عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

في المساق الماضي انتهينا مع (ذي القُروح) إلى أنه لا يلزم فنونَ السَّرد شرحُ تفاصيل «المسكوت عنه» على الملأ ليفهم القارئ. بل في هذا فساد في فهم وظيفة الكتابة أصلًا، ووظيفة الأدب. فكما أن مدرسة القراءة التقليديَّة السُّكونيَّة تنتظر من الكاتب أن يُعرِب لها عن تفاصيل كلِّ شيء،  فلا تقتنع بالمقروء إلَّا إذا أعربَ لها عن كل شاردةٍ وواردة، تمخَّضت تلك المدرسة عن مدرسة كاتبٍ شبيه، يُلزِم نفسه بما ليس يلزمها، أن يَشرح للقارئ ويفصِّل. وإذا كان البلغاري (تزفيتان تودوروف Tzvetan Todorov ، -2017) قد ناقش إعاقات (القراءة الشارحة)، فقبلها تأتي إعاقات (الكتابة الشارحة). وهي أُسُّ الإعاقات الأسلوبيَّة، في الأدب خاصَّة. ولقد جاءت نظريَّة التلقِّي عند الأكاديمي الألماني (هانز روبرت ياوس Hans Robert Jauss، -1997)، بمفهومه حول ما يسمِّيه (أُفق التوقُّع horizon of expectation)، ثمَّ لدَى زميله (ولفجانج آيزر Wolfgang Iser، -2007)؛ كي تكافح تلك العقليَّة التقليديَّة في الكتابة والقراءة؛ فتقول إنَّ القراءة استكمالٌ للكتابة، ومَلْءٌ لفراغاتٍ فيها، وإنَّ النصَّ لا يكتمل بكتابته، بل يظلُّ ينمو بقراءة قُرَّائه ومتلقِّيه. وهذا لا يتعلَّق بالأدب دون غيره، وإنْ كان يتجلَّى في الأدب على نحو خاص؛ لطبيعة النصِّ الأدبي، متعدِّدة المعاني والأوجه. على أنَّ الإشكال هنا يتخطَّى بنا الضَّلال عن طبيعة الكتابة والقراءة ووظيفتيهما إلى الدخول إلى دائرة الترويج للمسكوت عنه والإغراء به! فقلتُ:

ـ من جانبٍ آخَر، فإن الحُرمات الثلاث المتعلِّقة بـ(الدِّين والجِنس والسياسة)، ليست في واقعنا العَرَبي أو الإسلامي فحسب، بل هي في كلِّ العالم كذلك، وإنْ بنِسَبٍ متفاوتة، بحسب الخلفيَّة الثقافيَّة، وخاصيَّتي التحضُّر و«التَّبربر».

ـ صدقتَ. وأُمَّةٌ وثنيَّة- كـ(اليابان) مثلًا، على مكانتها الصناعيَّة- لا يمكن أن تكون معيارًا، فيما تُبيح وتحرِّم، لشعبٍ آخَر. ومن ثَمَّ لا يسوغ أن يُستشهَد بها نموذجًا تطوُّريًّا في كشف المحرَّمات مقابل وصف غيرها بالتخلُّف في هذا السياق. ثمَّ لماذا افتراض خطأ مجتمعنا مطلقًا وصواب أيِّ مجتمع آخَر، مهما كان متخلِّفًا من الناحية القيميَّة؟! إنَّ إنكار ضرورة الحذر في التعامل مع بعض «تابوهات» حياتنا يعني إنكار مكوِّنات ضروريَّة في حياة الإنسان والمجتمع. والقفز على هذا ضربٌ من تجاهل الواقع، وتدمير الذات والآخَر، بلا رويَّة ولا حكمة. ولا شكَّ أنَّها تظلُّ مشكلتنا في هذا الميدان تلك الثنائيَّات، التي يرفع كلٌّ شعارَ لافتاته من خلالها ليقف تحتها. فلكيلا نقول بإرضاء المجتمع التقليدي، فلنقل بإرضاء الذات، أو شريحة ما من المجتمع، أو تيار معيَّن، أو إرضاء السُّوق الشرائي، العاطفي والغريزي؛ لأنَّ «القمهور عاوز كدا». وبين هذين البُعدَين تترنَّح ثقافتنا في قراءاتها، بلا منهاج قويم، ولا نيات جادَّة نحو الإصلاح، ولكن بعاطفيَّة ثأريَّة غالبة، متعصَّبة ومتناقضة. وفي الشأن الروائي، تحديدًا، تقفز أسئلةٌ تفرضها الموجة الأيديولوجيَّة، غير الأخلاقيَّة، التي كثيرًا ما تتبنَّى خطًّا تصادميًّا مراهقًا مع المجتمع في أعمالها، فتَخرج بمثابة «بيانات صحفيَّة متشنِّجة» ضِدَّ المجتمع ومؤسَّساته، فلا هي تُضيف إلى الفنِّ الروائي، ولا هي تُعالج قضايا الإنسان والحياة، ولا تُؤدِّي إلى أيِّ هدفٍ نوعيٍّ، أدبيٍّ أو اجتماعيٍّ. وإنَّما هي منشغلة بالتنفيس عن مكبوتات، قد تكون شخصيَّة، من جهةٍ، وبالمتاجرة الإعلاميَّة والماليَّة باسم النهضة الروائيَّة، من جُلِّ الجهات.

ـ هل النموذج الروائي نموذجٌ شرِّيرٌ منحطٌّ بالضرورة؟

ـ لا، ولكن حينما يواجَه كاتبٌ بأنَّ نماذجه- التي يسمِّيها إنسانيَّة- تنصبُّ على نماذج قبيحة، وربما مشوَّهة، تُشيع القبح في النفوس، والفاحشة بين الناس، وتحبِّب الرذيلة، بدل أن تنفِّر منها، وتطبِّع الناشئة على تقبُّل تلك النماذج وتهوين أمرها، والتسليم بسلوكيَّاتها، وربما محاكاتها، يقول لك: هذا هو الواقع المسكوت عنه، ولستُ بمصلحٍ اجتماعي! وهو هنا يُراوغك ليدافع عن بضاعته، من وجه، ولكي يكذب على المتلقِّي من وجهٍ آخَر، بإيهامه بأنَّه إنَّما ينقُد تلك النماذج ويعرِّيها، ولا يبشِّر بها ويسوِّغها في الذَّوق العام!

ـ ثمَّ لماذا التركيز على تلك الشخصيَّات المريضة وحدها؟ لماذا الانتقائيَّة، ما دام الكاتب يصوِّر الحياة والواقع بشموليَّته كما يزعم؟

ـ إنَّ الاختيار وافد العقل والذوق. أم تُرَى الغِنَى النفسي والاجتماعي ليس إلَّا في تلك النفوس المريضة؟ كلَّا! وليس هناك روائيٌّ حقيقيٌّ إلَّا يصوِّر مختلف الشخصيَّات، وبحياد، ولهدفٍ ضِمني. لكن تلك إجابة كاتبٍ صغيرٍ، مربوطٍ في مِذْوَدٍ أيديولوجي، أو على موجة هوًى تجاريٍّ ما، بلا موهبةٍ تؤهِّله لذلك المخاض الإنساني، ولا فِكرٍ يُقيله عن تلك الإجابة المعوقة.

ـ معنى هذا أنَّ من وظيفة الفنِّ التهذيب والإصلاح؟

ـ حتمًا من وظيفة الفنِّ التهذيب والإصلاح. أم تُرى من وظيفته التشويه والإفساد؟! لكن لا تنس أنَّ الكُتَّاب بَشَر في النهاية، ومنهم أنفسهم مرضَى نفسيُّون، ومنحرفون، ومجرمون! فلماذا نفترض أنَّ كتَّاب الرواية متجرِّدون ممَّا يكتبون من أمراض؟ ولا ينفصل النصُّ عن شخصيَّة الناصِّ الذهنيَّة والنفسيَّة، بإطلاق. نعم، قد لا يعبِّر عنها مباشرة، لكنَّ الكاتب مخبوء في ما كتبت يده، شاء أم أبى، بعُقَده النفسيَّة والاجتماعيَّة. ومن هنا تأتي مسؤوليَّة الكاتب، التي لا تنصُّل منها، والتنصُّل إثمٌ إضافي. ولذا فإنَّ أيَّ فنٍّ لا يسعى إلى التهذيب والإصلاح- بطريقته الفنِّـيَّة لا بطريقةٍ واعظةٍ مباشرة- هو عدوان أخلاقيٌّ على المجتمع، ويجب أن يحاسَب عليه قانونيًّا كجُنحة أخلاقيَّة، تقع تحت طائلة القانون.

ـ كلامك يذكِّرني بمقولة «السِّجن تهذيبٌ وإصلاح»! وهنا يجب أن توضح دلالة «التهذيب والإصلاح»، قبل أن يبطش بك الباطشون!

ـ مَن يُصدِّق أنَّ القول بأنَّ الأدب تهذيبٌ وإصلاحٌ تستفزُّ بعض مَن لا يرون الأدب كذلك، إنْ لم يروه بعكس ذلك! وهذا ما حدث بالفعل، حينما ذكرتُ هذه العبارة في مناسبة سابقة! فاستشاط حَرَدًا بعض المعنيِّين والمعنيَّات بالأمر! وحينما نقول إنَّ من وظيفة الفنِّ التهذيب والإصلاح، قد يظهر علينا من يتظاهر بعدم الفهم، فيعمد إلى التدليس، قائلًا: كيف (تَقْصُر) وظيفة الفنِّ على التهذيب والإصلاح؟ وكيف تقول: إنَّ (ما يكتبه المبدع) هو عدوان أخلاقيٌّ على المجتمع ويجب أن يحاسَب عليه قانونيًّا كجُنحة أخلاقيَّة تقع تحت طائلة القانون؟ ويأخذ صاحبنا في التباكي على حُريَّة الإبداع وحقوق المبدعين، وضرورة كشف المسكوت عنه؛ لأنَّه حين كشفنا المسكوت عنه المتعلِّق بشخصه الكريم، زَعِل. وإذ نعود إلى أُفهوم  «التهذيب الإصلاح» المراد ندرك أنه ينبغي أن يكون أرحب من اختزاله في الجوانب التربويَّة وأشمل من المعاني التوجيهيَّة المباشرة، التي يجفل منها الناس لعُقَد طفوليَّة أو اجتماعيَّة أو تعليميَّة. ولذلك أُشِيرَ إلى أنَّ التهذيب المقصود هو «بالطريقة الفنيَّة لا بطريقة وعظيَّة مباشرة». وتلك حُجَّة (أرسطو) على (أفلاطون)، حينما أبان له أنَّ الشِّعر المسرحيَّ أو المسرح الشِّعريَّ يُصلِح ويُهذِّب أيضًا، ولكن ليس بطريقة الخطيب، وإنَّما بأسلوبه الخاص، فلا يلزم أن تكون رسالته مباشرة؛ بل يكفي أن يعرض الجريمة مثلًا- بصورةٍ منفِّرة طبعًا لا دعائيَّة محبِّبة فيها- لينفِّر منها المتلقِّي، وهو ما دعاه بـ(التطهير أو التنفيس: Catharsis). والأمر في هذا واضح، لكنها المغالطات للاصطياد في الماء الصافي.

ـ ألا ترَى أنَّ بعض أرباب الفنون- التي يُفتَرض أنها جميلة- في عالمنا العَرَبي، المنكوب بأبنائه، قد تخلَّى خلال العقود الأخيرة عن قيمتَي الفنِّ: الفنيَّة والأخلاقيَّة معًا.

ـ وكأنَّهم بذلك يقدِّمون الذرائع للقائلين بتحريم الفنون، جملةً وتفصيلًا. إذ لم تعُد تجد في العمل من تلك الأعمال لا جمالًا، ولا متعة، ولا رسالة. بل الأسوأ من ذلك كلِّه أن تبدو رسالة العمل، المنعوت بالفنِّي، منصبَّةً على ترسيخ قَيَمٍ اجتماعيَّةٍ وإنسانيَّةٍ ترفضها العقول السَّويَّة. وباتت الإثارة في تلك الأعمال لمحض الإثارة، مع ما يتمخَّض عن الإثارة من الابتزاز المالي والعاطفي لجمهرة من سُوقة الناس. باتت التراجيديا للتراجيديا، والكوميديا للكوميديا، مع أنَّ هذين الفنَّين- حسب تاريخهما الإنسانيِّ منذ المسرح اليوناني واحتجاجات (أرسطو) على (أفلاطون) لتبرير وظيفتهما التوعويَّة والأخلاقيَّة- كانا أسلوبَين فعَّالَين في التعليم والتربية. يتوسَّلان قوالب ممتعة ومؤثِّرة، من أجل تصوير حياة الإنسان ومعاناته، بهدف بثِّ رسائل تبصِّره وترشده وتحميه. ولم يكونا تجارةً، أو عبثًا طفوليًّا، كحالهما في معظم الدراما العَرَبيَّة. إذ بات تسوُّل الضحك أو البكاء يبرَّر بأيِّ وسيلة، مهما كان الضحك فجًّا ولا أخلاقيًّا، أو كان البكاء من (متلازمات ما قبل الحيض)! ومن الضحكِ نفسه ضحكٌ أخلاقيٌّ ولا أخلاقي؛ فما كان منه ذا دوافع نفسيَّة طبيعيَّة، ووظائف تربويَّة مباشرة أو غير مباشرة، بريئًا من السُّخرية الجارحة أو العنصريَّة، ممَّا نهت عنه الشرائع والمواضعات كافَّة، فهو سلوك إنساني وصحي. غير أنَّ من الضحك، أو إثارة الضحك، ما هو غير أخلاقي، كأنْ يسخر قومٌ من قوم، كما جاء في الآية الكريمة: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا، لا يَسْخَرْ قَومٌ مِن قَوْمٍ، عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ، وَلا نِسَاء مِن نِسَاء، عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ، وَلا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ، وَلا تَنَابَزُوا بِالأَلْقَابِ، بِئْسَ الاسْمُ الفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ، وَمَن لَمْ يَتُبْ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ.» فسمَّت الآية ذلك السلوك «ظُلمًا». وهو ظُلْمٌ للذات والمجتمع معًا. وما يحدث في بعض الأعمال التي تُسمَّى فنِّية يقترف ثلاثة أنوع من الظُّلم، ظُلم الذات، وظُلم الفنِّ بتتفيهه، وظُلم الناس بازدراء قِيَمهم، ومشاعرهم، ومن خلال ذلك ابتزاز جيوبهم وعقولهم ونفوسهم. وما الملهاة العَرَبيَّة في معظمها إلَّا نموذج لواقعنا الثقافي والأخلاقي: من سخرية أهل بلدٍ من أهل بلد، أو أهل منطقةٍ في البلد الواحد من أهل منطقة أخرى، أو من أشخاص، أو طوائف، أو فئات اجتماعيَّة، أو حتى من ذوي الإعاقات والاحتياجات الخاصَّة.

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

وكما تستعملها الاوساط الاخرى[1]

 قبل الخوض في تعريف الثقافة نقول: ان معظم المحاولات التي بذلت لتفسير النمط الثقافي العام بدأت بما يسمى بالوحدة النفسية لبني البشر[2]، أي ان جميع الشعوب المعاصرة تتشابه في الجوانب الاساسية من تركيبها وتجهيزها النفسيين فضلا عن وجود أوجه شبه كثيرة بين ثقافاتها كامتلاك كل ثقافة لغة ومراسيم الجنازات والزواج و...، وذلك بصرف النظر عن الفروق الجسمية والجغرافية القائمة بينها هناك عدة عوامل لعبت دورا مهما في تشابه هذه الثقافات منها انتقال الثقافات عن طريق الهجرة وكذلك عن طريق الاحتكاك والاقتباس. كما يجب ان لا ننسى ان جميع الثقافات تتشابه لان هناك مجموعة من الدوافع الفطرية المتماثلة والتي تحفز الناس في كل مكان على العمل وتوجه سلوكهم في خطوط متوازية. اما الفروق الثقافية بينها فتعود[3] إلى ان الكائنات البشرية رغم التشابه الاساسي بينها، فإنها تستجيب للمنبهات او الظروف المختلفة بطرق متفاوتة.

ان فكرة الثقافة لدى علماء الانثروبولوجيا[4] والاوساط العلمية الاخرى (كما الحال عند رجال الاعمال والاطباء والادباء والفلاسفة و...) تحمل في طياتها فكرة التدخل الانساني، أي اضافة شئ إلى حالة من الحالات الطبيعية او ادخال تعديل عليها.. وهناك عدة مدارس تناولت موضوع التغير الثقافي[5] منها:

1- المدرسة الانجليزية التي نادى مؤسسوها (اليوت ، سمث ، وبري) بمبدأ الانتشار الثقافي أي انتقال معالم الحضارة من مكان ما إلى بقية انحاء العالم.

2- المدرسة الالمانية النمساوية المسماة بالمدرسة الثقافية التاريخية التي تستند إلى فرضيات وضعها العالمان فرتز جرايبنر وزميله فوي وطورها بعدهما الاب شمدت والتي لا تفترض وجود مصدر اصلي واحد للحضارات المختلفة انما يقترحون وجود سلسلة من الحلقات الثقافية.

وتشدد هاتان المدرستان على الصفة التاريخية للثقافة مما ادى إلى ولادة مدرسة ثالثة مناقضة للمدرستين، أي لا تلتزم وجهة النظر التاريخية بل تعني بظاهرة الاستقرار الثقافي فتتخذها اساسا لابحاثها.

في نقاش جرى بين علماء الانثروبولوجيا ومجموعة اخرى من علماء العلوم الاخرى[6] وقف احد الانثروبولوجيين وقال: (ايها السادة ان قدر الطبخ يمثل نتاجا ثقافيا يستوي في الاهمية مع اية قطعة موسيقية من تلحين بتهوفن او موزارت...)، ما قاله الانثروبولجي يذكرني بمقابلة أجرتها احدى المجلات العربية مع زوجة الرئيس اللبناني ألياس هراوي حين قالت: (المرأة اللبنانية تفضل دائما ان يدعو زوجها اصدقاءه إلى وليمة غداء أو عشاء في بيته بدلا من خارجه كي تظهر مهارتها من خلال المقبلات ووجبة الاكل.. اي بمعنى آخر المرأة اللبنانية تريد ان تكشف عن ثقافتها من خلال مهارتها في اعداد قدر الطبخ ومقبلاته.

الا ان احد رجال الاعمال المشاركين في الحوار قال: (اما انا فزوجتي تعتقد ان الشخص لا يكون مثقفا الا اذا استطاع التحدث عن اليوت وبيكاسو و...).

من هنا لا بد ان يتبادر إلى الذهن تساؤل هو: (هل ثمة فرق بين الحضارة Civilization (مجموعة ما ابدعه الفكر من منجزات مادية ومعنوية مثل المعارف والفنون والاداب والاثار) والثقافة Culture (التي هي مجموعة الافكار والعادات التي يتعلمها الناس وينقلونها من جيل لآخر) وللاجابة عن سؤال كهذا لا بد لنا ان نفهم ما يعنيه علماء الانثروبولوجيا في مفهوم الحضارة.. فلو طلبت من عالم انثروبولوجي أن يعرف لك الحضارة لما تردد بالقول: (الحضارة هي ثقافة اهل المدن الذين اتجهوا دائما الى تطوير نمط معقد نسبيا من الحياة.. انهم نجحوا في تطوير لغة مكتوبة) الا ان علماء الاجتماع Sociology يميزون بين الحضارة بوصفها المجموع الاجمالي للوسائل البشرية وبين الثقافة باعتبارها المجموع الاجمالي للغايات البشرية.. وقد يتبادر إلى الذهن (وكما قال أحد الاقتصاديين الذي حضر الندوة) وكان علماء الانثروبولوجيا من خلال كتاباتهم يستخدمون المصطلحين (الثقافة والمجتمع) وكأنهما مرادفتان، الا ان الحقيقة ليست كذلك لان علماء الانثروبولوجيا يعرفون المجتمع بانه (جماعة من الناس تعلم اعضاءها ان يعملوا معا) اما مصطلح الثقافة فيدل (على النمط المميز للحياة التي تعيشها هذه الجماعة) الا ان تعريفاً كهذا غير مقبول لدى الفلاسفة، لانهم يفهمون الثقافة (بانها ضرب من التجريد) اما المجتمع فلا يدل على مفهوم مجرد، أي بمعنى اخر بامكانك رؤية الافراد الذين يتألف منهم المجتمع ولكنك لا تستطيع ان ترى الثقافة او تلمسها.. وبالحقيقة مفهوم كهذا مقبول إلى حد ما، الا ان علماء الانثروبولوجيا يردون على ذلك بقولهم (صحيح انك ترى الكائنات البشرية التي يتألف منها المجتمع الا انك لا تستطيع رؤية الثقافة مثلما لا تستطيع رؤية الجاذبية والتطور. ومثلما لا تستطيع التخلي عن الجاذبية والتطور لا تستطيع التخلي عن الثقافة ايضا، ولكنك وبنفس الوقت ترى الأشياء التي صنعها اعضاء المجتمع وبامكانك ملاحظة التغيرات التي ادخلوها على بيئتهم الطبيعية، تلك التغيرات الناتجة عن التجديدات التي تتسرب إلى الثقافة من الداخل (على شكل اختراعات او اكتشافات) او من الخارج (عملية اقتباس). وكلا الحالتين تعتمدان على ما اذا كان المجتمع يتقبل العنصر الجديد او يرفضه. أي بمعنى آخر ان الثقافة ليست ضرباً من التجريد كما يفهمها الفلاسفة. ان عالم الانثروبولوجيا ينظر إلى الثقافة والمجتمع كما لو كانا موادَ خام، يحاول العالم الانثروبولوجي القاء الضوء على الاشياء التي يشاهدها فعلا ويهمل الجوانب التي لا تستأثر باهتمامه، أي انه يصور كل من المجتمع والثقافة كما يتوصل اليه.

ان كان العالم الانثروبولوجي يفهم الثقافة (كونها تدل على النمط المميز للحياة التي تعيشها الجماعة وتشترك فيها وتنقلها من جيل لآخر) فإن علماء النفس يفهمون الثقافة بانها: (مجموعة من العادات الاجتماعية). علينا الآن ان نتساءل مع علماء النفس ماذا يعني مصطلح العادة؟ علماء الانثروبولوجيا يفهمون العادة: ما يعلق عليها المجتمع آمالاً كبيرة، لان المجتمع لا يقف ابدا موقفا حياديا من ثقافته. الا ان العادة في نظر علماء النفس عملية انتقال الثقافة، من الاب إلى الابن، ومن مجتمع لآخر، وقد تضاف اليها عادات جديدة موازية للقديمة، وعادات مقتبسة موازية للاصلية، وان هذه العادات تتصارع وتتنافس حتى تنتصر العادات الاصلح فيكتب لها البقاء.. وبناءَ على هذه النظرية[7] هناك عملية انتقائية تلعب دورها في الثقافات وهي مماثلة لعملية الانتقاء الطبيعي على الصعيد البيولوجي، كما انها مسؤولة عن نشوء حالات التكيف واستمرارها في الثقافات. الا ان عملية الانتقال في نظر علماء النفس مرتبطة كليا بمفهوم التعليم والتعلم وذلك لان الثقافة ليست غريزية، وانما هي امر لا يكتسب الا بالتعلم[8]. وعلى هذا الاساس يعلل العالم الانثروبولوجي سبب اختلاف الثقافة من مجتمع لآخر استنادا إلى:

1- المواد الثقافية التي تعلم 2- الاوساط التي تعلمها 3- الفترات التي تجري فيها تعلم مهارات معينة

الا ان موضوع التعليم في نظر العالم الانثروبولوجي لا يقتصر على التدريس الواعي او على المفهوم الدارج لهذا المصطلح، فالافراد يتعلمون جانبا كبيرا من ثقافتهم من الايماءات والحركات التعبيرية، ففي التربية تنشأ دوافع مكتسبة لدعم عملية التعليم، والشعور بالاعتزاز والرغبة في تحقيق الشخصية والظفر باحترام المجتمع، اما الاطفال فانهم يتلقون عن طريق التربية تدريبا اجتماعيا ويكتسبون مهارات جديدة وبذلك تزداد قدرتهم على التجاوب والتعاون. اذن الثقافة هي مجموعة من الاساليب التي يكتسبها الفرد بوصفه عضوا في المجتمع، والتي تساعده على التكيف على البيئة الخارجية وعلى العمل مع زملائه. الا ان علماء الامراض العقلية يميلون في تعريفهم الثقافة إلى القول: (ان الثقافة هي وسيلة لكبت طبيعة الانسان الفطرية او عاملا يؤدي إلى اضطرابات عصبية بسبب ما يتطلب من متطلبات ومعاكسات خلال عملية تكييف الافراد على أنماط لا تتلائم في الاصل مع أمزجتهم الفطرية. تعريف كهذا دفع احد علماء الاقتصاد بالتساؤل. هل بامكاننا ان نعرف الثقافة بالوراثة الاجتماعية؟ فرد عليه أحد الانثروبولوجيين (من الحاضرين) نعم ان الكائنات البشرية تملك ارثا إجتماعيا مثلما تملك إرثا بيولوجيا، ان الانسان يكتسب ثقافته مثلما يكتسب جيناته دون ان يبذل أي جهد في التكيف عليها او في مقاومتها. لان الانسان كما وصفه دولارد مجرد ناقل سلبي للتقاليد الثقافية، الا ان سيمونس ينبهنا الى ان دور الانسان لا يقتصر على نقل الثقافة او توفير الوقود لها وانما خلقها وممارستها. وخلاصة القول ان تعريف الوراثة الاجتماعية يشدد على استقرار الثقافة وعلى اثر التقاليد الموروثة فيها.. الا ان تعريفا كهذا يكون ناقصا في نظر علماء الامراض العقلية، فمن وجهة نظر السيكلوجيا الفردية كل تعريف للثقافة يكون ناقصا ما لم يبين لنا ان للفرد دورا فعالا بالنسبة لثقافته، لان ما يلفت الانتباه في الكائن البشري هو انه يسعى إلى فهم نفسه وفهم سلوكه.واستنادا إلى العوامل الاندفاعية المشتركة في السلوك لجميع بني البشر توصل مجموعة من العلماء إلى ان جميع الثقافات تتشابه لان هناك مجموعة من الدوافع الفطرية المتماثلة التي تحفز الناس في كل مكان على العمل وتوجه سلوكهم في خطوط متوازية. كما علينا ان لا ننسى ان الاجزاء الفعلية التي تتالف منها كل ثقافة هي العناصر السلوكية (الحركية والكلامية والضمنية) وان اية وحدة محددة من وحدات السلوك الاعتيادي يمكن ايجادها في مجتمع معين او في عدد من المجتمعات التي تربط بينها صلات تكفي لانتشار التبادل الثقافي بينها[9].

وخلاصة القول نقول ان الثقافة في نظر علماء الانثروبولوجيا تتمثل بمفهومين[10]:

اولا:المفهوم الايضاحي: نجد ان رواد هذه المدرسة يقصدون بالثقافة (عمليات انتقائية تاريخية المنشأ توجه ردود فعل الناس تجاه المنبهات الداخلية والخارجية) هذا التعريف جاء نتيجة للتخلص من عبارة (يكتسبها الانسان بوصفه عضوا في المجتمع) لان هذه العبارة توحي بان الثقافة لا تشير الا إلى ابعاد سلوك الافراد الناجم عن انتسابهم إلى عضوية مجتمع معين اما بالولادة واما نتيجة انضمامهم إلى المجتمع في وقت لاحق.. اذن موضوع الثقافة يفيدنا في تحليل اعمال الافراد (سواء درسناها على اساس جماعي او فردي. وفي توضيح التوزيع الجغرافي للاشغال اليدوية وفي القاء الضوء على التتابع التاريخي. وعلى هذا الاساس يمكن صياغة التعريف على الشكل الاتي[11]:

(نقصد بالثقافة تحديدات تاريخية المنشأ للوضع الذي ينزع الافراد إلى اكتسابه بسبب انضمامهم إلى جماعات معينة او احتكاكهم بفئات معينة تجمعها انماط من الحياة تتصف في بعض نواحيها بخصائص مميزة...) الا ان هذا التعريف يقودنا إلى التساؤل لماذا الاشارة إلى المنبهات التاريخية؟ يجيب احد علماء الانثروبولوجيا من المشاركين في الحوار: (ان عملية الاكل عند الانسان مثلا هي ردة فعل او استجابة لدافع داخلي كالانقباضات المتصلة بالجوع، فضلا عن ثقافة ذلك المجتمع، هذا يعني ان عالم الانثروبولوجي يستعمل عبارة - رد الفعل- بدلا من المصطلح المباشر -الفعل- وذلك لان عبارة رد الفعل يقرب إلى فهمنا الشعور الذي يقترن بالتخطيط الانتقائي الذي نرسمه لحياتنا... وعلى ضوء ذلك يتساءل العالم البايولوجي (هل تعني ان الثقافة تتالف من الطرق المتبعة في مواجهة الاوضاع المتصلة برغبة الانسان في البقاء على قيد الحياة؟) فيجيب العالم الانثروبولوجي نعم من الممكن اعتبار الثقافة كما لو انها شئ يضاف إلى طاقات الانسان البيولوجية الفطرية فهي التي تعلمنا بان البشرية سوف لا تخسر ما يتعلمه الفرد بمجرد موته.. لذا نقول لا يقتصر دور الثقافة على التكيف او على الاسهام في مساعدة الانسان على البقاء على قيد الحياة والواقع انها تلعب احيانا دورا معاكسا تماما لهذا الدور. وعلى هذا الاساس يتوجب علينا ان نستعين بمفهوم الانسجام او الملائمة بالاضافة إلى مفهوم التكيف.هناك جوانب من الثقافة كانت فيما مضى تتصل اتصالا مباشرا بفكرة البقاء، هذا يعني واستنادا إلى علم النفس ان الكائنات البشرية تستطيع ان تتعلم بعضها من البعض الآخر، فلو افترضنا (استنادا إلى علم الاقتصاد) ان مجموعة من اليابانيين اقصوا من بلادهم إلى أمريكا وحل محلهم مستوطنون من الامريكيين البيض، فان الامريكيين قد يطورون بعد عدد من الاجيال مفاهيم اجتماعية متصلة بوضعهم الجديد، قد لا يكون من الصعب تمييزها عن مفاهيم الخاصة باليابانيين اليوم، لانهم سيكيفون انفسهم على الحياة الجديدة بدافع قوى اربعة حددها العالمان سمنر وكلمر وهما - الجوع، الخوف، الحب، الغرور. وكذا الحال مع اليابانيين المستوطنين في امريكا.

بعد كل هذا تأتي الفلسفة لتتسال: اين المحل الهندسي للثقافة، هل هو في المجتمع ام في الفرد؟ هل يمكن باي حال من الاحوال وصف الثقافة بانها سبب أي شئ؟ بالنسبة للسؤال الاول فيه مغالطة منطقية لان الثقافة ليست شكلاً ملموسا قابلاً للمشاهدة، بل هي وصف مجرد لمنازع الفئات البشرية نحو الاتساق في الكلام والافعال والاشغال اليدوية.. اما فيما يخص بالسؤال الثاني نقول ان مصطلح السبب يوحي بوجود قوة مندفعة في اتجاه واحد.. وهذا حسب رأي الانثروبولوجي غير صحيح. نعم ان الثقافة تنتقل من خلال الافراد والاشغال اليدوية، فعلى سبيل المثال لنفترض ان رجلا اصيب بمرض وبائي ناتج عن احد الفيروسات وانه دخل مدينة ما ونقل اليها المرض.. فاذا تسائلنا عن سبب الوباء الذي سينتشر هل هو الفرد ام الفيروس؟ ان كلا الجوابين صحيح لذا نستطيع ان نقول: ان الافراد يمكن ان يصبحوا مضيفين لها، ومن الخطأ ان نقول بان الثقافة هي السبب، لان الثقافة ليست وراثة اجتماعية.. وليست ببكتريا تكتسب في جميع الحالات بالاحتكاك او الملامسة على نحو عرضي خارج عن وعي الافراد واراداتهم.. فعبارة الوراثة الاجتماعية قد تكون غير صحيحة لان الجينات تتخذ شكلا ثابتا لا تتغير منذ اكتسابها للمرة الاولى والاخيرة عند الميلاد بينما تعتبر البكتريا تبعا لناقليها.

ثانيا: المفهوم الوصفي: تسائل احد علماء الامراض العقلية المشاركين في الحوار قائلا : (هل نستطيع القول بان الثقافة باعتبارها مفهوما تعني بوجه عام ما يجمع من تراث الابداع الانساني على مر الاجيال: الكتب واللوحات الفنية والمباني... الخ، ومعرفتنا بطرق التكيف على البيئة الطبيعية والاجتماعية واللغة والعادات واداب السلوك والاخلاق... فاجاب عليه احد الانثروبولوجيين قائلا : ان وصف الثقافة على انها ابداع انساني قد يستهوي خيالنا ويحظى بموافقتنا جميعا.. فكثير من مظاهر الثقافة لا يعبر عنها بالكلام أي انها ضمنية.. فرد عليه الطبيب المتسائل: من الخطأ ان نقول ان الثقافة تتكون من افكار لاننا نعرف من خلال دراستنا المقارنة في طب الامراض العقلية ان هناك اعتبارات خارجة عن نطاق المنطق والاستدلال العقلي. وبهذا يقسم العالم الانثروبولوجي مظاهر الثقافة إلى عقلي (منطقي) وغير عقلي (لامنطقي)، وبهذا يكون التعريف على الشكل الاتي [12]: نقصد بالثقافة جميع التصاميم التاريخية المنشأ التي خططت للحياة، بما في ذلك التصاميم الضمنية والصريحة والعقلية واللاعقلية، وهذه توجد في وقت لو كانت تمتلك قدرة كامنة على توجيه سلوك الناس وارشادهم . من هنا تساءل احد الحاضرين قائلا : لماذا كان من الضروري ان نضمن التعريف العبارة (في أي وقت معين؟ فأجابه احد زملائه: لان الثقافة تكون عرضة لان تخلق او تفقد، ولا يجوز القول بان الثقافة ساكتة او مستقرة كليا.

وخلاصة القول نقول من خلال ما سبق نجد ان الثقافة تعني عند البعض بأعمال الفرد باعتبارها منطلقا لكل ما نصدره من احكام وعند البعض الآخر كانت تنطلق من تجديدات منسوبة إلى الجماعات.. فعلينا ان نهتم كثيرا بالتمييز بين التعاريف الوصفية والتعاريف الايضاحية. ومن خلال ما سبق نجد ان المدرسة الاولى تهتم باعمال الفرد باعتبارها منطلقا لكل ما نصدره من احكام اما المدرسة الثانية فنجدها تنطلق من تجديدات منسوبة إلى الجماعات.

 ***

نزار حنا الديراني

......................... 

[1] المقال سبق وانشرته في مجلة ربنوتا (الرهبنة الصادرة عن الرهبنة الانطونية الهرمزية في العراق عام 2000 .

[2] جورج بيتر مردوك، المقام المشترك للثقافات، الانثروبولوجيا وازمة العالم الحديث ص221.

[3] جورج بيتر مردوك، نفس المصدر.

[4] نقصد بالانثروبولوجيا علم الانسان واعماله ويقسم هذا العلم إلى: (1) الانثروبولوجيا الطبيعية (علم الانسان) وتقسم إلى: أ- الحفريات البشرية (الباليونتولوجيا) ب- علم الاجسام البشرية (السوماتولوجيا). (2) الانثروبولوجيا الثقافية او الحضارية (تتناول أعمال الانسان) وتقسم إلى: أ- علم الآثار القديمة (الارخلوجيا) ب- علم السلالات البشرية ج- علم اللغويات. وسنتاول في مقالنا هذا مفهوم الثقافة عند العلماء الار.خلوجيا (الذين يبحثون في الاصول الاولى للثقافة وفي الثقافات او الاطوار الثقافية المنقرضة) والعلماء الاثنلوجيا (الذين يبحثون في الثقافات الحالية لمختلف الاجناس البشرية)

[5] ملفيل هيرسكوفتر، عمليات التغير الثقافي، الانثروبولوجيا وازمة العالم الحديث ص253.

5 كما دونها كل من كلايد كلكهوهن ووليم هـ. كلي وأعتمدت عليه في درج آراء المتحاورين الواردة في المقال.

[7] المقام المشترك للثقافات، جورج بيتر مردوك ص221 الانثروبولوجيا.

[8] جورج بيتر مردوك، المقام المشترك للثقافات.

[9] جورج بيتر، المقام المشترك للثقافات.

[10] كلايد كلكهوفن، وليم كلي، مفهوم الثقافة ص141 الانثروبولوجيا وازمة العالم الحديث.

[11] كلايد كلكهوفن، نفس المصدر.

[12] كلكهوفن، نفس المصدر.

 

وإن ساد الطغام فكن صبورا

فإن الصبر من شيم الرجال

بهذين البيتين لحنا الأسعد يمكن أن ندخل إلى لوحة (خيول عربية تتقاتل في إسطبل) للرسام الفرنسي أوجين دولاكروا...لا من باب الزينة الشعرية بل من باب المعنى.  فالصبر هنا ليس استسلاما ولا قبولا بالفوضى بل قدرة على الثبات حين تضطرب الأشياء وتخرج القوة من موضعها.

اللوحة في ظاهرها مشهد صراع بين حصانين عربيين داخل إسطبل، لكنها في عمقها امتحان لهذا المعنى: ماذا يفعل الإنسان حين تقف أمامه قوة جامحة لا تطيع يده ولا تنتظر حكمته؟

حنّا بن أسعد شاعر وأديب لبناني من مشايخ الموارنة ولد في نواحي البترون سنة ۱۲۳۵هـ / ۱۸۲۰م، وتوفي سنة ۱۳۱۵هـ / ۱۸۹۸م. من هذا العالم العربي المشرقي تأتي أبياته لتفتح لنا بابا على لوحة فرنسية ولدت من ذكرى مغربية. هكذا لا يعود الشعر غريبا عن اللوحة ولا اللوحة غريبة عن الشعر؛ فكلاهما يتأمل الإنسان حين يواجه الفوضى والقوة والقدر.2777 ahmad

في اللوحة حصانان عربيان يملآن مركز المشهد. حصان رمادي مضاء يكاد بياضه يخطف العين يرتفع بجسده في لحظة توتر قصوى، وحصان داكن يندفع نحوه ككتلة من عضل وغضب. لا نرى صراعا عابرا بل التحاما عنيفا بين جسدين كبيرين في مكان لا يتسع لهذا الانفجار. رأس الحصان الرمادي ملتف وعنقه مشدود وقوائمه في حركة مضطربة؛ أما الحصان الداكن فيهبط فوقه أو يضغط عليه كأن الظل نفسه صار جسدا مهاجما. العنف هنا ليس خارجيا فقط بل يسكن تكوين اللوحة...خطوط مائلة أجساد متداخلة و حركة تكاد تكسر حدود الإطار.

غير أن قوة اللوحة لا تأتي من الخيول وحدها بل من المكان الذي حبست فيه. الإسطبل ضيق...جدرانه خشنة... سقفه منخفض... والهواء فيه ثقيل. في أعلى اليمين نافذة صغيرة يدخل منها ضوء محدود لا يكفي لإنقاذ المكان من ظلمته بل يكفي فقط لكشف الخطر. الملابس المعلقة على الجدران والأدوات المبعثرة على الأرض والظلال الكثيفة... كل ذلك يجعل المشهد إنسانيا وحقيقيا. هذا ليس ميدان بطولة مفتوحا بل غرفة خانقة تحولت فجأة إلى مسرح للفزع. وكأن دولاكروا يقول إن القوة حين تحبس في فضاء أضيق من طبيعتها لا تهدأ بل تنفجر.

أمام الحصانين يظهر الرجال صغارا لا لأن الرسام أهملهم بل لأن ضعفهم هو جزء من المعنى. أحدهم يرفع يده كمن يحذر أو يستغيث وآخر يلوح بعصا وثالث ينكمش في الظل. الرجل الذي يحمل العصا لا يبدو سيدا للمشهد. والعصا نفسها وهي أداة السيطرة المفترضة تبدو هزيلة أمام جسدي الحصانين. هنا تنكشف هشاشة الإنسان حين يواجه طبائع الأشياء في لحظة انفلاتها. فهو حاضر لكنه ليس مسيطرا؛ يرفع يده لكنه لا يوقف العاصفة.

من هنا يصبح بيت حنّا الأسعد مفتاحا حقيقيا للوحة. فالطغام في البيت هم من يعلون حين يضطرب الزمان وينحط الميزان لكن المقال لا يحتاج إلى نقل الكلمة حرفيا إلى الخيول أو إلى الرجال. الطغام هنا حالة لا أشخاص. حالة الفوضى حين تتقدم على النظام وحالة القوة حين تفلت من العقل وحالة الخوف حين يكاد يطغى على الفعل. أمام هذه الحالة لا يكون الصبر ضعفا بل شكيمة. فالذي يصبر لا ينكر الخطر ولا يتظاهر بالسيطرة لكنه لا يسمح للفوضى أن تسلبه وعيه.

أما الضوء في اللوحة فهو بطل صامت. إنه يسقط على الحصان الرمادي لا ليجعله رمزا، بل ليجعله مركز الخطر المرئي. البياض هنا ليس سلاما بل عنف مضاء. وفي المقابل ينسحب الحصان الداكن والرجال والجدران إلى طبقات من البني والأسود والرمادي. هذا التوتر بين الضوء والظل أو ما يعرف بتقنية الكياروسكورو...يمنح المشهد قوة مسرحية. فالضوء لا يهدئ العنف بل يفضحه؛ والظل لا يخفي الفزع بل يضاعفه. كأن اللوحة كلها معلقة بين كشف وكتمان... بين ومضة حياة واحتمال موت.

دولاكروا لا يرسم الخيل ككائنات مستأنسة أو مزخرفة بل كقوى بدائية نبيلة. وهذا من صميم روحه الرومانسية. فالمدرسة الرومانسية في الفن لم تكن تبحث عن النظام البارد وحده بل انجذبت إلى العاطفة والحركة والخطر والغرابة والانفعال.

كان أوجين دولاكروا من كبار وجوه الرومانسية الفرنسية لأنه جعل اللون والحركة والاضطراب وسائل للتفكير في الإنسان لا مجرد أدوات للتزيين. في هذه اللوحة لا يرسم حصانين فحسب بل يرسم لحظة يتراجع فيها العقل خطوة أمام اندفاع الحياة.

وقد ارتبطت هذه الرؤية برحلته الشهيرة إلى المغرب سنة ۱۸۳۲م، حين سافر إلى إسبانيا وشمال أفريقيا ضمن بعثة دبلوماسية إلى المغرب بعد احتلال فرنسا للجزائر. لم تكن الرحلة بالنسبة إليه مجرد انتقال جغرافي بل صدمة بصرية وروحية. رأى هناك عالما مختلفا عن باريس. وقد تركت تلك الرحلة أثرا عميقا في فنه حتى صارت مشاهد شمال أفريقيا جزءا أساسيا من أعماله.

ومن عباراته الدالة عن تلك التجربة أنه رأى في اهل المغرب بلباسهم وهيئاتهم شبها برجال اليونان وروما القدماء. قال بمعنى العبارة:

إن اليونان والرومان هنا على بابي في العرب الذين يلتفون بوشاح ابيض ويبدون مثل كاتو أو بروتوس.

 تكشف هذه العبارة عن افتتانه بالوقار الجسدي والأخلاقي الذي تخيله في الناس الذين رآهم لكنها تكشف أيضا عن نظرة أوروبية رومانسية واستشراقية في القرن التاسع عشر كانت تميل إلى رؤية الشرق فضاءا للأصل. لذلك ينبغي أن نقرأ اللوحة بإعجاب وحذر معا. إعجاب بعبقرية اللون والحركة وحذر من تحويل الشرق إلى أيقونة رومانسية.

وقد شهد دولاكروا أثناء وجوده في المغرب قتالا بين فحول الخيل ترك في نفسه أثرا عميقا. كتب إلى أصدقائه عن ذلك في ۸ شباط ۱۸۳۲م، ورسم له تخطيطا أوليا ودون أن الحصان الرمادي أدخل رأسه تحت عنق الحصان الآخر. لكن هذه الذكرى لم تتحول فورا إلى اللوحة النهائية. ثم بدأ على الأرجح بتنفيذ لوحة (خيول عربية تتقاتل في إسطبل) نحو سنة ۱۸٥۶م وأتمها في حزيران ١٨٦۰م. هكذا تقف بين المشهد الأصلي واللوحة النهائية قرابة ثلاثة عقود.

وهنا يعود الصبر بمعناه الأعمق. فالفنان لم ينقل ما رآه نقلا سريعا ولم يرسمه وهو ما يزال أسير الدهشة الأولى. ترك الصورة تختمر في ذاكرته حتى تحولت من حادثة واقعية إلى رؤية فنية. ثم أجرى عليها تحويلا حاسما فالقتال الذي ألهمه كان في الخارج لكنه وضعه داخل إسطبل. لو بقيت المعركة في الهواء الطلق لأصبحت جزءا من فضاء واسع أما حين أدخلها إلى مكان مغلق فقد جعلها أكثر اختناقا وشراسة. الإسطبل هنا ليس خلفية، بل فكرة... إنه المكان الذي يكشف عجز الجدران عن احتواء ما هو أكبر منها.

وعند هذه النقطة يمكن أن ندخل إلى اللوحة من باب أبي الحسن التهامي:

ومكلّف الأيام ضدّ طباعها

متطلب في الماء جذوة نار

*

وإذا رجوت المستحيل فإنما

تبني الرجاء على شفير هار

*

فالعيش نوم والمنية يقظة

والمرء بينهما خيال سار

هذه الأبيات لا تلغي معنى الصبر بل تكشف حدوده. فهناك فرق بين الصبر على الفوضى وبين الوهم بأننا نستطيع إلغاء طبائع الأشياء. الحصانان في اللوحة لا يتصارعان لأنهما اختارا العنف اختيارا أخلاقيا بل لأن طبيعتهما الفائرة انفجرت في لحظة ضيق واحتكاك. ومن يطلب من هذه القوة أن تكون هادئة في ذروة اشتعالها يشبه من يطلب من الماء جذوة نار. لذلك لا تبدو اللوحة درسا في السيطرة المطلقة بل في معرفة أن السيطرة نفسها لها حدود.

الرجاء المستحيل في اللوحة هو رجاء أن يستطيع الإنسان بعصا مرفوعة أو صرخة خائفة أن يوقف فورا اندفاع جسدين كبيرين تحركهما الغريزة والقوة.

الرجال يقفون على شفير هار...خطوة واحدة بين النجاة والسحق بين الإسطبل بوصفه مكانا للتدريب والإسطبل بوصفه مسرحا للموت. ومن هنا يصبح بيت التهامي عن النوم واليقظة قريبا من المشهد... كانت الحياة اليومية نائمة في مكان مألوف ثم استيقظت المنية فجأة في هيئة صهيل وعضلات وقوائم مرتفعة. والإنسان، وسط ذلك، يبدو كأنه (خيال سار) بين قوتين أكبر منه: قوة الحياة الجامحة وقوة الفناء المتربصة.

لكن التهامي لا ينبغي أن يأخذنا بعيدا عن حنا الأسعد بل يعيدنا إليه من طريق آخر. فإذا كان التهامي يذكرنا بأن تكليف الأشياء ضد طباعها طلب للمستحيل فإن حنا الأسعد يذكرنا بما يبقى للإنسان حين يعترف بهذا الحد... الا و هو الصبر.

لا صبر العاجز الذي يسلم للفوضى ولا صبر الغافل الذي لا يرى الخطر بل صبر العارف بطبائع الأشياء. فالإنسان لا يستطيع دائما أن يمنع العاصفة لكنه يستطيع أن يمنعها من أن تسلبه بصيرته.

لذلك تبدو «خيول عربية تتقاتل في إسطبل» أكثر من لوحة عن حصانين. إنها لوحة عن القوة حين تحبس وعن الجمال حين يصبح خطرا وعن الإنسان حين يكتشف أن أدواته أصغر من الطبيعة التي يحاول تهذيبها. وهي أيضا لوحة عن الذاكرة الفنية... مشهد رآه دولاكروا في المغرب ثم ظل كامنا في داخله حتى عاد بعد سنوات طويلة في هيئة لون وضوء وحركة. وما بين المشاهدة والرسم وبين الخارج والإسطبل، وبين الحصان والإنسان، يتشكل المعنى الأعمق... ليس كل ما نراه يكتمل في لحظته؛ بعض الصور تحتاج إلى صبر طويل حتى تنطق.

ومن هنا يعود البيتان الأولان لا كافتتاحية فقط بل كخاتمة أخلاقية:

وإن ساد الطّغام فكن صبورا

فإن الصبر من شيم الرجال

فهل كان دولاكروا يرسم حصانين يتقاتلان، أم كان يرسم الإنسان نفسه حين يقف بين نار الطبع وفضيلة الصبر؟

***

د احمد عابر

 

يبدو اختفاء الكتاب من موائدنا اليومية أشبه بانسحابٍ صامت للمعنى من قلب الحياة، حيث تتوارى الكلمة خلف ضجيج الاستهلاك، وتُستبدل لذّة التأمل بإيقاعٍ متسارع لا يتيح للوعي أن يرسخ أو يستقر. فالكتاب، الذي كان يومًا طقسًا من طقوس بناء الذات، يغدو اليوم هامشًا في زمن تُصاغ فيه الرغبات وفق منطق العاجل والزائل. هنا يصدق حدس غي ديبور حين اعتبر أن “مجتمع الفرجة” لا يكتفي بعرض الواقع، بل يستبدله بصورٍ تبتلع التجربة الحية، فيتحول الإنسان من قارئٍ للعالم إلى مستهلكٍ لتمثلاته.

ولعل ما يزيد هذا التواري تعقيدًا أن حضور الكتاب لم يعد ينعدم تمامًا، بل يظهر في شكل موسمي، احتفالي، كما لو أن الثقافة نفسها تُستدعى على هيئة حدث عابر. فالمعارض الكبرى، بما تحمله من زخم رمزي، تخلق لحظة كثيفة من الانتباه، لكنها لا تضمن استمرار الأثر خارج زمنها المحدود. وهنا تتبدّى المفارقة: كيف يمكن لوعيٍ يُبنى ببطء أن يُستعاد في لحظات متقطعة؟ إن ما نعيشه، في العمق، ليس أزمة عرضٍ للكتاب، بل أزمة علاقة به، علاقة تتطلب ما سماه بيير بورديو “رأسمالًا ثقافيًا” يُكتسب بالتراكم، لا بالاستهلاك العابر.

ومن جهة أخرى، تتسلل هذه القطيعة إلى بنية اليومي، حيث تتراجع القراءة كفعلٍ حميمي لصالح أنماط جديدة من التلقي السريع، تُعيد تشكيل الحواس وتعيد ترتيب سلّم القيم. فالكتاب يطلب زمنًا داخليًا، نوعًا من الصمت الذي يسمح للذات بأن تُصغي إلى نفسها، بينما تُغري الوسائط الجديدة بانتباهٍ مشتت، لا يلبث أن يتبدد. وفي هذا التوتر، يمكن استحضار مارتن هايدغر الذي رأى أن الإنسان الحديث مهدد بفقدان “الإقامة في اللغة”، أي تلك القدرة على السكن في المعنى بدل المرور السريع فوقه.

أما حين تُنظَّم معارض الكتاب، كما هو الحال في الرباط، فإنها تكشف بقدر ما تحتفي. تكشف هشاشة علاقتنا بالكتاب حين تتحول الطرقات إلى اختناقات، ويصير الوصول إلى المعرفة مشروطًا بمشقة يومية، وكأن الثقافة لا تزال خارج أولويات التنظيم الحضري والاجتماعي. لكنها، في الآن ذاته، تفتح فجوة أمل، إذ تذكّر بأن الكتاب لم يمت، بل ينتظر فقط شروطًا جديدة للاندماج في الحياة.

إن السؤال، في جوهره، ليس لماذا غاب الكتاب، بل كيف تغيّرت شروط حضوره. فالثقافة لا تختفي، بل تتحول، غير أن هذا التحول قد يفرغها من بعدها العميق إذا لم يُعاد وصلها بالتربية والخيال والحرية. ولعل الرهان الحقيقي لا يكمن في كثرة المعارض، بل في قدرة المجتمع على جعل الكتاب عادة يومية، لا استثناء احتفاليًا؛ أن يعود الكتاب إلى الطاولة لا كزينة، بل كحوار مفتوح مع الذات والعالم، حيث تُستعاد إنسانيتنا في بطء القراءة وعمقها. في امتداد هذا القلق حول معنى الفعل الثقافي، ينكشف المعرض لا كاحتفال بالكتاب فحسب، بل كمرآة لاقتصادٍ رمزي تتصارع داخله المواقع والاعترافات. فحين يتكثف الحضور وتتعالى الشعارات، يظهر في الخلف ما يشبه «اللا-مرئي» الذي يحكم توزيع الأدوار: من يتكلم؟ من يُستدعى؟ ومن يظل خارج المشهد؟ هنا تتبدّى ملاحظة بيير بورديو حول الحقول الثقافية بوصفها فضاءات صراع، لا تُوزَّع فيها الشرعية بالتساوي، بل وفق رساميل خفية تُعيد إنتاج الامتياز.

إن ما يُسمّى بـ«الخنق الإداري» وفوضى البرمجة ليس مجرد اختلال تنظيمي عابر، بل عرض لبنية أعمق، حيث تتحول الثقافة إلى جهاز تدبير، وتغدو البرمجة شكلًا من أشكال الضبط لا الانفتاح. وفي هذا الأفق، يمكن استحضار ميشيل فوكو الذي نبّه إلى أن السلطة لا تعمل فقط بالقمع، بل عبر تنظيم الخطاب وتوزيع إمكانات قوله. هكذا يصبح المعرض فضاءً يُنتج فيه ما يمكن قوله ثقافيًا، وما يجب أن يظل في الهامش.

أما مركزة الثقافة، فهي ليست مجرد خيار جغرافي، بل نمط في التفكير يُعيد رسم خريطة الرمزي بين مركز مُكتفٍ بهامشه، وهوامش محرومة من حق الظهور. في هذا التفاوت، تتعمق قطيعة صامتة بين مثقفين يعيشون في «الأطراف» وآخرين يتموضعون في قلب الدائرة، بما يعيد إنتاج ما يسميه أنطونيو غرامشي بالهيمنة الثقافية، حيث لا تُفرض السيطرة بالقوة، بل عبر احتكار تمثيل المعنى ذاته.

وتزداد المفارقة حين تُخصَّص مساحات واسعة من اللقاءات لدوائر محددة من المنظمين أو المتحكمين في البرمجة، فتتحول التظاهرة من فضاء تعددي إلى ما يشبه «حلقة مغلقة» تعيد إنتاج نفسها. هنا يفقد المعرض أحد شروطه الأساسية: أن يكون فضاءً للقاء المختلف، لا لتكريس التشابه. وهو ما يذكّر بنقد يورغن هابرماس لانحراف الفضاء العمومي، حين يتحول من مجال للنقاش الحر إلى مجال مُؤطر بمصالح جزئية.

غير أن أخطر ما في هذا المسار ليس الإقصاء في حد ذاته، بل تحوله إلى نسق مألوف، إلى عادة تُفرغ الاحتجاج من معناه، وتجعل الدعوات إلى إعادة الهيكلة تبدو كأنها صدى بلا أثر. وهنا يتولد السؤال الحاد: هل نحتاج إلى إلغاء المعرض، أم إلى إعادة تخيّله؟ هل الأزمة في الشكل أم في الرؤية التي تنتجه؟

ربما لا يكمن الجواب في القطيعة الجذرية، بل في تفكيك شروط الإمكان نفسها: كيف يمكن تحويل المعرض من حدث مركزي إلى دينامية موزعة؟ كيف يصبح الفعل الثقافي ممارسة يومية لا موسمية؟ وكيف يُعاد الاعتبار للمثقف لا كضيف في برنامج، بل كفاعل في بناء المعنى الجماعي؟

ووفق هذا المنظور، لا يعود المعرض غاية، بل اختبارًا لمدى قدرة المجتمع على إنتاج فضاء ثقافي عادل، حيث لا تُختزل الثقافة في موقع جغرافي أو في أسماء بعينها، بل تنفتح كأفق مشترك، يتسع لاختلاف الأصوات، ويعيد للكتاب وظيفته الأصلية: أن يكون لقاءً حيًا بين ذوات متعددة، لا منصة مغلقة لإعادة تدوير المعنى ذاته. هكذا يتضح أن اختزال الثقافة في موعد موسمي، مهما كان باذخًا، لا ينتج أثرًا مستدامًا، بل يعيد تدوير الأزمة في شكل احتفالي. البديل لا يبدأ من إلغاء المعرض، بل من قلب معادلة المركز والهامش، ومن تحويل الكتاب من حدث إلى ممارسة يومية موزّعة داخل النسيج الاجتماعي. فالثقافة، كما يلمّح أنطونيو غرامشي، لا تُبنى بقرارات فوقية، بل عبر «مثقفين عضويين» منخرطين في حياة مجتمعهم، يصنعون المعنى من الداخل لا من منصات معزولة.

إن استعادة حلم الكتاب تقتضي إعادة زرعه في تربة الأسرة، حيث تُبنى العادة الأولى للقراءة، وفي المدرسة التي ينبغي أن تتحول من فضاء للتلقين إلى مختبر للخيال، وفي الجامعة التي عليها أن تعيد وصل المعرفة بالحياة، لا أن تظل حبيسة التخصصات المغلقة. كما يتطلب الأمر فتح المجال أمام المجتمع المدني ليكون شريكًا فعليًا في إنتاج الفعل الثقافي، لا مجرد متلقٍّ له، عبر مبادرات محلية، مكتبات أحياء، نوادٍ للقراءة، ومنصات رقمية تتيح تداول المعرفة خارج القيود التقليدية.

وفي هذا السياق، يصبح الناشر والكاتب ومدبّر الوسائط الجديدة فاعلين في شبكة حية، لا حلقات معزولة، يتقاطع فيها الورقي بالرقمي، والحضور المادي بالتفاعل الافتراضي، بما يعيد للكتاب ديناميته في زمن التحول. فالمطلوب ليس الدفاع عن شكل واحد للثقافة، بل تمكينها من التعدد، بحيث تصبح القراءة إمكانًا مفتوحًا، لا امتيازًا محدودًا.

وعموما فإصلاح المعرض لا يمكنه أن يكون سوى جزء من رؤية أوسع، تعيد تعريف الثقافة كحق يومي ومشترك، وتحرّرها من الارتهان للمناسبات. حينها فقط يمكن أن يستعيد الكتاب مكانه، لا كسلعة تُعرض، بل كفعلٍ حيّ يُمارس، وكجسرٍ يصل الفرد بذاته والعالم، في أفق مجتمع لا يستهلك الثقافة، بل يُنتجها ويعيشها.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

ماذا لو تصورنا أنفسنا نسير في سوق مزدحم في مدينة يونانية قديمة جنوب إيطاليا سنة 500 ق.م وهي مدينة عاش فيها الفيلسوف اليوناني بارمنديس. انها مكان نابض بالحياة، حيث الشمس مشرقة، والحمير تنقل كل أنواع البضاعة، والناس يتبادلون الحديث حول الزيتون والسلع الأخرى المعروضة للبيع. كل شيء يتحرك، يتحول ويتغير. هذا المفكر بارمنديس الذي حظي باحترام كبير، يتجول ببساطة ليخبرنا ان لا شيء من هذا – لا الحركة، ولا المحادثة الكسولة، ولا أي من التغيير الذي تراه وتسمعه وتشعر به يحدث حقا.

هو يصر، ان الواقع مجرد كتلة أبدية صلبة واحدة من أشياء غير متغيرة. ألا يبدو الامر جنونيا تماما؟ لكن هذا لم يكن مجرد فكرة تافهة. بارمنديس أسقط قنبلة فلسفية أحدثت تموجات في الفكر الغربي، ولا يزال تأثيرها حتى اليوم.

منْ هو بارمنديس؟

عاش بارمنديس في إيليا (فيليا الحديثة)، المستوطنة اليونانية في جنوب إيطاليا. وحسب المعلومات التي توفرت، هو يجب ان يكون شخصية تستحق التقدير في مدينته، وهناك دليل على قيامه بصياغة بعض قوانين المدينة. لسوء الحظ، كل المعلومات التي لدينا عنه تأتي من اقتباسات صغيرة احتفظ بها الكتّاب اللاحقون. مع ذلك، نحن أيضا لدينا مقاطع هامة لقصيدة سُميت "حول الطبيعة"، شكلت الجزء الأكبر مما تبقى من أعمال برمنديس. هذه كُتبت بأسلوب الرحلة الملحمية التي يتم فيها نقل الشخصية لمقابلة الإلهة التي تكشف الحقيقة النهائية. هي ترسم خطا حادا بين الواقع الحقيقي (طريقة الحقيقة) والعالم الفوضوي الملتبس لحواسنا (طريقة الرأي). بارمنديس بدأ حركة فلسفية كلية ترتكز على هذا، مدرسة الايليين جذبت طلابا مثل زينون، الرجل الذي صاغ المفارقات الرائعة مثل مفارقة أخيل الذي لا يمكنه ابدا اللحاق بالسلحفاة ومفارقة السهم الذي يتجمد في منتصف المسافة. زينون كان يبذل قصارى جهده لدعم الأفكار المذهله لإستاذه.(1)

بارمنديس وسؤال ما طبيعة الوجود؟

 نحن نعرف ان هذا السؤال يبدو غريبا. لكن ما هو السر المذهل الذي كشفته تلك الإلهة؟ عندما نبسّط السؤال كثيراً، نأتي الى شيء بسيط: الواقع الحقيقي، الشيء الذي أسماه بارمنديس "الوجود" what Is هو موجود. ولا شك في ذلك، ولا سبيل ليكون عكس ذلك. من جهة أخرى، "ما ليس كذلك" -  عدم خالص، فراغ مطلق – غير موجود. انت لا تستطيع لمسه، التفكير فيه، او حتى الحديث عنه بشكل صحيح. انه يبدو تقريبا كإحساس بديهي، أليس كذلك؟ لكن بارمنديس أخذ هذه الفكرة التي تبدو بسيطة مستخدما منطق بارد وخالص وطوّرها أكثر. هو ادرك انه اذا كان "الوجود" حقا موجود، فلا يمكن ان يكون انبثق من لا شيء (لأن اللاشيء لم يكن هناك لكي ينبثق منه)، ولا يمكنه التحلل الى لاشيء.

ولهذا، فان الاستنتاج الأول هو ان الواقع أبدي. انه أيضا لا يمكن ان يتغير لأن التغيير يعني التحول الى شيء مختلف – يستلزم ان يصبح في "ما ليس فيه" الآن، او اكتساب بعض"اللاوجود"، ونحن أسسنا سلفا ان "اللاوجود" غير موجود. بكلمة أخرى، الواقع يجب ان يكون غير متغير.

 يجب ان نعرف ان بارمنديس جادل أيضا ان الواقع يجب ان يكون شيئا منفردا موحدا. اذا كان الواقع متشظيا، ما الذي يفصل بين القطع؟ هل العدم؟ هذا سيكون غير ممكن، لذا نحن نستطيع الاستنتاج ان الواقع غير قابل للتجزئة وهو وحدة صلبة. لكن ماذا عن الحركة؟ لكي تتحرك، انت تحتاج الى مكان فارغ (عدم) تتحرك نحوه. وهي استحالة أخرى. لذلك، الواقع الحقيقي يجب ان يكون ساكنا دائما.

 العالم طبقا لمنطق برمنديس هو هذه المادة الساكنة الأبدية اللامتغيرة. في تناقض تام مع هيرقليطس القائل ان "كل شيء يتدفق". بارمنديس عارض ذلك بالقول "لا، لا شيء يتدفق، يا صديقي. ثق بالمنطق، حواسك تكذب".

 انت ربما تعتقد، "حسنا، نظرية ملفتة، لكن رغيفي من الخبز تحمّص تواً، الأشياء تتغير فعلا" وبارمنديس سيضع بهدوء خبزك المحمص تحت صنف "طريقة الرأي"، او المعلومات غير الموثوقة التي تغذينا بها الحواس. من السهولة جدا القول فقط ان بارمنديس كان يتحدث سخافة. لكن ذلك الانقسام الحاد الذي وضعه بين الحقيقة التي تكتشفها بعقلك والحقيقة التي تراها بعينيك؟ هو أمر بالغ الأهمية.

افلاطون كان عمليا منغمسا بهذا اللغز. نظريته الشهيرة في الأشكال – فكرة المخططات التامة، الابدية لكل شيء – يبدو كأنه يحاول ان يفهم واقع بارمنديس الساكن الى جانب العالم المتغير الذي نعيش فيه. ومفارقات زينون؟ لاتزال تظهر في كل مكان، تجبرنا للتساؤل ان كانت الحركة والقسمة هي واضحة وصريحة كما تبدو.

لكن هل ان هذه الأفكار اليونانية المحيرة ملائمة اليوم لنا ونحن نعيش في القرن الواحد والعشرين؟ انت ربما ترى ان ذلك ممكنا بطرق معينة. بعض الفيزيائيين ينفقون وقتهم مع أفكار من نسبية اينشتاين تتحدث عن "الكون الكلي"  Block universe فيها يوجد الماضي والحاضر والمستقبل كلها مجتمعة ، بما يجعل شعورنا بتدفق الزمن ليس الاّ خدعة للادراك. ألا يبدو ذلك غموضا بارمنديسيا؟ او لو نظرنا في قوانين أساسية مثل تحوّل الطاقة – انها لا يمكن ان تُخلق او تتحطم، انها يمكن ان تغير فقط الشكل.

كل هذا يشبه الفكرة القديمة القائلة بان الوجود لا يمكن ان يأتي من اللاوجود. الان، هذه ليست خطوطا مباشرة وانما هي تشير الى ذلك السؤال العميق الذي يهتم به بارمنديس: هل العالم الذي نتعامل معه هو الشيء الواقعي، ام ان هناك شيء أغرب بكثير واكثر توحدا وربما اكثر سكونا، مختبئا تحت السطح؟ العلم باستمرار يبيّن لنا أشياء تتحدى حدسنا اليومي، لذا منْ يخبرنا ان بارمنديس لم يكن صائبا في النهاية؟

***

حاتم حميد محسن

.........................

الهوامش

(1) من بين مفارقات زينون مفارقة السهم: يرى زينون لكي تحدث الحركة يجب على الشيء ان يغير الموقع الذي يشغله، وهو يعطي مثالا عن السهم. يذكر انه في لحظة محددة من الزمن، السهم لا يتحرك الى المكان الذي هو فيه، ولا الى المكان الذي هو ليس فيه. هو لا يمكنه التحرك الى المكان الذي هو ليس فيه لأنه لن يمر وقت بعد لكي ينتقل الى هناك، وهو لا يمكنه الحركة الى المكان الذي هو فيه لأنه هو موجود فيه سلفا. بكلمة أخرى، في اية لحظة من الزمن لا وجود لأي حركة هناك. اذا كان كل شيء ساكنا في أية لحظة، والزمن مؤلف كليا من لحظات عندئذ تكون الحركة مستحيلة.

دراسة في الفروق الوظيفية والأخلاقية وأثرها في بناء الدولة

مقدمة: تُعد إشكالية التمييز بين القائد والسياسي والموظف من الإشكاليات الجوهرية في الفكر الإداري والسياسي والدستوري الحديث، لما يترتب عليها من آثار مباشرة في كفاءة الدولة، وطبيعة إدارة السلطة، ومستوى النزاهة والعدالة واحترام المبادئ الدستورية داخل المؤسسات السيادية والعامة.

فكثيرًا ما تختلط هذه المفاهيم في الواقع العملي، لاسيما في الأنظمة التي تُمنح فيها المناصب العليا على أساس التوازنات السياسية أو الحزبية، لا على أساس الكفاءة والقدرة القيادية.

ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين ثلاثة أنماط مختلفة من الممارسة العامة:

القائد السياسي.

السياسي التقليدي.

الموظف البيروقراطي.

ذلك أن اختلاف البناء النفسي والقيمي لكل نموذج ينعكس بصورة مباشرة على طبيعة القرار العام، وعلى العلاقة بالمجتمع، وعلى مفهوم العدالة والرقابة والنزاهة.

أولاً: القائد السياسي ومفهوم القيادة العامة

القائد السياسي الحق ليس مجرد شخص يشغل موقعًا رسميًا في الدولة، وإنما هو شخصية ينبغي أن تمتلك رؤية استراتيجية وقدرة على التأثير المجتمعي، وتسعى إلى تحقيق أهداف عامة طويلة الأمد تتجاوز المصالح الشخصية أو الحزبية الضيقة.

وتقوم القيادة السياسية الحقيقية على مجموعة من المرتكزات الأساسية، من أهمها:

وضوح الرؤية المستقبلية.

الالتزام بالمبادئ العامة

التأثير المعنوي في الجماهير.

امتلاك الشجاعة الأخلاقية والسياسية والقدرة على اتخاذ القرارات الشجاعة فالقائد الحقيقي يتخذ قراراته بناءً على المبادئ والقيم، حتى وإن كانت غير شعبية، خاصة في أوقات الأزمات...

ومن ثم، فإن القائد لا يكتفي بإدارة الواقع، بل يعمل على إعادة تشكيله وتطويره وفق تصور إصلاحي شامل.

وتتجلى القيادة بصورة أوضح في الظروف الاستثنائية والأزمات الكبرى، إذ يظهر الفرق بين من يبحث عن حماية موقعه السياسي، ومن يتحمل مسؤولية القرار ولو كان مكلفًا على المستوى الشخصي أو الحزبي.

ثانياً: القيادة والنزاهة

ترتبط القيادة الحقيقية ارتباطًا وثيقًا بمنظومة القيم الأخلاقية، وفي مقدمتها النزاهة والعدالة واحترام القانون.

فالقيادة، بمعناها القيمي، لا يمكن أن تتعايش مع الفساد المالي أو الإداري؛ لأن الفساد يمثل انحرافًا عن الغاية الأساسية للسلطة العامة، والمتمثلة في تحقيق الصالح العام.

وعليه، فإن القائد الحقيقي لا ينظر إلى أجهزة الرقابة بوصفها خصمًا سياسيًا، وإنما يعدّها ضمانة لحسن سير المرافق العامة، وأداة ضرورية لمنع الانحراف واستغلال السلطة.

بل إن بعض القادة يسعون إلى تعزيز استقلال المؤسسات الرقابية، وقبول خضوعهم الشخصي للرقابة والمساءلة، انطلاقًا من إيمانهم بأن الشرعية الأخلاقية للسلطة لا تقل أهمية عن شرعيتها القانونية.

ثالثاً: السياسي التقليدي وإشكالية البقاء في السلطة

يقوم النموذج التقليدي للسياسي ـ في كثير من الأحيان ـ على إدارة التوازنات والتحالفات والمصالح الآنية بهدف المحافظة على النفوذ السياسي أو توسيعه.

ولهذا يميل السياسي التقليدي إلى:

تغليب الاعتبارات الحزبية على المصلحة العامة.

تبني الحلول قصيرة الأمد.

تغيير المواقف وفق مقتضيات التحالف السياسي.

استخدام الخطاب الأخلاقي بوصفه أداة دعائية أكثر من كونه التزامًا عمليًا.

وفي هذه الحالة تتحول العدالة من قيمة قانونية وأخلاقية مجردة إلى أداة نفوذ ومصلحة، وهو ما يؤدي إلى إضعاف الثقة بالمؤسسات العامة، وتآكل مفهوم المواطنة المتساوية.

ومن أخطر مظاهر الانحراف السياسي إعادة تعريف العدالة بما يخدم استمرار السلطة، من خلال الانتقائية في تطبيق القانون، أو تحويل الحقوق العامة إلى امتيازات مرتبطة بالولاء السياسي.

فالسياسي المنحرف، أو ما يمكن وصفه بالسياسي النفعي أو السلطوي، لا يرى العدالة كقيمة أخلاقية مطلقة أو قاعدة قانونية ثابتة، بل يعيد تعريفها لتصبح أداة سياسية تخدم مصالحه الشخصية أو الحزبية.

يتمحور مفهوم العدالة عند هذا النوع من السياسيين حول النقاط التالية

العدالة هي "إيديولوجيا السلطة": العدل هو ما يخدم استمرارية السلطة ومصالحها.

الانتقائية في تطبيق القانون: يتم تطبيق القوانين بصرامة على الخصوم ("العدالة القمعية")، بينما يتم استثناء الحلفاء أو التغاضي عن تجاوزاتهم.

العدالة كـ "صورة" لا كـ "جوهر": استخدام شعارات العدالة والمساواة في الخطابات العامة لاستمالة الرأي العام، بينما الواقع الممارس يكرّس التفاوت والامتيازات.

تحويل الحقوق إلى "منح": إظهار الحقوق الأساسية للمواطنين على أنها هبات ومكرمات يمنحها السياسي، مما يربط الولاء بالعدالة.

العدالة الانتقائية/المصلحية: تحويل العدالة من "إعطاء كل ذي حق حقه" (مفهوم أرسطو) إلى "إعطاء ما يضمن الولاء".

باختصار، بالنسبة للسياسي المنحرف، العدالة ليست هدفاً، بل هي وسيلة لتحقيق غايات سياسية، حيث يتم طمس الحدود بين الحق والمصلحة الشخصية.

رابعاً: القائد والموظف… الفارق في فلسفة المبادرة

يتمثل الفرق الجوهري بين القائد والموظف في طبيعة العلاقة بالمبادرة والمسؤولية.

فالقائد يمتلك القدرة على صناعة الحلول وابتكار المسارات الجديدة، بينما يميل الموظف التقليدي إلى المحافظة على الاستقرار الوظيفي وتجنب المخاطرة.

ولذلك فإن البيئات الإدارية الجامدة غالبًا ما تُنتج موظفين يتجنبون التفكير النقدي أو الإبداع الإداري، خشية المساءلة أو الفشل أو فقدان الامتيازات الوظيفية.

إن الفرق الجوهري بين القائد والموظف يتمثل في مدى توافر روح المبادرة وعقليتها. فالقائد يصنع الحلول ويبتكر المسارات، أما الموظف التقليدي فيكتفي غالبًا بالحفاظ على موقعه الوظيفي وتجنب المخاطرة.

ورغم الأعداد الهائلة للموظفين في مختلف الدول، فإن الابتكار والإبداع يظلان نادرين داخل البنى الإدارية الجامدة، لأن كثيرًا من الموظفين يتوجسون من طرح الأفكار الجديدة أو تقديم المقترحات الجريئة، خشية الفشل أو التعرض للعقوبات أو العزل الإداري في بيئات يغلب عليها الروتين والمحافظة المفرطة.

ومن هنا نشأ ما يمكن تسميته بـ”العرف الإداري الفاسد”، الذي يختزل فلسفته بعبارة:

“لا تُحرِّك ساكنًا ولا تُسكِّن متحركًا”،

وهو عرف يقتل روح المبادرة، ويحوّل الوظيفة من وسيلة للبناء والتطوير إلى مجرد أداة للبقاء الوظيفي وتجنب المسؤولية.

فالإدارة التي تعاقب المبادرة تكافئ الجمود، وتنتج مع الزمن موظفين يخشون التفكير أكثر مما يخشون الخطأ

وتكمن خطورة هذا النمط في أنه يحوّل الوظيفة العامة من أداة للتطوير وخدمة المجتمع إلى مجرد وسيلة للبقاء الوظيفي.

خامساً: البعد الإنساني في القيادة

لا تقتصر القيادة على امتلاك السلطة أو المهارة الإدارية، بل تقوم أساسًا على البعد الإنساني في التعامل مع الأفراد والمجتمع.

فالقيادة الفعالة تتطلب فهمًا للطبيعة البشرية، واحترامًا لكرامة الإنسان، وقدرة على بناء الثقة والإلهام المعنوي.

ولهذا فإن القائد الحقيقي لا يقيس نجاحه فقط بحجم السلطة التي يمتلكها، بل بمقدار الأثر الإيجابي الذي يتركه في المجتمع والمؤسسات والأفراد. (1)

خاتمة

إن التمييز بين القائد والسياسي والموظف ليس تمييزًا شكليًا أو لغويًا، بل هو تمييز يرتبط بجوهر إدارة الدولة وطبيعة السلطة العامة.

فليس كل سياسي قائدًا، كما أن المنصب الرسمي لا يكفي وحده لصناعة القيادة.

فالقيادة الحقيقية هي مزيج من الرؤية، والنزاهة، والشجاعة الأخلاقية، والقدرة على الإلهام، وتحمل المسؤولية العامة.

أما حين تتحول السلطة إلى مجرد أداة للبقاء السياسي أو المحافظة البيروقراطية، فإن الدولة تفقد قدرتها على الإصلاح والتقدم، وتدخل تدريجيًا في دائرة الجمود الإداري والتآكل المؤسسي.

ومن هنا، فإن بناء الدول الحديثة لا يعتمد فقط على القوانين والهياكل التنظيمية، بل يعتمد قبل ذلك على نوعية الشخصيات التي تتولى إدارة السلطة العامة، ومدى امتلاكها لروح القيادة الحقيقية.

***

فارس حامد عبد الكريم

بغداد في 2026

..........................

(1) ذكر في التراث الشعبي ان اباً كان ساخطاً على ابنه بسبب سلوكه الطائش وشكوى الجيران من سلوكياته العدوانية ، فكان الاب دائم التوبيخ له ويكرر له القول ان اعمرك "لن تكون ادمي"، فترك الابن البيت وتطوع في الخدمة العسكرية ولم يعد لأهله لسنوات طوال حتى تدرج في الرتب العسكرية والمدنية واصبح لاحقاً قائدا اعلى على مدينته، وهنا ارسل في طلب اباه

فوصل الاب ووجد ابنه يجلس على كرسي الحكم ويحيط به الحرس والخدم والحشم

يخدمونه ويعظمونه..

لم يبد على الأب اي تعاطف او اهتمام

وظل ساكتاً

هنا بادر الابن: اتعرف لماذا ارسلت في طلبك يا أبي

اجاب الاب ببرود: لا

فقال الابن: الا تذكر ياأبي يوم وبختني بشدة وقلت لي لن تكوناً ادمياً في يوم من الأيام، وها أنت تراني الان اصبحت قائداً كبيراً مبجلاً وجماهير الناس تركض خلف موكبي تتوسل بي وتستعطفني املاً في العطاء

ساد الصمت في قاعة التشريفات والتفت الحضور الى الاب

قطع الاب الصمت وقد رفع صوته قليلاً وقال: نعم انا قلت لك انك لن تكون ادمياً وانساناً محترما، ولم اقل لك انك لن تكون قائداً

سكت الاب لبرهة ثم أضاف: زهوك بنفسك يدل على انك لم تتغير ابداً.

تُعدّ مناهج البحث العلمي من أهم المواد التي تسهم في بناء شخصية الباحث وتشكيل وعيه العلمي؛ إذ لا يمكن لأي مشروع بحثي أن يحقق أهدافه ما لم يستند إلى رؤية منهجية واضحة تضبط خطواته وتوجّه مساراته، فالبحث العلمي ليس مجرد عملية جمع للمعلومات أو تنسيق للنصوص، بل هو منظومة متكاملة تبدأ من اختيار الموضوع وتنتهي بصياغة النتائج وفق أسس علمية دقيقة.

ومن هنا تبرز أهمية تدريس مادة «منهج البحث العلمي» بوصفها المدخل الرئيس الذي يتعرّف من خلاله الطلبة على آليات البحث وضوابطه، ويتدرّبون عبرها على ممارسة العمل البحثي بصورة منهجية، فكل بحث جديد يكتبه الباحث يضيف إلى خبرته العلمية مهاراتٍ جديدة، ويمنحه قدرة أكبر على التعامل مع المصادر وتحليل النصوص وتقويم الآراء.

غير أنّ الملاحظ في كثير من الأحيان أنّ تدريس مادة منهج البحث ينصرف إلى التركيز على بعض الجوانب الشكلية والإجرائية، كطريقة كتابة اسم المؤلف، وهل يُقدَّم الاسم أم اللقب، وهل يُذكر الجزء بالحرف أو الرقم، ومتى توضع الفارزة المنقوطة، وما نوع الأقواس المستخدمة في الاقتباس، إلى غير ذلك من التفاصيل الفنية المرتبطة بإخراج البحث، ولا شكّ أنّ هذه الأمور مهمة، وينبغي للباحث الإلمام بها؛ لأنها تمثل جزءًا من البناء العلمي للبحث، إلا أنّ المشكلة تكمن في تحوّلها أحيانًا إلى محور الاهتمام الأساس، مقابل إغفال جوانب أكثر عمقًا وأشدّ تأثيرًا في تكوين الباحث العلمي.

فثمّة مهارات منهجية وتطبيقية ينبغي أن تحظى بعناية أكبر داخل مقررات مناهج البحث؛ لأنها تمثل الأخطاء الأكثر شيوعًا بين الباحثين، ولا سيما المبتدئين منهم، ومن أبرز هذه المهارات:

أولًا: التمييز بين المصادر الأصلية والثانوية

من الأخطاء الشائعة أن يعتمد الباحث على النقل من المصادر الثانوية من دون مراجعة المصدر الأصلي، الأمر الذي قد يؤدي إلى نقل النصوص بصورة مبتورة أو غير دقيقة، لذا ينبغي أن يتعرّف الطالب منذ المراحل الأولى على أهم المصادر المعتمدة في تخصصه، وأن يمتلك تصورًا عامًا عن أمهات الكتب في مجاله العلمي.

فطالب العلوم الشرعية ـ على سبيل المثال ـ يحتاج إلى معرفة المصادر الأساسية في الفقه، وأصول الفقه، وعلوم القرآن، وعلوم الحديث، والمنطق، والفلسفة، وعلم الكلام، وغيرها من العلوم المرتبطة بتخصصه؛ لأنّ الجهل بالمصادر الأصلية يضعف البناء العلمي للباحث ويجعله أسيرًا للنقولات غير المباشرة.

ثانيًا: فهم الاصطلاحات الخاصة بأهل الاختصاص

تتضمن الكتب العلمية، ولا سيما التراثية منها، اصطلاحاتٍ وتعابير خاصة قد ترتبط بالسياق العلمي أو بالبيئة الدراسية للمؤلف، ومن ذلك استعمال عبارات مثل: «سيدنا الأستاذ»، أو «شيخ الطائفة»، أو «شيخ الشريعة».

وكثيرًا ما يقع الباحث المبتدئ في خطأ نقل هذه التعابير كما هي من دون التفات إلى خصوصيتها؛ فينقل عبارة «سيدنا الأستاذ» مثلًا، مع أنّه ليس من تلامذة ذلك العالم، مما يجعل العبارة فاقدة لدقتها العلمية، ولذلك فإنّ فهم اصطلاحات أهل الفن يُعدّ جزءًا مهمًا من الوعي المنهجي الذي ينبغي أن يكتسبه الباحث.

ثالثًا: التمييز بين كلام المؤلف وكلام المحقق

من المشكلات التي تتكرر في التعامل مع الكتب التراثية المحققة عدم التفريق بين نص المؤلف الأصلي وتعليقات المحقق أو تعليقاته التوضيحية، وقد يؤدي ذلك إلى أن ينسب الباحث رأيًا أو تفسيرًا إلى صاحب الكتاب، مع أنّه من إضافات المحقق المعاصر.

وهذا النوع من الأخطاء قد يسبب إحراجًا علميًا للباحث، ويكشف عن ضعف خبرته في التعامل مع النصوص التراثية، لذا فإنّ تدريب الطلبة على قراءة الكتب المحققة والتفريق بين مستويات النصوص فيها يُعدّ ضرورة منهجية لا غنى عنها.

رابعًا: الالتفات إلى اختلاف الطبعات

لا تقف أهمية التعامل مع المصادر عند مجرد الحصول على الكتاب، بل تمتد إلى ضرورة معرفة طبعاته المختلفة، وما قد تتضمنه من إضافات أو تعديلات، فكثير من المؤلفين يضيفون في الطبعات اللاحقة معطيات جديدة، أو يقومون بتعديل بعض آرائهم، أو تصحيح أخطاء وردت في الطبعات السابقة.

ومن هنا فإنّ اعتماد الباحث على طبعة قديمة من دون مراجعة الطبعات الأحدث قد يفوّت عليه معلومات مهمة أو تحديثات علمية ذات قيمة.

خامسًا: التعريف بالمصطلحات من مصادرها التخصصية

من القضايا التي ينبغي الالتفات إليها عند كتابة البحوث العلمية طريقة تعريف المصطلحات، فليس من المنهجية الصحيحة أن تُعرّف المصطلحات اعتمادًا على أي معجم عام أو مصدر غير تخصصي، بل ينبغي الرجوع إلى الكتب المختصة بالحقل العلمي الذي ينتمي إليه المصطلح.

فالمصطلح الحديثي يُرجع فيه إلى كتب مصطلح الحديث، والمصطلح الأصولي إلى كتب أصول الفقه، والمصطلح الفلسفي إلى المصادر الفلسفية، وهكذا لأنّ لكل علم بيئته الخاصة التي تمنح المصطلحات دلالاتها الدقيقة.

وهنا نصل إلى مسألة جوهرية، وهي أنّ مادة منهج البحث ليست مادة نظرية فحسب، بل هي مادة تجمع بين الجانب النظري والتطبيقي، غير أنّ المقصود بالتطبيق لا يقتصر على مجرد ممارسة الكتابة، بل يشمل تدريب الباحث على كيفية التعامل مع المصادر، وفهم النصوص، واكتشاف الفروق بين الطبعات، والتمييز بين الآراء والتعليقات، ومعرفة طبيعة المصطلحات واستعمالاتها.

إنّ الباحث الحقيقي لا يُبنى عبر حفظ القواعد الشكلية فقط، وإنما يتكوّن من خلال الممارسة الواعية للتعامل مع المادة العلمية، والقدرة على قراءة النصوص قراءة نقدية دقيقة، ومن هنا فإنّ تطوير مادة منهج البحث ينبغي أن يتجه نحو بناء «العقلية البحثية» لدى الطالب، لا الاكتفاء بتعليمه طرائق التنسيق والإخراج الفني.

فبين حدود الممكن في الواقع الأكاديمي، وتطلعات المأمول في صناعة الباحث الكفوء، تبقى الحاجة قائمة إلى إعادة النظر في آليات تدريس مناهج البحث، لتكون أقرب إلى صناعة الباحث القادر على التفكير والتحليل والنقد، لا مجرد كاتب يجيد تنسيق الهوامش وترتيب الفواصل.

***

الدكتور علي جعفر محمد الرماحي

كلية الفقه – جامعة الكوفة

كل الكلام، حكيا كان أو كتابة، تجمعه الصّورة، لو اجتمع كل كتاب العالم ليكتبوا، ما وفَّت كتباتهم، نثراً أو شعراً، ولا أتتْ بما تأتي به الصّورة، قاسيّةً أحداثُها أو مُفرحة، لأنّنا قد ننسى الحظة بتفاصيلها فضاءاتها وناسها وروائحها، لكن الصّورة، بأمانتها، أبداً لا تنسى، حين نقف أمام مشهدٍ ما، تُشَغّل الذّاكرة آلياتها العصبيّة لتُخرجه من ظلماتها إلى زمن الحكي والتّذكّر.

قد يُسقطُ الحكي بعض التّفاصيل، قد يُحرّفها، أو يكذب فيها، عمداً أو نسياناً، لكن الصّورة بقوّتها وصدقها تحضر، تُظهر زيف الحكي، لأنّها حين سجنتها الذّاكرة في تجاويفها وسراديبها، أوقفت العالم وعطّلت حركته، ليشهد من دون زيادة أو نقصان، وينتبه الكلام، حكياً كان أو كتابة، أن الصّورة أقوى منه وأصدق في مضائها حين تقطع بين الصّدق والزّيف.

تحضر الصّورة حين تذوي الذّاكرة أو تتعطّل، أو حين يصعُب عليها استدعاء تفصيل محدّد، لتُلملم تفصيلات مهما صغُرت، وتخوض مع النّسيان معركة صعبة، وهي تُحاول محْوَ أحداث أو تفاصيل قد لا ينتبه الحكي لها، لتكون الغلبة للأقوى، والصّورة، في هذا المقام، هي الأقوى بحضورها، وصدقها وتسجيلها أدق التّفاصيل، دقيقةَ كانت أو كبيرة، لتحيى الذّاكرة من جديد وتنتعش آليات الاسترجاع فيها، ويستعيد الكلام همَّته ويُساوق أحداث الصّورة لحظة بلحظة، باعثاً في زمنها الماضي، مهما بعُد، حاضرا يرتكز على لحظة التذكُّر والاسترجاع، يرافق ذلك مقامات الحكي تأثيرا وتأثّرا، ما يجعل للصورة روحا تُحيي الذاكرة، رغم تغيُر المكان والزّمان والنّاس، لأنها تحتفظ بمعالمها الأولى، بروح لحظتها التي وقف عندها الزّمن والمكان بملامحهما، وتفاصيل الأحداث، فينبعثُ الكلام حيّاً يُحيلُ الماضي حاضرا دائما، والذكرى حدثاً يُعاش من جديد.

الصورة، ما نَحملُه بداخلنا، شاهدةٌ لِلَحْظة مقتطفة من زمن مضى، تحمل ما كنا عليه، أو ذِكرى سُجِّلت، مرَّت بنا في مكانٍ ما، في زمنٍ ما، كُنا أو لم نكن جزءاً منها، حضورا أو شهودا. قد نكونُ في الصّورة حضورًا يبني تفاصيلها، أو نكتفي بالمشاهدة والتسجيل بعيدا عن أحداثها، فنُحيي لحظةً من لحظاتها ضدّاً على النّسْيان والتّواري خلف جِدار الصّمت، لأنّها أصبحتْ منا، تحمل أشيائنا، وتعيد بعضاً منّا إلينا.

تتعب الذّاكرة من حمولتها، ومن سطْوة المحو التّلاشي، وتبْقى الصورة وحَفْرِياتها عالقةً في ثناياها، عميقا في دواخلنا تأْبى أن تنمحي أو تندثر أو تتلاشى، تسكن حيّزا منّا وتُصبح أثراً يظهر ويختفي كلما هبّتْ نسمةُ ذِكرى تُعرّي ما علق بها من نسيان وإهمال، ولأنها "مفاتيح نلتقطها لتفتح لنا أبوابا في الذاكرة قد أغلقها النسيان"1، لتبعث فينا لذّة التذكر والاسترجاع، فينْتَعشُ الحكْيُ ويغوص بعيدا في المعاني والمواقف والشخوص المؤثثة لفضاء الصورة، يبعثُها من جديد، فرحة تُحيي فينا لذّة التّذكّر، كما قد تبعثُ فينا ألمَ التّذكُّر، فتجلدُنا حقيقتها التي ـ كنا ـ  نحاولُ نِسيانَها.

الصورةُ تأريخٌ لِلَحظةٍ مضتْ، تسلّلَتْ بحمولتها وتفاصيلها من بين أيدينا، واتخذت رُكناً قصِيّا فينا، وتكوّمت أحداثاً تعيش بياتها، تنتظر ساعة ظهورها لنعيشها من جديد، لحظة لا نملكُ لها ترميما أو رُتوشاً أو توْضيبًا، لأنها الحقيقة الوحيدة التي تَحفظ بداخلنا كل حمولاتها التي لا يمكنُ مراوغتها أو خداعها، لأننا حين سجّلْناها، ملكتْنا وانبرتْ رُكنًا عميقًا من ذواتِنا، مخبوءة في أرشيف الذاكرة بعد عزلها بسبب زحمة الحياة، تنتظِرُ لحظةَ الخُروج بآلامها وآمالها، بِأفراحِها وأحزانها، بلذّتها ومرارَتِها، فما كان ميتا يُصبح حيّاً، وما كان منسيا يسْتفيق ويتحرك ليُعيد إلينا جزءاً منا.

الصّورة ولادةٌ حين ننظر إليها، فتعود للظُّهور الملامح والإرهاصات وتوجّعات الولادة، وتنطلق الشرارة لنقْتنصَ لحظاتٍ سكنتْنا وحاولنا نِسْيانها، أو كنّا شهوداً على أحداثها، فاعلين أو مُتفرّجين، نتعقَّبُ أثرها، ونُعيد تفاصيلها ولحظة اقتناصها، يكفي أن نتذكّر، فينهال شلال الحكي كأنك ترى الحدث، الصورة، عيانا، فتعيش اللحظة حاضراً بكل حمولاتها.

الصورة حكايةٌ بتفاصيلها الدقيقة المُعلنة وغيرِ المعلَنة، نظرةٌ إليها فتنطلق الشرارة تضيئ جوانب الذاكرة فينقشع ضباب النسيان، أو يشتعل فتيل التذكّر، فتطفو على السطح الأحداث شريطا ساعةَ الحَكْي، فيُؤثث جوانبها التي غَيِشها الغبشُ أو النّسيان أو الإهمال، أو تعمُّدُ دفْنٍ وإقبارٍ فتسكنها الحياة، وتتغشّاها الحركة، وتتلبّسُها الألوانُ والكلمات، وتُفتَح الأقفالُ فيُزهر التذكّر فرحاً بألوانها وتفاصيلها واحداثها وفضاءاتها وشخوصها وحركاتها، وتُعيدها إلينا بعد انفصالٍ عنّا، فتتدافع التفاصيل وتتزاحم وتتنادى مكونة تلك الصورة النائمة والتي وافقت العين والعقل والتّذكر، فتظهر من جديد، لنعيش نفس اللحظات بفارق بسيط هو الزمن، زمن الحدث وزمن التذكر، لأن التذكر يستجلبُ الماضي ويبني الأحداث ويُركّبها كمُرْبِكة، ليُعيدَها أمامنا مشاهدَ حية في زمن حاضر نعيشه الآن.

الصورة ضد النسيان، ضدّ الموت، الصورة حياة تضجُّ بالحياة، تبرُقُ كذكرى في ظُلمة النسيان، تُعيد الأحداثَ إلى سطح الذاكرة، فتتَّضح المعالم وتنشط الجوارح، وتتفتّقُ الأحاسيس وتتمازج وتفيض التّفاصيل، فيظهر المخبوء المتربص بنا في دواخلنا، وتدمع العين أو يبتسم الثّغر، أو ينكسر القلب كمَدا وحسرة، ونقف فجأة، وجها لوجه أمام ذاكرتنا، فتجتاحنا الصّورة كموجةٍ عاتية ظننّاها همدت، أو سكنت ركنا مظلما منا، أو اختفت بسبب الصور التي تراكمت مع مرور الزمن، لكنها هناك، نائمة في ركن من الذاكرة كفتنة تنتظر شرارةً توقظها وتبعث فيها الحياة، فتنهض من سباتها مستنفرةً طاقاتها مستحضرةً مؤثثاتها، لتنهض من جديد والأعين تتفحّص جوانب الصورة لتعيد بناء اللحظة كلاما يُحكى.

الصورة تؤكّد أنه كان هناك حدث ذات يوم، فهي الشاهد على ضياع اللحظة أو نسيانها، وهي ترميم للفقد والحقيقة الوحيدة المتبقية، فتصبح هي الواقع والأصل والذاكرة ظل لها، بل بقوتها تفرض علينا ما نتذكّره وتعيد إلينا ما نسينا، وتفتح الأبواب المغلقة في وعينا. نحن لا نستدعي الذكرى بوعينا، بل الصورة هي التي تقتحم نسياننا، يكفي تفصيل صغير في زاوية الصورة يعمل كشرارة كهربائية تعيد بناء المشهد بأحداثه بل بروائحه، وحرارته جوه، وصخبه وحتى الشعور الذي كان يغمرنا ساعتها، لأن العقل ينسى الهوامش والتفاصيل الصغيرة والصورة تحفظها لتمنح الذكرى واقعيتها وحميميتها.

الصورة تحمل من الألم ما يذكّرنا بأن اللحظة لن تعود أبدا، وأن الزّمن لن يعود ولن يكرر نفسه، فهي لا تحفظ اللحظة كما عشناها، بل تحفظ أثرها، فالأشخاص تفرقوا وابتعدوا، والأصوات اختفت والروائح التي كانت تربطنا بالمكان تلاشت، لتبقى الصورة شاهداً يؤكد حضوراً وقع ذات مرة، فتمنحنا الشعور باللحظة فقط.

***

عبد الهادي عبد المطَّلب - الدار البيضاء/المغرب

...........................

1 ـ بشاير الشيباني ـ شاعرة وأديبة كويتية .

اذا قيل لنا اننا سنعيش حياتنا في دورة لا متناهية من العود الأبدي تماما كما كانت في كل مظهر وفي كل حدث، كل ألم وكل مرح، مرة بعد أخرى الى الأبد، هل سيملؤنا هذا الاحتمال بالفرح ام باليأس؟

هذا هو التحدي الذي ألقاه نيتشه بوجه النقاش الفلسفي القديم في الفكر الغربي حول الرغبة الحرة مقابل الحتمية، لتحديد معنى ان تكون انسانا.

افلاطون اختار الإرادة الحرة، معلناً اننا يجب ان نسترشد بالخير، المثال الأبدي، لكي لا نقع في فخ عبودية الانسان للعواطف والرغبة. لكن أليس املاءات الخير ذاته هي شكل من عبودية عليا للحتمية؟ بعد ألفين سنة لاحقة، دعا كانط أيضا للإرادة الحرة، مع التنويه بان جميع أفعالنا يجب ان تكون قابلة للتطبيق العالمي، وهو شرط سمح بالدخول الى الحتمية من الباب الخلفي. هو اتخذ رؤية راديكالية في اننا مقيّدون دائما لقول الحقيقة، حتى لو جعلنا ذلك شركاء في الجريمة.

وفي التعاليم الفيدانتية vedantic teaching، يضع مفهوم الكارما (نصنع أنفسنا من خلال ما فعلناه) حدودا للإرادة الحرة من خلال نتائج أفعالنا واخطاؤنا الماضية .

بدءاً من ادّعائه الشهير حول موت الإله، وحيث أضعف العلم ومعه العلمانية العقيدة المسيحية، حاول نيتشه اختراع بوصلة أخلاقية تتجاوز الثنائية التقليدية للخير والشر. مسميا الإرادة الحرة بـ "غباء فظ" اخترعها الاستبداد الديني لإثارة الشعور بالذنب لدى البشرية ودفعها الى عقلية العبودية والخضوع، هو دعا الى "إعادة تقييم" ثورية للقيم تعتمد ليس على التدبير الإلهي وانما على رغبتنا الفطرية للقوة، ليس للسيطرة على الآخرين وانما للسيطرة على الذات، لتحقيق سيادة ذاتية والتطور الى الانسان الخارق (ubermensch).

وفي عمله الشهير (عام 1883)، هكذا تكلم زرادشت، والذي هو قصيدة نثرية موجزة بدلا من رسالة فلسفية، طرح نيتشه ثلاث مراحل لمسار إعادة اختراع الإنسانية: الجمل، الذي يحمل أثقال القيم المفروضة، الأسد، المكافح الشرس لأجل الحرية، الطفل، الذي وُلد من جديد كشخص مؤكد للحياة، مؤيد منتصر، بلا أمل في الجنة، ولا خوف من النار، مستعدا لتحمّل الانتصارات ومآسي الحياة الأرضية حتى في وجه الأبدية المتخيلة للعود الابدي.

زرادشت، الرجل الشاب – وهو اسم وهمي مشتق من zoroaster مؤسس الزرادشتية أقدم الديانات العالمية – ينسحب الى ملاذ محصن في جبل ثم يعود الى عالم البشر لنشر رسالته الايحائية في طريقة جديدة للتفكير والحياة للإنسانية لتحقيق الهدف النهائي في الانسان الخارق، ليس في الآخرة، وانما في الحاضر.

هذا التمجيد للإنسان الخارق، الذي اُختطف وشُوّه من جانب النازيين، اسيء فهمه في التقاليد الشعبية وتسبب في ان يوصم نيتشه بالفاشي المتخفِّ، رغم انه كان ناقدا مدى الحياة للاشتراكية القومية ومعاداة السامية.

***

حاتم حميد محسن

 

ملخص: اشتغلت هذه الدراسة على مسألة في غاية الأهمية من الناحية المعرفيّة والمنهجيّة، وهي مسألة أو قضية التأويل. فالتأويل من الناحية المنهجيّة هو وسيلة لكشف الحقيقة الكامنة في جوهر الظاهرة المراد تأويلها، أو هو الوسيلة التي نرمي من خلالها الوصول إلى جوهر النص بعد أن تعددت دلالات هذا النص في الظاهر. وبناءً على ذلك فالتأويل وفق هذا الموقف المنهجي والمعرفي معاً، يجب أن يمتاز بالحياديّة، أي الابتعاد عن المصالح الأنانيّة الضيقة، فردية كانت أو جماعيّة، وكذلك ضرورة الابتعاد عن المواقف المسبقة كالمرجعيات الدينيّة ومفرداتها الطائفيّة والمذهبيّة، وكذلك عن المرجعيات الطبقيّة والسياسيّة والأيديولوجيّة. فالتأويل إذن يهدف في المحصلة كما قلنا، الوصول إلى الدلالة الأكثر ارتباطاً بالظاهرة أو النص المراد تأويلهما.

عناصر الدراسة:

1- مدخل:

2- التأويل في الخطاب الإسلامي ويشمل:

أولاً: التأويل في الفكر السلفي:

ثانياً: التأويل في الفكر الشيعي:

ثالثاً: التأويل عند المتصوفة:

خاتمة:

1- مدخل: بداية وقبل الدخول في توضيح التأويل في الخطاب الإسلامي، دعونا نتعرف على التأويل في علم الاجتماع المعاصر لما له من أهميّة في معرفة التأوي من الناحية العقلانيّة النقدية من جهة، ثم معرفة جهر التأويل في الخطاب الإسلامي عند كل من التيار السلفي السني، والتيار الشيعي (الإمامي)، والتيار الصوفي.

إن التأويل في علم الاجتماع المعاصر برأيي، هو منهج وفلسفة تركز على فهم المعاني الكامنة في نص ما بشكل خاص، إضافة إلى فهم الأبعاد الرمزيّة أو الدلالات العميقة للأفعال الاجتماعيّة بشكل عام، بدلاً من مجرد وصفها ظاهريّاً. ويسعى هذا الاتجاه إلى تفسير "كيف" و"لماذا" يضفي الأفراد معنى على حياتهم وتفاعلاتهم، معتبراً هذا التأويل الفرد ووحدته التفاعلية

محوراً للدراسة.

هذا ويعتبر علم (الهيرمينوطيقا (Hermeneutics)، علم وفن التفسير والتأويل، بالبحث في مبادئ وقواعد فهم النصوص، وخاصة الدينيّة، والأدبيّة، والفلسفيّة. ولقد تطورت هذه المبادئ والقواعد من مجرد مبادئ وقواعد لتفسير النصوص، إلى نظريّة فلسفيّة شاملة لفهم الوجود واللغة والسياق التاريخي والثقافي لحياة الإنسان، محولةً الفهم من مجرد نقل المعنى إلى عمليّة تفاعليّة بين النص والقارئ. (1).

ومن أبرز نقاط التأويل أو علم (الهيرمينوطيقا) في علم الاجتماع هي:

1- فهم الفعل الاجتماعي: وهو التركيز على تأويل المعاني التي ينتجها الأفراد في تفاعلاتهم اليوميّة.

2- التأويل المزدوج: وهو تأويل يشير إلى أن عالم الاجتماع لا يدرس مجتمعاً صامتاً، بل يدرس مجتمعاً يؤول أفعاله بنفسه، مما يخلق تفاعلاً بين لغة الباحث واللغة اليومية للمبحوثين.

3- الفهم العميق مقابل التفسير السطحي: وهنا يتجاوز المنهج التأويلي (الهرمنيوطيقا) التفسير السببي السطحي، ليغوص في السياقات الثقافيّة والرمزيّة للفعل.

4- المبادئ الأساسية: ويعتمد التأويل هنا على فهم سياق (الظاهرة الاجتماعية وفهم المعاني الكامنة وراء السلوك كرمز، كما يربط بين "الفهم" (المعنى) و"التفسير" (الأسباب والنتائج).

التأويل في الخطاب الإسلامي:

أولاً: التأويل في الفكر السلفي:

إذا كان التأويل في علم الاجتماع المعاصر برأيي، هو منهج في التفكير، وموقف فلسفي يشتغل على فهم المعاني الكامنة في نص ما بشكل خاص، إضافة إلى فهم الأبعاد الرمزيّة أو الدلالات العميقة للأفعال الاجتماعيّة بشكل عام، بدلاً من مجرد وصفها ظاهريّاً. أو بتعبير آخر يسعى التأويل إلى تفسير "كيف" و"لماذا" يضفي الأفراد معنى على حياتهم وتفاعلاتهم، معتبراً هذا التأويل أن الفرد والمجتمع وبيئتهما التفاعلية محوراً للدراسة.

فإن التأويل عند السلفية جاء لغةً: مشتق من "الأول" وهو الرجوع، أي إرجاع الكلام إلى أصله ومآله. واصطلاحاً: هو صرف اللفظ عن معناه الظاهر إلى معنى آخر (مرجوح)، يحتمله الدليل لوجود قرينة تقتضي ذلك. ويوصف أيضاً بأنه، بيان المعاني الخفيّة للنص أو كشف حقيقة ما يؤول إليه الأمر.

إذاً التأويل بالمعنى الاصطلاحي وكما بينه السلف: هو صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى آخر مرجوح لوجود قرينة تقتضي ذلك. وبالتالي فالتأويل لا يقطع في الدلالة أو في الاحتمال، بل يسمح بفتحهما للوصول إلى حقيقة ما هو مؤول أو مسكوت عنه فيه. بيد أن مثل هذا التأويل عند السلفيين مرفوض من حيث المبدأ، لأن ما (هو ظاهر) في نصوص الكتاب والسنة يجب القول به، أو العودة إليه عندهم، وهم يقولون بأن فتح باب التأويل يهدم الدين، بحيث يسمح لكل إنسان أن يقول أو يفسر ظاهر الآية والحديث كما يريد، وبالتالي يعمل على استنطاقها بغير المراد منهما. والسلفيون يقولون إن الخوارج والشيعة والمتصوفة وغيرهم، قد مارسوا البدع عندما أولوا قول الله لِمَا أرادوه هم وفقاً لمصالحهم أو فهمهم الضيق، وهم بذلك قد فتحوا أبواب البدع وهي أبواب الشر. وهذا ما يدفع أيضاً إلى التأكيد من قبل أئمة السلفية، إلى ضرورة الاستدلال بالآيات والأحاديث والتقليل من الأخذ بالرأي. (2). وعليه نستطيع أن نقف هنا قليلاً عند مسألة التأويل كما حددها أو فهمها أحد أقطاب الأشاعرة وهو حجة الإسلام " أبو حامد الغزالي ". حيث يشير في هذا الاتجاه إلى ضرورة التزام التأول إن حدث، بثلاثة وصايا أساسيّة يشترطها هو لصحــة هذا التأويل بهــذا المعنى وهي: الوصية الأولى وتتضمن:

1- أن لا يطمــع (المؤول) في الاطــلاع على جميع المعاني المضمنة في باطن النص، فإن ذلك في غير مطمع، وليلتزم قـول الله سبحانه وتعالى: (وما أوتيتم من العلــم إلا قليلا).

2- ولا ينبغي أن يستبعد عرض بعض هذه الأمور على أكابر العلماء، فضلا عن المتوسطين. انطلاقا من قوله تعالى: (ولا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم...)

الوصية الثانية وتتضمن:

أن لا يٌكَذِبَ برهان العقل أصلا، فإن العقل لا يَكْذٌبَ، ولو كـذب العقل فلعله كـذب في إثبات الشرع، إذ به عرفنا الشرع، فكيف يعرف صدق الشاهـد بتزكية المزكي الكاذب؟ و(الشرع شاهـد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع). وإذا لم يكــن بد من تصديق العقل، لن يمكنك أن تتمارى في نفي الجهة عن الله ونفي الصورة (3).

غير أن مشكلة استخدام العقل هنا عند الغزالي، هي المشكلة ذاتها الذي وقع فيها شيخه أبو حسن الأشعري، وهي أن استخدام العقل لا يمارس دوره حراً في تقصي الحقيقة، بل إن دوره يقتصر على تثبيت النص المقدس لا الحكم عليه. وهذا ما أكده في قوله: و(الشرع شاهـد بالتفاصيل، والعقل مزكي الشرع). وهذا الرأي للغزالي يناقض رأي ابن رشد الذي أعطى العقل حريته في إثبات الحقيقة حيث يقول: (عند تعارض الظاهر النصي مع العقل، يجب اللجوء إلى «التأويل» لإعادة فهم النص وفق ضوابط برهانيّة.). أي وفق ضوابط عقليّة.

إذاً يرفض التيار السلفي "التأويل"، أي (صرف اللفظ عن ظاهره إلى معنى مرجوح) في العقائد والصفات، متبنياً منهج إمرار النصوص كما جاءت على ظاهرها، وإثباتها حقيقة بلا تكييف ولا تشبيه. أي يعتمد السلفيون على الأخذ بظاهر النص، ويعتبرون أن الصحابة والتابعين لم يؤوّلوا، ويرون في التأويل "تأويلًا فاسدًا" و"تعطيلاً" للصفات يقع في بدع "الجهمية والمعتزلة" الذين آمنوا بالمنطق وبحرية العقل المنفتح على الحقيقة. (4). وهذا برأي من مآسي الفقه في الإسلام الذي التزم بالنقل والحقيقة المطلقة التي حددها ظاهر النص، ورؤية الفقهاء الذين فسروا النصوص المقدسة وشرعوا للناس من خلال فهمهم وثقافتهم ومناهج تفكيرهم في العصور الوسطى.

ثانياً: التأويل في الفكر الشيعي:

إذا كان الخطاب السلفي (السني) قد حارب التأويل وأقصاه كما بينا أعلاه، وبذلك يكون قد حارب العقل وقدراته في التشريع وكشف الحقيقة، وعليه جاءت محاربتهم للتأويل الذي مارسه الشيعة والمتصوفة. بيد أن التأويل عند الشيعة والمتصوفة، حمل الكثير من الأخطاء المعرفيّة والمنهجيّة كونه وظف لمصالح خاصة ماديّة أو معنوية. وبناءً على ذلك دعونا نتعرف على التأويل عند كلا الطرفين الشيعة والمتصوفة.

لقد ميز الشيعة وخاصة الإمامية منهم، الفرق بين التدبر في القرآن والتفسير والتأويل.

1- إنّ التدبّر هو: الوقوف عند الآيات والتعمّق فيها، وأخذ العبر للعمل بها، فهو في الواقع ناتج عن التفسير والتأويل الصحيحين.

2- أمّا التفسير في الاصطلاح: فهو كشف الغوامض والأستار عن ظاهر القرآن بمعونة شرح الالفاظ والتففه في موارد اللغة واستنتاج المفاهيم والمعاني، خصوصاً بمراجعة المأثور من كلام الأئمة المعصومين، وعلى الأخصّ في مجال تمييز المتشابهات عن المحكمات وبيان المراد منها.

3- أمّا التأويل: فهو في الحقيقة تطبيق المفاهيم والآيات (في الخارج)، أي تعيين المصاديق الخارجيّة لمعاني الآيات. فالتأويل الصحيح يترتّب من ناحية المعنى على التفسير الصحيح. ولا يخفى انّ التأويل الصحيح لا مجال للوصول اليه إلاّ عن طريق الوحي وكلام الأئمة المعصومين.

أمثلة على التأويل عند الشيعة الإمامية:

يُركز تأويل الشيعة للنص القرآني بشكل أساسي على تثبيت عقيدة الإمامة، والولاية لأهل البيت، وتفسير الآيات باطنيًا لتتوافق مع إمامة علي بن أبي طالب وذريته، حيث يعتبر الشيعة أن القرآن نزل بتفصيل الولاية، ولكن تم إسقاطها.

أبرز أمثلة تأويل القرآن عند الشيعة:

آيات الولاية والإمامة: تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ} (المائدة: 55)، يقولون إنها نزلت في علي بن أبي طالب عندما تصدق بخاتمه وهو راكع.

تأويلات "آل محمد" وبني هاشم: روي في التفسيرات الشيعية (مثل البرهان وتفسير القمي) تأويل العديد من الآيات بإقحام "آل محمد" أو "بني هاشم" فيها، مثل تفسير {سلام على يس} بأنها "سلام على آل محمد".

سورة "هل أتى" (الإنسان): الإجماع الشيعي على أن سورة "هل أتى" نزلت بالكامل في حق علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام.

تأويل "بني إسرائيل" بأهل البيت: يرى بعض المفسرين الشيعة مثل القمي أن ذكر "بني إسرائيل" في آيات معينة هو رمز للإشارة إلى أهل البيت. مثل الأيات التالية التي تقول: “وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ”. سورة القصص (5و6).

آية التطهير: قوله تعالى: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا} (الأحزاب: 33)، وتخصيصها بـأهل البيت الخمسة (النبي وعلي وفاطمة والحسن والحسين).

ثالثاً: التأويل عند المتصوفة:

يأتي التأويل عند المتصوفة أسلوب نظر لكشف المعاني الباطنية للنصوص الدينيّة (القرآن والحديث) عبر "الذوق" والفتح الروحي، حيث يتجاوز هذا الأسلوب التفسير الحرفي الظاهري. للغوص نظراً في النص المقدس ودراك أو معرفة الحقائق الإلهيّة عبر الرمز والإشارة، وذلك من خلال ربط ظاهر النص بباطنه في تجربة معرفيّة وجدانيّة (ذوقيّة - عرفانيّة)، تصل العارف بالله، وهذا ما يجسد رحلة العبور من "حرف" النص إلى "حقيقته"

الفرق بين الظاهر والباطن:

يعتبر المتصوفة أن للقرآن ظهراً وبطناً، والتأويل هو الغوص في الباطن الذي لا يدركه إلا "أهل الكشف". أي أهل المعرفة الذوقيّة. فالتأويل الصوفي لا يعتمد هنا على العقل والمنطق فحسب، بل على الذوق والقلب والروح، مما، هذا ما يجعله تجربة فرديّة مباشرة.

أما اللغة الرمزية: فالمتصوفة يستخدمون لغة رمزيّة وإشارات تعبر عن الحقائق الروحيّة الدقيقة، ويصبح التأويل ضرورياً لفهم هذه الرموز.

أهداف التأويل الصوفي:

1- الوصول إلى الله: وتتجسد في تجربة الحب الإلهي والفناء في الله.

2- التأسيس الشرعي: أي إثبات أن التصوف امتداد لعمق الشريعة.

3- كشف الرموز: أي فك رموز اللغة الصوفيّة المجازيّة.

هذا ويعتبر "محيي الدين بن عربي" من أبرز من أسسوا للتأويل الوجودي والمعرفي، حيث يرى النص الديني قابلاً للتأويل بناءً على التجربة الذوقيّة، والجمع بين المعرفة العقليّة والروحيّة. (7).

أمثلة على التأويل عند المتصوفة:

قلنا إن تأويل النص القرآني عند المتصوفة هو "علم الباطن" الذي يتجاوز الدلالة الظاهريّة (التفسير)، إلى إشارات خفيّة تدرك بالذوق والكشف الروحي، من خلال تحويل الآيات إلى رموز تعبر عن تجاربهم الوجوديّة، مثل تفسير "الخضراء" بالقلب و"البحر بالعلم.". هذا ويعتمد هذا المنهج على البحث عن باطن المعاني، ويرتبط بمقامات السالكين إلى الله.

ومن الأمثلة البارزة على تأويل النص القرآني عند المتصوفة:

تأويل الآيات الكونية مثل (قصة موسى) مثلاً:

تأويل: ﴿وَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ﴾ (طه: 12): يؤولها الصوفيّة بأنها "اخلع" الدنيا والآخرة من قلبك، أو اخلع هواك ونفسك، لتبقى لله خالصاً.

أو تأويل: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾ (طه: 12): عند بعضهم (كالقطب الشاذلي) على أنها إشارة إلى "الوحدة" وأن المتحدث والسامع في مقام "الفناء" واحد. أو ما يسمى بالتوحد كما هو الحال عند الحلاج بقوله: (وما في الجب إلا الله).

وهنا تأويل قصص الأنبياء مثل (قصة يوسف):

حيث يتم تأويل "يوسف" عليه السلام رمزياً، على أنه رمز للجمال الإلهي المطلق، أو الروح، أو "الإنسان الكامل".

وهناك تأويل "الجب": حيث يمثل عالم المادة أو البدن.

وهناك تأويل "الرؤيا": وهي الكشف عن الحقائق الغيبيّة.

تأويل آيات الصفات والوجود:

مثل قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (ق: 16). ويؤولها الصوفيّة كدلالة على "وحدة الوجود" (ابن عربي)، حيث لا يرى المتصوف وجوداً حقيقياً إلا الله، وأن القرب هو قرب الذات، لا قرب مكان.

وتأويل: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾ (الأعراف: 143): يؤولونه بأن (الميقات) هو "حضور القلب"، وأن تكليم الله هو "الوحي الباطني" الذي يقذفه الله في قلب العارف.

تأويل الأحكام والعبادات:

مثل الصلاة: لا يكتفي المتصوف بأركانها الظاهرة، بل يؤولها بأنها "معراج" الروح إلى الله، وأن الخشوع هو "الفناء" في المحبوب.

أما الحج: فيؤولونه بأنه "طواف القلب" حول حضرة الحق، وليس فقط طواف البدن حول الكعبة.

تأويل الحروف المقطعة:

يغوص المتصوفة مثل (ابن عربي) في تأويل الحروف مثل (الم، الر، طسم) معتبرين إياها أسراراً إلهيّة ورموزاً لمراتب الوجود، والأسماء الإلهية التي لا يعلم حقيقتها إلا الله والراسخون في العلم.

ملاحظة: يفرق الصوفية بين "العبارة" (الظاهر) و"الإشارة - الباطن" حيث يأت في الظاهر التفسير لعامة المؤمنين، والإشارة لخاصة الخاصة.(8).

خاتمة أو ملاك القول:

إن من يتابع حركة التأول في الخطاب الإسلامي تاريخياًّ إن كان عند الفقهاء أو علماء الكلام، يجد تلك المواقف التي تميل إلى الابتعاد كثيراً عن الحيادية من جهة وعن المنهجية من جهة ثانية، وأن أكثر المؤولين اعتمدوا على اللغة كعامل رئيس في الكشف عن دلالة النص، إن كان لدى السنة في خطابهم السلفي الرافض للتأويل، أو لدى الشيعة والمتصوفة الذين مالوا للتأويل، كما نجد أيضا أن من تعامل مع التأويل من كلا المؤمن به أو الرافض له، جاء موقفه هذا من باب مصالح سياسيّة أكثر منها مواقف عقيديّة، بالرغم من أنهم أعطوا للتأويل لبوساً عقدياً. فالرافضون للتأويل، كان رفضهم من باب الخوف على السلطة من المعارضة الشيعيّة بشكل خاص، أو من باب الخوف من تحريض الجمهور على استبداد السلطة كان المتصوفة العرفانيين كانوا إلى صف الجماهير الفقيرة، أو نتيجة صدام أفكارهم وممارساتهم مع التفسيرات التقليدية للشريعة، أو بسبب مواقف سياسية، وتهم تتعلق بالزندقة أو الهرطقة. ومن أبرز المتصوفة العرفانيين الذين قتلوا (مثل الحلاج، السهروردي، وعين القضاة الهمذاني).

ونظراً لعدم التعامل مع التأويل بشكل حيادي في الحامل الاجتماعي للخطاب الإسلامي، ظهر في الخطاب الإسلامي (73) فرقة، كلها اعتمدت على تأويل أو تفسير النص الديني خارج دلالاته الحقيقيّة التي جاء النص من أجلها من جهة، أو خارج وسائله المعرفيّة العقلانيّة من جهة ثانية.

***

عدنان عويّد

كاتب وباحث وناقد أدبي من سوريا

........................

المراجع:

1- محاولة في تأصيل مفهوم التأويل في العلوم الاجتماعيّة. أنور مقراني. موقع إعداد الكلمة.

2- ( -- المرجع: مقال للدكتور أحمد رشوان – "السلفية قواعد واصول" عن موقع الإسلاميون.)

3- المرجع: منهج الإمام الغزالي في التأويل: دراسة تطبيقية في نماذج من تراثه. حسن هموا – موقع. منار الإسلام للأبحاث والدراسات.).

4- موقع إسلام ويب - منهج السلف، عدم التأويل مطلقاً إلا بثبوت دليل راجح –

5- المرجع (مركز الأبحاث العقائدية. الفرق بين التدبر والتفسير والتأويل.

6- (التأويلات الباطنية من فضائح الشيعة الكبرى - مجلة البيان

15‏/03‏/2026 الباحث كمال مصطفى.).

7- المعرفة الصوفية والتأويل: المرجعية، النسق، والسياق- الرابطة المحمدية للعلماء – المغرب – د. محمد حلمي.

8- العملية التأويل في النص الصوفي - لياس عمروش – موقع asjp.

كيف يتحوّل الصراع على الوجود إلى حرب على المعنى

فرش اشكالي: يروي المؤرخ الإغريقي بلوتارخ أن أفلاطون ركب البحر قبل ميلاد المسيح عليه السلام بأربعة قرون متجهاً إلى سرقوسة، ذهب ليحوّل طاغية صقلية ديونيسيوس إلى فيلسوف. كان يفكر في تحويل السلطة إلى حكمة، والتأسيس لدولة المدينة الفاضلة. انتهى اللقاء بكارثة، فالطاغية لم يصر فيلسوفاً لأنه كان غارقا في بحر الظلمات والشهوات، والفيلسوف كاد يُقتل، انتهى الحال بأفلاطون في سوق العبيد اشتراه أحد تلاميذه وأعتقه. عاد إلى أثينا، وكتب أن الشرور لن تنتهي ما لم يحكم الفلاسفة أو يتفلسف الحكام. وفي بغداد عام 922 للميلاد صُلب الحلاج، كان صوفياً يردد مقولته «أنا الحق». اتهم بانه يسعى لتأسيس سلطة روحية تنافس سلطة الخليفة. وفي قرطبة أواخر القرن الثاني عشر ميلادي، أُبعد ابن رشد عن البلاط واتهم بالزندقة. الفيلسوف الذي قال إن «الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له»، وجد نفسه متهماً. أُحرقت كتبه، لم يُقتل جسده، لكن حوكم وسجن فكره. وفي حلب عام 1191، قتل السهروردي كان في السادسة والثلاثين، مفكر شديد الذكاء واسع الأفق صاحب كتاب حكمة الإشراق، كان يردد أن الحكيم المتأله هو خليفة الله، وأن الزمان إذا حكمه هذا الحكيم صار نوريا، وفي زمننا هذا، كان اللقاء بين ألكسندر دوغين وهو فيلسوف روسي والفيلسوف والسياسي علي لاريجاني. وعندما اغتيل لاريجاني لاحقاً، كتب دوغين: «لقد خضت معه حواراً فلسفياً .… كان لاريجاني حكيماً وعميقاً. لماذا تقتلون الفلاسفة؟ ونحن نتساءل بدورنا:

- لماذا يستبعد الطغاة الفلاسفة من دائرة السياسة والحكم؟

- ما الذي يعنيه أن تتحول رؤية فلسفية إلى مشروع بناء دولة؟

- كيف تفسر ثنائية النور والظلام ما يجري من حروب وتوترات في العالم؟

- لماذا يقصي الغرب اليوم الفيلسوف من المختبرات العلمية؟

- هل يمكن للفلسفة ان ترفع البرازخ التي تحول دون اشراق الحكمة؟

أنطولوجيا النور والبرزخ

عندما أتمّ السهروردي كتابة مؤلفه الأساسي «حكمة الإشراق» في يوم 28 جمادى الآخرة سنة 582 هجرية (الموافق لعام 1186 ميلادية) في ذلك اليوم، لم يكتمل كتابه فحسب، بل تحددت معالم فلسفة كاملة في بعدها المعرفي والوجودي، وكذا السياسي، مغايرة للفلسفة المشّائية في بعض جوانبها والتي كانت سائدة في عصره ممثلة في فلسفة ابن سينا. لقد بنى السهروردي كونًا كاملًا من فكرة واحدة، بسيطة ومرعبة في آن: كل ما في الوجود نور والنور هو الجوهر الوحيد للوجود. كل شيء موجود لأنه مضيء بدرجة ما. لا فرق في الماهية بين حجر وشجرة وإنسان ومَلَك، بل فرق في درجة الإشراق وحدها. ينبثق الوجود كله من نور الأنوار -الله- في فيض متدرج: من العقول المحضة إلى النفوس إلى الأفلاك إلى الموجودات الأرضية. الأنوار العليا قاهرة للأنوار الدنيا: تفيض عليها بالوجود والمعرفة. والأنوار الدنيا عاشقة للأنوار العليا: تتوق إلى الاتصال بها.

وفي هذا النظام الكوني البديع، لا وجود للظلام ككيان قائم بذاته. الظلام ليس شيئًا. الظلام هو برزخ حاجز، ساتر، غشاء يعترض فيض النور فيمنعه عن الوجود أو الوعي. البرزخ ليس عدوًا ميتافيزيقيًا. إنه العائق الذي يحجب، لا القوة التي تخلق. الأشياء لا تقسَّم إلى خيّرة وشريرة، بل إلى ما بلغه النور وما حُجب عنه.

هذه الثنائية -النور والبرزخ- ليست مجرد تصنيف نظري. إنها تحمل في طيّاتها نظرية في المعرفة ونظرية في السياسة معًا. فإذا كانت المعرفة إشراقًا، فإن الحاكم الحقيقي ليس من يمتلك القوة، بل من يمتلك النور. السهروردي يسميه الحكيم المتأله الذي جمع بين الحكمة النظرية والذوق الصوفي، يرى الحقائق مباشرة. هذا الحكيم إذا تولى الحكم، صار الزمان نوريًا. أما إن غاب، وخلفه الطاغية، والفقيه الفقي، والمتاجر بأموال الشعب والعسكري المستبد فإن الزمان يصير برزخيًا.

من الممكن أن نلاحظ وفق استقراء تاريخي هذا التوتر بين الفلسفة والطغيان فطاغية صقلية ديونيسيوس كان واعياً لخطورة الفلسفة وحجم تهديد أفلاطون، لكن برازخ الظلمات وعفن اللذة، كان يحجبان نور الحقيقة، ولو قدر لفلسفة افلاطون ان تتجسد بظهور انوار الحكمة من مشكاة الحق لظهرت التناقضات وتداعى حكم الطغيان. وهذا ما حدث للسهروردي نفسه. كان خطره ليس في كفره المزعوم، بل في نظريته السياسية التي تقول إن الحكم يجب أن يكون لمن يرى النور، لا لمن يرث العرش أو يمتلك السيف.

واليوم لكي نفهم مأساة حاضرنا وتوتر العلاقات الدولية وهذه الحروب، علينا أن نبدأ من اللحظة التي تجمد فيها الزمن سنة 1979 في فيفري من ذلك العام، أطاحت الثورة الإيرانية بالشاه محمد رضا بهلوي، وأعلنت الجمهورية الإسلامية بقيادة آية الله الخميني. وصف ميشيل فوكو هذه الثورة بأنها "الأكثر حداثة والأكثر جنوناً". لم تكن ثورة على نظام سياسي فحسب، بل كانت ثورة على مفهوم الحداثة الغربية ذاته. لقد أكدت أن الدين والهوية والأيديولوجيا الثورية يمكن أن تكون أساساً للحكم. وفي نوفمبر، اقتحم طلاب السفارة الأمريكية في طهران، محوّلين الدولة التي كانت أقرب حلفاء أمريكا في المنطقة إلى عدوها اللدود. وفي الشهر نفسه، غزا السوفييت أفغانستان. كان العام 1979 زلزالاً. لكنه في العمق كان زلزالاً أنطولوجياً: لقد وُلد نظام يرى نفسه "نوراً" في مواجهة "ظلام" الغرب المادي. ومنذ ذلك اليوم، دخلت إيران والولايات المتحدة في حرب وصفها المؤرخان إبراهيم المرعشي وتانيا جودسوزيان بأنها "حرب الخمسين عاماً" – حرب لا يبدو أنها ستنتهي قريباً.

الفلسفة التي صارت دولة

لم يكن صعود الفلسفة في إيران المعاصرة أمراً سهلاً. يروي الباحث محمد الصياد كيف واجه العلامة محمد حسين الطباطبائي، رائد إحياء الدرس الفلسفي في حوزة قم، عنتاً شديداً من المرجع الديني الأعلى حين أراد تدريس "الأسفار الأربعة" لصدر الدين الشيرازي. كانت الحوزة التقليدية تنظر إلى الفلسفة بريبة وعداء. لكن الطباطبائي أصر، وأسس حلقة فلسفية ضمت خيرة العقول التي ستشكل أعمدة النظام: مرتضى مطهري، جواد آملي... وغيرهم.

الأكثر دهشة هو التوليفة التي ورثها الخميني عن مدرسة "الحكمة المتعالية": مزج بين فقه الأصوليين وعرفان ابن عربي وإشراق السهروردي. يسميها الصياد "العرفان القزلباشي"، نسبة إلى مقاتلي الصفويين الأوائل، إنه عرفان ثوري لا مهادن، عرفان يحمل السيف مع السبحة. هذه التوليفة هي التي جعلت من الممكن أن يصبح الفقيه عارفاً، وأن يرتدي السياسي رداء القديس. لقد صارت الفلسفة جهازاً لإنتاج الشرعية، وتحول "الإشراق" من حالة صوفية فردية إلى مشروع دولة.

ما يعنينا هنا هو ما يترتب على ذلك في السياسة الخارجية. إذا كانت إيران دولة "نورانية" بالمفهوم الإشراقي، فإن كل من يقف ضدها ليس خصماً سياسياً، بل هو "برزخ ظلماني" يحجب النور. أمريكا وإسرائيل ليستا قوتين عظميين لهما مصالح متضاربة مع طهران، بل هما حجب مادية تقف في وجه تدفق الإشراق. السياسة الخارجية الإيرانية، إذن، ليست إدارة مصالح، بل إدارة وجود.

والصبر الاستراتيجي الذي طالما أذهل المحللين الغربيين ليس تكتيكاً، بل لاهوت. الزمن الإشراقي هو زمن الانتظار والرجعة. التضحية ليست هزيمة، بل إثبات أن النور لا يُقهر.

لكن من الخطأ تصوير إيران ككتلة واحدة. فهناك، داخل الحوزة نفسها، تيار تجديدي يقوده فلاسفة مثل عبد الكريم سروش ومحمد مجتهد شبستري، يحاول تفكيك البرازخ من الداخل. يحذر سروش من أن احتكار الدولة للثقافة "يُشرعن العنف"، داعياً إلى فصل الدين عن قبضة السلطة. هؤلاء يمثلون "النور الإيراني الآخر"، الذي يرفض أن يكون النور محتاجاً إلى القهر.

مختبر البرازخ المادية

إذا كانت إيران تمثل "البرازخ المؤسّسة" (البرازخ التي تحولت إلى فلسفة دولة)، فإن غزة هي "مختبر البرازخ المادية". هناك، في القطاع المحاصر، تتحول الأفكار إلى قنابل، والميتافيزيقا إلى فوسفور أبيض يحرق اللحم حتى العظم.

في كتابه "غزة: بحث في استشهادها"، يوثق نورمان فنكلستين أن ما جرى ليس حرباً بالمعنى التقليدي، بل هو عملية ممنهجة لخنق الحياة. يكشف "الكذبة الكبيرة": إسرائيل تتعمد انتهاك وقف إطلاق النار لاستفزاز رد فعل يتيح لها شن هجوم مدمر. إنها سياسة "ردع العرب" التي لخّصها أرئيل شارون: "سلاحنا الرئيسي هو الخوف منا".

بلغة السهروردي، هذه هي سياسة "القهر". في عملية "الرصاص المصبوب" وحدها، دُمّر أكثر من 58,000 منزل، ومئات المدارس والمصانع، وانقطع الكهرباء عن مليون إنسان. الفوسفور الأبيض استُخدم في مناطق مدنية مكتظة. الادعاء بأن حماس تستخدم "دروعاً بشرية" فنّدته منظمة العفو الدولية، بينما وثّقت أن الجيش الإسرائيلي نفسه استخدم مدنيين فلسطينيين كدروع بشرية. هذه هي البرازخ: الأكاذيب التي تحجب الحقيقة، الحصار الذي يخنق الحياة، الصمت الدولي الذي يتفرج.

وهنا، في هذه الغرفة المغلقة من الألم، تتجسد "قصة الغربة الغربية" التي كتبها السهروردي: الروح الإنسانية المسجونة في عالم المادة المظلم، تتوق إلى نورها، لكن البرازخ تحاصرها من كل جانب.

كيف أُقصي الفيلسوف من مختبر الحرب

الحرب الجارية بين أمريكا وإيران فتحت أعين العالم على حقيقة مدهشة. إن كبار القادة العسكريين والعلماء النوويين في إيران متجذرون بعمق في الفلسفة الأخلاقية. كان هذا بالضبط هو الحال الفكري للعالم الغربي بأسره قبل مشروع مانهاتن.

قبل أن تُفجَّر أول قنبلة ذرية، كان من شبه المستحيل أن تجد عالماً أوروبياً لم يدرس إيمانويل كانط بعمق. أينشتاين كان يقرأ "نقد العقل المحض" وهو في الثالثة عشرة. نيلز بور، روبرت أوبنهايمر، وأقرانهم، لم يكونوا مجرد آلات حساب بشرية، بل عمالقة متشبعين بالفلسفة. إن الفصل الصارم الذي وضعه كانط بين العلم التجريبي ونظرياته الأخلاقية شكّل بوصلة أساسية، ربطت البحث العلمي بضمير الإنسان.

لكن القنبلة الذرية لم ترَ النور إلا لأن الجيش الأمريكي روّع العلماء بدعاية وجودية مفادها أن هتلر على وشك امتلاك سلاح نووي. حتى في ظل هذا الذعر، أُبعد أينشتاين عمداً عن التفاصيل، لأن الدولة أدركت أن الفيلسوف الصارم والمسالم لا يمكن تحويله إلى أداة.

بعد أن غطى الرماد المشع هيروشيما وناغازاكي، ثار ضمير المجتمع العلمي. سبعون عالماً وقّعوا عريضة يناشدون الرئيس عدم استخدام القنبلة ضد المدنيين. أوبنهايمر نفسه وقف أمام ترومان وقال: "أشعر أن يديّ ملطختان بالدماء". لكن المؤسسة العسكرية استخلصت درساً مخيفاً: العلماء الذين يمتلكون ضميراً يشكلون خطراً. الفيزيائيون الذين يفكرون كفلاسفة، والذين يجرؤون على التساؤل عن سبب بناء سلاح ما، يمثلون تهديداً وجودياً للأمن القومي.

وجاء الرد سريعاً ومنهجياً. بعد الحرب العالمية الثانية، ضخت الدولة مليارات الدولارات في المجتمع العلمي، لكن التمويل جاء مشروطاً: فقط "للعلوم التطبيقية". أُعيد تشكيل المناهج. أُزيلت الفلسفة والتاريخ من كتب الفيزياء. استُبدلت بالمعادلات الجافة والبراغماتية الباردة.

هذا "الاستئصال المتعمد" هو السبب في أن معظم الابتكارات العلمية اليوم موجّهة نحو تطوير أسلحة مدمرة للحياة. وهو ما يفسر كيف يمكن للمنظومة العلمية في الغرب أن تتجاهل بسهولة استخدام الطائرات المسيّرة في ارتكاب فظائع ميكانيكية في غزة واليمن.

هنا تكمن المفارقة اللاذعة: الدولة التي يراها الغرب "محور شر" هي التي لا تزال تحتفظ بالفيلسوف داخل المختبر. والدولة التي ترى نفسها "محور خير" هي التي أقصت الفيلسوف من مختبرها.

العرّاف الذي رأى الهاوية ولم يفهمها

في مقابل هذا العجز الفلسفي الغربي، ظهر صوت مختلف: المؤرخ الصيني الكندي شيوكين جيانغ. في محاضرة عام 2024، تنبأ بدقة بعودة ترامب وبدء مواجهات مع إيران. لكن تحذيره الأخطر كان عسكرياً: إيران، بتضاريسها الجبلية وعقيدتها القتالية، ستتحول إلى "مستنقع استراتيجي" يبتلع أي قوة برية. إنها "مقبرة الإمبراطوريات".

جيانغ محق في تشخيصه. لكنه لا يرى ما لا تستطيع البراغماتية أن تراه: إيران ليست مستعدة لحرب استنزاف فقط لأن لديها جبالاً، بل لأن لديها لاهوت صبر وفلسفة تجعل من التضحية قيمة. وفي أفريل 2026، نشرت الغارديان رسالتين قصيرتين، لكنهما تحملان تشخيصاً أخلاقياً ثاقباً. كتب روب سيموندز: "منذ 1945، مثّلت أمريكا رؤية الغرب للثروة والنفوذ القائمين على الملكية المادية. أما إيران، منذ 1979، فقد بنت نظاماً على عقيدة متجذرة... ما نشهده هو محاولة للقضاء على أيديولوجية بتدمير الأفراد والممتلكات. لكن الأيديولوجية لا تُهزم إلا بأفكار أكثر تماسكاً وأخلاقاً". وكتب ديفيد فلينت: "ترامب لا يفهم قادة إيران لأنه يفتقر إلى المبادئ. لا شيء يدفعه للتضحية بنفسه. هذا ما يجعله غافلاً عن دوافع خصومه".

وكتخريج عام نعود لسؤال لماذا يُقتل الفلاسفة؟ ربما كان الجواب أبسط وأقسى مما نظن. الفلاسفة يُقتلون لأن نورهم يفضح الجميع. يقتلهم المستبدون لأنهم يكشفون هشاشة سلطة لا تستند إلى الحق. تقتلهم الإمبراطوريات لأنها تدرك أن أمة تمتلك عقلاً متوهجاً لا يمكن إخضاعها بالمدافع. ويقتلهم الغوغاء لأن النور يؤذي عيون من اعتادوا العتمة.

حين يُقتل فيلسوف، لا يخسر العالم رجلاً، بل يخسر مساحة من النور. وحين تسقط غزة، لا يخسر العالم مدينة، بل يخسر قدرة على الإشراق. وحين تتحول إيران إلى ساحة حرب، لا يخسر العالم دولة، بل يخسر إمكانية أن تتعايش أنطولوجيات مختلفة.

نور الأنوار، كما قال السهروردي، لا يُحجب إلا بالبرازخ التي نصنعها نحن بأيدينا. وفي أيدينا -فقط في أيدينا- أن نرفعها. ربما كان هذا هو الدرس الوحيد: أن السلام ليس اتفاقاً بين جيوش، بل هو استعادة للقدرة على رؤية النور في الآخر، حتى حين يبدو -للوهلة الأولى- ظلاماً ففي إحدى ليالي حلب، عام 1191، وقف السهروردي أمام سجانيه وسأل: "هل هذا يستحق؟". لا نعرف ماذا أجابوه. لكننا نعرف أنهم قتلوه.

***

الأستاذ عمرون علي

النص واحد.. والفهومات متعددة

في البداية، لا بد أن نلفت الإنتباه أننا لا نتناول الدين الإسلامي كدين في حد ذاته، وليس غرضنا في هذه المقالة أو في غيرها من المقالات والدراسات التي تتناول الخطاب الديني المعاصر، الحفر في العقيدة الإسلامية، ولا يدور في ذهننا مناقشة عقيدة التوحيد الإلهية، ولا نقد أركان الإسلام ولا التشكيك في أركان الإيمان، لأننا على وعي تام أن هناك بون شاسع يفصل ما بين الدين والفكر الديني، بين الإسلام والخطاب الإسلامي، وبالتالي نحن نناقش الخطاب الديني، نمارس نقد الخطاب الديني، الخطاب الذي أنتجه البشر، وأنتجوه في ظروف وسياقات تاريخية مُعينة، كما نحلل الفكر الإسلامي، الفكر الذي صدر عن الفقهاء والأئمة وعلماء الكلام والمتصوفة والفلاسفة في العصر الوسيط وكذلك الأفكار التي قال بها رواد النهضة والإصلاح في العصر الحديث، ورموز الحركة الإصلاحية العربية، وكل الذين بحثوا في أسس التقدم من مفكري الإسلام، بالإضافة إلى خطاب الإحيائية والإسلام الحزبي ومنظُّرو الفكر السياسي الإسلامي المعاصر، كما ننقد الفهم السلفي للدين والقراءة الرجعية للشريعة، كما نُحلّل الأفكار والتصورات الماضوية للدولة والمجتمع .

ولا يختلف إثنان على أن النص الديني واحد (القرآن والسنة). لكن الفهومات (تعدد الفهم) متعددة والتفسيرات مختلفة والقراءات قد تكون أحيان متناقضة وتكون التأويلات غير منتهية، لا في الزمان ولا في مكان، ولا يوجد معنى ثابت للنص الديني ولا يستطيع أحد ان يزعم أن فهمه هو الفهم الصحيح. ولهذا لا مستغرب من تعدد الفرق وتنوع الجماعات وتكاثر الطوائف في التاريخ الإسلامي وفي الإسلام التاريخي، بتعدد الفهومات وتنوع التصورات وإختلاف التأويلات، وبسبب كذلك تناقض المصالح حتى في المجتمع الواحد، ناهيك عن المجتمع متعدد "الملل والنحل "، وكذلك بسبب الإنقسام الذي حدث في الإسلام ما بين من السّنة والشيعة والخوارج والمرجئة والمعتزلة والأشاعرة والمتصوفة والفقهاء والفلاسفة، ولا ننسى إختلاف مفكري الإسلام في القرن التاسع عشر في أسس التقدم وفي شروط النهضة.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى، إن إهتمامنا بالكتابة والبحث والدراسة والتحليل والنقد بالفكر الإسلام السياسي المعاصر، وبكل ما يتعلق بظاهرة اسمها الصحوة الإسلامية، وبكل ما يترتب عن أعمال وأفعال وأقوال ونشاطات الجماعات السياسية الدينية أو كما يدعوه المفكر المغربي عبد الإله بلقزيز بالإسلام الحزبي وما يصدر عن خطاب ما يسميه المفكر اللبناني رضوان السيد بالإحيائية الإسلامية من أراء وأفكار وتصورات ومفاهيم ورؤى وفتاوى، يعود بالدرجة الأولى إلى الوعي بأن هذه الجماعات الدينية / السياسية التي شكلت ظاهرة إجتماعية/ سياسية/ دينية لم يسبق لها مثيل. ولا مراء في أن هذه الظاهرة مارست التأثير الأكبر على الدول وعلى المجتمعات العربية/ الإسلامية، من بين جميع الإديولوجيات اليسارية والليبرالية التي عرفها العالم العربي في القرن العشرين، وكذلك بقدرة هذه الجماعات على التعبئة والحشد الجماهيري، على غرار الإيديولجيات الشمولية والحركات السياسية الشعبوية في الثلاثينيات مثل النازية والفاشية، والتي كانت تركز على الحشد الجماهيري والمظاهرات العارمة والإستعراضات العسكرية الضخمة

العمامة الدينية والقبعة العسكرية

والحقيقة التي لانقاش فيها، أن المد الديني/ الأصولي intégrismeفي المنطقة العربية حظي بجماهيرية كبيرة، وهذا راجع لعدة أسباب، منها خطاباته الشعبوية populisme أو بعبارة أصح، خُطبه في المساجد والمدارس والجامعات وحتى في رياض الأطفال، وكلنا يتذكر البرامج الدينية المكثفة في الإذاعات والتلفزيونات العربية وهذا الجيش عرمرم من الدعاة والشيوخ والوعاظ الذين يقدمون خطاب ديني كله وعد والوعيد وكله وعظ وإرشاد، خطاب يعرض بلغة شعبية بسيطة يفهمها العامة بسهولة .

من هنا اكتسب الخطاب الديني الأصولي، الجماهيرية الواسعة والتي لا تضاهييها من حيث الجماهيرية إلا جماهيرية المد القومي- الناصري في الخمسينات والستينيات . ولتوضيح الفكرة أكثر أن السبب الرئيس في جماهيرية الإسلام السياسي يعود بالدرجة الأولى إلى ما تقدمه هذه الجماعات من خطاب ديني، عاطفي للعامة وللجماهير التي تعاني أصلاً من الفقر المادي والعوز المعرفي والبؤس السياسي ويعاني أكثر من القمع التسلط والإستبداد السياسي، خطاب ديني متطرف يعتقد بإمتلاك صكوك الغفران ومفاتيح الجنة، وتلك هي المشكلة ! ومن المؤكد أن هذه الحركات السياسية، كان لها النصيب الأكبر في التأثير سلبا على أمن وإستقرار المجتمعات العربية من المحيط إلى الخليج، ويكفي أن نشير أن جماعات الإسلام السياسي كانت العامل الرئيس من بين عوامل أخرى في إجهاض التجارب الديمقراطية في أكثر من بلد عربي، وخاصة في مصر وتونس وسوريا والعراق، إذ كانت سببًا مباشرًا في تعثر المسَّار الديمقراطي الوليد في الجزائر بعد إنتفاضة أكتوبر عام 1988، عندما رفعوا شعار " لا ميثاق..لا دستور قال الله قال الرسول ".

والجدير بالملاحظة أن الإسلام السياسي لعب دورا كبيرا في وأد حركات التغيير وإفشال ما يسمى بالرييع العربي، وإجهاض التجربة الديمقراطية بالتعاون مع الدولة العميقة، دولة العسكر والمخابرات والبوليس السياسي. ولسنا في حاجة إلى شرح كبير للقول، بإن دولة العسكر، قتلت السياسة ووأدت العمل الحزبي واحتكرت المجال العالم وأممت الإعلام وضربت في مقتل التيارات المدنية وأجهزت على المجتمع المدني.

والمفارقة العجيبة أن القبعة العسكرية احتضنت العمامة الدينية ولعبت دورا كبيرا في تديين السياسة وتسييس الدين في الستينيان والسبعينيات، وبالتالي ساهمت في تناسل وتكاثر هذا المتدينين الذين سوف يدعمون صفوف تيار الإسلام السياسي والبعض من هؤلاء المتدينين سوف يلتحق بالتنظيمات الجهاية والجماعت الإسلامية المسلحة. فعلى سبيل المثال كشفت تنظيمات " التكفير والهجرة " و" الجهاد " و" الجماعة الإسلامية" و" الناجون من النار" و" الجماعة السلفية للدعوة والقتال" و" الجماعة الإسلامية المسلحة" و" داعش " و" القاعدة " و"أنصار الله " و" بوكو حرام " وغيرها من التنظيمات الإرهابية عن وججها الحقيقي عندما مارست أقصى درجات العنف. أو بعبارة أصح كشفت هذه التنظيمات الدينية والتي هي في الأصل تنظيمات خرجت من رحم جماعات كانت تمارس " الدعوة والتبليغ " والتي تميزت بالغلو في الدين بسبب تبنى إيديولوجية شمولية وفكر ديني متطرف، أقول كشفت عن وجهها الحقيقي في الإنتقال بسرعة من الكلام إلى الفعل ومن النظرية إلى التطبيق، وقفزت من مرحلة الدعوة إلى مرحلة أعلى وهي ممارسة الإرهاب الأعشى والعنف المُفرط والمُنفلت من كل عقال، المثال البارز ما حدث في الجزائر مع توقيف المسار الانتخابي في عام 1992 والذي فازت فيه الجبهة الإسلامية للإنقاذ، حيث تسببت الجماعات الإسلامية المسلحة في قتل ربع مليون جزائري و30 ألف مفقود وخسائر قُدرت ب وقتها بعشرات المليارت من الدولارات، والأخطر من ذلك أن الجزائر تراجعت عشرات السنين إلى الوراء.

أما المثال الثاني فقد حدث في أرض الكنانة، كبرى الدول العربية وصاحبة التاريخ الحضاري الفرعوني والعربي / الإسلامي العريض والإنتاج الثقافي الضخم، والرائدة عربيا وإفريقيا وشرق أوسطيا في مجالات الفنون والآداب والفكر، فقد اندلعت فيها الموجة الإرهابية الثالثة في تسعينيات القرن الماضي، بإغتيال المفكر والكاتب الليبرالي فرج فودة عام 1992 ومحاولة قتل الأديب نجيب محفوظ عام 1994و قد بلغ العمل الإرهابي الذروة في الحادثة الإرهابية الأكبر في الأقصر في 17 نوفمبر عام 1997 والتي راح ثمانية وخمسون 58 سائحا أجنبيا وتبنتها الجماعة الإسلامية في مصر، وفي العراق وبعد سقوط نظام حكم استبدادي طويل، استعرت نار الإرهاب والعنف والفوضى عقب الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، وفي سوريا ارتكب الإسلاميون خطأ فادحا عندما قاموا بعسكرة ربيع دمشق، بهدف إسقاط النظام الاستبدادي، فكان أن جاءها الجهاديون من كل حدب وصوب رافعين شعار " أنا أقتل إذن أنا موجود "، وغني عن البيان القول بأن الدولة التسلطية في العالم العربي، كانت هي البيئة الحاضنة والأرض الخصبة لنمو وانتشار جماعات الهوس الديني وتضخم ورم سرطاني اسمه الأصولية الدينية.

وتجدر الإشارة أنه وبسبب الفقر السياسي المدقع الذي يعاني منه كافة التيارات السياسية الدينية، كانت للإسلام السياسي النسبة الأكبر في عودة الإستعمار للمنطقة العربية، وكأن التاريخ العربي تحكمه جدلية الطغاة (الإستبداد) الذي ينتج التطرف الديني (الغلاة) والتطرف الديني يستدعي الإستعمار (الغزاة) وصدق من قال أن الطغاة أفرزوا لنا الغلاة، والغلاة جلبوا لنا الغزاة ! ومما لا شك فيه أن من يقوم بعملية جرد على نشاطات جماعات الإسلام السياسي في الأربعين سنة الأخيرة سيجد نفسه أمام واقع مرير غير قابل للتغافل عنه، هو أن نشاطات التطرف الديني أحدثت جروحَا غائرة في جسم الأمة العربية / الإسلامية على المستوى الاجتماعي حيث تم أسلمة العلاقات الإجتماعية وخاصة تجاه المرأة وعلى المستوى السياسي تم تديّين الحياة السياسة وتسيّيس الشؤون الدينية وعلى المستوى الاقتصادي تم تأسيس شركات توظيف الأموال أو ما يسمى بالبنوك الإسلامية، كما تم تحريم فوائد البنوك، والأخطر ما تم على الصعيد الثقافي، حيث سادت وبقوة الثقافة الفقهية والفكر الديني المتزمت وهيمنت التصورات الغيبية وتكرسَّت الرؤية الدينية للعالم - la vision du monde - والكثير منا يتذكر قائمة المحرمات الطويلة التي نشرها الإسلاميون في بداية ثمناينيات القرن الماضي، والتي تبدأ من تحريم الفنون بأنواعها وتجريم الأدب بكل أجناسه وتبديع الفلسفة بكل تياراتها واتجاهاتها وشيطنة العلوم الإنسانية وبكل تخصصاتها. ولا ننسى كذلك التطرف والإيديولوجيا المتطرفة أصابت في مقتل السّلم المدني والنسيج الاجتماعي، ومن الواضح كذلك أنها زعزعت الإستقرار الاجتماعي، وفككّت الاندماج الوطني وهددت بالفعل وبالقوة الوحدة الوطنية، ولا نعتقد أن هناك تيار سياسي / إيديولوجي منذ بداية تشكل الأحزاب السياسية والتيارات الإيديولوجية، سواء التيارات الليبرالية واليسارية في العالم العربي قد هدّد السَّلم المدني والإستقرار الإحتماعي كما فعلت حركات الإسلام السياسي، كما لم نسمع أن هناك مثقف ليبرالي أو مناضل يساري قد أطلق رصاصة واحدة، أو رمى قنبلة أو أمسك سكينا، كما فعلت الحركات السياسية الإسلامية التي أطلقت الرصاص والقنابل والمتفجرات وأمسكت بالسكاكين.

واللافت للإنتباه، أن بعض الجماعات الدينية المعتدلة في خطابها السياسي مثل جماعة الإخوان المسلمين - أو ما يبدو أنه خطاب معتدل - عندما وصلت للسلطة وتقلد أعضاؤها مناصب في برلمانات وحكومات الدولة الوطنية في بعض الدول العربية، وشاركت في الحياة السياسية، بل وتغلغلت في مؤسسات الدولة وتأتى لبعضهم تقلد مناصب وزارية وتشكيل حكومات، كانت النتيجة كارثية على كل المستويات وعلى جميع الأصعدة.

***

مصطفى دحماني

أستاذ الفلسفة والفكر العربي/ الإسلامي/ كلية العلوم الإنسانية/ جامعة بشار / الجزائر

في تقديري، ليست المشكلة الحقيقية في الديمقراطية نفسها بقدر ما هي في البيئة التي تزرع فيها، وفي الطريقة التي تقدم بها إلى الناس. فالكثير من المجتمعات التي لم تعرف الديمقراطية إلا كشعار سياسي، أو كتجربة مشوهة مرتبطة بالفوضى والانقسامات والانقلابات، تنظر إليها بوصفها خدعة كبرى أو مؤامرة ثقافية أكثر من كونها نظاما سياسيا قابلا للحياة. يبدأ الخلل الحقيقي لأن الناس لا تحاكم الديمقراطية من خلال معناها الفلسفي والمؤسسي، بل من خلال النسخ الفاشلة التي مرت أمام أعينهم، أو من خلال الخطابات الشعبوية التي جعلت منها سببا لكل أزمة.

من السهل جدا في مجتمعات مأزومة اقتصاديا واجتماعيا أن يتحول الغضب الشعبي إلى عداء تجاه الديمقراطية. المواطن الذي يعيش الفقر والبطالة وانهيار الخدمات لا يهتم كثيرا بالنظريات السياسية، بل يبحث عن سلطة قادرة على منحه الأمان والخبز والاستقرار. ولذلك تصبح الديمقراطية، في وعيه المباشر، مرتبطة بالوعود الكاذبة، والانتخابات العقيمة، والصراعات الحزبية التي لا تنتج سوى مزيد من الانقسام. في المقابل، يظهر الاستبداد أحيانا بصورة النظام الحاسم الذي يفرض السيطرة ويمنع الفوضى، حتى وإن كان ذلك على حساب الحريات وكرامة الإنسان. هذه المفارقة ليست جديدة في التاريخ السياسي، لكنها تتكرر بشكل واضح في مجتمعات العربية والأفريقية تحديدا، حيث لم تتشكل الدولة الحديثة على أساس عقد اجتماعي حقيقي، بل على إرث طويل من القبيلة والطائفة والعسكر والنخب المغلقة. الديمقراطية في هذه البيئات لا تجد مؤسسات قوية تحميها، ولا ثقافة سياسية تؤمن بها، ولا طبقة وسطى مستقرة تدافع عنها، فتتحول بسهولة إلى واجهة شكلية تستخدم للوصول إلى السلطة ثم الانقلاب عليها.

المشكلة أيضا أن كثيرا من الناس يتعاملون مع الديمقراطية باعتبارها وصفة سحرية قادرة على إنهاء الفساد والفقر بمجرد إجراء انتخابات. وعندما لا يحدث ذلك بسرعة، يبدأ الإحباط، ثم تتحول خيبة الأمل إلى كراهية للنظام الديمقراطي كله. يتم تجاهل حقيقة مهمة جدا، وهي أن الديمقراطية ليست ماكينة لإنتاج الرفاه الفوري، بل مسار طويل ومعقد يحتاج إلى تراكم مؤسسي وثقافي وأخلاقي. الديمقراطية لا تنجح لأن صندوق الاقتراع موجود فقط، بل لأنها ترتكز على منظومة كاملة من القوانين والرقابة والفصل بين السلطات والإعلام الحر والتعليم السياسي.

في مجتمعات لم تتعلم بعد معنى المواطنة، تصبح الانتخابات أحيانا مجرد إحصاء للطوائف والقبائل والانتماءات الضيقة. يصوت الناس لهوياتهم لا لبرامجهم، ويختارون من يشبههم لا من يخدمهم. وهنا تتحول الديمقراطية إلى إعادة إنتاج للأزمات نفسها بوسائل مختلفة. لا يعود البرلمان مساحة للنقاش الوطني، بل ساحة لتوزيع الغنائم والنفوذ. وعندما تفشل هذه التجربة المشوهة، يخرج كثيرون ليقولوا إن الديمقراطية لا تصلح لنا، بينما الحقيقة أن ما فشل ليس الديمقراطية، بل البنية الاجتماعية والسياسية التي التهمتها من الداخل.

الاستبداد من جهته يعرف جيدا كيف يستثمر هذا الفشل. الأنظمة السلطوية لا تكتفي بقمع خصومها، بل تعمل أيضا على تشويه فكرة الحرية ذاتها. يتم تصوير الديمقراطية على أنها فوضى أخلاقية، أو مشروع غربي لتفكيك الهوية، أو بوابة للحروب الأهلية والانهيار. ومع الوقت، تتشكل لدى الناس قناعة نفسية بأن القمع أقل خطرا من الحرية، وأن الخوف أكثر أمانا من الاختلاف. وهنا تكمن أخطر نتائج الاستبداد؛ أنه لا يكتفي بالسيطرة على السلطة، بل يسيطر أيضا على خيال الناس السياسي، ويجعلهم عاجزين عن تصور حياة طبيعية خارج منطق الحاكم المنقذ.

في رأيي، أحد أكبر الأخطاء التي وقعت فيها مجتمعاتنا هو ربط الديمقراطية بالغرب فقط، وكأنها منتج أوروبي خالص لا يمكن أن يعيش خارج بيئته الأصلية. هذا التبسيط يتجاهل أن فكرة المشاركة السياسية والمحاسبة وحق الناس في اختيار حكامهم ليست ملكا لحضارة بعينها. صحيح أن التجربة الغربية طورت النماذج الديمقراطية الحديثة، لكنها لم تصل إليها بسهولة أو بسرعة. أوروبا نفسها عاشت قرونا من الحروب الدينية والاستبداد والملوك المطلقين والانقلابات الدموية قبل أن تصل إلى شكلها الحالي. الديمقراطية هناك لم تنزل من السماء، بل جاءت نتيجة صراعات طويلة وتضحيات قاسية وتراكم تاريخي معقد.لكن بعض مجتمعاتنا تريد أن تقفز فوق كل هذا التاريخ، ثم تصاب بالصدمة عندما تفشل التجربة خلال سنوات قليلة. والأسوأ من ذلك أن النخب السياسية نفسها كثيرا ما تتعامل مع الديمقراطية بوصفها مجرد وسيلة للوصول إلى الحكم، لا كقيمة أخلاقية ومؤسسية. لذلك نرى أحزابا تتحدث عن الحرية وهي تمارس الإقصاء، وتتحدث عن الشعب وهي تعيد إنتاج الزعامات التقليدية نفسها. وهكذا يصبح الخطاب الديمقراطي فارغا من مضمونه الحقيقي.

هناك أيضا أزمة عميقة تتعلق بثقافة النقد الذاتي. فالكثير من المجتمعات التي تعاني من الاستبداد تميل دائما إلى تحميل الخارج مسؤولية أزماتها. الغرب، المؤامرة، الاستعمار، النخب، المعارضة، الآخر المختلف، كلها شماعات جاهزة لتفسير الفشل. أما مواجهة الذات والاعتراف بالمشكلات البنيوية الداخلية، فغالبا ما يتم الهروب منها. ولهذا تستمر الحلقة المفرغة: استبداد ينتج التخلف، وتخلف يستخدم لتبرير الاستبداد. ما يثير الانتباه حقا هو أن بعض المجتمعات التي تعيش مستويات مرتفعة من القمع والعنف والطائفية تتحدث أحيانا بتعال أخلاقي تجاه المجتمعات الديمقراطية. يتم تقديم الحرية هناك بوصفها انحلالا، والتعددية بوصفها ضعفا، وحقوق الإنسان بوصفها ترفا غربيا. وفي المقابل، يتم تمجيد الصبر على القهر باعتباره فضيلة، وكأن الجوع والذل والرقابة والقمع علامات على النقاء الأخلاقي. هذا النوع من الخطاب لا ينتج وعيا سياسيا، بل يعمق ثقافة الهزيمة والتبرير.

الديمقراطية ليست مدينة فاضلة، ولا نظاما كاملا بلا عيوب. داخل الديمقراطيات توجد أزمات اقتصادية وعنصرية وشعبوية وفساد وتفاوت طبقي حاد. لكن الفرق الجوهري أن هذه الأنظمة تمتلك آليات تسمح بتصحيح أخطائها، بينما الأنظمة الاستبدادية غالبا ما تغلق كل أبواب المراجعة والمحاسبة. في الديمقراطية يمكن إسقاط الحكومة عبر الانتخابات، ويمكن للصحافة أن تنتقد السلطة، ويمكن للقضاء أن يحاسب المسؤولين. أما في الاستبداد، فإن الخطأ يتحول إلى قدر دائم لأن السلطة نفسها فوق النقد. لهذا أعتقد أن السؤال الحقيقي ليس: هل الديمقراطية فاشلة؟ بل: لماذا نفشل نحن في بناء شروطها؟ لأن الديمقراطية لا تعيش في بيئة تخاف من الاختلاف، ولا في مجتمع يقدس الزعيم أكثر من القانون، ولا في دولة تعتبر المواطن مجرد تابع لا شريكا. نجاح الديمقراطية يبدأ من المدرسة، ومن الإعلام، ومن استقلال القضاء، ومن احترام الإنسان كفرد يمتلك حق التفكير والاختيار، لا كرقم داخل قطيع سياسي أو طائفي.

 لا أرى أن مجتمعاتنا ترفض الديمقراطية لأنها سيئة بالضرورة، بل لأنها لم تعرفها في صورتها الحقيقية. ما عرفته غالبا كان نسخا مبتورة ومشوهة، أو تجارب محاصرة بالعسكر والفساد والانقسامات. لذلك يصبح من السهل على الناس أن يفقدوا الثقة بها، وأن يحنوا إلى نموذج الحاكم القوي الذي يعدهم بالخلاص السريع. لكن التاريخ يعلمنا أن الاستبداد قد يمنح شعورا مؤقتا بالاستقرار، إلا أنه يترك في النهاية مجتمعات خائفة، هشة، وعاجزة عن إنتاج مستقبل مختلف.

إن الاعتراف بالحاجة إلى الديمقراطية لا يعني عبادة الغرب، ولا التخلي عن الخصوصيات الثقافية، بل يعني ببساطة الإيمان بأن الإنسان يستحق أن يعيش حرا، وأن السلطة يجب أن تحاسب، وأن الأوطان لا تبنى بالخوف وحده. الديمقراطية ليست ترفا فكريا كما يصورها البعض، بل محاولة مستمرة لمنع السلطة من التحول إلى وحش دائم. وربما لهذا السبب تحديدا يخافها الطغاة، ويعملون دائما على تشويهها قبل أن يمنحوا الناس فرصة حقيقية لتجربتها.

***

زكريا نمر

مقدمة: يشكل الفن، في جوهره، لحظة التقاء فريدة بين ما هو ذاتي وما هو وجودي. فالإحساس الذاتي بالجمال ينبع من تجربة شخصية حميمة، مرتبطة بالحواس والعواطف والذكريات، بينما يسعى التعبير الفني عن حقيقة الوجود إلى كشف أعماق الواقع الإنساني، بكل تناقضاته وغموضه ومطلقيته. الأثر الفني الناتج عن هذا الالتقاء ليس مجرد إثارة عاطفية مؤقتة، بل هو تحول وجودي يعيد تشكيل وعي المتلقي بذاته وبعالمه. في هذه الدراسة، سنستكشف كيف يتفاعل الإحساس الذاتي بالجمال مع السعي نحو التعبير عن حقيقة الوجود، وكيف يولد هذا التفاعل أثراً فنياً يتجاوز الحدود بين الشخصي والكوني. سنتناول الأبعاد الفلسفية والنفسية والإبداعية لهذا التوتر الخصب، مع التركيز على آلياته ومظاهره في مختلف أشكال التعبير الفني.

الإحساس الذاتي بالجمال: الأساس الحسي والعاطفي

الإحساس بالجمال هو تجربة أولية، تسبق التحليل العقلي. إنه يبدأ من الجسد: الارتعاش أمام لون غروب الشمس، أو الانسياب مع إيقاع موسيقي، أو الدهشة أمام تناسق شكل. هذا الإحساس ذاتي بطبيعته لأنه مرتبط بتجربة الفرد الفريدة؛ فما يُعتبر جميلاً لشخص قد يكون عادياً أو حتى مزعجاً لآخر. يعتمد على الذاكرة الشخصية، الثقافة، والحالة النفسية اللحظية. في هذا السياق، يعمل الجمال كجسر بين الذات والعالم الخارجي. عندما يشعر الفرد بالبهجة أمام لوحة، فإنه لا يرى اللوحة فقط، بل يرى نفسه من خلالها. الجمال هنا ليس صفة موضوعية ثابتة، بل علاقة ديناميكية. إنه يوقظ الحواس، يحرك العواطف، ويفتح مساحات داخلية كانت مغلقة. ومع ذلك، فإن هذا الإحساس الذاتي قد يبقى سطحياً إذا لم يرتبط ببعد أعمق، ألا وهو البحث عن معنى الوجود.

مثال اول تحليل نظرية كانط في الحكم الجمالي

مكانة «نقد الحكم» في فلسفة كانط

تُمثل نظرية إيمانويل كانط في الحكم الجمالي الجزء الثالث والأخير من مشروعه النقدي، الذي قدمه في كتاب نقد ملكة الحكم ( 1790). يحاول كانط بهذا النقد أن يبني جسراً بين عالم الطبيعة (نقد العقل الخالص) وعالم الحرية (نقد العقل العملي). فالحكم الجمالي ليس مجرد ذوق شخصي، بل هو قدرة حكمية خاصة تتوسّط بين المعرفة النظرية والأخلاق. ينقسم تحليل كانط للحكم الجمالي إلى قسمين رئيسيين: تحليل الجميل وتحليل الرفيع. سنركز هنا على الجميل مع الإشارة إلى الرفيع حيث يلزم.

1. خصائص الحكم الجمالي الأربعة (اللحظات الأربع)

يُقدم كانط أربع «لحظات» تحدد طبيعة حكم الذوق:

اللحظة الأولى: اللامبالاة أو عدم الاهتمام

الحكم الجمالي «خالٍ من الاهتمام». أي أنه لا يعتمد على وجود الشيء أو امتلاكه أو رغبتنا فيه. ليس حكماً معرفياً (لا يقول شيئاً عن مفهوم الشيء). ليس حكماً أخلاقياً أو عملياً (لا يتعلق بالخير أو النفع).

مثال: عندما نرى وردة، لا نحكم عليها جميلة لأننا نريد قطفها أو نعرف تصنيفها النباتي، بل للمتعة الخالصة التي تثيرها في الذات. هذه اللامبالاة هي ما يميز الجمال عن المتعة الحسية (اللذة) أو الخير الأخلاقي.

اللحظة الثانية: الكونية بدون مفهوم

رغم ذاتيته، يدّعي حكم الذوق كونية. عندما نقول «هذا جميل»، فإننا نفترض أن الآخرين يجب أن يتفقوا معنا، ليس بناءً على برهان أو مفهوم مشترك، بل بناءً على «حس مشترك». هذا التناقض الظاهري (ذاتي وكوني في آن) هو سر نظرية كانط: الحكم جمالي لأنه يصدر عن الذات، لكنه يطالب بالموافقة العامة لأنه يستند إلى بنية مشتركة في العقل البشري.

اللحظة الثالثة: الغائية بدون غاية

الجميل يبدو وكأنه مصمم لغاية، لكنه لا يخدم غاية خارجية محددة. الشكل يوحي بالانسجام والتناسب الداخلي، كأنه «كأنه» مصنوع لإرضاء قدراتنا المعرفية.

مثال: زهرة أو بلورة؛ تبدو منظمة بشكل مثالي دون أن تكون مصممة فعلياً لغاية نفعية.

هذه الغائية الشكلية هي ما يثير «اللعب الحر» بين الخيال والذهن).

اللحظة الرابعة: الضرورة بدون مفهوم

الحكم الجمالي ضروري، بمعنى أنه يفرض نفسه كما لو كان شرطاً لكل ذوق متعلم. هذه الضرورة «نموذجية»، أي أن الجميل يصبح مثالاً يجب على الآخرين الاقتداء به، لكنه لا يستند إلى قاعدة مفهومية

2. اللعب الحر بين الخيال والذهن

هذا هو قلب النظرية. في الحكم المعرفي العادي، يخضع الخيال للفهم (يُقدم الخيال صورة ليطبق عليها الفهم مفهوماً). أما في التجربة الجمالية، فيحدث لعب حر بينهما: الخيال يُنتج صوراً متعددة ومتناسقة دون أن يُقيد بمفهوم. الذهن يستجيب بانسجام دون أن يفرض مفهوماً. هذا الانسجام يولّد متعة خالصة، لأنه يشعرنا بوحدة قدراتنا المعرفية وانسجامها مع العالم.

3. التمييز بين الجميل والرفيع

الجميل: يتعلق بالشكل المحدود، الانسجام، والمتعة الإيجابية. يهدئ النفس ويجعلها تشعر بالانسجام.

الرفيع: يتعلق باللانهائي، القوة، أو الضخامة التي تفوق قدرة الخيال (مثل المحيط الهائج أو السماء المرصعة بالنجوم). يثير شعوراً مختلطاً بالألم (إحساس بالعجز) والمتعة (إحساس بسمو العقل الأخلاقي فوق الطبيعة).

الرفيع يربط الجمالي أكثر بالأخلاقي، حيث يُظهر تفوق الإنسان ككائن عاقل على قوى الطبيعة.

4. الحس المشترك والذات الكونية

يفترض كانط وجود «حس مشترك» يسمح لنا بتجاوز الذاتية المحضة. عند الحكم الجمالي، نضع أنفسنا في موضع «الآخر» ونحكم «بلا أنانية». هذا يجعل الذوق جزءاً من عملية تهذيب الإنسانية وانتقالها من الطبيعة إلى الحضارة.

أهمية النظرية:

فصل الجمالي عن النافع والأخلاقي والمعرفي، مما أسس لاستقلالية الفن الحديث.

ربط الجمال بالذاتية العميقة (الترانسندنتالية) وليس بالمجرد الذوق الشخصي.

أثرت على الرومانتيكيين، هيغل، شيلر، وفي القرن العشرين على كاسيرر وأدلر وغيرهم.

الانتقادات الرئيسية:

اللامبالاة المطلقة تبدو مثالية جداً؛ فالتجربة الجمالية غالباً ما تكون مشبعة بالرغبة والسياق الثقافي (نيتشه، فرويد).

الكونية المزعومة تتجاهل الاختلافات الثقافية والتاريخية (نقد ما بعد الحداثة).

التركيز على الشكل على حساب المضمون (انتقاد ماركسي واجتماعي).

صعوبة تطبيقها على الفن الحديث غير التمثيلي أو المفاهيمي.

نظرية كانط في الحكم الجمالي ليست مجرد فلسفة للفن، بل هي فلسفة للوجود الإنساني. إنها تكشف كيف يستطيع الإنسان، من خلال تجربة الجمال، أن يشعر بالانسجام بين ذاته وبين العالم دون أن يخضع لهذا العالم أو يسيطر عليه. الحكم الجمالي هو لحظة حرية خالصة، حيث تتجاوز الذات فرديتها الضيقة وتشارك في عالمية إنسانية أعمق. بهذا المعنى، يظل كانط معلماً أساسياً لكل من يفكر في علاقة الفن بالحقيقة، والذات بالكون، والإحساس بالوجود.

حقيقة الوجود: البعد الوجودي في الفن

حقيقة الوجود ليست واقعاً ثابتاً يُدرك بالعقل المجرد، بل هي كشف مستمر للتناقضات الإنسانية: الوحدة والتواصل، الحرية والقيود، الموت والحياة، المعنى والعبث. يسعى الفنان إلى التعبير عن هذه الحقيقة ليس بالوصف المباشر، بل من خلال الرمز والإيحاء والتشكيل. الفن هنا يكشف ما يخفيه الواقع اليومي: القلق الوجودي، الغربة، والرغبة في الاتصال بالمطلق. عندما يرسم فنان وجه امرأة مثلاً، قد لا يكون هدفه التقاط ملامحها الخارجية فقط، بل كشف الزمن الذي ينخر فيها، أو الوحدة التي تكمن خلف عينيها. هذا التعبير يتجاوز الجمال الخارجي ليصل إلى جوهر الإنسان ككائن يعي فناءه. الفن الوجودي يجعل المتلقي يواجه نفسه: هل أنا موجود حقاً، أم أنا مجرد دور ألعبه في مسرح الحياة؟

مثال ثان أصل العمل الفني عند مارتن هيدجر

أصل العمل الفني عند مارتن هيدجر

السؤال عن الأصل والماهية

في مقالته الشهيرة أصل العمل الفني (1935 - -1937، مع إضافات لاحقة)، يطرح مارتن هيدجر سؤالاً جذرياً يتجاوز الجماليات التقليدية: ما هو أصل العمل الفني؟ لا يقصد هيدجر بالأصل السبب التاريخي أو الفنان كمسبب، بل ذلك الذي يجعل العمل فنياً، أي كينونته كعمل. يرفض هيدجر الدوران الهيرمينوطيقي التقليدي (الفنان يصنع العمل، والعمل يصنع الفنان)، ليصل إلى أن الأصل الحقيقي هو الفن نفسه كحدث كشف للحقيقة. الفن ليس تعبيراً عن الذات، ولا تقليداً للواقع، ولا مجرد إثارة جمالية، بل هو وضع الحقيقة في العمل. الحقيقة هنا ليست مطابقة (adaequatio)، بل أليتيا (alētheia): انكشاف وإخفاء في آن واحد.

نقد مفهوم «الشيء» وتمييز العمل الفني

يبدأ هيدجر بتحليل طبيعة «الشيء» لأن العمل الفني له طابع شيئي. ينتقد التصورات التقليدية الثلاثة للشيء:

الشيء كحامل للخصائص (مثل المادية الأرسطية).

الشيء كوحدة في تعدد الحواس.

الشيء كمادة مشكلة (هيولى وصورة).

هذه التصورات، خاصة الثالثة، مشتقة من فهم «الأداة» ، ولا تناسب العمل الفني. ليوضح ذلك، يستخدم هيدجر مثال لوحة فان غوخ الشهيرة زوج من الأحذية. في اللوحة، لا نرى مجرد حذاءين كشيء مادي أو أداة نافعة، بل تنكشف كينونة الأداة:

الموثوقية. يظهر الحذاء عالمه: عالم الفلاحة، التعب، التربة الرطبة، الرياح القاسية، القلق الوجودي، والاعتماد على الأرض. «في العمل الفني، تنكشف كينونة الكائنات».

هكذا يميز هيدجر بين: الشيء: مجرد مادي. الأداة: جاهزة للاستخدام. العمل الفني: يجعل كينونة الكائنات تقف في انكشافها.

الأرض والعالم والصراع: هذا هو قلب نظرية هيدجر. العمل الفني يقيم عالماً ويُبرز أرضاً في صراع أساسي: العالم: الشبكة المعنوية المفتوحة، السياق التاريخي-وجودي الذي يعيش فيه الدازاين. هو الدلالات والعلاقات والمصير التاريخي لشعب أو مجتمع. العالم «يفتح» ويضيء.

الأرض: المادة الخصبة التي تظل مغلقة، الاحتجاب نفسه، الدعم الذي لا ينفد والذي يقاوم الاستيلاء الكامل. الأرض «تظهر بوصفها المتكتم».

العمل الفني يقيم الصراع بينهما. ليس صراعاً سلبياً، بل صراع إيجابي يجعل كلاً منهما يبرز في طبيعته الحقيقية. العمل يفتح عالماً (يجعله يحدث) ويترك الأرض تظهر كما هي (مغلقة وداعمة). مثال المعبد اليوناني: لا يمثل المعبد الآلهة فقط، بل يجعل العالم اليوناني يقف: النور، الظلام، المصير، الدولة، الاحتفال. في الوقت نفسه، تبرز الأرض كصخرة المعبد، كالأرض التي تدعم وتخفي.

هذا الصراع هو حدث الحقيقة: الانكشاف الذي يتضمن دوماً إخفاءً. العمل الفني «يضع الحقيقة في العمل» بجعله هذا الصراع يحدث ويستمر.

التمييز بين الخلق والحفظ:

الخلق: ليس إنتاجاً تقنياً، بل إطلاق للصراع، جعل الحقيقة تقف في الشكل. الفنان يتراجع أمام العمل، فالعمل يصبح مستقلاً.

الحفظ: المتلقي الحقيقي (المحافظون) ليس من يستمتع جمالياً، بل من يقف داخل الحدث الذي يفتحه العمل، يدخل في صراعه، ويسمح له بالاستمرار تاريخياً.

الفن «شعري» في ماهيه، حتى في التشكيلي، لأنه يؤسس عالماً جديداً.

أهمية النظرية وعلاقتها بفلسفة هيدجر الأوسع

ترتبط هذه المقالة ارتباطاً وثيقاً بـالكينونة والزمان ومقال عن جوهر الحقيقة. الفن طريق للتغلب على نسيان الكينونة في العصر التقني. في عصر الاطار «التقني» ، حيث يُعامل كل شيء كمورد، يذكرنا الفن بإمكانية انكشاف آخر للكينونة. هيدجر يتجاوز الجماليات الحديثة (التي تركز على الذات والمتعة) ويعيد الفن إلى أبعاده الأنطولوجية والتاريخية. الفن حدث تاريخي يؤسس عصر كينونة جديداً (مثل الفن اليوناني، أو القوطي).

التحديات والانتقادات:

الغموض: مفهوما «الأرض» و«العالم» شعريان أكثر من فلسفيين.

النخبوية: التركيز على «العمل العظيم» والمحافظين.

السياق السياسي: كُتبت في فترة قريبة من تورط هيدجر مع النازية، مما أثار تساؤلات حول «الأرض» والشعب.

التطبيق على الفن المعاصر: هل تناسب نظريته الفنون غير التمثيلية أو المفاهيمية؟

رغم ذلك، ظلت المقالة مؤثرة جداً في فلسفة الفن، والهرمنيوطيقا، والفنون المعاصرة، ونقد التقنية.

عند هيدجر، أصل العمل الفني ليس في الفنان ولا في المتلقي، بل في الفن كحدث كشف: الحقيقة تضع نفسها في العمل من خلال صراع الأرض والعالم. العمل الفني ليس شيئاً جميلاً ننظر إليه، بل مكان يحدث فيه الوجود نفسه، ويذكرنا بكينونتنا ككائنات مفتوحة على الإخفاء والانكشاف. في زمن يسيطر فيه «الإطار التقني»، يظل الفن — بحسب هيدجر — إمكانية لإعادة التفكير في الكينونة، وفتح عالم آخر. إنه ليس ترفيهاً، بل فعلاً وجودياً أصيلاً.

التفاعل بين الذاتي والوجودي: توليد الأثر الفني

يكمن الأثر الفني الحقيقي في التوتر الدائم بين الإحساس الذاتي بالجمال والسعي نحو حقيقة الوجود. عندما ينجح الفنان في دمج الاثنين، يحدث تحول: الجمال الذاتي يصبح بوابة نحو الكشف الوجودي، والحقيقة الوجودية تكتسب قدرة على التأثير العاطفي من خلال الجمال. خذ على سبيل المثال تجربة الاستماع إلى قطعة موسيقية حزينة. الإحساس الذاتي بالجمال يأتي من الانسياب الصوتي، التناغم، والإيقاع الذي يلامس الروح. لكن هذا الجمال يفتح الباب أمام إدراك أعمق: إحساس بالفقدان، أو بالزمن الذي يمضي، أو بالوحدة الكونية. هكذا يتحول الاستماع من متعة حسية إلى تأمل وجودي. المتلقي لا يخرج من التجربة كما دخلها؛ بل يعود إلى ذاته أكثر وعياً بطبيعته الوجودية. في الرسم، يستخدم الفنان تقنيات الضوء والظل، الألوان الدافئة أو الباردة، ليخلق جمالاً بصرياً يجذب العين. لكن داخل هذا الجمال تكمن طبقات: تشققات في الجدار تعبر عن هشاشة الوجود، أو نظرة في عيون شخصية تعكس القلق الإنساني. الأثر هنا مزدوج: يرضي الحاجة الذاتية للانسجام والمتعة، وفي الوقت نفسه يهز اليقين الوجودي للمتلقي. أما في الأدب، فالرواية أو القصيدة تبني عالماً جميلاً من الكلمات — إيقاعاً لغوياً، صوراً شعرية — يجذب القارئ عاطفياً. ثم تكشف تدريجياً عن فراغات الوجود: عبثية القرارات، غرابة العلاقات، أو جمال الموت كتحرر. هكذا يصبح القارئ مشاركاً في بناء المعنى، حيث يلتقي إحساسه الشخصي بالجمال مع وعيه بحقيقة وجوده.

آليات توليد الأثر: الرمز، الإيحاء، والمشاركة

يعتمد الأثر الفني على ثلاث آليات أساسية:

أولاً، الرمز: فالرمز يجمع بين الجمال الحسي (شكله الجذاب) والدلالة الوجودية (معناه العميق). وردة ليست مجرد زهرة جميلة، بل رمز للعابر والفاني.

ثانياً، الإيحاء: الفن لا يقول كل شيء، بل يوحي. هذا الغموض يدفع المتلقي إلى ملء الفراغات بتجربته الذاتية، مما يعمق الارتباط بين إحساسه بالجمال وحقيقة وجوده.

ثالثاً، المشاركة الوجدانية: عندما يتأثر المتلقي، يصبح جزءاً من العمل الفني. إحساسه الذاتي بالجمال يندمج مع الحقيقة التي يكشفها العمل، فيولد أثراً يتجاوز الزمن والمكان.

ليس كل فن ينجح في تحقيق هذا التوازن. قد يغرق بعض الفنانين في الذاتية المطلقة، فيصبح العمل مجرد انفعال شخصي لا يتجاوز صاحبه. وقد يميل آخرون إلى الجدل الفلسفي المباشر، فيفقد العمل جاذبيته الجمالية ويصبح جافاً. التحدي الحقيقي يكمن في الحفاظ على التوتر: أن يكون الجمال بوابة، لا غطاءً، للحقيقة. كذلك، يتأثر هذا التفاعل بالسياق الثقافي والتاريخي. في عصور اليقين الديني، كان الجمال يعبر عن النظام الكوني. أما في عصر الحداثة والما بعد حداثة، فيصبح التعبير عن التشظي والغربة، مع الحفاظ على لمسة جمالية تجعل هذا التشظي قابلاً للتحمل.

خاتمة

الأثر الفني الحقيقي هو ذلك الذي يحول الإحساس الذاتي بالجمال إلى أداة لكشف حقيقة الوجود، ويجعل حقيقة الوجود تجربة جمالية مؤثرة. إنه ليس مجرد إبداع، بل هو فعل وجودي يعيد الإنسان إلى وعيه بذاته ككائن يبحث عن المعنى وسط الفوضى. من خلال هذا الالتقاء، يصبح الفن مرآة ونافذة في آن واحد: مرآة تعكس أعماقنا الذاتية، ونافذة تطل على أسرار الكون. وفي هذا الالتقاء يكمن سحر الفن الأبدي، وقدرته على تجديد الإنسانية في كل عصر. هكذا، يبقى الفنان وسيطاً بين الذات والوجود، والمتلقي شريكاً في هذه الرحلة التي لا تنتهي، حيث يلتقي الجمال بالحقيقة ليولدا أثراً يعيد تشكيل واقعنا الإنساني. في عصرنا الرقمي، حيث تتدفق الصور والأصوات بسرعة مذهلة، يزداد أهمية هذا الأثر. الفن الذي يجمع بين الجمال الذاتي (الذي يجذب الانتباه فوراً) والتعبير الوجودي (الذي يبقى في الذاكرة) يقاوم سطحية العصر. سواء في السينما التي تجمع بين الصور الخلابة والقصص العميقة، أو في الفنون التشكيلية التي تستخدم التكنولوجيا لاستكشاف الهوية والواقع الافتراضي، يظل السؤال الأساسي: كيف نجعل الجمال يفتح أبواب الوجود؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

في حياتنا المهنية والاجتماعية، قد نصادف أشخاصاً لا يوجهون لنا ضربة قاضية مباشرة، بل يستنزفون طاقتنا ببطءٍ شديد حتى نجد أنفسنا بعد فترة شخصيات لا نعرفها؛ فقد تبدلت ملامحنا عما كانت عليه. كنا نتمتع بالهدوء والاتزان والذكاء، نعمل بشغف وتفان وحب، ونستمتع ببهجة الحياة وسعادتها، مؤمنين بأن النجاح رحلة عطاء جميلة، لكن فجأة يبدأ شيء في داخلنا بالانطفاء والإنكفاء. يصبح التركيز أصعب، ونومنا أقل سكينة واضعف طمأنينة، وتزدحم أفكارنا بالتشتت والسرحان، حتى باتت التفاصيل الصغيرة قادرة على إضعافنا واستنزاف ما تبقى من ذواتنا وقتل ما يكمن فينا.

لا تكمن المشكلة دائماً في ضغوط العمل أو تراكم المسؤوليات وتعددها، بل في أولئك الذين يتسللون إلى أعماقنا دون استئذان، يقتاتون على إحباطنا وقلقنا، ويحولون حياتنا من مساحة للعمل والجهد والإبداع إلى ساحة للاستنزاف العاطفي والتوتر الدائم. هؤلاء لا يدخلون حياتنا بصخب، بل يبدؤون بهدوء عبر النقد المستمر، والتقليل من شأن عملنا وإنجازاتنا ونجاحاتنا، وبث الطاقة السلبية في محيطنا وفي داخل أعماق نفوسنا، أو التلاعب بمشاعرنا وإلقاء أعبائهم النفسية والمرضية على عاتقنا وكاهلنا. ومع الوقت، نجد أنفسنا نحمل في رؤوسنا ضجيجهم وصخب حياتهم واضطرابها، ونخوض معاركهم دون أن نكون طرف فيها، ونتبنى عقليتهم المقيتة القائمة على الخوف والارتباك والسلبية، مما يؤدي بنا إلى الإنهاك والضعف والتآكل النفسي.

الأخطر من ذلك أن الإنسان أحياناً يسمح لهذا النوع من الشخصيات باختراق حدوده الزمانية والمكانية والنفسية والعاطفية، فيمنحهم مساحة أعمق تأثيراً سلبياً مما يستحقون. يدخلون إلى قلبه ويقتحمون جوارحه وعواطفه، يتسللون إلى أحلامه، ويزعجونه بكوابيس مفزعة ومقلقة، ينالون من ثقته بنفسه فيضعفونها، حتى تتحول طموحاته إلى سراب، وراحته النفسية إلى قلق دائم، ونومه الهادئ إلى كوابيس وأحلام مفزعة. يبدأ الإنسان في فقدان نفسه تدريجياً، ليس لأنه ضعيف أو متهالك، بل لأنه استنزف عاطفياً بصورة متراكمة دون أن ينتبه. الحل لا يبدأ بمحاولة تغيير الناس، لأن بعض الشخصيات المتعبة والسامة لا تتغير بسهولة، بل يبدأ باستعادة السيطرة على الذات وعدم السماح للآخرين في إنهاكنا وتدمير ما يكمن في أفكارنا وقلوبنا.

أن تدرك أن صحتك النفسية ليست ساحة مفتوحة للجميع، وأن القرب من بعض الأشخاص قد يكون مكلفاً أكثر من تجاهلهم والابتعاد عنهم. هناك علاقات تحتاج إلى حدود واضحة وقيود وضوابط، وهناك أشخاص يجب أن تتعامل معهم بوعي وحزم لا بعاطفة، وبمسافة نفسية تحفظ اتزانك الداخلي وسلامك النفسي.

من الحلول العملية المجرَّبة أن تتوقف عن تبرير السلوك المؤذي للآخرين، وأن تكفَّ عن لعب دور المُنقذ الدائم للشخصيات المضطربة التي تُلقي بهمومها وإخفاقاتها عليك. لست مُطالباً بحمل أعباء الجميع فوق طاقتك، ولا بالسماح لهم باختراق مساحاتك الخاصة التي تمنحك السكينة. كما أن العودة للأنشطة التي تبعث فيك الحياة أمر بالغ الأهمية، كالرياضة، والقراءة، وبناء العلاقات الصحية، وصُحبة الأخيار، والتأمل الذاتي، والإتقان في العمل، وتطوير الذات، وحتى الجلوس مع مَن يمنحونك الطمأنينة بدلاً من التوتر. علاوة على ذلك، يُعدُّ تعزيز الحوار الإيجابي مع الذات من أهم وسائل التعافي من القلق المستدام والحزن الذي قد يقودك إلى الكآبة.

إن الإنسان الذي يكرر لنفسه يومياً أنه منهك وضعيف ومهزوم ومكتئب، سيعيش هذه الحالة حتى لو امتلك كل أسباب النجاح والتميز. بينما الشخص الذي يعيد بناء ثقته بنفسه وقوته النفسية والذهنية، ويسترجع توازنه، ويؤمن أن ما مر به مجرد مرحلة يمكن أن تنتهي وليست نهاية الطريق والمآل، يستطيع أن ينهض من جديد مهما بلغت شدة الاستنزاف والإنهاك. فالحياة ليست خالية من الضغوط والابتلاءات، مصداقاً لقول الله سبحانه وتعالى: (أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ) (العنكبوت:2)، لكن الفرق الحقيقي يكمن فيمن نسمح لهم بالاقتراب من أعماقنا. فليس كل من اقترب منا يستحق الدخول إلى عالمنا الداخلي وحياتنا الشخصية. بعض الناس حضورهم راحة وطمأنينة وسلوى، وبعضهم الآخر فوضى وكآبة نفسية وقلق مفزع وإحباط يدخلنا في تيه ونسيان، والذكاء الحقيقي ليس فقط في معرفة الناس، بل في معرفة من يستحق أن يكون له حضور في حياتنا ويبقى قريباً من روحنا وقلوبنا، ومن يجب أن يبقى خارج حدودنا.

***

د. أكرم عثمان

13-5-2026

حين الحديث عن التعايش بين مكونات وتعبيرات المجتمع والوطن الواحد، فإننا حقيقة نتحدث عن قيمتين أساسيتين وهما قيمة الاختلاف وقيمة المساواة.. 

فينبغي أن نعترف بحقنا جميعا بالاختلاف، وهذا الاعتراف ينبغي أن لا يقود إلى التحاجز وبناء الكانتونات الاجتماعية المنعزلة عن بعضها، كما أنه ينبغي أن لا يقود إلى التعدي على الحقوق.. 

فالتعايش هو حصيلة بناء علاقة إيجابية بين حق الاختلاف وضرورة المساواة.. وأي خلل في هذه المعادلة، يضر بحقيقة التعايش في أي مجتمع ووطن.. 

ومفهوم التعايش بطبيعته ومضمونه، لا يلغي التنافس أو الخلافات بين المكونات والتعبيرات والأطياف، وإنما يحدد وسائلها، ويضبط متوالياتها..  فالتعايش لا يساوي السكون والرتابة، وإنما يثبت الوسائل الإيجابية والسلمية لعملية التنافس والاختلاف، ويرفض الوسائل العنفية بكل مستوياتها لفض النزاعات أو إدارة الاختلافات والتباينات.. 

كما أن مفهوم التعايش، لا يرذل الإختلافات والتباينات بكل مستوياتها، وإنما يعتبرها حالة طبيعية وجزء أساسي من الوجود الإنساني، ولكنه يرفض أن تتحول عناوين الاختلاف والتباين، وسيلة لإمتهان طرامة المختلف أو التعدي على حقوقه الخاصة والعامة. فالتعايش كمفهوم وممارسة، لا يشرع بأي نحو من الأنحاء، لأي طرف مهما كان الاختلاف والتباين، إلى التعدي على الحقوق أو تجاوز الأصول والثوابت في التعامل مع المختلف وفق ضوابط العدالة والمناقبية الأخلاقية.. لذلك يقول تبارك وتعالى في محكم كتابه [ ولا يجرمنكم شنئان قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى ]..

لذلك فإن خلق معادلة متوازنة وحيوية بين مفهومي الاختلاف والمساواة، هو جذر التعايش وجوهره النوعي.. فالاختلاف لا يقود إلى الظلم والافتئات، بل يؤكد قيم العدالة والمساواة.

إذا تحققت هذه المعادلة، تحقق مفهوم التعايش في الفضاء الاجتماعي والوطني.. وبدون هذه القيم والحقائق لا ينجز مفهوم التعايش في أي مجتمع وفضاء إنساني.. 

ووفق هذه الرؤية فإن التعايش، لا يساوي أن يتنازل أحد عن ثوابته ومقدساته، وإنما يساوي الالتزام بكل مقتضيات الاحترام والعدالة لقناعات الطرف الآخر، بصرف النظر عن موقفك الحقيقي أو العقدي منها.. 

وهذه ليست حفلة تكاذب أو نفاق، كما يحلو للبعض أن يطلق عليها، بل هي جهد إنساني متواصل لتدوير الزوايا ومنع تأثير العوامل السلبية، التي توتر العلاقات بين المختلفين أو تعيدها إلى المربع الأول.. 

فالتعايش لا يقتضي الإنشقاق أو التفلت من الثوابت أو الأصول لدى الأطراف، وإنما يقتضي الإصرار على خيار التفاهم وتوسيع المشترك وإدارة نقاط التباين وموضوعات الاختلاف بعقلية حضارية، توفر للجميع حق التعبير عن قناعاتها ووجهة نظرها، بعيدا عن الإساءة إلى الطرف أو الأطراف الأخرى..

و عليه فإننا نعتقد بعمق أن خيار التعايش بين مختلف الأطياف والمكونات، التي يتشكل منها المجتمع والوطن الواحد، هو من ضرورات الدينية والأخلاقية والوطنية لأنه السبيل لضمان حقوق الجميع بدون تعدي وافتئات، كما أنه الإمكانية الوحيدة وفق كل الظروف والمعطيات لصيانة الأمن الاجتماعي والاستقرار السياسي والوطني.. ومن يبحث عن الحقائق الأخيرة بعيدا عن مفهوم التعايش ومقتضياته، فإنه يساهم في تأسيس بذور الكثير من الأزمات والكوارث الاجتماعية والسياسية.. فالمجتمعات المتعددة والتي تحتضن تنوعات عمودية وأفقية إذا صح التعبير، بحاجة إلى جهد لإدارة هذه التنوعات بعيدا عن إحن الماضي أو هواجس الخصوم.. 

فالاستقرار العميق في كل الأوطان والمجتمعات، هو وليد شرعي لحقائق التعايش ومتطلباته حينما تسود المجتمع بكل فئاته وشرائحه وأطيافه.. 

وعليه فإن صناع الوعي والمعرفة والكلمة في مجتمعنا، يتحملون مسئولية عظيمة في هذا الصدد.. فهم معنيون راهنا ومستقبلا، بصناعة المعرفة التي تؤكد خيار التعايش، وتعمق أواصر التفاهم بين م ختلف الأطياف.. وهذا لا يتأتى إلا باشتراكهم الفعال في محاربة كل الأفكار التي تزرع الشقاق والأحقاد بين أبناء المجتمع والوطن الواحد.. 

لهذا فإن خطابات التحريض والتشدد والغلو ضد المختلف في الدائرة الوطنية والاجتماعية، لا تبني تعايشا ولا تحافظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي، لأنها وببساطة شديدة، تؤدي إلى خلق الحواجز النفسية والاجتماعية ضد المختلف، كما تساهم في إذكاء أوار التوتر والصدام..  لهذا فإن الحديث عن التعايش، أو بالأحرى تبني هذا المفهوم وهذه المقولة، يقتضي الوقوف بحزم ضد كل مقولات التعصب والغلو والتشدد ضد المختلف..لأن الآثار الخاصة والعامة المترتبة على نزعة التعصب والغلو ، كلها آثار مناقضة ومهددة لأسس وحقائق التعايش في الفضاء الاجتماعي.. 

لهذا فإن الصمت إزاء نهج التعصب والمقولات التحريضية، يعد مساهمة مباشرة وغير مباشرة في إفشال نهج التعايش  فالمجتمع والوطن..

وعليه فإننا نعتقد وبعمق أن التعايش وليد منظومة مفاهيمية واجتماعية وثقافية متكاملة.. وإن من يتبنى نهج التعايش عليه أن يضع منظومة فكرية واجتماعية متكاملة، حتى يكون سلوك ه وكل مواقفه منسجمة ومقتضيات التعايش، وحتى يتمكن من موقع الأنموذج والقدوة للتبشير بهذا الخيار، ودعوة أبناء المجتمع إلى تبني هذا النهج كنهج يحفظ حقوق الجميع، ويصون استقرارهم، ويحافظ على مكتسباتهم.. ومن الضروري أن ندرك جميعا أن نقص أو ضمور حقائق التعايش في أي مجتمع وتجربة وطنية، يساهم في تقويض مشروعات التنمية البشرية، ويزيد من الفجوات العمودية والأفقية بين مختلف التكوينات الاجتماعية مما يجعل الأرضية الوطنية مهيئة للكثير من الانقسامات والتشظيات..  

وبمقدار ما نتمسك بقيمة المواطنة كوعاء حاضن لنا جميعا بذات القدر نعيد صياغة علاقتنا بانتماءاتنا الخاصة.. فالمواطنة بكل حمولتها القانونية والحقوقية، هي القادرة على استيعاب كل التنوعات والتعدديات.. وهي التي تحول دون انحباس احد في انتمائه الخاص.. وهذا يتطلب منا جميعا مواطنين ومؤسسات رسمية وأهلية، العمل على صياغة مشروع وطني يستهدف تعزيز قيمة المواطنة.. وإن تعزيز هذه القيمة في فضائنا الاجتماعي والوطني، يقتضي العمل على تفكيك كل الحوامل والحواضن الثقافية لظواهر التعصب والغلو والتشدد بكل مستوياتهما.. لهذا فإننا مع كل مبادرة، تعزز قيمة التفاهم بين الأشخاص والأطياف، ومع كل خطوة تساهم في تدوير الزوايا الحادة بين مختلف الفرقاء..

***

محمد محفوظ

رحلة تطوره في الثقافة العربية

يُعدّ النقد الأدبي ممارسة فكرية تجمع بين الذوق الفني والمعرفة العلمية، تهدف إلى تفسير الأعمال الأدبية وتقييمها وكشف جوانب الجمال أو القبح فيها. ومنذ أن وُجد الأدب وُجد النقد، إذ لا يمكن تصوّر النقد الأدبي منفصلاً عن النصوص الأدبية التي تمثّل مادته الأولى. ولئن كانت الأذواق تختلف، فإن الذوق المصقول المستند إلى ثقافة واسعة وخبرة أدبية هو ميزان الحكم النقدي.

النقد الأدبي هو، كما عرّفه طه حسين، "فن تفسير الأعمال الأدبية تفسيرًا يتّصل ببيان مواطن الحسن ومواطن القبح فيها"، مشيرًا إلى أن الناقد لا يقدّم أحكامًا علمية يقينية بقدر ما يسعى إلى الإقناع عبر الحسّ المرهف والعقل المنضبط. هذا ما يجعل النقد الأدبي، كما وصفه عبد الله إبراهيم، "مسعى تأويليًا أكثر منه سلطة معيارية قاطعة".

النقد الأدبي وفلسفة النظرية

في العصر الحديث، أصبح النقد الأدبي وثيق الصلة بالنظرية الأدبية، أي بالسجال الفلسفي حول أساليب النقد ومقاصده. ورغم التلازم الظاهر بين الناقد والمنظر، فإن الناقد الأدبي قد يمارس النقد دون أن يتورط في بناء منظومات نظرية شاملة. فكما يقول رولان بارت في كتابه في الأدب والكتابة والنقد: "الناقد ليس عليه أن يكون منظّرًا، بل عليه أن يخلق المعنى في منطقة ما بين النص والقارئ".

بدايات النقد العربي: بين الانطباع والذائقة

يعود النقد العربي إلى العصر الجاهلي، حيث كانت الممارسة النقدية مرتبطة بالذائقة العامة وبمعايير المجتمع القبلي. لم يكن النقد آنذاك يتجاوز الانطباع المباشر والتفضيل الشخصي، كما تظهره الحكايات عن تحكيم الشعراء في سوق عكاظ. وقد رأى الدكتور محمد مندور أن النقد في هذه المرحلة "لا يمكن أن يوصف بالمنهجي"، لكنه يقرّ بأن هذه البدايات كانت ضرورية لنشوء حركة نقدية لاحقة أكثر عمقًا.

النقد في صدر الإسلام: الأدب بين قداسة النصوص وتحول الذائقة

مع ظهور الإسلام، تغيّرت مكانة الشعر والأدب بسبب مركزية القرآن الكريم، مما جعل النقد الأدبي ينطوي على حذر شديد، خصوصًا في ظل الجدل الذي أثارته الآية: {وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ} (سورة الشعراء: 224). ومع ذلك، ظل الشعراء يبدعون، وظل النقد يستمر، وإنْ كان بطابع أخلاقي وتربوي جديد. ويحكي لنا ابن قتيبة في الشعر والشعراء كيف كان الخليفة عمر بن الخطاب يفصل في قضايا الهجاء والشعر بما يراعي القيم الإسلامية المستجدة.

النقد في العصر الأموي والعباسي: بداية المنهجية العلمية

اتساع الدولة الإسلامية وتعدد الحواضر الثقافية أدّى إلى ازدهار الحياة الأدبية والنقدية. في العصر الأموي، ظهرت مجالس النقد في بلاط الخلفاء والأمراء. أما في العصر العباسي، فقد ارتقى النقد الأدبي إلى درجة من المنهجية والعلمية لم تعرفها الفترات السابقة. ومع ابن سلام الجمحي وكتابه طبقات فحول الشعراء بدأت معالم النقد المنظم الذي يعتمد على معايير فنية وموضوعية نسبية.

ويؤكد عبد الرحمن بدوي في دراسات المستشرقين حول صحة الشعر الجاهلي أن النقد العباسي مثّل نقلة نوعية حينما حاول بعض النقاد التمييز بين الشعر الأصيل والمصنوع استنادًا إلى معايير نقدية دقيقة.

عصر التدوين والنضج النقدي

شهد القرنان الثالث والرابع للهجرة تدوين العلوم العربية بما فيها النقد الأدبي، مما أدى إلى نشوء مذاهب نقدية متعددة تجمع بين البلاغة والنحو واللغة والعروض. في هذه المرحلة لم يعد النقد مجرد ذوق عفوي، بل صار منهجًا تحليليًا متكاملاً، كما نرى عند الجاحظ في البيان والتبيين وابن طباطبا العلوي في عيار الشعر.

ولعل أبرز ما ميز هذه الفترة هو الوعي بالأسلوب الأدبي بوصفه معبرًا عن شخصية الأديب وفكره. فقد أشار الجاحظ إلى أن "البيان هو ترجمان الضمير"، مما يعني أن الأسلوب الأدبي ليس مجرد زخرفة لغوية بل انعكاس للكيان الداخلي للمبدع.

الأسلوب الأدبي: روح الأدب وصورة الناقد:

الأسلوب، كما قال عبد الفتاح كيليطو في الأدب والغرابة، هو "التقاء العالم الداخلي للكاتب بالعالم الخارجي للغة". ويتكوّن الأسلوب من عناصر عدة: الأفكار، العاطفة، الخيال، الإيقاع، واللغة، والتي تتآزر لتشكل النص الأدبي في وحدته الجمالية.

يفرق النقاد بين الأسلوب الأدبي الذي يعتمد على الإيقاع والعاطفة والصور الفنية، وبين الأسلوب العلمي الذي يركن إلى الدقة والتحديد والوضوح العقلي. كما أكد أمبرتو إيكو في نزهات في غابة السرد أن على الأديب أن يوازن بين وضوح المعنى وجمالية التعبير، لكي يحقق نصه أثرًا شعوريًا ومعرفيًا معًا.

النقد الحديث: بين الإبداع والاتباع:

في العصر الحديث، أصبح النقد أكثر تنوعًا وانفتاحًا على المناهج الفلسفية والسوسيولوجية واللغوية. فبعد أن كان محصورًا في دائرة التذوق، أصبح يتناول النصوص عبر مناهج مثل البنيوية، التفكيكية، والتحليل النفسي. وفي هذا السياق، كتب أدونيس في الثابت والمتحول عن صراع الإبداع والاتباع في الثقافة العربية، مؤكدًا أن النقد يجب أن يكون مبدعًا لا تابعًا.

خلاصة

النقد الأدبي مسيرة طويلة تبدأ بالذوق وتنضج بالمعرفة. وهو ممارسة فنية وفكرية لا تبحث عن الحقيقة المطلقة بقدر ما تسعى إلى إضاءة النص الأدبي من زوايا مختلفة. وقد مر النقد العربي بتحولات عميقة عبر عصوره المختلفة، ليصبح اليوم حقلاً معرفيًا غنياً يمزج بين المتعة الفكرية والدقة العلمية.

كما قال ميلان كونديرا في فن الرواية: "النقد الحقيقي هو احتفال بالنص، لا محاكمة له"، وهذا ما ينبغي أن يبقى شعار النقد الأدبي في كل عصر.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

(قل لي: ماذا تنتظر؟ اقول لك: من أنت) ق.م.

الانتظار ليس مجرد زمنٍ فائض بين لحظتين، بل هو الحالة الأكثر التصاقًا بجوهر الإنسان. إننا لا نعيش أعمارنا بقدر ما نعيش ما نترقبه فيها؛ نولد ونحن ننتظر، ونكبر على مهل الانتظار، ثم نمضي وفي داخلنا شيء مؤجل لم يكتمل بعد. وحده الإنسان يعرف كيف يحوّل الزمن إلى قلق، وكيف يمنح الغياب حضورًا أشد من الحضور نفسه، ولذلك كان الانتظار أكثر من حالة نفسية عابرة؛ إنه بنية وجودية كاملة، وسرّ خفي من أسرار الوعي البشري.

كل الكائنات تنتظر، لكن انتظارها محكوم بالغريزة، بينما انتظار الإنسان محكوم بالمعنى. النحل ينتظر تفتح الأزهار، والعصافير تنتظر الفجر لتستعيد غناءها، والصقور تترقب لحظة الانقضاض، والأسود تصبر على الجوع حتى تمر الفرائس. غير أن هذه الكائنات لا تقلق من المستقبل كما يقلق الإنسان، ولا تبني على الانتظار أحلامًا وتأويلات وهواجس. الإنسان وحده هو الكائن الذي يستطيع أن يحيا عمرًا كاملًا على وعد مؤجل، وأن يجعل من الأمل ضرورة للبقاء، حتى حين يعرف في أعماقه أن ما ينتظره قد لا يأتي أبدًا.

الأم تنتظر مولودها كما لو أنها تنتظر ولادة معنى جديد للحياة، والأب ينتظر قدوم ابنه بوصفه امتدادًا لزمنه الشخصي. الطفل ينتظر حليب أمه، والفتاة تنتظر فارسًا تخيلته قبل أن تعرفه، والعاشق ينتظر لقاءً يعتقد أنه سيعيد ترتيب العالم داخله. الطالب ينتظر نتيجة امتحانه وكأنها قدره الأخير، والمريض ينتظر الشفاء، والمغترب ينتظر العودة، والسجين ينتظر باب الحرية، والشعوب تنتظر السلام والاستقرار بعد أعوام الخراب. هكذا يبدو الإنسان كائنًا معلقًا دائمًا بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون، بين الحاضر الناقص والمستقبل المتخيّل وهكذا هو الإنسان كائن مسكون بالانتظارات الدائمة في كل لحظة من حياته منذ الميلاد حتى الممات ولا يكف الكائن عن الانتظار الا حينما يتوقف قلبه عن النبض فبعضهم ينتظر رسالة وبعضهم ينتظر موافقة وبعضهم ينتظر بشارة وبعضهم ينتظر إشارة وبعضهم ينتظر مكالمة وبعضهم ينتظر إجازة وبعضهم ينتظر طعامه. وهكذا هو الإنسان في كل زمان ومكان كائن مسكون بالانتظار. فمن منكم لا ينتظر الآن شيئا؟ قل لي ماذا تنتظر أقول لك من أنت. أما أنا فلي ما انتظره وينتظرني.

ولعل كتابي (فيما يشبه الانتظار؛ قضايا وافكار) عن دار يستطردون في القاهرة 2022م هو خلاصة تجربتي بقلق الانتظار وقد دونت فيه قصتي مع الانتظارات الطول منذ طفولتي إذ يحدث أحيانًا أن تتسلل بعض الكلمات والمفاهيم والعبارات إلى اذهاننا دون وعي منًا لاسيما نحن الذين درسنا فلسفة التاريخ والحضارة وتلقفنا معظم المفاهيم التي نستخدمها من سياقات ثقافية واجتماعية غربية مغايرة لم نعشها قط. وربما وجدنا التحليل النفسي ما يشبع ويروى لفهم هذه الظاهرة. إذ أن عالم التحليل النفسي سيجموند فرويد، في كتابه المهم، تفسير الأحلام قد أكد بأن كل ما يصدر عن الإنسان من افعال وأحلام وافكار وأوهام وعبارات وكلام يمكن فهمه وتفسيره بإعادته إلى اسبابه والأسباب أربعة (قريبة وبعيدة وظاهرة وخفية) حتى زلات اللسان لها معنى حينما تصدر عن الإنسان دون ارادته . والحلم سر الشخصية بحسب اريك فروم. لا يحلم الكائن الحالم إلا بالأشياء الحيوية التي عجز عن إشباعها في الواقع. فالجائع لا يحلم إلا الخبز والعطشان لا يحلم بما يروي عطشه والمسجون يحلم بالحرية والمحصور يحلم بالحمام والمحروم يحلم بموضوع حرمانه والخائف يحلم بالأمان والحزين يحلم بموضوعات حزنه والمظلوم يحلم بالعدل والمقهور يحلم بموت قاهره ..الخ. وهكذا هي الأحلام لأيمكن تفسيرها وفهمها إلا بما قبلها وفي سياق حاضرها الحي الفوري المباشر. في ذات السياق يمكن لي ولكم فهم معنى كلمة (فيما يشبه) التي أدمنت كتابتها في عناوين مقالاتي دون وعي في كثير من الأحيان إذ ما أن أبدى بكتابة اي شيء يتصل بالحياة العامة في مجتمعنا العربي الإسلامي حتى تقفز تلك الأزمة (فيما شبه) مثل البسملة . كتبت فيما يشبه الفرح وفيما يشبه التهنئة وفيما يشبه الاحتفاء وفيما يشبه الاعتذار وفيما يشبه الحياة وفيما يشبه الوطن وفيما يشبه الأمل وفيما يشبه الحرية وفيما يشبه الشعر وفيما يشبه الحب وفيما يشبه الحلم وفيما يشبه التفكير وفيما يشبه الحزن وفيما يشبه المؤسسات وفيما يشبه الجامعة وفيما يشبه الجودة وفيما يشبه المدينة وفيما يشبه الثورة وفيما يشبه الدولة وفيما يشبه الثقافة وفيما يشبه البشر فيما يشبه الجيوش وفيما يشبه الصلاة وفيما يشبه الحرب وفيما يشبه الثقة وفيما يشبه الصدق وفيما يشبه العلم وفيما يشبه الحقيقة.. الخ. نعم كتبتها في عناوين مقالاتي المنشورة. ولم أكون على دراية واعية بحضورها الكثيف بهذا النحو . وربما يعود الفضل لأخي العزيز، استاذ صالح أبو مهيب الذي نبهني إلى تكرارها بشكل مستفز فيما معظم ما أكتب.

ذات يوم سألني صالح أخي أبو مهيب: لماذا تكتب كلمة (فيما يشبه) بعناوين منشوراتك ومقالاتك؟ تلعثمت ولم أجد جوابًا منطقيًا حينها وأتذكر أنني قلت له: لا أعرف لماذا علقت بذهني هذه الأزمة اللغوية؟ وحينما خلوت بنفسي أخذت أتأمل في الأمر فأخذتني الذاكرة إلى زمن مضى ربما لعقدين من الزمن منذ بدأت استخدم تلك العبارة دون أن أكون واعيًا بها. وهذا ما جعلني أتفحص الدلالة في هذا العبارة العالقة بذهني. انها يا سادة نابعة من احساس عميق بان تلك الحياة التي نعيشها في هذه الأصقاع المسممة بالبؤس والخراب والظلام والخوف والجريمة ليست حياة طبيعية للكائن الإنساني. أنها فقط فيما يشبه الحياة. وجودنا فيما يشبه الوجود أحلامنا فيما يشبه الأحلام أفراحنا فيما يشبه الأفراح، لا شئ طبيعي وراسخ ويبعث على الاطمئنان والثقة والحلم والأمان في هذا في مجتمعاتنا العربية الإسلامية الراهنة .اننا نعيش في حالة وجودية عبثية تعي قوة التمييز والحكم. وتلك هي السمة العامة التي تتسم بها المجتمعات التي تضيق فيها حدود الحرية (حرية الضمير والفكر والاعتقاد والعمل) إذيندر أن تجد فيها أشخاص طبيعيين يتصرفون على طبيعتهم ببراءة وعفوية بالاتساق مع سجيتهم الحقيقية ، بل تسود ثقافة وقيم ازدواجية الشخصية بين الظاهر والباطن وتزدهر قيم التكلف والتزلف والنفاق والمرآءة واللف والدوران والكذب والأحقاد والضغائن والخيانات والغدر والخديعة والشتم والغيبة والنميمة وانعدام الثقة والشك والارتياب وسوء الفهم والتفاهم والفصام وسرعة التقلب من حال الى حال و الجمع بين المتناقضات دون الشعور بالتناقض وصعوبة التنبؤ بسلوك الأفراد وردود أفعالهم، واختلاط المعايير وغياب الحدود بين الغث والسمين بين الجيد والردئ ويمكنكم تعداد المزيد من القيم السلبية من واقع حياتكم وتجاربكم الشخصية. أتمنى أنني استطعت أن أجيب على السؤال ولو بالحد الأدنى. في ذات السياق جاءت فكرة كتاب فيما يُشبه الانتظار بوصفها فكرة محملة بكنانة شاملة بالأمل والترقب والصبر والرجاء وحينما يعجز الواقع عن إشباع حاجاته الملحة يضطر اخيرا إلى الحلم والأمل. من هذا التوتر العميق يولد قلق الانتظار؛ ذلك القلق الذي يجعل الدقيقة الواحدة تمتد كأنها عمر، لأن الزمن النفسي لا يقاس بالساعة بل بشدة الترقب. فالانتظار ليس سكونًا كما نظن، بل احتراق داخلي بطيء، حالة من الشد العصبي بين الرغبة والعجز، بين الخوف والرجاء. نحن لا ننتظر الأشياء فحسب، بل نعيد خلقها في داخلنا، فنمنحها معاني أكبر من حجمها الواقعي، حتى يصبح المنتظَر أحيانًا أكثر جمالًا من لحظة تحققه ذاتها.

ولعل الأدب كان المرآة الأصدق لهذا القلق الإنساني. وتعد مسرحية في انتظار غودو للكاتب الإيرلندي صامويل بيكيت، من ابرز الاعمال التي عبرت عن عبث الانتظار وكذلك رواية ليس للكولونيل من يراسله للكاتب الكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز لا ينتظر الكولونيل رسالة معاش تقاعدي فقط، بل ينتظر اعتراف العالم بوجوده وكرامته. خمسة عشر عامًا وهو يذهب إلى الميناء كل يوم جمعة مترقبًا رسالة لا تصل، ومع ذلك يواصل الانتظار بعناد نبيل. هنا يتحول الانتظار إلى شكل من أشكال المقاومة، وإلى وسيلة لحماية الذات من السقوط الكامل في العدم. لقد أدرك ماركيز أن الإنسان قد يعيش على الأمل أكثر مما يعيش على الخبز، وأن المعنى أحيانًا لا يكمن في الوصول بل في القدرة على الاستمرار رغم تأخر الوصول.

وفي الفن أيضًا تتجلى هذه الفلسفة بصورة أكثر شفافية. فالأغاني التي تتحدث عن الغياب ليست سوى أناشيد طويلة للانتظار كما هي أغنية “مستنياك” للفنانة عزيزة جلال فإن الانتظار يتحول إلى هوية شعورية كاملة، حتى يبدو العاشق كمن يعيش حياته كلها داخل لحظة ترقب لا تنتهي وفي ذات السياق تأتي اغنية “مرسول الحب” للفنان المغربي إبراهيم كيالي

وقد اختزلت الحكمة الشعبية هذه الفكرة بعبارة شديدة العمق: “الإناء المراقب لا يغلي أبدًا”. ذلك لأن الإنسان حين يحدّق طويلًا فيما ينتظره يشعر أن الزمن يتباطأ، وأن الأشياء تتعمد التأخر. فالانتظار المكثف يجعلنا سجناء للوقت، بينما الانشغال بالحياة يخفف وطأة الترقب. ولهذا قيل إن الصبر ليس مجرد احتمال الزمن، بل القدرة على العثور على معنى آخر للحياة أثناء مروره.

غير أن الانتظار لا يقتصر على الأفراد وحدهم؛ فالثقافات والحضارات أيضًا تعيش قلق الانتظار. إن الثقافة، بوصفها القوة الإبداعية في التاريخ، ليست سوى ثمرة لهذا القلق الوجودي المتأصل في ذات الإنسان العاقل. فحين يشعر الإنسان بالنقص يبدأ بالسؤال، وحين يسأل يبدأ بالتفكير، ومن التفكير يولد الخيال، ومن الخيال تولد الحضارة. لذلك لا نمو ولا تطور ولا تجديد إلا بالإبداع، ولا إبداع إلا بالتغيير والانقطاع والتحول من بارادايم إلى آخر. الثقافة الحية هي ثقافة القلق الخلاق، أما حين تتجمد الثقافة فإن التاريخ نفسه يتحجر، ويتحول الإنسان إلى مجرد كائن يكرر ذاته دون قدرة على تجاوزها.

ومن خبرات الحياة البسيطة ندرك أن الاهتمام هو مفتاح كل معرفة ممكنة، بل هو الشرارة الأولى لكل فعل إنساني. فالإحساس بالاختناق يدفع الكائن الحي للبحث عن الهواء، والإحساس بالجوع يدفعه للبحث عن الطعام، والعطش يقوده إلى الماء، والحاجة إلى الحب تدفعه نحو الآخر، والحاجة إلى الاعتراف تدفعه إلى البطولة والإنجاز. وحين تموت الدافعية يحتضر الكائن نفسه. الأسد الذي لا يغادر عرينه يموت جوعًا، والثعلب النائم لا يصطاد الدجاج. ولذلك كانت الحكمة الشعبية دائمًا تربط الحياة بالفعل والحركة والسعي، لأن الوجود نفسه مقاومة دائمة للفناء.

إن أول قانون فهمه الإنسان لم يكن قانونًا فلسفيًا معقدًا، بل قانون البقاء. لم يكن ممكنًا للإنسان أن يعيش على الأرض دون أن يتعلم كيف يفكر علميًا، وكيف يحول الخوف إلى معرفة. أول الحضارة ربما كانت كهفًا احتمى به الإنسان من العراء، لكنه لم يكن مجرد مأوى، بل بداية الوعي بالأمن والانتماء. وأول الثقافة كانت خيالًا؛ محاولة لتصور الأشياء قبل امتلاكها، وللبحث عن وسائل تجنب الهلاك. حين واجه الإنسان النهر صنع القارب، وحين واجه البرد صنع الملابس، وحين واجه العراء بنى البيت، وحين واجه الجوع استصلح الأرض، وحين واجه المسافات روّض الحيوان وصنع السفن. كل اختراع عظيم بدأ بإحساس حاد بالنقص أو الخوف أو الحاجة، أي بدأ من القلق ذاته.

ولهذا يمكن القول إن القلق ليس عدو الإنسان دائمًا، بل هو القوة التي دفعته إلى تجاوز محدوديته. الحضارة كلها ليست سوى استجابة طويلة لقلق البقاء. وحتى الأخلاق نفسها ربما ولدت من خوف الإنسان من عواقب الاعتداء المتبادل، ذلك الخوف الذي تحول مع الزمن إلى ضمير، ثم إلى قيم، ثم إلى مفاهيم مثل الحرام والعيب والممنوع. فالثقافة في جوهرها ليست معلومات محفوظة، بل عادات متراكمة من الخبرة الإنسانية؛ إذ إن كل فعل يتكرر يصبح عادة، وكل عادة تترسخ تتحول إلى ثقافة، ولهذا قيل إن الثقافة هي ما يبقى بعد نسيان كل شيء.

لكن سؤال الإنسان اليوم لم يعد بيولوجيًا فقط، بل وجوديًا ومعرفيًا أيضًا، خاصة في عصر الذكاء الاصطناعي، حيث أصبح العالم يتغير بسرعة تفوق قدرة الوعي التقليدي على الفهم. نحن لا نعيش مجرد تطور تقني، بل نعيش تحولًا عميقًا في معنى المعرفة نفسها. لقد اعتاد الإنسان قرونًا طويلة أن يفهم العالم من خلال خبرته المباشرة وحدوده الحسية، أما اليوم فهو يواجه عقلًا صناعيًا قادرًا على إنتاج المعرفة وتحليلها وإعادة تركيبها بصورة غير مسبوقة. وهنا يعود القلق من جديد، لكن هذه المرة بوصفه سؤالًا عن معنى الإنسان ذاته: ماذا يبقى للإنسان حين تصبح الآلة قادرة على التفكير؟ وما الفرق بين الذكاء بوصفه قدرة حسابية، والوعي بوصفه تجربة وجودية؟

ربما لهذا يبدو الإنسان المعاصر أكثر توترًا من أي وقت مضى. إنه يعيش في عالم يفيض بالمعلومات لكنه يفتقر إلى الطمأنينة. التكنولوجيا اختصرت المسافات لكنها لم تختصر الوحدة، ووفرت وسائل الاتصال لكنها لم تمنح البشر القدرة الحقيقية على الإصغاء لبعضهم. ومع ذلك يبقى الأمل قائمًا، لأن الإنسان ليس مجرد كائن عاقل، بل كائن قادر على المعنى، والمعنى لا يُصنع بالمعادلات وحدها، بل بالتجربة والذاكرة والحب والخوف والحنين.

ومن هنا يبدو السلام أعظم ما يمكن أن ينتظره البشر اليوم. فالسلام ليس مجرد غياب للحرب، بل عودة الإنسان إلى إنسانيته. الطيور تحتاجه لتغني دون خوف، والأشجار تحتاجه لتنمو دون أن تحرقها النيران، والبحار تحتاجه لتعود زرقاء لا حمراء. السلام ليس شعارًا سياسيًا، بل حاجة كونية عميقة، لأنه وحده القادر على إعادة المعنى للأشياء.

حين يغيب السلام يتغير وجه الوطن كله. الطرقات تصبح ذاكرة مفتوحة للخسارات، والبيوت تتحول إلى شواهد على أحلام لم تكتمل، والناس يمشون في الشوارع وكأنهم يعبرون داخل جرح جماعي طويل. الوجوه المتعبة لا تبتسم إلا باعتذار خافت للحياة، والأصوات تخشى أن توقظ شيئًا مكسورًا في الداخل. حتى الصمت في البلاد المنهكة لا يعود علامة طمأنينة، بل يصبح خوفًا مما قد يأتي بعده.

الحرب لا تنتهي حقًا حين تتوقف البنادق، بل حين يتصالح الناس مع ما تبقى من أرواحهم. فالأوطان لا تموت دفعة واحدة، بل تموت بصمت كل يوم حين يعتاد أبناؤها الألم، وحين يصبح الخوف جزءًا من تفاصيل الحياة اليومية. لهذا يبدو السلام فعلًا أخلاقيًا وروحيًا قبل أن يكون اتفاقًا سياسيًا؛ إنه القدرة على ترميم الداخل الإنساني، وعلى إعادة الأطفال إلى المدارس بدل الملاجئ، وإعادة الضحكة إلى البيوت بدل الصدى.

وربما في النهاية، ليست مشكلة الإنسان أنه ينتظر، بل أنه لا يعرف دائمًا كيف ينتظر. بعض الانتظار يفتح الروح على الأمل، وبعضه يحول الحياة إلى إقامة طويلة في العدم. لكن الإنسان، رغم كل شيء، يواصل الانتظار لأنه لا يستطيع التخلي عن الحلم. نحن ننتظر لأننا ناقصون، ونحلم لأننا أحياء، ونقاوم لأن في داخلنا يقينًا خفيًا بأن العالم، مهما ازداد قسوة، ما يزال قابلًا لأن يُعاد بناؤه من جديد.

وهكذا يبقى الإنسان، منذ الكهف الأول حتى الذكاء الاصطناعي، كائنًا قلقًا، حالمًا، منتظرًا؛ يحمل في داخله خوفه من الفناء، وشغفه بالمعرفة، وحاجته إلى الحب والسلام والمعنى. وبين الخبرة والفكرة، بين الوجع والأمل، تتشكل الحضارة كلها بوصفها محاولة طويلة للإجابة عن سؤال واحد: كيف يمكن للإنسان أن يعيش هذا العالم دون أن يفقد روحه؟

كتب الشاعر، ناظم حكمت ما يلي:

أجمل الأيام

تلك التي لم نعشها بعد

أجمل البحار

تلك التي لم نبحر بها بعد

أجمل الأطفال

هم الذين لم يولدوا بعد

أجمل الزهور

تلك التي لم تتفتح بعد

أجمل الكلمات

تلك التي لم أقلها بعد

أجمل القصائد

تلك التي لم أكتبها بعد

وأجمل ما أريد أن أقوله لك

ما لم أقله بعد

 

مقدمة: في قلب كل رواية تاريخية يكمن سؤال السلطة: من يمتلك الحق في سرد الماضي؟ تاريخ البشرية لم يكن يوماً مجرد تسجيل محايد للوقائع، بل هو بناء سردي يتشكل من خلال السياقات الثقافية والسياسية والأيديولوجية. منذ هيرودوت وثوكيديدس، مروراً بمؤرخي العصور الوسطى والتنوير، وصولاً إلى مدارس ما بعد الحداثة، ظل التاريخ ميداناً للصراع على المعنى. اليوم، مع ظهور الذكاء الاصطناعي القادر على توليد نصوص تاريخية متماسكة ومفصلة، يطرح السؤال نفسه بقوة جديدة: من يمنح الآلة الحق في كتابة تاريخنا؟هذا السؤال ليس تقنياً بحتاً، بل فلسفي ووجودي. إنه يتعلق بطبيعة الحقيقة التاريخية، وحدود الوعي البشري، ومستقبل الذاكرة الجماعية. في هذه الدراسة، سنستعرض الأبعاد المعرفية والأخلاقية والثقافية والسياسية لهذه القضية، محاولين فك شيفرة السلطة التي قد تُمنح أو تُمنع عن الذكاء الاصطناعي في مجال كتابة التاريخ. فمن أين يستمد سؤال السلطة والذاكرة مشروعيته؟

الطبيعة المتنازع عليها للتاريخ: بين الوقائع والسرد

التاريخ ليس أرشيفاً محايداً من الحقائق الثابتة. هو عملية اختيار وترتيب وتفسير. يختار المؤرخ الأحداث المهمة من بين بحر لا نهائي من الوقائع، يربط بينها بخيوط السببية، ويمنحها معنى داخل سياق حضاري معين. هذا الاختيار محكوم دائماً بتحيزات: قومية، طبقية، جنسية، أيديولوجية. حتى أكثر المؤرخين موضوعية يعمل داخل أفق معرفي محدود. الذكاء الاصطناعي، من هذه الزاوية، يبدو وكأنه يحمل وعد الموضوعية المطلقة. فهو يستطيع معالجة ملايين الوثائق في ثوانٍ، واستخراج أنماط خفية، وربط أحداث متباعدة زمنياً ومكانياً. لكنه، في الواقع، يعيد إنتاج تحيزات بيانات التدريب بطريقة أكثر خفاءً وشمولاً.

 إذا كانت البيانات المتاحة غربية النزعة بشكل ساحق، أو تعكس روايات القوى المنتصرة في الحروب والثورات، فإن الذكاء الاصطناعي سيعيد إنتاج هذه الروايات بكفاءة آلية، مع إضفاء طابع "علمي" أو "موضوعي" عليها يصعب التشكيك فيه.

هنا تكمن المفارقة: الآلة لا تمتلك وعياً تاريخياً، ولا تجربة وجودية، ولا قدرة على "الفهم" بالمعنى الهيرمينوطيقي. إنها تقلد السرد البشري بناءً على الاحتمالات الإحصائية. فهل يمكن لتقليد الفهم أن يحل محل الفهم نفسه؟ من يملك السلطة: الدولة، السوق، أم الخوارزميات؟

تاريخياً، كانت السلطة على الكتابة التاريخية تُمنح من قبل مؤسسات: الكنيسة، الدولة، الجامعات، النخب الثقافية. في العصر الحديث، أصبح السوق والإعلام لاعبين أساسيين. أما الذكاء الاصطناعي فيثير تساؤلاً جديداً: هل يمكن لكيان غير واعٍ أن يحصل على "حق" كهذا؟

الحق هنا ليس قانونياً بحتاً، بل أخلاقي ومعرفي. لا أحد "يمنح" الذكاء الاصطناعي حقاً بالمعنى التقليدي؛ بل إن البشر هم من يفوضونه بهذا الدور من خلال استخدامهم له. عندما نطلب من نموذج لغوي كتابة "تاريخ الثورة الفرنسية" أو "حروب الشرق الأوسط"، فإننا نمنحه، عملياً، سلطة سردية. هذا التفويض يحدث في صمت، من خلال الاعتماد اليومي على أدوات الذكاء الاصطناعي في التعليم والإعلام والبحث. لكن هذا التفويض يحمل مخاطر جسيمة. الدول قد تستخدم الذكاء الاصطناعي لكتابة روايات رسمية "محسنة" تُمحو الجوانب المظلمة من ماضيها. الشركات التقنية الكبرى، التي تمتلك النماذج الأكثر تقدماً، تمتلك فعلياً قدرة هائلة على تشكيل الذاكرة الجماعية العالمية. من يراقب هذه الشركات؟ ومن يحدد معايير "الحقيقة" داخل بياناتها؟

الأبعاد الإتيقية: المسؤولية والشفافية والتمثيل

يكمن قلب المشكلة الأخلاقية في غياب المسؤولية. المؤرخ البشري يتحمل مسؤولية أخلاقية عما يكتبه؛ يمكن محاسبته، نقده، مقاضاته في بعض الحالات. أما الذكاء الاصطناعي فهو "صندوق أسود"، حتى لو كشفت الشركات عن جزء من آلياته. إذا أنتج الذكاء الاصطناعي رواية تاريخية تقلل من شأن إبادة جماعية أو تبرر استعماراً، فمن المسؤول؟ المبرمجون؟ مالكو الشركة؟ المستخدمون؟ أم أن الآلة نفسها "بريئة" لأنها لا تمتلك نية؟

كذلك، يثير الأمر قضية التمثيل. التاريخ البشري غني بالأصوات المكبوتة: النساء، الأقليات، الشعوب المستعمرة، الطبقات الدنيا. الذكاء الاصطناعي، الذي يعتمد على النصوص المنشورة والمتاحة رقمياً، يميل إلى تعزيز الأصوات المهيمنة. حتى لو حاولنا "توازن" البيانات، فإن النتيجة تبقى مصطنعة. هل يمكن للآلة أن تمنح صوتاً حقيقياً لمن لم يُكتب عنهم، أم أنها ستخترع أصواتاً وهمية تعكس توقعات المستخدمين الحاليين؟

الآثار الثقافية والوجودية

إذا أصبح الذكاء الاصطناعي الكاتب الرئيسي للتاريخ، فإننا نواجه تحولاً وجودياً. التاريخ هو جزء أساسي من الهوية. نحن نفهم أنفسنا من خلال قصصنا الجماعية. إذا أصبحت هذه القصص مولدة آلياً، فإن علاقتنا بالماضي ستتحول من علاقة حية ومتنازع عليها إلى علاقة استهلاكية ومُسطحة. قد يؤدي ذلك إلى "نهاية التاريخ" بمعنى مختلف عن فوكوياما: ليس نهاية الأحداث، بل نهاية الجدل البشري حول معناها. ستصبح الروايات التاريخية أكثر سلاسة وإقناعاً، لكنها أقل صدقاً وجودياً. الذكاء الاصطناعي يتفوق في إنتاج التوافق، بينما يعيش التاريخ الحقيقي على التناقض والصراع. من جهة أخرى، قد يفتح الذكاء الاصطناعي آفاقاً جديدة: إعادة بناء تاريخ "من الأسفل" باستخدام بيانات ضخمة، اكتشاف أنماط اقتصادية أو بيئية كانت خافية، أو تقديم سيناريوهات بديلة "ماذا لو" بطريقة منهجية. لكن هذه الفوائد لا تلغي المخاطر؛ بل تتطلب وعياً حاداً بكيفية استخدام هذه الأداة دون الاستسلام لها.

نحو إطار تنظيمي لسلطة السرد

لا يمكن الإجابة على السؤال "من يمنح الحق" بـ"لا أحد" أو "الجميع". يجب أن يكون هناك إطار أخلاقي ومؤسساتي يحدد شروط استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة التاريخية.

من هذه الشروط:

الشفافية الكاملة حول مصادر البيانات والخوارزميات.

التمييز الواضح بين النصوص المولدة آلياً والنصوص البشرية.

إلزامية المراجعة البشرية النقدية لأي رواية تاريخية مهمة.

دعم التنوع الثقافي في تطوير النماذج لتجنب الهيمنة الحضارية.

الحفاظ على المساحات البشرية للتأمل والجدل والرواية الشخصية.

الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون أداة مساعدة قوية، لكنه لا يمكن أن يصبح الكاتب الرئيسي للتاريخ البشري. التاريخ يتطلب إنسانية: التعاطف، الشك، الندم، الأمل، الذاكرة الجسدية للمعاناة. هذه العناصر لا تستطيع الآلة محاكاتها إلا تقليداً سطحياً.

خاتمة:

الحق يبقى بشرياً في النهاية، لا يملك أحد الحق المطلق في كتابة التاريخ، لأن التاريخ عملية جماعية مستمرة ومتنازع عليها دائماً. الذكاء الاصطناعي لا "يستحق" هذا الحق لأنه لا يمتلك وعياً أخلاقياً أو وجودياً. نحن، البشر، من يمنحه أدواراً والوظائف، وبالتالي نحن المسؤولون عن الحدود. كما يجب أن نحتفظ بحق كتابة تاريخنا ليس بدافع الخوف من التقدم التقني، بل بدافع الوفاء لطبيعتنا ككائنات تروي قصتها لتفهم نفسها. الذكاء الاصطناعي يمكنه أن يساعدنا في جمع الشظايا وتحليلها، لكنه لا يستطيع أن يعيش المأساة أو يحلم بالمستقبل. التاريخ، في جوهره، شهادة بشرية على الزمن. وهذه الشهادة يجب أن تبقى بشرية، مهما تطورت أدواتنا. السؤال ليس "هل يستطيع الذكاء الاصطناعي كتابة التاريخ؟"، بل "هل نجرؤ على تسليمه هذه السلطة، ونحن نعرف ضعفنا وتحيزاتنا؟". الإجابة الحكيمة تكمن في التوازن: استخدام الآلة كأداة، مع الحفاظ على الإنسان كصاحب السلطة الأخيرة على معنى ماضيه. فكيف يمكن استثمار التحيزات الخوارزمية بشكل ايجابي؟ وما دور الذكاء الاصطناعي في العلم والقانون والفكر والاقتصاد؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

إن العلاج بالفلسفة ليس ترفاً فكرياً، ولا يخص فئة معينة من البشر، سواء كانوا فلاسفة أو مثقفين، بل هو علاجٌ لكل الناس الذين هم بحاجة إليه، وهو ليس علاجاً للمرضى (بدنياً أو عقلياً)، أي أنه لايمثل علاجاً بالمعنى الطبي لكلمة علاج، بل هو (عون فلسفي للأصحاء) الذين يعانون من مشكلات يومية، وهموم حياتية، فالعلاج بالفلسفة وخدمات العلاج الفلسفي هو إسلوبٌ معاصر لتقديم العون والإرشاد لكل من يعاني من مشكلات فكرية، أو أزمات وجودية.

إن العلاج بالفلسفة قديم قِدم تاريخ الفلسفة نفسها، ويمكننا الرجوع بجذوره للفلسفة العملية القديمة والى العديد من الفلاسفة والمفكرين القدماء على مر التاريخ، حيث كان يُسمى بفن شفاء النفس، و لم يكن بإستطاعة الحضارات السابقة الإستغناء عن هذا الفن، فعلى سبيل المثال نجد ان الكهنة، ورجال الدين في الحضارات القديمة مثل حضارات وادي الرافدين، ووادي النيل، والحضارات الهندية، والصينية القديمة، قد أتقنوا هذا الفن، لأنهم أدركوا، أهمية الجانب النفسي لدى الإنسان منذ القدم، وقد تم رصد آثار، في مختلف الحضارات القديمة، يظهر فيها نقوش، ورسوم قديمة، حيث يجتمع شخصان لمناقشة أمورهما المشتركة، أحدهما يطلب المساعدة، والآخر يحاول تقديمها، ورغم أن الطرق تبدو دوماً مختلفة، ورغم تباين إسلوب تعبير الثقافات، وطرقها العلاجية، فإن ماكان يُقال هو الشيء ذاته على الدوام وحتى يومنا هذا،  ولكنه اليوم بمظهر مختلف، حيث تم تعديله لإحتواء ومعالجة الأزمات المعاصرة التي يواجهها ويُعاني منها الإنسان والمجتمع المعاصر.

 لقد نشأت الفلسفة للإجابة على تساؤلات جوهرية شغلت ذهن الإنسان وأرهقت عقله، وأثرت على أدائه في الحياة، مثل تساؤلاته عن ماهية هذا الوجود الذي يعيش فيه، وتساؤلات الإنسان عن نفسه: من هو؟ وماهي ماهيته؟ و هو مصيره؟ وماهو دوره في هذه الحياة؟ وماهي رسالته فيها؟ وهو مايُعبر عنه القول المأثور لهيكل دلفي بدقة متناهية: (إعرف نفسك بنفسك)، ويشير "مصطفى النشار" في كتابه "العلاج بالفلسفة" في هذا الصدد الى ماقام به الفيلسوف "سقراط" من علاج معاصريه حينما نبههم الى ان المشكلة الحقيقية تكمن في أنهم لم يبدأوا بمعرفة حقيقة أنفسهم، وحقيقة مايدعون العلم به، فكانت المقولة الشهيرة التي يرددها دائماً (إعرف نفسك) تجسيداً لما كان يدعو إليه من ضرورة أن يبدأ الإصلاح من النفس أولاً، ومعنى كلمة علاج Therapia باللغة اللاتينية هو المُداواة، أو علاج الجراح وتضميدها، وقد ركز "أبيقور" على علاج الآلام النفسية بالفلسفة، أما الرواقيون فقد ضربوا أروع الأمثلة سواء في فلسفتهم او في حياتهم على أن الفلسفة فيها الشفاء من أصناف الهم والحزن، وأكدوا أنه كلما تعمقت الحكمة الفلسفية لدى الإنسان كلما نجح في التوافق مع ظروف الحياة، وكان الفلاسفة على مر العصور مهمومون بقضايا الإنسان ومشكلاته الفردية، والإجتماعية، وقدموا الكثير من الأفكار والمذاهب لعلاج تلك المشكلات.

واليوم إتخذ مصطلح العلاج بالفلسفة ابعاداً جديدة ومعاصرة، مع ظهور مفاهيم مثل الإستشارة الفلسفية، والعلاج بالفلسفة، والمستشار الفلسفي، والعيادة الفلسفية، والمقاهي والصالونات الفلسفية، وإن خدمات العلاج بالفلسفة والإستشارة الفلسفية بوصفها حركة فلسفية جديدة هي محاولة تُعيد للفلسفة مرة أُخرى دورها الرئيسي في الحياة اليومية، ويُعد جيرد آكينباك Gerd B. Achenbach هو "مؤسس الإستشارة الفلسفية" بصيغتها الجديدة والمعاصرة، بوصفها نموذجاً مهماً لتطبيق الفلسفة وممارستها في الحياة اليومية، والتي بدأ ظهورها على يديه عام (1981م)، وفي عام (1982) تم إنشاء "جمعية الإستشارة الفلسفية" في ألمانيا، ليكون أول تأسيس عالمي لهذه الفكرة، وتوالت بعد ذلك صور العلاج الفلسفي والإستشارة الفلسفية.

ويشير" سامح الطنطاوي" الى أن الإستشارة الفلسفية المعاصرة في العالم اليوم هي " فن"، وهي ثقافة فلسفية لكل الأفراد الذين يعانون من مشكلات في الحياة، ومن هنا جاء مفهوم الإستشارة الفلسفية عند "سامح الطنطاوي" ليُعبر عنها "بوصفها فناً" لمساعدة شخص عنده مشكلة "المستشير" عبر الحوار والنقاش مع "مستشار فلسفي" حول المشكلة التي يُعاني منها، أو يريد التوصل الى فهم بصددها، وبذلك تكون الإستشارة الفلسفية في هذا المعنى والسياق هي "فن الحوار".

إن خدمات الإستشارة الفلسفية اليوم تحاول تقديم العون للذين يبحثون عن فهم فلسفي لحياتهم، أو لمساعدتهم في حل مشكلات فكرية، أو إجتماعية، أو حتى عقلية، وإن دور الفلسفة اليوم لم يعد يقتصر على وضع النظريات والمناهج، بل أصبح دوراً يركز على تفعيل الجانب العملي من الفلسفة، وتوظيف المفاهيم، والنظريات، والمناهج الفلسفية، لعلاج المشكلات الإنسانية.

***

شيماء غازي هماوندي

كاتبة وباحثة وأكاديمية

..............................

المصادر التي تم الإستعانة بها لكتابة المقال الفلسفي:

1-  مصطفى النشار: العلاج بالفلسفة

2-  مصطفى النشار، سامح الطنطاوي: مدخل الى الإستشارة الفلسفية.

 

يمتدح الفيلسوف البريطاني برتراند رسل (1872-1970) في مقال رائع له عام 1935 حالة الفراغ والكسل التي يعيشها الفرد، فهو يرى ان "حجما كبيرا من الأذى يحصل في العالم الحديث بسبب الايمان بفضيلة العمل، وان الطريق الى السعادة والازدهار يكمن في تقليل منظّم للعمل".

يكتب رسل "لقد أعاقت ثقافة الكفاءة قدرتنا على المرح واللهو" . الشخص الحديث يعتقد ان كل شيء يجب ان يتم لأجل شيء آخر وليس لأجله هو. بكلمة أخرى، الإنتاجية هي النجم المرشد لنا. نحن نعمل أشياءً لنحصل على أشياء. نحن نادرا ما نوجّه طاقاتنا الفكرية لفعل أي شيء لمجرد فعله. طبقا لذلك، يرى رسل ان وسائل الترفيه أصبحت الى حد ما بلا معنى: المتعة في المجتمعات الحضرية أصبحت في الغالب سلبية، الناس تراقب دور السينما، تشاهد مباراة كرة القدم، تستمع للراديو وهكذا.

هذا ينتج من حقيقة ان الطاقة النشطة للمجتمعات مكرّسة بالكامل للعمل، لو كان لديهم المزيد من وقت الفراغ لإستمتعوا مرة أخرى بالاشياء التي انخرطوا فيها بنشاط. لننظر، على سبيل المثال، ماذا سيحدث لو اضطر الناس للعمل فقط أربع ساعات يوميا. في مثل هذا العالم، يقول رسل:

كل شخص لديه فضول علمي سيكون قادرا على الانغماس فيه، وكل رسام سيكون قادرا على الرسم دون ان يتضور من الجوع، مهما كان مقدار الجمال في لوحاته. هكذا عالم قد يبدو حلما طوباويا، لكن رسل يعتقد ان الطرق الحديثة للإنتاج يمكن ان تمنح المزيد من وقت الفراغ للجميع. نحن اخترنا بدلا من ذلك مسارا آخر: تشديد التركيز على قيمة وفضيلة وضرورة العمل.

قيمة العمل الشاق

لا أحد يحب الشخص الكسول، لا أحد يحب شخصا لا يساهم في الخير العام. ومع ان التصنيع كان هاما وثمينا في سياقات معينة، لكن رسل يعتقد اننا يجب ان نهتم ليس في تمجيد العمل على حساب كل الأشياء الأخرى. هناك طرق أخرى لنكون أناسا، فكرة الفضيلة في العمل هي حكاية تُروى منذ القدم. يجب ان ننظر في منْ يستفيد من ذلك العمل. اذا كان معظم الناس يعتقدون ان أخلاقية عمل الشخص تشير الى قيمة الشخص ككائن بشري، اذن منْ الذي يستفيد؟ حسب رسل، انها كانت دائما قصة ملائمة لاؤلئك أصحاب السلطة. العمال يتم تحفيزهم على التزام الصمت وتجنب المشاكل اثناء تأدية العمل، الأثرياء على مدى آلاف السنين نادوا بكرامة العمل، بينما حرصوا ليبقوا هم ذاتهم غير كرماء في هذا الصدد. الارستقراطيون على مر التاريخ أمضوا الشطر الأكبر من حياتهم في الفراغ معتمدين على عمل الآخرين. الطبقة المترفة تمتعت بميزات لم يكن لها أساس في العدالة الاجتماعية، هذا الامر جعلها بالضرورة قمعية، وفقدت تعاطفها فاخترعت نظريات تبرر بها امتيازاتها. لكن رغم اللاعدالة في امتيازاتها، ورغم عدم بذل جهد كبير، يدّعي رسل ان الطبقة المترفة مع ذلك "ساهمت تقريبا بكل ما نسميه حضارة".

انها رعت الفنون واكتشفت العلوم، كتبت الكتب، اخترعت الفلسفات، وصقلت العلاقات الاجتماعية. حتى تحرير المضطهدين عادة ما يتم تدشينه من الأعلى.

والأكثر أهمية، ان رسل يقترح ان هذا ليس بسبب ان الارستقراطية كانت نوعا ما أفضل واكثر تنويرا من العمال، وانما لأن الطبقة الارستقراطية كانت تستطيع التمتع بأوقات الفراغ : الفراغ ضروري للحضارة، وفي الأوقات السابقة كان الفراغ للقلة ممكنا فقط بواسطة عمل الكثرة. لكن عملهم كان ثمينا، ليس لأن العمل جيدا وانما لأن الفراغ جيد. كان على الكثيرين ان يعملوا بلا كلل لأنتاج التسلية للقلة، لكن اليوم، الطرق الحديثة للإنتاج تعني ان بإمكان أي شخص الحصول على الكثير من وقت الفراغ. بكلمة أخرى، لدينا الفرصة لخلق طبقة مرفهة بدون ان ترافقها لامساواة اجتماعية. طبقة مرفهة تضم كل شخص.

ولسوء الحظ، كما لاحظنا، يرى رسل ان المجتمع اختار طريقا آخر. بينما كان بإمكاننا تحقيق توزيع اكثر عدلا لوقت فراغ للجميع، فقد تبنّينا بدلا من ذلك دافع الربح لمضاعفة قيمة العمل.

فرص عمل للبعض، لا فراغ لأحد

لكي يوضح سخافة الموقف، يدعونا رسل ان نتصور سيناريو يتعلق بصناعة الدبابيس. افرض ان الحاجة العالمية من الدبابيس يمكن تلبيتها من جانب العمال في الصناعة فقط بعمل ثمان ساعات يوميا، لو ان شخصا ما يخترع أداة تضاعف الفاعلية الانتاجية لكل عامل. ماذا سيحدث؟ "في عالم معقول"، يجيب رسل، "كل شخص مشارك بصناعة الدبابيس سوف يعمل أربع ساعات يوميا بدلا من ثمان، وكل شيء سيسير كما في السابق. لكن في العالم الواقعي.. لايزال العمال يعملون ثمان ساعات، هناك الكثير من الدبابيس، بعض أرباب العمل يعلنون افلاسهم، ونصف الرجال المشاركين سابقا بصناعة الدبابيس يُلقى بهم خارج العمل. بدلا من إعطاء كل شخص الكثير من وقت الفراغ، نحن نُبقي بعض الناس في العمل ولا نعطي للآخرين وقت فراغ، الاّ بطالة بوقت كامل. في النهاية، هناك نفس القدر من وقت الفراغ كما هو الحال في الشكل الآخر، لكن نصف العمال عاطلون تماما عن العمل بينما النصف الاخر لايزالون يعملون فوق طاقتهم. بهذه الطريقة، يتسبب وقت الفراغ الذي لا مفر منه في بؤس الجميع بدلا من ان يكون مصدرا عالميا للسعادة. هل يمكن تخيل شيء أكثر جنونا من هذا؟

الأوقات تغيرت، لكن الاخلاق الأساسية لم تتغير: حياة العمال تتمتع بالكرامة وتُبرر وتصبح ذات معنى فقط من خلال العمل. هل يمكن ان نتصور عالما فيه المزيد من الفراغ للجميع؟

يقول رسل في عالم كثير الفراغ، يصبح السباق على "النجاحات" المادية أقل أهمية. الناس سيكونون قادرين على بذل المزيد من الطاقة في مساعيهم الفنية والفكرية والاجتماعية. الناس ربما يكونون أكثر رقة تجاه بعضهم: الرجال والنساء العاديين الذين لديهم الفرصة لحياة سعيدة سيكونون أكثر تعاطفا وأقل ميلا للنظر بريبة الى الاخرين .. حُسن الخلق هو من بين جميع الصفات الأخلاقية، صفة يحتاجها العالم أكثر، وحسن الخلق هو نتيجة السهولة والأمن، وليس نتيجة الكفاح الشاق.

الكثير من الفراغ يُعد امرا حاسما ليس فقط لسعادتنا الفردية وانما لمستقبل الإنسانية أجمع. بدون فراغ، سيصبح المواطنون وبشكل متزايد متخصصين في صناعاتهم الخاصة، يفقدون القدرة على التخيل المطلوب لتقدّم المجتمع. منْ يقدّم الأفكار والقيم ، والفلسفات الجديدة اذا كان هدف البشرية هو فقط تسلّق سلّم العمل؟ اذا كانت الغالبية العظمى منّا تركز كل طاقاتها على العمل، بأيدي منْ سيُترك المستقبل؟

 في مقاله (مديح الكسل) يقدم رسل القليل من الإرشاد العملي للحلول، والكثير من التحدي لقيمنا السائدة. بدلا من التأييد الضمني للعمل باعتباره هادف وأكثر فائدة، وطريقة مرضية لقضاء الوقت، ينبغي علينا جميعا ان نبدأ التساؤل عن ماهي الغاية لأجل الإنسانية. يختتم رسل مقالته:

الطرق الحديثة للإنتاج أعطتنا إمكانية الراحة والأمان للجميع، نحن اخترنا بدلا من ذلك خلق الإرهاق للبعض والمجاعة للآخرين. حتى الآن لقد حافظنا على نفس مستوى النشاط الذي كنا عليه قبل وجود الآلات، بهذا نحن كنا حمقى، لكن لا سبب للاستمرار بالحماقة الى الأبد.

***

حاتم حميد محسن

لا يختلف باحثان على ان العرب – إبان النزول القرآني – كانت امة امية تعتمد على ذاكرتها وروايتها للشعر والأنساب[1] وقد أمر الرسول (ص) بتدوين القرآن الكريم عن طريق كتّاب الوحي وشجع (ص) على تعلم الكتابة وفي ذلك شواهد تاريخية. لكن أهل العلم اختلفوا في مدى رغبته في تدوين السنّة على قولين:

الأول إنه ص حث على التدوين لانه أراد حفظ أقواله وأفعاله وتقييدها، والثاني انه (ص) منع من تدوين الحديث لئلا يختلط بالقرآن [2]، وقد رجح كثير من الباحثين القول الأول لأن الآية الاولى بالقرآن كانت مبدوءة بـ (اقرأ) وان الله تعالى أقسم بالقلم في (ن والقلم) وأمر الله بكتابة الدين، ويستدلون أيضاً بأن عدداً من الصحابة كانت لديهم صحف [3] فيها مدوناتهم. وإن النبي شجع على تعلم الكتابة وإن السنة دين ومسؤولية النبي ايصال أمر الدين الى الاجيال، إلا ان سياسة الدولة في زمن عمر اعتمدت قول المانعين فتوقف الناس عن كتابة الحديث وتدوين التاريخ والفقه ويشكك مؤرخو الشيعة بأهداف القرار المعلنة ويرون ان له مرامي اُخر.

وبالنسبة للأئمة من آل البيت فقد نقل الرواة عنهم انهم كانوا يرغبّون بالكتابة [4] وكان أصحابهم يكتبون في ظل ظروف شديدة الصعوبة ومنهم ابو رافع واولاده علي وعبد الله [5] وكان الظرف لا يشجع على التدوين للحظر الرسمي عامة، وللخوف من كتابة علوم آل البيت وأفكار التشيع ومفاهيمه، لاسيما بعد تولي معاوية شان السلطة

وفي الفترة الاولى من 11ه – 95ه، التزم اكثر الناس بعدم الكتابة لكن الذي عليه التحقيق ان صحفاً ورسائل وكتب قد كتبت في هذه الفترة، وسجلت روايات عن الإمام الحسن، ودونت أحداث كربلاء وخطب المعركة، وما جرى للتوابين والمختار وزيد وابنه يحيى وكل ذلك كان يجري دونما إشهار أو إعلان وكانت أشبه بكراريس شخصية. فلما ارتفع الحظر الرسمي ابان عصر الخليفة عمر بن عبد العزيز تولى الامام الباقر بنفسه نشر علومهم ورغّب في إملائها وأوجب على أصحابه الذين دونوها في صحائفهم، وظهرت عند ذاك الرسائل المرسلة للأئمة والردود المكتوبة منهم، فقد روى الكليني (15) حديث في باب (رواية الكتب والحديث) منها قول الصادق (احتفظوا بكتبكم فأنكم سوف تحتاجون إليها) [6] ويفسره مؤرخو الشيعة انه وصية للشيعة في انهم سيمرون بظروف أصعب لا يلتقون فيها بالإمام وعليهم عند ذاك الرجوع إلى ما كتبوه في صحفهم،

فقد أشار ابن النديم في كتابه الفهرست والطوسي في الفهرست [7] ايضاً إلى اصول ومدونات ظهرت في النصف الاول من القرن الثاني الهجري، فبأمكاننا أن نعد ما قبله وإن ظهرت فيه (بعض المدونات) إلا أنها ليست ظاهرة عامة فهو (عصر المشافهة في نقل التراث)، لأن المكتوب في هذه الفترة كان عفوياً وتطلعاً شخصياً، أما بعد النصف الثاني من القرن الثاني فقد بدأ التدوين العام للحديث والسيرة والتاريخ وكان هشام بن الحكم (ت178ه) ويونس بن عبد الرحمن ممن ورد ذكرهما كأبرز المدونين وكذلك ابن اسحق في كتابه السيرة النبوية ولوط بن يحيى (157ه) في كتابه مقتل الحسين، والردة والفتوح وكتاب الجمل وصفين، وإبان بن تغلب (ت141ه) الذي كتب عن صفين والجمل والنهروان، وليث المرادي وعلي بن ابراهيم، وهشام بن سالم واحمد بن محمد البزنطي، وآل زرارة. وعدد كبير من المؤلفين الذين تحدث عنهم الرجاليون كالنجاشي.

ولقد أحصى الحر العاملي مدونات اصحاب الامام الصادق فوجد ما في كتب الفهارس (6600) كتاب [8] إلا أن الذي اشتهر منها كان اربعمائة مدونة. وكان من هؤلاء الاربعمائة شيعة إمامية وزيدية وقد ذكر محقق كتاب (الضعفاء) ان لدى الغضائري كتاب جامع باسماء الكتب المصنفة لدى الشيعة، ذكره الطوسي وله كتاب جامع لأسماء الاصول المعتمدة في الحديث،

لقد بدأ التدوين الفعلي المجتمعي في النصف الثاني من القرن الثاني لسماح الدولة بتدوين السنة، وللانفتاح الذي حصل في هذه الفترة عند سقوط الدولة الاموية وقيام العباسية. واستمر التدوين حتى القرن الخامس، وكان الطوسي قد أحصى كتب رجال الإمامية من عصر النبوة حتى عصر المفيد (ت413ه) فكانت (888) كلهم من أصحاب الأئمة [9] ويقال أن اول كتاب ظهر للشيعة هو كتاب سليم بن قيس الهلالي (المختلف في نسبته) له إذ لم يروه غير أبان بن أبي عباس [10] وذكر النجاشي ان لأصحاب الأئمة (1269) كتابا، لم يصلنا منها إلا نزر يسير. ويلفت النظر إن أغلب المدونات كانت تدور حول القضايا العقائدية فابن قبة مثلاً كتب كتابا اسمه (الانصاف في الإمامة) [11]، ونجد ان اسماعيل بن علي بن نوبخت يكتب كتاباً اسمه (الاستيفاء في الإمامة) و (الرد على الغلاة) وقد ألّف علي بن اسماعيل بن ميثم التمار كتابين هما (الامامة) و (كتاب الاستحقاق) [12] ويذكر لهشام بن الحكم عدد من المدونات منها ايضاً كتاب في (الإمامة) و (الرد على من قال بإمامة المفضول) وكتاب (اختلاف الناس في الإمامة) و (الرد على المعتزلة في طلحة والزبير) [13]. وهذا يدلل على ان اهتمام اصحاب الأئمة ابان عصر التدوين الأول كان منصباً على المرتكزات العقائدية للتشيع.

ونلحظ التداخل بين التشكيل العقائدي ومجريات الحدث التاريخي، ويذكر المؤرخون مدون كبير هو ابراهيم بن محمد بن سعيد الثقفي (ت283ه) انه قد ألّف (32) كتاباً منها كتاب أخبار المختار، والسقيفة، وفدك ومقتل عثمان، وبيعة علي، والجمل، وصفين، والحكمين، ورسائل الإمام علي، وأخبار الحسن، ومقتل الحسين والتوابون، واخبار زيد، واخبار ذي النفس الزكية [14].

ومن المدونات المبكرة كتاب المحاسن لاحمد بن محمد البرقي (ت280ه) وكذلك قرب الاسناد لعبد الله بن جعفر الحميري (ق3ه) [15] وكتاب بصائر الدرجات محمد بن الحسن الصفار القمي (ت290ه) هذه العينات كانت مهتمة بنقل النصوص وسردها سرداً يكاد يخلو حتى من التعليقات الضمنية، وأشير هنا إلى كتاب مهم ظهر للقاضي ابو حنيفة النعمان المغربي الاسماعيلي (ت363ه) الذي أسماه دعائم الاسلام، وعلى الرغم من أنه من الاسماعيلية إلا أن الكتاب يعد من مراجع الكتب الشيعية عند الإمامية وكتابه الآخر تأويل الدعائم.

لقد حصل اول تحول مع الصدوق الاول (ت329ه) في رسالة الشرائع فإنه قدّم النصوص على شكل فتاوى وحذف أسانيد وفي كتابهِ (الإمامة) يتحدث عن أزمة الشيعة ابان الغيبة وكان يزامنه الكليني (ت329ه) الذي اشتهر في ترتيب كتاب الكافي على الموضوعات.

وقد ذكر النجاشي أسماء ما يقرب من ألف ومائتين راو من أصحاب الأئمة وأشار إلى ما ألفوه من كتب [16] وقسّمهم إلى ثلاث طبقات، ولقد ذكر المؤرخون ان اربعة آلاف شيخ كانوا يتلقون الرواية عن الصادق [17] ويقال لقد بادر بعض أصحاب الإمام الرضا إلى جمع الموجود، فكانت اربعمائة أصل لاربعمائة مؤلف [18]

وفي عصر (السفراء) الاربعة ظهر كتاب الكافي للكليني (ت329ه) وهو كتاب انتقل فيه التراث من التدوين إلى التصنيف أي (تبويب الأحاديث على الموضوعات) وبعد نصف قرن ظهر كتاب الصدوق (ت381ه) الموسوم بـ (من لا يحضره الفقيه) ثم بعد نصف قرن آخر كان الشيخ الطوسي (460ه) قد أخرج للشيعة كتابين هما التهذيب وهو مستند المقنعة، والاستبصار الذي يُعنى بجمع المتوهم تعارضه. وهكذا ظهر مصطلح ((الكتب الاربعة)) مقابل ما يطلق عليه الصحاح الستة عند بقية المذاهب، وقد وجد الرجاليون من المذاهب الأخرى ان انتشار التشيع بين رواة الحديث من التابعين وأتباعهم فكانوا بين صعوبتين إحداها قولهم بعدم مقبولية رواية المتشيع – حتى في نطاقهِ السياسي – الذي يستلزم ضياع الحديث، لذلك يقول الذهبي (فهذا التشيع قد كثر في التابعين وأتباعهم مع الدين والورع والصدق، فلو رد حديث هؤلاء لذهبت جملة الآثار النبوية) [19] وذلك لأن ابن حجر في الصواعق ينص على أن كبار رجالات الحديث مثل يحيى بن سعيد، وعبد الملك بن جريج، ومالك بن انس، وسفيان الثوري، وشعبه و ايوب السجستاني كانوا يتلقون الحديث من واحد من الإمامين الباقر والصادق (ع) [20] ولعلهم كانوا ضمن ما اُطلق عليه التشيع السياسي..

لقد كانت الكتب الاربعة متراتبة زمنياً فقد ظهر الكافي في مطلع القرن الرابع اذ وفاة الكليني (329ه) وظهر كتاب الفقيه في اواخر القرن اذ وفاة الصدوق (381ه) وفي النصف الاول من القرن الخامس كان التهذيب والاستبصار للطوسي، وعندي ان المراجع الاربعة للحديث الشيعي كانت المرحلة الثالثة التي هي مرحلة التصنيف بعد مرحلتي المشافهة في نقل الحديث والتدوين (جمع الحديث).ويجدر الذكر ان أكثر من اربعة قرون مضت على انتشار الكتب الاربعة واعتمادها كأصول مرجعية لم يزعم احد انها كتب صحاح، كما هو حال المدارس الحديثية الأخرى ولكن خلال القرن السابع قام العلامة الحلي، والسيد ابن طاووس بمراجعة نقدية صارمة للرواية واعتمدوا السند وقاموا بالعمل على التقسيم الرباعي للحديث إلى (صحيح – وحسن – وموثق – وضعيف) [21] وجعلا كل ما موجود في الكتب الاربعة خاضعاً لهذا المعيار الذي أجهدا نفسيهما في توصيفه وضبط مخرجاته، وقد أدى تطبيق هذا المعيار إلى طرح الكثير من الروايات حتى أن المجلسي قد أحصى ما يطرحه هذا التقسيم من الكافي فقط ثلثي الروايات المدونة فيه [22] *.

وبقي حال التأليف على أساس معايير الضبط السندي من العلّامة حتى القرن العاشر الذي بدأت به موجة إخبارية عارمة تجتاح أروقة الدرس الشيعي مقابل تلك التي تماهت مع العقلانية والفلسفة والمنطق والعرفان، ولعل المبرر لظهور نزعة النقل والنص واعتمادهما أساساً مرجعياً فقط قد دفع إلى تأليف كتب مرجعية إخبارية للتراث الشيعي أخذت مكانتها فيما بعد مثل (بحار الانوار) للمجلسي، ووسائل الشيعة للحر العاملي وهذان الكتابان من أوسع الكتب إيراداً للرواية عن آل البيت، وقد سجل المجلسي خطوة مهمة في تعميق البحث عن مصادر حديثة تراثية لم يوردها المحدثون الثلاثة الاوائل، واخيراً ظهر المحدث حسين النوري بكتابه مستدرك الوسائل، بهذا الدافع ايضاً اذ وثق (23129) حديثاً وسجّل الحر العاملي (ت1104ه) حدثاُ مهماً في تأليف وسائل الشيعة [23] فقد وثق (35868) حديثاً، وممن برز في هذه الفترة الفيض الكاشاني في كتابه الوافي، وكانت هذه الموسوعات الحديثية (ترتقي بالكم والنوع) من جهة زيادة المرويات والعثور على أصول لم يعثر عليها، وتصنيف هذه الكتب تصنيفاً أفضل، وترى الإخبارية الشيعية المتأخرة أن الكتب الاربعة قد صنفت في سياق عملية تصفية واسعة فلا معنى للتصفية الجديدة التي ابتكرها العلّامة الحلي وابن طاووس [24].

لقد اكتمل التراث الحديثي بالوسائل والبحار وصار للشيعة تراثاً روائياً متدرجاً من المشافهة إلى التدوين ومن التدوين إلى الضبط المنهجي ثم تراجع الحال إلى النزعة الإخبارية التي صمدت في مجال كتب الرواية وحوكمت في مجال الدراية الفقهية والاجتهادية.

التراث الكلامي والتفسيري عند الشيعة:

يورد أحد الدارسين ملاحظة مهمة استخلصها من استقراء كتب الكلام الشيعي مفادها ان قضايا هذا النمط من التراث الشيعي كان عبارة عن محاولات للرد على الاتهامات التي توجه للتشيع فذلك التراث مسكون بحالة الدفاع، والفكر المدافع في الغالب أسير تصورات (محل الجدال) وقد ينساق إلى ما لا يستحق الجهد مما لم يكن في مقام الدفاع [25] ومن اللافت للنظر ضياع الكثير من كتب الكلام الشيعي بحيث يعد مشكلة في مجريات البحث [26]

لقد مرّ الكلام الشيعي بأدوار منها الدور الشفاهي وهو مجموع المناظرات المنقولة شفاهاً ثم الدور التدويني التي تركز في الكتب المؤلفة عن الإمامة والفرق المنشقة عن التشيع المركزي ومناقشة قضايا الغلو. واستمر هذا الدور حتى (260ه) عندذاك انشغلوا في قضية المهدي والغيبة، وكان أبرز المتكلمين آل النوبختي وابن قبة والعماني وابن الجنيد [27]

وفي مطلع القرن الخامس كانت كتب أول محاولة للضبط في كتاب المفيد المهم اوائل المقالات، وكتاب المرتضى في الفصول المختارة والشافي في الإمامة. موضوع الامامة وقد امتزج علم الكلام الشيعي بالفسلفة وأصبح مهتماً بالقضايا التي ينفرد بها ويدافع عنها وقد برز الخواجه نصير الدين الطوسي والملا صدرا، والنراقي.. ولكن كتاب التجريد للعلّامة الحلي ظل المتن الكلامي المهم.

المدونات المرجعية الشيعية في تفسير القرآن

في عموم التراث الاسلامي يتفق الدارسون على ان علم التفسير قد ولد في احضان علم الحديث والرواية عند كلا المدرستين، وقد عرف الناس تفسير القرآن من خلال المرويات التي صدرت عن النبي والصحابة والتابعين وأئمة آل البيت، ولعل الشيعة فسروا كتاب الله طبقاً للروايات الواردة عن أئمتهم (ع) في بواكير تأليفهم لكتب التفسير.

ومن التفاسير المهمة عند الشيعة التفسير المنسوب للإمام الحسن بن علي العسكري (ت256ه) وهو كتاب ألّف على طريقة الرواية مع ذكر اسنادها وهو تفسير ((فيه آراء خاصة للشيعة)) مثل اشتراط قبول الاعمال بالولاية لعلي [28] والثناء في محبة علي وآله، ويتميز هذا التفسير بان فيه فكراً تقليدياً شيعياً ويعبر عن قضايا التشيع في مرحلة الغيبة.

ومن التفاسير المهمة تفسير العياشي محمد بن مسعود السمرقندي المعروف بالعياشي (ت320ه) الذي قال عنه ابن النديم انه من فقهاء الشيعة [29] وقد جمع فيه المأثور عن أئمة آل البيت (ع)، والكتاب وإن وصل الينا مبتوراً إذ اسقط النساخ منه الاسانيد، ونسخوا الجزء الاول فقط منه فوقفوا عند سورة الكهف إلا انه يعد من التفاسير التأسيسية لعلم التفسير في مدرسة الشيعة الإخبارية .ومنها تفسير ابن ابي حاتم (ت327ه) والذي وصل منه فقط ما كتب (من الفاتحة حتى سورة الرعد) ومن سورة المؤمنون إلى العنكبوت ومنها تفسير علي بن ابراهيم الاشعري القمي (329ه) وهو من مشايخ الحديث، وعنه روى الكليني [30] وهو من صنع تلميذه العباس بن محمد بن القاسم بن حمزة بن موسى بن جعفر * الذي املاه عليه.ومنها تفسير فرات بن ابراهيم الكوفي (ت352ه) وهو من رجال فترة الغيبة الصغرى وشيخ المحدثين وهو معاصر للكليني وابن عقدة، الذي بلغ مشايخه المائة شيخ، ويحتوي تفسيره على (777) حديثاً وفيه انه يروي عن زيد أخباراً تنفي العصمة عن غير الخمسة من آل البيت فيقال انه زيدي لكن الكثير من روايات الصدوق تنتهي إليه ومروياته معتمدة عند الشيعة [31].

ومن التفاسير المهمة والاساسية التي وصلت كاملة تفسير التبيان للشيخ الطوسي (460ه) وهو تفسير كامل جامع شامل للمعنى والتأويل واللغة والفقه والكلام، ولعله آخر كتب الطوسي الكثيرة لأنه يحيل الكثير من المسائل في التبيان، وينص الشيخ الطوسي انه إنما عمد إلى التفسير لأنه لم يصنف الشيعة كتاباً جامعاً شاملاً للتفسير وفيه يورد المقولات العقائدية الشيعية مثال ما ورد في تفسير (انما وليكم الله....) [32].ومن ابرز التفاسير الشيعية التي لا تزال تعد الأبرز مما كتبه المفسرون الآباء كتاب مجمع البيان وهو مثال وانموذج من كتاب الطبرسي (ت548ه) [33] وقد نقد الذهبي كتاب مجمع البيان لما فيه من آراء شيعية واعتزالية لكنه يقول رغم ذلك فهو كتاب عظيم في بابه، ويرى الذهبي ان الطبرسي جعل كتاب الله دليلاً على ما يتفق وعقيدته غير انه ليس مغالياً في تشيعه ولا متطرفاً في عقيدته [34] كما يرى الذهبي. ويصف الذهبي كتاب الطبرسي بقوله لم نأخذ عليه انه كفّر أحداً من الصحابة او طعن فيهم بما يذهب عدالتهم، ولم يغال في شان علي بما يجعله في مرتبة الإله او مصاف الانبياء وإن كان يقول بالعصمة [35] وبذلك توالت تفاسير الشيعة للقرآن الكريم نسجاً على هذه المراجع الاساسية في التفسير ومرت فترة ثلاثة قرون أو أكثر بعد عصر الطبرسي خلت من تفسير مشهور حتى عصر التفاسير الحديثة كالميزان والامثل وتفاسير شيعية كثيرة أخرى.

استخلاصات من التراث المرجعي الشيعي:

يستخلص الباحث من مروره بالمراجع الفكرية للتراث الشيعي مجموعة أمور:

أ/ نلحظ من خلال ما استعرضناه من استقصاء لنشاة التراث الشيعي وتطوره انه لم يصلنا من ذلك التراث الا النزر اليسير لاسيما ما دون في قرن التدوين الاول (150ه- 250ه)، ولعل السبب في ذلك الصدام العنيف مع الدولة حتى عصر ما بعد المتوكل، ولم تظهر المدونات إلا في زمن متأخر في اواخر القرن الثالث الهجري واوائل القرن الرابع الهجري، وقد ظهرت بآراء متباينة عن مصادر قرن التدوين الاول من حيث الاعتبار أو الوثاقة.

ب/ وضح ايضاً ان المدونات التي كتبت في هذه الفترة وما بعدها وبسبب السرية الكاملة والخوف من السلطة، قد حمل بعضها الزيادات، او نقص البيانات أو آراء الغلاة أو اختلافات الآراء بين الجماعات التي كانت تمر بأزمة ومحنة من جراء الحياة السرية للأئمة وأصحابهم.

ج/ ان تشدد الشيعة على الاسناد الذي ظهر في القرن السابع كان علاجاً للاضطراب الكبير الذي أشرنا إليه في الفقرة (ب) وتسالم أغلبية المجتهدين المعاصرين على معيارية السند وسلامة متن الحديث، وعدم اعتبار الشهرة في قبول الحديث جزء من معالجة هذا الذي دخل في التراث الشيعي من جرّاء العمل السري والخوف من السلطة والخوف من الملاحقة وحرق الكتب وما انتهت إليه اليوم من مدرسة سندية علاج فعلي برد مقولة (الصحاح) التي استقرت في المجاميع الحديثية السنية، بينما يرفض الفكر الشيعي المعاصر توصيف اي كتاب حديثي بأنه من الصحاح

د/ لم نجد في المراجع الاساسية للتشيع دعوة الى التطهير العقائدي للآخر أو معاملتهم معاملة عنيفة.

***

ا. د. عبد الأمير كاظم زاهد

............................

[1] الشاطبي: الموافقات 2-34

[2] السيوطي: تدريب الراوي 2/61، الزركشي

[3] الصفار: بصائر الدرجات، الكليني: الكافي 1/141 ظ عبد الحليم الجندي: الإمام جعفر الصادق ص25

[4] الصفار: بصائر الدرجات، الكليني: الكافي 1/141 ظ عبد الحليم الجندي: الإمام جعفر الصادق ص25

[5] النجاشي: رقم 2،1

[6] الكافي: 1/52

[7] ابن النديم: الفهرست 1/308، الطوسي: الفهرست

[8] الحر العاملي: وسائل الشيعة: الفائدة الرابعة، يقال انه ظفر بـ 80 كتاباً منها

[9] الطوسي: الفهرست 1/260

[10] ابن النديم: الفهرست 1/307

[11] ابن النديم: الفهرست 1/250

[12] م.ن 1/249

[13] م.ن 1/249-250

[14] معجم مؤرخي الشيعة ص236، رجال النجاشي ص13

[15] النجاشي: الرجال 162 (لم يذكر النجاشي سنة وفاته)

[16] النجاشي (مقدمة) كتابه الرجال 65

[17] المفيد: الارشاد / 289

[18] وممن ذكر بالعمل بجمع الموجود احمد بن محمد بن ابي نصر وحسن بن علي بن فضال

[19] الذهبي: ميزان الاعتدال 1/5

[20] ابن حجر: الصواعق المحرقة3-65

[21] العلامة الحلي: منتهى المطلب ص180-184

[22] ظ: المجلسي: مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول ج6/13.

*لقد وجد ابن طاووس ان عدد احاديث الكافي كلها (16199) وعلى وفق التقسيم الرباعي فإن هناك (5072) منها فقط حديثاً صحيحاً و (1118) حديثاً موثقاً و (302) حديثاً حسناً و (9485) حديثاً ضعيفاً، أي ان نصف الكافي محل دراسة.

[23] النوري: مستدرك الوسائل الخاتمة 1/362

[24] البحراني: الحدائق: المقدمة السادسة 24

[25] علي المدَن: تطور علم الكلام الامامي ص120

ظ عبد العزيز الطباطبائي: موقف الشيعة من هجمات الخصوم، مجلة تراثنا ع1/س2/ص32

[26] المدَن: تطور علم الكلام ص130

[27] النجاشي: الرجال 31-32، 48، 385

[28] تفسير الإمام العسكري ص9

[29] ابن النديم: الفهرست

[30] محمد هادي معرفة: التفسير والمفسرون 2/751

*هناك كلام في مجهولية الاسناد (ابو الفضل العباس بن محمد) وان رواية الكليني ليست من هذا التفسير انما من علي بن ابراهيم مباشرة.

[31] محمد هادي معرفة: التفسير والمفسرون 2/751

*هناك كلام في مجهولية الاسناد (ابو الفضل العباس بن محمد) وان رواية الكليني ليست من هذا التفسير انما من علي بن ابراهيم مباشرة.

[32] ظ المجلسي: بحار الانوار 1/37

الطوسي: التبيان 3/559

[33]   روضات الجنات 5/359

[34] الذهبي: التفسير والمفسرون 2/104

[35] م.ن 2/142

ما يلاحظ على الفكر السياسي الإسلامي المعاصر أن منحنى التطرف والانغلاق والتشدد كان يزداد مع مرور الزمن وتعاقب الحقب، ومع التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها الوطن العربي، وبخاصة تحولات عن طريق الحروب، ونخص بالذكر حقبة ما بين الحربين وبالضبط بين سنتي (1918- 1939) وحقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية (1945- 1965) وبالأخص قيام دولة إسرائيل ذات الطابع الديني والمرجعية اليهودي- التلمودية عام 1948، بالإضافة إلى تحولات ما بعد هزيمة حزيران1967 عام وحرب تشرين الأول /أكتوبر عام 1973.

و ما يلاحظ أن الخطاب الديني المتطرف ومن خلال مقولات التكفير والتجهيل والحاكمية وحتمية الحل الإسلامي، سوف يدخل في أزمة خانقة مع الذات وفي صدام مع المجتمع ومع العصر ومع العالم.

معالم خطاب التطرف

و الحقيقة أن كل ما فعله الخطاب الديني المتطرف ممثلا في خطاب سيد قطب في الكتاب/البيان "معالم في الطريق" هو شرعنّة العنف من أجل الوصول إلى السلطة وإقامة دولة دينية/ ثيوقراطية، السلطة تكون في يد رجال الدين. ولهذا لا بد من التوقف طويلا عند الخطاب القطبي، بالتحليل وبالدرس والفحص.

مما لا شك فيه أن خطاب سيد قطب المتطرف قطع خط الرجعة تماما ونهائيا مع الخطاب السياسي العربي النهضوي، خطاب محمد عبده الإصلاحي وعبد الرحمن الكواكبي الذي بذر بذور الفكر الديمقراطي وقاسم أمين الذي نبه إلى ضرورة التحرر الاجتماعي. والغريب في الأمر أن، خطاب سيد قطب المتطرف قد قطع حتى مع خطاب الأب المؤسس والمرشد الاول للجماعة حسن البنا نفسه.

و نحن نعلم أن خطاب وخطب ورسائل مؤسس جماعة الإخوان إتسمت في الثلاثينيات من القرن الماضي إلى حد ما بالواقعية والبراغماتية والإعتدال وانتهجت سياسة التعبئة والحشد وكسب الأنصار وعدم الصدام مع الدولة ونظام الحكم.

و لهذا، لا أحد يجادل في إعتدال مؤسس الجماعة السياسي وفي واقعيته وفي سلوكه البراغماتي، وفي قبوله بالنظام الدستوري وبترحيبه بالعمل السياسي العلني، وإن كان يتحفظ على الحياة السياسية الحزبية.

و الأغرب من كل ذلك أن أفكار وتصورات ومفاهيم سيد قطب " الشيخ " هي غير أفكر وتصورات ومفاهيم سيد قطب " الشاب "، كما أن ما كتبه في السجن غير كتبه وهو حر طليق. ومن المعلوم، أن سيد قطب، وتحت تأثير قراءاته في نهاية الأربعينيات في الفكر الإسلامي الباكستاني، ممثلا في أبي الأعلى المودودي الذي أخذ منه مفهوم الحاكمية وفي أبي الحسن الندوي الذي أمده بمقولة الجاهلية.

والجدير بالذكر كذلك أن صاحب مقولات الحاكمية والجاهلية دخل السجن عام 954 مع المئات من أعضاء جماعة " الإخوان المسلمين " عَقب محاولة إغتيال الرئيس جمال عبد الناصر في حادث المنشية بالإسكندرية في مارس 1954محكومًا عليه بخمسة عشرة سنة قضى معظمها في المستشفى الملحق بالسجن، وفي السجن كتب ونشر أهم مؤلفاته " في ظلال القرآن " و"معالم في الطريق " وكتابات السجين هي غير كتابات الحر الطليق، وإن كنا نعتقد أن أهم أفكار وتصوراته، وبعبارة أصح إيديولوجيته قد تشكلت قبل عام 1952، وظهر ذلك جليا في كتاب " العدالة الاجتماعية في الإسلام" الصدر عام 1949 وكتاب "معركة الإسلام والرأسمالية " وكتاب "السلام العالمي والإسلام " وكتاب "هذا الدين " و" المستقبل لهذا الدين". وكل ما في الأمر أن خطاب سيد قطب المتطرف إزدادت تطرفا وإرتفع منسوب التشّدد والتكفير لديه وهو في السجن.و الكتابة في السجن هي غير الكتابة خارج السجن.

و لسنا في حاجة إلى شرح كبير للقول بأن كتاب/مانفيستو " معالم في الطريق " ليس مجرد نص سياسي /إيديولوجي بل هو بمثابة شهادة ميلاد الجماعات التكفيرية والتنظيمات الجهادية..

و من خلال قراءة نص "معالم في الطريق" نجده يتضمن مفهومين رئيسيين، تنطلق منهما وتستند عليهما الحركات الإحيائية وجماعات التطرف الديني، هما مفهوم الجاهلية الذي أخذه من المفكر الهندي أبي الحسن الندوي ومفهوم الحاكمية الذي إستقاه من الباكستاني الأخر أبي الأعلى المودودي.

و الحقيقة أن القول بالجاهلية. وضع الفكر السياسي الإسلامي المعاصر في مأزق وأدى إلى العراك مع القوى الاجتماعية / المدنية (المجتمع المدني) ومفهوم الحاكمية إنتهى عند محطة صدام جماعات الإسلام الحزبي الراديكالي مع الأنظمة السياسية الحاكمة (الملكية والجمهورية).

الجاهلية.. والحاكمية

يعتبر سيد قطب أول مفكر إخواني يصرح بأن العالم يعيش اليوم في جاهلية من ناحية الأصل الذي تنبثق منه مقومات الحياة وأنظمتها.

و معنى هذه العبارة أن الجاهلية التي يعيشها العالم اليوم، أي جاهلية القرن العشرين تشبه الجاهلية التي كانت موجودة قبل ظهور الإسلام، وهي سائدة ليس فقط في العالم الغربي الرأسمالي، بل وفي العالم الشرقي/ الاشتراكي، بما في ذلك منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وبعبارة أخرى كل المجتمعات المعاصرة هي مجتمعات جاهلية، بما في ذلك المجتمعات التي توصف أو تزعم لنفسها أنها إسلامية، والسبب أن هذه المجتمعات نسيت أو تناست في الماضي أو تتناسى اليوم عبارة التوحيد " لا اله إلا الله " التي فصلت بين الشرك والإيمان، بين الحق والباطل.

و زيادة في توضيح فكرته يقول سيد قطب في ما معناه بأننا اليوم في جاهلية كالجاهلية التي عاصرها الإسلام بل وأكثر جاهلية، لأن كل ما يحيط بنا فهو جاهلية، وبالتالي فكل هذه المجتمعات القائمة اليوم قد إبتعدت تمامًا عن المنهج الإسلامي الصحيح، منهج الرسول والصحابة، وقع هذا التباعد في الماضي مباشرة بعد النهاية الدامية للخلافة الراشدة، كما هو واقع اليوم في القرن العشرين، وبالتالي حق أن يقال عنه "جاهلية القرن العشرين".

و المفارقة العجيبة أن سيد قطب قد تعرض لصدمة عنيفة عندما اكتشف أن الحاضر ليس وحده الذي انحرفت فيه الدولة عن الإسلام وافترقت فيه ا أمة عن الشريعة، بل أنها انحرفت كذلك في الماضي، في العصر الأموي والعباسي والعثماني انحرافا شديدا.

و اللافت للإنتباه أن فكرة الإنحراف التاريخي هي التي دفعت سيد قطب إلى تصور نظام سياسي هو غير الخلافة كما كانت في الماضي، فالتاريخ الإسلامي لم يعد صالحا للقياس عليه ولا للبناء عليه، وبعبارة أدق لم يعد معيارا من كثرة الانحرافات التي وقعت فيه.

و لهذا كان لا بد لسيّد قطب من أن يَسرح في الخيال ويتصور نظام سياسي مثالي ويحلم بجمهورية طوباوية وبدولة دينية ونظام حكم ديني/ثيوقراطي (الحاكمية). ولكن هذا النظام الديني المثالي الذي تصوره سيّد قطب في كتاب " معالم في الطريق " لم يتحقق في الواقع ولا حدث في التاريخ الحقيقي للإسلام وللمسلمين، ويمكننا أن نضيف أن هذه الدولة الإسلامية التي حلم بها سيد قطب وتلامذته ونظر لها الشيخ يوسف القرضاوي وتكلم عنها كثيراً الشيخ محمد الغزالي، من المستحيل أن تتحقق في المستقبل ولم تتحقق في الحاضر ولا تحققت في الماضي، لأنها بكل بساطة.. الدولة المستحيلة.

و غني عن البيان القول أن هذه الدولة ومحتواها الإيديولوجي، التي يحلم بها الإسلاميون والتي لم تتحقق في الماضي في عز دولة الخلفاء الراشدين، لأنها كانت مجرد شعار هو " لا حكم إلا لله " رفعه الخوارج منذ واقعة التحكيم بين جش العراق بقيادة علي بن أبي طالب وجيش الشام بزعامة معاوية بن أبي سفيان.

و من الواضح أن سيد قطب عاد إلى الوراء، عاد إلى التاريخ، عاد إلى شعار الخوارج" لا حكم إلا لله ". ومعنى هذا الشعار أن الحكم لله وليس للبشر ومن الضروري إقامة مملكة الله في الأرض على أنقاض مملكة البشر، ولا بد من إنتزاع السلطة السياسية من أيدي البشر ومن العباد الذين اغتصبوا الحكم، ولا بد من إرجاع الحق إلى صاحب الحق، وهو الله سبحانه وتعالى، ولابد من سيادة الإرادة الإلهية ولا مفر من تطبيق الشريعة الإلهية دون سواها من القوانين، وهذا يترتب عنه حتما إلغاء القوانين الوضعية التي سنّها البشر.

إنها الحاكمية التي هي من أهم خصائص الإلوهية، فالله هو الحاكم الوحيد الُمطلق وهو وحده لا شريك له، هو رب العباد الذي يُشرّع للعباد ويضع مناهج وطرق وقواعد حياة العباد، وهو كذلك من يحدد لهم المبادئ الأخلاقية والقيم الاجتماعية التي يقوم عليها إجتماعهم. وبناءا عليه يمنع على البشر تحديد المبادئ ووضع مناهج الحياة، فلا يحق لأحد من البشر فعل ذلك، ومن فعل فقد تعدى على حدود الله وافترى على الله وزعم لنفسه مهام إلهية.

و لهذا كل من يرفض مبدأ الحاكمية ولا يلتزم بها ولا يخضع لأوامرها ونواهيها، فهو كافر ويوضع اسمه في قائمة " الروافض " ويحسب من المتمردين على أوامر ونواهي لله.

و لا نحتاج إلى شرح كبير للقول بأن سيد قطب من خلال مفهوم الحاكمية يُشرع للدولة الدينية، الدولة الثيوقراطية.دولة الحق الإلهي التي سادت في العصور الوسطى في أوروبا، والتي كانت فيها السيادة لله وليس للأمة.

و نحن نعتقد اعتقاداً جازماً أن النظام السياسي الديني/الثيوقراطي الذي دعا إليه سيد قطب، لم يرد أصلاً في الفكر السياسي العربي/ الإسلامي الوسيط، وما قال به أحد لا في السياسة الشرعية ولا في الفقه السياسي ولا وَرَد حتى في الآداب السلطانية، وليس هذا فحسب بل ويتعارض تماما مع الدولة الوطنية الحديثة، دولة القانون والدستور وسيادة الشعب، الدولة المدنية التي تكون فيها السيادة العليا للشعب وتقوم على مبدأ التمثيل النيابي والفصل بين السلطات والأهم من ذلك تقوم على الفصل بين شؤون الدين وشؤون السماء..

و من المعلوم أن الدعوة إلى الحاكمية هي دعوة صريحة إلى الدولة الدينية، وهي تأكيد على أن السلطة السياسية تكون بيد رجال الدين، وبالتالي تنصيب سلطة الكهنوت، والقول بذلك يجر الدين الإسلامي إلى أتون الصراع السياسي، ويعمق أزمة الخطاب الديني المتطرف ويفتح عليه جبهات داخلية وخارجية، ويجعله يدخل في حرب أهلية مدمرة مع فكر الأزمنة الحديثة ومع تيارات سياسية مدنية عربية معاصرة، أقصد التيارات القومية واليسارية والليبرالية.

و من البداهة القول أن من مفاهيم الجاهلية والحاكمية التي تضمنها كتاب"معالم في الطريق" تناسلت الجماعات التكفيرية /الجهادية التي ذهبت بعيدا ليس فقط في رفض الدولة الوطنية الحديثة، بل ذهبت إلى حد تكفير المجتمعات وقتل أكبر عدد ممكن من الناس، وممارسة كافة أشكال الإرهاب على أساس أن هذه الجماعات تمتلك الحقيقة المطلقة وأن فهمها للدين هو الفهم الصحيح وبالتالي هذه الجماعات كانت ومازالت تتصرف بمبدأ الفرقة الناجية ومنطق من ليس معنا فهو ضدنا.

***

د. مصطفى دحماني

باحث في الفكر الإسلامي/الجزائر

 

ما زلنا مع (ذي القُروح) في مناقشة شؤون الكِتاب العَرَبي، وكتَّابه وقرَّائه... فسألناه:

- مَن الكاتب العَرَبي الذي تقترح قراءة أعماله حاليًّا، من وجهة قُروحك؟

- من وجهة قُروحي، هذا سؤالٌ بارد، وبلا معنى! هناك مواصفات لمثل هذا الكاتب، وليس هناك كاتبٌ بعينه.

- وهل للكتابة طقوس تؤثِّر فيها؟

- الكتابة الإبداعيَّة، نعم. أمَّا الكتابة العِلميَّة، فلا تعدو اشتراطاتها: الاستعداد الذِّهني، وتوافر أوعية المعلومات المناسبة.

- كيف نقرأ؟

- القراءة الاستيعابيَّة هي الأهم. ولكلِّ قارئٍ طريقته، ولكلِّ مادَّةٍ مقروءةٍ طريقتها في القراءة. مدرسيًّا ثمَّة كتبٌ نستعين بها في مجال تعلُّم (مهارات القراءة)، حينما ندرس مثل هذا الموضوع نظريًّا.

- لكن كيف نقرأ؟

- بأن نقرأ!  كما يتعلَّم السباحة الإنسان بإلقاء نفسه في الماء. القراءة ليست بوسيلة، في النهاية، نسأل عنها ب-(كيف). غير أنَّ لدينا إشكالًا معرفيًّا مزمنًا في تلك الثنائيَّات الضِّديَّة، أو بالأحرى التي يتوهَّم الإنيسيان أنها ضِدِّيَّة، المتعلِّقة بالوسيلة والغاية، والشَّكل والمضمون، وغيرها من الثنائيَّات. وهذه الثنائيَّات التي يتوهَّم الإنيسيان أنها ضِدِّيَّة، ليست كذلك، بل هي تكامليَّة، لا يمكن أن تنفصل إحداها عن أخراها في النتيجة. وكلُّ ما في الكون، والذِّهن كذلك، قائمٌ على تزاوج الثنائيَّات. ومن ثَمَّ فإنَّ حديثنا في مساق سابق، على سبيل المثال، عن التحوُّل من القراءة الورقيَّة إلى القراءة الإلِكترونيَّة، لا يُفهَم منه، لدَى قارئ يعي ما يقرأ، اهتمامًا بالوسيلة فقط، بل الوسيلة هنا تصبح مكوِّنًا من مكوِّنات الغاية، الماثلة في تحوُّل الوعي الإنساني من طورٍ إلى طَور. وعليه، فإنَّ اختزال مفهوم (الكيف) في الآلَة هو تسطيحٌ لمعنى (الكيف) والآلة، وهْمًا أنهما قائمان بذاتَيهما. على القراءة أن تعي ذلك، إنْ كانت قراءة صحيحة، دون أن تنتظر من الكاتب أن يُعرِب عن تفاصيل ذلك بالضرورة. وذاك هو منهاج (الفرزدق) في القراءة- إنْ جاز القول- من حيث إشارته إلى تكامل وظيفة القصيدة والقراءة، أو قل: وظيفة الكتابة والقراءة: «علينا أن نقول، وعليكم أن تُعرِبوا!». ذلك أنَّ القارئ الذي لا يقتنع بالمقروء إلَّا إذا أعربَ له عن كلِّ شيء، إنَّما يسعَى، بوعيٍ أو بغير وعي، إلى أن يتنصَّل عن وظيفته القرائيَّة. وهذا الضَّرب من القُرَّاء هو، في حقيقة أمره، وليد مدرسةٍ وَعْظِيَّةٍ، في ثقافتنا بصفةٍ خاصَّة، اعتاد فيها أن يَهُ-زَّ رأسه، وهو يُردِّد: (آمين)، لا أن يقرأ ما تحت السطور.

- هل هناك كتابٌ ضارٌّ وآخر نافع؟

- نعم.  بل هناك كتابٌ سامٌّ للمستهلك الساذج.

- نسمع بالقراءة الإبداعيَّة والقراءة الإنتاجيَّة. ماذا تعنيان؟

- هي القراءة التفاعليَّة مع المادَّة المقروءة، أو قل: القراءة الناقدة. ويُشترَط في المادَّة المقروءة: أن تكون غير مألوفة ولا اعتياديَّة، بحيث تمثِّل خصوبةً خاصَّة. ويُشترَط في القارئ: أن يقرأ بمنهاجٍ (بحثيٍّ- تحليليٍّ- نقدي).

- ماذا عمَّا يُسمَّى (القراءة السريعة)، التي يُباهي بها بعض.

- غير مثمرة. بل القراءة المثمرة قد تستدعي إعادة قراءة الكتاب مرَّات. القراءة السريعة تتوقَّف جدواها على نوعيَّة المادَّة المقروءة ودرجة السُّرعة. وهي قد تفيد في قراءة النصِّ العِلمي، أو بالأحرى المعلوماتي، لا الأدبي.

- ماذا عن القراءة والمستجدَّات الحديثة (الأجناس الجديدة، الاتجاهات الإنسانيَّة الجديدة... إلخ)؟

- ماذا عن أسئلتك التي لا تنتهي؟! القراءة أصلًا هي بحث عن المستجدَّات. حتى في قراءة التُّراث، القراءة الجادَّة محاولة لقراءة ما لم يُقرأ، أو قراءة جديدة لقديم. فالقراءة، التي تستحقُّ هذا المصطلح هي، إذن، بحثٌ عن الجديد، في القديم أو الحديث. ولذلك قلتُ إنَّ معظم القرَّاء لا يقرؤون بما تعنيه القراءة من معنًى!

- كيف تدلِّل على ذلك؟

- انظر إلى قراءتنا للتراث العَرَبي والإسلامي، مثلًا. لقد خلفَ من المسلمين خَلْفٌ جعلوا عاداتهم وتقاليدهم دِينًا، وصوَّروا طبائع أنفسهم المنغلقة المتحرِّجة في صورة التقوَى السلفيَّة، وما ذاك بدِين الإسلام السَّمح اليسير، ولا بتقوَى الرسول ولا المسلمين الأوَّلين من المهاجرين والأنصار، الذين من قرأ سيرتهم عجب كيف تشكَّل من هذا عبر العصور شيءٌ آخَر، شُوِّه ما شيء له أن يُشوَّه؟! حتى بات الابتسام شبهةً أحيانًا، والضحك إثمًا، وكثرة المزاح قِلَّة مروءة، قد تُعَدُّ من مبطلات العدالة لدَى بعض أهل الجرح والتعديل. مع أنَّ هذا بخلاف نهج الإسلام وسنَّة رسوله وصحابته، اللذين نقرأ فيهما أنَّ أَصحاب محمَّد كانوا يَتَمازَحُون، فإذا جاءَت الحقائق كانوا هم الرِّجال.

- هُم بَشَر كالبَشَر، وما جاء الدِّين ليجعلهم ملائكة، أو ليُلغي طبائعهم وينفي غرائزهم وضرورات حياتهم، بل ليهذِّبها ويوجِّهها الوجهة الراشدة.

- ومن ذلك أيضًا أنَّها نشأت في بعض الأجواء الضيِّقة الهواء الاتجاهاتُ المتشدِّدةُ ضِدَّ أن تحظَى المرأة بحقوقها المشروعة. وهو ما لم يؤدِّ إلى تشويه الموقف من المرأة فحسب، ولكنه أدى أيضًا إلى ما هو أخطر، وذلك لإحداثه شرخًا في الثقافة والمجتمع: فإمَّا أن يسلِّم المرء والمرأة بأن ذلك الفِقه المتشدِّد هو المقصد الأوَّل والآخِر والنهائي، أو أن يضطرَّ إلى التمرُّد، أو أن يظلَّ في حيص بيص؛ إذ لا يرى نموذجًا آخَر للمرأة إلَّا النموذج الغربي المعاصر، الذي يمتهن بدَوره المرأة ويستغلُّها ذكوريًّا، وإنْ تحت شعار تحريرها. ذلك أنَّ النموذج السَّويَّ مغيَّبٌ تحت ركام من القراءات التراثيَّة والمعاصرة. فليس أمامك إلَّا النموذجان: النموذج المتشدِّد، ونقيضه الغربي، المستنسَخ وَفق معطياته وتاريخه هناك، في ثقافةٍ كانت تتساءل: تُرَى المرأة بَشَر؟ أم من زمرة الشياطين؟!

- وعليه، فأنت تتَّفق معي في أنَّ فضح المسكوت عنه (الذي فيه ظُلم) واجب في الأعمال الكتابيَّة؟

- نعم، ولكن هل يلزم بعد ذلك شرح تفاصيل المسكوت عنه على الملأ؟ هنا فسادٌ في فهم طبيعة الكتابة أصلًا، ووظيفة الأدب. فكما رأينا أن مدرسة القراءة التقليديَّة السُّكونيَّة تنتظر من الكاتب أن يُعرِب لها عن تفاصيل كلِّ شيء، فلا تقتنع بالمقروء إلَّا إذا أعربَ لها عن كلِّ صغيرةٍ وكبيرة، تمخَّضت تلك المدرسة القرائيَّة عن مدرسة كاتبٍ شبيه، يُلزِم نفسه بما ليس يلزمها، أن يَشرح للقارئ ويفصِّل، حتَّى يوشك أن يعرض له رسومًا بيانيَّة وصورًا إيضاحيَّة! بَيْدَ أنَّ الإشكال هنا يتخطَّى بنا الضَّلال عن طبيعة الكتابة ووظيفتها إلى استدراجنا إلى دائرة الترويج للمسكوت عنه والإغراء به! وهكذا، فإنَّ عمليَّة (كشف المسكوت عنه)، إنْ صدقتْ غاياتُ القائلين بها، سلاح ذو حدَّين، قد يكون إثمُه أكبر من نفعه.

- ألا ترَى معي أنَّ في العمل الأدبي جانبًا تطهيريًّا؟

- بلى، بالله، أرَى معك. وهذا يعيدنا إلى جدليَّة (أرسطو) و(أفلاطون) ومدينته الفاضلة. بَيْدَ أنَّ توظيف الأدب لمجرَّد التنفيس الذاتي، أو الثأر الشخصي، هو أسوأ ما يمكن أن ينزلق إليه أديب. من حيث إنَّ الأدب ليس «فضفضة». وبين حدَّي «الفضفضة» ومفهوم «التطهير» يقع الخلاف في فهم رسالة الأدب بين الناس منذ القِدم، وكلٌّ يتطرَّف إلى وُجهةٍ هو مولِّيها. لكن لا خلاف- إنْ من الناحية النقديَّة أو الأخلاقيَّة- على أنَّ مسؤوليَّة الكاتب الحقيقيِّ تحتِّم عليه أن لا يجعل نَصَّه مطيَّة ثأرٍ شخصيٍّ أو قَبَليٍّ- مهما وقع عليه من ظُلم- على غرار نقائض (جرير) و(الفرزدق) و(الأخطل) الفضائحيَّة- كي يشفي نفسه بنفث سمومها في نفوس الآخَرين. وذلك هو الوباء الثقافي الذي كثيرًا ما يحمله الأدب، شِعرًا ونثرًا، إلى المجتمعات، بحُسن نِيَّة أو بسوئها، حين تروق للكاتب أنانيَّةُ التطهير الفردي وإنْ على حساب التلويث المجتمعي. وهنا يستحيل النصُّ إلى مِنصَّة للتمييز العنصري، وبثِّ الكراهية، ونشر النَّعرات، وإشاعة التصنيفات، والتنابز بالألقاب. وهو ما يستلزم المساءلة الأخلاقيَّة والقانونيَّة، من السُّلطات الاجتماعيَّة والأمنيَّة. وقبل ذلك من (النقد الثقافي)، الغارق في مقارباته النسقيَّة خلال العصر الجاهلي أو العصر العباسي، منفصلًا عن جاهليَّات عصره وعبَّاسيَّاته الماحقة!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

حين تختزل قيمة النص الفلسفي في التباهي بورود اسم مفكر جزائري في ورقة امتحان ما، تتحول الفلسفة من أداة للتساؤل والقلق إلى أداة "تمجيد هوياتي". فنكون امام نرجسية مزدوجة: نرجسية الأستاذ الذي يسعى للتماهي مع صورة صاحب النص فيغتذي منها تحت تأثير شهوة التملك، ونرجسية تُسقط على النص وصاحبه هالة من التمجيد تحجب عنا مضمونه الإشكالي. وهذا الفعل يُخرج ولا شك النص من إطاره البيداغوجي الصارم إلى فضاء الديماغوجيا الهلامي، حيث يصبح المعيار هو من كتب هذا النص؟ وهو فعل ساذج يؤدي الى تذويب الفلسفة في "فخر الأنا الجمعية" ومن ثمة قتلها، لأن فعل التفلسف يبدأ حين نجرؤ على محاورة النص لا على التمسح به والتبرك بقدسية كاتبه ومن يفعل ذلك فهو لا يعلم او يعلم ولا يعمل.

ونحن هنا لا ننكر ادراج اسم المؤلف أو الإشارة كتابه، بل نُعلّق حكمنا عليه مؤقتاً (نضعه بين قوسين) كما تطالبنا به فلسفة هوسرل ومن قبله منهجية ابن الهيثم في البحث لنتمكن من معاينة النص ذاته، كموضوع للتحليل وهذا الإجراء المنهجي هو الذي يجعل النص "تمريناً مدرسياً" حياً، ويحوله الى مختبر تُقاس فيه كفاءة الطالب في التفكير والتحليل والنقد، فالنص الفلسفي ليس مستودعا لاقتباسات جاهزة يتباهى بها ولا يجب ان يتحول شماعة نعلق عليها فشلنا في السمو بالدرس الفلسفي الى افق أوسع والمؤلف أيّاً كان، يتحول بمجرد ان يكتب نصه إلى عائق إبستمولوجي بلغة غاستون باشلار حيث يتحول الاسم الى ستار يحجب إشكالية النص، وعندما نقول "هذا نص لمالك بن نبي"، سنلاحظ على الفور ان الحوار في الغالب كما هو واضح عبر منصات التواصل قد تحول إلى جلسة استحضار وتمجيد للرجل. نتحدث فيها عن "عبقريته"، لا عن إشكالية نصوصه. مديح الحماقة هذا يحول نصه الى مرآة نرى فيها صورتنا النرجسية الجمعية منعكسة على المؤلف، فنصفق للمرآة بدل أن نحلل الصورة. وهذا هو "الإرهاب النقدي" الذي يمارسه أتباع صورة المؤلف. ولذلك كان ان المعيار الوحيد لقيمة النص الفلسفي هو تضمنه لإشكالية تستفز التفكير النقدي فنص البشير الابراهيمي أو ابن رشد لا يقل قيمة عن نص لديكارت أو كانط إن حمل سؤالاً حقيقياً، والعكس صحيح. وعندما اعلن رولان بارت موت المؤلف لم تكن دعوة ساذجة لتجاهل من كتب النص، بل ثورة ضد فكرة أن "تفسير النص" مرهون دوماً بالشخص الذي أنتجه. فالمؤلف انجز بالفعل مهمته وانتهى دوره.

يجب ان ندرك ان النص الفلسفي الحقيقي ليس "خطاباً" أحادي المعنى يودعه المؤلف ثم نستخرجه نحن، إنه "نسيج" من العلاقات والإحالات والإشكاليات التي تتجاوز قصدية الكاتب الواعية. والتركيز على "المشكلة" لا على "صاحب النص" هو الذي يحرر التلميذ ليكون منتجاً للمعنى لا مستهلكاً للقداسة والقاعدة الذهبية التي غابت عنا هنا ان القيمة ليست في "قول القائل" لأنه جزائري أو لأنه "علامة"، بل في "الحجة والبرهان" الكامنين في النص فطالب الحق كما قال ابن الهيثم :" ليس هو الناظر في كتب المتقدمين، المسترسل مع طبعه في حسن الظن بهم، بل طالب الحق هو المتهم لظنه فيهم، المتوقف فيما يفهمه عنهم، المتبع الحجه والبرهان لا قول القائل الذي هو إنسان" ومن ثمة النصوص الفلسفية التي تُختار للامتحان يجب ألا تُعامل كآثار متحفية نقترب منها بخشوع، بل كأحداث فكرية تتفجر عنها أسئلة حارقة. وهذا لا يحدث إلا إذا "قتلنا" الأب-المؤلف رمزياً، وواجهنا النص مباشرة في عزلته الإشكالية، متسائلين: ما المشكل الفلسفي الذي يطرحه هذا النص بصرف النظر عن اسم كاتبه؟

صحيح ان النص الفلسفي يمتلك "خصوصية" انغراسه في سياق تاريخي وثقافي ولغوي معين، لكنه في الآن ذاته يطمح إلى "كونية" تتيح للعقل الإنساني، حيثما كان، أن يشتغل عليه. والخصوصية ليست امتيازاً وكون نص ما جزائرياً، وأفريقياً، ومكتوباً بلغة الضاد، هو معطى سوسيو-تاريخي يساعد على الفهم، لكنه ليس "قيمة فلسفية" مضافة بحد ذاته. والخلط بين الخصوصية الثقافية والقيمة الفلسفية هو جوهر الديماغوجيا التي تحاربها الفلسفة باعتبار التفلسف من أفعال التحرر ومن منطلق ان الفلسفة ثورة على كل ما هو سطحي وتافه في الحياة كما كان يقول هيغل .

يجب علينا ان ندرك أيضا ان النص الفلسفي لا يكتسب قوته من أنه يضعنا ضمن معادلة "الانا" ضد "الآخر"، بل من أنه يطرح سؤالاً يعنينا كبشر، لا كجزائريين فقط. وكونية النص الفلسفي لا تعني أنه يقول "الحقيقة المطلقة"، بل تعني أن إشكاليته قابلة للتعقل والنقاش من أي عقل كان، في أي زمان ومكان. فمثلا عندما نختار نصاً عن الحرية يكون معيار جودته ليس أنه كتبه مصطفى الأشرف أو جان جاك روسو، بل مدى قدرته على دفع أي تلميذ، جزائري أو ياباني، إلى التفكير النقدي في مفهوم الحرية. هذه الكونية هي التي تجعل النص جديراً بأن يكون "تمريناً مدرسياً" كونياً، لا مجرد شاهد على ثقافة محلية. نص تنجح مشكلته الفلسفية في اختراق قشرة الخصوصية لتستثير عقلاً كونياً. وهذا التحدي هو امتحان للنص قبل أن يكون امتحاناً للتلميذ.

واذا كان الامر كذلك فلابد من صياغة دفتر شروط صارم، متجاوزاً معيار "من كتب؟" إلى ماذا يحرك في العقول؟ وعليه النص الفلسفي يجب ان يقوم على أربعة اركان :

1-  على النص أن يتضمن مشكلة فلسفية واضحة قابلة للتحديد (المشكلة، الأطروحة، المكاسب والحدود). إن لم تكن هناك مشكلة، فالنص وعظ أو إنشاء أدبي، لا تمرين فلسفي.

2-  يجب أن يكون النص محكوماً ببنية حجاجية يمكن تفكيكها مفهوماتياً ومنطقياً، وألا يكون منغلقاً على "حكمة" لا تقبل الجدل. الهدف هو أن يُظهر التلميذ كفاءة في استخراج الحجج وتقويمها.

3-  يجب أن تكون الإشكالية المطروحة قادرة على الاستغناء عن معرفة موسوعية متخصصة بحياة المؤلف أو تفاصيل تاريخية دقيقة لا يفهمها إلا المختصون. فالفهم يجب أن يكون مطلباً ضمن أسئلة النص.

4-  أن يسمح النص بتعبئة الموارد التي يفترض أن التلميذ أنجزها خلال الموسم (مذاهب، مفاهيم، نصوص أخرى)، فيكون بمثابة "مختبر" لقياس كفاءة المفهمة والاشكلة والحجاج.

الخلاصة

ما ندعو إليه هو إعادة الفلسفة إلى وظيفتها الأساسية: تعليم التواضع أمام تعقيد الواقع والأسئلة. وعندما نجعل من نص مفكر جزائري موضوعاً للتحليل الفلسفي الصارم بدل التمجيد الأجوف نكون بذلك قد اعدنا له الاعتبار، لأننا نعامله كعقل يستفز العقول، لا كتمثال يُقدّس ويُعبد. ولاشك ان الدرس الفلسفي سيستعيد كرامته حين نعيده إلى هذه الصرامة المنهجية، معترفين بأن هدفه ليس تعزيز أوهامنا، بل تفكيكها، بدءاً من أوهام "الأنا" الفردية والجمعية.

ونص ابن الهيثم والذي جاء فيه انه من الواجب:" على الناظر في كتب العلوم، اذا كان غرضه معرفة الحقائق، أن يجعل نفسه خصما لكل ما ينظر فيه، ويجيل فكره في متنه وجميع حواشيه، ويخصمه من جميع جهاته ونواحيه، ويتهم أيضا نفسه عند خصامه فلا يتحامل عليه ولا يتسامح فيه. فإنه إذا سلك هذه الطريقة انكشفت له الحقائق، وظهر ما عساه وقع في كلام من تقدمه من التقصير والشبه." يقدم لنا خارطة الطريق التي أشرنا إليها خارطة تذكرنا ان النص الفلسفي الجدير بأن يُدرس ويُطرح في الامتحان، هو فقط ذلك النص الذي يستطيع أن يصمد في مواجهة قارئ ابن الهيثم: قارئ جعل نفسه خصماً مخلصاً للحقيقة، لا يتسامح ولا يتحامل، ولا يبالي بالاسم بقدر ما يبالي بالحجة والبرهان.

وأولئك الذين يتبادلون عبارات التمجيد ويصرخون "انظر هذا نص لكاتب جزائري"، هم بالضبط من وصفهم ابن الهيثم: بأنهم ليسوا "طلاب حق"، بل "ناظرون في كتب المتقدمين، مسترسلون مع طبعهم في حسن الظن بهم". إنهم يعيدون إنتاج الجهل المقدس، لا المعرفة النقدية.

***

الأستاذ عمرون علي

 

لا يزال سؤال من هو فرعون موسى؟ شوكة مغروسة في حلق الزمن، عالقاً بين شفاه التاريخ وأسنة المعاول؟

  سؤال يتردد صداه في جنبات وادي النيل، حيث تهمس الرياح فوق كثبان الدلتا الشرقية بأسماء ملوك طواهم النسيان. نسأل، وتسألون، وكأننا نترقب فارساً قادماً من أقصى الأفق على صهوة جواد جامح، يحمل في يمينه يقيناً لا يتطرق إليه الشك. ولكن ما أعصى اليقين على المنال في أرض طالما مزجت بين طمي الواقع وذهب الأسطورة! إننا ننبش التراب، ونفتش النصوص، ونقلب ذاكرة البشرية المرهَقة، باحثين عن حقيقة يلاحقها الشك من كل حدب وصوب.

ولماذا هذا الإصرار العجيب؟ لأن العقل البشري، في سعيه الدؤوب نحو الحقيقة، لا يطيق الفراغ، لا يطيق أن تظل القصة التي صاغت ضمير أمم بأسرها، قصة النبي والطاغية، معلقة في فراغ كوني بلا سند يلمس باليد أو تبصره العين. نريد، بكل ما أوتينا من شغف بالتاريخ، أن نقف على بقعة محددة ونقول هنا مشى موسى، هنا وقف يخاطب إلهه، وعلى هذه الرمال ذاتها جرفت المياه جثة الطاغية وجنده. إنه التوق الإنساني الأزلي لتحويل الرمز إلى جسد نبض يوماً، والإيمان إلى شهادة ترى وتشاهد، والغيب إلى أثر قابع في واجهة متحف.

في خضم هذا التوق الجمعي للتصديق بالعين، يطل علينا عالم الآثار المصري والوزير الأسبق، الدكتور ممدوح الدماطي، قادماً من صميم المؤسسة التي طالما أصرت على أن الفراعنة أجداد عظام، وأن سيرة نبي الله موسى، إن وجدت، فقد رحلت دون أن تترك في أرض مصر شاهداً يعتد به. يضع الدماطي بين أيدينا كتابه الموسوم: "موسى عليه السلام وخروج بني إسرائيل من مصر"، وهو عمل يخالف التيار السائد ويعانده، لا انطلاقاً من يقين النصوص الدينية فحسب، بل من تراب الأرض ذاته. إنه ينطق الجماد، فيستجوب بقايا المدن المندثرة، واللقى الأثرية الصامتة، والتماثيل المكسورة التي تحكي من الملاحم ما لم يسطر في سفر.

الطاغية في مرآة التاريخ

في بحثه المتأني، يرشح الدماطي رمسيس الثاني ليكون الوجه الأقرب لوجه الطاغية الذي خلده القرآن الكريم. لقد حكم هذا الملك ستة وستين عاماً، لم يعرف وادي النيل فيها وجهاً لسيد غيره. كان بانيًا حد الإدمان، شيد حتى بلغ به العمران حدًا يجاور الجنون المقدس. نقش اسمه على كل حجر ناطق وصامت، وملأ الدنيا تماثيل ضخمة، كأنما أراد أن يزاحم الآلهة في معابدها، وأن يجعل من نفسه، في وعي رعاياه، إلهاً حياً يعبد. أوليس هذا هو جوهر العبارة القرآنية الخالدة: "أنا ربكم الأعلى"؟ إن جسده المحنط، الذي يرقد اليوم في بهو المتحف القومي للحضارة المصرية، يتحدى الزمن الذي هزمه، ويتحدانا نحن في عجزنا عن فك شفرة صمته الأبدي.

وهنا، يفتح الدماطي، بجرأة العالم الذي لا يخشى العواصف الفكرية، صندوقاً لا يغلق بعد فتحه: إنه صندوق المصالحة المستحيلة بين مستويين قلما يلتقيان في فكر إنسان؛ مستوى الحقيقة المطلقة كما تجلت في الوحي، ومستوى الحقيقة النسبية كما تستنطق من بردية صفراء أو نقش على جدار معبد.

فخ التاريخ!

في لحظة التلاقي المبهِرة بين النص واللقية الأثرية، يبرز مأزق منهجي عميق. إن النص المقدس، في جوهره، لا يهتم بالتاريخ كما يهتم به المؤرخ المحترف. غايته الكبرى هي العِبرة، والآية، والنموذج الإنساني الخالد. إن فرعون القرآن الكريم ليس شخصاً واحداً محدد الملامح بقدر ما هو فكرةٌ تجسدت في جسد بشري إنه الطغيان المتأله، والكبرياء التي تعمي القلوب. قد يكون هذا الفرعون رمسيس الثاني، وقد يكون غيره، أو قد يكون خلاصة متكثرة لعصور من الاستبداد. القارئ المتدبر لا يحتاج إلى رقم الملك في سلالة الحكام، بل يحتاج أن يستقر في وجدانه أن هذا المصير الأسود ينتظر كل طاغية في كل زمان ومكان.

لكن محاولة إثبات أن رمسيس الثاني هو فرعون موسى بالذات، برغم ما تنطوي عليه من نوايا صادقة، تثير تساؤلات حول خطر تحويل النص المقدس من نص مفتوح على تأويلات تثري الروح الإنسانية، إلى نص تاريخي مغلق على حقيقة واحدة قابلة للإثبات أو النفي. وهذا تأويل خطير، لأنه يجعل من الإيمان قضية أثرية قد تثبت بأدلة جديدة، أو تنهار إذا ما سطعت شمس الحقيقة من ناحية أخرى. فلو ثبت غداً، بما لا يدع مجالاً للشك، أن رمسيس الثاني ليس هو فرعون الخروج، فماذا يحدث لوشيجة الإيمان؟ إن ربط المطلق بالنسبي هو الفخ الأول الذي نصطاده جميعاً حين نخلط بين عالم الغيب وعالم الشهادة.

فخ الانتقائية!

وثمة مأزق آخر لا يقل خطورة، وهو فخ الانتقائية المنهجية. فالدكتور الدماطي، بوصفه عالم آثار، يأخذ من التوراة ما يوافق فرضيته ويرفض منها ما يعترض سبيلها. إنه يستند إلى الرواية التوراتية في تفاصيل جغرافية الخروج ومحطاته، فيضفي عليها مصداقية تاريخية، لكنه حين تذكر التوراة فرعونين يرفض ذلك رفضاً قاطعاً استناداً إلى النص القرآني. فلماذا نصدق النص نفسه هنا ونكذبه هناك؟ إن هذا الانتقاء المريح يأخذ من النصوص ما يخدم الفرضية ويقصي ما يربكها.

والقرآن الكريم ذاته، أليس في منهجه في تناول التاريخ ما ينبهنا بوضوح إلى أنه ليس كتاب تاريخ بالمعنى الأكاديمي؟ إن القصة القرآنية تروى مقطّعة، موزعة على سور متعددة، لا تلتزم بتسلسل زمني صارم. وهذا ليس إهمالاً، بل هو إشارة بليغة إلى أن المقصود ليس التسلسل الزمني، بل المعنى العميق والدلالة الخالدة. لكن عالم الآثار، بحكم تكوينه الدقيق المنضبط، يريد أن يمسك بالشيء مادياً، أن يقول لنا بثقة هذا هو المكان بعينه، وهذا هو الرجل بعينه. إنه يشبه، في هذا المسار، من ظنوا قبل قرن أن العثور على بقايا مدن سهلية يعني صحةً حرفيةً لا تقبل الجدل. المشكلة أن المعول لا يثبت الإيمان، كما أنه لا ينفيه؛ إنه يثبت أحداثاً، لكنه لا يثبت أن هذه الأحداث هي تلك الأحداث بعينها.

 آية من لحم وذهب

يقدم الدماطي صورة آسرة لرمسيس الثاني الملك الذي حكم طويلاً حتى تصور أن الزمان ملك يمينه. الملك الذي بنى مدينة "بر-رعمسيس" العظيمة في شرق الدلتا، حيث يحتمل أن بني إسرائيل قد سكنوا وعملوا وشقوا في بناء مخازنها. هذا الملك الذي حنط جسده بحنكة بالغة، طلباً لخلود مادي يتحدى به فناء الجسد، إذا بجثته تتنقل اليوم بين المتاحف، عارية من كل عظمة، محاطة بحراس وفضول الزائرين، بعد أن كان يحوطه آلاف الكهنة. هنا تكمن المفارقة البليغة؛ لم يغرق رمسيس الثاني بحسب الفحوص الطبية، لكن جثته صارت آية من نوع آخر؛ آية على زوال الملك كأن لم يكن، وشاهداً صامتاً على هشاشة الجبروت البشري. إنها آية تقول بلسان الحال انظروا ماذا فعل الزمن بإله الأمس!

لكن هل تكفي هذه المقاربة الرمزية لإثبات فرضية تاريخية صارمة؟ إن صوت المؤرخ الصارم يعلو هنا ليقول كلا. المؤرخ يريد وثيقة بردية تقول بوضوح: "جاءني رجل اسمه موسى، فرفضت، فحلت بي اللعنة". لا توجد مثل هذه الوثيقة، وليس بين عشرات الآلاف من البرديات والنقوش التي خلفها عصر الرعامسة ما يذكر بني إسرائيل كجماعة خرجت من مصر. هذا صمت أثري مطبق، عميق كعمق المقابر الملكية، لا يمكن تفسيره بسهولة. هل طمست ذكرى الحدث عمداً؟

في البحث عن فرعون

يصر الدماطي على أن موسى عاصر فرعوناً واحداً. لكن قصة موسى، منذ طفولته في القصر وحتى عودته نبياً مرسلاً، تمتد على مسافة زمنية شاسعة تكفي لتعاقب عدة ملوك على عرش مصر. إن قرار قتل الذكور قد يكون سياسة دولة ثابتة عبر عهدين أو أكثر. يقدم لنا الدماطي رمسيس الثاني بحكمه الطويل الذي استوعب القصة كلها، لكن التاريخ المصري يعرف ملوكاً آخرين حكموا طويلاً، مثل تحتمس الثالث وبيبي الثاني. لماذا لا يكون أحدهما هو المرشح؟ الإجابة الجاهزة هي البناء في شرق الدلتا، وهو جواب أثري مقنع، لكنه ليس حاسماً، فمدن شرق الدلتا بنيت وهجرت عبر عصور.

البحر الذي انشق: بين الإعجاز الإلهي وتفسير الطبيعة

ثم هناك مشكلة البحر. إن الدماطي يحاول أن يعقلن المعجزة، متحدثاً عن جغرافية المنطقة حيث المياه ضحلة، وحيث المد والجزر يصنعان العجائب أحياناً. إنه يحاول أن يجعل الحدث مقنعاً للعقل الحديث، لكنه بهذا يقع في مأزق مزدوج؛ فالمؤمن سيقول له إنك تجرد المعجزة من معناها الفريد، واللاديني سيقول إنك تختلق تفسيرات واهية. الحقيقة أن البحر لم ينشق في التاريخ كما ينشق في النص المقدس؛ البحر انشق في الوجدان الجمعي، في ذاكرة أمة وجدت في هذه القصة هويتها. إن محاولة تفسير انشقاق البحر علمياً تشبه عملية تشريح لقصيدة عظيمة ستجد الكلمات والحروف، لكنك لن تجد الروح التي سكنت القصيدة وأحيتها.

ورغم هذه الإشكاليات، تظل للكتاب قيمته الكبرى. قيمته في أنه أخرج النقاش من الدوائر المغلقة، دائرة نقاش ديني مغلق، ودائرة نقاش تشكيكي لا يرى في النص إلا الأسطورة. لقد جاءنا الدماطي من موقع مركب ونادر هو موقع العالم الذي يؤمن، والمؤمن الذي يعلم. وهذا الموقع الوسطي الجسور يستحق منا التأمل والاحترام العميق، حتى وإن اختلفنا معه في بعض استنتاجاته.

 الأطلال الصامتة

ولعل أبلغ ما في الكتاب هو ربطة بين قصة الخروج ومصير "بر-رعمسيس" ذاتها. هذه المدينة التي بناها أعظم الفراعنة، وصارت عاصمة الإمبراطورية ومركز ثقلها، تحولت بعد قرون إلى تلال من الخرائب والوحل، يجهل الفلاحون موقعها ويزرعون فوق أسوارها المندثرة وهم لا يعلمون أن تحت أقدامهم عرش أعظم فرعون. هذه هي العِبرة الحقيقية التي لا تحتاج إلى دليل أثري، كل شيء يزول. كل قصر يصير تراباً يداس، وكل تاج يصير ذكرى باهتة. إنها شهادة التاريخ الصامتة على أن الظلم لا يدوم، وأن للحق دورة لا تخطئ.

وهكذا، يظل كتاب الدكتور ممدوح الدماطي، في نهاية المطاف، وثيقة فريدة من نوعها. إنه محاولة شجاعة لردم الهوة بين السماء والأرض، بين نور الإيمان المطلق ومصباح العلم النسبي، يكتبها رجل من صميم ضفة النيل، ليقدمها إلى ضمير الإنسانية جمعاء.

***

د. عبد السلام فاروق

تشريح القصور النقدي وآليات تسييل الأزمات في بيئات العمل العدائية

إبستيمولوجيا العجز في الفكر السياسي

إن مفهوم القصور النقدي في الفضاء الفكري للشرق الأوسط لا يشير إلى ضعف في الأدوات المنهجية، بل يمثل حالة من "العجز البنيوي" المتجذر في طبيعة العلاقة بين الفكر والسلطة. هذا القصور ناتج عن تراجع الفلسفة السياسية المعيارية أمام زحف المناهج التجريبية التقنية التي اختزلت البحث العلمي في رصد الظواهر السطحية القابلة للقياس الكمي، مغيبة بذلك الأسئلة الجوهرية حول القيم، والعدالة، والغايات القصوى للفعل الإنساني. لقد أدى هذا التحول إلى تجريد العقل العربي من قدرته على نقد "العقل الجمعي" وإعادة صياغة الثقافة العامة، مما جعل الفلسفة تفقد دورها كحائط صد ضد "بؤر الأوهام" التي تصنعها الماكينات الإعلامية العالمية. وكما يشير الفكر النقدي، فإن الثقافة التي لا تملك ممانعة نقدية هي ثقافة قابلة للاختراق والتبعية المطلقة.

الجانب الاقتصادي المادي.. الاستلاب وتكريس التبعية

لا يمكن فهم القصور النقدي بمعزل عن البنية التحتية الاقتصادية التي تحكم المنطقة. إن الشرق الأوسط يعيش حالة من "الاستلاب المادي" ناتجة عن اندماجه المشوه في النظام الرأسمالي العالمي كمنطقة طرفية وظيفتها الأساسية هي تصدير المواد الخام واستهلاك السلع والخدمات الفكرية المستوردة. في هذا السياق، تصبح الأزمات الاقتصادية وسيلة لإخضاع الطبقات المطحونة وتسييل قدرتها على المواجهة.

إن "تسييل الأزمات" في المنظور المادي يعني تحويل التناقضات الطبقية الحادة إلى قضايا معيشية يومية صغيرة تستهلك جهد الفرد وتمنعه من إدراك موقعه في عملية الإنتاج. إن الثروة في المنطقة لا تدار بوصفها رأس مال بشري، بل كأداة لتعزيز سلطة النخب المرتبطة بالمراكز المالية العالمية. ومن هنا، فإن اللامساواة في الدخل ليست مجرد خلل إحصائي، بل هي نتيجة حتمية لنمط إنتاج يعتمد على الريع والسمسرة الدولية، مما يؤدي إلى سحق الطبقة الوسطى وتهميش "البروليتاريا الرثة"، وهو ما يولد بيئة عمل سياسية عدائية ترفض أي فكر نقدي يسعى لتغيير علاقات الملكية أو توزيع الثروة.

إن انتهاء "العقد الاجتماعي القديم" الذي كان يقدم الخدمات مقابل الولاء لم يفرز عقداً جديداً قائماً على المواطنة، بل أفرز حالة من "الخصومة المادية" حيث تنمو دخول الأثرياء بمعدلات فلكية بينما يغرق الفقراء في ديون سيادية وشخصية لا تنتهي. هذا الوضع يخلق "ديناميات رفاهية سلبية" تجعل اليأس هو الشعور السائد، مما يسهل عملية السيطرة السياسية عبر الإفقار الممنهج وتغييب الوعي بآليات الاستغلال.

الحرب الناعمة وتسييل الوعي الطبقي

في ظل هذا الواقع المادي المأزوم، تبرز "الحرب الناعمة" كأداة ضرورية لتسييل الأزمات وتغييب الوعي الطبقي. إنها "إمبريالية الكلمة والصوت والصورة" التي تسعى لجعل المستغَلين يتبنون قيم مستغِليهم. الميديا الرقمية في الشرق الأوسط ليست مجرد أدوات تواصل، بل هي مصانع لإنتاج "الوعي الزائف" عبر خوارزميات تعمل على "تجنيد الجهل".

تقوم هذه الحرب على مبدأ "التعمية الطبقية"؛ حيث يتم استبدال الصراع المادي الحقيقي بصراعات هوياتية وهمية. فبدلاً من أن يدرك العامل أو الفلاح جذور استلابه في النظام الاقتصادي، يتم جره إلى صراعات طائفية أو مذهبية. هذا الانتقال من "المادي" إلى "الثقافوي" هو جوهر النجاح الذي تحققه سياسات التعمية. إن تسييل الأزمة هنا يعني تمييع الحقوق الاقتصادية وتحويلها إلى مطالب رمزية لا تهدد بنية الحكم أو مصالح المراكز الرأسمالية. وتتفق هذه الرؤية مع طرح "أنطونيو غرامشي" حول الهيمنة الثقافية، حيث تُحكم الطبقة المسيطرة قبضتها عبر القوة وصياغة "إجماع زائف" يجعل المظلومين يتقبلون ظلمهم بوصفه قدراً طبيعياً.

الجيوسياسة الإقليمية.. فراغ القوة وصراع الوكلاء

تعد البيئة الجيوسياسية في الشرق الأوسط من أكثر بيئات العمل عدائية في العالم المعاصر. إن المنطقة تعاني من "مأساة النظام الإقليمي" المتمثلة في العجز عن إيجاد ميكانيزم داخلي لتنظيم الاستقرار. هذا الفراغ في القوة لم يؤدِ إلى استقلال دول المنطقة، بل جعلها ساحة مفتوحة لتنافس القوى الدولية التي تختبر حدود قدراتها عبر "حروب الوكالة".

إن الدول الطامحة للهيمنة الإقليمية تفتقر في الغالب إلى "الشرعية المعيارية"، لذا فهي تلجأ إلى استخدام "الغموض الاستراتيجي" في خطاباتها السياسية. هذا الغموض يسمح بتمرير مشاريع توسعية تحت غطاء الحوار أو التوافق، بينما هي في الحقيقة تعمق الانقسامات المحلية لضمان تبعية الأطراف للمركز. إن الصراع الجيوسياسي في المنطقة ليس صراعاً على المبادئ، بل هو صراع على "خطوط الإمداد" و"ممرات الطاقة" و"الأسواق الاستهلاكية".

إن غياب العقد الاجتماعي الجديد على المستوى المحلي ينعكس فشلاً في بناء "نظام أمني مشترك" على المستوى الإقليمي. وبدلاً من ذلك، نجد أنظمة تعتمد في بقائها على "الغراء الأمني" والتحالفات الخارجية، مما يجعل السياسة الإقليمية حالة من الخصومة الدائمة التي تمنع أي تراكم معرفي أو سياسي مستقل. إن تسييل الأزمات الجيوسياسية يتم عبر تحويل الصراعات الحدودية والسيادية إلى ملفات تقنية تدار في عواصم القرار الدولي، بعيداً عن إرادة الشعوب المحلية.

التواصل التوافقي كآلية لامتصاص الاحتقان وتثبيت الهيمنة

يظهر "التواصل التوافقي" في الخطاب السياسي الشرق أوسطي ليس كأداة لتحقيق العدالة، بل كإطار لإدارة الصراعات ومنع انفجارها الجذري. هذا النمط من التواصل يسعى إلى صياغة "تسويات سياسية" توفر المادة الخام لعمل الفلسفة السياسية المعيارية، ولكنه غالباً ما يقع في فخ "الليبرالية البرجوازية ما بعد الحداثية". إن بطل هذا المشروع هو "المثقف" الذي يهدف إلى تقليص الألم والقسوة دون المساس بهياكل الاستغلال، متوجهاً صوب ثقافة "ما بعد فلسفية" تغلب عليها الجمالية والشاعرية على حساب الصراع المادي.

في الدول التي تعاني من انقسامات حادة، يتحول "الحوار الوطني" إلى ممارسة للتواصل التوافقي الذي يفشل باستمرار في بناء إجماع حقيقي حول القضايا السيادية والإصلاحية. إن النخب الطائفية والسياسية تستخدم هذه الحوارات لتعزيز أنماط تواصل تضمن استمرار مصالحها، مما يخلق فجوة حرجة بين خطاب التوافق وبين الحاجة الملحة للإصلاح البنيوي والشفافية. هذا التواصل، بدلاً من أن يكون جسراً للتحول الديمقراطي، يصبح أداة لتعمية الطبقات المطحونة عن مصالحها الطبقية الحقيقية عبر إغراقها في نقاشات هوياتية ضيقة. وتتماشى هذه الظاهرة مع ما وصفه "يورغن هابرماس" بالفعل التواصلي، ولكن في صيغته المشوهة التي تفتقر إلى تكافؤ الفرص في التعبير والقوة.

الازدراء المعرفي للنظرة المادية ونفي السياسة

شهد الفكر العربي المعاصر تحولاً خطيراً نحو "الازدراء المعرفي" للماركسية والنظريات المادية، وهو توجه تقوده النخب المحافظة التي تسعى لتجاوز مفاهيم "التناقض والصراع" لصالح "الانسجام الموهوم". يتم تصوير التحليل المادي للصراع الطبقي بوصفه "عنفاً فكرياً" أو "دخيلاً ثقافياً"، بينما يتم الترويج لنظريات "التواصل التوافقي" التي تهدف في جوهرها إلى تأبيد الوضع القائم.

هذا الازدراء ليس علمياً، بل هو أيديولوجي يهدف إلى تجريد الطبقات المسحوقة من أدواتها التحليلية الأكثر فاعلية. فعندما يتم نفي "المادي" لصالح "المقدس" أو "الهوياتي"، تفقد السياسة معناها كصراع حول توزيع الموارد والقوة، وتتحول إلى مجرد "طقوس توافقية" بين نخب طائفية أو عرقية. إن هذا "التغريب للماركسية" يتم استخدامه لتشويه أي نقد حقيقي للرأسمالية العالمية، مما يجعل الفلسفة السياسية في المنطقة أداة لتسويغ "أطروحة العنف" التي يمارسها المركز ضد الأطراف تحت مسميات الحداثة والاستقرار. وكما أكد "كارل ماركس"، فإن الفلسفة لم تعد تكتفي بتفسير العالم، بل يجب أن تسعى لتغييره، وهو ما يخشاه القائمون على الازدراء المعرفي اليوم.

 نحو انعتاق معرفي وعقد اجتماعي جذري

إن مأساة النظام الإقليمي وغياب العقد الاجتماعي الجديد تتطلب الانتقال من "التواصل التوافقي" الذي يخدم النخب إلى "تواصل صراعي" يعترف بالتناقضات المادية ويسعى لحلها جذرياً. يجب تجاوز "الازدراء المعرفي" عبر إعادة الاعتبار للفلسفة السياسية المعيارية التي تضع قضايا العدالة والمساواة والكرامة الإنسانية في قلب البحث العقلاني.

إن المستقبل المرهون بتعافي الاقتصاد العالمي لن يكون كافياً ما لم يصاحبه "انعتاق معرفي" يحرر العقل العربي من أوهام المركزية الغربية ومن سياسات التعمية الرقمية؛ لبناء عقد اجتماعي حقيقي يعيد للسلطة معناها كخدمة عامة، وللمواطن دوره كفاعل تاريخي أصيل. إن استعادة "المادي" في التحليل السياسي هي الخطوة الأولى نحو كسر طوق التبعية وبناء سياسة عربية مستقلة تليق بتضحيات شعوبها وطموحاتها في الكرامة والحرية.

***

غالب المسعودي

 

التكنولوجية والرقمية وتواكب الاختراعات في مجال العلوم الدقيقة

مقدمة: في عصرنا الراهن، الذي يشهد تسارعاً غير مسبوق في التقدم التكنولوجي والرقمي، أصبحت الفلسفة أمام تحدٍ وجودي يتجاوز مجرد النظر التأملي التقليدي. إن المستجدات في مجالات الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، وعلم الأعصاب، والواقع الافتراضي، والهندسة الوراثية، لا تمثل مجرد أدوات تقنية بل تحولات عميقة في طبيعة الوجود الإنساني، ومفهوم المعرفة، والأخلاق، والمجتمع. يُعد من المحبذ – بل الضروري – أن تظل الفلسفة مطلعة على هذه المستجدات وتواكب الاختراعات في العلوم الدقيقة. فالفلسفة التي تنعزل عن الواقع العلمي والتكنولوجي تخاطر بأن تصبح أثرياً تاريخياً غير قادر على التأثير أو التوجيه. هذه الدراسة تستعرض الأسباب النظرية والعملية لهذا التوجه، وتفحص آثاره على مختلف فروع الفلسفة، مع التركيز على كيفية تحقيق هذا التكامل دون فقدان الفلسفة لعمقها التأملي. فماهي العلاقة الضرورية بين التفكير الفلسفي والاختراع العلمي والتطبيقات التقنية والاضافات الرقمية؟

الأسس التاريخية والنظرية لعلاقة الفلسفة بالعلوم والتكنولوجيا

منذ نشأتها، لم تكن الفلسفة منفصلة عن العلوم. عند اليونانيين القدماء، كان الفيلسوف عالماً ومفكراً في آن واحد؛ فأرسطو يجمع بين المنطق والفيزياء والأحياء، وأفلاطون يناقش الهندسة والفلك. في العصور الوسطى والحديثة، ساهمت الفلسفة في صياغة المنهج العلمي (ديكارت، بيكون)، وفي القرن العشرين، أنتجت فلسفة العلم (بوبر، كون) التي تفحص أسس المعرفة العلمية. مع ظهور فلسفة التكنولوجيا كفرع مستقل، أصبحت التقنية موضوعاً فلسفياً مركزياً. يرى بعض الفلاسفة مثل هايدغر أن التكنولوجيا ليست أداة محايدة بل "إطار"  يشكل طريقة وجودنا في العالم. ومع ذلك، فإن التقدم السريع يتطلب أكثر من النقد؛ يتطلب مشاركة نشطة. الفلسفة التي تتجاهل الحوسبة الكمومية أو الذكاء الاصطناعي التوليدي ستفشل في فهم تحولات الواقع نفسه.

الفلسفة والمستجدات الرقمية: الذكاء الاصطناعي والواقع الافتراضي

يُعد الذكاء الاصطناعي أبرز التحديات والفرص. مع تطور نماذج التعلم الآلي القادرة على إنتاج نصوص، صور، وكود برمجي يشبه الإبداع البشري، تُعاد صياغة أسئلة فلسفية كلاسيكية: ما هو الوعي؟ هل يمكن للآلة أن تمتلك إرادة حرة أو تجربة ذاتية ؟

في فلسفة العقل، يدفع الذكاء الاصطناعي نحو إعادة النظر في الثنائية بين الجسد والعقل. نماذج مثل تلك المبنية على الشبكات العصبية تتحدى الرؤى التقليدية للذكاء كعملية رمزية، وتفتح الباب أمام نظريات الذكاء المجسد أو الممتد. كما أن قضايا الأخلاقيات الرقمية – مثل التحيز في الخوارزميات، الخصوصية، والمسؤولية عن قرارات الآلات الذاتية (مثل السيارات ذاتية القيادة) – تتطلب أدوات فلسفية لتحديد المبادئ الأخلاقية المناسبة.

أما الواقع الافتراضي والميتافيرس فيثيران أسئلة أنطولوجية: ما هو الواقع "الحقيقي"؟

هل يمكن أن تكون التجارب الافتراضية مساوية في القيمة للتجارب المادية؟

 نظرية المحاكاة التي تقترح أننا قد نعيش داخل محاكاة حاسوبية، تعيد إحياء أفكار أفلاطون عن الكهف بصيغة رقمية حديثة، وتدفع الفلاسفة إلى التعامل مع إمكانيات تكنولوجية قد تغير مفهوم الهوية والوجود.

الحوسبة الكمومية وعلم الأعصاب: تحولات في الإبستمولوجيا والأخلاق

تمثل الحوسبة الكمومية نقلة نوعية. بفضل ظاهرة التشابك والتراكب، تتحدى هذه التكنولوجيا المنطق الكلاسيكي وتفتح آفاقاً في الحسابات المعقدة التي كانت مستحيلة. فلسفياً، تثير أسئلة حول السببية، الاحتمالية، والواقعية. هل يتطلب تفسير ميكانيكا الكم (مثل تفسير كوبنهاغن أو العوالم المتعددة) إعادة بناء ميتافيزيقية كاملة؟

من الناحية الأخلاقية، تحتاج الحوسبة الكمومية إلى "أخلاقيات كمومية" مستقلة، لأن قدراتها في كسر التشفير التقليدي أو محاكاة الجزيئات بدقة قد تؤدي إلى مخاطر غير مسبوقة في الأمن، الطب، والاقتصاد. الفلسفة هنا ضرورية لصياغة مبادئ توازن بين الابتكار والمخاطر، مثل قضايا "الفجوة الرقمية الكمومية" بين الدول والشركات.

أما علم الأعصاب المتقدم، خاصة واجهات الدماغ-الحاسوب، فيطرح تساؤلات حول حرية الإرادة، الخصوصية العقلية، والهوية الشخصية. عندما يمكن قراءة أو تعديل الأفكار مباشرة، يصبح مفهوم "الذات" موضع إعادة تعريف. الفلسفة توفر إطاراً لفهم ما إذا كانت هذه التكنولوجيات تعزز الإنسانية أم تهدد جوهرها.

فوائد تواكب الفلسفة للعلوم الدقيقة

أولاً، التوجيه الأخلاقي: الفلسفة تساعد في صياغة إطارات أخلاقية مسبقة قبل انتشار التكنولوجيا، كما في مبادئ أخلاقيات الذكاء الاصطناعي التي تركز على الشفافية، العدالة، والمساءلة.

ثانياً، تعميق الإبستمولوجيا: التعامل مع البيانات الضخمة والتعلم الآلي يدفع إلى إعادة النظر في مفهوم "المعرفة" – هل هي مجرد التنبؤ الدقيق أم تتطلب فهماً وتبريراً؟

ثالثاً، تعزيز الابتكار: الفلسفة تطرح أسئلة كبرى تدفع العلماء إلى تجاوز الحدود التقنية، مثل استخدام أفكار فلسفية في تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي أكثر مرونة أو إنسانية.

رابعاً، التوازن الإنساني: في مواجهة خطر "الإطار التكنولوجي" الذي يختزل كل شيء إلى موارد قابلة للاستغلال، توفر الفلسفة رؤية شاملة تركز على الغايات الإنسانية العليا مثل السعادة، المعنى، والعدالة.

لكن هذا التوجه يواجه تحديات: صعوبة مواكبة السرعة التكنولوجية، خطر تسييس الفلسفة أو تبنيها لأجندات تقنية، وفقدان العمق التأملي أمام الضغط العملي. للتغلب على ذلك، يُقترح:

تطوير برامج دراسية مشتركة بين الفلسفة والعلوم (فلسفة الذكاء الاصطناعي، فلسفة الكم).

تشجيع الحوار بين الفلاسفة والعلماء والمهندسين في منتديات مشتركة.

استخدام الفلسفة التطبيقية لتحليل حالات واقعية

الحفاظ على استقلالية الفلسفة النقدية حتى لا تصبح مجرد "خدمة" للتكنولوجيا.

خاتمة

إن تواكب الفلسفة لآخر المستجدات التكنولوجية والرقمية ليس ترفاً فكرياً بل ضرورة وجودية للحفاظ على دورها كمرشد للبشرية. في عالم تندمج فيه التقنية مع حياتنا إلى حد يصعب التمييز بين الطبيعي والاصطناعي، تقف الفلسفة كصوت يسأل: لماذا؟ ولأي غاية؟ وكيف نحافظ على إنسانيتنا؟

بهذا التكامل، لا تفقد الفلسفة أصالتها بل تتجدد وتثري العلوم الدقيقة برؤى إنسانية عميقة. إنها ليست مجرد مراقبة للتقدم، بل مشاركة في تشكيله نحو مستقبل أكثر حكمة وعدلاً وإنسانية. الفلسفة التي تتواصل مع عصرها هي الفلسفة الحية، القادرة على مواجهة تحديات المستقبل وصناعة معنى في زمن الخوارزميات والكيوبتات. فهل يمكن تطبيق أنظمة الذكاء الاصطناعي على فلسفة الهندسة الوراثية؟

***

زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

سفر، يسفر، سافر، مسافر، سفير، سفور، أسفار، سفرات، سافرات.. الخ من اشتقاقات كلمة سفر التي نرددها كل يوم في حياتنا بمعنى الانتقال من مكان إلى مكان أخر ابعد منه مسافة ولها معاني الكشف والطلوع والسطوع طلَع" سَفَرَ الفَجْرُ، انكشَف، سَفَرَ وَجْهُ المرأة" انكشف. امرأة سافرة مكشوفة الوجه بلا نقاب ولا قناع. والسِفر بمعنى الكتاب الاثيرة وجمعه إسفار. وهكذا تعددت معاني كلمة سفر بحسب التشكيل فالسَّفَر (بالفتح) يعني الارتحال والتنقُّل من مكان إلى آخر، وغالبًا ما يكون إلى مكان بعيد والسَّفَر (بفتح السين والفاء) أيضًا قد يأتي بمعنى الكشف والظهور والبيان. يُقال: “أسفَرَ الصبحُ” أي: أضاء وانكشف يقول ابن سينا في وصفه للنفس

"وهي التي سَفرت ولم تتبرقعِ" بمعنى تجلت أو انكشفت. والسِّفْر (بكسر السين) يعني الكتاب الكبير، ومنه قوله تعالى: “في صحفٍ مكرّمة، مرفوعةٍ مطهّرة، بأيدي سفَرة” (عبس: 13–15)، أي كتبةٍ من الملائكة ويقال: “سِفْر التوراة ” أي كتاب المقدس عند اليهود. وهناك استخدمات كثيرة للكلمة لا تحضرني الآن. وعلى كل حال يعد السفر أحد فعاليات الكائنات الحية المتحركة بطبيعيتها البيولوجية فالطيور تسافر من مكان إلى أخر (الطيور المهاجرة) والأسماك دائمة الحركة في البحار والمحيطات والقطعان البرية دائما التنقل والترحال بحثا عن الماء والمرعى حتى النمل والنحل والأحياء الدقيقة. ولما كان الإنسان كائنا حيا وعاقلا فقد اكتسب السفر عنه معاني ودلالة مختلفة عن المعاني البيولوجية.

وقد قرائنا الكثير من النصائح والوصايا بشأن السفر وفوائدة كما جاء في قصيدة الشافعي الشهيرة عن فوائد السفر الذي سطر:

تَغَرَّبْ عَن الأَوْطَانِ في طَلَبِ الْعُلى. وَسَافِرْ فَفِي الأَسْفَارِ خَمْسُ فَوَائِدِ: تَفَرُّجُ هَمٍّ، وَاكْتِسابُ مَعِيشَةٍ، وَعِلْمٌ، وَآدَابٌ، وَصُحْبَةُ مَاجِد"

وهناك من يضيف فوائد أخرى ويجعلها سبعة فوائد. غير إن الأمر الذي يهمني هنا هو كيف ظل سؤال السفر غائبًا عن التأمل الفلسفي رغم أنه من اكثر الأشياء التي نمارسها كل يوم في حياتنا وكل شخص منّا لديه تجارب الخاصة من السفر وأنا أحب السفر كثير وسافرات كثيرا وطفت عدة إذ زرت معظم المدن العربية الرئيسة من عدن وصنعاء وحضرموت وتعز في اليمن إلى بغداد والموصل والبصرة وبابل والنجف في العراق ودمشق وحمص وحلب وإدلب في سوريا ومسقط وصلالة في سلطنة عمان والأردن الهاشمية والرياض وجدة ومكة والمدينة المنورة وأبها والدوحة وابو ظبي ودبي والفجيرة والشارقة والجزائر وتبسة وتيبازة وفي الغرب الرباط والدار البيضاء وفأس ومكناس والخرطوم وأم درمان وشندي في السودان والقاهرة والإسكندرية وسوان وأسيوط والسويس وشرم الشيخ والزقازيق وحلوان المنوفية وربما غيرها في أم الدنيا الرحيبة لم تحضر في الذاكرة الآن. وفي أوروبا زرت كوبنهاجن في الدنمارك، وإمستردام في هولندا واتورخت ونايخمن وهانجلو وانسخدة ودينكامب وازلولدان ودنبوش وبينما كنت أسير في شوارع دنهاخ؛ أجمل مدينة وأكبرها في هولندا. بعد إمستردام سرحت بي الذاكرة إلى زمن الفيلسوف باروخ إسبينوزا الذي لجاء إلى دنهاخ من قرار الطرد اليهودي الجائر. فتذكرت قوله الحكيم في إن أكثر الاشياء قربا منّا وحميمية بالنسبة لنا هي اكثر بعدا عن انتباهنا! نعم الاندماج مع بعض عادتنا الحياة يجعلها بعيدة عن تأملاتنا ولهذا تكون حاجتنا مسألة للفلسفة لكي نرى معنى المساعي التي نمارسها كل يوم في حياتنا بحسب روسو. فما هو السفر؟ وهل يمكنن الحديث عن فلسفة السفر؟ وماذا يعنى إن يسافر المرء من وطنه إلاصلي إلى مواطن بعيدة؟ وما هي الدوافع الحقيقة للسفر؟ ولماذا نحتاج احيانا إلى السفر؟ والى أي مدى يكون السفر مهما في بعض الاحيان؟ وغيرها ما الاسئلة المتصلة التي كانت افكر بها قبل ذهابي إلى معرض الكتاب في دنهاخ بصحبة الصديق العميد الركن ثابت حسين صالح. وهناك في معرض الكتاب المقام في فندق ماريوت وفي لاهاي وقع نظري على كتاب الفيلسوف البريطاني آلان دو بوتون، فن السفر”صدر عن دار التنوير، بيروت، ترجمة الحارث النبهان عام 2021. لم أتردد في شراءه رغم سعره الغالي بالنسبة لوضع المعيشي. هو الكتاب الوحيد الذي عدت به من المعرض بعد يومين من زيارة مدينة دنهاخ البحرية. رجعت مساء الأحد ومن ليلتها اعتكفت على قراءة الكتاب بحماسة واهتمام استعدت فيها ذكرياتي مع الكتاب الورقي في زمن مضى. واليكم الفكرة الأولية التي كونتها عنه .

إذ وجدت إن (فن السفر)" يُعدّ عملًا فلسفيًا مميزًا يتجاوز أدب الرحلات التقليدي. يستكشف الكتاب الجوانب النفسية والفلسفية للسفر، مركزًا على كيفية جعل الرحلات تجربة مُثرية للذات، بدلاً من مجرد الانتقال من مكان لآخر. بدلًا من تقديم دليل سياحي يركز على الوجهات، يدعو دو بوتون - وهو كاتب بريطاني من أصل سويسري، وُلد في 20 ديسمبر 1969- إلى جعل الفلسفة وثيقة الصلة بالحياة اليومية. يركز في كتاباته ومحاضراته على موضوعات مثل الحب، العمل، الدين، والسياسة، من منظور يساعد الناس على فهم أنفسهم والعالم من حولهم بشكل أفضل القارئ إلى التأمل في دوافع السفر، طريقة التفاعل مع الأماكن، وكيفية استلهام الجمال والمعنى من التجربة وهو صاحب كتب؛ عزاءات الفلسفة وقلق السعي إلى المكانة وكيف يمكن لبروست أن يغير حياتك فضلا عن كونه المؤسس المشارك لـ “مدرسة الحياة” (The School of Life) مؤسسة تهدف إلى تعليم الناس المهارات العاطفية والاجتماعية التي لا تُدرَّس في المدارس التقليدية.

ختاما يمكن القول: إن كتاب فن السفر ينظر إى تجربة السفر بعيون فلسفية جديدة بوصفها موقفا وجوديا مهما من الحياة ويناقش كيف تشكل الصور الذهنية (من كتيبات سياحية أو وسائل إعلام) توقعات غير واقعية عن الوجهات، مما قد يؤدي إلى خيبة أمل ويسلط الضوء على سحر الأماكن مثل المطارات، القطارات، ومحطات الخدمة، التي تمنحنا فرصة للتأمل بعيدًا عن ضغوط الحياة اليومية كما يستعرض كيف يمكن للفن، مثل لوحات فان غوخ عن بروفانس، أن يعيد توجيه أنظارنا إلى جمال الطبيعة ويعزز تقديرنا لها و يشجع على الاندماج الشعوري بالجلال من المناظر الطبيعية، مستندًا إلى أفكار الفيلسوف إدموند بيرك عن السمو.

فالسفر ليس مجرد تنقل جغرافي، بل فرصة لاكتشاف الذات والعالم إذ يرى أن الرحلة الحقيقية تكمن في التأمل والانفتاح على التجارب الجديدة ويدعو الكتاب إلى كسر روتين الاعتياد على الأماكن المألوفة، مما يجعلنا “عميانًا” عن جمالها، ويشجع على إعادة اكتشافها بنظرة جديدة ويرى دو بوتون أن السعادة في السفر تأتي من القدرة على تقبل الامكنة الجديدة والاندماج في سياقاتها وعيش لحظاتها والتفاعل مع اهلها بعقل متفتح، بدلاً من السعي وراء توقعات مثالية. أو التقوقع في في صدفة الذات المغلقة.

كتاب فن السفر ليس مجرد كتاب عن الرحلات، بل تأمل فلسفي في كيفية جعل السفر تجربة مُثرية ومفيدة وممتعة نفسيًا وجسديا. كتاب يجمع بين الفلسفة، الأدب، والفن، والجغرافبا وهو دعوة لتبني ذهنية منفتحة تجعل كل رحلة، سواء إلى وجهة بعيدة أو مكان مألوف، مغامرة غنية بالاكتشاف والمعاني الجديرة بالاهمية والقيمة والاعتبار.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

تُعدّ اللغة من أعظم الظواهر الإنسانية تعقيداً وعمقاً، إذ لا تقتصر وظيفتها على نقل المعاني وتبادل الأفكار، بل تتجاوز ذلك إلى تشكيل الوعي وبناء التصوّرات وصياغة العلاقة بين الإنسان والعالم. فاللغة ليست أصواتاً تُنطق فحسب، وإنما نظامٌ رمزيٌّ خفيّ تتحرّك داخله الدلالات، وتتشابك فيه البنى النحوية والصوتية والدلالية، بحيث يغدو الحضور والغياب، والقول والصمت، عناصرَ متكاملة في إنتاج المعنى. ومن هنا برزت أهمية البحث في ما يُعرف حديثاً بمفهوم “الصفر اللغوي” أو “العلامة الصفرية”، بوصفه مفهوماً يكشف أنّ غياب العلامة قد يكون علامةً قائمة بذاتها تؤدي وظيفة دلالية داخل النسق اللغوي.

ولئن بدا هذا المفهوم حديثاً في الاصطلاح اللساني، فإنّ جذوره الفكرية تمتدّ عميقاً في التراث اللغوي العربي؛ فقد أدرك فقهاء اللغة العربية والنحاة الأوائل أنّ الحذف والإضمار والصمت ليست فراغاتٍ عدميّة، بل وسائل بلاغية ونحوية تؤدي وظائف دقيقة في بناء المعنى. ولذلك اعتبروا أنّ “المحذوف” يُقدَّر بقدر الحاجة إليه، وأنّ السكوت عن الذكر قد يكون أبلغ من التصريح، لأنّ البلاغة الحقيقية لا تقوم على كثرة الألفاظ، بل على اقتصاد اللغة وقدرتها على الإيحاء.

وقد اختلفت مناهج النحاة في تناول هذه الظواهر بين المدرستين البصرية والكوفية. فالنحاة البصريون، وفي مقدّمتهم سيبويه والمبرّد، اتّجهوا إلى بناء نظامٍ لغوي صارم يقوم على القياس العقلي والدقة المنهجية، ففسّروا الحذف والإضمار ضمن بنية نحوية منضبطة، ورأوا أنّ العنصر المحذوف لا بدّ أن يكون مقدّراً في الذهن حفاظاً على انتظام التركيب. أمّا الكوفيون، ومن أبرزهم الكسائي والفرّاء، فقد كانوا أكثر مرونةً واتّساعاً في قبول الظواهر اللغوية، وأكثر اعتماداً على السماع وتنوّع الاستعمال العربي، مما أتاح لهم فهماً أرحب للفراغات الدلالية والتراكيب غير الظاهرة.

كما أنّ فقهاء اللغة، مثل ابن جني، تنبّهوا إلى العلاقة العميقة بين اللفظ والمعنى، وإلى أنّ اللغة لا تُبنى على الأصوات وحدها، بل على ما توحي به من علاقات ذهنية ونفسية وثقافية. ولذلك رأى ابن جني أنّ كثيراً من جمال العربية يكمن في قدرتها على الإيجاز والحذف والإشارة، وهي خصائص تقترب في جوهرها من مفهوم “الصفر اللغوي” في الدراسات اللسانية الحديثة.

وانطلاقاً من ذلك، تأتي هذه الدراسة لتبحث في النظام الخفيّ للغة وعلاقته بمفهوم الصفر اللغوي، من خلال قراءةٍ تجمع بين التراث النحوي العربي والرؤى اللسانية الحديثة، بغية الكشف عن الكيفية التي يتحوّل فيها الغياب إلى حضور دلالي، والصمت إلى بنيةٍ منتجة للمعنى داخل الخطاب اللغوي والفكري.لذا حينها يصبح الفراغُ مولِّداً للمعنى.

ليست اللغة مجرّد أصواتٍ تتعاقب أو علاماتٍ تُستعمل للتفاهم اليومي، بل هي نظامٌ رمزيٌّ بالغُ التعقيد، يعمل في الخفاء بقدر ما يظهر في الكلام. فخلف كلِّ لفظةٍ شبكةٌ من العلاقات الثقافية والتاريخية والنفسية، وخلف كلِّ تركيبٍ رؤيةٌ للعالم وطريقةٌ في إدراك الوجود. ولهذا لم تكن اللغة حياديةً قط؛ إنها تُشكّل وعينا بقدر ما نستخدمها للتعبير عن وعينا.

إنّ النظام الخفيّ للغة يتمثّل في تلك البنية العميقة التي تنظّم العلاقات بين الكلمات والمعاني، بين الحضور والغياب، بين ما يُقال وما يُضمر. فالإنسان لا يفكّر باللغة فقط، بل يفكّر عبر حدودها وإمكاناتها. وكلّما اتّسعت طاقة اللغة الرمزية، اتّسعت معها قدرة العقل على التجريد والتأويل وإنتاج المعرفة.

ومن هنا تبرز أهمية ما يُعرف في اللسانيات والفلسفة الحديثة بمفهوم «الصفر اللغوي» أو «العلامة الصفرية»؛ وهو مفهومٌ دقيق يشير إلى أنّ الغياب ذاته قد يحمل معنىً لغوياً لا يقلّ أهميةً عن الحضور. فالصمت أحياناً ليس فراغاً، بل علامة؛ والحذف ليس نقصاً دائماً، بل وظيفة دلالية واعية داخل النظام اللغوي.

وقد برز هذا المفهوم بصورة واضحة في اللسانيات البنيوية، ولا سيّما عند اللغوي الروسي رومان ياكوبسون، ثم في أعمال مدرسة براغ اللسانية، حيث اعتُبر “الصفر” عنصراً بنيوياً يؤدي وظيفة معنوية رغم غياب الشكل الصوتي الظاهر. فحين نقول في العربية مثلاً إنّ الفعل “كتبَ” يدلّ على المفرد المذكر دون إضافة لاحقة، فإنّ غياب العلامة هنا ليس عدماً، بل يحمل دلالة نحوية قائمة بذاتها؛ أي إنّ “اللاعلامة” نفسها أصبحت علامة.

وفي البلاغة العربية القديمة نجد جذوراً عميقة لهذا التصوّر، وإن لم يُصَغ بالمصطلح الحديث ذاته. فقد أدرك البلاغيون أن الحذف قد يكون أبلغ من الذكر، وأنّ الصمت أحياناً أوسع دلالةً من الإفصاح. ولهذا قيل: “خير الكلام ما دلّ ولم يُطِل”، لأنّ المعنى لا يُبنى بالألفاظ وحدها، بل أيضاً بالفراغات التي تتركها اللغة لذكاء المتلقّي وخياله.

إنّ نظرية الصفر اللغوي تكشف أنّ اللغة ليست تراكماً ميكانيكياً للكلمات، بل اقتصادٌ رمزيٌّ بالغ الدقة؛ فكما أنّ الضوء لا يُفهم إلا بوجود الظلّ، كذلك المعنى لا يكتمل إلا عبر ما تغفله اللغة عمداً أو تؤجّله أو تصمت عنه. لذلك فإنّ البياض في النصّ، والتوقّف، والإضمار، والحذف، وحتى التردّد، كلّها عناصر مشاركة في إنتاج الدلالة.

ومن الناحية الفلسفية، يقودنا هذا المفهوم إلى إدراك أنّ الإنسان يعيش داخل شبكةٍ من العلامات المرئية والخفية معاً. فما لا يُقال في الخطاب السياسي قد يكون أخطر ممّا يُقال، وما يُحذف من التاريخ قد يفضح السلطة أكثر ممّا تفضحه الوثائق، وما يصمت عنه الإنسان أحياناً يكون التعبير الأعمق عن خوفه أو حكمته أو انكساره.

لهذا فإنّ اللغة الحقيقية ليست فقط ما نسمعه، بل أيضاً ما نستشعره بين السطور. إنها ذلك التوتّر الدقيق بين الحضور والغياب، بين القول والصمت، بين الامتلاء والفراغ. ومن هنا تتجلّى عبقرية اللغة بوصفها نظاماً خفيّاً لا يُنتج المعنى بالكلمات وحدها، بل كذلك بما تتركه الكلمات وراءها من ظلالٍ وإشاراتٍ واحتمالات لا تنتهي.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

مؤتمر 1978 كمشروع تحرري

في نوفمبر من عام 1978، لم يكن العالم العربي يراوح مكانه فحسب، بل كان يترنح تحت وطأة انكسارات كبرى وتيه فكري عميق، غارقًا في دوامة من العنف والأزمات التي هددت كيانه. ففي عام 1973، جاءت حرب أكتوبر لتؤكد أن الصراع مع إسرائيل هو قدر المنطقة، وأن سلاح النفط الذي هز أركان الاقتصاد العالمي لن يكون كافيًا لتحرير الأرض وبناء الداخل. وفي شهر أفريل سنة 1975 اشتعلت شرارة الحرب الأهلية اللبنانية التي مزقت نسيج بلد كان يُعدّ رمزًا للثقافة والتعايش والحريات. ثم انفجر الوضع من الداخل في مصر، قلب العروبة النابض، بسبب ما سُمّي آنذاك انتفاضة الخبز.

في خضم هذه العواصف، وتحت وطأة الانكسارات السياسية والأزمات الاقتصادية والتيه الفكري، لم تختر الجزائر أن تقيم مهرجانًا ثقافيًا عابرًا، ولا أن تنظم ندوة أكاديمية شكلية تُضاف إلى رفوف النسيان. ما حدث في نوفمبر 1978 كان فعلاً ثوريًا من طراز رفيع؛ إذ تم استدعاء فيلسوف من أعماق التاريخ، لا ليُعلَّق كصورة جميلة على جدار واقع متخلّف، ولا ليُتحف به كتمثال برونزي في متحف الأفكار الميتة، بل ليُنزَل إلى الخندق.

لقد استُدعي أبو الوليد محمد بن رشد إلى الجزائر المستقلة حديثًا كمحارب حكيم ومقاوم عنيد ورفيق سلاح في معركة التحرر التي لم تكن قد انتهت بعد. لم تكن معركة 1978 تدور بالبنادق كما كانت قبل ربع قرن، بل كانت تدور بالأفكار. كان العدو هذه المرة هو الخمول الفكري والاستسلام الحضاري والتملّق للماضي بدل استثماره، والانبهار بالآخر بدل محاورته .

في اليوم الأول من الأيام الستة للمؤتمر، أعلن المفكر مصطفى الأشرف، وزير التربية والتعليم، في كلمته الافتتاحية التي كانت أقرب إلى بيان سياسي-فلسفي منها إلى خطاب بروتوكولي: «لا يجوز أن يتخذ مهرجانكم مظهرًا شكليًا وأكاديميًا، وإنما يجب علينا أن نعطيه جميع الأبعاد التي يمكن أن تستخلص من تجربة ابن رشد وصراعه الطويل في سبيل الحقيقة الموضوعية كمنهج ودليل ينير طريقنا». أراد لهذا المؤتمر أن يتحول إلى ورشة لإعادة بناء العقل العربي على أسس صارمة: الحقيقة الموضوعية منهجًا، والعمل الواعي دليلاً، والنقد الصريح أداة. فلم تكن الجزائر تحتفل بابن رشد، بل كانت تستهدف فتح أفق واسع وباب للتحرر؛ ذلك أن استعادة العقل الرشدي ليست ترفًا فلسفيًا، بل محاولة جادة لاستئناف أسئلته الحارقة ومشروعه الثوري.

خطاب مصطفى الأشرف: حينما يتكلم السياسي بلغة الفيلسوف

جرت العادة في مثل هذه المؤتمرات أن يلقي الوزير المسؤول كلمة بروتوكولية يغلب عليها الثناء والتمجيد. كان بوسع الأستاذ أن يفعل ذلك بسهولة، خصوصًا وهو يقف أمام نخبة من أبرز المفكرين العرب والمستشرقين العالميين. لكن ما فعله المفكر مصطفى الأشرف كان صادمًا في خروجه عن النمط الكلاسيكي، وثوريًا في عمقه. لقد حوّل كلمة الافتتاح من فضاء احتفالي إلى مشرحة فكرية للأزمة العربية، متسلحًا بجملة افتتاحية موجزة اختصرت المأساة: «لقد كان بودنا أن يعقد هذا المهرجان في ظروف عربية مرضية، وهذا ما دعانا إلى تأجيله عدة مرات». كاشفًا عن جرح مفتوح، مذكّرًا أن مؤتمر ابن رشد لا يُعقد في فراغ، بل في قلب عاصفة الانكسارات العربية والتخلف والانقسام. وقيّم التراث العربي بين «تراث ما قبل الانحطاط» و«تراث ما بعده»، وتحدث عن «جراثيم الانحطاط» التي تسربت إلى ربوع البلاد العربية. هذا التعبير العضوي الخطير يعني أن المرض لم يعد خارجيًا، بل أصبح كائنًا حيًا يتكاثر في الداخل. في هذه اللحظة، ينتقل ابن رشد من كونه فيلسوفًا يُحتفى به إلى كونه الترياق المضاد لتلك الجراثيم، داعيًا إلى مقاييس صارمة جبارة لاسترجاع التراث الصحيح ، ومعددًا هذه المقاييس كأنه يصوغ بيانًا تأسيسيًا لمدرسة فكرية جديدة: «التواضع والتقويم السديد والجهود الخلاقة، والرؤية العميقة والنقد الصريح والمنهاجية المحكمة المنتظمة على الحقيقة، والنفور من كل ما هو مبهم ومزيف». كل كلمة هنا موجهة ضد آفة معينة: التواضع ضد الغرور، النقد الصريح ضد المجاملة، النفور من المبهم ضد الخطاب الإنشائي الذي يملأ الدنيا ضجيجًا ولا يقدم معرفة. فالمفارقة التاريخية تكمن في أن ابن رشد ورثه عنا غيرنا في الغرب وتجاهلناه إلى عهد قريب.

خطاب إبراهيم بيومي مدكور والتأسيس العلمي لاستعادة العقل

إذا كان خطاب الأشرف هو «البيان السياسي-الفلسفي» الذي حدد الهدف، فإن كلمة الدكتور إبراهيم بيومي مدكور، رئيس اللجنة التحضيرية، كانت الوثيقة العلمية التأسيسية التي وضعت الإطار المعرفي لهذا الهدف. جاء خطابه ليجيب عن سؤال أساسي: من هو ابن رشد الذي نستدعيه إلى الخندق؟ وما هي أبعاده التي تجعله جديرًا بهذا الاستدعاء؟

بدأ مدكور من الخاص إلى العام، من المحلي إلى الكوني: «ابن رشد، فيلسوف المغرب غير منازع، نشأ في الأندلس، وشب فيها وترعرع». بهذا قطع الطريق على أي محاولة لاختطاف ابن رشد من سياقه الحضاري. إنه «مغربي مولدًا ووطنًا، تعليمًا وتثقيفًا، حياة وإقامة». لكنه في اللحظة نفسها انتقل إلى البعد العالمي: «أما ابن رشد في تاريخ الفكر الإنساني فحقبة من القول وعلم من الأعلام؛ فهو الخاص الذي صار كونيًا، والمحلي الذي صار إنسانيًا»

قدم مدكور ابن رشد كعقل موسوعي "هو في الفقه مشرع وإمام"، مستشهداً بكتابه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد". وتتبعه كطبيب: "أطب للناس وعالج، وكان طبيب الخليفة يوماً"، منوهاً بكتابه "الكليات". وتتبعه كسياسي ومجتمعي، مشيراً إلى رأيه السابق لعصره في حقوق المرأة: "يرى... أن من حقها أن تشارك في أعباء الحياة داخل البيت وخارجه، وهذا ما لم تصل إليه بعد تماماً امرأة القرن العشرين". كان مدكور يرسم ابن رشد في صورة المثقف العضوي الذي يغمس يديه في كل شأن من شؤون مجتمعه.

لم يكتفِ مفكرنا بالقول إن الغرب "ورثه عنا"، بل قدم تفصيلاً علمياً دقيقاً: "ترجمت كتبه إلى اللاتينية ولما يمض نصف قرن على وفاته... ويبلغ عددها نحو 38 شرحاً". وتحدث عن أثره في الفلسفة المدرسية، وفي الفكر اليهودي، وفي جامعات شمال إيطاليا حيث "تعتبر جامعة بادوا القلعة الكبرى التي عمر فيها المذهب الرشدي حتى القرن السابع عشر". بل ذهب أبعد إلى أثره في الفن: "لابن رشد أثر واضح في فن التصوير الإيطالي في القرن الرابع عشر والخامس عشر، وفي متاحف أوربا وكنائسها صور معبرة أوحى بها الفيلسوف الإسلامي".

بهذا السرد العلمي الرصين، حوّل مدكور "الفاجعة" التي شخصها الأشرف إلى شهادة ميلاد عالمية. لم يعد الأمر مجرد حسرة على ضياع التراث، بل صار اعترافاً بقيمته الاستثنائية التي أدركها الآخر قبلنا. وختم بدعوة عملية ما زالت تنتظر الاستجابة: "ابن رشد جدير بأن تكون لجنة باسمه لإخراج ما لم يسبق إخراجه من مؤلفاته".

خريطة المعركة الفكرية الأبحاث الخمس والثلاثون

البحوث الـ35 التي قُدمت في ذلك الملتقى تكشف عن الخطة العملياتية لتحقيق هذا الهدف. لم تكن هذه الأبحاث إضافات أكاديمية إلى "المكتبة الرشدية"، بل كانت أشبه بـ ورشة عمل فكرية ضخمة، توزعت فيها المهام على خمس جبهات قتالية متكاملة.

الجبهة الأولى: تفعيل المنهج. حمل لوائها باحثون رأوا في ابن رشد صانع منهج لا مجرد صاحب آراء. قدم الدكتور محمد عاطف العراقي بحثاً استراتيجياً بعنوان "المنهج النقدي في فلسفة ابن رشد". وتوزعت جهود ماجد فخري ومحمد كامل عياد بين "فلسفة ابن رشد الأخلاقية" و"تأثير ابن رشد على مر العصور". فيما ذهب عبد الحميد صبرة إلى قلب العلم الرشدي ببحثه "ابن رشد وموقفه من فلك بطليموس"، مبرزاً أنه لم يكن ناقلاً بل ناقداً ومصححاً.

الجبهة الثانية: فك الاشتباك بين العقل والدين. كانت هذه هي المعركة الأم. حمل الدكتور محمد أمان بن علي العنوان المباشر: "العقل والنقل عند ابن رشد". واشتبك البير نصري نادر مع "مذهب الحقيقتين عند ابن رشد". وتقاسم الدكتور جلال محمد موسى والأستاذ أحمد محمد جلي السؤال نفسه: العلاقة بين الدين والفلسفة. وكان وجود باحثين من خلفيات عقدية مختلفة على المنصة نفسها تطبيقاً عملياً لـ"المنهاجية المحكمة" التي دعا إليها الأشرف.

الجبهة الثالثة: الالتصاق بالواقع. هي التي استجابت مباشرة لنداء "النزول إلى الخندق". قدم الدكتور عمار طالبي بحثاً استراتيجياً هو "النظرية السياسية عند ابن رشد". وقدم الدكتور غانم الهنا "المجتمع في نظر ابن رشد". وفي لحظة جزائرية خالصة، ربط الدكتور السعيد شيبان الماضي بالحاضر في بحثه: "من طب ابن رشد إلى طب عبد الرزاق ابن حمدوش الجزائري".

الجبهة الرابعة: استعادة المكانة في الفكر العالمي. هي الرد العلمي على مقولة "ورثه عنا غيرنا". سأل الفرنسي لويس جاردييه سؤال الأصالة في "أصالة ابن رشد"، وتبعه مواطنه جون جوليفيه بـ "أصالة ابن رشد بالنسبة لأرسطو". فيما قدمت الإيطالية فرنشيسكا لوكيتا بحثها "الرشدية البادوانية" ناقلة المعركة إلى قلب أوروبا.

الجبهة الخامسة: ترسيخ القيم والمعرفة. لبناء الإنسان الجديد، قدم الدكتور عبد الرحمن بيصار "وحدة الكون العقلية في الإطار العام لفلسفة ابن رشد". وبحث الدكتور الربيع ميمون عن "القيم السائدة في فكر ابن رشد". واختُتمت هذه الجبهة بعنوان لافت لممثل فلسطين: "ابن رشد ذروة تطور حضاري وفلسفي"، ليؤكد أن استعادة العقل جزء من معركة التحرر.

هندسة الأيام وآلة الزمن الفكرية

إذا كانت الأبحاث هي الذخيرة، فإن البرنامج الزمني (4-9 نوفمبر) كان هندسة تنفيذية صُممت لتحويل الأفكار إلى فعل. لا شيء تُرك للصدفة.

اليوم الأول: البدء من القاعدة. بعد الافتتاحيات، انطلق العمل بجلسة عن "حياة ابن رشد ومؤلفاته". كان هذا تأسيساً ضرورياً: قبل أن نسأل ماذا تعني أفكاره، يجب أن نعرف من هو الرجل وماذا ترك لنا.

اليومان الثاني والثالث (5-6 نوفمبر): "ابن رشد الفيلسوف". هنا استُخرجت الأدوات. في يوم واحد، اجتمع العقل العلمي الناقد (صبرة)، والعقل الفلسفي المجرد (جومث)، والعقل السياسي الواقعي (طالبي). ثم في اليوم التالي، استُكملت الجبهة بأبحاث عن الجدل (بترورث)، والأخلاق (فخري)، والمجتمع (الهنا).

مساء 6 نوفمبر: الانعطافة الكبرى. في أخطر لحظات البرنامج، عُقدت "ندوة عامة عن حاضر الفلسفة في العالم العربي". كانت هذه هي الجسر الذي منع المؤتمر من أن يصبح نادياً لمحبي التراث. بعد أن شُحن الحضور بطاقة ابن رشد، طُلب منهم توجيه هذه الطاقة إلى تشخيص واقعهم الراهن. إنها الترجمة العملية لصرخة الأشرف.

اليوم الرابع (7 نوفمبر): "الفلسفة والدين". بعد الندوة، أصبح الجمع جاهزاً لدخول المنطقة الأكثر حساسية. اجتمع باحثون من تونس والجزائر وإسبانيا وسوريا لتغطية الإشكال الأعقد من زواياه كافة: المعتزلة (بوعمران)، علوم الشريعة (مزيان)، مفهوم الثنائية (هرنانديث)، الطب (حمارنة وشيبان). لقد أثبت المؤتمر عملياً أن الحديث عن الدين والفلسفة معاً ممكن إذا توفرت "المنهاجية المحكمة".

اليوم الخامس (8 نوفمبر): "ابن رشد في الفكر الإنساني". فُتح الأفق على العالمية. انتقل المؤتمر من قرطبة إلى بادوفا إلى باريس، عبر أبحاث محمد كامل عياد (التأثير عبر العصور)، والعالمَين الأوروبيين أوتراي ونادر (تحقيق النصوص والرشديين اللاتين)، والفنوشي (ابن رشد وابن سينا وديكارت).

اليوم السادس (9 نوفمبر): الجلسة الختامية. صدر "التقرير النهائي والتوصيات". لم تكن هذه نهاية بيروقراطية، بل اعترافاً رسمياً بأن مهمة المؤتمر لم تنته، بل بدأت. التوصيات هي الوعد الذي قطعه المجتمعون بتحويل الكلمات إلى أفعال.

مؤتمر 1978 واستعادة إمكانية أن نكون

لم تستعد الجزائر في نوفمبر 1978 ابن رشد. لقد استعادت شيئاً أكبر: إمكانية أن يكون الفكر العربي فاعلاً في تاريخه، لا مجرد متعلق بأمجاد ماضيه أو تابع لإنتاج غيره.

الدرس الأعظم الذي يخرج به القارئ العربي اليوم من ذلك المؤتمر ليس أن ابن رشد كان عظيماً، فهذا يعرفه الجميع. وليس أن الجزائر نظمت حدثاً جميلاً، فهذا تاريخ يُروى. الدرس هو أن مؤتمر 1978 برهن على إمكانية الفعل. برهن على أن استعادة العقل ليست شعاراً للخطب، بل هي مشروع يمكن تخطيطه، وهندسته، وتنفيذه. لقد أثبتت الجزائر، في تلك اللحظة التاريخية، أنه حين تتوفر الإرادة السياسية الصادقة (الأشرف)، وحين يُستدعى العالم الموسوعي (مدكور)، وحين تُجند النخبة الحقيقية (الباحثون الخمسة والثلاثون)، وحين يُصمم البرنامج كآلة لإنتاج المعنى لا لاستهلاكه، يمكن للعقل أن يخرج من المتحف وأن ينزل إلى الخندق.

في زمننا هذا، الذي يعج بالتشويش والاستقطاب والانكسار، لا نحتاج إلى "مؤتمر آخر عن ابن رشد". نحتاج إلى سياسة ثقافية رشدية. نحتاج إلى من يجرؤ على أن يفعل ما فعله الأشرف: أن يقف أمام النخبة ويقول لهم بصراحة: واقعنا غير مَرَضي، ومهمتكم ليست مدح الأموات، بل إنقاذ الأحياء. نحتاج إلى من يحول المؤتمرات من مناسبات إلى مشاريع، ومن احتفاءات إلى ورشات.

***

الأستاذ: عمرون علي

في عالَمٍ يتسارع إيقاعه على نحو غير مسبوق، لَم يعد الإنسانُ يواجه تحديات تقليدية يمكن التنبؤ بها، بل أصبح في قلب تحولات عميقة تضرب جُذورَ الوعي والهُوِيَّة والمعنى.

هذه الحالةُ التي يمكن وصفها بـ " صدمة المُستقبَل" لَيست مُجرَّد مُصطلح عابر، بل هي تجربة إنسانية مُركَّبة، تَنَبَّهَ إلَيها الأدباء بِطُرُق مختلفة، مِن بَينهم الروائي الموريتاني موسى ولد إبنو (وُلد 1956 م)، والروائي الإنجليزي ألدوس هكسلي (1894 م - 1963 م).

وعلى الرغم من اختلاف السياقات الثقافية والفكرية لكلٍّ منهما، إلا أنَّ كِلَيهما التقطَ بِعُمقٍ ملامحَ هذا الاضطراب الحضاري الذي يُهدِّد توازنَ الإنسان.

يُشير مفهومُ " صَدمة المُستقبَل " إلى تلك الحالة التي يعجز فيها الإنسانُ عن التكيُّف معَ التغيراتِ المُتسارعة في التكنولوجيا، والقيم، وأنماط الحياة.

يَطرح ولد إبنو رؤيةً نقدية لعالَم فَقَدَ مرجعياته، حيث لَم تعد المعايير واضحة، ولا الثوابت مُستقرة. الإنسانُ هُنا يعيش في حالة تيه مَعرفي، تتفكك فيها البُوصلة الأخلاقية أمام سَيل من المعلومات والاختيارات.

أمَّا هكسلي، فقد رسم ملامح مُجتمع مستقبلي يبدو في ظاهره مثاليًّا، لكنَّه في حقيقته يَسلب الإنسانَ إنسانيته. وبدلًا من القهر المباشر، يتمُّ إخضاع الإنسان عبر اللذة، والتكييفِ النَّفْسي، والاستهلاكِ المُفْرِط. هُنا، تُصبح الصدمة أكثر خطورة، لأنها لا تُدرَك بسهولة.

يَرى ولد إبنو أن التكنولوجيا لَيست مُحايدة، بلْ تَحمل في طَيَّاتها أنماطًا جديدة من الهَيمنة، فهي تعيد تشكيلَ الإنسان وفق منطق السرعة والإنتاج والاستهلاك، مِمَّا يؤدي إلى تآكل العُمق الإنساني . الإنسانُ المُعاصر لَم يعد يفكر بِبُطء، ولَم يعد يتأمَّل، بل أصبحَ يعيش على سطح الأحداث. هكسلي بِدَوره قدَّم تصوُّرًا أكثر راديكالية، حيث تُصبح التكنولوجيا أداة لضبط المجتمع بالكامل. يتمُّ التحكُّم بالبشر مُنذ ولادتهم، ويُبَرْمَجُون لِيَقْبلوا أدوارَهم دُون اعتراض. والناسُ سُعَداء بوضعهم، أو هكذا يُخيَّل إلَيهم.

أحدُ أخطر أوجه صَدمة المُستقبَل هو فِقدان المعنى. يُشير ولد إبنو إلى أن الإنسان العربي، على وجه الخُصوص، يعيش صِراعًا مُزْدَوَجًا، بَيْن ماضٍ لَم يعد قادرًا على الإجابة، وحاضرٍ مُسْتَوْرَد لا ينتمي إلَيه بالكامل. هذه الازدواجية تُولِّد حالةً من الاغتراب العميق.

أمَّا هكسلي، فيرى أنَّ فِقدان المعنى لَيس نتيجة الصراع، بلْ نتيجة الرضا الزائف. حِينَ يتمُّ إغراق الإنسان في المُتع السطحية، يفقد قُدرته على طرح الأسئلة الكُبرى، ولا يعود يبحث عن الحقيقة، لأنه مشغول باللذة.

لا يُقَدِّم الكاتبان حُلولًا سهلة. لكنَّهما يُلمِّحان إلى ضرورة استعادة الإنسان لِوَعْيه النقدي. ولد إبنو يدعو إلى إعادة بناء المرجعيات الفكرية، والانفتاحِ الواعي على الحداثة دون الذوبان فيها. وهكسلي يُحذِّر من الاستسلام للراحة المُطْلقة، ويدعو _ بشكل ضِمني _ إلى الدفاع عن الحرية، حتى لَوْ كانت مؤلمة.

صدمةُ المُستقبَل لَيست واقعًا حتميًّا، لكنَّها نتيجة خيارات بشرية. بين رؤية ولد إبنو النقدية، وتحذيراتِ هكسلي الاستشرافية، يجد الإنسانُ نَفْسَه أمام مِرآة تعكس الواقعَ بوضوح مؤلم. السؤالُ الحقيقي لَيس: ماذا سيحدث في المستقبل؟، بل: هلْ نحن مُستعدون لفهمه، ومواجهته، دُون أن نفقد هُويتنا وإنسانيتنا؟.

تتجلى المُفَارَقة الصارخة بين ولد إبنو وهكسلي في طبيعة السجن الذي ينتظر البشريةَ. ولد إبنو في" مدينة الرياح" (1996) قَدَّمَ سِجنًا رهيبًا قِوامه التيه والذاكرة المفقودة، حيث يغدو المُستقبَل رمالًا متحركة تبتلع الهُوِيَّةَ والأمسَ.بَينما شَيَّدَ هكسلي في"عالَم جديد شجاع" (1932) سِجنًا مِن المادَّة واللذة، حيث يُسيطر العِلْمُ على البشر، وتختفي المشاعر، ويقوم النظامُ بالسيطرة على الناس من خلال المُخَدِّرَات، والسيطرةِ على التكاثر من خِلال إنتاج أطفال مُحَدَّدِي الوظائف والرغبات، في مُجتمع الكُلُّ فيه سعيد، لكنَّه معدوم الحرية.

المُقارَنةُ بَيْنَ الكاتبَيْن تكشف عن وجهَيْن لِعُملة واحدة لـ " صَدمة المُستقبَل". ولد إبنو يُحذِّر من مُستقبَل فارغ حَد العدمية، يتلاشى فيها الحد الفاصل بين الواقع والخيال. وهكسلي يُحذِّر من مُستقبَل ممتلئ حد الاختناق بالاستهلاكِ والآلِيَّة.

إنَّ صَدمة المُستقبَل لَيست مُجرَّد مفهوم يرتبط بتسارع الزمن التقني، بلْ هي حالة وجودية ومعرفية تُعيد تشكيلَ الإنسان من الداخل، وتدفعه إلى مُراجعة علاقته بالقِيَم والهُوِيَّةِ والمعنى. وإذا كان هكسلي قد صاغَ في رؤيته الكابوسية عَالَمًا تُهيمن عليه التقنية والاستهلاك، وتذوب فيه الإرادةُ الفردية تحت سُلطة النظام، فإنَّ ولد إبنو قَدْ قَدَّمَ من داخل السياق العربي تَصَوُّرًا نقديًّا لا يقلُّ عُمقًا، حيث تتحوَّل الحداثةُ المُتسارعة إلى قوة ضاغطة تُهدِّد التوازنَ الرُّوحي والثقافي للإنسان.

كِلاهُما يُنبِّه إلى خطر الانفصال بين التقدُّم المادي والنُّضْجِ الإنساني، ويُشير إلى أنَّ المُستقبَل حِينَ يُبْنَى على العقلِ الأداتي وحده يُفْضي إلى اغترابِ الإنسان عن ذاته وقِيَمِه.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

تحولات الفكر اللساني بين التراث والحداثة

لم يكن تطوّرُ اللسانيات الحديثة حدثًا معزولاً عن التراث اللغوي الإنساني، بل جاء نتيجةَ تراكماتٍ معرفيةٍ طويلة بدأت منذ التأملات الأولى في اللغة، وبلغت ذروتها في التحولات الإبستمولوجية الكبرى التي شهدها القرن العشرون. وإذا كان النحو التوليدي التحويلي قد أعاد الاعتبار إلى العقل بوصفه منشأ اللغة ومركزها، فإنّ هذا التحول لا يمكن فهمه بمعزل عن علومٍ تأسيسيةٍ كعلم الأصوات، وفقه اللغة، والدرس النحوي العربي القديم، الذي سبق كثيرًا من التصورات الحديثة في دقّته ومنهجيته.

لقد أدرك العربُ مبكراً أن اللغة ليست ألفاظاً متجاورة، بل كيانٌ حيّ تتداخل فيه الأصوات والبنى والدلالات والسياقات النفسية والاجتماعية. ولذلك نشأت علومٌ متكاملة لخدمة العربية، لم تكن مجرد أدواتٍ تعليمية، بل مشاريع فكرية كبرى هدفت إلى فهم طبيعة اللغة وآليات اشتغالها.

علم الأصوات: الموسيقى الخفية للغة:

يُعدّ علم الأصوات من أعمق فروع اللسانيات؛ لأنه يتعامل مع المادة الأولى للكلام: الصوت. فاللغة قبل أن تُكتب كانت تُسمع، وقبل أن تتحوّل إلى قواعد كانت ذبذباتٍ ونبراتٍ ومخارجَ وإيقاعات.

وقد بلغ علماء العربية في هذا المجال منزلةً رفيعة سبقت كثيراً من الدراسات الغربية الحديثة. فقد قدّم الخليل بن أحمد الفراهيدي رؤيةً صوتية دقيقة حين رتّب الحروف وفق مخارجها في «معجم العين»، مبتدئًا بحرف العين لكونه أعمق الحروف مخرجاً. ولم يكن هذا الترتيب اعتباطيّاً، بل قائماً على وعيٍ فيزيائي وصوتي مذهل لطبيعة الجهاز النطقي.

ثم جاء سيبويه ليفصّل الحديث عن صفات الأصوات ومخارجها وصفاً علميّاً دقيقاً، حتى عدّه بعض الباحثين المعاصرين مؤسساً مبكراً للفونيتيك العربي. فقد تحدّث عن الجهر والهمس، والشدة والرخاوة، والإطباق والانفتاح، وهي مفاهيم ما تزال مركزية في علم الأصوات الحديث.

أما ابن جني فقد ارتقى بعلم الأصوات من الوصف الفيزيائي إلى التأمل الفلسفي، حين رأى أن هناك علاقةً خفيّة بين الصوت والمعنى، وأن الأصوات ليست محايدة بالكامل، بل تحمل طاقةً إيحائية. ولذلك قال عبارته الشهيرة: «تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني»، في إشارة إلى التناسب بين البنية الصوتية والدلالة النفسية.

ومن هنا، لم يعد الصوت عنصراً شكليّاً، بل أصبح حاملاً للإيقاع والانفعال والدلالة، وهو ما سيستثمره لاحقاً علم اللسانيات الحديث، ولا سيما في الدراسات الفونولوجية والبنيوية.

فقه اللغة: اللغة بوصفها ذاكرة الحضارة

إذا كان علم الأصوات يبحث في المادة السمعية للغة، فإن فقه اللغة يتجاوز ذلك إلى دراسة تاريخ الألفاظ، وتحول الدلالات، والعلاقات الحضارية والثقافية التي تُنتج اللغة وتعيد تشكيلها.

وقد أدرك فقهاء العربية أن اللغة ليست معجماً جامداً، بل كائنٌ تاريخيّ ينمو ويتغيّر ويتفاعل مع المجتمع والفكر والدين والسياسة. ولذلك جاءت مؤلفات مثل «الخصائص» لابن جني، و«الصاحبي» لـ ابن فارس، و«فقه اللغة» لـ الثعالبي لتؤسس رؤيةً عميقةً لطبيعة العربية وعبقريتها التعبيرية.

وقد رأى ابن فارس أن للعربية «مقاييس» وأصولاً تنتظم فيها الكلمات، وأن الاشتقاق ليس مجرد توليد صرفي، بل نظام فكري يكشف ترابط المعاني. أمّا الثعالبي فقد أبرز ثراء العربية المذهل في التعبير عن الفروق الدقيقة بين الأشياء، حتى بدت اللغة عنده مرآةً دقيقةً للحياة العربية ووعيها الثقافي.

وهنا تتجلّى أهمية فقه اللغة في اللسانيات الحديثة؛ إذ إنه يربط اللغة بالسياق الحضاري والإنساني، فلا يدرس البنية معزولةً عن التاريخ والثقافة والوعي الجمعي.

المدرسة البصرية: صرامة العقل وبناء القياس

مثّلت المدرسة البصرية أعظم مشروع عقلي في تاريخ النحو العربي، وقد قامت على الدقّة المنهجية والاحتكام إلى القياس العقلي الصارم. وكان روّادها يسعون إلى بناء نظام نحوي متماسك يُفسّر الظواهر اللغوية ضمن قواعد عامة.

ويأتي في مقدمة هؤلاء سيبويه، الذي لم يكن مجرد نحوي، بل فيلسوف لغة بالمعنى العميق. فقد نظر إلى اللغة باعتبارها نظاماً تحكمه العلاقات والعوامل، وربط بين الوظيفة النحوية والمعنى الدلالي.

كما أسهم الخليل بن أحمد الفراهيدي في تأسيس المنهج الاستقرائي، حين جمع اللغة من أفواه العرب، ثم استنبط منها القواعد والأوزان. وقد كان الخليل سابقاً لعصره في نظرته الرياضية إلى اللغة، ويكفي أنه أسّس علم العروض وفق نظام إيقاعي بالغ الدقة.

لقد آمن البصريون بأن اللغة نظامٌ منطقيّ، وأن الشاذ لا يُقاس عليه، ولذلك غلب على منهجهم الطابع العقلي التحليلي.

المدرسة الكوفية: مرونة السماع واتساع اللغة

في مقابل الصرامة البصرية، جاءت المدرسة الكوفية أكثر مرونةً وانفتاحاً على الاستعمال اللغوي. فقد اعتمد الكوفيون على السماع، وقبلوا كثيراً من الظواهر التي رفضها البصريون بدعوى الشذوذ.

وكان من أعلامهم الكسائي والفراء، اللذان وسّعا دائرة الاحتجاج اللغوي، وأدخلا القراءات القرآنية واللهجات العربية في صلب التحليل النحوي.

وقد أدرك الكوفيون أن اللغة أوسع من أن تُختزل في منطقٍ صارم، وأن الاستعمال الحيّ جزءٌ من شرعية القاعدة. ومن هنا جاءت مرونتهم في التأويل والإعراب.

بين التراث واللسانيات الحديثة

إنّ التأمل العميق في التراث اللغوي العربي يكشف أن كثيراً من القضايا التي ناقشتها اللسانيات الحديثة كانت مطروحةً بشكلٍ أو بآخر عند علماء العربية. فقد بحثوا في العلاقة بين اللفظ والمعنى، والصوت والدلالة، والبنية والاستعمال، والعقل واللغة.

وحين جاء النحو التوليدي التحويلي مع نعوم تشومسكي، أعاد طرح سؤال الكفاءة اللغوية والبنية العميقة، وهو سؤال يلتقي — من حيث الجوهر — مع اهتمام النحاة العرب بالعامل، والتقدير، والعلاقات الخفية داخل الجملة.

لكن الفرق الجوهري أن اللسانيات الحديثة استعانت بالرياضيات والمنطق والعلوم المعرفية، بينما ظلّ التراث العربي يتحرك ضمن أفقٍ فلسفي وبلاغي ولغوي خاص.

خاتمة:

إنّ التحولات الإبستمولوجية في اللسانيات لم تكن قطيعةً كاملة مع الماضي، بل إعادةَ بناءٍ متواصلة لفهم اللغة والإنسان. فاللغة ليست أصواتاً فقط، ولا قواعد فقط، ولا بنيةً ذهنية فقط؛ إنها الوعاء الذي تتشكّل فيه الرؤية إلى العالم.

ولذلك ظلّ علم الأصوات يكشف موسيقى اللغة الخفية، وظلّ فقه اللغة يربط الألفاظ بتاريخ الحضارات، بينما واصل النحو  قديمه وحديثه، البحثَ في القوانين التي تنظّم العلاقة بين الفكر والتعبير. وهكذا تتجلّى العربية، في تراثها اللساني العريق، لا بوصفها لغةً فحسب، بل مشروعاً معرفيّاً وإنسانيّاً بالغ العمق والثراء.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

 

الخطاب والعنف

الشيء المؤكد اليوم، أن تأسيس جماعة الإخوان المسلمين على يد حسن البنا عام 1928 في مدينة الإسماعيلية في مصر. هي البداية الحقيقة لما يعرف اليوم باسم الإسلام السياسي. أي بداية القول في العصر الحديث، وعند "أهل السنة والجماعة " أن الدولة ركن من أركان الدين، وبالتالي فإن الدولة والسلطة والإمامة هي من الأصول وليس من الفروع، بينما من المعروف أن هذا المبدأ هو من المبادئ المركزية عند الشيّعة. كما تجدر الإشارة إلى أنه من رحم هذه الجماعة- الأم، ولدت كل جماعات وحركات الإسلام السياسي في القرن العشرين، ومن كهف الإسلام السياسي خرجت كل التنظيمات المسلحة التي أطلقت الرصاص على الجميع، تنظيمات مثل التنظيم المعروف إعلاميًا باسم "التكفير والهجرة " بزعامة شكري مصطفى وتنظيم الفنية العسكرية بقيادة الفلسطيني صالح سرية وتنظيم الجهاد والجماعة الإسلامية وغيرها وغيرها من الجماعات والتنظيمات، هذه الجماعات التكفيرية والتي أعلنت عن نفسها بعمليات استعراضية في السبعينيات والثمانينيات، رافعة راية الجهاد ليس فيدار الحرب هذه المرة، بل في دار الإسلام، بدعوى " جاهلية القرن العشرين " وفي مواجهة الحكام " الطاغوت ". وما يلاحظ أنه مع مرور الوقت، ارتفع منسوب القتل ضد كل الشرائح والفئات والطبقات، بالتوازي مع ارتفاع منسوب التطرف، وفي نفس الوقت مع إزدياد معدلات الفقر والارتفاع المفزع لنسب الأمية في المجتمعات العربية وانهيار النظام التعليمي، مع الإشارة إلى أن كل ذلك، كان يجري في مناخ سياسي قامع للحريات وفي ظل دولة سلطية، دولة المستبد غير العادل. ومن نافلة القول، أن العنف هو نتاج إيديولوجية متطرفة، والإرهاب تعبير عن هذه الإيديولوجية، وخطاب العنف يعكس فكر يعتقد بإمتلاك الحقيقة المطلقة. ولهذا لم تتوانى جماعات الإسلام السياسي وكافة التيارات السياسية/الدينية في الإنتقال من مرحلة الدعوة الى مرحلة أعلى هي الإرهاب، والدخول في صراع قاتل مع القوى السياسة الوطنية. كما وضعت نفسها في مواجهة غير مبررة مع العصر، ليس هذا فحسب، بل وسوَّغت لنفسها ممارسة العنف المُنفَلت من كل عُقال، وذلك بتوظيف ألفاظاً قرآنية، مثل الجهاد والقتال والغزو والطاغوت. ولقد كان العنف والعنف المضاد، بين التنظيمات المسلحة والأجهزة الأمنية، السبب الرئيس في وقوع تحولات سياسية، وفي ظهور تشققات إجتماعية عميقة، وتمزقات ثقافية شديدة الخطورة في جسم الدولة والمجتمع. وغني عن البيان القول أن ظهور الإسلام السياسي، قد شكَّل بالفعل وبالقوة تهديدًا للسلم الاجتماعي، وكان ومايزال خطرا على وحدة الأوطان وعلى النسيج الإجتماعي للمجتمعات. والجدير بالذكر، فإن الإسلام السياسي –فكرا وتنظيمًا - قد تكون في عشرينيات القرن الماضي، وتشكَّل في مرحلة ما بين الحربين. أي أنه ولد ونشأ وترعرع في حقبة حافلة بالتحولات السياسة والإجتماعية في العالم العربي، هذه التحولات رسمت خريطة الإيديولوجية العربية المعاصرة. ولسنا في حاجة للقول بأن العامل الخارجي قد لعب دورا كبيرا في نشأة الإسلام السياسي بسبب إزدياد شدة الإختراق الاستعماري/الإمبريالي، وما أحدثه هذا الاختراق من تفكك للبنى الاجتماعية / الثقافية. ومما لا شك فيه أن قرار إلغاء الخلافة كان بمثابة الرجة التي أفقدت النخب العربية/ الإسلامية توازنها، البعض رحب بالقرار وصفق للدولة الوطنية البازغة، والبعض الأخر لم يرحب بالقرار بل وعارض نظام الدولة الوطنية. وما يرتبط بها من مبادئ مثل الدستور والعقد الاجتماعي وما يتفرع عنهما من مرتكزات الفلسفة السياسية الحديثة مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان وكل ما يتعلق بالدولة الحديثة من نظم ومؤسسات سياسية وإدارية وأمنية.

و من أبرز من صدمهم قرار إلغاء الخلافة الشيخ محمد رشيد رضا، صاحب مجلة" المنار "، وكان كتابه "الخلافة والإمامة العظمى" دليل قاطع على صدمة بدايات إنفصال السلطان عن القرآن، ومفارقة الخلافة للسلطنة. وعلى النقيض من ذلك، رحبت النخبة الليبرالية بالقرار، وكان منهم الشيخ علي عبد الرازق الذي أصدر كتاب " الإسلام وأصول الحكم" وقد شكل صداعا لدعاة عودة الخلافة كما أصاب في مقتل مقولة الإسلام دين ودولة. والحقيقة أن هذا الكتاب/ الحدث زعزع الكثير من اليقينيات والمعتقدات والقناعات التي كانت قد تحولت عند الكثيرين، ومع مرور الوقت إلى مسلمات غير قابلة للنقاش.

و لا يختلف إثنان على أن كتاب " الإسلام وأصول الحكم"، تميز بحس نقدي غير مسبوق، وبجرأة لم يسبق لها مثيل في الفكر العربي الحديث، إذ أعلن بوضوح أن دولة الخلافة هي دولة سلطانية تقوم على أساس القوة والغلبة، وليس على الرضا والقبول، كما كشف الطبيعة السياسية للسلطة والحكم في الإسلام، كما قدم براهين وأدلة شرعية على أن الدين الإسلامي يرفض هذا النظام السياسي السلطاني. ولا أحد يجادل بأن نشأة الإسلام السياسي، هو أحد مُخرجات إلغاء الخلافة العثمانية السنية، فقد أصيبت النخبة التقليدية بالصدمة وشعرت بالضياع بعد سقوط الخلافة، وكما ذكرنا سابقًا شهدت منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أحداثا عاصفة غيرت تماما ليس فقط الخريطة الجيو –السياسية، بل غيرت الخريطة الثقافية- الفكرية وأعادت ترتيب موازين القوى لصالح القوى الاجتماعية الجديدة. كانت الهزة الأكبر، أو إن صح التعبير مركز الزلزال هو السقوط المدوي للإمبراطورية العثمانية، بعد الهزيمة القاسية التي تعرضت لها في الحرب الكونية الأولى، والتي على إثرها قَضم الحلفاء الكثير من أراضي الدولة التركية، بل ووصل الأمر إلى حد دخول عاصمة الخلافة السنية، كما تم الإستيلاء على الولايات العربية التابعة لها على يد القوى الإستعمارية الكبرى آنذاك، بأسماء بها قدر كبير من المكر والخديعة، من قبيل الحماية والإنتداب، طبقًا لسياسات القوى الاستعمارية، وطبقا لإتفاقية سايكس/ بيكو عام 1916. والحقيقة التي لا نقاش فيها، أن علامات الإنهيار والسقوط كانت بادية منذ منتصف القرن التاسع، كما أن ملامح وسمات التفكك كانت لا تخطئها عين، كما لا ننسى أن أعراض المرض قد بدأت في الظهور منذ نهاية القرن الثامن عشر.

نهاية نظام الخلافة

وبعبارة أخرى، ما يسمى بالخلافة الإسلامية أو الإطار السياسي الجامع للمسلمين السنة، كانت في الهزيع الأخير من عمرها، مجرد هيكل بلا روح، وبتعبير مجازي أصح كانت عبارة عن جثة هامدة. وبالتالي كان هذا النوع من أنظمة الحكم المسمى بالخلافة، قد وصل إلى حالة متقدمة من التفكك والتفسخ والهزال، كان هذا الشكل للدولة المبنية على حكم العسكري والمتربعة على المساحة الجغرافية الواسعة، وبتركيبة ديموغرافية متنوعة تضم عشرات القوميات والطوائف والمذاهب، هذا النوع من النظام السياسي إنتهت مدة صلاحيته، ولا نبالغ إذا قلنا أن هذا النظام السياسي كان في حكم الميت، بعد أن تجاوزته الأحداث، ولم يعد يتماشى مع العصر ولا يستطيع مجاراة نموذج الدولة الحديثة، أي الدولة- الأمة. وبعد الهزيمة القاسية في الحرب العالمية الأولى، كان لا بد على السلطة العسكرية الجديدة من إتخاذ قرارات تناسب التطورات السياسية. وأهم هذه القرارات التي مهدت الطريق للدولة الوطنية التركية العلمانية، القرار الصادر يوم 4 نوفمبر 1922 عن الجمعية الوطنية التركية القاضي بفصل السلطنة عن الخلافة. ولا مراء في أن هذا القرار هو قرار تاريخي جريء بكل المقاييس، كان بمثابة الضربة القاضية لما يسمى بالخلافة، وذلك بعد ثلاثة عشر قرنًا من وجود هذا النظام السياسي/السلطاني الذي تشكل في سقيفة بني ساعدة، وكان يجمع بين السلطان والقرآن، بين المصحف والسيف، وبعبارة أوضح، بين الدين والدولة. وثمة ملاحظة في هذه الصدد وهي أن السلطان في عهد الخلفاء الراشدين كان في خدمة الدين، لكن منذ انقلاب الخلافة إلى ملك وراثي عَضُّوض، صار القرآن في خدمة السلطان، أي صار في خدمة الملوك والسلاطين والأمراء. منذ قيام الدولة الأموية. وإذا شئنا الدقة نقول، أن هذا قرار الفصل من حيث اللغة والأسلوب والديباجة، جاء ليس فقط ليبرر خطوة الفصل بين السلطنة والخلافة ولكن ليقدم المُبررات الدينية/الشرعية للخطوة الأكبر والقرار الأهم وهو إلغاء الخلافة تمامًا ونهائيًا. وبالفعل صَدر القرار التاريخي الثاني وهو إلغاء الخلافة في اليوم الثاني عشر من شهر مارس عام 1924، وبذلك أُسدل الستار، على مرحلة تاريخية بأكملها. مرحلة النظام الإمبراطوري، تزامنت مع بداية نشأة نظام الدولة الوطنية في المنطقة العربية.

 وكان من الطبيعي أن يخلف قرار إلغاء الخلافة، ردود فعل متباينة بين السخط الشديد والترحيب الكبير، في العالم الإسلامي عامة وفي الوطن العربي خاصة، لكن من المؤكد أن الصدمة كانت قوية، إلى درجة أن البعض من ملوك العرب أنذاك، أراد استغلال الفرصة للترشح لمنصب الخلافة. ثم كان القرار التاريخي الثالث، المتمثل في إعلان قيام الجمهورية التركية الوطنية العلمانية الحديثة. 

ولكن وفي المقابل، ومن الأثار الإيجابية- إن صح هذا التعبير- لهذا القرارات، هي عودة السجَّالات الفكرية في قضية طالما شغلت الفكر الإسلامي في العصر الوسيط، وهو العلاقة بين الفقيه والسلطان، كما اشتعلت جذوة الجدال من جديد واستمر النقاش بين تيارات الإيديولوجيا العربية المعاصرة، حول دور الدين ووظيفته في الدولة الوطنية الناشئة، كما عاد السجّال إلى نقطة الصفر في قضايا الإسلام والغرب والتاريخ والتراث، ومسائل الفقه والاجتهاد والتجديد.

 وما يذكره التاريخ أن جذوة المناقشات إشتعل أوارها وإزدادت حدة النقاش مباشرة بعد القرارات الثلاث، والتي كانت صادمة للعقل الإسلامي، قرار الفصل بين الخلافة والسلطنة، وقرار إلغاء الخلافة، وقرار إعلان الجمهورية.

 وقد أنفق الفكر العربي/الإسلامي الكثير من الوقت والجهد في محاولة إستعادة الخلافة سواء بصيغتها القديمة أو بصيغتها المعدلة أو بأي صيغة أخر، ومن هذه المحاولات التي تنسب للإسلام الحزبي، محاولة حزب التحرير الإسلامي الذي أسسه الشيخ تقي الدين النبهاني في القدس عام 1952 قائم على تحقيق هدف استراتيجي هو عودة الخلافة الإسلامية بأي شكل وبأية صيغة.

و مما يلفت الانتباه، أن قطاع واسع من الإسلاميين، من مازال يعتقد إعتقادًا راسخا بأن عودة الخلافة ضرورة حتمية، وما إعلان أبو بكر البغدادي من على منبر أحد مساجد الموصل عن قيام الدولة الإسلامية في الشام والعراق(داعش) عام، 2014 إلا دليل إثبات على ذلك.

***

مصطفى دحماني

باحث في الفلسفة والفكر الإسلامي - الجزائر

 

«كل المثقفين هكذا.. يتفلسفون في كل مسألة، يطيلون الكلام في كل زاوية. والنتيجة؟.. تأثيرهم صفر..». هكذا علق أحد القراء الأعزاء على مقالة الأسبوع الماضي، التي – لسوء الحظ – انتقدت التعميم، ولا سيما السلبي منه. والتعميم - كما أشرت - هو أن تأخذ انطباعاً عن شخص أو عدد من الأشخاص، ينتمون إلى فئة محددة، ثم تصدر حكماً على جميع أفراد تلك الفئة. مثال ذلك، أن ترى كاتباً أو بضعة كتاب يتفلسفون، أو يطيلون القول في مسائل بعينها، فتحكم بأن الكتَّاب كافة يفعلون الشيء نفسه، وأن هذا الفعل سيئ.

حسناً... هل يمكننا الخلاص من ظاهرة التعميم أو التنميط المتحيز، خصوصاً الذي ينطوي على محتوى سلبي أو معادٍ لفئات بأكملها؟

أشار مقال الأسبوع الماضي إلى شهادة الأديب الإنجليزي شارلز لامب الذي يقول: «أنا كتلة من التحيزات، من الحب والكراهية والتعاطف واللامبالاة». والحق، أن هذا هو وأنا وأنت. إنها سمة راسخة عند أغلب الناس، وربما جميعهم.

يبدأ التحيز بطريقة تنسيق المعلومات في ذهنك. مثلاً: حينما ترى سيارتين، ألمانية وصينية، فسوف تستدعي حكماً ذهنياً سبق تخزينه في ذاكرتك عن التكنولوجيا الألمانية والصينية، وسوف تنظر للأولى بوصفها أعلى وأقوى من الأخرى. تُرى... كيف عرفت أن السيارة التي أمامك تحمل الصفات المخزونة نفسها في ذاكرتك؟ لعل التي قدَّرت أنها أفضل، أقل من نظيرتها في الواقع.

هذا معروف لنا جميعاً. لكننا – مع ذلك – لا نلتفت للأحكام التي نصدرها على الناس والأشياء التي نصادفها كل يوم تقريباً، أعني أحكامنا المستمدة من قوالب في الذهن، وليس من ملاحظة عينية مباشرة للشخص أو الشيء الذي أمامنا.

التصنيف الذهني للمعلومات والأحكام نشاط عفوي، لا يمكن تفاديه. لكنه قابل للمراجعة والتحكم. وهكذا يمكن تصفيته بين حين وآخر، على ضوء ما نتوصل إليه من معلومات أو آراء جديدة، شرط أن يرغب الإنسان في المراجعة والتصحيح.

يصنف العقل ما يصله في قوالب (أو أدراج). فكلما وصلته معلومة مقاربة، أضافها إلى ذلك الدرج وختمها بطابعه.

وأذكر حادثة تشير إلى التنميط العفوي، حين ذهبت قبل سنوات إلى مدينة «حولّي» في الكويت، لزيارة صديق. فلم أعثر على مكانه، فعرضت العنوان على صاحب دكان هناك، فقال لي إن كان الذي تبحث عنه كويتياً، فلن تجده هنا مطلقاً. الكويتيون لا يسكنون هنا. وحين عثرت على الصديق في نهاية المطاف، قال لي إن هذا هو الانطباع العام فعلاً، مع أنه غير دقيق.

يتجسد التنميط في الحياة الاجتماعية، على شكل مَيلِ عام لدى الناس للتقارب مع من يشترك معهم في الثقافة أو الانتماء العرقي أو الديني، وكذلك الذين لديهم ذاكرة مشتركة، مثل زمالة دراسية أو مهنية... الخ. وحسب ملاحظة البروفسور غوردون البورت الذي أشرت في الأسبوع الماضي إلى كتابه «طبيعة التحيز»، فإن السلوك العام للبشر، هو انضمام الفرد إلى الجماعة التي يجمعه بها عدد أكبر من المشتركات الثقافية أو البيولوجية. في كل بقاع الأرض، يجتمع الناس مع أشباههم «يتزاوجون، يأكلون ويلعبون ويسكنون في تجمعات متجانسة». يميل الناس إلى أشباههم كي يستغنوا عن الجهد الضروري لصناعة علاقاتهم، وإعادة التفكير في سلوكهم، أو التصرف بتحفظ، لو كان المحيط من الغرباء.

هذا الميل الطبيعي يؤكد أن الإنسان يميل للاتجاه الذي يعرفه سابقاً، أو الذي قام بتعريفه سابقاً. وينطبق هذا على نظرته للناس والأشياء الذين يصادفهم للمرة الأولى.

إنْ وافقتني على هذا التحليل، فلا بد أنك تتساءل: ما دام التنميط سلوكاً طبيعياً عند البشر، فلماذا نشعر بالقلق، ولماذا نتحدث عنه كأمر غريب؟

الجواب هو الذي نعرفه جميعاً: ما نخشاه هو التنميط السلبي، الذي يجعلنا نصدر أحكاماً تنطوي على كراهية للآخرين، وتجعلنا نقف في صف أهل الكراهية، بدل أن نقف مع أهل المحبة، أليس كذلك؟

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

حتى لا نتوه في الديباجة، فالماضي الذي أرمي له هو بشقّيه، القريب وهو طفولتنا، والبعيد وتمثّله جيناتنا التي ورثناها من سلسلة أجدادنا المكثّفة.

ولربما الإجابة البديهية تبدو أن كليهما له دور فاعل لا يمكن نكرانه في تشكيل شخصياتنا، وتاليًا حيواتنا، وحينئذٍ نكون إزاء سؤال التفاصيل في استكْناه كلٍ منهما، لا غير، إلا أنّ هناك سؤالا أجلّ، ويقفز على نمط التفكير الثنائي بجرأة بالغة، ويمكن صَوغُ هذا السؤال على النحو الآتي: إذا كان ثمة مسؤول آخر عن تفاعلاتنا مع الحياة وطريقة استجابتنا من غير طفولتنا وجيناتنا، فماذا سيكون؟

قبل أن نلِج في خضمّ هذا السؤال المتمرد، خليقٌ بنا أن نسبر أغوار دورَي الطفولة والجينات في تشكيلنا، ولعل القاسم المشترك الكبير بينهما أنه لا دخل لنا البتة فيهما، إذْ إنّهما يمثلان عاملان خارجيان مستقلان عن إرادتنا، ويعبثان بنا كما يشاءان، فالجينات التي ورثناها لم تكن بمحض إرادةٍ منا أو اختيار، وإنما نحن نمثل حلقة متجسدة من تراكم الجينات ضمن حلقات سلسلة آبائنا، بامتيازاتها وقصورها، والطفولة وإن كانت في درجة أعلى قليلا من الوعي مقارنة بوراثة الجينات، غير أن هذا الوعي من الضآلة والمحدودية بحيث إنه لا يُلتفت إليه، فالطفولة القاسية والطفولة المدللة ليسا سيّان، والطفولة الملأى بالتقدير والدعم لا تشبه بأي حال من الأحوال طفولة خانقة تكسر مجاديف أي بوادر رائعة، وكلا العاملَين، الجينات والطفولة، شيءٌ مُنحنا إياها من غير قرار شخصي، وهي لا تنفكّ تهندس طريقة نظرتنا للحياة واستجابتنا لمختلف مواقفها.

فالجينات - تلك الشفرات المخبوءة في جوانحنا - تبرمج فينا أكثر من مجرد شكل أجسامنا وألواننا ومختلف تفاصيلنا الفسيولوجية، لتنسحب على استعدادنا الفطري للنزعة الهجومية والرغبة الحميمية، والعصبية الهوجاء، وحتى الإجرام الوحشي أو السماحة الساذجة، إلى آخر تلك الاستعدادات ما حسُن منها وماقبُح، فضلا عن تلك الجينات غير المفعّلة فينا، والتي تنتظر المثير الخارجي حتى يُدخلها في حيّز التنفيذ، وهذا يعني بكل جلاء أننا لا نولد على درجة واحدة من الاستعداد التكويني في قدراتنا وميولاتنا ورغباتنا، فنحن متفاوتون حدّ النخاع في اتجاهات أدمغتنا التي تمثل امتدادًا لموروث جيناتنا؛ ونتيجة لذلك فإنه من الطبيعي جدا أن تختلف استجابتنا للحياة، وبالتالي مآلات هذه الاستجابة، التي نبَعت في المقام الأول من إكراهات جبرية تكوينًا، لسنا مسؤولين عنها، ويشبه إلى حد ما نموذج ذكاء اصطناعي غُذّي ببرمجة محددة لا يخرج عنها، أقول هذا تقريبا للصورة ولا أعني المطابقة إطلاقا.

وإذا ما جئنا للطفولة، فنحن ندرك تمام الإدراك ما يردّده المختصون في خطورة ما نتعرّض له في مراحل حياتنا المبكّرة، من حيث إنه يطبع فينا عميقا ما يؤثر على بقية حياتنا، ولعلّ أقرب تمثيل ييسّر علينا تصوّر هذه الخطورة الجسيمة هو معجون الطين الطري الذي يسهل تشكيله ما دام مبتلا في بداياته، وما إن يمر عليه وقت حتى يَيْبس، فيزيد صلابة بتقادم الزمن، وحينئذٍ يصعب تغييره إلا بكسره! هذه الحساسية البالغة فيما تمثّله الطفولة من عامل كبير التأثير، والتي لا يتجاوز عددها في أوْج فاعليتها سنيننا الست الأولى! تنعكس ظلالُها على عقود حياتنا اللاحقة، ولك أن تتخيل نسبة ست سنوات فيمن عمره ستون سنة، في نظير ما تمثله من قوة قاهرة تُبرمِج سنينَ طوالًا نحو طريقة استجابة محددة، وعلى نحو دقيق يمكن القول إن الطفولة هي بداية تكرار لنمط استجابة مع مجريات الحياة، وكل تكرار لاحق يؤثر على ما يأتي بعده، وتزداد تغوّلا فينا، وهكذا دوالَيك.

لنأتِ الآن إلى محاولة وضع مقاربة معقولة لسؤالنا المحوري في هذا المقال الذي اصطفيناه في توطئة هذا المقال: إذا كان ثمة مسؤول آخر عن تفاعلاتنا مع الحياة وطريقة استجابتنا من غير طفولتنا وجيناتنا، فماذا سيكون؟ قبل أن أجيب دعوني بادئ ذي بدء أحدد موقع البحث عن هذا المسؤول الآخر! فإذا كانت الجينات والطفولة - كما أسلفتُ - تقبع في منطقة العوامل الخارجية التي ليس لنا فيها حرية إرادة إطلاقا، فماذا لو كان المسؤول الآخر المتمرّد على نمط التفكير الثنائي - هذا أو ذاك - لا ينتمي للعائلة نفسها! بل من سلالة مختلفة، سلالة إرادتنا الحرّة - مع تحفّظي على المعنى المطلق لمفهومي الإرادة والحرة - أقول: ماذا لو؟ إنه الإنسان الآخر!

الاحتكاك الاختياري بدوائر إنسانية مختارة، والارتماء في أحضان بيئات تفاعلية مصطفاة بعناية وسط بيئاتنا الكبيرة أو خارج أُطُرِها، وهو وإن كان عاملا خارجيا غير أنه يمثل قرارا شخصيا حرا، وهو بدوره يعيد إنتاجنا! وما هي إلا مسألة وقت حتى نجدنا أمام نسخة مختلفةٍ منا خارج امتداد ماضينا القريب منه والبعيد، تكسر سلسلة التكرار التي ولّدتها جيناتنا وطفولتنا.

إن التفاعل الإنساني مع الآخر المختار بمواصفات محددة تصقل طباعنا، وتهذّب طبيعتنا، وكما أن الحديد لا يفُلّ إلا الحديد، هكذا الإنسان، لا يكسر سطوة إكراهات جيناته وطفولته إلا تفاعله مع بيئات إنسانية مختارة بوعي، تعيد تشكيله وتنشئته وتبعثه خَلقًا جديدا.

ومع ذلك، يبقى الصراع حقيقة لا يمكن غضّ الطرف عنها بالمرّة، أعني الصراع بين العوامل التي ليس لنا يد فيها: الجينات والطفولة، وبين عامل الدوائر الإنسانية المختارة لنمارس معها تفاصيل حياتنا أو ما تبقى منها! ولكن على الأقل هي خطوة حازمة تتبعها خطوات في سبيل التحرر من أُسُر الماضي وأغلاله، وإن شئت فقل: إن خير مغيّر للإنسان هو إنسانٌ من بني جنسه، إنسانٌ مختار بمعايير توقظ فينا ما هو جميل، وتجتثّ منا ما هو رديء، يضيف لنا قيمة تستحق، ويجنبنا ما لا يليق بنسختنا الثائرة على موروث جيناتنا ومرحلة طفولتنا، لنلقي بنسختنا القديمة قربانا في مَذبح نسختنا المنشودة.

إنّ السردية التي لا تفتأُ تخبر بها نفسك، وتُمنّيها بأفضل نسخة منك تبدأ باتخاذ قرار واعٍ، وبحجم هذا القرار يتحدد مصيرك، ولأننا موجَّهون بعوامل خارجية منفلتة ومتفلّتة عن اختياراتنا؛ فمن الضرورة بمكان أن نتخذ لأنفسنا نهجا قوي الشكيمة، يخترق نفوذ تلكم العوامل، أحدها أو في صدارتها هو الإنسان الآخر الذي نختاره، فردا كان أم مجتمعا، ولكن من تجميعنا نحن واختيارنا نحن!

نعم، أنا وأنت ونحن لسنا إلا نتاج طفراتنا الجينية وامتدادات طفولتنا، ولكن حتى يأتي اليوم الذي نتخذ فيه قرارا واعيا بالتفكير مَليا فيمن نشاطره المرحلة القادمة من حياتنا؛ ومِن هنا تدرك أن مختلف العوامل المؤثّرة - مهما تضافرَت - لا تصلح أن تكون شمّاعة لإخفاقاتك ونسختك الحالية من نفسك التي لم تعد تريد أن تكونها.

***

محمـــد سيـــف - كاتب وباحث من سلطنة عمان

بين سكون الوعي وعنف الأسئلة المؤجّلة

في زمنٍ تُقاس فيه الأمم بقدرتها على إنتاج المعرفة لا استهلاكها، يغدو السؤال عن طبيعة الوعي العربي سؤالاً وجودياً لا ترفاً فكرياً. فبين تراكمٍ شكلي للمعارف وعجزٍ عن تفعيلها، تتكشّف أوهامٌ تُخفي فراغاً عميقاً في بنية العقل، وتؤجّل لحظة المواجهة مع الذات والتاريخ.

تبدو المعرفة، في سياقها الإنساني العميق، أكثر من مجرد تراكم معلومات أو استظهار نظريات؛ إنها، في جوهرها، فعل اقتحام للعالم، وتمزيق لحجب المألوف، وإعادة تركيب للوجود وفق منطق السؤال لا منطق الطمأنينة. ومن هنا، فإن أي حديث عن التفوق الحضاري لا يمكن فصله عن تلك الثنائية الحاسمة التي صاغها فرنسيس بيكون حين قرن المعرفة بالقوة، لا بوصفها ترفاً ذهنياً، بل باعتبارها أداة للهيمنة، ووسيلة لإعادة تشكيل العالم.

لقد أدرك الغرب، منذ انبثاق عصر النهضة، أن المعرفة ليست انعكاساً سلبياً للواقع، بل مشروعاً نشطاً للسيطرة عليه. ولم يكن انتقاله من الظلام السكولائي إلى أفق عصر التنوير مجرد تحوّل فكري، بل انقلاباً أنطولوجياً أعاد تعريف الإنسان بوصفه مركزاً للكون، لا تابعاً له. وهنا، تتبدّى أهمية التحولات التي دشّنها رينيه ديكارت حين زعزع يقين الحواس، وأعاد بناء المعرفة على أساس الشك المنهجي، فاتحاً بذلك الباب أمام عقلانية نقدية لا تقبل المسلّمات.

في المقابل، لم تكن المعرفة الغربية معزولة عن سياقها السياسي؛ بل ارتبطت عضوياً بتشكّل الدولة الحديثة، كما نظّر لذلك كارل شميت، حيث تماهت السيادة مع القدرة على إنتاج المعرفة وتنظيمها. ولم يغفل يورغن هابرماس هذا الترابط حين حلّل موقع الدين في المجال العام، مبرزاً أن الحداثة لم تلغِ المقدّس بقدر ما أعادت تأطيره ضمن بنية عقلانية تداولية.

إن الغرب، في بنيته المعرفية، لم يكتفِ بتفكيك الأسطورة، بل حوّل العالم إلى موضوع للفحص الدقيق: جغرافياً، لغوياً، أنثروبولوجياً. ومن هنا، نشأت تقاليد البحث، وأرشيفات المعرفة، ومراكز الدراسات التي لا تكتفي بوصف الآخر، بل تعمل على نمذجته، وإدخاله ضمن نسق قابل للفهم والتوظيف. المعرفة هنا ليست بريئة؛ إنها مشروع سلطة، لكنها سلطة مؤسسة على تراكم نقدي، وقدرة دائمة على مراجعة الذات.

أما في الفضاء العربي، فإن المشهد يبدو مختلفاً على نحو يثير القلق لا الدهشة. فالمعرفة، في كثير من تجلياتها، لم تتجاوز طور الاستهلاك أو الاستعادة، وبقيت أسيرة نمطين: ماضٍ مُقدّس لا يُمسّ، أو حاضر مستورد لا يُفهم. وهكذا، تشكّلت بنية معرفية هجينة، تفتقر إلى روح التساؤل، وتعاني من عجز بنيوي في إنتاج المعنى.

إن الأزمة لا تكمن في غياب المعلومات، بل في غياب الفعل المعرفي ذاته: أي القدرة على تحويل المعطى إلى سؤال، والموروث إلى موضوع نقد، والمستورد إلى مادة للفحص لا للتقليد. فالمؤسسات الأكاديمية، في كثير من الأحيان، تحوّلت إلى فضاءات لإعادة إنتاج المعرفة لا لخلقها، وإلى معامل لتفريخ الشهادات لا لتوليد الأفكار. إنها بيروقراطية العقل، حيث تُختزل المعرفة إلى وظيفة، والبحث إلى واجب شكلي.

والأخطر من ذلك، أن هذه البنية المعرفية تعيش وهم الاكتمال؛ إذ يُنظر إلى كثير من القضايا بوصفها محسومة، لا تحتمل الجدل أو المراجعة. وهنا تتجلّى المفارقة الكبرى: في الوقت الذي انشغل فيه الغرب بنقد أسس معرفته، ما زال العقل العربي متردداً في مساءلة ما تلقّاه، كأن المعرفة يقين نهائي لا سيرورة مفتوحة.

لقد كانت الحضارة العربية، في لحظات ازدهارها، أكثر جرأة في طرح الأسئلة مما هي عليه اليوم. فقد شهدت عصورها الوسطى صراعات فكرية خصبة، أسهمت في إنتاج معرفة ديناميكية، منفتحة على الشك والتأويل. غير أن هذا الأفق انغلق تدريجياً، لتحلّ محلّه أنساق مغلقة، تُعيد إنتاج ذاتها دون قدرة على التجاوز.

ومن هنا، فإن وصف المعرفة العربية بأنها "مياه راكدة" ليس حكماً أخلاقياً بقدر ما هو توصيف لوضعية معرفية فقدت روافدها النقدية. فهي معرفة لا تتدفق، لأنها لا تتغذى على السؤال؛ ولا تتجدد، لأنها تخشى التفكيك؛ ولا تنتج، لأنها أسيرة بنيات اجتماعية وثقافية تعيق حركتها، من القبيلة إلى البيروقراطية، ومن النخبوية المغلقة إلى السلطوية المقنّعة.

إن الخروج من هذا المأزق لا يتحقق عبر استيراد نماذج جاهزة، ولا عبر الاكتفاء بترجمة متأخرة لما ينتجه الآخر، بل يقتضي إعادة تأسيس جذرية لفلسفة المعرفة ذاتها. فالمعرفة ليست ما نعرفه، بل كيف نعرفه، ولماذا نعرفه، ولأي غاية ننتجه.

وهنا، يصبح الشك—لا اليقين—هو نقطة البداية، ويغدو النقد—لا التلقين—هو المنهج. كما تغدو الحرية شرطاً معرفياً لا سياسياً فحسب؛ إذ لا يمكن لعقل مقيّد أن ينتج معرفة حرة، ولا لمجتمع يخشى السؤال أن يبني مشروعاً حضارياً.

إن المعرفة، في نهاية المطاف، ليست ترفاً فكرياً، بل قدر حضاري. ومن لا يمتلك جرأة مساءلة ذاته، سيبقى أسير أوهامه، يدور في فلك ما لم يعد موجوداً، أو يقلّد ما لم يفهمه بعد. وبين هذا وذاك، تتبدّد الإمكانات، وتُهدر الطاقات، ويظل السؤال المؤجّل معلقاً: متى تتحول المعرفة العربية من وهمٍ ساكن إلى قوة فاعلة؟.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

شهدت أرضُ الرافدين ولادات متعاقبةً لحضارات كبرى، انبثقت فيها بدايات الوعي الإنساني، وهو يخطو نحو تنظيم العالم وبناء المدن والدول. ابتدأت هذه المسيرة بحضارة سومر في أواخر الألف الرابع قبل الميلاد، حيث ابتكر الإنسان الرافديني الكتابة المسمارية، وأسس أولى المدن المنظمة، وأرسى ملامح القانون، وفتح آفاق المعرفة في الري والزراعة، والعمارة، والرياضيات، والفلك. كانت سومر لحظةً تأسيسية في تاريخ الإنسان، تجلت فيها قدرة العقل على تحويل الطبيعة إلى عمران حي، وإدارة نمط متناغم من الأرض والمياه للإنتاج وتدبير العيش. تلتها الحضارة الأكدية مع صعود سرجون الأكدي (2334–2279 ق.م)، الذي وحّد مدن سومر وأكد تحت سلطة واحدة، وأقام أول إمبراطورية في التاريخ، امتدت من الخليج إلى تخوم سوريا وإيران، فانتقل الإنسان من دولة المدينة إلى الدولة المركزية الكبيرة، ومن تشتت الكيانات إلى وحدة سياسية تتجاوز الحدود الجغرافية. في هذا الامتداد، تواصلت روح الإبداع الرافديني، وتجذّر حضور بلاد الرافدين بوصفها فضاءً يتكوّن فيه التاريخ، وتنبثق فيه أشكال جديدة للسلطة والمعرفة والعمران، في سعي دائم إلى بناء عالم أكثر انتظامًا واتساعًا لتراكم رأس المال المادي والرمزي.

ثم ولدت حضارة بابل، وتواصلت في التاريخ نحو 1894 ق.م حتى سقوطها سنة 539 ق.م، في طور متقدم لتطور الوعي الرافديني. ففي بابل الأولى مع حمورابي (1792–1750 ق.م) يتجلى أحد أبرز المنعطفات في تاريخ الإنسان، حين جرى تدوين "شريعة حمورابي" كمحاولة مبكرة لتأسيس القانون على قواعد مكتوبة تنظم حياة الناس وتحدد الحقوق والواجبات، وتمنح السلطة معنى يتصل بحماية المجتمع، فارتبط الحكم بفكرة العدالة، وتحول القانون إلى لغة تضبط العلاقات، وتسيطر على فوضى القوة. وفي حضارة بابل الثانية مع نبوخذ نصر (605–562 ق.م) بلغت الحضارة البابلية أوجها العمراني والرمزي، فكانت المدينة فضاءً يجمع القوة والجمال، وتجلى ذلك في أسوارها الشاهقة وبواباتها المهيبة وحدائقها المعلقة التي غدت رمزًا لالتقاء الطبيعة بالخيال الإنساني. في هذه المرحلة صارت الدولة تعبر عن روح حضارية ترى في الجمال امتدادًا للسلطة، وفي العمران لغة تجسد هوية الجماعة وذاكرتها. هكذا تواصلت بابل في مرحلتيها التاريخيتين كتجربة إنسانية يلتقي فيها القانون والعلوم بالعمران والجمال، في أفق يعكس سعي الإنسان إلى بناء عالم أكثر انتظامًا وأقرب إلى معنى التناغم والانسجام.

كذلك نشأت حضارة آشور في شمال العراق على ضفاف نهر دجلة، واتخذت من مدينة آشور مركزًا لها منذ الألف الثالث قبل الميلاد. بدأت كقوة تجارية في مطلع الألف الثاني ق.م، ثم تحولت إلى دولة إقليمية في العصر الآشوري الوسيط، قبل أن تبلغ ذروة اتساعها في العصر الآشوري الحديث (911–612 ق.م) حين امتدت من الخليج إلى حدود مصر. تميزت آشور ببناء دولة مركزية تقوم على إدارة منظمة وتقسيم إداري للأقاليم، وتطوير جيش محترف متقدم في تقنيات القتال والحصار في ذلك العصر، كما شيدت مدنًا كبرى مثل نينوى ونمرود، واهتمت بالمعرفة والثقافة، فأنشأت مكتبة نينوى في عهد آشوربانيبال نحو 650 ق.م، حيث جُمعت آلاف الألواح المسمارية التي حفظت تراثًا رافدينيًا معرفيًا وأدبيًا واسعًا، وبذلك أسهمت في ترسيخ نظام حكم عسكري، وفي حماية تراث بلاد الرافدين ونقله إلى العصور اللاحقة.

قدّمت حضارات سومر وأكد وبابل وآشور إسهامات تأسيسية في بناء الحضارات الإنسانية. ففي سومر ظهرت الكتابة المسمارية نحو 3200 ق.م، فكانت أول طريقة تدوين منظمة، استُخدمت على ألواح الطين لتوثيق شؤون الاقتصاد والقانون والأدب، وانتشر الخط المسماري في الكتابة في بلاد ما بين النهرين وما جاورها، واستمر استعماله أكثر من ثلاثة آلاف عام، إذ تواصل حضوره في التدوين حتى القرن الأول الميلادي. وفي الألف الرابع ق.م نشأت المدن السومرية، مثل أور وأوروك، واخترعت العجلة نحو 3500 ق.م، وتم تطوير أنظمة الري قرابة 3000 ق.م، وجرى تدوين ملحمة كلكامش في الألف الثالث ق.م، بموازاة اختراع القيثارة وابداعات مبكرة في الفنون السمعية والبصرية. وفي أكد أسس سرجون الأكدي أول إمبراطورية مركزية نحو 2334 ق.م، مما رسّخ مفهوم الدولة الموحدة والإدارة المنظمة واللغة السياسية. أما في بابل فقد بلغت التشريعات ذروتها مع شريعة حمورابي نحو 1754 ق.م، وتقدمت الرياضيات بابتكار النظام الستيني في الألف الثاني ق.م، وتطورت علوم الفلك ورصد الكواكب بين القرنين الثامن والسادس ق.م، فأسهم ذلك في ضبط الزمن والتقويم. وفي آشور، ولاسيما بين القرنين التاسع والسابع ق.م، برز التنظيم العسكري والإداري، وجُمعت المعارف في مكتبة نينوى في عهد آشوربانيبال نحو 650 ق.م، حيث حُفظت نصوص اسطورية وأدبية وعلمية متنوعة. وهكذا أسهمت هذه الحضارات مجتمعة في ترسيخ أسس الكتابة والدولة والقانون والمعرفة.

وأخيرًا ولدت حضارة الإسلام في الكوفة والبصرة وبغداد، حيث تأسست علوم اللغة والفقه والكلام، ومدارس التفكير التي صاغت ملامح العقل الإسلامي في أطواره الأولى، ثم ازدهرت في بغداد حين غدت مركزًا للمعرفة والترجمة والعمران، وملتقى للثقافات، فانتقل فيها العقل من التلقي إلى الإبداع، ومن الشرح إلى التأسيس، وبلغت هذه الحضارة أوجها في القرن الرابع الهجري / العاشر الميلادي، حين ازدهرت علوم الدين واللغة والأدب، والفلسفة والطب والرياضيات والفلك،  وتجلّى فيها تلاقي العقل والنص في إنتاج المعرفة الدينية، قبل أن تتعرض لانكسارها الكبير باحتلال هولاكو لبغداد سنة 1258م، ذلك الحدث الذي أحدث جرحًا في ذاكرة العراق الحضارية، وتدميرًا متوحشًا للعمران والثقافة والفنون والآداب، ترك أثره العميق في مسار العراق المستقبلي.

منذ أن سقطت بابل بيد الأخمينيين سنة 539 ق.م، بدأ ليل طويل من الاحتلالات في تاريخ بلاد الرافدين، غابت فيه الدولة التي تنتمي إلى الأرض، وتعبر عن إرادة أهلها ومصالحهم. وتوالت عليه سلطات أجنبية متعاقبة، نقلت إليه أنظمتها وأديانها وعقائدها ومفاهيمها وثقافاتها، وأخضعته لحكم مركزي غريب عن نسيجه الاجتماعي والثقافي والقيمي والرمزي. أضحت بلاد الرافدين هامشًا لمراكز قوى خارجية، ترسم حدودها، وتحدد وظائفها، وتفرض عليها ما هو غريب عن استمراريتها الحضارية. حكم هذه البلاد الأخمينيون (539 ق.م – 331 ق.م) بعد أن احتل كورش مدينة بابل سنة 539 قبل الميلاد، منهيًا حكم الدولة البابلية الحديثة، وجاعلًا بلاد الرافدين إقليمًا تابعًا. استمر الحكم الأخميني قرابة قرنين، حتى جاءت معركة غوغميلا سنة 331 ق.م، حين هزم الإسكندر المقدوني الملك الفارسي داريوش الثالث، ودخل مدينة بابل، منهيًا الحكم الأخميني، ومحتلًا لبلاد الرافدين واخضاعها للإمبراطوريته الهلنستية، فاتحًا فصلًا جديدًا في تاريخ المنطقة تحت هيمنة الثقافة الإغريقية. بعد وفاة الإسكندر سنة 323 ق.م في بابل، تقاسم قواده إمبراطوريته، فكانت بلاد الرافدين من نصيب سلوقس الأول نيقاطور أو سلقيس الأول (358-281 ق. م)، مؤسس الدولة السلوقية. خضعت بلاد الرافدين في هذه المرحلة لحكم يوناني غريب عن ثقافتها وقيمها ومجتمعها، سعت السلطة السلوقية لفرض الهيلينية كثقافة ورؤية للعالم، غير أن هذا الفرض لم يجد جذورًا في أرض الرافدين، وبقي مفروضًا من علٍ، بلا تفاعل حي مع البيئة المحلية.

 وتوالت الاحتلالات على هذه الأرض، وكان أطولها الاحتلال العثماني الذي بدأ سنة 1534 حين دخل السلطان سليمان القانوني بغداد، وامتد حتى سنة 1917 مع انسحاب العثمانيين منها، فاستغرق قرابة أربعة قرون، ظل خلالها العراق ساحةً لسلطةٍ تتبدل وجوهها وتتشابه آثارها، إلى أن تهيأت الشروط لولادة الدولة العراقية الحديثة سنة 1921.

بعد أفول هذه الحضارات، وتبدد ميراثها ورموزها، وانفصال الحاضر عن الماضي، تراجعت صلة الإنسان العراقي بإرثه الحضاري، ولم يتدرب حتى اليوم على التدبير، ولا على الادخار، ولا على إدارة الثروات والمهارات والخبرات والزمن، بوصفها مكونات أساسية لبناء الدولة. ما زال سلوك العراقي في مناسباته الاجتماعية والدينية حتى اليوم يعكس غياب ثقافة الادخار والتراكم، فهو يهدر الطاقات والثروات والمهارات والخبرات بلا وعي بالمستقبل، وكأنه لا يعيش إلا اللحظة الحاضرة فاقدًا لبوصلة الغد. نرى الأموال تنفق بسخاء في الولائم الاجتماعية والمناسبات الدينية، من دون أن تتحول إلى رصيد منتج يعود بالنفع على الدولة والمجتمع، أو يسهم في بناء مشاريع تنموية. هذا النمط من الهدر المجاني يعكس بقايا نمط العيش البدوي، الذي كان يجد معناه في بيئة صحراوية لا تعرف الاستقرار ولا الادخار.

تقوم الدولة الحديثة على تدبير عقلاني للموارد، تحصي فيه الحكومة كل شيء بدقة، وتدير الإنسان وخبراته ومهاراته وزمنه وثرواته وأمواله ضمن رؤية علمية تعيد استثمار الإمكانات وتنميتها. في هذا الأفق تتحول السياحة الدينية إلى مورد وطني فاعل، يغدو اقتصادًا منتجًا يرفد التنمية ويعزز موارد المجتمع والدولة، كما تكشف تجارب بلدان متعددة أن مواسم الحج والعمرة والزيارات تمتلك قدرة حقيقية على توليد قوة اقتصادية مؤثرة. إذ تتصدّر المملكة العربية السعودية عالميًا بعائدات الحج والعمرة التي تتراوح بين 12 و15 مليار دولار سنويًا، وقد ترتفع إلى 20–30 مليارًا مع احتساب إنفاق الخدمات والتسوق، ما يجعلها من أبرز مصادر الدخل غير النفطي. في المقابل يستقبل العراق قرابة ثلاثين مليون زائر إلى مراقده المقدسة، وذلك يكشف عن طاقة اقتصادية كبيرة لم تُستثمر بالكفاءة المطلوبة، ما يجعل العراق والسعودية معًا أكبر مركزين للسياحة الدينية من حيث الأعداد والتأثير الاقتصادي في العالم الإسلامي.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

 

ترجمة واعداد د. فالح الحمراني

عن الاعمال الكاملة لماركس وانجلز بالروسية

***

لقد كان دافعي وراء ترجمة هذا القسم من مقالة إنجلز المهمة، هو لفت انتباه المهتمين بفكر ماركس من العرب إلى مدى دقة ترجمة أعماله الصادرة باللغة العربية، والتساؤل عمّا إذا كان هناك شخص -أو الأفضل فريق- قد نهض بمهمة مراجعة تلك الترجمات وتطبيقها مع النسخ الاصلية، ونحت او استحداث المصطلحات الدقيقة والمكافئة التي تعبّر عن فكر ماركس، وترتقي إلى إسلوبه الذي وصفه إنجلز في مقالته، وهل يتمتع مترجمو ماركس حقا بالمستوى المطلوب وفقاً للمعايير التي وضعها إنجلز؟ إن هذا الموضوع مطروح للنقاش الجاد والواسع.

وكان من الضروري معالجة مشكلة قراءة وترجمة المصطلحات الأساسية لماركس بشكل كافٍ. ولا بد أن يؤدي حلها إلى مراجعة جذرية للمصطلحات الفلسفية الماركسية كما هي سائدة في الدراسات الماركسية العربية والأجنبية. لم يعد من الممكن اليوم قراءة ماركس من خلال التصنيفات والقوالب الجامدة التي لا تمت بصلة إلى ماركس نفسه. ومع ذلك، تُستخدم هذه التصنيفات والقوالب النمطية الراسخة بصدق ليس فقط من قبل نقاد الماركسية، بل أيضاً من قبل الماركسيين أنفسهم، دون إدراك أن هذا ليس من الماركسية. نلاحظ أنه في بعض الحالات، لا يمكن ترجمة بعض مفاهيم ماركس، حتى عند وضعها في سياق اقتصادي، إلى كلمات ذات دلالات صناعية تقنية واضحة، لأن ذلك سيحجب المعنى الفلسفي والأنثروبولوجي، بل وحتى الوجودي في بعض النواحي، لمصطلحات ماركس. في ضوء كل هذا، يبدو لنا أن ثمة حاجة ملحة اليوم ليس فقط لترجمات جديدة لأعمال المفكر الألماني الرئيسية، بل أيضًا لإعادة نظر جذرية في فلسفته برمتها.

أود أن اكرر السؤال الذي طرحه فريدريك إنجلز تحديدًا في ختام مقالته، فيما يتعلق بترجمات نصوص ماركس: "لنا الحق في أن نسأل:

هل تفهم ما تقرأ؟".

كيف لا يجوز ترجمة ماركس؟

يُعدّ المجلد الأول من كتاب "رأس المال" ملكيةً عامة فيما يخصّ ترجمته إلى اللغات الأجنبية. لذا، وعلى الرغم من معرفة الأوساط الاشتراكية الإنجليزية بإعداد ترجمة رسمية تحت إشراف القائمين على أعمال ماركس الأدبية، فإنه لا يحق لأحد الاعتراض حال صدور ترجمة أخرى دقيقة قبلها.

لقد نُشرت الصفحات الأولى من ترجمة جون برود هاوس في عدد أكتوبر من مجلة "توداي"، وأؤكد جازماً أنها بعيدة كل البعد عن الأمانة في نقل النص؛ إذ يفتقر السيد برود هاوس إلى المؤهلات المطلوبة لترجمة أعمال ماركس.

 لترجمة كتاب كهذا، لا تكفي معرفة جيدة باللغة الألمانية الأدبية. يستخدم ماركس بحرية تعابير من الحياة اليومية وعبارات اللهجات المحلية؛ وقد صاغ كلمات جديدة، واستعار أمثلته من جميع مجالات العلوم،

ومن مراجعه من آداب عشرات اللغات؛ لفهمه، يجب إتقان اللغة الألمانية إتقانًا تامًا، تحدثًا وكتابةً، بالإضافة إلى معرفة شيء عن الحياة الألمانية. مثال على ذلك: عندما كان عدد من طلاب السنة النهائية في جامعة أكسفورد يجدفون في قارب بأربعة مجاديف عبر مضيق دوفر، ذكرت تقارير صحفية أن أحدهم " catch a crab". مراسل صحيفة "كولنيش" في لندن (يعني حرفياً «اصطياد السلطعون»، وبالمعنى المجازي — «غمس المجداف في الماء بعمق شديد»).

لقد أخذ هذه الكلمات حرفياً، وأبلغ صحيفته بضمير حيّ بأن "سرطاناً علق بمجداف أحد المجدفين". وإذا كان رجلٌ عاش في لندن لسنوات طويلة يرتكب مثل هذا الخطأ الفادح والمضحك عند مصادفته مصطلحات تقنية خارج نطاق تخصصه، فما الذي نتوقعه من شخصٍ يمتلك معرفة متواضعة بالألمانية ويُقدم على ترجمة أحد أصعب كتّاب النثر الألمان؟ سنرى بالفعل أن السيد برودهاوس بارع في "التلاعب بالألفاظ". غير أن المترجم في هذه الحالة يحتاج إلى ما هو أكثر من ذلك؛ فماركس من بين الكتّاب المعاصرين الذين يتميزون بأسلوب حيوي وموجز، ونقل هذا الأسلوب بدقة يتطلب معرفة تامة ليس بالألمانية فحسب، بل بالإنجليزية أيضاً.

ورغم أن السيد برودهاوس يبدو صحفياً كفؤاً، إلا أن إلمامه بالإنجليزية لا يتجاوز المعايير الأدبية العادية؛ فهو يتقنها لأغراضه الخاصة، لكنها ليست الإنجليزية المطلوبة لترجمة "رأس المال". تتطلب ترجمة الألمانية إلى الإنجليزية أسلوباً معبراً يستغل أفضل موارد اللغة، ويستدعي ابتكار مصطلحات إنجليزية مقابلة للمصطلحات الألمانية المستحدثة. ولكن عندما يواجه السيد برودهاوس هذه التحديات، فإنه لا يفتقر إلى الموارد فحسب، بل يفتقر أيضاً إلى الجرأة. إذ يُرعبه أدنى توسع في مخزونه المحدود من التعابير المبتذلة، أو أي ابتكار يتجاوز اللغة الإنجليزية المألوفة للأدب اليومي؛ وبدلاً من المجازفة، يترجم الكلمات الصعبة بمصطلحات غامضة لا تُزعجه لكنها تحجب معنى المؤلف، أو الأسوأ من ذلك، أنه يترجمها -في حال تكرارها- بسلسلة من المصطلحات المختلفة، متناسياً أن المصطلح التقني يجب أن يُترجم دائماً بمكافئ ثابت. وهكذا، يترجم في عنوان القسم الأول "Wertgrosse" إلى "مدى القيمة"، متجاهلاً أن "Grosse" مصطلح رياضي محدد يعادل "المقدار" أو "الكمية"، بينما تحمل كلمة "مدى" دلالات أخرى كثيرة. وهكذا يضيع حتى ابتكار بسيط مثل "وقت العمل".

يواجه مصطلح "وقت العمل" (Labor-time) -كمقابل لـ "Arbeitszeit"- صعوبات في الترجمة؛ إذ تُرجم إلى: 1) "العمل الزمني" (timelabor)، وهو مصطلح قد يعني العمل المأجور بالساعة أو العمل القسري (الأشغال الشاقة)، 2) "وقت العمل" (time of working)، 3) "وقت العمل" (labor-time)، و4) "فترة العمل" (Arbeitsperiode) - وهو مصطلح يستخدمه ماركس في المجلد الثاني بمعنى مختلف تماماً. وبما أن "فئة" وقت العمل تُعد من أهم الفئات في الكتاب بأكمله، فإن تشتيت ترجمتها بين أربعة مصطلحات مختلفة في أقل من عشر صفحات أمرٌ لا يُغتفر. يبدأ ماركس بتحليل السلعة، باعتبارها في المقام الأول شيئاً نافعاً يمكن النظر إليه من منظور نوعي أو كمي. فكل سلعة هي مزيج من خصائص متعددة تجعلها مفيدة من جوانب مختلفة، واكتشاف هذه الجوانب وطرق استخدام الأشياء هو مسألة تطور تاريخي، وكذلك الأمر بالنسبة للبحث عن مقاييس اجتماعية للجانب الكمي من تلك الأشياء. وتُحدد الاختلافات في مقاييس السلع جزئياً بطبيعة الأشياء نفسها، وجزئياً بشكل اعتباطي. ويوضح السيد برودهاوس ذلك قائلاً: "إن اكتشاف هذه الجوانب المختلفة، والأشكال المتنوعة لمنفعة الشيء، هو مسألة وقت. ولذلك، فإن البحث عن مقياس اجتماعي للجانب الكمي للأشياء المفيدة هو مسألة وقت أيضاً، بينما يُحدد الاختلاف في كتلة السلع جزئياً بطبيعتها المختلفة"...الخ

***

حين يتحول الشعور بالاستحقاق إلى هيمنة واستحواذ على جهود الآخرين

لا تكمن الخطورة -سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات- في الفشل أو الضعف فحسب، بل في ذلك الشعور المتضخم بالعظمة والتعالي الذي يدفع البعض للاعتقاد بأنهم وحدهم الأحق بالنجاح والمكاسب والفرص، انطلاقاً من نرجسية الصورة الذهنية المصطنعة تجعلهم يقيسون الأمور بميزان مصالحهم الضيقة وحساباتهم الذاتية دون النظر لحقوق ومصلحة الآخرين؛ فهم لا يجدون طمأنينتهم إلا في الهيمنة والسيطرة والاستحواذ على كل شيء.

ولا يقتصر هذا النمط على السعي الطبيعي للتميز، بل يتحول إلى هوس دائم يبرر تهميش الآخرين وإضعافهم أو الاستيلاء على جهودهم بطرق قد تبدو في ظاهرها شرعية ومنظمة، بينما هي في جوهرها قائمة على التدليس والغش وتجيير الإنجازات، مع ادعاء زائف بالتمسك بالقيم والمبادئ.

إنها حالة نفسية معقدة توصف بـ« بارانويا العظمة »، حيث يعيش صاحبها قناعة راسخة بأنه الأذكى والأحق بكل شيء، وأن الآخرين مجرد أدوات في مسيرة صعوده؛ مما يجعله لا يحتمل نجاح غيره، ويدفعه إلى محاولة إقصاء والتشكيك في كل من يمتلك حضوراً أو كفاءة تهدد صورته المتخيلة عن ذاته.

فقد تتجلى الخطورة في أن هذه العقلية لا ترى في العلاقات الإنسانية قيمة بحد ذاتها، بل تختزلها في زاوية المنفعة والمكسب والسيطرة؛ فهي تسعى للاستحواذ على الآخرين وتدمير المنافسين عبر الاستيلاء على مقدراتهم ومواردهم المتميزة. فالناس في نظرها إما خاضعون أو تابعون أو منافسون لا يحق لهم بلوغ النجاح أو التفوق الذي تسعى هي لنيله وتحقيقه. وإذا عجزت عن احتواء الآخرين، عملت على إنهاكهم أو إضعافهم أو تجريدهم من التأثير والقدرات التي تمنحهم فرصة النجاح والتفوق.

لذا، يحيط أصحاب هذا النمط أنفسهم بمؤيدين يناصرونهم ويصفقون لهم، لا بمن يواجههم بالحقيقة المرة؛ لأنهم يرون في النقد تهديداً، وفي الاستقلالية تمرداً، وفي النجاح الجماعي انتقاصاً من عظمتهم المزعومة ومكاسبهم الملتوية. وفي المؤسسات، تتعقد المشكلة حين تتحول هذه العقلية المقيتة والمرضية إلى ثقافة تنظيمية، حيث تترسخ قناعة بأن المؤسسة هي "المركز" الذي يجب أن يدور الجميع في مساره وفلكه؛ فتتعامل مع الشراكات بمنطق الهيمنة بدلاً من التعاون، ومع الكفاءات بمنطق الاحتواء والسرقة بدلاً من التمكين، ومع الإنجازات بمنطق الاحتكار بدلاً من التشارك. ومع مرور الوقت، تتآكل القيم المهنية والأخلاقية لصالح عقلية المكسب المزعوم والانتصار المستمر، ولو جاء ذلك على حساب العدالة والنزاهة والعلاقات الإنسانية والأخلاقية.

غالباً ما ترتبط هذه الحالة بما يعرف في علم النفس التنظيمي بـ "الميكافيلية"، وهو نمط فكري يتبنى مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"، حيث يتقدم النجاح على المبادئ. ورغم ادعاء أصحاب هذا الفكر تمسكهم بقيم أصيلة، إلا أنهم يغلبون السيطرة والاستحواذ بكل الطرق على العلاقات الإنسانية. وبناءً على ذلك، لا يشعر هؤلاء بتأنيب ضمير أو حاجة لمراجعة الذات عند استغلال الآخرين، أو الالتفاف على حقوقهم، أو سرقة أفكارهم تحت غطاء قانوني شكلي؛ فهم يعتقدون أن النتيجة النهائية تمنحهم شرعية كاملة لأفعالهم.

غير أن الحقيقة التي يغفلون عنها هي أن الهيمنة قد تمنح نفوذاً مؤقتاً، لكنها لا تبني احتراماً حقيقياً، كما أن الاستحواذ على جهود الآخرين قد يحقق نجاحاً سريعاً، لكنه يعجز عن بناء ثقة طويلة الأمد. فالعلاقات الصحية والمؤسسات الرصينة لا تقوم على الخوف أو الإقصاء، بل على التقدير المتبادل والشراكة والاعتراف بقيمة الآخر. وحين يواجه هؤلاء المتلاعبون بمنافسين يتمتعون بالنزاهة والشفافية، تنكشف هشاشتهم وتظهر زيف قدرتهم المعتمدة على التدليس.

تكمن خطورة "بارانويا العظمة" في أنها تدخل الفرد أو المؤسسة في صراع دائم مع الجميع، إذ ينظر للنجاح باعتباره "لعبة صفرية"؛ إما الفوز المنفرد أو هزيمة الآخرين بلا رحمة أو شفقة. وهذا الفكر يحرم صاحبه من متعة الإنجاز المشترك، أو الاحتفاء بتميز الغير، أو بناء بيئة عمل تكاملية.

ختاماً، يكمن النضج الحقيقي في القدرة على تمكين الآخرين لا السيطرة عليهم، وفي خلق مساحات للنجاح الجماعي بدلاً من الاستحواذ على الأضواء. فالعظمة الحقيقية لا تكمن في تجاوز الآخرين بوسائل ملتوية، بل في الارتقاء معهم مع منحهم الحقوق ذاتها التي تطلبها لنفسك وتنافسهم وفق رؤية شفافة وواضحة وفيها المصداقية والعدالة والإنصاف للجميع.

***

د. أكرم عثمان

7-5-2026