. ولم تتعظ الدول العربية، فاحتل العراق الكويت، فتسبب الغزو في أضرار شديدة على العالم أجمع. وعانت الدول العربية الكثير من المآسي والأضرار جرّاء هذا الاحتلال. ففُقدت الثقة بين الأشقاء العرب، وانتهى حلم الوحدة بينهم وحلّ محلها روح العداء والانتقام، وكلنا نعرف ذلك.

وفي بداية القرن الحالي (عام 2001) حدث الهجوم على برجيّ التجارة العالمية في الولايات المتحدة، وكان ذلك ذريعة للغرب لإعلان الحرب على الإرهاب وتوصيف الإسلام كدين إرهابي. وبدأت الحرب الخفيّة على الإسلام والمسلمين العرب. بعدها بعامين (في عام 2003) احتلت القوات الأمريكية العراق. وانتهت الدولة العراقية، وحُلّ الجيش العراقي والقوات الأمنية وكل المؤسسات الحكومية في العراق. وفتحت حدود البلد بدون رقيب لدخول الإرهابيين من السلفيين الأصوليين المتشددين المدعومين من دول كبرى غنيّة لتفتيت العراق، ليكون عبرة لمن لا ينصاع للغرب، وأيضاً لترسيخ مبدأ الإسلام الإرهابي.  وأخيراً وليس آخراً (إذ أننا لا نعرف أي حرب ستنشأ من جديد) حدثت ثورات الربيع العربي عام 2011 فدمّرت ليبيا واليمن وسوريا، وتبعهم السودان بدمار طوعي، بإشعال حرب داخلية مدمرة من قبل أبناء البلد البررة.

وما زال الانحطاط الأخلاقي للشعب العربي مستمراً.

رؤية تحليلية

إذا ما عانى أيّ شعب من شعوب العالم من القهر والظلم والفقر والمذلّة لسنين طويلة فأنه بالتأكيد سيكون عدوانياً وجاهلاً، متخلّفاً وفاسد أخلاقياً. وفي التاريخ أمثلة على ذلك، فأوروبا قبل أن تنهض في القرن الخامس عشر كانت قد عانت من سلسلة طويلة من الحروب المدمرة، التي أدّت إلى الفقر والجهل والظلم والمذلّة لشعوبها. لكن الأوروبيون لم يستسلموا لواقعهم السيء، ولم تُصبهم حالة الإحباط التي أصابتنا وسيطرت علينا وجعلتنا مستسلمين لها. بل هم أصّروا أن يُحسِّنوا واقعهم السيء وينهضوا بمجتمعاتهم نحوا الأفضل. فجاهَدَ العقلاء منهم من القادة السياسيين والمثقفين لينهضوا بمجتمعهم ويتطوروا. وقد نجحوا في ذلك.

فما الذي يمنع أفراد المجتمع العربي، خصوصاً العقلاء منهم من القادة والمثقفين المخلصين للوطن من أن يرسموا طريق النهضة؟

العبودية المختارة

في الكتاب المسمى "العبودية المختارة" لمؤلفه "إتيان دولا بوَيسي"، وهو فرنسي الأصل عاش في القرن السادس عشر، يتساءل المؤلف في كتابه هذا ويقول "كيف يمكن لإنسان ولد بالفطرة حراً أن يقبل بالعيش عبداً لغيره دون أن ينتفض ويثور ليستعيد حريته". ثم يذكر مؤلف الكتاب عاملين من الممكن أن يجعلا الإنسان يخضع لطغيان سيّده، وهما، الخوف والقبول الطوعي للتسلّط والعبودية. وبالنسبة لعامل الخوف فهناك البعض من الناس يخافون بطش وشدّة السيّد الطاغي فيرضَون بالتسلّط والعبودية ليتجنبوا الأذى. وإذا استمر الوضع على ذلك لسنين طويلة فقد يتعوّد الإنسان على هذه الحالة، ويصبح الخضوع للسيد الطاغي هو الشيء الطبيعي في حياته اليومية، وينسى مبدأ الحرية ومعنى العبودية والخنوع، فتصبح العبودية مختارة وطوعية يقبل بها الإنسان ويقنع بها. ثم تنشأ الأجيال بعده على هذا النمط، لا يشعرون بظلم أو مذلّة ولا ينشدون الحرية، ويعيشونها بقناعة، فهم قد تعوّدوا عليها ورضوا بها.

لكن المؤلف يتساءل أيضاً ويقول؛ إن الخوف عادة يصيب شخص واحد أو عشرة أشخاص أو مائة فرد من أفراد المجتمع، لكن أن يخضع المجتمع كلًه لطاغية واحد، بينما الشعوب يعدون بالآلاف أو بالملايين، وينتشرون في عشرات المدن مقابل حصن واحد يسكنه الطاغية فهذا لا يكون بسبب الخوف، ذلك لأن هذا العدد الكبير من الناس يستطيع أن يتخلص من الطاغية مهما كان قوياً. وكذلك أيضاً، فإن قوة الطغاة تَعّظُم بمساعدة المئات أو الآلاف من أبناء الشعب الفاسدين والمستفيدين من طغيان السيد المتسلط، على حساب مصلحة الشعب. وهذا سبب آخر من اسباب قوة وطغيان الطغاة المستبدين.

ومن استخلاص العبر من هذا التحليل، يمكننا القول: إن المجتمع العربي الآن يمر بحالة من الاختيار الطوعي والرضا بالعيش في ضلّ مجتمع متخلًف مغلوب على أمره، ومُطيع لمن يُصدر الأوامر له. وما يؤيد هذا التحليل، حالة ألّ لا مبالاة التي يُظهرها أفراد المجتمع وقادتهم إذا ما وصفوا بالتخلّف، وكأن حالة التخلّف لا تعنيهم. وكذلك عدم شعورهم بالخيبة أو تأنيب الضمير من استخفاف دول العالم بمكانتهم بين دول العالم. وهذا ما يجب علينا أن نعرفه لغرض محاربته والتخلص منه لنستعيد ثقتنا بنفسنا وبقدرتنا على النهوض والتقدم.

من الملاحظ إن الفرد أو المثقف العربي يؤمن ويعترف بالواقع المتخلّف لمجتمعه العربي. لكنه في نفس الوقت، في قرارة نفسه، يستثني نفسه من حالة التخلّف التي يصف بها مجتمعه العربي على الرغم من كونه عربي الأصل والنشأة، وهو بذلك يتعيّن عليه أن يكون متخلّفاً أيضاً أسوة بأفراد مجتمعه. فنراه لا يخجل ولا يستحي من وصف مجتمعه العربي بالمتخلّف الجاهل، لأنه يعتقد أنه هو المثقف حامل شهادة الدكتوراه وصاحب مركز وظيفي رفيع، فلا يمكن وصفه بالمتخلّف. وهذا يُظهر حالة الانفصام والتناقض الفكري أو قل حالة الازدواجية الفكرية التي يعاني منها الفرد العربي. وقد تُمثل هذه الحالة حالة من سبات العقل التي يوصف بها العقل العربي.

يقول جلال الدين الرومي " إذا كان كل شيء من حولك يبدوا مظلماً، أنظر مجدداً فقد تكون أنت النور"

فهل هنالك أمل في أن يَعيَ الشعب العربي حالة التدنّي الأخلاقي والفكري والسياسي التي يعيشونها فيعملون بجد لإصلاح حالهم.

***

د. صائب المختار

 

لا شك أن مصير أي مجتمع اليوم رهين بالتحدي التربوي الذي فرضته الثورة المعرفية الهائلة التي يشهدها العالم في العقود الأخيرة، والانتشار الهائل لتكنولوجيا المعلومات. تحد يٌلزم بزيادة فاعلية المنظومة التعليمية، وإحداث تغيير نوعي لا يهم فقط المناهج والبرامج وأساليب التدريس والتقويم، بل يشمل كذلك تحرير الفرد من المعيقات الكامنة في الثقافة المجتمعية السائدة.

إن أهم ما يميز عصر المعرفة الذي نعيشه هو هيمنة العلم والمعرفة العلمية بكل اتجاهاتها المعلوماتية والتقنية على شتى مناحي الحياة. فقد كانت هذه المعرفة حتى الأمس القريب حكرا على نخبة العلماء في مجامعهم المغلقة ومراكزهم البحثية، لكنها اليوم تحتل واجهة الأحداث والعناوين الكبرى في وسائل الإعلام. أين هو إذن موقعنا نحن من هذا الحراك العلمي الهائل، وهل يكفي استيراد التكنولوجيا وتجهيز المرافق بالعدة المتطورة حتى نعلن عن رتق الفجوة المعرفية والحضارية بين عالمين؟

لم يُخف المسؤولون في منظومتنا التعليمية اعترافهم بضعف المردودية الكمية والكيفية للبحث العلمي، إلا أن الغايات المسطرة في هذا الشأن لم تلامس بعد أفق انتظار مجتمع يصبو لإيجاد موطئ قدم في عالم متحفز لفتح آفاق علمية جديدة. إذ ورد في الرؤية الإستراتيجية للإصلاح التي أعدها المجلس الأعلى للتربية والتكوين أن من ضمن غاياته الارتقاء بالمجتمع المغربي من مستهلك للمعرفة إلى منتج لها، عبر تطوير البحث العلمي والتقني، والابتكار في مجالات العلوم البحتة والتطبيقية والتكنولوجيا الحديثة وغيرها. أما تفعيل هذه الغاية فسيرتكز على تطوير النموذج البيداغوجي الحالي بالنسبة للتعليم الأولي والابتدائي ليَهم الاستئناس بالطرق العلمية والتجريبية. في حين تنص الرافعة الرابعة عشرة للإصلاح على "النهوض" بالبحث العلمي والتقني والابتكار.

استئناس.. ونهوض !!

لا حديث إذن عن تطوير مهارات التفكير العلمي باعتباره المدخل الحيوي لأي مشروع تربوي يروم التفاعل الجاد مع الثورة العلمية الحاصلة.

ولا حديث كذلك عن النهوض "النوعي " بالمعرفة العلمية باعتبارها ضرورة اجتماعية وتنموية حاسمة في مسار أمة، والعناية بالتثقيف العلمي للأجيال الناشئة عبر إغناء وسائط التنشيط العلمي وبثها بقوة في مفاصل المجتمع. فهل يكفي الاستئناس والتفتح والنهوض لتحقيق اندماج فوري في نظام عولمي يشهد تمازجا رهيبا بين الكشوفات العلمية وتطبيقاتها التكنولوجية، أم أننا بأمس الحاجة إلى تربية علمية تحدث تغييرا جذريا لا في فضاءات التعلم الخاصة بل في النسق الحياتي اليومي برمته؟

لاشك أن لتجارب السنوات الأولى من حياة الطفل دورها الآكد في نضجه العقلي والنفسي. وبالنظر إلى كون الأسرة هي الحاضنة الاجتماعية الأولى للطفل فإن ما تسعى لتمريره من اتجاهات وتصورات ينبغي أن يشكل النواة الأولى لتربية علمية قائمة على حفز التساؤل وملكات البحث والاستقصاء، وربط الظواهر الطبيعية والاجتماعية بمسبباتها الموضوعية، بعيدا عن أي مغالطات أو تفسيرات غير معقولة. ومن المؤسف حقا أن الأسرة العربية عموما لم تتحرر بعد من ذاك النسق المغلق من الخرافات والمخاوف والتبريرات الموروثة التي تشحن بها الأم عقل الطفل ووجدانه، وتكبح رغبته في الاستقلالية ومواجهة العالم بحس نقدي وتفكير علمي متجرد. وإذا انضاف إلى هذا الخلل الأسري جملة الإكراهات التي تحكم المدرسة العمومية في تعاطيها مع المعرفة العلمية، فإن الخلاصة المؤلمة التي سطرها الدكتور سعيد إسماعيل علي في مؤلفه (فلسفات تربوية معاصرة) تنتصب أمامنا على النحو الآتي:"يظل العلم إذن مسألة نظرية، لا يعالج واقع الطالب في العالم المتخلف، لا يتيح له فرصة التصدي له وتفسيره بشكل علمي. . إنه يلبس ثوب العلم في المدرسة، يتعامل بشكل لفظي محض مع العلم وقوانينه، بينما هو يتعامل مع واقعه بأسلوب انفعالي، خرافي، تقليدي ".

كما يستلزم مسار التربية العلمية في الوسط المدرسي تعزيز هذا الأخير بفضاءات خاصة تستوعب نشاطات البحث والاستكشاف العلمي خارج جدران الفصل الدراسي. ومما يُلاحظ في هذا الصدد أن الاهتمام بالبحث العلمي، في رؤى ومشاريع الإصلاح ببلادنا، مرتبط في الغالب بالمرحلة الجامعية، في حين أن مرمى المواكبة والاستدماج لتحولات العالم ومستجداته في مجال العلوم يستدعي خلق بنيات مماثلة لمراكز البحث العلمي في جميع الأسلاك، ترتقي عبرها إنجازية المتعلمين، وتتحقق الأهداف النوعية للتربية العلمية كتنمية التفكير العلمي، واكتساب المعارف والخبرات ونظم العمل. إنه الأمر الذي فطنت إليه اليابان حين بادرت إلى إحداث نوادي ومتاحف العلوم لتدريب التلاميذ على مهارات وأساليب تفكير، غير تلك المعلن عنها في المنهاج الخاص بالفصل الدراسي، ومنها:

- الرغبة في التوصل إلى الفهم والبحث عن العلاقات والتفسيرات.

- الاستمتاع بالاستقصاء واليقظة للأشياء غير العادية.

- الانتباه للأشياء غير الواضحة التي تحتاج إلى التركيز والقدرة على بناء المفاهيم.

- القدرة على تقويم الأدلة.

- الميل إلى الوعي والتحكم في توارد الأفكار.

كما تتيح هذه الفضاءات فرصة الاستخدام الحر للخامات والمواد المتوافرة في البيئة أو ما يسمى بالمواد التدريسية لتنفيذ مشاريع علمية (1).

ومن منطلق البعد التكاملي الذي يؤطر علاقة المدرسة بشركائها (القطاع الخاص، المجتمع المدني، الإعلام، المثقفون..)، فإن اندراجهم في نسق منظم، كما تنص على ذلك الرؤية الاستراتيجية آنفة الذكر، يعزز فرص احتكاك الطفل بالثقافة العلمية عبر وسائط متعددة يسهم هؤلاء المتدخلون في توفيرها وتمويلها وتيسير تفاعل الطفل مع المعطى العلمي المتجدد وأبرز قضاياه ورهاناته. وبودي هنا التشديد على دور الإعلام في تقديم معرفة علمية مبسطة ومحفزة للإمكانات المعرفية للطفل، عبر برامج ومناشط تربوية وتفاعلية موصولة بالتنشئة الاجتماعية ومنظومة القيم.

ولا يخفى كذلك دور المثقفين والأدباء في تعزيز الجهد المعرفي الرامي إلى تقريب المادة العلمية من الناشئة عبر ما يُعرف بأدب الخيال العلمي. هذا الجنس القصصي الهام الذي حقق إنجازات كبرى في القرن العشرين بإسهامه في تشكيل المفاهيم الأساسية للأطفال وهي: الزمان، والمكان، والتعبير، والتكيف، والتنوع، والترابط، والطاقة(2).

إن الإطار الانتهازي الذي يتحرك بداخله النظام العولمي لا يتيح المجال لمزيد من هدر فرص استثمار المنجز العلمي غير المسبوق للتفاعل الجاد مع الواقع الإنساني وكسب رهانات التقدم. لذا فإن إقرار إصلاحات عميقة في منظومتنا التربوية ينبغي أن يتخطى أسوار المدرسة صوب "المحيط" بكل مكوناته. فلا فائدة ترجى من انفتاح المدرسة على محيط لم يستوعب بعد أنها لُحمة النموذج التنموي وسداه ! 

***

حميد بن خيبش

..........................

 1- د. عبد اللطيف فرج: طرق التدريس في القرن الواحد والعشرين. عمان 2005. ص69

2- د. عبد الله أبو هيف: التنمية الثقافية للطفل العربي. منشورات اتحاد الكتاب العرب. دمشق2001. ص136

برحيل يورغن هابرماس، فقد الفكر الفلسفي في القرن العشرين ومطلع الحادي والعشرين أبرز أصواته في مدرسة النظرية النقدية. فهابرماس، الذي ينتسب إلى مدرسة فرانكفورت في امتداد هوركهايمر وأدورنو، لم يُضاهَه أحدٌ في جعل التوتر بين عقل التنوير ومنظومات الهيمنة الاجتماعية موضوعاً محورياً لمشروعه الفلسفي الشامل. وتُعدّ مقالته الطويلة الباكرة "التقنية والعلم بوصفهما إيديولوجيا" (1968) والتي كتبها في خضم حركة الطلاب رداً على "الإنسان ذو البُعد الواحد" لهربرت ماركوزه باكورة مشروعه، وهي تتمتع هنا واليوم براهنية مقلقة، في ضوء التطورات التكنولوجية الهائلة، وهيمنة الذكاء الاصطناعي. وفي هذه المقالة، يطرح هابرماس تحدياً جذرياً لأطروحة السيادة غير المشروطة للعقل التقني، ويسعى إلى إعادة صياغة مفهوم "العقلنة" (Rationalisierung) كما صاغه ماكس فيبر، وكشف الطابع الأيديولوجي الذي اكتسبه التقدم العلمي والتقني في المجتمعات الرأسمالية المتأخرة.

ينطلق هابرماس من التمييز الجوهري بين نمطين من الفعل الاجتماعي: العمل بوصفه فعلاً غائياً عقلانياً (zweckrationales Handeln) واستراتيجياً يسترشد بقواعد تقنية ومعرفة تجريبية، ويستهدف السيطرة على الطبيعة والمجتمع وفق معايير فاعلية النجاح ومنطق الوسيلة والغاية. والفعل التواصلي (kommunikatives Handeln) الذي يتأسس على التوقعات المعيارية، والمتجذّر في التفاهم المتبادل بين الذوات المتحاورة. يُتيح له هذا التمييز أن يُدقّق في مفهوم فيبر للعقلنة: فالتقنية والعلم لا يُشكّلان قوى إنتاج محايدة فحسب، بل باتا يضطلعان بوظيفة الشرعنة الأيديولوجية للهيمنة في المجتمعات الرأسمالية المنظَّمة عوضاً عن الأيديولوجيات البرجوازية الكلاسيكية. كما أن توسُّع منظومات الفعل العقلاني الغائي (الذرائعي) لم تكن بطبيعتها تحررية، لأنه لا يُستتبع وعلى نحوٍ تلقائيٍّ عقلنة للإطار المؤسسي، أي تَحَرُّر الممارسة التواصلية. بل على العكس، يمكن فهم هذا التوسع باعتباره مساراً أيديولوجياً يُهمّش الأسئلة العملية، ويطمُس علاقات الهيمنة تحت غطاء الضرورة التقنية.

يبدأ هابرماس بمناقشة أطروحة ماكس فيبر حول "العقلنة"، حيث يرى فيبر أن العقلانية الغائية تمتد لتشمل كافة مجالات الحياة، لكن هابرماس يركز بشكل خاص على نقد هربرت ماركوزه، الذي جادل بأن التقنية في حد ذاتها أصبحت "مشروعاً سياسياً" وشكلاً من أشكال الهيمنة، الأمر الذي يتفق معه هابرماس كلياً، لكنه يرفض مقترح ماركوزه بالبحث عن "تكنولوجيا جديدة/بديلة" أو "علم جديد"، ويجادل بأن التكنولوجيا شكلٌ متجذر أنثروبولوجيّاً من أشكال التكيف الفعال بين الكائن البشري والطبيعة، والذي لا يمكن استبداله ببساطة بمجرد تفاعل "أخوي" مع الطبيعة.

يرى هابرماس أن التحول الأكبر في المجتمع الرأسمالي المتأخر هو أن العلم والتقنية أصبحا المصدر الأساسي لشرعية النظام السياسي في ظل تراجع الأيديولوجيات التقليدية. ففي المجتمعات التقليدية، كانت السلطة تُبرَّر عبر الأساطير أو الدين، وفي الرأسمالية الليبرالية كان السوق (التبادل العادل) هو المبرر، أما الآن، فإن تحسين مستوى المعيشة بفضل التقدم العلمي هو من بات يضمن ولاء الجماهير. يخشى هابرماس بأن هذه السيرورة العلمية-التقنية ستؤدي في نهاية المطاف إلى نزع الصبغة السياسية (Depoliticization)، حيث سيتم تحويل القضايا السياسية (التي هي قضايا عملية تتعلق بـ "الحياة الخيرة") إلى قضايا تقنية وإدارية (بيروقراطية) بحتة. وبذلك، تظهر القرارات السياسية كأنها ناتجة عن "ضرورات تقنية"، ولم تعد هناك حاجة لمناقشتها، مما يجعل النقاش العام (الديمقراطي) يبدو غير ضروريا.

يصف هابرماس في مقالته "الوعي التكنوقراطي" بأنه أخطر من الأيديولوجيات القديمة لأنه يمحو التمييز بين الممارسة العملية والتقنية في أذهان الناس، كما لا يعكس رفضاً للسياق الأخلاقي، بل قمعاً لمفهوم "الأخلاق" كفئة تُعنَى بظروف الحياة عموماً، ويُجرِّد الوعي العام إطار التفاعل اليومي الذي تنشأ فيه الهيمنة والأيديولوجيا. هذا الوعي يجعل المجتمع بالضرورة أو بالحاجة ينظر إلى نفسه كنظام "ذاتي التنظيم" لا يحتاج سوى إلى الإدارة الفنية. وبهذا يُعامِل البشر أنفسهم ومجتمعهم وفق معايير الفعل الغائي العقلاني والسلوك التكيفي فقط، متجاهلين إمكانية الفعل التواصلي الحر. بينما يؤكد هابرماس أن التحرر الحقيقي لا يأتي من زيادة الكثافة أو الفاعلية التقنية، بل من "عقلنة التفاعل" البشري ذاته، وإزالة القيود/استراتيجيات الهيمنة عن التواصل الاجتماعي، وإقامة نقاش عام حر وعلني وخالٍ من التشوّه حول المعايير والغايات الاجتماعية.

يمنح عصر الذكاء الاصطناعي أطروحات هابرماس الجوهرية راهنيةً مقلقة، ويدفع تناقضاتها الداخلية إلى ذروتها. كانت عقلانية السيطرة التي حللها هابرماس في الرأسمالية المتأخرة تتوسل بالتقنية لإضفاء الشرعية على نفسها؛ أما في عصر الخوارزميات فإنها تتخذ شكلاً جديداً بالغ الكفاءة في التمويه. فحين كان التقدم العلمي-التقني في عام 1968 يحلّ محل التشكيل السياسي للإرادة العامة بوصفه أساساً للشرعية، يضطلع الذكاء الاصطناعي اليوم بهذه الوظيفة بقُدرة إخفاء أكبر بكثير: فقراراته لا تبدو سياسية، بل رياضية تلقائية، نتائج لعمليات تحسين لا تحتاج إلى أي مسوّغ معياري. وبذلك يكتمل ما وصفه هابرماس بأنه اللبّ الأيديولوجي للوعي التكنوقراطي: محو الفارق بين الممارسة العملية والتقنية. وفي الوقت ذاته تتحول طبيعة العمل ذاته تحولاً جوهرياً. كان هابرماس قد حدّد العمل باعتباره فعلاً عقلانياً ذرائعياً مهيكلاً بقواعد تقنية، تؤدي عقلنته إلى رفع الطاقة الإنتاجية دون أن يستلزم ذلك بالضرورة تحوّلاً في الإطار المؤسسي. غير أن الذكاء الاصطناعي ينخر هذا التحديد من الداخل: فهو لا يستولي على المهام الأداتية المتكررة فحسب، بل يتوغل في تلك المجالات التي كانت حكراً على الفعل التواصلي عند هابرماس: التشخيص، والإرشاد، والحجاج، والتأويل. فحين تُصدِر النماذج اللغوية الكبرى تقارير خبيرة، وتُحاكي المحادثات العلاجية، وتُمهّد للقرارات القانونية، لا تتلاشى الحدود بين العمل والتفاعل في الوعي فحسب، بل في الواقع المؤسسي ذاته. وتكتسب شرعية السيطرة بذلك نوعاً جديداً من انعدام القابلية للاعتراض أو الاختراق: فحيث يَحكُم القاضي يمكن مساءلة حكمه وتعليله؛ وحيث تُصنِّف الخوارزمية من يستحق الائتمان أو من يُعزّل طلب توظيفه تتوارى القرارات المعيارية وراء عقلانية تُقدِّم نفسها في موقف المحايد من القيم. كان هابرماس قد بيّن أن عقلانية العلم والتقنية تُنتِج في صورتها معرفةً قابلة للتوظيف التقني تُخفي مضمونها السياسي. والذكاء الاصطناعي يُجذّر هذا التشخيص: فهو لا يُنتج فحسب معرفةً تبدو محايدة سياسياً، بل يتخذ قرارات مُشفَّرة هيكلياً باعتبارها لاسياسية، في حين أنها متجذرة في علاقات الهيمنة تجذراً عميقاً. وبذلك، أصبحت المسألة التي طرحها هابرماس - وهي كيف يمكن ضمان التواصل الخالي من الهيمنة والتشوّه على الصعيد المؤسسي في مواجهة نزع الطابع السياسي التكنوقراطي - أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، وفي الوقت نفسه أصعب في الإجابة عنها؛ لأن "الذات التواصلية"، التي بنى هابرماس آماله عليها، لا تتشكل اليوم بفعل الإكراهات الاقتصادية فحسب، بل بفعل البنية التحتية للخوارزميات وعملية تكوين الإدراك والحكم عليها.

***

أمين اليافعي

تُعَدُّ مسألة العقلانية مِن أهم القضايا الفلسفية في الفِكر المُعاصر، خُصوصًا في سِياق المُجتمعات التي تبحث عن سُبل للخُروج من أزماتها الفِكرية والسياسية والحضارية. وفي هذا السِّياق، يَبرُز مشروعان فلسفيَّان كبيران: مشروع المفكر المغربي محمد عابد الجابري (1935- 2010 )، ومشروع الفيلسوف الألماني يُورغِن هابِرماس ( 1929- 2026 ).

وعلى الرغم من اختلاف السياقات التاريخية والثقافية التي انطلقَ منها كُلٌّ مِنهما، إلا أنَّ كِلَيهما سعى إلى تأسيس شكل من أشكال العقلانية النَّقْدية القادرة على تجاوز الجُمود الفِكري، وإعادةِ بناء العلاقة بين العقل والمعرفة والمجتمع.

ينطلق الجابري مِن إشكالية العقل العربي، وتُراثِه المعرفي، بَينما ينطلق هابرماس من نقد الحداثة الغربية، ومُحاولة تصحيح مسارها. ومعَ ذلك، فإنَّ مشروعهما يلتقيان في نقطة مركزية، هي السَّعْي إلى تحرير العقل مِن سُلُطات الهَيمنة، سواءٌ كانتْ هَيمنة التراث غَير المَفحوص، أوْ هَيمنةِ السُّلطة التقنية والأيديولوجية.

ارتبط الجابري بمشروع فِكري ضخم هو نقد العقل العربي، الذي سعى فيه إلى تحليل البُنية المعرفية للثقافة العربية الإسلامية، وقدْ تجسَّد هذا المشروع في سِلسلة كُتُب.

يَرى الجابري أنَّ العقل العربي تشكَّل تاريخيًّا مِن خِلال ثلاثة أنظمة معرفية رئيسية:

1- البيان: وهو نظام المعرفة القائم على النَّص واللغة والفِقْه والبلاغة.

2- العِرفان: وهو المعرفة الصوفية والإشراقية التي تعتمد على الكشف والباطن.

3- البُرهان: وهو المعرفة العقلية المنطقية التي تجسَّدتْ في الفلسفة الأرِسْطِيَّة.

ومِنْ خِلال تحليله لهذه الأنظمة، يَخلُص الجابري إلى أنَّ هيمنة البيان والعِرفان أدَّتْ إلى إضعاف العقلِ البُرهاني في الثقافة العربية، مِمَّا جَعل التفكيرَ النقدي محدودًا، لذلك يَدعو إلى إعادة الاعتبار للعقلِ البُرهاني، بوصفه أساسًا لإقامة عقلانية نقدية حديثة.

العقلانية عِند الجابري لَيست مُجرَّد استخدام للعقل، بَلْ هي مُمارسات نقدية للتُّراث، فهو يَرفض القطيعةَ التَّامَّة مع التراث، كما يَرفض أيضًا التقديسَ المُطْلَق له. وبدلًا من ذلك، يقترح منهجًا يقوم على قراءة التراث قراءة تاريخية إبستمولوجية تكشف بُنياته المعرفية وحدوده. والإبستمولوجيا: هي فَرْع من فُروع الفلسفة يدرس طبيعةَ المعرفة وحدودها، وكيف نحصل عليها.

بهذا المَعنى، فإنَّ العقلانية النقدية عند الجابري هي مشروع إعادة بناء للعقل العربي من الداخل، عَبْر تفكيك أنظمته المعرفية، وإعادة ترتيبها، بما يَسمح بظهور عقل حديث قادر على إنتاج المعرفة، والتفاعل مع العَصْر.

ينتمي هابرماس إلى الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت، وهي المدرسة الفلسفية التي انشغلتْ بنقد المجتمع الرأسمالي الحديث، ونقدِ أشكالِ الهَيمنة في الثقافة والسياسة.

في عمله الفلسفي الكبير: نظرية الفِعْل التواصلي، يطرح هابرماس مفهوم العقلانية التواصلية، بوصفه بديلًا عن العقلانية الأداتية التي سيطرتْ على الحداثة الغربية. فالعقلانية الأداتية تَختزل العقلَ في قُدرته على السيطرة التقنية، وتحقيقِ الأهداف، بَينما تُهمل البُعدَ التواصلي للحياة الإنسانية.

يَرى هابرماس أنَّ الإنسان كائنٌ تواصلي بطبيعته، وأنَّ اللغة لَيست مُجرَّد أداة لنقل المعلومات، بَلْ هي فضاء للتفاهم، وبناءِ المعنى المُشترك. وَمِنْ هُنا تنشأ فِكرة الفِعل التواصلي، الذي يقوم على الحِوار الحُر بين الأفراد بهدف الوصول إلى اتفاق عقلاني.

تقوم العقلانية النقدية عند هابرماس على عِدَّة مبادئ أساسيَّة:

1- الحِوار العقلاني بدل الإكراه والسُّلطة.

2- الفضاء العُمومي بوصفه مجالًا للنقاش الديمقراطي الحُر.

3- نقد الأيديولوجيا التي تُشوِّه التواصلَ بين الأفراد.

4- تحرير العقل من الهَيمنة التقنية والسياسية.

وعلى الرغم من اختلاف السِّياق الحضاري بين المفكرَيْن، يُمكن رصد عدد مِن نقاط التقارب بين مشروعَيْهِما:

1- مركزية النقد: كِلا المشروعَيْن يقوم على فِكرة النقد. الجابري يُمارس نقدًا للعقل التُّراثي، بَينما يُمارس هابرماس نقدًا للعقل الأداتي في الحداثة الغربية.

2- تحرير العقل مِن الهَيمنة: يَسعى الجابري إلى تحرير العقل العربي مِن سُلطة التقليد غَيْر المفحوص، بَينما يَسعى هابرماس إلى تحرير العقل مِن هَيمنة البيروقراطية والتقنية والرأسمالية.

3- إعادة تأسيس العقلانية: كِلاهما لا يرفض العقلانية، بَلْ يسعى إلى إعادة تعريفها. الجابري يُؤَسِّس عقلانية بُرهانية نقدية، بَينما يُؤَسِّس هابرماس عقلانية تواصلية ديمقراطية.

4- العلاقة بين المعرفة والمجتمع: يَرى المُفكِّران أنَّ الفِكر لَيس معزولًا عن الواقع الاجتماعي والسِّياسي، بَلْ هو جُزء من عملية تاريخية تتداخل فيها المعرفة مع السُّلطة والثقافة.

****

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

رحيل الفيلسوف وبقاء العقلانية التواصلية

رحل اليوم الفيلسوف الألماني الكبير يورغن هابرماس عن عمر ناهز 96 عامًا، تاركًا وراءه إرثًا فكريًا ضخمًا شكّل مسار الفلسفة النقدية والسياسية في أوروبا والعالم. وُلد هابرماس عام 1929 وعاش طفولته في ظل النازية، ثم أصبح لاحقًا أحد أبرز الأصوات المدافعة عن الديمقراطية والعقلانية التواصلية. بوفاته، تفقد الساحة الفكرية واحدًا من آخر أعمدة مدرسة فرانكفورت النقدية، ورمزًا عالميًا للحوار الفلسفي حول الحرية، العدالة، والفضاء العام.

رحيل الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس يُغلق فصلًا طويلًا في تاريخ الفلسفة الأوروبية الحديثة، إذ كان واحدًا من أبرز العقول التي شكّلت الفكر النقدي والسياسي والاجتماعي في القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. وُلد هابرماس عام 1929، وعاش طفولته في ظل النازية، وهو ما ترك أثرًا عميقًا على مشروعه الفكري الذي سعى فيه إلى بناء فضاء عام ديمقراطي يقوم على العقلانية التواصلية، بعيدًا عن الاستبداد والأيديولوجيات المغلقة.

لقد مثّل هابرماس الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت النقدية، لكنه تجاوز حدود النقد الماركسي التقليدي ليؤسس نظرية متكاملة حول الفعل التواصلي، حيث اعتبر أن الحوار العقلاني بين المواطنين هو أساس الشرعية السياسية والديمقراطية الحديثة. في زمن تتصاعد فيه الشعبوية والأزمات العالمية، ظل هابرماس يذكّر بأن الديمقراطية ليست مجرد آليات انتخابية، بل هي مشروع ثقافي وأخلاقي يقوم على الاعتراف المتبادل والبحث عن الحقيقة المشتركة.

كان تأثيره واسعًا على الفلسفة السياسية، علم الاجتماع، والعلوم الإنسانية عمومًا. فقد دافع عن الاتحاد الأوروبي باعتباره نموذجًا للتكامل السلمي، وانتقد النزعات القومية الضيقة، كما خاض سجالات فكرية مع كبار الفلاسفة المعاصرين مثل ميشيل فوكو، جاك دريدا، ونيكلاس لومان. ورغم تقدمه في العمر، ظل حاضرًا في النقاشات الفكرية حتى السنوات الأخيرة، محذرًا من مخاطر التكنولوجيا غير المنضبطة، ومن تآكل الفضاء العام أمام هيمنة الإعلام الرقمي.

إن وفاة هابرماس لا تعني فقط فقدان فيلسوف بارز، بل تمثل أيضًا لحظة للتأمل في إرثه الفكري: كيف يمكن لمجتمعات اليوم أن تستعيد قيمة الحوار العقلاني في زمن الانقسامات، وكيف يمكن أن نعيد بناء فضاء عام يوازن بين الحرية الفردية والمسؤولية الجماعية.

السيرة والخلفية التاريخية ليورغن هابرماس

ولد يورغن هابرماس في مدينة دوسلدورف الألمانية عام 1929، في فترة مضطربة سياسياً واجتماعياً، حيث كانت ألمانيا تعيش تحت حكم النازية. هذه التجربة المبكرة تركت بصمة عميقة في وعيه الفلسفي، إذ نشأ في مجتمع يهيمن عليه خطاب سلطوي مغلق، وهو ما دفعه لاحقاً إلى البحث عن بدائل تقوم على العقلانية الحوارية والحرية الديمقراطية.

نشأ هابرماس في أسرة متوسطة، وكان يعاني منذ طفولته من مشكلة صحية في الفك أثرت على نطقه، الأمر الذي جعله أكثر ميلاً إلى القراءة والكتابة والتأمل. بعد الحرب العالمية الثانية، التحق بجامعة غوتنغن ثم بجامعة بون حيث درس الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس، قبل أن يتأثر بعمق بأعمال الفيلسوف إدموند هوسرل والفيلسوف الوجودي مارتن هايدغر. لكنه سرعان ما انتقد هايدغر بسبب ارتباطه بالنازية، وهو ما شكّل بداية مسافة نقدية بين هابرماس والفلسفة الألمانية التقليدية.

في خمسينيات القرن العشرين، انضم هابرماس إلى معهد البحوث الاجتماعية في فرانكفورت، ليصبح أحد أبرز ممثلي الجيل الثاني من مدرسة فرانكفورت النقدية. هذه المدرسة التي أسسها مفكرون مثل ماكس هوركهايمر وتيودور أدورنو، كانت تسعى إلى تحليل المجتمع الحديث من منظور نقدي يجمع بين الفلسفة الماركسية والتحليل النفسي وعلم الاجتماع. غير أن هابرماس تميز عن أسلافه بتركيزه على إمكانيات التواصل العقلاني كأداة لتجاوز الأزمات الاجتماعية والسياسية.

خلال مسيرته الأكاديمية، شغل هابرماس مناصب بارزة، منها أستاذية الفلسفة الاجتماعية في جامعة فرانكفورت، وأستاذ زائر في جامعات أمريكية مثل هارفارد. كما نشر أعمالاً مؤثرة منذ ستينيات القرن الماضي، مثل كتابه الشهير "التحول البنيوي للفضاء العام" (1962) الذي حلل فيه نشأة المجال العام البرجوازي في أوروبا، وكيف أصبح الحوار العقلاني بين المواطنين أساساً لتطور الديمقراطية الحديثة.

منذ ذلك الحين، أصبح هابرماس أحد أكثر الفلاسفة تأثيراً في العالم، حيث تُرجمت أعماله إلى عشرات اللغات، واعتمدت أفكاره في مجالات متعددة من الفلسفة السياسية إلى علم الاجتماع والقانون. وقد حصل على جوائز مرموقة مثل جائزة أمير أستورياس للعلوم الاجتماعية (2003)، واعتُبر مرجعاً أساسياً في النقاشات الفكرية الأوروبية حول الديمقراطية والهوية والتكامل الأوروبي.

نظرية الفعل التواصلي عند يورغن هابرماس

يُعتبر مفهوم الفعل التواصلي (Kommunikatives Handeln) حجر الأساس في مشروع هابرماس الفلسفي، وهو الإطار الذي من خلاله حاول أن يعيد بناء الفلسفة الاجتماعية والسياسية على قاعدة عقلانية جديدة. نشر هابرماس كتابه الضخم "نظرية الفعل التواصلي" (1981) في مجلدين، حيث قدّم فيه تصورًا متكاملًا عن كيفية تنظيم الحياة الاجتماعية عبر الحوار العقلاني، بعيدًا عن الهيمنة الأيديولوجية أو العنف الرمزي.

يرى هابرماس أن المجتمعات الحديثة لا يمكن أن تستمر في الاعتماد على الشرعية التقليدية (الدين، السلطة الأبوية، أو الأيديولوجيات المغلقة)، بل تحتاج إلى شرعية تقوم على التواصل الحر والمتكافئ بين الأفراد. في هذا السياق، يصبح الفعل التواصلي هو العملية التي يسعى فيها المشاركون إلى التفاهم عبر اللغة، لا لتحقيق مصالح فردية ضيقة، بل للوصول إلى اتفاق عقلاني مشترك.

من الناحية النظرية، يميز هابرماس بين نوعين من الأفعال:

الفعل الأداتي (Instrumental Action): حيث يسعى الفرد لتحقيق أهدافه الخاصة باستخدام الوسائل المتاحة.

الفعل التواصلي (Communicative Action): حيث يسعى الأفراد إلى التفاهم المتبادل، ويضعون الحقيقة والصدق والشرعية في مركز الحوار.

هذا التمييز سمح له بتطوير مفهوم العقلانية التواصلية، التي تختلف عن العقلانية الأداتية التي انتقدها بشدة في أعماله. فالعقلانية التواصلية لا تقتصر على حسابات المنفعة، بل تقوم على قيم الاعتراف المتبادل، الصدق، والبحث عن الحقيقة المشتركة.

في كتابه، اعتمد هابرماس على معطيات من علم الاجتماع، الفلسفة التحليلية، واللسانيات، ليؤكد أن اللغة ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي البنية الأساسية التي من خلالها يُبنى المجتمع. ومن هنا جاءت مقولته الشهيرة بأن اللغة هي وسيط التفاهم الاجتماعي، وأن أي نظام سياسي أو اجتماعي يفقد شرعيته إذا لم يسمح بفضاء عام مفتوح للنقاش العقلاني.

أثر هذه النظرية كان واسعًا:

في الفلسفة السياسية، وفرت أساسًا جديدًا لفهم الديمقراطية باعتبارها عملية نقاش مستمر وليست مجرد آلية انتخابية.

في علم الاجتماع، أعادت النظر في كيفية فهم المؤسسات الاجتماعية باعتبارها فضاءات للتواصل لا مجرد هياكل للسلطة.

في القانون، ألهمت نقاشات حول الشرعية الدستورية وحقوق الإنسان باعتبارها نابعة من التوافق العقلاني بين المواطنين.

لقد أراد هابرماس أن يضع حدًا لهيمنة العقل الأداتي التي انتقدها أسلافه في مدرسة فرانكفورت، وأن يفتح المجال أمام عقلانية جديدة قادرة على مواجهة تحديات الحداثة، من التكنولوجيا إلى العولمة، عبر الحوار والتفاهم لا عبر الصراع أو الإقصاء.

الفضاء العام والديمقراطية

عندما كتب هابرماس كتابه المبكر "التحول البنيوي للفضاء العام" عام 1962، كان يسعى إلى فهم كيف نشأ المجال العام البرجوازي في أوروبا الحديثة، وكيف أصبح الحوار العقلاني بين المواطنين أساسًا لتطور الديمقراطية. بالنسبة له، الفضاء العام ليس مجرد ساحة للنقاش، بل هو البنية التي تتيح للمجتمع أن يراقب السلطة، وأن يشارك في صياغة الشرعية السياسية.

في تحليله، أظهر أن الفضاء العام في بداياته كان مرتبطًا بالمقاهي، الصحف، والصالونات الثقافية، حيث كان المواطنون يتناقشون حول الشؤون العامة بعيدًا عن هيمنة الدولة أو السوق. هذا النموذج، في نظره، هو ما منح الديمقراطية الأوروبية قوتها، لأنه جعل المشاركة السياسية قائمة على النقاش العقلاني لا على الولاءات التقليدية أو المصالح الضيقة.

لكن هابرماس لم يكتف بوصف الماضي، بل انتقد بشدة ما أسماه "تآكل الفضاء العام" في المجتمعات الحديثة. فقد لاحظ أن الإعلام الجماهيري، والإعلانات التجارية، وهيمنة السوق، كلها عوامل أدت إلى تحويل الفضاء العام من ساحة للنقاش الحر إلى مجال تسيطر عليه القوى الاقتصادية والسياسية. وهنا يظهر قلقه من أن الديمقراطية قد تتحول إلى مجرد إجراءات شكلية إذا فقدت أساسها الحقيقي: الحوار العقلاني بين المواطنين.

في هذا السياق، شدد على أن الديمقراطية ليست مجرد انتخابات أو مؤسسات، بل هي عملية مستمرة من النقاش والتداول. الشرعية السياسية، في نظره، لا تُبنى إلا عندما يشعر المواطنون أنهم شركاء في الحوار، وأن أصواتهم مسموعة في المجال العام. ولهذا كان دائمًا ينتقد الشعبوية، لأنها تختزل النقاش في شعارات عاطفية وتغلق الباب أمام العقلانية التواصلية.

أهمية هذا الطرح تكمن في أنه يربط بين النظرية والممارسة: فهابرماس لم يكن يتحدث عن الديمقراطية كمفهوم مجرد، بل كان يحلل كيف يمكن للمجتمعات أن تحافظ على فضاء عام حيّ، وكيف يمكن أن تواجه التحديات الجديدة مثل الإعلام الرقمي، العولمة، وصعود الحركات القومية. بالنسبة له، كل هذه التحديات تهدد الفضاء العام، لكنها في الوقت نفسه تفتح المجال لإعادة التفكير في كيفية بناء ديمقراطية أكثر شمولًا وعدلًا.

بهذا المعنى، يمكن القول إن هابرماس قدّم أحد أهم الإسهامات في فهم الديمقراطية الحديثة، ليس فقط كآلية سياسية، بل كفضاء ثقافي واجتماعي يقوم على التواصل والاعتراف المتبادل.

موقف هابرماس من الدين والسياسة

من بين القضايا التي أثارت جدلاً واسعاً في فكر هابرماس كان موقفه من الدين في المجتمعات الحديثة. فهو لم يتعامل مع الدين باعتباره مجرد بقايا من الماضي يجب تجاوزها، بل رأى أن الدين يظل قوة حاضرة في المجال العام، وأن الديمقراطية لا يمكن أن تتجاهل هذا الحضور. في كتاباته المتأخرة، وخاصة منذ مطلع الألفية، شدد على أن المجتمعات العلمانية تحتاج إلى أن تتعلم كيف تنصت للأصوات الدينية، وأن تترجم مضامينها إلى لغة عقلانية مشتركة يمكن أن يفهمها الجميع.

هذا الموقف جاء نتيجة إدراكه أن الدين لا يزال يلعب دوراً في تشكيل القيم والأخلاق، وأن استبعاده الكامل من المجال العام قد يؤدي إلى فقدان مصادر مهمة للمعنى والشرعية. لكنه في الوقت نفسه كان حريصاً على أن يظل المجال العام عقلانياً، أي أن الخطاب الديني يجب أن يُقدَّم بطريقة تسمح بالحوار مع غير المؤمنين، وأن يخضع لمعايير النقاش العقلاني التي تضمن المساواة والاعتراف المتبادل.

في هذا السياق، دخل هابرماس في سجالات فكرية مع فلاسفة مثل جاك دريدا حول العلاقة بين الدين والعقل، ومع مفكرين ألمان حول مستقبل العلمانية في أوروبا. كان يرى أن الحداثة لم تُلغِ الدين، بل أعادت تشكيله في فضاء جديد، وأن التحدي يكمن في إيجاد صيغة للتعايش بين العقلانية العلمانية والتجارب الدينية دون أن يهيمن أحدهما على الآخر.

أما في السياسة، فقد كان هابرماس مدافعاً قوياً عن الديمقراطية الليبرالية، لكنه لم يتردد في نقدها عندما تتحول إلى مجرد آليات شكلية. كان يعتبر أن الشرعية السياسية لا تُبنى فقط على المؤسسات، بل على النقاش العام الذي يشارك فيه الجميع، بمن فيهم المتدينون. ولهذا كان يرفض أي نزعة إقصائية، سواء جاءت من العلمانية المتشددة أو من الأصولية الدينية.

موقفه هذا جعل منه صوتاً فريداً في الفلسفة الأوروبية: فهو لم ينحز إلى العلمانية المطلقة التي ترى الدين عائقاً، ولم ينحز إلى الخطاب الديني الذي يطالب بالهيمنة، بل حاول أن يرسم طريقاً ثالثاً يقوم على الحوار والترجمة المتبادلة بين اللغات الدينية والعقلانية. بهذا المعنى، كان هابرماس يسعى إلى بناء مجتمع تعددي قادر على استيعاب الاختلافات دون أن يفقد وحدته الديمقراطية.

هابرماس وأوروبا

منذ عقود طويلة، كان يورغن هابرماس أحد أبرز الأصوات المدافعة عن فكرة أوروبا الموحدة. بالنسبة له، الاتحاد الأوروبي لم يكن مجرد مشروع اقتصادي أو سوق مشتركة، بل كان تجربة تاريخية فريدة تهدف إلى تجاوز النزعات القومية الضيقة التي قادت القارة إلى حروب مدمرة في القرن العشرين. لقد رأى في أوروبا نموذجًا للتكامل السلمي، حيث يمكن لشعوب مختلفة أن تتعايش وتبني مؤسسات مشتركة على أساس الحوار والديمقراطية.

في كتاباته ومداخلاته العامة، كان هابرماس يصر على أن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى مزيد من الشرعية الديمقراطية، وأنه لا يمكن أن يظل مجرد مشروع للنخب السياسية والاقتصادية. كان يطالب بفضاء عام أوروبي، حيث يتناقش المواطنون عبر الحدود حول القضايا المشتركة، ويشعرون أنهم جزء من مجتمع سياسي واحد. بالنسبة له، هذه هي الطريقة الوحيدة لمواجهة التحديات الكبرى مثل العولمة، الأزمات الاقتصادية، والهجرة.

لم يكن هابرماس غافلاً عن الأزمات التي واجهها الاتحاد الأوروبي، من أزمة الديون اليونانية إلى صعود الحركات القومية والشعبوية في دول عدة. لكنه كان يرى أن الحل لا يكمن في الانسحاب أو التفكك، بل في تعميق التكامل الديمقراطي. كان يعتبر أن أوروبا إذا أرادت أن تكون لاعبًا عالميًا قادرًا على مواجهة القوى الكبرى مثل الولايات المتحدة والصين، فعليها أن تبني مؤسسات أكثر قوة وشرعية، وأن تمنح مواطنيها دورًا أكبر في صياغة السياسات.

كما كان له موقف واضح من قضية اللاجئين والمهاجرين في أوروبا. فقد انتقد بشدة السياسات التي تسعى إلى إغلاق الحدود أو التعامل مع اللاجئين باعتبارهم عبئًا، مؤكداً أن أوروبا لا يمكن أن تدافع عن قيمها الإنسانية والديمقراطية إذا تجاهلت حقوق هؤلاء. بالنسبة له، استقبال اللاجئين ودمجهم في المجتمع الأوروبي ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو جزء من مشروع أوروبا كفضاء للتعددية والاعتراف المتبادل.

بهذا المعنى، كان هابرماس يرى أن مستقبل أوروبا مرتبط بقدرتها على الحفاظ على فضاء عام مفتوح، وعلى بناء هوية سياسية مشتركة تتجاوز الانقسامات القومية والدينية. لقد ظل حتى سنواته الأخيرة يكتب ويحاضر عن ضرورة أن تتحول أوروبا إلى "ديمقراطية عبر وطنية"، حيث يكون المواطن الأوروبي شريكًا فعليًا في تقرير مصير القارة.

إرث هابرماس الفكري وتأثيره العالمي

إرث يورغن هابرماس لا يقتصر على الفلسفة الألمانية أو الأوروبية، بل يمتد إلى الفكر العالمي بأسره. فمنذ ستينيات القرن الماضي، أصبحت أعماله مرجعًا أساسيًا في النقاشات حول الديمقراطية، الفضاء العام، والعقلانية الحديثة. الجامعات في أوروبا وأمريكا اللاتينية والولايات المتحدة اعتمدت نصوصه في تدريس الفلسفة السياسية وعلم الاجتماع، كما تُرجمت كتبه إلى معظم اللغات الكبرى، ما جعله حاضرًا في كل النقاشات الفكرية العابرة للقارات.

أثره كان واضحًا في عدة مجالات. ففي الفلسفة السياسية، قدّم أساسًا جديدًا لفهم الديمقراطية باعتبارها عملية نقاش عقلاني مستمر، وليس مجرد آليات انتخابية. وفي علم الاجتماع، أعاد النظر في المؤسسات الاجتماعية باعتبارها فضاءات للتواصل، لا مجرد هياكل للسلطة. أما في القانون، فقد ألهم نقاشات واسعة حول الشرعية الدستورية وحقوق الإنسان، مؤكداً أن هذه الحقوق لا تُستمد من نصوص جامدة، بل من توافق عقلاني بين المواطنين.

كما كان له تأثير مباشر على النقاشات العامة والسياسية في أوروبا. فقد كان من أبرز المدافعين عن الاتحاد الأوروبي، وعن فكرة الديمقراطية عبر وطنية، حيث يرى أن مستقبل القارة يعتمد على قدرتها على بناء فضاء عام مشترك يتجاوز الحدود القومية. في الوقت نفسه، لم يتردد في نقد الشعبوية وصعود النزعات القومية، محذرًا من أن هذه الاتجاهات تهدد المشروع الديمقراطي الأوروبي.

على المستوى العالمي، ألهم هابرماس مفكرين في أمريكا اللاتينية وآسيا وإفريقيا، حيث استُخدمت نظرياته في تحليل قضايا الهوية، العدالة الاجتماعية، والاندماج الثقافي. حتى في النقاشات حول التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، ظل حضوره بارزًا، إذ كان يحذر من أن التقدم التقني إذا لم يُضبط بقيم عقلانية تواصلية، قد يؤدي إلى تآكل الفضاء العام وإضعاف الديمقراطية.

رحيله اليوم يفتح الباب أمام إعادة قراءة إرثه في ضوء التحديات الراهنة: من الأزمات البيئية إلى الانقسامات الرقمية، ومن صعود الشعبوية إلى تراجع الثقة في المؤسسات. إرث هابرماس يذكّرنا بأن الحل لا يكمن في الانغلاق أو الإقصاء، بل في الحوار المستمر، وفي البحث عن أرضية مشتركة تُبنى عليها الشرعية السياسية والاجتماعية.

رحيل هابرماس وبقاء أسئلة العقلانية والديمقراطية

رحيل يورغن هابرماس لا يمثل مجرد فقدان شخصية أكاديمية بارزة، بل هو لحظة فارقة في تاريخ الفكر الأوروبي والعالمي. لقد كان آخر الكبار الذين حملوا إرث مدرسة فرانكفورت النقدية، وأحد الأصوات القليلة التي استطاعت أن تربط بين النظرية الفلسفية والتحديات العملية للمجتمع الحديث. بغيابه، يخسر العالم عقلًا ظل طوال عقود يذكّرنا بأن الديمقراطية ليست مجرد مؤسسات أو إجراءات، بل هي مشروع ثقافي وأخلاقي يقوم على الحوار العقلاني والاعتراف المتبادل.

اليوم، ونحن نعيش في زمن تتصاعد فيه الشعبوية والانقسامات الرقمية، وتضعف فيه الثقة بالمؤسسات، تبدو أفكار هابرماس أكثر راهنية من أي وقت مضى. فدعواته إلى بناء فضاء عام حيّ، وإلى إعادة الاعتبار للعقلانية التواصلية، هي دعوات ضرورية لمواجهة التحديات التي تهدد المجتمعات الحديثة. إن إرثه الفكري يفتح أمامنا سؤالًا كبيرًا: كيف يمكن أن نعيد بناء الثقة بين المواطنين، وأن نخلق لغة مشتركة تسمح بالتفاهم رغم الاختلافات؟

الخاتمة إذن ليست مجرد وداع لفيلسوف رحل، بل هي دعوة لإعادة قراءة أعماله في ضوء اللحظة الراهنة. فهابرماس ترك لنا أدوات فكرية تساعدنا على فهم أزمات الديمقراطية، وعلى البحث عن حلول تتجاوز الانغلاق والإقصاء. إن استعادة إرثه ليست تكريمًا لذكراه فحسب، بل هي أيضًا مسؤولية فكرية وأخلاقية تجاه المستقبل.

***

الدكتور حسن العاصي

باحث أكاديمي في الأنثروبولوجيا

مفتتح: ثمة طريقة مريحة لقراءة الفلاسفة بعد وفاتهم: أرشفتهم في صور تماثيل من المرمر، عاليةٍ ونظيفة وصامتة، يُرشّ عليها ماء التبجيل دون أن يتجرأ أحدٌ على اختبار صلابتها. لكن هابرماس (1929-2026)، الذي وافته المنية في الرابع عشر من مارس 2026 عن ستةٍ وتسعين عامًا حافلةً بالجدل والعطاء، يستحق شيئًا أصعب وأعمق: أن يُقرأ في تناقضاته لا في مجرد إنجازاته، فالفيلسوف الحقيقي لا يُعرَف من خلال ما تقوله نظرياته فحسب، بل من خلال المسافة التي تفصل تلك النظريات عن مواقفه في لحظات الامتحان الحقيقي.

وقد كانت لحظة الامتحان الكبرى في 07 أكتوبر 2023، حين وقّع هابرماس بيانًا مُثيرًا للجدل في خضم الحرب المدمرة على غزة، بيانٌ يُشكّك في مشروعية المقاومة الفلسطينية ويتجاهل بصورةٍ لافتة ذلك التماثل الذي طالما أعلنه ركيزةً لأخلاقيات الخطاب. لم يكن الأمر مجرد زلّةٍ سياسية عابرة — بل كانت شاهدًا فاضحًا لذلك المأزق الذي لم تتمكن أي فلسفةٍ كونية من الفرار منه: ارتطام الحجة الكلية بسياج الانتماء الخاص. ولهذا، فإن قراءة هابرماس لا ينبغي أن تسير على طريقة من قرأ حنّة أرندت قراءةَ الأيقونة المُبجَّلة، بل ينبغي أن تكون قراءة من يُمسك الفكر من تلابيبه ويسأله: هل كنت أمينًا لنفسك؟ وإن لم تكن، فماذا يُعلّمنا هذا الإخفاق عن طبيعة العقل الإنساني ذاته؟

هذا هو المفتتح الحقيقي لقراءة رجلٍ أمضى ستة عقودٍ في بناء فلسفةٍ للعقل التواصلي، ثم وجد في نهاية المطاف نفسه أسيرَ ذلك العالم المعاش الذي حذّر منه طويلًا. فالاغتراب الفلسفي — حين تتحول الفكرة الكبرى إلى أداةٍ طيّعة في يد الانتماء الهوياتي — ليس إخفاقًا يخص هابرماس وحده؛ إنه المرآة التي تكشف هشاشة كل مشروعٍ إنساني يدّعي الكونية.

 من رحم الكارثة: ميلاد الفيلسوف

وُلد يورغن هابرماس في دوسلدورف عام 1929، وترعرع في كومرباخ قرب كولونيا، وكان من جيلٍ حمل على عاتقيه ثقل الهوية الألمانية المكسورة. نشأ طفلًا في زمن هتلر، مرّ بتجربة شبيبة هتلر كما مرّ بها ملايين أترابه، وصنّفته لجان التطهير بعد الحرب بوصفه مجرد «مُسايِر», ولد أيضًا حاملًا علامةً جسدية تعرّضه للتهميش داخل أيديولوجيا «الجنس الأسمى»: شقٌّ خلقي في الحنك أعاق نطقه وميّزه عن الآخرين.

هذان الأثران — العار الجماعي والندبة الجسدية — لم يتركاه أبدًا. بل إنهما، في تقديرٍ فلسفي دقيق، كانا المحرّكَ الخفي لمشروعه بأسره. فهابرماس لم يختر الدفاع عن الحوار والعقل والديمقراطية من فراغٍ مجرد، بل اختارهما لأنه عاش بجسده ووجدانه ما يحدث حين تُسكَت الأصوات وتُغلَق مسالك التداول العقلاني. الفيلسوف الذي دعا طوال عمره إلى المساواة في الحق بالكلام كان رجلًا عرف منذ طفولته ما معنى أن تكون صوتًا مختلفًا في عالمٍ يريدك أن تصمت.

دخل معهد البحث الاجتماعي في فرانكفورت عام 1956 مساعدًا لأدورنو، وتشكّلت ملامح صراعه الفكري الأساسية هناك: إنه يقاسم أساتذة مدرسة فرانكفورت — هوركهايمر وأدورنو ومارکوز وبنيامين — يقيناتٍ نقدية حول الرأسمالية وأمراض الحداثة، لكنه يرفض الخلاصة التشاؤمية التي أوصلتهم إليها «جدلية التنوير» عام 1947؛ تلك النظرة التي ترى أن الأنوار ولدت في داخلها بذرة دمارها، وأن العقل الأداتي قد ابتلع العقل التحرري بلا رجعة. وبينما نصّب أدورنو نفسه شاهدًا ساخطًا على عالمٍ يصفه بـ«الكل الزائف» رفض هابرماس هذا الحكم الختامي وقرّر أن في بنية اللغة الإنسانية ذاتها بذرةً للتحرر لم تُمَت بعد.

العقل التواصلي: رهانٌ على المستحيل الضروري

في سنة 1981، أصدر هابرماس عمله الأكثر أهمية وتأثيرًا: «نظرية الفعل التواصلي» في مجلدين ضخمين. وهو عملٌ يستعصي على التلخيص، لا لغموضه بل لثرائه: إنه توليفٌ هائل بين فلسفة اللغة وعلم الاجتماع والفلسفة الأخلاقية والتحليل النفسي، كلها موجَّهة نحو سؤالٍ واحد: هل لا يزال ممكنًا، في عصر الهيمنة الرأسمالية ومجتمعات الإعلام والبيروقراطية المتضخمة، أن نتواصل بصدقٍ ونُقيم معًا حياةً جديرة بهذا الاسم؟

جوابه نعم — لكن بشرط. وهذا الشرط هو التمييز الجوهري بين نمطين من الفعل الإنساني: الفعل الاستراتيجي الذي يتخذ من الآخر وسيلةً لبلوغ الغاية، والفعل التواصلي الذي يتخذ من الحجة والحوار الحرّ سبيلًا إلى التفاهم المشترك. وما يُميز هذا الثاني ويجعله ركيزةً للتحرر هو ما يُسمّيه هابرماس «وضع الكلام المثالي»: المساواة المبدئية بين المتحاورين، وغياب الإكراه الخارجي والداخلي، وإتاحة الطعن في أي ادعاءٍ مطروح بالحجة لا بالقوة.

ويُعدّ مفهوم «العالم المعاش» المستعار من هوسرل، قطعةً مفصليةً أخرى في هذا المشروع: إنه ذلك الأفق الصامت من اليقينيات المشتركة والموروثات الثقافية الضمنية الذي يُشكّل خلفية كل تواصلٍ ممكن. وفي مقابله يضع هابرماس «الأنظمة» — الدولة والسوق — التي تعمل بمنطق السلطة والمال، وتسعى إلى استعمار العالم المعاش وتآكله. وهذه «الاستعمار» هو المدلول الفلسفي لمرض الحداثة المتأخرة في نظره.

بينما السؤال المُحرج الذي يفرضه أكتوبر 2023 هو التالي: حين يُكتب بيانٌ يُسكت مسبقًا صوتَ شعبٍ محاصَر قبل أن يُتاح له التحدث، ويُشترط في الضحية أن تُثبت أهليتها للكلام، أيُّ الفعلين يُجسّد — التواصلي أم الاستراتيجي؟

 هل آمن هابرماس بما نادى إليه؟

هذا هو السؤال الذي كثيرًا ما يتحاشاه شارحو هابرماس، لأنه مُحرجٌ ومُقلق وأشد إصابةً من أي انتقادٍ تجريدي. فهل كان هابرماس يؤمن فعلًا بما نادى إليه؟

الجواب الصادق هو: نعم، في معظم الأحيان — وربما إيمانًا نادرًا في تاريخ الفلسفة الغربية الحديثة. وهذا ما يجعل سيرته الفكرية مثيرةً للتأمل ومُثقَلةً بالمعنى في آنٍ معًا.

فعلى صعيد الأمانة لمبدأ الفضاء العام، التزم هابرماس طوال حياته بنزول الفيلسوف إلى الميدان العام والمشاركة الفعلية في النقاشات الكبرى. لم يكتفِ بالنظرية مُتعاليًا من أبراجه الجامعية، بل انخرط في كل قضيةٍ كبرى: الجدل التاريخاني عام 1986 حول المقارنة بين النازية والستالينية، وكتب بشجاعةٍ نادرة ضد المراجعة التي رأى فيها تبييضًا للجريمة النازية. وتدخّل في جدل الهوية الألمانية بعد توحيد 1990 مدافعًا عن مفهوم «الوطنية الدستورية» أي الانتماء إلى القيم لا إلى الدم والأرض — وكان ذلك موقفًا مكلفًا في السياق الألماني آنذاك. كما رفض حرب العراق عام 2003 رفضًا قاطعًا، وكتب مع دريدا نصًا مشتركًا يدعو إلى بناء أوروبا قطبًا مستقلًا في مواجهة الأحادية الأمريكية.

ولكن — وهنا يكمن المأزق الجوهري — حين جاء الاختبار الأشد التصاقًا بجروحه الذاتية وذاكرته التأسيسية، تعثّرت تلك الكونية التي طالما بشّر بها. فالرجل الذي حمل طوال حياته عبء الخزي الألماني من المحرقة، والذي جعل من المصالحة مع الموروث اليهودي حجر الأساس لهويته الأخلاقية، لم يستطع إخضاع اللحظة الفلسطينية للمنطق الحيادي الذي أرساه. وليس هذا اتهامًا بالنفاق الشخصي — فهابرماس لم يكن منافقًا كبعض مثقفي العرب و الغرب— بل هو تشخيصٌ فلسفي لآليةٍ أعمق: آلية الاغتراب الذي يتسلل إلى أكثر العقول التزامًا بالعقلانية، حين يتعلق الأمر بالجرح الأكثر قُربًا من الجوهر.

وهكذا يتضح أن هابرماس لم يخن مبادئه بسبب انعدام الإيمان بها، بل على وجه التحديد بسبب فرط ثقته بأنه يطبّقها — بينما كان عالمه المعاش يُملي عليه في صمتٍ ما لا تجرؤ النظرية على الإفصاح عنه. وهنا تكمن المفارقة المأساوية: فمفهومه عن العالم المعاش، الذي صاغه لتشريح هيمنة الأنظمة على التواصل الإنساني، صار أداةً لتشريح هيمنة عالمه هو على عقله..

 هابرماس فرنسيا: مرآةٌ كاشفة لا مجرد تتاري

قد يبدو تاريخ قراءة هابرماس في الفضاء الفكري الفرنسي مسألةً أكاديمية محدودة الأفق، غير أنه في الحقيقة مرآةٌ كاشفة لتوترٍ فلسفي عميق: التوتر بين نمطين من الفكر النقدي — ذاك الذي يُراهن على إصلاح العقل من الداخل، وذاك الذي يُشكّك في نفس الأساس.

حين وصلت أفكار هابرماس إلى فرنسا في ستينيات القرن الماضي، كان المشهد الفلسفي محتلًا بالبنيوية وفلسفات الانفصال الجذري. في هذه البيئة، بدا هابرماس غريبًا: فهو أكثر انتماءً إلى كانط منه إلى نيتشه، وأكثر تعلقًا بـ«الحداثة غير المكتملة» منه إلى ما بعد الحداثة. وفي عام 1985، أطلق عليهم هجومًا فلسفيًا مباشرًا في «الخطاب الفلسفي للحداثة»، إذ اتهم فوكو وديريدا وليوتار وكاستورياديس باللاعقلانية والنسبية و«المحافظة الجديدة ». فردّ ديريدا بحدة، ونشأ بين التقليدين مناخٌ من التوجّس المتبادل يُلوّن النقاشات الأكاديمية حتى اليوم.

ولكن مع الزمن، تبيّن أن عرف بنسبية فوكو كان في الحقيقة تحذيرًا من وهم الحياد — تحذيرٌ ثبتت صحته بشكلٍ ساطع في أكتوبر 2023. فالفضاء العام ليس خاليًا من علاقات القوة بطبيعته، وادعاء الحيادية لا يُلغي هذه العلاقات بل قد يُغطيها بالشرعية. أما في العقدين الأوليين من القرن الحادي والعشرين، فقد صار هابرماس كلاسيكيًا مُدرَّسًا في الجامعات الفرنسية، خصوصًا في نقاشات الديمقراطية التداولية وفلسفة الحق، بفضل جهود مفكرين من أمثال جان-فرانسوا كيرفيغان وستيفان هابر وإيمانويل رينو. وبعد أكتوبر 2023، انتقال انعكاس المرٱة الفرنسية لهابرماس من مرحلة الاستيعاب إلى مرحلةٍ أكثر نضجًا ومرارة: مرحلة القراءة النقدية التي تُطبّق على هابرماس أسلحته الخاصة.

جدلية التراث والوصية

في سنواته الأخيرة، أصدر هابرماس «تاريخٌ للفلسفة» 2019 وهو مؤلَّفٌ موسوعي يتجاوز ألفَ وسبعمئة صفحة، يتتبع فيه المسار الطويل للعقل البشري من الفلاسفة السابقين لسقراط إلى حاضرنا الراهن. ومن أبرز ما يُميز هذا العمل أنه يبدأ بمقارنةٍ رحبة بين التقاليد الفلسفية الكبرى في العالم: البوذية والكنفوشيوسية واليهودية والفلسفة الإغريقية، ساعيًا إلى إثبات أن الإنسانية في مختلف حضاراتها قطعت مسارًا مشتركًا من التعلم الجماعي الذي أنتج موارد معيارية لنقد الظلم والتطلع نحو العدل.

وفي هذا الطموح الكوني الأخير يتجلى التمثال الحقيقي لهابرماس ومعه تناقضه الأعمق. إذ كيف لفيلسوفٍ يحتفي بالتقليد الإسلامي والبوذي والإفريقي في تاريخٍ للفلسفة أن يُقصي أهلَ هذه التقاليد من كونية العقل حين تتعلق المسألة بدمائهم ومصيرهم؟ وحين وصف هابرماس في مقابلاته الأخيرة ما يجري في العالم من انحسارٍ ديمقراطي وصعودٍ للشعبوية وتفككٍ للنظام الدولي الليبرالي، كان محقًا في تشخيصه. لكن صدقية هذا التشخيص كانت ستبلغ ذروتها لو أنه أدرج في خريطة الألم الكوني الذي يرصده، كلَّ الشعوب التي تنزف — دون أن تُحدّد جغرافيا الرحمة بحدود الحضارة الغربية.

ومع ذلك، تظل جملته الأخيرة في هذا الكتاب وصيةً فلسفية لا تُستهان: «إن ما تعلمته الإنسانية عبر مساراتٍ طويلة من التجربة لا يُنسى كليًا — في أسوأ الأحوال يُكبَت، لكنه يترك دومًا آثارًا يمكن العودة إليها.» وإذا كان شيءٌ يستحق أن يُكتب على لوحة هذا الرجل، فهو هذه الجملة التي تنطوي على أكثر من تعبيرٍ عن التفاؤل الفلسفي — إنها اعترافٌ ضمني بأن الكبت ممكنٌ، وبأن العقل، حتى في أكثر أشكاله انضباطًا وأمانةً، ليس محصّنًا ضد أن يُكبَت فيه ما يعلمه.

 الفلسفة أكبر من فيلسوفها

رحل يورغن هابرماس تاركًا إرثًا فلسفيًا من العمق والاتساع الذي نادرًا ما يُرى في تاريخ الفكر الغربي الحديث. ومع ذلك فإن أثمن ما يُخلّفه لنا ليس مؤلَّفاته، بل السؤال الذي تُفجّره حياته كاملةً: هل يمكن لأي عقلٍ بشري، مهما بلغ من الصرامة والالتزام والرسوخ المنهجي، أن يُفلت من أسر العالم المعاش الذي شكّله؟

والجواب الذي تُلمّح إليه مسيرته هو: ربما لا. لكن هذا لا يعني اليأس من الكونية — بل يعني أن الكونية الحقيقية ليست وصفًا لحالةٍ راهنة بل مهمةٌ لا تنتهي، تشترط على الفيلسوف أن يعود باستمرار إلى مرآة نظريته ويسأل نفسه: هل تطبّق هذا بشكلٍ متماثل على الجميع؟ هل تُتيح للضعيف حق الطعن في ادعاءاتك كما تُتيحه للقوي؟ هل يتضمن فضاؤك العام من لا يملك منبرًا أو دولةً أو جيشًا يُعلي صوته؟

إن قراءة هابرماس التي ينبغي أن نُداوم عليها ليست قراءة تبجيل ولا قراءة إدانة، بل قراءةٌ تُجري النظرية على صاحبها أولًا، وتُقيس الفكر بالمكان الذي يتعثّر فيه لا بالمكان الذي يتألق فيه. لأن الفلسفة الحقيقية لا تنبت في الاتساق، بل تنبت في شقوق التناقض — حيث يُفصح الفكر رغم نفسه عن حدوده، ويُتيح لمن يأتي بعده أن يُكمل ما لم يستطع هو أن يُكمله.

وإن كان هابرماس قد علّمنا شيئًا واحدًا يستحق أن يُحفر في ذاكرة الفلسفة، فهو هذا: أن الدفاع عن العقل مهمةٌ لا تُنجز مرةً واحدة وتُختتم، بل هي يقظةٌ مستدامة، وشجاعةٌ متجددة، وقبول دائم بأن تكون أنت أيضًا — حتى وأنت تدافع عن الحوار — موضعًا لحوارٍ لا ينتهي..

***

مراد غريبي – الجزائر

في الرابع عشر من ٱذار 2026

 

في خضم الفلسفة الأوروبية يقف تناقضٌ مزمنٌ يشبه الجسد المريض الذي يعلن صحته بأعلى صوته: بين إيمانها الراسخ بتفوق الثقافة القارية كحاملة للعمق الروحي والتاريخي والإنساني، وبين مركزية العقل الغربي الذي يفرض نفسه كمحور الكونية كلها. هذه الفلسفة لا تكتفي بالوجود؛ إنها تشخّص نفسها دائماً كعلاج للعالم، بينما هي في الواقع تحمل أعراض مرضها الخاص: مرض التمركز حول الذات الغربية التي تُلبس لباس التفوق القاري لتخفي أنها ليست سوى مركزٍ وهمي يدور حوله كل شيء. المقاربة التشخيصية هنا ليست مجرد وصف، بل تشريحٌ للأعراض التي تكشف كيف تحولت الفلسفة الأوروبية من تأملٍ في الوجود إلى آلةٍ للهيمنة الثقافية، حيث يصبح التفوق القاري قناعاً والمركزية العقلية جوهراً مريضاً يرفض الاعتراف بعيبه. فما الذي أوقع الفلسفة الأوروبية في توهم التفوق وادعاء المركزية؟

تبدأ الأعراض من اللحظة التأسيسية ذاتها، حين أعلن العقل الغربي أنه المركز الوحيد للعقلانية. الفلسفة القارية، بتجلياتها الألمانية والفرنسية خصوصاً، بنت صرحها على فكرة أن الثقافة الأوروبية القارية تمتلك عمقاً تاريخياً وروحياً يفوق كل الثقافات الأخرى. هذا التفوق ليس مجرد شعور؛ إنه بناءٌ فلسفي كامل يبدأ من اليونان القديمة التي يُختطف تاريخها ليُصبح ملكية أوروبية خالصة، مروراً بالنهضة التي تُقدَّم كولادة جديدة للإنسان الغربي، وصولاً إلى عصر التنوير الذي أعلن أن العقل الغربي هو العقل نفسه. هنا تظهر أولى أعراض المرض: العقل الغربي يدّعي الكونية، لكنه في الحقيقة يفرض مركزيته.

 كانط يُعلن العقل المحض كقانونٍ عالمي، لكن هذا القانون يُقاس بمعايير أوروبية قارية؛ هيغل يبني تاريخ العالم كتقدمٍ نحو الروح المطلقة، لكن هذه الروح تكتمل في بروسيا القارية. التفوق القاري هنا ليس ثقافياً فحسب، بل هو تشخيصٌ ذاتي يقول: نحن الأوروبيون القاريون نملك التاريخ، بينما الآخرون يعيشون خارجه. مع تطور الفلسفة القارية في القرن التاسع عشر والعشرين، يتعمق التناقض وتظهر أعراض جديدة. الرومانتيكية الألمانية تعلن تفوق الثقافة القارية كحاملة للروح والشعور واللغة الحية، مقابل الجفاف الذي يُنسب إلى الثقافات الأخرى. نيتشه يشخّص أوروبا كمريضة، لكنه يشخّصها من داخل مركزيتها الغربية، معتبراً أن علاجها يكمن في إعادة تقييم القيم القارية القديمة. هيدغر يعود إلى اليونان ليعلن أن الوجود الحقيقي قد ضاع في النسيان، لكنه يجعله ضياعاً أوروبياً قارياً، وكأن العالم كله ينتظر أن يُشفى على يد العقل الغربي الذي يعود إلى أصوله. حتى الفلسفة الوجودية والفينومينولوجيا، رغم عمقها، تبقى أسيرة هذا التشخيص: الذات القارية هي التي تُوجد، والعالم يُقاس بمدى قربه من هذه الذات. أعراض المرض هنا واضحة: تفوق الثقافة القارية يُعلن نفسه كخلاصٍ للبشرية، بينما مركزية العقل الغربي تحول هذا الخلاص إلى وصاية. الفلسفة لا تتحدث عن الإنسان؛ إنها تتحدث عن «الإنسان الغربي القاري» وتفترض أنه النموذج.في القرن العشرين، حين بدأت أعراض الأزمة تظهر على السطح، حاولت الفلسفة القارية أن تشخّص نفسها من جديد. ما بعد الحداثة، بدءاً من دريدا وفوكو، يُعلن نهاية المركزيات الكبرى، لكنه يفعل ذلك من داخل المركز نفسه. يشخّص فوكو السلطة كما لو أنها ظاهرة غربية قارية خالصة، ويحلّل دريدا النصوص كأن العالم كله نصٌ أوروبي. هنا تكمن أعمق الأعراض: حتى حين تحاول الفلسفة الأوروبية أن تتخلص من مركزيتها، فإنها تُعيد إنتاجها. التفوق القاري يتحول إلى «تفوق النقد»؛ العقل الغربي يصبح مركزاً لـ«ما بعد المركزية». التشخيص الذاتي يبقى مغلقاً على نفسه: أوروبا تشخّص مرضها، لكنها ترفض أن تعترف بأن مرضها هو مركزيتها ذاتها التي جعلت الثقافات الأخرى مجرد «هامش» أو «الآخر». الأعراض اليوم أشد وضوحاً في عالم ما بعد الاستعمار. الفلسفة الأوروبية القارية، رغم كل نقدها لنفسها، ما زالت تُقدّم نفسها كمرجعٍ عالمي. الجامعات الأوروبية تُدرّس الفلسفة كأنها الوحيدة القادرة على فهم الوجود، والمؤتمرات تتحدث عن «الفلسفة العالمية» بينما تعني بها الفلسفة القارية الغربية. هذا التناقض يولد أعراضاً نفسية جماعية: شعورٌ بالتفوق يخفي خوفاً عميقاً من فقدان المركز. العقل الغربي يخشى أن يصبح هامشاً، فيُصر على أن يبقى مركزاً حتى في نقده للمركزية. التفوق القاري يتحول إلى دفاعٍ أخير عن هويةٍ مهددة بالتعددية الحقيقية. هكذا تصبح الفلسفة الأوروبية مريضة بمرضٍ مزمن: مرض التمركز الذي يدّعي أنه علاج.

في التشخيص النهائي، يمكن القول إن الفلسفة الأوروبية بين تفوق الثقافة القارية ومركزية العقل الغربي ليست فلسفةً حرة، بل فلسفةً محكومة بوهمٍ وجودي. التفوق ليس إنجازاً، بل قناعاً؛ والمركزية ليست قوة، بل ضعفاً يرفض أن يُشفى. الشفاء الحقيقي لن يأتي من داخلها، لأنها لا تستطيع أن تشخّص نفسها إلا بأدواتها الخاصة التي هي سبب المرض. التشخيص الدقيق يقول: هذه الفلسفة تعيش في حالة إنكارٍ مزمن، تُعلن كونيتها وهي في الواقع خاصة جداً، تُمجّد عمقها القاري وهي في الحقيقة سطحية في قدرتها على الخروج من ذاتها. والعالم اليوم، بتعدديته وصموده، هو الذي يفرض عليها أن تعترف بمرضها. لكن الاعتراف الأول هو أصعب خطوة: أن يدرك العقل الغربي أن تفوقه القاري لم يكن سوى مرآةٍ عكست مركزيته، وأن الشفاء يكمن في قبول أنه ليس المركز، بل نقطة واحدة في دائرةٍ لا مركز لها. هذا هو التشخيص الذي لا تستطيع الفلسفة الأوروبية أن تكتبه بنفسها، لأن كتابته يعني نهاية مرضها… أو بداية فلسفة جديدة. فهل يكفي نقد التمركز على الذات وتشريع الاختلاف لكي تكف الفلسفة الغربية عن التعالي؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

ومرتكزاتها الفلسفية الجديدة لمواجهة التحديات العالمية المعقدة

يشهد القرن الحادي والعشرون تحولات معرفية وتكنولوجية غير مسبوقة، أبرزها الثورة الرقمية، والبيانات الضخمة، والتوسع بطفرة كبيرة في في تطبيقات الذكاء الاصطناعي بحلول العام 2023، وقد انعكست هذه التحولات على مختلف العلوم الطبيعية والاجتماعية، مما أدى إلى إعادة النظر في الأساليب المنهجية التقليدية، وكذلك إعادة صياغة أطر التفكير العلمي. ويعد علم الجغرافيا من أكثر العلوم ارتباطاً بهذه التحولات، والذي سعى باستمرار إلى فهم الظاهرة المكانية وعلاقاتها المتشابكة داخل المنظومة الكونية، نظراً لطبيعته التكاملية التي تجمع بين الظواهر الطبيعية والبشرية ضمن إطار مكاني واحد، ومن هنا تبرز الحاجة إلى تطوير إطار معرفي جديد قادر على استيعاب التحولات الرقمية المعاصرة. وفي هذا السياق تبرز نظرية تحديث العقل الجغرافي،

Updated Geographical Mind Theory (UGMT).

تنطلق النظرية من فرضية أساسية مفادها؛ أن مستقبل البحث الجغرافي يتطلب الانتقال من النماذج الوصفية التقليدية إلى نماذج تحليلية وتنبؤية تعتمد على؛ التكامل بين التفكير المكاني والنمذجة المكانية وتحليل البيانات الضخمة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي الجغرافي. انها محاولة معرفية لتطوير التفكير الجغرافي ضمن إطار فلسفي شمولي قادر على الانتقال بالجغرافيا من علم وصفي إلى علم استشرافي تنبؤي.

1. المدخل المفاهيمي للنظرية

1.1 أسسيات مفهوم النظرية:

ينطلق المفهوم من الإرث المعرفي الذي أسسه رواد الفكر الجغرافي، وفي مقدمتهم: (همبولدت) A.V. Humboldt، والذي ركز على فهم العلاقات بين الظواهر الطبيعية ضمن نظام كوني متكامل. و(لابلاش) P.V. Blache، حيث أكد على العلاقة الديناميكية/ المتغيرة بين الإنسان والبيئة. و(شيفر) F.K. Schaefer، الذي نقل الجغرافيا إلى مرحلة الثورة الكمية بأدخال الأساليب الرياضية والإحصائية إلى التحليل الجغرافي. ان هذه المراحل رغم أهميتها بقيت في إطار التفسير والتحليل الوصفي بدرجات متفاوتة. اما مرحلة التقنيات الرقمية والمعلومات المكانية بظهور تقنيات؛ الاستشعار عن بعد Remote Sensing)) ونظم المعلومات الجغرافية (GIS)، والتحليل المكاني (Spatial Analysis)، فقد؛ نقلت الجغرافيا إلى عصر التحليل المكاني الرقمي. وتأتي مرحلة الذكاء الاصطناعي الجغرافي الحالية، التي اتاحت تحليل كميات ضخمة من البيانات المكانية، باستخدام تقنيات التعلم الآلي/ العميقMachine/ Deep Learning) )، وتقنيات الذكاء الاصطناعي الجغرافي (GeoAI).

2.1 المبررات الأساسية للنظرية:

1.2.1 التحول الإبستمولوجي في الجغرافيا؛ يتطلب تحديث العقل الجغرافي تحولاً حقيقياً، ينتقل بموجبه علم الجغرافيا من الوصف والتوصيف إلى أداة تحليل استشرافي لبناء سيناريوهات مستقبلية.

2.2.1 التقنيات الرقمية وتحديث العقل الجغرافي؛ أدى التراكم الهائل للبيانات المكانية والزمنية الضخمة من مصادر متعددة الى جعلها؛ وقود معرفي للعقل الجغرافي، وقوة أساسية في فهم الظواهر المكانية، كما اتاح تحليلها بأساليب ديناميكية/ متغيرة بتقنيات GIS  و GeoAI؛ تحليل الأنماط المعقدة في البيانات المكانية.

3.2.1 التفكير المكاني والتحليل الاستشرافي، اتاح تكامل التفكير المكاني التقليدي مع أساليب التحليل الرقمي الحديث، انشاء نماذج التنبؤات المكانية/ الزمنية المستقبلية للظواهر، وذلك عبر؛ تطبيقات النماذج الرياضية والإحصائية المتقدمة، وخوارزميات عمليات Machine/ Deep Learning للنماذج التوليدية المتقدمة ضمن تقنيات GeoAI.

2. الخلفية العلمية العالمية

تتجسد هذه الخلفية بالتجارب الأكاديمية العالمية لتحديث الجغرافيا الرقمية، ومن ابرز (تجارب البحث العلمي) الهادفة لتحديث العقل الجغرافي بأعتماد؛ تقنيات GIS، وBig Data، وتقنيات (AI)، في الجامعات العالمية ما يلي:  .[EduRank.org]

1.2 الولايات المتحدة الأمريكية، في جامعة فلوريدا، تجمع التجارب الجغرافية البحثية بين؛ علم الاستشعار عن بعد، والذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي لتحليل أنماط البيانات المكانية، مما يسهم في نقل الجغرافيا من مجرد توصيف المكان إلى تحليل استشرافي للظواهر البيئية والاجتماعية. [www.geog.ufl]

2.2 كندا، في جامعتي تورنتو، وبرتش كولومبيا، تقوم برامج الجغرافيا وعلوم البيانات المكانية، بتطبيق تقنيات (AI) على البيانات الجغرافية الضخمة لتحليل؛ الأنماط السكانية والاستدامة البيئية وإدارة الموارد الطبيعية، مما يدعم رؤية جديدة للعقل الجغرافي الذي لا يقتصر على الوصف بل يمتد للتنبؤ. [www.utoronto.] ، ww.geog.ubc.]

3.2 المملكة المتحدة (بريطانيا)، في جامعة نيوكاسل، يقوم برنامج الماجستير في الذكاء الاصطناعي الجغرافي؛ بالمزج بين (الهندسة الجغرافية المكانية)، والبيانات الضخمة، وتقنيات (AI)، لحل المشكلات المعقدة في البيئة، والبنية التحتية. [www.ncl.ac.]

4.2 الصين، في جامعة وهان، التي تصنف ضمن المؤسسات الأفضل عالمياً في الاستشعار عن بعد والبيانات المكانية، تستخدم تقنيات (AI)، في تحليل صور الأقمار الصناعية، ونمذجة التغيرات الأرضية، مما يسهم في تطوير أدوات تنبؤية لتحليل الظواهر البيئية.  [www.en.whu.]

5.2 اليابان، تتميّز جامعة طوكيو وجامعة كيوتو، ببحوث الاستشعار عن بعد، وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، لتحليل البيانات البيئية والمكانية، خصوصاً في مجال إدارة الكوارث وتخطيط استخدامات الأراضي، مما يعكس تقدم التفكير الجغرافي المرتبط بالتقنيات الرقمية المتطورة.

[www.kyoto-u.ac.] ، [www.csis.u-tokyo.ac.]

6.2 أستراليا، في جامعة نيو ساوث ويلز، يقود مركز انوفاشن للبحث "الجغرافي المكاني" ؛ بحوثاً في نماذج المدن ثلاثية الأبعاد، والتوائم الرقمية، ونظم المعلومات الجغرافية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، مما يمثل تحوّلاً معرفياً عملياً في فهم وتحليل البيئات الحضرية. [www.unsw.edu.]

7.2 روسيا، الجامعة التقنية (مركز أروتسك الوطني)، تنخرط في مشروعات التصميم الجغرافي الذكي، واستخدام الطائرات بدون طيار في استكشاف الموارد، كجزء من تحديث التطبيقات الجغرافية في الصناعة. [www.istu.edu.]

3. المرتكزات الفلسفية للنظرية

1.3 الفلسفة الشمولية للنظرية تقوم على؛

اعتبار اي ظاهرة جغرافية (مناخ، موارد، مياه، سكان، مدن، اقتصاد، نقل) ظاهرة مترابطة ضمن منظومة واحدة، ولا يمكن فهمها بمعزل عن غيرها.

2.3 التحول الإبستمولوجي؛

بإعادة صياغة العقل الجغرافي، عبر التركيز على (العلاقة بين الإنسان والمكان والتكنولوجيا)، للانتقال من الجغرافيا الوصفية إلى الجغرافيا التحليلية ثم التنبؤية.

3.3 البعد الرقمي؛

بإدخال التقنيات الرقمية بوصفها أدوات تأسيسية في إنتاج المعرفة، وليس مجرد أدوات مساعدة، ومنها تقنيات؛ (Big Data) و(GeoAI) و(GIS) و(R.S).

4.3 الإطار المفاهيمي للاصطلاح العلمي للنظرية:

النظرية؛ منظومة معرفية تحليلية رقمية، تقوم على التكامل بين التفكير المكاني الكلاسيكي والتقنيات الرقمية المتقدمة. وتستهدف تحديث آلية التفكير الجغرافي من الوصف المكاني إلى التحليل التفسيري، بالتركيز على النمذجة التنبؤية للاستشراف الديناميكي المستقبلي ضمن إطار منظومي شامل.

وحالياً لايوجد بالاسم الصريح محتوى عالمي موحد لهذه المنظومة، بأعتبارها (نظرية) أكاديمية معترف بها دولياً، وبكل اللغات تحت المسمى الدقيق؛ (نظرية تحديث العقل الجغرافي)، Updated Geographical Mind Theory (UGMT).

والعقل الجغرافي المحدث؛ مزيج بين مفهومين منفصلين؛ (نظرية العقل) و(الفكر الجغرافي المعاصر). وهو؛ مصطلح حديث جداً. وربما اشير الية ضمنا في سياق أبحاث أكاديمية محددة أو مؤتمرات علمية. ولا تتوفر في المصادر الأكاديمية المفتوحة أو قواعد البيانات الشائعة؛ دراسات أو أبحاث مسجلة صراحةً تحت مسمى (نظرية تحديث العقل الجغرافي) كاصطلاح علمي مستقر، ومع ذلك تركز الاواق البحثية المتاحة على؛ محاور الفكر الجغرافي والتكامل المعرفي، وبسياق تحديث الأداء الوظيفي للجغرافيا عبر بناء رؤية معرفية شاملة تدمج بين الجغرافيا الطبيعية والبشرية، مع التركيز على الهوية الفكرية للجغرافيا في ظل التحديات المعاصرة والإدراك الجغرافي للواقع.

4. البناء النظري لنظرية تحديث العقل الجغرافي

1.4 جوهر النظرية:

هي؛ (نظرية فكرية – معرفية تهدف إلى تطوير طريقة التفكير الجغرافي المعاصر، عبر دمج التقنيات الرقمية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي والنماذج المكانية المتقدمة في تحليل الظواهر الطبيعية والبشرية). وما يميز التحديث في هذه النظرية وجود حاجة إلى؛ تحديث الفكر الجغرافي المعاصر أثر الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي في العلوم المكانية، مع التركيز على كيفية تحديث الذهنية الجغرافية بحيث ينتقل العقل الجغرافي من الوصف التقليدي إلى التحليل الديناميكي التنبؤي، والقائم على معطيات التحول المعرفي والتكامل التقني.

2.4 أبعاد النموذج المفاهيمي لبنية النظرية:

1.2.4 البعد الإدراكي المكاني، الذي يحافظ على التفكير المكاني بوصفه الأساس المعرفي للجغرافيا.

2.2.4 البعد التحليلي الكمي؛ باستخدام النماذج الرياضية والإحصائية ومنها؛ الانحدار المكاني (Spatial Regression)، والنماذج الاحتمالية (Probabilistc Models)، والاقتصاد القياسي المكاني Spatial Econometrics)).

3.2.4 البعد الرقمي الذكي؛ بدمج خوارزميات عمليات Machine/ Deep Learning للنماذج التوليدية المتقدمة ضمن تقنيات GeoAI، لتحليل الأنماط المكانية المعقدة.

4.2.4 البعد الاستشرافي؛ ببناء نماذج تنبؤية وسيناريوهات مستقبلية، ومحاكاة مكانية/ زمنية.

5. الصياغة الكمية للنظرية

1.5 النموذج الرياضي للنظرية:

يمكن تمثيل النموذج الرياضي للنظرية بمعادلة الفلسفة الكلية (Holistic philsophy) الاتية:

( UGM = (ST + SM + BD + AI) × SH )2534 majeed

2.5 العلاقات بين متغيرات النموذج الرياضي:

تتمثل بمعادلة مستوى تحديث العقل الجغرافي  UGM(Updated Geographical Mind)، و(بجمع) كل من؛

تكامل التفكير المكاني ST ((Spatial Thinking،

والنمذجة المكانية SM Spatial Modeling))،

والبيانات الضخمة المكانية BD (Big Geospatial Data) ،

والذكاء الاصطناعي الجغرافي AI (GeoAI).

(مضروباً) في الفلسفة الشمولية (للنظام الجغرافي) SH (Systemic Holism).

3.5 النموذج التطبيقي المتقدم للنظرية:

يمكن تحويل النموذج الرياضي للنظرية إلى (نموذج خطي)؛ حيث تمثل (المعاملات) الأوزان النسبية لتأثير كل متغير، وتشير (الدالة f) إلى العلاقة التفاعلية بين هذه المتغيرات. وكعامل مضاعف للنموذج بهدف إدخال البعد الفلسفي الشمولي للنظرية يتم؛ تقدير هذه المعاملات باستخدام أدوات التحليل الإحصائي، ومنها؛ الانحدار المكاني وتحليل الانحدار متعدد المتغيرات والاقتصاد القياسي المكاني.

α  = ST  معامل تأثير التفكير المكاني

β = SM  معامل تأثير النمذجة المكانية

γ  = BD   معامل تأثير البيانات الضخمة

δ  = AI   معامل تأثير الذكاء الاصطناعي

SH = درجة التكامل المنظومي بين المتغيرات الجغرافية.

6. الإضافة العلمية للنظرية

1.6 الإضافة العلمية المعرفية والنوعية للنظرية:

1.1.6 صياغة نظرية متكاملة للعقل الجغرافي في عصر الذكاء الاصطناعي، بدمج الفلسفة الجغرافية مع علوم البيانات والذكاء الاصطناعي.

2.1.6 إعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان والتكنولوجيا، في إطار ذكاء مكاني تكاملي.

3.1.6 دمج البيانات البيئية والاجتماعية ضمن إطار تحليلي واحد.

4.1.6 تطوير نموذج رياضي مفاهيمي للجغرافيا المعاصرة، لتحويل الجغرافيا إلى علم تنبؤي قادر على إدارة الأزمات العالمية.

5.1.6 تأسيس لمفهوم "الجغرافيا الاستشرافية" كمجال علمي فرعي مستقل، والتي تعتمد على النماذج التنبؤية لتحليل المستقبل المكاني.

7. التطبيقات العملية للنظرية

1.7 مستويات التطبيقات العملية للنظرية:

7. 1.1 المستوى الأكاديمي، بتحويل مناهج أقسام الجغرافيا إلى مناهج هجينة تجمع بين؛ علوم البيانات، والبرمجة، والتحليل المكاني المتقدم.

7. 2.1 المستوى التطبيقي للنموذج الرياضي للنظرية في؛ المدن الذكية (التكامل المنظومي للنظام الحضري)، وذلك بدمج عناصر النظرية الأساسية في منظومة التحليل المكاني الحضري، وبأعتماد تقنيات؛ GeoAI، في تحليل أنماط النمو الحضري. والنمذجة المكانية، لدعم تخطيط وإدارة المدن الذكية وتحسين إدارة الموارد والنقل والطاقة. وكذلك النمذجة المكانية التنبؤية (Predictive Spatial Modeling) لتوقع مستويات الضغط على البنى التحتية، وبناء سيناريوهات مستقبلية مثل توسع المدينة خلال 20 سنة.

7. 3.1 المستوى المحلي والعالمي، بالمساهمة في تحقيق أهداف التنمية المستدامة، بعملية النمذجة المكانية التنبؤية لكل من؛ استدامة وإدارة الموارد الطبيعية بتحليل البيانات المكانية والمناخية. وتصميم حلول لإدارة موارد المياه، وتحليل المخاطر البيئية والتغير المناخي. وفهم توزع السكان وتأثيره على الصحة العامة، والتنبؤ بتفشي الأمراض.

8. التحديات العلمية والمعرفية

1.8 تحديات تحديث العقل الجغرافي:

التحديات المعرفية والتقنية والأخلاقية التي تواجه تحديث العقل الجغرافي، تتمثل بكل من؛ مشكلات تكامل البيانات من المصادر المتعددة، وخصوصية البيانات، وتفسير نماذج الذكاء الاصطناعي، ونقص المعايير الدولية الموحدة.

9. آفاق البحث الجغرافي المستقبلية بدلالة النظرية

تشير الاتجاهات العلمية الحديثة إلى أن مستقبل الأبحاث الجغرافية ستتجه نحو: الجغرافيا الرقمية، والذكاء الجغرافي المكاني، وتقنية التوائم الرقمية (Digital Twins) للمدن، والنمذجة التنبؤية للأنظمة البيئية. وهذا ما يعزز أهمية تطوير إطار نظري مثل نظرية UGMT.

10. نتائج نظرية تحديث العقل الجغرافي

1.10. لم يعد تحديث العقل الجغرافي خياراً فكرياً، انما ضرورة حتمية لمواجهة التحديات المعقدة المعاصرة ومنها؛ (التغيرات المناخية، وإدارة الموارد المائية، والتخطيط الحضري، وعدم المساواة بين المجتمعات).

2.10. يتخطى هذا التحديث؛ الوصف الكلاسيكي وتوصيف الواقع الى عملية الدمج بين (التفكير المكاني التقليدي، والبيانات الضخمة، ونظم المعلومات الجغرافية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي الجغرافي).

3.10. يوسع التحديث نطاق المعرفة الجغرافية، ويعزز قدرتها بوصفها علماً استراتيجياً في مواجهة التحديات العالمية المرتبطة بالتغير المناخي والاستدامة والتنمية الحضرية بفاعلية ودقة وسرعة غير مسبوقة.

بذلك يتضح؛ ان نظرية تحديث العقل الجغرافي (UGMT)، ليست مجرد تطوير للأدوات، وحسن استخدام للتكنولوجيا الرقمية، وانما؛

(تحول معرفي شامل يعيد صياغة وظيفة الجغرافيا من علم يوصف المكان، إلى علم يصنع سيناريوهات/ توقعات او تصورات للمستقبل المكاني، عبر تطبيقات الذكاء الرقمي).

كما أن هذا العمل يمكن أن يكون (إسهاماً نظرياً جديداً في فلسفة الجغرافيا الرقمية).

***

د. مجيد ملوك السامرائي كاتب أكاديمي

..................

المراجع

1. An، Chenjin، Jinnan Wang، and Chenghu Zhou. 2025. “The Evolution and Current Landscape of AI in Geographical Research: A Large-Scale Systematic Review.” Geography and Sustainability 7 (1): 100392.

https://doi.org/10.1016/j.geosus.2025.100392.

2. Wang، Jianghao، and Song Gao. 2024. “Mapping the Landscape and Roadmap of Geospatial Artificial Intelligence (GeoAI) in Quantitative Human Geography: An Extensive Systematic Review.” Journal of Geographical Systems.

https://doi.org/10.1016/j.jag.2024.103734.

3. Mai، Gengchen، Krzysztof Janowicz، Song Gao، and Bo Yan. 2020. “A Review of Artificial Intelligence for Geographic Information Science (GeoAI).” International Journal of Geographical Information Science 34 (no. 11). https://doi.org/10.1080/13658816.2019.1684500.

علينا أن نُدرك بدايةً أن شهر رمضان ليس مُجرّد شعائر دينية تتمثّل بالعبادة، بل هو في حقيقة الأمر حالة إستثنائية فكرية وثقافية، أبدع كثيرٌ من الأدباء والفلاسفة من خلالها عبر العصور، سواء بالنصوص أو الدراسات، مّما جعل هذا الشهر الكريم موضوعاً مليئاً بالتحليل والتأمل والإبداع.

الجاحظ كتب عنه في البخلاء، وابن خلدون في مقدمته كتب حول الصيام وتأثيره على النفس والمجتمع، وأبو حامد الغزالي في كتابه إحياء علوم الدين، وصف الصيام بأنه رؤية روحانية، معتبراً إيّاه بأنه مدرسة للتربية والأخلاق.

والأدباء كان لهم نصيبٌ كبير حول الصيام في رمضان، كتب عنه نجيب محفوظ في " خان الخليلي " و" زقاق المدق "، وما كتبه عكس على أجواء القاهرة طابعاً حميميّاً، مزج بين الاحتفالات الشعبية والعبادة، وتوفيق الحكيم ناقش في كتاباته كيف يعكس شهر رمضان طبيعة المجتمع وتغيراته، كما أبدع أحمد شوقي ومحمود درويش وغيرهم كثير، في وصف ملامح المدن العربية خلال شهر رمضان.

إنّ الأديان ليست منعزلة ضد تأثير الحداثة، فقد تأثّرت بالفعل بعدة طرق وأساليب إيجاباً وسلباً.

إنّ عاداتنا في شهر رمضان الكريم سابقاً، وفي زمن آبائنا وأجدادنا مختلفة تماماً عمّا تسلكه الأسرة اليوم في رمضان، حتّى المائدة الرمضانية اختلفت كثيراً، حيث يشوبها البذخ عند الكثير من الصائمين.

إن العادات والتقاليد في شهر رمضان هي انعكاس جميل لجوانب حياتنا الاجتماعية، فمن خلالها نعيد تقييم العلاقة مع الخالق، والزيارات وصلة الرحم، والسؤال عن الأقرباء والأصدقاء، والاهتمام بالجار، والمبادرات والمشاريع الخيرية، والتبرع بوجبات الإفطار التي تسمو من خلالها القيم الروحية والانسانية، والتي هي جزء أساسي في الثقافة الإسلامية، فهل نحن ملتزمون بهذه العادات والقيم ؟.

إن الموروث الديني يرتبط مباشرة بالنصوص القرآنية والسنّة وسيرة الصيام وآدابه.

أمّا الموروث الاجتماعي والذي يتعلّق بعادات الإفطار والولائم والمسحراتي والزينة، كلّها انتابها العديد من الشوائب في عصرنا الحالي.

حتّى التمثيليات والمسلسلات الرمضانية، معظمها زائف ومشوّه، حتّى في الجانب الفني، إن كان من ناحية الكلمات أو السرد التاريخي، أو الأداء، قياساً على كل أصناف الفنون المبدعة والهادفة في القرن الماضي.

في عصرنا الراهن يُخيّم اقتصاد السوق حتّى في شهر رمضان، حيث مجرّد أن يدخل اليوم الأول من رمضان حتّى ترتفع الأسعار بشكلٍ غير طبيعي، وليس هناك أي سببٍ وجيه لذلك، سوى الجشع والفساد والاستغلال.

ومن ناحية أخرى، نرى أن الفردية والانعزال تسود في هذا العصر، حيث تتجسّد أمامنا ظاهرة الفردية، بحيث نرى أن كلّ فردٍ يهتم بنفسه، دون أي التفاتةٍ للآخرين، وتتأكّد لدينا أن الحميمية والمودة التي كانت سائدة، نفتقدها الآن بصورتها الجليّة.

ولو أحببنا أن نتناول الأمور على حقيقتها بشكلٍ أشمل، نرى أن التوتّر يسود، بحيث تحوّل الإفطار من تعبّد تسوده البساطة، إلى موسمٍ استهلاكي، وتراجع البعد الروحي، لتسود الطقوس الاجتماعية المبتذلة، إضافة إلى ضغط ولائم البذخ التي تتوالد من خلال عباءة المظاهر والإلزام.

فجوهر رمضان هو الزهد والتقشف والعدالة الاجتماعية والتأمّل، هذا الجوهر حلّ مكانه في عصرنا، الاستهلاك والإسراف والتفاخر الطبقي والإنشغال بالترفِ الإعلامي والمسلسلات.

إن الزمن المُقدّس في الوعي الديني هو ليس مجرد إطاراً، بل هو يعني بصريح العبارة كثافة معنوية، يتكثّف فيها الإيمان، ويُعاد من خلالها ترتيب العلاقة بين الإنسان وذاته والعالم.

رمضان في ماهيّته هو زمن إقناعٍ وتامّلٍ وتزكية.

لكن عندما يدخل هذا الزمن في المجال الاجتماعي، يتحوّل المعنى تدريجياً من تجربةٍ روحية، إلى مناسبةٍ اجتماعية.

رمضان زمناً للتقشّف وموسماً للتكافل، ولحظة روحية لإعادةِ ضبط القيم، أمّا في وقتنا الراهن الحديث، فهو موسماً إعلامياً، وحدثاً اقتصادياً، ومنصّة للظهور والمظاهر الاجتماعية.

إنّ الطقوس الاجتماعية الحديثة مثل الولائم والزينة والبرامج التلفزيونية والمسلسلات على الفضائيات، خطرها يكمن في انقلاب الوسيلة على الغاية.

فحينما يُهيمن البعد الاجتماعي، يتحوّل تلقائياً الزمن المقدس إلى " مسرحٍ رمزي " تُعاد فيه عملية إنتاج الهوية، وليس بالضرورة تعميقها.

رمضان لم يعد شهر صيامٍ فقط، بل أصبح وبشكلٍ شائع موسماً تسويقياً، ودورة للإنتاج الفني والإعلاني، وظاهرة لحالة الاستهلاك الكثيف.

وهذا الوضع يُسمّى عند علماء الاجتماع " علمنة الطقس "، أي إدخاله في منظومة السوق دون إعلان أي قطيعة مع قدسيته.

وبالمحصّلة نجد أن رمضان هو قيمة روحية، والإفطار عبارة عن حدثٍ اجتماعي استعراضي.

القداسة لا تُفقد بسهولة، ولكنها قد تتراجع إلى الهامش، وهذه الحالة نراها حينما نتساءل:

- ماذا سنعدّ للإفطار؟.

بدلاً من:

- ماذا غيّر الصيام فينا؟.

نحن هنا ننتقل من " زمن التحوّل الداخلي " إلى " زمن الأداء الاجتماعي ".

ومع ذلك لا يمكننا اختزال هذا الواقع في نقدٍ سوداوي، فالمناسبة الاجتماعية قد تكون تعميقاً للتضامن، وإحياءً للذاكرة الجماعية، وتقوية للروابط الأسرية.

وعملياً الفكر النقدي المعاصر لا يدعو إلى هدم الموروث، بل يعمل إلى تحريره من التضخم.

ومن خلال هذا المفهوم بالإمكان إعادةِ ترتيب الأمور من خلال:

استعادة البعد التأمّلي للصيام، وتقليص المبالغة الاستهلاكية، والتمييز بين العادة والمقصد.

فحين يصبح الزمن المقدّس مناسبة اجتماعية لا تزول قداسته، بل يلج في مفاوضات مع المجتمع، حيث أن التحوّل ليس سقوطاً، بل انتقالاً، من زمن العبادة الخالصة، إلى زمن العبادة المُمَسرحة اجتماعياً.

وبنفس الوقت نأخذ بعين الاعتبار، بأن رمضان المُعاصر يمرّ بمرحلة إعادةِ تعريف، كما أن الموروثات ليست جامدة، بل تخضع لإعادةِ تفسير، والتنوير لا يُلغي التراث، بل يُفكّكه ويُعيد بنائه.

إنّ طقوس المسحراتي والزينة والفوانيس والولائم الموسّعة، والدراما الرمضانية، وأنماط الزيارات الاجتماعية، والدورات الرياضية، وعادات الإفطار الجماعي، كل هذه الممارسات ليست عبادة بحدّ ذاتها، بل هي تعبير ثقافي حول العبادة ليس إلاّ.

المسحراتي هنا هو وسيلة لإيقاظ الإنسان للسحور، والولائم وسيلة للتكافل، لكن في السياق المعاصر ومع تأثير الإعلام والاقتصاد الاستهلاكي قد يتحوّل الإفطار إلى إستعراضٍ طبقي، والزينة إلى موسمٍ تجاري، والدراما والمسلسلات الرمضانية إلى مركز الاهتمام بدلاً من العبادة.

وأحياناً يصبح العرف الاجتماعي ضاغطاً وأقوى من المقصد، ويصبح " إلزام اجتماعي بحضور الولائم "،وإحراج من لا يلتزم وفق مظاهرٍ لا وفق الجوهر.

وهنا تطفو تسمية " تديّن العادة لا تديّن الوعي ".

ليس كلّ الموروث سلبياً، بل له وظائف مثل " تعزيز الهوية الجماعية، وتقوية الروابط الأسرية، وحفظ الذاكرة الثقافية، وإضفاء بُعدٍ جمالي على الزمن المُقدّس ".

إن رمضان بلا ثقافة يبقى جافاً، ورمضان بلا روح يصبح فارغاً.

المشكلة ليست في وجود الموروث، بل في تحوّله من وسيلةٍ تخدم الروح، إلى بنيةٍ تضغط عليها.

ونعترف بأن رمضان يتأثّر أيضاً بالتحوّلات السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية في العالم العربي.

إنّ شهر رمضان الفضيل يُشكّل الزمن عنصراً بنيوياً في العمل السردي، وتُبنى الأحداث في إطاره، وتتشكّل الشخصيات من خلال إيقاعه.

في عدد من روايات نجيب محفوظ يتخذ من رمضان وظيفة تتجاوز زمن الأحداث، فهو يُستثمر لخلق مناخٍ نفسي واجتماعي خاص، حيث تتباطأ ايقاعات النهار، وتتوهّج الحياة ليلاً.

كما أن خصوصية اليوم الرمضاني " تمنح الكاتب بُنية إيقاعية جاهزة لتقسيم السرد، فالنهار غالباً ما يُصور بوصفه زمن الصبر والكتمان، بينما يتحوّل الليل إلى زمن انكشاف واعتراف وحركة اجتماعية، هذا التناوب الإيقاعي يخلق ثنائية رمزية بين الظاهر والباطن، بين الجوع الجسدي، والامتلاء الروحي، وهو ما يُثري البناء الدلالي للنص.

يتجسّد رمضان في الشعر العربي الحديث بوصفه تجربة رمزية تتجاوز البعد الطقسي إلى أفق تأمّلي عميق، حيث يتحول الصوم من فعل اقناعٍ جسدي، إلى استعارة كبرى للتطهّر والانتظار والمكابدة، فالأديب لا يتعامل مع الشهر باعتباره زمناً محدداً في السنة، بل بوصفه حالة وجودية تقيّد الصراع بين المادة والروح، وبين الرغبة والانضباط.

في بعض التجارب الأدبية يتقاطع الصوم مع فكرة المقاومة الرمزية، فالجوع يصبح اختياراً وليس قهراً، والصبر يتحوّل إلى فعلٍ سيادي يؤكّد حرية الذات.

ومن زاوية أخرى، يتقاطع الحضور الرمضاني مع الإرث الصوفي، في مفهوم " جماليات الجوع "، حيث يُنظر إلى الامتناع بوصفه طريقاً إلى المعرفة، التجربة الروحية هنا ليست انسحاباً من العالم، بل إعادة تعريف للعلاقة به، الجوع يصبح وسيلة لاختبار حدود الرغبة، والصمت يتحول إلى فضاء إنصاتٍ داخلي.

لا يمكن فهم الصيام في الأدب والفكر الحديث بوصفه مجرد امتناع جسدي من الطعام والشراب، بل بوصفه ممارسة فلسفية تُعيد تعريف وترميم العلاقة بين الإنسان ورغباته، فالامتناع في جوهره هو اختياراً وليس نقصاً، هو قدرة وليس عجزاً على ضبط الذات، ومن هنا تؤسس فلسفة الامتناع على أنها أو بوصفها موقفاً وجودياً، قبل أن تكون شعيرة دينية.

إن الحرية لا تتحقق فقط عبر الفعل فحسب، بل أيضاً عبر القدرة على عدم الفعل، فالإنسان الذي يستطيع أن يقول " لا " لرغباته، يؤكّد سيادته عليها، بهذا المعنى يصبح الصوم تمريناً على السيادة الداخلية، حيث يتحوّل الجسد من مصدر إملاء إلى مجا انضباط.

ومن خلال ذلك تتجسّد أمامنا رؤية الصيام في القراءة الفلسفية، على أنه لحظة وعي مركّزة، يُختبر فيها معنى الحرية والانضباط والمعرفة والكرامة الإنسانية.

ومن ناحية أخرى، نرى أن رمضان تحوّل من زمنٍ روحي قائم على الزهد والتهذيب إلى موسمٍ استهلاكي مُكثّف.

تُشير الاحصائيات في المجتمعات العربية إلى إرتفاع معدّلات الإنفاق الغذائي في رمضان بشكلٍ ملحوظ، المفارقة هنا واضحة، شهر الصيام يتحوّل إلى موسم موائد فائضة، وإعلانات مُكثّفة وعروضٍ تجارية، وهنا يُمكننا أن نتساءل:

" كيف انتقلنا من فلسفة الامتناع إلى ثقافة الإمتلاء "؟.

الدراما، الإعلانات، البرامج الترفيهية، المسلسلات الرمضانية، كلها أسهمت في إعادة تشكيل صورة رمضان، بوصفه موسماً إعلانياً تجارياً واستهلاكيّاً، ولم يعد الشهر فقط زمن عبادة، بل أصبح منصة تنافس اقتصادي واستهلاكي وإعلاني.

حتّى القيم الدينية نفسها تدخل أحياناً في منطق السوق، حملات خيرية ذات طابع دعائي، منتجات رمضانية مُخصّصة، توظيف الخطاب الديني في التسويق، إنها جدلية خطيرة، فهل يُختزل المقدس في صورةٍ قابلةٍ للبيع.

ليس المطلوب إدانة المجتمع، بل فهم التحوّل، فربما لا يعني الاستهلاك زوال القداسة، بل تحوّل شكلها، وربما يصبح التحدي الحقيقي " كيف نحمي البعد الروحي من الذوبان الكامل في الاقتصاد الرمزي للسوق ".

رمضان أمام مفترق طرق، إمّا أن يبقى زمناً لتقليل الرغبة، أو يتحوّل إلى موسمٍ لتعظيمها، وأمام كل مثقف سؤال أيضاً " هل نقرأ هذه الظاهرة على أنها انحرافاً، أم تطوراً ثقافياً يحتاج إلى إعادة توجيه " ؟.

المشكلة لا تكمن في العالم المادي فقط، بل في قابلية التجربة الرمضانية نفسها، لأن تختزل في مظاهر " موائد، برامج، منشورات، طقوس اجتماعية "، عندما يتحوّل الشهر إلى أداءٍ اجتماعي، يفقد طاقته التحويلية.

المعنى لا يُنتج من الشكل، بل من الوعي بالشكل، الفرق بين من يصوم عادةً، ومن يصوم وعياً، هو الفارق بين طقس يتكرر، وتجربة تُغيّر.

المعنى لا يموت، لكنه يختبىء، ورمضان في عالمٍ مادّي صاخب، قد يكون آخر الفضاءات التي تُذكّر الإنسان بأنه أكثر من جسدٍ مستهلك وصورة عابرة.

إذا أردنا لرمضان أن يستعيد قدرته على إنتاج المعنى، علينا أن نخرجه من كونه موسماً، ونعيده إلى كونه إختباراً، اختباراً لصدقنا، لا لقدرتنا على الاستعراض، اختباراً لتحررنا من الرغبة، لا لمهارتنا في تزيينها.

رمضان لم يُشوّه فجأة أو صدفةً، بل جرى تدجينه، نحن فتحنا كل الأبواب، وجعلنا من رمضان موسماً ذهبياً للإعلانات، وذروة سنوية لصناعة الدراما، وساحة تنافس في البذخ الاجتماعي.

المفارقة ليست في وجود المسلسلات، بل في أن تصبح الحدث، بينما يتحوّل الصيام إلى خلفيةٍ صامتة.

رمضان لا يفقد معناه لأن الآخرين يسيؤون استخدامه، بل لأنه يكشف هشاشتنا، يكشف أننا نريد الطقس بلا تحوّل، والشعور بلا التزام، والروحانية بلا ثمن.

الصيام ليس حرماناً من الطعام، بل حرماناً من الهيمنة التي تمارسها الرغبة فينا وعلينا.

رمضان ليس موسماً للعرض، إنه إختبار للصدق، ومن لا يحتمل الصدق، سيحوّل كلّ مقدسٍ إلى ديكور.

المؤسسات الإعلامية لم تكتفِ بتغطية الشهر الفضيل، بل حوّلته وأعادت تشكيله إلى " موسمٍ ذهبي " للإعلانات، وإلى ساحة تنافس محموم على نسب المشاهدة، وفجأة يصبح الصيام خلفية إنتاج، ويغدو الآذان فاصلاً إعلانياً، وتتحوّل الروحانية إلى ديكورٍ بصري، داخل استوديو مضاء بإفراط.

الدراما الرمضانية ليست مجرد ترفيه عابر، إنها صناعة كاملة تقوم على تكثيف الاستهلاك في أكثر اللحظات ادعاءً للتقشّف.

ملايين تُنفق ببذخ باسمِ " الموسم "، بينما يفترض أن يكون الشهر تمريناً على تقليل الرغبة، لا تضخيمها، هكذا يُعاد تعريف رمضان، ليس زمن مراجعة، بل ذروة سوقية سنوية.

حتّى المؤسسات الدينية تتحمّل نصيبها من الأزمة، حين يتحوّل الخطاب الديني إلى تكرار وعظي بلا مساءلة عميقة، حين يُختزل الصيام في أحكامٍ فقهية تقنية، حين يُستبدل سؤال " لماذا نصوم " بسؤال " ما الذي يُفطر "، فإن الدين يُختزل في شكله، ويُترك جوهره فارغاً.

الخطاب الذي ينبغي أن يهزّ البنية الاستهلاكية، يتعايش معها، ويباركها بصمت.

هذه ليست أزمة أفراد " منافقين "، بل أزمة مؤسسات أعادت صياغة المقدس وفق منطق العرض، الإعلام يبحث عن الربح، وحين لا يجد أمامه خطاباً دينياً نقدياً قوياً، يعيد توجيه البوصلة ويصبح السوق هو المرجع.

فهل تخشى المؤسسات الدينية خطاباً يُقلق نمط العيش السائد ؟، وهل يخشى الإعلام وتجار الشهر والسوق فقدان بريق الموسم، لو استعاد الشهر هدوءه الأصلي؟.

تواطؤ بين سوقٍ يريد الربح، وخطاب ديني لا يريد الصدام، ومجتمع لا يريد تعكير مزاجه.

والحقيقة القاسية، المُقدّس لا يُسلب إلاّ حين نقبل نحن تدجينه.

***

د. أنور ساطع أصفري

يريد أحمد تأمينًا جيدًا لسيارته، فيتعاقد مع الشركة التي سمع اسمها أكثر من غيرها. كما تعلم مارتا أن مدخراتها غير كافية لتكملة معاشها التقاعدي، لكنها خلال تخفيضات الجمعة السوداء قررت إنفاق مبلغ كبير من المال على هاتف ذكي من أحدث طراز.

أما أسعد، القلق على صحته، فقد كان ينوي ارتداء كمامة عندما ذهب إلى المسرح مع أصدقائه، لكن بما أن أحدًا لم يكن يرتديها، انتهى به الأمر إلى عدم ارتدائها هو أيضًا.

تُظهر هذه الأمثلة جميعها أن علم النفس يؤثر بوضوح في الاقتصاد، وأن البشر في كثير من الأحيان لا يتصرفون ولا يتخذون قراراتهم بطريقة عقلانية بالكامل كما تفترض النظرية الاقتصادية الكلاسيكية، التي تُختزل في نموذج "الإنسان الاقتصادي".(Homo economicus

يفترض هذا النموذج أننا، عند اتخاذ القرارات، عقلانيون تمامًا. وهذا يعني أننا: قادرون على تحليل كل المعلومات ذات الصلة. ونختار الخيار الذي يحقق لنا أكبر منفعة شخصية (كالمال أو الراحة وغيرها).

لكن الأدلة التجريبية تظهر أن البشر لا يتخذون قراراتهم بهذه الطريقة. فكثيرًا ما لا نحلل كل المعلومات المتاحة، ولا نحسن تحليلها أصلًا، لأننا إحصائيون حدسيون ضعفاء. إضافة إلى ذلك، نحن كائنات اجتماعية، لذلك تتأثر قراراتنا بما يفعله الآخرون؛ ومن هنا نشأ مفهوم الاقتصاد السلوكي.

في قراراتنا اليومية كثيرًا ما نسترشد بما يسمى الاستدلالات الذهنية (Heuristics) ، وهي اختصارات عقلية واعية أو غير واعية تسمح لنا باتخاذ قرار بسرعة، مع قدر قليل من البحث عن المعلومات، ولكن مع درجة معقولة من الدقة.

غالبًا ما تنجح هذه الاختصارات، لكنها في أحيان أخرى تقودنا إلى أخطاء أو انحيازات معرفية. وقد تمكن الاقتصاد السلوكي من تحديد أكثر من مئة انحياز معرفي مختلف.

في الأمثلة التي وردت في بداية المقال: تأثر أحمد بانحياز التوافر، فاختار الشركة التي سمع عنها أكثر بدلًا من تحليل أيها الأفضل. ووقعت مارتا في انحياز الحاضر؛ إذ قللت كثيرًا من قيمة فوائد التقاعد المستقبلية، ورفعت في المقابل قيمة الاستهلاك الحالي. أما أسعد فقد خضع لـ تأثير القطيع، متأثرًا بسلوك الآخرين.

لقد نشأ الاقتصاد السلوكي منذ سبعينيات القرن العشرين، في مقابل الاقتصاد الكلاسيكي، وهو يجمع بين علم النفس والاقتصاد. ويُعد الحاصل على جائزة نوبل دانيال كانيمان مع عاموس تفرسكي من أبرز مؤسسيه. وقد أجرى العالمان عددًا كبيرًا من التجارب لوضع أسس هذا المجال. ويعد كتاب كانيمان «التفكير، السريع والبطيء» من الكتب الأكثر مبيعًا التي تعرض أفكارهما بأسلوب مبسط.

وقبل ذلك كان هناك أيضًا الحائز على نوبل هربرت سايمون (1956) بمفهوم العقلانية المحدودة. فالعقل البشري لديه حدود في المعرفة والوقت والقدرة الحسابية، لذلك نميل إلى اتخاذ قرارات سريعة و«جيدة بما يكفي»، وهو ما يسمى بالسلوك المرضي أو المُرضي (Satisficing).

فهل الانحيازات شيء سيئ؟ ليس بالضرورة. فوفقًا لمقاربة "السريع والبسيط" (Fast and Frugal) التي طرحها الباحث غيرد غيرينزر، لا تُعد الاستدلالات الذهنية مجرد اختصارات غير عقلانية تقود إلى قرارات سيئة. بل على العكس، قد تكون مفيدة لأنها تتيح اتخاذ قرارات دقيقة نسبيًا بأقل جهد ممكن.

بل إن بعض علماء النفس التطوري يرون أن هذه الاستدلالات والانحيازات ساعدت البشر على البقاء عبر التاريخ. فهي ليست عيوبًا في تصميم العقل، بل خصائص تصميمية.

فأسلافنا الذين رأوا ظلًا مريبًا في عشب السافانا وفرّوا فورًا باستخدام اختصار الهروب تمكنوا من النجاة (حتى لو كان الخطر أحيانًا وهميًا). أما أولئك الذين حاولوا تحليل كل المعلومات قبل اتخاذ القرار الأمثل فلم تتح لهم الفرصة لنقل جيناتهم.

قد تدفعنا التطورات الأخيرة في الذكاء الاصطناعي إلى الاعتقاد بأننا نستطيع استخدامه كمستشار أو مساعد لتحسين قراراتنا (مثل المستشارين الماليين الآليين)، لأنه غير بشري ولا يمتلك انحيازاتنا.

لكن الحقيقة أن أنظمة الذكاء الاصطناعي لديها أيضًا انحيازات. فبعضها، مثل الانحياز التاريخي، يأتي من البشر أنفسهم، لأن البيانات التي تُدرَّب عليها الأنظمة تحتوي على تحيزات بشرية. وهناك أيضًا انحيازات أخرى تظهر أثناء بناء النماذج، مثل انحياز التمثيل.

فإذا لم تستطع هزيمة خصمك، فلماذا لا تتحالف معه؟ هذا ما تقترحه نظرية الدفعة (Nudge) التي طورها الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2017 ريتشارد ثالر. ففكرة «هندسة الاختيار» تقضي بتصميم بيئات اتخاذ القرار بطريقة تجعل الخيار المرغوب (غالبًا من قبل الجهات العامة) هو الخيار الأكثر احتمالًا، وذلك باستخدام الانحيازات السلوكية لصالحنا.

لا يتم إجبار الناس على شيء، بل يتم توجيههم بلطف، وهو ما يسميه ثالر "الأبوية التحررية". فعلى سبيل المثال، إذا جعلنا الخيار الافتراضي في بيئة القرار هو الخيار الذي نريد أن يختاره الناس، فإننا نستفيد من انحياز الوضع القائم ومن ميل البشر إلى التسويف ليكون هذا الخيار هو الأكثر اختيارًا.

وبفضل هذا الإجراء البسيط تمكنت سلطات عدة دول من تحقيق نتائج مهمة، مثل زيادة ادخار العمال للتقاعد. إذ أصبح الخيار الافتراضي هو اقتطاع جزء من الراتب لصالح صندوق ادخار، وكان على العامل أن يغيّر هذا الخيار بنفسه إذا لم يرغب فيه.

كما استُخدمت الدفعات الاجتماعية لتشجيع توفير الطاقة في المنازل، وذلك عبر إضافة معلومات في فاتورة الكهرباء تقارن استهلاك الأسرة باستهلاك جيرانها، وتبيّن من يوفّر طاقة أكثر، في شكل يشبه المنافسة.

في النهاية، لسنا عقلانيين تمامًا كما افترضت النظرية الاقتصادية التقليدية. فكما يشير الاقتصاد السلوكي، فإننا بفضل اختصاراتنا الذهنية وانحيازاتنا وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم. ومن المفيد أن نعرف أيّ هذه الانحيازات يؤثر فينا أكثر، حتى نستفيد منها لصالحنا، وفي الوقت نفسه نتجنب الوقوع ضحية للتلاعب بها.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

ليس أخطر على العقل من تلك الطمأنينة الزائفة التي تمنحها العادة. فبعض الناس لا يدافعون عن الموروث لأنهم فهموه، بل لأنهم اعتادوه؛ ولا يتمسكون به لأنه ثبت لهم صدقه، بل لأنه وصلهم ممهوراً بختم الأسلاف. وهكذا يتحول التراث في أذهانهم من مادة للفهم إلى جدار يمنع الفهم، ومن تجربة إنسانية قابلة للنقد إلى يقين مغلق لا يجوز الاقتراب منه

ومن أغرب مفارقات العقل البشري أن بعض الناس يتحدثون عن الموروث بثقة عاليه، كأن مجرد الانتماء إليه يمنحهم سلطة تفسيره والدفاع عنه. يرفعونه في وجه السؤال كما ترفع الرايات في المعارك، لا ليُفهم، بل ليُحمى من الفهم. وهكذا يتحول التراث عندهم من تجربة إنسانية ثرية إلى حصن ذهنيّ مغلق، تمنع عند بواباته أسئلة العقل

غير أن التراث، في حقيقته، ليس نصا مقدسا، بل نص تاريخي كتبه بشر عاشوا ظروفا خاصه. وفكروا بأدوات عصرهم، وأجابوا عن أسئلة زمانهم. ومن الظلم للعقل أن نحوله إلى صنمٍ ذهني نطوف حوله دون أن نجرؤ على سؤاله.

إن المشكلة لا تكمن في التراث نفسه، فالتراث في جوهره ذاكرة الإنسانية وتجربة العقول التي سبقتنا. لكنه يصبح خطرا حين يختزل في صورة مقدسة لا يجوز الاقتراب منها. ففي تلك اللحظة يتوقف عن كونه معرفة، ويبدأ في التحول إلى سلطة. والسلطة حين تستقر في الفكر دون مساءلة لا تنتج علما بل تنتج طاعة. وتتحول سريعا إلى نوع من الجمود المعرفي.

إن احترام التراث لا يعني السجود له، بل يعني محاورته. فالعقل الحي لا يرث الأفكار كما يرث البيوت والأراضي، بل يعيد اختبارها في ضوء التجربة والمعرفة. وما كان من الموروث حكمة راسخة سيزداد قوة بالنقد، وما كان وهما أو مبالغة فسيسقط تلقائيا تحت ضوء السؤال.

لهذا كان السؤال هو أول فعلٍ فلسفي في التاريخ. منذ أن وقف الإنسان القديم متسائلا أمام الكون، بدأ طريق المعرفة. فالعقل الذي لا يسأل لا يفكر، والعقل الذي لا يفكر لا يضيف إلى التراث شيئا، بل يكتفي بتكراره كما يكرر الصدى الصوت. ولعل المأساة الفكرية الكبرى في كثير من مجتمعاتنا ليست في وجود التراث، بل في طريقة التعامل معه. إذ يستدعى أحيانا بوصفه نهاية التفكير لا بدايته، وبوصفه جوابا نهائيا لا تجربة قابلة للفهم والنقد. وهنا يفقد التراث روحه الحقيقية. لانه نتاج اجتهادات وتأويلات سابقه

إن التراث الحي هو الذي يدخل حوارا دائما مع العقل المعاصر، لا الذي يتحول إلى منطقة محرمة. فالأفكار التي لا تحتمل النقد لا تستحق البقاء، والأفكار العميقة لا تخشى السؤال، لأنها تعلم أن الحقيقة لا يهددها التفكير، بل يهددها الجمود.

ومن هنا فإن العقل الذي يراجع ويحلل وينقد لا يهدم التراث كما يظن البعض، بل يعيد إليه حياته. فالمعرفة لا تزدهر بالحفظ وحده، بل بالبحث؛ ولا تبقى حية بالتكرار، بل بالوعي. فالتراث الذي نحبه حقا هو التراث الذي نملك الشجاعة لقراءته بعين مفتوحة، لا بعين مغمضة.

أن الفلسفة تعلمنا أن الحقيقة لا تخاف النقد، بل تنمو به. وأن الفكرة التي لا تستطيع احتمال السؤال ليست فكرة راسخة، بل بناء هش تحميه العادة أكثر مما تحميه الحجة. ولهذا كان أعظم ما قدمه العقل الإنساني للحضارة هو الشك المنهجي؛ ذلك الشك الذي لا يهدم الحقيقة بل ينقّيها، ولا يعادي المعرفة بل يحررها من الأوهام التي علقت بها عبر الزمن.

وم المفترض أن يكون التراث نصا مفتوحا على القراءة. وكل قراءة جديدة هي محاولة لإعادة فهمه في ضوء أسئلة الحاضر. أما حين يطلب منا أن نكرره كما وصلنا، دون مراجعة أو تحليل، فإننا لا نحافظ عليه في الحقيقة، بل نحوله إلى متحف فكري صامت، تعرض فيه الأفكار كما تعرض القطع الأثرية: جميلة ربما، لكنها بلا حياة. وبلا روح.

وفي وجهه نظري. الحل يبدأ أولا بإعادة الاعتبار للعقل النقدي في التربية والثقافة؛ عقلٍ يتعلم أن السؤال ليس وقاحة فكرية، بل شرط من شروط المعرفة. فبدلا من تعليم الأجيال الحفظ وحده، يجب أن نعلمهم كيف يفكرون، وكيف يميزون بين الحقيقة والرأي، وبين الحكمة التاريخية والتفسير البشري القابل للخطأ

وهنا لابد أن أقف أمام اشكاليه كبرى. لأن هذا الفهم لا ينمو من فراغ؛ فهو يجد تربته الخصبة حين تهمش الفلسفة وتغيب العلوم الإنسانية عن فضاء الوعي العام. فعندما يقصى التفكير الفلسفي من التعليم والثقافة، يفقد العقل أدواته الأساسية: الشك المنهجي، والتحليل، والقدرة على التمييز بين الفكرة وحاملها، وبين الحقيقة وتاريخها. وحين تختزل المعرفة في التلقين، ويتراجع حضور التاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا، يصبح الموروث مادة محفوظة لا تجربة مفهومة. عندئذٍ لا يعود التراث موضوعا للفهم بل موضوعا للحراسة، ويتحول العقل من باحث عن المعنى إلى حارسٍ لليقين. فالفلسفة ليست ترفا ذهنيا كما يتوهم البعض، بل هي الجهاز النقدي الذي يقي المجتمعات من عبادة الأفكار، والعلوم الإنسانية ليست زينة معرفية، بل هي المرآة التي تكشف كيف تتشكل الأفكار داخل التاريخ والمجتمع. وحين تغيب هذه الأدوات، يعلو صوت التكرار ويخفت صوت الفهم، فيبدو الماضي أكثر حضورا من العقل نفسه، وتصبح الذاكرة بديلا عن التفكير.

وثمة حل آخر لا يقل أهمية، وهو نشر ثقافة الحوار بدلا من ثقافة الاتهام. فالنقد ليس عداء للتراث، كما أن الدفاع عنه ليس دليلا على الفهم

وأخيرا، علينا أن نتذكر حقيقة بسيطة وعميقة في آن واحد: أن التراث نفسه كان في زمنه اجتهادا بشريا، لا نصا منزلا . لذلك لا يجب أن نحوله إلى قفص للعقل،و أن نواصل روح السؤال، وروح الاجتهاد، وروح البحث عن الحقيقة.

ولهذا فإن أعظم ما يمكن أن تفعله أمة لعقول أبنائها ليس أن تثقلها بالموروث، بل أن تمنحها المفاتيح التي تمكنها من قراءته: مفاتيح الفلسفة، وأدوات العلوم الإنسانية، وروح السؤال الحر. فعندئذ فقط يتحول التراث من سلطة على العقل إلى طاقة للعقل؛ ومن عبء على الحاضر إلى جسر يعبر به نحو أفق أوسع من المعرفة والحرية.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

نحو تأسيس مبكر لعلم الاجتماع وفلسفة التاريخ

على سبيل التقديم: في تاريخ الأفكار لحظات نادرة ينتقل فيها الفكر الإنساني من الوصف إلى التفسير، ومن الحكاية إلى القانون، ومن تسجيل الوقائع إلى البحث عن منطقها العميق. وتُعد تجربة ابن خلدون واحدة من تلك اللحظات الفاصلة التي أعادت تعريف معنى التاريخ ذاته، إذ لم يعد الماضي عنده مجرد أخبار تُروى، بل أصبح ظاهرة إنسانية تخضع لقوانين يمكن فهمها وتحليلها واستشراف نتائجها.

لقد كتب ابن خلدون المقدمة في سياق سياسي مضطرب عرف انهيار دول وصعود أخرى في فضاء المغرب والأندلس، غير أن عبقريته تمثلت في قدرته على تجاوز الحدث الآني نحو بناء رؤية كونية للعمران البشري. فبدل أن يسأل: ماذا حدث؟ طرح سؤالاً أكثر عمقاً: لماذا تتشكل الدول؟  ولماذا تنهار؟ وهو السؤال الذي سيصبح لاحقاً جوهر العلوم الاجتماعية الحديثة.

إن قراءة مقدمة ابن خلدون اليوم لا تعني العودة إلى نص تراثي فحسب، بل تعني اكتشاف مشروع معرفي سبق عصره بقرون، إذ وضع أسس التفكير السوسيولوجي قبل ظهور علم الاجتماع الأوروبي، وربط بين الاقتصاد والسياسة والثقافة والدين ضمن شبكة تفسيرية واحدة ترى المجتمع ككائن حي يولد وينمو ويشيخ ثم يزول.

ومن هنا تكتسب المقدمة راهنيتها المستمرة؛ فهي لا تفسر تاريخ القرون الوسطى فقط، بل تقدم مفاتيح لفهم تحولات الدولة الحديثة وأزمات الحضارة المعاصرة. ذلك أن ابن خلدون لم يكن مؤرخاً للأحداث بقدر ما كان فيلسوفاً للحركة التاريخية نفسها.

في هذا الإطار، يسعى هذا المقال إلى قراءة فكر ابن خلدون بوصفه مشروعاً تأسيسياً لعلم العمران، وتحليل إسهامه في بناء تصور علمي للتاريخ يقوم على القوانين الاجتماعية وديناميات السلطة والتحول الحضاري.

 من كتابة التاريخ إلى تفسيره

يشكّل مشروع ابن خلدون الفكري لحظة مفصلية في تاريخ الفكر الإنساني، إذ انتقل بالتاريخ من مجرد سرد للأخبار والأحداث إلى علم يبحث في القوانين المنظمة لحركة المجتمعات والدول. فقد كتب عبد الرحمن بن خلدون سنة 1377م مؤلفه الشهير المقدمة باعتباره تمهيداً لكتاب العبر، غير أن هذا العمل سرعان ما تجاوز وظيفته التمهيدية ليصبح نصاً تأسيسياً قائماً بذاته، يجمع بين التاريخ وعلم الاجتماع والسياسة والاقتصاد وفلسفة المعرفة (Ibn Khaldun, 2005).

تكمن عبقرية ابن خلدون في أنه لم يكتف بوصف الوقائع التاريخية، بل سعى إلى تفسيرها عبر الكشف عن البنية العميقة التي تحكم العمران البشري، وهو ما جعل العديد من الباحثين يعدّونه المؤسس الحقيقي لعلم الاجتماع قبل ظهوره في أوروبا بعدة قرون (Alatas, 2014).

أولاً: العمران البشري بوصفه قانوناً اجتماعياً

ينطلق ابن خلدون من فرضية مركزية مفادها أن الاجتماع الإنساني ضرورة وجودية، لأن الإنسان عاجز بطبعه عن تحقيق الاكتفاء الذاتي. فالحياة الإنسانية قائمة على التعاون وتقسيم العمل، وهو ما يؤدي إلى نشوء العمران باعتباره ظاهرة اجتماعية طبيعية لا اختيارية (Ibn Khaldun, 2005).

ويمثل مفهوم العمران عند ابن خلدون إطاراً نظرياً شاملاً يدمج بين الاجتماع والاقتصاد والسياسة، حيث يرى أن نمط العيش الإنساني يتشكل تبعاً لشروط البيئة والمناخ والموارد. فالمناطق المعتدلة تساعد على الاستقرار والإنتاج، بينما تعيق الظروف القاسية تطور الحضارة. ويكشف هذا التحليل عن وعي مبكر بالعلاقة بين الجغرافيا والتنظيم الاجتماعي، وهو ما ستؤكده لاحقاً مدارس الجغرافيا البشرية الحديثة (Mahdi, 1964).

ولا يقف تحليل ابن خلدون عند العوامل المادية، بل يمتد إلى البنية النفسية والروحية للإنسان، حيث يربط بين التدين والظروف الاجتماعية، معتبراً أن الفقر يولّد نزوعاً روحياً أكبر نتيجة شعور الإنسان بالحاجة الدائمة إلى العون الإلهي.

ثانياً: العصبية والعمران البدوي: القوة المؤسسة للدولة

يعتبر مفهوم العصبية أحد أهم المفاهيم الخلدونية، إذ يراه المحرك الأساسي لقيام الدول. فالمجتمعات البدوية، بحكم بساطة عيشها وقوة روابطها الداخلية، تمتلك طاقة تضامنية تؤهلها للسيطرة السياسية وبناء الملك (Ibn Khaldun, 2005).

ويؤكد ابن خلدون أن الحضارة لا تبدأ بالترف، بل بالضرورة؛ إذ تنتقل المجتمعات تدريجياً من تلبية الحاجات الأساسية إلى البحث عن الكماليات. ومع توسع العمران تضعف العصبية تدريجياً، فتبدأ بذور الانحلال في التشكل داخل الدولة نفسها.

كما يقدّم تحليلاً نفسياً عميقاً لظاهرة تقليد المغلوب للغالب، حيث تميل الشعوب المهزومة إلى استبطان نموذج المنتصر وتقليده ثقافياً وحضارياً، وهو تحليل يسبق نظريات الهيمنة الرمزية والاغتراب الثقافي في الفكر الحديث (Alatas, 2014).

ثالثاً: نظرية الدولة ودورة التاريخ

طرح ابن خلدون تصوراً دينامياً للدولة يقوم على فكرة الدورة التاريخية، حيث تمر الدولة بمراحل متعاقبة:

مرحلة الظفر والتأسيس.

مرحلة الاستبداد وتركيز السلطة.

مرحلة الازدهار والاستقرار.

مرحلة الترف والانحلال.

مرحلة السقوط.

ويرى أن الترف يمثل نقطة التحول الحاسمة، إذ يؤدي إلى ضعف روح التضامن وتراجع القدرة العسكرية والإنتاجية، فتفقد الدولة أسباب بقائها (Ibn Khaldun, 2005).

وتكشف هذه النظرية عن تصور تاريخي قائم على القوانين الاجتماعية لا المصادفات، مما يجعل ابن خلدون رائداً في تأسيس فلسفة تاريخ علمية قبل ظهور مفكري الحداثة الأوروبية بقرون (Mahdi, 1964).

رابعاً: العمران الحضري وأزمة الحضارة

يربط ابن خلدون ازدهار المدن بقوة الدولة وتنظيمها الاقتصادي، فالعمران الحضري يعكس مستوى التخصص المهني وتراكم الثروة. غير أن الحضارة، في نظره، تحمل تناقضاً داخلياً، حيث يؤدي التوسع العمراني إلى انتشار الترف والاستهلاك المفرط، وهو ما يضعف القيم الأخلاقية ويؤدي تدريجياً إلى الانهيار الحضاري.

كما يلاحظ أن الثورات غالباً ما تنطلق من الأطراف البعيدة عن المركز السياسي، حيث يضعف نفوذ السلطة، فتظهر عصبيات جديدة تنافس الدولة القائمة، في دورة تاريخية متكررة.

خامساً: الاقتصاد والصناعة بوصفهما أساس العمران

يقدم ابن خلدون تحليلاً اقتصادياً متقدماً حين يربط بين تنوع المهن وزيادة الثروة، مؤكداً أن ازدهار الصناعات يؤدي إلى ارتفاع مستوى المعيشة وتعزيز قوة الدولة. ويعد هذا الطرح من الإرهاصات المبكرة لفكرة تقسيم العمل التي ستظهر لاحقاً في الاقتصاد الكلاسيكي (Ibn Khaldun, 2005).

كما يميز بين المال المجرد والجاه الاجتماعي، معتبراً أن السلطة الاجتماعية تضاعف القدرة الاقتصادية، في تحليل يكشف إدراكاً مبكراً للعلاقة بين الاقتصاد والبنية السلطوية.

سادساً: العلم والتعليم كمؤشر حضاري

يضع ابن خلدون المعرفة في قلب مشروعه الحضاري، إذ يرى أن العلم هو السمة الفارقة للإنسان. ويقسم العلوم إلى علوم عقلية وأخرى نقلية، داعياً إلى منهج تدريجي في التعليم يراعي قدرات المتعلمين ويرفض الحفظ الآلي والتلقين، ويؤكد أن ازدهار العلوم علامة على قوة الحضارة، بينما يمثل جمود المعرفة مؤشراً على بداية الانحطاط (Alatas, 2014).

خاتمة: ابن خلدون مفكراً للمستقبل

تكشف مقدمة ابن خلدون عن مشروع فكري متكامل يسعى إلى فهم قوانين التاريخ والمجتمع والدولة ضمن رؤية علمية شاملة. فقد استطاع ابن خلدون أن يؤسس علماً جديداً هو علم العمران، وأن يقدم نموذجاً تفسيرياً للتاريخ يقوم على تحليل البنى الاجتماعية لا مجرد سرد الأحداث.

ولهذا لم تعد المقدمة نصاً تراثياً فحسب، بل أصبحت مرجعاً نظرياً حياً لفهم تحولات المجتمعات المعاصرة، ودليلاً على أن الفكر العربي الإسلامي أسهم مبكراً في بناء العلوم الإنسانية الحديثة.

***

بقلم: د. منير محقق - كاتب وناقد وباحث جامعي في الفكر والتاريخ الحضاري

......................

المراجع والمصادر

الجابري، م. ع. (1994). فكر ابن خلدون: العصبية والدولة — معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي. بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية.

طه حسين. (1977). فلسفة ابن خلدون الاجتماعية. القاهرة: دار المعارف.

النبهان، م. ف. (1998). الفكر الخلدوني من خلال المقدمة. بيروت: مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع / دار الفرقان للنشر والتوزيع.

Alatas, S. F. (2014). Applying Ibn Khaldun: The recovery of a lost tradition in sociology. Routledge.

Ibn Khaldun. (2005). The Muqaddimah: An introduction to history (F. Rosenthal, Trans.). Princeton University Press.

Mahdi, M. (1964). Ibn Khaldun’s philosophy of history. University of Chicago Press.

 

في المثقف اليوم