عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

كافكا: العزلة طريقة للتعرف على أنفسنا.

ويضيف:

أحيانا قد تتاح لك فرصة.. كن هناك.. لست في حاجة لمغادرة غرفتك، إجلس حيت أنت، إلى طاولتك.

إجلس بجلال خشوع مهيب ولتكن أذنك رفيقة لجلوسك.

بل أنت لست في حاجة إلى الإنصات.

ببساطة: إنتظر.

لا ولست في حاجة إلى الإنتظار.

أنت في حاجة إلى تعلم فن الإحتفاظ بصمتك.

دع الهدوء يجلل جلوسك ويعطرعزلتك.

دعه يعيش الحلول في دواخلك.

يؤكد نيتشه على تجربة العزلة: هي مرحلة ضرورية لتركيز قوى الذات وتجميعها وللحفاظ على الوعي الفردي لان بقاء الفرد بصورة مستمرة مع الصخب يشتت وعيه.

أما مؤسس علم النفس التحليلي كارل يونغ يرى في العزلة: السبيل الى الالتقاء مع النفس. لكننا لا نجرؤ على ذلك بفعل الخوف، ونستعيض عن ذلك بالهرب إلى الناس والأحداث.

**

عن محنة العيش مع الضوضاء يحدثنا شوبنهاور:

(إن ضوضاء صغيرة مستمرة تقلقني وتبدد أفكاري، وكل ما أحس به هو زيادة الجهد في التفكير وكأنني أحاول المشي بثقل. )

ويعلو النغم:

(أعتقد أن طاقة الإنسان على تحمل الضوضاء من غير أن يضيق بهما ؛ دليل على مقدرته العقلية ومقياس لها، إن الضجة والجلبة تعذيب للمثقفين والأذكياء الذين يعملون بعقولهم، لقد سببت لي الضجة والجلبة الناجمة عن الطّرق والدّق عذاباً يوميّاً طيلة حياتي).

إن الضوضاء لا تتعلق فقط بالصوت الذي يلوث حاسة السمع، إن الضوضاء تسكن النصوص التي تدعي الخلق والإبداع وَوُجبِبَ نسفها لأنها تضربالذوق ولا تساعد على التفكير، يقين يدَّعي إمتلاك الحقيقة، إمتلاك وصْفَةَ جوابٍ لكل الأسئلة، التي شغلت العقل البشري في الماضي، الحاضر

والتي سيطرحها إنسان المستقبل.

هنا ىشوبنهاور يقصف ثبات رأسٍ عقاربه تدور في الفراغ، تماما كفراغ رفوفه: لا كتب.

لهذا السبب فارغ الرأس لايزعجه الضجيج، الطرقُ، القرع، الصخب، الصراخ والزعيق. ولاينتبه إلى أضراره، آثاره الصحية والنفسية.

الرأس الفارغ، يجد راحته في الضوضاء.

ترعبه العزلة، لن يطيق صبره برودتها، هو يبحث الدفء من خلال الكلام والكلام في كل شيء ولا شيء، مع القهقهات البليدة.

مفتون بصناعة الشر ويطربه ما تقترفه يده من خراب وتدمير. مآسي وأهوال، الرعبُ والجوع.

مهووسٌ برؤية فظاعة الحروب وويلاتها، يبهجه وتسحره رائحة الدخان، تفحم أجساد الأبرياء العزل وبالدماء يستحم ويروي عطشه.

ممسوسٌ بالإنصات إلى أنين من تعثروا وسقطوا وعلى حشرجةِ إحتضارهم، يتضاعف فرحه وتساعده الأقدام على القفز والرقص.

يقارن ىشوبنهاور بين سلوك البعض من البشر، بحشرة غريبة ساعة دخولها في حرب مع نفسها، يولد العدو منها يعض الرأس الذيل ويقاوم الذيل بشراسة ويصفع بكل قوته الرأس وتستمر المعركة إلى أن يتمكن الرأس من الذيل بأسنانه وينفصل جسد هذه الحشرة إلى نصفين، ويواصلُ النصفان المقطوعان

في مهاجمة بعضهما، إلى أن تتجمد الدماء في عروقهما، ويسقطان، يأتي النمل بعد أن متَّع نفسه وهو يراقبُ من بعيد، هذه المعركة الرعنَّاء البليدة ويترقّبْ خاتمة السقوط.

ويجرون الغنيمة إلى مساكنهم.

يَسْخَرْ شوبنهاور لهذه العلاقة التي تجمع الإنسان بأخيه الإنسان ويصفها بحياة القنافذ في أيام المطر والبرد، تتجمع رغبة في الدفء وساعة الإقتراب، يتقاسمان محنة آفة آلام وعذاب وخز أشواكها الشبيهة بالإبر ويبتعدان.

ويلسع البرد جلودهما ويقتربان، وتمشي حياتهما على هذه الوتيرة، المداومةُ على طلب الدفء والملازَمة على الإبتعاد. ومع شرور الوخز وهو المعلمُ الذي فتح أعين هذه القنافيذ، إتخذت لنفسها مسافة، كحل وسيط، بين سلامة تضمن لها الدِّفْء المعتدل.

وألم من الممكن تحمله أوجاعه.

شوبنهاور بدوره يرفض مهزلة تكرار مهزلة اللعب بالنارينِ، الترثرة في الحانات والقهقهات البليدة.

شوبنهاور كان يتناول وجبة الغذاء في مطعمٍ يتردد عليه بعض الضباط من الإنجليز. وهو يأكل يخرج من جيبه دينارا ذهبيا ويضعها أمامه وبعد الوجبة يعيده إلى جيبه.

وسأله خادم المائدة عن هذا السلوك الغريب.

أجاب: لقد وعدت نفسي إن كف هؤلاء الإنجليز عن الحديث عن الخيل، الكلاب والنساء.

سيكون لأول شحاد قد أصادفه في طريق عودتي إلى منزلي.

ولأن النغمة هي وحيدة، فمكانه محفظة نقودي.

**

فضل شوبهاور الإقامة في روحه، عزلة مثمرة وخلاَّقة، القراءة، الكتابة والتفكير ويسمي إبتعادهُ عن أذى الآخرين: مسافة السلامة.

ويعلو النغم مع نيتشه:

أيتها العزلة أنتِ وطني.

يا وطن الأرواح المتعبة.

في فضاء العزلة، يحضر الأنيسُ المرغوب فيه، خذ شهيقا من الأنف ودعْ بطنك ينتفخ بالهواء. أخرج الهواء عبر أنفك. قفْ في مكانك، لاتتحرك إرفع رأسك وأنظر في عينيه بدون أن ترمش والآن تكلَّم وضع بين يديه ولاحرج وخجل، تكلَّم عن ما يحزن نفسك ويلقي بها في يَمِّ الإضطراب

، الشتات، الفوضى والضجر ويحرمها من نعيم السكينة ونِعمة الهدوء، تخلص من مهزلة قيود بكل الأحجام، الأوزان والألوان. قيود معدنها لايصدأ وغير قابلٍ للكسر في حالة الواحد، تتكسّرْ إن بقوة الكل. قيود تجرك من عنقك إلى الهاوية.

قيود صانعها عقل لا يزعجه الطرق ساعة إعداد الجديد منها والقديم، إن سهوا تكسرَّتْ، قيود يورثها الأب لإبنه وإن شك في صلاحيتها وعَبَثَ تقديسها وتخصيص يوم عيدٍ، شاي وخمر يدور وموسيقى وأغاني كلماتها، تَشِدُ بقوة سلطة القيود ولها منه

هدايا وصلاة طويلة، ومع سجوده، يدعو لها وجهرا بِطُولِ عُمْرِالقيود.

ولها بأجْمَلِ القرابين.

ومن فكرَّ في مطرقة وذهب ضد وجودها، بقيوده يخنقُ.

عقلٌ مُحَنَّطٌ بالأوهام، المشاعر الباردة والعواطف المهزوزة، المشتتة، الشاردة. عقلٌ ثابت، جامد، سجين دائرة وقد تعفن من طول دورانه حول نفسه، تأكله من الداخل شر الأمراض.

أسحق العار.

خُذْ ممْحَاة وأمسحْ كل ما قيل لك عن السماء، حكاية ثمارتلك الشجرة المحرمة العصيان، العري، وقصف أوراق تلك الشجرة وإخفاء عضوهما الجنسي، غضب الرب وذل السقوط.

مع سيرة الأبناء والأحفاد الدموية، وإنتشار الجشع، التسلط، الفساد وإتساع رقعة الحروب المتوحشه وسباق الأقوياء على إحتلال أراضي الضعفاء وطردهم من منازلهم، تعذيبهم، تجويعهم وتشريدهم ومن تحركت كرامته وذهب ضدهم عجلوا بشنقه، وعيون أهله وعشيرته تتابع حركة يد منفذ

الإعدام وهو يلف الحبل حول عنق من قال كلمته في حق الوجود الحر والمستقل، تتابع خروج روحه ومشهد الريح وهي تلاعب بجسد البطل.

مع سيرة الإنسان المتغطرس، الظالم، السارق والقاتل، وحده الشيطان صديق الله القديم الرابح في المشهد، عِلمه أتبث أن الإنسان متوحش بفطرته.

ربح الشيطان الرهان.

أما الله شعر بخيته وخيانة الإنسان له.

صعد إلى السماء وأغلق بابها والنوافذ وبإحكام.

وترك الكل يأكل بعضهم بعضا.

تَجَدَّد ْلكي ترى هذا الأنيس، هو لك بالمنصت اللطيف، الظريف، الخفيف، الرَشيق، الأنيق، وفي دواخلك يقيم.

إشارة منك ويتحقق اللقاء.

ضع بين يديه كل أسرارك وأبدا يفشيها ولو لظلك.

وكلما شعرت بغيابك، بثقل الأقدام وهي تخمش حرّ، قرّ، ثبات مكان، لك منه: خفة أجنحة.

وإذا ما حضر عقرب ضجر، ارتفع صوته بالغناء:

لا..

لاتمت الآن.

كن يقظا ولك منها: خراج حديقة، أزهارها أبدا تشيخ، تموت، تنحل وتتبدد.

بل تنمو وتتعاظم.

جذورها:

ظلمة غار،

فرن صحراء،

فيافي،

وقمم جبال.

قد يكلمك (الله)

وأنت: لسانه.

جوهرالوجود، أو الكون إن شئت: صمتٌ.

وحدها اللغة كلمته.

لغة الأسطورة، لغة الفلسفة، لغة الدين.

لغة العلم، لا يتوقف دورها على وصف هذا الصمت. بل يحول هذا الكلام إلى شيء تتلمسه اليد، يشمه الأنف وتراه العين ولنا منه حياة جديدة. حياة تدهش العقل.

إن لغة العلم زلزال يهز أوتاد الفهم التقليدي القديم، المبني على الخرافات والحكايات.

ويوقظ من نومنا ويلقي بنا في العراء، نحتاج إلى زمن طويل، لنخلق ألفة مع هذا الجديد ونستسلم لسطته.

إنها زلزال كوبرنيكوس صاحب نظرية دوران الارض والكواكب حوال الشمس وعلى اساسها انبنى علم الفلك.

لغة نيكولاوس كوبرنيكوس، لغة البراهين والحسابات الرياضية، لغة كشفت عن جهل لغة الدين وهو يكلِّم هذا الصمت، هدَّم سقف المسكن القديم وترك أهله في العراء، تركهم في حالة صرع وصدمة.

عبيد النقيق، قيل وقال، إضطربات مشاعر، أحاسيس مهزوزة وباطلة، هذيان المحمومين، فساد فهمٍ وضلال وكل فريق متعصب لرأيه، بل يذهب بهم التعصب الأعمى والجهل المقزز، القذر، الحقير إلى المقاتلة والقتال المتوحش بعضهم بعضًا، ويدعون أنهم أقرب البشر من الله ولهم حق الكلام

والحكم، ومن سار على هداهم له مفتاح الجنة. وأن فكر الآخر سفسطة، زندقة وخروج عن الطريق المستقيم.

سجناء دائرة مُغلقة لا يُنهيها سوى الموت.

بل تفننوا في تعذيب من سلبهم حق الحياة في قبره وتخيلوا صراخه في أحط مقام في جحيم دانتي.

جمود وثَبات وفكر كهذا مصيره الإنقراض، كما إنقرضت كائنات لم تواكب حركة ثورة الطبيعة. إستسلمت وتساقطت وعلى جثمانها مرَّ قطار الزمن في ولادة جديدة وبأفكارجديدة. جمعوا العظام وتحولت إلى فرجة في المتاحف. العقل الديني الجامد والتابثة أقدامه في الماضي، يرى في

ما يؤمن به الحق الذي لايطعن في قامته، يُكَفِرُّ الشخص المخترع، فليتبوأ مقعده من النار يوم القيامة والحساب، كراهية وحقد ولا يحق مصافحته، الجلوس والكلام معه والأكل من طعامه، وفي نفس الوقت منبهرٌ بمنجزات خراج عقل هذا الكافر من صناعة بكل أنواعها وأشكالها، مهمتها وفوائدها، يدفع من عرق جبينه ليقتني وإن سقط مريضا يحلم بطبيب وسرير ودواء، يخلصه من أوجاعه ويدفع من عرق جبينه، ليقتني آخرما يخرج في أسواقهم من إختراعات وساعة الحصول عليها، يتباهى بالمنتوج أمام السائر على نهجه وإيمانه.

الإنفصام في أقصى مستوياته، حدته وأضراره.

لغة الفلسفة، لغة الذهاب ضد الصمت وأبدا تأخذ دور المتفرج ؛بل كما أكد فرانسيس بيكون: تبدأ الفلسفة حيث ينتهي العلم.

تزن لغة الفلسفة نتائج العلم وتفكر في الإنسان والارتقاء به إلى فن العيش الكريم، ولا تتعب من الحفر إنها حركة تساؤل مستمر.

وهي أهم من الأجوبة، كما يصرِّح كارل ياسبرز: حيت يصبح كل جواب سؤالا جديدا.

سلاحها الشك الصحي السليم، يصدقها العقل ساعة التحقق من النتائج، يدركها ويتعقلها. يزعجه.. يزعجه سلوك القطيع المبطح، ليس من حقه النقد والنقض، دوره التسليم، الصمت والطاعة العمياء لما يخرج من فم الجالس على منبرمن كلام، تحذير ووعود وأن المتكلم مالك الحقيقة

و اليقين. كلام معسول، يعزف على أوتار المشاعر ويسافر بالعقول إلى تخوم السماء والكارثة العظمى، يتقن فن الإثبات والنفي في آن واحد، إن خالف كلامه المعطى من واقع حال الزمن، الزمن الذي يتدفق نهره، يتغير لونه وطعمه، سرعة جريانه ويعد دوما بالجديد في منجزات العلم

المبهرة، لغته في إنسياب وخلق وأبدا تتعب من طرق باب صمت هذا الوجود، وتطرقه بابه المسدود، اللغز المحير بسلطان العقل هو عربة للسفر خارج قبة هذا الكوكب.

قال راهب إسباني في حق هذه الإختراعات التي نقطف ثمارها الآن وهنا:

التقدم التكنولوجي في توَالُدٍ مُسْتَمِرٍ. لا محطة نهايةٍ لسفره ولاضفاف لإبحاره في عالم الإختراع والإبتكار. تحوَّل الإنسان إلى آلة، إلى عبدٍ لشراهة جشع الإستهلاك والإغراء، تأكل التُخمة عقله. يشتري في نهاره إختراع ما يبهرهُ، يَفرحُ به طوال ليله، يحضنه ساعة نومه

ومع ولادة فجره، تظهر أعجوبة جديدة.

إنه يتطور بشكل سريع، أسرع مما نتخيل. الأشياء التي كانت تدهشنا بالأمس تحولت إلى سجينة في المتاحف.

متاحف ستشدنا الأقدام إليها في مستقبل قريب، بدافع الحنين إليها ونحن نتجول بين أروقتها، سنُطيل الوقوف أمامها، ننظر إليها نتبسَّم بعين ميزان مقارنة: كيف كانت وكيف تحولت وصارت.

ستتحول إلى أثرٍمن الماضي.

ومن يحِنُّ إلى أنفاس، إيمان وفكرِ أجداده من أجل الإسترخاء، التأمل والإشباع الروحي، سيطرق باب الكنيسة، يخرج محفظة نقود من جيب معطفه ويدفع ثمن تذكرة الدخول وهو هناك سيطلب الموظف الحارس على الأثار من الزائر الجلوس على مقعد ما، يطفيء أضواء بهو الكنيسة وللزائر

يعرض شريط سنيمائي يحكي عن ذلك الرجل وهو يشير بسبابته نحو الأرض ومن شدة الألم يصرخ ويردد: مملكتي ليست من هذا العالم.

قد يمسح الزائر دمعة وهو يغادر الكنيسة وهو يقدم للموظف الحارس على الأثار تحية الوداع وشُكرٍ والعين في العين، يشير بسبابته نحو محتويات الكنيسة ويردد: وأنا أيضا؛ مملكتي ليست من هذا العالم.

الذي أخافه أن يسيطر الذكاء التكنولوجي على الإنسان ويصبحُ هو السيد المتحكمُ ويحولنا إلى كلاب أليفة، يجرنا من أعناقنا بسلاسله، يلاعبنا ومن حين لحين يُفسِّحنا من أجل إستنشاق هواء إفتراضي.

في فضاء عالم سريع التغير هذا، الذي أخافه.. موت.. موت الله في قلوب أولادنا ويجد القس نفسه ساعة الصلاة في الكنيسة أمام كراسي فارغة.

دور الدين اليوم هو تعويض هذا الفراغ الثقيل القاس، الذي يخنق أنفاس الإنسان.

**

تنمو زهرة الفلسفة في حقل العزلة، هي فن للنظر والإنصات.

والعزلة هنا ليس بمفهومها، الإنغلاق والإبتعاد عن عالم البشر وأخذ دور الأخرس، الأصم والأعمى وعدم الإهتمام بما يجري على الأرض من هنات، زلات، أعطاب، سلب ونهب وعنف مجاني، غياب الأمن، الهجرة، الفقر، الحرمان من حق التعبير والإحتجاج ضد الفساد السياسي،

تسلطه وجشعه، الإختطاف والإعتقالات التعسفية في حق أحرار الرأي والفكر، التعذيب الوحشي في السجون التي فاضت بالمظلومين، الإحتلال وحرمان الغير من حقه في الحياة، الأوبئة، الأمراض، التلوث، الجوع وجرائم الحروب التي هي في تزايد، تأتينا الأخبار تدمي وتوجع مشاعرنا، العين بصيرة واليد قصيرة.

الإحتباس الحراري، إختناق رئة الأرض ودورانها بالمقلوب ولافصل يأتي في موعده.

أن تنزل إلى المستنقع، هذا لايعني، أنك تحمل أخلاقه وفكره، بل ينبغي أن تنزل، وكن لهم: اللسان.

لا أفهم، عمق وبعد الكتابة، إلا بهذا النزول.

ولك حق التحليق.

أفكر هنا، في أمنية ورغبة وحلم أفلاطون، تمنى أن يطوف العالم بعربة، ويطرق كل أبواب المدن والقرى ومن له مشكلة ما، ليلقيها في عربته. وهو يعود إلى بيته يغلق بابه ويسلم حقائب أتعاب السفر إلى معشوقته العزلته المقدسة، ومع أنغام موسيقى الهدوء وسحر الصمت، يهيء نفسه

للحلول في كل أوجاع، حيرة، حزن، أسئلة وقلق البشر.

هو يعرف حق المعرفة، وأستاذه العظيم السيد سقراط درَّبهُ وعلَّمه أن هذا الحلول سلالم صعود إلى ما يجدد فهمه للحياة بكل تناقضاتها وأعطابها، وكلما صعد درجا، تيقظت وأينعت في حقل نفسه نورالحكمة. حكمة ستساعده على الخروج من ما عتمة أحزانه، حكمة بها يقارن، يحلل، يدقق، تولد أسئلة جديدة وبحرقتها يعلو.

إن المعلم الحقيقي لهذا التلميذ المخلص للدروسه، بل تلك الصفعة التي أيقظته من سحر كلمات ذلك الحكيم المسكون بالسؤال والشك، الكأس، نعم محمول ذلك الكأس المسموم وهو يتابع شجاعة أستاذه وهو ينظر في عين الموت بشجاعة وسخرية، بل بحكمة وأن قول الحق بالحجة والدليل، يزعج

أهل الحكم، القوة والسلطة وأن الحقيقة المرة التي إكتشفها سقراط وقد جاءت متأخرة، أن القضاء لم ينصف هذا الرجل الذي أحبه خير شباب أثينا وساروا خلفه، فرحون بألق ساعة اللقاء به، يطهر أرواحهم ويولِّدُ في رؤسهم ذكاء الأسئلة، بها يكتشفون ذواتهم ويقفون على جهلهم

وهذا لا يقلق راحتهم، بل تتساقط كل الأحكام والمفاهيم القديمة وتولد من رحمها مفاهيم جديدة، قيم، فضيلة، الحق، العدال والأخلاق، الصدق، النبل، هذه الأشياء العظيمة التي تنقص حكام أثينا، ليعيش المواطن بكرامة وحرية.

يعلِّق نيتشه على موت سقراط:

(الحياة مرض).

ويخاطبه زرادشت:

(سارع إلى عزلتك، يا صديقي، فقد أورثك الصداع صخب عظماء الرجال، وآلمتك وخزات صغارهم. إن جلال الصمت يسود الغاب والصخور أمامك، فعد كما كنت شبيها بالدوحة التي تحب، الدوحة الوارفة الظل، المشرفة على البحر مصغية في صمتها إلى هديره).

هذا لا يعني أن نيتشه أغلق باب غرفته الباردة وقد أحكم إغلاق نوافذها، لأن أشعة الشمس كانت تحدث له ألما في عينيه، غرفة في ذلك الفندق في جبال إيطاليا وصمت إلى الأبد.

بل واصل الكتابة إلى أن تحطمت أعصابه من شدة التفكير في أمراض عصره وكانت الطبيعة رحيمة به، عندما دخل إلى ليل الجنون.

كان بصمته ينصت إلى أخته إليزابيث ومن كان يرافقها في صالون منزلها وهم يتحدثون عن الكتب.

تسللت دمعة من عين الفيلسوف، تبسم وخرج من صمته البارد الطويل وقاطعهم:

أنا أيضا كتبت كتبا حسنة.

**

المسيح وهو يشير بسبابته نحو السماء، نظرإلى تابعيه وقال:

لا تجهدوا أنفسكم في فتح هذا الباب، كل الذين حاولوا تاهوا وضاعوا، دعوا إيمانكم يقودكم إلى ربي.

من شدة الغضب، اكتست حمرة قاتمة ملامح نيتشه وكأنه ينادي على شخص بعيد، ارتفع صوته والكلمات وكأنها نبال تخرج من قوس فمه:

لا..

لا بريق يلمع في هذه النصيحة العرجاء البلهاء.

أتحذرهم من عظمة هذه المغامرة الشجاعة؟

تبا..

وتحرمهم من لذة البحث، الدهشة، الشك والسؤال؟

من أي معدنٍ أنت من البشر؟

خيرٌ لي:

أن أتيْ.

وتخونني الأقدام على المشي وتبتلعني هاويات ظلمات بحارٍ وأواصل البحث عن منارة وفي دواخلي: تقيم.

أقصد ما تحمله رفوف رأسي من كتب.

سيرة المعرفة بكل مشاربها، ألوانها، روائحها وطعمها.

لا يعلو بنا إلا القلق الجميل، لهذا لن أتعب من تكرار ما قلته في حق الحياة، عش في خطر، بل شيد بيتك فوق فوهة بركان فيزوف‌. اللعب على حافة الهاوية.

على المكوث في ضجر ثبات مكان.

قبرٌ ببرودة ظلمته وروائح تحلل أفكارك، يأخذ مكانه في رأسك.

قبل القبر، الذي ينتظر العبد والسلطان.

يزرعون جثمانك كحبة قمح عاقر في حفرة، يوارونها التراب:

اسم، لقب، تاريخ الولادة، يوم الوفاة.

ونسيان.

***

عبد الحق طلوع

ما زلنا مع إشكالات الترجمة العَرَبيَّة في العصر الحديث، التي وصفناها بأنها مرآة صادقة للُّغة العَرَبيَّة المعاصرة، والوحدة العَرَبيَّة «المعاصرة» أيضًا. وعرضنا في المساقات الماضية بعض ما جاء في ترجمة «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، نموذجًا. وذلك حول مادَّة (جازان)، للمستشرق الأميركي (جورج س. رنتز George Snavely Rentz، -1987)، من ترجمة (إبراهيم زكي خورشيد).

قال (ذو القُروح)، طيَّب الله قُروحه:

ـ ثمَّ اقرأ- وافهم إنْ استطعتَ، ولن تستطيع- هذه الجملة من الترجمة، بأخطائها الإملائيَّة: «وحدث في عهد الزيادية أن أخضع النجاحيَّة [في طبعة الشارقة: النجاحَّية] والمهدية، هم فوريق من المخلاف إن لم يكن الإقليم كله، لسلطان زبيد الإسمى[كذا بهمزة قطع وألف مقصورة!] أو الفعلى[كذا: بألف مقصورة!].»(1) وخيرًا لك دائمًا أنْ تعود إلى النصِّ الإنجليزي، لتفهم المراد:

Under the Ziyādids, the Nadjāḥids, and the Mahdids, parts of the Mikhlāf, if not the whole region, were at times brought under the nominal or real suzerainty of Zabīd…(2)

فمعنى قول المترجِم: «هم فوريق من المخلاف»: «هما فرعان من المخلاف». ومن عدم الدِّقَّة في هذه الترجمة أنه لمَّا كتبَ (رنتز)(3):

Aḥmad Djayzān (or al-Djayzānī, …

ترجمَ المترجِمُ النَّصَّ هكذا: «أحمد جيزاني (أو الجيزاني...».

ـ فهل كان أمينًا في نقل ما كتب المؤلِّف؟

ـ إنَّما كتب المؤلِّف: «أحمد جيزان (أو أحمد الجيزاني،...». مشيرًا إلى أنَّه ربما نُسِب إلى (جيزان) بالإضافة: «أحمد جيزان». بدليل أنَّه سيذكر أنَّ بعض أحفاد هؤلاء الأعلام كانوا يلقَّبون بـ«ذَوِي جيزان». وفي موضع آخَر، جاء في نصِّ (رنتز)(4):

The principal crops are millets (dhura and dukhn) and sesame; other grains, cotton, and indigo are also grown… The climate is trying

فترجمه المترجِم هكذا: «والمحصولان الرئيسيان هما الذرة والدُخن والسمسم؛ وثمة حبوب أخرى تنمو وقطن ونيلة أيضًا... وجو جيزان عسير ترتفع فيه درجات الحرارة». فأوَّلًا هل (الدُّخْن) و(الذُّرَة) و(السِّمْسِم)، محصولان؟ أم ثلاثة؟! ثمَّ إنَّ من المعروف أنَّ كلمة (عسير) هي اسم منطقة مجاورة لمنطقة (جازان). أفما وجدَ المترجِم كلمةً أخرى غير «عسير»، تجنُّـبًا للَّبس، مثل: صعب، قاسٍ، شديد الحرارة؟! وفي موطن ثالث كتب المترجم: «وتشمل ولاية جيزان، وتسمى أحيانًا تهامة عسير». فصارت (جازان) «ولاية»! وهي «تسمى أحيانًا تهامة عسير»! ولم نسمع أنَّ جازان بمجملها تُسمَّى «تهامة عسير»، وإنْ كانت بعض أجزاء منها قد تُعَدُّ داخلة في ما يُسمَّى (تهامة عسير). غير أنَّ الكلام يظلُّ مضطربًا متداخلًا. فإذا رجعتَ إلى النصِّ الإنجليزي وجدتَه أقلَّ التباسًا. بل لقد حذفَ المترجِم منه ما يجلِّي التباسه، حيث جاء هكذا:

Djayzān province, sometimes called Tihāmat ʿAsīr [see ʿAsīr and the accompanying map], …(5)

فلم يَقُل المؤلِّف: إنَّ جازان «ولاية»، بل: إقليم، أو منطقة. كما أنَّه أحال القارئَ إلى مادة (عسير) في «دائرة المعارف»، وإلى الخارطة المرافقة، ليتبيَّن المواقع والحدود. فقام المترجم بحذف هذا كلِّه؛ ولتدخُل (جازان) في (عسير)، ولا بأس!

ولمَّا تحدَّث المؤلِّف عن اللَّهجة في المنطقة، نقل كلامه المترجِم هكذا: «وتضم الولاية حدا لغويا مشهورًا: ففي ثغر جيزان وأبو عريش وإلى الجنوب فإن الصيغة القديمة «أم» للدلالة على أداة التعريف لا تزال شائعة.» وقد سُقنا النصَّ كما وردَ، بأخطائه وبلا ضبطٍ بالشكل. ومع ركاكة الصياغة، سيستوقفك الإبهامُ في العبارة «وتضم الولاية حدا لغويا مشهورًا»؟! في مقابل النصِّ الإنجليزي:

The province contains a noteworthy linguistic boundary…(6)

مشيرًا إلى استعمالٍ لَهَجِيٍّ محلِّي محدود، يتمثَّل في التعريف بـ(اِمْ)- لا (أم)- كما جاء في الترجمة. أمَّا «الحدُّ اللُّغوي»، فلا معنى له.

وفي هذه الترجمة العجيبة تقرأ أيضًا: أنَّه «يرد الاسم «جيزان» و«جازان» في حديث منسوب للنبي عليه الصلاة والسلام حيث ينوه بها مع ضَمَد وهو اسم واد إلى الشمال منها مباشرة.» وفي هذا افتراءٌ من المترجِم، من وجهَين: الأوَّل أنَّه لم يرِد لفظ «جيزان» في الحديث النَّبوي، بل «جازان»، كما في نصَّ الحديث، الذي أورده (يحيى بن آدم القرشي، - 203هـ= 818م)(7)، في كتابه «الخَراج»، وهو: «أنَّ رجلًا قال يا رسول الله إنِّي أُحبُّ الجِهاد والهجرة، وأنا في مالٍ لا يُصلِحه غيري، قال: فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلَّم: لا يَأْلِتُكَ اللهُ من عملك شيئًا ولو كنتَ بضَمَد وجازان.» وقد تقدَّم الكلام عليه في مساق سابق. والوجه الآخَر أنَّ (رنتز) لم يذكر ما نسبَه إليه المترجِم. وإليك نَصَّ رنتز(8):

The name Djayzān (Djāzān) occurs in a hadith attributed to the Prophet…

ومن يفهم دلالات علامات الترقيم، يُدرِك أنَّ رنتز حين كتب: «الاسم جيزان (جازان) يَرِد في حديث...»، أراد إيراد الاسم كالمستعمل الدارج بين الناس «جيزان»، ثمَّ جعل الصيغة الواردة في الحديث النَّبوي بين هلالَين؛ تنبيهًا إلى أنَّ الاسم هكذا وردت صياغته في الحديث: «جازان». أمَّا المترجِم، فزَعمَ أنَّه «يرد الاسم «جيزان» و«جازان»»، في الحديث! وهما يرِدان هكذا معًا! حتَّى إنَّه لم يكتب «أو جازان»، مثلًا، بل عطفَ.

ـ مقدِّمًا إلى القارئ معلومةً بخلاف الحقيقة، تاريخيَّا ولُغويًّا، في ترجمةٍ تفتقر إلى الأمانة. فللَّهِ دَرُّه!

ـ ثمَّ ستقرأ كلامًا غير متَّسقٍ، هكذا: «بدأ أول الجيزانية صاحب المخلاف أحمد بن محمد سيرته العملية سنة ١١٤١هـ...».

ـ «أول الجيزانية»؟!

ـ هكذا تجد في الترجمة. وإنَّما هو تصحيف «الخيراتيَّة»! وكثيرًا ما يصحِّف المترجِم أو الطابع كلمة «الخيراتي» إلى «الجيزاني»:

The first Khayrātid master of the Mikhlāf, Aḥmad b. Muḥammad, also began his career in 1141/1728-9 as governor there for the Zaydīs…(9)

كما أنه- لذلك الخلل الكتابي الذي رأيناه في مساق سابق، من عدم التفريق بين الألف المقصورة والياء- سيتعثَّر فهمك للمراد من نصِّ المترجِم اللَّاحق، الذي جاء فيه: «وكان خيرات جد أحمد فى عودته من مكة إلى أبو عريش قد أجرى عليه معاش من موارد ثغر جيزان رتبه له الإمام الزيدى المتوكل إسماعيل بن القاسم.» وستجد نفسك مضطرًّا أيضًا إلى العودة إلى النصِّ الأصليِّ لتفهم: مَن الذي أَجْرَى المعاش؟ ومن الذي أُجْرِي عليه؟

Aḥmad's grandfather Khayrāt, on coming from Mecca to Abū ʿArīsh, had been assigned a stipend from the revenues of Djayzān port by the Zaydī Imām al-Mutawakkil Ismāʿīl b. al-ḳāsim (d. 1087/ 1676)…(10)

فالذي أُجْرِي عليه الرَّاتب من موارد ميناء (جازان) هو: (خيرات)، والذي أَجْرَى الرَّاتبَ: الإمامُ الزَّيديُّ (المتوكِّل).

ثمَّ اقرأ قول المترجِم: «وكان الشريف الجيزانى حمود أبو مسمار أداة في اعتقال قوات محمد على باشا شيخ الهضبة الوهابى طامى بن شعيب الرُفَيْدى...». وبصرف النظر عن «الجيزانى... محمد على باشا... الوهابى طامى... الرُفَيْدى»، فإنَّك ستجد الغموض يكتنف حكاية «شيخ الهضبة الوهابى» هذا! حتَّى إذا وقفتَ على النصِّ الإنجليزيِّ وجدتَه مُبِينًا عن المعنى، هكذا:

The Khayrātid Sharīf Ḥamūd Abū Mismār was instrumental in bringing about the capture by Muḥammad ʿAlī Pasha's forces of the Wahhābī highland chieftain,Tāmī b. Shuʿayb al-Rufaydī…(11)

أي: أنَّه «كان للشَّريف الخيراتي [وليس «الجيزاني»!] (حمود أبي مسمار) دَورٌ فعَّال في أَسْرِ قوات (محمَّد علي باشا) زعيمَ الوهَّابيِّين في المرتفعات، (طامي بن شُعيب الرُّفَيدي).»

ـ ولذا لا مبالغة في القول: إن معظم الترجمات العَرَبيَّة لا تزيد القارئ العَرَبي بالمصادر الأجنبيَّة إلَّا جهلًا وخبالًا!

**

مرفأ:

تَـهُبُّ الأَرْضُ قَاطِـبَـةً وظَلُّوا

بِـقَـعْـرِ الـقَــاعِ أَوْتَــادًا ثِـقَـالا

ألا حُـبٌّ يُـحَرِّكُهُـمْ؟ ولا فِـي

جَـهَـامِ الحَرْبِ بَـرْقُـهُـمُ تَـلَالا؟

فلا تَـرْحَلْ لِبُـغْـيَـتِـهِمْ ودَعْـهُمْ

عِـيَـالًا بِـئْـسَ لِلـبَـاغِـيْ عِـيَالا

كَـأَنَّ دِمـاءَهُمْ أَمْـسَتْ عَـصِـيْرًا

لِـشَارِبِـهَا، حَـلَالًا.. أو حَــلَالا

تَـبَـلَّـدَ فـي جَـرَاثِـمِـهِمْ تُراثٌ

 خُـرَافِـيٌّ عَلَـيْـهِ الـدَّهْـرُ طَــالا!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

...................

(1)  تُقارَن ترجمة: دائرة المعارف الإسلاميَّة، طبعة (القاهرة: دار الشعب، 1969)، 13: 109- 115، بطبعة (الشارقة: مركز الشارقة للإبداع الفكري ، 1998)، 11: 3292- 3299.      

(2) Rentz, George Snavely, (1991), The Encyclopaedia of Islam, Prepared by a number of leading orientalists, Under the patronage of the international union of academies, (Leiden: E. J. Brill), 2: 517.

(3)  م.ن.

(4) 2: 516.

(5)  م.ن.

(6) 2: 517.

(7)  (1987)، كتاب الخراج، تحقيق: حسين مؤنس، (القاهرة/ بيروت: دار الشروق)، 115.

(8) 2: 517.

(9) (10)   م.ن.

(11) 2: 517- 518.

لم تعد الساحة الرقمية اليوم مجرد وسيلة لنشر الشائعة، بل غدت مختبراً يُعيد تشكيلها في أقرب صورة ممكنة إلى الحقيقة، قبل أن يُطلقها في وعي الملايين وكأنها يقين لا يقبل الشك. فكل فترة قصيرة، تضجّ منصات التواصل الاجتماعي بفكرة "مستدامة" تُعاد صياغتها وتدويرها بصورٍ متجددة، وكأنها اضطراب نفسي جماعي يُعاد إنتاجه كلما هدأ قليلاً، يرافقه سيلٌ من المقاطع المصطنعة بتقنية الذكاء الاصطناعي، توظَّف تارة في الترويج لأمور تصادم الأخلاق العامة، وتارة أخرى في دعايات غير رسمية تتسلل إلى الوعي من غير استئذان. وما إن يظهر أحد هذه المقاطع أو تلك الأفكار المعاد تدويرها، حتى تنهال عليه المشاركات والتعليقات كأنها طقسٌ جماعي لا يُسأل عن مصدره ولا عن صدقه.

هذا المشهد المتكرر، بكل ما فيه من مفارقة، يختصر واقعاً أعمق: لم يعد الجهل اليوم قصوراً عرَضياً في المعرفة، بل صار صناعة قائمة بذاتها، تُدار بدقة هندسية لا تقل إحكاماً عن أي منظومة تقنية متقدمة، حتى غدا الوعي فيها تهمة، وصار كشف الحقيقة فعلاً يُدفع صاحبه ثمنه قبل أن يُكافأ عليه. وهذا الانقلاب في القيم يطرح سؤالاً لا يكفّ عن إلحاحه: كيف ينساق الإنسان، بكل هذا اليقين، خلف أكاذيب لا تخفى عليه ملامحها الفجّة أحياناً، متلقياً زيفها المموَّه وكأنه حقيقة صلبة لا تقبل المراجعة؟

وهمُ الحقيقة المتكررة

يصف علم النفس الإدراكي ظاهرة دقيقة تُعرف بـ"أثر الحقيقة الوهمية" (Illusory Truth Effect). فحين يستقبل الدماغ خبراً للمرة الأولى، يبذل جهداً تحليلياً حقيقياً لفهمه. لكن مع التكرار المستمر الذي تصنعه جيوش "الذباب الإلكتروني" وخوارزميات المنصات - كما يحدث اليوم مع كل مقطع مُفبرك ينتشر عبر تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي قبل أن يُكتشف زيفه - تصبح معالجة الخبر داخل الشبكة العصبية أكثر سلاسة، أي أكثر "ألفة". وهذه الألفة وحدها، لا الصحة، هي ما يترجمه الدماغ - الحريص بطبعه على توفير طاقته - إلى إحساس زائف باليقين. هكذا يتحول تكرار الشائعة ذاتها على مدى أيام قليلة فقط إلى غسيل معرفي سريع، يألف فيه العقل الباطن الكذبة فيتقبلها، حتى تغدو عند البعض بديهية لا تُناقش، رغم كل نفيٍ لاحق.

حين تتحول التقنية إلى مضخّة للوهم

هنا يبرز دور التكنولوجيا، لا بوصفها أداة محايدة، بل مسرِّعاً لهذه الآلية النفسية ذاتها، خصوصاً في عصر باتت فيه أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على تصنيع "حقائق" بصرية وصوتية لا تُميَّز عن الواقع بالعين المجردة. وقد أظهرت دراسة مستفيضة أجراها باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) أن الأخبار الزائفة تنتشر على منصات التواصل الاجتماعي بسرعة تفوق انتشار الحقائق بستة أضعاف، مستثمرةً أكثر المشاعر الإنسانية بدائية: الغضب والخوف. ويتضافر هذا الانحياز البنيوي مع نزعة نفسية أعمق، رصدها البروفيسور دان كاهان من جامعة ييل، وأسماها "الانحياز القيمي المعرفي"، إذ يعمل دماغ الإنسان حين يواجَه بدليل يهدد معتقداً يقدّسه، لا بحياد، بل بآلية دفاعية عكسية: يجنّد كل طاقته الفكرية، لا لفهم الدليل، بل لاختراع الحجج التي تُسقطه.

من برمجة العقول إلى شيوع التفاهة

إن برمجة العقول لا تكتفي بتزييف الحقائق الفردية، بل تتحول تدريجياً إلى مناخ عام يُعيد تعريف علاقة الإنسان بوجوده. ففي ظل هذا المناخ، تتراجع الفوارق الاجتماعية أمام خطر واحد يهدد الجميع: الانحدار المعرفي المشترك. وهكذا تتحول التفاهة من ظاهرة هامشية إلى حضور يومي يفرض نفسه على الحواس، حتى يغدو الجهل قاعدة لا استثناء، ويصبح الصراع - لا صراع أفكار بالمعنى الكلاسيكي - بل صراع بقاء بين الوعي وآلة تفرض الغباء الجماعي كأمر واقع.

حين تصبح الحقيقة تهديداً للانتماء

من أخطر آليات هذا الجهل المهندَس ظاهرتا التنافر المعرفي وأثره الارتدادي. فتقديم الأدلة القاطعة لشخص مؤدلج كثيراً ما يزيد شراسته الدفاعية بدل أن يقنعه، ذلك أن هذه العقول مستعدة للتضحية بالحقيقة نفسها في سبيل الحفاظ على انتمائها القَبَلي لجماعتها الرقمية. بهذا المعنى يتحول تصديق الكذبة الجماعية إلى "صك انتماء"، بينما تُعامَل مخالفتها بوصفها خروجاً يستوجب النبذ.

هنا يتجلى ما أسماه عالم النفس ليون فستنغر "التنافر المعرفي"، وجوهره أن مواجهة الإنسان بحقيقة تناقض قناعاته الراسخة تُحدث لديه صدمة نفسية، إذ الاعتراف بالخديعة يعني - بالنسبة إلى الأنا - الاعتراف بالفشل. ولتجنّب هذا الألم، يلجأ الدماغ إلى الحل الأيسر: مهاجمة الحقيقة نفسها. وتُعرف هذه الظاهرة بـ"أثر الارتداد العكسي"، حيث تعمل الأدلة الداحضة - على عكس المتوقع - على تعزيز التمسك بالمعتقد بدل زعزعته.

في معنى المقاومة

إن هذا الهجوم الذي يواجهه كل من يخوض معركته ضد الجهل الجماعي يفرض إدراك حقيقة واحدة: أنك لا تصارع أفراداً متفرقين، بل منظومة فكرية وتقنية شُيّدت أركانها على الوهم، وباتت اليوم أسرع وأشد إحكاماً بفضل أدوات لم تكن موجودة قبل سنوات قليلة. ومع ذلك، يبقى التمسك بمعنى الوجود، ومواصلة النقاش بجرأة وحكمة، هو السبيل الوحيد اللائق بإنسانية الإنسان، حتى وإن بدا للمرء أنه يغرّد خارج السرب. فكل نفيٍ يأتي متأخراً بعد أن تكون الشائعة قد أنجزت مهمتها في الوعي الجماعي، هو تذكير بأن معركة الحقيقة اليوم لم تعد معركة معلومة ضد أخرى، بل معركة سرعة الوعي في مواجهة سرعة الوهم. وفي هذا المسار وحده، حيث يلتقي الوعي بالمقاومة، تكمن قوة الموقف الحقيقية، وبه وحده يُثبت الإنسان معنى إنسانيته في وجه آلة لا تريد له أن يعرف.

***

زينب طارق

 

لِمارك توين مفهوم صادم أشبَعه تأصيلا في كتابه: (ما الإنسان؟) يدور حول مركزية الاحتياج الذاتي في دافعية التصرفات، حيث إنه ما من سلوك نبيل يمارسه الإنسان مهما بدا أنه عمل إنسانيٌ لا غير، إلا وأساسه تحقيق حاجة ذاتية بامتياز، وما تلك التبريرات لذلك النُّبْل إلا توابع هامشية، وامتداداتٌ ظاهرية، تغلّف لُبّ احتياجه الشخصي وتشبع نزوته المخفية عميقا بين دهاليز نفسه وأقبيتها، حتى في حالات يصعب استيعاب تلبية الاحتياج الذاتي دافعا أصيلا في مثل إنقاذ غريق أو التصدق على مسكين عابر شفقةً!

ومهما يكن الأمر، فإملاءات المصالح الشخصية في بُعدها الممتدّ حقيقة واقعية، بل وأساس معقّد يقوم عليه التفاعل البشري، وما من شك أن السعي وراء المصالح الشخصية في العموم ممارسة طبيعية يقتضيها التكوين البشري، وكل شيء يبدو مقبولا في هذا السياق حتى تتداخل المصالح الشخصية مع القيم، وحينئذٍ يُرى هذا التداخل تضاربا وصداما وصراعا، فإما أن يؤول إلى توقف المصالح على عتبة القيم، باعتبار أن القيم هي الحدود التي ينبغي للمصالح ألا تقفز عليها، وبذلك تنتصر القيم في هذه الحالة، فيُكال في وجه صاحبه المديح، وإما في المقابل أن تنتصر المصالح الشخصية على حساب القيم، فينتج عنه انزياح قيمي لا يُرتضى من قِبَل الوعي الجمعي، فيُرمَى صاحبه بصنوف من الأحكام اللاذعة.

والسؤال الوجيه الصريح الذي يبرز هنا هو: هل هناك حقا صراع بين القيم والمصالح الشخصية؟ بحيث إنها تجبر المرء على أن يعيش حيرة في اتخاذ خياراته في المناطق التي تجتمع فيها إرادتا القيم والمصالح، وعليه؛ فهل لا بد من منتصر بينهما، فإما الغلبة للقيم، فتكون سمةً محمودة، وإما أن يكون النصر حليف المصالح، فتكون سمةً مذمومة؟

إن الإجابة البديهية في السردية السائدة هي أن هناك تضاربا لا محالة بين القيم والمصالح، وأن هذا الصراع المزعوم هو صراع حقيقي يبدأ حين تحاول المصالح أن تفضّ غشاء القيم وتعبر إلى مساحة محظورة، ولكن ماذا لو استصحبنا مركزية الذات في علاقتها بالقيم من ناحية، وصلتها بالمصالح من ناحية ثانية؟ ستظهر على الفور رؤية صادمة، وصادمة جدا، إذ تكون الذات هي المحور على الدوام أي من حيث ترسيم حدود كل منهما عند التلاقي، سواءً أكان الانزياح لصالح القيم أم كان يصبّ رأسًا في المصالح، فتخرج ذواتنا منتصرة في كلتا الحالتين؛ لسبب وجيه وهو أن هذا الانزياح الحاصل بين القيم والمصالح إنما يكون لتحقيق إرادة الذات العليا.

ولعل إجابتنا عن سؤال: ما الذي يحدد حدود القيم في منطقة المصالح؟ تُيسّر تفهّمنا لهذه اللفتة، إذْ إن المصالح متحركة، وليست حُكما قارًا ثابتا كما هو جليّ، ولكن ماذا عن القيم؟ هل هي حقا ثابتة؟ إن اعتبار القيم ثابتة بخلاف المصالح، يصوّر التداخل بين القيم والمصالح على أنه انزياح من تدفق المصالح المتحركة إلى مساحة القيم الثابتة، ومن هنا نشأ تصوّر الصراع، ولكن هل القيم حقا ثابتة غير متحركة؟

تحرُّك القيم وتغيُّرها المستمر واختلافها من زمن لآخر ومكان لآخر ومجتمع بشري لآخر يحيلنا إلى مفهوم نسبية الخير والشر والأخلاق والمبادئ كما أبان عنها نيتشه باستفاضة في كتابه: (ما وراء الخير والشر)، وإنْ كانت نسبية القيم تفرض عليها أنها متحركة، غير أن الذي يعنينا هنا هو الدافع المحرك لمفاهيم مرتبطة بها من قبيل الضرورات تبيح المحظورات، والغاية - بمعنى النهاية وليس الهدف - تبرر الوسيلة، وكأنّ هناك تجاوزا مقبولا بل ولازما لا بد أنّ يُصار إليه في بعض الحالات، ولكن ما هو المرتكز الأساس الذي  تقوم عليه مثل هذه الاستثناءات؟ إذا أمْعَنّا وأنْعَمْنا النظر فسنجد أنه الذات، فذواتنا هي بحق رُمَّانة القَبَّان في إقليم تتعاطى فيه القيم مع المصالح، ومن ثَمَّ فإن كُلّا من القيم والمصالح حدود متحركة، تنتصب الذات بينهما حاكما يزيح حدود ما يشاء حيثما يشاء بحسب ما يكفل حمايتها والإبقاء عليها إنْ معنويا وإنْ ماديا.

ومن هنا كان الصراع بين القيم والمصالح صراعا وهميا، والمسألة - كل المسألة - أنّ الذات تُوْلي صونها ومكاسبها أولوية على أي شيء آخر، وهذا لا يعني ديمومة طغيان المصالح على القيم فيما قد يُفهم من هذا الطرح، فالذات تتعامل مع القيم والمبادئ باعتبارها مُعبّرا أصيلا عن امتدادها، لا يقل شأوًا عن أي مكسب مادي أو مصلحة شخصية، بل يمكن أن يقال إن تحقيق قيمة أو مبدأ ما هو بحد ذاته مصلحة ذاتية تتجلّى الذات عبرها؛ ولذا كان الخوف من شعور العار لدى النبلاء قيمة عليا تنشدها الذات رغم إغراء المصالح وإغوائها، وإن شئت فسمّها تراتبية المصالح.

وبالحديث عن حاكمية الذات، وكون كلٍ من القيم والمصالح متحركة، فإنه من الطبيعي جدا أن تتباين الذوات في مرونة الانزياح بين حدود القيم وحدود المصالح، فما يعدّ هنا ذلا ومهانة قد يُرى هناك تكتيكا وبُعد نظر، وما يُعتبر هنا كرامة، قد يُنظر إليه هناك سوء تدبير ونظرة قاصرة، ومن تبعات هذا التفاوت مسألة الإيذاء بين الناس، إذ إنْ تحقيق مصلحة شخصية بما يعتقد أنه تجاوز لحدود القيم، ولكن بلا إيذاء للآخر، ليس هوَ هوَ حينما يكون على حساب الآخر، ومن هنا تنشأ الصراعات، ليس بسبب غلبة المصالح على القيم فيما يبدو، بل باختلاف الذوات في تقدير الحدود بينهما وتبرير الواحدة بالأخرى، على أنّ نظرة النسبية في القيم والمصالح لا تمنع حقنا من الحكم على فلان بالنخوة والشهامة وعلى آخر بالوضاعة والحقارة.

إن إظهار العلاقة بين القيم والمصالح على أنها تفاعل طبيعي وليس صراعا أو تجاوزا من متحرك على ثابت، لا ينبغي أن يُفهم منه التبرير لمفاسد تقوّض بنيان المجتمع، بل هو ردُّ الاعتبار إلى حاكمية الذات في منطقة القيم والمصالح، واستيعاب مبدأ التحرُّك في جوهر كل منهما، وأما إكراه الفردانية على قيم مجتمعية تُصَدَّر باعتبارها ثابتة، والمطالبة بجعلها سقفا تقصف رقبة كل مصلحة شخصية تَشْرَئِبّ، هو مطلب هزيل يخلق مجتمعا هشا، يضم أفرادا مخدَّرين في قوالب جامدة لا تعي حركة الحياة بدعوى ثبات القيم غير الثابتة أصلا، على أني أعبّر بكلمة (الحدود) حين الحديث عن العلاقة بين القيم والمصالح تجوُّزا، فلست أرى إلا احتياجا ذاتيا تلبيها قيمة من القيم أو مصلحة من المصالح باعتبارها كيانات متحركة باتجاه إرادة الذات، لا صراعا تتوه الذات بينهما، ويبقى لكل ذات طبيعتها نبيلة كانت أم خسيسة!

***

محمـــد سيـــف

في "دفاتر الحرب الغريبة"، اليوميات التي كتبها أثناء الحرب العالمية الثانية- ترجمها الى العربية عبد الوهاب الملوح - ، يخبرنا جان بول سارتر كيف أن إعادة قراءاته لأعمال الفيلسوف رينيه ديكارت كانت أحد ملاذاته من قسوة الحرب. كان سارتر مغرماً بديكارت عندما كان طالباً في المدرسة العليا، حيث اعتبر ديكارت "مفكراً تفجيرياً" و"ثائراً مزَّق وقطَّع وترك للآخرين مهمة تقطيب الأشياء وجمعها ثانية"، وقد كانت أفكار ديكارت دافعاً لسارتر وسيمون دي بوفوار على إعادة تعريف مفهوم الحرية والعقل، وكان نتاج هذه القراءات تقديم مشروع فلسفي جديد هو الوجودية التي وُصفت بأنها شكل جديد من العقلانية الفلسفية. من المعروف أن جان بول سارتر استمد وجوديته من قراءاته المعمقة لكتابات إدموند هوسرل في الفلسفة الظاهراتية –الفينومينولوجيا– ومعروف أن هوسرل كان أيضاً معجباً بديكارت وأصدر كتاباً بعنوان "تأملات ديكارتية.. مدخل إلى الظاهريات" –تُرجم الكتاب إلى العربية بترجمتين، الأولى للدكتورة نازلي إسماعيل حسين والثانية لتيسير شيخ الأرض– ونجد أن هوسرل استند على فكرتين أساسيتين من أفكار ديكارت؛ الأولى هي نقد كل ما يثير الشك، والثانية هي أن الذات أساس الحقيقة.

عام 1940 نشر سارتر مجموعة مختارة من أعمال ديكارت وقدم لها بدراسة أشاد فيها بصاحب عبارة "أنا أفكر، إذاً أنا موجود" على اعتبارها مؤسس مفهوم الإرادة الحرة والمخطط الأول للديمقراطية.

دارت أعمال سيمون دي بوفوار حول قضية العثور على أخلاق وجودية إيجابية "بعيداً عن عزاء الزيف والاستسلام" - نحو أخلاق وجودية – ترجمة جورج طرابيشي، ويُعتبر أول كتبها الفلسفية، تناولت فيه العديد من المسائل الفكرية والسياسية، وطرحت أسئلة من عينة: كيف يمكنني أن أرغب في أن أكون ما أنا عليه؟ كيف يمكنني أن أعيش حريتي المحدودة بشغف؟ هذه الأسئلة الوجودية ستؤدي إلى الأسئلة الأخلاقية والسياسية التالية: ما هي الأفعال التي تعبر عن حقيقة حالتنا؟ كيف يمكننا العمل بطريقة تخلق الظروف التي تدعم إنسانية البشر؟. والسؤال الأهم: ما هي علاقتي بالآخر؟ لتصل إلى نتيجة مفادها أن العالم يتشكل من خلال الخيارات البشرية، ومهما كانت هذه الخيارات، فأنا لي خياري المستقل، ولا يمكنني دعمه دون مساعدة الآخرين، والحقيقة الماثلة هي أن قيمي لن تجد لها مكانة في العالم إلا إذا احتضنها الآخرون، ويتم ذلك من خلال جعل قيمي قيمهم.

فيما أطلق كامو مقولته الشهيرة: "أنا أتمرد إذاً أنا موجود"، وإن: "الطريقة الوحيدة للتعامل مع عالم غير حر، هي أن تكون حراً لدرجة يصبح فيها وجودك بحد ذاته ثورة" - الإنسان المتمرد ترجمة نهاد رضا -

في المقابل وجد الشيوعيون الفرنسيون في ديكارت فيلسوفاً حمل راية العقلانية، وجاء في إحدى افتتاحيات جريدة "لومانيتيه" جريدة الحزب الشيوعي اليومية أن: "ديكارت دشن استقلالية الفكر البشري عن العقائد كلها" وأنه: "أحد أبرز ممثلي التقدم البشري" – سودير هزار، كيف يفكر الفرنسيون، ترجمة نانيس حسن – وفي واحدة من المسيرات التي قام بها الحزب الشيوعي لتخليد ذكرى شهدائه، رفع الشيوعيون صورة ديكارت إلى جانب روسو وفولتير وفيكتور هيجو وزولا، وبعد سنوات المقاومة أعلن الحزب الشيوعي أنه وريث تقليد الفكر الناصع الذي بدأ مع "مونتاني وديكارت". وفي منتصف الثلاثينيات أسس الحزب الشيوعي الفرنسي "حلقة ديكارت" وهي سلسلة محاضرات تهدف إلى تشجيع النقاش حول المسائل الفلسفية والعلمية والسياسية. وفي عام 1950 ومع الاحتفال بالذكرى الثلاثمائة لرحيل ديكارت، نظم الحزب الشيوعي معرضاً عن "ديكارت" في باريس ثم انتقل إلى المدن الفرنسية الأخرى، وفي عام 1955 طالب الشيوعيون بالاستمرار في دراسة ديكارت لأنه يساعد على تكوين مواطنين يعتنقون مبادئ الحرية والسلام.

وفي الكلمة التي ألقاها الزعيم الشيوعي الفرنسي "موريس توريز" في جامعة السوربون عام 1946 قال إن "ديكارت يعلمنا الأمل والثقة، والإيمان بالذكاء البشري، وجذب كل قوى العمل الظافرة، ألهمتنا فلسفته العمل وأخبرتنا أن بإمكاننا صنع مصائرنا" وأضاف: "إن العالم يحب فرنسا لأننا نقدر ديكارت".

بنى ديكارت صورة العقل الجديدة بعد أربع سنوات من إدانة غاليلو غاليلي، كان لابد أن يصبح العقل فاتحاً لعالم جديد، ولم يعد "العقل السليم مسؤولاً إلا أمام نفسه". كانت المعرفة في زمن ديكارت مزيجاً غريباً من الحقيقة والخيال، من الأسطورة والغيبيات والعقائد الدينية. في تلك السنوات وبالذات عام 1629 انتهى ديكارت من تأليف كتاب عن الظواهر الطبيعية بعنوان "العالم"، لكنه وهو يسعى لنشر الكتاب، كانت الكنيسة تحاكم غاليلو بسبب الفكرة نفسها عن الشمس والأرض. أدرك ديكارت أن طرقه الجديدة في البحث ربما تثير عليه نقمة رجال الدين، فقرر أن يعتزل الناس ويبحث في شؤون الفلسفة بعيداً عن عيون رجال الكنيسة: "ابتعد عن عيون الناس إذا أردت أن تحيا سعيداً".

بدأ ديكارت يطبق منهج الشك من خلال كتابه "التأملات" الذي كتبه عام 1639، حيث كان يعيش حياة شبه منعزلة، وفي هذا الكتاب يسجل يومياته على شكل تأملات بلغت ستة تأملات، ويخبرنا أن كل تأمل استغرق منه يوماً كاملاً. في خطاب يرسله إلى أحد أصدقائه يوضح ديكارت منهجه في الشك: "تخيل أن لديك مجموعة من التفاح تريد حفظها في سلة. إن الرجل الحكيم لابد أن يتأكد أن جميع التفاح سليم. إذ لو كانت إحدى التفاحات معطوبة، فسوف تفسد في النهاية جميع التفاحات الأخرى، ومن ثم فإن أي تفاحة يكون فيها أدنى شائبة، لابد من استبعادها بلا هوادة على أنها لا تصلح". وهذا هو بالضبط ما يفعله الشك الديكارتي. فديكارت يريد أن يخبرنا أن تفاحة المعرفة التي تبقى في نهاية العملية سوف تكون متميزة للغاية، وستكون من الشيء الحقيقي المضمون، وهو المعرفة التي لا يمكن الشك فيها. لقد عمل ديكارت على بناء فلسفته على أساس المنهج الذي وضعه: "أصبحت على يقين بأنه ينبغي أن أتخلص مرة وإلى الأبد من كل الآراء التي سلمت بها من قبل، وأن أبدأ البناء من جديد من الأساس إذا أردت أن أضع بناءً ثابتاً للفلسفة والعلوم".. ولما كان الشك في الأشياء تفكيراً، كان التفكير هو الحقيقة الوحيدة اليقينية الثابتة التي يمكن اتخاذها نقطة انطلاق في بناء هيكل المعرفة. يكتب ديكارت في التأملات: "أفترض إذاً أن كل الأشياء التي أراها كاذبة، وأميل إلى الاعتقاد أنه لا وجود لكل ما أتذكره، لأن ذاكرتي تخطئ، وأحسب أني خالٍ من الحواس، وأتصور أن الجسم والشكل والامتداد والحركة والمكان، إنما هي وهم من أوهام عقلي. فما عسى إذاً أن يكون صادقاً؟ لعل شيئاً واحداً لا غير صادق، وهو أنه لا وجود في العالم لشيء يقيني".

لقد كانت صياغة المنهج بالنسبة لديكارت خطوة أولية وأساسية، فقد كان يطمح إلى اكتشاف ما عساها أن تكون معرفة الأشياء الموجودة التي يمكن بلوغها باليقين، وكان يعتقد أن الكثير من المعلومات التي حصل عليها زائفة، ولم تكن لديه وسيلة لتمييزها، حتى وجد منهجاً خاصاً به، وعندما أصبح لديه منهج بادر باستخدامه في التأمل الأول من كتابه التأملات، حيث شرع في الشك في كل شيء يمكن الشك فيه، لكي يكتشف ما هو على يقين منه بصورة مطلقة، لأنه لا يستطيع أن يشك فيه بدون أن يفترض وجوده: "عزمت على اعتبار أن لا شيء دخل عقلي يوماً كان أكثر حقيقة من أوهام أحلامي. لكنني أدركت لفوري بعدها أنني حين قررت التفكير على ذلك النحو بأن كل شيء كان مزيفاً، إن ذلك استتبع بالضرورة أنني أنا الذي فكرت لا بد أن أكون شيئاً ما، وبملاحظة أن هذه الحقيقة، أنا أفكر إذاً أنا موجود، أكيدة وثابتة بحيث لا تستطيع أن تزعزعها أكثر افتراضات المتشككين تطرفاً، حكمت بأنني أستطيع قبولها دون أدنى شك باعتبارها المبدأ الأول للفلسفة التي أبحث عنها" – ديكارت، مقال عن المنهج، ترجمة محمد محمود الخضيري، وهناك ترجمة أخرى بعنوان "حديث الطريقة"، ترجمة عمر الشارني.

***

علي حسين – رئيس تحرير جريدة المدى البغدادية

مقاربة أنثروبولوجية تأويلية للعبور الديني والعلمي والاجتماعي في المدرسة الشبرية بالنجف

ليست المدرسة الدينية مكانًا يقيم فيه طالب العلم إلى جوار طالب علم آخر، ولا بناءً يضم غرفًا وقاعةً ومكتبةً وسردابًا، لأن اختزال المكان في مادته المعمارية يجعله يفقد أهم ما يختزنه من حياة، فالمدرسة، حين ننظر إليها بعين أنثروبولوجية لا تكتفي بوصف الجدران والأبواب والممرات، تتحول إلى فضاء تتقاطع فيه السير الإنسانية، وتلتقي فيه الجغرافيا بالمعرفة، والدين بالمجتمع، والذاكرة بالمستقبل، ويصبح الإنسان الذي يدخلها غير الإنسان الذي سيغادرها، حتى لو ظل جسده هو الجسد نفسه؛ إذ إن العبور الحقيقي لا يحدث حين ينتقل الجسد من باب إلى باب، وإنما حين تتغير شبكة المعاني التي يسكنها الإنسان ويُسكن فيها.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى المدرسة الشبرية في النجف بوصفها «مكانًا عابرًا» أو، بصورة أدق، بوصفها ممرًا اجتماعيًا وثقافيًا وروحيًا، فالطالب الذي يأتي إليها لا ينتقل من غرفة إلى غرفة، وإنما ينتقل من عالم إلى عالم، يحمل معه اسمه الأول، ومدينته، ولهجته، وذاكرة أسرته، وعاداته، وتصوراته عن العلم والدين والمجتمع، ثم يدخل فضاءً جديدًا يعيد فيه ترتيب هذه العناصر جميعًا، فتتشكل أمامه هوية أخرى لا تلغي هويته الأولى بالضرورة، وإنما تعيد تركيبها داخل سياق أوسع.

وهنا تكمن أهمية المكان في فلسفة العبور: المكان ليس ما نعبر إليه فقط، بل ما يحدث العبور بواسطته.

فالنجف ليست في هذه القراءة مجرد مدينة تستقبل طالب العلم، والمدرسة ليست مجرد محطة سكنية داخلها، بل إنهما معًا يشكلان منظومة من الممرات التي ينتقل عبرها الإنسان من الانتماء المحلي إلى الانتماء العلمي، ومن التجربة الفردية إلى الجماعة، ومن المعرفة الموروثة إلى المعرفة التي يعاد إنتاجها في الدرس والحوار والمناقشة، ومن التدين الذي يحمله الإنسان من بيئته إلى تدين أكثر انتظامًا داخل مؤسسة لها تقاليدها وأعرافها وطقوسها وذاكرتها.

المكان الذي يعيد تشكيل الإنسان

إن أول عبور يحدث في المدرسة هو العبور من المكان الأول إلى المكان الثاني؛ فالطالب يأتي من قرية أو مدينة أو إقليم، وقد يكون قد عاش سنواته الأولى داخل فضاء اجتماعي يعرف فيه الناس بعضهم بعضًا، وتتشكل علاقاته وفق القرابة والجوار والانتماء المحلي، ثم يجد نفسه في النجف أمام فضاء أكثر اتساعًا، حيث يلتقي بأناس لا يعرفهم، وينتمي كل واحد منهم إلى تاريخ اجتماعي مختلف، ولكنهم يجتمعون تحت عنوان واحد هو طلب العلم.

وهذا اللقاء لا يبقى خارجيًا؛ فالاختلاط اليومي، والسكن المشترك، والدرس، والصلاة، والمجالس، والطعام، والحديث، والمناقشة، وحتى الاختلاف، كلها ممارسات صغيرة تبدو في ظاهرها عادية، لكنها تقوم بعملية عميقة من إعادة تشكيل الفرد، إذ يتعلم الإنسان في المدرسة ليس فقط ما يوجد في الكتب، وإنما يتعلم كيف يعيش مع المختلف عنه، وكيف يسمع رأيًا آخر، وكيف يكتسب مكانته داخل جماعة علمية، وكيف يتحول من فرد جاء من مكان بعيد إلى عضو في مجتمع جديد. وبذلك يصبح السكن نفسه فعلًا من أفعال التعليم.

فالغرفة التي تبدو مساحة للنوم والراحة يمكن أن تكون مكانًا تتشكل فيه صداقة تستمر عقودًا، أو نقاشًا يفتح سؤالًا علميًا، أو حكاية تنتقل من طالب إلى آخر، أو تجربة شخصية تصبح جزءًا من الذاكرة الجماعية للمدرسة؛ ولذلك فإن الأنثروبولوجيا لا تسأل فقط: أين ينام الطالب؟، وإنما تسأل: أي نوع من العلاقات ينتجه نومه إلى جوار الآخرين؟ وهنا يتحول المكان من هندسة إلى ثقافة.

العبور الديني: من الاعتقاد إلى الممارسة لكن المدرسة لا تقوم بتحويل الطالب اجتماعيًا فقط، وإنما تنقله من مستوى إلى آخر في علاقته بالدين، فالدين الذي يأتي به الطالب معه ليس بالضرورة دينًا جديدًا، لكنه يدخل في المدرسة إلى فضاء يصبح فيه الدين أكثر حضورًا في تنظيم الزمن والجسد والعلاقات.

الصلاة لها وقت، والدرس له وقت، والمجلس له وقت، والقراءة لها وقت، والمناسبات الدينية تعيد ترتيب الحياة، وبذلك لا يعود الزمن مجرد ساعات تمر، وإنما يصبح زمنًا دينيًا وعلميًا متداخلًا.

وهذه نقطة مهمة في فهم المكان الديني: المؤسسة لا تعلّم الإنسان ماذا يؤمن فقط، بل تعلّمه كيف يسكن إيمانه في الزمن والجسد والمجتمع.

فالطالب يتعلم أن المعرفة الدينية ليست نصوصًا مجردة، وإنما لها هيئة في الجلوس، وطريقة في الكلام، وآداب في الاستماع، وعلاقة بالأستاذ، وعلاقة بالكتاب، وعلاقة بالجماعة، وبذلك يصبح الجسد نفسه جزءًا من عملية التعلم الديني.

إن المدرسة هنا لا تنقل العقيدة كما تنقل المكتبة الكتب، بل تنتج نمطًا من الحياة يجعل المعرفة الدينية قابلة للسكن.

العبور العلمي: حين تصبح المعرفة علاقة ولعل أكثر ما يكشف عبور المدرسة هو أن العلم فيها لا ينتقل بالطريقة نفسها التي ينتقل بها كتاب من رف إلى رف، لأن المعرفة الحوزوية لا توجد في النص وحده، وإنما تتحرك بين الأشخاص، من الأستاذ إلى الطالب، ومن الطالب إلى زميله، ومن الكتاب إلى الدرس، ومن الدرس إلى المناقشة، ومن المناقشة إلى السؤال، ثم يعود السؤال إلى النص مرة أخرى. ولذلك تصبح المدرسة شبكة لحركة المعرفة.

المكتبة تمثل عبورًا بين الأزمنة، فالكتاب الذي وصل إلى النجف من زمن سابق يمكن أن يدخل في ذهن طالب يعيش في زمن آخر، فيصبح النص القديم عنصرًا في تكوين وعي جديد، بينما يمثل الأستاذ عبورًا بين جيلين، ويمثل الطالب نفسه احتمالًا لعبور المعرفة إلى جيل لم يولد بعد.

إن المدرسة بهذا المعنى لا تحفظ المعرفة فقط؛ إنها تمنحها أجسادًا وأصواتًا ومسارات جديدة.

فالكتاب الصامت لا يتحرك من تلقاء نفسه، وإنما يتحرك حين يقرأه إنسان، ويشرحه آخر، ويناقشه ثالث، ثم يخرج من المدرسة إلى مسجد أو منبر أو مجلس أو مدينة أخرى، وهناك يبدأ عبور جديد.

ومن هنا يمكن القول إن تاريخ المدرسة ليس تاريخ الذين درسوا فيها فقط، بل تاريخ المعارف التي خرجت منها.

العبور الاجتماعي: صناعة الجماعة من الغرباء

إذا كان الطالب يدخل المدرسة فردًا، فإنه لا يبقى فردًا بالمعنى نفسه، لأن المكان يصنع شبكة من العلاقات التي تتجاوز القرابة والمكان الأصلي.

قد يجلس إلى جوار طالب جاء من مدينة بعيدة، ويتناقشان في مسألة علمية، ثم يعيشان معًا سنوات، فينشأ بينهما نوع من الانتماء لا يقوم على الدم أو الأرض، وإنما على تجربة مشتركة.

وهنا تقوم المدرسة بعملية اجتماعية بالغة الأهمية: تحويل الغرباء إلى جماعة.

وهذه الجماعة ليست متجانسة تمامًا؛ بل إن قيمتها تكمن في أنها تجمع اختلافات كثيرة داخل إطار مشترك، ولهذا فإن المدرسة يمكن أن تكون مختبرًا مصغرًا للمجتمع: اختلاف في المناطق، واللهجات، والعادات، والشخصيات، والمستويات العلمية، ثم محاولة إنتاج لغة مشتركة تسمح لكل هؤلاء بالعيش والتعلم معًا.

إن المجتمع الحوزوي لا يتكون من الأفكار وحدها، وإنما يتكون من هؤلاء العابرين الذين يلتقون في الأمكنة، ويصنعون من لقاءاتهم شبكات اجتماعية تتجاوز حدود المكان.

المكتبة: ممر بين الموتى والأحياء، وللمكتبة في هذا المكان دلالة تتجاوز وظيفتها المباشرة، فهي ليست مخزنًا للكتب، وإنما أحد أكثر أجزاء المدرسة قدرة على كشف مفهوم العبور. فالكتاب هو أثر إنسان غائب يعبر إلى إنسان حاضر.

المؤلف الذي مات منذ قرون يمكن أن يجلس، بصورة مجازية، إلى جانب طالب شاب في النجف، والنص الذي كتب في زمن مختلف يدخل عقلًا يعيش في زمن آخر، ثم يتحول من حبر على الورق إلى سؤال جديد. بهذا المعنى تصبح المكتبة مكانًا تلتقي فيه الأزمنة.

فالمدرسة لا تستقبل الأشخاص القادمين من الجغرافيا المختلفة فحسب، وإنما تستقبل أيضًا أفكارًا جاءت من أزمنة مختلفة، وتضعها في مواجهة عقول جديدة، فتتكون من هذا اللقاء حركة مستمرة بين الماضي والحاضر والمستقبل. وهذا هو أحد أعمق أشكال العبور: أن يعبر الغائب إلى الحاضر من خلال أثره.

السرداب وما تحت المكان حتى العناصر المعمارية التي قد تبدو ثانوية يمكن أن تكتسب معنى تأويليًا؛ فالسرداب، مثلًا، ليس مجرد مساحة تحت الأرض، وإنما يمكن أن يصبح في القراءة الرمزية صورة لما تحتفظ به المؤسسة من ذاكرة غير مرئية.

فالمكان الذي نراه ليس كل المكان. هناك طبقات تحت السطح، كما توجد في الجماعة طبقات من الذكريات والحكايات والعلاقات والتجارب التي لا تظهر في السجل الرسمي، لكنها تستمر في الذاكرة الشفوية لمن عاشوا المكان.

ومن هنا فإن أركيولوجيا المدرسة لا ينبغي أن تكتفي بالحفر في الأرض، وإنما عليها أن تحفر في ذاكرة المكان. من جلس هنا؟ من غادر؟  من أصبح عالمًا؟ من عاد إلى مدينته؟ من حمل معه صداقة؟ من حمل سؤالًا؟ ومن حمل جرحًا أو خيبة أو حلمًا لم يتحقق؟

هذه الأسئلة تجعل المدرسة سجلًا حيًا لا تستطيع الوثيقة الرسمية وحدها أن تستنفده. المكان الذي لا يغادره العابرون لكن المفارقة الأجمل أن العابر يغادر المكان، بينما لا يغادر المكان بالضرورة العابر.

فالطالب الذي أمضى سنوات في المدرسة قد يغادر النجف، وقد يذهب إلى مدينة أخرى، وقد يصبح مدرسًا أو خطيبًا أو عالمًا أو شخصية اجتماعية، لكن شيئًا من المدرسة يبقى فيه: طريقة في الكلام، هيئة في التفكير، ذاكرة لأستاذ، اسم لزميل، كتاب قرأه، مجلس حضره، موقف عاشه.

وهكذا تنتقل المدرسة مع الخارجين منها. إن حدودها الحقيقية ليست الجدران، لأن كل طالب يغادرها يمكن أن يصبح امتدادًا جغرافيًا وثقافيًا لها، وبذلك تنتشر المدرسة في المدن التي ذهب إليها طلابها، وفي المجالس التي جلسوا فيها، وفي الكتب التي كتبوها، وفي الدروس التي ألقوها، وفي العلاقات التي حملوها معهم.

وهنا تظهر قاعدة أساسية في فلسفة العبور: المكان لا يقاس فقط بمن يدخل إليه، وإنما بما يخرج منه. من المدرسة إلى فلسفة العبور بهذا المنظور تصبح المدرسة الشبرية نموذجًا صغيرًا يمكن من خلاله فهم ظاهرة أكبر: كيف تعمل المؤسسات الدينية والعلمية على تحويل الإنسان عبر المكان.

فالعبور فيها ليس حركة واحدة، وإنما سلسلة من التحولات المتداخلة: من المكان إلى المكان، ومن الغريب إلى الجماعة، ومن الموروث إلى المعرفة، ومن المعرفة إلى الممارسة، ومن الفرد إلى الدور الاجتماعي،  ومن الطالب إلى العالم المحتمل، ومن الكتاب إلى الوعي، ومن الماضي إلى المستقبل. ولهذا فإن المدرسة، في معناها العميق، ليست مؤسسة تستقبل طلابًا، بل مؤسسة تستقبل حالات إنسانية وتعيد إرسالها في صور جديدة.

وإذا كان المكان في النظريات التقليدية يُفهم باعتباره حيزًا ثابتًا تتحرك داخله الأشياء، فإن فلسفة العبور تقترح النظر إليه باعتباره قوةً تنتج الحركة ذاتها؛ فالمكان قد يدفع الإنسان إلى تغيير مساره، ويمنحه لغة جديدة، وعلاقات جديدة، وذاكرة جديدة، وربما مستقبلًا لم يكن ممكنًا في المكان الذي جاء منه.

من هنا يمكن قراءة المدرسة الشبرية لا بوصفها أثرًا من آثار الحوزة النجفية فحسب، وإنما بوصفها مختبرًا تاريخيًا لتحويل الإنسان؛ مكانًا يعبر فيه الجسد من مدينة إلى مدينة، والعقل من سؤال إلى سؤال، والطالب من مرحلة إلى مرحلة، والجماعة من جيل إلى جيل، والنص من زمن إلى زمن.

وفي النهاية، لعل أفضل تعريف للمدرسة في هذه المقاربة أن نقول: المدرسة ليست مكانًا يسكنه العابرون، بل مكانٌ يصنع من عبورهم معنى. فالذي يدخلها لا يترك خلفه المكان الأول بالكامل، والذي يغادرها لا يحمل معه المكان الثاني بالكامل، وإنما يحدث بين المكانين شيء ثالث هو الإنسان الذي أعيد تشكيله في المسافة بينهما؛ ولهذا فإن المدرسة الشبرية، مثل النجف نفسها، يمكن أن تُقرأ بوصفها ممرًا لا محطة، وحركة لا سكونًا، وذاكرة لا جدارًا، وآليةً لتحويل العابر إلى حاملٍ لما عبر إليه، ثم إلى وسيلةٍ لعبور ذلك كله إلى آخرين لم يدخلوا المكان أصلًا.

وهنا تبلغ فلسفة العبور إحدى نتائجها الأكثر أهمية: إن الحضارات والمؤسسات لا تستمر لأنها تحفظ ما لديها فقط، وإنما لأنها تستطيع أن تجعل ما لديها قابلًا للعبور.

***

ا. د. عامر عبد زيد الوائلي

 

هل نجحت المدرسة في مشروعها التربوي ام أخفقت حين فقدت الانسان؟

فرش اشكالي: بعد أن فقد الخطاب الديني قدرته على مواجهة الواقع المتأزم، متأرجحا بين الوعد والوعيد، وبعد أن انهارت المشاريع السياسية الكبرى في عصر اليتم السياسي، بقي مجال واحد ما زلنا نلقي فيه آمالنا، مجال التربية والتعليم. هذا ما يسميه ميشيل إلتشانينوف اليوتوبيا الأخيرة لم نعد ننتظر الخلاص من السماء ولا من الثورة، فصرنا ننتظره من المدرسة.

غير أن القرن الحادي والعشرين لم يكتفِ بالحلم بهذه اليوتوبيا؛ بل سعى إلى تحقيقها على نطاق لم يعرفه التاريخ. بحسب تقرير اليونسكو لرصد التعليم (2026)، بلغ عدد الملتحقين بالتعليم الابتدائي والثانوي نحو 1,4 مليار تلميذ سنة 2024، بزيادة تقارب 30٪ منذ سنة 2000. أما التعليم العالي فقد تجاوز ربع مليار طالب في العالم، وفي الجزائر وحدها تخطّى عدد الطلبة مليوناً ونصف المليون. هكذا انتقل التعليم من امتياز للنخبة إلى حق كوني معلن في المواثيق الدولية. لكن هذه الأرقام لا تعكس بالضرورة نجاح المدرسة وهنا نتساءل .

هل نجحت المدرسة في بناء الإنسان الفاضل، الحر، المسؤول، قياسا بتوسعها الإحصائي؟

وهل ما زال قطاع التربية والتعليم قادراً على التحسين الأخلاقي، أم أنه اكتفى بإنتاج الشهادات والمراتب التعليمية ؟

وما الذي فعله توسع المدرسة فعلياً بوعد الأديان السماوية — تزكية النفس — وبوعد فلسفة الأنوار في أوروبا — إخراج الإنسان من قصوره؟

ولماذا يعيد كل جيل اكتشاف الفجوة نفسها: خطاب احتفالي حماسي عند كل دخول مدرسي وواقع متأزم يتغذى كورم سرطاني على هاجس الامتحان وسوق الدرس الخصوصي؟

من فلسفة الانوار الى عولمة التعليم

في اليونان كانت الـ paideia ترفع الفرد نحو ثقافة تجعله مواطناً فاضلاً قادراً على المشاركة في الشأن العام. لم تكن درساً خاصاً ولا تدريباً مهنياً؛ كانت تشكيلاً للإنسان بوصفه عضواً في مدينة. هذا المشروع لم ينقطع بانهيار أثينا؛ بل وجد له مسارًا آخر حين استوعبته الحضارة الإسلامية وأعادت صياغته ضمن أفق معرفي جديد. فمنذ الخلافة الأموية، ثم بصورة أوسع في العصر العباسي، لم يكتفِ المسلمون بترجمة أرسطو وأفلاطون وجالينوس وبطليموس إلى العربية، بل مثلوا ما يُمكن تسميته أول مشروع عالمي فعلي لجمع المعرفة الإنسانية وتصنيفها: قسمت العلوم إلى علوم إسلامية (القرآن والحديث وتفسيرهما)، وعلوم فلسفية وطبيعية (الإرث اليوناني)، وفنون أدبية ، تصنيف يعكس وعيا مبكرا بأن التربية لا تكتمل بمعرفة واحدة، بل بتوازن بين النص المؤسس والعقل الناقد والذوق الجمالي.

تجسد هذا المشروع مؤسسيا في تدرج فريد: من حلقة المسجد، حيث يجلس المعلم على منصة والتلاميذ من حوله في نصف دائرة يتدرجون في القرب منه بحسب تقدمهم المعرفي، إلى الكتاب الذي يحفظ الصغار القرآن ومبادئ القراءة والحساب، وصولًا إلى المدرسة تلك المؤسسة التي ولدت من رحم المسجد في القرن الحادي عشر (مدرسة نظام الملك ببغداد عام 1058 أشهرها)، فجمعت بين وقف يكفل المعلمين والمتعلمين معا، ليصبح التعليم فيها حقا مؤسسيا لا مجرد مبادرة فردية. من هذه الحلقات والمدارس خرج الخوارزمي بجداوله الفلكية وأرقامه التي غيّرت وجه الرياضيات، وابن سينا والفارابي والغزالي الذين حوّلوا بيوتهم نفسها إلى حلقات علمية، وعلماء الطب الذين أسسوا المستشفيات بنظام المتدربين، واكتشفوا أسباب الأمراض وطوّروا التخدير الجراحي.

لكن هذا العصر الذهبي — بين 800 و1000 ميلاديا تقريبًا لم يخل من إرهاصات الانحراف الذي سنعود إليه لاحقًا في سياقنا المعاصر: فبعد القرن الحادي عشر، بدأت المصالح الطائفية تهيمن تدريجيًا على التعليم العالي، وتراجعت مكانة العلوم اليونانية والفنون الأدبية لصالح نظام أكثر انغلاقًا، أقل تسامحًا مع الابتكار العلمي والموضوعات الدنيوية. أي أن المؤسسة التي وُلدت لتحرير العقل بدأت، حين تصلّبت غاياتها وتسيست، تنغلق على نفسها وهو نمط سنراه يتكرر بصيغ مختلفة عبر تاريخ التربية كله.

كانت هذه الترجمات والإضافات الإسلامية هي التي أعادت، عبر الأندلس وصقلية، إشعال الجذوة الأوروبية في القرن الثاني عشر، ومهدت قبل قرون من كانط الطريق لتلك الصحوة الفكرية التي سيتوّجها لاحقًا عصر الأنوار.

في عصر الأنوار صاغ كانط مهمة التربية بوضوح: إخراج الإنسان من القصور الذي هو مسؤول عنه بنفسه، فالتربية بهذا المعنى مشروع كوني هدفه أن يصير الشعب كله قادرًا على التفكير بنفسه.

الإحصاءات التاريخية تُغري بالتفاؤل، وتوحي بأن المدرسة قد حققت ما وعدت به: انخفاض العنف على المدى الطويل، تضاعف الملتحقين بالتعليم العالي، ارتباط القراءة باتساع أفق الوعي. كأن برنامج الأنوار يتحقق بالأرقام. لكن روسو، في قلب الأنوار نفسه، فجّر الشك: التربية قد تصير ذريعة للبرود بدل أن تنمّي التعاطف مع معاناة الآخر. الثقافة قد تعلمنا أن نفهم الألم فلا نتحرك. والتاريخ صدق شكه: جودة التعليم الألماني ورفعة الثقافة لم تمنعا النازية. أدورنو وهوركايمر رأيا في التنوير نفسه إمكانية بربرية جديدة، حين ينفصل العقل الأداتي عن الغاية الأخلاقية فيتقن التنظيم ولا يعصم من الجريمة. العقل الذي كان وسيلة للرشد يصير أداة سيطرة.

هذا التناقض بين وعد اليوتوبيا وواقع البربرية المتعلمة لا يفسر بالخيانة الفردية ولا بالحادثة العابرة. لفهمه لا بد من مغادرة الفلسفة الأخلاقية المجردة إلى بنية المؤسسة: من يقرر ما تعلمه المدرسة، ولمن، ولأي غاية؟ هنا يبدأ علم اجتماع التربية، وهنا أيضاً تبدأ قصة أخرى: كيف انقلبت كونية الأنوار الأخلاقية إلى عولمة للشكل المدرسي.

حين ننظر إلى النظريات الكبرى التي فسّرت توسّع المدرسة الحديثة، نجد أربع أطروحات متنازعة يخفيها مصطلح التربية والتعليم.

دوركهايم يردّد أن هدف التعليم خلق كائن اجتماعي. المدرسة طقس دمج بعد تفتت التصنيع والعلمنة: تاريخ مشترك، انضباط، تقديم الاجتماعي على الفردي. الأخلاق الوضعية أخلاق جماعة.

ماركس وفيبر، في المقابل، يريان في التعليم العمومي شكلاً من السيطرة الأيديولوجية يعيد إنتاج تقسيم العمل. المؤهل رأس مال ثقافي يحفظ الوضع الراهن ويمنح حراكاً محدوداً لمختارين. المدرسة لا تلغي الصراع؛ تُنظّمه وتُشرعنه عبر الامتحان والشهادة.

ديوي يرفض أن تكون الغاية الدولة أو الطبقة: التربية نمو شامل مربوط بالتجربة لا بالتجريد، وبالتفكير النقدي لا بالحفظ. ثم يحذّر من تبسيط أفكاره: النمو بلا مقاومة فكرية منظَّمة يتحول تسلية فارغة.

أما شولتز ونظرية رأس المال البشري فتغلق الدائرة على صيغة هي اليوم أشد نفوذاً في السياسات: التعليم استثمار يرفع الإنتاجية والتنافسية. الإنسان مورد. القيمة الأخلاقية عرضية لا جوهرية.

هذه النظريات تفسّر ارتباكنا اليومي. الخطاب الرسمي يخلط الأربع: اندماج بلسان دوركهايم، حقوق بلسان المواثيق، جودة ومردودية بلسان السوق، طفل في المركز بلسان ديوي. الممارسة محسومة: ما يُقاس يُموَّل، وما يُموَّل هو القابل للتحويل إلى شهادة وقابلية تشغيل. الصدق والشجاعة والوفاء أحاديث صباح تُنسى مساءً.

والأخطر أن التوسع الكمي الهائل الذي عرفه القرن الحادي والعشرين لم يُخفف من حدة هذا التنازع، بل ضاعفها: فكلما تعولمت المدرسة، ارتفع سقف الاعتماد على الشهادة، فصار الابتدائي غير كافٍ، ثم الثانوي، ثم الجامعي، ثم الماجستير الذي بات اليوم فيما يُشبه "ابتدائية جديدة" في سوق عمل متعولم لا يعترف إلا بالورقة. هذه الظاهرة، التي وصفها علماء الاجتماع بـ"التضخم الشهائدي" (credential inflation)، ليست عارضًا تقنيًا يُصلح بمزيد من التعليم، بل نتيجة منطقية لتحول المدرسة من مؤسسة تكوين إلى سوق رمزية: كلما تزايد عدد حاملي الشهادة الواحدة، تراجعت قيمتها التبادلية، فاضطر الأفراد إلى تحصيل شهادة أعلى لمجرد الحفاظ على الموقع النسبي الذي كانت تضمنه شهادة أدنى قبل عقد أو عقدين. إنه سباق تسلح رمزي لا ينتهي، يُنتج مفارقة صادمة: كل فرد يركض أسرع، لكن المسافة النسبية بين المتسابقين لا تتغير — بل ثمة من يُقصى تمامًا من السباق لأنه لا يملك الوقود المالي أو الثقافي لمواصلته.

والعولمة هنا ليست مجرد سياق اقتصادي خارجي يفرض شروطه على المدرسة من بعيد؛ إنها، كما يذهب بعض الباحثين، تتحول إلى "روح" تسكن التربية والتعليم من الداخل، فتُعيد صياغة أركانه المركزية: نسق القيم، وصورة الإنسان المطلوب تخريجه، وجملة الأهداف التي يُراد للمدرسة أن تحققها. الجامعات التي نشأت أصلًا لمناهضة الجهل والظلم وخدمة الحقيقة، تجد نفسها اليوم، في كثير من الأحيان، مُطالَبة بتبرير المنطق الاقتصادي العولمي الذي أنتج أزماتها بدل أن تُسائله: تُقاس بمؤشرات التصنيف العالمي (Ranking)، وتتنافس على "قابلية التوظيف" (Employability) كمعيار وحيد للنجاح، وتُعيد هندسة تخصصاتها وفق طلب سوق عابر للحدود لا وفق حاجة مجتمعية أو أفق معرفي.

واختبارات عالم الاجتماع كريستوفر هيرن حاسمة هنا: التعليم أصبح فعلًا العامل الأقوى في تحديد الوضع المهني للأفراد، متجاوزًا في قوته التفسيرية حتى الأصل الطبقي المباشر للأسرة — وهذه بشرى ظاهرها التفاؤل. لكن الشرط الخفي في اختبارات هيرن هو الأخطر: فبينما تنبأ بأن ارتباط الخلفية الاجتماعية للأسرة بنجاح الأبناء الدراسي سيتراجع تدريجيًا مع تقدم الديمقراطية التعليمية، أظهرت الأدلة التجريبية عبر عقود متتالية أن هذا الارتباط لم يتراجع، بل ازداد في كثير من السياقات. أي أن المدرسة، حتى وهي تتعولم وتتوسع وتُصبح "حقًا للجميع" في الخطاب الرسمي، لا تكسر بالضرورة حلقة إعادة الإنتاج الطبقي؛ بل قد تُعيد صياغتها بلغة أكثر مراوغة، تُخفي الامتياز القديم تحت غطاء "الاستحقاق" الفردي المحايد ظاهريًا — الشهادة صارت الوسيط الجديد الذي يُشرعن، لا الذي يُلغي، الفوارق التي كانت من قبل تُقال بصراحة أكبر.

ازمة الامتحان وافيون الدرس الخصوصي

حين يصير الامتحان أفق الحياة كلها لا لحظة ضمن مسار، بل غاية تنظم السنة الدراسية تنازلياً نحوها يتحول من تمرين للإرادة إلى ما وصفه فيبر بالضبط الى أداة فرز تترجم رأس المال الثقافي إلى موقع اجتماعي والإحصاءات العالمية تصدق هذا حيث انه كلما اغتنت الدول ومدت الإلزام، وضعت امتحانات انتقائية صارمة عند العتبات العليا. وإذا كان الامتحان لحظة الفرز، فالدرس الخصوصي هو اللحظة التي يُشترى فيها الموقع في هذا الفرز نقداً. يتجلى فيبر حرفياً: المؤهل الذي يُفترض أنه معيار موحّد عادل يعود فيصير سلعة تتفاوت بتفاوت الثروة. والمدرسة النهارية المجانية تفرغ من وظيفتها، والدرس الخصوصي المدفوع يصير المدرسة الفعلية. والأستاذ نفسه ينقسم الى أجير دولة في الصباح، وبائع معرفة في المساء.

هنا يمكن العودة الى آلان، دافع عن الامتحان فهو يرى ان أعمال التلميذ امتحانات للطبع؛ والامتحانات تمارين على الإرادة؛ ومن هذه الجهة هي جميلة وخيرة، الامتحان عنده لقاء بالضرورة: حيث لا يُراوغ المرء أمام الضرورة. لكن واقع الامتحان عكسيا: فهو يُراوغ بالصيغ الجاهزة، والتلميذ يُهدّئ بالملخص، ويشتري الاطمئنان. وهنا مارك براي يسمي الدرس الخصوصي تعليماً ظلياً فهو يحاكي المقرر، يكبر بكبره، وينتشر حيثما صارت الشهادة مصيراً. الظل ليس دعماً بيداغوجياً؛ هو خصخصة للعلاقة التربوية. تموت دفعة واحدة حيث المعرفة أضحت موروثا يُشترى، والتلميذ زبون، و كل عقبة لها سعر.

محمود يعقوبي ينتقد انزلاق ديمقراطية التعليم، حيث التسوية في الحق انحدرت إلى تسوية في الاستحقاق، فأُهملت الفروق، وصار «النجاح للجميع». تشارلز ليدبيتر يصوغ المفارقة الكونية التي صارت محلية جداً: الإسراف في التعليم يقتل الرغبة في التعلم.

الخيانة تبدأ حين نخلط التعميم بالتكوين، والجودة بالمؤشر، والتربية بالقابلية للتشغيل. الامتحان يمكن أن يكون لقاء بالضرورة إذا بقي وسيلة داخل ثقافة العقل؛ يصير فساداً حين يصير عملة الاعتراف الوحيدة. الدرس الخصوصي ليس حرص أسرة؛ هو هدم للعلاقة التي كانت الحلقة تقوم عليها: قربٌ من الشيخ بقدر التقدّم، لا بقدر الثمن. عبد الرزاق بلعقروز يحفر تحت الأنقاض أربعة جذور، لا جذراً واحداً.

الجذر الحداثي: استوردنا المؤسسة دون روحها، حيث أخذنا القاعة والمقعد والامتحان، وتركنا وراءنا السؤال الذي ولدها، أي إنسانية نريد؟ فصارت المدرسة هيكلاً بلا سؤال.

الجذر التاريخي-الاستعماري: لم يكن مقصد المستعمر نهب الثروة فحسب؛ بل إضعاف الروح الثقافية التي منها التماسك والخصوصية، مدرسة صُممت لتخرج كتبة تابعين، لا عقولاً حرة. هذا الجرح لم يُطبَّب؛ فقط اختلف اسم الطبيب.

الجذر الذاتي: خمود الطاقة الإبداعية حين تتعطل "قوة الروح التي تدفع العقل إلى الاستنهاض". وبلعقروز يضع إصبعه على الجرح النازف: الأستاذ الجامعي نفسه ابن الازدواجية، لا يرى في المعرفة إلا "كتلة معلومات تُقدَّم ليُمتحن عليها فيما بعد"، والمعلّم هنا ليس بريئاً من المرض الذي يشخّصه، هو أحد أعراضه.

الجذر العولمي: ليس سياقاً خارجياً، بل روح تسكن التربية من الداخل. الجامعة التي وُلدت لمناهضة الجهل تجد نفسها اليوم تُبرر أزمات اقتصاد لم تختره، تُقاس بالترتيب، تتنافس على قابلية التشغيل، تهندس تخصصاتها بحسب طلب سوق لا حاجة مجتمع.

خاتمة

القرن الحادي والعشرين وسع المدرسة حتى صارت أفق الحياة، فحقق رقمياً جزءاً من وعد الأنوار. لكنه لم يحسم التنازع بين دوركهايم وماركس، فيبر وديوي وشولتز نقله إلى الداخل، حيث يدار يومياً بامتحان يتحول من تمرين إرادة إلى سلعة، وظل تعليمي يبيع ما كان يفترض أن يكون حقاً مجانياً. وفي سياقنا تحديداً يتضاعف الجرح بجذور أربعة لم تشف بعد.

يبقى السؤال معلّقاً في كل قاعة امتحان وكل درس ظلّي: أي إنسان نُخرجه من هذا كله؟ أم أننا، كما خشي ليدبيتر، أسرفنا حتى قتلنا الرغبة ذاتها في أن نسأل؟.

***

عمرون علي

.........................

الهوامش

1- ميشيل إلتشانينوف، «Notre dernière utopie»، Philosophie Magazine، العدد 122، سبتمبر 2018، ص. 42–45 (ملفL’éducation nous rend-elle meilleurs ?

2 - الرقم المتداول: نحو 1,4 مليار ملتحق بالتعليم الابتدائي والثانوي سنة 2024، بزيادة تقارب 30٪ منذ 2000. وما يزال نحو 273 مليوناً خارج المدرسة. التعليم العالي عالمياً: في حدود 235–269 مليوناً حسب تقديرات اليونسكو الحديثة.

3 - وزارة التعليم العالي والبحث العلمي (الجزائر)، معطيات 2024/2025: نحو 1 530 230 طالباً. بعض التقديرات الصحفية للدخول الجامعي 2025/2026 ترفع الرقم إلى حوالي 1,8 مليون.

4- الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948)، المادة 26؛ العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (1966)، المادة 13.

5- انخفاض العنف على المدى الطويل: الحجة الإحصائية الأشهر عند ستيفن بينكر، The Better Angels of Our Nature (2011)؛ استثمرها إلتشانينوف في المقال المذكور.

6- كارل ماركس وف. إنجلز، الأيديولوجيا الألمانية، البيان الشيوعي

7- رأس المال الثقافي: بيير بورديو وجان-كلود باسرون، 1970

8- التصنيف العالمي وقابلية التوظيف: تقارير OECD وخطاب البنك الدولي عن رأس المال البشري، ومنطق PISA بوصفه معياراً كونياً للجودة.

9- آلان (إميل شارتييه)، Propos sur l’éducation (1932)، PUF. الامتحان بوصفه تمرين إرادة؛

10- محمود يعقوبي، «انزلاقات ديمقراطية التعليم في الجزائر»، 2011 نشرة محكمة؛ انظر ASJP).

11- تشارلز ليدبيتر Charles Leadbeater، منظّر الابتكار التربوي، يتداول عنه أن هدف التعليم تطوير ملكات — منها مواصلة التعلم — وأن الإسراف في التعليم يقتل الرغبة فيه.

 

تَعَرَّضنا في المقالةِ السابقةِ لملابساتِ ظهور الفيلمِ وعرْضِهِ، وتحليل الجدلِ الذي دارَ حوله، وفي هذه المقالةِ، نتناولُ جوهرَ ما وردَ في الفيلم، وما ينطوي عليه من مضمون.

إن جزئيات الفيلمِ المطروحة داخله متعددة لو تتبعنا كلَّ جزئيةٍ على وجه التفصيل، غير أنني أريدُ تناولَ جوهر الرسالة التي كانت من الأهداف الرئيسة للفيلم، ألا وهي: فكرة تقبُّلِ المُلْحِدِ والتعايش معه، كما أقرَّ بذلك مؤلِّفُ الفيلمِ نفسه (١).

الفيلمُ يبدأ بحدثٍ درامي، حينما يأتي الشابُّ المُلحد (والذي يعيشُ في أسرة يمثلُ والدُه الركن المنغلق المتزمت فيها) ليرفضَ زواجَ أخته القاصر، الذي كان على وشْكِ الإتمام، ثم يُعلن بعد ذلك أنه «كَفَرَ»، وكانت هذه صدمةٌ لوالده المنغلق، حيث كان هذا الشاب يعيشُ في البيتِ مع والده وهو مُلحد، ولكنه يخفي إلحادَهُ عن والده، ولكن أتت اللحظةُ التي اعترفَ فيها بذلك، كما ذكَرنا.

- حَدُّ الرِّدَّةِ:

بمجرد إعلان الشاب عن إلحاده؛ شَرَعَ والدُه في عَقْدِ جلسات استتابة له، للعودة عن هذا الإلحاد، وإلا كان مصيره القتْل! وهنا أضعُ يدي على نقطةٍ رئيسةٍ، أريدُ مناقشتَها في هذا الصدد، وهي: تتبع النص القرآني المُقدَّس -أولًا- لنلتمسَ فيه وجود حدٍّ للردة مِن عدمه.

بدايةً، فإنه لا توجَد آيةٌ واحدةٌ مِن القرآن تتحدثُ عن قتْل المرتد؛ بل على النقيضِ من ذلك، توجد بعضُ الآياتِ التي تؤكد نفْي أي وجود لحدٍّ على مَن يرتد عن دينه، وأسوقُ هذه الآيات على النحو التالي:

في قوله تعالى: «إِنَّ ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ءَامَنُوا۟ ثُمَّ كَفَرُوا۟ ثُمَّ ٱزۡدَادُوا۟ كُفۡرࣰا لَّمۡ یَكُنِ ٱللَّهُ لِیَغۡفِرَ لَهُمۡ وَلَا لِیَهۡدِیَهُمۡ سَبِیلَۢا». [سورة النساء، الآية: ٣٧]. دليلٌ واضحٌ على إمكانية تكرر تَرْكِ الدينِ دون الإشارةِ إلى أيَّةِ حدود على ذلك الفعل، فمعنى هذه الآية: «أن الذين "تكررَ" منهم الارتداد، وعُهِدَ منهم ازديادُ الكفر والإصرار عليه؛ يُستبعَد منهم أن يُحدِثوا ما يستحقون به المغفرة...وليس المعنى أنهم لو أخلصوا الإيمان بعد تَّكْرارِ الرِّدَّةِ، ونصحتْ توبتُهم لم يُقبل منهم ولم يُغفر لهم» (٢).

فالزمخشريُّ، في نصه السابق، يشيرُ إلى إمكانية «تكرُّر» الارتداد، كما وضعتُها بين قوسيْن في النص المُقتبَسِ، حين قال: إن الذين «تكررَ» منهم الارتداد، وهذه دلالةٌ واضحةٌ على عدم وجود حد للردة، لأنه إن كان موجودًا؛ لَمَا كان هناك إمكانية من الأساس لتَكْرارِ الارتداد؛ إذ بمجرد أن يرتد سيتم قتْلُه.

كما أن الآية بنفسها واضحةٌ دون التفافات، إذ تقول: إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرًا، وأنا أسألُ: كيف سيتحقق الإيمانُ ثم الكفر، ثم الإيمان ثم الكفر، ثم الازدياد في الكفرِ لو كان هناك حد للردة؟ الآية تشيرُ بقوةٍ إلى إمكانية حدوث الإيمان ثم الارتداد أكثر من مرة، ثم لا تُخْتم بأية إشارة إلى حد ردة على هذا الارتداد، وإنما تُختم بقوله تعالى: لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلًا. هذه هي العقوبة، ولا إشارة بالمرة إلى عقوبة بالحد، بل على النقيض من ذلك، نجد الزمخشري يشيرُ، كما في الاقتباس السابقِ له، إلى أنه ليس المراد أن الله أغلقَ في وجوههم بابَ التوبة، أي رغم كل هذا الارتداد، إلا أن الله لو وجدَ فيهم مَن تَحسُن توبته، لقَبِلَها.

 وهناك آيةٌ أخرى، يقول تعالى: «وَمَن یَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِینِهِۦ فَیَمُتۡ وَهُوَ كَافِرࣱ فَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَـٰلُهُمۡ فِی ٱلدُّنۡیَا وَٱلۡـَٔاخِرَةِۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ أَصۡحَـٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِیهَا خَـٰلِدُونَ». [سورة البقرة، مِن الآية: ٢١٧]. فتَذْكُرُ الآيةُ حالَ الارتداد، ثم تقول: «فَيَمُتْ وهو كافرٌ»، ولم تَقُلْ: «يُقْتَل»، وهناك فارق بين الموت والقتْل، كما نصَّ الباري على ذلك في قوله تعالى: «وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولࣱ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِی۟ن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰۤ أَعۡقَـٰبِكُمۡۚ». [سورة آل عمران، مِن الآية: ١٤٧]. فتُفرِّقُ الآيةُ بين الموت والقتل؛ وعلى ذلك تُصبح الآية التي تقول: «ومَن يرتدد منكم عن دينه فَيَمُتْ وهو كافرٌ»، دليلًا على انتقاءِ حد الردة تمامًا من آيات القرآن الكريم، وأن هذه الآيات تشيرُ إلى عقوبات أخروية فقط، بينما يبقى هذا المرتد في مجتمعه له حرية الإيمان أو نقيضه، كما كَفَلَها له الباري عزل وجل، بقوله: «فَمَن شَاۤءَ فَلۡیُؤۡمِن وَمَن شَاۤءَ فَلۡیَكۡفُرۡۚ إِنَّاۤ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّـٰلِمِینَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ». [سورة الكهف، مِن الآية: ٢٩]. فدلالة الآية تَسند إلى العبد مشيئةَ اختياره للكفر أو الإيمان، ثم تأتي العقوبة بعد هذه الكلمة بقوله تعالى: «إنَّا أعتدنا للظالمين نارًا»، أي نسبَ العقوبة لنفسه، يقوم بها في حق مَن يكفرُ بها عن عناد واستكبار بعد تيقنه من الحق.

وبعد تتبُّع هذه الآيات؛ يتبيَّنُ عدم وجود أي حد للردة في آيات القرآن الكريم، وإنما الذي يوجد على النقيض من ذلك؛ ينفي حد الردة، ويَكْفُلُ حقَّ الاختيارِ للإنسان، لأن الإسلام لا يريد منافقين فيه نُبْقيهم بجد السيف والتهديد بالقتل في حال الردة؛ فالمرتد الصريح الذي يُعلن ذلك أقل خطرًا من المنافق الذي يكون بين صفوف المسلمين، بينما هو في قرارة نفسه لا يؤمن بأي مما يؤمنون به.

- حديث حد الرِّدَّةِ:

فرغنا من تناول النصوص قطعية الثبوت: القرآن الكريم، والتي هي نصوص مُقدَّسة، ولكن الإشكال يتمثل في الانتقال إلى الاستدلال بالحديث الشهير في حد الردة، والذي جاء فيه: «أن عليًّا حَرَّقَ قومًا، فلما بلغَ ابنَ عباسٍ قال: لو كنتُ أنا لم أحرِّقْهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تعذِّبوا بعذاب الله، ولَقَتَلْتهم، كما قال النبي، صلى الله عليه وسلم: مَن بدَّلَ دينَه فاقتلوه» (٣).

وهذا الحديث في رأيي يتضاد مع آيات القرآن الكريم قطعية الثبوت، التي ذكرناها سابقًا؛ إذ ينطقُ بنقيض مدلولها في إمكانية تكرر الارتداد أكثر من مرة لا مرة واحدة، ثم لا تُقرر الآية أي حد لهذا، على الرغم من أن الله قد نصَّ على أشياءَ في القرآنِ بلفظ: «تلك حدود الله»، فكيف بحد كحد الردة يترتبُ عليه إهدار دم الناسِ لا يُذكَر، رغم تعرُّضِ بعض الآيات للارتداد؟ كما أن بداية الحديث بها ما يشير إلى اضطراب وضعف هذا الحديث، إذ يَرِد في بدايته أن الإمام علي بن أبي طالب، عليه السلام، أحرقَ جماعةً من الناسِ بالنار، ثم استدرك عليه ابنُ عباس عند علمه بهذا الخبر، فأقولُ: أولًا: كيف للإمام علي أن يُقْدِمَ على هذا الفعل الشنيع؟ وهل فات الإمام ما انتبه إليه ابن عباس؟! مع أن الإمام معروف بالعِلم والفقه في الدين، كل هذه مؤشرات مصاحبة تدل على بطلان هذا الحديث، الذي يتخذه بعضُهم ذريعة لإجبارِ غيرهم على دينهم، وخَلْق حالة من النفاق الاجتماعي، لا الإيمان الراسخ العميق عن قناعة بالله.

الإلحاد والمجتمع

ثم نأتي إلى نقطة أخرى، وهي قول بعضهم إنه -الإلحاد- خطرٌ على المجتمعِ، وسيشكِّكُ الناسَ في معتقداتهم، وردًّا على هذا الأمر، أقولُ: إن مَن يكون بهذه الخشية مِن أفكار دائمًا يقول عنها إنها باطلة؛ سيكون بذلك ضعيف الإيمان؛ إذ ما الإيمان الذي يهتز في قلبِ صاحبه بمجرد إطلاق بعض التشككاتِ حوله والنقاشات لمبادئه؟ هذا لن يكون إيمانًا عميقًا؛ وإنما ضعفًا وهشاشة، يخشى أصحابُها مِن أقل الشبهات، وحينئذ لا يحق لهم أن يصفوا إيمانهم بالقوة ولا الرسوخ؛ فبعضهم في أقل نقاش يتساقط إيمانُه.

غير أن الإشكال الذي على الفيلم، أنه طرَحَ الإلحادَ بشيء من الاختزال، وهو حَصْر الإلحاد في «أسباب نفسية»؛ فالشاب المُلحِد في هذا الفيلم كان إلحاده يستند إلى أساس نفسي، وذلك بعد أن حدثت له صدمة عندما شاركَ والدَه وهو طفل في قتل معلمته، التي كانت جارتهم في المنزل، وكان والد الشاب الملحد قد تدخلَ في شؤونها الخاصة، واقتحمَ عليها الشقة، متهمًا إياها بعدم الالتزام، وشارك ابنُه الطفل (الذي ألحدَ بعد ذلك) في قتْل هذه المعلمة، ودفْعها من شقتها إلى الأسفل، كما كان يعاني هو ووالدته من تشدد والده؛ وبهذا يكون المستند الرئيس لإلحاد هذا الشاب هو «الحالة النفسية/أسباب نفسية»، بينما الإلحاد لا ينحصر كله في هذا الجانبِ النفسي؛ إذ هناك مَن يكون إلحادُه مبنيًّا على موقف فكري فلسفي، أو على موقف علمي، كالاستناد مثلًا إلى نظرية التطور لـ تشارلز داروين، أو نظرية «الانفجار العظيم».

وأهمية عدم حصْر الإلحاد في أسبابٍ نفسية تتأتَّى من كوْن الطرف الآخَر: الإلحاد، يستطيعُ أن يُقابِلَ الإيمانَ بنفس هذه الاعتراض، وأنه قائم أيضًا على أسباب «نفسية»؛ وتوضيح بذلك بالقول: إن الذين يعممون الحُكْمَ على الإلحاد بأن أسبابه نفسية، غمْزًا للملاحدة وتلميحًا إلى عدم اتزانهم النفسي، وأن إلحادهم كان بسبب مواقف قاسية تعرضوا لها في حياتهم، ليأتي الطرف الآخر: الإلحاد، ويمكنه أن يتهمَ الإيمان بنفس ذات المنطق، وأن المؤمنين قد آمنوا، أو استقروا على إيمانهم لا عن اقتناع معرفي وعقلي؛ وإنما لأسباب نفسية، تتمثل في عدم تعرضهم لأزمات تَقُض مضجعهم، وأنهم مثلًا لم يشعروا بآلام الحياة وقسوتها، وإنما نالوا نصيبهم من الراحة المادية والمعنوية، ومِن ثَمَّ بَقوا على إيمانهم، ولو أنهم تعرضوا لمثل ما يتعرض له الذي يُلحد من قسوة الحياة ومواقفها؛ لكان مصيرهم مثله، وإذا قال المؤمنُ إنه لن يكون كذلك، واستشهدَ بحالاتٍ تعرضت لمواقف حياتية قاسية من فقر وغيره، ومع ذلك لم يُلحدوا؛ فللمُلْحِد أيضًا شواهد يستطيع أن يأتي بها، وأنه هناك أمثلة لم تُلحد بسبب فقر أو عوامل نفسية، ومِن ثَمَّ لا يحق لأحد أن يستأثر بالعامل النفسي ليتهم به غيره، ويُعرِّض به، ويشير إلى انتقاصِ عقله وشخصيته؛ حيث إن الآخَرَ أيضًا يستطيع ما تستطيعه، وبنفس المنطق الذي تحتج به، هذا كله مع عدم إنكارنا لدور العامل النفسي وأثره في سياق حياة الفرد وفكره، ولكننا ضد الاختزال في هذه الأمر أولًا، وضد التعميم ثانيًا.

 ومِن الممكن أن يكون مؤلِّف الفيلم لم يسْعَ إلى تغطية كل جوانب الإلحاد وأسبابه، وإنما تناول شِقًّا واحدًا فقط منه، نظرًا لحاجة السياق الاجتماعي والثقافي إلى هذا الطرح، ولوجود إشكالات واقعية بالفعل، يُلحد أصحابُها بسبب عوامل نفسية تنشأ أحيانًا عن الاضطهاد الأسري والتزمت، كما لا يجب أن ننسى عوامل الرقابة على مثل هذه الأشياء، أي: على الفيلم، ونوعيته، التي تمثل اصطدامًا بالمؤسسات الدينية والرقابية.

***

بِقَلَم: محمد خليفة أحمد - باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم

.........................

هوامش المقالة:

(١) حلقة مقابلة «إبراهيم عيسى»، مع الإعلامية «نسمة السعيد»، في برنامج «بتوقيت مصر»، الدقيقة: 17. https://youtu.be/aKS8tg7t_PE?si=3XojKQNNKdsSyDb6

(٢) الزمخشري، «الكشَّاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل»، اعتنى به: خليل مأمون شيما، (ط٣، بيروت، دار المعرفة، ٢٠٠٩م)، ص ٢٦٥.

(٣) البخاري، «الجامع الصحيح». اعتنى به: محمد فؤاد عبد الباقي، (ط١، القاهرة، دار ابن الجوزي، ٢٠١٠م)، كتاب الجهاد والسِّيَر، باب: «لا يُعذَّب بعذاب الله»، حديث رقم ٣٠١٧، ص ٣٥٩.

 

من الفلسفة والمادية إلى الرفاقة الثورية

 تتكامل الرؤية الماركسية لمفهوم الحب عبر ثلاثة أبعاد رئيسية تنتقل من الفلسفة إلى التاريخ ثم إلى الأخلاق العملية، لتشكل أطروحة متماسكة ترفض التجريد المثالي والتبسيط الفسيولوجي على حد سواء؛ فلا ينفصل الشغف العاطفي في هذا الفكر عن نمط الإنتاج وعلاقات الملكية، بل يتأسس كشرط لتحرر الإنسان واستعادة جوهره السليب من براثن التغريب والتسليع.

الماهية الفلسفية للحب ونقد التغريب لدى كارل ماركس

ينطلق كارل ماركس في «مخطوطات عام 1844 الفلسفية والاقتصادية» من رؤية جذرية تضع الحب في قلب الفاعلية الإنسانية الحية، متجاوزاً حدود التنظير الميتافيزيقي للعاطفة. يرى ماركس أن الحب ليس مجرد ميل عاطفي مجرد، بل هو الفعل الحسي الأصيل الذي يختبر فيه الإنسان إنسانيته، متحرراً من إسار الغريزة البيولوجية المحضة ليصنع وجوده الاجتماعي مع الآخر على قاعدة من التكافؤ التام. ويُعبر ماركس عن ذلك بقوله الشهير:

"إذا افترضت أن الإنسان هو إنسان، وأن علاقته بالعالم علاقة إنسانية، فإنه لا يمكنك تبادل الحب إلا بالحب، والثقة إلا بالثقة... وإذا كنت تحب دون أن تستثير حباً بالمقابل، فإن حبك يكون عاجزاً، ويكون شقاءً".

تتأسس هذه الرؤية على أن الحواس البشرية ليست أدوات التقاط بيولوجية صماء، بل هي ملكات تتشكل وتتأكد بالخبرة المباشرة؛ ففي تجربة الحب لا يعود الطرف الآخر موضوعاً للاستهلاك أو لتلبية دافع حيواني، بل يغدو ذاتاً مستقلة تتأكد إنسانية الفرد عبر الاعتراف المتبادل بها. ومن هنا يضع ماركس العلاقة العاطفية بين الرجل والمرأة كمعيار حاسم لرقي المجتمع؛ إذ يُقاس تطور الإنسان بمدى تحول حاجته البيولوجية المباشرة إلى حاجة إنسانية روحية وجسدية متكاملة، يطلب فيها الإنسان أخاه الإنسان لكونه إنساناً لا لشيء آخر.

وفي مقابل هذا التبادل الإنساني الخالص، يكشف ماركس عن الدور التدميري للنظام الرأسمالي وآلية التغريب؛ حيث يتحول المال في مجتمع السوق إلى وسيط قاهر يحيد الطاقة العاطفية ويشوه طبيعتها، بوصفه القوة المادية التي تشتري مظاهر المشاعر وتصنع زيف الوفاء. تحول الرأسمالية العلاقات المباشرة بين البشر إلى تغريب وتشييء، حيث تُقيم الذات الإنسانية في سوق العواطف وفق قدرتها الشرائية وموقعها الطبقي، مما يفرغ الحب من فاعليته التلقائية ويحوله إلى صفقة مشروطة بتبادل المنافع المادية.

إن الحب عند ماركس يستلزم قوة حسية فاعلة قادرة على استثارة عاطفة نِدّية ومتبادلة بالمقابل؛ فالتبادل المالي يُلغي التكافؤ، بينما يفرض قانون التبادل الإنساني ألا يُستبدل الشعور إلا بجنسه، ليغدو الفشل في توليد هذا التجاوب عجزاً وشقاءً ذاتياً يفتقد شرط الحرية والمساواة بين ذوات حرة. وبذلك ينجلي الحب في المنظور الماركسي المبكر كفعل مقاومة فلسفي يخوض معركة استعادة الذات الإنسانية من براثن التسليع والتغريب.

التحليل التاريخي والمادي للعاطفة لدى فريدريك إنجلز

يتناول فريدريك إنجلز مفهوم الحب عبر منهج المادية التاريخية، لينتزع المشاعر العاطفية من التجريد المثالي ويضعها في سياق تطور البناء الاقتصادي والاجتماعي. يعبر إنجلز عن ذلك في كتابه «أصل الأسرة والملكية الخاصة والدولة» بقوله:

"إن الحرية الكاملة في اختيار الشريك لا يمكن أن تحقق على نحو عام إلا عندما تؤدي إزالة الإنتاج الرأسمالي وعلاقات الملكية إلى إلغاء كل الاعتبارات الاقتصادية الجانبية التي تمارس تأثيراً كبيراً على اختيار الزوج؛ وحينها لن يبقى أي دافع لإقامة العلاقة سوى الميل العاطفي المتبادل".

يؤكد إنجلز أن الشغف العاطفي بين الفردين ليس غريزة أزلية ثابتة الشكل، بل هو ظاهرة تاريخية تطورت أدواتها ومعانيها بتغير نمط الإنتاج وعلاقات الملكية.

يؤرخ إنجلز لنشأة ما يسميه "الحب الجنسي الفردي" بوصفه أعلى شكل أفرزته العاطفة البشرية الحديثة، مبيناً أن المجتمعات القديمة لم تجعل من الحب الشغوف شرطاً أو أساساً للزواج. ففي العصور الكلاسيكية كاليونان والرومان، كان الزواج مؤسسة واجباً لإنجاب ورثة شرعيين لحفظ النسب بينما عاش الحب الحقيقي خارج أطر الزواج المعتمدة، ولم يبدأ الشعور بالعاطفة الفردية المتبادلة في التبلور إلا عبر مراحل تاريخية متأخرة كعصر الفروسية في القرون الوسطى، وإن ظل محصوراً خارج العلاقات الرسمية التي كانت تُحسم بالتحالفات الإقطاعية والعقارية.

ويكشف إنجلز أن الزواج الأحادي لم ينشأ تاريخياً نتيجة حب رومانسي متبادل، بل كان ضرورة فرضتها الملكية الخاصة لضمان نقل الثروة وتوريثها للأبناء البيولوجيين. وأدى هذا الارتباط بين الملكية والمؤسسة الزوجية إلى تشوه جوهري في العاطفة؛ حيث تحول الزواج البورجوازي في الواقع إلى صفقة تجارية ومساومة اقتصادية تقع فيها المشاعر ضحية للحسابات الطبقية، كما فرض المجتمع الأحادية العاطفية والجنسية الصارمة على المرأة لحفظ النسب بينما احتفظ الرجل بسلطة الخيانة الفعالة، مما حول العلاقة الرسمية إلى شكل من أشكال التبعية المعيشية المستترة.

ويرى إنجلز أن الحب الجنسي الفردي النقي لا يمكن أن يزدهر ويتكرس كقاعدة عامة إلا بين طبقات العمال لغياب الملكيات الكبيرة المتصارع على توريثها، مما يجعل التجاذب المباشر المبرر الوحيد للاستمرار. ولكي تتحقق هذه الحرية العاطفية للمجتمع بكامله، يضع إنجلز شرطين ماديين غير قابلين للتجزئة: الاستقلال الاقتصادي التام للمرأة عبر دخولها في الإنتاج الاجتماعي العام وتحويل الرعاية المنزلية إلى مسؤولية مجتمعية، وإلغاء الملكية الخاصة لتجريد الزواج من كل غاية مالية، ليبقى الحب والانجذاب المتبادل المعيار الوحيد لإقامة العلاقة أو إنهاؤها.

الأخلاق الثورية والمسؤولية الاجتماعية لدى فلاديمير لينين

ينقل فلاديمير لينين مفهوم الحب من إطاره الفلسفي والتاريخي إلى فضاء الممارسة الثورية والبناء الاجتماعي. يتضح هذا التوجه في حواراته مع كلارا زتكين حيث يقول:

"بالتأكيد العطش يتطلب إشباعاً، لكن هل سيستلقي شخص طبيعي في الشارع ليجرع من بركة ماء قذرة؟ أو يشرب من كأس مرت على عشرات الشفاه؟ ... إن شرب الماء فعل فردي محض، أما في الحب فيشترك طرفان وتنشأ حياة جديدة، وههنا تحديداً تكمن المسؤولية والمصلحة الاجتماعية".

ينطلق لينين من رفض قاطع لإفراغ العاطفة الإنسانية من مضمونها الروحي والأخلاقي، محذراً من تحويل الحرية العاطفية إلى فوضى بدائية تستنزف وعي الفرد وإرادته.

خاض لينين مواجهة فكرية صريحة ضد ما شاع بين الشبيبة الثورية عقب الثورة البلشبية تحت مسمى "نظرية كأس الماء"، التي كانت تروج لأن تلبية الرغبة العاطفية أو الجنسية في المجتمع الجديد يجب أن تكون بسيطة وتلقائية كشرب كأس من الماء عند العطش. اعتبر لينين هذا الطرح انحرافاً بورجوازياً يرتدي مسحوقاً ثورياً زائفا؛ فهو يختزل الإنسان في البعد البيولوجي المجرد، ويتجاهل أن العاطفة البشرية هي نتاج ثقافة وحضارة وتهذيب طويل للطبيعة الحيوانية، وأن استخفاف الفرد بعلاقاته هو انعكاس لاستخفافه بالآخر وبالجامعة الاجتماعية.

يرفض لينين الفصل التعسفي بين الجسد والروح، واضعاً معياراً كاملاً للحب السوي والمتكافئ؛ حيث يراه مركباً متكاملاً لا ينفصل فيه الانجذاب الجسدي عن الترابط الروحي والتوافق الفكري. وتتضاعف قيمة هذا الحب بقدر ما يحمله من احترام متبادل ومسؤولية مشتركة تجاه الآخر وتجاه المجتمع؛ فالحب في المنظور اللينيني ليس حالة أنانية مغلقة على ذاتها تغيب عن الواقع، بل هو رابطة إنسانية تعزز إحساس الفرد بمسؤوليته الأخلاقية والاجتماعية.

ويربط لينين بين طبيعة العلاقة العاطفية والتوازن النفسي والذهني للإنسان، فيرى أن الاستغراق المفرط في المغامرات العاطفية العابرة أو الصراعات الذاتية المستهلكة يستنزف طاقة الفرد ويصرفه عن القضايا المبدئية والواجبات الرفاقية. وفي المقابل، يُنظر للحب الصادق والنقي كعنصر بناء يمنح الإنسان صفاءً ذهنياً وزخماً نفسياً يغذيان فاعليته في الحياة والمجتمع، ليتحول الحب من مجرد تجربة فردية إلى قوة رفاقية تصون كرامة الذات وتدعم الروح الجماعية.

قصص الحب والتجربة الشخصية لدى المفكرين الثلاثة

تتجلى مصداقية الطرح الماركسي للحب في عدم وقوفه عند حدود التنظير المجرد، بل في اتساقه التام مع التجربة الحياتية والشخصية لمفكريه الثلاثة، رافضين صفقات المصلحة البورجوازية ومقدمين نماذج حية للحب القائم على التكافؤ والحرية والرفاقة الفكرية. ويتضح ذلك جلياً في رسائل ماركس إلى زوجته جيني فون فيستفالين حيث يكتب:

"إن حبي لكِ، حين تكونين بعيدة، يظهر على حقيقته: عملاقاً تتدفق فيه كل طاقة نفسي وكل عاطفة قلبي... إن الفقر والمنفى والاضطهاد لم تتمكن يوماً من إطفاء شعلة هذا التلاحم الروحي والفكري".

قصة حب كارل ماركس وجيني فون فيستفالين: الصمود أمام الفوارق الطبقية والمنفى

خاض كارل ماركس قصة حب عميقة مع جيني فون فيستفالين، التي كانت تنتمي إلى عائلة أريستوقراطية بروسية رفيعة المستوى، مترافقين في تحدي الفوارق الطبقية والضغوط الاجتماعية عبر خطوبة سرية دامت سبع سنوات لتتوج بالارتباط عن حب خالص عام 1843. وعبر العقود التالية، ظلت هذه العلاقة نموذجاً للتلاحم العاطفي والفكري؛ حيث شاركت جيني ماركس سنوات الملاحقة والمنفى القاسي في لندن والفقر المدقع، دون أن ينال ذلك من التكافؤ والود المتبادل بينهما حتى خبا جسداهما.

قصة حب فريدريك إنجلز وماري وليزي بيرنز: الارتباط الحر خارج المؤسسة البورجوازية

ترجم فريدريك إنجلز نقده الفلسفي للزواج البورجوازي إلى ممارسة فعلية؛ حيث رفض إخضاع عاطفته لشهادة الزواج الرسمية القائمة على الاعتبارات القانونية والمالية. ارتبط إنجلز بعلاقة حب حرة مع ماري بيرنز، وهي عاملة إيرلندية من الطبقة البروليتارية، وعاشا معاً شراكة عاطفية قائمة على الاختيار والميل المتبادل بعيداً عن أطر الشكليات الطبقية. وبعد رحيل ماري، استمر في الارتباط العاطفي بأختها ليزي بيرنز، ولم يوثق الزواج رسمياً إلا على فراش موتها احتراماً لرغبتها الشخصية وتأكيداً لوفائه لها.

قصة حب فلاديمير لينين ونديجدا كروبسكايا: الرفاقة الثورية والترابط الروحي والفكري

جسد فلاديمير لينين ونديجدا كروبسكايا مفهوم "الحب الرفاقي" الذي يجمع بين الانجذاب الإنساني والتوافق الفكري والعمل المشترك. نشأت علاقتهما في أتون العمل السياسي السري بسانت بطرسبرغ، وعندما نُفي لينين إلى سيبيريا، التحقت به كروبسكايا لتكتمل شراكتهما تحت ضغوط المنفى القيصري؛ فلم تكن كروبسكايا مجرد زوجة، بل كانت رفيقة فكرية ومناضلة مشاركة في صياغة الأدبيات والمشروع الثوري، مما أعطى حبهما بعداً إنسانياً يرتفع فوق الأنانية الفردية.

نحو رؤية تحررية لمفهوم الحب في الفكر الماركسي

تتجلى الأطروحة الماركسية حول الحب كبناء فكري متكامل يربط بين الفلسفة والتاريخ والممارسة الأخلاقية، مبرهنةً أن المادية لم تهدف يوماً إلى اختزال المشاعر الإنسانية في الحسابات الاقتصادية، بل يسعى منهجها لتخليص العاطفة من التجريد الميتافيزيقي والتشييء الرأسمالي، وإعادتها إلى أرض الواقع كفاعلية إنسانية حية.

تتأكد فرادة هذه الرؤية في التكامل المنهجي بين أبعادها الثلاثة: الركيزة الفلسفية لدى كارل ماركس بإعادة صياغة الحب بوصفه تأكيداً حسياً ونشاطاً واعياً تُقاس به إنسانية الفرد وقانوناً نِدّياً يرفض التغريب وسلطة المال؛ والتفكيك التاريخي لدى فريدريك إنجلز بكشف الجذور المادية لنشوء الزواج المؤسسي وتشوّه العلاقات الأحادية تحت وطأة الملكية الخاصة، مع تحديد استقلال المرأة الاقتصادي وزوال دافع التملك كشرطين ماديين لولادة الحب الجنسي الفردي الحر؛ والبعد الأخلاقي والتطبيقي لدى فلاديمير لينين بدحض الاختزال الفسيولوجي الفوضوي لـ "نظرية كأس الماء"، وتأكيد شمولية الحب السوي كتركيب يجمع الانجذاب الجسدي والترابط الروحي والانسجام الفكري في إطار من المسؤولية الاجتماعية والرفاقة.

إن اتساق هذه الأطروحة مع التجربة الحياتية لمفكريها يؤكد أن الحب في المنظور الماركسي يرتفع عن كونه صفقة منفعة طبقية أو استغلالاً عابراً، ليتحول إلى فعل مقاومة تحرري واستعادة واعية لإنسانية الإنسان؛ إذ لا يمكن للحب الصادق أن يزدهر في أنقى صوره إلا حيث تسقط علاقات الهيمنة والتبعية، وتتحقق الحرية والتكافؤ التام بين ذوات حرة ومستق

***

ئاريان علي

تفكيك فلسفي لجيوبوليتيك الهدْر واستلاب الوعي النقدي

ديناميات الصراعات المفتوحة وسرديات اللانتيجة

تتسم التحولات السياسية والاجتماعية الراهنة في منطقة الشرق الأوسط بظاهرة مركبة وبالغة التعقيد، تتجاوز في طبيعتها أطر التوصيف العسكري الكلاسيكي. تتمثل هذه الظاهرة في اندلاع متوالية ممتدة مما يمكن تسميته "النزاعات بلا سقف"، وهي حروب وصراعات مستمرة لا تتبع المنطق الحربي التقليدي القائم على السعي نحو الحسم الإستراتيجي، وإخضاع الخصم، وفرض واقع سياسي جديد ومستقر. بل تتدفق هذه الصراعات بوصفها مسارات دائرية مغلقة تسيل فيها الدماء، وتُهدر من خلالها الثروات والمقدرات البشرية والمادية، دون أن تفضي إلى تسويات تاريخية قارة أو مخرجات تنموية تعيد بناء المجتمعات المنكوبة. وبدلاً من أن تكون الأزمة حالة استثنائية طارئة تسعى الأطراف إلى تجاوزها، يجري تكريسها وتثبيتها لتغدو بنية هيكلية وظيفية مستدامة، مهمتها إدارة حالة الفوضى القائمة وإعادة إنتاجها على نحو ممنهج.

تبتعد هذه النزاعات ابتعاداً جذرياً عن النموذج الكلاوزفيتشي الكلاسيكي، الذي طالما نظر إلى الحرب بوصفها "امتداداً للسياسة بوسائل أخرى"؛ أي بوصفها أداة عقلانية موجهة لخدمة أهداف سياسية واضحة ومحددة زمنياً ومكانياً. وبدلاً من ذلك، تلتقي صراعات الشرق الأوسط الراهنة مع التفكيك المعاكس الذي بلوره ميشيل فوكو، ومفاده أن "السياسة ذاتها قد استحالت استمراراً للحرب بوسائل مغايرة". ففي هذا السياق المأزوم، تُصمم الدبلوماسية، والتحالفات الإقليمية، والإجراءات الاقتصادية، والخطابات الإعلامية، لغرض وحيد هو تأبيد حالة النزاع، ومنع الوصول إلى لحظة السلام الحقيقي، وإبقاء المجتمعات في حالة استنفار دائم يُغذي السلطات القائمة ويضمن استمرار هيمنتها على مقاليد الحكم والمجال العام.

يقودنا تفكيك هذه الصراعات، استناداً إلى المنظور النقدي لجاك دريدا، إلى إزاحة الستار عن التناقضات العميقة التي تقوم عليها خطابات السيادة ومنظومات العنف المشرعن في النظام الدولي المعاصر. ففي الوقت الذي تدّعي فيه القوى الكبرى والمنظومات الإقليمية سعيها لفرض الاستقرار ومكافحة الإرهاب وبناء الأمن، تُظهر الممارسة العملية أن آليات إدارة حروب الوكالة ليست سوى إدارة واعية لسياسة "اللاحسم". إن الإبقاء المتعمد على الصراعات معلقة في منطقة برزخية رمادية،تقع بين الحرب الشاملة والسلم المفقود،يمنع تشكل أي عقد اجتماعي وطني جامع، ويحول دون بناء مؤسسات دستورية تحمي الحريات وتصون كرامة الأفراد وحقوقهم الأساسية.

جدلية الصلابة والسيولة: مأزق الاستنزاف الهجين

شهدت العقيدة القتالية في المنطقة تحولاً جذرياً يتمثل في التخلي التدريجي عن فكرة "المعركة الحاسمة" لصالح إستراتيجيات الإنهاك المتواصل والتعطيل البنيوي الشامل. ويتأتى هذا المأزق نتيجة تقاطع غير متكافئ بين نمطين من التفكير العسكري:

النمط الأول يمثل الجيوش النظامية وحلفاءها، وهي قوى تعتمد على التفوق التقني والكثافة النارية الصارمة؛ والنمط الثاني تمثله القوى غير النظامية والفاعلون الهجينون، الذين يوظفون أساليب الحركة السائلة، والمراوغة، وتجنب الصدام الجبهوي المباشر، والتواري في النسيج العمراني والاجتماعي.

يولد هذا التصادم بين الصلابة العسكرية والسيولة الميدانية مسرحاً واسعاً من الضبابية القاتلة. فلا القوة النارية الهائلة قادرة على سحق المقاومة وإنهاء التمرد، ولا التشكيلات الهجينة تمتلك القدرة أو الرؤية لبناء دولة حديثة وضمان التنمية والاستقرار. والنتيجة الحتمية لهذا التعادل السلبي هي تحول مساحات شاسعة من الشرق الأوسط إلى ميادين لهدر الطاقات، واستنزاف الموارد الحيوية، وتآكل الطبقة الوسطى، وتحويل حياة المجتمعات إلى جحيم يومي مستدام لا يحمل أي أفق زمني للخلاص.

تفكيك بنيات السيادة وسلطة الإماتة

يُشكل مفهوم "حالة الاستثناء" لدى الفيلسوف جورجيو أجامبين مدخلاً نظرياً جوهرياً لتفكيك تحولات السلطة السيادية في المنطقة. يرى أجامبين أن السيادة في الدولة الحديثة لا تتحدد بمدى قدرتها على تطبيق القانون والعدالة، بل في قدرتها المطلقة على تعليق العمل بالقانون وإعلان الطوارئ الدائمة. وفي هذا الفضاء السيادي المعلق، يُجرد الإنسان من صفته كمواطن يحمل حقوقاً وواجبات، ليتحول إلى "حياة عارية"؛ مجرد جسد بيولوجي مستباح يجوز إلحاق الأذى به أو قتله دون أن يترتب على ذلك ارتكاب جريمة معترف بها في النظام القضائي، ودون أن تتوفر له أدنى حماية دستورية.

وفي امتداد لهذه الرؤية، يطور المنظر السياسي أشيل مبيمبي أطروحة "السياسة الحيوية" لينقلها إلى مفهوم "سياسات الموت" أو "سلطة الإماتة". يرى مبيمبي أن التعبير الأقصى عن السيادة والهيمنة المعاصرة لا يكمن في تنظيم الحياة وتنميتها، بل في امتلاك القدرة والجاهزية لتحديد من يحق له أن يحيا ومن يُحكم عليه بالفناء والتلاشي.

تخلق هذه السياسات ما يسميه مبيمبي "عوالم الموت"، وهي فضاءات اجتماعية يُدفع إليها ملايين السكان عبر الحصار المطبق، وتدمير مصادر الطاقة والمياه، وقصف المشافي، وتعطيل البنية التحتية للحياة. في هذه العوالم، لا تتوقف سلطة الموت عند حدود القتل المباشر بالرصاص والصواريخ، بل تتسع لتشمل "الإهلاك البطيء"؛ وهو القتل التدريجي الناتج عن التلوث، وانعدام الدواء، وتفشي الأوبئة، وتجفيف سبل العيش الكريم، حيث تغدو الأجساد البشرية أرقاماً هامشية لا قيمة لها في حسابات الساسة.

من القهر السياسي إلى الهدْر المجتمعي الشامل

يقدم المفكر وعالم النفس الاجتماعي مصطفى حجازي في كتابه التأسيسي "الإنسان المهدور" تشخيصاً سوسيولوجياً ونفسياً بالغ العمق للتحولات التي أصابت الإنسان في البيئة العربية ومجتمعات النزاع. يرى حجازي أن مفهوم "القهر"،الذي ركز سابقاً على كبت الحريات ومصادرة الرأي من قبل الأنظمة التسلطية،لم يعد كافياً لاستيعاب عمق الكارثة الراهنة. لقد انتقلت المجتمعات المأزومة من مرحلة القهر إلى مرحلة (الهدْر الشامل).

إن الهدر، بحسب هذا التفكيك، هو أقصى درجات إنكار الإنسانية؛ إذ لا يكتفي بإسكات صوت الإنسان، بل يُلغي قيمته الوجودية بالكامل، ويتعامل معه بوصفه كائناً زائداً عن الحاجة، ولا يستحق أي رعاية أو اعتراف. لا يقتصر الهدر على إراقة الدماء في المعارك، بل يمتد ليطال:

هدر العقل والوعي: من خلال تدمير المؤسسات التعليمية والأكاديمية، وإفراغ المناهج من الحس النقدي.

هدر الطاقات والكفاءات: بدفع العقول المبدعة والشباب نحو الهجرة القسرية أو الاستسلام للبطالة والإحباط.

هدر الزمن والتاريخ: بإغراق المجتمع في أزمات معيشية تافهة ومفتعلة تبتلع طاقته اليومية وتمنعه من التفكير في مستقبله وبناء مشروعه الحضاري.

تدجين الوعي وإنتاج الإنسان ذي البعد الواحد

يستكمل التحليل النقدي المعاصر أطروحة الفيلسوف هربرت ماركوزه حول "الإنسان ذو البعد الواحد"، مبيناً كيف تُسخّر آلات الدعاية والتقنية الحديثة في مناطق النزاعات بلا سقف لتطويق الوعي وتدجينه. يُوظف الإعلام التعبوي لخدمة الخطاب الحربي وشحن الغرائز الطائفية والقبلية، وتُفرغ المفاهيم السياسية والأخلاقية من معانيها الحقيقية؛ فتتحول مفردات مثل "التحرير"، و"المقاومة"، و"الصمود"، و"السيادة" إلى أصنام لغوية وشعارات فارغة تُستخدم حصراً لتبرير استمرار الخراب وتسكين النقد والمساءلة.

يُنتج هذا التضليل المنظم حالة من "الاستلاب الشامل للوعي النقدي". يعتاد الأفراد مشاهد الموت والدمار اليومي حتى تصبح جزءاً من الطبيعة العادية للأشياء، وتتلاشى قدرتهم على تخيل بدائل سياسية واجتماعية خارج منطق البندقية والاصطفاف الأيديولوجي الأعمى. يتراجع حضور المثقف النقدي والمفكر المستقل، ويُفسح المجال واسعاً للمروجين والشعبويين الذين يقتاتون على إدامة النزاع، الأمر الذي يُجهض أي فرصة لولادة وعي تنويري يمتلك الجرأة على تفكيك بنية التسلط ومساءلة صناع الحروب المفتوحة.

مستويات التفكك البنيوي في متوالية اللاحسم

إن النزاعات بلا سقف في الشرق الأوسط تولد تفاعلات متسلسلة تعصف بكافة البنى المجتمعية، وتنتظم في أربعة مستويات رئيسية تكشف عمق الأزمة البنيوية:

المستوى الجيوسياسي والإقليمي: يتجلى عبر تدويل النزاعات وتنامي حروب الوكالة القائمة على مذهب اللاحسم الممنهج، الأمر الذي يفضي بنيوياً إلى تآكل سيادة الدول الوطنية، وتحويل أراضيها إلى مسارح اشتباك مفتوحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية دون سقف زمني أو سياسي.

المستوى السيادي والقانوني: يتمثل في الإعلان الدائم لحالة الاستثناء، وممارسة سياسات الإماتة بحق الفئات المستضعفة، مما يؤدي إلى تقويض المنظومات القانونية والدستورية، وتجريد المواطنين من حقوقهم الإنسانية، وتحويلهم إلى كائنات مستباحة في فضاءات تفتقر للعدالة والمساءلة.

المستوى السوسيولوجي والإنساني: ينعكس في التحول الشامل من ممارسات القهر والتسلط التقليدي إلى منظومة الهدر المعمم، مما يسفر عن تعطيل التنمية الإنسانية، واستنزاف رأس المال البشري، وتحويل الإنسان من فاعل في التاريخ إلى عنصر فائض ومهمل.

المستوى الفكري والرمزي: يتبدى في توظيف الأجهزة الإعلامية والتقنية لتزييف الوعي وصناعة الفرد الأحادي البعد، وهو ما يؤدي إلى تراجع العقلانية، واختفاء الحوار الديمقراطي، وتكريس خطابات التكفير والتخوين التي تسد آفاق التنوير والتغيير.

نحو استعادة الفاعلية والوعي النقدي

تُبرهن القراءة التفكيكية الفلسفية على أن نزاعات الشرق الأوسط ليست مجرد تعثرات عسكرية أو إخفاقات سياسية آنية، بل هي تعبير مكثف عن هيمنة "العقلانية الأداتية" الصلبة، التي تحول البشر والأوطان إلى وسائل وأدوات لتحقيق مصالح ضيقة ومكاسب نفوذ مجردة من أي بعد أخلاقي. لكسر هذه الحلقة المفرغة ووقف متوالية الهدر، تبرز الحاجة الفكرية والوجودية إلى التأسيس لـ "عقلانية تواصلية" وفق ما نظّر له يورغن هابرماس. تقوم هذه العقلانية على إعادة الاعتبار للغة الحوار غير المشروط، وإحياء المجال العام ليكون فضاءً للتداول الحر، وبناء التوافقات المجتمعية بعيداً عن القهر ولغة السلاح والإكراه.

كما يتطلب التحرر الفعلي مأسسة "أخلاقيات الاعتراف" كما صاغها أكسل هونيث، والتي تقتضي الانتقال الحاسم من علاقات الإقصاء والاحتقار والاستباحة إلى أفق يعترف بالقيمة الوجودية والكرامة الذاتية لكل إنسان. إن استرداد الوعي النقدي يمثل نقطة البداية لتفكيك سرديات التبرير الحربي، وإعادة تعريف السيادة لتكون نابعة من إرادة الإنسان وحمايته، ولتصبح الكرامة والحرية والحياة غايات عليا لا تقبل المساومة على مذابح النزاعات المفتوحة.

***

غالب المسعودي

بينما يلهو الدلفين في الماء دون أن يُقلقه التفكير في الموت، يُجبر الإنسان، بفضل قدرته على إنتاج الرموز واللغة والمفاهيم المجردة، على مغادرة الحاضر المباشر والعيش في أزمنة متعددة: ماضٍ يستعيده بالذاكرة، ومستقبل يتخيله بالتوقع، وحاضر يقيسه بما كان وما سيكون. ولعل هذا الانزياح الزمني هو أحد أعمق وجوه الاختلاف بين الإنسان والكائنات الأخرى؛ فالإنسان لا يعيش الزمن فحسب، بل يمنحه معنى، ولا يكتفي بالموت كحدث بيولوجي، بل يحوله إلى سؤال عن البقاء والذكرى والخلود.

وهكذا يمكن فهم المومياء، لا بوصفها جسدًا ميتًا فحسب، وإنما بوصفها مستودعًا للهوية، وذاكرةً ماديةً ملفوفة بطقوس الدين وتصورات الإنسان عن الحياة والموت والأبدية. وكذلك الأهرامات ليست مجرد مقابر ملكية ضخمة، وإنما تعبير مادي هائل عن رغبة الإنسان في مقاومة الفناء؛ ليس البقاء الجسدي وحده، وإنما البقاء الرمزي أيضًا. فالإنسان يموت، لكنه يحاول أن يترك وراءه اسمًا وصورةً وأثرًا ونصًا وحجرًا وحكاية.

فمنذ أن أدرك الإنسان هشاشة وجوده أمام الزمن، بدأ يبحث عن وسائل لمقاومة النسيان. أقام القبور، ونقش الحجارة، وشيد المعابد، وبنى الأهرامات، وكتب الأساطير، وحفظ الأنساب، ورسم الصور، وسجل الأحداث، ثم اخترع المكتبات ودور الأرشيف والمتاحف. وإذا نظرنا إلى هذه المؤسسات من منظور فلسفي واسع، وجدنا أنها جميعًا أشكال مختلفة من محاولة الإنسان حفظ الوجود من السقوط في هاوية النسيان.

ان احساس الانسان بتفاهته وضآلته مقارنة مع بالكون والاخرين يشعره بحاجة الى التوحد بالكون والمجتمع، وما لم يحدث التعلق، ما لم يكن لحياته معنى ما واتجاه ما، فانه يشعر بانه شبيه بذرة التراب الطائرة وتقهره تفاهته الفردية وضعفه وعجزه ومحدوديته, لقد دفع الانسان خوفه الشديد من التغير والزمان الى البحث عن الله الواحد الاحد القوي الثابت قال تعالى: «فلما جن عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما افل قال لا احب الافلين * فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما افل قال لئن لم يهدني ربي لاكونن من الضالين * فلما رأى الشمس بازعة قال هذا ربي هذا اكبر، فلما أفلت قال يا قوم اني برئ مما تشركون * اني وجهت وجهي للذي فطر السموات والارض، حنيفا وما أنا من المشركين» يقول كولن ويلسون: «والحق ان الدين نفسه استجابة للغز الزمان الاساسي . افتقار الانسان الى إلامن حين يحيا في الحاضر. واعياً بابعاد الماضي والحاضر التي تسحقه في كون لا يمتلك سلطاناً مباشراً عليه والمحاط بخطر الموت والفناء الظاهري. "والحل الذي تقدمه معظم الاديان هو تأكيد على نمط للوجود يتحقق بالخلود والتعالي والابدية، بغير بداية ولا نهاية مبرءاً من الاخطاء ومنزهاً من التغير فالدين يعمد الى ادماج الحاضر الأرضي والطبيعي والإنساني في الماضي والمستقبل" وقد كان الخوف أساس الطوطمة، فتطور حتى أصبح حبا فشعائر وعادة للاسلاف وقد كانت العبقرية اليونانية في تفسيرها للتاريخ والزمان تنطلق من التجربة الإنسانية في التغيرات الجسدية.. من الميلاد والطفولة إلى النضج والانهيار الحتمي للقدرات الجسمية والعضلية في الهرم. فالزمن عندهم هو التغيير، ما كنا عليه وما نحن عليه الان سوف ينتهي، سواء كان جيداً او سيئاً او وسطاً بينهما.و تعد ملحمة جلجامش الرافدية، أهم وأكمل عمل إبداعي أسطوري شعري، دونت بين (2750و2350) قبل الميلاد عن الملك جلجامش الذي عاش في مدينة أوروك «الوركاء» الواقعة في وادي الرافدين على الضفة الشرقية لنهر الفرات، وقد تشكلت حول شخصه باقة من الحكايات الأسطورية والبطولية، التي تسرد أخبار أعماله الخارقة، وسعيه المستميت إلى معرفة سر الحياة الخالدة. إذ لم تكن ملحمة جلجامش الا تمثيلا لذلك الصراع الازلي بين الموت ورغبة الانسان في الخلود، "الانسان الضعيف المغلوب المقهور في محاولته اليأسة التشبت بالوجود مدفوعاً بغزيرة حب الحياة والحفاظ على البقاء. "ما الذي حملك على هذا السفر البعيد؟: أجاب جلجامش: جئت لاسال عن (لغز الحياة والموت)... وعلام تهيم على وجهك في الصحارى؟ انه "انكيدو" صاحبي وخلي الذي احببته حبا جما لقد انتهى الى ما يصير اليه البشر جميعا فافزعني الموت حتى همت على وجهي في الصحارى.. أيكون في وسعي الا ارى الموت الذي اخشاه وارهبه؟ فاجابت العرافة: "الى اين تسعى يا جلجامش" ان الحياة "يقصد الابدية" التي تبغي لن تجد حينما خلقت الالهة العظام البشر قدرت الموت على البشرية واستأثرت هي بالحياة"

وقد كانت "مدينة اوروك" المحصنة بالأسوار العالية تمثل "الحضارة" مقابل "البرية، البداوة" التي كان يمثلها "انكيدو" الذي يجوب البراري والتلال يرعى الكلأ مع حيوان البر ويستقي معها عند موارد الماء ذلك المتوحش القوي، الذي استأنس أول ما استأنس بالمراة "البغي" رمزاً من رموز الحضارة المستقرة، وحينما رقد "انكيدو" على فراش الموت، وادرك قرب نهايته اخذت تتوارد عليه الخواطر والذكريات، فود لو انه ما جاء الى حياة (الحضارة) بل ظل في باديته سعيداً خالي البال يرعى مع الظباء والحيوان، واخذ يكيل اللعنات على من زين له المجئ الى حياة المدينة. وفي الاسطورة اليونانية كان الشاعر "هيزيود" يرى ان الكون كله تحكمه عملية اضمحلال متوالية بدء من عصر ذهبي كانت الالهة هي التي تحكم فيه والناس يعيشون في سلام ووئام يتبعه عصر فضي ثم عصر برونزي واخيراً عصر حديدي يضطر فيه الناس للعيش بعرق جبينهم ويعانون مصيرهم، وكلمة "الزمن" باليونانية "كارونوس" هي اسم الاله الذي التهم اطفاله، واوديب عند "سوفوكليس" كان يعبر عن ذلك بقوله:

"الزمن يدمر كل شي

لا احد بمأمن من الموت سوى الالهه

الأرض تفنى.. كل شي الى زوال

حتى الثقة بين الناس تذوى، ويحل محلها عدم الثقة

الاصدقاء ينقلبون على الاصدقاء

والمدن على المدن

مع الزمن.. كل شي يتغير البهجة الى مرارة

حتى البغضاء تتحول الى حب"

هذا الوعي بالطبيعة العابرة للحياة الانسانية والتغير والتبدل المستمر الذي يسري على الكون كله كان قد تخلل الثقافة اليونانية والرومانية كلها. وربما كان الفليسوف اليوناني هيراقليطس خير من عبر عن ذلك في شذراته.

"كل شي يتغير لا شي يسكن

في التغير، تجد الاشياء راحتها

الزمن هو طفل يحرك لعبه في يده والقوة الملكية هي قوة طفل

الحرب هو ابو الاشياء جميعا"ً

في هذا الأفق الفلسفي الكلي يمكن النظر إلى المتحف ومعناه الميتافيزيقي فالمتحف، في جوهره، ليس مستودعًا للأشياء القديمة، وإنما مؤسسة لاستعادة الذاكرة. إنه المكان الذي يتحول فيه الغائب إلى حاضر، والشيء إلى شاهد، والأثر إلى وثيقة، والموت إلى معرفة، والزمن إلى فضاء يستطيع الإنسان أن يدخله ويتجول بين طبقاته وهذا هو المعنى الذي حاولت التأكيد عليه في الحلقة الأولى من هذا المقال: المتحف هو ذاكرة الحياة.

لكن الوعي المتحفي لا يكتمل بمجرد زيارة المتحف أو مشاهدة مقتنياته؛ إنه جزء من الوعي التاريخي نفسه. فالوعي التاريخي هو أن يدرك الإنسان أن الحاضر الذي يعيش فيه ليس بداية التاريخ، وأن العالم الذي يراه حوله لم يظهر فجأة، وإنما هو نتيجة تراكم طويل من الحيوات والتجارب والأفكار والأخطاء والاكتشافات والإنجازات ولعل أهمية هذا الوعي التاريخي المتحفي تتضاعف في عصر العولمة والتحول الرقمي .

إذبدا العالم، مع ثورة الاتصالات والمعلومات، أقرب إلى قرية كونية صغيرة. تقلصت المسافات، وتسارعت حركة الأشخاص والأفكار والسلع والصور، وتشابكت الثقافات والمصالح، وأصبح ما يحدث في مكان من العالم قادرًا على الوصول إلى مكان آخر خلال ثوانٍ. غير أن هذا التقارب المادي لا يعني بالضرورة تقاربًا في الرؤية والفهم والتأويل فالعولمة لا تعني فقط انتقال التكنولوجيا والأفكار، وإنما تحمل معها أيضًا أنماطًا متشابهة من العمارة والملابس والاستهلاك والإعلان والصور واللغة البصرية. المدن الكبرى في العالم بدأت، في جوانب كثيرة، تتشابه؛ والمطارات ومراكز التسوق والفنادق والشوارع التجارية تكاد تبدو وكأنها تنتمي إلى مدينة عالمية واحدة. ومن هنا تظهر مفارقة عميقة: كلما تعولم العالم، ازدادت قيمة الأشياء التاريخية التقديمية أو قل كلما تشابهت الأشياء الحديثة، ازدادت قيمة الأشياء القديمة. إن بيتًا قديمًا، أو بابًا خشبيًا، أو مخطوطًا، أو قطعة فخار، أو آلة زراعية، أو ثوبًا تقليديًا، أو أداة موسيقية، أو صورة عائلية قديمة، قد يبدو للعين المعاصرة شيئًا بسيطًا لا قيمة مادية كبيرة له، لكنه من منظور الوعي التاريخي يمثل شاهدًا على طريقة عيش كاملة اختفت أو تكاد تختفي.

وفي هذا السياق يمكن تأكيد الوظيفة الحضارية للمتحف؛ إنه لا يحفظ الأشياء لأن الماضي أجمل بالضرورة من الحاضر، ولا لأن كل قديم يستحق التقديس، وإنما لأنه يمنحنا إمكانية فهم الطريق الذي أوصلنا إلى الحاضر. فالإنسان الذي يفقد ذاكرته لا يستطيع أن يعرف نفسه، والمجتمع الذي يفقد ذاكرته التاريخية يفقد جزءًا من قدرته على فهم هويته وتحولاته.

 فالمتحف الطبيعي يقول لنا إن تاريخ الحياة ليس تاريخ الإنسان وحده، وإن وجودنا الحالي ليس بداية القصة. لقد سبقتنا ملايين الأنواع، وعاشت ملايين السنين، ثم انقرضت. بعضها كان أكثر انتشارًا منا، وبعضها عاش أطول مما يمكن أن نتخيله، وبعضها كان أكثر تكيفًا مع بيئته، ومع ذلك انتهى إلى أحافير وهياكل وآثار محفوظة في المتاحف وهنا يتسع معنى الوعي التاريخي ليصبح وعيًا بتاريخ الحياة نفسها.

إن هيكل الماموث في متحف التاريخ الطبيعي ليس مجرد عظام لحيوان انقرض؛ إنه سؤال فلسفي عن المصير. والحفرية ليست مجرد حجر، وإنما صفحة من كتاب الحياة. والمومياء ليست مجرد جسد محفوظ، وإنما شهادة على علاقة الإنسان القديم بالموت والزمن والخلود.

وإذا كان المتحف الطبيعي يحفظ ذاكرة الكائنات، فإن المتحف الفلسفي يحفظ ذاكرة الأفكار. وهو لا يحفظ الأفكار باعتبارها نصوصًا مجردة فحسب، وإنما يحفظ آثارها المادية والتاريخية: الكتب والمخطوطات والرسائل والصور والأدوات العلمية والخرائط والوثائق والاختراعات.

وهذا ما يجعل تجربة متحف الجمعية الفلسفية الأميركية في فيلادلفيا ذات دلالة خاصة. فالجمعية الفلسفية الأميركية تأسست على يد بنجامين فرانكلين عام 1743 بهدف تعزيز المعرفة النافعة، وهي أقدم جمعية علمية/فكرية مستمرة في الولايات المتحدة. أما مبنى Philosophical Hall فقد اكتمل عام 1789، وأصبح مقر الجمعية، وهو اليوم يحتضن متحف الجمعية الفلسفية الأميركية. وقد افتُتحت قاعة المتحف فيه عام 2001، وتقام فيه معارض دورية تعتمد على مقتنيات الجمعية ومكتبتها . وربما كانت تلك التجربة في تأسيس متحف للفلسفة في الولايات المتحدة الأمريكية تجربة فريدة من نوعها هنا متحفا؛ جعل من تاريخ المعرفة والأفكار والعلوم والتجارب الإنسانية موضوعًا للعرض والتأمل.

إن أهمية هذه التجربة لا تكمن في فرادتها وإنما في أنها تجعلنا نفكر في العلاقة بين الفكرة والأثر. فالفكرة لا تبقى دائمًا داخل العقل؛ إنها تتحول إلى كتاب، والكتاب إلى حركة، والحركة إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى تاريخ. والاختراع الذي نراه اليوم شيئًا مألوفًا كان في لحظة ظهوره فكرة جديدة، وربما فكرة مستحيلة في نظر معاصريها.

وهكذا يغدو المتحف أكثر من مكان لحفظ الأشياء؛ إنه أركيولوجيا للأفكار، يحفر في الطبقات التي سبقت ظهور الأحداث، ويعيد وصل الفكر بالتاريخ. وإذا كان المتحف الطبيعي يحفظ آثار الكائنات التي عاشت ثم انقرضت، فإن متحف الفلسفة يحفظ آثار الأفكار التي وُلدت ثم تحولت إلى أفعال وتاريخ فنحن لا نرى الأشياء وحدها، بل نسأل: لماذا حُفظ هذا الشيء؟ لماذا اختير هذا الأثر دون غيره؟ ما المعرفة التي يمثلها؟ وما السلطة التي قررت أن هذا الشيء جدير بالبقاء؟ وما الذي اختفى لأن أحدًا لم يحفظه؟

ختاما يمكن القول: في عصر يستطيع فيه الإنسان أن يصوّر ملايين الأشياء ويخزنها رقميًا، تبدو مشكلة النسيان وكأنها قد انتهت، لكن وفرة المعلومات لا تعني بالضرورة وفرة الذاكرة؛ فالذاكرة ليست تخزينًا، وإنما اختيار وتأويل وربط بين الأشياء والمعاني. ومن هنا تتجاوز وظيفة المتحف مجرد حفظ الأشياء، فهو يمنحها سياقها وقصتها ومكانها في الذاكرة الإنسانية، ويضع الماضي أمام العين والجسد والعقل، فيصبح نوعًا من مقاومة السرعة التي تبتلع الأشياء قبل أن نفهم معناها. إن المتحف يقول لنا: تمهّلوا، انظروا إلى ما كان، واسألوا قبل أن تستبدلوا، واحفظوا قبل أن يختفي. ولذلك فإن حماية التراث والآثار ليست موقفًا ضد الحداثة، بل هي شرط لحداثة واعية؛ فالحضارة لا تتقدم بهدم القديم، وإنما بفهمه وحفظ ما يستحق منه، ثم البناء عليه. فالإنسان الذي يعرف من أين جاء يكون أقدر على أن يقرر إلى أين يريد أن يذهب. كما أن المتحف لا يحفظ الحقيقة جاهزة، بل يجعلنا نفكر في كيفية تشكلها؛ فالشيء المعروض لا يتحدث وحده، وإنما نمنحه نحن سياقه وعنوانه وقصته وموقعه في السرد التاريخي. ومن هنا يصبح الوعي المتحفي جزءًا من الوعي الفلسفي. فالمتحف الطبيعي يحفظ ذاكرة الحياة، والمتحف التاريخي يحفظ ذاكرة الإنسان، والمتحف الفلسفي يحفظ ذاكرة الأفكار؛ وبين الحياة والإنسان والفكرة يمتد تاريخ طويل من الوجود. وكلما تسارع العالم وتشابهت ملامحه، ازدادت حاجتنا إلى الذاكرة وإلى معرفة تعدد الطرق التي أوصلتنا إلى حاضرنا. لذلك فإن حماية المتاحف والآثار ليست حماية للماضي من المستقبل، بل حماية للمستقبل من فقدان ذاكرته. ولعل المعنى الأعمق للمتحف أنه لا يحفظ ما مات، بل يمنح ما غاب فرصة أخرى لكي يتكلم؛ فالماضي لا يموت حين يغيب، وإنما يموت حين لا نجد من يتذكره.

***

ا. د. قاسم المحبشي

ربما يتساءل كثيرون من مختلف المواقع عن جدوى الحوار وضرورته بي التعبيرات والتيارات والأطياف الفكرية والسياسية، في هذا الوقت بالذات الذي تتزايد فيه صور السجن الطائفي والاصطفافات المذهبية في المنطقة كلها.

ولعل بعض هذه التساؤلات، تنطلق من خلفية ضغط الواقع الطائفي في الأمة عليهم. فهؤلاء لا يعارضون مبدأ الحوار، ولا يستنكفون من حيثياته ومتطلباته، ولكنهم يروا بأم أعينهم الكثير من الصور الواقعية السيئة، التي تضغط على تفكيرهم وحياتهم، بحيث أنهم لا يروا في هذا الحوار كرافعة حقيقية وكخطوة توعية، سبيل الخروج من نفق المكايدات الطائفية.

وعلى كل حال نحن نقول: مهما كان الواقع سيئا على هذا الصعيد، فإننا جميعا بحاجة أن نتحاور مع بعضنا البعض.

ليس حوار طرشان، وإنما حوار حر وموضوعي ولا يستهدف الانتقال المذهبي من موقع لآخر، وإنما يستهدف تنمية الجوامع المشتركة وخلق المعرفة العميقة ببعضنا وصياغة وثيقة للتفاهم والتلاقي على قاعدة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات.

والحوار الذي نتطلع إليع في داخل وطننا وفي عموم الأمة هو الذي يتجاوز نمط السجالات المذهبية والتراشق بالاتهام والاتهام المضاد، إلى خلق مساحات وآليات للتعايش والتبادل على نحو إيجابي وبناء.

ومن الضروري أن ندرك جميعا، ومن مختلف مواقعنا المذهبية والفكرية والاجتماعية، ان الركام التاريخي لا يمكن ضبطه وتنقيته من الشوائب والتأثيرات السلبية، إلا بالمزيد من الوعي والعمل المستديم لتفكيك العقليات والثقافات التي تغذي الشحن الطائفي المقيت بين المسلمين. وإن وجود ظواهر وممارسات طائفية معاصرة، ينبغي أن لا يدفعنا إلى الاصطفافات الطائفية، وإنما ينبغي أن يدفع للعمل من أجل خلق الحقائق الوحدوية، التي تعطل مفعول تلك الممارسات الطائفية البغيضة. فالممارسات الطائفية مهما كان مطلقها والقائم عليها وبها، هي مدانة ومستنكرة، وينبغي الوقوف في وجهها بحزم.

ونحن هنا لا نمتلك علاجا سحريا للمشكلة الطائفية في الأمة، وإنما ما نود أن نؤكد عليه هو النقاط التالية:

1. إن إنهاء مظاهر وحالات التمييز والإقصاء وبث الكراهية والبغضاء بين أتباع التيارات والأطياف الفكرية والسياسية في الواقع المعاصر، يتطلب العمل على تجديد رؤيتنا وفهمنا إلى المقولات التي كتبها علماء كبار من مختلف التعبيرات في ظل ظروف وأوضاع خاصة، والتي فهم منها بشكل أو بٱخر تسويغ هذه الممارسات الشائنة. وذلك لأنه بدون تسليط الضوء على هذه المقولات، وتفكيك الأفهام السوداء المتعلقة بها، فإن هذه الممارسات ستستمر بالبروز.

ف " تبدو الحاجة ماسة إلى تسليط الضوء على النصوص / المراجع التي يتمترس وراءها كل فريق، في شن حربه الرمزية (أو الفعلية) ضد الآخر، عبر إطلاق تهم التكفير أو التبديع والتحريف. وهكذا، يدان الآخر أو يضطهد، لمجرد الاسم الذي يحميه، سني أو شيعي أو مسلم او مسيحي او يهودي.. إلخ، وذلك من دون التعرف إلى سيرته وعمله، بل هو يدان في بعض النصوص ولو كان من أهل العمل الصالح. نحن هنا إزاء نصوص هي أثر من آثار حروبنا الرمزية في بربريتها الدينية أو المذهبية، لا شبه لها سوى ما تخلفه الحروب الوحشية من الآثار الهمجية في أجساد البشر أو في معالم الحضارة والعمران. هذه النصوص الفضائح هي أخطر من أسلحة الدمار الشامل، إذ هي التي تقيم سدودا منيعة من الحقد والبغض بين أتباع الطوائف، بقدر ما تسهم في صنع ذاكرتهم العدائية الموتورة. هنا مكمن الداء الذي ينبغي إخضاعه لمبضع التشريح والتحليل لاستئصال الجرثومة التي عشت طويلا في النفوس، لكي تهرب العقول وتحول الهويات إلى محميات عنصرية بأسمائها ورموزها وطقوسها وأحكامها وفتاواها.

ولذا، فإن محاولات التقريب والحوار محكوم عليها بالفشل ما دامت مفردات الشرك والكفر او البدعة والضلالة تشكل صلب العقيدة والعدسة التي من خلالها يرى الواحد إلى غيره، لكي يدينه وينزه نفسه. " (راجع علي حرب، الإنسان الأدنى – أمراض الدين وأعطال الحداثة، ص106، المؤسسة العربية للدراسات 2005).

لهذا وفي هذا السياق، نحن بحاجة إلى الحفر المعرفي والتاريخي في كل المقولات التي تغذي بشكل مباشر أو غير مباشر حالة العداء والكراهية بين أتباع المذاهب الإسلامية.

و إن شمس الحرية والعدالة لن تشرق في مجتمعاتنا، إلا بصياغة العلاقة بين مختلف مكونات المجتمع الواحد، بحيث تقوم العلاقة على أسس الاعتراف المتبادل والتعاون والاحترام العميق لبعضنا البعض.

و " المجدي الٱن نقد الذات على النحو الذي يؤدي الى أن يتحول الواحد عما هو عليه، بكسر نرجسيته والزحزحة عن مركزيته الطاردة لما عداه. هذا هو المتاح، معرفيا وعمليا، إذا شئنا أن لا تظل مسألة التقريب أو الحوار تعالج معالجات عقيمة وغير مجدية. فالحوار بين السنة والشيعة، أو بي الإسلام والمسيحية، وكما تشهد التجربة اللبنانية، يحتاج إلى إعادة تأهيل وبناء، في كل ما يتعلق بسياسة الحقيقة والهوية، وطريقة إدارة الشريعة والعقيدة، بحيث يكف الواحد عن الاعتقاد بأنه مالك الحقيقة ومحتكر الشرعية، أو بأنه ممثل الاستقامة وصاحب الفرقة الناجية." (راجع المصدر السابق ص 112).

ونجاحنا على صعيد الحوار المذهبي والفكري، مرهون بقدرتنا جميعا على إخراج أنفسنا والمجتمع من المماحكات والسجالات المذهبية، والعمل على توسيع مساحات التعايش والتواصل والشراكة ف مختلف شؤون الوطن والمجتمع. فهذه المساحات ومتوالياتها وتأثيراتها وفضاءاتها العامة، هي التي تذلل الكثير من العقبات ، وتسهل شروط التقريب والتفاهم، وتزيل من الطريق كل ما يحول دون التلاقي والتعاون.

ولا بد أن يتذكر الجميع أن بث الكراهية تجاه المختلف والمغاير، لا يزيد الذات قوة بل يعريها من العديد من القيم والمضامين الإنسانية. كما أن الخوف من الآخر والنفور منه، لا يحصن الذات ولا يبقيها بعيدا عن المخاطر والتحديات. فالتواصل والانفتاح وتوسيع المساحات المشتركة بي مختلف التعبيرات والمكونات، هو السبيل الذي يضمن حقوق الذات وحقوق الآخرين، ويجنب الجميع مخاطر الفتنة والاحتراب الداخلي.

2. ضرورة فك الارتباط بين الاختلافات المذهبية بكل مستوياتها ودوائرها، وبين حقوق الانسان وضرورة صيانتها ومنع التعدي عليها. فالاختلافات مهما كان حجمها وشكلها وعمقها، لا تبرر لأي أحد أن يتعدى على حقوق الآخرين ويمارس بحقهم صنوف التهميش والتمييز. فحقوق الإنسان ينبغي أن تكون مصانة من قبلنا جميعا، بصرف النظر عن مدى قناعتنا أو قبولنا للأفكار أو العقائد التي يتبناها الطرف الآخر. لنا حق الحوار والمعرفة والنصيحة، ولكن علينا واجب الاحترام وصيانة الحقوق والكرامات.

ولعلنا لا نبالغ حين القول: إن الكثير من المشاكل التي تجري بين المسلمين لأسباب مذهبية، هي بفعل الدمج التعسفي بين واقع الاختلاف وترجمته إلى سلوك إقصائي – عدواني ضد الٱخر المختلفة. بينما المبدأ القرٱني يؤكد على ضرورة احترام الإنسان يصرف النظر عن عقيدته ومذهبه، إذا لم يمارس عدوانية عليك. يقول تبارك وتعالى [يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون].(المائدة، الآية 8).

فالمطلوب قرٱنيا هو أن نلغي من ذواتنا كل النوازع والافكار والمشاعر المنحرفة تجاه الآخر الذي يختلف معنا دون ممارسة العدوان علينا. ف " الإيمان يمثل الضمانة الحقيقية التي يقدمها لكل الناس الذين يعيشون في داخلهممن يلتقون معه في العقيدة أو يختلفون معه فيها، فلا مجال – مع الإسلام – للظلم حتى للأعداء، لأن قضية العداوة تخضع الاوضاع ومواقف معينة تفرض نوعا من السلوك السلبي الذي لا يمكن أن يبتعد عن الموازين والقوانين الشرعية التي تعتبر أن للعداوة مساحة لا يمكن أن يتعداها الانسان المؤمن، وهي مساحة الحقوق التي اكتسبها هذا العدو أو ذاك، من خلال المواثيق والمعاهدات، أو من خلال الأحكام الشرعية التي أنزلها ال مما يحترم فيه بعض جوانبه الإنسانية " (راجع تفسير     من وحي القرآن – المجلد الثالث ص 59).

ولكي نفك الارتباط بين شرعية الاختلاف في الدائرة الإنساني، وصيانة حقوق الانسان، فالاختلاف لا يشرع إلى الامتهان كما ان التمايز في الدين او المذهب أو القومية، ليس سببا لممارسة الظلم والعدوان عليه.

أقول من أجل ضمان حقوق الانسان في دائرة الاختلاف والتمايز، من الضروري ممارسة النقد الواعي لذواتنا. لأننا جميعا مسؤولون عن الكثير من الأقوال والممارسات التي تعكس بشكل أو آخر قبولنا ولو الضمني بممارسة التمييز أو الإقصاء بحق الإنسان الذي يختلف معنا وتتمايز رؤيته عن رؤيتنا وأفكاره عن أفكارنا. بينما مقتضى العدالة يتطلب خلق مسافة نوعية بين اختلافاتنا بكل مستوياتها وفضاءاتها، وبي ضرورات صيانة حقوق وكرامة الإنسان.

فكل الأطراف بحاجة أن تفحص نفسها، وتطهرها من كل الأدران والرواسب التي تحملها في الرؤية والموقف من الآخر.

فعلى المستوى الواقعي والجوهري والجميع يحمل رؤية اصطفائية حول ذاته، وتحقيرية بمستوى من المستويات تجاه

الآخر الذي يختلف معه في دائرة من دوائر الانتماء أو الفكر.

ولا خيار أمامنا إذا أردنا السلم الأهلي والعيش المشترك، إلا نقد ذواتنا وفحص أفكارنا وتشكيل مجالات وفضاءات للتواصل المستديم     مع الآخر. " ولذا فنحن لا نتحاور     مع     الآخر، لكي نعرف من المخطئ ومن المصيب، أو من الضال ومن المهتدي، ولا نتحاور معه وفقا لمبدأ التسامح لكي نتنازل له عما نعتقده صوابا عندنا، أو خطأ عنده، بل نتحاور لكي نكسر الحواجز ونتعدى الخطوط الحمر، وعلى نحو يتيح لكل واحد أن يتحول عما هو عليه، لكي يسهم في تحويل الآخر.

" (راجع علي حرب، مصدر سابق، ص 243).

ولكي تضبط الاختلافات المذهبية في الدائرة الاجتماعية، ينبغي أن تدار بمنطق وعقلية التواصل والاعتراف المتبادل والشراكة، لا بعقلية الاستئثار والاصطفاء والقطيعة.

3. تبقى المواطنة بحقوقها وواجباتها وفضاءاتها العميقة، هي الوعاء الذي ينبغي أن نعمل جميعا لتقويته وتعزيزه. فالانتماءات المذهبية أو القبلية، ليست بديلا عن حضن ووعاء المواطنة. لذلك فإن الحوار والتفاعل المذهبي في مختلف الدوائر، من الضروري أن يتجه بكل قضاياه وعناوينه لتعميق خيار المواطنة والانتماء الوطني.

فإننا ندعو الى ان يحترم كل انسان خصوصياته الثقافية والمذهبية، ولكن ليس من أجل العزلة والانكفاء والانحباس في هذا الإطار، وإنما من أجل أن تتوفر كل الظروف والشروط، التي تسمح لكل الخصوصيات، لكي تمارس دورها في إغناء مفهوم المواطنة وتعزيز وحدة الوطن وعزته.

فالتعددية لا تعني بأي حال من الأحوال تشريع الفوضى أو غياب الجوامع المشتركة بيت التعدديات والتنوعات الموجودة في الإطار الواحد. لهذا فإننا في الوقت الذي ندعو كل الخصوصيات أن تشعر بذاتها، وتمارس شعائرها، في ذات الوقت نحذر من العزلة وخلق الكانتونات الخاصة والضيقة في الوطن الواحد. فتحت مع الحرية التي ينبغي أن تمنح للانتماءات المذهبية، ولكن في ذات الوقت مع تفعيل دور المواطنة وتنمية حقائقها ومتطلباتها في الفضاء الاجتماعي والثقافي.

فالمواطنة بما تعني من حقوق وواجبات، والتزام ومسؤوليات، ومضامين دستورية وسياسية، هي الوعاء الذي يجب أن تتفاعل فيه كل الخصوصيات والانتماءات. والأوطان دائما لا تبنى بتنمية الأحقاد والممارسات الطائفية البغيضة، بل بالوئام والتلاقي وتجاوز كل ما يعكر صفة العلاقة السليمة بين مختلف المكونات والتعبيرات.

وإن تحقيق المعاني الجوهرية لمفهوم المواطنة في فضائنا السياسي والثقاف والاجتماعي، ليس أمرا سهلا ويسيرا بل يتطلب جهودا نوعية على مختلف المستويات ومن جميع الشرائح والفئات في المجتمع والوطن.

4. إن العلاقة الإيجابية مع الآخر المذهبي والفكري، هي بحاجة بشكل دائم إلى ثقافة تسند هذا الخيار وتعززه، وتوضح لمختلف شرائح المجتمع أهمية هذا الخيار ودورها الحقيقي في تكريس الاستقرار السياسي والاجتماعي، ومقاومة كل المخاطر التي تستهدف استقرارنا ووحدتنا. فالعلاقات الايجابية بين أهل المتاعب الاسلامية، ليست وصفة جاهزة، ولا تنجز على الصعيد الواقعي بمقولة هنا أو خطاب هناك فحسب، بل هي تتطلب ثقافة ورؤية عميقة واستراتيجية واضحة المعالم، نتجاوز من خلالها كل إكراهات الواقع، وتمنع دون أن نتأثر من أحداث التاريخ والواقع المعاصر واضطراباتهما.

لهذا كله ومن أجل العبور نحو المختلف وتوسيع دائرة التواصل، وتعميق خيار التقارب والتفاهم بين مختلف المكونات والتعبيرات، نحن أحوج ما نكون إلى أنشطة توعوية وثقافية نتواصل، مؤسسة وفردية، رسمية وأهلية، تستهدف إغناء مشروع التفاهم والحوارات الايجابية بين أطياف المجتمع، وتدفع شرائح المجتمع المتعددة نحو المساهمة في تعزيز خيار الانفتاح والتواصل، وتزيل من العقول والنفوس، الكثير من الهواجس والمخاوف التي تحول دون التفاعل الايجابي مع مشروع التٱخي والوحدة بين أهل المذاهب الاسلامية كافة.

و خلاصة الأمر: أن الظروف الحساسة والتحديات الخطيرة التي تواجهنا جميعا من روافد عديدة، تقتضي منا العمل على تحصين وضعنا الداخلي، بالمزيد من التلاقي والتلاحم وإفشال كل مخططات الفتنة والتشظي التي تستهدفنا وتضرنا جميعا. ولا ريب أن العبور نحو الٱخر الداخلي، وتوطيد العلاقة معه، وإزالة كل رواسب الاحتقان وفتح المجال من قبل كل الأطراف للحوار والتلاقي على أسس ومبادئ تنسجم وثوابتنا جميعا، وتجيب على كل التحديات التي تواجهنا وتبلور الرؤية نحو المقصد والمستقبل الذي ننشده جميعا ونتطلع إليه.

وتبقى الوحدة الوطنية هي خيارنا الدائم والثابت، والذي من الأهمية أن نعمل على ترسيم أسسه وتجاوز كل ما يشوهه وتعزيز كل فرصع ومجالاته. وكل هذا بحاجة إلى تفاعل خلاق من قبل الجميع، وإلى مبادرات ثقافية واجتماعية، تعزز هذا النهج وتعمق متطلباته في كل المجالات.

ودينامية الحوار والوحدة والتواصل، هي دينامية الإصرار على تجاوز كل محن الواقع وصعوباته ونماذجه المنحدرة من الصراعات والتوترات والنزاعات، وذلك من أجل بناء رؤية ووقائع للعيش المشترك والتفاعل الاخلاق بين مختلف المكونات.

فتحت مع الحوارات المذهبية والتواصل المعرفي والإنساني، مهما كانت ضغوطات الواقع واكراهاته. ووجود وقائع وممارسات طائفية في فضائنا وواقعنا الراهن، يحملنا مسؤولية إضافية على هذا الصعيد، اليس المطلوب هو المزيد من الاصطفافات الطائفية وبث الفتنة المذهبية في الوطن والمجتمع، وإنما فتح ممكنات ومجالات للحوار والتواصل وتمتين أواصر الوحدة والتعارف بين شركاء الوطن والمصير.

و ما يجري في المنطقة العربية والاسلامية من أحداث طائفية مقيتة ومدانة، من الضروري أن لا تجرنا الى التمترس المذهبي والعزلة الاجتماعية عن بعضنا البعض، وإنما لا بد أن تزيد من وعينا وإدراكنا الى ضرورة الاسراع في خلق مبادرات ومشروعات وطنية، احسن مجتمعاتنا من مخاطر الفتنة والانقسام، وتعزز من خيار التفاهم والتلاقي والوحدة بين مختلف شرائح مجتمعنا ومكونات وطننا. وتعالوا جميعا بدل أن نلعن ظلام الفتنة الطائفية وبث الكراهية والحقد بين الناس، أن نشعل شمعة الحوار والتسامح والاعتراف بالآخر أخا وشريكا. فالناس صنفان إما أخ لك في الدين أو نظير لك فالخلق.

- انتهى –

***

محمد محفوظ

هل يستطيع أحد أن ينكر تفاقم حالة الجمود في الخطاب الديني المعاصر، بخلاف حالة الهوس المتسارعة تجاه المشاركة وربما المغالبة فقط في الخطاب السياسي وانتزاعه أيضاً، وغرابة مشهد جمود الخطاب الديني هي فورة المد والصعود الديني الكبير لبعض التيارات والفصائل السياسية ذات التوجه الديني التي عانت طوال عقود مضت مغبة الاستبعاد الاجتماعي والحظر والمنع والرفض المجتمعي، ورغم هذا أيضاً إلا أن الخطاب الديني المعاصر لديها أيضاً لم يكن على مستوى الحدث الذي يسمح بالتجديد والتطوير الذي واكب الأحداث في المشهدين السياسي والاجتماعي.

بل لعلنا نجتهد قليلاً حينما نشير بأن الصعود السياسي للتيارات الدينية أعقبه نكوص وارتداد في الفتاوى والطروحات الفقهية التي رصدها الشارع العربي بدءاً من وقت بزوغ انتفاضات الربيع العربي التي باءت جميعها بالفشل لقصور الدراية والمعرفة بحتمية التغيير وكيفيته وإدارة تحول الأمم والمجتمعات، وحتى الدعوة للخروج في مظاهرات لإسقاط الأنظمة السياسية لتصحيح المسار السياسي والتي نجم عنا سقوط مرجعية تنظيم جماعة الإخوان المسلمين وليس سقوط الجماعة وحدها بل اشتمل الأمر والمشهد في يونيو 2013 تحديدا بمصر الإعلان الرسمي لسقوط التنظيم الدموي والسري بخلاياه اليقظة والنائمة والعائمة أيضا !. ولعل أبرز نتائج الخروج الشعبي آنذاك لإسقاط تنظيم سياسي ذي صبغة دينية هو دعوة رجال الحل والعقد لدى أنظار هذا التنظيم الذي طالما عانى الخلل والعطب وسوء التنظيم والتدبير عبر سنوات شهوده  إهدار الدم ونفي حرمته بل وضرورة قمع الحريات إذا ما كانت تلك الحريات ستحدث خللا ولغطاً بالمجتمع.

لكن الراصد والمستقرئ لهذا الخطاب الديني ذي الصبغة السياسية يجده لم يخرج كعادته عن نقل دون يقين تجنباً للولوج في مسائل خلافية لاسيما وأن الاهتمام كان ولايزال منصباً على أحداث وإحداثيات المشهد السياسي فقط، وهذا الخطاب رغم ثورة المعرفة والاتصال وتطور نظريات اللغة والحصول على المعلومات ومقارنتها لا يزال أسيراً لجمود اللغة القديمة البيانية التي ترفض المجاز بل وأحيانا تكفر مستخدميه، وكذلك كون الخطاب فريسة لشرك (بفتح الشين) للأساليب الخطابية المنبرية التي تصلح لمواجهة جموع غفيرة وهي بطبيعتها أساليب تستهدف الأذن واستلابها قبل العقل وتطويقه، والعين قبل الفكر.

رغم أن الدين الإسلامي نفسه أعلى شأن العقل واعتبره ينبوع اليقين في الإيمان بالله وعلمه وقدرته، لكن وجدنا بعد عقود طويلة أن الخطاب الديني الذي لم يعد حكراً على المؤسسة الدينية الرسمية كالأزهر الشريف ووزارة الأوقاف وأساتذة الشريعة بالجامعات، بل صار ملكاً مشاعاً لكل من أراد بغير تخصص أو اختصاص، بل المدهش أننا وجدناه حجر عثرة في طريق مدنية الدول العربية كافة التي يتعايش فيها الدين بجوار السياسة بغير مغالبة أو استقطاب يضر بالآخر، ووجدناه خطاباً لغوياً راديكاليا ينفي أية صلة به وبين الواقع الراهن اللهم سوى استخدام بعض الأحزاب والطوائف والفئات السياسية الدعوة الدينية كوسيلة استقواء، وظهور ما يسمى بفقه الحالة من جديد لتبرير بعض السلوكيات السياسية لفصائل معينة.

والخطاب الديني سرعان ما تحول بعد انتفاضات الربيع العربي البائدة بغير نتائج إيجابية إلى إعلان سياسي يخدم مجموعة من المصالح التي باتت مؤجلة لعقود بعيدة، وبدلاً من أن يهتم الخطاب الديني بقضايا تمس عقيدة المواطن وعلاقته بربه وذويه وعشيرته والمطالبة بإصلاح النفس اتجه دنما قصد إلى تحشيد العقول لتأييد فكرة سياسية أو برنامج أو طرح فكري يخدم طائفة ويجور على طوائف أخرى. وهناك قاعدة مفادها أن المجتمعات حينما يزداد ولعها بالدين الذي سرعان ما يتحول إلى سهام تكفير وتفسيق هي مجتمعات بدأ الضعف والتوهين يدب فيها، وكثرت الفتن بأراضيها، وظهر ما يسمى بمرض الجهل بالدين.

وخطورة الأمر حينما تخلت المؤسسات الدينية الرسمية والشرعية المنوطة بنقل مفاهيم الدين ومعالمه للعامة أو للطلاب بالجامعات والمدارس والمعاهد والأكاديميات التعليمية ولا يزال بعضها بعض الدول العربية تخليها غير المبرر، فكانت الفرصة سانحة لبعض الأقلام والأصوات والفضائيات أيضاً لممارسة هذا الدور بغير جدال أو مناقشة أو حوار يستهدف التمييز والتأويل، وأول ما نجح فيه خطاب مثل هذا هو تجديد العهد بالعداوة القديمة بين الدنيا والآخرة، وبين العقل والعلم، وكان نتيجة ذلك أن تكريس فكرة أن الذهاب إلى صناديق الانتخاب وقت الاستحقاقات الديموقراطية ببعض عواصم الوطن العربي منذ 2012 هو جهاد في سبيل الله وليس استشرافاً لمستقبل ينعم فيه أبناؤنا، وكان أيضاً تحشيد الجموع لإحداث ضجة للحصول على ما تريد فئة بعينها من مكاسب هو أمر إلهي مفاده إعلاء الدين وأهله.

وغفل هذا الخطاب عن تهيئة أنصاره الذين فروا هاربين من القراءة التي ظلت قرينة الرئيس السابق تدشن مهرجانات فاخرة لمشروعها القراءة للجميع، كما غفل عن ذكر محاسن العقيدة دون النيل من عقائد الآخرين أو تشويهها، وهذا الشئ هو الذي فتح النار على أبواق هذا الخطاب الذي كان من شأنه أن يحدد بوصلته ويميز رؤيته بوضوح، إلا أنه لم يشأ أن يذهب بسلام وسهولة إلى أذن وعقل مريدينه، فشكل الخطاب بذلك لغطاً والتباساً يحتاج إلى توضيح وتفسير.

نفس الأمر الذي وصل بالخطاب الديني إلى مرحلة تعاني من الجمود، وصل التعليم الديني في مصر بعد أيامها الثورية المتسارعة إلى مراحل أكثر دهشة وأدعى لليأس وعدم التفاؤل، بل قد يغضب المؤهلون للغضب بالفطرة والاكتساب أيضاً حينما نقول بإن مستوى التعليم الديني في مصر وصل إلى حد التفاهة، بدليل جمود الاجتهاد الديني الذي كان سمة مميزة لمصر وأهلها وفقهائها، بل يمكن أن نغالي القول بإن أنصار هذا الجمود قد تعاظم دورهم بعد استقرار الثورة دونما نجاح ودونما فشل. وللحق يمكننا أن نلتمس العذر لهذا الخطاب الديني الذي صار يعاني جموداً عظيماً، نظراً لانشغال البلاد والعباد أيضاً بأحداث المشهد السياسي، حيث إن الوطن وأهله ما إن يستفيقوا من حدث جلل يعصف بأرجائه حتى يصطدم بحدث آخر، وما إن يدخل في مرحلة سياسية ديموقراطية جديدة حتى يلج في أخرى دون يتم الأولى بنجاح.

وربما خفتت الصيحات والأصوات العالية المعاصرة التي تنادي بضرورة تطوير وإصلاح التعليم الديني في مصر لاسيما بعد هذا الهوس المحموم بالعملية السياسية وهم بذلك يعلنون دونما قصد فصل الدين عن السياسة، ولا أشك لحظة أن القائمين على عمليات التطوير الشكلية مهتمون بتهيئة العقول واستنهاضها لتشييد وطن جديد. كل هذا يجعلنا لا نأمل في خارطة إصلاح استشرافية للخطاب الديني الذي بات مضطرباً ومضطرماً بعض الشئ بفضل اللغط الراهن في هذا الخطاب ورؤيته وتعدد رسالاته وبسبب دعاة التقليد الذين يعملون جاهدين على غير نظام، ويأخذون الأمر على قاعدته دون النظر إلى أسبابه ومقدماته التي صاغت هذه القاعدة والنتيجة.

وإذا حاولنا التصدي لمواجهة هذا القصور في الخطاب الديني بوجه عام والتعليم الديني في مصر بوجه خاص، يتبين لنا إغفال دور العقل وانتفاء قدره والاكتفاء بالنقل دون مكاشفة أو تحقيق أو تحري الدقةً في المنقول وصاحبه. رغم أن النظر العقلي هو أول أساس وضع عليه الإسلام، حيث إن النظر السليم وسيلة الإيمان الصحيح وهذا ما أشار إليه المجدد الإمام محمد عبده، ولا ريب في ذلك حيث إن الله ـ سبحانه وتعالى ـ يدعو إلى النظر في ما حولنا من موجودات وظواهر وأحداث كونية متعددة ومختلفة على أن يكون هذا النظر مصحوباً بالتأمل العقلي والتفكر، فهي دعوة إلى النظر الحسي والعقلي في نفس الوقت، يقول الله تعالى في سورة الأنعام: [قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون]،  ولا ريب أن قوة الملاحظة والوقوف على ما يحدث حول الإنسان، وفهمه وتأمله ودراسته واستخلاص النتائج منه يؤدي إلى اليقظة العقلية وهي من أهم سمات التفكير العلمي السليم. وللإسلام الحنيف دور بارز في تنمية القدرات العقلية للإنسان مثل القدرة على الاستنتاج، والتأمل، والتفسير، وإدراك العلاقات.

ولكن إذا ما نظرنا إلى الخطاب الديني الراهن والتعليم الموصوف بالديني ببعض الدول العربية أيضاً نجده بعيداً عن التنوير وإعلاء قيم العقل في التناول للنصوص الدينية، وربما كان هذا سببه هو جعل فئة قليلة تسيدت مشهد الخطاب الديني رؤية مواضعة التنوير هذه على أنها أساس لضياع وتقويض المجتمع وإحلال قيم غير إسلامية في مجتمع إسلامي متدين. ومن ثم وجدنا المتزعمون للخطاب الديني يهتمون بالإشارة إلى الكتب الأدبية القديمة حينما يحاولون الجلوس مع التنويريين في مقعد واحد، وهم يشيرون إلى هذه الكتب التي توضح أحوال الأمم، وتحث على الفضائل وتنفر من الرذائل وارتكابها دون غيرها.

ومشكلة الخطاب الديني المعاصر أنه نأى بعيداً عن مقصده التنويري والإصلاحي للفرد والجماعة على السواء، وذلك حينما قصر همه على تكفير البعض واتهام البعض الآخر بالتفسيق، وإلقاء تهمة الخروج السافر عن تعاليم الشريعة، وهو في ذلك يكون قد ارتكب ذنباً قد لا يغتفر لأنه حمل غيره تكفيره بغير دليل قطعي، بالإضافة إلى أنه تنصل من مهمته الحتمية وهي تنوير العقول والألباب. ولقد اعتبر الإمام محمد عبده البعد عن التكفير من الأصول الرئيسة والأساسية في الإسلام بل وأعده حكماً رئيساً من أحكامه وهو البعد عن التكفير، ويقول في ذلك " إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مائة وجه، ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حمل على الإيمان، ولا يجوز حمله على الكفر ". و هناك قاعدة تقتضي بأن التكفير حكم شرعي من أحكام الدين له أسبابه، وضوابطه، وشروطه، وموانعه، وآثاره. وهذه القاعدة لا ترتبط بدين معين، أو مله بعينها، والتكفير حق لله فلا يكفر إلا من كفره اتلله الله المطلع على ما في الصدور، والشهيد على أعمال عباده من البشر، وثبوت الكفر على المرء أمر لا يثبت إلا بدليل شرعي متفق عليه، سواء من النص، أو بإجماع العلماء والفقهاء كافة، وليس القلة منهم.

وما أخطر التحديات التي تواجهنا هذه الآونة المحمومة بفضل اللغط السياسي الديني استباق بعض التيارات الدينية في إلقاء تهم التكفير على الآخر، ولقد توعد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بهؤلاء الذين يكفرون إخوانهم بقوله : " لا يرمي رجل رجلاً بالفسق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدت عليه إن لم يكن صاحبه كذلك". أما الآن فأصبح التكفير أسرع حكم يمكن أن يصدره إنسان على أخيه، وإذا كان التكفير قديماً سلاح خفي يستخدمه بعض المتطرفين في مواجهة خصومهم، فاليوم أصبح أداةً هجومية تستخدم قبل وأثناء وبعد الحوار مع الآخر، هذا إن كان هناك حوار من الأساس. وهذا السلاح كان قديماً يردده رجل على مرأى ومسمع قلة من الحضور ببلدة صغيرة، ثم يتناقل الخبر بصورة وئيدة ثقيلة حتى تصل لرجل يطالع حظك اليوم في شرفته، أما هذه الأيام فالنار تستعر بالهشيم سريعاً، من خلال المنتديات، والفضائيات، والمدونات، والمنصات الرقمية.

***

الدكتور بليغ حمدي إسماعيل

أستاذ المناهج وطرق تدريس اللغة العربية والتربية الإسلامية

كلية التربية ـ جامعة المنيا.

لماذا لا نسمع شيخا أو فقيها يقول للناس: من شيد مدرسة، بنى الله له بيتا في الجنة؟

لماذا لا نسمع من يقول: من أنشأ مكتبة تفتح أبواب المعرفة أمام الفقراء، أو مستشفى يخفف وجع المرضى، أو مركزا للبحث العلمي، أو منح طفلا فرصة للتعلم، فله من الأجر ما يليق بعظمة ما صنع؟

أليس العلم صدقة؟

أليست إنقاذ حياة الإنسان من أعظم وجوه الرحمة؟

 أليس تحرير العقل من الجهل عملا يستحق أن يكون له في ميزان الفضيلة مقام رفيع؟

المشكلة، في تقديري، ليست في الدين بقدر ما هي في أولويات الخطاب الديني حين يتحول إلى خطاب وعظي يختزل الخير في الشعائر، ويترك العمران الإنساني في الهامش. فحين يصبح التدين منفصلا عن الإنسان، يمكن أن ينشغل الناس كثيرا بما يفعلونه في علاقتهم بالسماء، وينسون ما يفعلونه في علاقتهم بمن يسيرون معهم على الأرض.

ما معنى أن تصلي كثيرا، بينما تترك إنسانا يتضور من الجوع؟

ما معنى أن تحفظ النصوص، بينما تعادي الآخر المختلف؟

ما معنى أن تبحث عن طريق مختصر إلى الجنة، بينما تمر كل يوم بجوار إنسان يحتاج منك شيئا من الرحمة؟

نحن في حاجة إلى خطاب يقول للناس إن بناء مدرسة ليس أقل شرفا من بناء مسجد، وإن إنشاء مستشفى قد يكون في جوهره عبادة للرحمة، وإن تأسيس مكتبة قد يكون نوعا من بناء الإنسان، وإن تمويل بحث علمي قد يكون صدقة ممتدة الأثر؛ لأن المعرفة التي تمنحها لإنسان قد تنتقل منه إلى مئات وآلاف، كما تنتقل النار من شعلة إلى أخرى دون أن تنقص الأولى.

فالخير ليس فكرة معلقة في السماء؛ الخير أثر يحدث هنا، على الأرض، في جسد مريض، وفي عقل طفل، وفي حياة امرأة، وفي مستقبل مجتمع.

وفي وجهه نظري. الطبيب الذي يسهر على مريض لا يعرفه، والباحث الذي يقضي سنوات في مختبر بحثا عن علاج، والمعلم الذي يوقظ في طفل فقير شهوة المعرفة، والمثقف الذي يحارب الخرافة بالفكرة، والإنسان الذي يمنح محتاجا كرامته قبل أن يمنحه ماله؛ هؤلاء جميعا يمارسون شكلا عميقا من العبادة الإنسانية

لكن ثمة سؤالا أكثر عمقا: لماذا نحتاج أصلا إلى وعد بالجنة حتى نفعل الخير؟

ألا ينبغي أن تكون حياة الإنسان نفسها جديرة بأن نخفف آلامها، ونوسع إمكاناتها، ونمنح أبناءها فرصة أفضل للحياة، حتى لو لم يكن وراء ذلك ثواب موعود؟

هنا تبدأ الأخلاق في الارتقاء من منطق المكافأة إلى منطق المسؤولية.

فالإنسان الذي يبني مستشفى لأنه يحب الإنسان، لا لأنه ينتظر قصرا في السماء، قد يكون قد بلغ درجة أكثر نضجا في الفعل الأخلاقي؛ لأنه لم يعد يسأل: ماذا سأحصل في المقابل؟ بل يسأل: ماذا يستطيع وجودي أن يمنح لهذا العالم؟

فإذا كان الإنسان لا يتصدق إلا طمعا في الجنة، ولا يكف عن الظلم إلا خوفا من النار، فإن أخلاقه لا تزال واقفة على عتبة المصلحة؛ إنه لم يصل بعد إلى تلك المنطقة النادرة التي يصبح فيها الخير غاية في ذاته

إن أعظم صدقة قد لا تكون شيئا نضعه في يد فقير، بل شيئا نضعه في عقل إنسان.

وقد تكون أعظم عبادة أن تجعل الحياة أقل قسوة على الآخرين.

لماذا نبحث دائما عن طريق إلى السماء، بينما يمكن أن يكون أحد أكثر الطرق نبلا إليها هو أن نجعل الحياة على الأرض أقل بؤسا، وأكثر معرفة، وأوسع حرية، وأشد إنسانية. وربما لا يحتاج الله إلى بيوت إضافية في السماء بقدر ما يحتاج الإنسان إلى بيوت تحفظه من البرد، ومدارس تنقذه من الجهل، ومستشفيات تنقذه من الموت، ومكتبات تنقذه من العيش بعقل مستعار.

فإن كان ثمة جنة تستحق أن نبحث عنها، فلنبدأ ببنائها هنا...

على هذه الأرض التي تركناها طويلا للفقر والجهل والخوف، ثم رفعنا أعيننا إلى السماء نسألها النجاة.

فالسماء لا تحتاج إلى أيدينا كي تعمر... أما الأرض، فتنتظرنا.

أيها الإنسان...

يا من أفنيت عمرك تسأل عن الطريق إلى السماء، بينما نسيت الطريق إلى الإنسان.

يا من تحفظ أسماء أبواب الجنة، ولا تعرف اسم الجائع الذي مر بجوارك.

يا من تخشى أن تفوتك حسنة صغيرة، ولا يؤرقك أن يعيش إنسان في محيطك بلا علم، ولا كرامة، ولا فرصة.

أيها الإنسان، لا تجعل علاقتك بالله ذريعة لقسوتك على خلقه، ولا تجعل العبادة بديلا عن الرحمة، ولا تجعل التدين حجابا يحجب عنك أخيك الإنسان. مهما كانت عقيدته

إن كان الله قد خلقك حرا، فلا تحوّل نفسك إلى تابع.

وإن منحك عقلا، فلا تسلمه لأحد.

وإن منحك قلبا، فلا تجعله يعتاد رؤية الألم حتى يفقد قدرته على الارتجاف.

أيها الإنسان...

لا تجعل الخير صفقة بينك وبين السماء؛ اجعله موقفا أخلاقيا منك تجاه الحياة.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في عالم يشهد تحولات متسارعة على المستويات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية، لم يعد السرد مجرد وسيلة فنية لحكي الأحداث أو نقل التجارب الإنسانية، بل أصبح أداة فاعلة في تشكيل الوعي الجمعي وإعادة بناء الذاكرة الثقافية للمجتمعات. فالسرد المعاصر، بمختلف أشكاله الأدبية والإعلامية والرقمية، يمارس دورًا متناميًا في إعادة قراءة الماضي واستحضار الوقائع التاريخية والرموز الثقافية ضمن رؤى جديدة تتلاءم مع متطلبات الحاضر وتحديات المستقبل. ومن هنا تبرز أهمية دراسة العلاقة بين السرد المعاصر والذاكرة الثقافية باعتبارها علاقة تفاعلية تسهم في إنتاج المعنى وصياغة الهوية الجماعية.

تُعرَّف الذاكرة الثقافية بأنها ذلك المخزون الرمزي والمعرفي الذي تحتفظ به المجتمعات عبر الأجيال، ويشمل الأحداث التاريخية والقيم والعادات والتقاليد والرموز والأساطير والنصوص المؤسسة للهوية الثقافية. وهذه الذاكرة لا تُحفظ بصورة جامدة أو ثابتة، بل تخضع باستمرار لعمليات إعادة تفسير وتأويل وفقًا للظروف الاجتماعية والسياسية والثقافية المتغيرة. وهنا يتدخل السرد بوصفه الوسيلة الأكثر قدرة على تحويل الوقائع والذكريات إلى قصص تحمل دلالات ومعاني تؤثر في وعي الأفراد والجماعات.

لقد شهد السرد المعاصر تطورًا ملحوظًا في أدواته وتقنياته، فلم يعد مقتصرًا على الرواية أو القصة التقليدية، بل امتد إلى السينما والدراما التلفزيونية والمنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي والوثائقيات والبودكاست وغيرها من الوسائط الحديثة. هذا التوسع منح السرد قدرة أكبر على الوصول إلى الجمهور والتأثير في تصوراته حول الماضي والحاضر. فكل قصة تُروى تحمل ضمنيًا رؤية معينة للعالم وتُعيد ترتيب الأحداث وفق منظور محدد، الأمر الذي يجعل السرد أداة مؤثرة في تشكيل الذاكرة الثقافية وإعادة إنتاجها.

ومن أبرز ملامح السرد المعاصر اهتمامه بإعادة قراءة التاريخ من زوايا مختلفة، خاصة تلك التي كانت مهمشة أو مغيبة في السرديات التقليدية. فقد أصبحت الروايات والأعمال الفنية الحديثة تمنح مساحة أكبر لأصوات الفئات التي لم تكن ممثلة بالشكل الكافي في الخطابات التاريخية الرسمية، مثل النساء والأقليات والفئات الاجتماعية المهمشة. وبهذا المعنى، يسهم السرد المعاصر في توسيع نطاق الذاكرة الثقافية وجعلها أكثر تنوعًا وشمولًا، حيث لا تقتصر على رواية واحدة للأحداث، بل تحتضن تعددية الأصوات والتجارب.

كما أن السرد المعاصر يساهم في إعادة إحياء التراث الثقافي من خلال تقديمه بصيغ جديدة تتناسب مع الأجيال الحديثة. فالكثير من الأعمال الأدبية والفنية تستلهم الحكايات الشعبية والأساطير والتراث المحلي وتعيد توظيفها في سياقات معاصرة، مما يضمن استمرار حضورها في الوعي الجمعي. وهذه العملية لا تعني مجرد استنساخ الماضي، بل إعادة إنتاجه بما يجعله قادرًا على التفاعل مع قضايا الحاضر وأسئلته. وبهذا يصبح التراث مادة حية ومتجددة بدلًا من أن يبقى حبيس الكتب أو الذاكرة الفردية.

وفي ظل الثورة الرقمية، اكتسب السرد المعاصر أبعادًا جديدة أثرت بصورة مباشرة في تشكيل الذاكرة الثقافية. فقد أتاحت وسائل التواصل الاجتماعي للأفراد إمكانية المشاركة في صناعة السرد وتوثيق تجاربهم الشخصية بشكل غير مسبوق. وأصبح بإمكان أي شخص أن ينشر قصته أو يوثق حدثًا عاشه أو يشارك صورًا وذكريات تسهم في تشكيل صورة جماعية عن واقع معين. هذه المشاركة الواسعة حولت الذاكرة الثقافية من عملية مركزية تهيمن عليها المؤسسات الرسمية إلى عملية تشاركية يساهم فيها عدد كبير من الفاعلين الاجتماعيين.

ومن جهة أخرى، أدى انتشار المنصات الرقمية إلى تسريع تداول السرديات الثقافية وتجاوزها الحدود الجغرافية. فالقصة التي تُنتج في مكان ما يمكن أن تصل خلال لحظات إلى جمهور عالمي، الأمر الذي يسهم في تبادل الخبرات الثقافية وتعزيز الحوار بين الشعوب. غير أن هذا الانفتاح يطرح تحديات مهمة تتعلق بالحفاظ على الخصوصية الثقافية في مواجهة العولمة الثقافية التي قد تؤدي إلى تهميش بعض السرديات المحلية أو إعادة صياغتها وفق معايير خارجية.

ويظهر تأثير السرد المعاصر في إعادة تشكيل الذاكرة الثقافية أيضًا من خلال قدرته على معالجة القضايا الكبرى التي مرت بها المجتمعات، مثل الحروب والتحولات السياسية والأزمات الاجتماعية. فالأعمال السردية التي تتناول هذه الأحداث لا تكتفي بتسجيلها، بل تقدم تفسيرات وتأويلات تساعد الأفراد على فهمها واستيعاب آثارها. وغالبًا ما تلعب هذه الأعمال دورًا مهمًا في المصالحة مع الماضي أو في إعادة تقييمه، مما يجعلها جزءًا أساسيًا من عملية بناء الذاكرة الجماعية.

ولأن الذاكرة الثقافية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالهوية، فإن السرد المعاصر يساهم بصورة مباشرة في إعادة تعريف هذه الهوية وصياغتها. فعندما تُروى القصص التي تعكس قيم المجتمع وتجاربه وتطلعاته، فإنها تساعد الأفراد على إدراك انتمائهم الثقافي وتعزز شعورهم بالارتباط بتاريخهم ومجتمعهم. وفي الوقت نفسه، يتيح السرد المجال لمراجعة بعض التصورات التقليدية وإعادة النظر فيها بما يتناسب مع التحولات التي يشهدها المجتمع.

غير أن هذه القدرة الكبيرة للسرد على تشكيل الذاكرة الثقافية تفرض مسؤولية أخلاقية وثقافية على المبدعين والمؤسسات الإعلامية والثقافية. فالسرد قد يكون وسيلة للحفاظ على الحقيقة وتعزيز الوعي، لكنه قد يتحول أيضًا إلى أداة للتشويه أو الانتقاء أو التلاعب بالوقائع إذا لم يستند إلى رؤية نقدية ومسؤولة. ولذلك فإن بناء ذاكرة ثقافية متوازنة يتطلب الجمع بين حرية الإبداع والالتزام بالقيم المعرفية والإنسانية التي تحترم التعددية والموضوعية.

إن المجتمعات التي تدرك أهمية السرد في تشكيل الوعي تكون أكثر قدرة على حماية ذاكرتها الثقافية من النسيان أو التشويه. فالقصة ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي وعاء يحمل الخبرات والتجارب والقيم التي تنتقل من جيل إلى آخر. وكلما ازداد الاهتمام بإنتاج سرديات تعكس الواقع بعمق وصدق، ازدادت قدرة المجتمع على فهم ذاته واستيعاب تاريخه واستشراف مستقبله.

لذا، يمثل السرد المعاصر قوة ثقافية مؤثرة في إعادة تشكيل الذاكرة الجماعية وإعادة إنتاج المعاني المرتبطة بالماضي والحاضر. ومن خلال تنوع وسائطه وأساليبه، أصبح قادرًا على استحضار التراث وإعادة تفسير التاريخ وإبراز الأصوات المختلفة داخل المجتمع. وبينما تستمر التحولات الرقمية والثقافية في تغيير طرق إنتاج القصص وتلقيها، سيظل السرد أحد أهم الأدوات التي تصوغ ذاكرة الشعوب وتحافظ على هويتها وتمنحها القدرة على التواصل مع ذاتها ومع العالم من حولها.

***

د. عصام البرّام

في العالم العربي، بمصر أولًا يبرز زكي نجيب محمود بوصفه النموذج الأوضح للفيلسوف الذي امتلك قلم الأديب، فقد جمع بين البحث الفلسفي والكتابة الثقافية والمقالة الأدبية، وسعى إلى تقريب الفلسفة من القارئ العربي، لا بتفريغها من دقتها، بل بإعادة صياغتها في لغة واضحة وحية، ولذلك عُدَّ من أبرز من جسّدوا عبارة «أديب الفلاسفة وفيلسوف الأدباء»، إذ لم يكتفِ بعرض الوضعية المنطقية والفلسفة الغربية، بل انشغل أيضًا بسؤال الأصالة والمعاصرة، وبإمكان بناء عقل عربي حديث يتفاعل مع التراث دون أن يستسلم له..

هناك العبقري عباس محمود العقاد الذي كان أديبًا وشاعرًا وناقدًا وصحفيًا ومفكرًا موسوعيًا، وقد تجاوز إنتاجه المائة كتاب في الأدب والفكر والفلسفة والتاريخ والدين، ولم تكن الفلسفة عنده موضوعًا خارجيًا عن الأدب، بل كانت حاضرةً في كتاباته عن الإنسان والحرية والجمال والدين والشخصية التاريخية. ففي «الله» و«الفلسفة القرآنية» و«التفكير فريضة إسلامية» حاول أن يعالج قضايا الإيمان والعقل والروح والمجتمع معالجةً فكرية، بينما جعل في «العبقريات» من السيرة والتاريخ مجالًا لتحليل الشخصية والقيادة والضمير والمسؤولية، كما أن العقاد لم يكن شاعرًا يكتفي بالتعبير الوجداني، بل كان يرى الشعر موقفًا من الوجود ورؤيةً إلى الإنسان، وقد أسهم، مع إبراهيم المازني، في تأسيس مدرسة الديوان التي دعت إلى تجديد الشعر العربي، وربطت القصيدة بالتجربة النفسية والفكرية، ورفضت أن يكون الشعر مجرد محاكاة شكلية أو زخرفة لفظية، اذ يمكن القول إن العقاد كان أديبًا يمارس الفلسفة من خلال الشعر والنقد والسيرة والفكر الديني، وفيلسوفًا يحرص على أن تظل أفكاره متصلةً بجمال اللغة وحيوية التجربة..

أما طه حسين، فقد كان أديبًا وناقدًا ومؤرخًا للفكر والأدب، وصاحب مشروع تنويري جعل من المعرفة والتعليم والنقد العقلي شروطًا لتحرير الإنسان، لعل هناك من يقول لم يكن فيلسوفًا نسقيًا بالمعنى الأكاديمي الدقيق، لكن كتاباته حملت وعيًا فلسفيًا واضحًا، ظهر في دفاعه عن العقل والمنهج والشك المنهجي، وفي مساءلته للموروث وطرائق إنتاج الحقيقة. وقد أثارت دراسته للشعر الجاهلي نقاشًا واسعًا لأنها نقلت إلى الأدب العربي أدوات نقدية حديثة، ودفعت إلى مراجعة المسلّمات الموروثة بدل قبولها لمجرد شيوعها.. بل يتجلى البعد الفلسفي عند طه حسين أيضًا في أعماله الأدبية، مثل «الأيام» و«دعاء الكروان» و«المعذبون في الأرض». فهذه الأعمال لا تكتفي بسرد التجربة أو تصوير المجتمع، بل تطرح أسئلة الحرمان والعدالة والكرامة والتعليم والقدر والاختيار. وفي «الأيام» تتحول السيرة الذاتية إلى تأمل في علاقة الإنسان بالعجز والمعرفة والإرادة، بينما تكشف «دعاء الكروان» عن الصراع بين التقاليد والعدالة، وبين سلطة المجتمع وحق الفرد في الحياة والاختيار..

بينما يبرز نجيب محفوظ في مرحلته الفلسفية (ثلاثية «الحرافيش»، و«أولاد حارتنا»، و«رحلة ابن فطومة») روائيًا يجعل من السرد فضاءً للسؤال عن العدالة والحقيقة والحرية والقدر، دون أن يفقد الرواية جاذبيتها السردية.

و ببلاد الحرمين، يمكن التوقف عند عبد الله القصيمي، الذي جمع بين الكتابة الفكرية والبلاغة الجدلية والأسلوب الأدبي الحاد، فقد جاءت مؤلفاته في صورة نصوص فكرية ذات كثافة لغوية ومفارقات وسجالات، ولم يكن يعرض أفكاره في لغة أكاديمية جافة، بل في كتابة هجومية وتأملية تستفز القارئ وتدفعه إلى مراجعة مسلّماته. ومن كتبه «العرب ظاهرة صوتية» و«هذا الكون ما ضميره؟»، وهي أعمال تشتغل على أسئلة العقل والدين والمجتمع والحرية، وإن اختلفت المواقف من حدتها واستنتاجاتها.

ويضاف إلى ذلك غازي القصيبي، الذي لم يكن فيلسوفًا بالمعنى الاصطلاحي، لكنه جمع بين الشعر والرواية والمقالة والتأمل الثقافي، وطرح في أعماله أسئلة السلطة والاغتراب والبيروقراطية والحرية والإنسان.. ففي رواياته وقصائده يتداخل الأدبي بالسياسي، واليومي بالفكري، ويتحول الأدب إلى وسيلة لفحص علاقة الفرد بالمؤسسة والمجتمع والتاريخ. ومن المهم هنا التمييز بين الفيلسوف المتخصص والمثقف الأديب ذي الحس الفلسفي، حتى لا نحمّل الأسماء أكثر مما تحتمل.

أما في الشام، يقدم زكي الأرسوزي نموذجًا مبكرًا للمفكر الذي جمع بين الفلسفة واللغة والأدب والقومية، إذ اهتم بأصل الكلمات وباللغة بوصفها حاملةً لذاكرة الجماعة وتصورها للعالم..

كما يبرز أنطون سعادة، الذي صاغ مشروعًا فكريًا وسياسيًا ذا طابع فلسفي، واستفاد في عرضه من اللغة الأدبية والرموز التاريخية والتأمل في الأمة والمجتمع والهوية. غير أن حضورهما يقع في منطقة المفكر الفلسفي ذي التعبير الأدبي أكثر من وقوعه في مجال الأديب الذي يكتب الفلسفة صراحة.

أما بمكة الثوار الجزائر، يمكن وصف العلامة الشيخ البشير الإبراهيمي بأنه فيلسوف الإصلاح؛ لا لأنه أنشأ نسقًا فلسفيًا بالمعنى المدرسي، وإنما لأنه امتلك تصورًا متكاملًا للإنسان واللغة والدين والتاريخ، فالإنسان عنده لا يتحرر إلا بالعلم، ولا ينهض إلا بامتلاك وعيه، ولا يصون هويته إلا إذا صان لغته، ولا يواجه الاستعمار العسكري ما لم يقاوم الاستعمار الثقافي. وهذه الرؤية تتجاوز الوعظ المباشر إلى فلسفة في النهضة، تجعل المعرفة شرطًا للحرية، والأدب وسيلة لبناء الوعي، والإصلاح فعلًا حضاريًا شاملًا.

وبذلك أثبت العلامة الإبراهيمي أن الفلسفة والأدب كانا، في التجربة العربية الإسلامية، متداخلين داخل مشروع العالم والمصلح. فقد كان الفقيه فيه أديبًا، والأديب فيه مربيًا، والمصلح فيه مفكرًا، والمفكر فيه صاحب بيان. وإذا كان ابن المقفّع قد جعل الحكمة السياسية تتكلم بلسان الحكاية، وابن حزم قد جمع بين الفقه والأدب وتحليل النفس، فإن البشير الإبراهيمي جعل اللغة العربية والأدب والفقه أدواتٍ متكاملة لتحرير الإنسان الجزائري وبناء وعيه الحضاري..

مالك بن نبي يقدم نموذجًا فريدًا للمفكر الذي جعل مشروعًا فكريًا كاملًا يدور حول فلسفة الحضارة، ووجد في الرواية والمذكرات وسيلتين لتجسيد هذا المشروع، فقد وضع بن نبي كل مؤلفاته تحت عنوان جامع هو «مشكلات الحضارة»، ورأى أن أزمة العالم الإسلامي أزمة حضارية بامتياز، يمكن تحليلها بمعادلة بسيطة وعميقة: الحضارة = الإنسان + التربة + الوقت. غير أن هذا التحليل الفلسفي لم يظل حبيس المصطلحات، بل تجسد في أعمال أدبية: برواية «لبّيك» (1947) التي وُصفت بأنها رواية فلسفية، تجعل من رحلة الحج والإنسان والمكان والزمان مجالًا لاختبار معادلة الحضارة وتمثل شروط النهضة في جسد سردي..

وفي مرحلة النضج، كتب «مذكرات شاهد للقرن» (القسم الأول «الطفل»، والقسم الثاني «الطالب»، القسم الثالث « الكاتب »)، وهي سيرة ذاتية ذات بعد فكري وحضاري، لا تكتفي بسرد الذكريات، بل تقرأ الطفولة في الجزائر والدراسة في فرنسا بوصفها مختبرًا حيًا لتفاعل «الإنسان» مع «التربة» و«الوقت»، وتكشف كيف تشكّلت رؤية بن نبي للحضارة من خلال تجربة الاغتراب والمواجهة بين الثقافتين، ليعرب بن نبي أن الفلسفة لا تُكتب دائمًا في لغة المفاهيم؛ فقد تُكتب في رواية تختبر الفكرة في مصير شخصية، أو في مذكرات تجعل من السيرة الشخصية شهادة على عصر وتحولات حضارة. وهو بهذا يقترب من تقليد ابن سينا في «حي بن يقظان» وابن طفيل في صياغته اللاحقة، وابن عربي في «ترجمان الأشواق»، حيث يصبح الأدب لغةً للفلسفة، وتصبح الفلسفة عمقًا للأدب.

 ويبرز عبد الحميد بن هدوقة أحد رواد الرواية الجزائرية المكتوبة بالعربية، وصاحب رواية «ريح الجنوب» التي صدرت سنة 1971، بوصفه أديبًا جعل من السرد مجالًا للتفكير في الإنسان والمجتمع والتحول التاريخي. فقد تناول في رواياته قضايا الأرض والريف والمرأة والسلطة والتقاليد والعدالة، ولم يكن الواقع عنده مجرد مادة للحكاية، بل سؤالًا مفتوحًا عن علاقة الإنسان بمحيطه، وعن الصراع بين الموروث والحداثة، وبين ضرورات الجماعة وحق الفرد في الاختيار.. وفي أعمال مثل «نهاية الأمس» و«بان الصبح» و«الجازية والدراويش»، يتحول السرد إلى مساءلة للوعي الاجتماعي، وتغدو الشخصيات مرايا لتوترات الجزائر وهي تعبر من زمن الاستعمار إلى زمن الاستقلال وبناء الدولة، لقد عُرف بن هدوقة روائيًا وقاصًا وشاعرًا وكاتبًا مسرحيًا، الأمر الذي يجعل تجربته مثالًا على تداخل الأجناس الأدبية واتساع الأدب لاستيعاب الأسئلة الفكرية والتاريخية.

ويأتي أحمد رضا حوحو نموذجًا جزائريًا آخر للأديب الذي اتخذ من الأدب وسيلةً للنقد الاجتماعي والوعي الإنساني، حيث اعتمد في قصصه ومقالاته أسلوب السخرية والمفارقة والحوار، وكشف من خلاله مظاهر الجهل والنفاق والاستبداد والتفاوت الاجتماعي، من غير أن يحوّل نصوصه إلى مواعظ مباشرة أو خطب إصلاحية، وكانت كتابته تنطلق من الإيمان بأن الأدب لا يكتفي بتصوير الواقع، بل يساعد على تعريته وإعادة النظر فيه؛ فالشخصية الساخرة عنده ليست مادة للضحك وحده، بل أداة لكشف اختلال القيم، والموقف الكوميدي ليس ترفًا، بل طريقة لإظهار التناقض بين ما يدّعيه المجتمع وما يمارسه في الواقع..

من هنا يقترب حوحو من الفلسفة الاجتماعية؛ إذ يجعل الأدب سؤالًا عن الإنسان، والحرية، والكرامة، ومسؤولية المجتمع عن إعادة إنتاج عيوبه.

وإذا كان ابن هدوقة قد جعل الرواية فضاءً لتحليل التحولات الاجتماعية والتاريخية، فإن حوحو جعل القصة والمقالة مجالًا للنقد والسخرية وكشف الأقنعة. كلاهما يثبت أن الأدب الجزائري لم يكن منفصلًا عن التفكير في الإنسان والمجتمع، وأن الفلسفة قد تحضر في النص الأدبي لا على هيئة مصطلحات مجردة، بل في صورة موقف، وشخصية، وصراع، ومفارقة. فالأديب لا يحتاج دائمًا إلى أن يعلن انتماءه إلى الفلسفة حتى يكون نصه فلسفيًا؛ يكفي أن يضع الإنسان أمام أسئلته العميقة، وأن يجعل القارئ يرى الواقع لا كما اعتاده، بل كما ينبغي أن يُساءل ويُفهم.

أما إسم بختي بن عودة، ذلك المثقف الشهيد الذي جمع بين النقد الأدبي والشعر والصحافة والتفكير الفلسفي، وجعل من الكتابة فعلًا من أفعال المقاومة الثقافية، لم يكن الأدب عنده ترفًا لغويًا أو انشغالًا جماليًا منفصلًا عن الواقع، بل كان وسيلةً لإعادة بناء الوعي، وتفكيك المسلّمات، والدفاع عن الحداثة والعقل والحرية في زمن كانت فيه الثقافة مهددةً بالانغلاق والعنف.

اشتغل الشهيد بختي بن عودة على قضايا الكتابة والنقد والتأويل، واهتم بما سماه النقاد مشروعًا حداثيًا يسعى إلى تحرير النص من القراءات الجامدة، والقارئ من سلطة الأحكام الجاهزة..

ومن هذه الزاوية، يمثل بختي بن عودة نموذجًا خاصًا للفيلسوف الأديب في الجزائر: ليس لأنه أسس نسقًا فلسفيًا مكتملًا، بل لأنه مارس التفكير الفلسفي من داخل النقد والشعر والصحافة والعمل الثقافي، كان يؤمن بأن المعركة ضد الظلامية لا تُخاض بالسلاح وحده، وإنما تُخاض أيضًا بالكتاب، والسؤال، والقصيدة، والندوة، والقدرة على إنتاج معنى جديد للحياة..

كمكما أستاذنا البروفسور عبد القادر فيدوح مهتمًا بالرواية بوصفها مجالًا لتقاطع الخيال والتاريخ والهوية والذاكرة. ومن الأعمال التي تكشف هذا الاهتمام كتاب «تأويل المتخيل: السرد والأنساق الثقافية»، إضافة إلى دراساته التطبيقية حول الرواية العربية المعاصرة وثيماتها الثقافية.

حيث يرى البروفسور عبد القادر فيدوح أن الأدب ليس مجرد تعبير جمالي أو نقل للواقع، بل هو مجال لطرح أسئلة فلسفية عميقة حول الإنسان والوجود والهوية والحرية والذاكرة والمعنى. فالنص الأدبي، من خلال الشخصيات والأحداث واللغة، يحوّل هذه القضايا المجردة إلى تجارب محسوسة قابلة للتأمل والتأويل. ومن هنا اصبحت الكتابة الأدبية لديه بحثًا عن الحقيقة لا باعتبارها إجابة نهائية، بل باعتبارها سؤالًا مفتوحًا يتجدد مع كل قراءة؛ ولذلك يمثّل الأدب عند استاذنا البروفسور عبد القادر فيدوح فضاءً للحوار بين الجمالي والفكري، وبين التجربة الإنسانية والتأمل الفلسفي.

هكذا تمنح الفلسفة البروفسور فيدوح أدوات لفهم الأسئلة العميقة داخل النص، بينما يمنحه الأدب مادة حية لاختبار هذه الأسئلة. فالفلسفة تبحث في مفاهيم مثل الذات والوجود والحرية والذاكرة، أما الأدب فيجسد هذه المفاهيم في شخصيات وصور وأحداث ولغة.

و لعل روايته «ملاوة.. سيرة بوح الروح» تمثل الوجه الإبداعي لمشروع الناقد الأدبي والمفكر الجزائري البروفسور عبد القادر فيدوح، إذ تحوّل مفاهيم الذاكرة والذات والمكان من موضوعات نقدية إلى تجربة سردية معيشة.

ثم أرى أن البروفسور أمين الزاوي أحد الوجوه الثقافية اللامعة في الجزائر، بما يجمعه من حضور روائي وفكري وأكاديمي يكتب بالعربية والفرنسية، ويجعل من الأدب مجالًا حيًا للتأمل في أسئلة الفلسفة والهوية والاختلاف، حيث تزداد قيمة حضوره في أعماله الأخيرة، ولا سيما رواية "الأصنام: قابيل الذي رقّ قلبه لأخيه هابيل"، التي واصل فيها مساءلة العنف والأخوّة والتحولات الاجتماعية برؤية فلسفية عميقة، ثم

رواية "منام القيلولة" التي تعود إلى الذاكرة الجزائرية الجريحة، وتحديدًا إلى آثار العنف والخيانة والتحولات التي عرفتها البلاد من زمن الاستعمار إلى العشرية السوداء عبر سردٍ مفعم باللمسات الفلسفية العميقة التي تستثمر الحلم والقيلولة بوصفهما فضاءً رمزيًا لكشف ما هو مأساوي ومكبوت في الواقع، وٱخر ما يبرز علاقة الأديب والمفكر امين الزاوي بالفلسفة كتابه "في سوسيولوجيا الإيمان: فصاحة العقل في التفاصيل التي يسكنها الشيطان" صدر سنة 2026، ويُقدَّم بوصفه نصًا يتجاوز الدين والسياسة إلى نقد آليات تحويل الإيمان إلى أداة للاستبداد والطاعة، ويبدو من العنوان أن الاستاذ أمين الزاوي يواصل اشتغاله على العلاقة الملتبسة بين العقل والاعتقاد، لكن بمنظور فلسفي عميق يستمد فعالية التحليل برؤية عبر مناهجية تجمع السوسيولوجي بالفكري والرمزي بالتاريخي والنفسي بالسلوكي من خلال عملية تفكيك ومناقشة للتفاصيل اليومية التي تتشكل فيها السلطة الرمزية والخضوع.

و إلى جانب كل هذا التنوع الأدبي والفكري الفلسفي معروف عن المفكر الأديب أمين الزاوي مشاركاته الفاعلة في الندوات واللقاءات الثقافية التي يثري فيها النقاش برؤيته النقدية ومداخلاته الفكرية المفعمة بالروح الفلسفية الواقعية.. وعليه، فإن احترامي له كصديق وكاتب حر، لا يقوم فقط على مكانته الأدبية والثقافية، بل أيضًا على كونه مفكرًا يجعل من الكتابة موقفًا ومن الحوار الثقافي أفقًا دائمًا للتفكير، ومن الفلسفة فضاءا يغني الأدب بفن السؤال..

دون أن انسى الأكاديمي الفاضل البروفسور عبد القادر بوعرفة نموذجًا جزائريًا معاصرًا للمثقف الذي لم يفصل بين الفلسفة والأدب، بل جعل الكتابة مجالًا مشتركًا للتأمل في الإنسان والوجود والمجتمع، فيلسوف وأكاديمي وكاتب وأديب، اشتغل على قضايا الفكر الجزائري، والتراث الفلسفي، والحداثة، والتنوير، كما اتخذ من القصة والحكاية والسخرية وسائل لتقريب الأسئلة الفلسفية من القارئ، حيث تكشف عناوين بعض كتاباته عن التداخل بين التفكير النظري والخيال الأدبي والتأمل في الواقع، كثورة على الجمود والتخلف حيث تستنطق الفكرة الواقع وتلاحق القصة الاسئلة الممنوعة او المسكوت عنها، اذ تقدم مجموعته القصصية «كانوا هنا» صورة واضحة لهذا التداخل؛ فالقصة عند بوعرفة لا تكتفي بسرد حدث أو رسم شخصية، بل تنفتح على أسئلة الألم والذاكرة والكفاح والغياب والمعنى، فشخصياته لا تتحرك في فضاء حكائي محض، وإنما تحمل توترًا وجوديًا يكشف هشاشة الإنسان، وصراعه مع الواقع، ومحاولته استعادة كرامته وسط عالم تتنازعه القسوة والتهميش والنسيان. وقد وُصفت المجموعة بأنها تمزج بين الحس الأدبي والهمس الفلسفي، وتبرز التناقض الكامن في التجربة الإنسانية.

بينما في بلاد الرافدين يبرز جميل صدقي الزهاوي وحسام الآلوسي، الفيلسوف العراقي الذي جمع بين البحث الفلسفي والاهتمام بالأدب واللغة والتراث وهادي العلوي الذي استطاع أن يقدم شخصيات وأفكارًا تراثية في صورة حية تجعل الماضي شريكًا في أسئلة الحاضر، كما عُدَّ من الكتّاب الجامعين بين الفلسفة والتراث والادب في المشهد العراقي المعاصر.

وفي مجال الشعر، يبرز بلند الحيدري، الذي تأثر بالفكر الوجودي وبأسئلة الحرية والاغتراب والتمرد والقلق، لم يكن شعره منفصلًا عن المناخ الفلسفي الذي عرفه العراق والعالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين.

وفي العراق المعاصر، يبرز ماجد الغرباوي نموذجًا آخر للمفكر العراقي الذي جمع بين الفكر النقدي الثقافي والكتابة الأدبية ذات النفس الفلسفي وقد صدر مؤخرا كتابه نصوص أدبية بعنوان: (يتهادى حُلماً). فقد جعل من قضايا التسامح والحرية، حيث جعل من قضايا التسامح والحرية والتنوير محاور أساسية في مشروعه، وتتميز كتابته بقدرتها على تحويل القضايا الفكرية المعقدة إلى أسئلة قريبة من الإنسان، تتصل بالخوف والاختلاف والسلطة والضمير والمسؤولية.

إن أهمية الأستاذ ماجد الغرباوي لا تكمن في إنتاج خطاب فلسفي اصطلاحي فحسب، بل في سعيه إلى بناء وعي نقدي يحرر الإنسان من أسر القراءة الأحادية عبر الفكر التجديدي والأدب بشتى اشكاله من القصيدة الى القصة والرواية فهو يكتب في منطقة تتقاطع فيها الفلسفة مع الأدب؛ لأن التأويل عنده ليس عملية تقنية، بل فعلٌ إنساني يشارك فيه القارئ بخبرته وذاكرته وأسئلته.

أما رسول محمد رسول، فيمثل صورة أكثر مباشرة للفيلسوف الأديب؛ فقد عُرف كاتبًا وفيلسوفًا عراقيًا متخصصًا في الفلسفة الألمانية، وكتب في الفلسفة والرواية والدراسات النقدية. ومن مؤلفاته «فتنة الأسلاف: هيدغر قارئًا كانط» و«إنسان التأويل»، إلى جانب أعمال روائية ونصوص أدبية، مما يجعله نموذجًا للمثقف الذي يتحرك بين الفلسفة والسرد والنقد دون أن يرى بينها قطيعة.

ويكتسب رسول محمد رسول أهمية خاصة لأنه لا يكتفي بتفسير الفلسفة، بل يختبر إمكاناتها داخل الأدب. فالفلسفة الألمانية، ولا سيما عند هايدغر، ترتبط عنده بسؤال اللغة والتأويل والوجود، وهي أسئلة لا تُفهم خارج التجربة الأدبية، حيث الإنسان ليس عقلًا مجردًا يواجه العالم من خارجه، بل كائن يتشكل داخل اللغة، ويحيا في التاريخ، ويبحث عن ذاته من خلال السرد والتأويل، حتى اصبحت الرواية عنده امتدادًا للتفكير الفلسفي، كما يصبح البحث الفلسفي فعلًا من أفعال القراءة والتأويل.

والاكيد أننا يمكننا أن نضيف العديد من الأسماء التي أسهمت أعمالهم في إبراز تجاور الفلسفة مع الأدب من نواكشط الى صلالة..

(يتبع)

***

أ. مراد غريبي

ذكرنا في اللقاء السابق أن مفهوم الإرهاب لم يظهر فجأة في الفكر العربي والإسلامي المعاصر، وأنه مر بتحولات تاريخية ودلالية حاسمة؛ إذ كان الجذر اللغوي (رهب) يدل أساسًا على الخوف والخشية، وجاء في القرآن الكريم أيضًا في سياق الردع المشروع وإعداد القوة، بعيدًا كل البعد عن دلالات العنف العبثي الحديثة. كما أن التراث الإسلامي لم يعرِّف "الإرهاب" كمفهوم اصطلاحي مستقل، بل عالج الأفعال المهددة لأمن الجماعة والوعي الجمعي من خلال مفاهيم شرعية محددة كـ (الحرابة والبغي والفتنة والخروج)، وجعل لكل منها دلالته الشرعية وحدوده الفقهية.

 غير أن الاحتكاك الشديد بالأغيار في العصر الحديث أدى إلى انتقال مفهوم الإرهاب (Terror) إلى المجال التداولي العربي والإسلامي؛ ومن هنا بدأت مرحلة جديدة من الترجمة، والتأويل، والتوظيف الأيديولوجي، وما صاحب ذلك من خلط شائن بين المقاومة المشروعة والعنف المنفلت، ناهيك عما أحدثه المتأولون والمجتزئون من تشويه للمفاهيم. الأمر الذي يجعل إعادة قراءة مفهوم الإرهاب وتحولاته الناشئة ضرورة لفهم حضوره في حاضرنا المعيش.

وإذا ما حاولنا، بعد هذا التأصيل المنهجي، أن نقيم تحقيبًا علميًا دقيقًا للمفهوم داخل الفكر العربي والإسلامي المعاصر، فإنه لا يسوغ لنا بحال أن نقف عند حدود التقسيم الزمني الصلب، وكأن التاريخ الفكري مجرد تعاقب آلي للمراحل؛ بل يتعين علينا أن ننظر مليًا في التحولات الجذرية التي أصابت المفهوم في ذاته، وفي بنيته الدلالية، وفي نسقيته وموقعه الحقلي، وفي الوظائف التي أُنيطت به، وفي انتقاله السلس أو المتوتر من سياق إلى سياق، ومن أفق تداولي إلى أفق آخر.

وقد جاء اختيارنا للامتداد الزمني الممتد من (1850 إلى 2026)، لا باعتباره إطارًا تاريخيًّا محايدًا، بل لأنه يمثل المدى الزمني الذي تشكلت في أثنائه أبرز الانزياحات الدلالية للمفهوم في الفكر العربي والإسلامي الحديث والمعاصر؛ حيث تبدأ إرهاصات النهضة الاحتكاكية بالأغيار، وفي أثنائها تتكون مشاريع الإصلاح والاستجابة لموجات الحداثة، ثم تتوالى تحولات الدولة الوطنية والأيديولوجيا والمجتمع، إلى أن نصل إلى حاضرنا المعيش والوقت المعيش الذي أعادت فيه الوسائط الرقمية إنتاج المفاهيم وصياغتها، لا في معانيها فحسب، بل في وظائفها وأدوات تداولها بين الجماهير وشبيبة الأمة.

وبناءً على ذلك، قسمنا مسار مفهوم الإرهاب في نسق الفكر العربي والإسلامي المعاصر إلى ست مراحل كبرى، تمثل كل منها بنية تاريخية ودلالية مخصوصة في سيرورته وتحولاته:

 أولًا: مرحلة النهضة والإصلاح (1850 1918).

ثانيًا: مرحلة الدولة الوطنية والفكر الأيديولوجي (1918 1950).

ثالثًا: مرحلة الفلسفة العربية المعاصرة والدولة الوطنية الجديدة (1950 1967).

رابعًا: مرحلة من الانكسار إلى الإعداد للانكسار (1967 2010).

خامسًا: مرحلة المنطق المائي (1990 2011).

سادسًا: مرحلة الثورات والإعلام الرقمي (2010 2025).

تُشكّل المرحلة الأولى والمتمثلة في مرحلة النهضة والإصلاح (1850 1918) نقطة الانطلاق الأساسية في نهجنا؛ إذ يتجلّى فيها مفهوم الإرهاب عبر مضامينه الدلالية وأبعاده التاريخية، حتى وإن توارى عن التداول الاصطلاحي الصريح، وابتعد عن ألسنة قادة الرأي والمثاقفين في الخطاب السائد آنذاك. وإذا ما حاولنا - عبر غرابيل التحليل، وبمنهجٍ لا يسقط المفاهيم اللاحقة على سياقات سابقة - أن نحدد موضع المفهوم في هاتيك المرحلة، فإننا نصطدم بحقيقة تأسيسية واضحة؛ تتمثل في أن المصطلح بصيغته الحديثة لم يكن حاضرًا داخل الحقل الفكري العربي والإسلامي، لا بوصفه مفهومًا قائمًا، ولا بوصفه قضية مستقلة؛ الأمر الذي يجعلنا أمام غياب اصطلاحي كامل، لا مجرد ضعف عابر في التداول، فالإرهاب هنا لا يُناقش أصلًا، بل لا يُعرَف كمفهوم مستقل.

ذلك أن الحقل الفكري في هاتيك المرحلة كان يتحرك داخل منظومة مفاهيم ونظام نسقي مختلف، يتمحور حول الجهاد، والمقاومة، ودفع العدوان، ومواجهة الاستبداد؛ وهي مفاهيم - إذا ما حاولنا تفكيكها - تنتمي إلى نسق شرعي وأخلاقي أصيل ومستقر، لا إلى إطار قانوني-سياسي حديث يتأثر بمقولات الأغيار وضغوطهم.

وإذا ما نظرنا إلى خطاب جمال الدين الأفغاني، نجد أنه يركّز كل التركيز على مقاومة الاستعمار الغاشم والاستبداد المحلي بوصفهما السبب المباشر في تخلف الأمة والوعي الجمعي، حيث يقول: (الاستبداد أصل كل فساد، والاستعمار امتداد له)، دون أن يستخدم التوصيف المعاصر مثل (الإرهاب). كما نجد أن محمد عبده حين تناول قضايا القوة والعنف، كان يربطها بالعدل والضرورة الشرعية، لا بوصفها ظاهرة مستقلة تحتاج إلى مفهوم خاص، إذ يؤكد أن القوة إنما تُستعمل لحفظ الحق، لا للعدوان؛ وهو ما يعكس أن الموقع الفكري كان أخلاقيًا شرعيًا لا سياسيًا تأثر بمقولات الأغيار.

ومن جهة أخرى، فإن غياب الدولة الوطنية الحديثة بصيغتها الكاملة، وعدم تشكّل النظام الدولي بمؤسساته المهيمنة، قد جعل المفهوم غير مطروح أصلًا داخل الحقل؛ الأمر الذي يقودنا إلى أن البيئة الفكرية لم تكن بحاجة إلى هذا النوع من المفاهيم الوافدة.

فمفهوم الإرهاب إذا في هذه المرحلة غائبًا اصطلاحيًا وغريبًا عن الحقل الفكري والسياق العام. وإذا ما حاولنا تفكيك البنية الدلالية لما يمكن أن يُعد جذورًا بعيدة لمفهوم الإرهاب، فإننا نجد أنفسنا أمام ألفاظ معجمية مثل التخويف، والبطش، والعدوان، والحرابة؛ وهي ألفاظ إذا ما حاولنا تحليلها بمنهجية دقيقة تحمل دلالات قريبة من بعض جوانب المفهوم الحديث، لكنها لا تجتمع في بناء مفهومي واحد، الأمر الذي يجعل الدلالة موزعة لا مركبة؛ فالمعاني الدلالية موجودة في الموروث، لكن المفهوم الاصطلاحي الكلي غائب تمامًا.

ذلك أن النصوص الشرعية تناولت مسألة العنف وضبطه ضمن سياقات محددة، مثل قوله تعالى(إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا...)، وهو ما يرتبط بمفهوم الحرابة الفقهي المحدد، لا بالإرهاب بمعناه الحديث المتداول عند الأغيار. كما أن قوله تعالى: (تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ) جاء في سياق الردع المشروع وإعداد القوة المادية، لا في سياق العنف العبثي المنفلت؛ الأمر الذي يقودنا إلى ضرورة التمييز الدقيق بين الدلالة النصية والدلالة الاصطلاحية الحديثة، منعًا لزيغ المتأولين، والمجدفين، والمشككين الذين يعبثون بالدلالات.

ومن جهة أخرى، فإن المتفقهين والمثاقفين في تلك العصور تعاملوا مع هذه القضايا السلوكية ضمن أبواب فقهية محددة، مثل أحكام الجهاد والحدود والديات، دون أن يحولوها إلى مفهوم كلي يُعاد من خلاله تفسير الواقع السياسي والاجتماعي؛ وهو ما يعكس الطابع الجزئي المحكم للدلالة. كما نجد أن رفاعة الطهطاوي حين تحدث عن مسائل الأمن والنظام، ركّز أساسًا على القانون والعدالة، معتبرًا أن الأمن لا يتحقق إلا بإقامة العدل، دون أن يستدعي أو ينقل مفهومًا أجنبيًا يشبه الإرهاب بمفهومه المعاصر.

وإذا ما حاولنا قراءة ذلك بطريقة عميقة، نجد أن الدلالة كانت مندمجة كليًا في النسق الشرعي العام. مما يبرهن أن دلالة الإرهاب في هاتيك المرحلة كانت مضمرة داخل مفاهيم جزئية، دون أن تتبلور في مفهوم مستقل وشامل. وإذا ما حاولنا تحديد الوظيفية الخاصة بمفهوم الإرهاب في هذه الفترة، فإننا نصطدم بحقيقة أنه لا يؤدي أي وظيفة مفهومية أو تحليليّة، لأنه لم يُستدع أصلًا داخل الخطاب الإصلاحي أو الفقهي، الأمر الذي يجعلنا أمام حالة (لا-مفهوم) بالمعنى المنهجي الصارم.

نعم، إن مفهوم الإرهاب هنا لا يعمل ولا يُنتج آثارًا معرفية، لأنه لم يُصغ بعد في القواميس الفكرية. ذلك أن الخطاب الإصلاحي في النهضة لم يكن بحاجة إلى مفهوم جامع يدمج أشكال العنف المتنوعة تحت عنوان واحد، بل كان يفرّق بنسقية عالية بين العنف المشروع (كالجهاد والدفاع عن الأوطان) والعنف المرفوض والمنكر (كالعدوان والبغي والفساد)؛ وهو ما يقودنا إلى غياب الوظيفة الكلية للمفهوم. ناهيك عن أن هدف الرواد كشيخ الأزهر محمد عبده كان يتركز في إصلاح بنية المجتمع وبناء الوعي الجمعي وإيقاظ الأمة، لا تصنيف الأفعال وتأطيرها داخل مفاهيم سياسية وافدة من الأغيار.

كما أن غياب الصراع الأيديولوجي العالمي بصورته الحديثة، وعدم وجود خطاب دولي موحد يفرضه الأغيار حول العنف والتطرف، قد جعل استدعاء المفهوم غير ضروري ولا وظيفي. ومن جهة أخرى، فإن هذا الغياب الوظيفي يعكس طبيعة المرحلة التي كانت تبحث عن أسباب النهضة الحضارية والخروج من التخلف، لا عن أدوات التصنيف المفاهيمي والهجوم الأيديولوجي.

وإذا ما حاولنا قراءة هذا المسار، نجد أن التفكير العربي والإسلامي كان عمليًا إصلاحيًا لا تصنيفيًا وسائليًا. ولذلك فإن الإرهاب لم يؤدِّ أي وظيفة مفهومية في هذه المرحلة التاريخية، لأنه لم يكن مفهومًا مطروحًا أصلًا في حقل التداول.

وإذا ما حاولنا تحديد لحظة الانزياح المفاهيمي في هذه المرحلة التاريخية، فإننا لا نجد انزياحًا بالمعنى التقليدي للتحول الاصطلاحي، بل نجد ما يمكن تسميته - منهجيًا وبحسب نهجنا التحليلي - بـ (الغياب المؤسس)؛ أي أن هذه المرحلة تمثل الأرضية التاريخية الصلبة التي لم يظهر فيها المفهوم بصورته الحديثة، لكنها مهّدت بشكل غير مباشر لظهوره والتفاعل معه لاحقًا؛ الأمر الذي يجعل الغياب نفسه جزءًا جوهريًا من المسار التاريخي لتحولات المفاهيم. نعم، إن عدم الحضور هنا ليس فراغًا معرفيًا ، بل هو تمهيد وتأسيس لما تلاه. ذلك أن التحولات الكبرى التي بدأت في هذه المرحلة -وفي مقدمتها الاحتكاك المباشر بالأغيار، ونشوء بذور الدولة الحديثة، وبداية تشكل النظام الدولي الجديد - قد وضعت الأسئلة الكبرى والتحديات التي سيُبنى عليها المفهوم وتداعياته لاحقًا، وإن لم يُصغ بعد في صورته الاصطلاحية البحتة.

فإذا كان الخطاب الإصلاحي لرواد النهضة قد انشغل كليًا بمقاومة الاستبداد الداخلي والتصدي للاستعمار الخارجي، فإن هذا الانشغال الفكري نفسه سيؤدي لاحقًا إلى إعادة تعريف العنف وضبط حدوده داخل سياقات سياسية وأيديولوجية جديدة. وإذا ما حاولنا قراءة هذا الغياب في صيرورته التاريخية، نجد أن المفهوم كان في طور التكوّن غير الواعي خلف حجب الأحداث.

وبناء على ما تقدم يتجلى بوضوح أن الإرهاب في هذه المرحلة لم يكن مفهومًا قائمًا أو متصورًا، بل كان غيابًا دالًا ومفسرًا، مهّد الأرضية لظهوره العاصف لاحقًا حين دخلت المفاهيم في دائرة الصراع السياسي والدولي، وأُعيد تعريف العنف والمقاومة داخل أطر ونظم جديدة تشكل حاضرنا المعيش والوقت المعيش بكل تعقيداته.

ولحديثنا بقية عن مفهوم الإرهاب وتحولاته والمرحلة التالية مرحلة الدولة الوطنية والفكر الأيديولوجي (1918-1950).

***

بقلم: د. بدر الفيومي

 

أسطورةُ ميزوفانتي مُتعدد اللغات

ميزوفانتي كاهنٌ عاشَ في القرن التَّاسع عشر وتوفي 1849 ابن نجار بولوني. وكان عام سنة 1781 في عامه السابع فتى يافعاً يُلازم أباه النجار مساعداً إياه في مهنته في مقعد في الشارع وتتناهى إلى سمعه دروسُ (فاذر رسبابي) المنبعثة من النافذة وهو يدرِّس أولاد الميسورين اليونانية واللاتينية، فحفظ ابنُ النجار تلك التراتيلَ من مكانه، وعندما علم الكاهن بمقدرة الفتى هذه توسل إلى والده أنْ يبعث به إلى المدرسة ليتعلم، فانخرط في دراسة اللاهوت وعلوم الكنيسة وعمل أميناً لمكتبة الفاتيكان، وترقى بعد حين لمرتبة الكاردينال، فهو الى جنبِ لغته البولونية الأم يعرفُ اللغة العبرية والفارسية، والتركية والألبانية، والمالطية والقبطية، والكلدانية واللاتينية والإسبانية والفرنسية والبرتغالية والصينية والسريانية والأمهرية، وكان ملماً باللغة العربية وعكف على تدريسها ووضع رسالة مُؤلفة في تاريخ العربية، اندهش زوارُ روما القادمون إليها من بعيد بمقدرته العجيبة المنقطعة النظير ؛ فهو يحيط ُ بأكثر من اثنتين وخمسين لغة، والبعض أكد أنه ملم باثنتين وسبعين لغة، وآخرون أصروا أن إلمامه باللغات فاق الثمانين، وأغلب الآراء تقطع بأنه ملم بأكثر من خمسين لغة، لا بل في أحيان يحيط بلهجات اللغة الواحدة المتنوعة ؛ مما أثار دهشة المتحدثين بتلك اللغات، وفي الوقت ذاته أثار ريبة الكثير وشكهم بمقدرته الحقيقية تلك ؛ فقد أصطف الكثير من العلماء ودارسي اللغات الكلاسيكية لامتحانه والتأكد من قدراته اللغوية، لم يدلِ بجواب شاف لكثيرين سألوه عن سر قدرته اللغوية ؛ فهو بعد أن عزاها لهبة الهية منحها إياه الرب يقول: امتلك ذاكرة جيدة واذناً لاقطة تحفظ ما يُقال بسرعة، كثيرون سخروا من مقدرته وقللوا من قيمتها وشبهوه بالة الاورغن أو الببغاء الذي يردد ما يسمع من دون تمثل لمحمولات تلك اللغات الدلالية والاجتماعية، ومرة رتب بابا الكنيسة الكاثوليكية مكيدة فجمع له عشرات المتحدثين بلغات مختلفة وكلموه مخاطبين إياه في وقت واحد وبسرعة كبيرة وطلاقة بقصد إرباكه وإحراجه وامتحان قدرته الحقيقية، وكان من المستحيل مخاطبتهم والإصغاء لهم في آن واحد لكنه بهدوء وثقة أخذ يخاطبُ كلَّ شخص منفرداً بلغته التي يجيدها مما أذهلهم، ومن قدراته المدهشة تعلمه السريع أي لغة بدون لغة وسيطة تعينه على الترجمة فقط يعتمد قاموس اللغة الذي يريد أن يتعلمها ويدرس وقواعدها، ويُروى عنه أنه يطلب من المصلي الأجنبي الذي لا يعرف لغته في الكنيسة أن يعيد صلاته حتى يتعلمها منه ليتمكن من تمييز إيقاع الكلام ويقوم بتقطيع السلسة الكلامية في عملية تحليلية حتى يميز بين الأفعال والأسماء والصفات فيتعلمها، ومرة تحدث معه (ستارشفسكي) باللغة الأوكرانية التي يجهلها فقال له متحدياً هذه الأوكرانية، فطلب منه ميزوفانتي أن يقابله بعد أسبوعين، وبعد مضي المدة استطاع ميزوفانتي أن يحدثه لساعات طويلة بالأوكرانية مما أصابه بالذهول، وكان الكاهن الوحيد الذي يستطيع أن يسمع اعترافات الغرباء الأجانب، ومرة أرسلوا إليه من السجن لاستماع اعتراف شخصين سينفذ فيهما حكم الإعدام ولا أحد يستطيع سماع اعترافهما لعدم معرفتهم بلغتهما، فعكف ميزوفانتي ساهراً ليله لتعلم لغتهما لسماع اعترافهما حتى يطلب من الرب أن يصفح عنهما،

هذه التفاصيل عن حياة ميزوفانتي وغيرها يسردها (مايكل ايرارد) في كتابه (وداعا بابل. البحث عن متعددي اللغة الاكثر موهبة في العالم). ترجمة بندر الحربي نشر. الدار العربية للعلوم بيروت لبنان. الطبعة الاولى 2013، لم يكن مؤلف الكتاب (مايكل إيرارد) الوحيد من كتب عن سيرة ميزوفانتي بل كتب كثيرون متناولين حياته وقدرته اللغوية العجيبة لكن (مايكل ايرارد) حاول أن يفكك سردية (ميزوفانتي) وتمثلاتها الاسطورية التي لا تبرح الدهشة ويعيد تمثلها بطرق أكثر عقلانية متجاوزاً الانبهار إلى الواقع والممكن ؛ فقد غادر بلاده متجها إلى بولونيا للبحث في مخطوطات ميزوفانتي وأرشيفه الشخصي الذي تحتفظ به احدى المكتبات، وقد انتهى إلى دليل قاطع يؤكد إحاطة ميزوفانتي بكل هذه اللغات من خلال البحث في مخطوطاته الشخصية المحفوظة في بولونيا التي هي عبارة عن قصائد كُتِبَتْ بخط يده وبلغاتٍ مختلفةٍ ورسائل بلغات شتى كتبها لآخرينَ، ورسائل مختلفة وردت إليه من آخرين، هذه الرسائل كُتِبَتْ بخمس عشرة لغة وكُتِبَتْ بأربع أبجديات ؛ مما يؤكد معرفته بتلك اللغات قراءة وكتابة ؛ فهم يراسلونه ويكاتبونه وهو يتفاعل معهم بلغاتهم الكثيرة، ولكن المؤلف لم يقطعْ بمدى إجادة الكاردينال للغات بمستوى طلاقة ابن اللغة الأصلي وهو أمر لا يشينه ؛ فاللغة تهدف للتواصل ولا يضير المتحدث بلغة أجنبية تلكؤ أو لكنة ما إذا نجح في تجاذب أطراف الحديث مع الآخر بلغته،

أسلوب الكتاب كُتِبَ بتقنيات رواية ما بعد الحداثة في الشروع بالبحث وخوض غمار رحلة طويلة وشاقة ومرهقة في الاستقصاء وتتبع خفايا أمرٍ مجهول نُسِجَتْ حوله الأساطيرُ، والتنقيب عن وثائق وأدلة تعيد رسم صورة الحقيقة الغائبة، يبدأ الكتاب بفصل عنونه المؤلفُ بــ (متاهة الكاردينال) وهو عتبة نصية موفقة، وكم كنت اتمنى لو حمل الكتاب هذا العنوان بدلا من هذا الفصل،

والكتاب في ظني المتواضع لا يتحرك أفقياً بل هو مشدود ومأخوذ بدهشة الكاردينال على الرغم من تكريسه لفصول كثيرة ومتعددة يتجاوز فيها ميزوفانتي للبحث عن نظائر معاصرين للمؤلف لا يقلون دهشة من ميزوفانتي التقاهم وحاورهم في كم ما يجيدونه من لغات ومن أبرزهم (زياد فصاح) وهو لغوي لبناني يقيم في البرازيل يجيد أكثر من خمسين لغة التقاه وحدثه، والمؤلف يراوح مكانه ويعيد إنتاج ما قاله عن ميزوفانتي في فصول لاحقة كرسها لآخرين معاصرين في التنقيب عن حياتهم الشخصية ومحيطهم العملي والأسري والاجتماعي والثقافي وأثر كل ذلك في تعدد اللغات لديهم مستعينا بتقنيات السرد في وصف المكان ورسم الشخوص، لكن مسار التحول في رحلة البحث تمثل بالوقوف عند تجارب وملفات التشريح العصبي لأدمغة متعددي اللغات المتوفين التي لم يصل فيها التشريح لأجوبة شافية لا بل إنَّ التشريح العصبي لأدمغة المعاقين لغويا من المتوفين أضاء جوانب علمية مهمة في تحديد المراكز العصبية المسؤولة عن إنتاج اللغة وفهمها أكثر مما أضاء تشريح أدمغة متعددي اللغات الموهوبين كما يؤكد مؤلف الكتاب نفسه،

ومما سَهَّلَ لمؤلف الكتاب عمله هو اهتمام الغرب بهذه الظاهرة وشيوع الأندية والجمعيات والمنتديات المتعلقة بمتعددي اللغات التي ساعدت الباحث كثيراً وهيَّأتْ له قوائمَ شكلت بوصلة رحلته في سبر هذه الظاهرة اللغوية، إنَّ موضوع متعددي اللغات يضيء فكرةً غيرَ طافيةٍ على السطح يغوصُ إليها المتأملُ وتشفُ عن ثقافة الغرب في احترام الآخر وتعلم لغته لا من أجل دوافع اقتصادية وطموحات في الحصول على فرص عمل لائقة بل هو اللقاء الحميمي بين شعوب وثقافات مختلفة تلتقي عبر السفر والترحال، فرغبة اللقاء والحوار الحميمية بين الأمم الأوربية شكلت دافعاً لتعلم اللغات لديهم

وإنْ كانْ تلك اللغات تنطق بها شعوب غير متفوقة اقتصادياً وتكنولوجياً، وواحدة من أهم أهداف الكتاب تمثلت بتخفيف القلق لدى متعلمي اللغات عن طريق الإجابة عن أسئلة مضمرة: كيف يمكن تعلم اللغة بسرعة؟ ما مستوى الجودة المطلوبة في تعلم مهارات اللغة الثانية؟ وماهي المعايير المتبعة في ذلك؟ وهل مستوى الحديث بمعيار ابن اللغة هو المعيار الصحيح؟ حقاً إن كتاب (نهاية بابل) كتاب جدير بالقراة.

***

د. كريم عبيد علوي

باحث وتدريسي بجامعة بغداد

هناك عبارةٌ منطقيةٌ وقاعدةٌ تقول «الحُكْمُ على الشيء فَرْعٌ عن تصورِهِ»، بمعنى أنك لا يمكنك أن تُصدِرَ حُكمًا وتقييمًا لشيء ما، إلا بعد المعرفةِ به، والإلمام بتفاصيلِهِ، وإلا سيكون ما سوى ذلك من قبيل الانطباعاتِ الهوجاءِ، التي لا تستندُ إلى لا إلى عقلٍ ولا إلى منطقٍ.

بدايةً، فإن فيلم «المُلْحِد» الذي جاء في عنوان هذا المقال، هو فيلم مصري، مِن تأليف الأستاذ: إبراهيم عيسى، تم اكتمالُ تصويره، وكان من المفترَض أن يُعرَضَ في العام ٢٠٢٣م، ولكنه مرَّ بسلسلةٍ مِن التطوراتِ وإيقاف العرْض، إلى أن تم عرْضُهُ للمرةِ الأولى في سينمات مصر في نهاية العام الماضي ٢٠٢٥م، في رأس السنة، وقد قَيَّدتُ عنوانَ المقالة بأنها قراءة «فكرية»، لأنني أعلمُ أن هناك بعض الانتقادات «الفنية» حول الفيلم والسيناريو والتنفيذ...إلخ من أمور الصناعة السينمائية، ولكني -كما قلتُ- أتناولُ هذا الفيلم مِن ناحيةٍ «فكرية» فلسفية.

والفيلم قامَتْ حوله وبخصوصِهِ حالةٌ مِن الجدل الكبير، فبمجرَّدِ نزول «البرومو» الخاص بالفيلم؛ اندفعَ جمْعٌ غفيرٌ مِن الجماهيرِ، والتياراتِ الدينيةِ، معارِضة أو ساخطةً أو لاعنةً ومُتَّهِمَة للفيلم ومؤلِّفِهِ والقائمين عليه، وتبرير هؤلاء لهجماتهم هذه هو أن هذا الفيلمَ يَدْعَمُ الإلحادَ، ويريدُ أن يضربَ الدينَ ويحاربَهُ.

هذا الانطباعُ هو ما جعلني أبدأ المقالة بعبارة: «الحُكْمُ على الشيء فَرْعٌ عن تصورِهِ»، فإننا إذا أردنا تناولَ حالةِ الصَّخَبِ التي دارتْ بشأن هذا الفيلم في إطار هذه العبارةِ المنطقية؛ سنجِدُ أن هذا الصَّخَبِ حول الفيلمِ لم يحقق أدنى درجاتِ التفكير المنطقي؛ علامَ تُهاجِم؟ ومَن تُهاجِمُ؟ هل كان الفيلم وقتها تم عرْضُه أصلًا حتى تستبق كلَّ شيء، وتَقْفِز على كل القواعد العقليةِ، والمنطقيةِ، وتعطي حُكْمًا على شيء لم تتصوره، ولم تشاهده، أي لم تعرفه أصلًا بعدُ؟ وكأن هذه الحالة الهوجاء في هذه الفترة التي أعقبَتْ عَرْضَ «البرومو» تُشبه إلى حد كبير ما يسمِّيه المناطقة -علماء المنطق-: مغالطة رجل القش، أو مهاجمة رجل مِن القَش، ومعنى هذه المغالطةِ المنطقيةِ، في إحدى صورها، أن الشخصَ يُنشئ شيئًا لا وجودَ له، ثم يَشْرُعُ في مهاجمته(١).

ومِن ثَمَّ، علينا أن نعرِف ما الدوافعُ وراء مهاجمةِ شيء لم يكن -وقتها- قد عُرِضَ من الأساس، ولنستبْطِن الأسباب.

أولًا: الانطباعات المُسبَقة

إن مؤلِّفَ فيلم «المُلْحد» هو الأستاذ إبراهيم عيسى، ولا يخفى على كثيرين مدى الخلاف من الجماعات الإسلامية وغيرهم معه ومع أطروحاته، وبالتالي، عندما عُرِضَ الإعلانُ عن إذاعة فيلم يحمل اسم «المُلْحد»، وكان مؤلُّفه إبراهيم عيسى؛ فالنتيجة إذًا: حَكَمَتْ هذه الجماعاتُ على الفيلم بمعاداة الدين، وتدعيم الإلحاد، من غير انتظارٍ لمشاهدة الفيلم على الأقل، ثم تكوين الانطباع، لم تحتَجْ هذه الجماعات وقتًا؛ فُحُكْمُها جاهزٌ، وسوء النية مُفتَرَضٌ، مع أنهم يقرأون ليلًا ونهارًا قولَه تعالى: «یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِن جَاۤءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإࣲ فَتَبَیَّنُوۤا۟ أَن تُصِیبُوا۟ قَوۡمَۢا بِجَهَـٰلَةࣲ فَتُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَـٰدِمِینَ». (سورة الحجرات، الآية: ٦)، ومع تلاوتهم لهذه الآية، إلا أنهم ليسوا بحاجةٍ إلى التبيُّن ولا إلى التثبُّت من كوْن الفيلم معاديًا للدين، وداعمًا للإلحاد أم لا.

ثانيًا: اسم الفيلم

مما لا شكَّ فيه، أن جزءًا كبيرًا، وعنصرًا رئيسًا -من ضمن العناصر- من أسباب مهاجمة الفيلم، كانت بسبب اسمه: «المُلْحِد»، مع أن اسمَ الفيلم يتكون من كلمة واحدة، غير دالة لا على تأييد ولا على معارَضة، فمِن أين وكيف استنبطوا من عنوان فيلم بكلمةٍ واحدة «المُلْحِد» أنه يدعمُ الإلحادَ؟ العنوان بهيئته مجرَّدٌ من أية ميول، فلا يَحمِلُ دلالةً على التأييد ولا على الرفْضِ، وسأضْرِبُ على ذلك مثالًا: المستشرق المجري: جولد تسيهر، له كتاب بعنوان: «العقيدة والشريعة في الإسلام»، فهل نفهمُ مِن عنوانِهِ هذا (طبقًا لمنطق المهاجمين لفيلم المُلْحد) أنه يؤيِّدُ الإسلامَ فقط لأن عنوان كتابه وردت فيه ألفاظٌ إسلاميةٌ مثل: «العقيدة» و «الشريعة» و «الإسلام»؟ وفقًا لمنطق هذه الجماعات نعم، إذا فُهِمَ من عنوان فيلم «الملحد» أنه يدل على الإلحاد، فلنفهم إذًا أن عنوان كتاب هذا المستشرق يدل على أنه يدافع عن الإسلام.

ومثالٌ آخَر، الدكتور طه حسين له كتابه الشهير، بعنوان «في الشِّعْر الجاهلي»، فهل لمجرد ذِكْر كلمة «الشِّعر الجاهلي» في العنوان يعني أنه يؤيِّدُ الشعر الجاهلي؟ بل على النقيض تمامًا، كان طه حسين في هذا الكتاب ينفي وينكر وجودَ معظم الشعر الجاهلي(٢)

ثالثًا: سيكولوجية الجماهير

يقول غوستاف لوبون في كتابه «سيكولوجية الجماهير»: إن الجماهير غير ميَّالة كثيرًا للتأمُّل، وغير مؤهلة للمحاكمة العقلية، ولكنها مؤهَّلة جدًّا للانخراط في العمل...ففي بعض الأحيان، يمكن لتكتُّلٍ ما من البشر أن يمتلك خصائصَ جديدةً، مختلفة تمامًا عن خصائصِ الفردِ عندما كان وحده وبمفرده بعيدًا عن جماعة ما، فعندئذ تُطمَس الشخصية الواعية للفرد، وتصبح عواطف الجماهير هي المسيطرة والمُتَحَكِّمة والموجِّهة له(٣).

بمعنى أن الشخص عندما يندرجُ وينخرطُ في جماعة من الجماهير، فإنه يكتسب صفاتٍ أخرى غير التي كانت عنده وهو فرد خارج الجماعة، وهنا تختفي شخصيةُ الفرد، لينخرط في الجماهير، ويردد هتافاتهم عن غير اقتناع -غالبًا- ولا منطق، ولكن وجوده وسط هذا التكتل جعلَه يكتسبُ آراء هذا الوسط وجماعته، وينادي بأصواتهم، ويأتمر بأمرهم.

وإذا أردنا أن نطبِّق هذا المنظورَ التحليلي النفسي للحالة التي صاحبَتْ الإعلانَ عن فيلم الملحد، فنشيرُ إلى أن جمهرةً كبيرةً -دون تعميم- انخرطتْ في الهجومِ على فيلم «الملحد» انجرافًا وراء الجماهير وما هو سائد، وتأثرًا بالحالة الملتهبة التي كانت حاصلة حينها، فكأن شخصية كل فردٍ من الجماعات المتكتلة -وليس على التعميم أيضًا- انْمَحَتْ لصالح الجماهير والصوت العالي وقتها، ومِن ثَمَّ، فهذه الحالة شكَّلَتِ اجتماعًا جماهيريًّا عريضًا، ليس بالضرورة أن يكون كل فرد من هذه الحشود واعيًا بما يقول، ولا مُدرِكًا لِمَا يعارِضه ويردده، وإنما كل ما في الأمر أن الحالة العامة المشتعلة التَهَمَتْه وابتلعتْه؛ فلم يستطع أن يقول كلمةً واحدةً خارج هتافات هذه الجماهير، وإذا أردنا أن نقرِّبَ الصورةَ: فهذا الأمر يُشبِهُ شخصًا يجلسُ في مدرجاتِ ملعب كرة قدم، لمباراة بين الأهلي والزمالك -على سبيل المثال-، فإذا كان هذا الشخصُ يَجْلِسُ وسط جماهير الأهلي، فإنه لا يستطيع -غالبًا- مثلًا أن يرتدي تيشيرت الزمالك، أو أن يَهتِفَ لصالح الزمالك؛ وإنما سينضوي تحت جماعة الجماهير وتوجههم، وإلا لحدَثَ ما لا يُحمَد عقباه.

هذه حالةٌ مزمنةٌ لا تتعلقُ فقط بفيلم «المُلْحد»؛ وإنما هي توجُّهٌ وصائي جماهيري، يَجْعَلُ مِن نفسِهِ رقيبًا على كل شيء، أو بمصطلح الدكتور مراد وهبة: «مُلَّاك الحقيقة المُطلَقة»، الذين يظنون في أنفسهم أن مصيرَ كوكب الأرض بأيديهم، ولديهم الأحكام الجاهزة دون أن يتصوروا الأمرَ أو يعرفوه، أو يطَّلِعوا عليه مِن الأساس، ومِن مظاهر هذه الوصاية التي عاينتُها بنفسي: كانت عند ذهابي لسماع فيلم «المُلحِد» بصحبة خطيبتي؛ حيث وجدتُ الموظفَ المُكلَّفَ بحجْزِ التذاكر ينظرُ إليَّ شزرًا، وذلك عندما أخبرتُه بأن يقوم بالحجز لنا لمشاهدة فيلم «المُلْحد»، وقام بالحجز على مَضَض، وكانت هناك سينما أخرى، قريبة من السينما التي شاهدنا الفيلمَ فيها، أنكرَ موظفُ قطْع التذاكر وجودَ عرْضٍ للفيلم أصلًا، قائلًا: الفيلم ممنوع من العرض! بينما كانت هذه السينما تضع إعلانًا عن الفيلم وغيره من الخارج، والفيلم قد سُمِحَ بعرضه، ولكن لربما ظن هذا الموظف أنه بذلك يقدِّم خدمةً للدين، بنجاحه في إبعاد أحدهم عن مشاهدة الفيلم! وكان من اليسير وضْع هذا الموظف في موقف محرج وتقديم شكوى بذلك، ولكني -لسبب أو لآخر- آثرتُ عدم فعل هذا الأمر، وتوجهتُ للسينما المجاورة، وقمتُ بمشاهدة الفيلم فيها برفقة خطيبتي.

هذا بخصوص السياق العام لظهور فيلم «الملحد»، أما أحداثُ هذا الفيلم، والقضايا الفكرية والتراثية التي تَعَرَّضَ لها، فنستكملُها بإذن الرحمٰن فيما هو قادمٌ مِن المقالاتِ بخصوص هذا الموضوع.

***

بِقَلَم: محمد خليفة أحمد ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم

....................

هوامش المقالة

(١) عادل مصطفى، «المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري»، (ط١، القاهرة، مؤسسة هنداوي، ٢٠١٩م)، ص ١٤٣: ١٤٤.

(٢) د. طه حسين، «في الشعر الجاهلي»، تقديم: عبد المنعم تليمة، (ط١، القاهرة، دار رؤية للنشر، ٢٠٠٧م)، ص ٧١: ٧٢.

(٣) غوستاف لوبون، «سيكولوجية الجماهير»، ترجمة وتقديم: د. هاشم صالح، (ط١، بيروت، دار الساقي، ١٩٩١م)، ص ٤٥.

 

حين ينقطع الحوار داخل الدرس الفلسفي ويغيب النقد، فإن الدرس يوأد في مهده. يفقد طابعه الحي ويتحول إلى مجرد وصايا تلقى من فوق، تنزل داخل القسم كطقس جامد لا كممارسة فكرية مفتوحة. وكل درس فلسفي يفرغ من الحوار والنقد، مهما بدا محكماً في شكله البيداغوجي، يفقد شرعيته الفلسفية ذاتها؛ لأن ما يمنح الدرس الفلسفي مضمونه الديمقراطي الحقيقي هما الحرية والمساءلة، وعقلانية متحررة ينبغي أن تتجذر في حياتنا الثقافية والسياسية، بدءاً من الثانوية والجامعة وصولاً إلى الفضاء الاجتماعي العام.

هذا الانقطاع في الحوار وتغييب اليات التفكير النقدي الحر هو ما يفسر، في جزء كبير منه، تلك الصورة السلبية المستقرة في أذهان العامة والمقبلين على تعلم الفلسفة: صورة مادة متعالية، رديفة للامعنى، وأخت للمروق والتمرد. يستحضر البشير ربوح لهذه الصورة شهادة أدونيس عن تجربته الأولى مع الدرس الفلسفي: كيف كان الدخول إلى القاعة أشبه بدخول بيت أشباح، والنصوص المدروسة أشبه بجثث عائمة لا حياة فيها، تتكدس في الذهن كركام من رمل بلا معنى إلى أن تفرغ على ورقة الامتحان.

هذه الشهادة، كما قرأها ربوح، ليست حالة استثنائية بل نموذج لما يحدث حين يصادر الحوار من الدرس الفلسفي ويغيب النقد. والحقيقة التي تغيب عن كثير من المقالات التي كتبت عن البشير ربوح، هي أنه أدرك هذا الخطر مبكراً جداً، وطبقه على نفسه فلم يكن فقط رجلاً يقف في الشارع يمارس التفلسف كفعل او كما وصفه استاذنا عبد الحكيم بليلطة فلسفة تمشي على الارض بل كان رجل نقد يجلس أمام كتب من مشارب شتى، يراجع نصوصا فلسفية، يحاكمها ويستنطقها، يبحث فيها عن المعقول والنافع مبتعدا عن النصوص التي لا صدى لها، هذا البعد بعد الناقد الأكاديمي الهادئ والمتواضع يكاد يغيب عما ما كتب عنه.

وليس هذا التغييب مجرد قصور توثيقي، بل قصور فكري. لأن فهم ربوح كـفاعل ومناضل فحسب يفقده نصف مشروعه. فالفعل عنده ليس مجرد حركة جسدية في الشارع، بل هو امتداد لذلك الحوار وتلك الروح النقدية . وفي ذكرى ميلاده في 21 أوت، نعود إليه لنقرأه قراءة تليق به: فكيف كان هذا الباحث المتواضع يمارس النقد بعيداً عن الضوضاء؟ وكيف حوّل تواضعه ومراجعاته  في صمتها  إلى فعل مقاوم؟

في مقاله المنشور بمجلة «الحياة الثقافية» ديسمبر 2012 بعنوان «الدرس الفلسفي ودوره في بناء السلوك الديمقراطي»، لم يكتف ربوح بتشخيص أزمة الدرس الفلسفي، بل وضع تصوراً متكاملاً لما ينبغي أن يكون عليه في جوهره الديمقراطي، عماده شرطان متلازمان: الانفتاح والحداثة، والانفتاح عنده لا يعني تفكيك الفلسفة أو إذابة خصوصيتها، بل انفتاحها على التداخل مع باقي المواد المعرفية دون أن تفقد هويتها الجدلية. أما الحداثة فيربطها مباشرة بسؤال الديمقراطية: الحرية والمواطنة والتعددية والتسامح والاعتراف بالآخر. وهو يتحفظ في الوقت ذاته على استنساخ حداثة غربية خالصة، مؤكداً ضرورة أن تكون الحداثة نابعة من صلب وجودنا الحر، فقد : «آن الأوان أن نعود إلى تطوير الفلسفة بمعناها الحقيقي، تلك التي تهتم كما يقول الفارابي «بالفضائل النظرية أولاً ثم بالفضائل العملية». فالفلسفة هي عملية تشخيص واقع الإنسان ومقتضياته ومستتبعاته بأدوات نظرية وطريقة بحثية نقدية.... إن الفعل الفلسفي في جوهره يرتكز على النقد، باعتباره الضامن الأساسي لديمومته، كي تستمر الفلسفة في التواجد داخل فضاء الإنسانية العام، ومن ثمة يرى أستاذنا فتحي التريكي أن : «الميزة التي يتحلى بها الخطاب الفلسفي والتي تتجاوز التحديد هي منطق النقد والدحض الذي يحرك الفكر الفلسفي ويهيئ السؤال لمحاولة الإجابة الصحيحة»

في السنة نفسها صدر كتابه «مطارحات في العقل والتنوير: عبد الوهاب المسيري أنموذجاً» (دار الفارابي، 2012)، وهذا الكتاب ممارسة منهجية كاملة لما نظّر له في مقاله التربوي: قراءة تاريخية-مفاهيمية، بحث عن «الفكرة النواة»، ثم وضع النص نفسه في ميزان النقد "وإذا كان الموطن الأصلي لأي مقولة فلسفية هو النص الفلسفي بمتنه ورؤيته؛ فإن التنقيب عنها يقتضي التوجه رأساً نحوه، والاشتغال عليه تحليلاً ونقداً، من أجل استكشاف الفكرة/ النواة التي تتحكم فيه من الداخل" ويفتتح ربوح كتابه بتشخيص أزمة العقل العربي الإسلامي منذ عصر النهضة، منقسماً بين نقل النصوص التراثية وتحيينها من جهة، ونقل الفكر الفلسفي الغربي بمدارسه المختلفة من جهة أخرى، ليخلص إلى أن كلا المسارين انتهى بالعقل العربي إلى التنازل عن حقه في الإبداع والتفرد برؤيته الخاصة، ويجعل من القدرة النقدية رأس الأمر في تجاوز هذا الوضع وقد بنى الكتاب على ثلاث مقاربات متكاملة: تأسيسية تتتبع مفهوم «العقل» لسانياً واصطلاحياً بأفق تاريخي وترصد مصادره عند المسيري انطلاقاً من مدرسة فرانكفورت وموقفها من التنوير ، وتحليلية تعرض ثلاثة نماذج معرفية غربية بالتفصيل : النموذج الاقتصادي عند ماكس فيبر، والنموذج اللغوي عند فرديناند دوسوسير، والنموذج المابعد حداثي التفكيكي عند جاك دريدا ، ثم بيان كيف ردها المسيري جميعاً إلى مقولة مركزية واحدة هي «العقل المادي» بمرجعيته الطبيعية الخالصة ، ونقدية يعرض فيها ربوح مسعى المسيري في تجاوز هذا العقل نحو بديل يسميه «العقل التوليدي»، قبل أن يقوّم الأطروحة كاملة، مبيّناً مكاسبها المعرفية على المستويات الاقتصادي واللغوي والتفكيكي، وحدودها في آن. يحاور ربوح المسيري بعمق وإخلاص طوال هذه الفصول الثلاثة، ويعترف بأن نقده الموجّه للفكر الغربي، سواء في نصوصه الأدبية أو الفلسفية، يمثل ضرورة حضارية لا ترفاً فكرياً، ذلك أن الغرب عند أصحاب المشاريع النهضوية ليس مجرد بقعة جغرافية بل مصدر مهم للأفكار والرؤى والمقولات والمناهج؛ لكنه لا يتسلّم «سلطة الاسم الكبير» حتى لو كان المسيري، ويصرّح في خاتمة الكتاب أن جدة المشروع وقوته لا تعنيان الانجرار نحو تقديسه وتمجيده، «فالمشروع لم يوضع لذلك، وإنما وُضع للتفكير والتدبر والتحاور معه»   وهو ما يجد له ربوح سنداً في دعوة المسيري نفسه، في جلّ كتاباته، إلى الاختلاف معه في أطروحاته ومواقفه وتحليلاته. وينهي ربوح كتابه بإقرار متواضع لا يقل دلالة عن أطروحته النقدية ذاتها "فإذا كان مشروع المسيري بهذه الجدة والقوة، فهذا لا يعني أن ننجرّ نحن نحو تقديسه وتمجيده"

يظهر المنهج نفسه في مقاله «مقاربة تاريخية بأفق مفاهيمي لمسألة الميتافيزيقا» (مجلة أبعاد، 2017)، حيث يرفض أن تبقى الفلسفة حبيسة القواميس، ويميّز بصرامة بين المصطلح والمفهوم، ويقرأ بارمنيدس وأفلاطون وأرسطو قراءة لا تُسلّم. وفي مراجعاته  المنشورة في مجلة «تبيُّن»، طبق هذا المنهج على النصوص الأجنبية: مراجعته لكتاب روديغر سافرانسكي «معلّم ألماني: هايدغر وعصره» ، ومراجعته لكتاب أكسل هونيت «الاجتماعي وعالمه الممزق». في الحالتين لم يكن يبحث عن أب فكري، بل كان يحاكم النص: هل يقدّم أداة نقدية للراهن، أم يتحول إلى سلطة جديدة تُتسلّم بلا سؤال؟

ما يجمع هذه القراءات النقدية كلها هو رفض ثنائية السلطة، حيث لا ينحاز ربوح إلى «الحداثي» ضد «التراثي»، فكلاهما يقع في العطب نفسه إذا فقد السؤال. وحين سُئل يوماً: «من هو الدكتور ربوح البشير؟» رفض السؤال رفضاً فلسفياً، رآه سؤالاً نيتشوياً يخاطب الذات في أعلى مراتب نرجسيتها، وقدّم نفسه بوصفه «الباحث المتواضع في مجال الفلسفة»: مولود في 21 أوت 1967 برأس الوادي (ولاية برج بوعريريج)، وأستاذ للفلسفة، عضو في الرابطة العربية الأكاديمية للفلسفة. هذا التواضع كان امتداداً لرفضه المبكر لـ«الفيلسوف البهرج» الذي وصفه في مقال 2012.

النقد الأكاديمي عند البشير ربوح ليس بديلاً عن الشارع، بل هو الشارع بثوبه الأنطولوجي. ففي كتاب «فلسفة الفعل: من محاولات التأسيس إلى آفاق النقد»  الذي أشرف عليه مع عبد العزيز العيادي يمارس النقد في المكتبة والقسم لكي يفعل هذا النقد في الشارع، النقد عنده هو الفعل الأول، والفعل عنده هو النقد الممتد.

في ذكرى ميلاده 21 أوت، لا نحتفي بتاريخ ولادته فقط، بل نحتفي باستحالة موت سؤاله. ليس السؤال الذي تناوله مقال السابق فقط «كيف نخرج الفلسفة إلى الشارع؟» ، بل هو السؤال الأعمق: كيف نبقي النقد حياً دون أن يتحول إلى تمجيد؟ كيف نقرأ ربوح نفسه بعين الناقد لا بعين الراثي؟

الوفاء الحقيقي لروح البشير ربوح ليس في تكرار عباراته، بل في سرقة سؤاله: أن نأخذ معانقة الحياة ونحاكمها نقدياً كما كان يحاكم هو النصوص العظيمةو أن نسأل: هل الشارع الأنطولوجي الذي دعا إليه لا يزال ممكناً اليوم؟ أم أن الشارع نفسه تغير وصار بحاجة إلى نقد جديد؟ الوفاء له يعني أن نحافظ على جرأة النقد التي كانت تميزه حين كان يواجه الأسماء الكبيرة بلا خوف. وبهذا المعنى تتصير الفلسفة سؤالاً، لا طقساً كهنوتياً. وتتحول الى ممارسة نقدية تزعزع المألوف وتفتح الممكن.

وأخيرا يمكن القول أن تبقى الفلسفة حية، معناه ان يكون صوتها مزعجاً، لأن المزعج وحده هو الذي لا يموت.

***

عمرون علي

.....................

قائمة المراجع

أعمال البشير ربوح:

- ربوح، البشير. «الدرس الفلسفي ودوره في بناء السلوك الديمقراطي». مجلة الحياة الثقافية، ديسمبر 2012.

- ربوح، البشير. مطارات في العقل والتنوير: عبد الوهاب المسيري أنموذجاً. بيروت: دار الفارابي، 2012.

- ربوح، البشير (وآخرون). السؤال عن الهوية في التأسيس والنقد والمستقبل. (كتاب جماعي)، 2016.

- ربوح، البشير. استشكالات ودروب في قضايا الفكر الفلسفي المعاصر. 2017.

- ربوح، البشير. «مقاربة تاريخية بأفق مفاهيمي لمسألة الميتافيزيقا». مجلة أبعاد، 2017.

- ربوح، البشير. أسئلة قلقة في الراهن العربي. 2018.

- ربوح، البشير. مراجعة كتاب روديغر سافرانسكي «معلّم ألماني: هايدغر وعصره». مجلة تبيُّن، العدد 29، صيف 2019.

- ربوح، البشير. مراجعة كتاب أكسل هونيت «الاجتماعي وعالمه الممزق». مجلة تبيُّن، العدد 8، شتاء 2020.

- ربوح، البشير (إشراف) وعبد العزيز العيادي. فلسفة الفعل: من محاولات التأسيس إلى آفاق النقد.

مصادر أخرى:

- أدونيس. شهادة ضمن كتاب: تدريس الفلسفة والبحث الفلسفي في الوطن العربي. بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1990.

- التريكي، فتحي. فلسفة الحياة اليومية. بيروت/تونس: الدار المتوسطية للنشر، 2009.

- الخطابي، عز الدين. أسئلة الحداثة ورهاناتها... بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2009.

- دريدا، جاك. عن الحق في الفلسفة. ترجمة عز الدين الخطابي. بيروت: المنظمة العربية للترجمة، 2010.

- المسكيني، فتحي. الهوية والحرية: نحو أنوار جديدة. بيروت: دار جداول، 2011.

دراسة في ضوء المتغيرات الاجتماعية والنصوص العقابية

الأسرة هي الخلية الأولى في بنيان المجتمع، والملاذ الدافئ الذي تنمو فيه القيم وتتشكل بين جدرانه ملامح المستقبل. وليست الأسرة مجرد عقد اجتماعي يجمع بين طرفين بل هي الركيزة الأساسية التي يستند إليها الأمن المجتمعي، ومن هذا المنطلق لم يقف المشرع العراقي مكتوف الأيدي أمام حماية هذا الكيان إذ جعل الدستور العراقي لعام 2005 الأسرة أساس المجتمع، وألزم الدولة بالمحافظة على كيانها وقيمها الدينية والأخلاقية والوطنية (المادة 29) فإن هذه الحصانة الدستورية تصطدم اليوم بواقع معقد فرضته التحولات الاقتصادية والاجتماعية الرقمية، حيث تحول الملاذ الآمن في بعض الأحيان إلى ساحة لتصفية الحسابات والنزاعات المتبادلة. إن حماية الأسرة اليوم لا تتطلب نصوصاً عقابية رادعة لمرتكبي العنف،

 بل تستلزم فلسفة تشريعية واجتماعية متكاملة تعيد ترميم هذا الكيان وتحميه من التصدع والانهيار.

   العنف الزوجي المتبادل في ميزان التشريع العراقي 

شكّلت الأرقام الرسمية الصادرة عن الجهات الأمنية في وزارة الداخلية العراقية صدمة قانونية واجتماعية كبيرةبعد تسجيلها أكثر من 900 حالة اعتداء من الزوج على زوجته، وفي مقابل ذلك قفزة غير مألوفة بلغت 2235 حالة اعتداء من الزوجة على زوجها. يعكس هذا التباين تحولاً خطيراً في بنية العنف الأسري مما يضع النص القانوني العراقي النافذ أمام مسؤولية الموازنة والمواجهة الحازمة لحماية الأمن المجتمعي

من أسباب المحركة لظاهرة العنف الزوجي المتبادل

تتداخل مجموعة من العوامل المعقدة لتفرز هذه الأرقام غير التقليدية في المجتمع العراقي

١- الأسباب الاقتصادية يُعد الارتفاع في معدلات البطالة، التضخم، والفقر من أبرز المحفزات اليومية للشجار الأسري والتوتر النفسي داخل المنزل 

٢- التحول الاجتماعي والرقمي الاستخدام غير الواعي لوسائل التواصل الاجتماعي الذي أدى إلى زيادة الشكوك والغيرة وتسهيل حالات الخيانة الزوجية، فضلاً عن الانفتاح الذي غيّر من شكل العلاقات وسقوف التوقعات المادية.

٣- الضغوط النفسية المتراكمة ترسبات الحروب والأزمات الأمنية السابقة التي مر بها العراق وافتقار المجتمع إلى مراكز دعم نفسي متخصصة تؤهل الأفراد للتعامل مع الضغوط.

٤- آفة المخدرات والمؤثرات العقلية انتشار المواد المخدرة في السنوات الأخيرة بات سبباً مباشراً في تغييب الوعي وارتكاب اعتداءات جسدية مروعة من الطرفين

 الآثار النفسية والمادية المترتبة على العنف

تتعدى آثار العنف الزوجي أطراف العلاقة المباشرة لتضرب عمق البنية المجتمعية تتسبب هذه النزاعات بحالات قلق مزمن واكتئاب حاد واضطرابات ما بعد الصدمة تترجم أحياناً بـ "العنف المضاد" كرد فعل انتقامي (مما يفسر جزئياً ارتفاع بلاغات تعنيف الأزواج) أما على صعيد الاطفال ينشأ الأطفال في بيئة مشبعة بالخوف والاضطراب مما يؤدي إلى تراجع مستواهم الدراسي وإصابتهم بالتبول اللاإرادي أو الانطواء وصولاً إلى إعادة إنتاج العنف مستقبلاً من خلال (جنوح الأحداث)

 يترتب على العنف كلف علاجية وطبية فضلاً عن تعطل الأفراد عن الإنتاج والعمل وتشتت الثروة العائلية بسبب مصاريف الدعاوى القضائية والطلاق والنفقة

 مساحة القانون العراقي والعقوبات النافذة

لا يفرق القانون العراقي في الحماية الجنائية بين رجل وامرأة فالجريمة تبقى جريمة بغض النظر عن جنس الجاني والمجني عليه وتتحرك الدعوى وفقاً للنصوص التالية في قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل

يستند العمل القانوني بملف العنف إلى المادة (29/ رابعاً) من الدستور العراقي لعام 2005 والتي تنص صراحة على:

تمنع كل أشكال العنف والتعسف في الأسرة والمدرسة والمجتمع

عقوبات الاعتداء الجسدي الضرب والجرح

تُكيف محاكم التحقيق والجنح اعتداءات العنف الزوجي وفق أحكام المواد التالية

 المادة (413) تعاقب بالحبس مدة لا تزيد على سنة وبغرامة أو بإحدى هاتين العقوبتين كل من أحدث بغيره أذى أو مرضاً (الاعتداء العمدي الخفيف)

المادة (412) إذا أدى الاعتداء إلى قطع أو بتر عضو أو تعطيل منفعة (عاهة مستديمة)، ترتفع العقوبة إلى السجن مدة لا تزيد على 15 سنة. 

المادة (415) تعالج حالات الضرب الخفيف الذي لا يترك أثراً بليغاً ويعاقب عليها بالحبس البسيط أو الغرامة. 

ملاحظة قانونية هامة (إشكالية المادة 41/1)

يمنح قانون العقوبات العراقي في المادة (41/ ف1) حق تاديب الزوج لزوجته في حدود ما هو مقرر شرعاً أو قانوناً أو عرفاً

 إلا أن القضاء العراقي المعاصر بات يفسر هذا النص تضييقاً شديداً حيث يستقر الاجتهاد القضائي على أن أي ضرب يترك أثراً جسدياً أو يحط من الكرامة أو يتسبب بضرر نفسي يعتبر جريمة معاقباً عليها ولا يمكن للزوج التذرع بـ "حق التأديب" لتبرير الاعتداء الجسدي الموثق بالتقارير الطبية

 الحلول والمقترحات القانونية والاجتماعية

إقرار قانون مناهضة العنف الأسري لا يزال العراق يفتقر إلى قانون خاص وشامل ينظم العنف الأسري بدقة. من الضروري الإسراع في تشريع مشروع القانون الذي يتضمن تأسيس

 "مراكز آمنة" لحماية الضحايا وتفعيل دور البحث الاجتماعي لإصلاح ذات البين قبل توقيع العقوبات وتدعيم مكاتب حماية الأسرة والطفل رفد المديريات التابعة لوزارة الداخلية بالكوادر المتخصصة نفسياً واجتماعياً لتفكيك الأزمات الأسرية قبل تحولها إلى قضايا جنائية، غالباً ما تضطر الضحية (سواء الزوج أو الزوجة) للتنازل عن الدعوى بسبب الضغوط العشائرية أو العائلية يجب وضع قيود تضمن عدم تكرار الاعتداء حتى في حال الصلح ،والتأكيد على تفعيل دور الباحث الاجتماعي في محاكم الأحوال الشخصية بشكل حقيقي وإلزام المقبِلين على الزواج بإنهاء دورات تأهيلية نفسية وقانونية لضمان فهم الحقوق والواجبات إطلاق حملات توعية إعلامية تركز على حل النزاعات الأسرية عبر الوسائل التربوية والنفسية والابتعاد عن العنف الجسدي أو اللفظي كوسيلة لفرض السيطرة.

***

بقلم اسعد الجوراني

قراءة فلسفية في ذكرى المولد النبوي الشريف

ليست كل الأحداث التي تقع في التاريخ سواء في قيمتها أو في قدرتها على تجاوز الزمن الذي احتواها. فبعض الأحداث يولد في لحظة، ثم يبقى أسيرا لها، لا يستمد حضوره إلا من الذاكرة؛ وبعضها يتجاوز لحظته التاريخية ليصبح جزءا من الوعي الإنساني، كلما عاد الإنسان إلى أسئلته الكبرى عن ذاته، وعن العالم الذي يعيش فيه، وعن الغاية التي تمنح وجوده معنى.

ومن هذا المنظور يمكن النظر إلى مولد النبي محمد صلى الله عليه وسلم؛ لا باعتباره مجرد واقعة تاريخية نعود إليها في كل عام، وإنما باعتباره بداية لتحول عميق في رؤية الإنسان إلى نفسه وإلى العالم. فالمولد هنا لا يعني ميلاد شخص عظيم فحسب، وإنما ميلاد رسالة أعادت ترتيب العلاقة بين الإنسان وربه، وبين الإنسان ونفسه، وبين الإنسان والآخر، وبين الإنسان والعالم.

ومن هنا تنشأ المفارقة التي تمنح ذكرى المولد قيمتها الفكرية؛ وهي أن حدثا وقع في الماضي استطاع أن يظل حاضرا في سؤال الإنسان عن نفسه.

فما الذي تغير في صورة الإنسان حين جاءت الرسالة المحمدية؟ وأي تصور للإنسان حملته هذه الرسالة؟ ولماذا لا يزال هذا التصور قادرا، بعد قرون طويلة، على أن يخاطب قلق الإنسان المعاصر وأسئلته؟ التي هي في جوهرها أسئلة فلسفية، وليست أسئلة تاريخية فحسب.

كان الإنسان، قبل الرسالة المحمدية وفي غير مجتمع من المجتمعات، يعيش داخل منظومات من القوة والانتماء والعصبية والمصلحة، وكانت قيمة الفرد كثيرا ما تستمد من نسبه أو قوته أو مكانته أو ما يملكه من مال ونفوذ.

ولم تكن المشكلة في وجود هذه العلاقات في ذاتها، وإنما في تحولها إلى معايير للحقيقة والقيمة؛ حين يصبح القوي جديرا بالحق لأنه قوي، ويصبح الضعيف قابلا للامتهان لأنه ضعيف، ويصبح الانتماء معيارا للحكم على الإنسان قبل أن يكون فعله أو خلقه.

ومن هنا كان السؤال عن الإنسان أعمق من مجرد السؤال عن مكانته الاجتماعية.

كان السؤال: ما الذي يجعل الإنسان إنسانا؟ هل قيمته فيما يملك؟ أم فيما يكونه؟ هل حريته تعني أن يفعل ما يستطيع، أم أن يدرك ما ينبغي أن يفعل؟ وهل الآخر منافس في الوجود، أم شريك في الإنسانية؟

هذه الأسئلة التي تبدو لنا اليوم شديدة الحداثة، كانت في جوهرها كامنة في بنية التحول الذي جاءت به الرسالة المحمدية.

لقد أعادت الرسالة بناء الإنسان من الداخل، وربطت قيمته بما يتجاوز القوة والنسب والمال، وأقامت ميزانا أخلاقيا يجعل الإنسان مسؤولا عن اختياراته، لا مجرد كائن تحكمه غرائزه أو ظروفه أو انتماءاته.

وفي قوله تعالى: "ولقد كرمنا بني آدم"، تتجلى إحدى الدلالات الكبرى لهذا التصور؛ فالكرامة هنا لا تستند إلى طبقة أو جنس أو نسب، وإنما تبدأ من أصل إنساني مشترك.

وهذا التحول ليس مجرد قيمة أخلاقية، وإنما هو تحول في فلسفة الإنسان نفسها.

ولعل من أهم ما جاءت به الرسالة المحمدية أنها لم تنظر إلى الإنسان باعتباره كيانا مكتفيا بذاته، وإنما باعتباره كائنا تتحدد إنسانيته بقدر ما يعي مسؤوليته.

فالإنسان حر، لكن حريته ليست انفلاتا من كل قيد؛ لأنه مسؤول عن أثر اختياراته. وهو قادر، لكن قدرته ليست مبررا للهيمنة؛ لأن القوة حين تنفصل عن الأخلاق تتحول من وسيلة للعمران إلى أداة للظلم. وهو عاقل، لكن العقل لا يبلغ غايته إذا انفصل عن الحكمة. وهو قادر على المعرفة، لكن المعرفة إذا لم تهذب الإرادة قد تزيد الإنسان قدرة على الخطأ، لا قدرة على الصواب.

ولهذا لم تأت الرسالة لتملأ العقل بالمعلومات فحسب، وإنما لتبني الإنسان الذي يعرف كيف يحول المعرفة إلى بصيرة، والبصيرة إلى موقف، والموقف إلى خلق.

وهنا تتضح أهمية اقتران التعليم بالتزكية في قوله تعالى: "يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة".

فالإنسان لا يصير أفضل لمجرد أنه يعرف أكثر. وقد يكون هذا من أكثر الأسئلة إلحاحا في عصرنا؛ إذ اتسعت دائرة المعرفة الإنسانية إلى حد مذهل، لكن اتساع المعرفة لم يضمن دائما اتساع الحكمة.

لقد أصبح الإنسان أكثر قدرة على تغيير العالم، لكنه لم يصبح بالضرورة أكثر قدرة على تغيير نفسه.

ومن هنا يبدو النموذج المحمدي شديد الصلة بعصرنا؛ لأنه لا يفصل بين العلم والأخلاق، ولا بين القوة والمسؤولية، ولا بين الحرية والواجب.

وإذا كانت الفلسفة قد جعلت سؤال الإنسان أحد أسئلتها الكبرى، فإن السيرة النبوية تقدم نموذجا حيا لإنسان لم يكن وجوده منفصلا عن القيمة.

فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن يقدم الأخلاق باعتبارها مجموعة من القواعد المجردة، وإنما كانت الأخلاق تتجسد في طريقة النظر إلى الناس، وفي التعامل مع الضعيف، وفي العفو عند القدرة، وفي العدل مع المخالف، وفي التواضع مع المكانة، وفي الرحمة حين يكون الانتقام ممكنا.

ولهذا لم يكن وصف القرآن له بأنه "على خلق عظيم" وصفا لفضيلة هامشية، وإنما إشارة إلى أن عظمة الإنسان لا تقاس فقط بما يعرفه أو ينجزه، وإنما بما يصير إليه خلقه.

فحين سئلت السيدة عائشة رضي الله عنها عن خلقه، قالت: "كان خلقه القرآن". وفي هذه العبارة الموجزة معنى بالغ العمق، وهو أن الحقيقة حين تستقر في الوعي لا بد أن تظهر في السلوك، وأن الإيمان الذي لا يترك أثرا في علاقة الإنسان بغيره يظل معرفة لم تبلغ بعد مرتبة التحقق.

وهنا يلتقي البعد الفلسفي بالبعد الإيماني في نقطة واحدة، وهي أن الإنسان لا يعرف قيمه حقا إلا حين يعيشها.

ولعل الرحمة هي أكثر القيم التي تمنح النموذج المحمدي حضوره الإنساني الممتد.

قال تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين". والرحمة في هذا السياق ليست مجرد عاطفة تجاه الضعف، وإنما رؤية للإنسان تقوم على الاعتراف بإنسانيته، والنظر إليه باعتباره غاية في التكريم، حتى حين يخطئ أو يختلف أو يبتعد.

ومن هنا فإن الرحمة لا تناقض العدل، كما أن العفو لا يعني إلغاء الحق. فالرحمة التي لا عدل فيها قد تتحول إلى ضعف، والعدل الذي لا رحمة فيه قد يتحول إلى قسوة.

أما النموذج النبوي، فيكشف عن إمكانية اجتماع ما يبدو متعارضا: قوة الحق ورحمة القلب، وحزم الموقف ورقة الإنسان.

ولعلنا أحوج ما نكون إلى استعادة هذا التوازن في زمن أصبح فيه الاختلاف في الرأي سببا للخصومة، والخلاف في الموقف مبررا للتجريح، والاختلاف في الانتماء سببا لنزع الإنسانية عن الآخر.

إن استحضار السيرة النبوية هنا لا يعني الهروب من أسئلة عصرنا إلى الماضي، وإنما البحث في ذلك التراث عن قيم يمكنها أن تساعدنا على مواجهة حاضرنا بقدر أكبر من الحكمة.

لقد منح العصر الحديث الإنسان قدرة هائلة على السيطرة على الأشياء. استطاع أن يخترق أعماق المادة، وأن يسبر أغوار الفضاء، وأن يختصر المسافات، وأن يفتح أبوابا غير مسبوقة في المعرفة والتواصل.

لكن هذا التقدم يكشف مفارقة لا يمكن تجاهلها؛ فكلما ازدادت قدرة الإنسان على السيطرة على العالم، ازدادت حاجته إلى القدرة على السيطرة على نفسه.

فالمشكلة لم تعد دائما في أن الإنسان لا يستطيع، وإنما في أن السؤال أصبح: هل ينبغي له أن يفعل كل ما يستطيع؟

وهنا تلتقي الحضارة الحديثة، من حيث لا تشعر، مع أحد أعمق أسئلة الأخلاق. فالعلم يمنحنا القدرة، لكنه لا يحدد وحده وجهة استخدامها. والتقنية توسع إمكاناتنا، لكنها لا تخبرنا وحدها بما ينبغي أن نختار. والقوة تمنحنا مجالا للفعل، لكنها لا تمنح الفعل مشروعيته الأخلاقية. ومن هنا تبدو الحاجة إلى نموذج يربط القدرة بالمسؤولية، والحرية بالقيمة، والمعرفة بالحكمة. وهذه إحدى الدلالات التي تجعل استحضار السيرة النبوية في عصرنا أمرا يتجاوز الاحتفال بالماضي إلى التفكير في المستقبل.

إننا حين نتحدث عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم لا نتحدث فقط عن شخصية تاريخية عظيمة، وإنما عن نموذج إنساني تشكلت حوله منظومة كاملة من القيم التي أعادت تعريف علاقة الإنسان بذاته وبالآخر وبالعالم.

ولذلك ظل حضوره حيا في وجدان أمته؛ فالذاكرة لا تحتفظ بكل الشخصيات بالطريقة نفسها. هناك شخصيات تبقى لأن التاريخ يسجل أخبارها، وشخصيات تبقى لأن آثارها تتحول إلى جزء من الوعي. ومحمد صلى الله عليه وسلم من هذا النوع الثاني. فكلما عادت الإنسانية إلى أسئلتها الكبرى، عاد النموذج المحمدي إلى الظهور بوصفه تجربة تاريخية تحمل أبعادا أخلاقية وإنسانية تتجاوز زمانها.

إن السؤال عن العدالة لم ينته. والسؤال عن الحرية لم ينته. والسؤال عن الرحمة لم ينته. والسؤال عن العلاقة بين القوة والحق لم ينته. وقبل هذه الأسئلة جميعا وبعدها يبقى السؤال الأعمق: ما الإنسان؟

ولذلك فإن أجمل ما يمكن أن تمنحه لنا ذكرى المولد النبوي ليس أن نتذكر فقط أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ولد في عام الفيل، ولا أن نستعيد أحداث سيرته استعادة سردية، وإنما أن نتوقف لحظة أمام الأثر الذي تركته رسالته في مفهوم الإنسان.

أن نسأل أنفسنا، نحن الذين نحب النبي محمد ونصلي عليه ونحتفي بذكراه: هل بقيت من محبته في حياتنا رحمة؟ هل بقي من هديه في علاقاتنا صدق؟ هل بقي من أخلاقه في اختلافاتنا عدل؟ هل أصبحنا، بفضل ما نعرفه عنه، أكثر قدرة على تهذيب أنفسنا؟ فالمحبة الحقيقية ليست مجرد شعور يسكن القلب، وإنما أثر يظهر في السلوك.

وليس المقصود من استحضار أخلاق النبي محمد صلى الله عليه وسلم أن نكتفي بالإعجاب بها، وإنما أن ندرك أن الأخلاق التي جعلت منه نموذجا إنسانيا عظيما ما زالت قادرة على أن تجعل حياتنا أصفى، وعلاقاتنا أرحم، ومجتمعاتنا أكثر عدلا.

وهنا تصبح الذكرى ذات معنى آخر، وهو أن يتحول الاحتفاء إلى مراجعة، والمراجعة إلى وعي، والوعي إلى سلوك.

إن كل حضارة تكشف، في جانب عميق منها، عن الصورة التي تحملها للإنسان. فإذا كان الإنسان مجرد مستهلك، أصبحت قيمته في قدرته على الاستهلاك. وإذا كان مجرد أداة، أصبح وجوده رهنا بمنفعته. وإذا كان مجرد رقم، أصبح قابلا للاستبدال. أما حين يكون الإنسان مخلوقا مكرما، مسؤولا عن حريته، مؤتمنا على ما أوتي من قدرة، مرتبطا بالآخر في شبكة من الحقوق والواجبات، فإن الحضارة لا تعود مجرد سباق في امتلاك القوة، وإنما تصبح سعيا إلى تهذيب القوة وتوجيهها نحو الخير.

ومن هنا تتجاوز الرسالة المحمدية حدود الوعظ الأخلاقي إلى رؤية متكاملة للإنسان. إنها لا تطلب من الإنسان أن يتخلى عن الدنيا، وإنما أن يتحرر من عبوديتها. ولا تطلب منه أن ينسحب من الحياة، وإنما أن يعمرها بالحق. ولا تطلب منه أن يلغي عقله، وإنما أن يهتدي به إلى الحكمة. ولا تطلب منه أن يهرب من قوته، وإنما أن يجعل القوة أمانة. وهذا هو الإنسان الذي تستطيع الرسالة أن تصنعه: إنسانا حرا، مسؤولا، عاقلا، رحيما، قادرا على أن يرتقي فوق نزواته دون أن يفقد صلته بواقعه.

من هنا لا تبدو ذكرى المولد النبوي مجرد عودة إلى لحظة من الماضي، وإنما فرصة لاستعادة معنى ظل محتاجا إلى التجدد في كل زمان.

فالمولد حدث وقع مرة، أما السؤال الذي فتحته الرسالة فما زال مفتوحا: سؤال الحرية.. سؤال المسؤولية.. سؤال الخير.. سؤال العدل.. سؤال الرحمة.. ثم السؤال الذي يجمعها جميعا: أي إنسان نريد أن نكون؟

ربما يكون هذا هو المعنى الأعمق الذي يمكن أن نهديه إلى ذكرى المولد. فالنبي محمد صلى الله عليه وسلم ولد في التاريخ، لكن رسالته خاطبت الإنسان خارج حدود التاريخ. ولد في مكة، لكن أسئلته لم تكن أسئلة مكة وحدها. وعاش في القرن السادس الميلادي، لكن القيم التي جسدها لا تنتمي إلى قرن دون قرن.

وإذا كان التاريخ قد حفظ لنا يوم مولده، فإن الوعي الإنساني يستطيع أن يجعل من كل يوم فرصة لاستعادة بعض ما جاء به من رحمة وصدق وعدل وتواضع.

ولذلك فإن الاحتفاء الحقيقي بذكرى المولد لا يكون بكثرة الحديث عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم فحسب، وإنما بأن نترك لحديثنا عنه أثرا في أنفسنا. أن يصبح الصدق أقرب إلينا من الكذب، والعفو أوسع من الانتقام، والرحمة أسبق من القسوة، والعدل أثبت من الهوى.

فليس أجمل من أن نحتفي بمن كان رحمة للعالمين بأن نكون، كل في موضعه، أرحم بالناس. وليس أصدق من أن نصلي على من وصفه ربه بقوله: "وإنك لعلى خلق عظيم"، أن نحاول أن نجعل للأخلاق مكانا أعظم في حياتنا.

لقد ولد محمد صلى الله عليه وسلم في التاريخ، لكن حضوره لم يبق أسيرا للتاريخ. ومن هنا يمكن أن نفهم سر هذه الذكرى التي تتجدد في وجدان المسلمين جيلا بعد جيل؛ فهي ليست مجرد استعادة لماض عزيز، وإنما عودة إلى نموذج كلما تأملناه أعاد إلينا شيئا من السؤال الذي قد تنسينا إياه مشاغل الحياة: ماذا يعني أن يكون الإنسان إنسانا؟

ولعل الإجابة لا تكون في كثرة الكلام، وإنما في الطريقة التي نحيا بها. فإذا جعلتنا ذكرى المولد أكثر صدقا، فقد تركت أثرها. وإذا جعلتنا أكثر رحمة، فقد فهمنا شيئا من رسالته. وإذا جعلتنا أكثر عدلا مع من نختلف معهم، فقد اقتربنا من أخلاقه. وإذا أعادت إلينا الإحساس بأن الإنسان أمانة لا غنيمة، وكرامة لا أداة، ومسؤولية لا مجرد حق، فقد تجاوزنا بالذكرى حدود الاحتفال إلى معنى أعمق وأبقى.

وهكذا، من ميلاد النبي محمد إلى سؤال الإنسان، تمتد رحلة لا تنتهي عند حدود الذكرى؛ لأن أعظم ما يمكن أن يفعله حضور النبي في وعينا ليس أن يجعلنا أسرى للماضي، وإنما أن يجعلنا أقدر على أن نصنع من الحاضر امتدادا للقيم التي جاء بها.

فصلوات الله وسلامه على محمد صلى الله عليه وسلم، يوم ولد، ويوم حمل رسالة ربه، ويوم مضى إلى الرفيق الأعلى، ويوم تبقى سيرته في ضمير الإنسان شاهدة على أن القوة يمكن أن تكون رحمة، وأن الحرية يمكن أن تكون مسؤولية، وأن العلم يمكن أن يصير حكمة، وأن الإنسان يستطيع أن يرتقي بنفسه حتى يصبح وجوده ذاته رسالة.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

الثورة الروحية

من الأحداث الكبرى في التاريخ الوسيط، ظهور الإسلام بوصفه ديانة سماوية كبرى من الديانات التوحيدية-الإبراهيمية الكبرى، مثل المسيحية واليهودية، ديانة موجهة إلى الناس كافة، على عكس اليهودية التي كانت تقريبا منذ البداية ديانة مغلقة ولهذا تحولت في غمار التاريخ ديانة مغلقة و إلى قبيلة وطائفة عرقية.

والجدير بالذكر كذلك أن ظهور الإسلام فتح الأفاق المسدودة للعرب عامة ولقبيلة قريش خاصة كما شكّل نزول الوحي، الحدث الأبرز، وخاصة على الصعيد السياسي والثقافي/الفكري، ليس عند قبيلة قريش وفي الحجاز فقط، ولكن في الجزيرة العربية كلها. ]1[

و غني عن البيان القول، أن ظهور الإسلام في شبه الجزيرة العربية، كان ضرورة حتمية.بعد أن إستنفَّذ النظام القبلي/الوثني دوره التاريخي، وبعد أن وصل النظام الاجتماعي/المعرفي عند حدوده القصوى، وعجز عن تقديم ما يلبي الحاجات الروحية والمعرفية والإجتماعية وحتى السياسية للأفراد والجماعات التي كانت تعيش في مكة والجزيرة العربية، وبعبارة أخرى في نهاية القرن السادس الميلادي بدأت تظهر على النظام القبلي علامات التفكك والتفسخ والإنحلال.كما كان لابد من تجديد الدعوة للتوحيد الديني شكلا والتوحيد السياسي مضمونا، وبمعنى أخر كانت الحاجة ماسةإلى ثورة دينية وإصلاح إجتماعي وإعادة ترتيب الطبقات .

و تجدر الإشارة إلى كذلك، إلى أن القوتين العظميين في تلك الحقبة الدقيقة من التاريخ الوسيط، الأمبراطورية الفارسية والأمبراطورية البيزنطية اللتان كانتا تتقاسمان النفوذ والسيطرة في منطقة الشرق الأوسط في تلك الحقبة، قد بلغ بهما الوهن والضعف مبلغه. ]2[

و لهذا، لا نجانب الصواب، إذا قلنا أن الدعوة المحمدية كانت ليس مجرد دعوة دينية عادية، بل مجموعة ثورات في ثورة واحدة إن صح هذا التعبير، بالنظر إلى الأهداف التي حققتها وفي مدة وجيزة، فالثورة لا تسمى ثورة إلا إذا قلبت نظام الحكم أولا واستولت على السلطة ثانيا وأحدثت تغييراً جذريا في البنى الإجتماعية/الإقتصادية والثقافية.

و بالفعل كان الإسلام ثورة روحية من حيث طرحه لعقيدة التوحيد، بكل ما تعنيه عقيدة التوحيد من معاني ودلالات، وثورة اجتماعية من زاوية الدعوة إلى إعادة ترتيب الإجتماعية وثورة سياسية من منظور التوجه نحو بناء المجال السياسي في المدينة /يثرب، لكن المعنى حقيقي للدعوة المحمدية هو المعني الديني الذي هو جوهر الدعوة وروح الرسالة، فالإسلام هو بالدرجة الأولى دين، يحمل رسالة دينية وله وظيفة دينية، وهذا ليس معناه أن الدعوة المحمدية قد أُطلِقَت في منطقة خالية من المعتقدات الدينية أو أن العرب كانوا مثل القبائل البدائية التي كانت في الأدغال أو كانوا يفكرون بعقلية إنسان ما قبل اكتشاف النار، بل بالعكس، فقد كان العرب يتوفرون على قدر كبير من المعارف و الأداب والأخلاق والضوابط الإجتماعية[3 ]

و باختصار كان لدى العرب في الجزيرة، نظام معرفي ولكن فيه نواقص ونظام اجتماعي يعوزه الوازع الديني والردع القانوني، أي ما كان غائبا هو الوازع السياسي – القانوني المتمثل في وجود دولة.

الثورة السياسية

و هناك مسألة أخرى لا بد أن نتوقف عندها تتعلق بلفظ " الجاهلية " هو تسمية إسلامية للنظام الاجتماعي ماقبل الإسلام أو كما يطلق عليه اليوم بالنظام البائد، لكن مفهوم الجاهلية لا تعني الجهل و لا تدل على المعنى المضاد للمعرفة، بل تحمل معنى غياب الوازع القانوني وغياب ’ليات الضبط الإجتماعي أي غياب الدولة وغياب السلطة القهرية، التي تملك الحق المشروع للعنف، ولكن غياب الدولة لم يمنع العرب من ممارسة السياسة، سياسة الحكم وإدارة شؤون المدينة، ولو في شكلها البسيّط ونظامها البدائي .

و لهذا نتفق مع بعض الباحثين القائلين بأن الإسلام لم يظهر في الفراغ، ولم يأت من فراغ، بل ظهر وانتشر في منطقة كانت تتوفر على موروث ديني / ثقافي زخم ]4[، فقد كانت أفكار ومفاهيم التوحيد والعبادة وحتى فكرة الله كانت فكرة منتشرة في الجزيرة وفي محيطها الشمالي وحدودها الجنوبية، وكانت العرب تؤمن بوجود الله، وكل ما في الأمر أنها كانت تشرك به غيره من الآلهة التي جسدتها في أصنام وأوثان أشهرها كانت في مكة وهي "اللاَّت" و" العُزى" و" مناة " .

و من المهم أن نلفت الإنتباه، أن هذه الأصنام والتماثيل، لم تكن خاصة بالعبادات فقط، بل طريقة من طرق الدخل ومورد من موارد التجارة وباب من أبواب الرزق، خاصة في موسم الحج، والحقيقة أن شعائر وطقوس الحج كانت تمارس كما هي، سواء قبل الإسلام أو في الإسلام. ]5[  ولا ننسى أن الديانتين التوحيديتين السابقتين على الإسلام وهما المسيحية واليهودية، كانتا منتشرتين في الجزيرة بشكل أو بأخر، هنا وهناك وخاصة في شمال الحجاز، بالإضافة إلى التأثير الكبير الذي مارسه الحنفاء و معتقد الحنيفية على العرب وعلى قريش وعلى الرسول محمد بن عبد الله(ص) .

و من هذا المنطلق كانت قريش تحرص حرصا شديدًا على الحفاظ على الكعبة، ليس بسبب ما تمنحه لسادة قريش من الشرعيّة والمشروعيّة، بل بهدف ما تُدره من عائدات اقتصادية هائلة، وبالتالي لم يكن من السهل على سادة قريش التنازل عن هذه "البقرة الحلوب" أمام دعوة دينية وخطاب إيديولوجي -ثوري يدعو إلى التوحيد و يطالب الناس بالكف عن عبادة الأصنام والتوقف عن أداء الشعائر والطقوس الوثنية المرتبطة ارتباطا قويا بالنشاط التجاري والحركية الاقتصادية والرواج “ السياحي” [6]

و بالمناسبة إن فكرة الله تؤدي مباشرة إلى فكرة أخرى هي فكرة التوحيد والتوحيد دلالة على تطور الفكر البشري .

و هكذا فإن عقيدة التوحيد التي جاء بها الإسلام، لم تكن فكرة دينية جديدة على سكان الجزيرة، بل أن هؤلاء الناس تعرفوا على هذه الفكرة/العقيدة، وكما أشرنا سابقا، من خلال معتقد ديني اسمه الحنيفية، وتذكر كتب السيرة أن صاحب الدعوة كان يتحنث في غراء حراء وكان على اتصال بالحنفاء، بطريقة أو بأخرى]7[ .

و لسنا في حاجة إلى شرح كبير للقول بأن المعارضة الشديدة التي أبدتها قريش في إنكار النبوة ورفض الدعوة المحمدية، هي بسبب خوف سادة قريش على مصالحهم الإقتصادية ونشاطاتهم التجارية بالدرجةالأولى ]8[ .

فالتوحيد ليس فقط عبادة الله وحده لا شريك له.بل كان القصد من التوحيد، هو توحيد الجماعات البشرية التي كانت تقطن الجزيرة العربية، في إطار أمة عربية-إسلامية واحدة، تحت قيادة دينية وسياسية واحدة، والتي ستأخذ فيما بعد، مع التطورات التاريخية المتلاحقة والأحداث السياسية المتوالية، شكل إمبراطورية مترامية الأطراف بنظام سياسي اسمه الخلافة وفي إطار دولة سلطانية.

الثورة الثقافية

و لسنا في حاجة إلى شرح كبير للقول، بأن الحدث القرآني كان بمثابة ثورة ثقافية/إجتماعية من حيث الدعوة والعمل على تفكيك النظام القبلي المُهيّمن، والذي تمثله طبقة أرستقراطية في شكل قبيلة ممثلة من الناحية الاجتماعية في أشراف العرب ومن الناحية الاقتصادية في كبار التجار ومن الناحية السياسية في" الملأ " و " دار الندوة " ]9[ .

و بالموازاة مع الدعوة إلى خلخلة هذه التراتبية/الطبقية هناك دعوة إلى المساواة بين الفقراء والأغنياء، بين العرب والعجم، بين الأبيض والأسود، على الأقل في الحقوق والواجبات الدينية.أما القول بأن نزول الوحي(التنزيل) كان ثورة روحية، فكرية وثقافية، فهذا ما لا يختلف عليه إثنان، من حيث لغة الخطاب القرآني والأسلوب البياني الذي وصل درجة الإعجاز وكذلك ما تضمنه الخطاب القرآني من الدعوة الصريحة إلى التدبر والقراءة والتفكير وضرورة إعمال العقل والحث على التأمل والبحث في الطبيعة والكون ]10[ .

كما تجدر الإشارة إلى أن النص الديني المؤسس دعا الرسول والمؤمنين والناس كافة إلى التوبة قبل فوات الآوان، وإلى السعي وراء إلى ما يرضي الله، كما أنه حدد العقائد والأفعال التي يأمر بها الله، وقد علم أن على الناس أن يؤمنوا بأن الله أحد، وبأنه أعلن إرادته بواسطة الأنبياء، وبأن محمد خاتم الرسل، وبأن الرسالة المنزلة عليه، وهي القرآن، إنما هي كلام الله المنصوص المعبر عن مشيئته من أجل البشر، وبأن على البشر أن يعملوا بالأوامر الواردة فيه، وبأن العالم سينتهي بيوم الحساب، تُقوَّم فيه أعمالهم وعليها يحاسبون]11[ .

و لسنا في حاجة الى شرح كبير للقول بأن هناك علوما بأكملها سوف تنشأ، أقصد النشأة الجنينية في العصر الأموي وتكتمل في العصر العباسي الأول، إبتداءً من منتصف القرن الثاني الهجري، وكل هذه العلوم والمعارف والثقافة، تنطلق من النص القرآني، النص المؤسس، مثل علوم اللغة من قواعد النحو والصرف والبلاغة وعلوم الفقه وعلم الكلام والتصوف والفلسفة، وصدق من قال أن الحضارة العربية - الإسلامية هي حضارة نص.

و باختصار نقول انطلاقا من النص القرآني تأسس النظام المعرفي العربي ممثلاً في البيان والعرفان والبرهان]12[ .

و لا نذيع سرا إذا قلنا، أنه منذ بدء الدعوة المحمدية في عام609م إلى غاية وفاة الرسول عام 632 م.أي في مدة ثلاثة وعشرون سنة، ثلاثة عشر سنة في مكة، وعشر سنوات في المدينة.كانت أهداف التوحيد قد تحققت على عدة مستويات، على المستوى الديني بنشر الرسالة وتبليغ الدعوة تقريبًا في الجزيرة العربية كلها، وعلى المستوى الاجتماعيً بتشكل الجماعة الإسلامية وبوضع الحجر الأساس لأمة في طور التكوين، و تحققت أهداف التوحيد سياسيًا بلَّم شمل العشائر والقبائل العربية تحت راية سلطة سياسية واحدة.

و بالفعل تحققت أهداف التوحيد الديني والإجتماعي والسياسي، رغم الفروقات القبلية والحزازات العشائرية والإختلالات الطبقية التي كانت في حالة كمون بعض الشيء، طيلة زمن النبوة، أما عن النزاعات السياسية، فكانت كامنة في منطقة اسمها اللاَّشعور السياسي وبالتالي كان هناك ما يمكن تسميته باللاشعور السياسي.لأن النبي إستطاع في المدينة أن يحتضن الجميع حتى الذين كانوا يعارضون الدعوة في مكة، وأن يوحّد الجميع في أطار ميثاق الصحيفة أو دستور المدينة، والأهم من ذلك تمكن الرسول محمد بن عبد الله (ص) من تأسيس الجماعة الإسلامية التي تحولت إلى أمة المؤمنين، والتي ستعرف لاحقًا، خاصة بعد إعلان الجهاد/الحرب، أي بدار الإسلام، أي الأرض التي يعيش فيه المسلمون، في مقابل دار الحرب، أي الأرض التي يعيش فيها غير المسلمين ]13[ .

و من نافلة القول أن هذه الجماعة تحولت، في خضم الصراع والتدافع، من كيان قبلي/ عشائري إلى كيان ديني/سياسي، ثم تحول هذا الكيان، بفعل التراكم الكمي إلى كيف، هو دولة تتوفر على سلطة سياسية ونظام حكم وجيش نظامي، هي الدولة الأموية، الدولة التي تبنت الإيديولوجيا الجبرية وجمعت في شرعيتها بين المصحف والسيف، ومن أجل بقائها واستمرارها ربطت بين العشيرة والغنيمة.

و الحقيقة التي لا نقاش فيها أنه كان من الضروري قيام الدولة الأموية، بعد أن غابت الدولة وساد الإنفلات الأمني، وبالتالي الدولة ا أموية هي أول دولة في الإسلام، بالمعنى الحقيقي لمفهوم الدولة، طبعاً بمقاييس تلك الحقبة التاريخية، في العصر الوسيط، الدولة التي إقتضت الضرورة التاريخية أن تكون هي البديل للرّدة التي وقعت بعد تعيين أبي بكر الصديق خليفة/حاكما، وهي البديل لتلك الفتنة الكبرى التي سادت عقب مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان والتي قتل فيها الآلاف المؤلفة من المسلمين، وهي البديل للحرب الأهلية التي نشبت بعد اغتيال الخليفة الرابع علي بنو أبي طالب.

و ثمة ملاحظة في هذا الصدد وهي أنه وفي مدة قصيرة اندلعت حروب الردة وسادت الفوضى واستيقظت الفتنة ونشبت الحرب الأهلية، وبلغة العصر كان عهد الخليفة الثالث وعهد الخليفة الرابع عهد عدم استقرار سياسي، وليسهذا فحسب بل وفشا فيه العنف السياسي من اتنفضات واحتجاجات واغتيالات، ومع قيام الدولة الأموية استقرت الأمور بعض الشيء، وقد كان عبد الرحمن بن خلدون على حق عندما فَسّر الإنقلاب الأموي، بأنه كان لا مفر منه لبقاء المجتمع العربي- الإسلامي والحفاظ – إن جاز هذا التعبير - على الوحدة الوطنية وسلامة أراضي الأمة الوليدة وتواصل الفتوحات والأهم من ذلك إستمرار الدولة. ]14[

معنى هذا الكلام أن قيام الدولة الأموية كان هو الحل الأمثل للحرب الأهلية، كما بينت هذه الأحداث الدامية أن العصبية الدينية أو العامل الأساسي المتمثل في الدعوة المحمدية قد أصابه الوهن بعض الشيئ، فكان لابد من ظهور العصبية القبلية من جديد، التي كانت في حالة كمون، وبعبارة أدق تم كبت العصبية القبلية طيلة ثلاثة وعشرون سنة لأسباب معروفة، وكان لا بد من عودة المكبوت.

وغني عن البيان القول أن العصبيات سواء أكانت دينية أم إجتماعية أم إيديولوجية لها قوة الدفع في البداية ثم تبدأ شيئا فشيئا في الضعف والإنحلال والانكماش كما جاء في نظرية عبد الرحمن ابن خلدون.

و الحقيقة التي لا مراء فيها أن الصراعات في التاريخ العربي /الإسلامي منذ بداية الدعوة كانت إما صراعات قبلية/عرقية، أو صراعات طافية/مذهبية أو صراعات إجتماعية/ طبقية، وبعبارة أخرى كانت العصبيات الثلاث التي حركت التاريخ العربي/الإسلامي، هي بالدرجة الأولى عصبية الدم أو ما يسمى اليوم بالقرابة في علم الأنتروبولوجيا والتي تجسمت في القبيلة والعشيرة والإيديولوجية الدينية الممثلة في العقيدة والمصالح التجارية/ الاقتصادية التي تجسدت في الغنيمة ]15[ بمثابة الفتيل الذي أشعل معظم النزاعات والصراعات، منذ بداية الدعوة في مكة وحتى ما جرى ويجري اليوم في كثير من الأقطار العربية، حيث الصراعات الدامية على السلطة، وفي هذه الصراعات يتم استخدام الدين وتوظيف العشيرة وتوزيع الريع ]16[

***

مصطفى دحماني

باحث في الفكر السياسي الإسلامي - الجزائر

...................

مصادر ومراجع

1) حسين مروة: النزعات المادية في الفلسفة العربية –الإسلامية. دار الفارابي ط 5 بيروت 1985 ص 321.

2) المرجع نفسه ص 217

3) المرجع نفسه ص 241

4) المرجع نفسه ص 221

5) عبد الإله بلقزيز: النبوة والسياسة. بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2014، ص 83

6)  المرجع نفسه ص 82

7) حسين مروة: المرجع نفسه ص 309.

8) محمد عابد الجابري: العقل السياسي العربي، مركز دراسات الوحدة العربية. بيروت 1992 ص 99

9) حسين مروة: المرجع نفسه ص 231

10)  ألبرت حوراني: الفكر العربي في عصر النهضة. بيروت: دار النهار.1977، ص 11

11)  المرجع نفسه ص 12

12) محمد عابد الجابري: تكوين العقل العربي. مركز دراسات الوحدة العربية، 1993 ص 57.

13) برهان غليون: نقد السياسة..الدولة والدين. الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي . 2007.ص 93.

14) محمد الحداد: حفريات تأويلية في خطاب الإصلاحية العربية.بيروت، دار الطليعة. 2002 ص 24

15) محمد عابد الجابري: العقل السياسي العربي. المرجع نفسه ص 57

16)  المرجع نفسه ص 48

 

قراءة نفسية ـ فكرية في تشكيل الوعي الجمعي العربي

ليست أزمة الإنسان العربي المعاصر أزمة سياسية أو اقتصادية فحسب، وليست مجرد نتيجة لتراكم الهزائم أو الاستبداد أو التخلف التنموي، إنها في أحد أعمق وجوهها، أزمة في تشكيل الوعي ذاته.

إنّ الإنسان لا يعيش الواقع كما هو، وإنما يعيه من خلال منظومة من الأفكار والقيم والرموز والمعتقدات التي تتشكل داخل الأسرة والمدرسة والدين والمجتمع والدولة والثقافة والإعلام، ثم تتحول مع الزمن إلى ما يشبه البنية الداخلية التي تحدّد طريقة رؤيته لذاته وللآخر وللعالم.

ومن هنا تظهر ثنائية شديدة الدلالة:

«أنا المقهورة» و«الأنا المتمردة».

حيث أنّ الأنا المقهورة هي تلك الذات التي تعلّمت الخضوع قبل أن تتعلم السؤال، وتكيفت مع السلطة قبل أن تكتشف حقها الطبيعي في الاختلاف، وأصبحت ترى في الجماعة ملاذاً من خوف الحرية، وفي الطاعة ضماناً للأمان والبقاء، وفي الاختلاف تهديداً للهوية.

أما الأنا المتمردة فهي الذات التي تبدأ باستعادة حقها في التفكير، ليس بهدف هدم المجتمع، وإنما بهدف تحرير الإنسان من الأفكار التي تحوّلت إلى قيود كريهة غير مرئية.

إن القهر لا يبدأ دائماً من السجن أو العنف المباشر، إنّما قد يبدأ من فكرة صغيرة تقول للإنسان:

لا تسأل ولا تنتقد.

وقد يستمر من خلال التربية التي تجعل الطاعة فضيلة مطلقة، أو الخطاب الذي يحوّل الاختلاف إلى خيانة، أو الثقافة التي تمجد الماضي إلى درجة تمنع الحاضر من إنتاج مستقبله.

وعليه، فإن قراءة الوعي الجمعي العربي تحتاج إلى العودة إلى الجذور الفلسفية التي أسهمت في تشكيل مفهوم الإنسان والأنا، ثم الانتقال إلى التحليل النفسي ومفهوم اللاوعي، وصولاً إلى دراسة علاقة الفرد العربي بالجماعة والسلطة والأيديولوجيا، وصولاً إلى السؤال الأكثر إلحاحاً:

كيف يمكن للإنسان العربي أن ينتقل من الأنا المقهورة إلى الأنا المتمردة، ومن الوعي المفروض إلى الوعي الحر؟.

بدأ السؤال عن الإنسان والوعي والذات في الفلسفة اليونانية بوصفه سؤالاً عن الحقيقة والفضيلة وطبيعة المعرفة. ومع سقراط أصبح السؤال عن الذات محوراً مركزياً، فدعوة «اعرف نفسك» لم تكن مجرد نصيحة أخلاقية، بل كانت انتقالاً من العالم الخارجي إلى العالم الداخلي للإنسان.

أما أفلاطون فقد نظر إلى النفس باعتبارها بنية مركبة، وربط العدالة بانسجام مكوناتها.

وفي فلسفته نجد تصوراً مبكراً للصراع الداخلي بين الرغبة والعقل والإرادة، وهو صراع سيعود لاحقاً، بصورة مختلفة، في مدارس علم النفس والفلسفة الحديثة.

وجاء أرسطو ليمنح الإنسان بعداً أكثر واقعية، حين ربط الإنسان بالعقل والمجتمع والغاية.

فالإنسان عنده كائن اجتماعي وسياسي، ولا يستطيع أن يفهم ذاته بمعزل عن الجماعة.

ومع انتقال الفكر إلى الحضارة الإسلامية، لم يكن الفكر العربي الإسلامي مجرد ناقل للفلسفة اليونانية، بل شهد عملية واسعة من إعادة التأويل والتفاعل.

فالإنسان أصبح موضوعاً للتفكير من خلال العلاقة بين العقل والنقل، الفرد والجماعة، الحرية والمسؤولية، والإرادة والقدر.

وفي الفكر الإسلامي والفلسفة العربية، نجد لدى الفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم محاولات متعددة لفهم الإنسان والعقل والمجتمع.

أمّا ابن خلدون فقد قدم قراءة اجتماعية عميقة للعمران البشري، وربط سلوك الجماعات بمفاهيم العصبية والسلطة والتحول الحضاري.

وهنا تظهر مسألة أساسية:

إن الوعي الإنساني لم يتشكل من فراغ، ولا في فراغ، وإنما كان دائماً نتاجاً للتفاعل بين الفرد والجماعة والتاريخ والسلطة والثقافة.

ولذلك فإن فهم الوعي العربي المعاصر يستوجب فهم البنية التاريخية التي ساهمت في تشكيله.

احتل مفهوم «الأنا» موقعاً مركزياً في الفلسفة وعلم النفس، فالإنسان لا يكتفي بأن يكون موجوداً، وإنما يسأل:

من أنا؟.

ماذا أريد؟.

وما حدود حريتي؟.

وفي التحليل النفسي، قدم فرويد تصوراً للأنا باعتبارها وسيطاً بين مطالب ال هو والأنا الأعلى، ومتطلبات الواقع.

ومن هذا المنظور، فإنّ الأنا ليست كياناً مستقلاً تماماً، بل هي منطقة صراع بين الرغبات والقيم والواقع.

أما " يونغ " فقد وسّع المجال حين تحدث عن اللاوعي الجمعي والنماذج الأصلية، مشيراً إلى أن الإنسان لا يحمل فقط خبراته الفردية، بل يتأثر أيضاً بمخزون رمزي عميق تشترك فيه الجماعات الإنسانية.

وفي الفلسفة الوجودية، أصبح الإنسان مسؤولاً عن تشكيل ذاته، فالذات ليست شيئاً جاهزاً بصورة نهائية، وإنما مشروع يتشكل من خلال الاختيار والفعل.

ومن هنا يمكن فهم « الأنا المقهورة » بوصفها أنا فقدت جزءاً من قدرتها على إنتاج ذاتها. إنها ذات تعيش وفق تعريفات الآخرين لها، الأسرة تحدد لها من تكون، الجماعة تحدد ما ينبغي أن تؤمن به، السلطة تحدد المقبول والمرفوض، والموروث يحدد في كثير من الأحيان ما يجوز التفكير فيه.

أما « الأنا المتمردة » فهي لحظة استعادة السؤال:

هل أنا ما يريد الآخرون أن أكون عليه، أم أن لي الحق في أن أصنع ذاتي؟.

وهذه ليست دعوة إلى الأحادية المتطرفة، وإنما إلى تأسيس علاقة صحيّة بين الفرد والجماعة، يكون فيها الانتماء اختياراً واعياً، لا إلغاءً للذات.

لا يعيش الإنسان داخل وعي فردي فقط. فهو يتأثر بالرموز والأساطير والذاكرة الجماعية والصور النمطية والمخاوف المتوارثة. وهنا تبرز أهمية مفهوم اللاوعي الجمعي في فهم المجتمعات.

فالخطاب السياسي لا يعمل دائماً من خلال الحجج العقلانية، بل يخاطب أحياناً المخاوف والرغبات والذكريات الجماعية.

وقد تستثمر الأيديولوجيا في الشعور بالخطر، أو في تمجيد الماضي، أو في خلق عدو دائم أو آني، أو في تقديم السلطة باعتبارها الحامي الوحيد للجماعة.

عندما يتكرر خطاب معين عبر المدرسة والإعلام والمنبر والخطاب السياسي، فإنه لا يبقى مجرد كلمات، بل يتحول تدريجياً إلى بنية ذهنية.

وهكذا يمكن أن تتحول الأيديولوجيا إلى نوع من « الوعي الجاهز » الذي يجيب عن الأسئلة قبل أن يطرحها الفرد. وهنا تكمن خطورتها، إذ يصبح الإنسان مقتنعاً بأنه يفكر بحرية، بينما هو في حقيقة الأمر يعيد إنتاج الأفكار التي تلقاها من البيئة المحيطة.

إن أخطر أشكال الهيمنة ليست تلك التي تجبر الإنسان على الصمت، بل تلك التي تجعله يتحدث بلغة السلطة وهو يظن أنه يتحدث بلغته الخاصة.

يعاني الفرد العربي المعاصر من توتر واضح بين حاجته إلى الانتماء وحاجته إلى الاستقلال.

فالجماعة تمنحه الهوية والأمان والشعور بالحماية، لكنها قد تتحول، عندما تصبح مطلقة، إلى قوة تحد من استقلاله.

وتظهر هذه الأزمة في الأسرة والمدرسة والعمل والسياسة والثقافة، كثيراً ما يُنظر إلى أي سؤال باعتباره خروجاً عن المألوف، وإلى النقد باعتباره عداءً، وإلى الاستقلال الفكري باعتباره تمرداً ليس مشروعاً.

والنتيجة أن الفرد قد يعيش صراعاً داخلياً بين ما يريده فعلاً وما يتوقعه الآخرون منه.

وقد يكون أكثر أشكال القهر عمقاً أن يصبح الرقيب خارج الإنسان في البداية، ثم ينتقل إلى داخله، عندها لا يحتاج المجتمع إلى مراقبته باستمرار، لأنه أصبح يراقب نفسه بنفسه.

لكن الانتماء ليس المشكلة في ذاته، فالمجتمع الإنساني لا يستطيع أن يعيش من دون روابط وقيم مشتركة، المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتماء إلى إلغاء للذات، وعندما تصبح الجماعة فوق الإنسان، لا من أجل الإنسان.

تتعدد آليات الهيمنة، وبعضها لا يبدو في ظاهره قهرياً. ومن أبرزها:

أولاً: التربية القائمة على الطاعة.

عندما يتعلم الطفل أن احترام الكبير يعني عدم مناقشته، وأن الخطأ في السؤال أخطر من الخطأ في الجواب، فإن المدرسة والأسرة قد تنتجان إنساناً يخشى التفكير المستقل.

ثانياً: تقديس السلطة.

حين تتحول السلطة السياسية أو الاجتماعية أو الثقافية إلى مرجعية غير قابلة للنقد، يصبح النقد نفسه فعلاً مشبوهاً.

ثالثاً: صناعة الخوف.

الخوف من المجتمع، ومن الفشل، ومن العزلة، ومن الاتهام بالخيانة أو الخروج عن الجماعة، يمكن أن يكون أكثر فعالية من القمع المباشر.

رابعاً: احتكار تفسير الحقيقة.

عندما تدعي مؤسسة أو جماعة أو سلطة امتلاك الحقيقة المطلقة، يصبح الاختلاف معها تهديداً وليس حقاً، وقد يكون جريمة عظمى.

خامساً: الهيمنة الثقافية.

قد تتجسد في تهميش المفكر المختلف، أو تشويه صورته، أو تجاهله، أو اتهامه بالانفصال عن المجتمع، وتهديد أمنه.

وهنا ينبغي التمييز بين القهر الخارجي والقهر الداخلي:

فالأول تفرضه السلطة.

أما الثاني فيستمر حتى بعد غياب السلطة، لأن الفرد يحمل آليات الرقابة داخل ذاته.

التمرد الفكري ليس هو رفضاً لكل شيء، وليس رغبة في الهدم من أجل الهدم، بل إنه القدرة على طرح السؤال الذي يخشى الآخرون طرحه.

إن كل تحوّل فكري كبير بدأ في لحظة تمرد على مسلمة كانت تبدو غير قابلة للنقاش، ولذلك فإن التمرد يمثل شرطاً من شروط تطور المعرفة.

لكن التمرد الحقيقي يختلف عن الفوضى، إنّ المتمرد فكرياً:

لا يرفض الحقيقة، بل يرفض احتكارها.

ولا يرفض التراث، بل يرفض تحويل التراث إلى سجن زمني.

ولا يرفض الانتماء، بل يريد انتماءً قائماً على الوعي وليس على الإكراه.

ومن هنا فإن وظيفة المثقف ليست أن يكرر ما يريده المجتمع، وإنما أن يساعد المجتمع على رؤية ما لا يريد أن يراه.

إن الأنا المتمردة تبدأ عندما يصبح الإنسان قادراً على القول:

ربما أكون مخطئاً، لكنني أريد أن أمتلك حق التفكير في خطئي.

وهذه الجملة البسيطة تحمل في أبجديتها ثورة معرفية وأخلاقية عميقة.

لا يمكن فصل أزمة الوعي عن أزمة التنمية. فالتنمية ليست طرقاً ومصانع ومشاريع اقتصادية فقط، إنها أيضاً بناء الإنسان القادر على التفكير والإبداع والمشاركة.

وقد عانت التجارب العربية من فجوة بين النموذج المعلن والواقع، فالكثير من الخطابات تحدثت عن التحديث، بينما بقيت بنى اجتماعية وسياسية وثقافية تعيد إنتاج أنماط قديمة من السلطة والتبعية المهترئة.

إن التنمية الحقيقية تبدأ من المدرسة والجامعة والإعلام ومؤسسات الثقافة، لأنها تصنع الإنسان قبل أن تصنع الاقتصاد.

والسؤال هنا ليس: كم ننتج؟.

بل أيضاً: أي إنسان نريد أن ننتج؟.

إن المجتمع الذي يريد اقتصاداً حديثاً بعقلية تخاف السؤال، قولاً واحداً، لن يستطيع تحقيق نهضة مستدامة.

والمجتمع الذي يريد التكنولوجيا لكنه يخشى حرية التفكير سيظل مستهلكاً للمعرفة لا منتجاً لها.

لذلك فإن النموذج التنموي العربي يحتاج إلى الانتقال من التركيز على تنمية الأشياء إلى تنمية الإنسان في المقام الأول، ومن بناء المؤسسات فقط إلى بناء العقل القادر على مساءلة المؤسسات.

إن الانتقال من « الأنا المقهورة » إلى « الأنا المتمردة » لا يحدث بقرار سياسي أو شعار ثقافي، بل من خلال عملية طويلة لإعادة بناء الإنسان.

وتبدأ هذه العملية من تحرير السؤال، أي أن يصبح السؤال حقاً مشروعاً، وأن يصبح الاختلاف جزءاً طبيعياً من الحياة الثقافية.

ثم تأتي إعادة بناء التربية على أساس الحوار لا التلقين، وعلى النقد لا الحفظ وحده، وعلى تنمية الشخصية المستقلة، لا صناعة النسخ المتشابهة.

ويأتي بعد ذلك تحرير الثقافة من احتكار النخب المغلقة، وإتاحة المجال للمفكرين والكتاب والمبدعين المختلفين، لأن الثقافة التي لا تسمح بالاختلاف تتحول في النهاية إلى ثقافة ميتة.

كما أن الإصلاح السياسي لا يمكن أن يكون منفصلاً عن الإصلاح النفسي، فالإنسان الذي تعود على الخضوع قد يعيد إنتاج الاستبداد حتى في المؤسسات التي يفترض أنها ديمقراطية.

ولهذا فإن التحرر الحقيقي يبدأ من الداخل، من قدرة الإنسان على التخلص من الخوف، وعلى الاعتراف بحقه في التفكير، وعلى احترام حق الآخرين في التفكير أيضاً.

إن الأنا المتمردة ليست أنا عدوانية، وإنما أنا واعية. وهي لا تقول " أنا ضد الجميع "، بل تقول: « أنا أريد أن أكون ذاتاً مستقلة داخل الجماعة، لا تابعاً ملغى داخلها ».

إن ثنائية « أنا المقهورة والأنا المتمردة » تكشف واحدة من أكثر القضايا عمقاً في أزمة الوعي العربي.

فالقهر ليس دائماً قراراً يصدر عن سلطة، بل يمكن أن يتحول إلى ثقافة وتربية وذاكرة وخوف، ثم يستقر داخل الإنسان حتى يصبح جزءاً من طريقته في التفكير وسلوكه.

لقد تشكل الوعي الإنساني عبر تاريخ طويل من الأسئلة الفلسفية حول الذات والعقل والحقيقة، وانتقلت هذه الأسئلة إلى الحضارة الإسلامية وتفاعلت مع منظومتها الفكرية والاجتماعية، ثم جاءت الفلسفة الحديثة والتحليل النفسي لتكشف أن الإنسان ليس كائناً شفافاً أمام ذاته، وأن وراء الوعي الظاهر رغبات وصراعات ومخاوف وذاكرة فردية وجماعية.

وفي السياق العربي، تزداد المسألة تعقيداً بفعل التداخل بين السلطة والموروث والأيديولوجيا والجماعة، وبفعل استمرار أنماط من التربية والثقافة تجعل الطاعة أكثر أماناً من السؤال، والانتماء أكثر قبولاً من الاستقلال، والتقليد أقل خطراً من الإبداع.

لكن " الأنا المقهورة " ليست قدراً أبدياً.

ففي داخل كل أنا مقهورة إمكانية للتمرد، وفي داخل كل خوف سؤال مؤجل، وفي داخل كل منظومة مغلقة نافذة يمكن أن يدخل منها النور.

والتمرد الذي نحتاجه ليس تمرداً على المجتمع، ولا على التاريخ، ولا على الهوية، بل هو تمرد على القهر الذي يمنع الإنسان من أن يكون إنساناً.

إنه تمرد على الخوف، وعلى احتكار الحقيقة، وعلى إلغاء الآخر، وعلى تحويل الماضي إلى سلطة دائمة على الحاضر.

إن بناء إنسان عربي واعٍ لا يبدأ فقط بتغيير الأنظمة أو القوانين، بل يبدأ بتغيير العلاقة التي يقيمها الإنسان مع ذاته، أن ينتقل من سؤال « ماذا يريدون مني؟ » إلى سؤال « ماذا أريد أنا؟ »، ومن « هل يسمحون لي أن أفكر؟ » إلى « كيف أتعلم أن أفكر؟».

وعند هذه النقطة تحديداً تولد الأنا المتمردة.

إنها لا تهدم لكي تنتصر، بل تتمرد لكي تحرر العقل، ولا ترفض الانتماء، بل تعيد تعريفه، ولا تبحث عن قطيعة مع الماضي، بل عن علاقة نقدية معه، ولا تريد إنساناً بلا جذور، وإنما تريد إنساناً يستطيع أن يعرف جذوره دون أن يتحول إلى أسير لها.

ولعل الخلاص الحقيقي للوعي العربي يبدأ حين ندرك أن أكبر معارك التحرر ليست دائماً معركة الإنسان ضد سلطة خارجية، وإنما معركته ضد السلطة التي استقرت في داخله.

عندها فقط تنتقل الذات من موقع المقهور إلى موقع الفاعل، ومن الخوف إلى السؤال، ومن التلقين إلى التفكير، ومن التبعية إلى المسؤولية، ومن « الأنا المقهورة » إلى « الأنا المتمردة ».

وهنا يبدأ الإنسان العربي في استعادة حقه الأهم:

حقه في أن يصنع وعيه بنفسه.

***

د. أنور ساطع أصفري

في الفلسفة الحديثة، يمثل نيتشه نموذجًا بارزًا للفيلسوف الذي لا يمكن فصل أفكاره عن أسلوبه. فقد كان كاتبًا وشاعرًا ذا حس موسيقي، وصاغ كتابه «هكذا تكلم زرادشت» في بنية تجمع بين النبوءة والحكمة والخطبة والرمز والمشهد الشعري..

 ولم يعرض مفاهيمه، مثل إرادة القوة والإنسان الأعلى والعود الأبدي، في صورة تعريفات مدرسية، بل جعلها أصواتًا وتجارب وصورًا ومفارقات..

لقد أدرك نيتشه أن الأسلوب ليس ثوبًا خارجيًا للفكرة، وأن طريقة القول جزء من مضمونها، فالفكرة التي تقال بنبرة تقريرية تختلف في أثرها عن الفكرة نفسها حين تصاغ في استعارة أو صرخة أو مفارقة، لذلك لم تكن ثورته في الفلسفة ثورةً على الأفكار وحدها، بل كانت ثورةً في اللغة التي تحمل الأفكار.

كما ينتمي شوبنهاور وكيركغارد إلى هذا النمط من الفلاسفة الذين جعلوا الكتابة جزءًا من التجربة الفلسفية. لقد كتب شوبنهاور نثرًا واضحًا وقويًا، وتأمل في الإرادة والألم والفن والموسيقى، ورأى في التجربة الجمالية تحررًا مؤقتًا من أسر الرغبة والمنفعة..

 بينما كيركغارد، فقد استخدم أسماء مستعارة وأصواتًا متعددة ليجعل الحقيقة علاقةً وجودية يعيشها الفرد، لا معلومةً خارجية يتلقاها ببرود.. كان كيركغارد يعرف أن الإنسان لا يتغير بمجرد أن يسمع فكرة صحيحة، بل حين يشعر بأن الفكرة تمسه في وجوده وتضعه أمام مسؤوليته واختياره وقلقه.. لذلك اقتربت كتابته من الفن الروائي والمسرحي، حيث لا تُفرض الرؤية على القارئ، بل يُدفع إلى اختبارها في داخله.

في القرن العشرين، اتخذت العلاقة بين الفلسفة والأدب شكلًا أكثر وضوحًا، ولم تتوقف العلاقة بين الفلسفة والأدب عند الحداثة الأولى، بل تجددت في الفلسفة المعاصرة بأشكال متعددة، فلاسفة كتبوا الرواية والمسرحية والشعر، وفلاسفة جعلوا من التحليل الأدبي جزءًا من مشروعاتهم النظرية، وأدباء أنتجوا أعمالًا تُقرأ بوصفها فلسفةً من غير أن ترفع شعار الفلسفة.

ففي فرنسا، مثّل جان بول سارتر وألبير كامو وسيمون دي بوفوار، نموذجًا كلاسيكيًا للفيلسوف الروائي.

لم يكتب سارتر الرواية هامشًا على الفلسفة، بل جعلها مختبرًا للحرية والاختيار والمسؤولية والنظرة والآخر.. ففي «الغثيان» يعيش القارئ تجربة الاغتراب وفقدان المعنى لا بوصفها مفهومًا، بل بوصفها إحساسًا جسديًا ونفسيًا..

أما في مسرحياته، تتحول الأفكار إلى مواقف درامية، وتصبح الحرية عبئًا أخلاقيًا لا مجرد مبدأ نظري.

في حين ألبير كامو، فقد صاغ العبث والتمرد في «الغريب» و«الطاعون» و«السقوط» من خلال شخصيات ومصائر، لا عبر محاضرات؛ إذ كان يرى أن الروائيين الكبار هم «الروائيون الفلاسفة» الذين يفكرون بالصور والمصائر لا بالمفاهيم المجردة وحدها.

ومع سيمون دي بوفوار امتد النموذج نفسه، فدرست وضع المرأة في «الجنس الآخر» بأدوات فلسفية واجتماعية وتاريخية، وكتبت الرواية والمذكرات لتختبر الحرية والأنوثة والشيخوخة والموت من الداخل.

كما مارس ميشيل فوكو وجاك دريدا وجيل دولوز وبول ريكور وألان باديو قراءةً فلسفية للأدب لم تكتفِ بالتطبيق الخارجي، بل جعلت من النص الأدبي شريكًا في إنتاج المفاهيم: ففوكو درس «ريمون روسيل» و«باتيكيو» و«سَاد» لفهم علاقة الخطاب بالسلطة والجنس؛ ودريدا فكك نصوص مَلارميه وكافكا وجويس وهولدرلين ليختبر التفكيك؛ ودولوز كتب عن بروست وكافكا وحوّل الرواية إلى آلة حربية ضد التمثيل؛ وريكور جعل السرد والهوية والذاكرة محاور فلسفية كبرى؛ وباديو قرأ بيكيت ومالرو وكافكا من موقع أنطولوجيا الحدث والحقيقة.

أما في بريطانيا، تُعد آيريس مردوخ حالة فريدة؛ فهي فيلسوفة أخلاقية بارزة (درست عند هايدجر وفيتغنشتاين) وروائية غزيرة الإنتاج (ست وعشرون رواية)، لم تفصل مردوخ بين فلسفتها ورواياتها؛ ففي أعمال مثل «البحر، البحر» و«الرأس المقطوع» و«الجرس» تستكشف الخير والوهم والحب والسلطة والذات من خلال شخصيات معقدة، وتجعل من السرد الفلسفي وسيلة لكشف تشوهات الذات وسبل التحرر منها.

وفي إيطاليا، جمع أومبرتو إيكو بين السيميائيات والفلسفة الوسطى والرواية.. فـإسم « الوردة» ليست رواية بوليسية تاريخية فحسب، بل تحقيق في الدلالة والتأويل والسلطة والمعرفة، وتُقرأ بوصفها تمارين في النظرية السيميائية والنقد الهرمنيوطيقي..

ويقدّم أنطونيو غرامشي نموذجًا مختلفًا للفيلسوف الأديب؛ فهو لم يكن منظّرًا سياسيًا وفيلسوفًا ماركسيًا فحسب، بل كان صحفيًا وكاتبًا وناقدًا أدبيًا ومسرحيًا، درس الفلسفة والتاريخ والأدب، واشتغل بالكتابة الصحفية بوصفها أداةً للتثقيف وبناء الوعي.. 

وفي «دفاتر السجن»، التي كتبها خلال اعتقاله في ظل النظام الفاشي، لم يعالج غرامشي قضايا السياسة والاقتصاد وحدها، بل تناول اللغة والأدب والمسرح والتعليم ودور المثقف والثقافة الشعبية. وقد جعل من الأدب ميدانًا للصراع على تشكيل الوعي، ورأى أن الرواية والصحافة والمسرح ليست أشكالًا جمالية منعزلة، بل مؤسسات ثقافية تسهم في إنتاج التصورات الاجتماعية وتكريس الهيمنة أو مقاومتها.

ومن أبرز مفاهيمه في هذا السياق مفهوم «المثقف العضوي»؛ فالمثقف، في نظره، ليس شخصًا يعيش بعيدًا عن المجتمع، وإنما هو فاعلٌ يعبّر عن حاجات جماعته، ويسهم في تنظيم وعيها، وصياغة رؤيتها إلى العالم. ومن هنا كان غرامشي يمارس الفلسفة في صورة تحليل ثقافي وأدبي؛ إذ لم يبحث عن الحقيقة في الكتب الفلسفية وحدها، بل سأل كيف تتشكل الحقيقة داخل اللغة، والمدرسة، والصحافة، والأدب، والعادات، والوعي الشعبي.

وعلى هذا الأساس، يمثل غرامشي شاهدًا معاصرًا على أن الفلسفة والأدب صنوان؛ فالفلسفة عنده ليست تأملًا مجردًا منفصلًا عن التاريخ، والأدب ليس زخرفة لغوية خارج صراع الأفكار. كلاهما مجال لفهم الإنسان وتكوين وعيه، ومقاومة الهيمنة الثقافية، وفتح إمكانات جديدة للحياة الاجتماعية.

 إن غرامشي أعاد وصل الفكر بالأدب والثقافة والمجتمع، مؤكدًا أن معركة الإنسان على المعنى تجري، في جانب كبير منها، داخل الكلمات والصور والحكايات.

بينما في إسبانيا، مثّل ميغيل دي أونامونو وخوسيه أورتيجا إي غاسيت، تيارًا فلسفيًا أدبيًا عميقًا، حيث كتب أونامو روايات مثل «نِيبا» و«قديسةُ الآلام» و«ضباب»، وجعل الشخصية الروائية تتمرّد على مؤلفها، في استعارة جريئة لحرية الإنسان أمام الله والقدر..

 أما أورتيجا فقد طور «فلسفة الظروف» و«العقل الحيوي» في مقالات ذات أسلوب أدبي رفيع، جعلت من المقالة الفلسفية جنسًا أدبيًا بحد ذاته.

أما في عالم الفلسفة الألماني، ترك موريس بلانشو بصمةً خاصة في تحويل الكتابة الفلسفية إلى تجربة أدبية حدية. ففي «توماس الغامض» و«موت الصوت» و«الفضاء الأدبي»، يذوب الحد بين الفلسفة والسرد، ويصبح النص نفسه موقعًا لاختفاء المعنى وظهوره، لا لنقله..

كما يمثل هانس جورج غادامير نموذجًا فلسفيًا آخر، إذ جعل التأويل والحوار واللغة جوهرًا لفهم النصوص والتجارب الإنسانية، مؤكدًا أن الأدب لا يُفهم باعتباره مادةً جامدة، بل بوصفه حدثًا يتجدد مع كل قارئ وكل سياق..

ومن النماذج المعاصرة كذلك بيتر سلوتردايك، الذي جمع بين الفلسفة والثقافة والنقد الحضاري والكتابة ذات النفس الأدبي. ففي أعماله يشتغل على موضوعات السخرية، والحداثة، والتمرين، والدين، والفضاء الحضاري، مستخدمًا أسلوبًا غنيًا بالصور والمفارقات والاستعارات..

دون أن ننسى غونتر غراس، الروائي والشاعر والكاتب المسرحي الألماني، نموذجًا للأديب الذي حمل وعيًا فلسفيًا وتاريخيًا حادًا، ففي رواياته، ولا سيما «طبلة الصفيح»، تعامل مع الذاكرة والذنب والتاريخ والنازية ومسؤولية الفرد والجماعة.. ولم يكن سرده مجرد استعادة للماضي، بل مساءلةً للطريقة التي تصنع بها الأمم ذاكرتها، وتخفي جرائمها، وتعيد كتابة تاريخها، حيث هنا تتحول الرواية إلى محكمة للوعي الجمعي، ويغدو الخيال الأدبي وسيلةً لاستنطاق التاريخ لا للهروب منه..

أما فالتر بنيامين، فهو من أوضح الشواهد على التداخل الألماني بين الفلسفة والأدب والنقد الثقافي، كونها فيلسوفًا وناقدًا أدبيًا ومترجمًا وكاتب مقالات ومهتمًا بالفن واللغة ووسائط الاتصال، كتب عن غوته وكافكا وبودلير، كما جمع في أسلوبه بين التأمل الفلسفي والصورة الأدبية وشذرة الذاكرة والمشهد الحضري، وفي أعماله عن العمل الفني في عصر الاستنساخ التقني، وعن الحكاية، وعن باريس، لم يكن الأدب موضوعًا خارجيًا للدراسة، بل كان وسيلة لفهم التحولات العميقة في الإنسان والمدينة والذاكرة والتاريخ..

 وتكشف هذه النماذج أن الثقافة الألمانية لم تفصل الفلسفة عن الأدب فصلًا نهائيًا، فمنذ نيتشه الذي جعل الفلسفة نثرًا شعريًا، وهايدغر من جعل الشعر طريقًا إلى انكشاف الوجود، وبنيامين  النقد الأدبي شكلًا من أشكال التفكير في التاريخ، وأدورنو جعل الفن مجالًا لمقاومة الهيمنة، وبلوخ جعل الأدب حاملًا لأحلام المستقبل، وغراس جعل الرواية ذاكرةً نقدية للضمير الألماني. بذلك يتأكد أن الفلسفة والأدب ليسا مجالين متجاورين فحسب، بل طريقتان متداخلتان في مساءلة الإنسان والعالم؛ فحين تضيق اللغة المفاهيمية عن احتضان التجربة، تتقدم الصورة والحكاية، وحين يهدد الأدب بأن يتحول إلى زخرفة، تعيده الفلسفة إلى عمق السؤال ومسؤولية المعنى.

(يتبع)

***

أ‌. مراد غريبي

تُعد فلسفة التربية والتعليم بمثابة الدليل الأخلاقي والمعرفي الذي يحدد مسار العملية التعليمية؛ فهي لا تكتفي بالتدقيق في "كيف نعلم"، بل تتعمق بشكل أوسع في اسئلة جوهرية تتعلق بـ "لماذا نعلم". أن مشكلة التعليم الحالي لا تتجلى في وأساليبه ومناهجه، بل تكمن في حصره لانتاج المعرفة في حفظ المعلومات وتدويرها، واهماله تحفيز التفكير النقدي الذي يؤدي الى الحكمة. وهنا ينكشف لنا أن التعليم يراوح عند ادنى مستويات "بلوم" المعرفية وهو التذكر، وفي بعض الاحيان مستوى الفهم. لذا تبرز الحاجة الى اعادة بناء فلسفة التربية والتعليم على أسس معاصرة تتعدى اسلوب التعليم البنكي القائم على الحفظ، وصولا الى بناء معرفة جديدة.

والفلسفة التربوية هي المجال الذي تتداخل فيه الأفكار النظرية بالواقع العملي، لتطرح اسئلة تخص الهدف الأسمى من وجود المؤسسة التربوية: هل هي مجرد وسيلة لإعادة إنتاج النظام الاجتماعي وتعزيز رأس المال الثقافي السائد، أم أنها مساحة للتحرر وتشكيل الوعي النقدي؟

تعد الفلسفة التربوية العنصر الأساسي الذي يعتمد عليه أي نظام تربوي في العالم؛ فهي ليست مجرد أفكار نظرية، بل تشكل الإطار الذهني الذي يحدد خصائص العملية التعليمية وأهدافها واساليبها. ومن خلالها تتبلور الإجابات حول هذه الأسئلة الرئيسية التي توجه التعليم، مثل: ما الذي يجب أن نعلمه؟ وكيف ينبغي أن نعلم؟ ولماذا نعلم؟. هذه الاسئلة الجوهرية لا يمكن الإجابة عليها دون وجود رؤية فلسفية واضحة تحدد طبيعة المعرفة والدور الذي يلعبه كل من المعلم والتلميذ في تشكيلها.

تتباين النظم التعليمية بناءً على رؤيتها ورسالتها واهدافها الفلسفية للمعرفة؛ فبعضها يعتبر أن المعرفة حقائق مطلقة ويجب على المعلم أن ينقلها للتلميذ، وهذا يتجلى بوضوح في أساليب التدريس القائمة على اسلوب التلقين. اما في الفلسفة التربوية الحديثة، تبرز رؤية متجددة للمعرفة كعملية ديناميكية مستمرة، يساهم الطالب بشكل فعال في بنائها من خلال التفاعل، والتجربة، والتفكير، ومن هنا يتحول التعلم من مجرد استهلاك المعلومات إلى عملية نشطة لإنتاج معرفة جديدة.

وتحدد فلسفة التعليم مكانة المتعلم في المنظومة التعليمية؛ فإما أن يُعتبر كأناء يملأ بالمعلومات، أو كعقل نشط يحفز على التفكير والتحليل والإبداع والانتاج. وفي النظم التربوية التقليدية، يُختزل دور المتعلم في مجرد متلق للمعلومات، مما يقيد من قدراته الذهنية العليا. بينما في الفلسفة التربوية الحديثة، يُعتبر المتعلم مركز العملية التعليمية، حيث يشجيع على طرح الأسئلة، وادارة الحوار، واستكشاف المعرفة وبنائها ذاتيا من خلال تجربته الشخصية.

وبناء على ذلك، يتحول دور المعلم من المصدر الوحيد للمعلومة إلى الموجه والميسر لعملية التعلم، وبدلاً من أن يركز على الإلقاء، أصبح يتمحور حول تصميم بيئة تعليمية تفاعلية تحفيز على التفكير النقدي، ويدعم الطلبة ليكتسبوا المعرفة بانفسهم. ويعكس هذا التحول انتقالاً جوهرياً في مفهوم التعليم وفلسفتة واهدافه.

تتباين أهداف التعليم وفقاً للفلسفة التي تعتمدها الدولة او المؤسسة؛ فبينما تركز بعض الأنظمة التربوية على النجاح في الامتحانات، تسعى مؤسسات أخرى إلى بناء شخصية قادرة على التفكير النقدي، والتحليل، وصنع القرار. إن الاقتصار على قياس النتائج المعرفية السطحية يعوّق إنتاج عقول فاعلة، فيخرج افراد يمتلكون معلومات وفيرة دون قدرة على توظيفها في المواقف الحياتية، بينما يسعى التعليم الحقيقي إلى تنمية وتطوير مهارات التفكير العليا وبناء شخصية انسان متكاملة.

ومع تقدم الوسائل التقنية، ومنها تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، أصبح من غير الممكن استخدام أساليب تعليمية تقليدية تعتمد على نقل المعلومات؛ لأنها اصبحت في متناول الجميع وبطريقة غير مسبوقة، مما يستوجب الانتقال إلى فلسفة تعليمية تركّز على كيفية استخدام هذه المعلومات المنتجة اليا، وتحليلها، والاستنتاج منها لبناء معرفة جديدة.

إن التغيير الجوهري في مجال التعليم والتعلم لا يتعلق بإدخال التكنولوجيا فحسب، بل يرتبط بتبني رؤية جديدة تركز على خلق معرفة جديدة بدلاً من مجرد اعادة استخدامها. ويتطلب ذلك إعادة تقييم المناهج الدراسية، وفلسفتها، واهدافها، وأساليب تدريسها، وطرق تقويمها؛ بحيث يتم تعزيز دور الطالب كمنتج للمعرفة لا مستهلك لها، ليصبح التعليم عملية مستمرة تهدف إلى تنمية العقل وتعزيز قدرته على التعلم الذاتي مدى الحياة.

إن مفهوم الفلسفة يجسد الاطار المرجعي الذي يقود النظام التعليمي ويحدد خصائصه ومخرجاته، فإذا كان مبني على التلقين، فإنه ينتج عقولاً تعتمد على الحفظ والتدوير، وأما إذا كان مبني على التفكير والحوار والابتكار، فإنه يساعد على بناء إنسان قادر على مواجهة تحديات العصر الحديث. لذا، فإن أي جهد لإصلاح التعليم يجب أن يبدأ أولاً بإعادة صياغة فلسفته؛ أي التحول من "اقتصاد المعرفة" الى "اقتصاد انتاج المعرفة" لتتناسب مع متطلبات القرن الحالي.

وتعمل الفلسفة التربوية المعاصرة على نقل المتعلم من مركزية الاستهلاك السلبي في "عملية تبادل المعلومات" إلى مركزية المشاركة والحوار الفعال في "خلق المعرفة". لذا، لم يعد التعليم مجرد شحن عقول بالمعلومات، بل أصبح عملية حوارية نقدية تهدف إلى تحليل المسلمات وإعادة تشكيل مفاهيم جديدة ذات معنى اجتماعي وثقافي؛ حيث يتغير دور المعلم من سلطة ناقلة إلى شريك معرفي في التفكير، مستخدماً الأسلوب السقراطي لتعزيز الوعي واكتشاف الحقائق.

إن صياغة فلسفة التربية والتعليم يستدعي النظر اليها باعتبارها مسيرة دائمة لتشكيل الهوية البشرية التي تحافظ على القيم والمبادئ الأساسية للفرد والمجتمع، وتفتح المجال للأدوات الحديثة، بهدف تحويل الفصل الدراسي من مكان للتلقين إلى بيئة خصبة لإنتاج الأفكار.

***

علاء جواد كاظم

 

لم يكن يومًا الفيلسوف عقلًا باردًا، ساكنًا في برجٍ من المفاهيم، ولا الأديب وجدانًا معزولًا، لا يعنيه من العالم إلا ما يثير الانفعال والخيال. كلاهما، في جوهر تجربته، إنسانٌ منشغل بالسؤال؛ سؤال الوجود، الحقيقة، الحرية، المصير، الجمال والمعنى. وإن اختلفا في الأدوات، فإنهما يجتمعان في الغاية: مقاومة العيش العبثي، وتحرير الوعي من أسر المألوف، وإعادة الإنسان إلى صلته العميقة بذاته والعالم.

ولعلّ في الوعي العام، من أكثر الأوهام رسوخًا، أن الفيلسوف لا يكون إلا صاحب نسقٍ منطقي وتجريدٍ مفاهيمي، وأن الأديب لا يتجاوز حدود النسق و السياق و الصورة و السرد والإيقاع والحكاية و الحبكة. بينما تاريخ الفكر يكشف أن  بين الفلسفة والأدب شعرة، و الحدود بينهما لم تكن، في تجاربها الكبرى، حواجز صلبة كما يتوهم البعض.

لا مناص أنه كان الفيلسوف أديبًا في أسلوبه أو خياله أو بنائه الحواري، وكان الأديب فيلسوفًا من حيث عمق نظرته إلى الإنسان والحياة، حتى إن لم يرفع شعار الفلسفة ولم يكتب بلغة المدارس والمصطلحات.

لقد ولدت الفلسفة، في جانب كبير من تاريخها، من رحم الحكمة والشعر والملاحم والخطابة والأسطورة. فالإنسان القديم لم يكن ينظر إلى المعرفة بوصفها جزرًا منفصلة، بل كان يتعامل مع العالم باعتباره وحدةً حية تتداخل فيها الحقيقة بالرمز، والعقل بالخيال، والتأمل بالحكاية. لذلك لم يكن انتقال الفكر من الأسطورة إلى الفلسفة قطيعةً تامة مع الأدب، بل كان تحولًا في طرائق التعبير عن الأسئلة الكبرى.

ولعل أفلاطون، مثلًا، لم يكن مجرد فيلسوف وضع نظرية في المعرفة أو السياسة، بل هو أحد كبار الكتّاب الذين عرفتهم الفلسفة. فقد صاغ أفكاره في حوارات نابضة بالحياة، وجعلها تتحرك على ألسنة شخصيات تتجادل وتراوغ وتكتشف. أما سقراط في حوارات أفلاطون، فلا يظهر مجردَ حجةٍ منطقية، بل شخصيةً دراميةً نابضةً بالحياة، تجوب أثينا وتستدرج محاوريها إلى مناطق القلق والدهشة.

وفي «المأدبة» لا تُعرض فكرة الحب في صورة تعريفٍ مجرد، بل تتشكل عبر أصوات متعددة وحكايات متباينة، قبل أن ترتقي من الجمال الحسي إلى الجمال الروحي.

ولم يكن لجوء أفلاطون إلى الأسطورة عجزًا عن البرهان، بل إدراكًا لحدود البرهان حين يتعلق الأمر بما يتجاوز التجربة المباشرة. فأسطورة الكهف، وعربة النفس، وإيروس، وأطلنطس، ليست إضافات زخرفية إلى فلسفته، بل أدوات معرفية تمنح الفكرة جسدًا رمزيًا وقدرةً على النفاذ إلى المخيلة..

هنا تتكشف حقيقة أساسية: قد تعجز العبارة المفاهيمية عن بلوغ بعض المعاني، بينما تستطيع الصورة الأدبية أن تفتح إليها طريقًا أعمق.

أما أرسطو، الذي استقر في الذاكرة بوصفه رائد المنطق والعلم و فلسفته جافة، لكنه كان أيضًا صاحب أهم دراسة قديمة في الشعر والمأساة، حيث لم يتعامل في «فن الشعر» مع الأدب بوصفه ترفًا أو محاكاة سطحية للواقع، بل بحث في الحبكة والفعل والشخصية والتطهير، وكشف عن قدرة المأساة على تمثيل الفعل الإنساني وإثارة الخوف والشفقة واستنطاق المصير.. لقد أدرك أن الأدب لا يروي الأحداث فقط، بل يكشف منطقها الإنساني، ويضع الإنسان أمام تناقضاته وحدود اختياراته.

و عبر هذا المنظور يمكن فهم هيراقليطس بوصفه فيلسوفًا شاعرًا بقدر ما هو مفكر في طبيعة التغير. فشذراته القصيرة، المشحونة بالغموض والإيحاء، لا تشبه تقريرًا علميًا باردًا، بل تقترب من الومضة الشعرية التي تختصر رؤية كاملة في صورة واحدة،  عندما يقرر أن الإنسان لا ينزل النهر نفسه مرتين، فإنه لا يقدم معلومة عن الماء فحسب، بل يضعنا أمام فلسفة في الزمن والصيرورة واستحالة الثبات.

وكذلك لم يكن بيثاغورس مجرد رياضي يبحث عن النسب العددية، بل صاحب رؤية روحية وجمالية للكون، ربطت بين العدد والموسيقى والنظام وتطهير النفس..

أما الرواقيون، من جهتهم، كتبوا فلسفتهم في صورة تأملات ورسائل وحِكَم، كما يتضح في كتابات سينيكا وماركوس أوريليوس.. إذ «التأملات» ليست بحثًا نظريًا مغلقًا، بل دفترٌ روحي يحاور فيه الإمبراطور نفسه، ويراجع ضعفه، ويستعيد صلته بالفضيلة والزمن والموت. أما سينيكا فقد جمع بين الفلسفة الأخلاقية والمأساة المسرحية، محولًا مبادئ الرواقية إلى صراعات حية بين الرغبة والقدر والسلطة والانتقام..

لكن في الحضارة الإسلامية، لم تكن الفلسفة منفصلة عن الأدب والبلاغة والشعر والتصوف والموسيقى، فقد كان العالم الواحد يشتغل في حقول متعددة، لأن المعرفة لم تكن قد انقسمت بعد إلى تخصصات مغلقة.. فالكندي، الذي يُعد أول فيلسوف عربي، كان عالمًا في الموسيقى والرياضيات والطب، وكتب في اللغة والمنطق والعلم، بما يعكس تصورًا للمعرفة يقوم على الترابط لا التجزئة.

أما الفارابي، الملقب بالمعلم الثاني، فلم يكن فيلسوفًا سياسيًا أو منطقيًا فحسب، بل اهتم بالموسيقى والشعر والخطابة والجدل،  و كتابه في الموسيقى شكل جانبًا مهمًا من رؤيته إلى الانسجام والنظام وتأثير النغم في النفس، ثم إن حديثه عن اختلاف القول الشعري عن القول البرهاني يكشف وعيًا مبكرًا بتعدد طرائق المعرفة، من غير أن يعني ذلك إلغاء قيمة أحدها لحساب الآخر. فالشعر، وإن لم يكن برهانًا، يملك قدرةً على تشكيل المخيلة وتوجيه الانفعال وبناء المواقف.

أما ابن سينا، الذي يختزله كثيرون في صورة الطبيب والفيلسوف، فقد لجأ إلى الرمز والحكاية في كتاباته الفلسفية و كان صاحب خيال رمزي وأدبي خصب، ولا سيما «رسالة الطير» و«قصة سلامان وأبسال»، كما ارتبط اسمه بقصة «حي بن يقظان» التي اتخذها ابن طفيل لاحقًا صياغةً أدبية أكثر اكتمالًا وشهرة.  و في «قصة سلامان وأبسال» تتحول قضايا النفس والمعرفة والاغتراب والخلاص إلى رحلات رمزية.. حيث النفس لا تظهر في صورة تعريف تجريدي، بل في هيئة مسافر يبحث عن موطنه، أو طائر يكتشف قيده، أو إنسان يصارع حدود الجهل والانفصال.. لقد أبدع ابن سينا ليجعل الفلسفة حركةً للوعي وتجربةً روحية، لا مجرد مجموعة من القضايا المنطقية.

وإذا كان التوحيدي أديبًا في التصنيف، فإنه مفكر وفيلسوف في طبيعة الأسئلة التي عالجها. ففي «الإمتاع والمؤانسة» و«الصداقة والصديق» يتأمل الإنسان والعلاقات والمعرفة واللغة والمجتمع، لا عبر نسقٍ مغلق، بل من خلال الحوار والخبر والمجلس والمفارقة. إنه يفكر من داخل الأدب، ويعرض الإنسان لا بوصفه مفهومًا مستقرًا، بل كائنًا يتكلم ويخطئ ويخاف ويطلب الاعتراف ويعيش التناقض بين ما يقول وما يفعل.. ومن هنا جاءت فلسفته قريبة من الحياة، لأنها لم تفصل الإنسان عن سياقه الاجتماعي والنفسي.

بينما الجاحظ، فعلى الرغم من عدم إدراجه عادةً ضمن الفلاسفة، فقد امتلك عقلًا فلسفيًا واضحًا. لقد تأمل في اللغة والعقل والطبيعة والمجتمع والعادات والحيوان والاختلاف والبيان. وكتاب «الحيوان» ليس مجرد جمعٍ لأخبار الحيوان، بل مجال للملاحظة والتجربة ونقد الأقوال، ونافذة على فهم الطبيعة والإنسان. وكانت اللغة عند الجاحظ أكثر من أداة للتعبير؛ إنها قوة في بناء الوعي وتشكيل الفكر. ولذلك يمكن اعتباره فيلسوفًا للبيان، يكتشف الأفكار من خلال احتكاكها بالواقع وحركتها داخل اللغة.

وفي الشعر العربي، يبرز المتنبي مثالًا على الشاعر الذي لا يعلن فلسفته، لكنه يمارسها في رؤيته إلى الإنسان والزمن والقوة والكرامة والمجد والموت، فقد جعل من قصيدته مسرحًا تتصارع فيه صورة الإنسان الطامح مع هشاشته، ورغبته في الخلود مع وعيه بالموت، وإرادته في المجد مع قسوة الواقع. وحين يقول:

على قدر أهل العزم تأتي العزائم

فإنه لا يصف الشجاعة فحسب، بل يصوغ تصورًا عن الصلة بين الإرادة والإنجاز. وحين يقول:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه

فإنه يضعنا أمام التوتر الأزلي بين الرغبة والواقع. وليس المطلوب أن نطلق على المتنبي لقب الفيلسوف بالمعنى المدرسي، بل أن ندرك أن الشعر قد يحمل وعيًا فلسفيًا دون أن يتحول إلى محاضرة نظرية.

ويأتي أبو العلاء المعري نموذجًا أكثر صراحة لامتزاج الأدب بالفلسفة،  شاعرًا ولغويًا وناقدًا وصاحب موقف عقلي شديد الحساسية تجاه الموروث والسلطة الاجتماعية وأوهام الناس..

في «رسالة الغفران» أنشأ عالمًا تخييليًا مركبًا جمع بين اللغة والخيال والنقد والسؤال الديني والأخلاقي، بينما تكشف «اللزوميات» عن قلق عميق تجاه الموت والمعرفة والمجتمع وطبيعة الإنسان.

لم يكن المعري مجرد شاعر متشائم، كما جرت العادة على اختزاله، بل هو شاعر السؤال الذي يرفض الطمأنينة السهلة والإجابات الجاهزة.. إنه يذكّرنا بأن الأدب الكبير لا يكتفي بتزيين الحياة، بل قد يزعزع يقيننا بها لكي يعيد بناء علاقتنا معها على أساس أكثر صدقًا!!

في حين على أعتاب تجربة ابن عربي، يصبح الشعر لغةً من لغات المعرفة والكشف. فلم يكن شعره ملحقًا عابرًا بمشروعه الصوفي، بل كان جزءًا من رؤيته إلى الوجود والحب والإنسان..

وفي تجربة ابن عربي، ولا سيما في ديوانه «ترجمان الأشواق»، يتحول الشعر إلى لغة للكشف والمعرفة؛ إذ تتداخل فيه رموز الحب الإنساني بإشارات الحب الإلهي، ويتحول الرمز إلى وسيلة لحماية المعنى من الابتذال، وفتح الدلالة على إمكانات متعددة، حيث الجمال قد يكون طريقًا إلى الحقيقة، والحقيقة قد تظهر في صورة لا يلتقطها العقل المباشر.

هنا تظهر وظيفة الأدب في أرفع صورها: فهو لا يقدم المعنى جاهزًا، بل يبقيه في حركة، والصورة الشعرية لا تغلق الدلالة، وإنما توسعها، وتتيح للقارئ أن يشارك في إنتاجها، لذلك كله كان الشعر قريبًا من التصوف؛ لأن كليهما يشتغل على ما يتجاوز العبارة المباشرة، دون أن ينفصل عن اللغة..

ولا تكتمل صورة التداخل بين الفلسفة والأدب من غير التوقف عند عبد الله بن المقفّع، الذي مثّل في الثقافة العربية الإسلامية نموذجًا مبكرًا للمفكر الأديب، حيث تجاوزت كتاباته حدود الصياغة البلاغية إلى بناء رؤية في الأخلاق والسياسة وتدبير الحكم وإصلاح الإنسان..

في «الأدب الكبير» و«الأدب الصغير» لا نجد مواعظ متفرقة فحسب، بل تصورًا متكاملًا لتربية النفس، وتهذيب السلوك، وتنظيم العلاقة بين الفرد والسلطة والمجتمع. كما أن «كليلة ودمنة»، بما يتضمنه من حكايات الحيوان والأمثال والحوار الرمزي، لم يكن كتابًا للتسلية، بل خطابًا فكريًا غير مباشر في طبيعة الحكم، وأخلاق الحاكم، ومخاطر الوشاية، وضرورة المشورة، وحدود القوة.

لقد أدرك ابن المقفّع أن الحكمة السياسية لا تبلغ أثرها دائمًا حين تُقدَّم في صورة تقرير مباشر؛ فقد تكون الحكاية أقدر على تمرير النقد، والمثل أعمق نفاذًا إلى الوعي، والرمز أكثر أمانًا في مواجهة السلطة. ولذلك جعل الأدب وسيلة للتفكير في السياسة والأخلاق، وحوّل الحيوان إلى قناع يتكلم من خلاله العقل، وتتحول القصة إلى مرآة تكشف أحوال الإنسان والدولة..

من هذه الزاوية، كان ابن المقفّع أديبًا يمارس التفكير الفلسفي في صورة حكمة عملية، لا في صورة نسق تجريدي مغلق.

و لو كان ابن المقفّع قد جعل الحكاية مجالًا للتفكير في الأخلاق والسياسة، فإن ابن حزم الأندلسي جمع بين الفقه والأصول والكلام والأدب والشعر والنقد والتاريخ، حتى غدا مثالًا واضحًا للعالم الموسوعي الذي لا يرى المعرفة حقولًا متنافرة، فهو فقيه ظاهري صاحب اجتهاد، ومتكلم ومحاجج، وأديب وشاعر، ومؤلف كتاب «طوق الحمامة في الألفة والأُلّاف»، ذلك الكتاب الذي درس الحب وأحوال المحبين وأعراض العاطفة وأسبابها من خلال الأخبار والقصص والأشعار والملاحظة والتحليل.. وقد وُصف ابن حزم، إلى جانب منزلته الفقهية والأدبية، بأنه فيلسوف؛ لما اتسم به فكره من نزوع إلى النظر العقلي والتحليل والنقد ومقاومة التقليد.

وفي «طوق الحمامة» لا يكتب ابن حزم عن الحب بوصفه انفعالًا شعريًا عابرًا، بل يعالجه باعتباره تجربة إنسانية مركبة، تتداخل فيها النفس والجسد والذاكرة والخيال واللغة والمجتمع.. إنه يراقب سلوك المحبين، ويتتبع علامات الحب وأحواله وتحولاته، ويستعين بالقصة والشعر والمثال من أجل بناء معرفة دقيقة بالطبيعة الإنسانية..

هنا يتجاور الفقيه مع الأديب والفيلسوف: فالفقيه يستحضر قيم المسؤولية والتمييز، والأديب يصوغ التجربة في لغة مؤثرة، والفيلسوف يحاول الكشف عن بنيتها ودلالتها.

ومن ثم، فإن ابن المقفّع وابن حزم يقدمان شاهدين بالغَي الدلالة على أن الأدب والفلسفة كانا صنوان في الثقافة العربية الإسلامية. فالأول مارس الفلسفة الأخلاقية والسياسية عبر الحكاية والحكمة، والثاني مارس تحليل التجربة الإنسانية من داخل الفقه والأدب والشعر. وإذا كان الفيلسوف في بعض الثقافات يكتب نسقًا مجردًا، فإن الثقافة العربية والإسلامية كثيرًا ما أودعت أسئلتها الفلسفية في كتب الأدب، والرسائل، والحِكَم، والمقامات، والقصائد، والسير، والمناظرات.

وعليه، لا يصح النظر إلى الأدب العربي والإسلامي بوصفه إنتاجًا جماليًا منفصلًا عن التفكير، ولا إلى الفلسفة بوصفها وافدًا غريبًا عن بنية الثقافة العربية..

 فمنذ ابن المقفّع والجاحظ والتوحيدي، مرورًا بالمعري وابن حزم وابن عربي، ظل العقل العربي والإسلامي يثبت أن الفكرة قد تسكن الحكاية، وأن البرهان قد يتخذ صورة قصيدة، وأن تحليل الإنسان قد يمر عبر خبر أدبي أو رسالة وجدانية..

 لقد كان الأدب عند هؤلاء ليس زخرفةً للفكر، بل طريقةً من طرائق إنتاجه، وكانت الفلسفة ليست نسقًا بعيدًا عن الحياة، بل وعيًا يتشكل في اللغة والتجربة والخيال..

(يتبع)

***

مراد غريبي

 

تكتسب العلاقة بين الحياة الموت طبيعة مفارقة فولا الموت لما كان للحياة قيمة ومعنى ولولا الحياة لما كان للموت قيمة ومعنى. فكيف يمكن ستكون الأرض لو أن كل الكائنات الحية التي ولدت فيها وعاشت ظلت حيا إلى الأبد ولم تمت؟ فكم هي الكائنات التي ولدت ونمت وعاشت وماتت على هذه الأرض ولم يعرف عنها أحد ؟ من المؤكد أن الحياة بدون موت ستختنق مع الدفعة الأول. فمن بين ثمانية ميلون نوع كائن حي ولد وعاش على هذه الأرض لم يتمكن الإنسان من اكتشاف غير مليونا واحدا فقط من الكائنات الحية التي انقرضت معظمها وتطور بعضها بحسب قانون البقاء للأصلح. من المؤكد إن الكائنات التي ولدت وماتت في هذه الدنيا هي أكثر بما لا يمكن تخيله من الكائنات الحي في كل لحظة زمنية عابرة فالموت هو الحقيقة الوحيدة المؤكدة في هذه الكون. إذ أن كل ما نعرفه يمكن أن يكون نسبيًا أو قابلًا للتغيير إلا أن الموت يظل الحقيقة المطلقة في هذا الكوكب ولا توجد وسلية ممكنة لتفادي الزوال والنسيان غير حفظ ما يمكن حفظه من الآثار في متحف التاريخ الطبيعي الذي يروي للأجيال المتعاقبة من الاحياء كل ما يبقى من ذاكرة الحياة.

حين وقفت أتأمل هيكل الماموث الضخم، بنابيه الطويلين اللذين يشبهان قرني ثور إفريقي، في مدخل متحف ناتورا دوسيه للتاريخ الطبيعي، انتابتني حالة من الدهشة والرهبة: دهشة الحياة ورهبة الموت، إذ لم يكن أمامي حيوان حي، وإنما هيكل عظمي؛ ومع ذلك شعرت أنني أقف أمام حياة كاملة كانت ذات يوم تمشي وتأكل وتتكاثر وتخاف وتبحث عن الماء والغذاء، ثم انتهت إلى هذه العظام الصامتة. عندها أدركت أن المتحف ليس مجرد مكان تُجمع فيه الأشياء القديمة والنادرة، وإنما هو ذاكرة الحياة وشاهد التاريخ؛ مكان يحاول فيه الإنسان أن ينقذ ما استطاع من النسيان.

ولعل أصل كلمة المتحف Museum تعود إلى كلمة Muse اليونانية أي ربات الفنون والمعارف التسع في الأساطير اليونانية، بنات زيوس، وكانت كل واحدة منهن مرتبطة بمجال من مجالات المعرفة والفن؛ الشعر والتاريخ والموسيقى وغيرها. ثم تطورت الكلمة لتصبح دالة على المكان الذي تُجمع فيه أشكال المعرفة والجمال، وكأن المتحف منذ ولادته الأولى كان محاولة لجمع شتات العالم في مكان واحد.

حين يتأمل كل واحد منا ذاكرته الخاصة، ماذا يجد فيها؟ يجد ركاماً هائلاً من الأحداث والمواقف والتجارب والخبرات والأشخاص والأمكنة والأزمنة؛ يجد الكلمات والصور والروائح والأصوات، والأفراح والأحزان، والآمال والخيبات، والأحلام والأوهام، وما وعيناه وما مر بنا من دون أن ننتبه إليه؛ ذاكرتنا ليست مكتبة مرتبة، ولا صيدلية مصنفة، ولا سوبرماركت موضوعاً فيه كل شيء على رف مستقل. إنها أقرب إلى محيط مضطرب، أو إعصار دائم الحركة، تتداخل فيه الأزمنة والأشياء والصور والمعاني. قد نستعيد حدثاً وقع قبل خمسين عاماً كما لو أنه حدث بالأمس، وقد نعجز عن تذكر ما تناولناه بالأمس.

وكذلك هو التاريخ ليس مستودعاً مرتباً للأحداث، بل مغامرة الذات الإنسانية عبر الزمن: من الماضي إلى الحاضر، ومن الحاضر إلى المستقبل. وكما أن ذاكرة الإنسان تقوم على التذكر والوعي والخيال، فإن التاريخ نفسه يتوزع على هذه الأبعاد الثلاثة: الماضي الذي نتذكره، والحاضر الذي نعيشه، والمستقبل الذي نتخيله.

ولعل هذا هو أحد الأسرار التي جعلت الفلاسفة يقيمون صلة عميقة بين العقل والتاريخ. فالعقل لا يعيش خارج الزمن، والتاريخ ليس مجرد سلسلة من الوقائع، وإنما هو الطريقة التي يمنح بها الإنسان معنى لما حدث وما يحدث وما يمكن أن يحدث.

وأنا أتجول في متحف ناتورا دوسيه، بين الحيوانات المحنطة والهياكل العظمية والحفريات والمعادن والعينات التي بدأ مؤسس المتحف يوهان بيرينك بجمعها منذ عام 1911، شعرت أنني لا أتجول في قاعات متحف راهن فحسب، بل في طبقات متراكمة من الزمن. هنا هيكل الماموث، وهناك بيض الديناصورات، وفي مكان آخر طيور وحيوانات نادرة من أنحاء العالم؛ طيور الجنة والرفراف وغيرها، وصولاً إلى التمساح البحري. وفي الخارج تمتد حديقة المتحف، حيث تتحول الطبيعة إلى فضاء حي للتعلم والدهشة، وتقام فيها معارض للكائنات الأسطورية والمجسمات المتحركة التي تجذب الأطفال، إذ إن كل شيء هنا يقول إن الحياة أكبر بكثير من الإنسان عمقا وافقا.

وأنا أتجول في اجنحة المتحف اذكرت حكاية الباحث الذي كرّس مختبره لجمع بقايا الكائنات الحية والحفريات، حتى تحول مختبره إلى ما يشبه متحفاً صغيراً مزدحماً بالجماجم والعظام والأجنحة والجلود والريش والقرون والأسنان، وغير ذلك من بقايا الكائنات الحية التي تم جمعها في مستودعه: كان المشهد ثرياً بالأشياء الأثرية إلى درجة الدوار وذات يوم ذهب تشارلز داروين لرؤية المتحف البيولوجي فتعجب من قدرة الرجل على جمع كل هذه الحفريات الكثيرة جداً. كان المختبر أشبه بمتحف أثري يعج بكل أنواع وأشكال جماجم وعظام الحيوانات، وأجنحة الطيور والجلود والقرون والأسنان مصنفة بأسمائها، تفاصيل تعمي البصر وتذهل البصيرة! فاندهش داروين وقال عبارته الشهيرة: "ما المغزى الأخير من كل هذه التفاصيل، وكيف يمكن إخراجها في رؤية نسقية كلية عقلانية لها معنى وتفيد المعرفة الإنسانية؟!". فكان ذلك السؤال أشبه بقدح زناد الروح الفلسفية في عقل عالم البيولوجيا الشاب داروين، فتمخض عنه كتابه المهم أصل الأنواع، وهو الكتاب الذي يصنف بوصفه إحدى الثورات العلمية في تاريخ المعرفة البشرية. وبالمثل فعل عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي في دراسته للتاريخ؛ إذ إن المؤرخين والإخباريين العرب جمعوا المادة التاريخية، ولكنه وحده الذي استخدمها ومنحها المعنى والدلالة الفكرية في مقدمته الشهيرة. وبهذا المعنى يمكن أن نفهم عبارة المَنَوِّر (أو المفكر) الفرنسي جان جاك روسو: "نحن نحتاج إلى الفلسفة لكي نرى الأشياء التي نعيشها ونشاهدها كل يوم في حياتنا"

وهنا يكمن الفرق بين الجمع والمعرفةفجمع الأشياء لا يصنع علماً بالضرورة. يمكن للإنسان أن يجمع آلاف العينات، لكنها لا تتحول إلى معرفة علمية مفيدة الا عندما يتم تصنيفها باسماءها وأنواعها وأجناسها والكشف عن العلاقات التي تربط بينها، وعن القانون الذي يحكمها، وعن المعنى الكامن وراء تنوعها وهذا ما فعله عالم البيولوجيا تشارلز داروين. فقد كان أمامه عالم هائل من التفاصيل البيولوجية، لكنه لم يكتفِ برؤيتها منفردة، بل حاول أن يبحث عن النظام الذي يربطها بعضها ببعض. ومن هذا السؤال خرجت واحدة من أعظم الثورات العلمية في تاريخ المعرفة الإنسانية: نظرية التطور والانتخاب الطبيعي التي عرضها في كتابه أصل الأنواع.

وبالمعنى نفسه، فعل عبد الرحمن بن خلدون شيئاً مشابهاً في ميدان التاريخ. كان المؤرخون والإخباريون قبله قد جمعوا أخبار الأمم والحوادث والوقائع، لكن ابن خلدون لم يكتفِ بجمع المادة التاريخية، بل سأل عن قوانين العمران والاجتماع التي تجعل الأحداث مفهومة. لقد انتقل من ذاكرة التاريخ إلى فلسفة التاريخ.

وهنا يمكننا فهم أهمية المتحف وقيمته ووظيفته فهو لم يعد مجرد مخزن داخلي تحفظ فيه الأشياء، بل أصبح فضاءً لإعادة تنظيم ما يبدو مشتتاً، وربط المادة بالمعنى، والماضي بالحاضر، والشيء بالسؤال. فالمعروض ليس مجرد قطعة ميتة خلف زجاج؛ إنه أثر لوجود سابق، يحمل قصة ومكاناً وزمناً وعلاقات بشرية وبيئية وثقافية فالأشياء المعروضة لا تعود مجرد بقايا من الماضي، وإنما تغدو موضوعات ثقافية تحمل آثار الرحلات والحروب والطقوس والهجرات والتحولات الاجتماعية. وتصبح مهمة المتحف المعاصر بناء علاقة أخلاقية مع الذاكرة، علاقة تعترف بتاريخ الاقتناء، وتكشف طبقات المعنى المخفية، وتمنح الزائر قدرة على تأمل التاريخ بدل استهلاكه بوصفه حقيقة جاهزة

وبهذا المعنى يمكن النظر إلى هياكل الحيونات المحفوظة بوصفها شاهداً على عالم كان موجوداً ثم تغير. والحفرية ليست حجراً قديماً، وإنما وثيقة كتبتها الأرض بلغتها الخاصة. والهيكل العظمي ليس مجرد عظام، بل سيرة حياة انتهت وبقي أثرها فمتحف التاريخ الطبيعي ليست مجرد مخازن لهياكل عظمية وحفريات متحجرة، بل هي فضاءات فلسفية بامتياز تطرح أسئلة عميقة حول الوجود، والزمن، ومكانة الإنسان في الكون ومستقبله المتحف بهيكله العظمية ومومياته المحنطة يذكرنا بـ الهشاشة الوجودية؛ للكائنات الحية فإذا كانت كائنات امتلكت كل ذلك الزمن والقوة قد اختفت، أفلا يكون وجود الإنسان نفسه مجرد ومضة عابرة في تاريخ كوني لا يعرف معنى الدوام؟ وهنا يتهاوى وهم المركزية البشرية التي جعلت الإنسان سيد الطبيعة ومركز الكون؛ فشجرة التطور تكشف للإنسان أنه ليس خارج الطبيعة ولا فوقها، بل غصن صغير في شجرة حياة هائلة سبقت وجوده بملايين السنين. إن المتحف يمارس بذلك نوعاً من التواضع الوجودي والمعرفي، يعيد الإنسان من عرش السيادة إلى موقع الشراكة مع بقية الكائنات. وحتى التحنيط والتجميد لا يمثلان انتصاراً على الزمن والموت، بل محاولة لحفظ أثرهما؛ فالمتحف لا يعيد الحياة إلى الكائن، وإنما يمنحه وجوداً آخر بوصفه ذاكرة وشاهداً على ما كان. وهكذا يتحول المتحف الطبيعي إلى فضاء فلسفي تتجاور فيه الحياة والموت، والوجود والفناء، والذاكرة والنسيان، ليذكّرنا بأننا لسنا ملوكاً على الحياة، وإنما عابرون في تاريخها الطويل. يذهب تيار حماة الأرض أولا ومنهم جودي باربي إلى “أن الأرض ستقوم وتنتقم وتطاردنا من فوقها” تلك الرؤية التي صدمتني حينما قرأتها قبل عشرين عاما بدأت الآن اتفهم مقاصدها الجديرة بالقيمة والأهمية والاعتبار. وهي رؤية نابعة من قلق حقيقي على مصير الأرض التي هي أم الحياة كلها ولا يحق لا كائنا من كان العبث بها وتسخيرها لمصالحة العابرة المدمرة. رؤية جماعة الأرض أولا أكدت أن الإنسان هذا الزائر الغريب الأخير هو الذي يستحق الموت قبل أن يدمر الكوكب، الإنسان نفسه وليس المجتمع الحديث فقط هو الذي سينقرض بهدوء في النهاية، تدميره المحموم لبيئته، نهبه الكوكب الأرضي، كل ذلك سوف ينتهي، وسوف تتوقف الثرثرة الجوفاء عن الحضارة الكلمة الأخيرة هي كلمة د.هـ. لورانس الذي كتب يقول: (نظر “بيركن” إلى الأرض في المساء وهو يفكر: حسن إذا تم تدمير البشرية…إذا هلك جنسنا كما حدث لـ”سدوم” وبقي هذا المساء الجميل، بالأرض النيرة والأشجار الخضراء…. فأن ذلك يكفيني… فلتمض البشرية…. حان وقتها لم تعد الإنسانية تجسد ما لا يسبر غوره… الإنسانية كتابة ميتة…. دع الإنسانية تختفي بأسرع ما يمكن”( ينظر، قاسم المحبشي، الأرض وأخر الزئرين)

وحين أغادر متحف التاريخ الطبيعي، لا أشعر أنني خرجت من مكان مليء بالحيوانات المحنطة والحفريات والهياكل العظمية، بل أشعر أنني خرجت من زمن طويل. أعود إلى الشارع وأنا أحمل في ذاكرتي صورة الماموث، لا بوصفه حيواناً انقرض منذ آلاف السنين، وإنما بوصفه سؤالاً مفتوحاً عن معنى الحياة والموت والزمن.

ربما لهذا السبب تبدو المتاحف، في جوهرها العميق، أشبه بمرايا كبيرة للوجود.

فالمتحف يقول لنا بصمت: هذه حياة كانت هنا، وهذا عالم مر من هنا، وهذه أشياء بقيت بعدما غاب أصحابها. وما دمنا نحن أيضاً عابرين في هذا العالم، فإن السؤال الذي يطرحه المتحف علينا ليس: ماذا بقي من الماضي؟ بل:ماذا سيبقى منا حين نصبح نحن أيضاً جزءاً من الماضي؟ ولعل هذا هو المعنى الأعمق للمتحف:

إنه ليس مكاناً لحفظ ما بقي من الموت، بل مكاناً لتذكير الأحياء بأنهم يعيشون في ذاكرة ستصبح يوماً ما تاريخاً.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

يفتح قرار المجلس الدستوري الفرنسي القاضي بعدم دستورية الحظر العام لشبكات التواصل الاجتماعي على من هم دون الخامسة عشرة نافذة أوسع بكثير من حدود النزاع القانوني المباشر. فالقضية في عمقها لا تتعلق فقط بسنّ الولوج إلى المنصات، ولا بحدود سلطة الدولة في حماية الأطفال، وإنما تكشف عن مسالة جوهرية تتعلق بمدى إمكانية مجتمعات مختلفة في تاريخها وثقافتها وبنيتها النفسية والأخلاقية صياغة القاعدة نفسها لعالم رقمي واحد.

 لقد دخلت البشرية الفضاء الرقمي وهي تحمل معها اختلافاتها القديمة، غير أن التكنولوجيا بدت في بدايتها كما لو أنها قادرة على محو الحدود الثقافية وصناعة فضاء كوني محايد. لكن السنوات الأخيرة كشفت العكس تماما، حيث إن الشبكة واحدة، فيما تختلف علاقتنا بها؛ والمنصة قد تكون ذاتها، لكن دلالتها الاجتماعية والنفسية والسياسية ليست واحدة في كل مكان.

ولتعزيز تصورنا، نقول إن المقاربة المقارنة هنا بين الشرق والغرب تكتسب مشروعيتها، شرط ألا تتحول إلى ثنائية تبسيطية تجعل الغرب فضاءً للحرية والشرق فضاءً للوصاية، أو تجعل الأول نموذجاً للحداثة والثاني كتلة ثقافية مغلقة. فالشرق والغرب ليسا جغرافيتين صامتتين، وإنما تاريخان مختلفان في إنتاج الفرد والأسرة والسلطة والجسد والخصوصية، والطفولة، وحتى مفهوم الحرية نفسه. 

في هذا المنحى، تكشف قضية شبكات التواصل الاجتماعي عن أحد أبرز الاختلافات الكامنة في الخلفية الفلسفية للتشريعات الرقمية. ففي التجربة الليبرالية الغربية نشأ مفهوم الحقوق حول الفرد باعتباره وحدة قانونية مستقلة، قادرا على امتلاك حقوقه في مواجهة الدولة والمجتمع والأسرة. ومن ثم فإن حماية الطفل تتقاطع بالضرورة مع الاعتراف التدريجي بطفولته كمرحلة تتمتع بحقوق مستقلة، ومع الحذر من أن تتحول الحماية إلى وصاية دائمة أو إلى مصادرة مبكرة للاستقلال الفردي. أما في كثير من المجتمعات الشرقية، فتظل الأسرة والجماعة وشبكة العلاقات الاجتماعية أكثر حضورا في تعريف الفرد لنفسه ولموقعه في العالم.

إن الطفل في هذا السياق، لا يظهر دائما بوصفه "فردا قانونيا مستقلا" فحسب، وإنما بوصفه عضوا في بنية أسرية واجتماعية وأخلاقية أوسع. ولذلك قد يُنظر إلى تدخل الأسرة في الحياة الرقمية للقاصر باعتباره امتداداً طبيعياً لمسؤوليتها التربوية، بينما قد يُقرأ التدخل ذاته في بعض التصورات الغربية باعتباره قابلا للانزلاق نحو الرقابة على الاستقلال الشخصي. وهنا تحديدا يصبح القانون الرقمي مرآة للثقافة التي أنتجته.

ربما تكمن إحدى مشكلات النقاش العالمي حول التكنولوجيا في الاعتقاد بأن المفاهيم الكبرى، مثل الحرية والخصوصية والاستقلال، تحمل المعنى نفسه في كل المجتمعات. لكن الفلسفة السياسية والاجتماعية تعلمنا أن المفاهيم لا تعيش خارج التاريخ. فالحرية في التقليد الليبرالي ارتبطت طويلا بتحرير الفرد من تدخل السلطة، بينما يمكن أن ترتبط الحرية، في سياقات ثقافية أخرى، بالقدرة على العيش داخل جماعة متماسكة تحمي الفرد وتمنحه المعنى والانتماء.  والخصوصية بدورها ليست مفهوما تقنيا محضا. ففي بعض المجتمعات الغربية، قد تكون الخصوصية تعبيرا عن سيادة الفرد على بياناته وجسده وخياراته. وفي مجتمعات أخرى، تتداخل الحدود بين الخاص والعام بفعل طبيعة الأسرة الممتدة، وقوة الروابط الاجتماعية، واختلاف تصور العلاقة بين الفرد والجماعة.  لهذا فإن استيراد التشريع الرقمي من مجتمع إلى آخر قد يكون أكثر تعقيداً من نقل نص قانوني؛ لأن ما ينتقل معه بصورة غير مرئية، هو تصور معين للإنسان.

إن قرار المجلس الدستوري الفرنسي يكشف في المقابل، عن توتر داخلي في النموذج الغربي نفسه.  فالدولة التي تريد حماية الأطفال من الإدمان الرقمي، والمحتوى العنيف، والاستغلال التجاري والتلاعب النفسي والخوارزمي، تصطدم بحدود فلسفة حقوقية بنت جزءا كبيرا من مشروعها التاريخي حول استقلال الفرد وحماية حرياته من تغول السلطة.  وهنا تظهر مفارقة شديدة الدلالة، فالخوارزمية تستطيع أن تعرف عن الطفل أكثر مما تعرفه الدولة، والمنصة تستطيع أن تؤثر في سلوكه أكثر مما تستطيع الأسرة، ومع ذلك تظل الدولة مطالبة بألا تتجاوز حدوداً دقيقة حين تحاول حمايته. إنها مفارقة العصر الرقمي، حيث السلطة الخاصة للمنصات تتضخم، فيما تظل السلطة العامة مقيدة بسياج الحقوق والحريات. ومن ثم فإن سؤال فرنسا لا يستحضر فقط كيفية حماية الطفل؟ بل أيضاً، من يحمي الطفل من المنصة، ومن يحميه من الدولة، ومن يحميه من نفسه؟.

في المقابل، قد تواجه المجتمعات الشرقية سؤالاً آخر: كيف يمكن حماية الأطفال من الاقتصاد النفسي للمنصات من دون أن تتحول الحماية إلى آلية دائمة للرقابة الاجتماعية؟  فحين تكون الأسرة أكثر حضورا، وحين تكون السلطة الأبوية أكثر رسوخا، وحين تتداخل القيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية مع المجال الخاص، يصبح خطر الانزلاق من "الحماية" إلى "الوصاية" قائما أيضا. وقد تكون المشكلة أكثر تعقيدا عندما تتولى الدولة نفسها تعريف "المحتوى الضار" أو "السلوك غير الملائم" وفق معيار أيديولوجي أو أخلاقي أحادي. ففي هذه الحالة يمكن أن تتحول حماية القاصر من مخاطر الخوارزمية إلى حماية المجتمع من الاختلاف؛ ومن حماية الطفل إلى هندسة وعيه.  وهنا ينبغي التمييز بين الحماية التي توسع قدرة الطفل على الاختيار، والحماية التي تصنع اختياراته مسبقا.

لا يعني هذا أن الشرق ينبغي أن يرفض التجربة الغربية، ولا أن الغرب مطالب باستنساخ التصورات الشرقية. المسألة أعمق من ذلك بكثير. فالمطلوب هو بناء "كونية مرنة للحقوق الرقمية"؛ كونية تعترف بوجود مبادئ إنسانية مشتركة، لكنها لا تفترض أن تنزيلها يجب أن يكون متطابقا في جميع الثقافات. فحماية الطفل من الاستغلال الرقمي ينبغي أن تكون مبدأً عابرا للحدود. وحماية خصوصيته ينبغي أن تكون حقا مشتركاً. ومنع المنصات من تحويل هشاشته النفسية إلى سلعة تجارية ينبغي أن يشكل قاعدة كونية. لكن الوسائل القانونية والتربوية والاجتماعية لتحقيق هذه الغايات ينبغي أن تترك مجالاً للاختلاف الثقافي. فالطفولة نفسها ليست تجربة بيولوجية فقط؛ إنها أيضاً بناء ثقافي ونفسي واجتماعي. والطفل الفرنسي لا يدخل العالم الرقمي بالشروط النفسية والاجتماعية نفسها التي يدخل بها الطفل المغربي أو الهندي أو الياباني أو النيجيري. لا لأن أحدهم أكثر إنسانية من الآخر، وإنما لأن معنى الأسرة والسلطة والجماعة والخصوصية والحرية يختلف من مجتمع إلى آخر. 

ربما نحتاج إلى تجاوز ثنائية "استيراد النموذج" و"رفض النموذج"، نحو بناء ما يمكن تسميته السيادة الثقافية على التشريع الرقمي.  فالسيادة في العصر الرقمي لم تعد مرتبطة فقط بالخوادم والبيانات والبنى التحتية، وإنما أصبحت مرتبطة أيضا بالقدرة على إنتاج المفاهيم التي تنظم علاقة الإنسان بالتكنولوجيا.

 من يحدد معنى الخصوصية؟ من يعرّف الضرر؟ من يقرر متى يكون الطفل ناضجا بما يكفي لاتخاذ القرار؟ ومن يملك حق مراقبة هذا النضج؟ ومن يحدد الحدود بين التربية والرقابة؟  هذه ليست أسئلة تقنية. إنها أسئلة فلسفية وسياسية وثقافية بامتياز. ولهذا فإن مستقبل التشريع الرقمي لن يحسمه صراع بين الشرق والغرب بقدر ما سيحسمه صراع أعمق بين تصورات مختلفة للإنسان، الإنسان بوصفه فردا مستقلا، والإنسان بوصفه كائنا علائقيا؛ الحرية بوصفها تحررا من التدخل، والحرية بوصفها قدرة على العيش داخل جماعة؛ الحماية بوصفها تحصينا للذات، والحماية بوصفها ممارسة للوصاية.

في النهاية، يضعنا القرار الفرنسي أمام سؤال يتجاوز فرنسا والشرق والغرب معً. فالخطر الحقيقي ليس في أن تستخدم المجتمعات التكنولوجيا بصورة مختلفة، وإنما في أن تسمح التكنولوجيا لنفسها بأن تصبح هي التي تحدد، بصورة خفية، معنى الإنسان واحتياجاته ورغباته وحدود وعيه.

 قد نختلف حول سن الولوج إلى المنصات، وحول دور الأسرة والدولة، وحول حدود الخصوصية، لكن ينبغي أن نتفق على شيء واحد، لا ينبغي أن يتحول الطفل إلى مادة خام في مختبر الخوارزمية، كما لا ينبغي أن يتحول إلى موضوع دائم للوصاية القانونية أو الثقافية.  وبين هذين الخطرين تقع المهمة الأصعب، أن نحمي الطفل من المنصة دون أن نسلمه للدولة، وأن نحميه من الدولة دون أن نتركه للسوق، وأن نحميه من السوق دون أن نصادر قدرته على أن يصبح ذاتاً مستقلة.

و ربما يكون الدرس الأعمق للمقارنة بين الشرق والغرب، أن القانون الرقمي الأكثر إنسانية ليس ذلك الذي يفرض نموذجا ثقافيا واحدا على العالم، وإنما ذلك الذي يعرف كيف يحمي الكرامة الإنسانية مع الاعتراف بأن الطريق إلى الحرية، وإلى الخصوصية، وإلى النضج، يمر عبر خرائط ثقافية ونفسية متعددة.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

يمكن قراءة مفهوم التربية الحوارية من خلال ثلاثة مستويات مترابطة وعبر تحليل كتاب "اعادة التفكير في النظرية التربوية" لأستاذ التعليم روبرت ويغريف في جامعة كامبردج البريطانية. يعيد ويغريف تعريف "التربية الحوارية" بشكل اعمق بكثير من التعريفات الشائعة – التي تختزلها في مفهوم "المناقشة الصفية" او "التعلم التعاوني". فالحوار عنده ليس مجرد اسلوب تدريس، بل هو رؤية انطولوجية لما هية التعلم، ورؤية ابستمولوجية لكيفية تشكيل المعرفة، ورؤية تربوية لكيفية تصميم التعليم.

يتصور معظم المعلمين أن التربية الحوارية هي طرح اسئلة او اجراء مناقشات او العمل في مجموعات واعطاء المتعلم فرصة للكلام، لكن ما يراه ويغريف أن هذا ليس جوهر التربية الحوارية، لان الصف الدراسي قد يكون مليئا بالحديث، ومع ذلك لا يحدث فيه حوار حقيقي، بدليل ليس كل كلام حوارا بالضرورة.

ويعرف ويغريف التربية الحوارية فلسفيا؛ أنها فلسفة تعليمية ترى أن عملية التعلم تحدث عندما يدخل الطالب في فضاء حواري مفتوح يوسع افق وعيه من خلال التفاعل مع اصوات مختلفة، بحيث تتشكل المعرفة نتيجة للحوار وليست نقطة لبدايته. اما بالمفهوم الابستمولوجي (كيف تتولد المعرفة؟)، يرى أن المعرفة لا تأتي من الكتاب وحده، ولا من المعلم وحده، ولا ايضا من عقل الطالب وحده، بل تتولد داخل فضاء بين العقول، وهذه الفكرة ماخوذة من فيجوتسكي وباختين وطورها ويغريف الى مفهوم "الفضاء الحواري". هذا الفضاء لا يعد مكانا ماديا، بل هو حالة ذهنية واجتماعية يكون فيها الطالب قادرا على رؤية العالم من اكثر من زاوية.

وبناء على ذلك، يمكن ترجمة هذا المفهوم النظري الى تطبيق عملي، باعتبار أن التربية الحوارية تعني أن المعلم لا يبدأ بتقديم اجابة، بل يبدأ بخلق شروط التفكير، لذا فأن وظيفة المعلم الحقيقية ليست شرح المعرفة، بل تصميم الموقف الحواري وادارة الاختلاف وتوسيع الاسئلة وتشجيع الاصغاء وبناء الثقة، فالمعلم هنا لا يسيطر على الحوار، بل يحميه ويوجهه.

نجد أن الهدف الحقيقي من التربية الحوارية هو توسيع الوعي لا تدريس معلومات او مجرد تنمية التفكير النقدي، وبالتالي يتمكن الطالب من رؤية العالم بطريقة جديدة لا مجرد أن يتغير لأنه عرف شيئا جديدا. فالذي يجعل الحوار التربوي حوارا حقيقيا يشترط أن توجد فيه خمسة عناصر اساسية وهي؛ الانفتاح، تعدد الاصوات، الاصغاء الحقيقي، البحث المشترك، والتحول الذي يخرج به المشاركون بفهم اعمق مما دخلوا به.

اعتقد أن رؤية ويغريف هذه تفتح بابا جديدا حول العلاقة بين التربية الحوارية والذكاء الاصطناعي، ولو طبقنا نظريته حرفيا في عصر الذكاء الاصطناعي سيكون السؤال: "كيف نجعل الذكاء الاصطناعي يوسع الفضاء الحواري دون ان يغلقه باجابات جاهزة؟".

وبناء على هذا، يمكن ان نطور تعريف ويغريف لمفهوم التربية الحوارية ليتناسب مع عصر الذكاء الاصطناعي؛ فنقول، "التربية الحوارية هي عملية تربوية تهدف الى توسيع فضاء الوعي من خلال الحوار المنظم بين الطالب والاخرين والمصادر المعرفية الاخرى، بما في ذلك انظمة الذكاء الاصطناعي، بحيث يعاد بناء المعرفة بصورة نقدية واخلاقية وتعاونية".

وفي الختام، ومن منطلق القيمة الحقيقية للحوار ليست مجرد زيادة في كمية المعلومات، بل هي في تغيير نوعية العلاقة بين الانسان والمعرفة؛ فبدلا من ان يكون مستهلكا لها، يكون مشاركا في بنائها وتطويرها. لذا، فالتربية الحوارية هي تربية تجعل التعلم عملية مستمرة لتوسيع افق الوعي من خلال الحوار المنفتح مع الاخرين، ليصبح المتعلم قادرا على اعادة تشكيل فهمه وادراكه للعالم ولذاته، والمساهمة في بناء معرفة جديدة بصورة اخلاقية ونقدية.

***

علاء جواد كاظم

في المثقف اليوم