عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

إنَّ ميزة الطبيعة البشرية هو ذلك الاحساس الداخلي الحي بالحرية، وأن وقوع الانسان تحت النير والاستبداد راضيا بتحمله على معارضته، فالمسألة نفسية تعود الى بعد خفي في الوضع البشري ليس في حالة من التناغم مع الطبيعة البشرية، والمسألة على درجة عالية من الخطورة؛ وأن الشعب الذي يستسلم للإستعباد هو الذي يسلم عنقه للقطع، يعني أن له الخيار في أن يكون حرا، أو أن يكون عبدا، أن يتخلى عن الحرية أو أن يستسلم للنير، أن يقبل الأذى أو أن يواجهه.

وبحسب "أيتيان دو لا بويسي" تخضع الطبيعة البشرية لثلاث مبادئ كبرى، تأتي الأسرة في طليعتها؛ ذلك أن الأسرة هي المجتمع الطبيعي الذي لا يستغنى عنه لتنشئة كل كائن بشري، فيشرع الوالدان بتنشئة أطفالهما وهما يسلكان السبل التي خطتها الطبيعة، فكأنما هذه الطبيعة هي الأم، لذا فإن بذور العقل الطبيعية لا تزهر فضيلة إلا برعاية نصح الوالدين مجاراة للكبار، فمن المسلم به أن تذوي وتسقط إذا ما خضعت لتأثير السوء فالبشر بسبب تنشئتهم مختلف بعضهم عن بعضهم الآخر. ويتمثل المبدأ الثاني عنده في أن الفوارق تقود إلى التكامل، إذ أن الطبيعة تصنع الضعفاء والأقوياء، وهي تمنح كل فرد مقدارا من الذكاء، لكن لا ينبغي أن يختلط علينا الأمر حيال مقاصد الطبيعة. فهي لم تبعث الى هذا العالم السفلي بالناس الأقوياء والأشد يقظة، كأنهم قطاع طرق ليتولوا ترويع الناس الضعفاء وهي في الوقت نفسه لا تبغي السيطرة والإخضاع. وليست سلطة الحاكم طبيعية أكثر من طاعة المحكوم، أن التباينات التي تقيم فروقا بين الناس هي واسطة (تعاطف أخوي) يرمي التعاون فيها الى عقد صلات متينة بين ذوي القوة ومن هم أقل حظوة.

أما المبدأ الأهم عند دو لابوسي هو أن يعي الانسان، وأن لا يراوده أدنى شك في أنه حر بطبيعته، فإن كل من وهبته الطبيعة حياة وشعورا هو عاشق للحرية، وهو نظام الطبيعي والعقل والحرية مترافقان. فعندما نبحث عن معالم الحرية نجدها (من إفرازات العقل بما هو عقل)، وأن وجود الحرية يساهم في تكريس الحقيقة وتنشيط الواقع في عمق الحياة وإخراج الحق من ثنايا الباطل.

فالعقل والحرية إذا متلازمان في الطبيعة البشرية، فالحرية أكثر من كونها مثل أعلى بكثير، وليست تأملية صافية، ذلك أن الحياة من دونها لا تستحق أن تُعاش فهي فاعلة، أو لا وجود لها، ولا ريب في أنها تتأكد ضرورة ملحة، لكنها ضرورة تقود إلزاما إلى الحسم، بأن على الإنسان أن يتعلم في سبيلها الكفاح والموت.

المجتمع هو الذي يصنع السلطة ويهبها التفرد، فعندما يعمل الفرد بين جماعة سليمة في اية مهنة لا على التعيين ستضمر أهميته وشهرته، لكن مركزه الإجتماعي سيرتفع في مجتمع تزداد فيه نسبة من هم أقل شئنا منه سواء كان ذلك على مستوى العمل، أو المحصلة العلمية في ذات المهنة، فعلى سبيل المثال أصبح لرجل السياسة في العراق منزلة رفيعة بعد 2003 في وقت لم يكن يتمتع بهذه المنزلة من قبل. فله الآن دور معروف في البرلمان والحكومة بينما كان سابقا له مركز من دون أي دور بسبب سياسية الدولة الشمولية.

فعندما يرتفع صاحب المنزلة بفضل الناس فإنه يتعامل معهم بشكل عمودي فوقي متناسيا مساهمتهم في علو منزلته . إن مثل هذا التعامل الذي يصطنع مسافة بين الفرد والجماعة أو بين الجماعة وجماعة أخرى هو سلطة رمزية تستعمل لإشباع الرغبة الملحة في الهيمنة والتفرد. والتفرد إذا ما أتيح له الفرصة يتحول إلى استبداد وتعصب، وهذا الاستبداد في الوقت ذاته يمثل عواطف واضحة جدا بالنسبة للجماهير، يتفهمونها ويقبلونها بسهولة أن يمارسوها لحظة فرضها عليهم. فالجماهير تحترم القوة طوعا، ولا تنبهر بالطيبة، فهي شكل من أشكال الضعف بالنسبة لهم. لا تتعاطف الجماهير مع أسياد رحيمين، ولكن مع طغاة مستبدين سيطروا عليهم وسحقوهم بقوة. وهي دائما تخلد ذكراهم بنصب تماثيل عالية، فإذا داسوا بأقدامهم الدكتاتور المخلوع كما هو الحال في العراق بعد 2003 هذا لأنه فقد قوته وانضم إلى خانة الضعفاء المحتقرين الذين لا يخشونهم. إن نمط البطل العزيز على الجماهير سيكون دائما من يتخذ هيئة القيصر فعظمته تغويها، سلطته يفرضها عليها، وسيفه يدب الرعب في قلوبها، فالجماهير دائمة جاهزة للتمرد على السلطة الضعيفة، وتنحني بخنوع أمام السلطة القوية، وإذا كانت قوة السلطة متقطعة فإن الجماهير تعود للخضوع لعواطفها المتطرفة، وتنتقل بالتناوب من الفوضى الى العبودية، ومن العبودية الى الفوضى.

فمن يسلم نفسه للاستعباد يعمد الى قطع عنقه، والذي يكون حيال خيار الحرية أو العبودية، فيدع الحرية جانبا ويأخذ نير العبودية، هو الذي يرضى بالأذى، ولو تكلف شيئا لاستعادَ حريته، فهل هنالك أثمن من أن يكون ضمن حقه الطبيعي، لكن كثير من الناس يفضلون طمأنينة ما للعيش ببؤس على أمل غير مؤكد في العيش بحرية ورفاهية. يذهب سبينوزا في كتابه (رسالة في اللاهوت والسياسة) الى أن كل فرد يطيع السلطة المطلقة إما بمحض اختياره، وإما خوفا من العقاب الشديد، ويضيف على ذلك: أن نظام المجتمع الذي يتحقق على هذا النحو هو نظام "ديمقراطي" ذلك أن الديمقراطية عنده هي اتحاد الناس في جماعة لها حق مطلق على كل ما في قدرتها، لكني أتقاطع مع سبينوزا في هذا الأمر؛ ذلك أن الفرد الذي ينفذ أمر إنسان أخر خوفا من العقاب، أو بمحض اختياره، ولا يفعل ما يمليه عليه العقل، أو بعبارة أخرى الذي لا يستطيع أن يختار بمحض إرادته فهو في أحط درجات العبودية، لأن الحرية في أدق معانيها تقوم على عنصري الاختيار والارادة أي أن يختار الفرد فعل شيء أو الامتناع عنه، والارادة هي علة الفعل وتجسيد للقدرة على الاختيار.

***

د. مسار غازي

............................

للاستزادة يرجع إلى:

- العقل والحرية: عبد الكريم سروش

- وهم الحرية: برهان شاوي

- الحرية الطوعية: إيتيان دو لا بوسي

- رسالة في اللاهوت والسياسة: اسبينوزا.

موت المختلف وامتحان الأخلاق

هناك لحظات لا تكشف لنا قسوة العالم بقدر ما تكشف لنا فقر الإنسان إلى الإنسانية، لحظات يصبح فيها الموت، الذي يفترض أن يوقظ فينا أعمق مشاعر الرحمة، مناسبة لاختبار مقدار ما تبقى في أرواحنا من ضمير.

 ففي حضرة الموت، تسقط الأقنعة التي نتخفى وراءها، وتنكمش كل الهويات التي نتباهى بها، ولا يبقى أمامنا سوى الحقيقة العارية: إنسان انتهت حياته، وأجساد ستبلى، وأحلام انطفأت، وأهل وأصدقاء سيحملون وجع الغياب إلى ما تبقى من أعمارهم.

مر بي خبر وفاة قس سقط عليه صليب خشبي أمس، فتوقفت أمامه بحزن إنساني خالص. لا أعرف الرجل، ولم ألتق به، ولا أملك من سيرته ما يسمح لي بإصدار حكم عليه، لكنني، في حدود ما عرفت، لم أر أمامي سوى رجل دين مسالم، راهب يتعبد في محرابه، انتهت حياته في حادث مأساوي. ولم انظر إلى عقيدته، ولا إلى أفكاره.

 فالحزن على الإنسان لا يحتاج إلى بطاقة هوية، ولا إلى شهادة انتماء، ولا إلى موافقة مسبقة من حراس العقائد. بل لأنني أرى فيه إنسانا كان حيا ثم صار خبرا عن الموت في لحظات.. ولأنني أؤمن بأن قيمة الحياة الإنسانية تسبق كل تصنيف مذهبي أو ديني أو عرقي، وأن الإنسان لا يفقد حقه في الرحمة حين يختلف عنا في إيمانه، كما لا يكتسب هذا الحق لأنه ينتمي إلى جماعتنا.

لكن ما أوجعني حقا ما قرأته من تعليقات الشماتة التي استقبل بها بعض المسلمين هذا الموت، وكأن سقوط رجل تحت صليب خشبي انتصار لعقيدة على أخرى، وكأن المأساة الإنسانية فرصة لتصفية الحسابات مع المختلف، وكأن الموت حين يصيب الآخر يصبح مبعثا للابتهاج، لا مناسبة للتأمل في هشاشة وجودنا المشترك. أي خواء أخلاقي هذا الذي يجعل الإنسان يرى في موت إنسان آخر مناسبة للاحتفال والشماته.

الشماتة في الموت ليست مجرد زلة لسان، ولا تعبيرا عابرا عن اختلاف عقدي، بل هي، في جوهرها، خلل في بنية الضمير؛ لأنها تعني أن الإنسان لم يعد يرى أمامه كائنا له قيمة في ذاته، بل صار يرى رمزا لجماعة يخاصمها، أو عنوانا لعقيدة يرفضها، أو خصما متخيلا ينبغي أن ينتصر عليه حتى بعد أن يوارى التراب

ولعل ما زاد الأمر إيلاما أن بعض هذه التعليقات صدرت عن أشخاص يحملون درجات علمية رفيعة، ممن يفترض أن تكون المعرفة قد وسعت مداركهم، وأن يكون التعليم قد دربهم على التفكير النقدي، وأن تكون رحلتهم الطويلة في التحصيل قد منحتهم شيئا من التواضع أمام الحياة والموت والوجود الإنساني.

فما قيمة الشهادات إذا لم توسع أفق الرحمة؟ وما جدوى المعرفة إذا بقي العقل أسير التعصب؟ وما معنى أن يتقدم الإنسان في مدارج العلم، بينما يتراجع في أبسط اختبارات الأخلاق؟

إن أخطر أشكال الجهل ليس ذلك الذي يعترف بجهله، بل الذي يتدثر بعباءة المعرفة، ويتحدث بثقة العالم، بينما يستبطن أحكام القطيع، ويستعير من الموروث ما يبرر به قسوته، ثم يتوهم أنه ينتصر للحقيقة حين ينتقص من إنسانية الآخرين.

ماذا حين سقطت الرافعة في مكة عام 2015، فمات عشرات الحجاج وأصيب آخرون، وحين وقعت كارثة التدافع في مشعر منى في العام نفسه، ففقد أناس كثيرون حياتهم وهم يؤدون مناسك الحج، لم يكن هؤلاء مجرد أرقام في نشرات الأخبار. كانوا بشرا خرجوا لأداء شعيرة يؤمنون بقداستها، وكان وراء كل واحد منهم بيت ينتظر عودته، وأبناء يترقبون لقاءه، وأمهات وأزواج وأصدقاء لم يتخيلوا أن تكون تلك الرحلة آخر عهودهم بالحياة. وكان من الطبيعي أن تستقبل هذه المآسي بالحزن والتعاطف، بصرف النظر عن الموقف من الدين أو من الشعائر

لماذا نتوقع من الآخرين أن يحترموا أحزاننا، بينما نجد بيننا من لا يتردد في انتهاك أحزانهم؟ لماذا نطالب العالم بالتعاطف مع ضحايانا، ثم لا نمنح الضحايا الآخرين الحق نفسه؟

في وجهه نظري لا تقاس قيمة الإنسان بما يعلنه من معتقدات، بل بما يصنعه من أفعال، وبقدرته على الاعتراف بحق الآخرين في الحياة والكرامة والاختلاف. فالأخلاق ليست ملكية حصرية لدين، ولا امتيازا تمنحه عقيدة لأتباعها وتحجبه عن سواهم، وإنما هي مسؤولية إنسانية تتجلى في سلوكنا تجاه كل من يشاركنا هذا العالم.

إن حرية الاعتقاد لا تكتمل إلا بحرية الاختلاف، وكرامة الإنسان لا تكون كرامة حقيقية إذا اقتصرت على أبناء الجماعة الواحدة. أما أن نطالب العالم باحترام مقدساتنا، ثم نسخر من موت الآخرين، وأن نرفض أن يُهان موتانا، ثم نبرر الشماتة في موتاهم، فذلك ليس دفاعا عن العقيدة، بل ازدواج أخلاقي يجعل المبادئ خاضعة لهوية الضحية، لا لعدالة المبدأ نفسه.

وهناك وهم بالغ الخطورة في أن يقرأ بعض الناس الحوادث والمآسي بوصفها إشارات كونية تؤكد انتصار عقيدتهم أو هزيمة عقيدة الآخرين. فحين يموت شخص من دين مختلف، يتعاملون مع موته كما لو أنه برهان على صحة ما يؤمنون به، أو علامة على انتصار جماعتهم. وبذلك يحولون المصادفة المأساوية إلى خطاب أيديولوجي، ويستبدلون بالتعاطف بحثا متعجلا عن معنى يخدم تصوراتهم المسبقة. هو الفارق بين عقل تحرر من أسر الجماعة، وعقل لا يستطيع أن يرى العالم إلا من خلال ثنائية نحن وهم؛ نحن أصحاب الحق دائما، وهم المخطئون دائما، نحن الذين نستحق الرحمة، وهم الذين يجوز أن نفرح بأوجاعهم.

لكن الموت لا يقدم شهادات تفوق لأحد، ولا يمنح عقيدة صك انتصار، ولا يحول الحوادث الفردية إلى براهين على حقيقة ميتافيزيقية. إنه جزء من هشاشة الوجود الإنساني،

أنا لا أكتب هذا المقال دفاعا عن عقيدة ضد أخرى، ولا رغبة في استبدال تعصب بتعصب مضاد، بل دفاعا عن مساحة إنسانية أوسع من الحدود التي نتوارثها ونقيم حولها أسوارا من الكراهية. أكتب لأنني أرفض أن يصبح الحزن امتيازا دينيا، وأن تتحول الرحمة إلى شعيرة لا يؤديها المرء إلا تجاه من يشبهونه، وأن يغدو الموت نفسه خاضعا لامتحان الهوية

وأخشى أن تكون مأساتنا الأعمق أننا تعلمنا كيف ندافع عن انتماءاتنا أكثر مما تعلمنا كيف نحمي إنسانيتنا، وكيف ننتصر في معارك الهوية أكثر مما نتعلم كيف ننتصر على نزعات القسوة في نفوسنا

وهنا ينبغي أن نتوقف ونسأل أنفسنا بصدق: ماذا يبقى من الإيمان إذا لم يزد صاحبه رحمة؟ وماذا يبقى من العلم إذا لم يحرر صاحبه من التعصب؟ وماذا يبقى من الثقافة إذا لم تعلم الإنسان كيف يختلف دون أن يكره، وكيف ينتقد دون أن يهين، وكيف يرى في المختلف عنه كائنا يستحق الكرامة نفسها التي يطالب بها لنفسه؟

المأساة ليست أن يموت إنسان تحت صليب، بل أن يسقط الضمير الإنساني تحت أقدام التعصب. وليست الفضيحة أن ينتهي عمر رجل يختلف معنا في العقيدة، بل أن ينتهي بنا الأمر إلى اعتبار موته مكسبا، وألمه مناسبة للابتهاج

***

ابتهال عبدالوهاب

 

مقدمة: يظل سؤال "من أين يأتي الشر في العالم؟" أحد أعمق الأسئلة التي راودت الإنسان منذ الوعي الأول. ليس الشر مجرد حدث مؤلم أو فعل سيء، بل هو حضور يتحدى كل تفسير شامل للوجود. يظهر الشر في صور متعددة: الظلم الاجتماعي، الحروب، الأمراض، الكوارث الطبيعية، الخيانة الشخصية، والقسوة اليومية. في هذه الدراسة، نستكشف مصادر الشر من منظورات فلسفية، دينية، نفسية، اجتماعية، ووجودية، مع تبني مقاربة نقدية تنويرية ترفض التفسيرات الجاهزة وتدعو إلى مواجهة الشر كواقع بشري يمكن فهمه ومواجهته دون الاستسلام له. الهدف ليس تقديم جواب نهائي، بل رسم خريطة معقدة تكشف الطبقات المتداخلة للظاهرة. فما مشروعية طرح سؤال الشر الأبدي من منظور فلسفي؟

التمييز الأساسي بين الشر الطبيعي والشر الأخلاقي

ينقسم الشر تقليدياً إلى نوعين رئيسيين. الأول هو الشر الطبيعي، الذي يشمل الزلازل، الأوبئة، الفيضانات، والأمراض التي تصيب الإنسان دون تدخل مباشر منه. هذا النوع يثير تساؤلاً وجودياً عميقاً: لماذا يعاني الكائن الواعي في كون يبدو غير مبالٍ؟ الثاني هو الشر الأخلاقي، الناتج عن إرادة بشرية حرة: القتل، التعذيب، الاستغلال، الفساد. هنا يدخل الإنسان كفاعل مباشر، مما يجعل السؤال أكثر إلحاحاً: هل الشر جزء أصيل من الطبيعة البشرية أم هو انحراف عنها؟

هذا التمييز ليس مطلقاً؛ فغالباً ما يتداخل النوعان. فقد تؤدي كارثة طبيعية إلى فوضى اجتماعية تكشف شراً أخلاقياً كامناً، أو يستغل البشر الكوارث لتعزيز سيطرتهم. الشر، إذن، ليس حدثاً معزولاً بل شبكة علاقات.

الرؤى الدينية والميتافيزيقية لمصدر الشر

في التقاليد الدينية، يُفسر الشر عبر عدة أطر. في المسيحية واليهودية، يرتبط الشر الأخلاقي بـ"الخطيئة الأصلية"، حيث يُرى سقوط آدم كلحظة تحول جعلت الميل إلى الشر جزءاً من الطبيعة البشرية. أما الشر الطبيعي فيُفسر أحياناً كنتيجة لهذا السقوط أو كاختبار إلهي. في الإسلام، يُنسب الشر إلى وسوسة الشيطان، مع التأكيد على الحرية الإنسانية والمسؤولية. الشر ليس مخلوقاً مستقلاً بل نتيجة اختيار. أما في التقاليد الشرقية مثل البوذية والهندوسية، فالشر مرتبط بـ"الكارما" والجهل (أفيديا). الشر هنا ليس مطلقاً بل وهماً ناتجاً عن التعطش والوهم، ويزول بالتنوير.

في الفلسفة الميتافيزيقية، قدم أوغسطينوس تفسيراً مؤثراً: الشر ليس "شيئاً" موجوداً بحد ذاته، بل غياب للخير . الشر كالظلام الذي لا وجود له إلا كغياب للنور. لايبنتز طور هذا في "أفضل العوالم الممكنة"، معتبراً أن الشر ضروري لتحقيق الكمال الكلي. هذه التفسيرات، رغم عمقها، تواجه نقداً تنويرياً: هل تبرر الشر أم تُسكته؟ إذا كان الشر غياباً للخير، فلماذا يبدو حاضراً بقوة مدمرة؟ وإذا كان جزءاً من خطة إلهية، فهل يفقد الإنسان مسؤوليته الأخلاقية؟

الرؤى الفلسفية والوجودية – الإنسان كمصدر الشر

مع التنوير والحداثة، تحول التركيز نحو الإنسان نفسه. هوبز يرى الطبيعة البشرية "شريرة" في حالتها الأولى: "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، والشر ناتج عن التنافس على الموارد والسلطة. أما روسو فيعكس هذا: الإنسان خير بطبيعته، والشر ينشأ من المجتمع والملكية والحضارة التي تفسد الفطرة.

في الفلسفة الوجودية، يذهب سارتر إلى أبعد: "الجحيم هو الآخرون". الشر ليس في جوهر الإنسان بل في علاقاته الحرة التي تتحول إلى موضوعية واستلاب. أما نيتشه فيعلن "موت الله" ويطالب بتجاوز الأخلاق التقليدية، معتبراً بعض ما نسميه شراً تعبيراً عن قوة الحياة، بينما الشر الحقيقي يكمن في الضعف والحقد.

حنة أرندت قدمت مفهوم "تفاهة الشر" في تحليلها للنازية: الشر لا يأتي دائماً من وحوش، بل من أفراد عاديين يتخلون عن التفكير النقدي ويطيعون النظام. هذا يجعل مصدر الشر كامناً في القدرة البشرية على عدم التفكير، على اللامبالاة.

الأبعاد النفسية والاجتماعية للشر

من منظور نفسي، يكشف فرويد عن "غريزة الموت" (ثاناتوس) إلى جانب غريزة الحياة. الشر جزء من اللاوعي، يتغذى على الكبت والإسقاط. أما علم النفس الاجتماعي فيبرز تجارب مثل "طاعة ميلغرام" و"سجن ستانفورد"، التي تظهر كيف يمكن لظروف معينة أن تحول أفراداً عاديين إلى فاعلي شر. اجتماعياً، ينشأ الشر من الهياكل: الرأسمالية المتوحشة تولد استغلالاً، الأنظمة الشمولية تفرز قمعاً، والتمييز العنصري أو الجنسي يؤسس لعنف منهجي. الشر هنا ليس فردياً فقط، بل بنيوي. النظم الاقتصادية والسياسية تخلق بيئات تجعل الشر خياراً "منطقياً" أو حتمياً. كذلك، يلعب الجهل والتعليم دوراً. الشر يزدهر في غياب التفكير النقدي والتعاطف. الدعاية والإعلام يشوهان الوعي، فيصبح الآخر "عدواً" يُباح إيذاؤه.

نقد تنويري – الشر كتحدٍ وجودي مستمر

المقاربة التنويرية النقدية ترفض الاستسلام للشر كقدر أو كجزء إلهي لا مفر منه. بدلاً من ذلك، تراه تحدياً يجب مواجهته بالعقل والأخلاق والعدالة الاجتماعية. كانط يدعو إلى "الخروج من الوصاية"، وهو ما ينطبق على الشر: الخروج من حالة الطاعة العمياء أو اللامبالاة التي تسمح له بالانتشار.

النقد يمتد إلى الحلول الزائفة: الاستهلاكية التي تحول الشر إلى ترفيه، أو القومية التي تبرر الشر باسم "الجماعة". الحل الحقيقي يكمن في بناء مؤسسات تحمي الحرية مع تعزيز المسؤولية، وفي تربية تعمق التعاطف دون إنكار الظلام الداخلي.

في عصرنا، يتجلى الشر في أشكال جديدة: التغير المناخي (نتيجة طمع بشري)، الحروب التكنولوجية، والتطرف الرقمي. مواجهته تتطلب وعياً جماعياً عابراً للحدود.

خاتمة:

لا يوجد مصدر واحد للشر. هو مزيج معقد من الطبيعة البشرية، الهياكل الاجتماعية، الظروف الطبيعية، والاختيارات الفردية. الشر ليس قدراً محتوماً ولا وهماً كاملاً؛ هو إمكانية حاضرة دائماً في الوجود الحر. الأمل يكمن في القدرة البشرية على الاعتراف بالشر دون تبريره، ومواجهته بالعقل النقدي، التعاطف، والعدالة. كلما ازداد وعي الإنسان بمصادر الشر في نفسه ومجتمعه، ازدادت إمكانية تقليصه. السؤال "من أين الشر؟" يتحول إلى "ماذا نفعل به؟"، وهذا التحول هو بداية كل مقاومة حقيقية وكل تقدم أخلاقي. الشر يبقى جزءاً من الشرط البشري، لكنه ليس كلّه. في الفراغ الذي يتركه الشر، يمكن للخير أن يُخلق، وفي مواجهته تتحقق حرية الإنسان الحقيقية. فكيف تتراوح تفاهة وجود الشر بين الحتمية والحرية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

من تعديل الأحكام الفقهية إلى مراجعة النموذج المعرفي للعلاقة الزوجية

إنّ عقد الزواج بصيغته الفقهية الموروثة المتعارف عليها اليوم في الفقهين السني والشيعي، يحتاج إلى إعادة نظر تتجاوز تعديل الأحكام الجزئية أو المفاضلة بين الآراء الفقهية القائمة، لأن الإشكال لا يكمن في الأحكام وحدها، بل في النموذج المعرفي الذي تشكل في إطاره مفهوم الزواج، وفي الطريقة التي جرى بها تشخيص موضوعه وتحديد آثاره وحقوق أطرافه.

فما لم يُعَد النظر في هذا النموذج، ويُعَد تشخيص موضوع الزواج في ضوء التحولات الاجتماعية والاقتصادية والفكرية المعاصرة، ستظل محاولات الإصلاح محكومة، إلى حد بعيد، بالتصورات التي أنتجت الإشكال ابتداء. ولا يكفي استدعاء العناوين الثانوية لمعالجة الوقائع المستجدة بوصفها استثناءات طارئة؛ بل ينبغي بحث ما إذا كانت بعض التحولات قد أصبحت جزءا من البنية المستقرة للواقع الاجتماعي، بما يستدعي إعادة النظر في تصنيف المسائل، وفي مدى انطباق العناوين الأولية والثانوية عليها.

فالموضوع ليس معطى ثابتا خارج التاريخ، بل يتغير بتغير شروطه الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، وتبعا لذلك قد تتغير دلالته القانونية والفقهية. ومن ثم، فإن الإبقاء على الأحكام نفسها مع تغير موضوعاتها وشروط تحققها لا يضمن استمرار ملاءمتها للواقع، كما أن استحداث قانون جديد لا يكفي وحده لتحقيق الإصلاح إذا ظل قائما على التصور المعرفي القديم ذاته.

إن المطلوب ليس مجرد تغيير الحكم، بل مراجعة الطريقة التي ننتج بها الحكم؛ والانتقال من التعامل مع الزواج بوصفه بنية تعاقدية موروثة إلى إعادة دراسته بوصفه علاقة قانونية واجتماعية بين ذاتين مستقلتين، تترتب عليها حقوق والتزامات متبادلة، وتقتضي معالجة قضايا الرضا والاستقلال والسلطة والعمل الرعائي والضرر، وحقوقهما معا على أساس معاصر.

ما لم ينتبه الفقهاء المعاصرون إلى التحولات العميقة التي طرأت على المفاهيم المؤسسة لرؤية الإنسان والعالم، سيظل الخطاب الفقهي بشأن الزواج عاجزا عن بناء علاقة مقنعة مع الوعي الإنساني المعاصر. فالمكلف اليوم لا ينظر بالضرورة إلى ذاته وعلاقاته وحقوقه من خلال المنظومة المفاهيمية التي سادت في البيئات التاريخية التي تشكّلت فيها المدونات الفقهية، بل ينطلق من تصورات متغيرة بشأن الاستقلال الشخصي، والكرامة الإنسانية، والمساواة، والرضا، والمسؤولية المتبادلة.

ولا تكمن الإشكالية، هنا، في مجرد تعارض بعض الأحكام الفقهية مع تطلعات الأفراد المعاصرين، بل في احتمال وجود فجوة معرفية بين التصورات التي تفترضها تلك الأحكام عن الإنسان والعلاقة الزوجية، وبين التصورات التي تشكّلت في ظل التحولات الاجتماعية والفكرية الحديثة. ومن ثم، فإن محاولة إقناع المكلف المعاصر بأحكام الزواج لا يمكن أن تعتمد على إعادة عرض الأحكام الموروثة أو الدفاع عن نتائجها فحسب، بل تقتضي مراجعة الأسس المفاهيمية التي يُفهم الزواج في ضوئها، وإعادة النظر في مدى قدرتها على استيعاب التحولات التي طرأت على مفهوم الإنسان وحقوقه وعلاقاته.

إن تجديد الفقه في هذا المجال لا يبدأ بالضرورة من استبدال حكم فقهي بآخر، بل من مساءلة النموذج المعرفي الذي يحدد موضوع الحكم، ويصوغ العلاقة بين أطراف الزواج، ويرسم حدود الحقوق والواجبات. فحين تتغير تصورات الإنسان عن ذاته وعن العالم، يصبح من الضروري فحص مدى استمرار صلاحية التصورات الفقهية التي تشكّلت في سياقات تاريخية مختلفة، من دون افتراض أن كل موروث فقد صلاحيته، أو أن كل مفهوم حديث يمثل بالضرورة تقدما معرفيا.

إن الصراع الدائر اليوم حول تقنين الأحوال الشخصية لا يمكن فهمه بوصفه مجرد خلاف بين مؤيدين لمدونة فقهية ومعارضين لها، أو بين من يتمسكون بالأحكام الموروثة ومن يطالبون بتعديلها؛ فهذه المقاربة، على أهميتها، قد تحجب الإشكالية الأعمق، وهي طبيعة النموذج المعرفي الذي يُراد إخضاع الحياة الإنسانية المعاصرة له.

إن الإشكال لا يكمن في الاستناد إلى التراث الفقهي بحد ذاته، بل في التعامل مع اجتهادات نشأت في سياقات تاريخية واجتماعية ومعرفية محددة بوصفها إجابات مكتملة الصلاحية لتنظيم علاقات إنسانية تغيرت شروطها ومفاهيمها ووظائفها. فالحياة الزوجية اليوم لا تُفهم بمعزل عن تطور العلوم الإنسانية والاجتماعية، والتحولات الاقتصادية، وتغير بنية الأسرة، وتطور المعرفة المتعلقة بالنفس البشرية، وعلاقات السلطة، والعمل الرعائي، والاستقلال الشخصي، والحقوق القانونية.

ومن ثم، فإن المطلوب ليس إخضاع الحياة المعاصرة قسرا لتصورات تاريخية جاهزة، ولا استبعاد التراث الفقهي لمجرد انتمائه إلى الماضي، بل إعادة فهم الواقع الإنساني في ضوء المعارف المتاحة اليوم، ثم مساءلة الموروث الفقهي على أساس هذا الفهم، وإعادة فحص موضوعات الأحكام وشروط انطباقها ومبرراتها وآثارها.

فالمعرفة المتجددة بالإنسان ليست عنصرا خارجيا يمكن تجاهله عند بحث العلاقات الأسرية؛ إذ قد تكشف عن أبعاد في موضوع الحكم لم تكن حاضرة في التصورات السابقة، أو تتيح فهما مختلفا للضرر والرضا والاستقلال والمسؤولية. وهذا يستدعي حوارًا نقديا بين المعرفة الفقهية والعلوم المعاصرة، لا يذيب إحداهما في الأخرى، ولا يمنح أيا منهما حصانة مطلقة من المراجعة.

وعليه، فإن جوهر الأزمة ليس في الاختلاف على أيّ الأحكام الفقهية ينبغي تقنينها فحسب، بل في السؤال الأسبق، القبلي: بأي معرفة نفهم الإنسان المعاصر، وبأي تصور للعلاقة الزوجية نبني القانون الذي ينظم حياته؟ ما لم يُطرح هذا السؤال، فقد يتحول تقنين الفقه إلى إعادة إنتاج للماضي في صورة قانونية ملزمة، بدلا من أن يكون استجابة نقدية واعية لتحولات الحاضر في بلد معين مثل العراق الذي خرج حديثا من حروب متتالية.

***

ا. د. بتول فاروق

 

العقل العربي هو عقل تراثي بإمتياز، ويتحرك هذا العقل بين الأفكار التراثية التى تم إنتاجها في سياقات ثقافية وحضارية قديمة. وهذه الحالة تدفع العقل العربي بتوهم إمتلاكه الحقيقة المطلقة التى حافظ عليها السلف الصالح وسلمها بالتواتر للأجيال اللاحقة حتى وصلت إلى العقل العربي المعاصر.

ويأتي في قمة هذا التراث النص المُقدَّس (القرآن الكريم)، وكتب الأحاديث النبوية، ثم كتب الفقه والتفسير وقد صارت هذه الفئات من كتب التراث لها سلطة المُقدَّس على الوعي والعقل العربي حتى أصبح العقل العربي مُتلقي سلبي خاضع لكل الحقائق التي تنطق بها هذه النصوص متجاهلاً السياق الثقافي والحضاري الذي نشأت داخله هذه النصوص التراثية.

وكانت هناك فئة تراثية إهتمت بالفلسفة والعقل والمعرفة ولكن تم تهميش هذه الكتب وإضطهاد الفلاسفة الذين أنتجوها، ويقف على قمة هذه الفئة العظيمة الفيلسوف الأندلسي إبن رشد (١١٢٦ - ١١٩٨م)

وإحتل إبن رشد مكانة مرموقة في السياق الحضاري الاوروبي حيث تم إستدعاء شروحاته لفلسفة أرسطو لتأسيس تيار فلسفلي لاتيني (الرشدية اللاتينية) يكون قادر على إرساء مبادئ الفصل بين العلوم الدينية وبين العلوم الوضعية وهى بذرة بناء العلوم الحديثة. وتم تجاهل ابن رشد في الثقافة العربية لصالح تمجيد الإمام أبو حامد الغزالي (١٠٥٨ - ١١١١م). حتى طرح الفيلسوف المصري الكبير مراد وهبة (١٩٢٩ - ٢٠٢٦م) إسم إبن رشد كحل للخروج من نفق تخلف العقل العربي.

ولكن لماذا يستدعي مراد وهبة فكر الفيلسوف الأندلسي في سياقنا الحالي ؟!!

اولاً: مراد وهبة والدجماطيقية

يُصرِّح مراد وهبة في كتاب (مُلاّك الحقيقة المُطلقة) أن مشروعة الفلسفي يستهدف مقاومة الدوجماطيقة «خلاصة القول أن الفكرة المحورية فى فلسفتى هي النضال ضد الروح الدوجماطيقية. وفقدان الثقة فى الدوجماطيقية هي التي تفسر انبهارى بمذهب برجسون لفترة طويلة من الزمان، أى فى الخمسينيات عندما بدأت الانشغال بمشكلة بناء المذاهب. فقد بذل برجسون جهداً بارزاً فى المحافظة على اللادوجماطيقية وذلك بتأسيس مذهب مفتوح.»

ولأن الدوجماطيقية تتوهم إمتلاكها للحقيقة المُطلَقة، فإن النسق المعرفي والثقافي لها يُكوِّن مذهب مُغلَق لا يتسامح مع أي نسق معرفي مُغاير ففي هذه الحالة يتحتم الصراع على المُطلقات، ويتهدد السلام الإجتماعي مما يتعذر معه الحديث عن أي وعي بقبول الآخر. فيتحول الواقع الإجتماعي والسياسي داخل هذه البنية المعرفية إلى واقع إقصائي واُحادي التوجة والسلوك مما يخلق المُبررات الموضوعية لظهور طبقة الطغاة والدكتاتوريات السياسية والاجتماعية والدينية.

وهذا بالضرورة يؤدي إلى دخول العقل في حالة سُبات دوجمائي تحت رعاية النظم السياسية والاصوليات الدينية والتجمعات العرقية المغلقة.

دفاعاً عن العقل ذهب مراد وهبة إلي ضرورة التحرر من سُلطة المُطلق ببناء وعي معرفي يرتكز على عنصري بناء للعقل النقدي.

١ – العَلمانية:

ولتحقيق هذا أعاد تعريف العلمانية بما يتناسب مع غايته الفلسفية ​(تعريف العلمانية ليس بأنها الفصل بين الدين والدولة لان هذا الفصل معلول للعلمانية، أما علة هذا الفصل فهو «التفكير فى النسبي بما هو نسبي وليس بما هو مطلق». وهذا هو تعريفنا للعلمانية.)

من خلال هذا التعريف ينقل مراد العلمانية من كونها مُنتَّج حداثي إلى كونها أداة عقلية يحتاج إليها العقل ليتحرر من غفلته الدوجماطيقية ويكون قادر على النظر إلى الافكار من واقع نسبيتها والإعتراف بعدم إمتلاك الحقيقة المُطلَقة.

وهذا التعريف يُهدِر كل محاولات الاصوليات الدينية التى تعمل على تشويه العلمانية، فهذه الاصوليات تبيع العلمانية في ثوب الفسق والفجور والحرب على الدين وهذه اوهام تختلقها الاصوليات لتدجين العقل داخل السياق الفكري الذي تنتجه هذه الاصوليات المتطرفة.

٢ – التأويل:

هذه هى الآلية الثانية التي يقدمها مراد وهبة كضرورة للعقل ليتحرر من سُلطة التراث القديم، ولكي تسقط أي وصاية دينية على العقل، ولكي يخلق حالة حقيقة من التسامح الإجتماعي القائم على حرية العقل وحرية الفكر لذلك يقول (وإيا كان التناقض بين كل من ادموند بيرك وتوماس بين، فإنهما متفقان على أن قضية حقوق الإنسان في أساسها اختيار بين الأموات والأحياء، أو بين الرؤية الماضوية والرؤية المستقبلية. الرؤية الماضوية، بعد حذفها للمستقبل، تحجر التراث، وذلك بأن تلتزم بحرفيته، فلا تقبل تأويله، فتضفى عليه القداسة، ومن ثم «المطلقية» أى الدوجماطيقية. أما الرؤية المستقبلية فمتجاوزة للرؤية الماضوية، دون إلغائها، وإنما تأويلها. ومن ثم فإن الرؤية المستقبلية، من حيث هى مستقبلية، لا تلازمها الدوجماطيقية).

هنا لا يقف مراد وهبة موقف الرافض للتراث إنما يسعى إلى بناء وعى قائم على تأويل هذا التراث، حتى لا يتحجر ويصبح عائق في سبيل تقدم العقل، وحتى لا يتحول هذا التراث إلى دوجما تعمل على تكفير وهرطقة الآخر.

هنا في وعي مراد وهبة يجب أن لا يحكمنا الاموات بل يجب إعمال العقل للتحرر من حالة التقديس للماضي ومنتجاته التراثية.

ثانياً: ابن رشد ودفاعه عن العقل

دخل العقل العربي في محنة كبرى على يد الإمام أبي حامد الغزالي، لأن الإمام دخل في حالة شك قاده هذا الشك إلى إنكار قدرة العقل على إكتشاف الحقيقة لهذا إنحاز أبو حامد الغزالي إلى الإيمان كبديل موضوعي لمعرفة الحقيقة الكاملة والمطلقة. وأين توجد هذه الحقيقة فإنها توجد في الوحي الإلهي، لهذا إرتفع النص فوق العقل عنده.

فقام الإمام أبو حامد الغزالي بالرد على الفلاسفة في كتابه (تهافت الفلاسفة) حيث أدانهم بالكفر.

ونحن هنا نلخص رؤية الإمام في جانبين فقط:

١ - إنعدام السببية أو علية حدوث الأشياء.

تعتبر هذه القضية هى الضربة القاضية للعقل العربي حيث قال (الاقتران بين ما يعتقد في العادة سبباً، وبين ما يعتقد مسبباً، ليس ضرورياً عندنا، بل كل شيئين، ليس هذا ذاك، ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما، متضمناً لإثبات الآخر، ولا نفيه متضمناً لنفي الآخر؛ فليس من ضرورة وجود أحدهما، وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما، عدم الآخر، مثل الري والشرب، والشبع والأكل، والاحتراق ولقاء النار، والنور وطلوع الشمس، والموت وجز الرقبة، والشفاء وشرب الدواء، وإسهال البطن واستعمال المسهل، وهلم جراً، إلى كل المشاهدات، من المقترنات في الطب والنجوم والصناعات والحرف.

فإن اقترانها لما سبق من تقدير الله سبحانه، بخلقها على التساوق لا لكونه ضرورياً في نفسه، غير قابل للفوت، بل في المقدور خلق الشبع دون الأكل، وخلق الموت دون جز الرقبة، وإدامة الحياة، مع جز الرقبة، وهلم جراً إلى جميع المقترنات. وأنكر الفلاسفة إمكانه، وادعوا استحالته.

والنظر في هذه الأمور الخارجة عن الحصر يطول، فلنعين مثالاً واحداً، وهو الاحتراق في القطن مثلاً، عند ملاقاة النار، وإنا نجوز وقوع العلاقة بينهما دون الاحتراق، ونجوّز حدوث انقلاب القطن، رماداً محترقاً، دون ملاقاة النار وهم ينكرون جوازه).

هنا واضح جلياً أن الإمام ينكر السببية الطبيعية ويرجع حدوث الإشياء إلى قدرة الله تعالى، لذلك ينسب فعل الإحراق إلى الملائكة أو بدون وساطة أما النار فليس بها فعل الإحراق.

هنا يتجلى دور ابن رشد في الرد على الإمام الغزالي قائلاً (فمن أنكر وجود الأسباب الفاعلة الظاهرة في المحسوسات، فقد جحد الحكماء ورفع الفلسفة. فإن من جحد وجود الأسباب الفاعلة فقد جحد العلم، لأن العلم ليس هو شيئاً أكثر من إدراك الأسباب)

(والعقل ليس هو شيئاً أكثر من إدراكه الموجودات بأسبابها، وبه يفترق عن سائر القوى المدركة؛ فمن رفع الأسباب فقد رفع العقل. وصناعة المنطق تضع وضعاً أن هاهنا أسباباً ومسببات، وأن المعرفة بتلك المسببات لا تكون كاملة إلا بالمعرفة بأسبابها. فرفع هذه الأشياء هو إبطال للعلم وهدم له)

(فإنه إن كان كينونة الشَّيء عن الشَّيء ليست إلَّا باقترانهما أجرى الله العادة بذلك، فليس لشيءٍ من الأشياء فعلٌ يخصُّه بصفته وطبيعته، ولا لشيءٍ اسماً يخصُّه بحده. ومَنْ رفع الطبائع الذاتية للأشياء فقد رفع الذوات، إذ كانت الذوات إنما تُميز وتُعرف بأفعالها وطبائعها).

من خلال هذه الردود التي قدمها فيلسوف الاندلس نجد إنه قدم دفعاً مُحكمَاً عن العقل والعلم الطبيعي والحقيقة الفيزيائية للأشياء ولا يمكن التفسير الصحيح للعلم بدون معرفة السببية في حدوث الوقائع.

٢ - الاجماع والتأويل.

فقد رد ابن رشد على الامام الغزالي الذي كفر الفلاسفة عندما قدموا تأويل حول (قدم العالم - علم الله بالكليات - ويوم الحشر) كالآتي:

(​«فإن قلت: فإذا لم يجب التكفير بخرق الإجماع في التأويل إذ لا يتصور في ذلك إجماع، فما تقول في الفلاسفة من أهل الإسلام؛ كأبي نصر وابن سينا؟ فإن أبا حامد قد قطع بتكفيرهم في كتابه المعروف بـ «التهافت» في ثلاث مسائل: في القول بقدم العالم، وبأنه تعالى لا يعلم الجزئيات ـ تعالى عن ذلك ـ وفي تأويل ما جاء في حشر الأجساد وأحوال المعاد. ـ قلنا: الظاهر من قوله في ذلك انه ليس تكفيره اياهما في ذلك قطعاً، إذ قد صرح في «كتاب التفرقة» ان التكفير بخرق الإجماع فيه احتمال.

وقد تبين من قولنا انه ليس يمكن ان يتقرر إجماع في امثال هذه المسائل، لما رُوي عن كثير من السلف الأول، فضلاً عن غيرهم، ان ههنا تأويلات يجب ان لا يفصح بها إلا لمن هو من أهل التأويل، وهم الراسخون في العلم. لأن الاختيار عندنا هو الوقوف على قوله تعالى «والراسخون في العلم»، لأنه اذا لم يكن اهل العلم يعلمون التأويل لم تكن عندهم مزية تصديق توجب لهم من الايمان به ما لا يوجد عند غير اهل العلم. وقد وصفهم الله بأنهم المؤمنون به، وهذا انما يحمل على الايمان الذي يكون من قبيل البرهان، وهذا لا يكون إلا مع العلم بالتأويل).

يقطع فيلسوف الأندلس بضرورة التأويل للنص إذا ما صار هناك تعارضاً مع الحقيقة لهذا تحدث عن الظاهر والباطن في النص كما قال بعدم إمكانية حدوث الإجماع الذي لا يمكن خرقه.

هنا يُظهِر إبن رشد سلطان العقل كهبة من الله بحيث يستطيع التوفيق ما بين الشريعة والعقل. ويدافع عن حق التفلسف لأن البرهان هو أعلى درجات الوعي الإنساني عنده.

الخلاصة:

إذن إستدعاء إبن رشد للسياق المعاصر ليس ضرباً من الإنكفاء على الماضي ولكن هى محاولة لمقاومة الدوجماطيقية التي تعتمد على التراث المنغلق، من خلال تيار تراثي آخر يعمل على بناء عقلي حر من خلال نسق معرفي قادر على تأويل النص عندما يتعارض مع الحقيقة.الوسط الثقافي العربي الراهن يعكس حالة من الجمود الفكري يعتمد على يقينية الحقيقة المطلقة التي سجنت العقل العربي في سجون الماضي. لذلك يرى مراد وهبة أننا نحيا في القرن الثاني عشر الميلادي تحت سلطة العقل الدوجماطيقي وطريق الخروج من هذا النفق هو إستعادة وعي إبن رشد في إدراكه إنه (لا يوجد إجماع) وإنه (من حق العقل التفلسف وتأويل النص)

***

أشرف منير رمزي

أحيانًا لا نفهم كتابًا بمجرد قراءته، ولا تستقر معانيه في أعماقنا إلا بعد سنوات طويلة، حين تمنحنا الحياة تجربة جديدة تعيد ترتيب ما قرأناه، وتضيء في ذاكرتنا مناطق ظلت معتمة، وتصل بين أفكار حسبناها متباعدة، فإذا بها تلتقي في لحظة نادرة من لحظات الاكتشاف. وربما كانت أجمل لحظات المعرفة تلك التي لا تأتي من كتاب جديد، بل من الحياة نفسها؛ حين نرى بأعيننا ما قرأناه يومًا، ونشعر بأن فكرة قديمة كانت تنتظر تجربتها المناسبة كي تكشف لنا عن معناها الحقيقي. هذا ما حدث لي في مرسم الفنانة التشكيلية المغربية الأصل، الهولندية الجنسية، دنيا البيضاوية، سيدة أربعينية، خبرته في الحياة وثقافتها اكبر من عمرها. عزمتنا في منزلها الفسيح بقلب مدينة لاهاي الهولندية. هناك، بين اللوحات والألوان وتداعيات الحديث عن الفن والحياة، شعرت بأنني أعود إلى كتاب قرأته قبل أكثر من ثلاثة عقود، وأفهم منه شيئًا لم أكن قد أدركته على النحو نفسه من قبل.

تعود الحكاية إلى دمشق عام 1993، حين كنت أُعِدّ رسالة الماجستير في الوجود والماهية عند جان بول سارتر، بإشراف الدكتور أحمد نسيم برقاوي، الذي كان يتولى حينها رئاسة قسم الفلسفة بجامعة دمشق. في تلك المرحلة من حياتي، قرأت كتاب «المرأة: بحث في سيكولوجية الأعماق» لعالم النفس البلجيكي بيير داكو (1910–1992)، فكانت قراءته أشبه بنافذة انفتحت على أسئلة ظلت ترافقني منذ طفولتي: ما الذي يميز التجربة الإنسانية للمرأة عن تجربة الرجل؟ وكيف تنعكس الفروق في التنشئة والخبرة العاطفية والاجتماعية على طرائق التفكير والتعبير والإبداع؟ وهل يمكن للمرء أن يفهم العالم الداخلي للآخر من دون أن يختزله في تجربته الخاصة، أو أن يفرض عليه مقاييسه وأحكامه المسبقة؟

لم تكن تلك الأسئلة بالنسبة إليّ مجرد تمرين نظري في علم النفس أو الفلسفة، بل كانت متصلة بذاكرة شخصية قديمة، بوجوه أبي وأمي، وبالطريقة التي تشكل بها وعيي الأول بالعالم. فقد أعادت قراءة الكتاب إلى ذاكرتي مشاهد من طفولتي لا تزال حاضرة في أعماقي، كأن الزمن لم يمضِ عليها كل هذه العقود.

أتذكر أبي، رحمه الله، بما كان عليه من قسوة وصرامة وعنف في التربية. كان يردد عليّ عبارته التي لا تزال ترن في أذني: «إذا لم تكن ذئبًا أكلتك الذئاب». كانت تلك العبارة تختصر فلسفة كاملة في الحياة؛ فلسفة ترى العالم غابة، والناس ذئابًا، والنجاة فيه مرهونة بالقدرة على المواجهة والاحتراس، وربما المبادرة إلى الصراع قبل أن يسبقك الآخرون إليه. لم يكن أبي، في تقديري اليوم، يريد لنا الشر، بل كان يخشى علينا من عالم لا يثق برحمته، ويحاول أن يسلحنا بما يعتقد أنه ضروري لمقاومة قسوته. لكن الخوف حين يتحول إلى منهج في التربية قد يجعل الحياة كلها معركة، حتى عندما لا تكون كذلك.

أما أمي، رحمها الله، فكانت الوجه الآخر للعالم. كانت الحضن الدافئ الذي نهرب إليه ونحتمي به من قسوة أبي، والملاذ الذي نستعيد فيه شعورنا بالأمان بعد الخوف. كانت تقول لنا إنه يحبكم ويخاف عليكم، ثم توصيَنا بما يشبه الوصية الأخلاقية التي تختصر حكمة الحياة: حافظوا على أنفسكم ولا تكرهوا الناس؛ فإن عداوة شخص واحد أخطر من ألف صديق.

ما أبعد المسافة بين فلسفتين في التربية، وما أعمق أثرهما في تشكيل الوجدان الإنساني! هناك أب يهيئ أبناءه لمواجهة عالم الذئاب، وأم تحاول أن تحمي في نفوسهم القدرة على المحبة، وألا يتحول الخوف إلى كراهية، ولا تتحول تجربة الأذى إلى رغبة في الانتقام. لم أكن، وأنا طفل، أمتلك اللغة التي أفسر بها هذا التباين، لكنني كنت أشعر به وأعيشه. وحين قرأت كتاب بيير داكو بعد سنوات، وجدت في بعض أفكاره ما يشبه التغذية الراجعة لذاكرة قديمة؛ كأن المعرفة النظرية أعادت إليّ صورًا من حياتي، ومنحتها لغة جديدة للتأمل والفهم.

وقبل أيام، استيقظت هذه الأسئلة من جديد خلال مشاركتي في صالون تفكير، في ندوة عن رواية الكاتب والروائي المصري محمد توفيق الجديدة «موعد مع كلوني»، أدارتها الأستاذة نهلة هنو بكفاءة واقتدار. كانت الرواية، كما بدا لي من الحديث عنها، تدور أحداثها خلال يوم واحد، وتتمحور حول ثلاث صديقات من الطبقة الوسطى، فيما تشغل النساء مساحة أساسية من عالمها السردي.

ومن محاسن الصدف أنني وجدت نفسي، بعد أيام قليلة، أمام تجربة فنية جعلت هذا السؤال أكثر حضورًا ووضوحًا. فقد زرت مرسم الفنانة دنيا البيضاوية في منزلها بمدينة لاهاي، برفقة صديقي الفنان التشكيلي العراقي الأصل الألماني الجنسية. وما إن بدأت أتأمل اللوحات التي يضمها المرسم، وأستمع إلى الفنانة وهي تحدثنا عن أعمالها وتجاربها، حتى شعرت بأن شيئًا ما يتشكل في ذهني، وأن الأسئلة التي أثارتها الرواية تعود إليّ من نافذة أخرى، نافذة الفن التشكيلي هذه المرة. هناك فهمت المعنى الذي كنت أبحث عنه.

لم يكن الأمر اكتشافًا لقانون عام يفصل بين إبداع المرأة وإبداع الرجل، ولا وصولًا إلى حكم نهائي في مسألة شائكة تتداخل فيها النفسية والاجتماعية والثقافية والتاريخية. كان الأمر أقرب إلى التقاط حساسية جمالية يصعب الإمساك بها في تعريفات نظرية قاطعة، لكننا قد نشعر بها بوضوح ونحن نتأمل عملًا فنيًا، أو نقرأ رواية، أو نصغي إلى حكاية شخصية صيغت بصدق وحرارة.

في لوحات دنيا، شعرت بحضور كثيف للتفاصيل الإنسانية، وباهتمام لا ينفصل فيه الشكل عن العاطفة، ولا تنفصل فيه الأشياء عن علاقاتها بالحياة. لم تكن اللوحة عندي مجرد سطح تتجاور فوقه الألوان والخطوط، بل فضاءً تتشكل فيه علاقة بين الذات والعالم، بين الذاكرة واللحظة الراهنة، وبين ما نراه بأعيننا وما نحمله في أعماقنا من تجارب ومشاعر. كان ثمة ميل إلى الاحتفاء بالحياة في تفاصيلها الصغيرة، وإلى التقاط ما قد يبدو عابرًا أو هامشيًا، لكنه يحمل في داخله معنى إنسانيًا يستحق التأمل.

ولعل هذا هو الفارق الذي كنت أحاول الإمساك به: ليس اختلافًا في القدرة على الإبداع، وإنما اختلاف محتمل في زاوية النظر، وفي نوع التفاصيل التي تستوقف المبدع، وفي طبيعة العلاقة التي يقيمها بين الإنسان والعالم. فثمة أعمال فنية تشدنا إلى صخب الخارج، وإلى الصراع والمواجهة والقوة والحركة، وثمة أعمال أخرى تقودنا إلى الداخل، إلى الذاكرة والعاطفة والحميمية والروابط التي تمنح الحياة معناها. وقد يجتمع المساران في تجربة واحدة، أو يتبادلان المواقع، لكن حضور أحدهما أو الآخر يترك أثره في طبيعة العمل وفي إحساس المتلقي به.

ففي حدود ما استقر في ذاكرتي من قراءتي القديمة لكتاب المرأة، كان الكتاب يحاول استكشاف أعماق التجربة الأنثوية وصلتها بالحياة والأمومة والرعاية والحنان. غير أنني لا أريد أن أحول هذه الأفكار إلى حقائق نفسية نهائية، أو أن أنسب إلى الكتاب استنتاجات تفصيلية لا أستحضر نصوصها الآن. ما استدعته الزيارة هو الفكرة الأوسع: أن القدرة على احتضان الحياة ورعايتها قد تجد تعبيرًا جماليًا في الإبداع، وأن الخبرة العاطفية لا تقل شأنًا عن الخبرة العقلية في تشكيل رؤية الإنسان للعالم.

فالأمومة، بهذا المعنى الإنساني الواسع، ليست مجرد وظيفة بيولوجية، ولا ينبغي اختزال المرأة فيها أو اتخاذها معيارًا وحيدًا لأنوثتها. إنها، حين تتحول إلى قيمة أخلاقية وجمالية، صورة من صور الرعاية التي يمكن أن تتجلى في الفن والأدب والتربية والعمل الاجتماعي، كما يمكن أن نجدها لدى رجال ونساء على السواء. الإبداع ليس رحمًا بيولوجيًا، لكنه قد يكون فعلًا من أفعال منح الحياة شكلًا ومعنى؛ فالكاتب يعتني بشخصياته، والفنان يمنح اللون فرصة للكلام، والموسيقي يحتضن الصوت حتى يصير تجربة وجدانية، والمعلم يساعد فكرة على أن تولد في عقل تلميذه.

أهدتنا الفنانة دنيا لوحتين من أعمالها، فكان الإهداء في نظري أكثر من لفتة كريمة من فنانة تحتفي بضيوفها. كان امتدادًا لتلك اللحظة الجمالية التي جمعتنا في المرسم، وللحوار الذي دار بين الفن والذاكرة والفلسفة. ومن بين الأعمال التي حدثتنا عنها لوحة «البقرة الضاحكة» التي أهدتها إلى الأميرة؛ وهي لوحة تستوقفني، من حيث عنوانها على الأقل، بما يوحي به الضحك من خروج على المألوف، وبما يتيحه الحيوان في المخيلة الفنية من إمكانات للتعبير عن البراءة والمفارقة والبهجة. لكن قيمة العمل الفني لا تختزل في عنوانه، بل في الطريقة التي يبني بها الفنان علاقته بموضوعه، ويمنحه حضورًا يتجاوز وظيفته أو صورته المعتادة.

هكذا بدا لي المرسم فضاءً تتجاور فيه التجربة الشخصية مع الخيال، وتتحول فيه الأشياء المألوفة إلى أبواب للدهشة. ولعل هذا ما يفعله الفن الجيد: لا يغير العالم بالضرورة، لكنه يغير طريقة رؤيتنا إليه. يجعلنا نتوقف عند ما اعتدنا المرور به دون انتباه، ويعيد الاعتبار إلى ما أهملناه، ويمنحنا فرصة لاكتشاف أنفسنا من خلال شيء صنعه شخص آخر.

وبالعودة إلى أ لسؤال الذي أثارته رواية محمد توفيق: هل ثمة حساسية نسوية مميزة في الكتابة والفن؟ أعتقد أن الإجابة تحتاج إلى شيء من الحذر، بعيدًا عن التعميمات التي تحول الملاحظات الجمالية إلى قوانين ثابتة. نعم، يمكننا أن نلحظ في بعض تجارب النساء ميلًا إلى الحميمية، وإلى العناية بالتفاصيل الوجدانية، وإلى استكشاف الهوية والأمومة والذاكرة والتحولات الداخلية. ويمكننا كذلك أن نجد في بعض تجارب الرجال ميلًا إلى البناء الملحمي أو الصراع الخارجي أو الموضوعات السياسية والتاريخية الكبرى. لكن هذه ميول محتملة وليست حدودًا فاصلة، ولا تصلح للحكم على كل فنان أو كاتب بحسب جنسه.

ورغم ذلك الأحساس بالاختلاف فانا لست من أنصار الفصل العنصري أو النوعي في الأدب والفن، ولا أرى أن المرأة تملك احتكارًا للحنان، أو أن الرجل محكوم بغريزة الصراع. إنما أقر بوجود فروق في الخبرات الاجتماعية وفي طرائق التعبير قد تنعكس على الأعمال الإبداعية، وفروق يصعب أحيانًا القبض عليها بالمفاهيم، لكننا نشعر بها أثناء القراءة أو التأمل. والمطلوب ليس إقامة جدار بين إبداع المرأة وإبداع الرجل، بل توسيع أفق النظر حتى نستطيع استقبال اختلاف التجارب الإنسانية بوصفه مصدرًا للثراء، لا ذريعة للتمييز أو المفاضلة المطلقة فالمرأة ليست عنصرًا إضافيًا يمكن الاستعانة به حين تحتاج المجتمعات إلى مزيد من الأيدي العاملة، وليست فئة ينبغي منحها بعض الحقوق على سبيل التفضل أو الإحسان. إنها شريك أصيل في بناء المجتمع، ومصدر أساسي من مصادر تجديده المدني والثقافي والحضاري. ولا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة فيما تُحرم النساء من فرص التعليم والعمل والمشاركة وصنع القرار، أو فيما تُختزل أدوارهن في وظائف تقررها الأعراف سلفًا، بصرف النظر عن رغباتهن وقدراتهن.

التنمية شراكة مجتمعية، والمرأة ليست موضوعًا للتنمية فحسب، بل فاعل فيها وصاحبة حق في تحديد غاياتها ووسائلها. وحين أقول إن المرأة وطن الأوطان كلها، فإنني لا أقصد حبسها داخل صورة الأمومة، ولا تحميلها وحدها مسؤولية رعاية العالم، بل الإشارة إلى ما تمثله خبرة الرعاية والحب والأمان من أساس في تكوين الإنسان. فالمرأة، بوصفها أمًا أو ابنة أو أختًا أو زوجة أو صديقة أو مواطنة أو مبدعة، ليست وظيفة واحدة، وإنما كائن إنساني كامل تتعدد إمكاناته وحقوقه واختياراته.

إن التفكير في المرأة هو، في أحد أبعاده، تفكير في الإنسان كما يعيش حياته الفعلية، لا كما تصوره الأيديولوجيات والشعارات. هو تفكير في الطفل الذي يحتاج إلى الأمان، وفي الأسرة التي لا تقوم على السيطرة وحدها، وفي المجتمع الذي لا يستطيع أن ينهض إذا جعل نصف طاقته على الهامش، وفي الحضارة التي لا تُقاس بما تشيده من مبانٍ وما تحققه من انتصارات فقط، بل بما توفره من كرامة وحرية وعدالة وفرص متكافئة للحياة والإبداع.

ولعل أجمل ما في زيارة دنيا أن هذه الأفكار لم تأتني في صورة محاضرة أو مرافعة نظرية، بل جاءت من تجربة إنسانية بسيطة: دعوة كريمة، ومرسم مفتوح، ولوحات تستحق التأمل، وحديث صادق عن الفن، وصداقة تجمع أشخاصًا من ثقافات وتجارب مختلفة. كنت برفقة فنان عراقي الأصل ألماني الجنسية، نستمع إلى فنانة مغربية الأصل هولندية الجنسية، في مدينة أوروبية تحتضن هذا اللقاء العابر للحدود. في تلك اللحظة، بدا لي أن الفن يفعل ما تعجز عنه السياسة أحيانًا؛ إنه يفتح مجالًا للقاء بين المختلفين من دون أن يطلب منهم التخلي عن اختلافهم، ويجعل الحوار ممكنًا من دون أن يشترط الاتفاق المسبق.

يومًا بهيجًا، امتد بنا إلى زيارة كورهاوس، ذلك المعلم التاريخي الشهير على شاطئ بحر الشمال في منطقة شيفينينغن. هناك، في فضاء تتعانق فيه مياه البحر مع الذاكرة المعمارية للمدينة، بدت الزيارة امتدادًا طبيعيًا لما بدأ في المرسم: تأمل العلاقة بين الإنسان والجمال، وبين التاريخ والحياة، وبين ما يصنعه البشر من آثار وما يتركونه في وجدان بعضهم بعضًا. فالمباني العريقة، مثل الأعمال الفنية، لا تكتسب معناها من مادتها وحدها، بل من التجارب والذكريات واللقاءات التي تستقر حولها، ومن قدرتها على جعل الماضي حاضرًا في وعينا.

وحين عدت بذاكرتي إلى دمشق عام 1993، وإلى كتاب بيير داكو عن المرأة وسيكولوجية الأعماق، أدركت أن بعض الأفكار تحتاج إلى سنوات طويلة كي تكشف لنا الحياة عن معناها. ففي مرسم دنيا الجميل، التقت الفلسفة بالفن، والذاكرة بالتجربة، واستعدت وجه أمي، وحكمتها التي علمتني أن النجاة لا تعني أن نصير ذئابًا، وأن القوة الحقيقية ليست في إخضاع الآخرين، بل في حماية إنسانيتنا من القسوة والكراهية. هناك فهمت أن الفن ليس مجرد ألوان وخطوط، وإنما نافذة على أعماق الإنسان، وعلى ما تختزنه الحياة من حب وحنان وذاكرة ودهشة. كل الشكر للفنانة دنيا البيضاوية على كرم ضيافتها وحفاوة استقبالها، وعلى هديتها الفنية الرائعة التي ستظل ذكرى جميلة لهذا اللقاء الإنساني الدافئ. وحين امتدت بنا الزيارة إلى شاطئ بحر الشمال في لاهاي، كان للبحر حكاية أخرى في أعماقي؛ فقد أيقظت أمواجه البعيدة ذاكرة بحر عدن، ذلك البحر الذي يسكن روحي مهما ابتعدت عنه المسافات، وتظل مياهه الزرقاء جزءًا من جغرافيتي الداخلية التي لا تعرف المنفى. ما أجمل أن يمنحنا مكان جديد فرصة العودة إلى أماكننا الأولى، وأن تقودنا لوحة إلى وجه أم، ويعيدنا بحر غريب إلى بحر الوطن! شكرًا لدنيا، وللفن الذي يجمع المختلفين، وللحياة التي تفاجئنا أحيانًا بمعانيها في أكثر اللحظات بساطة وصدقًا. فبعض اللقاءات لا تنتهي عند باب المرسم، بل تظل مفتوحة في الذاكرة، مثل لوحة جميلة، ومثل بحر عدن الذي لا يغادر القلب أبدًا.

***

د. قاسم المحبشي

يُعدُّ فعل "أعطى" فعلاً حركياً يصف حدثاً معيناً، ويشغل نطاقا واسعاً من المعاني؛ مثل: التزويد، والتبرع، والتسليم، والتقديم، والإهداء، والإخبار، والإعلام، وتقديم النصيحة. وتظل دلالات هذا الفعل عصيةً على الحصر أو التقييد نظراً لتعدد أبعاده وتنوع معانيه. ففي جوهره، ينتقل العطاء من المعطي / المانح إلى المتلقي، ويحدث في سياقات محددة تنتقل بين حالات الحاجة، والتعاطف، والتعاون، والشعور بالواجب لأداء رسالة نبيلة؛ إذ يزخر العطاء بمزيج ساحر يجمع بين ما هو حركي وما هو ساكن، وبين المادي وغير المادي، وبين ما هو مقصود وما هو عفوي.

قد يبدو فعل العطاء عملاً إنسانياً نبيلاً، لكنه بلا شك أمرٌ مُنهك ومُستنزِف؛ إذ يبذل المرء جهداً كبيراً لمواساة الآخرين، وتقديم العون لهم، ومساعدتهم في حل مشكلة ما أو تجاوز عقبة تعترض طريقهم. وهذا يعني -ضمنياً- الانخراط ذهنيا ونفسيا في همومهم ومتاعبهم، مما يجلب على صاحبه الضيق والإرهاق، لينتهي به المطاف -في الغالب- في مواجهة نكران الجميل بدلاً من التقدير. والأسوأ من ذلك كله، أن البعض ينظرون إلى هذا الشخص المعطاء نظرة ازدراء واستخفاف، واصفين إياه بالساذج، باعتباره شخصاً لم يبلغ أشده في فهم الحياة ولم يكتسب الخبرة اللازمة، ويظل غير قادر على التكيف مع الظروف المتغيرة.

إذن، لماذا يضطر المرء إلى الانخراط في متاهة كهذه، في حين يمكنه النأي بنفسه عنها والحفاظ على سلامة روحه وهدوئها؟ ولماذا يتوجب عليه دفع ثمن باهظ مقابل خدمة كان بوسعه رفضها منذ البداية، والاكتفاء بكلمة "لا" ببساطة وسرعة؟ أليس من الأفضل التحلي بالواقعية والعقلانية، بل وحتى "الأنانية" لحماية منطقة الأمان الشخصية، والاستثمار في احترام الذات وتقديرها وحبها؟ ألا يرتكز أي إنجاز ناجح على المبادرة الفردية؟ أليس الجميع مدعوين للسعي نحو بلوغ أحسن صيغة من ذواتهم (بناء واستغلال إمكانياتهم)؟ بالتأكيد، هذه تساؤلات وجيهة وموضوعية، لكنها تظل قابلة للنقاش.

ظاهريا، يتيح تبني نهج "الأخذ" توفير الوقت والجهد والتركيز على مصالحه الشخصية، بدلاً من الانشغال بالآخرين واستنزاف طاقته من أجلهم. غير أن هذا النهج يفسح المجال لهيمنة النزعة الفردية المفرطة، مما قد يقود إلى الانتهازية والانعزال عن الآخرين، ويحرم المرء من نِعَمٍ ومزايا عديدة يمكن اكتسابها من خلال التفاعل معهم. وعلاوة على ذلك، فإن هذا السلوك يجرد العلاقات الإنسانية من جوهرها وسبب وجودها، والمتمثل في الحب والتعايش وخدمة بعضنا البعض. وبعبارة أخرى، كيف يمكننا النظر إلى وجود العائلة والأصدقاء في ظل سياق تطغى فيه الفردية وتعلو المصلحة الذاتية وتُقصى كافة القيم الإنسانية الأخرى؟

لا أحد ينكر التكلفة العالية للعطاء، ولا ما يتطلبه من جهد بدني وعاطفي وذهني؛ ومع ذلك، فإن العطاء يفيض بالبركات حين ينبع من إخلاصٍ صرف. فكيف يحدث ذلك؟

يُقدِّم المرءُ العطاءَ دون انتظار مقابل، بل حتى دون انتظار كلمة "شكراً"؛ إنه يعطي من أجل العطاء ذاته، مدركاً -سواء عن وعي أو دونه- أنه يغوص في بحرٍ زاخرٍ بالبركات. وفي الواقع، يغمر شعورٌ بالسعادة والرضا نفسَ المُعطي؛ إذ يمنحه العطاء إحساساً بأهمية دوره والقدرة على تقديم عملٍ قيّمٍ يُعزز تقديره لذاته ويُنمّيه. بالإضافة إلى ذلك، فإن مد يد العون للآخرين يُكسب المرء احتراماً واعتزازاً بالنفس، إذ يدرك تماماً أهمية الخير الذي يقبل عليه، وكيف ينتصر على نوازع الشر الكامنة في داخله، وكيف يتحدى غرائزه الأولية -كالأنانية والفردية والجشع.

وأخيراً، يجعل العطاء المرء أكثر استقلالية واعتماداً على الذات؛ مما يمنح المعطي ثقةً بالنفس وشجاعةً وقوةً في الشخصية وسلاماً داخلياً. وعليه، فإن العطاء يرقى إلى وسيلة علاجية تدعم الصحة العاطفية، وتُطهّر الروح، وتحمي جوهر كياننا الإنساني.

غالباً ما نركز على الجوانب المادية للعطاء ونتجاهل أبعاده الروحية، والقيم التي ينشرها، والثقافة التي يرسخها، لكن حين نتحلى بالهدوء ونُعمل العقل ونتأمل بعمق، نُذهل أمام القيمة الهائلة للعطاء والأثر المتميز الذي يتركه. لذا، ينبغي أن يتجسد "العطاء" كعقيدة وأسلوب حياة، المعطي ينال في نهاية المطاف كل ما هو جميل خلال رحلة العطاء.

لكل عملٍ خيّرٍ تقبل عليه ثمنٌ يُدفع، ولكن في المقابل نِعَمٌ لا حصر لها تُجنى. ولكل فردٍ حرية اختيار نهجه في الحياة: إما أن يكون معطياً، أو آخذاً، أو ممن يتبادلون العطاء والأخذ بالمثل.

***

عزيز أشيبان (المغرب)

 

ثمة روايات نقرأها فنعرف حكاية، وثمة روايات نقرؤها فنعيد اكتشاف الإنسان فينا، ونكتشف أن المسافة بين المجد والانكسار، وبين الحب والخطيئة، وبين السلطة والعدالة، ليست بالاتساع الذي نتخيله. ومن هذا النوع تأتي رواية «عثماني والهوى نوميدي» للروائية الجزائرية ليلى تباني، التي تعود بنا إلى قسنطينة في زمن صالح باي، لا لكي تستعيد صفحة من التاريخ الجزائري فحسب، بل لكي تفتح أسئلة الإنسان الكبرى أمام محكمة الذاكرة والضمير.

كنت قد كتبت سابقًا عن روايتها التاريخية «تهنينان»، التي أعادتني إلى عالم الصحراء الكبرى، وإلى ذلك الفضاء الذي ظل حاضرًا في ذاكرتي القرائية منذ أن قرأت «سباق المسافات الطويلة» و«مدن الملح» لعبد الرحمن منيف، و«رجال في الشمس» لغسان كنفاني، و«تعيسة» للروائي السوداني بشرى الفاضل، التي قرأتها خلال زيارتي الخرطوم عام 2018. وقد أعادت رواية «تهنينان» إليّ متعة اكتشاف الصحراء لا بوصفها جغرافيا قاحلة فحسب، بل بوصفها ذاكرة مفتوحة على التاريخ والأسطورة والهوية وأسئلة البقاء والفناء.

كانت الصحراء في رواية «تهنينان» أكثر من مجرد مسرح للأحداث؛ كانت كيانًا حيًا يعيد تشكيل الإنسان، وفضاءً تتصارع فيه الذاكرة مع النسيان، والأثر مع المحو. وحين يصف الراوي الرمال بقوله: «رمال في رمال في رمال. كأن الرمال ابتلعت كل شيء، حتى القبور التي حفروها سرعان ما غمرتها الرياح، وكأن شيئًا لم يكن»، فإننا لا نكون أمام مشهد طبيعي فحسب، بل أمام استعارة كبرى للزمن الذي يمحو آثارنا، ويعيد ترتيب حكاياتنا، ويضع الإنسان أمام هشاشته الوجودية. غير أن ليلى تباني استطاعت، بقدرتها السردية، أن تحول تلك الصحراء الموحشة إلى واحة أدبية ظليلة، وأن تمزج التاريخ بالذاكرة، والفلسفة بالأسطورة، في تجربة روائية تستحق القراءة والتأمل.

ومن هنا أجدني، وأنا أقرأ «عثماني والهوى نوميدي»، أعود إلى سؤال الكتابة نفسها: هل ثمة اختلاف بين سرد يكتبه رجل ورواية تكتبها امرأة؟ لست من أنصار الفصل العنصري أو الجنسي في الأدب الإنساني، ولا أعتقد أن الإبداع يمكن اختزاله في جنس كاتبه، لكنني أقر بأن ثمة فروقًا دقيقة في الحساسية السردية، يصعب أحيانًا الإمساك بها بالمفاهيم والتعريفات، بينما نشعر بها بوضوح ونحن نقرأ. ففي بعض الكتابات النسوية التي قرأتها، تتسلل إلى السرد حميمية إنسانية مرهفة، حتى حين تدور الأحداث في قلب الصحراء القاحلة أو في ممالك الجن والأساطير؛ حميمية لا تلغي القسوة، لكنها تمنحها وجهًا إنسانيًا، ولا تنكر الصراع، لكنها لا تجعله اللغة الوحيدة لفهم الحياة.

في هذا النوع من الكتابة، لا تتصدر الحرب والحرق والقتل والتدمير والبطولة والنصر والهزيمة المشهد بالضرورة، ولا تتحول الشخصيات إلى أدوات لخدمة صراع محتدم يستعجل نهاياته. ثمة، بدلًا من ذلك، عناية بتفاصيل الحياة الصغيرة، وبالعلاقات الإنسانية، وبالذاكرة التي تسكن الأشياء، وبالأسماء التي تحمل مصائر أصحابها. تتقدم الحكمة والحلم والرفق والحنان، ويصبح الحب والتعاون والعشرة والاهتمام بالآخرين عناصر أصيلة في بناء العالم الروائي. وكأن الكتابة، في إحدى تجلياتها الأنثوية، لا تكتفي بصناعة الشخصيات، بل ترعاها، ولا تكتفي بتحريك الأحداث، بل تمنحها الوقت اللازم لكي تنضج وتكشف عن أسرارها.

ولعل استعارة الأمومة تساعدنا على فهم هذه الحساسية، لا بوصفها صفة بيولوجية ملازمة لكل امرأة، بل باعتبارها طاقة رمزية للرعاية والاحتضان والإنصات. فالرواية، في هذا المنظور، مولود لغوي يحتاج إلى العناية، والشخصيات كائنات لا ينبغي أن تُدفع إلى مصائرها بعنف الكاتب أو استعجاله. ومع ذلك، تظل هذه ملاحظة جمالية قابلة للنقاش، لا قانونًا عامًا؛ فالمرأة قادرة على كتابة العنف، والرجل قادر على كتابة الحنان، والأدب العظيم يتجاوز الحدود الجاهزة ليكشف ما هو إنساني ومشترك بينهما.

في «عثماني والهوى نوميدي» تتجلى هذه الحساسية في الطريقة التي تستعيد بها ليلى تباني شخصية صالح باي، حاكم قسنطينة، لا باعتباره اسمًا في سجل السلطة، وإنما إنسانًا يحمل ذاكرة مثقلة بالندم والحنين، ويقف بين ماضيه الشخصي ومصيره السياسي. إنها تنقل الشخصية من صفحات التاريخ إلى فضاء السؤال الأخلاقي: كيف يجتمع سلطان الحاكم مع هشاشة الإنسان؟ وهل يستطيع المرء أن يهرب من ماضيه، أم أن الماضي يظل مقيمًا في أعماقه، ينتظر لحظة الصمت كي يستعيد صوته؟

في المشهد الافتتاحي، يصبح البحر أكثر من خلفية مكانية؛ إنه ذاكرة عابرة للحدود، وجسر يصل قسنطينة بسميرنا، والماضي بالحاضر، والمنفى بالوطن الأول. تستيقظ في رائحته وأمواجه طفولة صالح باي وندوبه القديمة، وكأن الأماكن التي نغادرها لا تغادرنا بالضرورة، بل تستقر في أعماقنا وتظل قادرة على استدعاء ما ظننا أننا دفناه إلى الأبد.

ومن حكاية الفتى الفقير صالح، وحبه لعائشة، وصداقته بيعقوب، يتشكل جرح تأسيسي يغير مسار حياته. فموت الصديق لا يبقى حادثة عابرة في السرد، بل يتحول إلى سؤال عن الذنب والمسؤولية والهرب والتوبة. وهنا تضعنا الرواية أمام معضلة أخلاقية تتجاوز زمنها التاريخي: هل تكفي نية الإنسان لتبرئة فعله، أم أن مسؤوليته تبدأ من الاعتراف بما ترتب على ذلك الفعل من ألم وخسارة؟

إن قول صالح باي إن البوح أول التوبة يلخص جانبًا مهمًا من الرؤية الأخلاقية للعمل. فالاعتراف ليس ضعفًا بالضرورة، بل قد يكون أول أشكال الشجاعة؛ لأن الإنسان لا يبدأ مصالحة نفسه إلا حين يتوقف عن الاحتماء بالصمت. لكن الاعتراف لا يمحو الماضي ولا يعيد الموتى، وإنما يفتح بابًا لمواجهة الحقيقة وتحمل تبعاتها. ومن هنا لا تبدو الرواية دفاعًا سهلًا عن بطلها، بقدر ما تبدو محاولة لفهمه من دون إعفائه من مسؤولية أفعاله.

وتبلغ الحكاية ذروتها حين يتحول صالح باي من صاحب الأمر والنفوذ إلى رجل يُجرّد من رموز سلطته ويُساق إلى نهايته. فالتاريخ لا يمنح أحدًا حصانة أبدية، والسلطة التي تبدو راسخة قد تنقلب في لحظة إلى ذكرى. وحين يقول صالح: «لا حال يدوم»، فإنه لا يعبر عن خيبة شخصية فحسب، بل يضع أمامنا حقيقة الوجود السياسي نفسه: كل سلطة عابرة، وكل مجد قابل للانطفاء، وما يبقى في النهاية هو أثر الإنسان في الناس والمكان والذاكرة.

وتتعمق هذه الدلالة في السؤال عن الإرث الإنساني: ما الذي نتركه وراءنا حين نرحل؟ وما قيمة القصور إذا غابت العدالة، وما جدوى المجد إذا ترك وراءه دموعًا وأسئلة معلقة؟ إن التاريخ لا يُصنع بالأفعال الكبرى وحدها، بل بما تتركه تلك الأفعال من آثار في حياة البشر، وبما تثيره من أسئلة في ضمير الأجيال اللاحقة.

أما توظيف المخطوط والحكاية والذاكرة، من خلال شخصية مخلوف الذي يدون ما يسمعه من صالح باي، فيمنح الكتابة وظيفة تتجاوز نقل الوقائع إلى مقاومة النسيان. فالحياة تنتهي، لكن الكتابة تستطيع أن تحفظ صوتها، وأن تمنح الأجيال فرصة لإعادة النظر في الأحكام الجاهزة. ومع ذلك، تظل المسافة بين الذاكرة والحقيقة ضرورية؛ فالرواية ليست وثيقة تاريخية بديلة، وإنما عمل فني يعيد تخيل الماضي ويستخرج منه أسئلة الحاضر.

إنني أرى في «عثماني والهوى نوميدي» امتدادًا لتجربة روائية تستحق التقدير، وفي ليلى تباني كاتبة تسعى إلى استنطاق التاريخ واستعادة الإنسان المختبئ خلف الألقاب والأحداث. وما يجمع هذه الرواية برواية «تهنينان» ليس الموضوع التاريخي وحده، بل تلك القدرة على جعل الجغرافيا ذاكرة، والماضي سؤالًا، والشخصية الإنسانية فضاءً للصراع بين ما نريده لأنفسنا وما تفرضه علينا أفعالنا.

وحين نغلق صفحات الرواية، لا يبقى صالح باي مجرد حاكم من زمن مضى، بل يصبح مرآة نسأل أمامها عن معنى العدالة، وحدود القوة، وثمن الخطأ، وإمكان المصالحة مع الذات. وتلك، في تقديري، إحدى علامات الرواية الجديرة بالقراءة: ألا تكتفي بإمتاعنا بحكاية الماضي، بل تجعلنا نعيد التفكير في حاضرنا، وأن تترك فينا شيئًا من القلق النبيل الذي لا تمنحه الإجابات الجاهزة.

فالتاريخ لا ينتهي عند سقوط أصحاب السلطة، والإنسان لا يُختصر في خطيئة ارتكبها أو مجد بلغه. وبين ما نفعله وما نتركه وراءنا تمتد الحكاية الحقيقية؛ حكاية الإنسان الذي يرحل، وتبقى أفعاله موضوعًا لسؤال لا ينتهي، وتبقى الرواية قادرة على أن تمنح صوته حياة أخرى، وأن ترد إلى التاريخ ما قد تسقطه منه السجلات: نبض الإنسان، ووجعه، وحلمه، وحقه في أن يُفهم دون أن يُعفى من المسؤولية.

***

د. قاسم المحبشي

 

كشاف نقدي في أحدث ما كتب عن القراءة، وأحدث النظريات في صلتها بالثقافة، مع مقترح بيداغوجي في تكوين القارئ

مدخل: سؤال اللحظة

لم يعد السؤال المطروح على المثقف اليوم: ماذا نقرأ؟ بل صار: هل ما زلنا نقرأ، وبأي معنى؟ فالمفارقة التي تحكم لحظتنا أن الإنسان المعاصر يمر يوميا على كم من النصوص لم يعرفه جيل قبله، ومع ذلك تتراجع قدرته على ملازمة نص واحد طويل حتى نهايته. نحن نقرأ أكثر ونقرأ أقل في الوقت نفسه: نقرأ أكثر بمقياس عدد الكلمات التي تمر أمام العين، ونقرأ أقل بمقياس العمق والاتصال والأثر. ثم جاءت الآلة التي تلخص وتستخلص وتجيب، فصار في وسع المرء أن يحصل على خلاصة كتاب من غير أن يفتحه، وأن يستشهد بما لم يقرأه. وهنا يصير عنوان هذه الورقة سؤالا حرفيا لا مجازيا: من الذي يقرأ نيابة عنا؟

وما يلي كشاف موجه، لا قائمة عناوين. الغرض منه أن يضع بين يدي القارئ العربي خريطة بما كتب حديثا عن فعل القراءة نفسه، ثم ينظم هذه الكتابات في مسار تعلمي متدرج ينتهي بمقترح عملي في تكوين القارئ. وقد اخترت أن أقدم لكل عنوان بموقعه في الجدل لا بمضمونه فحسب، لأن قيمة الكتاب في هذا الباب تقاس بما يحاور ويرد عليه.

أولا: تفكيك المفهوم قبل الحكم عليه

الخلط الشائع في نقاشاتنا حول القراءة أنها تعامل بوصفها فعلا واحدا، وهي في الحقيقة ثلاث طبقات متراكبة، ولكل طبقة شروطها ومقاييسها وأعطابها.

الطبقة الأولى هي فك الترميز، أي تحويل العلامة المكتوبة إلى صوت ومعنى. وهي مهارة مدرسية تقاس بالسرعة والدقة، وقد تكون سليمة تماما عند من لا يقرأ كتابا واحدا في السنة.

الطبقة الثانية هي القراءة العميقة، وهي الدائرة الذهنية التي تتشكل بالتمرين لا بالفطرة، وتضم الاستدلال والقياس والتمثل والتوقع والحكم النقدي. شرطها الأول الزمن، وعدوها الأول التشتيت، وهي الطبقة التي يدور حولها الجدل العلمي كله اليوم.

الطبقة الثالثة هي القراءة بوصفها ممارسة ثقافية، أي بوصفها فعلا اجتماعيا محكوما بمن يقرأ، وبما يعد جديرا بالقراءة، وبالمؤسسات التي تمنح صفة القارئ. وهنا تلتقي القراءة بالسلطة والذوق ورؤوس الأموال الرمزية.

والقاعدة البيداغوجية التي ينبغي الانطلاق منها أن الخلل في طبقة ينتقل إلى ما فوقها ولا يظهر فيها: فمن اضطربت عنده القراءة العميقة لن يشكو من ضعف في فك الترميز، بل سيشكو من ضجر أمام الكتب، وسينسب الضجر إلى الكتب لا إلى نفسه.

ثانيا: كشاف بأحدث ما كتب عن القراءة

المحور الأول: اقتصاد الانتباه بوصفه شرطا قبليا

كريس هايز، نداء صفارات الإنذار: كيف صار الانتباه أندر موارد العالم، بنغوين برس، 2025. أطروحته أن الانتباه صار موردا يستخرج ويباع كما تستخرج المعادن، وأن التمييز الحاسم ليس بين الانتباه وغيابه، بل بين انتباه إرادي نمنحه وانتباه لا إرادي ينتزع منا. والسوق المعاصرة قائمة على استنزاف الثاني وتجفيف الأول، والقراءة أول ضحايا هذه المعادلة لأنها لا تقوم إلا بالانتباه الإرادي المتصل.

نيكولاس كار، التفتح الهائل: كيف تمزقنا تقنيات التواصل، دار نورتن، 2025. عودة إلى مشروعه القديم في كتاب السطحيون، في صورة أوسع: الاستعارة المركزية مأخوذة من تفتح الزهور الموسمي الكاسح في وادي ووكر، وهي تصور حالنا في فيض دائم من الرسائل حولنا إلى محطات إرسال واستقبال لا تتوقف. وقيمة الكتاب في وصف البنية لا في وصف الشعور.

كريستين روزن، انقراض التجربة، 2024. تكملة ضرورية للكتابين السابقين، إذ تنقل السؤال من الانتباه إلى التجربة نفسها: ماذا يبقى من الإحساس المباشر بالعالم حين يمر كل شيء عبر وسيط؟

ملاحظة نقدية: هذه الكتب الثلاثة قوية في التشخيص ضعيفة في الوصفة، وتوشك أن تقع في حتمية تقنية تجعل الآلة فاعلا والإنسان مفعولا به. ويحسن أن تقرأ بمعية أعمال سوسيولوجية تعيد الاعتبار إلى الفوارق الاجتماعية بين القراء، فليست الشاشة واحدة عند من يملك وقتا وعند من لا يملكه.

المحور الثاني: الدماغ القارئ ومادية الوسيط

ماريان وولف، أيها القارئ عد إلى بيتك، 2018. المرجع التأسيسي في هذا الباب. أطروحتها أن الدماغ ليس مهيأ للقراءة بالولادة، بل ينشئ لها دائرة خاصة، وأن هذه الدائرة قابلة للتشكل وللانحلال معا، ومن هنا دعوتها إلى دماغ مزدوج الكفاءة القرائية يتقن الورق والشاشة معا ويعرف متى ينتقل بينهما.

ناعومي بارون، كيف نقرأ الآن، مطبعة جامعة أكسفورد، 2021. مسح منهجي هادئ يقارن بين الورق والشاشة والصوت في ضوء التجارب، ويصوغ ما يسمى فرضية التسطيح: أن الوسيط الرقمي يستدعي وضعية ذهنية أقل جدية حتى قبل أن يبدأ القارئ.

ليديا ألتامورا وكريستينا فارغاس ولاديسلاو سالميرون، هل تؤتي أشكال القراءة الجديدة أكلها؟ تحليل بعدي للعلاقة بين عادات القراءة الرقمية الترفيهية وفهم النص، مجلة مراجعة البحث التربوي، 2023. هذه الدراسة هي المرجع الكمي الأهم في الملف: أربعون حجم أثر، وعينة تناهز أربعمئة وتسعة وستين ألف مشارك، والنتيجة أن علاقة القراءة الرقمية الترفيهية بفهم النص ضئيلة جدا، إذ يبلغ معامل الارتباط خمسة وخمسين من الألف، في مقابل أثر متوسط ثابت للقراءة الورقية. أي أن ساعة على الشاشة لا تعادل ساعة على الورق في المردود الفهمي.

إعلان ستافنغر حول مستقبل القراءة، 2019، الصادر عن شبكة بحث أوروبية تضم أكثر من مئة وثلاثين باحثا. خلاصته أن الورق يتفوق على الشاشة في النصوص الطويلة الحجاجية، وأن هذا التفوق لا يتقلص بمجرد اعتياد الأجيال الجديدة على الشاشة.

ملاحظة نقدية: يجب الاحتراس من تحويل هذه النتائج إلى حكم ميتافيزيقي على الشاشة. فالمتغير الحاسم ليس المادة بل نمط الانتباه الذي تستدعيه: شاشة معزولة عن الإشعارات، مخصصة لنص واحد، تقترب من الورق. والدرس هنا عملي لا عقدي.

المحور الثالث: أخلاق القراءة وسياستها

إلين كاستيو، كيف نقرأ الآن، دار فايكينغ، 2022. تنقل الكاتبة السؤال من كم نقرأ إلى كيف نقرأ ولحساب من، وتفكك المقولة الشائعة أن القراءة تعلمنا التعاطف، لأنها في نظرها تحول الآخر إلى مادة استهلاك أخلاقي. ويمتد مفهوم القراءة عندها إلى الأفلام والمسلسلات والمعاهدات، فكل ما يؤول نص.

ريتا فيلسكي، حدود النقد، 2015، ثم معلقون: الفن والتعلق، مطبعة جامعة شيكاغو، 2020. وهي تدافع عن الاتجاه المعروف بما بعد النقد، وترى أن الارتياب صار عادة مهنية لا اكتشافا، وأن الجامعة علمت أجيالا أن تفضح النصوص ولم تعلمها أن تتعلق بها، فخسرنا وصف ما يفعله الأدب بنا فعلا.

ملاحظة نقدية: قيمة هذين المرجعين في تعارضهما. فكاستيو تطلب مزيدا من الارتياب، وفيلسكي تطلب تخفيفه، وقراءتهما معا هي الجدل الحي في نظرية القراءة اليوم. والاكتفاء بواحد منهما تحزب لا تكوين.

المحور الرابع: القراءة سيرة ذاتية وعرضا مرضيا

سارة تشيهايا، رهاب الكتب: سيرة، دار راندوم هاوس، 2025، وقد بلغت التصفيات النهائية لجائزة بوليتزر سنة 2026. كتاب يقلب الأدبيات التقوية عن الكتب التي أنقذت حياتنا، ويروي كيف يمكن للكتب أن تصير هوية خانقة وعبئا ومرضا. وأهميته البيداغوجية أنه يعالج ما لا تعالجه أدبيات تشجيع القراءة: القارئ الذي أصابه العطب من فرط القراءة لا من قلتها.

المحور الخامس: القراءة الآلية وسؤال ما بعد الإنسان

فرانكو موريتي، القراءة عن بعد، 2013، وتيد أندروود، آفاق بعيدة، مطبعة جامعة شيكاغو، 2019. هنا تنتقل القراءة من النص المفرد إلى المدونة الضخمة، ومن التأويل إلى الإحصاء، فيصير السؤال عن الأنماط الكبرى عبر القرون لا عن معنى صفحة. وهو تحول في المقياس يغير طبيعة السؤال النقدي نفسه.

إميلي بندر وأليكس هانا، خدعة الذكاء الاصطناعي، دار هاربر، 2025. كتاب جدالي في نقد التضخيم التسويقي للنماذج اللغوية، وهو يعنينا مباشرة لأن هذه النماذج تسوق اليوم بوصفها بديلا عن القراءة لا أداة في خدمتها.

والسؤال الذي ينبغي أن يطرح بإنصاف: هل تقرأ الآلة؟ إنها تعالج النص وتستخرج علاقاته باقتدار يفوق قدرتنا في المسح والمقارنة، لكن الطبقة الثالثة من القراءة، أي الموقع والمسؤولية والانخراط في تاريخ، تظل خارج ما تفعله. والنقاش في هذا مفتوح بين من يرى أن الفهم الوظيفي كاف، ومن يرى أن الفهم بلا موقع ليس فهما، ولا يحسن بالباحث أن يحسم ما لم يحسمه أهل الاختصاص.

المحور السادس: ما كتبناه نحن

عبد الفتاح كيليطو في أعماله، ولا سيما لن تتكلم لغتي، والأدب والغرابة، وأتكلم جميع اللغات لكن بالعربية. عنده أن القراءة اختبار للغرابة، وأن سوء الفهم قد يكون خصبا، وأن علاقتنا بتراثنا نفسها علاقة قراءة لا علاقة ملكية.

سعيد يقطين، من النص إلى النص المترابط. مقاربة عربية مبكرة للنص الرقمي وتفرعاته، تستحق أن تستأنف اليوم في ضوء ما استجد.

عبد الله الغذامي في النقد الثقافي، حيث تصير القراءة كشفا للأنساق المضمرة في الخطاب الجمالي نفسه.

نصر حامد أبو زيد في إشكاليات القراءة وآليات التأويل، وهو مدخل إلى الجدل العربي حول حدود التأويل ومشروعيته.

ويضاف إلى ذلك ما تراكم من تقارير حول المقروئية العربية منذ مؤشر القراءة العربي سنة 2016، وهي تقارير تحتاج إلى تحديث منهجي ودوري، لأن الاعتماد عليها اليوم اعتماد على صورة قديمة.

ملاحظة عامة: مكتبتنا العربية غنية في نظرية التأويل، فقيرة في سوسيولوجيا القراءة الميدانية. نحن نعرف كيف يجب أن يقرأ النص، ولا نعرف كيف يقرأ الناس فعلا. وهذه هي الفجوة التي ينبغي أن يتوجه إليها البحث العربي في العقد المقبل.

ثالثا: أحدث النظريات في وصل القراءة بالثقافة

النظرية الأولى: ما بعد النقد. تنطلق من أن القراءة الارتيابية، التي ورثناها عن ماركس ونيتشه وفرويد ثم عن مدارس ما بعد البنيوية، صارت إجراء آليا يفترض أن النص يخفي شيئا دائما وأن مهمة الناقد فضحه. وتقترح فيلسكي بديلا يصف أشكال التعلق والاستعمال والتأثر، فيكون السؤال: ماذا يفعل النص بنا، لا ماذا يخفي عنا. وأثرها الثقافي أنها تعيد الاعتبار إلى القارئ العادي الذي يقرأ ليحيا لا ليكشف.

النظرية الثانية: إيكولوجيا الانتباه، كما بلورها إيف سيتون. الانتباه ليس ملكة فردية بل مورد جماعي تنظمه بنى اقتصادية وتقنية، تماما كما ينظم الماء والهواء. ومن هنا تصير القراءة قرارا سياسيا: أن تخصص انتباهك لنص طويل معناه أن تسحبه من سوق تشتريه بثمن بخس. وهذه النظرية هي الجسر النظري بين أدبيات الانتباه وأدبيات القراءة.

النظرية الثالثة: مادية الوسيط والقراءة المجسدة. تجمع بين تمييز كاثرين هايلز بين الانتباه العميق والانتباه المتشعب، وبين أبحاث آنه مانغن حول اللمس والمكان في القراءة: اليد التي تقلب، والصفحة التي تمنح النص جغرافيا، والذاكرة المكانية التي نستعيد بها موضع الفكرة. ومؤداها الثقافي أن الشكل المادي للكتاب ليس غلافا محايدا للمعنى، بل جزء من شروط إنتاجه.

النظرية الرابعة: القراءة بوصفها استعمالا وتصيدا. أصلها عند ميشيل دو سيرتو الذي وصف القارئ بأنه صياد يعبر أرض غيره ويقتنص منها ما ليس له، فالقراءة إنتاج صامت لا استقبال سلبي. وتلتقي بها أعمال بورديو في رأس المال الثقافي، وأبحاث سوسيولوجيا القراءة حول ما سمي طبقة القراء، أي أن القراءة ممارسة توزع اجتماعيا كما توزع الثروة. ومؤداها أن أي سياسة ثقافية للقراءة لا تعالج شروط الوقت والمكان والمكتبة ستظل خطابة.

النظرية الخامسة: القراءة الحاسوبية وتغير المقياس. حين ينتقل التحليل من عشرات النصوص إلى مئات الآلاف، لا يتغير حجم الشغل فحسب، بل تتغير طبيعة الأسئلة الممكنة، وتظهر أنماط لا يدركها القارئ المفرد ولو عاش قرونا. وفي المقابل يغيب ما لا يقبل العد. والموقف الرشيد أن تعامل هذه القراءة بوصفها مرصدا يكشف التضاريس، لا بديلا عن النزول إلى الوادي.

النظرية السادسة: أخلاق التلقي. وهي التي تجعل بين القارئ والنص عهدا لا صفقة، وتسأل عن مسؤولية القارئ لا عن حقوقه فحسب. وهنا موضع إسهام ممكن للثقافة العربية الإسلامية، فالقراءة في تقاليدنا لم تكن يوما استهلاكا محايدا: كان لها آداب وأسانيد وإجازات، وكانت تتم في مجلس بحضور شيخ ومدارسة أقران، وكان بطء هذه العملية جزءا من جدواها لا عائقا أمامها. ولسنا ندعو إلى استعادة حرفية لهذه الصورة، وإنما إلى استخراج مبدئها البيداغوجي: أن القراءة تكوين للشخص لا تحصيل للمعلومة، وأن الجماعة القارئة شرط في جودة القراءة الفردية.

رابعا: أين تقف الثقافة العربية من هذا كله؟

يمكن اختزال موقعنا في ثلاث فجوات. الفجوة الأولى فجوة المعطى: لا نملك مسوحا دورية موثوقة عن عادات القراءة العربية بحسب الفئات والوسائط والمناطق، ومن غير معطى لا تبنى سياسة ولا يقاس أثر. والفجوة الثانية فجوة الوسيط: انتقلنا إلى الشاشة انتقالا جماعيا سريعا من غير بيداغوجيا مرافقة، فورثنا عادات المسح والقفز من غير أن نحفظ عادات المكث والاتصال. والفجوة الثالثة فجوة التقليد: قطعنا الصلة العملية بآداب المجالس والمدارسة والإجازة، وهي تراث بيداغوجي في القراءة الجماعية البطيئة كان في وسعه أن يكون مصدر حلول لا مجرد موضوع افتخار.

خامسا: مقترح بيداغوجي في تكوين القارئ

ما يلي منهاج عملي متدرج، يصلح للفرد وللحلقة وللمؤسسة التعليمية، وقد صيغ في ست محطات، لكل محطة هدف وإجراء ومؤشر تقويم.

المحطة الأولى: التشخيص. الهدف أن يعرف المتعلم عادته الفعلية لا عادته المتخيلة. والإجراء أن يمسك يوميات قرائية أسبوعين يسجل فيها ما قرأ ومدته ووسيطه وعدد المقاطعات. والمؤشر أن يستخرج في نهاية المدة متوسط أطول مدة انتباه متصل عنده.

المحطة الثانية: استعادة الزمن الطويل. الهدف ترميم دائرة القراءة العميقة. والإجراء جلسة يومية متصلة لا تقل عن خمس وأربعين دقيقة، على ورق، بعيدا عن أي جهاز، في وقت ثابت من اليوم. والمؤشر ارتفاع مدة الاتصال من غير شعور بالجهد خلال أربعة أسابيع.

المحطة الثالثة: توزيع الوسائط بوعي. الهدف الانتقال من العشوائية إلى القصد. والإجراء قاعدة ثلاثية: الورق للنص الطويل والحجاجي والمرجعي، والشاشة للبحث والمسح والاطلاع السريع، والصوت للسرد وللمراجعة لا للتأسيس. والمؤشر أن يكون المتعلم قادرا على تعليل اختياره للوسيط في كل مرة.

المحطة الرابعة: القراءة الثانية. الهدف الانتقال من الاستهلاك إلى التملك. والإجراء إعادة قراءة نص مختار مع التعليق على الهامش، ثم تلخيصه بالقلم من غير عودة إلى الأصل ومن غير أداة. والمؤشر مطابقة التلخيص لبنية النص لا لألفاظه.

المحطة الخامسة: المدارسة. الهدف إعادة بناء الجماعة القارئة. والإجراء حلقة أسبوعية على نص واحد، يتناوب أعضاؤها على تقديمه ومساءلته، على مثال مجالس القراءة في تقاليدنا العلمية. والمؤشر جودة الاعتراضات لا كثرة الإعجاب.

المحطة السادسة: مساءلة العقد. الهدف بلوغ الطبقة الثالثة من القراءة. والإجراء أن توجه إلى كل نص أربعة أسئلة ثابتة: من كتبه ومن أين يتكلم، ولمن كتب ومن تخيله قارئا، وماذا يفترض في مسبقا، وماذا يخفي ترتيبه لا ألفاظه. والمؤشر أن يصير طرح هذه الأسئلة عادة لا تكلفا.

أما التقويم الإجمالي فيقوم على أربعة معايير: مدة الانتباه المتصل، ونسبة النصوص المعاد قراءتها إلى مجموع المقروء، والقدرة على التلخيص الذاتي من غير وسيط، وجودة الأسئلة التي يطرحها المتعلم على النص. وهذه المعايير الأربعة صالحة لأن تحول إلى شبكة تقويم في مؤسسة تعليمية أو في برنامج ثقافي عمومي.

خاتمة

حين نسأل: من يقرأ نيابة عنا، فالجواب أنه من نتركه يفعل. تركنا الخوارزمية تختار لنا ما نقرأ، ثم تركنا الآلة تلخص لنا ما لم نقرأه، وقد ننتهي إلى أن نترك لها أن تحكم لنا على ما لم نلخصه. وليس المخرج في حنين إلى زمن الورق ولا في تحريم الشاشة، وإنما في أن تستعاد القراءة بوصفها قرارا واعيا، وأن يبنى هذا القرار بالتدريب لا بالوعظ. فالبيداغوجيا هي الاسم الذي نطلقه على تحويل القرار إلى عادة، والعادة إلى ثقافة. وما لم تحصل هذه النقلة، سنظل نحتفل بالكتاب في المعارض ونهجره في البيوت.

***

د محمد غاني – كاتب / المغرب

ثمة شيء غريب في الأشياء العابرة يجعلها أكثر جمالاً. ربما لأننا، حين نعرف أن لحظة ما لن تدوم، نكف عن النظر إليها بعين العابر، ونمنحها انتباهناً. إن معرفة النهاية لا تنتقص من قيمة اللحظة، بل على العكس، تضاعفها؛ تجعلنا أكثر حضوراً فيها، وأكثر قدرة على تذوق تفاصيلها قبل أن تنسحب من بين أيدينا. كأن الفناء نفسه يوقظ فينا حاسة الجمال.

في اليابان، تتجسد هذه الفكرة بوضوح في زهرة الكرز، أو ساكورا. خلال فترة نارا، بين عامي (710- 794 ميلادي)، كانت أزهار الكرز مرتبطة بمواسم الزراعة وبالتنبؤ بالمحاصيل؛ فالتفتح المبكر كان يُستبشر به، بينما كان تساقط الأزهار سريعاً يثير القلق من الجفاف أو من أزمنة مضطربة. لكن الزهرة التي كانت ذات يوم علامة على خصوبة الأرض أصبحت اليوم واحدة من أكثر الرموز اليابانية تعبيراً عن الجمال.

في موسمها، يتوافد الناس إلى الحدائق لمشاهدة الأشجار وهي تغطي المكان ببياضها وورديتها، قبل أن تبدأ البتلات في السقوط. وتلك هي مفارقة الهانامي: أن نحتفل بجمال نعرف مسبقاً أنه لن يبقى. لا نذهب إلى الزهرة لأنها خالدة، بل لأننا نعرف أنها سترحل.

وهنا يكمن سر الجمال الزائل. إنه الجمال الذي يشبه قوس قزح لا يمكن الإمساك به، أو موجة هائلة ترتفع ثم تنكسر، أو ندى الفجر قبل أن تمتصه الشمس، أو الغسق وهو يعبر السماء للحظات، أو الكسوف حين يحجب الضوء ثم يعيده، أو زهرة قُطفت من ساقها لتعيش زمناً أقصر مما كان يمكن لها أن تعيشه.

كلها لحظات لا تستمد قيمتها من دوامها، بل من هشاشتها. حتى الأفعال اليومية، التي تبدو للوهلة الأولى عادية ومتكررة، يمكن أن تتحول إلى طقوس جمالية حين نمنحها ما تستحقه من انتباه. يكفي أن نتأمل طقس الشاي الياباني. فإعداد كوب من الشاي ليس مجرد إعداد لمشروب ساخن؛ إنه احتفاء بالضيف، واحترام للمكان، وعناية بكل أداة، ونظافة دقيقة، وحلوى تقدم قبل الشاي لتخفف مرارة العشبة، وانحناءة تحمل في بساطتها معنى الامتنان.

إن اليقين بأن شيئاً ما سينتهي، يدفعنا إلى أن نعيشه بحدة أكبر.  وهنا تكمن قدرة اللحظة العابرة على أن تصبح أبدية.

لقد التقط والتر بنيامين هذه المفارقة حين ربط بين الطبيعة العابرة وبين ما يمكن أن يكتسب صفة الأبدية من خلال فن التذكر. فالسعادة، في جوهرها، ليست امتلاك اللحظة والاحتفاظ بها، وإنما المرور بها بكامل الوعي، بحيث يتحول ما كان عابراً في الزمن إلى شيء دائم في الذاكرة.

ولعل أبيات روبرت فروست في قصيدته «لا شيء ذهبي يمكن أن يبقى» تختصر هذه الفكرة ببساطة موجعة: كل ما هو أخضر يبدو ذهبياً في بدايته، لكن هذا الذهب لا يدوم؛ الورقة تصبح زهرة، والزهرة لا تلبث أن تذبل، والفجر ينسحب أمام النهار، وكل ما يلمع يفقد لمعانه.

إن جمال الأشياء يتكثف أحياناً لأنها لا تصلح للتملك. فما لا يمكن الاحتفاظ به يدفعنا إلى الاستمتاع به. وما لا يمكن تحويله إلى ملكية يبقى خارج منطق المنفعة والحساب. وربما لهذا كان مونتين محقاً حين رأى أن السعادة لا تأتي من التملك بقدر ما تأتي من الاستمتاع. نحن لا نملك الغروب، ولا الموسيقى، ولا الضحكة، ولا الحب، ولا اللحظة التي نشعر فيها بأن العالم، لسبب غامض، أصبح أكثر اتساعاً.

نحن نمر بها فقط. وهذا المرور هو الذي يمنحها قيمتها. هناك مفهوم ياباني يعبّر عن هذا الوعي بجمال الأشياء وهي تتلاشى:" مونو نو أوا ري"، ذلك الإحساس الرقيق الذي ينشأ حين ندرك جمال الشيء في اللحظة نفسها التي ندرك فيها فنائه. إنه ليس حزناً خالصاً، ولا فرحاً خالصاً، بل مزيج غريب من الدهشة والأسى والامتنان. أن تحب الشيء، وفي اللحظة ذاتها، تعرف أنك ستفقده.

إنه اليوم الأخير من رحلة طويلة. الصفحات الأخيرة من كتاب تمنيت ألا ينتهي. الحفل الذي تدرك، وأنت تسمع موسيقاه، أن الأغنية الأخيرة ستأتي بعد قليل. مسرحية يسدل ستارها. ابتسامة تعرف أنها لن تتكرر بالطريقة نفسها. لقاء تعلم منذ بدايته أنه يحمل في داخله موعد الفراق.

في كل هذه اللحظات، لا يكون الحزن نقيض الجمال، بل أحد شروطه. وربما يحدث الأمر نفسه مع الحياة. إنها فريدة لأنها محدودة. ولو كانت بلا نهاية، لفقدت شيئاً أساسياً من قدرتها على إدهاشنا. إن الموت، على قسوته، هو الذي يمنح الحياة إحساسها بالعجلة، ويجعل للوقت وزناً، وللحظة معنى، وللحب ضرورة. نحن لا نعرف أي لحظة ستكون الأخيرة، ولذلك تبدو كل لحظة، في احتمالها الخفي، جديرة بالانتباه.

من هنا تأتي حكمة كاربي دييم: لا تؤجل الحياة إلى وقت آخر، لأن الوقت نفسه لا يَعِدنا بشيء. لا لأن علينا أن نعيش في لهاث دائم، وإنما لأن الحاضر هو الشيء الوحيد الذي نملكه فعلاً قبل أن يتحول هو الآخر إلى ذكرى.

ربما لهذا لا يكون الزائل أقل قيمة من الدائم، بل أكثر إلحاحاً. فأجمل ما في بعض الأشياء أنها لا تمنحنا فرصة ثانية لرؤيتها بالطريقة نفسها. نحن لا نحتفظ بالحياة؛ نحن نعبرها. وما يبقى منها ليس اللحظات ذاتها، بل أثرها فينا: صورة، كلمة، وجه، رائحة، يد أمسكت بنا ذات مساء، أو ضوء سقط على نافذة ثم اختفى.

ذلك هو الجمال الزائل: أن ما يغادرنا في الزمن قد يبقى في الذاكرة، وأن اللحظة التي لم تدم إلا ثواني قد تصبح، في أعماقنا، أطول من العمر كله. لذلك ربما لا يكون المطلوب أن نبحث عن الأشياء التي تدوم، بقدر ما ينبغي أن نتعلم كيف نرى الأشياء قبل أن ترحل.

فالحياة لا تصبح ثمينة لأنها أبدية، وإنما لأنها عابرة. وما يجعل اللحظة جديرة بأن تُعاش بكل إمتلاء، هو بالضبط ذلك الهمس الخفي الذي يرافقها منذ بدايتها بأنها لن تبقى.

***

محمد إبراهيم الزموري

هل الجمال أساس الحب، أم أن الحب هو الذي يصنع الجمال؟

المفارقة التي يخفيها الحب

نحن نعيش في عالم يمنح الجمال مكانة استثنائية، حتى باتت الصورة الخارجية إحدى اللغات التي يتخاطب بها البشر قبل أن يعرف بعضهم بعضًا. فالوجه الجميل يستأثر بالانتباه، والملامح المتناسقة تحظى بالإعجاب، وبعض الصفات الجسدية تتحول، بفعل العادات والثقافة والإعلام، إلى مقاييس شبه عامة للجاذبية. ومع ذلك، فإن التجربة الإنسانية تضعنا أمام مفارقة لا يمكن تجاهلها: لماذا يحب بعض الناس أشخاصًا لا تنطبق عليهم معايير الجمال السائدة، بينما يعزف آخرون عن أشخاص تتوافر فيهم تلك المعايير؟ وإذا كان الجمال هو الأساس الذي يقوم عليه الحب، فكيف نفسر انجذابًا يتجاوز الصورة، أو تعلقًا يجعل صاحبه يرى في إنسان لا يلفت أنظار الآخرين جمالًا لا يضاهى؟

لعلنا اعتدنا أن نختصر هذه المعضلة بعبارة رومانسية مألوفة تقول إن الحب يأتي من القلب، وكأن القلب عالم مستقل عن العين والعقل والذاكرة والتجربة. غير أن هذه العبارة، على ما تحمله من جاذبية وجدانية، لا تفسر لنا حقيقة ما يحدث في النفس البشرية، بل ربما تحجب عنا السؤال الأهم: ما الذي يجعل إنسانًا بعينه موضوعًا للحب، في حين يظل إنسان آخر، قد يكون أكثر جمالًا وفق المقاييس الشائعة، خارج دائرة الانجذاب؟

إن المسألة ليست في المفاضلة بين الجمال والقبح بقدر ما هي في فهم الكيفية التي يتكون بها الحكم على الجمال، والدور الذي تؤديه النفس في تحويل صورة إنسان إلى موضوع للرغبة والتعلق. فهل نحب لأننا نرى الجمال، أم أننا نرى الجمال لأن شيئًا في داخلنا قد اختار أن يحب؟ هذا السؤال هو المدخل إلى العلاقة المعقدة بين فلسفة الجمال وسيكولوجية الحب، وإلى احتمال أن تكون الصورة الخارجية مجرد بداية لحكاية أعمق، لا نهايتها.

فلسفة الجمال: هل الجمال في الشيء أم في عين من يراه؟

لم يكن الجمال مسألة عابرة في تاريخ الفكر الفلسفي، بل ظل سؤالًا تتقاطع عنده الفلسفة والفن وعلم النفس. فمنذ العصور القديمة، حاول المفكرون معرفة ما إذا كان الجمال قائمًا في الأشياء ذاتها، بوصفه نظامًا من التناسب والانسجام، أم أنه يتشكل من خلال إدراك الإنسان وتفاعله مع ما يراه. وإذا كان أفلاطون قد ربط الجمال المحسوس بمعنى أسمى يتجاوز المظهر، فإن تاريخ الفلسفة الحديثة أعاد طرح السؤال بصورة مختلفة، واضعًا الذوق الإنساني وطبيعة الحكم الجمالي في مركز الاهتمام.

وفي هذا السياق، يكتسب فكر الفيلسوف الأسكتلندي ديفيد هيوم أهمية خاصة؛ إذ تناول مسألة الذوق واختلاف الأحكام الجمالية بين الناس، وبيّن أن الحكم على الجمال يتأثر بطبيعة المتلقي وخبرته وحساسيته، مع إقراره بإمكان تنمية الذوق وصقله. فالجمال، وفق هذا المنظور، ليس حكمًا آليًا تتفق عليه العقول جميعًا، بل تجربة تتداخل فيها خصائص الشيء مع قدرة الإنسان على إدراكها وتقديرها.

أما إيمانويل كانط، فقد تناول الحكم الجمالي من زاوية أخرى، مميزًا بين الاستمتاع بالجمال وبين الرغبة في امتلاك الشيء أو الانتفاع به. وقد أتاح هذا التمييز فهمًا أعمق لطبيعة التجربة الجمالية، لكنه لا يعني أن الحب والعلاقات الإنسانية يخضعان بالضرورة للشروط نفسها التي يخضع لها الحكم على لوحة فنية أو منظر طبيعي؛ فالحب يتضمن الرغبة والعاطفة والتفاعل المتبادل، وهي عناصر تجعل المسألة أكثر تعقيدًا.

وإذا نقلنا هذا النقاش إلى جمال الإنسان، ظهرت المشكلة بوضوح أكبر. فثمة صفات جسدية قد تحظى بتفضيل واسع، مثل تناسق الملامح أو بعض مظاهر الصحة والحيوية، لكن ذلك لا يعني وجود معيار واحد ثابت يحدد انجذاب جميع البشر. فالأذواق تختلف باختلاف الأفراد والبيئات والتجارب، كما تتغير المعايير الجمالية تاريخيًا وثقافيًا. إن وجود صفات جمالية يقدّرها كثيرون لا يعني أن هذه الصفات وحدها قادرة على تفسير الحب.

ومن هنا ينبغي التمييز بين الجمال بوصفه حكمًا على صورة مرئية، والجمال بوصفه تجربة شخصية تنشأ في علاقة الإنسان بما يراه. قد نتفق على أن وجهًا ما جميل، لكننا لا نتفق بالضرورة على مقدار الانجذاب الذي يثيره فينا، ولا على قدرته على أن يصبح موضوعًا للحب. فالإعجاب بالجمال لا يساوي الحب، كما أن الاعتراف بجمال شخص لا يفرض علينا أن ننجذب إليه.

وهكذا لا تعود المسألة مجرد سؤال عما إذا كان الجمال موضوعيًا أم ذاتيًا، بل تصبح سؤالًا عن حدود تأثيره: إلى أي مدى تستطيع الصورة الخارجية أن تقرر مصير علاقة إنسانية قبل أن تتدخل النفس بكل ما تحمله من خبرات ورغبات وتصورات؟ عند هذه النقطة نغادر حدود فلسفة الجمال إلى منطقة أكثر تشابكًا، هي سيكولوجية الجمال.

سيكولوجية الجمال: العين التي ترى أكثر مما ترى

إذا كانت فلسفة الجمال تسأل عن طبيعة الجمال ومعايير الحكم عليه، فإن سيكولوجية الجمال تحاول فهم العمليات التي تجعل شخصًا ما جذابًا في نظر شخص آخر. فالإنسان لا يستقبل العالم بعين مجردة تعمل بمعزل عن بقية كيانه، وإنما يدركه من خلال منظومة متداخلة من الانتباه والذاكرة والعاطفة والتوقعات والخبرات السابقة. ولهذا فإن ما نراه لا يتحدد دائمًا بما يوجد أمامنا وحده، بل يتأثر أيضًا بالطريقة التي نستقبل بها ما نراه ونمنحه المعنى.

قد يلفت وجهٌ ما انتباهنا في اللحظة الأولى، بفعل تناسق ملامحه أو تعبيراته أو حركاته، لكن الانتباه الأولي لا يكفي وحده لتفسير نشوء الحب. فقد يصبح الصوت مألوفًا ومحببًا، وتتحول طريقة الحديث إلى مصدر للانجذاب، وتكتسب حركة عادية أو ابتسامة بسيطة معنى خاصًا، لأننا ربطناها بتجربة وجدانية أو بذكرى جميلة أو بإحساس بالراحة والألفة. وفي المقابل، قد يفقد الوجه الذي كان يثير إعجابنا بعض جاذبيته عندما نكتشف في صاحبه صفات تنفّرنا منه أو تتعارض مع قيمنا وتوقعاتنا.

إن هذه التحولات تشير إلى أن الانجذاب ليس مجرد استجابة ثابتة للملامح، بل عملية تتطور مع المعرفة والتفاعل. فالتجارب المشتركة قد تجعل بعض الصفات أكثر بروزًا في وعينا، والتوقعات قد تدفعنا إلى تفسير السلوك بطريقة إيجابية أو سلبية، والمشاعر قد تؤثر في تقديرنا للمظهر نفسه. وحين نرتبط بشخص عاطفيًا، قد نبدأ بملاحظة تفاصيل فيه لم تكن تستوقفنا من قبل، أو نمنح صفات عادية قيمة جمالية لم نكن نراها فيها سابقًا.

لكن ينبغي ألا نقع في خطأ معاكس، فنفترض أن كل جمال مجرد وهم تصنعه العاطفة، أو أن المظهر الخارجي لا يؤدي أي دور في الانجذاب. فالجاذبية الجسدية قد تكون عاملًا مهمًا في بداية بعض العلاقات، كما أن التوافق النفسي والقرب والتجارب المشتركة قد تؤدي أدوارًا أخرى في استمرارها وتعميقها. وتختلف أوزان هذه العوامل من شخص إلى آخر، ومن علاقة إلى أخرى، ولا توجد قاعدة واحدة تفسر جميع التجارب الإنسانية.

الأهم من ذلك أن النفس لا تستقبل الصفات منفصلة دائمًا، بل قد تجمع بينها لتكوين انطباع كلي عن الشخص. فالثقة قد تبدو جاذبية، واللطف قد يضفي على الملامح رقة، والذكاء قد يزيد الحضور تألقًا، والشعور بالأمان قد يجعل القرب من شخص معين تجربة محببة. وفي بعض الحالات، قد تصبح هذه الصفات أكثر أهمية من المقاييس الشكلية التي كانت تحظى بالأولوية في بداية التعارف.

إن العين لا ترى الملامح وحدها؛ إنها ترى الملامح من خلال تجربة صاحبها وتوقعاته ومشاعره. ولا يعني ذلك أن ما تراه العين كاذب، بل يعني أن إدراك الجمال الإنساني أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في حكم سريع على الوجه أو الجسد.

وهنا تبرز الفكرة التي تستحق التوقف عندها: ربما لا يكون الجمال دائمًا سببًا سابقًا للحب، بل قد يتحول، في بعض العلاقات، إلى نتيجة من نتائج التعلق. فحين يصبح إنسان ما مهمًا في حياتنا، قد تتغير الطريقة التي نرى بها تفاصيله، ويغدو ما كان عاديًا في السابق جزءًا من جاذبيته الخاصة. عندئذ لا تعود الصورة وحدها هي التي تقود الشعور، بل يصبح الشعور نفسه عاملًا يؤثر في الصورة.

الحب يتحدى مقاييس الجمال: حين يتجاوز الانجذاب الصورة

لنتأمل مثال امرأة شقراء جميلة، وفق معايير الجمال الشائعة في محيطها، تقع في حب رجل أسود لا يراه بعض الناس، وفق المعايير نفسها، جميلًا بالقدر الذي يرونه فيها. هذا المثال لا ينبغي أن يتحول إلى حكم على لون البشرة أو الأصل؛ فلا لون يجعل الإنسان جميلًا أو قبيحًا بطبيعته. المقصود هو اختبار المقاييس الاجتماعية التي تمنح بعض الصفات مكانة أعلى من غيرها، ثم تتعامل معها أحيانًا كما لو كانت معيارًا عالميًا.

إذا افترضنا أن الحب لا يتجاوز الإعجاب بالصورة الخارجية، فسيبدو هذا الاختيار محيّرًا: لماذا لا تختار المرأة، التي تُعدّ جميلة في نظر الآخرين، رجلًا يطابق الصورة التي يصفها مجتمعها بالجمال؟ لكن الحيرة نفسها تكشف ضعف هذا الافتراض. فالمرأة لا تختار بالضرورة وفق ترتيب المجتمع للوجوه والأجساد، كما أن جمالها لا يلزمها بأن تنجذب إلى الشخص الذي يمنحه الآخرون أعلى تقييم بصري. إن جمال شخص في نظر الناس لا يفرض عليه ذوقًا محددًا، ولا يحدد مسبقًا من يستطيع أن يحب.

يمكن أن تكون المرأة قد رأت في الرجل ملامح تجذبها فعلًا، حتى لو لم تكن تلك الملامح محط إعجاب المحيطين بها. وقد يكون انجذابها متعلقًا بحضوره أو صوته أو حركته أو بطريقة تعامله، أو بتفاصيل في صورته لا يلتفت إليها الآخرون. لكن لا ينبغي أن نتسرع فنستبدل تفسيرًا مبسطًا بآخر؛ فليس ضروريًا أن يكون وراء كل علاقة سرّ نفسي واحد، ولا أن تكون المرأة قد تجاهلت الصورة الخارجية تمامًا. الأهم أن حكمها الشخصي لا يتطابق بالضرورة مع الحكم الجماعي.

إذن، هل تخلّت هذه المرأة عن الجمال حين أحبّت رجلًا لا يراه الآخرون جميلًا، أم أنها كشفت أن الجمال الذي نتحدث عنه ليس معيارًا واحدًا؟ إن المثال لا يثبت أن الصورة الخارجية بلا أهمية، لكنه يضع حدًا لفكرة أنها صاحبة القرار الوحيد. كما يذكّرنا بأن كلمة «قبيح» كثيرًا ما تصف حكمًا صادرًا عن معيار معيّن، لا حقيقة مطلقة يتعين على كل عين أن تراها بالطريقة نفسها.

لهذا تبدو عبارة «الحب يأتي من القلب» غير كافية وحدها. فهي تسمّي التجربة، لكنها لا تشرح كيف يبدأ الانجذاب، وكيف تتشكل التفضيلات، ولماذا تختلف أحكام الناس على الصورة الواحدة. إن السؤال الأعمق ليس ما إذا كان الحب يلغي الجمال الخارجي، بل كيف يتفاعل هذا الجمال مع إدراك الفرد، ومعايير مجتمعه، والتجربة الخاصة التي تجعله يختار شخصًا دون آخر.؟

الحب يعيد صناعة الجمال: هل نحب لأننا نرى الجمال أم نراه لأننا نحب؟

قد يبدأ الحب بإعجاب بصري واضح، وقد يبدأ بانجذاب يصعب تفسيره. لكن العلاقة، حين تتطور، يمكن أن تغيّر طريقة رؤيتنا للتفاصيل. فالملمح الذي لم يكن لافتًا قد يصبح محببًا، والابتسامة أو نبرة الصوت أو طريقة الحركة قد تكتسب معنى خاصًا. هنا لا يتغير الوجه بالضرورة، بل تتغير الطريقة التي يُرى بها.

الحب لا يمحو الصورة الخارجية، ولا يجعل كل شخص جميلًا في نظر كل محب، لكنه قد يمنح بعض التفاصيل قيمة لا يراها الآخرون بالطريقة نفسها. ما يبدو للناس عاديًا قد يصبح عند المحب جزءًا من صورة فريدة مرتبطة بالألفة والذاكرة والمشاعر.

ومن هنا تأتي مفارقة عنوان المقال: «الجمال القبيح والحب الجميل». ليس المقصود أن الجمال يتحول حرفيًا إلى قبح، وإنما أن المعايير التي تصنف الوجوه والأجساد قد تعجز عن تفسير ما يراه الفرد في تجربته الخاصة. فقد يبدو شخص غير جميل وفق معيار شائع، بينما تصبح صورته محببة ومميزة في عين من يحبّه، والعكس صحيح.

لذلك لا ينبغي أن نضع الجمال والحب في علاقة بسيطة من السبب والنتيجة. الجمال الخارجي قد يفتح باب الانجذاب، لكنه لا يضمن الحب، والحب قد يعيد ترتيب إدراكنا للجمال، لكنه لا يلغي أثر الصورة.

وربما لهذا لا تكون الإجابة في السؤال: هل الجمال مهم أم غير مهم؟ بل في سؤال أعمق: هل نحب لأننا نرى الجمال، أم نرى الجمال لأننا نحب؟ لعل الحقيقة تقع في المسافة بين الأمرين؛ فالجمال قد يفتح الباب، لكن الحب قد يغيّر ما نراه خلفه.

***

ئاريان علي

بين حسن الاختيار واستقرار الأسرة

من أهم القرارات التي يتخذها الإنسان في حياته اختيار شريك الحياة؛ لأنه الشخص الذي سيشاركه تفاصيل الحياة بحلوها ومرّها، ويسهم معه في بناء أسرة مستقرة.

لقد كتبت أكثر من مرة عن مشكلات الطلاق التي أصبحت ظاهرة مقلقة في مجتمعاتنا. فلم تعد تحيط بالطلاق الوصمة الاجتماعية التي كانت تلازمه في الماضي، ولم تعد خشية المرأة من نظرة المجتمع أو القلق على الأبناء تحول دون اتخاذ قرار الانفصال. ولو تأملنا بعض حالات الطلاق، لوجدنا أن سوء الاختيار من أسبابها المهمة. فكثيراً ما ينشغل الشباب والفتيات بالمظهر الخارجي أو المستوى المادي أو المكانة الاجتماعية، في حين أن نجاح الحياة الزوجية يعتمد على أسس أعمق وأكثر استدامة. إن حسن اختيار شريك الحياة المناسب هو أساس استقرار الأسرة وديمومة الشراكة.

كيف كان العراقيون يختارون شريك الحياة في الماضي؟

لم يكن اختيار شريك الحياة في العراق، حتى منتصف القرن العشرين وما بعده بقليل، يشبه ما نعرفه اليوم من وسائل التعارف والتواصل. فقد كان الزواج المرتّب عن طريق الأهل هو الأكثر شيوعاً، وكان زواج الأقارب منتشراً في المدينة والريف، وإن تفاوتت العادات بين البيئات الاجتماعية. كانت فرص اللقاء بين الشباب والفتيات محدودة بحكم التقاليد السائدة، فلم يكن من السهل أن يتعارفا أو يلتقيا قبل الزواج. وربما اقتصرت فرصة الشاب في رؤية فتاة لا تربطه بها صلة قرابة على لمحة عابرة في السوق أو مناسبة اجتماعية نادرة.

لذلك، كان الأهل يؤدون الدور الأساسي في البحث عن الشريك المناسب، مسترشدين بجمال الفتاة، وسمعة أسرتها وأخلاقها وأصلها الاجتماعي، فضلاً عن مدى التوافق بين العائلتين. وفي تلك البيئة، ازدهرت مهنة الخاطبة، وهي امرأة تمتلك شبكة واسعة من المعارف، تتولى البحث عن الفتيات المناسبات للشباب، وتنقل أخبار العائلات، وتمهّد للتعارف الرسمي بين الطرفين. وقد تراجع دورها تدريجياً مع اتساع فرص التعليم المختلط والعمل الذي يتيح للشباب فرص اللقاء والتحدث والتعرف على طباع الطرف الآخر.

ومع تطور وسائل التواصل وظهور المواقع الإلكترونية المخصصة للتعارف بقصد الزواج، برز ما يمكن تسميته «الخاطبة الإلكترونية»، التي تؤدي بعض وظائف الخاطبة التقليدية، ولكن بوسائل مختلفة. وتتيح هذه المواقع فرصاً للتعارف والتواصل مع شريك محتمل، لكنها لا تضمن نجاح الزواج أو استمراره.

وفي هذه المقالة، لن أتناول أنواع الزواج المختلفة أو العلاقات التي لا تقوم على التعارف الجاد بقصد الزواج، وإنما سأركز على المعايير التي تساعد الشاب والفتاة على حسن الاختيار، والوسائل التي تمكّنهما من التحقق من ملاءمة الشريك، وصولاً إلى بناء علاقة زوجية مستقرة ودائمة.

أولاً: المواصفات التي ينبغي البحث عنها في شريك الحياة

من المؤكد أن لكل فرد تصوراً عن شريك الحياة الذي ينشده، يتشكل في ضوء تجاربه السابقة وظروفه الاجتماعية وتطلعاته للمستقبل. ومع ذلك، لا بد من وضع أسس تساعد على حسن الاختيار، بعيداً عن الانجراف وراء العواطف أو تغليب المصالح أو الخضوع لضغوط أطراف أخرى. وفيما يلي بعض المؤشرات التي قد تساعد على اتخاذ قرار أكثر وعياً واتزانا.

1.  الأخلاق والاحترام المتبادل

من خلال تجربتي الشخصية، كنت أبحث في كل من يتقدم لخطبة إحدى بنات العائلة عن خصلتين أساسيتين: الصدق أولاً، والكرم والابتعاد عن البخل ثانياً؛ فالكذب والبخل من الصفات التي يصعب معها بناء حياة زوجية مستقرة. ولم يقتصر اهتمامي على الشاب نفسه، بل شمل طبيعة أسرته، ولا سيما العلاقة بين الأب والأم، ومدى تماسك العائلة والأجواء السائدة داخل المنزل؛ فالبيئة الأسرية تؤثر في تكوين شخصية الإنسان، وإن لم تكن العامل الوحيد المحدد لها.

كما يمكن الاستدلال على أخلاق الشاب أو الفتاة من خلال محيطهما الاجتماعي، كالجامعة أو مكان العمل أو منطقة السكن، وملاحظة طريقة تعاملهما مع الآخرين. ومن المهم أن يتحلى الشريكان بالصدق والأمانة، وأن يحترم كل منهما الآخر ويحفظ كرامته حتى عند الاختلاف؛ فالأخلاق الحقيقية لا تظهر في أوقات الانسجام وحدها، بل تتجلى بوضوح أكبر عند الغضب والخلاف وتعارض المصالح.

2.  التقارب في القيم والمبادئ والثقافة

من الصعب أن يتطابق الطرفان في جميع وجهات النظر، لكن من المهم ألّا تتحول اختلافاتهما الجوهرية إلى مصدر دائم للصراع. لذلك، ينبغي أن يتقاربا بدرجة معقولة في نظرتهما إلى القضايا الأساسية، مثل الأسرة والدين وتربية الأبناء وحدود تدخل الأهل في حياتهما الخاصة. وقد تشمل الاختلافات المهمة، التي برزت مؤخرا في مجتمعاتنا، المسائل المذهبية والقومية، وهي أمور لا ينبغي إهمالها إذا كان من المحتمل أن تؤثر في الحياة المشتركة، ولا سيما في تربية الأبناء وعلاقة الأسرة بمحيطها الاجتماعي. وفي المقابل، قد يسهم التقارب الثقافي والفكري في تعزيز الانسجام بين الطرفين، حتى إن اختلفا في المذهب أو القومية. ولهذا، فإن التعرف إلى ثقافة الآخر وطريقة تفكيره ونظرته إلى الحياة يساعد على تقدير مدى التوافق بينهما، بعيداً عن الأحكام المسبقة.

3.  التوافق في الالتزام الديني والقيمي

يمثل الدين، في مجتمعاتنا، إطاراً مرجعياً للقيم والسلوك، وليس مجرد شعائر تؤدى. لذلك، ينبغي أن ينظر الطرفان إلى مدى التقارب في الالتزام الديني بوصفه عاملاً مؤثراً في الحياة المشتركة، لا سيما في ما يتعلق بتربية الأبناء وتشكيل وجدانهم، وبطبيعة العلاقة بالأسرة والمجتمع. وقد لا يعني ذلك التطابق التام في درجة الالتزام، لكن من المهم أن يكون هناك فهم متبادل لحدود هذا الالتزام وتوقعات كل طرف من الآخر، وأن يتفقا على القضايا الجوهرية التي لا يقبل أحدهما التنازل عنها. فالاختلاف في الرؤية الدينية، إذا لم يُدرَك ويُحاور مبكراً، قد يتحول إلى مصدر توتر دائم، خصوصاً عند اتخاذ قرارات تخص الأبناء أو العلاقات الاجتماعية.

4.  المسؤولية والاستقرار العملي

يُقاس الاستعداد للزواج بالقدرة على تحمل المسؤولية، والجدية في العمل، وحسن إدارة المال بما يتناسب مع الإمكانات المادية للأسرة، والوفاء بالالتزامات، والتخطيط للمستقبل بما يضمن حياة كريمة للأبناء، ويوفر للزوجين الأمن والرعاية عند التقدم في العمر أو مواجهة المرض.

ومن الضروري أن يتصارح الطرفان بشأن الدخل والديون والتوقعات المادية، في الوقت المناسب وبما يتناسب مع مرحلة التعارف ومدى جديتها؛ فالمصارحة في هذه الأمور تساعد على تجنّب كثير من الخلافات مستقبلاً. ومن خلال ما شهدته من حالات طلاق، وجدتُ أن الخلافات المادية كانت من أبرز أسباب الانفصال، ولا سيما في السنوات الأخيرة. فبعض الشباب يتظاهرون بالثراء، ويعدون شريكات المستقبل بحياة مرفهة لا يملكون مقوماتها، فتكون تلك الوعود بعيدة عن الواقع. وعندما تصطدم الزوجة بالحقيقة بعد الزواج، تصاب بخيبة أمل، إذ تجد أن الحياة التي تعيشها تختلف عما تصوّرته وتوقّعته طوال فترة الخطوبة.

ولا يقتصر الاستقرار على الجانب المادي، بل يشمل احترام الحرية الشخصية، وفهم حدودها، والتوفيق بينها وبين متطلبات الحياة المشتركة. وينبغي أن تقوم العلاقة على الثقة واحترام الخصوصية والصداقات وحق كل طرف في التعبير عن رأيه، بعيداً عن المراقبة المفرطة والغيرة المؤذية والشك الذي كثيرا ما يدمر الشراكة. فالمحبة لا تعني امتلاك الآخر أو تقييد حريته، وإنما تقوم على الثقة، والاحترام المتبادل، والشعور بالأمان، والطمأنينة.

5.  التوافق النفسي والفكري

من المؤشرات المهمة على ملاءمة شريك الحياة أن يشعر الإنسان بالارتياح والفخر عند اصطحاب شريكه والظهور معه في المناسبات الاجتماعية والعائلية، وألا يشعر بالحرج أو الخجل من وجوده إلى جانبه، مع أن هذا الشعور وحده لا يكفي للحكم على نجاح العلاقة. فهذه المناسبات تتيح للآخرين ملاحظة سلوك الزوجين ومظهرهما ومدى الانسجام الظاهر بينهما، وقد يتعرض أحد الطرفين للحرج إذا رأى أن سلوك شريكه أو مظهره قد يكون موضع انتقاد أو انتقاص من الآخرين.

وفي المنزل، من المهم أن يجد كل منهما في الآخر رفيقاً يستطيع الحديث معه والضحك بصحبته ومشاركة اهتماماته، وأن يشعر بالراحة في التعبير عن نفسه دون خوف من السخرية أو الانتقاص من شأنه. ويعني التوافق أن يمتلكا القدرة على فهم اختلافاتهما واحترامها والحوار بشأنها بروح من المودة والتسامح. فالزواج شراكة إنسانية تقوم على الإصغاء والتفاهم، يجد فيها كل طرف من يتفهم مشاعره ويشاركه أفراحه وهمومه.

6.  الاتفاق على شكل الحياة المستقبلية

ينبغي أن يناقش الطرفان، قبل الزواج، تصورهما للحياة المستقبلية ويتفقا على المسائل الأساسية التي ستؤثر في حياتهما المشتركة، وفي مقدمتها مكان الإقامة، سواء داخل العراق أم في بلد آخر بقصد الهجرة والاستقرار. وقد شهدتُ حالات طلاق مؤسفة كان اختلاف الرغبة في مكان الإقامة أحد أسبابها؛ إذ يفضّل أحد الزوجين البقاء في العراق، بينما يرغب الآخر في الهجرة. وقد يفضّل أحدهما العيش بالقرب من عائلته لرعاية أحد الوالدين أو للشعور بالأمان والاطمئنان.

ومن المسائل الأخرى التي تستحق النقاش الرغبة في الإنجاب وعدد الأطفال، وأسلوب تربيتهم، واستمرار المرأة في العمل أو الدراسة، وتقاسم مسؤوليات المنزل، وطبيعة العلاقة مع عائلتي الطرفين. قد تبدو هذه المسائل تفصيلية في بداية العلاقة، لكنها تمس جوهر الحياة اليومية. لذلك، فإن مناقشتها بصراحة وواقعية تساعد على توضيح التوقعات وتجنب الخلافات المستقبلية، وبناء حياة مشتركة تقوم على التفاهم والتعاون وتحمل المسؤولية.

7.  الوعي بالحقوق والواجبات

من المفيد أن يكون لدى الطرفين، قبل الزواج، وعي أساسي بحقوقهما وواجباتهما في إطار عقد الزواج، وبما يكفله القانون من حقوق تتعلق بالمهر، والنفقة، والحضانة، وغيرها. ولا يعني ذلك تحويل العلاقة الزوجية إلى عقد جاف، بل يعني أن يكون القرار مبنياً على معرفة، لا على جهل قد يُستغل لاحقاً. فالوعي بالحقوق والواجبات يحمي الطرفين معاً، ويمنع المفاجآت التي قد تُقوّض الثقة بعد الزواج.

ثانياً: كيف يختار الشاب والفتاة شريك المستقبل؟

على الرغم من أهمية الصفات السابقة، فإن التحقق من توافرها ليس أمراً سهلاً إذا ما أتيح لهما اللقاء ولفترة بسيطة على الأقل. فلا يمكن الوصول إلى معرفة تلك الصفات بمجرد السؤال عنها. فمن الطبيعي أن يصف الشخص نفسه بالصدق والكرم والحكمة، كذلك سؤال الآخرين، فقد لا يكشف الحقيقة كاملة؛ إذ قد يتحفظ بعضهم عن ذكر العيوب خشية أن يؤدي ذلك إلى تعثر الزواج، بل العكس، هم يكتفون بذكر المحاسن والمبالغة في المدح. لذلك، يحتاج الاختيار السليم إلى وقت وتمحيص وملاحظة وحوار صريح. من أجل ذلك يمكن الاستعانة بالخطوات الآتية:

1. التعرّف إلى الذات قبل بدء الاختيار

قبل أن تحاول التعرف على الطرف الآخر عليك أن تتعرف على نفسك أولاً. فعلى الراغبين في الزواج أن يتعرفوا إلى أنفسهم أولاً، وأن يسأل كل منهم نفسه فيما إذا كان مستعداً نفسياً لتحمل مسؤوليات الزواج؟ وما الذي يتوقعه من هذه العلاقة؟ وما القيم التي لا يستطيع التنازل عنها؟ وما نقاط الضعف التي ينبغي عليه العمل على تحسينها؟ فمن لا يدرك احتياجاته وتوقعاته قد يتخذ قراره بدافع الانبهار أو استجابة لضغط الآخرين، دون استعداد حقيقي للحياة الزوجية ومتطلباتها.

2. عدم الاكتفاء بالجاذبية والمظهر

للجاذبية دور في نشوء العلاقة، لكنها لا تكفي وحدها لاتخاذ الاختيار الصحيح، ولا ينبغي أن تحجب عيوباً جوهرية في الشخصية أو السلوك. ومن المفيد ملاحظة طريقة تعامل الشخص مع أفراد أسرته والعاملين معه ومن هم أقل منه قدرة أو مكانة، لا الاكتفاء بتصرفاته مع من يسعى إلى كسب إعجابهم؛ فالسلوك العفوي في المواقف اليومية قد يكشف من الطباع ما لا تكشفه المجاملات.

3. الحوار الصريح قبل الزواج

من الضروري إجراء حوارات جادة للتعرف إلى طباع الطرف الآخر وتوقعاته، ومناقشة المسؤوليات المشتركة والخلافات المحتملة، بدلاً من الاكتفاء بالمجاملات والموضوعات العامة. ومن المفيد أن يتبادل الطرفان الحديث عن كيفية تعاملهما مع الغضب والاختلاف في الرأي، وخططهما للمستقبل، وما قد يتخذانه من مواقف عند مواجهة مشكلة مالية أو عائلية. فمثل هذه الحوارات تساعد على فهم طريقة التفكير ومدى الاستعداد لتحمل المسؤولية والتعامل مع تحديات الحياة.

4. ملاحظة السلوك مع مرور الوقت

يتيح التعارف الجاد والمحترم فرصة لملاحظة مدى تطابق الأقوال مع الأفعال: هل يفي الشخص بوعوده؟ وهل يتحمل مسؤولية أخطائه؟ وكيف يتعامل مع الإحباط والاختلاف؟ فالاستمرارية في السلوك أصدق دلالة على الشخصية من التصرفات المثالية التي قد تظهر في بداية العلاقة.

5. التعامل الواعي مع الوسائل المعاصرة

لم تعد فرص التعارف مقتصرة على الأهل والخاطبة، بل أصبحت المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل جزءاً من واقع البحث عن شريك الحياة. وهذه الوسائل، وإن وسّعت دائرة الاختيار، فإنها تفرض تحديات جديدة؛ إذ يصعب التحقق من صدق ما يُعرض فيها، وقد تُبالغ الصور والكلمات في تصوير الشخص خلافاً لحقيقته. لذلك، ينبغي أن يُنظر إلى هذه الوسائل بوصفها قناة أولية للتعارف فحسب، لا بديلاً عن التحقق والتمحيص واللقاءات الجادة بحضور الأهل أو من يوثق بهم. كما ينبغي الحذر من التسرع في اتخاذ القرار بناءً على الانطباع الرقمي وحده، ومن الانجراف وراء العلاقات التي لا تقوم على جدية بقصد الزواج.

ومن القضايا التي تستحق النظر أيضاً الفوارق العمرية الكبيرة، وتأثير توقعات كل طرف، التي قد تتشكل بفعل ما يراه على وسائل التواصل من نماذج مثالية، في تصوره للحياة الزوجية. فمن المفيد أن يناقش الطرفان هذه التوقعات بصراحة، وأن يميزا بين ما هو واقعي وما هو مستورد من صور غير قابلة للتحقق.

6. الاستفادة من مشورة الموثوقين

يمكن الاستفادة من آراء الأهل والأصدقاء الموثوقين الذين يعرفون الطرفين جيداً؛ فقد يلفتون النظر إلى أمور لا يلاحظها الشخص بسبب تعلقه العاطفي. لكن ينبغي أن تكون المشورة وسيلة للفهم وحسن التقدير، لا مبرراً لفرض الزواج أو رفضه دون أسباب موضوعية، فالقرار النهائي يجب أن يستند إلى القناعة والاختيار الحر.

7. التأكد من القبول المتبادل وحرية الاختيار

لا يكفي أن يكون أحد الطرفين مناسباً للآخر، بل ينبغي أن يقبل كلاهما العلاقة عن اقتناع ورغبة حقيقية، بعيداً عن الإكراه أو الخوف من فوات الفرصة أو ضغط الأسرة والمجتمع. فالزواج القائم على الرضا المتبادل يمنح الطرفين أساساً أفضل لبناء علاقة مستقرة، يشعر فيها كل منهما بقيمته وكرامته.

دور المجتمع والمؤسسات

إن حسن الاختيار مسؤولية فردية في جوهرها، لكنه يتأثر بالبيئة الاجتماعية وما تقدمه من توعية ودعم. ويمكن للمؤسسات التعليمية أن تُضمّن برامجها موضوعات عن مهارات التواصل والحوار والاختيار الواعي، وللإعلام أن يقدّم محتوى يوعّي الشباب بمعايير الاختيار السليم بدلاً من الاقتصار على نماذج مثالية بعيدة عن الواقع. كما يمكن لدور العبادة والجمعيات الأسرية والاستشارات قبل الزواج أن تؤدي دوراً في التوعية والوساطة والإرشاد. فالتوعية المبكرة، قبل بلوغ مرحلة القرار، أكثر جدوى من معالجة المشكلات بعد وقوعها.

ثالثاً: إشارات تحذيرية لا ينبغي تجاهلها

من المهم التمييز بين العيوب البشرية التي يمكن التعامل معها، والسلوكيات التي تهدد استقرار الحياة الزوجية أو سلامة أحد الطرفين. ومن أبرز الإشارات التحذيرية إدمان المخدرات، والمقامرة المفرطة، والتبذير الذي يهدد الاستقرار المالي، والكذب المتكرر وإخفاء الحقائق الجوهرية. كذلك، لا ينبغي الاستهانة بالإهانة، والتحقير، والتهديد، والعنف، والإكراه. فهذه ليست عيوباً بسيطة يمكن التغاضي عنها أو التعويل على الحب والصبر وحدهما لتغييرها، بل تستدعي التوقف والتفكير الجاد قبل اتخاذ قرار الزواج. فالعنف والإكراه يمسان كرامة الإنسان وسلامته، ولا يجوز التعامل معهما بوصفهما أمراً طبيعياً في العلاقة الزوجية.

رابعاً: هل ينبغي البحث عن الشخص المثالي؟

لا يوجد إنسان كامل، ومن الخطأ انتظار شريك حياة خالٍ من العيوب. فالأهم ليس العثور على شخص تتوافر فيه جميع الصفات المرغوبة، وإنما اختيار شخص نتوافق معه في الأساسيات، ونستطيع معه التعامل مع الاختلافات والتعلم منها والنمو بمرور الزمن. ومن المفيد التمييز بين الصفات الأساسية التي لا يمكن التنازل عنها، والصفات التي يمكن التفاهم بشأنها، والصفات الثانوية التي لا تؤثر جوهرياً في استقرار العلاقة. فحسن الاختيار يعني معرفة ما نحتاج إليه حقاً، وما نستطيع تقبّله، وما لا يمكن أن تقوم الحياة المشتركة من دونه.

نماذج من الواقع

من الحالات التي وقفت عليها، حالة شابين تعارفا عبر الأهل، وكان الظاهر من أمرهما التوافق المادي والاجتماعي، غير أنهما لم يتحاورا يوماً في تصوريهما لمكان الإقامة وأسلوب تربية الأبناء. وبعد الزواج، انكشف اختلافهما الجوهري في هذين الأمرين، فتراكمت الخلافات حتى انتهت العلاقة بالانفصال. وفي المقابل، عرفت أسرة قام اختيارها على توافق واضح في القيم والأخلاق، مع اختلاف في المستوى المادي، فكان الاحترام والحوار والمسؤولية المشتركة أساساً لاستقرارها ونموها. والدرس المشترك بين الحالتين أن الاختيار الواعي القائم على معرفة الأساسيات والحوار الصريح هو ما يصنع الفارق، لا المظاهر ولا التكافؤ المادي وحده.

الخلاصة

إن الزواج الناجح لا يقوم على العثور على إنسان بلا عيوب، ولا على مجرد الانجذاب أو التكافؤ المادي والاجتماعي، وإنما على اختيار شخص نتوافق معه فكرياً وإنسانياً، ونحترمه ويحترمنا، ونثق به ويثق بنا، ونستطيع معه بناء حياة تقوم على المودة والرحمة والتعاون والاحترام المتبادل.

ولعل السؤال الأهم الذي ينبغي أن يطرحه كل شاب وفتاة على نفسيهما هو: هل نستطيع معاً بناء علاقة ننمو فيها فكرياً وإنسانياً، ونشعر في ظلها بالطمأنينة، ونواجه صعوبات الحياة دون أن يفقد أحدنا كرامته أو شعوره بالأمان؟ فشريك الحياة إنما هو رفيق نأمل أن نتقاسم معه رحلة طويلة تتغير خلالها الظروف والأعمار والقدرات، ويبقى الاحترام والمودة والوفاء أساساً لاستمرار العلاقة.

***

سعد عبد المجيد ابراهيم

 

هناك مفارقة غريبة في الوجود الإنساني: أن يقضي الإنسان عمره في محاولة السيطرة على الزمن، بينما الزمن هو الشيء الوحيد الذي لا يستطيع امتلاكه.

 يخترع الساعات ليقيسه، والجداول لينظمه، والتقنيات ليختصره، والخطط ليحاصره، ثم يكتشف، في غمرة هذا كله، أنه لم يعد يملكه

كيف تحول الوقت من مساحة نعيش فيها إلى مورد نستهلكه، ومن نسيج تتشكل داخله خبراتنا وعلاقاتنا وذكرياتنا، إلى وحدات قابلة للقياس والحساب والمقارنة؟ لم نعد نسأل أنفسنا: ماذا عشنا اليوم؟ بل: ماذا أنجزنا؟ لم يعد يكفينا أن نشعر بالرضا عن لحظة جميلة، بل نريد أن نبررها باعتبارها وقتا لم يذهب سدى. وكأن للحياة قيمة لا يمنحها لها الشعور، وإنما تمنحها لها قائمة المهام حين نضع أمام بنودها علامات الإنجاز.

والمفارقة أن الإنسان الذي صنع الآلات لتوفير وقته، لم يحصل بالضرورة على وقت أكثر لحياته، بل اكتشف أن كل دقيقة يوفرها تفتح أمامه بابا لمهمة جديدة، وكل عمل ينجزه يستدعي أعمالا أخرى، وكل وسيلة تختصر المسافة ترفع سقف التوقعات وتطالبه بالمزيد. لقد صار الإنجاز، الذي كان وسيلة لتحسين الحياة، غاية تستنزفها، وصارت الراحة مكافأة مؤجلة لا تأتي إلا بعد الانتهاء، بينما لا تنتهي الأشياء أبدا.

إن أخطر ما يسرقه العصر الحديث من الإنسان ليس الوقت، بل إحساسه بأنه يملكه، وقدرته على أن يكون حاضرا فيه

نحن لا نعيش الزمن دائما، بل نطارده. نتناول طعامنا ونحن نفكر فيما ينبغي إنجازه بعده، ونجلس مع أحبائنا وأعيننا معلقة بالشاشات، ونستمع إلى من يحدثنا بينما تتوزع عقولنا بين إشعار جديد ورسالة لم نرد عليها ومهمة تنتظرنا في مكان آخر. حتى اللحظات التي يفترض أن تكون ملاذا من ضجيج العالم، صرنا نحولها إلى فرص إضافية للعمل أو التصفح أو متابعة ما يفعله الآخرون.

لقد دخل التشتت إلى حياتنا حتى أصبحنا نخلط بين كثرة الحركة وثراء التجربة، وبين امتلاء اليوم وامتلاء الحياة. قد يمضي المرء ساعات طويلة في التنقل بين آلاف الصور والأخبار والمقاطع، فيعرف تفاصيل حياة أشخاص لم يلتقهم قط، بينما يعجز عن الإصغاء إلى نفسه لدقائق. وقد يقطع العالم من أقصاه إلى أقصاه في فضاء رقمي مفتوح، لكنه لا يقترب خطوة واحدة من السؤال الذي يتجنبه: ماذا أريد حقا من حياتي؟

نقول: حين أتفرغ سأعيش. حين تتحسن الظروف سأهتم بنفسي. حين أحقق ما أسعى إليه سأستريح. حين تنتهي هذه المرحلة سأمنح أحبائي وأصدقائي ما يستحقونه من وقتي.

 لكن كل مرحلة تلد مرحلة، وكل نهاية تفتح بابا لبداية أخرى، وكل هدف نبلغه يكشف لنا عن أهداف جديدة. وهكذا يتحول المستقبل إلى مستودع نلقي فيه كل ما لا نجرؤ على عيشه في الحاضر، ثم نمضي إليه دون أن نصل.

نتعامل مع الحياة أحيانا كما لو كانت مشروعا ينبغي استكماله قبل أن نستمتع به، مع أن الحياة ليست مشروعا خارجنا، ولا مرحلة تمهيدية تسبق الوصول إلى شيء آخر. إنها هذا الذي يحدث الآن، في اللحظة التي لا ننتبه إليها، وفي الحديث الذي نختصره، وفي الشجرة التي نعبر بجوارها دون أن نراها، وفي وجه عزيز نؤجل النظر إليه لأن لدينا ما هو أكثر أهمية. ثم نكتشف متأخرين أن بعض الوجوه لا تعود، وأن بعض الأبواب لا تظل مفتوحة إلى الأبد

ومن منظوري الخاص اعتقد ان الحياه لا تستمد قيمتها من وعد مؤجل، ولا من تعويض غيبي عن أيام لم نحسن عيشها، وإنما من قدرتنا الفعلية على أن نصنع فيها معنى، وأن نختبر المحبة والمعرفة والجمال والحرية، وأن نخفف الألم عن أنفسنا وعن الآخرين. نحن لا نملك دليلا على أن هناك حياة أخرى ستعيد إلينا ما أهدرناه من هذه الحياة، ولذلك تصبح مسؤوليتنا تجاه حاضرنا أكثر إلحاحا

لقد تحرر الإنسان من كثير من القيود القديمة، لكنه ابتكر لنفسه قيودا جديدة أكثر خفاء؛ قيودا لا تأتي دائما في صورة أوامر خارجية، بل تسكن داخله في هيئة طموح لا يشبع، ومقارنة لا تنتهي، وخوف من التأخر عن الآخرين، وشعور دائم بأنه لم يفعل ما يكفي. صار يراقب حياته كما يراقب الموظف أداءه، ويحاسب نفسه كما لو كان مسؤولا عن تعويض كل دقيقة لم تنتج شيئا قابلا للقياس

من قال إن الحياة سباق؟ ومن وضع خط النهاية؟

 ومن أقنعنا بأننا إذا توقفنا قليلا فسوف نفقد مكاننا في العالم؟ إن كثيرا من المعارك التي تستنزف أعمارنا لا تستحق كل هذا الاستنزاف، وكثيرا من الأهداف التي نركض وراءها لم نخترها بوعي، بل ورثناها من مجتمع يقدس النجاح الظاهر، ويكافئ الانشغال، ويشك في كل إنسان يجرؤ على أن يعيش بإيقاع مختلف

التحرر الحقيقي يبدأ حين نستعيد حقنا في السؤال: هل هذه الحياة التي أعيشها تشبهني؟ هل ما أطارده يستحق ما أدفعه من عمري؟ هل أعمل لأنني أؤمن بما أفعله، أم لأنني أخشى أن أبدو أقل نجاحا من الآخرين؟ وهل أؤجل سعادتي من أجل غاية تستحق، أم أنني اعتدت التأجيل حتى صار جزءا من هويتي؟

هذه الأسئلة ليست دعوة إلى الكسل، بل إلى الوعي؛ لأن أخطر أشكال الضياع أن يمضي الإنسان في الاتجاه الصحيح لكن نحو غاية لا يريدها

استعادة الحياة تبدأ حين نتوقف عن الاعتقاد بأن الحياة لا تستحق أن تُعاش إلا بعد أن نفرغ من كل شيء.

فلا شيء يكتمل تماما، ولا عالم يخلو من المطالب، ولا مرحلة تأتي خالية من القلق والمسؤوليات. وإذا اشترطنا على أنفسنا أن تتحقق الظروف المثالية كي نعيش، فسوف نمضي العمر في انتظار عالم لا وجود له.

لقد أقنعنا منطق الاستهلاك بأن السعادة شيء ينتظرنا بعد اقتناء المزيد، وأقنعنا منطق المنافسة بأن الرضا علامة على التوقف، وأقنعنا خطاب النجاح بأننا لا نستحق الراحة قبل أن نثبت جدارتنا بها. وهكذا أصبح الإنسان يطارد صورة مثالية لحياته،. حتى يكتشف فجأة ان عمره تسرب

ربما لن يأتي اليوم الذي ننتهي فيه من كل شيء. ستظل هناك أعمال ناقصة، ورسائل مؤجلة، وأحلام تحتاج إلى شجاعة، ومسؤوليات لا يمكن التنصل منها. وسيظل المستقبل، بطبيعته، مفتوحا على ما لا نعرفه. لكن ما لا ينبغي أن يظل مفتوحا إلى الأبد هو قرارنا بأن نعيش.

ليس علينا أن ننتظر اكتمال الظروف كي نمنح الحياة شيئا من انتباهنا، ولا أن نبلغ نهاية الطريق كي نسمح لأنفسنا بالشعور بجدوى الرحلة

أنت لا تسير نحو الحياة؛ أنت تعيشها الآن، حتى في اللحظات التي تتوهم أنك تستعد لها.

وهذه، ربما، هي الحقيقة التي نحتاج إلى استعادتها قبل فوات الأوان: أن نكف عن تأجيل وجودنا، وأن نتصالح مع نقص العالم، وأن نمنح الحاضر حقه، لا لأنه أبدي، بل لأنه الشيء الوحيد الذي نستطيع أن نعيش فيه فعلا.

ولأننا لا نملك العمر مرتين، فلعل أكثر أشكال الحكمة إنسانية أن نعمل دون أن نستعبد أنفسنا للعمل، وأن نحلم دون أن نحتقر حاضرنا، وأن نسعى إلى المستقبل دون أن نضحي به كل يوم، وأن نفهم أخيرا أن النجاح الحقيقي ليس أن نصل إلى نهاية الطريق وقد أنجزنا كل شيء، بل أن نصل إليها وقد عشنا شيئا يستحق أن نتذكره.

عيشوا وافرحوا واحلموا، وأحبوا ما استطعتم إلى الحب سبيلا، ولا تؤجلوا ضحكاتكم حتى تنتهي الأحزان، ولا أفراحكم حتى تستقيم الحياة، فالحياة لا تستقيم تماما، ولا تخلو من وجع، ولا تمنحنا ضمانات بأن الغد سيأتي كما نشتهي.

امنحوا أنفسكم حق الدهشة، وامشوا نحو الأشياء التي توقظ أرواحكم، واقرأوا ما يوسع عقولكم، واقتربوا ممن يمنحون أيامكم معنى، وارحلوا عن كل ما يستنزف إنسانيتكم.

ولا تسمحوا لضجيج العالم أن يقنعكم بأن الحياة سباق لا بد أن تصلوا فيه إلى خط النهاية قبل الآخرين.

لا تجعلوا أعماركم رهينة للخوف، ولا تستنزفوا حاضركم في مطاردة مستقبل لم يصل بعد، ولا تهدروا أرواحكم في انتظار اللحظة المثالية؛ فليس هناك حياة مثالية، بل حياة نحاول أن نصنع فيها شيئا يستحق أن يُعاش.

عيشوا لأن الحياة ليست بروفة لعرض قادم، وليست محطة انتظار لما هو أفضل؛ إنها العرض الوحيد الذي نملكه، والرحلة التي لا نعرف كم بقي منها.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

تتكرر استعارة جورج أورويل في "مزرعة الحيوان" كلما عادت السياسة إلى امتحانها الأكثر بدائية، حيث تضع من بين أهم مآزق وجودها أسئلة من قبيل، من يملك القوة، ومن يملك حق تعريف الحقيقة، ومن يستطيع أن يحوّل الخوف إلى طاعة، واللغة إلى أداة للهيمنة. لذلك لا تستنفد الرواية دلالتها في الحكاية التي ترويها عن حيوانات ثارت على الإنسان، ثم انتهت إلى إعادة إنتاج نظامه؛ فالمفارقة الأورويلية الأعمق تكمن في أن الثورة التي بدأت بوعد الخلاص قد تنتهي إلى استنساخ الاستبداد نفسه، وأن الضحية حين تستولي على أدوات القهر لا تكون بالضرورة قد تحررت من الجلاد، وإنما قد تكون ورثت منطقه.

تتجاوز رواية أورويل حدود المجاز السياسي لتلامس سؤالا أنثروبولوجيا وفلسفيا شديد القسوة: هل يستطيع المقهور أن يتحرر من السلطة من دون أن يتحرر من الرغبة في ممارستها؟

إن الحيوان الأورويلي لا يبدأ مستبدا. إنه يبدأ مظلوما، جائعا، مُهانا، ومحرومًا من ثمرة عمله. يثور لأن النظام القديم صادر حقه في الوجود الكريم. لكن المأساة تبدأ في اللحظة التي تتحول فيها الثورة من تحرير للإنسان ـ أو الحيوان ـ من علاقات القهر إلى صراع على احتكار السلطة. عندها تتبدل وظيفة الثورة، من تفكيك بنية الهيمنة إلى إعادة توزيع مواقعها. يصبح السؤال: من يحكم؟ لا: كيف نحكم؟ ولأي غاية؟

 تكمن عبقرية أورويل، في كونه لا يضع الاستبداد خارج النفس الإنسانية، وإنما يكشف قابليته على الاستقرار داخلها. فالمستبد الجديد لا يحتاج إلى أن يكون مختلفا جذريا عن المستبد القديم؛ يكفي أن يرث أدواته، وأن يعيد تأويلها بلغة جديدة. ولذلك فإن نابليون لا يهزم السيد جونز بقدر ما يستولي على موقعه الرمزي. يتغير الحاكم، وتتغير الشعارات، وتتغير الذاكرة، لكن بنية السلطة تظل قائمة. إن الثورة في هذه الحالة، لا تهدم المزرعة القديمة؛ إنها تستولي عليها.

وتأسيسا على ذلك، يمكن قراءة أورويل في ضوء أطروحة نيتشه حول إرادة القوة. فالسلطة لا تعمل دائما بوصفها ضرورة خارجية مفروضة على الذات؛ إنها قد تتحول إلى رغبة تسكن الذات نفسها. وحين يمتلك المقهور القوة، قد يجد نفسه أمام إغراء إعادة إنتاج ما كان يرفضه، لا لأنه نسي المظالم السابقة فقط، وإنما لأن السلطة ذاتها تمتلك قابلية إغواء تجعلها غاية في ذاتها. وهنا يتحول التحرر من سؤال أخلاقي إلى امتحان وجودي: ماذا يفعل الإنسان حين يصبح قادراً على فعل ما كان يكرهه؟

لهذا تبدو "مزرعة الحيوان" أقرب إلى تشريح للسياسة منها إلى رواية سياسية بالمعنى الضيق. فالاستبداد عند أورويل لا يقوم بالسوط وحده؛ إنه يحتاج إلى اللغة، وإلى إعادة صياغة الذاكرة، وإلى التحكم في الحقيقة، وإلى إنتاج عدو دائم، وإلى جعل الجماعة تشك في قدرتها على التذكر. وهذه النقطة تلتقي بصورة عميقة مع فوكو: السلطة لا تستقر فقط في مؤسسات القمع، وإنما تعمل عبر إنتاج الخطابات التي تحدد ما يجوز قوله، وما ينبغي تصديقه، ومن يملك حق الكلام، ومن يملك حق تسمية الأشياء.

ولذلك فإن أخطر تحول في المزرعة ليس أن الخنازير أصبحت أقوى، وإنما أنها أصبحت مالكة للمعنى. حين تستطيع السلطة أن تغير الكلمات، فإنها تستطيع أن تغير إدراك الواقع. وحين تعيد كتابة الماضي، فإنها لا تتحكم في الذاكرة فحسب، بل تتحكم في شروط الحكم على الحاضر. تصبح الحقيقة قابلة للتعديل بحسب مصلحة السلطة، وتتحول الجماعة من شعب يتذكر إلى جماعة تتلقى ما ينبغي لها أن تتذكره.

وفي هذا الصدد، يلتقي أورويل مع حنّة أرندت في مفهومها للسلطة والتسلط؛ إذ لا يحتاج النظام الاستبدادي إلى إلغاء الحقيقة كلها، بقدر ما يحتاج إلى إغراق المجال العام في حالة تجعل التمييز بين الحقيقة والكذب أكثر صعوبة. حين تفقد الوقائع قدرتها على تثبيت الوعي، يصبح المواطن قابلا لإعادة التشكيل السياسي. ولعل هذا هو السبب الذي يجعل الجملة الأورويلية الشهيرة حول مساواة الحيوانات ثم اكتشاف أن بعضها "أكثر مساواة" من بعضها الآخر تتجاوز السخرية إلى كشف البنية العميقة للخطاب السياسي. فالمساواة حين تُفصل عن العدالة تتحول إلى قناع؛ والشعارات حين تنفصل عن المؤسسات الضامنة لها تتحول إلى أدوات لتجميل التفاوت. وهكذا يمكن للغة أن تحتفظ باسم المساواة، بينما يجري تفريغها من مضمونها.

إن أخطر ما في الاستبداد أنه لا يعلن دائما عن نفسه بوصفه استبدادا. قد يدخل المجال العام مرتديا ثياب العدالة، أو الثورة، أو الوطنية، أو حماية الجماعة، أو الدفاع عن الشعب. ومن ثمة يصبح التمييز بين شرعية الوصول إلى السلطة وشرعية ممارسة السلطة أمراً مركزيا. فقد تصل الثورة إلى الحكم باسم المظلومين، لكنها لا تصبح عادلة بمجرد أن يكون أصلها احتجاجاً على الظلم.

وأستحضر في هذا المقام ما يراه روسو من أن المشكلة ليست في استبدال سيد بسيد، وإنما في بناء إرادة عامة لا يستطيع فرد أو جماعة اختطافها وتحويلها إلى إرادة خاصة متنكرة في هيئة المصلحة العامة. عندما تتماهى إرادة الحاكم مع إرادة الجماعة، يصبح الاعتراض عليه خيانة للجماعة نفسها، وحينها تبدأ السياسة في الانغلاق على نفسها. ف"مزرعة الحيوان" تكشف عن مأساة الإنسان الذي يحمل داخله ذاكرة المقهور وشهوة المتسلط في الوقت نفسه. إنه يريد العدالة حين يكون ضعيفاً، لكنه قد يكتشف، عندما يصبح قويا، أن العدالة لم تكن دائماً غايته النهائية، وأن ما كان يطلبه أحياناً هو موقعاً أفضل داخل منظومة القوة.

وبالتالي فإن عبارة "الثورة تأكل أبناءها" تأخذ معناها الأكثر قسوة. فالذي تأكله الثورة ليس فقط الأشخاص الذين شاركوا في صناعتها، وإنما قد تأكل أيضاً المبدأ الذي منحها شرعيتها الأولى. تبدأ الثورة بإدانة العنف، ثم تبرر عنفها؛ تبدأ بمحاربة الكذب، ثم تنتج قاموسها الخاص لتبريره؛ تبدأ بتحرير الذاكرة، ثم تصنع ذاكرة رسمية؛ تبدأ بإلغاء الامتياز، ثم تنشئ طبقة جديدة من المستفيدين. وهو ما يجعل أورويل قريبا، من زاوية أخرى، من رينيه جيرار، الذي يذهب إلى أن الجماعة التي تبحث عن خلاصها قد تحتاج إلى ضحية جديدة كي تستعيد تماسكها. وحين تفقد الثورة عدوها الأول، قد تصنع عدوا بديلا حتى تستمر في إنتاج وحدتها الداخلية. يصبح الخوف مادة سياسية، ويصبح الآخر ضرورة لبقاء الجماعة متماسكة. وهكذا لا يعود العنف مجرد وسيلة، بل يتحول إلى طقس لإعادة إنتاج الجماعة والسلطة معاً.

إن "مزرعة الحيوان" بهذا المعنى ليست مرآة للأنظمة الشمولية وحدها، وإنما مرآة لكل فضاء سياسي تتحول فيه المبادئ إلى شعارات، والشعارات إلى مصالح، والمصالح إلى امتيازات، والامتيازات إلى بنية مغلقة تدافع عن نفسها باسم الجماعة.

والمفارقة الأكثر إيلاماً أن الإنسان الذي طرد الحيوان من المجال السياسي الوهمي قد يعود ليكتشف أن الحيوان لم يكن خارج الإنسان أصلا. فالوحشية السياسية لا تأتي دائماً من الخارج؛ إنها قد تستيقظ في الداخل عندما تنفصل القوة عن المسؤولية، والرغبة عن القانون، والحرية عن العدالة. ولذلك فإن صورة الخنزير الذي يمشي على قدمين في خاتمة الرواية ليست مجرد انقلاب في هيئة الحيوان؛ إنها سقوط الحد الفاصل بين الإنسان والحيوان، حين يتخلى الإنسان عن إنسانيته السياسية والأخلاقية.

وهنا تصبح المزرعة استعارة للمجال العام كله. وكلما تغيرت الوجوه وبقيت قواعد اللعبة نفسها، ظل السؤال الأورويلي حاضراً: هل تغير النظام فعلاً، أم تغيرت فقط الكائنات التي تجلس على مقاعده؟

إن مأساة السياسة لا تبدأ عندما يصل الطغاة إلى السلطة، وإنما عندما تتشكل في الوعي قابلية لقبول الطغيان، وعندما يتحول المقهور إلى مستهلك للخطاب الذي يبرر قهره، وعندما تصبح الجماعة مستعدة للتنازل عن حريتها مقابل وعد بالأمن أو الخلاص أو الانتماء. عند تلك النقطة لا يعود المستبد بحاجة إلى أن يفرض نفسه بالقوة وحدها؛ يكفي أن يجعل الناس يطلبون النظام الذي يقيدهم.

وهكذا تتجاوز أورويل حدود الرواية إلى سؤال الإنسان نفسه: هل تكفي الإطاحة بالجلاد لكي يولد الإنسان الحر؟ أم أن التحرر الحقيقي يبدأ من تفكيك الجلاد الكامن في داخل الإنسان؟

ربما تكون هذه هي الخلاصة الأكثر عمقا في "مزرعة الحيوان"، في أن المشكلة ليست أن الحيوانات أصبحت تشبه الإنسان؛ المشكلة أن الإنسان، حين يفقد المعنى الأخلاقي للحرية، يستطيع أن يصبح أكثر حيوانية من الحيوان نفسه. فالاستبداد ليس مجرد نظام سياسي؛ إنه انحراف في علاقة الإنسان بالقوة، يبدأ حين تتحول السلطة من وسيلة لتنظيم الحياة المشتركة إلى رغبة في امتلاك الآخرين.

ولذلك لا يكون الخلاص في تغيير الحاكم وحده، وإنما في بناء شروط تمنع السلطة من التحول إلى ملكية خاصة، وتمنع الحقيقة من أن تصبح امتيازاً رسمياً، وتمنع الذاكرة من أن تقع تحت وصاية المنتصر. فالمزرعة لا تتحرر حقاً عندما يتغير سيدها؛ إنها تتحرر عندما يصبح استعباد الآخر مستحيلاً، حتى بالنسبة إلى من امتلك القوة لتحويله إلى عبد.

أعتقد ختاما، أن ثمة ما يكرس المسافة بين الثورة بوصفها انتقالا في السلطة، والثورة بوصفها تحولا في الإنسان. الأولى قد تبدل الحاكم؛ أما الثانية فتبدل علاقة الإنسان بالقوة، وبالآخر، وبالحقيقة، وبنفسه. وفي تلك المسافة تحديدا يظل أورويل واقفا، ساخرا ومفزعا، كمن يقول إن التاريخ لا يعيد نفسه لأن البشر لا يتعلمون فقط، وإنما لأن الرغبة في الهيمنة تستطيع أن ترتدي في كل مرة قناعا جديدا، بينما تظل المزرعة هي المزرعة، ويتغير فقط اسم الحيوان الذي يمسك بمفتاحها.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

حين يريد الآخر نيابة عنك

رينيه جيرار مفكر يزعجك أكثر مما يريحك. وهذا مدح في حقه. فكرته المحورية بسيطة بما يكفي لأن ترفض من فورها، ومقلقة بما يكفي لأن تظل عالقة، فالإنسان عنده يرغب في الأشياء لأن آخرين يرغبون فيها، ولا يرغب فيها دائما لما هي عليه، ليست الرغبة خطا مستقيما من الذات إلى الموضوع، بل مثلثا محددا في الذات والموضوع والشخص الثالث الذي يضفي على الموضوع قيمته في نظر الذات، وهذا يعني أن المنافسة لا تنشأ دائما لأن طرفين يحتاجان إلى شيء واحد، بل لأن أحدهما رأى الآخر يرغب فيه، وهذه الرغبة وحدها تحول الشيء إلى موضع اشتهاء. والسلعة التي تفقد قيمتها بمجرد أن تصبح متاحة للجميع، تفقدها لأن وظيفتها التمييزية انتهت، حتى لو لم تتغير خصائصها، فهي لم تعد تقول شيئا عن صاحبها في عيون الآخرين.

نحن لا نرغب ثم نتنافس، نتنافس فنرغب. الترتيب الذي نفترضه عادة معكوس، وما يجعل هذه الفكرة أشد وطأة هو أنها لا تقتصر على عالم السلع والمكانة الإجتماعية. إنها تسري على الأفكار والمواقف السياسية والإنتماءات الفكرية. قد يتبنى المرء رأيا لأنه مقتنع بحججه، وقد يتبناه لأن أصحاب المكانة الذين يعجب بهم يتبنونه. وليس من السهل دائما أن تفرق بين الحالتين، لأن الحد بينهما رقيق وغير واضح المعالم. الخطر ليس في التأثر، بل في الدفاع عن رأي لم يعد مقنعا بعد أن تتكشف ثغراته، لأن التراجع سيكلفك صورتك.

ومن أشد ما تنتجه هذه الآلية إرهاقا أن المنافسة قد تستمر بعد زوال الحاجة الأصلية إلى موضوعها. لا يكفي أن تكون ناجحا، بل أكثر نجاحا من شخص بعينه. ولا يكفي أن تمتلك ما تحتاجه، بل أن يرى الآخرون أنك متقدم عليهم. وبما أنهم لا يتوقفون عن الرغبة، فالسباق لا ينتهي. فكل إنجاز يفتح بابا إلى مقارنة جديدة، وكل وصول يكشف عن أفق آخر للتنافس.

لو كانت نشأة هذه الديناميكية عفوية فحسب، لكانت المسألة أبسط. لكن في المجتمعات المعاصرة، ثمة صناعة واسعة تعمل بمنهجية على توليد الرغبات وتوجيهها. فالسلع لا تعرض بما تؤديه من وظيفة، بل بما تعد به من تحول في صورة صاحبها. المنتج وسيلة للوصول إلى نسخة محسنة منك، أجمل، أكثر انتماء، أكثر حرية، أكثر تميزا. الحرية نفسها تباع: سيارة تقنعك بأنك مستقل، وهاتف يقنعك بأنك مبدع، وملابس تقنعك بأنك تختار هويتك وانتماءك.

هذا ما أشار إليه هربرت ماركوزه حين تكلم عن "الحاجات الزائفة"، ليس بمعنى أن الناس لا يحتاجون الأشياء التي يشترونها، بل بمعنى أن الحاجة إليها غالبا ما تولد قبل أن يشعر الشخص بغيابها.

الإستهلاك لا يشبع الحاجة، إنه يعيد تعريفها باستمرار بحيث لا تشبع أبدا

خط لا يمكن الوصول إلى نهايته، وهذا ليس خللا في الآلية، بل هو آلية الخلل نفسها. المنصات الرقمية تضخم هذا كله، نحن لا نقارن حياتنا اليومية المركبة والخشنة بحياة الآخرين اليومية على حقيقتها. نقارنها بصورهم المفلترة بعناية، بلحظاتهم الأفضل، وبالنسخة التي قرروا أن يقدموها للعالم. ومع تراكم هذه المقارنة، يتحول ما نمتلكه إلى مصدر دائم للشعور بالنقص، لأنه بات يقاس بمعيار لا يتوقف عن الإرتفاع حتى لو يم يفقد قيمته.

المؤلم في الأمر، ليس امتلاك الآخرين ما لا تمتلكه. الأشد إيلاما أنك لم تكن تريد هذا الشيء قبل أن تراه في حياتهم.

الحل لا يكمن في رفض التكنولوجيا أو إدانة الإستهلاك، هذا ترف فكري غير مجد. المسألة تتعلق بالمسافة النقدية. هل أشتري هذا لأنني أحتاجه فعلا، أم لأنني أريد أن أبدو في صورة معينة؟ هل أسعى إلى هذا الإنجاز لأنه ينسجم مع ما أقدره، أم لأنني أخشى أن أبدو متأخرا؟ هل تمنحني هذه الشاشة وقتا أكبر، أم تجعلني أكثر انشغالا بمراقبة ما ينقصني؟

بعد كل هذا، يبدو السؤال مشروعا وملحا: هل الرغبة الأصيلة ممكنة؟ فإذا كانت رغباتنا تتشكل عبر التربية، واللغة التي اكتسبناها، والمجتمع الذي نشأنا فيه، وصناعة تعمل على توليد الحاجات، فهل بقي شيء يمكن أن نسميه رغبة شخصية؟

السؤال يفترض ضمنيا أن هناك ذاتا نقية تختبئ في أعماقنا، ومهمتنا الوصول إليها بإزالة كل التأثيرات الخارجية. وهذا التصور يصطدم بعقبة حقيقية، فالإنسان لا يتكون خارج العالم ثم يدخله، بل يتشكل من خلال علاقاته ولغته وتاريخه. ما نسميه "شخصيتنا" ليس جوهرا منفصلا عن هذه المؤثرات، بل هو حصيلة تفاعل مستمر معها. لذلك البحث عن رغبة أصيلة ليس هو البحث عن رغبة لم تتأثر بأحد قط، وهذا مستحيل. بل هو البحث عن رغبة نستطيع أن نفهم شروط تكونها، وأن نفحص أسبابها، وأن نختار الإلتزام بها بعد التفكير فيها. فليس كل ما تعلمناه غريبا عنا، وليس كل ما ورثناه قيدا ينبغي رفضه، فقد يتبنى الإنسان قيمة تعلمها في طفولته، ثم يعود إليها بعد سنوات ليكتشف وجاهتها من موضع آخر. الفارق ليس بين رغبة "جاءت من الداخل" وأخرى "جاءت من الخارج"، هذا الفصل مستحيل عمليا. الفارق بين رغبة تعاش دون مساءلة، وأخرى أصبحنا قادرين على فهمها وتعديل علاقتنا بها.

الإنسان الذي يراجع رغباته لا يضمن أنه سيختار دائما على نحو صحيح. لكنه يصبح أكثر قدرة على اكتشاف اللحظة التي يتوقف فيها عن السعي نحو غاية يؤمن بها ويبدأ في السعي لمجرد أنه لا يعرف كيف يتوقف.

ثمة تحول يستحق الإنتباه إليه: الإنسان الذي يدرك أن رغباته تتشكل عبر عوامل خارجيه لا يصبح بالضرورة متشككا في كل ما يريد. لكنه يبدأ في التفريق بين نوعين من العلاقة بالأشياء والأهداف والأفكار، بين علاقة الحيازة: أن تمتلك شيئا، وعلاقة الموقف: أن تكون على موقف من شيء.

فالحيازة تطلب تأكيدا خارجيا مستمرا، أما الموقف فيستمد صلابته من مكان آخر. شخص يعمل في مجال يؤمن به لا يحتاج إلى أن يثبت كل يوم أن اختياره كان صحيحا في نظر الآخرين. وشخص يتبنى فكرة بعد تفكير حقيقي لا يتزعزع لأن أحدهم اعترض، بل يستمع ويفحص ويقرر ما إذا كان الإعتراض يغير شيئا في قناعته، وهذا لا يعني الإنغلاق، بل أن يكون للذات ثقل داخلي لا تحصل عليه من المرايا المحيطة بها.

وربما تكون الحرية، في أحد أعمق معانيها، القدرة على أن نحدد ما يستحق أن نرغب فيه، وأن نعيد النظر في هذه الرغبات حين تتغير معرفتنا بأنفسنا وبالعالم، ولا تعني امتناعا عن الطموح، بل رفضا للطموح حين يتحول إلى قوة لا نستطيع مساءلتها، ولا تعني توقفا عن طلب الإعتراف، بل رفضا لجعله الشرط الوحيد لاحترامنا لأنفسنا.

***

عبد الرحيم الجرودي

نعيش جميعاً في عالم سريع وتيرة الإيقاع، تتزايد فيه الضغوط والتوترات وتتعدد فيه المسؤوليات والمهام، ونجد أنفسنا أحياناً أمام قرارات يتطلب بعضها الحسم السريع والمرونة والفطنة في اتخاذ قرارات متعجلة ولا تنتظر التأخير، بينما يحتاج بعضها الآخر إلى التروي والتمهل وجمع المعلومات وتحليل الخيارات والروية في اتخاذها. أحببت من خلال هذا المقال أن أظهر لكم عبر مشاركتي في لقاء إذاعي عبر راديو أجيال بفلسطين أن القرارات التي تكون تحت الضغوط والتوترات جد خطيرة ولا بد من التوازن ما بين سرعة الحسو وجودة القرار.

فالسؤال الذي يتبادر للأذهان: كيف نتخذ قراراً ناجحاً عندما نكون تحت الضغط؟ وهل السرعة دائماً تعني الكفاءة والفعالية؟ إن الحقيقة أن الضغط قد يؤثر في طريقة تفكيرنا ورؤيتنا للأحداث والمواقف التي تمر معنا ونتفاعل معها، وقد يدفعنا الأمر إلى تضخيم المشكلة، وتوقع أسوأ النتائج، أو اتخاذ قرارات متسرعة اعتماداً على معلومات غير مكتملة أو أكيدة.

عندما يضغطنا الوقت... يضيق التفكير وتصبح الأمور ضبابية لا يرى منها شيء واضح وجلي، وعندما يكون الإنسان تحت ضغط شديد، قد يصبح أكثر تهوراً واندفاعاً وأقل قدرة على رؤية الصورة الكاملة. بل قد يكون مدفوع بسباق مع الزمن وعجلة من أمره من أجل أن ينتهي من الموقف ويتخذه دون إحاطة أو وعي. وقد يركز على الخطر أو المشكلة التي أمامه، دون أن يمنح نفسه الوقت الكافي للبحث عن البدائل واختيار الأنسب منها.

ولهذا فإن أول خطوة في اتخاذ القرار تحت الضغط هي التوقف والتروي للحظات واستعادة الهدوء والتوازن الانفعالي والنفسي. فليس كل قرار يحتاج إلى إجابة فورية، وليس كل تأخير ضعفاً أو تردداً. وقد يكون في أحيان متعددة أن التأجيل لفترة قصيرة هو عين الحكمة في عدم اتخاذه.

ليس كل قرار يحتاج إلى الوقت نفسه، فمن الأخطاء الشائعة التعامل مع جميع القرارات بالطريقة نفسها. فهناك قرارات يمكن اتخاذها خلال ثوانٍ، وقرارات تحتاج إلى ساعات أو أيام، وهناك قرارات مصيرية تحتاج إلى قدر أكبر من التروي والدراسة وجمع البينات والمعلومات.

ولمعرفة الوقت المناسب لاتخاذ القرار، يمكن أن نسأل أنفسنا ثلاثة أسئلة مهمة وأساسية:

أولاً: ما درجة خطورة القرار؟ هل يتعلق القرار بسلامتي أو سلامة الآخرين؟ هل يمكن أن يترتب عليه خسارة مالية أو مهنية أو اجتماعية كبيرة؟ كلما ارتفعت المخاطر، ازدادت الحاجة إلى التروي والتمهل وجمع المعلومات.

ثانياً: هل القرار قابل للتراجع؟ هناك قرارات يمكن تعديلها أو التراجع عنها بسهولة، وهناك قرارات يصعب إصلاح نتائجها بعد اتخاذها. فالقرار القابل للتراجع يمكن أن يكون أكثر مرونة، بينما القرار الذي يصعب التراجع عنه يحتاج إلى دراسة أعمق وإحاطة شاملة بالموضوع ذات العلاقة باتخاذ القرار.

ثالثاً: ما خطورة تأخير القرار؟ كما أن التسرع قد يكون خطيراً وملف على مستوى الوقت والمال وغيره، فإن التأخير أيضاً قد يؤدي إلى خسارة فرصة أو إضاعة صفقة تجلب النجاح والفائدة أو تفويت موعد مهم. فالحكمة ليست في أن نقرر بسرعة دائماً ونتعجل في أمرنا وقراراتنا، ولا في أن نؤجل ونتأخر في مواعيدنا وشؤون حياتنا المهنية والاجتماعية، وإنما في أن نوازن بين خطورة اتخاذ القرار أو تأجيله. لا نحتاج إلى كل المعلومات... ولكن نحتاج إلى المعرفة المهمة التي تسعفنا في إدارة الموقف والقدرة على التعامل مع الأمور بوعي وادراك وحكمة.

من الأخطاء التي يقع فيها البعض انتظار اكتمال جميع المعلومات قبل اتخاذ القرار. وفي الواقع، قد لا نصل أبداً إلى معلومات كاملة. المطلوب ليس أن نعرف كل شيء، وإنما أن نمتلك قدراً كافياً من المعلومات ذات الصلة يساعدنا على فهم المشكلة، وتقدير البدائل، واتخاذ قرار أكثر عقلانية.

يمكن أن نسأل:

- ما الذي أعرفه؟

- ما الذي لا أعرفه؟

- ما المعلومات الضرورية فعلاً؟

- ما البدائل المتاحة والمناسبة؟

- ماذا سأكسب من كل خيار؟

- ماذا يمكن أن أخسر؟

- ما النتائج المحتملة لكل بديل؟

هذه الأسئلة البسيطة قد تمنعنا من اتخاذ قرارات كبيرة تحت تأثير لحظة انفعالية ومتسرعة.

من الانفعال إلى التفكير قد يكون هناك فرق بين أن نشعر بالخوف أو الغضب أو القلق، وبين أن نسمح لهذه المشاعر بأن تقود قراراتنا. فالشخص الذي يتعرض للضغط قد يرى المشكلة أكبر من حجمها الحقيقي، وقد يتوقع سيناريوهات كارثية، وقد يتعامل مع خيار واحد وكأنه الخيار الوحيد.

لذلك فإن تنظيم الانفعال لا يعني إلغاء المشاعر، وإنما يعني ألا نسمح للمشاعر اللحظية بأن تتولى قيادة القرار والسيطرة عليه. حتى الشخص سريع الانفعال يستطيع أن يتدرب على التوقف قبل الاستجابة، ومن أبسط التدريبات العملية أن يمنح نفسه ثوان قليلة قبل الرد أو اتخاذ القرار، خاصة في القرارات الصغيرة والمواقف اليومية.

قاعدة بسيطة: توقف قبل أن تقرر، ويمكن أن نضع لأنفسنا قاعدة عملية: في القرارات الصغيرة: توقف وفكر قبل أن تستجيب. وفي القرارات المتوسطة: اجمع المعلومات الأساسية وقارن البدائل. أما في القرارات المصيرية: لا تتخذ القرار تحت تأثير الانفعال؛ امنح نفسك الوقت الكافي للدراسة والمراجعة والاستشارة.

فقرار شراء شيء بسيط ليس كقرار بيع منزل، أو تغيير وظيفة، أو الدخول في مشروع، أو اتخاذ قرار أسري مهم كازواج ونحوه. إن القرار الجيد يمر بمراحل ويمكن تبسيط عملية اتخاذ القرار في سلسلة من الخطوات:

توقف → حدد المشكلة → اجمع المعلومات → حدد البدائل → قيّم النتائج → اختر البديل الأنسب → اتخذ القرار → راجع النتيجة. وهنا يجب أن نتذكر أن التفكير المنطقي لا يعني تجاهل الجانب الإنساني أو العاطفي، بل يعني تحقيق التوازن بين العقل المنطقي والعاطفي المشاعري.

ماذا نفعل عندما نكون تحت ضغط شديد؟ إن المهم عندما تجد نفسك أمام قرار وأنت غاضب أو خائف أو شديد التوتر، جرب الآتي:

 - توقف قليلاً ولا تستجب بشكل فوري إذا لم يكن هناك خطر عاجل.

 - اضبط انفعالك من خلال التنفس الهادئ أو الابتعاد عن الموقف للحظات حتى تكون الصورة واضحة وجلية.

 - حدد المشكلة الحقيقية بعيداً عن المبالغة أو التهويل والتضخيم.

 - اجمع المعلومات الأساسية وليس كل المعلومات التفصيلية الممكنة.

 - حدد البدائل المتاحة بدلاً من التفكير في خيار واحد فقط حتى يتمكن المرء من إعطاء فرصة لنفسه من إيجاد بدائل للموقف والمعضلة التي يمر بها.

 - قارن بين المكاسب والخسائر لكل خيار حتى ندرك أهمية القرار المتخذ بطريقة واعية وسليمة.

 - اسأل عن قابلية التراجع عن القرار خاصة إذا كان من الممكن العودة للوضع الطبيعي دون خسائر كبيرة ومكلفة.

 - فكر في تكلفة التأخير كما تفكر في تكلفة التسرع.

 - استشر شخصاً موثوقاص صاحب علة ودراية وخبرة عندما يكون القرار كبيراً أو معقداً.

 - اتخذ القرار ثم راجع نتائجه وتعلم منه حتى تكون من وراء ذلك دروس وعبر نتعلم منها للقادم من القرارات.

قبل أن تتخذ قراراً مصيرياً.. اسأل نفسك قبل اتخاذ قرار كبير في حياتك، اسأل:

هل أنا هادئ الآن؟

هل أملك المعلومات الأساسية؟

هل أعرف البدائل؟

هل القرار قابل للتراجع؟

ماذا يحدث إذا أجلت القرار؟

هل أنا أتخذ القرار بناءً على حقائق أم تحت تأثير الخوف والغضب؟

إذا كانت الإجابة عن هذه الأسئلة واضحة، فأنت أقرب إلى اتخاذ قرار متزن.

في النهاية إن اتخاذ القرار تحت الضغط ليس مهارة فطرية فقط، بل مهارة يمكن تعلمها والتدرب عليها.

فالإنسان لا يستطيع دائماً التحكم في الظروف والضغوط التي تحيط به، لكنه يستطيع أن يتعلم كيف يستجيب لها.

وقد يكون أفضل قرار في بعض اللحظات هو ألا تتخذ القرار فوراً. وتوقف قليلًا... تنفس... اجمع ما تحتاجه من معلومات... انظر إلى البدائل... ثم قرر.

فليس المهم أن تكون سريعاً في اتخاذ القرار، وإنما أن تكون واعياً بما يكفي لتعرف متى تسرع، ومتى تتأنى.

***

د. أكرم عثمان

 مستشار وخبير تطوير ومدرب دولي في التنمية البشرية

16-10-2026

خلال العقود الأخيرة باتت كلمةُ أزمة المفردةَ الأكثر رواجا في التعبير عن المشهد الإيطالي بمختلف تفرّعاته، وهو ما انعكس أثره على المجال الفنّي ومن ضمنه قطاع السينما. لذا تبدو السينما الإيطالية أقرب إلى التأثّر بهذا الجوّ القاتم، فهي تلوح متخمة بالاغتراب ويعوزها الأمل، وبالمثل مفعمة بالانقباض ويغمرها الضجر، حتى بات هذا الانطباع الأكثرَ شيوعا والأكثر عدوى بين الناس. ولكن لو تأمّلنا مسار السينما الإيطالية بعين فاحصة، نلحظ أنها سينما ناضجة وهي أيضا مدجَّجة بالقدرات والإمكانات، وإن خانت متفرّجها، في كثير من الأحيان، واصطنعت الفِصام بينه وبينها، ولعلّ ذلك ما يوحي أو يُخيَّل أنّها تعيش في أزمة. حتى وإن تكثّفت منذ تسعينيات القرن الفائت الإنجازات على المستوى الكمّي والنوعي، وشهدت ظاهرة سينما المؤلّف، ذات الطابع الثقافي، تطوّرا ملحوظا في محاولة لمناهضة هجمة السينما الاستهلاكية العارمة.

ففي قول نبيه لخّص المخرج الفرنسي جان لوك غودار، الذي رحل عن دنيانا سنة 2022، خاصيات المدارس السينمائية الكبرى قائلا: "قدّمَ الروس سينما الشهداء، وبالمقابل قدّم الأمريكان سينما الدعاية، أما الإنجليز فقد ظلّوا يفعلون في السينما ما يفعلونه دوما ألا وهو اللاشيء. ولو تأمّلنا منجزات الألمان ندرك أنهم لا يملكون سينما (...)، في حين اكتسبت إيطاليا منذ فيلم "روما مدينة مفتوحة" لروبارتو روسلليني [1945] حقّ الشعب في النظر إلى الأشياء برويّة، ومن ثَمّ جاءت الحصيلة الكبرى لهذه السينما، بدمج لغات أوفيديو وفرجيليو ودانتي وليوباردي عبر الصورة.

صحيح ما عاد الإيطالي في الزمن الراهن يرتاد السينما على النحو الذي دأب عليه سابقا، وذلك لأنّ العروض أضحت تأتي إليه وتتزاحم على محلّ سكناه. وصحيح أيضا أنّ سينما الجدران والهياكل المغلَقة قد باتت تعيش ركودا، ولكن السينما المسايِرة لنسق الحياة المتحرّكة تشهد تطوّرا وتبدلا ملحوظين. ويمكن القول إننا نعيش زمن التحرّر في استهلاك المنتوج السينمائي والتحرّر في صناعة الفرجة، ما عادت السينما مرتبطة بأطر معيّنة، وما عادت حكرًا على أسماء ونجوم، بل حتى البسطاء بات في وسعهم صنع أفلامهم ورواية قصصهم. أعرف صديقا معوزا من سكان مدينة روما، لا يجد أحيانا ما يسدّ به الرمق، ولكنّه يشتغل في صناعة السينما الذاتية، لا يملك سوى هاتفه النقال وخبرته وثقافته في المجال. لقد حرّرت التكنولوجيا هذا الفنّ من "المونوبول" وأدخلت تقاليد جديدة في القطاع ما كانت في الحسبان.

وفي خضمّ هذه التحولات والمستجدات ها هي السينما الإيطالية تبدع في التواصل مع المتفرّج، إذ مع حلول فصل الصيف، ومع تقلّص روّاد دُور السينما تحت وطأة إغراءات البحر، والاستجمام، والترحال، والنفور من الانغلاق بين الجدران، تطلّ موجة سينما المنتزهات والحدائق والساحات ليلا، وهي فرصة ذكية وممتعة للذين ينفرون من الفرجة بين الجدران.

والملاحظ أن منتجات السينما الإيطالية كثيرة ووفيرة، وفي تلك الرحلة الشيّقة أُنجزت أعمال راقية غدت علامات، تعبّر عن أطوار وأشواط قطعها الإبداع السينمائي، وهي منجزات لم تتميّز فحسب بلغتها وبهائها وسحرها، بل بتوهّجها الخارق أيضا. طبعت تلك المنتَجات "السينما الفاشية"، وموجة "الواقعية الجديدة"، و"سينما المؤلف"، و"الكوميديا الإيطالية"، و"سينما الأزمة"، ولكن عبر هذا المشوار الطويل والثريّ اضطلع النقد السينمائي بدور محوري، تأتّى ذلك جرّاء ترافق تلك المراحل المتنوعة مع بروز أقلام أدبية وازنة استطاعت بإشاراتها وتلميحاتها، وبانتقاداتها الذكية أيضا، الإسهام في خلق سينما مبدعة ومغرية.

ومن ثَمّ فإنّ السؤال المطروح في الزمن الحالي: هل ما زالت السينما تغري الناس وتستهويهم بالشكل الذي كانت عليه؟ الملاحظ أن الفرجة عموما ما فتئت تغوي الناس، ولكن المواضيع المعالَجة غالبا ما لا تعبّر عن انتظارات المتابِعين وهمومهم. فالفرجة غدت مغتربة عن واقعها، وتُمعن في استلاب الإنسان. مع هذا فإنّ الإيطالي في زمن الشبكة العنكبوتية ما انفك تحت غواية الفرجة وإن تغيرت زوايا النظر ونوافذ الاطلاع: الهاتف النقال، الأفلام السائبة في الشبكة، نات فليكس، الأفلام المخزّنة في الوسائط المتنوعة، لتغدو السينما رفيقة حلّه وترحاله، وتخرُج من الثبات الذي لازمها طيلة عقود.

في بداية عهدي بإيطاليا ساقتني مقتضيات العيش أن أشتغل مترجما في مجمّع سينمائي هائل يجاور "قناة الراي" الحكومية. لا تتعدّى مهمّتي في ذلك المركّب القيام بترجمة الأشرطة الكتابية التوضيحية المصاحبة للأفلام والبرامج التلفزية، من الطبخ إلى الفن إلى السينما إلى مختلف البرامج والحوارات. لكن عمل الترجمة ذاك أدناني من عالم آخر كنت أجهله، فقد أتيت من حقل دراسة الظواهر الدينية، واللاهوت، وحوارات الأديان، من الزيتونة أوّلا ثمّ من الغريغورية لاحقا، لأجد نفسي في صالة مونتاج ومحاطا بأجواء سينمائية وفنية وأحاديث ومشاغل لم آلفها في سابق عهدي. دامت تلك الرحلة سنوات، تعلّمت خلالها أن العالم عوالم، فيه لغات عدّة وزوايا نظر شتّى. انغمست حينها، وبحكم تكويني، في متابعة الأفلام الدينية، أو لأقُل الأفلام ذات الخلفية الكنَسيّة تحديدا، لأكتشف أن صناعة سينمائية هائلة في إيطاليا، وليس في حاضرة الفاتيكان وحدها، تدور حول حقل اللاهوت، تكاد تكون معظم ثيماتها مستوحاة من العهدين: القديم والجديد، وتتمدّدُ لتغطّي ظواهر دينية حديثة: بابوات، وقديسين، وقديسات، وحركات. وهي سينما تجلب حتى مخرجي اليسار (على سبيل المثال فيلم "الإنجيل برواية متّى" لبيار باولو بازوليني، وفيلم المخرج ناني موريتي "انتهى القدّاس"، وكذلك فيلمه الثاني "هابيموس بابام/ أصبح لدينا بابا"، والقائمة طويلة)، تراهم مهووسين بحقل السينما الدينية وقضاياها في إيطاليا.

والواقع أن السينما الإيطالية قد رافقت هموم الناس، حتى وإن اغتربت أحيانا وضلّت طريقها. فقد كانت شديدة الحرص على استحضار التاريخ والواقع، وتحاول أن تتملّى فيهما بلغة فنية معبّرة، ودون أن تثقل حمولتها بالروايات الخارجية، وإنما يجري التوظيف بإشارات ذكية وحالمة. وفي تلك المغامرة ارتبط مسار هذه السينما في المخيال الجمعي بالمتوسِّط، تلك البحيرة التي تتربّع شعوب وأقوام حولها، تقاسمت تاريخا عريقا وحاضرا مثقلا بالتحديات. وكأنّ الهجانة الأنثروبولوجية التي تحدّث عنها المؤرخ فرنان بروديل قدرُ المطلّين على المتوسّط. ربما يشكّل فيلم "كَبِيرا" (1914) لجيوفاني باستروني أحد أعمدة التأسيس المبكرة في رحلة هذا الفنّ الجميل، إذ يصوّر الفيلم الصراع التاريخي الملحمي بين قرطاج وروما. صحيح سادت روما مع منتهى الحروب البونيقية الثلاث وأحرقت قرطاجة وأعلنت "دالندا كرتاجيني" (لِتُدمّر قرطاج). ولكن روما لم تقرّ لخصمٍ لها بالإجلال والرهبة مثلما أقرّت بذلك لحنّبعل ابن أميلكار (248-182 ق.م)، ليس لفطنة الرجل السياسية وعبقريته العسكرية فحسب، وإنما لخطورة طرحه الجيوسياسي حينها، الذي يعيد رسم خريطة العلاقات بين الحضارات المطلّة على المتوسّط، بعيدا عن الصراعات التي حوّلت تلك البحيرة إلى مقبرة مترامية الأطراف. وهنا يتنزّل قَسَم حنّبعل: "أُقسم أن أناصِبَ روما العداء إلى الأبد".

وانخرطت تلك السينما في قضايا إنسانية لاحقا، كان أبرزها حين غامر المخرج جيللو بونتيكورفو بإنجاز فيلم "معركة الجزائر" (1966)، كان الرجل يعلن من خلال عمله انحيازا واضحا إلى روح جديدة تسري في العالم، تجلّ حقّ الشعوب في تقرير مصيرها، وتعلن التخلّص من ماض استعماري بغيض. فالفنّ عادة ما يستبق الأحداث ويعلن إرهاصات التحولات الكبرى، حتى وإن بدت السينما "ماكينة أحلام وخزّان كوابيس"، على حدّ قول الناقد السينمائي ستيفانو سانتولي.

***

عزالدّين عناية

أستاذ تونسي بجامعة روما، إيطاليا

"الذين شوهدوا وهم يرقصون، كانوا معتوهين في نظر الذين لم يستطيعوا سماع الموسيقى[1]. "

نص نيتشوي يتكرر كلما ذكرنا هذا الفيلسوف المؤرق بافكاره حامل المطارق، نحات الافكار ومشكل الانسان الاعلى..

قبل اكتشاف نصل الجز، ولع هذا الشقي منذ نعومته بالموسيقى فهو لأب يعزف انغام البيانو في الكنائس، القس كارل لودفيغ نيتشه؛ تدربت اذني نيتشه الصغير على الموسيقى لكن كارل اختطفه الموت قبل ان يكمل نيتشه عامه الخامس؛ بعد ذلك اصبحت امه اول معلم موسيقي لفريدريك، علمته العزف على آله البيانو.

وكان للتراث الاغريقي مكانه خاصه عند نيتشه، اذ انه رفض كل الرفض اي محاولات للتغيير بالموسيقى الكلاسيكيه، حيث رأى ان الموسيقى ليست رفاهيه انما هي انعكاس لجوهر الانسان وقوته النفسيه، وان امتزاج ثنائية ديونيسوس وأبولون ولدت التراجيديا الاغريقية الاصيلة،

ف الروح الديونسية: تمثل الجوهر العميق للحياة، والتعبير الفطري عن الإرادة الإنسانية من خلال الموسيقى، اما الروح الأبولونية: تمثل الوضوح، والحدود، والفنون البصرية والشعرية التي تضبط الفوضى[2].

لابسط قول نيتشه فأن الروح الديونيزية (نسبة إلى "ديونيسوس"، إله الخمر والخصب والنشوة عند الإغريق)، هي الفطره روح البهجه والصخب، الحياه الصحيه نفسيا وذهنيا دون تشويهها بالاخلاق الموروثه وسطوة العقل..

ومن هنا يتصل نقد نيتشه لسقراط وأفلاطون بموقفه من التراجيديا والموسيقى فالمسألة عنده لم تكن خلافا فلسفيا حول العقل والأخلاق فحسب بل كانت سؤالا عن الطريقة التي تغير بها الإنسان في علاقته بالحياة والفن

رأى نيتشه أن التراجيديا اليونانية في صورتها الأولى كانت تقوم على تآلف الروح الأبولونية والديونيزية وكانت الموسيقى تحمل فيها صوت الجانب الديونيسي بما فيه من نشوة وألم وقوة واحتفاء بالحياة لكن مع صعود السقراطية شعر نيتشه أن هذا التوازن بدأ يتراجع لصالح العقل والجدل والتفسير المنطقي للحياة فخسرت التراجيديا شيئا من طاقتها العميقة وتحولت تدريجيا من مواجهة المأساة إلى محاولة تفسيرها وتبريرها

ومن هنا أصبحت الموسيقى عند نيتشه أكثر من مجرد فن سمعي إنها وسيلة لاستعادة ما تعجز اللغة والعقل وحدهما عن التعبير عنه وإبقاء الصلة حية بين الإنسان والجانب التراجيدي والغامض من وجوده لذلك لم يكن دفاعه عن الموسيقى منفصلا عن نقده للفلسفة العقلانية بل كان جزءا من مشروعه لإعادة الفن إلى موقعه بوصفه تعبيرا أصيلا عن الحياة.

قرأ فريدريك الموسيقى قبل ان يكون فيلسوفا وكان عازفا جيدا، وان هذا الارتباط بينه وبين الموسيقى كما كان يقول "بدون موسيقى، ستكون الحياة خطأً" ولد لديه رغبه بتأليفها بطريقته الخاصه..

بدأ نيتشه الشاب بتأليف المقطوعات الموسيقيه القصيره منها الى الكورال، الدراميه والاوركستيه.. ولم نعتقد ان نيتشه الغاضب والصارم كان مرهفا، واختار ان يجمع بين فلسفته والنغمات ليعبر عن خلجاته ومعتقل افكاره، لذا كتب اكثر من سبعين مؤلفا يخفف الم الحياة فيها.

سوف استعرض لكم جزء من هذه المقطوعات الروحيه:

لتضحكي اذن او لتضحكي قليلا

So lach doch mal 1862.

على الرغم من ان نيتشه كان يهاجم الموسيقى الرومانسيه الالمانيه وبالاخص صديقه وغريمه الذي نظر اليه نظرت المعلم الاسمى في فتره شبابه" فاغنر" الا انه اصبح من اشد المنتقدين لموسيقاه الرومانسيه إثر خلافات اراء بينهم كما يذكر وبالاخص قبول فاغنر التعاون مع الكنيسه التي كان نيتشه يدقها دق المسمار بالخشب الا انه بكتاباته الموسيقيه ظل نيتشه وفيا للمدرسه الرومانسيه الالمانيه متاثرا بموسيقى فاغنر وشوبان الساحره والف هذه المقطوعه الموسيقيه ذات الطابع الدافئ والحنين،

تعزف هذه المقطوعه على البيانو والتي كالت اله رومانسية حساسة للتعبير الفردي ومشهورة في عهد نيتشه وهي قصيره.. مدتها لا تزيد عن دقيقه الا بثوان، كان نيتشه رومانسياً بامتياز في أسلوب تأليفه الموسيقي، وتأثر كثيراً برواد ذاك العصر.

بعد ان سمعت المقطوعة راودني شعور حزين، دافئ، ملهم، شعور امتزاج الدموع بالابتسامة، اراها حاضرة كلما شعرت بحاجه ملحة للاحتضان والتربيت برفق، اعاود الاستماع اليها فهي موسيقى ذات شعور مرهف حساس كانما يقول لك نيتشه اضحك ارجوك، لا تحزن..

وعلى الرغم من جمالية هذه المقطوعة الا ان النقاد اعتبروها خاليه من التكنيك وانها محاولات فاشله مبنيه على الارتجال العفوي وليس البناء المدروس.

تأملات مانفريد[3]

Manfred-Meditation،1872

ايام المراهقه قرأ نيتشه قصيدة مانفريد للشاعر الإنجليزي لورد بايرون،وكان منجذبًا جدًا لهذه الشخصية التي امتلكت قدرات عجيبة لكنه لم يكن سعيدا فيها. وفي كتاباته المبكرة وصف مانفريد بأنه شخصية الانسان الاعلى حتى قبل ان يتعمق بالفكرة ويرسخها في فلسفته في كتاب "هكذا تكلم زرادشت".

كان يرى نيتشه فيه الانسان الثابت الذي لا يخضع او يتزعزع عن ارادته حتى امام اكبر قوة في العالم. عكست مقطوعة مانفريد فلسفه نيتشه والهمته الكثير، هذا البطل البائس الذي حاول الانتحار لكن ولسوء حظه انقذه راع اهوج من الموت وكتب عليه الاستمرار بعذاب الضمير، واخيرا يغادر مانفريد الحياة مع اله الجحيم رافضا الخضوع له او للموت او اي شي لقد مات مانفريد وهو واقف على ارادته..

أٌلفت المقطوعة رباعيه الايد( تتطلب عازفان)، تتميز الموسيقى بالوقع الدرامي، العبثي والمضطرب.. فهناك شعور يصل منها بالتوتر والعنف، الغضب الذي يمكن تفسيره بغضب مانفريد تجاه نفسه لارتكابه خطيئه وحزنه على وفاة حبيبته\ اخته وعجزه عن النسيان او مسامحه ذاته،

ارسل نيتشه هذه المقطوعة ل"هانز فون بيلو" وهو أحد أبرز قادة الأوركسترا وعازفي البيانو الألمان في القرن التاسع عشر (العصر الرومانسي). فرد عليها الاخير برسالة قطع فيها على الفيلسوف كل اماله ووصفها بانها " أقصى درجات الإسراف والغرابة الخيالية، وأكثر ما رآه منذ مدة منفّرًا ومعاديًا للموسيقى". وقال أيضًا" إنه تساءل هل كانت مزحة أو محاكاة ساخرة ل موسيقى المستقبل، وهل تعمّد نيتشه مخالفة قواعد التأليف". ووصفها بأنها «نتاج حُمّى موسيقية»، وقال إن قيمتها من الناحية الموسيقية لا تتجاوز «جريمة في العالم الأخلاقي".

لا تنتهي القسوة عند هذا الحد بل يقول «ومرة أخرى، لا تأخذوا كلامي بسوء.أنتم أنفسكم وصفتم موسيقاكم بأنها "فظيعة"، وهي كذلك بالفعل، بل إنها أفزع مما تتصورون.ليست ضارة بالمجتمع، لكنها أسوأ من ذلك: إنها ضارة بكم أنتم، إذ لا يمكنكم أن تقتلوا فائض وقت فراغكم بطريقة أسوأ من أن تستعملوه بهذه الطريقة في اغتصاب إيوتربي، ربة الموسيقى"[4].

ترنيمة الى الحياة[5]

Hymnus an das Leben، 1887

في عام 1882تعرف فريدريك على الفيلسوفه، الكاتبة والمفكرة " لو سالومي"، وفي ذات السنه الفت سالومي قصيدة بعنوان " ترنيمة الى الحياة" ووقع نيتشه الشاب المرهف بالغرام ثم اخذ القصيدة ولحنها موسيقى للكورال والاوركسترا؛

و تعتبر هذه المقطوعة مهمه بحياة نيتشه ليس فقط لانها تمثل فترة تعارفه مع سالومي وايضا اراد اثبات نفسه ك مؤلف موسيقي.. ابصرت هذه الترنيمة النور عام 1887، حيث ارسلها فريدريك مرة ثانية بشغف مراهن على نجاحها ل"هانز فون بيلو" ولكن الرد جاء باردا،

طلب بيلو من زوجته" ماري" ان تكتب رسالة لتبلغ نيتشه معتذر ان هانز مشغول ولا يستطيع الرد عليه وهكذا تجاهل هانز تماما مقطوعة نيتشة.

لم يكن الاستسلام من شخصية نيتشة بشيء فقد ارسل نسخه الى يوهانس برامز، طالبا رأيه، وتميز اسلوب برامز بالدبلوماسية واللطف بدون تجريح اذ انه اكتفى بشكر نيتشه على ارسال المقطوعة واعتقد نيتشه المعتد بنفسه دوما ان هذا الرد كان اطراء استثنائي وتقدير كبير.

موسيقى هذه المقطوعة تعزف ل ستة دقائق، موسيقى اوركسترا، تثير في داخلك امتزاج الهدوء بالحزن العميق، تدخل بعالم الصمود وسط العاصفه وهياجها وهذا ما كانت سالومي تشير اليه بقصيدتها.. ان تتقبل سالومي الحياة كما هي، بحزنها وفرحها، الا تترك ذراعها حتى في اشد الانكسارات، ان تحبها كما يحب الصديق صديقه.

من الواضح ان الفيلسوف حاول جاهدا تاليف الموسيقى ولم يكتف بعزفها فقط لكن موسيقاه كانت دائما ما تلاقي النقد من الموسيقيين ونفور من الجمهور.. وصفت موسيقاه بالخياليه المتأثره باسلوب فاغنري رومانسي ولكن بشكل فوضوي، التركيب البنائي ضعيف جدا فهي اقرب لمحاولات فضولية ولكنها لا ترتقي لكونها موسيقى فعليه كما يعلق ناقديه ومن بينهم فاغنر الصديق اللدود الذي لم يستطع نيتشه حتى بعد انتهاء صداقتهما الانفصال عن موسيقاه، فهي تشده اليها شدا.. وبالرغم من رأي النقاد الا اننا نستمع لنيتشه نحن الفوضويين، معدمي القدرة البنائيه لتركيبه الموسيقى الاكاديمية ومع ذلك نعجب بها فهل نحن نحب موسيقاه بسبب كتاباته الموسيقية ام لاننا نشعر بحضرتها ان هناك من حاول توصيل افكاره عبر شفرات نغميه؟ هل هو الشعور ام الاحترافية؟

نترك الابواب مفتحه للتفكير بالامر وللتعرف على نيتشة فتى الموسيقى.

تمت

***

روان ليلى - العراق / بغداد

...........................

[1] http://www.goodreads.com/quotes/7517004

[2] الفصل الاول-مولد التراجيديا

[3]https://www.scribd.com/document/891413431/%D0%9C%D0%B0%D0%BD%D1%84%D1%80%D0%B5%D0%B4-%D0%9B%D0%B5%D1%82%D0%B5%D1%80%D0%B0

[4] 1- http://Selected Letters of Friedrich Nietzsche. Translated by Anthony M. Ludovici. London: Heinemann، 1921. (الرسالة رقم 29، صفحة 71-  73)،

2- (لماذا انا ذكي جدا) فصل- كتاب هو ذا الانسان

[5] https://circumferencemag.com/my-lips-and-all-youd-loved-them-for/

يذكرنا الفيلسوف الإيطالي جياني فاتيمو في كتابه افول الوعي بأن الطغيان لم يعد بحاجة إلى جيوش جرارة أو سجون مظلمة لفرض سيطرته. بل يكفيه اليوم شاشة صغيرة وبرمجيات ذكية تعيد صياغة وعي الإنسان دون أن يشعر بعبوديته. واليوم ونحن نراقب المشهد الثقافي نجد أنفسنا أمام المعضلة ذاتها التي حذر منها فلاسفة التنوير: كيف يمكن للمثقف الحقيقي أن ينجو بوعيه في عصر تحولت فيه المعرفة إلى مجرد تريند عابر، واستبدلت فيه الأفكار المستنيرة بضجيج المنصات الرقمية؟

في القدم كان المثقف – من فولتير وسارتر إلى طه حسين وعلي الوردي – يمثل القلق المعرفي والبوصلة التي توقظ المجتمعات من سباتها الفكري. كانت المواجهة بين المثقف والسلطة واضحة المعالم سلطة تملك أدوات القمع، ومثقف يملك سلاح الكلمة والموقف. لكن اليوم فقد تبدلت اللعبة تماماً إذ لم تعد السلطة الرقمية الحديثة بحاجة إلى مصادرة كتاب أو إغلاق صحيفة، بل أصبحت تمارس الرقابة بالإغراق، أي إغراق الفضاء العام بملايين التغريدات والمنشورات التافهة والمضللة، حتى يضيع صوت المثقف الرصين في زحام الصخب والتهريج الإلكتروني.

إن الجريمة الكبرى التي ترتكبها خوارزميات التوجيه اليوم هي تحويل الثقافة من فعل حفر ونقد وتفكيك، إلى بضاعة استهلاكية خفيفة تخضع لقوانين الإعجاب والمشاركة السريعة. في هذا المستنقع الرقمي، تراجعت قيمة الكتاب العميق لحساب الجملة السطحية الاستعراضية، وتحول بعض أشباه المثقفين إلى مؤثرين يلهثون وراء رضا الجمهور والمشاهدات، متنازلين عن دورهم التاريخي كقادة للتنوير ليصبحوا مجرد أسرى في قطيع مبرمج تصنعه خوارزميات صامتة وخفية.

لذا يصبح واجب المثقف الحقيقي اليوم ليس الانعزال على أطلال الماضي، بل خوض معركة شرسة لاسترداد العقل الإنساني من أسر الاستلاب الرقمي. إنها معركة الدفاع عن الشك المنهجي في وجه اليقينيات الزائفة التي تبثها الشاشات. لن يعود للمثقف دور إلا إذا استعاد شجاعته المعرفية، وترفع عن مستنقع الشعبوية الرقمية، ليعيد للكلمة عمقها وللفكر كرامته. فالوعي ليس ترفاً، بل هو السلاح الوحيد المتبقي لنا كي لا نتحول إلى مجرد أرقام في حسابات القوى التي تدير العالم من وراء الستار.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

(خَميرُ الرأي خيرٌ من فطيرِه!) تركيبٌ مكثّفٌ في المفاضلة بين الرأي المتأنّي وبين الرأي المستعجَل، وقد نسَب جوهرَه الجاحظُ في كتابه البيان والتبيين إلى عبدالله بن وَهْب الراسبي، إذ قال ما نصه: "قالوا: وأرادوا عبدالله بن وهب الراسبي على الكلام يومَ عقدتْ له الخوارجُ الرياسة، فقال: وما أنا والرأي الفطير، والكلام القضيب. ولما فرغوا من البيعة له قال: دعوا الرأي يَغِبّ؛ فإنّ غُبُوبَه يكشف لكم عن مَحْضِه"(1).

إنّ الوقت عاملٌ غامضٌ في التأثير ودحرجة الأمور برشاقة خفيّة؛ لأنه يعمل سياقًا ينفتح على مستجدّات جديدة في مجرى الأحداث، فتنشأ مسارات مختلفة من شأنها أن تغيّر المشهد وحيثيات الرأي والفكرة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فالوقت حاضنٌ يُنضج الفكرة على نار هادئة، والمكافئ الإنجليزي لهذا التركيب هو (Sleep on it) بمعنى منح الفكرة مساحة من الوقت لتختمر في دهاليز لاوعينا، متفاعلة مع الذكريات والإمكانات ذات الصلة، لنتفاجأ على حين غِرّة أنّ حَلًا خطر لنا أو زاوية نظر جديدة للموضوع بأسره بَدت لنا بلا سابق استئذان.

بدا جليًا أنّ المراهنة على الوقت ممارسةٌ واعية، غير أنه ثمّة لِحاظٌ مهمٌ لا بد من إعماله حتى لا ننزلق لمغالاة في الممارسة تُقوّض جدواها، وهو أن تخمير الرأي، وإعمال الفكر فيه ينبغي ألا يكون صادرا عن هوس الكمال، فيتجاوز وقتُه الوقتَ المعقول - بحسب حجم الموضوع محِلّ الرأي، وما يكتنفه من ملابسات - فالإفراط في التفكير يُزيح الرأي من منطقة التخمير الحميد إلى منطقة العُلوق في حلقة مفرغة من التفكير غير الفعّال؛ لسبب وجيه وهو أن الكمال سرابٌ لا يمكن تحصيله، ونشدانه هو ركض صوب المستحيل، ناهيك عن التشتت والإرباك، وعليه فإفراغُ الجهد في الاستقصاء، ودفع الممكن إلى حده الأقصى المتأتّي والمعقول، هو أصحّ طريقةً من إشغال الفكر صبحَ مساءَ إلى أجل غير مسمّى، وأنه بجعل عامل الزمن متّزنًا، يصبح المفهوم ناضجا غير مشوّه، وهنا يصحّ لنا القول إنّ الرأي الذي يصدُر عن تَؤُدَةٍ وتأنٍ هو خيرٌ عاقبةً ومآلًا من الرأي الذي يخرج من مشكاة العَجَل.

على أنّ مرحلة تخمير الآراء لا تعني بالضرورة الاعتكاف حصرا على تقليب الرأي يمنة ويسرة، والمكوث في دراسته وفحصه، بل تعني في عظيم ما تعنيه أيضا أنْ تَعْمد إلى ترك الأمر تناسيا وتغافلا إلى حين، وذلك بعدما أشبعتَه تفكيرا، لترجع إليه لاحقا بعد بضعة أيام وربما أسابيع إذا كانت لديك سعةٌ من الوقت، فإراحة الدماغ من التفكير الواعي يدع مساحة فعّالة للعقل اللاواعي في التعاطي مع الفكرة المخمّرة، وهذا هو السبب وراء ظهور الحل، وأنت مندمج في عمل آخر تماما كسقي المزروعات أو قيادة السيارة أو مشاهدة فيلم ما.

لحظة التجلّي هذه هي ما نطلق عليها لحظة (وجدتُها) (Eureka) الملازمة للعباقرة والمكتشفين، وفي مجال علم الأعصاب الإدراكي تُبرَّر بـ (Incubation Effect) تأثير الاحتضان؛ لأن فترة التخمير المنفصل عن التفكير في الفكرة لا تعني توقف الدماغ نهائيا عن المعالجة المعرفية، إذْ تتم ولكن على مستوى آخر لاواعي، إذْ تُفَعّل حينها شبكة الوضع الافتراضي في الدماغ (Default Mode Network) وذلك وفقا لدراسة علمية نُشرت السنة المنصرمة (2025) في مجلة (NeuroImage) بعنوان: إعادة التشكيل الديناميكي للشبكة الافتراضية والشبكة الجبهية الجدارية يدعم الحضانة الإبداعية.(2)

وخُلاصة مفهوم تخمير الرأي أنه ممارسة واعية جدا، شريطة أن يكون ضمن الحيّز الزمني المعقول بلا إفراط، إضافةً إلى ضرورة الوعي بأن شطرا محوريًا من مرحلة التخمير يجب أن يتزامن مع التوقف الواعي عن التفكير في الفكرة، فالوعي تفكير وتخمير!

***

محمد سيف

.....................

الهوامش:

(1) الجاحظ، البيان والتبيين، (205/1)، ت: عبد السلام هارون، دار الجيل، بيروت، الطبعة الثانية.

(2) رابط الدراسة العلمية:

https://www.sciencedirect.com/science/article/pii/S1053811925000217

النشأة، المبادئ، التطور المفاهيمي والتاريخي والتطبيقات العربية، مقاربة ما بعد كولونيالية

مقدمة: تُشكل المسألة الوطنية أحد أعقد الإشكاليات التي واجهت الفكر السياسي والاجتماعي الحديث والمعاصر. فهي ليست مجرد مطلب سياسي عابر أو شعار تعبوي، بل هي حقل متشابك من التصورات حول الهوية والسيادة والانتماء والسلطة والزمن التاريخي. تتقاطع فيها أبعاد فلسفية وأنثروبولوجية واقتصادية وثقافية، وتكشف عن التوتر الدائم بين الكوني والخصوصي، بين الدولة والأمة، بين الذاكرة والمستقبل. وفي السياقات العربية، اكتسبت المسألة الوطنية كثافة خاصة بفعل التجربة الاستعمارية الطويلة، ثم تجربة الاستقلال، ثم أزمات ما بعد الاستقلال، مما جعلها حقلًا خصبًا للمقاربات النقدية، ولا سيما المقاربة ما بعد الكولونيالية التي تعيد مساءلة مفاهيم الأمة والسيادة والهوية من داخل التجربة الاستعمارية ذاتها. فماهي مكونات المسألة الوطنية؟ متى تشكلت؟ وأين ظهرت؟ وماهي مسوغات تطورها؟ وهل مازال لها مستقبل؟

النشأة التاريخية للمسألة الوطنية

نشأت المسألة الوطنية في سياق التحولات الكبرى التي شهدتها أوروبا منذ أواخر القرن الثامن عشر. لم تكن الأمة مفهومًا أزليًا، بل نتاج عملية تاريخية معقدة ارتبطت بتفكك البنى الإقطاعية، وصعود البرجوازية، وتشكل الدولة الحديثة بوصفها إطارًا للتنظيم السياسي والاقتصادي. جاءت الثورة الفرنسية لتحول فكرة الأمة من رابطة تقليدية أو دينية إلى رابطة سياسية مدنية تقوم على المواطنة والإرادة المشتركة. أصبح الشعب مصدر السيادة، وصارت الأمة كيانًا يُتصور بوصفه مجتمعًا متخيلًا يتقاسم أفراده لغة وذاكرة ومصيرًا. لكن النشأة الأوروبية للمسألة الوطنية لم تكن محايدة. فقد ارتبطت في كثير من الحالات بعمليات التوحيد القسري، وبقمع الهويات الفرعية، وببناء سرديات تاريخية انتقائية تبرر الحدود الجديدة. ومع توسع الإمبراطوريات الأوروبية في القرنين التاسع عشر والعشرين، انتقلت المسألة الوطنية إلى المستعمرات بوصفها سلاحًا مزدوجًا: من جهة، استخدمها المستعمرون لتبرير سيطرتهم عبر خطاب «الرسالة الحضارية»، ومن جهة أخرى، استعارها المستعمَرون أنفسهم لمقاومة السيطرة والمطالبة بالاستقلال. هكذا تحولت المسألة الوطنية من إشكالية أوروبية داخلية إلى إشكالية عالمية، تحمل في طياتها توترات الاستعمار والمقاومة معًا. في السياق العربي، بدأت المسألة الوطنية في التبلور مع ضعف الدولة العثمانية وتصاعد التدخلات الأوروبية. لم تكن الهوية العربية قبل ذلك محددة بالحدود السياسية الحديثة، بل كانت تتوزع بين الانتماءات الدينية والمذهبية والعشائرية والإقليمية. ومع دخول مفاهيم الأمة والوطن والسيادة عبر الترجمة والصحافة والبعثات التعليمية، بدأت النخب العربية تعيد صياغة انتمائها في إطار جديد. نشأت المسألة الوطنية العربية إذن في لحظة تقاطع بين تفكك الإمبراطورية العثمانية، وصعود الاستعمار الأوروبي، وتأثر النخب بأفكار النهضة الأوروبية.

المبادئ المؤسسة للمسألة الوطنية

تقوم المسألة الوطنية على مجموعة من المبادئ المترابطة التي شكلت إطارها النظري والعملي. أول هذه المبادئ مبدأ تقرير المصير، الذي يفترض أن لكل جماعة بشرية حقًا أصيلاً في تحديد شكل وجودها السياسي دون تدخل خارجي. يرتبط هذا المبدأ ارتباطًا وثيقًا بمبدأ السيادة، الذي يحول الأمة إلى كيان قانوني يتمتع بالسلطة العليا داخل حدوده. أما مبدأ الوحدة، فيؤكد على ضرورة تجاوز الانقسامات الداخلية من أجل بناء كيان متماسك قادر على مواجهة التحديات الخارجية. يأتي مبدأ الهوية بوصفه حجر الزاوية. فالأمة لا تقوم فقط على الإرادة السياسية، بل على تصور مشترك للذات يستند إلى اللغة أو التاريخ أو الثقافة أو الدين أو مزيج منها. هذا التصور ليس معطى طبيعيًا، بل هو بناء تاريخي يخضع للتفاوض والصراع. ومن هنا ينبثق مبدأ الشرعية، الذي يربط السلطة بتمثيلها للأمة، ويجعل الخروج على هذه الشرعية خيانة أو انحرافًا. غير أن هذه المبادئ ليست متجانسة دائمًا. فمبدأ تقرير المصير قد يتعارض مع مبدأ الوحدة عندما تطالب جماعات فرعية بالاستقلال. ومبدأ الهوية قد يتحول إلى أداة إقصاء عندما يُعرَّف بطريقة ضيقة تستبعد مكونات المجتمع. كما أن مبدأ السيادة قد يُستخدم لتبرير الاستبداد الداخلي باسم الحفاظ على الاستقلال الخارجي. هذه التوترات الداخلية هي ما يجعل المسألة الوطنية حقلًا للصراع لا مجرد إطار توافقي.

التطور المفاهيمي والتاريخ

يشهد مفهوم الأمة والمسألة الوطنية تطورًا مفهوميًا عميقًا عبر القرنين التاسع عشر والعشرين. في المرحلة الكلاسيكية، ساد تصور الأمة بوصفها كيانًا عضويًا طبيعيًا ينمو عبر الزمن، له روح خاصة ولغة وتاريخ مشترك. ارتبط هذا التصور بالرومانسية الأوروبية، وأعطى للقومية طابعًا عاطفيًا وثقافيًا قويًا. ثم جاءت المرحلة الليبرالية لتركز على البعد السياسي والمدني، معتبرة الأمة تعاقدًا إراديًا بين مواطنين أحرار. مع صعود الحركات الاشتراكية، أُعيدت صياغة المسألة الوطنية في إطار الصراع الطبقي. اعتُبرت القومية في بعض السياقات أداة برجوازية لتأجيل الثورة الاجتماعية، بينما رُبطت في سياقات أخرى بحق الشعوب المضطهدة في التحرر بوصفه شرطًا للتحرر الإنساني الشامل. أما في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، فقد أصبحت المسألة الوطنية مرادفة لحركات التحرر الوطني في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتحولت إلى شعار عالمي لمناهضة الاستعمار.

في العقود الأخيرة، تعرض المفهوم لمراجعات جذرية. أدى تفكك الدول القومية في بعض المناطق، وصعود العولمة، وتنامي الهويات الفرعية والدينية، إلى التشكيك في قدرة الأمة على أن تكون الإطار الوحيد للانتماء. ظهرت مفاهيم جديدة مثل ما بعد القومية، والهوية الهجينة، والمواطنة العالمية، مما أعاد طرح المسألة الوطنية في سياق مختلف تمامًا: سياق يتسم بتآكل الحدود التقليدية وتعدد مستويات الانتماء. تاريخيًا، مرت المسألة الوطنية في العالم العربي بمراحل متمايزة. المرحلة الأولى هي مرحلة الوعي النهضوي، حيث سعت النخب إلى التوفيق بين التراث الإسلامي والمفاهيم الحديثة للأمة والوطن. المرحلة الثانية هي مرحلة النضال ضد الاستعمار المباشر، حيث توحدت الشعارات حول الاستقلال والسيادة. المرحلة الثالثة هي مرحلة بناء الدولة الوطنية بعد الاستقلال، والتي شهدت محاولات لبناء هوية وطنية موحدة عبر التعليم والإعلام والجيش. أما المرحلة الرابعة فهي مرحلة الأزمات، حيث واجهت الدولة الوطنية تحديات داخلية من قبيل الانقسامات الطائفية والجهوية، وتحديات خارجية من قبيل التبعية الاقتصادية والتدخلات الأجنبية.

التطبيقات العربية للمسألة الوطنية

اتخذت المسألة الوطنية في السياق العربي أشكالًا متعددة تعكس تنوع التجارب التاريخية. في المشرق العربي، برزت القومية العربية بوصفها مشروعًا يتجاوز الحدود القطرية، مستندًا إلى اللغة والتاريخ المشترك. سعت هذه القومية إلى توحيد الأقطار العربية في إطار أوسع، معتبرة الحدود التي رسمها الاستعمار حدودًا مصطنعة. غير أن هذا المشروع اصطدم بتناقضات واقعية: اختلاف المصالح بين الأنظمة، وتنوع التركيبات الاجتماعية، وصعوبة التوفيق بين الهوية العربية والهويات المحلية.

في المغرب العربي، اتخذت المسألة الوطنية طابعًا أكثر ارتباطًا بالدولة القطرية، مع التركيز على مقاومة الاستعمار الفرنسي والإسباني، ثم بناء الدولة المستقلة. هنا برزت إشكالية العلاقة بين العروبة والأمازيغية، وبين الإسلام والعلمانية، مما جعل بناء الهوية الوطنية عملية تفاوض مستمرة.

أما في فلسطين، فقد اكتسبت المسألة الوطنية طابعًا وجوديًا خاصًا. لم تكن مجرد مطلب استقلال، بل صراعًا على الأرض والذاكرة والوجود ذاته في مواجهة مشروع استيطاني يهدف إلى نفي الهوية الوطنية الفلسطينية. هنا تحولت المسألة الوطنية إلى رمز عالمي للمقاومة، لكنها حملت أيضًا أعباء التجزئة السياسية والانقسام الداخلي. في الخليج والجزيرة العربية، تشكلت المسألة الوطنية في سياق مختلف تمامًا، مرتبط بنشأة الدول الحديثة على أسس قبلية ودينية، مع دمج تدريجي لمفاهيم الدولة والمواطنة. أما في السودان والقرن الأفريقي، فقد كشفت المسألة الوطنية عن تعقيدات الإثنية والدين والجغرافيا، وأدت في بعض الحالات إلى انقسامات كبرى. في مجمل هذه التطبيقات، برزت مفارقة مركزية: بينما نجحت الحركات الوطنية في تحقيق الاستقلال السياسي الشكلي، فشلت في كثير من الأحيان في بناء أمة متماسكة قادرة على استيعاب تنوعها الداخلي وتحقيق تنمية مستقلة. تحولت الدولة الوطنية في بعض الحالات إلى جهاز سلطوي يحتكر تمثيل الأمة ويقمع المعارضين باسم الوحدة الوطنية.

مقاربة ما بعد كولونيالية للمسألة الوطنية

تتيح المقاربة ما بعد الكولونيالية إعادة قراءة المسألة الوطنية بعيدًا عن السرديات التحررية المثالية. فهي تكشف أن القومية في السياقات المستعمَرة لم تكن مجرد استعادة لهوية أصلية مكبوتة، بل كانت في كثير من الأحيان إعادة إنتاج لآليات السلطة الاستعمارية داخل إطار جديد. فالدولة الوطنية التي ورثت الحدود الإدارية الاستعمارية، والجهاز البيروقراطي، ونظام التعليم، أعادت في كثير من الأحيان إنتاج منطق السيطرة والمركزية والإقصاء. من هذا المنظور، تظهر الأمة بوصفها بناءً خطابيًا أكثر مما هي واقع معطى. السرديات الوطنية تختار من الماضي ما يناسب مشروع الحاضر، وتُسكت أصوات المهمشين والنساء والأقليات والجماعات الفرعية. الهوية الوطنية، بدل أن تكون فضاءً للتعدد، تتحول أحيانًا إلى أداة للتوحيد القسري. كما أن خطاب التحرر الوطني كثيرًا ما أخفى استمرار التبعية الاقتصادية والثقافية، محولًا الاستقلال إلى استقلال شكلي يحتفظ فيه المركز الغربي بنفوذه عبر آليات جديدة.

تكشف المقاربة ما بعد الكولونيالية أيضًا عن الطابع الهجين للهوية في السياقات العربية. فالذات الوطنية لم تتشكل في عزلة، بل في تفاعل مستمر مع الآخر الاستعماري: مقاومة وتمثل، رفض واستيعاب. هذا الهجين ليس ضعفًا، بل هو الواقع الحي الذي يجب الاعتراف به بدل البحث عن نقاء أصلي وهمي. كما تبرز هذه المقاربة أهمية الصوت الهامشي: صوت الفلاحين والعمال والنساء والأقليات الذين غالبًا ما غُيبت أصواتهم في السردية الوطنية الرسمية. في السياق العربي المعاصر، تسمح هذه المقاربة بفهم أزمات الدولة الوطنية لا بوصفها انحرافًا عن مسار صحيح، بل بوصفها نتيجة بنيوية لكيفية تشكل هذه الدولة في ظل الاستعمار وما بعده. فالحدود المصطنعة، والاقتصاد الريعي أو التبعي، والخطاب الهوياتي الضيق، كلها عناصر متوارثة ومعاد إنتاجها. ومن هنا فإن تجاوز أزمات المسألة الوطنية لا يكون بالعودة إلى قومية رومانسية أو إلى أممية مجردة، بل بإعادة تخيل الأمة بوصفها فضاءً تعدديًا ديمقراطيًا يعترف بالاختلاف ويحول السيادة من سيادة الدولة على المجتمع إلى سيادة المجتمع على نفسه.

خاتمة:

تكشف الدراسة أن المسألة الوطنية ليست مفهومًا ثابتًا، بل هي حقل ديناميكي يتغير مع تغير الشروط التاريخية. نشأت في أوروبا الحديثة، وانتقلت إلى العالم المستعمَر بوصفها أداة مقاومة، ثم تحولت في مرحلة ما بعد الاستقلال إلى إطار لبناء الدولة، ثم واجهت أزمات عميقة مع صعود الهويات الفرعية وتحديات العولمة. في السياق العربي، حملت المسألة الوطنية آمال التحرر والتقدم، لكنها حملت أيضًا بذور الإقصاء والتسلط والتبعية المستمرة. المقاربة ما بعد الكولونيالية لا تلغي أهمية المسألة الوطنية، بل تعيد مساءلتها من الداخل. فهي تدعو إلى فك الارتباط بين الأمة والدولة الاستبدادية، وبين الهوية والنقاء، وبين السيادة والعزلة. الأمة الممكنة اليوم هي أمة تعترف بهجينتها، وتحتضن تعددها، وتحول تقرير المصير من شعار خارجي إلى ممارسة داخلية ديمقراطية. بهذا المعنى، تبقى المسألة الوطنية مفتوحة، لا بوصفها إجابة جاهزة، بل بوصفها سؤالًا مستمرًا عن كيفية العيش المشترك في عالم متغير. فكيف نتجه نحو إعادة صياغة المسألة الوطنية في عصر الرقمنة والاستعمار الجديد؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

في البداية، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الأستاذة نورجان سرغاية، صاحبة هذه الدعوة الكريمة، وإلى الأستاذ علي الحاج حسين، وإلى القائمين على منتدى حوارات «قضية ورأي»، على جهودهم التنويرية الرامية إلى استعادة قيمة الحوار العقلاني في زمن طغت فيه الضوضاء على المعرفة، والاستقطاب على الاختلاف، والأحكام المسبقة على فضيلة السؤال. إن تخصيص مساحة لمناقشة أسباب التخلف في المجتمعات العربية والإسلامية، وإتاحة المجال أمام الآراء المتباينة لتتجادل بالحجة لا بالخصومة، يمثلان عملاً ثقافياً يستحق التقدير؛ فالمجتمعات التي تفقد القدرة على الحوار تفقد، تدريجياً، قدرتها على فهم نفسها وتغيير واقعها.

استمعت باهتمام إلى الاستاذ موفق زريق واليكم وجهة نظري في القضية التخلف حالة تاريخيّة وليس صفة جوهرية في العرب أو المسلمين، فالشعوب لا تولد متقدمة أو متخلفة، وإنما تتشكل شروط تقدمها أو تعثرها عبر مسارات تاريخية معقدة تتداخل فيها السياسة والاقتصاد والثقافة والتعليم وطبيعة المؤسسات والعلاقة بين الفرد والسلطة. ولذلك فإن السؤال الذي يشغلني ليس فقط: لماذا تأخرنا؟ بل كيف صنعنا شروط تأخرنا، ولماذا عجزنا عن تحويل معرفتنا بتاريخنا وتجاربنا إلى قوة قادرة على تغيير حاضرنا؟

معلوم إن الناس حين يعجزون عن تغيير واقعهم، يعمدون أحياناً إلى تغيير الكلمات التي تصفه. وهكذا يتحول العجز إلى حكمة، والهزيمة إلى صمود، والفساد إلى توافق، والانهيار إلى مرحلة انتقالية، وتصبح الشعارات بديلاً عن الإنجاز، والخطابة تعويضاً نفسياً عن الفعل. لا يعود الخلل في غياب الكلمات الكبيرة، بل في انفصالها عن الواقع الذي يفترض أن تعبّر عنه. فنحن نتحدث عن الوطن بينما تمزقه الولاءات الضيقة، وعن العدالة بينما نمارس التمييز، وعن الحرية بينما نخشى الاختلاف، وعن النهضة بينما نعيد إنتاج الشروط التي عطلتها. وهذا هو السحر الأيديولوجي الذي يجعل الأوهام قابلة للتوارث، والمعجزات المؤجلة قابلة للانتظار جيلاً بعد جيل.

إن من الأخطاء المنهجية أن نبحث عن سبب واحد شامل لتخلف مجتمعاتنا، فنحمّل الاستعمار وحده المسؤولية، أو نلقيها على التراث أو الدين أو الآخر. وليس في ذلك إنكار لأثر الاستعمار والتدخلات الخارجية، ولا تجاهل لثقل الموروثات الثقافية، وإنما المشكلة تبدأ حين يتحول التفسير إلى وسيلة لتبرئة الحاضر من المسؤولية. فالتاريخ ليس محكمة نبحث فيها عن متهم نلقي عليه اللوم، بل مجال لفهم العلاقات بين الأسباب والنتائج، وبين الخيارات التي اتخذناها والاحتمالات التي أهدرناها. إن السؤال النقدي الحقيقي هو: ما الذي فعلناه بما ورثناه، وكيف تعاملنا مع التحولات التي مررنا بها، وما الذي منعنا من التعلم من إخفاقاتنا؟

ومن هنا تأتي أهمية الدولة الحديثة. فالدولة ليست مجرد علم ونشيد وحدود جغرافية، وليست امتداداً لشخصية الزعيم أو فضيلة الجماعة التي تتولى الحكم؛ إنها نظام من القواعد والمؤسسات التي تنظم العلاقة بين المواطنين، وتضبط استخدام القوة، وتحمي الحقوق، وتحدد المسؤوليات. لقد تعلمت المجتمعات الحديثة، عبر قرون من الحروب والصراعات والانهيارات، أن البشر ليسوا ملائكة، وأن حسن النوايا لا يكفي لضمان العدالة. ولذلك لم تبنِ الدولة الحديثة استقرارها على انتظار صلاح الحاكم، بل على تقييد سلطته بالقانون وإخضاعه للمساءلة.

وهنا تكتسب فكرة العقد الاجتماعي أهميتها الفلسفية؛ فالعيش المشترك ليس دائماً ثمرة محبة متبادلة أو تطابق في المعتقدات، بل هو أيضاً ضرورة عقلانية تفرضها حاجة البشر إلى الأمن وتنظيم المصالح وحماية الحقوق. نحن لا نحتاج إلى أن نتشابه في كل شيء كي نعيش معاً، بل نحتاج إلى قواعد عادلة تمنع اختلافاتنا من التحول إلى حروب. فالسياسة الرشيدة لا تلغي الصراع، وإنما تنقله من الشارع والسلاح إلى المؤسسات والحوار والانتخابات والقضاء. ولا تفترض أن الجميع صالحون، بل تنشئ الضمانات التي تحول دون استبداد أي طرف بالآخر.

وتزداد هذه المسألة تعقيداً في المجتمعات التي تتجاور فيها هويات قبلية ومناطقية ومذهبية وعائلية متنافسة. ففي بعض هذه المجتمعات قد تتساوى الجماعات في شعورها بالاستحقاق والمكانة، لكنها تظل منقسمة في ولاءاتها ومصالحها. وحين تغيب القواعد المؤسسية المقبولة لتنظيم التنافس على السلطة والثروة والوظيفة العامة، تتحول المساواة في الشعور بالجدارة إلى منافسة مفتوحة على النفوذ. ولا تكمن المشكلة في التعدد ذاته، بل في العجز عن تحويله إلى تعددية سياسية منظمة، تتعايش فيها الجماعات تحت سقف المواطنة والقانون. فالتنوع يمكن أن يكون مصدر ثراء حضاري، لكنه يتحول إلى مصدر استنزاف حين تصبح كل جماعة دولة داخل الدولة، وترى في السلطة غنيمة لا مسؤولية عامة.

وبهذا المعنى كتبت مقالي عن العلمانية بوصفها تنظيماً للتعدد ومنعاً لاحتكار الدولة باسم عقيدة أو مذهب أو جماعة. ليست المسألة إقصاء الدين من المجتمع، بل ضمان ألا تتحول عقيدة فريق إلى أداة لحرمان الآخرين من حقوقهم. فالدولة المدنية لا تسأل المواطن عن قبيلته أو مذهبه قبل أن تحميه، ولا تجعل الانتماء شرطاً للحصول على المواطنة. إنها دولة تتسع للمؤمن وغير المؤمن، وللمتدين والعلماني، وللمختلفين في الرأي والهوية، ما دام الجميع خاضعين لقانون عادل يحمي حقوقهم المتساوية.

لقد كتبت مراراً أن أخطر ما يصيب السياسة هو غياب المسؤولية. فالسلطة ليست امتيازاً، وإنما عبء أخلاقي وقانوني. ولا تُقاس قيمتها بقدرتها على السيطرة أو حشد الأنصار، بل بقدرتها على حماية الناس، وتأمين حياتهم، وإدارة الموارد، وتحقيق العدالة، وتحمل تبعات القرارات. وحين تقع الكوارث ولا نعرف من المسؤول عنها، وحين تتوزع المسؤولية بين أشخاص ومؤسسات وجماعات حتى تتلاشى، يصبح الفشل بلا صاحب، وتتحول المحاسبة إلى خطاب فارغ.

إن السؤال الأهم في أي نظام سياسي رشيد هو: من المسؤول؟ من اتخذ القرار؟ من يملك صلاحية التصرف؟ ومن يُحاسب حين يفشل؟ هذه الأسئلة البسيطة هي التي تفصل بين الدولة الحديثة وشبكات النفوذ، وبين السياسة بوصفها إدارة للشأن العام والسياسة بوصفها صراعاً على الغنائم. فالسلطة التي لا تخضع للمحاسبة تصبح قوة سائبة، والقوة السائبة قادرة على تحويل المجتمع إلى رهينة لمصالح من يمتلكونها.

ولا يمكن فصل هذه الأزمة عن التعليم والاقتصاد والثقافة. فالنهضة لا تتحقق بمجرد تغيير الخطاب السياسي إذا بقيت المدرسة عاجزة عن تنمية التفكير النقدي، والجامعة خائفة من حرية البحث، والاقتصاد غير قادر على توفير فرص عادلة، والكفاءة مغلوبة أمام الولاءات. إن المجتمع الذي يدفع أبناءه إلى الهجرة بسبب الإقصاء وانعدام الفرص يخسر جزءاً من مستقبله، والمجتمع الذي يمنح الوظائف العامة على أساس القرب والولاء بدلاً من الجدارة يعاقب الكفاءة ويكافئ الرداءة. لذلك لا بد أن يكون الإصلاح الثقافي متصلاً بإصلاح المؤسسات، وأن تقترن الحرية بالعدالة الاجتماعية، وأن يصبح التعليم أداة لبناء الإنسان المستقل، لا وسيلة لإعادة إنتاج الطاعة.

إن أسباب تعثرنا ليست لغزاً يستعصي على الفهم، ولا سرّاً لا يمكن الاقتراب منه. لكن معرفة الأسباب لا تعني بالضرورة امتلاك الإرادة لمعالجتها. وربما تكمن المشكلة في أن بعض النخب تستفيد من استمرار الأزمة أكثر مما تستفيد من حلها، وأن تغيير الكلمات أقل كلفة من تغيير البنى التي تنتج الفشل. فمن السهل أن نعلن ثورة جديدة، وأن نرفع شعاراً جديداً، وأن نمنح السلطة اسماً جديداً، لكن الأصعب أن نقبل بقانون يقيدنا، ومؤسسة تحاسبنا، وحق متساوٍ لمعارضينا، وانتقال سلمي للسلطة قد يُخرجنا من مواقع النفوذ.

ولهذا فإن الخروج من مأزق التخلف يبدأ باستعادة الإنسان باعتباره غاية التنمية وفاعل التاريخ، وبناء دولة مدنية ديمقراطية لا تحتكرها جماعة أو سلالة أو منطقة أو أيديولوجيا، وإرساء مواطنة متساوية، وتعزيز حرية التفكير، وربط السلطة بالمسؤولية والمحاسبة. كما يبدأ بالتخلي عن انتظار المنقذ الفرد، والزعيم الاستثنائي، والمعجزة التي ستصل ذات يوم من خارج التاريخ. فالتقدم ليس هبة، والنهضة ليست أمنية، والدولة العادلة لا تُبنى بالنوايا وحدها، وإنما بالعمل المؤسسي والتعلم من الأخطاء والقدرة على مراجعة الذات.

وأنا لا أعتقد أن مجتمعاتنا محكوم عليها بالتخلف، كما لا أعتقد أن التقدم حكر على شعب أو حضارة. لقد أثبت التاريخ أن المجتمعات قادرة على تغيير مساراتها حين تتوافر لها شروط المعرفة والحرية والمؤسسات، وحين تتعلم أن الاختلاف لا يستلزم العداوة، وأن القوة لا تمنح صاحبها حقاً مطلقاً، وأن شرعية الحكم لا تنفصل عن قدرته على حماية الناس وخدمتهم.

ولعل السؤال الذي أود أن أضعه أمام هذا الحوار هو: هل تكمن أزمتنا في أننا لا نعرف أسباب تخلفنا، أم في أننا نعرف كثيراً منها، لكننا لم نمتلك بعد الإرادة السياسية والأخلاقية لتحويل المعرفة إلى تغيير؟

أميل إلى الاحتمال الثاني. فنحن لا نفتقر إلى الشعارات بقدر ما نفتقر إلى المؤسسات التي تمنحها معنى، ولا نفتقر إلى الحديث عن الحرية بقدر ما نفتقر إلى الممارسة التي تحميها، ولا نفتقر إلى الدعوة إلى الوحدة بقدر ما نفتقر إلى العدالة التي تجعلها ممكنة. إن السياسة ليست ما نرغب فيه فحسب، بل ما نستطيع بناءه ضمن حدود الواقع وإمكاناته، والسياسي المسؤول ليس من يعد الناس بالمعجزات، بل من يملك الشجاعة ليقول الحقيقة، ويعمل على توسيع الممكن، ويقبل أن يخضع قراره للمساءلة.

لسنا في بداية التاريخ ولسنا في نهايته، لكننا مسؤولون عن الطريقة التي نعيش بها لحظتنا التاريخية. وما لم نتعلم أن نغيّر شروط الواقع بدلاً من الاكتفاء بتغيير الكلمات، وأن نبني المؤسسات بدلاً من انتظار المعجزات، وأن نجعل القانون أعلى من الجماعة والزعيم، فستظل الأجيال تتوارث الأوهام نفسها، وتعيد إنتاج المآسي ذاتها، بينما يتغير قاموس الخراب ويبقى الخراب على حاله.

قوة الحق لا حق القوة؛ والمواطنة حق وليست مكرمة؛ وما ينفع الناس هو وحده ما يستحق أن يبقى.

***

د. قاسم المحبشي

"من استحلى القاع نسي الصّعود"

مقدمة: قد يكون هذا الكلام مُستفزّاً، مزعجاً، لكنّه في حقيقته واقعٌ لا يُخْفي بين ثنايا سطوره اتّهامات أو تبريرات، إنه واضح كفلق الصّبح، لأنّ الأمر لا يحتاج تزويقَ كلام أو ترميزه، أو تشريح ما هو بيّن جلي، ولا هو سيناريو لفيلم وثائقي مرعب، فكلمة "قاع" وحدها، كفيلة بدفع القارئ إلى طرح أسئلة حارقة، مستفزّة تنطلق منه وتنتهي إليه، تُحرّك فيه القناعات تُسائلها، لينخرط بوعي في تحليل ظاهرةٍ مقلقةٍ على المستوى السياسي والأخلاقي والثقافي، وهي ظاهرة النزول إلى القاع لاتّخاذه موطنا وهوية.

قبل النزول إلى القاع..

أن ننحدر إلى القاع سلوكٌ قد يُفسّر بالضّعف واليأس، لكن حين نحاربُ من أجله ونصنع منه مملكة نمنحها مشروعية وجودية، وحين يصبح القاع هدفاً وجودياً لا ينزل إليه الكثير عن طريق الخطأ، بل وعياً واقتناعاً لدرجة اتّخاذه موطنا، التّشبُّث به منهجاً وغاية، يتحول السقوط الذي كان في الأصل أزمة وهزيمة، إلى حالة من التصالح المخادع والتّحرُّر الخادع، إذ لم يعد للإنسان "السّاقط" ما يخسره، حيث تلاشت وتحطّمت تلك القيود التي تفرضها الرغبة في الصعود والانعتاق.

أمام القاع السحيق، ومن عل، وقبل النّزول تزاحمت في رأسي أسئلة حارقة تُبعثر اتّزان العقل، هل النّزول إلى القاع مجرد انهيار أخلاقي، أم أمر أكبر من هذا، طفْرة أنطولوجية وجودية يعيد فيها الإنسان تشكيل مفهوم جديد عن ذاته وموقعه من العالم؟ أم تحوُّلٌ من حالة اضطرارية إلى هوية مكتملة بحيث لم يعد السقوط قدراً محتوماً يُقاوم، بل خياراً واعيا يُتّخذُ موْطناً ومنهج حياة، يدافع فيه الإنسان عن وسخه الوجودي بكافّة وسائل الإفلاس الأخلاقي وشرعنته وتجميلة وتعميمه؟

ـ لم يسألني أحد لمَ أنا هنا؟

أمام الشفير وقفتُ منتظراً، لأنّ النزول أمرٌ صعب يتطلّب الوعي به، تتصاعد إليّ صيحاتٌ وآهاتٌ وكلام كثير مبهم، نزلتُ أتحسّس القاع بأصابع قدمي كما يتحسّس الأعمى وجه شخص يكرهه، النّاس مشدودون إلى القاع، يختارون أماكنهم في سباقٍ محموم، كأن القاع محا من عقولهم فكرة الصّعود فغاصوا أكثر، ومن استحلى القاع نسي الصّعود. تتغير الوجوه، والأقنعة، وكذا الكلمات، تحملني الأجساد العرْقى، تسكنني الأصوات، تتقاذفني الأيدي، تمحو من عقلي درجات الصّعود.

يصعبُ عليّ معرفة عمق القاع، واتساع أفقه، يغيب القاع تحت الأجساد وتحت قدمي، أريد أن أخرج، أتنفّس، أريد أن أرتقي إلى السّطح، أجرُّ خلفي بقايا الأيدي والقرصات، أريد أن أغرس كروما ورمّانا. في ظلمة القاع نسي الجميع سر الحبّ، وسرّ الحرث والغرس، نسوا آخر خطواتهم في الطرقات، وفي المحطّات، والمطارات، والمقاهي، تركوا قلوبهم هناك مصلوبة وتاهوا في السراديب العفنة.

لم يعد هناك ما يُضحك، نظْرةٌ إلى فهرس السّاقطين إلى سلّة المهملات، إلى العتمة، تراهم يتوافدون في تراكم عجيب، يتعاقبون على سرد أُحجيات حياتهم التّافهة، كأنّ المقام سيطول بهم. أنتفضُ، تمسكني الأيدي..

ـ اِبْق حتى آخر الحكايات..

القاع أمنيتهم، وأنا أريد أن أغسل قلبي بيدي، بالماء البارد وكثير من الزّهر والزّعفران، لأنّي، لمسافات طويلة مشيت وسأمشي وفي قلبي أبواب ونوافذ أفتحها للصاعدين، وفي دمي فرحٌ يسع العالم، سأخرج من ضوضاء القاع إلى فسحة الهواء واتّساع المدى وانفتاح السّماء على زُرْقة ناصعة. سأسافر بعيداً عن قاعكم، سأكتب عنكم سطراً سطراً، سأنثر حكاياتكم في الشوارع والأزقّة والدروب حتى يبحّ منّي الصّوت، وتنتهي الأوراق.

صحتُ بِمِلْء الصّوت غاضباً: امنحوني سبباً لأبقى هنا معكم؟

ـ اتّساع القاع سبب، ولن تعدم مكاناً يليق بك..

أُحضّر قدمي وأظافري للصُّعود بعناد وغضب، حافياً يمشي من يتألّم. لافتاتٌ دعائية ومُلصقات بألوان زاهية تخزُّ العيون، تمدح القاع وأهله، وتدعو الزّبائن للصّمود والغوص أكثر. لستُ مغفّلاً، لن أصدّق وشوشاتهم، أحاول جاهداً أن أحافظ على أفكاري من الشّتات، رأسي ثقيل، عيني محشوّتان بالدّهشة والألم والأسف، فتحتُ للسبّ مصراعَهُ، يعرف لغته الأولون والمتأخّرون، مرّت من أمامي كائنات ناقصة الاكتمال، تساءلت..

ـ هل في الحضيض اكتمال؟

كل شيء مضطرب في القاع، تغوص الأرجل حدّ الرُّكب وتزيد، الْتصقوا بالقاع كبقٍّ لا يُحصى له عدد، غرس إبَرَهُ ليتمسّك أكثر، هنا يتعلّمون لغة الذّلّ والخنوع، لا أحد ينتظرُ أحداً، الكلُّ يبحث عن قاعٍ تحت القاع، تساءلت..

ـ الأمر جلل، لماذا كل هذا الحبّ والحنين للقاع؟

كل شيء يموج كبحر هادر غاضب لا يرحم، كل شيء يحترق، كل شيء يختلط بالكلام والضّجيج والصّراخ والضّحك. كم مسخاً سقط في الطريق، تفتّتوا، تناطحوا، تقاتلوا كأنّهم إلى المسالخ يؤخذون، يُذبحون أو ينتظرون الذّبح؟ تُفتح على الجوانب الأبواب فيغلقونها، وتُرصّص إلى الأعلى الدّرجات ليصعدوا فيردمونها، وتنفتح من أعلى فُرجاتٌ للنّور فيغمضوا أعينهم.

أعيد ترتيب هذه الصّور، وأمنحها عنوانا، أقرأها، فتختلط في ذهني وتتزاحم. القاع مكانٌ للقتل والغدر والدّسائس، موطنٌ يتقيّأُ الدم والصديد والأكاذيب والألم، ترتاده بحبٍّ ظاهر وحوش مفترسة، وأخرى دفعوا بها قربانا تصدُّ عنهم لعنة الهزائم والانكسارات والخنوع.

خرجتُ من القاع بمزاج معطوب، ونفس كسيرة، ولسان ملجوم من هول المشهد، وطعم الرّماد والألم وبقايا رائحة الأجساد تسبح في فمي، وعجبتُ كيف هرمتُ بهذه العُجالة، ارتميتُ في أحضان عشبٍ أخضر ركض فوقه أطفالٌ ضاحكين. أمرّغُ جسدي أمحو عنه بقايا القاع، وشهوة الذّلّ. من بعيد، جلستُ أتأمّل طوابير التّافهين يتوجّهون نحو القاع، يسقطون تباعاً، وبعض الصّاعدين النّاجين في بكاء مرير ينظرون إلى السّماء مبتسمين وقد أخذ منهم القاع كل الجهد. لقد ولدوا من جديد، من رحم المعاناة حين خاضوا معارك شرية ضد اليأس والذّلّ والظلمة، منهكين، ذاكرتهم مثقلة بالصمت، لكنّهم حاربوا صعوداً حين انتزعوا أنفسهم من الوحل، ليحفظوا آدميتهم وما تبقى من إنسانيتهم، ليقفوا، الآن، على شفير القاع، يقرأون في عيون السّاقطين الخزي والذل والهوان، وفي عيون الصّاعدين النّاجين الأمل في انطلاقة جديدة قوية.

خاتمة..

"ارتقوا، فالقاع مزدحم"، سلامٌ على قومٍ ارتقوا ولم يقبلوا القاع موطنا، واختاروا اتساع المدى، وانفتاح الأفق.

***

عبد الهادي عبد المطّلب

الدار البيضاء/المغرب

وأنا أقرأ في مدرسة التاريخ الجديدة، وما أحدثته من تحولات في فهم الماضي وطرائق الكتابة التاريخية، استوقفني سؤال يبدو بسيطًا في صياغته، عميقًا في دلالاته، ومقلقًا في نتائجه: ماذا لو؟ سؤال يفتح أبواب التاريخ المغلقة، ويعيد إلى الوقائع التي انقضت شيئًا من احتمالاتها المفقودة، ويحرر العقل من الاعتقاد بأن ما حدث كان الطريق الوحيد الذي كان على التاريخ أن يسلكه. إنه سؤال لا يستدعي الماضي رغبةً في تغييره، فالماضي لا يعود، بل يستدعيه كي نفهمه على نحو مختلف، ونكتشف ما أخفته الوقائع من إمكانات، وما استبعدته القرارات من بدائل، وما تركته اختيارات البشر من آثار في مصائر المجتمعات والأمم.

لقد اعتدنا أن نقرأ التاريخ كما لو أنه نهر لا يعرف إلا مجرى واحدًا، وأن الحاضر الذي نعيشه هو النتيجة الطبيعية والضرورية لكل ما سبقه من أحداث. وحين ننظر إلى الماضي من موقع الحاضر، تبدو الوقائع متصلة بعضها ببعض في سلسلة من الأسباب والنتائج، حتى يخيل إلينا أن كل ما وقع كان مقدرًا له أن يقع، وأن كل ما لم يقع لم يكن ممكنًا أصلًا. لكن هذه النظرة، على ما تمنحه من شعور باليقين، تنطوي على مغالطة منهجية؛ إذ إنها تعرف النتيجة، ثم تعود إلى الوراء لتجعل الطريق المؤدي إليها طريقًا وحيدًا، متجاهلةً أن الفاعلين التاريخيين، وهم يعيشون لحظاتهم، لم يكونوا يعرفون ما نعرفه نحن اليوم، وأن أمامهم كانت تقف بدائل متعددة، بعضها ممكن، وبعضها عسير، وبعضها لم يخطر لهم على بال.

من هنا تنبع القيمة النقدية لسؤال «ماذا لو؟». فهو لا يطلب منا أن نختلق تاريخًا من الأوهام، ولا أن نستبدل الوقائع بحكايات متخيلة، وإنما يدعونا إلى إعادة بناء أفق الإمكان الذي كان مفتوحًا أمام البشر قبل أن تحسم الأحداث مسارها. إنه ينقلنا من سؤال: ماذا حدث؟ إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: لماذا حدث على هذا النحو، لا على نحو آخر؟ وما الشروط التي جعلت احتمالًا بعينه ينتصر، بينما تراجعت احتمالات أخرى أو أُجهضت قبل أن ترى النور؟

وتحضرني هنا عبارة الاستاذ مدني صالح التي تصف الكائن الانساني بوصفه اعتباطيا تبريريا؛ تحركه الرغبات والأهواء والانفعالات والمصالح، بوعي أو من دونه، ثم يستدعي العقل لتبرير سلوكه وإضفاء مسوغات منطقية عليه. فالعقل، في هذا التصور، لا يكون دائمًا مصدر القرار، بل قد يتحول إلى أداة لتسويغه بعد اتخاذه، وإظهاره بمظهر العقلانية أمام الذات والآخرين. ومن هنا، فإن فهم الإنسان لا يكتمل بتحليل أقواله وحججه المعلنة، بل يقتضي النفاذ إلى دوافعه الخفية، والكشف عن المسافة الفاصلة بين ما يفعله فعلًا وما يقدمه من تبريرات لما فعله.

أسهمت مدرسة الحوليات الفرنسية من تأسيسها عام 1929م على يدي مارك بلوخ (Marc Bloch) ولوسيان فيفر (Lucien Febvre).وازدهرت مع فرناند بروديل وجاك لوغوف، في تحرير الكتابة التاريخية من اختزال الماضي في أخبار الحكام والمعارك، وفتحت المجال لفهم البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والذهنيات الجماعية وتعدد الأزمنة التاريخية. ومن هذا التحول يكتسب سؤال «ماذا لو؟» قيمته النقدية؛ إذ لا يكتفي باستعادة ما حدث، بل يبحث في الإمكانات التي كانت متاحة، والخيارات التي أُهملت، والشروط التي جعلت مسارًا تاريخيًا ممكنًا دون غيره. ماذا لو اتُّخذ قرار مختلف، أو تغير عامل حاسم في لحظة مفصلية؟ ليست الغاية اختراع ماضٍ متخيّل، بل اختبار حدود الحتمية وكشف دور الإنسان في صناعة التاريخ. فليس كل ما يمكن تخيله ممكنًا تاريخيًا، ولا كل ما وقع كان ضرورة لا مفر منها. إن النتيجة التي نعرفها اليوم لم تكن قدرًا مكشوفًا لفاعلي الماضي؛ ولذلك فإن فهم التاريخ لا يكتمل بتفسير ما حدث فحسب، بل بمساءلة ما كان يمكن أن يحدث ولم يحدث.

ولعل هذا ما يجعل سؤال «ماذا لو؟» أكثر إلحاحًا حين نقترب من تاريخنا العربي واليمني، حيث تتجاور الثورات والتحولات الكبرى مع الإخفاقات والانقسامات والحروب، وحيث كثيرًا ما جرى التعامل مع الأحداث بوصفها نهايات مغلقة، لا تجارب إنسانية قابلة للفهم والمراجعة والنقد. إننا نحتاج إلى هذا السؤال لا لكي نعيش أسرى الندم، ولا لكي نحاكم الماضي بمعايير لم تكن متاحة لأهله، بل لكي نكتشف أين أخطأنا في قراءة الواقع، وأين ضاعت فرص التسوية، وكيف تحولت خلافات سياسية كان يمكن إدارتها إلى صراعات وجودية دفعت المجتمعات أثمانًا باهظة من دمائها وأمنها ومستقبلها.

تكتسب ذكرى ثورة الرابع عشر من أكتوبر أهميتها الحقيقية حين نتأملها بمنظور عقلاني نقدي جديد، لا يكتفي باستعادة أمجاد الماضي، بل يسائل مساراته وإمكاناته والخيارات التي صنعت نتائجه. فالتاريخ العربي واليمني ليس سلسلة من النهايات الحتمية، بل تجارب إنسانية كان يمكن لبعض منعطفاتها أن تسلك طرقًا مختلفة لو اختارت النخب الحوار بدل الإقصاء، والتوافق بدل المغالبة، وبناء المؤسسات بدل إخضاعها للأشخاص والجماعات. ماذا لو تحولت الثورات إلى مشاريع لبناء دولة تحمي الجميع، وتصون الحقوق، وتضمن المساواة والكرامة؟ وماذا لو أدركت القوى السياسية أن امتلاك السلطة لا يعني امتلاك الوطن، وأن انتصار طرف لا يعني بالضرورة انتصار المجتمع؟ إن استحضار هذه الأسئلة ليس محاكمة للماضي بمعايير الحاضر، بل محاولة لفهم إخفاقاته واستعادة دروسه. فالثورة التي لا تراجع تجربتها تفقد قدرتها على تجديد ذاتها، والاستقلال الذي لا يصون حرية الإنسان وحقوقه يظل منقوصًا، والدولة التي يخضع فيها القانون للقوة تعجز عن حماية مواطنيها.

إن ذكرى ثورة الرابع عشر من أكتوبر لا تستمد معناها من استعادة أمجاد الماضي وحدها، بل من قدرتنا على مساءلته بعقل نقدي يميز بين عدالة البدايات ونتائج التجارب، وبين الوفاء للتضحيات وتقديس الخيارات السياسية. لقد مثّلت الثورة لحظة تحرر وطني من الاستعمار البريطاني، لكنها تفتح أمامنا سؤالًا أعمق: ماذا لو استطاعت إرادة التحرر أن تتحول إلى مشروع مكتمل لبناء دولة مدنية ديمقراطية، تحمي الحقوق، وتصون التعدد، وتجعل القانون أقوى من الأشخاص والجماعات؟ لا نستطيع تغيير ما وقع، ولا الجزم بما كان سيحدث لو اتُّخذت قرارات مختلفة، لكننا نستطيع فهم الأسباب، واستخلاص الدروس، والكشف عن الفرص التي أُهدرت، بدل الاحتماء بتبريرات تعفي أصحاب القرار من المسؤولية. فالتاريخ ليس قدرًا مغلقًا، والثورات ليست صكوك براءة دائمة، والاستقلال لا يكتمل ما لم يشعر الإنسان بحريته وكرامته ومساواته أمام القانون. ومن هنا، فإن سؤال «ماذا لو؟» لا ينبغي أن يحبسنا في ندم الماضي، بل أن يوقظ فينا مسؤولية الحاضر: ماذا لو تعلمنا أخيرًا أن الوطن أكبر من أحزابه، وأن السلطة مسؤولية لا غنيمة، وأن المواطنة حق وليست مكرمة؟ إن الحنين وجع الذاكرة، لكن النقد يحوّل الوجع إلى معرفة، والمعرفة إلى مسؤولية، والمسؤولية إلى فعل. فلنكرم ثورة أكتوبر دون أن نقدس تجربتها، ولنقرأ إخفاقات تاريخنا دون أن نهين تضحيات أبنائه؛ فالماضي الذي لا نستطيع تغييره نستطيع أن نفهمه، والحاضر الذي نعيشه نستطيع أن نعمل فيه، والمستقبل الذي لم يُحسم بعد لا يجوز أن نتركه أسيرًا لأخطاء نعرفها وبدائل ما زالت ممكنة. فليس السؤال الأهم: ماذا لو تغير الماضي؟ بل: ماذا لو امتلكنا اليوم شجاعة ألا نكرر أخطاءه؟

***

د. قاسم المحبشي

 

ثمة علاقة عميقة بعضها ذاتية واغلبها موضوعية بين ظاهرة التطرف والغلو والتشدد والإرهاب وبين المشروعات الأجنبية التي تستهدف إسقاط منطقتنا ومجتمعاتنا في أتون الصراعات الداخلية التي تدمر النسيج الاجتماعي وتجعل الكل يخاف من الكل، مما يوفر المخططات والمؤامرات الاجنبية كل فرص الهيمنة والسيطرة على مقدرات بلداننا والتحكم في مصائرها الراهنة والمستقبلية. ولا شك أن ظاهرة التطرف والإرهاب. هي من الظواهر المجتمعية المرحلة، التي تعجل في تدمير البنية الاجتماعية الداخلية لأي بلد، وحينما تتدمر البنى الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لأي بلد عربي وإسلامي، فإن قدرة الأجنبي في الهيمنة والسيطرة تصبح سهلة ويسيرة. لأن التطرف والإرهاب، يوجه كل البوصلات نحو الداخل، وكل طرف داخلي بفعل التطرف والإرهاب، يرى في الطرف الآخر هو عدوه الحقيقي الذي يجب محاربته والقضاء عليه. ولا ضير في سبيل القضاء على هذا العدو من الاستعانة بقوة الأجنبي وخبراته وبطشه للتخلص من العدو الداخلي.

وهذه الممارسة هي التي تدخل الجميع في أتون الدورة الجهنمية التي لا تبقي حجرا على حجر، وتدمر كل أسس ومرتكزات الاستقرار الاجتماعي والثقافي في أي بلد وبيئة إنسانية.

لذلك ثمة علاقة عميقة وحقيقية تربط بين ظاهرة التطرف والغلو ومخططات الأعداء ومؤامراتهم. وهذه العلاقة تارة تكون ذاتية بمعنى إن أجهزة الأجنبي هي تقوم يصنع بعض الحالات والوجودات المتطرفة، بحيث تكون هذه الوجودات بمثابة الذراع والقاعدة المتقدمة لتنفيذ مخططات الأجنبي في تضعيف الداخل العربي والإسلامي، وإسقاطه في دوامة العنف والعنف المضاد، وتدمير نسيجه الثقافي والاجتماعي.

و في كل الحالات تكون العلاقة بين التطرف والأجنبي علاقة موضوعية.. بمعنى أن المستفيد الأول في نمو ظاهرة التطرف والارهاب في أي بيئة اجتماعية هو الأجنبي ومخططاته ومؤامراته.

لأن ظاهرة التطرف تفضي إلى انهيار أسس التعايش بين مكونات المجتمع والوطن الواحد، بحيث يعيش المجتمع الواحد حالة من انعدام التوازن على مختلف المستويات بحيث يرى كل شريك وطني في شريكه الوطني الآخر هو الخصم والعدو، وتسقط بفعل عقلية التطرف والعداء المستحكم كل الضوابط الأخلاقية والقيمية، فيتجه جميع أهل التطرف والإرهاب إلى الأجانب لمساعدتهم ومدهم بأسباب القوة للقضاء على عدوهم الداخلي. فما يريده الأجنبي في كل الأوقات هو ضعفنا واهترائنا الداخلي وغياب أدنى مستويات الثقة بيننا، فيأتي التطرف ومتوالياته النفسية والاجتماعية والسلوكية لتحقيق كل ما يحلم به الأجنبي في كل بلداننا العربية والإسلامية. لذلك يقال أنه في مرحلة الخمسينيات من القرن الماضي في إطار منع إسرائيل الولايات الأمريكية المتحدة من تطوير علاقتها بعصر الناصرية، أن وزير الدفاع الإسرائيلي في عام 1954م (بنحاس لافون)، رعى شبكة تجسس من يهود مصر من دون معرفة رئيس الوزراء (موشي شاريت)، وذلك للقيام بأعمال إرهابية وتخريبية تطاول المصالح الأمريكية في مصر.

وذلك من أجل تقوية البرنامج الراديكالي في الناصرية على حساب برنامجها الثاني في تطوير العلاقات مع الغرب.. والإسرائيلي كان من مصلحته منع تطور أي علاقة مصرية غربية وتوسل بخلايا تجسس تقوم بأعمال إرهابية لابقاء العلاقات الغربية المصرية متوترة وأقرب إلى حالة الخصومة والعداء منها إلى الصداقة والتعاون.

و تم اكتشاف الشبكة وأعدم إثنان من أفرادها وحكم على الٱخرين بالسجن المؤبد مع الأشغال الشابة، واستقال وزير الدفاع (لافون) من منصبه بعد اكتشاف حقيقة الأمر والمخطط.

وهذه الحادثة وغيرها تكشف حقيقة أن ظاهرة التطرف والتي تقود إلى ممارسة الإرهاب هي موضوعيا لا تخدم إلا مخططات الأجانب في السيطرة على مقدرات ومصائر البلدان العربية والإسلامية. لذلك ثمة تحالف موضوعي بين التطرف بكل صوره ويافطاته وعناوينه وأيدلوجياته، وبين الأجهزة والمؤسسات الأجنبية التي تعمل ليل نهار للسيطرة على بلداننا والتحكم في مصائرها وراهننا ومستقبلنا.

لذلك فإن الوقوف ضد التطرف والارهاب، هو وقوف ضد الأجنبي ومحاولاته في السيطرة علينا.

ولا يمكن على المستوى العملي من مقاومة الأجنبي، دون مقاومة ومجابهة كل محاولات إسقاط المنطقة والمجتمعات العربية والإسلامية في أتون النزاعات والصراعات الطائفية والمذهبية والقومية والعرقية. لأن طريق التحرر من ربقة وهيمنة الأجنبي، هو في تعزيز وحدة وتضامن مجتمعاتنا بكل مكوناتها وتعبيراتها.

أما إذا سقطت مجتمعاتنا من الداخل في أتون الحروب الداخلية العبثية، فإن سيطرة الأجنبي على مقدراتنا تصبح تحصيل حاصل.

لأنها هي النتيجة الطبيعية لتفتت مجتمعاتنا من الداخل. ولا ريب أن معول التطرف والإرهاب هو أمضى الأسلحة وأفتكها في تخريب البنية الداخلية لمجتمعاتنا العربية والإسلامية.

من هنا فإن محاربة التطرف بكل عناوينه والإرهاب بكل يافطاته من الضرورات الوطنية والأخلاقية والدينية والقومية.

لأنه لا يمكننا أن نحافظ على ثوابت أوطاننا ومقدساتنا الدينية بدون مجابهة نزعات الغلو والتطرف والإرهاب.

كما أن تحررنا الفعلي من ربقة الأجنبي ومؤامراته على وجودنا العربي والإسلامي في هذه اللحظة التاريخية مرهون بقدرتنا من التخلص من آفة التطرف والإرهاب. لذلك فإن كل جهد يبذل في سبيل تجفيف منابع الإرهاب ووالحؤول دون انتشاره، هو جهد يعزز استقلال البلدان العربية والاسلامية، وقدرتها على مواجهة كل المخططات والمؤامرات.

و إن الصمت على ظاهرة التطرف والارهاب، سيفضي إلى نتائج كارثية على مستوى تماسك مجتمعاتنا العربية والإسلامية من الداخل، كما أنه سيؤدي إلى دخول جميع البلدان في أتون الحروب والمعارك العبثية التي تنهي المكاسب وتؤسس لأزمات مستحكمة ف حاضرنا ومستقبلنا.

وتعلمنا العديد من التجارب أن الصمت ازاء التطرف والإرهاب للقبض على مصلحة مرحلية وٱنية، سيؤدي إلى انقلاب المتطرفين على على من صمت إزاءهم. لأن التطرف بكل عناوينه مثل النار يأكل الأخضر واليابس، وإذا لم تجد شيئا لأكله، فإنها ستقوم بأكل القريب منها والمهادن اليها. لأن النزعة الانشقاقية على قاعدة الشرعية ومدى الالتزام بالبديهيات والمسلمات، ظاهرة ملازمة لظاهرة التطرف. فالجماعات المتطرفة لا تبقى موحدة لاعتبارات متعلقة بطبيعة الفكر والخيارات المتطرفة، وبعضها الأخر لقدرة بعض الأجنبي من السيطرة على بعض الحالات والوجودات المتطرفة.

فعلى المستوى الحقيقي والفعلي لا رابح حقيقي من التطرف والإرهاب إلا الأجنبي الذي يتطلع باستمرار إلى ضعفنا وإسقاطنا في أتون الحروب والمعارك الداخلية.

 فلا خيار حقيقي للجميع على مستوى الداخل العربي والإسلامي، إلا بمجابهة خيار التطرف والإرهاب، لأن سيادة هذا الخيار سيفضي إلى انهيار العالم العربي والإسلامي من الداخل.

كما انه من أجل وحدتنا كعرب ومسلمين، ومن أجل بناء استقلالنا من هيمنة الأجنبي،

و من أجل بناء واقعنا العربي والإسلامي على أسس العدالة والمساواة، تعالوا جميعا نحارب الإرهاب والتطرف، ونبني حقائق الاعتدال والتسامح والوسطية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية. 

***

محمد محفوظ

في صناعة الرغبات، وحدود الإستقلال، هل نريد ما نريد حقا؟

قد يمر الإنسان بسنوات وهو يسعى وراء شيء يعتقد أنه يريده هو، لا أن أحدا أوحى له بأنه ينبغي أن يريده. يعمل من أجله مؤجلا حياته في سبيله، يتحمل ما يتحمله لأنه مقتنع أن وصوله إليه يعني وصوله إلى نفسه. ثم يصل وتأتي المفاجأة: لا شيء يتغير كما توقع. الرغبة تتبخر، أو تتحول فورا إلى رغبة جديدة، أو يكتشف أن السعادة التي تخيلها لم تكن مرتبطة بالشيء بقدر ما كانت مرتبطة بلحظة إعجاب الآخرين به حين يناله.

ما الذي حدث هنا بالضبط؟

الجواب السهل أن الناس يتغيرون وأن التوقعات تخيب. لكن حين يتكرر هذا النمط، حين يكتشف المرء أنه لا يتوقف عن السعي لأنه يعرف ما يريد، بل لأنه يخشى أن يتوقف، ليصبح السؤال أكثر إلحاحا، هل كانت الرغبة من البداية ما ظنناها؟ نحن نميل إلى التعامل مع رغباتنا كحقائق واضحة لا تحتاج إلى تفسير. فعبارة "أريد هذا" تبدو جملة كافية لوحدها. لكن قد يكون الأجدى أن نسأل: ما الذي يجعل هذا الشيء مرغوبا في نظري؟ هل أريده لما يمنحني إياه فعلا، أم لما يرمز إليه؟ وهل كنت سأريده بنفس الشوق لو لم يعرف به أحد؟

الرغبة إذن ليست دائما صوتا داخليا خالصا.

اعتدنا أن نتصور الرغبة كأنها تنبع من أعماقنا ثم تتجه للخارج بحثا عن موضوعها. نرغب في شيء لأننا نحتاجه أو نكتشف فيه قيمة تلائم ميولنا. لكن التجربة كثيرا ما تكشف أن الأمر أعقد من هذا. فالطفل يولد في عالم لا تتوزع فيه الأشياء على أساس حاجاته وحده. ثمة مهن يحتفى بها وأخرى تعامل باعتبارها دون المستوى، أنماط حياة توصف بالنجاح وأخرى تقدم بوصفها إخفاقا. ومع الوقت، لا يتعلم الطفل ما يمكنه فعله فحسب، بل يتعلم ما الذي "ينبغي" أن يتمنى الوصول إليه إذا أراد أن يكون مقبولا ومحترما.

هذه العملية لا تتوقف عند الطفولة. نحن نراقب اختيارات الآخرين باستمرار، ونقارن أوضاعنا بأوضاعهم، ونستخلص من ردود أفعال المحيطين بنا أحكاما على قيمة ما نملكه وما يفتقر إليه. وقد نكتشف فجأة أننا نرغب في شيء لم يكن يشغلنا، لا لأن خصائصه تغيرت، بل لأننا رأيناه في حياة شخص آخر، أو لأنه أصبح علامة على مستوى نطمح إلى الإنتماء إليه.

الرغبة، في هذه الحالات، لا تنبع من الداخل وتتجه للخارج. إنها تتشكل أيضا من الخارج وتجد طريقها إلى الداخل حتى تبدو وكأنها كانت هناك دائما.

لنتأمل مثالا بسيطا: شخص يمتلك منزلا يلبي حاجاته ويوفر له قدرا معقولا من الراحة. يشعر بالرضا، حتى يكتشف أن أصدقاءه انتقلوا إلى منازل أكبر وأكثر فخامة. لم تتغير حاجاته الأساسية، ولم يصبح منزله أقل صلاحية للعيش. لكن نظرته إليه تغيرت. ما كان مصدرا للراحة أصبح مصدرا للشعور بالنقص.

ما الذي دخل المعادلة؟ طرف ثاني. شخص لا يسكن المنزل ولا يستخدمه، لكن وجوده غير معنى امتلاكه. آلية المقارنة هذه، والتي تعيد ترتيب قيمة الأشياء من دون أن تغيرها في ذاتها، تتكرر في مجالات أكثر حساسية بكثير: في اختيار المهنة، في معايير الجمال، في تصور ما يعنيه الزواج الناجح، حتى في الآراء التي نعلنها عن أنفسنا والعالم.

وهذا لا يعني أن التأثر بالآخرين ينتقص دائما من أصالة ما نريد. فقد نكتشف، من خلال رؤية شخص آخر يعيش شيئا ما، إمكانات لم نكن نعرفها. الفارق بين أن يفتح الآخر أمامنا أفقا جديدا وبين أن يتحول إلى مقياس لا نستطيع تقدير أنفسنا من دونه، هذا الفارق هو ما يحدد إن كان تأثيره يوسع حريتنا أو يضيقها.

لا يمكن فهم هذه المسألة من دون التوقف عند مفهوم الإعتراف. الإنسان، في فلسفة هيغل، لا يبني وعيه بذاته في عزلة تامة. فنحن لا نكتشف أنفسنا بوصفنا ذواتا مستقلة ومكتملة قبل دخول العالم الاجتماعي، بل نتعلم معنى وجودنا ومكانتنا من خلال التفاعل مع من يحيطون بنا. فالطفل الذي يتعلم الكلام لا يكتسب وسيلة للتعبير عن رغباته فحسب. إنه يدخل عالما من المعاني المشتركة التي تتيح له أن يقول "أنا"، أن يميز نفسه، أن يطلب من الآخرين الإستجابة والإعتراف. والإنسان البالغ، رغم اتساع خبرته واستقلاله النسبي، لا يتخلص من هذه الحاجة. يريد أن يرى ويعترف بعمله، أن تؤخذ أفكاره على محمل الجد. هذه الحاجة ليست ضعفا في الشخصية ولا دليلا على غياب الإستقلال. الإعتراف المتبادل أحد الشروط الأساسية للحياة الإنسانية المشتركة، مسألة تتصل بالكرامة والمشاركة في الفضاء العام، لا مجرد مجاملة نفسية. لكن هذه الحاجة المشروعة تنقلب إلى تبعية حين تصبح قيمة الإنسان متوقفة كليا على نظرة الآخرين إليه. عندئذ لا يكتفي بأن يحترم، بل يشعر بأنه مطالب بأن يظل جديرا بالإعجاب في كل لحظة. النجاح يصبح شهادة يحتاج إلى تجديدها باستمرار لا تجربة يعيشها. وقد يضحي بما يريده فعلا من أجل الحفاظ على صورة تضمن له القبول.

المشكلة ليست في أننا نحتاج إلى الآخرين. المشكلة في أن يصبح حكمهم علينا المصدر الوحيد الذي نستمد منه إحساسنا بأننا نستحق.

الإنسان الذي لا يحتمل اختلاف الآخرين معه قد يتنازل عن رأيه قبل أن يفحصه. والذي يخشى فقدان إعجابهم قد يتخلى عن أهدافه الحقيقية لصالح أهداف أكثر قبولا. والذي يربط احترامه لنفسه بمكانته قد يرى في كل نجاح يحققه شخص آخر انتقاصا من قيمته الخاصة.

النضج لا يعني أن نتوقف عن الإهتمام بما يراه الآخرون. يعني أن نعيد وضع هذا الإهتمام في مكانه الصحيح، أن نصغي إلى النقد دون أن نجعل من كل اعتراض حكما نهائيا على قيمتنا. أن نفرح بالتقدير من دون أن يصبح شرطا لمواصلة ما نؤمن به. الذات لا تتشكل خارج العلاقات، لكنها لا تنمو إذا تحولت هذه العلاقات إلى محكمة دائمة.

***

عبد الرحيم الجرودي

دراسة مقارنة مع الاتجاهات الحداثية وموقفها من التراث الإسلامي

يقول الرفاعي في مقدمة الطبعة الأولى لكتابه الدين والنزعة الإنسانية: " أن المجتمعات الغربية التي عملت منذ فترة طويلة على نفي الدين وتعبيراته من عالمها، لم تستطع اجتثاث رموزه المكتظة بها القلائد والحلي والألبسة والتماثيل واللوحات الفنية"

أصبح تجديد الخطاب الديني من أبرز القضايا التي شغلت الفكر الإسلامي المعاصر، نتيجة التحولات المعرفية والاجتماعية والسياسية التي أظهرت الحاجة إلى مراجعة طرائق فهم الدين، والتمييز بين النص الديني والقراءات البشرية التي تشكلت حوله، وقد اتخذت محاولات التجديد اتجاهات مختلفة؛ فمنها ما ركّز على البعد الإنساني والأخلاقي للدين، ومنها ما اهتم بتحليل النص القرآني وآليات تفسيره، ومنها ما اتجه إلى نقد البنى المعرفية للتراث وإعادة النظر في التصورات المتعلقة بالوحي.

وفي هذا السياق، يبرز مشروع الدكتور عبد الجبار الرفاعي، ولا سيما في كتابه الدين والنزعة الإنسانية، الذي يضم موضوعات تتصل بحاجة الإنسان إلى الدين، وعلاقة الدين بمعنى الوجود، ونقد اختزاله في الأيديولوجيا، وتجديد الفكر الديني.(١)

وتتمثل أهمية هذا المقال في دراسة منهج الرفاعي ومقارنته بمشروع نصر حامد أبو زيد في قراءة النص الديني ونقد الخطاب الديني، مع الإشارة إلى اتجاهات معاصرة أخرى شغلت الساحة البحثية في موضوعات الحداثة و تجديد الخطاب الديني.

إشكالية البحث

في هذا المقال نسعى للإجابة عن السؤال الآتي: ما أبرز ملامح منهج عبد الجبار الرفاعي في تجديد الخطاب الديني، وما أوجه الاتفاق والاختلاف بينه وبين بعض الاتجاهات الحداثية في التعامل مع النص والتراث الإسلامي؟

وسنعتمد المنهج الوصفي التحليلي في دراسة النصوص، والمنهج المقارن في بيان نقاط الالتقاء والاختلاف، مع التمييز بين ما يصرّح به المؤلفون في كتبهم وبين ما نستنتجه من أفكارهم إجمالا.

منهج عبد الجبار الرفاعي في تجديد الخطاب الديني

أولًا: النزعة الإنسانية في الدين

يمنح الرفاعي البعد الإنساني مكانة أساسية في مشروعه، وينطلق من ضرورة استعادة القيم التي تربط التدين بكرامة الإنسان والمودة والتراحم والتعاطف. ويؤكد في مقدمة الطبعة الثانية من كتابه أن الدين ظل من منابع المحبة والشفقة واحترام الكائن البشري، وأن إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين يرتبط بنقد أشكال التعصب والكراهية التي تُمارس باسم الدين.(٢)

ويُفهم من هذا التصور أن تجديد الخطاب الديني لا ينبغي أن يقتصر على معالجة المصطلحات أو إعادة ترتيب المسائل النظرية، بل يحتاج إلى مراجعة أثر الفهم الديني في سلوك الإنسان وعلاقته بالآخرين. فالمعيار الإنساني والأخلاقي يصبح عنصرًا مهمًا في تقويم الخطاب الديني، ولا سيما حين يؤدي الخطاب إلى الإقصاء أو إضعاف العيش المشترك.

ولا يعني ذلك أن الرفاعي يدعو إلى إلغاء البعد الاعتقادي للدين، بل يركز على إبراز الوظيفة الإنسانية والأخلاقية للتدين، وعلى ضرورة عدم السماح للتوظيفات المتعصبة بأن تحجب هذه الوظيفة

ثانيًا: نقد اختزال الدين في الأيديولوجيا

يعالج الرفاعي قضية "اختزال الدين في الأيديولوجيا"(٣) الفرق بين الدين بوصفه تجربة إيمانية وأخلاقية، وبين توظيفه ضمن أنظمة فكرية مغلقة تسعى إلى تفسير المجتمع والتاريخ وفق نتائج محددة مسبقًا، فالدين عند الرفاعي "حياة في أفق المعنى، تفرضها الحاجة الوجودية لمعنى روحي وأخلاقي وجمالي في حياة الإنسان الفردية والمجتمعية" فهو لا يرى الدين بمعزل عن التجربة الوجودية للإنسان وهو ليس خطابا جامدا أو نصوصا معزولة عن سياقها، وهو تعريف شاعري لتجاوز قلق الإنسان الوجودي بالعودة إلى الحياة الروحية التي أخذت المادية منه مأخذها.

ويظهر في مناقشته للأيديولوجيا، عند تحليله تجربة علي شريعتي، أن هيمنة الأيديولوجيا قد تؤثر في وعي الباحث وتوجه تفسيره، وتدفعه إلى تسخير المعرفة والتاريخ لخدمة مواقف جاهزة.(٤) ويكشف هذا التحليل عن إشكالية أوسع، هي احتمال تحوّل الخطاب الديني من مجال للتفكير والنقد إلى وسيلة لتثبيت اليقينيات وإقصاء الرأي المخالف.

وتبرز أهمية هذا النقد في التمييز بين الدين نفسه وبين الاستخدامات البشرية والسياسية له؛ فوجود توظيف أيديولوجي للدين لا يعني أن كل أشكال التدين أيديولوجية، كما أن نقد الأيديولوجيا لا يكفي وحده للحكم على صحة المعتقدات الدينية أو بطلانها.

ثالثًا: تجديد التفكير الديني وقراءة التراث

يرى الرفاعي أن تجديد الفكر الديني يقتضي مراجعة الموروث ونقده وتقويمه،وعلى أهمية النقد في تجديد الفكر الديني، وضرورة مراجعة الموروث وغربلته واستبعاد العناصر والمفاهيم التي تعوق التحديث والبناء.(٥)

وتقوم هذه الرؤية على التمييز بين الدين بوصفه مرجعية إيمانية، وبين الفهم البشري الذي يتشكل في سياقات تاريخية ومعرفية محددة. فالموروث الديني يتضمن اجتهادات وتفسيرات بشرية قابلة للدراسة والمراجعة، ولا يلزم من نقدها رفض التراث كله أو القطيعة معه.

ومن هنا يمكن وصف منهج الرفاعي بأنه يتجه إلى تجديد التفكير الديني من الداخل، من خلال إعادة فحص المفاهيم والمقولات التي تؤثر في فهم الدين ووظيفته الإنسانية. غير أن تحديد ضوابط هذه المراجعة يظل سؤالًا أساسيًا؛ إذ ينبغي التمييز بين نقد تفسير تاريخي وبين إعادة تعريف أصل ديني وهنا تكمن أهمية دراسة منهجية الرفاعي التي تعتمد غربلة التراث ومراجعته مراجعة نقدية فاحصة ليتلاءم مع المدوّنات العصرية للإنسان؛ لا أقل أن تكون القراءة الواعية النقدية هي الطريق لفهم التراث بروح العصر لا القطيعة معه.

نصر حامد أبو زيد وقراءة النص الديني

أولًا: النص والثقافة

يعالج نصر حامد أبو زيد في كتابه مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن العلاقة بين النص والثقافة، ويجعل موضوع «النص في الثقافة: التشكل والتشكيل» مدخلًا لبناء دراسته. يناقش مفهوم الوحي والمتلقي الأول للنص، والمكي والمدني، وأسباب النزول.(٦)

ولا ريب أن أبو زيد كان مهتما بالسياق الذي يتلقى فيه النص، وبالعلاقة بين النص ومتلقيه وعمليات تفسيره وتأويله. ولا يقتصر مشروعه على البحث في القارئ أو المفسر، بل يتناول أيضًا مكونات النص وآلياته، ويحاول دراسة العلاقة بين النص والتأويل من دون إغفال أحد الطرفين.(٧)

ومن الناحية المنهجية، يساعد هذا الاتجاه على إدراك أهمية السياق واللغة وتاريخ التلقي في دراسة النصوص. لكنه يفتح في الوقت نفسه نقاشًا حول الحدود الفاصلة بين استخدام السياق لتوضيح المعنى وبين بناء نتائج فلسفية تتجاوز مجرد التحليل اللغوي أو التاريخي، فالمنهج السياقي وحده قد يكون عائقا عندما يتعلق الأمر بالاستئنافات القرآنية وحتى الحديثية عند المتقدّمين وهو ما تحدثنا عنه في صياغة لغة جديدة للخطاب، لغة مختلفة، لغة يفهمها الجيل الجديد، لا إغلاق فيها ولا طلاسم، لا خلط فيها ولا إدراج، وهي بلا شك لا تستقيم دائما مع السياق، يركز أبو زيد على البنية النصية دون البعد الجمالي، الرفاعي ينظر الى الدين كقوة جمالية يمكن أن تواكب الحداثة من زاوية جمالية روحية إذا ما تم التركيز على جانبه الروحي والجمالي والأخلاقي.

ثانيًا: نقد الخطاب الديني

في كتابه نقد الخطاب الديني، ينتقل أبو زيد من تحليل النص إلى دراسة آليات الخطاب الديني المعاصر ومنطلقاته الفكرية.(٨) وأن نقد الخطاب الديني لا يقتصر على مناقشة النتائج التي يصل إليها أصحاب الخطاب، بل يتناول كذلك الآليات والمقدمات التي تنتج تلك النتائج. وهو يناقش تعدد الاتجاهات التي تعاملت مع ظاهرة المد الديني، ويحذر من الخلط بين تفسير الظاهرة وتبريرها.(٩)

وهو بلا شك يحتمل النظر في أن الظواهر التي لا يمكن تفسيرها لا يمكن تبريرها بالضرورة ولا يمكن سحب النص الى الاعتقادات للتبرير، ويختلف هذا التركيز عن مشروع الرفاعي من حيث الأولوية المنهجية؛ فالرفاعي يضع النزعة الإنسانية وأثر التدين في الإنسان والمجتمع في مركز مشروعه، بينما يمنح أبو زيد مساحة واسعة لتحليل النص وآليات الخطاب والتأويل. ومع ذلك، يلتقي المشروعان في الدعوة إلى عدم الاكتفاء بتكرار الموروث من دون فحص مقدماته وطرائق إنتاج المعنى، ولا يصح عدّ المشروعين متطابقين لمجرد اشتراكهما في نقد بعض أنماط التفكير الديني. فالرفاعي ينطلق من سؤال يتعلق بإنسانية الدين ووظيفته الأخلاقية، في حين يتناول أبو زيد قضايا النص والتأويل وآليات الخطاب. وبناءً على ذلك، ينبغي أن تميز المقارنة بين موضوع كل مشروع وأدواته والنتائج التي يصل إليها، كما ينبغي التمييز بين دراسة السياق التاريخي للنص وبين اتخاذ موقف محدد من مصدره أو طبيعته. فالأولى مسألة منهجية يمكن بحثها في الدراسات القرآنية، أما الثانية فتحتاج إلى حجج كلامية وفلسفية مستقلة، ولا تنتج تلقائيًا من مجرد تحليل السياق.

محمد أركون ونقد العقل الإسلامي

يمثل مشروع محمد أركون اتجاهًا يهتم بنقد البنى المعرفية التي تشكل الفكر الإسلامي، وبإعادة دراسة التراث ضمن شروطه التاريخية والمعرفية. وتكمن أهمية هذا الاتجاه في أنه لا يكتفي بتكرار الآراء التراثية أو عرضها، بل يسعى إلى مساءلة المقدمات التي حكمت إنتاج المعرفة الدينية وحددت ما يدخل في مجال التفكير المقبول وما يُستبعد منه.

وعند المقارنة بين أركون والرفاعي، يظهر اختلاف في مركز الاهتمام؛ إذ يركز الأول على نقد العقل الإسلامي وآليات تشكله، بينما ينطلق الثاني من ضرورة استعادة النزعة الإنسانية في الدين وتجديد التفكير الديني. ومع ذلك، يلتقي الاتجاهان في أهمية مراجعة المسلمات الفكرية وعدم التعامل مع الموروث بوصفه كتلة واحدة مغلقة، لكنهما يختلفان في المركزية الفكرية، الرفاعي لا ينظر لقيمة الدين والرسل و التراث إلا من خلال الإنسان، والكُبرى عند الديانات هو الخطاب الأخلاقي الموجه لهذا الإنسان، ولذلك فالمركزيات الفكرية الحداثية غير ناظرة لهذه المركزية بوصفها كبرى قضايا التجديد، فالإنسان هو محور الرسالات وهو المعني الأول بفهم النص، هو الركيزة في الإحياء والنماء وهو المنطلق للمجتمع السعيد، فكيف يكون صغرى تجاه الخطاب ومسائل تجديده!.

ويمكن تحديد أبرز نقاط القوة في مشروع الرفاعي في ثلاثة أمور:

إبراز البعد الإنساني والأخلاقي للدين:

إذ يجعل كرامة الإنسان والتراحم ونقد التعصب قضايا أساسية في تقويم الخطاب الديني.(١٠)

نقد التوظيف الأيديولوجي للدين:

إذ يلفت النظر إلى أثر المواقف المسبقة في توجيه التفكير والتفسير، وإلى خطر تحويل المعرفة إلى وسيلة لتبرير نتائج جاهزة.(١١)

الدعوة إلى مراجعة الموروث:

وهنا يؤكد أهمية النقد والتقويم في تجديد الفكر الديني، بدل الاكتفاء بتكرار المقولات الموروثة من دون فحص.(١٢)

وهنا يجب أن نلتفت إلى أن تجديد الخطاب الديني في الفكر الإسلامي المعاصر يتخذ مسارات متعددة، تختلف بحسب موضوع الدراسة والمنهج المعتمد والنتائج المراد الوصول إليها، حيث يبرز مشروع الرفاعي محورية الرفاعي في خطابه الموجه للإنسان، المركزية العامة للرسالات في الخطاب الديني الأخلاقي، الرفاعي يرى أن الحاجة إلى الدين حاجة فطرية لصيانة الطمأنينة والسلام في الروح وهذه الطمأنينة لا يمكن توجيهها بقبليات غير قابلة للنقد والفحص، فأدران المسلّمات غير القابلة للنقاش تشبه إلى حد ما أدران نسف التراث وغياب التراث الروحي للإنسان كإغراق متعمّد في القطيعة.

"مركزية الإنسان في الأرض ومركزية الله في الوجود"

يقول الرفاعي: أن الاستخلاف في الآية الكريمة " إني جاعل في الأرض خليفة" (١٣)يعني استثمار المستثمِر للخلافة ما في الأرض وتسخيرها بتفويض كامل من الله عز وجل، هكذا يرى الرفاعي بعد أن أهمل بعض المفسرين مركزية الإنسان في الأرض، الأرض التي تعتبر جزءا من هذا الوجود الذي مركزيته الله عز وجل، كما أهمل المفكّر حسن حنفي في تفسيره مركزية الله - على حد قوله - فالاهتمام بمركزية الإنسان لا تعني إلغاء مركزية الله عز وجل(١٤)، هاتان المركزيتان لا انفكاك لهما فعندما يموت صوت الله داخل الإنسان يموت الإنسان، فماﻻ لم يتحسس صوت الله في داخله فلن يتخلص من اغترابه الوجودي.(١٥)

هذه المركزية في الأرض هي في حاجة دائمة للمركزية الأعلى، ويخبرنا القرآن الكريم عن طبيعة الإنسان الملأى بالهشاشة والضعف في قوله تعالى: " : إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ(١٦) وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا،(١٧) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ،(١٨)  فَإِنَّ الْإِنْسَانَ كَفُورٌ،(١٩) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ مُبِينٌ،(٢٠)  قُتِلَ الْإِنْسَانُ مَا أَكْفَرَهُ،(٢١)  بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ"،(٢٢)  وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا،(٢٣)  وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا،(٢٤)  خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ،(٢٥)  وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا،(٢٦) وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا،(٢٧) أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ،(٢٨) إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا،(٢٩)  لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ،(٣٠)  كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى،(٣١)  إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ،(٣٣)  إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ، (٣٣) وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا،(٣٤ )اللهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً،( ٣٥) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ،(٣٦) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ،(٣٧) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا،(٣٨)  وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا،(٣٩)  لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ،(٤٠ ) نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ، (٤١) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي(٤٢)

إن القرآن الكريم ليس في مقام توبيخ وازدراء الإنسان، بل في مقام تبيان طبيعته الهشّة المحتاجة إلى ما يخلصها من قصورها وهشاشتها، إلى من يخلصها من قلقها الوجودي و اغترابها، بالإيمان، بصوت الله.

للإنسان في القرآن الكريم بعدين: الإنسان ببعده الأنطولوجي الوجودي وهذا البعد هو ما يكون موضوعا للقيم والأخلاق الكونية ,والإنسان بوصفه هوية متحوّلة وهذا الإنسان هو ما يكون موضوعا للأحكام الظرفية المتغيّرة، فكثير من الكتابات تخلط بين هذين البعدين، فقلّما نجد تفسيرا يميز تمييزا دقيقا بين الإنسان الذي يعيش ظرف الرسالة والإنسان الآخر الذي لم يعش ظرفها، بل يعيش في زمان ومكان مختلفين، هناك من يتعاطى مع الإنسان ككائن لا يتغيّر وهناك من يرى أن الشيء الوحيد الثابت هو المتغيّر، وأن الحقيقة والأخلاق والقيم نسبية، فيختزل الإنسان في كلا النظريتين ببعد واحد، فأما ثابت لا يتغيّر بمختلف الظروف فهو فهم متحجّر للإنسان، أو متغيّر على الدوام وتنتهي إلى نسبية كليّة.(٤٣) ومن صور هذه المركزية في الأرض في القرآن الكريم:

١- يتفرَّدُ الإنسانُ في خلقِه فِي أَحْسَنِ صورةٍ يُمكِن أن يُخلَق فيها مخلوق، كما تقول الآية: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. التين، ٤.

٢- يتفرَّدُ الإنسانُ في أنه الكائنُ الوحيد الذي نفخ اللهُ فيه من روحه عند خلقه، فصارت هذه الروحُ مكوِّنًا أساسيًّا لكينونته الوجودية، مما تسامى بمقامه إلى مرتبة لن يبلغها مخلوقٌ سواه في مكانته، كما تقول الآية: فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ. (ص، ٧٢).

٣- يتفرَّدُ الإنسانُ في أنه الكائنُ الوحيد الذي استحق أن تسجد له الملائكة، كما تقول الآية: فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ. (ص، ٧٢).

٤- يتفرَّدُ الإنسانُ في تكريمِه وتشريفه وتفضيله على ما سواه من الخلق، كما جاء في الآية: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ. (الإسراء، ٧٠).

٤- يتفرَّدُ الإنسانُ في تسخير الله له كلَّ ما في السَّمواتِ والأرض، وذلك من الآثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصَّت عليه الآية: سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ. (لقمان، ٢٠).

٥- يتفرَّدُ الإنسانُ في تعليم آدم الأسماء، وذلك من الآثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصَّت عليه الآية: وَعَلَّمَ ءَادَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا. (البقرة، ٣٠).

٦- يتفرَّدُ الإنسانُ في تعليمه البيان، وذلك من الآثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصَّت عليه الآية: خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ. (الرحمن، ٤).

٧- يتفرَّدُ الإنسانُ في أنه الوحيد الذي لديه إمكانية حمل الأمانة الإلهية، وهذا الضربُ من التكريمِ الوجوديِّ هو الذي استحق الإنسانُ بسببه أن تُناط به مسئوليةٌ عظمى. حملُ الأمانة الإلهية مهمةٌ جسيمة لا يقوى عليها إلَّا الإنسان، كما تقول الآية: وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا. (الأحزاب، ٧٢).

٨- يتفرَّدُ الإنسانُ في أنه الوحيد الذي لديه إمكانية الخلافة الأرضية نيابةً عن الله، وذلك من الآثار الوجودية لتكريم الإنسان، وهو ما نصَّت عليه الآية: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. (البقرة، ٣٠).(٤٤)

***

عبد الهادي المظفر

دراسات عليا - كلية الفقه - جامعة الكوفة

.....................

* القرآن الكريم مصدرا:

الهوامش

١. عبد الجبار الرفاعي، الدين والنزعة الإنسانية، مؤسسة هنداوي، 2025،، الصفحات ٤٣- ٦٧ -٩٧ و٢١٧.

٢. عبد الجبار الرفاعي، المصدر نفسه، ص ١١و١٢.

٣. الرفاعي، المصدر نفسه، ص ٩٧ وما بعدها.

٤. الرفاعي، المصدر نفسه، ص ١٠٢–١٠٤.

٥. الرفاعي، المصدر نفسه، ص ٨-٩.

٦. نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص: دراسة في علوم القرآن، مؤسسة هنداوي، ٢٠٢٣ ص ٣٥.

٧. أبو زيد، مفهوم النص، المصدر نفسه، ص ٦-٧.

٨. نصر حامد أبو زيد، نقد الخطاب الديني، مؤسسة هنداوي، ٢٠٢٤، ص ١٥و١٨و١٤١

٩. أبو زيد، نقد الخطاب الديني، المصدر نفسه، ص ٩-١٠

١٠. الرفاعي، الدين والنزعة الإنسانية، ص ١١و١٢

١١. الرفاعي، الدين والنزعة الإنسانية، ص ١٠٢و١٠٤.

١٢. الرفاعي، الدين والنزعة الإنسانية، ص ٨و٩

١٣. البقرة، الآية٣٠

١٤. الدكتور عبد الجبار الرفاعي، مقطع صوتي من محاضرة له في ألمانيا بعنوان" مركزية الله في الأرض امتداد لمركزية الله في الوجود"

١٥.اريك فروم، حب الحياة، نصوص مختارة، ترجمة حميد لشهب،ص ٩٨

١٦. إبراهيم، ٣٤.

١٧ الإسراء، ٦٧.

١٨ الحج، ٦٦.

١٩ الشورى، ٤٨.

٢٠ الزخرف، ١٥.

٢١ عبس، ١٧.

٢٢ القيامة، ٥.

٢٣ الإسراء، ١٠٠.

٢٤ المعارج، ٢١.

٢٥ الأنبياء، ٣٧.

٢٦ الإسراء، ١١.

٢٧ الأحزاب، ٧٢.

٢٨ يس، ٧٧.

٢٩ المعارج، ١٩.

٣٠ البلد، ٤.

٣١ العلق، ٦.

٣٢ العاديات، ٦.

٣٣ العصر، ٢.

٣٤ النساء، ٢٨.

٣٥ الروم، ٥٤.

٣٦ هود، ٩.

٣٧ النحل، ٤.

٣٨ الإسراء، ٨٣.

٣٩ الكهف، ٥٤.

٤٠ فصلت، ٤٩.

٤١ التوبة، ٦٧.

٤٢ يوسف، ٥٣.

٤٣. ينظر: الدين والكرامة الإنسانية، عبد الجبار الرفاعي.

٤٤. المصدر نفسه.

 

أحياناً أفكر أن أعظم اختبار للإنسان المثقف لا يوجد في الجامعة، ولا في قاعة المحاضرات، ولا أمام جمهور يصفق لفكرته، ولا حتى في لحظة حصوله على جائزة كبرى؛ الاختبار الحقيقي يبدأ حين يعود إلى البيت، ويكتشف أن كل ما قاله عن الحرية والعدالة والأخلاق والإنسان لا يعفيه من إعداد فطور الصباح.

وهنا تحديداً تبدأ مشكلتي الشخصية مع الفلسفة. فأنا أستطيع أن أكتب عن هيغل، وأن أجادل فوكو، وأن أستدعي بورديو، وأن أختلف مع هايدغر، وأن أشرح شيئاً عن الوعي والسلطة والخطاب والتمثيل، لكنني أمام قائمة مشتريات معلقة على باب الثلاجة، أتحول فجأة إلى كائن أقل ميتافيزيقا وأكثر واقعية. إداك أكتشف أن نظرية المعرفة لا تنفعني: هل اشترينا الخبز؟ ولا تنفعني فلسفة اللغة: ماذا كان المقصود حين قالت الزوجة "لا تنسَ الحليب"؟ ولا تنفعني الأنطولوجيا: أين اختفى السكر؟ ولا حتى نظرية السلطة عند فوكو، لأن السلطة في تلك اللحظة تكون واضحة تماما، ومصدرها معروف، ولا تحتاج إلى حفريات أركيولوجية.

ثم هناك شطائر المدرسة. تلك الشطائر التي تبدو، لمن ينظر إليها من الخارج، فعلا صغيرا لا يستحق الذكر، لكنها بالنسبة إلى أب يواجه الصباح هي جزء من اقتصاد يومي كامل: ماذا سيأكل الطفل؟ هل وضعت له ما يكفي؟ هل سيتذكر أن يأخذها معه؟ وهل يمكن أن تبدأ صباحاً هادئاً من دون أن تتحول الدقائق الأخيرة إلى مفاوضات بين الأبناء والآباء والزمن؟

لذلك، أعترف أنني أجد عزاءً خاصا في أخبار العلماء الكبار حين أكتشف أنهم يعيشون هذه الورطة نفسها.

يحكى عن عزيز سانجار، عالم الكيمياء الحائز جائزة نوبل سنة 2015، أن زوجته طلبت منه ذات يوم إخراج القمامة، فاحتج متدللاً بمكانته: "أنا حائز على جائزة نوبل!". قد تكون العبارة مجرد دعابة زوجية، لكنها بالنسبة إليّ تحمل فلسفة كاملة عن مأزق الإنسان حين يصدق صورته العامة أكثر مما ينبغي.

فماذا تفعل جائزة نوبل أمام سلة القمامة؟ .. لا شيء. وهذه الـ"لا شيء" هي ربما واحدة من أكثر الحقائق ديمقراطية في الحياة. فالجائزة لا تطبخ والشهرة لا تنظف والدكتوراه لا تشتري الخبز والعبقرية لا تمنح صاحبها حقا طبيعيا في أن يعيش على حساب الآخرين. بل إن الحياة الخاصة تقوم أحيانا بعملية هدم قاسية لكل ما تبنيه الحياة العامة من أوهام. في الخارج، أنت الأستاذ والباحث والمفكر والخبير والحائز على الجائزة. في البيت أنت الشخص الذي نسي أن يشتري البيض.

وهذا تحديدا ما يجعل قصة كارل ديسيروث، عالم الأعصاب والطبيب النفسي الأمريكي، حين تحدث عن إعداده شطائر المدرسة لأبنائه، أكثر من مجرد تفصيل طريف في سيرة عالم. إنها تذكرنا بأن أعظم العقول لا تعيش في المختبر وحده. إنها تعود إلى البيت، إلى الأطفال، إلى الطعام، إلى المرض، إلى التعب، إلى تلك الأعمال التي لا تكتب عنها المجلات العلمية لأنها لا تنتج نظرية ولا اكتشافا.

لكنها تنتج شيئاً أكثر بداهة، إنها إمكانية استمرار الحياة. وقد أشارت حنة أرندت في إحدى رؤاها الفلسفية إلى مساءلات ضرورية لفهم ما نعتبره عادةً أعمالا هامشية. فقد ميزت في الحالة الإنسانية بين العمل المرتبط بحاجات الحياة، والعمل الذي يصنع عالماً قابلاً للسكن، والفعل الذي يكشف الإنسان في علاقته بالآخرين. والعمل المنزلي، في هذا المعنى، لا ينبغي النظر إليه باعتباره هامشا أمام "الأعمال الكبرى"، لأنه مرتبط بالشروط التي تجعل الحياة نفسها قابلة للاستمرار.

المشكلة أن الثقافة الحديثة صنعت تراتبية غريبة للأعمال، فهناك أعمال ترفع صاحبها إلى المنصة، وأعمال تجعله ينحني أمام المغسلة. وهناك من يُحتفى به لأنه اخترع، ومن لا يلتفت إليه أحد لأنه أطعم، أو ربّى، أو نظف، أو حمل، أو رعى. والأغرب أننا كثيرا ما نمنح الأعمال الذهنية قيمة أعلى من الأعمال التي تحفظ الحياة نفسها.

ويرى بورديو من خلف الستار، أننا لا نوزع الاحترام بالتساوي، وإنما نوزع "الرأسمال الرمزي" وفق قواعد اجتماعية تجعل بعض الأسماء أكثر قيمة من غيرها. فالعالم الشهير يمتلك رأسمالا رمزيا هائلا؛ اسمه يتحول إلى علامة، وشهاداته إلى سلطة، وكلامه إلى مرجع. لكن هذا الرأسمال، مهما تضخم، يبقى عاجزا أمام الحياة اليومية.

فالبيت لا يعترف بالرأسمال الرمزي. وهذه ربما هي أجمل فضيلة للبيت. إنه المكان الذي تستعيد فيه الأشياء وزنها الحقيقي. حيث لا تسأل زوجتك كم بحثا نشرت هذا العام. ولا يسأل أبناؤك كم مرة ظهرت في الصحافة. ولا يهم كثيرا أنك ألقيت أمس محاضرة عن مستقبل الإنسان. إذا كان الخبز غير موجود، فالمشكلة قائمة.

كانط، الذي جعل الواجب مركزا أساسيا في فلسفته الأخلاقية، كان سيجد في هذه التفاصيل اليومية مادة كثيفة للتفكير؛ فالعقل العملي عنده لا يكتفي بمعرفة ما هو صحيح، وإنما يتعلق بالسؤال عما ينبغي فعله.

لكنني أخشى أن كانط نفسه كان سيواجه مشكلة إذا طُلب منه إعداد شطائر المدرسة في السادسة والنصف صباحاً فالواجب حين يكون مكتوبا في كتاب، يبدو عظيما. وحين يكون أمامك في المطبخ، يصبح أكثر تواضعا وأكثر إزعاجا، وهذا هو معنى الأخلاق حين تخرج من الفلسفة وتدخل الحياة.

أن تعرف أن الآخرين ليسوا تفصيلا في سيرتك الذاتية. وأن تفهم أن الطفل الذي ينتظر شطيرته ليس أقل أهمية من المقال الذي تنتظر أن تنشره المجلة.

أن تدرك أن الزوجة التي تطلب منك شراء شيء من السوق لا تعترض طريق مشروعك الفكري، وإنما تشاركك في بناء الحياة التي من دونها لن يكون لمشروعك أي معنى.

والعظيم سارتر يفكك هذه النقطة، إذ يذهب إلى أن الإنسان لا يستطيع أن يختبئ طويلا وراء الدور الذي منحه لنفسه. لا يمكن أن أقول: أنا كاتب، ولذلك لا علاقة لي بالتسوق. ولا أن أقول: أنا مفكر، ولذلك الأعمال المنزلية أقل من مقامي. الأدوار الاجتماعية لا تعفي الإنسان من مسؤوليته عن اختياراته. وقد يكون هذا هو المعنى الحقيقي للحرية، أن تعرف أنك مسؤول عن الأشياء الصغيرة كما أنت مسؤول عن الأشياء التي تحب أن تراها كبيرة.

 لذلك، كلما قرأت عن عالم كبير يعد شطائر أبنائه، أو حائز نوبل يقف أمام سلة القمامة، لا أضحك منه. أضحك معه. لأنني أراه يعود من قمة العالم إلى أرضه. وأرى في ذلك شيئا من العدالة. فالبيت لا يسمح للعبقرية بأن تتحول إلى طبقة أرستقراطية. إنه يعيد العالم إلى حجمه البشري.

وهذا، في النهاية، ما ينقص كثيرا من المعرفة المعاصرة، أنها تتضخم في الرأس وتضمر في الحياة. نعرف أكثر، ونقرأ أكثر، ونحلل أكثر، وننتج خطابا لا ينتهي عن الإنسان، لكننا قد نفشل في أبسط امتحان إنساني، أن نكون نافعين لمن يعيشون معنا.

ما جدوى أن أعرف تاريخ الفلسفة إذا كنت أعتقد أن إعداد فطور لأطفالي ينتقص من مقامي؟ وما جدوى أن أكتب عن العدالة إذا كنت أتعامل مع من يشاركونني البيت بمنطق الامتياز؟

ما جدوى أن أشرح للناس معنى الحرية إذا كنت أطالب الآخرين بأن يحملوا عني أعباء حياتي لأنني أرى نفسي "أهم"؟

العلم الذي لا يتحول إلى أخلاق عيش يبقى معرفة معلقة. والفكر الذي لا ينتج تواضعاً أمام الحياة قد يتحول إلى شكل راقٍ من النرجسية.

أما المعرفة التي تستحق الاحترام حقا، فهي تلك التي تجعل صاحبها أكثر قدرة على العطاء، وأكثر انتباها إلى تعب الآخرين، وأكثر استعدادا لأن ينزل من برجه حين تناديه الحياة. ولهذا أعتقد أن علينا أن نعيد تعريف العبقرية. ربما ليست العبقرية أن تكتشف قانونا جديدا في الكون فقط. وربما هي أيضا أن تعرف كيف تعيش مع الذين تحبهم دون أن تجعلهم يدفعون ثمن عبقريتك.

فأن تشتري الخبز. وأن تعد الشطائر. وأن تخرج القمامة. ثم تجلس بعد كل ذلك، لتكتب عن معنى الإنسان. فقد يكون أعظم درس في الفلسفة أن نكتشف أن الإنسان الذي نحاول فهمه في الكتب هو نفسه الذي ينتظر منا، في البيت، أن نحمل عنه شيئاً من ثقل الحياة.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

لقد عبرت مرحله جديده من النضج في حياتي.. فقد اصبحت حياتي ممتلئة بي بأفكاري التي تتسع، ومعرفتي التي تتراكم يوما بعد يوم، وبأحلامي التي أسعى إلى تحقيقها، وعالمي الداخلي الذي اتعلم فيه كيف أرتب فوضاه، وأصنع من وحدته مساحة للتأمل لا سجنا للعزلة.

فليس كل فراغ يحتاج إلى شخص يملؤه، ولا كل وحدة تحتاج إلى علاقة تنقذها، ولا كل صمت ينبغي أن نبدده بأخبار الآخرين.

أحيانا يكون الفراغ فرصة لاكتشاف ما أهملناه في أنفسنا، وتكون الوحدة مختبرا لإعادة بناء وعينا، ويكون الصمت استراحة ضرورية من عالم يطالبنا طوال الوقت بأن نراقب ونعلق ونحكم ونتدخل.

وما أكثر الذين يستنزفون أعمارهم في حياة لم يعيشوها، ومشكلات لم تخصهم، ومعارك لم يخوضوها، وأسرار يتوهمون أن اكتشافها سيضيف شيئا إلى حياتهم. يراقبون الآخرين بشغف، ويفتشون في اختياراتهم، ويتعقبون علاقاتهم، ويحللون دوافعهم، بينما تظل حياتهم الخاصة مؤجلة، وأحلامهم معلقة، وأسئلتهم الداخلية بلا إجابات. يعرفون الكثير عن الناس، لكنهم لم يبذلوا جهدا كافيا ليعرفوا أنفسهم.

لماذا نراقب أخطاء غيرنا بعين يقظة، لكننا يعجز عن مواجهة أخطائنا

ربما تكون وسيلة للهروب من مواجهة الذات، ويصبح الحديث عن عيوب الناس تعويضا نفسيا عن العجز عن إصلاح عيوبنا..

 النضج هو أن تعرف أين تنتهي مسؤوليتك، وأين تبدأ المساحة الخاصة بالآخرين، وأن تدرك أن لكل إنسان حقا في أن يعيش بطريقته، يخطئ ويتعلم، ويختار ويراجع اختياراته، دون أن يتحول إلى مشروع دائم للتحليل والمحاكمه في عقول المحيطين به.

و في وجهه نظري احترام خصوصية الآخرين ليس مجرد تهذيب اجتماعي، بل تعبير عن وعي عميق بحدود الذات وحقوق الغير.

 إن الوقت الذي تنفقه في مراقبة الآخرين هو جزء من عمرك لن تسترده، والطاقة التي تبددها في تحليل نواياهم كان يمكن أن تتحول إلى معرفة أو مهارة أو فكرة أو تجربة تمنح حياتك معنى أعمق.

لذلك، انصرف إلى ما يبنيك. اقرأ، واكتب، وتعلم، وسافر إن استطعت، واصنع من هواياتك نوافذ تطل منها على عوالم جديدة، وامنح عقلك حقه في السؤال، وروحك حقها في السكينة، وأحلامك حقها في المحاولة.

راقب نموك لا تعثر الآخرين، واحتفي بتقدمك ولو كان بطيئا، وتعلم أن تقيس حياتك بما تضيفه إليها، لا بما تعرفه عن حياة سواك.

لا تجعل سعادتك رهينة بمقارنة نفسك بالآخرين، ولا تجعل قيمتك مرهونة بتفوقك عليهم، ولا تبحث عن الطمأنينة في اكتشاف عيوبهم

اصنع عالما داخليا غنيا بما يكفي لكي لا تحتاج إلى اقتحام عوالم الناس ولا تنشغلوا بإحصاء نجاحاتهم وإخفاقاتهم، فلكل إنسان رحلته الخاصة، ومعاركه التي لا ترونها، وأثقاله التي قد لا يعرف أحد عنها شيئا.

 يا رفاق.. الحياة أقصر مما تتخيلون، وأثمن من أن نهدرها في معارك لا تشبهنا، وخصومات لا تضيف إلى أرواحنا شيئا، ومراقبة أشخاص لا يعني وجودهم أو غيابهم فارقا حقيقيا في حياتنا.

أقصر من أن نقضيها في تبرير أنفسنا لمن لا يريد أن يفهمنا، أو إثبات قيمتنا لمن لا يرى إلا ما يريد أن يراه، أو مطاردة رضا الآخرين بينما نفقد رضا أنفسنا.

لن نستعيد السنوات التي عبرت، ولن نعرف كم بقي لنا من الوقت، لكننا نستطيع أن نختار كيف نعيش ما تبقى منه. فلنمنح أعمارنا لما يستحقها، وعقولنا لما ينميها، وقلوبنا لما يجعلها أكثر رحمة واتساعا.

انشغلوا فقط بما يجعلكم أكثر وعيا، وأكثر نضجا، وأكثر قدرة على فهم العالم والتمتع بجماله

عيشوا حياتكم، قبل أن تتحولوا إلى مجرد متفرج على حياة الآخرين. فالعمر الذي تمنحوه لفضولكم لن يعود، والحياة التي تؤجلها اليوم قد لا تمنحك غدا فرصة أخرى لتعيشها

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في مقال لافت بأسبوعية دير شبيغل الألمانية، يروي الصحفي شتيفان شولتس كيف قاده مشهد عابر في حديقة حيوان إلى ثمانية أسابيع من مساءلة النفس، ثم إلى تجربة عملية في الكرم انتهت بخلاصة غير متوقعة: قد يكون الجشع عرضا لفقدان الثقة أكثر منه عيبا في الطبع.

في عصر يوم مشمس من منتصف مايو، كان الكاتب يركض مع ابنه يانوش، ابن الرابعة، عبر حديقة للحيوان. أراد الطفل أن يرى النمر قبل كل شيء، وما إن بلغاه حتى طلب الانتقال إلى الحيوان التالي. حاول الأب أن يدعوه إلى التمهل والامتنان بما أمامهما، لكنه سمع كلماته تخرج جوفاء، فقد كان هو نفسه، في يوم مخصص للعائلة، مشغولا بقائمة ما يريد أن يراه وينجزه. وتذكر أن ابنه قال له قبل قليل إنه يمشي بسرعة كبيرة، وأنه وعد الصغير ذات مرة بدمية يشتريها له ليحظى بدقائق من الهدوء يجري فيها مكالمة. ومن هنا انبثق السؤال: هل يقلد الطفل ما يراه من ولع بالمزيد يسود المجتمع كله، ويمارسه الأب أيضا؟

يلاحظ شولتس أن الجشع قيل فيه الكثير: من أغنية لفرقة كوين تطلب كل شيء الآن، إلى العبارة الشهيرة في فيلم «وول ستريت» التي تمجده، وصولا إلى العقار الفخم الذي يملكه نجما الغناء بيونسيه وجاي زي بمساحة تناهز 2800 متر مربع. وقد حملته المستشارة الألمانية السابقة أنغيلا ميركل مسؤولية الأزمة المالية العالمية عام 2008، ورأى فيه مارتن لوثر منبع التلاعب والغش. ويعد الجشع الشعور الاقتصادي بامتياز، والمشكلة الجوهرية في الرأسمالية، غير أن الحد الفاصل بين السعي المعتدل الذي يصنع الرفاه والإفراط الذي يمزق المجتمع غير واضح، ونحن نميل إلى رسمه أكثر سخاء حين يتعلق الأمر بأنفسنا.

والكاتب نفسه لم يكن يرى نفسه جشعا. فقد انضم إلى قسم الاقتصاد في المجلة يوم انهيار مصرف ليمان براذرز، وكتب منذ ذلك الحين تعليقات نارية كثيرة ضد الجشع. وهو يملك مجموعة متواضعة من الأسطوانات، ومجموعة كتب أقل تواضعا، ويسكن شقة مستأجرة وصفتها صديقة مؤخرا بأنها صغيرة فعلا، فاعتبر ذلك شهادة على قناعته. لكنه، منذ زيارة الحديقة، قرر أن يتصرف بصرامة مع نفسه.

بدأ في اليوم التالي يوميات للجشع، يدون فيها المواقف التي يشعر فيها بأنه لم ينل ما يكفي، وسرعان ما اكتشف أن الظاهرة تمتد إلى ما هو غير مادي. فهو يعد البلدان التي زارها بنوع من الطموح، ويلتهم قوائم الأغاني والكتب المسموعة، وحتى في خلوات التأمل يلهث من تجربة ذاتية إلى أخرى. وفي إعداده لهذا المقال قرأ ثلاثة كتب، واستمع إلى خمسة بودكاست، وحاور نحو اثني عشر شخصا، فوجد نفسه جالسا على جبل من المواد لا يعرف أين يضعه. وخلص إلى نمط ثابت: كلما فعل شيئا يريده حقا، انزلق إلى التكديس.

استعان الكاتب بثنائية المحلل النفسي إريش فروم: نمط الكينونة، حيث يعيش المرء اللحظة ويستمتع بالحياة، ونمط التملك، حيث يطلب الأمان والحيوية من الأشياء، وكثيرا ما يختلط النمطان. وكتب ذات ليلة على شرفته أنه يقيم في نمط التملك أكثر مما ينبغي. ثم لاحظ أن الجشع نادرا ما يأتي وحده، بل يصحبه عادة حزمة من المشاعر المتناقضة.

أولها البخل، وهو أشبه بحزام بارد يشد الصدر؛ كأن يمتنع عن إعطاء عامل توصيل البيتزا إكرامية ويزعم أن محفظته ليست معه، أو يغتاظ لأن صديقا يدعوه إلى الطعام ثم لا يرد الدعوة، بينما يجد جزء آخر منه هذا الغيظ مخجلا. وثانيها قلق متصاعد، كأن يشتاق إلى حفل موسيقي يحبه ثم تلازمه رغبة مؤلمة لا ترتوي، تدفعه من جرعة دوبامين إلى أخرى. وثالثها، وهو الأبرز، أنانية تظهر حين يقود دراجته إلى العمل في مدينة مزدحمة، فيتحول الآخرون من بشر إلى عقبات تعترض طريقه.

ويرى الكاتب في هذا الشعور بالانفصال أساس الجشع كله. فالفيلسوف الثقافي جيريمي لنت يعزو ذلك إلى أننا لا نحس بألم الآخرين، فيسهل علينا استغلالهم موارد. وهذه هي الآلية الكامنة وراء ملابس الماركات التي يخيطها عمال في أقاصي العالم بأجور زهيدة، وشركات تتحايل على القيود البيئية، ومستهلكين مثله يعدون ذلك كله أمرا عاديا.

في مطلع يونيو قرر شولتس أنه رسم من خريطة جشعه ما يكفي، فحمل حقيبتي ظهر مملوءتين بالكتب وقصد «صندوق التبادل»، وهو خزانة تقاوم الطقس في حيه يترك فيها الناس كتبهم لمن يشاء، وابنه جالس خلف ظهره على الدراجة. فرح بفخر ابنه به، لكنه سأل نفسه بصدق عن مدى تجرده، إذ لم يتخل إلا عن كتب لا يحبها، ومنها مجلدات أرسلتها إليه دار نشر دون طلب. وعلق بأن عطاءه أقرب إلى التخلص من الأشياء منه إلى الإهداء.

وفي اليوم التالي تبرع بسراويل وقمصان لم تعد تناسبه في متجر منظمة أوكسفام، وحمل فائض مأكولات الشواء إلى ثلاجة عامة يأخذ منها من شاء، وأعطى بائع صحيفة المشردين عشرة يورو أمام متجر الحي. غير أنه اشترى لنفسه بعد ذلك قهوة بالكراميل بثمن لا يقل كثيرا، فأحس بالضآلة. وفكر في أن يعطي الرجل خمسين يورو في المرة المقبلة، ثم أدرك أن حرجه من الكتابة عن ذلك يفضح حقيقة أخرى: إن المسألة تتعلق أيضا بالاعتراف الاجتماعي، وإنه عالق في كرم استعراضي.

وفي المساء نشر على بوابة إلكترونية للجوار عرضا لمساعدة السكان في رعاية حيواناتهم وقضاء حاجاتهم أو مجرد الصحبة، فانهالت عليه الطلبات والإعجابات، واعترف بأنه شعر بالتملق. وخلال الأسبوع التالي رافق سيدة مسنة في نزهة مع كلبها، وساعد أرملة في استخدام الحاسوب، وأوصل بالحافلة إلى الطبيب امرأة تستعمل كرسيا متحركا بسبب مرض مناعي ذاتي. ولم يخل الأمر من إخفاق طريف، فقد احتاج وقتا طويلا لارتداء القفازات المعقمة حين طلبت منه المرأة فك أنبوب التسريب عن ذراعها. لكن الأحاديث غدت شخصية: حدثته الأرملة عن حزنها، وروت صاحبة الكلبين تجربتين مع السرطان نجت منهما، وقالت الجارة ذات الكرسي إنها سعيدة لأنها سافرت كثيرا في شبابها فلم يفتها في الحياة الكثير. وشعر بدفء واسع في صدره، وبسعادة جعلته لا يبالي بنفسه.

لكن البهجة لم تدم. تراكمت الطلبات: امرأة تحتاج عونا في الحديقة، وجار يريد تفريغ بيت أمه المحتضرة، وآخرون يريدون ترتيب أموالهم أو نقل رف ثقيل أو تنظيف علية. وافق على الجميع وهو منهك، فالحر شديد، وابنه لا ينام جيدا، وزوجته متوعكة، وعمله كثير، وصديق يحتاج دعما نفسيا، وحديقته المستأجرة غطاها العشب. وفي مركز التبرع بالدم، وقد استقرت الإبرة في ذراعه وفاحت رائحة المعقمات، أصابه دوار وأحس بأنه صغير ومتعب.

عندها تذكر فتاة «النجوم الذهبية» في حكايات الأخوين غريم، التي وهبت كل ما تملك حتى قميصها الأخير فتحولت النجوم من السماء إلى عملات ذهبية. ورأى فيها مثالا كاملا للتضحية المثالية بالنفس، مع فارق أن الحياة الحقيقية لا تمطر نجوما مكافأة على الإيثار. ونبهته ممرضة إلى أن عليه أن يفتح عينيه، وخطر بباله الممرضون والمرعون المحترقون مهنيا، والناشطون الذين يستنزفون أنفسهم في قضية نبيلة بأجر هزيل. فاعتذر من الجيران الذين رآهم أقل حاجة إليه، وقرر أن يرسم استراتيجية للكرم أنفع أثرا.

في مطلع يوليو أبلغ نادلة مقهاه المعتاد أنه يرغب في دعوة الزبون التالي الذي يطلب قهوة. لم تفهم النادلة، وحين شرح لها أنه يريد أن يدفع ثمن قهوة لشخص لا يعرفه قالت: «ما أروع هذا»، ثم طلبت منه المال نقدا، فنظام المحاسبة عندها لا يتسع للهدايا. فذهب إلى مكتبة عامة ودس ورقة نقدية من فئة عشرة يورو في كتاب مع رسالة قصيرة إلى من يعثر عليها، يدعوه فيها إلى أن يشتري لنفسه شيئا جميلا، وإن استطاع فليهد غيره لاحقا شيئا ما.

وقد استلهم الفكرة من نيبون مهتا، مبرمج سابق في وادي السيليكون أسس حركة «جيفتيفيزم»، أي النشاط بالهدية. يسعى مهتا ورفاقه إلى تنمية العطاء بمرح ودون تقريع أخلاقي للرأسمالية، لاعتقادهم أن الناس لا يتغيرون إلا حين يستمتعون. ومن استراتيجياتهم مبدأ «الدفع المسبق للآخرين»: أن تدفع لغريب شيئا سلفا وتدعوه إلى أن يفعل مثلك. وقد ظهرت مطاعم أولى تكون فيها الفاتورة صفرا دائما، فما يطلبه الزبون مدفوع سلفا، وهو يدفع بدوره عن ضيف قادم. إنها إيماءات صغيرة غير بطولية يستطيع كل إنسان أن يأتيها كل يوم، ولذلك قد تفعل الكثير. فكل قهوة تهدى إيداع في حساب لا يملكه مصرف، هو حساب الثقة لدى الجماعة.

بعد أسبوعه الأول ناشطا في الهدايا تغير شيء في داخله: خف بخله وقلقه، وفكر لأول مرة منذ زمن طويل: عندي ما يكفي. وبدأ يقرأ جشعه قراءة أخرى، فلعله ليس عيبا في الشخصية، بل علامة على فقدان الثقة بالشبكة الاجتماعية، في الصغير والكبير معا: كلما ظن المرء أنه مضطر لتأمين نفسه وحده، كدس المزيد من الممتلكات. وكلما قلت ثقة دولة بالنظام العالمي، سعت إلى القوة المادية والعسكرية ولو على حساب دول أخرى. فالجشع نتيجة لفقدان الصلة الجماعية ومحرك له في آن واحد، ولعل السؤال الصحيح ليس كيف نروضه، بل كيف نعيد الثقة بين بعضنا حتى تقل حاجتنا إليه.

أما مع ابنه فما زالت المحاولة متعثرة. اشترى مؤخرا هدية لحفل عيد ميلاد طفل، فنجح يانوش في إقناعه بأن يشتري له عنكبوتا مطاطيا بالمناسبة. وفي المساء، وهو يجهزه للنوم، بدأ الصغير يتحدث عن طقم الشرطة الذي رآه في المتجر. قال له الأب إنه يفهمه، لكنهما لا يستطيعان الحصول على المزيد دائما. فكر الطفل قليلا ثم أجاب: يمكننا أن نهدي دميتي الرضيعة، فيصبح عندنا أقل من جديد. فقال الأب: هذه بداية.

تتميز هذه التجربة بصدقها في مساءلة الذات وبسخريتها من تناقضاتها، فصاحبها لا يقدم وصفة جاهزة، ويعترف بأن عطاءه الأول كان تخلصا وأن بعض كرمه كان استعراضا. وهي، مع محدوديتها بوصفها شهادة فردية امتدت شهرين، تلتقي من زاوية أخرى بما استقر في التراث الأخلاقي والصوفي من ربط الفلاح بالتحرر من شح النفس: «ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون». ولا يخلو من دلالة أن يصل صحفي اقتصادي إلى أن العلاج لا يكون بالزجر وحده، بل بإعادة بناء الثقة والصلة بين الناس عبر أفعال صغيرة يومية.

عن كاتب المقال: شتيفان شولتس صحفي ألماني ومحرر في قسم الاقتصاد بمجلة «دير شبيغل»، التحق به عام 2008 تزامنا مع انهيار مصرف ليمان براذرز، وكتب منذ ذلك الحين تعليقات نقدية كثيرة عن الجشع والرأسمالية. يكتب في هذا المقال بضمير المتكلم، أبا لطفل في الرابعة وزوجا، ويمزج الشهادة الشخصية بالتحليل الاقتصادي والنفسي. والمقال أولى حلقات سلسلة تعدها المجلة عن «قوة المشاعر في الاقتصاد».

***

د. محمد غاني، كاتب - المغرب

..........................

* نشر المقال الأصلي في مجلة «دير شبيغل» الألمانية، العدد 30 لسنة 2026 (النصف الثاني من شهر يوليو)، قسم الاقتصاد، الصفحات 72 إلى 74

المصدر: شتيفان شولتس، «كيف حاولت أن أكون أقل جشعا»، مجلة دير شبيغل (Der Spiegel)، العدد 30 لسنة 2026، الصفحات 72 إلى 74. هذا التقرير عرض وتحليل بصياغة عربية مستقلة، وليس ترجمة للنص الأصلي.

***

في المثقف اليوم