قضايا

مقدمة: في كل عام، يُحتفل في الثامن عشر من ديسمبر باليوم العالمي للغة العربية، وهو تاريخ يعكس ليس مجرد احتفاء بلغة، بل بتراث حضاري يمتد جذوره إلى آلاف السنين. العنوان "لسان الضاد المسهاب: حال فكر الأمة المهترئة" يلخص جوهر هذا اليوم، حيث يُشار إلى اللغة العربية بلقب "لسان الضاد" لتميزها بحرف الضاد الفريد، الذي لا يوجد مثيله في لغات أخرى، ويُرى فيها "حال فكر الأمة" أي حالة أو وضع الفكر العربي الإسلامي، الذي شكلته اللغة كأداة للتعبير عن العقيدة، العلم، والثقافة والفلسفة. هذا اليوم، الذي أقرته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) رسمياً، يأتي ليذكر العالم بأهمية اللغة العربية كجسر بين الماضي والحاضر، وكعامل في تشكيل هوية الأمة العربية والإسلامية. في هذه الدراسة الأكاديمية، سنستعرض تاريخ هذا اليوم وأهميته، مع التركيز على كيفية انعكاس اللغة العربية لحال فكر الأمة، من خلال جوانب تاريخية، ثقافية، ومعاصرة، مستندين إلى التحديات والمبادرات التي تشكل مستقبلها حتى عام 2025. هذه المقاربة ليست مجرد سرد تاريخي، بل هي محاولة لفهم كيف تكون اللغة ليست أداة تواصل فحسب، بل حالة فكرية تعبر عن تطور الأمة وتحدياتها في عصر العولمة. فعماذا يتحدث لسان الضاد المسهاب عن حال فكر الأمة المهترئة؟ وكيف تمثل اللغة العربية مرآة لفكر الأمة في اليوم العالمي؟

تاريخ اليوم العالمي للغة العربية: من قرار الأمم المتحدة إلى الاحتفاء العالمي

يعود اختيار تاريخ 18 ديسمبر للاحتفال باللغة العربية إلى حدث تاريخي هام في عام 1973، عندما أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم 3190، الذي أدخل اللغة العربية كلغة رسمية سادسة في المنظمة الدولية، إلى جانب الإنجليزية، الفرنسية، الإسبانية، الروسية، والصينية.  كان هذا القرار نتيجة جهود دبلوماسية عربية مكثفة، تهدف إلى تعزيز حضور اللغة العربية في الساحة الدولية، خاصة في ظل الدور الثقافي والسياسي الذي لعبته الدول العربية في تلك الفترة. لم يكن هذا الإنجاز مجرد إجراء إداري، بل كان تأكيداً على قيمة اللغة العربية كوسيلة لنقل المعرفة والحوار بين الشعوب، وانعكاساً لحال فكر الأمة التي ساهمت في بناء الحضارة الإنسانية من خلال ترجماتها للعلوم اليونانية والفارسية إلى العربية في العصور الوسطى. مع مرور الزمن، تطور الاحتفال بهذا اليوم ليصبح مناسبة عالمية، حيث أقرت اليونسكو في عام 2010 الاحتفاء الرسمي به، مع التركيز على دور اللغة في تعزيز التنوع الثقافي والتعليم.   في السنوات اللاحقة، أصبح اليوم منصة لمناقشة قضايا مثل الحفاظ على التراث اللغوي، ودمج اللغة العربية في التكنولوجيا، ومواجهة التحديات الناتجة عن سيطرة اللغات الأجنبية في التعليم والإعلام. على سبيل المثال، في عام 2012، ركز الاحتفال على "اللغة العربية والتنمية"، مما يعكس كيف أصبحت اللغة جزءاً من خطط التنمية المستدامة للأمم المتحدة. هذا التطور التاريخي يبرز "لسان الضاد" كحال فكر الأمة، إذ أن اللغة لم تكن ثابتة، بل تطورت مع تطور الفكر العربي من عصر الجاهلية، مروراً بالعصر الإسلامي الذي جعلها لغة القرآن الكريم، إلى العصر الحديث حيث أصبحت أداة للتواصل العالمي. اليوم العالمي يذكرنا بأن اللغة العربية، التي يتحدث بها أكثر من 400 مليون شخص كلغة أم، ومليار مسلم كلغة دينية، هي ليست مجرد رموز صوتية، بل هي مخزن للفكر الفلسفي، العلمي، والأدبي الذي شكل هوية الأمة وحضارة اقرا.

دور اللغة العربية في تشكيل فكر الأمة: من التراث إلى المعاصرة

تُعتبر اللغة العربية "حال فكر الأمة" لأنها لم تكن مجرد وسيلة تواصل، بل كانت أداة لصياغة الفكر الجماعي والفردي. تاريخياً، ساهمت اللغة العربية في نقل المعارف من حضارات أخرى إلى العالم الإسلامي، كما في عصر الدولة العباسية حيث ترجمت أعمال أرسطو وأفلاطون، مما أدى إلى ازدهار الفلسفة العربية عند ابن سينا وابن رشد. هذا الدور يجعل "لسان الضاد" مرآة لفكر الأمة، إذ أن اللغة حملت مفاهيم مثل "العدل"، "الإيمان"، والـ"علم"، التي شكلت الأخلاقيات والقوانين في المجتمعات العربية والإسلامية. في العصر الحديث، أصبحت اللغة أداة لليقظة الفكرية، كما في حركة الإصلاح عند محمد عبده وجمال الدين الأفغاني، الذين استخدموا العربية لنقد الاستعمار ودعوة للحداثة دون فقدان الهوية. معاصرًا، تظهر أهمية اللغة في فكر الأمة من خلال دورها في الثورات العربية، حيث استخدمت في الشعارات والأدب الثوري لتعبير عن الرغبة في التغيير. كما أنها لغة رسمية في 25 دولة، وتُستخدم في المنظمات الدولية، مما يعزز حضورها في الفكر السياسي العالمي. ومع ذلك، يعكس حال فكر الأمة تحديات مثل تراجع استخدام العربية في التعليم العلمي، حيث يفضل الكثيرون الإنجليزية، مما يؤدي إلى انفصال بين اللغة والفكر الحديث. هنا، يأتي اليوم العالمي ليذكر بأن الحفاظ على اللغة هو حفظ لفكر الأمة، كما في مبادرات مثل "اليوم العالمي للغة العربية" الذي يشجع على دمجها في الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا لضمان استمراريتها.

بين التكلم عن معاناة الشعوب المضطهدة والنطق باسم الوجود الإنساني المغترب

تُعرف اللغة العربية بلقب "لغة الضاد"، وهو تسمية تعود إلى تفردها بحرف الضاد (ض)، الذي يُعد من أكثر الحروف صعوبة في النطق لغير الناطقين بها، مما يجعلها لغة فريدة في بنيتها الصوتية والدلالية. يرجع هذا اللقب إلى حديث نبوي يُشير إلى فصاحة العرب في نطق هذا الحرف، كما أنها اللغة الوحيدة التي تحتوي عليه بشكل أصيل.  هذه اللغة ليست مجرد أداة تواصل يومي، بل هي وعاء حضاري يحمل تاريخاً ثرياً من الأدب، الفلسفة، والتعبير عن الوجود الإنساني.

الضاد كصوت لمعاناة الشعوب المضطهدة

تاريخياً، لعبت اللغة العربية دوراً حاسماً في بناء الهوية الثقافية والحفاظ على التراث، خاصة في سياقات الاضطهاد والتهميش. تعتبر اللغة عنصراً أساسياً في تحديد هوية الشعوب، وتعكس تاريخها وثقافاتها، مما يجعلها حافظاً حياً للتراث الفكري.

 في العصور الوسطى، كانت العربية لغة العلم والفلسفة، حيث نقلت معارف ابن سينا وابن رشد، وساهمت في التواصل بين الحضارات. ومع ذلك، في العصر الحديث، واجهت اللغة تحديات مثل الإقصاء باسم عدم ملاءمتها للعلم والتقنية، مما أدى إلى تهميشها في بعض المجتمعات العربية.

في سياق معاناة الشعوب المضطهدة، أصبحت الضاد أداة للتعبير عن الظلم الاجتماعي والسياسي. على سبيل المثال، في الشعر الفلسطيني المعاصر، يستخدم شعراء مثل محمود درويش اللغة العربية لوصف الاحتلال والنكبة، حيث تتحول الكلمات إلى أسلحة مقاومة. درويش، في قصائده مثل "بطاقة هوية"، يعبر عن الاغتراب عن الأرض والوطن، لكنه يربط ذلك بمعاناة شعب مضطهد، مما يجعل اللغة جسراً بين الفردي والجماعي. كذلك، خلال الربيع العربي، استخدمت العربية في الشعارات والأغاني الثورية للتعبير عن رفض الاستبداد، كما في أشعار الشاعر التونسي أبو القاسم الشابي، الذي ألهم الثورات بقصيدته "إرادة الحياة". بالإضافة إلى ذلك، تساهم اللغة في الحفاظ على التراث الديني والشعبي، خاصة في مواجهة العولمة المتوحشة. القرآن الكريم، كمرجع لغوي، يحافظ على الفصاحة ويعزز الهوية الإسلامية، التي غالباً ما تكون مرتبطة بمعاناة الشعوب تحت الاستعمار أو الديكتاتوريات.

 في هذا السياق، تُعد القصص الشعبية مثل "ألف ليلة وليلة" تعبيراً عن معاناة الطبقات الفقيرة، حيث تكشف اللغة عن الظلم الاجتماعي من خلال الحكايات الساخرة والنقدية.

ومع ذلك، تواجه الضاد تحديات معاصرة، مثل التفكك السياسي والعولمة، التي تهدد بتهميشها. دراسة حديثة تشير إلى أن العربية تعاني من ظواهر سلبية في المجتمعات، مما ينتقص من وجودها اليومي.

 هنا، تبرز اللغة كأداة للمقاومة، حيث يستخدمها الكتاب لتوثيق معاناة الشعوب، كما في أدب السجون العربية وادب المقاومة، الذي يصف التعذيب والقمع بلغة حية تعكس الواقع المر.

الضاد كنطق للوجود الإنساني المغترب

من جهة أخرى، يتجلى دور الضاد في النطق باسم الوجود الإنساني المغترب، خاصة في الأدب العربي المعاصر الذي تأثر بالفلسفة الوجودية. يعود أدب الاغتراب إلى أفكار جان بول سارتر، الذي طرح أسئلة حول الوجود الإنساني والعدم، مما أدى إلى شعور بالقلق والحيرة.

 في الأدب العربي، يظهر الاغتراب كأزمة هوية، مرتبطة بالفقدان والانتماء، خاصة في أدب المهجر. شكل أدباء المهجر في بداية القرن العشرين، مثل جبران خليل جبران، حركة أدبية مهمة، حيث تحول الاغتراب إلى توطين ثقافي. جبران، في كتاباته مثل "النبي"، يتأمل الإنسان الباحث عن وطنه في الروح لا في الأرض، معبراً عن نزعة إنسانية عميقة.   هذا الأدب لم يسلم من تجربة المنفى، حيث شعر الشعراء بالبعد عن الوطن، مما أدى إلى تعميق الاغتراب الوجودي.

في العصر الحديث، يستمر الاغتراب مع الهجرات الناتجة عن الزلازل السياسية، كما في أعمال كتاب عرب مقيمين في أوروبا والغرب. على سبيل المثال، يصف الشاعر محمد زادة الاغتراب كظاهرة متعددة الأبعاد، حيث يؤدي إلى اندماج في الأدب المحلي مع فقدان الصفة الاغترابية.   كذلك، يشير نجم الدين سمان إلى حاجة اتحاد المبدعين لتجاوز السلبيات الموروثة من الوطن. هذا الاغتراب يتجلى في ثلاثة أبعاد: ميتافيزيقي (عن الكون)، اجتماعي (عن الجماعة)، وذاتي (عن النفس)، مما يعمق العزلة.

في الفلسفة العربية، تأثرت الضاد بأفكار الوجودية، كما في كتابات عبد الرحمن بدوي، الذي دمج الفلسفة الغربية مع التراث العربي، معبراً عن الاغتراب في ظل التقدم المادي والفقدان الروحي.

التقاطعات بين المعاناة والاغتراب

يتقاطع البعدان في الضاد كلغة تعبر عن الجماعي والفردي معاً. في أدب المهجر، مثلما عند المتنبي أو جبران، يتحول الاغتراب إلى تعبير عن معاناة شعوب مضطهدة، حيث يصبح المنفى رمزاً للقمع السياسي.  كذلك، في الشعر المعاصر، يربط الاغتراب بالهزائم العربية، مما يجعل اللغة أداة للثورة والعزلة معاً.   هذا التوازن يعزز دور الضاد في التواصل الحضاري، حيث تساهم في الاندماج بين الثقافات دون فقدان الهوية.

التحديات المعاصرة والمبادرات لتعزيز اللغة العربية

تواجه اللغة العربية في الحقبة المعاصرة تحديات تعكس حال فكر الأمة، مثل تأثير العولمة الذي يدفع نحو سيطرة اللغات الأجنبية في الإعلام والتجارة، مما يؤدي إلى تراجع استخدام العربية بين الشباب. كما أن التنوع اللهجي يشكل تحدياً في توحيد اللغة الفصحى، بالإضافة إلى نقص المحتوى الرقمي بالعربية مقارنة بالإنجليزية. هذه التحديات تجعل "لسان الضاد" حالاً لفكر الأمة الذي يعاني من التوتر بين التراث والحداثة. ومع ذلك، شهدت السنوات الأخيرة مبادرات هامة، مثل تلك التي تنظمها اليونسكو، التي تركز على دمج اللغة في التعليم والتكنولوجيا. على سبيل المثال، في عام 2023، ركز الاحتفال على "اللغة العربية والتعليم"، مع أنشطة تعليمية في المدارس لتعزيز الوعي بالتراث اللغوي. في عام 2025، يأتي الاحتفال تحت شعار "آفاق مبتكرة للغة العربية: سياسات وممارسات ترسم مستقبلاً لغوياً مستداماً"، مع فعاليات في مقر اليونسكو بباريس تركز على دور التكنولوجيا، الإعلام، والذكاء الاصطناعي في تعزيز اللغة.  هذه المبادرات تشمل ورش عمل حول تطوير تطبيقات رقمية بالعربية، ومناقشات حول سياسات التعليم اللغوي، مما يعكس جهوداً لجعل اللغة أداة للابتكار. كذلك، في الدول العربية، تنظم فعاليات مثل معارض الكتب والمسابقات الشعرية، لتعزيز الوعي باللغة كعنصر أساسي في فكر الأمة. هذه الجهود تؤكد أن اليوم العالمي ليس احتفالاً شكلياً، بل فرصة لإعادة صياغة حال فكر الأمة نحو مستقبل أكثر تماسكاً ثقافياً.

خاتمة

في النهاية، تظل الضاد لغة حية تجسد التوتر بين معاناة الشعوب المضطهدة والاغتراب الإنساني. من خلال أدبها وفلسفتها، تحافظ على التراث وتواجه التحديات، مما يجعلها أداة لليقظة. يتطلب الحفاظ عليها تعزيز تعليمها واستخدامها في التعبير عن الوجود المعاصر، لتبقى صوتاً للإنسانية في عالم متغير. في الختام، يمثل اليوم العالمي للغة العربية في 18 ديسمبر مناسبة للتأمل في "لسان الضاد" كحال فكر الأمة، حيث تعكس اللغة تطورها التاريخي، تحدياتها المعاصرة، وإمكانياتها المستقبلية. من قرار الأمم المتحدة عام 1973 إلى الاحتفالات في 2025، أصبح هذا اليوم رمزاً للحفاظ على الهوية في وجه العولمة. اللغة العربية، بغناها الدلالي والصوتي، ليست مجرد أداة، بل هي جوهر فكر الأمة الذي يحتاج إلى جهود مستمرة ليظل نابضاً. في عصرنا، مع تطور التكنولوجيا، يجب أن تكون اللغة جسراً للابتكار، مذكرة بأن مستقبل الأمة يعتمد على قدرتها على الحفاظ على لسانها كحال فكري حي. فكيف ترد اللغة العربية على التحديات الراهنة وترسم ملامح الاستراتيجيات المشتركة وتستشرف المستقبل لفكر الأمة؟

***

د. زهير الخويلدي

لَيْسَ الاستبدادُ حادثةً عابرةً في تاريخِ البَشَرِ، بَلْ بُنْيَة مُعَقَّدَة تَتكرَّر بأقنعةٍ مُختلفة، وَتُغَيِّر لُغَتَهَا دُونَ أنْ تُغيِّر جَوْهَرَها. إنَّه مَرَضُ السُّلطةِ حِينَ تنفصلُ عَن الإنسانِ، وَحِينَ يَتحوَّل الحُكْمُ مِنْ وَظيفةٍ لِخِدمةِ المُجتمعِ إلى آلَةٍ لإخضاعه.

بَيْنَ عبد الرَّحمن الكواكبي (1855 - 1902) المُفكِّر العربي الذي واجهَ الاستبدادَ مِنْ قَلْبِ الشَّرْقِ في أواخرِ القَرْنِ التاسعِ عَشَر، وَبَيْنَ جورج أورويل (1903 - 1950)، اسْمُه الحقيقي: إريك آرثر بلير، الروائي الغربي الذي حَذَّرَ مِنْ طُغيانِ الحَداثةِ السِّياسيةِ في القَرْنِ العِشْرين، تَتشكَّل خَريطةٌ فِكرية واحدة لِمَسارِ القَمْعِ، وإن اختلفت الجُغرافيا واللغةُ والأُسلوب.

الكواكبي لَمْ يَكْتُبْ عَن الاستبدادِ بِوَصْفِهِ فِكرة مُجرَّدة، بَلْ بِوَصْفِه تَجْرِبة مُعاشة. كانَ يَرى الطُّغيانَ مُتَغَلْغِلًا في تفاصيلِ الحَياةِ اليَوميةِ، في التَّعليمِ الذي يُفَرَّغُ مِنَ النَّقْدِ، في الثقافةِ حِينَ تُسْتَعْمَل أداةَ تَبريرٍ، في الاقتصادِ حِينَ يَتحوَّل إلى وسيلةِ إفقارٍ، في الأخلاقِ حِينَ تَمْدَحُ الطاعةَ العَمْيَاءَ، وَتَذُمُّ جُرْأةَ النَّقْدِ البَنَّاءِ.

في كِتاباتِه، لا يَبدو المُسْتَبِدُّ وَحْشًا أُسْطُورِيًّا، بَلْ إنسانًا عاديًّا تَضَخَّمَ ظِلُّهُ لأنَّ المُجتمعَ تَراجعَ. الاستبدادُ عِندَه عَلاقةٌ مُخْتَلَّةٌ بَيْنَ حَاكَمٍ يَخافُ شَعْبَه، وَشَعْبٍ يَخَافُ حَاكِمَه، والخَوْفُ هُوَ اللغةُ المُشترَكةُ التي تَضْبِطُ الإيقاعَ.

أورويل اختارَ طَريقَ السَّرْدِ لِيَكْشِفَ المَأساةَ نَفْسَها. في عَالَمِهِ الرِّوائيِّ، لا يَحتاجُ الطاغيةُ إلى سَوْطٍ دائم، يَكْفي أنْ يُعيدَ تَشكيلَ اللغةِ والذاكرةِ. السُّلطةُ هُنا لا تَكْتفي بالتَّحَكُّمِ في الحاضرِ، بَلْ تُعيدُ كِتابةَ الماضي لِتَصْنَعَ مُسْتَقْبَلًا بِلا مُقَاوَمَةٍ. والقَمْعُ يُصْبحُ نِظامًا فِكريًّا مُتَكَامِلًا، حَيْثُ يُرَاقَبُ الجَسَدُ،وَيُعَاد تَشكيلُ العَقْلِ، وَتُفَرَّغُ الكَلِمَاتُ مِنْ مَعْناها حتى تَفْقِدَ قُدْرَتَهَا على الاعتراضِ. وأورويل لا يَصِفُ الاستبدادَ كَما هُوَ فَقَط، بَلْ أيضًا كَما يُمكِن أنْ يَصِيرَ إذا تُرِكَ بِلا مُسَاءَلَةٍ.

الكواكبي وأورويل يَلْتقيان عِندَ نُقْطَةٍ جَوهرية: الاستبدادُ لا يَعيشُ بالقُوَّةِ وَحْدَها، بَلْ بالتَّوَاطُؤ. الكواكبي يَرى أنَّ الجَهْلَ هُوَ التُّربةُ الخِصْبَةُ للطُّغْيان، وأنَّ المُسْتَبِدَّ يَخَافُ مِنَ الشَّعْبِ الواعي. وأورويل يَذهَبُ أبْعَد، فَيُظْهِر كَيْفَ يُمكِن للوَعْيِ نَفْسِه أنْ يُخْتَرَقَ، وكَيْفَ يُصْبحُ الإنسانُ شريكًا في قَمْعِ ذَاتِه، حِينَ يَقْبَلُ الأكاذيبَ المُرِيحةَ، ويَتخلَّى عَن الأسئلةِ الصَّعْبة. في الحَالَتَيْن، الاستبدادُ لَيْسَ غَريبًا عَن المُجتمعِ، بَلْ يَخْرُجُ مِنْ هَشَاشته.

الكواكبي يَستخدمُ لُغَةً تحليلية مُبَاشِرَة أقرب إلى التَّشريحِ الاجتماعيِّ، كأنَّه يَضَعُ الاستبدادَ على طاولةِ الفَحْصِ، وَيُشرِّح أعضاءه واحدًا واحدًا: الخَوْف، الفَسَاد، تَقْديس الطاغية، تَحطيم الفَرْد.

أورويل، في المُقَابِلِ، يَتْرُكُ القارئَ يعيشُ التَّجْرِبَةَ، وَيَخْتنق معَ أبطالِه، ويَشْعُر بِثِقَلِ الرَّقَابة، وَيَرى كَيْفَ تَتحوَّل الشِّعاراتُ إلى قُيودٍ. الأوَّلُ يُخَاطِبُ العَقلَ، والثاني يُخَاطِبُ الوِجْدَانَ، لكنَّ النتيجة واحدة: كَشْف القُبْحِ المُسْتَتِرِ خَلْفَ خِطَابِ نِظَامِ الطاغيةِ.

في فِكْرِ الكواكبي، التَّحَرُّرُ يَبْدأ مِنَ الوَعْي، ويَنمو بالتَّعليم، ويَكتمِل بِكَسْرِ هَيْبَةِ المُسْتَبِدِّ الوَهْمِيِّةِ، هُوَ لا يَدعو إلى فَوضى، بَلْ إلى إعادةِ التوازنِ بَيْنَ السُّلطةِ والمُجتمعِ. أمَّا أورويل، فَيُقَدِّم تَحذيرًا قاتمًا: إنْ لَمْ يُحْمَ هذا التوازن، فإنَّ التكنولوجيا والبيروقراطية قادرتان على إنتاج طُغْيان أشد قَسْوَةً مِنْ أيِّ استبدادٍ تَقليديٍّ، هُنا يُصْبحُ الإنسانُ رَقْمًا، وَتَتحوَّل الحقيقةُ إلى قَرارٍ إداريٍّ.

رَغْمَ الفارقِ الزَّمنيِّ والثقافيِّ، فإنَّ قِراءةَ الكواكبي وأورويل معًا تَكْشِفُ أنَّ الاستبدادَ ظاهرةٌ كَوْنِيَّة، تتجاوزُ الشَّرْقَ والغَرْبَ. إنَّه يَتكيَّف معَ السِّياقِ، وَيَسْتعيرُ مِنَ الثقافةِ أدواتِها، وَمِنَ اللغةِ أقْنِعَتَهَا. مَرَّةً يَتحدَّث بِاسْمِ العاداتِ والتقاليدِ، وَمَرَّةً بِاسْمِ الأمْنِ والأمَانِ، وَمَرَّةً بِاسْمِ التَّقَدُّمِ والازدهارِ. لكنَّ جَوْهَرَه ثابتٌ: إلغاء الإنسانِ بِوَصْفِه ذَاتًا حُرَّةً.

تَفكيكُ الاستبدادِ لَيْسَ مُهِمَّةً سِيَاسِيَّةً فَقَط، بَلْ هُوَ أيضًا مَشروعٌ ثقافيٌّ طويل، يَبدأ مِنْ إعادةِ الاعتبارِ للعقلِ النَّقْدِيِّ، وَحِمايةِ اللغةِ مِنَ التَّزْييفِ، وَتَرميمِ العَلاقةِ بَيْنَ الفَرْدِ والمُجتمعِ على أساسِ الكَرامةِ لا الخَوْفِ. الكَواكبي يُوضِّح أنَّ الطُّغْيانَ يَنهارُ حِينَ يُسَمَّى بِاسْمِه، وأورويل يُذكِّر بأنَّ الصَّمْتَ عَن الكَذِبِ هُوَ أوَّلُ أشكالِ الهَزيمةِ.

بَيْنَ تَحليلِ الكواكبي وَسَرْدِ أورويل، تَتكوَّن مِرْآةٌ مُزْدَوَجَةٌ يَرى فيها القارئُ وَجْهَ الاستبدادِ بِوُضوحٍ مُخِيفٍ. مِرْآةٌ تَقُولُ إنَّ الحُرِّية لا تُمنَح، بَلْ تُبنَى، وإنَّ أخطرَ مَا في الطُّغْيانِ أنَّه يُقْنِعُ ضَحَاياه بأنَّه قَدَرٌ لا يُرَدُّ. وفي هذا الوَعْيِ تَحديدًا يَبْدأ التَّفكيكُ، وتَبْدأ أُولَى خُطُواتِ الخَلاصِ.

تَفكيكُ الاستبدادِ لَيْسَ حِكْرًا على ثقافةٍ ولا زَمَنٍ، بَلْ هُوَ هَاجِسٌ إنسانيٌّ يَتجدَّد كُلَّما تَغَيَّرَتْ أقنعةُ الطُّغْيانِ. الكواكبي، وَهُوَ يَكْتُبُ مِنْ قَلْبِ الشَّرْقِ الجَريحِ، واجهَ الاستبدادَ بِوَصْفِهِ عِلَّةً أخلاقية وفِكرية، تُفْسِدُ الدِّينَ والعقلَ والمُجتمعَ، فكانَ خِطَابُهُ مُبَاشِرًا إصلاحيًّا، يُرَاهِنُ عَلى وَعْيِ الأُمَّةِ واستعادةِ إرادتها. أمَّا أورويل، ابْنُ التَّجْرِبَةِ الغربيةِ الحديثةِ، فَقَد اختارَ طَريقَ الرَّمْزِ والتَّخْييلِ، كاشفًا كَيْفَ يَتحوَّل الاستبدادُ إلى مَنظومةٍ شاملة تُسَيْطِر على اللغةِ والذاكرةِ والحقيقةِ نَفْسِها، حَتَّى يَغْدُوَ القَمْعُ غَيْرَ مَرئيٍّ، لكنَّه أشدُّ فَتْكًا.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

أغرب ما قرأت سيرة شخصية يونانية تدعى سيكوندوس الصامت Secundus the Silent، ويصفه بعضهم بالفيلسوف الصامت. تختلط المعلومات القليلة المتاحة في المراجع حول حياة سيكوندس بما صنعه المتخيل. يقال إنه عاش في أثينا أوائل القرن الثاني الميلادي، ويرجح كونه معاصرًا للإمبراطور الروماني هادريان الذي حكم بين 117 و138 م، وقد اقترن اسمه بالصمت حتى غدا الصمت هويته الفلسفية ونمط وجوده في العالم. لا تقدم المصادر القديمة سيرة تفصيلية لحياته، إذ تحيط به طبقة كثيفة من الغموض والابهام، وما ورد عنه يرسم صورة اسطورية أو شبه اسطورية تبلورت في التراث الرهباني المسيحي المبكر، واستقرت في الذاكرة الروحية تجسيدًا للزهد المدهش ونذر الصمت. يرد ذكره في نصوص متأخرة من العصور القديمة والوسطى، خاصة في سرديات رهبان الصحراء وفلاسفة رأوا في الصمت طريقًا للحكمة، ويظهر فيها فيلسوفًا أو راهبًا اختار الصمت طريقًا للمعرفة، ورمزًا لمعنى يرى الحقيقة أعمق من أن تحاط بالكلام، ونموذجًا أخلاقيًا لا شخصية تاريخية محددة. لا تقدم المصادر أدلة موثوقة على وجوده بوصفه شخصًا بعينه، لذلك يرجح أغلب الباحثين كونه رمزًا روحيًا وأخلاقيًا، أو شخصية مركبة استلهمت من خبرات رهبان زاهدين عاشوا فعلًا، وتندرج حكايته مع أمه في الأفق الرمزي ذاته.

لم يكن سيكوندوس هو الوحيد الصامت، بل يتحدث التراث الغربي عن غيره، مثل يوحنا الصامت الذي كان راهبًا من القرن الخامس/السادس الميلادي، وولد في أرمينيا نحو سنة 454م وتوفي قرابة 558م، وكان في بداياته أسقفًا على مدينة كولونيا في أرمينيا الصغرى، ثم ترك الأسقفية سرًا هربًا من الصراعات الكنسية، واتجه إلى الحياة الرهبانية متخفيًا، متنقلًا بين فلسطين وصحراء سيناء، قبل أن يستقر في دير مار سابا قرب القدس. وتذكر سيرته كما نقلها كيرلس السكيثوبولي أنه التزم صمتًا صارمًا امتد سنوات طويلة، وتورد بعض السرديات الرهبانية أن هذا الصمت بلغ نحو خمس وعشرين سنة، بوصفه ممارسة روحية عميقة لا مجرد امتناع عن الكلام، هدفها تهذيب النفس، وبناء الذات، وانارة الوعي، والإقامة في حضور الله. وينبغي التمييز بينه وبين يوحنا الصوّام أو الصائم (John the Faster)، بطريرك القسطنطينية في القرن السادس، الذي اشتهر بالنسك والصيام ولا صلة له بنذر الصمت الطويل، إذ إن الخلط بين الشخصيتين يوقع في أخطاء تاريخية وجغرافية لا يسندها التراث الرهباني الموثوق.

تصور بعض الروايات سيكوندوس بأنه كان غارقًا في صمت أبدي، بعد إقدامه على موقف لاأخلاقي مؤلم ورط فيه أمه وتورط هو فيه، وانتهى بانتحارها، فعاقب نفسه بالصمت عن أية كلمة مهما بلغت أهميتها. تنقل هذه الروايات سبب صمته في سياق رمزي مرير، إذ كانت أمه أرملة في زمن تنظر فيه الثقافة الأثينية إلى الأرامل بوصفهن متشوقات جنسيًا، وكان اقتران ذلك بممارسة الجنس مقابل المال صادمًا للوعي الاجتماعي. لم يتوقف سيكوندوس عند ذلك، بل مضى في اختبار أخلاقي مثير، فتنكر في هيئة فيلسوف ساخر بشعر منسدل ولحية كثيفة، وعرض على أمه من دون أن تتعرف عليه ممارسة الجنس مقابل خمسين قطعة ذهبية، فجاءته الصدمة حين وافقت. تزينت له وأعدت العشاء وتناولاه معًا، وحين دخلا المضجع وسلمته جسدها، لم يقدم على شيء، وأحاطها بذراعه كما يفعل طفل بأمه، وحدق في الثديين اللذين تغذى منهما عندما كان رضيعًا، ثم استلقى حتى الصباح. عند بزوغ ضوء الفجر نهض سيكوندوس وتهيأ للخروج، غير أن أمه أمسكت به واستوقفته قائلة: لماذا امتنعت، وهل فعلت ذلك فقط من أجل إدانتي؟ فأجابها: لا يا أمي، امتنعت صونًا للمكان الذي خرجت منه إلى الحياة. فصاحت في فزع: من أنت؟ فقال: أنا سيكوندوس، ابنك. عندها عجزت الأم عن احتمال وقع الصدمة، ومع أنها لم تبلغ بفعلها حد الفاحشة في منظور ذلك المجتمع، فإن عذابها النفسي وشعورها العميق بالخجل والعار دفعاها إلى إنهاء حياتها، إذ شنقت نفسها. أما الابن فقد وعي أن ما اقترفه مع أمه لم يكن خطأ عابرًا، وإنما خطيئة لا تغتفر، فاستبد به الشعور بالذنب إزاء موتها، وقرر أن يلازم الصمت بقية حياته، طلبًا للتكفير أو استلهامًا للشرط الصارم الذي فرضته المدرسة الفيثاغورية على المبتدئين بالانخراط فيها، وهو الصمت التام خمس سنوات، غير أن سيكوندوس اختار الصمت مدى الحياة، وتحول هذا القرار إلى قدر وجودي صاغ هويته الفلسفية وأودع صمته معنى يتجاوز الكلام1.

ما وصلنا عن سيكوندوس يكشف عن اختيار واع للصمت بوصفه موقفًا أخلاقيًا وروحيًا، لا عجزًا جسديًا ولا انسحابًا مرضيًا. يروى أنه امتنع عن الكلام حتى حين استدعاه الإمبراطور وسأله عن سبب صمته، فكان الامتناع ذاته جوابًا، في إشارة إلى أن المعنى يتجلى بالفعل أعمق مما يتجلى بالقول. ينسب إلى سيكوندوس نص قصير تداولته الثقافة اللاتينية والبيزنطية لاحقًا، يعرف بتعريفات سيكوندوس، ويضم أقوالًا مكثفة تعرف الإنسان والحياة والكلام والموت والصمت تعريفًا موجزًا. المفارقة في أن هذا النص المنسوب إلى فيلسوف صامت يقوم على اقتصاد شديد في اللغة،كأن الكلمة ولدت من رحم صمت طويل. الصمت عند سيكوندوس لا ينفي العقل ولا يحتقر الكلام، وإنما يحرس المعنى من الابتذال، ويحتج على عالم يسرف في الكلام حتى يبدد الحكمة. هكذا يغدو الصمت طريقة للعيش، وموقفًا من الوجود، وفعلًا فلسفيًا قائمًا على التأمل، يمنح الفلسفة بعدًا أخلاقيًا وروحيًا عميقًا، يرى أن بعض الحقائق تفسد حين تقال، وأن الحكمة أحيانًا تسكن فيما لا يقال أكثر مما تسكن فيما يقال.

أكره هادريان Hadrian، إمبراطور روما الذي حكم بين 117 و138م، الفيلسوف الصامت على أن يكتب له إجابات عن مجموعة من الأسئلة، بعد أن أضرب سيكوندوس عن الكلام في حضرته. يئس الإمبراطور من نطقه، لم يكترث سيكوندوس حين أمر هادريان بذبحه، فاستلّ الجلاد السيف، وكان على وشك قتله، ومع ذلك ظل صامتًا لا ينطق. عندئذ تعجب هادريان من صلابة عزيمته وقوة إرادته، ونهض قائلًا: سيكوندوس، في التزامك بالصمت فرضت على نفسك نوعًا من القانون، ولم أتمكن من خرق قانونك هذا، الآن خذ هذا اللوح واكتب عليه وتحدث معي بيديك. أخذ سيكوندس اللوح وكتب قائلًا: من جهتي يا هادريان، لم أخف منك ولن أخاف بسبب الموت، لديك القدرة على قتلي، لأنك اليوم حاكم، لكن ليس لديك أية سلطة على كلامي، ولا على الكلمات التي اخترت أن أتحدث بها. قرأ هادريان هذا وقال: موقفك في الدفاع عن النفس جيد، لكن تعال وأجبني في عدد من الأمور الأخرى، لدي عشرون سؤالًا أطرحها عليك، وتوالت إجابات سيكوندوس2.

هذا هو النص الوحيد المنسوب إلى هذا الفيلسوف الغرائبي، ويقال إن ثمة دليلًا على وجود بردية تعود إلى القرن الثالث الميلادي. لا يوجد النص كاملًا إلا في مخطوطة واحدة من القرن الحادي عشر، فيما تقتصر المخطوطات اليونانية الأخرى على شيء من الأسئلة والأجوبة فقط. أحضر ويلياموس ميديكوس، الذي صار لاحقًا راهبًا في دير سان دوني، المخطوطة الكاملة من القسطنطينية إلى فرنسا عام 1167م، وترجمها إلى اللاتينية بعنوان Vita Secundi Philosophi، فانتشرت انتشارًا واسعًا، كما تكشف عنه كثرة النسخ المتداولة.

وقد أدرج فنسنت دي بوفيه نسخة مختصرة من هذه الترجمة في موسوعته الشهيرةSpeculum Historiale. بغض النظر عن الجدل حول هذه الشخصية، وكونها شخصية أسطورية، أو شبه أسطورية صاغها المتخيل عبر تركيبها من عدة شخصيات واقعية ومتخيلة، فقد أوردناها بوصفها مثالًا مدهشًا للصمت والتربية الروحية والأخلاقية الصارمة. أورد صياغة عربية لإجابات سيكوندوس على أسئلة الإمبراطور هادريان، وإن كنت أظن أن هذه الأسئلة والأحوبة مركبة من حكم معروفة في التراث الديني والثقافي الغربي والعالمي. أنقلها كما وردت في التراث المتأخر المنسوب إليه، بصيغة حكم وتأملات قصيرة، على نمط السؤال والجواب:

سأله هادريان: ما الإنسان؟ أجاب سيكوندوس: كائن يولد بلا اختيار، ويعيش بالوهم، ويموت بالضرورة. سأله هادريان: ما الحياة؟ أجاب سيكوندوس: حلم قصير، بين صرختين.

سأله هادريان: ما الموت؟ أجاب سيكوندوس: راحة لمن تعب، وخوف لمن أفرط في التعلّق.

سأله هادريان: ما الزمن؟ أجاب سيكوندوس: نهر يحمل كل شيء، ولا يحمل نفسه.

سأله هادريان: ما الصديق؟ أجاب سيكوندوس: نفس أخرى تسكن جسدًا غير جسدك.

سأله هادريان: ما العدو؟ أجاب سيكوندوس: صديق لم يعرف نفسه بعد.

سأله هادريان: ما الحكمة؟ أجاب سيكوندوس: أن تعرف مقدار جهلك، وتتصالح معه.

سأله هادريان: ما الجهل؟ أجاب سيكوندوس: أن تظن أنك وصلت.

سأله هادريان: ما الغنى؟ أجاب سيكوندوس: قلة الحاجات.

سأله هادريان: ما الفقر؟ أجاب سيكوندوس: شراهة لا تشبع.

سأله هادريان: ما الأمل؟ أجاب سيكوندوس: مرض جميل يطيل الحياة.

سأله هادريان: ما الخوف؟ أجاب سيكوندوس: ابن الجهل بالمصير.

سأله هادريان: ما السعادة؟ أجاب سيكوندوس: لحظة نسيان للذات.

سأله هادريان: ما الحزن؟ أجاب سيكوندوس: تذكّر زائد لما لا يمكن إصلاحه.

سأله هادريان: ما الصمت؟  أجاب سيكوندوس: لغة الحكماء حين تعجز الكلمات.

سأله هادريان: ما الكلام؟ أجاب سيكوندوس: ستار يخفي أكثر مما يُظهر.

سأله هادريان: ما الفيلسوف؟ أجاب سيكوندوس: من يسأل ليبقى حيًا، لا ليصل إلى جواب.

سأله هادريان: ولماذا اخترت الصمت؟ أجاب سيكوندوس: لأن أكثر الأسئلة لا تحتمل أجوبة، وأكثر الأجوبة تفسد الأسئلة.

***

د. عبد الجبار الرفاعي

.......................

1- عثمان، صلاح، "سيكوندوس: الفيلسوف الصامت! 1-2"، موقع أكاديمية بالعقل نبدأ، 2024.

2- المرجع السابق.

 

حينما نتحدث عن النقد العراقي بين المنهج والأيديولوجيا وعلاقتهما بالجغرافية والسلطة، فإننا نواجه بالسؤال المركزي الذي يتناول والوضع الثقافي الراهن وأزمة الهوية الوطنية التي تعيش مأزقا خطيرا لم تعد فيه رابطة الانتماء إلى الوطن قادرة على الصمود في وجه الولاءات الأيديولوجية والقومية والدينية والطائفية التي تمزّق النسيج الوطني وتضع مثقفنا العراقي الحالي من جديد أمام السؤال القديم الجديد:

ما العمل؟ وتعيد إلى الأذهان التهمة القدمة الجديدة الخاصة بخيانة المثقف. وهي تشكّل واحدة من أهم القضايا التي شغلت الفكر الإنساني في العصر الحديث، لأنها تمسّ جوهر العلاقة بين المعرفة والسلطة، وبين الضمير والمسؤولية الشخصية، بين الجديد الوافد والقديم الراكد. فمنذ مطلع القرن العشرين، ومع التحولات الكبرى التي شهدها العالم من حروب وأيديولوجيات وصعود للدولة الحديثة، لم يعد المثقف يُنظر إليه بوصفه مجرد كاتب أو فيلسوف أو أكاديمي، بل كفاعل أخلاقي يمتلك سلطة الكلمة والتأثير على الرأي الرأي. وعندما يتخلّى صاحب الكلمة عن دوره في خدمة الحقيقة، أو ينحاز إلى القوة على حساب الناس، أو  يكتب أشياء لاعلاقة بالواقع الاجتماعي القائم تبدأ ما يسميه المفكرون بـ الخيانة، أي انهيار الوظيفة الأخلاقية للمثقف أمام إغراءات السلطة، أو ضغط الأيديولوجيا، أو إغواء السوق.

المثقف بين الالتزام والخيانة

هكذا، يبدو المشهد الثقافي العراقي اليوم محكوماً بقدر كبير من التمزق الهوياتي الذي خلّفته عقود من الصراع والتحولات العنيفة، وهو تمزق أصاب صورة الفرد في ذاته وفي علاقته بالجماعة والذاكرة والانتماء إلى الناس، عمومِ الناس. وفي ظل هذا الواقع، تتعاظم مسؤولية الأديب، لا بوصفه صانعاً لجماليات لغوية عابرة، بل بوصفه فاعلاً ثقافياً قادراً على إعادة بناء الوعي وترميم الهوية عبر سرديات تكشف الجروح المشتركة وتعيد الإنسان إلى مركز التجربة. غير أن هذا الدور لم يكن دائماً واضحاً في الساحة النقدية العراقية، حتى بعد التغيير الذي تخلص فيه هذا المثقف من الضغط السياسي وإملاءات النظام الشمولي؛ إذ شهد النقد العراقي في العقود الأخيرة تداخلاً ملتبساً بين تبنّي المناهج الحديثة—وخاصة البنيوية وما تفرّع عنها—وبين الالتزامات الأيديولوجية التي حملها بعض النقاد في سياقات سياسية مضطربة. فقد بدا أن اللجوء إلى البنيوية، بما تقدّمه من حياد منهجي وتقنية لغوية محايدة، كان أحياناً محاولة للابتعاد عن الخطاب الأيديولوجي المباشر، لكنه أدى في الوقت ذاته إلى تحويل النص إلى بنية مغلقة منفصلة إلى حد كبير عن الإنسان والتاريخ، وإلى إقصاء التجربة الحية التي تشكّل جوهر الأدب. ومع المبالغة في التمسك بالمفاهيم البنيوية، تحوّل النقد إلى ممارسة تقنية جافة لا تلامس الأسئلة العميقة المتعلقة بالهوية والعدالة والذاكرة، مما أنتج قراءات باردة تخلو من الحرارة الشخصية الحسّ الإنساني. وهكذا وجد بعض النقاد أنفسهم في موقع الهجنة والرطانة المنهجية: يستخدمون أدوات البنيوية وصرامتها المصطلحية، لكنهم في العمق مثقلون بأسئلة الواقع التي لا يسمح المنهج بطرحها صراحة. وقد ساهم هذا التوتر في إضعاف فاعلية النقد العراقي بوصفه أداةً للوعي، وعمّق الفجوة بين النص وبيئته، مما جعل الحاجة ملحّة إلى استعادة وظيفة الأدب بوصفه خطاباً إنسانياً قادراً على مواجهة التمزق الهوياتي لا عبر التزيين البلاغي ولا المحسنات اللفظية التي تتحول في حال المبالغة إلى مقبّحات، ولا عبر التجريد البنيوي، بل عبر مساءلة الواقع والإنسان بلغة تتجاوز الزخرفة والحياد الزائف معاً وهذا هو الذي يدعونا للحديث عن الخيانة.

لقد برز مصطلح (خيانة المثقفين) لأول مرة بصورة فكرية واضحة في كتاب الفرنسي جوليان بندا  «La Trahison des Clercs خيانة المثقفين أو الانتلجسيا عام ١٩٢٧، حيث اتهم باندا مفكري أوروبا بالتخلي عن رسالتهم الإنسانية حين انجرّوا وراء النزعات القومية المتطرفة التي قادت لاحقاً إلى الحرب العالمية الثانية. رأى بندا أن المثقف الحقيقي هو الذي يعيش من أجل "القيم الخالدة" مثل العدالة والعقل والحرية، وأنّ أيَّ انحياز إلى القوة السياسية أو العسكرية يُعدّ سقوطاً أخلاقياً. لكن هذا المفهوم لم يبقَ كما هو؛ بل اتسع لاحقاً ليشمل أنماطاً جديدة من الخيانة ظهرت مع تغيّر بنية النظام في أوربا والعالم.

بعد الحرب العالمية الثانية، دخل المثقف في سياق أكثر تعقيداً. فقد انقلب العالم إلى فضاء للصراع الأيديولوجي بين الشرق والغرب، وتحوّلت الأنظمة الشمولية إلى مؤسسات ضخمة تستثمر في الفكر والدعاية. ووجد كثير من المثقفين أنفسهم جزءاً من ماكينة السلطة، إما دفاعاً عن الشيوعية أو الليبرالية أو القومية، وفي كل تيار ظهرت نماذج مثقفين يبرّرون القمع باسم الثورة، أو التقدم أو الدفاع عن الأمة..

هنا لم تعد الخيانة مجردَ انحياز سياسي، بل أصبحت تضحية بالحقيقة لصالح الأيديولوجيا، وتحوّلَ المثقف إلى موظف يزيّن خطاب السلطة بدل أن يواجهه. وقد انتقد غرامشي هذا النوع من المثقفين، مميزاً بين "المثقف التقليدي" الذي يكرر خطاب السلطة، و"المثقف العضوي" الذي يحاول إحداث وعي نقدي في المجتمع.

ومع السبعينيات وما بعدها، تغيّر شكل الخيانة مرة أخرى. فمع صعود الإعلام الجماهيري والاقتصاد الرأسمالي الجديد، تحوّلت المعرفة إلى سلعة، وصار المثقف يواجه إغراءات من نوع مختلف: الشهرة، والظهور التلفزيوني، والجوائز، والارتباط بالمؤسسات الممولة. وفي هذا السياق، لم تعد الخيانة مقتصرة على خدمة السلطة السياسية، بل ظهرت خيانة من نوع ثقافي – تجاري، حيث يستبدل المثقف العمق بالسطحية، والتحليل العلمي بالشعارات الجاهزة، والجرأة النقدية بالإرضاء والترويج، وتطييب الخواطر. وقد وصف بيير بورديو هذا التحوّل بأنه بيع للعقل في السوق الإعلامي، حيث تُختَزل المعرفة إلى رأي سريع قابل للاستهلاك، يفقد قيمته الأخلاقية والبحثية الأساسية.

ولا بدَّ أن نذكر كذلك أن سلامة النوايا والضمير الإنساني الحي لا تكفي وحدها لتبييض ساحة المثقف ما لم يرتبط عنده كلُّ ذلك بشيء من العمق في الوعي والإدراك لضرورات السياق الاجتماعي والسياسي القائم.

-  الحقبة الرقمية

ومع دخول العالم الحقبة الرقمية، اتخذت خيانة المثقف شكلاً أكثر غموضاً. فالإعلام الجديد، وشبكات التواصل، وما يسمى بـ عصر ما بعد الحقيقة، جعلت المثقف في مواجهة تحدٍّ جديد: كيف يقول الحقيقة في عالم لا يهتم بالحقيقة؟ هنا تظهر الخيانة حين يتحول المثقف إلى جزء من ضجيج المعلومات، فيتبنى الشائعة، أو يروّج خطاباً شعبوياً، أو يستخدم سلطته المعرفية لتجميل الأكاذيب أو تضليل الرأي العام. وفي هذا النوع من الخيانة لا يكون المثقف تابعاً لسلطة سياسية فقط، بل تابعاً لـ خوارزميات ترفع ما هو رائج وتقني، بدلا مما هو صادق وإنساني.

أما في العالم العربي، فقد اتخذت خيانة المثقف أبعاداً خاصة. فالأنظمة السلطوية، وتداخل الدين بالسياسة، والحروب، والصراعات الطائفية، والاقتصاد الريعي، كلها عوامل دفعت بعض المثقفين إلى أداء أدوار تتراوح بين التبرير والصمت والمشاركة المباشرة في صناعة خطاب يدعم الاستبداد. فكم من مثقف تحوّل إلى مروّج لخطاب السلطة، أو إلى شاعر يمجّد الحاكم، أو أكاديمي يستخدم المعرفة لتطويع الناس بدل تحريرهم. وتزداد الخيانة وضوحاً عندما يصمت المثقف أمام الظلم خوفاً أو طمعاً، أو حين يُسخّر علمه لتجميل واقعٍ مأزوم، أو عندما يفقد حسّه النقدي ويتحول إلى جزء من البنية التي كان يفترض أن يواجهها.

ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى مفهوم خيانة المثقف بصورة تبسيطية وواقعية تتجاوز صعوبات ما هو قائم . فالمثقف يعمل، كما نعرف في عالم مليء بالضغوط:

- رقابة

- فقر مؤسساتي،

- تهديدات،

- تشويه رقمي،

- وانهيار في البنى التربوية والأكاديمية والإعلامية.

ولذلك فإن كثيرين يرون أن المثقف المعاصر ليس خائناً بقدر ما هو ضحية منظومة أكبر. لكن هذا لا يلغي وجود نوع من الخيانة الإرادية التي تظهر حين يضحّي المثقف بواجبه الأخلاقي، ويختار الراحة أو المنفعة على حساب الحقيقة.

إن جوهر فكرة خيانة المثقف لا يتعلق بالموقف السياسي، بل بالوظيفة الأخلاقية للعقل. فالمثقف خائن عندما يتخلى عن دوره الطبيعي بوصفه ضمير المجتمع، وعندما يتحول من مقاومة الظلم إلى تبريره، ومن حماية الحقيقة إلى إخفائها، ومن الدفاع عن الإنسان إلى التحالف مع من يسحقونه. وكلما أصبحت الكلمة سلعة، والرأي أداةً، والموقف صفقة، اتسع مفهوم الخيانة، وانحسرت قيمة المثقف بوصفه حارساً للمعنى.

العالم المعاصر، بتعقيداته وقواه الهائلة، يحتاج إلى مثقف لا يكتفي بالقول بل بالمواجهة، لا يكتفي بفهم الواقع بل بفضحه، ولا يكتفي بالوعي بل بخلق وعي جديد. فما تزال وظيفة المثقف الأصيلة – رغم كل التحولات – هي الالتزام بالحقيقة في زمن يفقد فيه الناس بوصلتهم، والوقوف مع الإنسان الأعزل حين يتخلى الجميع عنه. وعندما يتخلى المثقف عن هذا الدور، فإنه لا يخون ذاته وحدها، بل يخون المجتمع بأسره

وضع المثقف العراقي الحالي

ونحن نعلم أن المجتمع العراقي يواجه في العقود الأخيرة أحدَ أشدّ أشكال الاضطراب والارتباك الثقافي وهو التصدّع الهوياتي؛ فترة انتقالية غير مستقّرة على كل الأصعدة الساسية والفكرية والأيديولوجية.  تمزق لا يصيب صورة العراقي في داخله، وانتمائه الوطني والاجتماعي، وموقعه في التاريخ الحديث. وهو لا يعود في أسابابه إلى عامل واحد، بل إلى تراكم الحروب الخارجية والأهلية، والتحولات السياسية العنيفة، وتفكّك البنى الاجتماعية التقليدية، وصراع القوميات والطوائف، وصولاً إلى التأثيرات العابرة للقوميات والمجتمعات التي أحدثتها التكنولوجيا والاقتصاد العالمي. وفي ظل هذا المشهد، لا يصبح الأدب ترفاً جمالياً، ولا مساحة للزخرفة اللفظية، بل شرطاً معرفياً وأخلاقياً لإعادة بناء الوعي.

إن مسؤولية الأديب اليوم تتجاوز إنتاج نصوص منسوبة إلى "الجميل" في حدود اللغة، إلى ممارسة دور ثقافي نقدي يُسهم في إعادة لحم العناصر المتباعدة في الهوية الوطنية ومواجهة التشظّي. فالهويات حين تتصدع لا تُرمَّم بالشعارات أو الخطابات السياسية، بل عبر سرديات قادرة على إعادة الإنسان إلى مركز التجربة، والكشف عن القواسم المشتركة التي تُنقذ المجتمع من التفكك. وهنا تتكثف وظيفة الأديب: أن يمنح المجتمع خطاباً جديداً للذات، وأن يعيد كتابة ذاكرة معاصرة ترفض الإقصاء وتمنح المختلفين مساحة ليكونوا جزءاً من الكُلّ.

هكذا، يحتاج العراق اليوم إلى أدب لا يقف عند حدود التزيين اللغوي أو المباهاة الأسلوبية، بل إلى نصوص تكشف هشاشتنا الجماعية، وتسمّي جروحنا المحلّيّة من دون خجل. فالجمال اللفظي الزائف، الذي يُزيّن الخراب بدل أن يُضيئه، يتحول إلى شكل من أشكال المشاركة في إدامة الأزمة. أما الجمال الحقيقي فهو ذاك الذي يملك الشجاعة لاقتحام المناطق المظلمة، ولتفكيك الأساطير التي تكرّس الانقسام، ولصياغة لغة تستوعب التجربة العراقية بما فيها من ألم وتمزّق، من غير أن تسقط في خطاب الكراهية أو التبرير، ولا التبسيط البعيد عن عمق الحساسية الجمالية.

إن مسؤولية الأديب، بوصفه حارساً للوعي الجمعي، تكمن في إنتاج سرديات تعيد ترتيب علاقتنا بالتاريخ وبالمدينة، وبالآخر المختلف. وهذا يتطلب من الشاعر أو الروائي أو المسرحي أن يتحرر من إغراء "التجميل البلاغي" الذي يستبدل الحقيقة بالأسلوب، الذي تلتقي فيه بعضُ المناهج النصية والأسلوبية الحديثة مع أسوء ما كان في تراثنا البلاغي من أداء لفظي وحرص على البيان والبديع الخاليين من عمق المحتوى ووجود المعنى والمضمون الإنساني. فالمطلوب في هذه المرحلة هو كيفية إيجاد أساليب أدبية مبسطة قادرة على أن تقترب من الإنسان الممزق، من اللاجئ والمهاجر، والضحية، والناجي بنفسه من المحرقة، وليس إحالته إلى رمز تجريدي، بل ليعيد إليه صوته الذي ضاع وسط ضجيج الأحداث العنيفة المتوالية . فالأدب حين يفقد حسّه الإنساني يتحول إلى صناعة لغوية لا أثر لها.

وهكذا يصبح الأديب، لا السياسي ولا الخطيب ولا الإعلامي، القادرَ على وضع المجتمع أمام مرآة صادقة، وعلى طرح أسئلة جوهرية:

كيف نرى أنفسنا بعد كل هذا الخراب؟

ما معنى أن يكون العراقي عراقياً اليوم؟

ما القيم المشتركة التي يمكن أن تجمع الأجيال الجديدة؟

هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها من دون خطاب أدبي جديد، يواجه الواقع كما هو، ويعيد للهوية دورَها بوصفها مساحة للتعايش، لا ساحة لصراع الانتماءات التي تتدخل فيها القومية والطائفة والعشيرة.

إن العراق بحاجة إلى أدب يساهم في بناء هوية مفتوحة تتجاوز الانغلاق الطائفي والقومي، وتؤسس لوعي نقدي يرى التعدد قيمة لا تهديداً. وهو دور لا  يتحقق ما لم يحمل الأديب شجاعة تجاوز النمط الاستعراضي الذي ساد زمناً طويلاً، ويستبدله بمسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع. فالأديب الحقيقي ليس من ينسج الكلمات بإتقان، بل من يملك القدرة على إعادة الإنسان إلى مركز الكتابة، وعلى تحويل النص إلى فعل مقاومة ضد التفكك، وإلى أفق جديد لإعادة بناء الذات العراقية، الأمر الذي يبعد عن هذا الأديب شبح الاتهام بالخيانة.

***

الدكتور ضياء خضير

يتأصّل الجمال في طبيعة الإنسان فاللّه قد خلق الإنسان على صورته وهو جميل يحبّ الجمال. ولذا فالإنسان ميّال بطبعه إلى عشق الجمال نزاع إلى استجوابه ومناشدته حيثما وجد في الطبيعة، وفي الكلمة وفي الأشياء، وفي الإنسان نفسه. وإذا كان الإنسان جميلاً، فإنّ الطبيعة خصّت المرأة بالجمال الّذي يندر مثيله فـي الكون، فجعلت منها آية من آياتها وسرّاً من أسرارها فإذ هي جمال يتفتّق بالجمال، ويفيض بالسحر ويعبق بالجاذبيّة، وينضب بالمعاني الجميلة. ومنذ بدء التكوين والرجل يقف مسحوراً أمام جمال المرأة وفتنتها حيث وجد فـي سحرها وجمالها ينبوع الهامة فإذ به يستوحي جمالها في بناء جمال الأشياء الّتي تجسّدت فـي الأدب والفنّ والروائع والأحداث الجسام.

 كان جمال جسد المرأة يلعب وما زال دور أساسيّاً في إيقاظ الرجل على معاني الجمال وصـوره جميع الحضارات الإنسانيّة الأولى، ومنه انتقل الفلاسفة والمفكّرون والفنّانون إلى غيره من مظاهر الجمال في الطبيعة والنفوس والمنازل والأبنية (عبد اللطيف شرارة: 72).

فالجمال والحبّ توأمان لا يقوم أحدهما مـن غير الآخر، وفي ذلك إشارة إلى ما يفعله الجمـال فـي نفوس البشر، وإلى مدى تأثيره في قلوبهم. وها هو أفلاطون نفسه لا يميّز في كتابه "المائدة " بين الحبّ والجمال؛ إذ يقول" إنّ الحبّ هو التمتّع بالجمال لأنّ فكرة الجمال هي الحقيقة السامية (أوسفلد سفارتس: علم الجنس نفسه، ص. 145).

وإذا كان الحبّ هو أساس كلّ تقدّم إنسانيّ بما يوحيه من اندفاعات وتضحيات، فإنّ الجمال هو معيّن الحبّ وملهمه. فعالم الحبّ هو عالم النفس البشريّة في جملته، ومن استطاع أن يتذوّق جماليّاته [...] كان حرّيّاً به أن يدرك أسرار النفس الإنسانيّ (شرارة: ص.11).

لقـد قـدّر لشخصيّات التاريخ العظيمة من شعراء وأدباء وفنّانين أن تدرك لمحات الجمال وأن تستشعر عظمته "فامتازوا بقدرتهم العجيبة على الحبّ وتفرّدوا بذلك اللهب الداخليّ الّذي جعلهم لا يملّون الجهد من أجل غيرهم ومن أجل العطاء والإبداع " (شراة ص.16). وكان لجمال المرأة لدى كلّ شعب طراز يصفه شعراؤه، ويتغنّى به عشّاقه، ويرسمه مصوّروه وينحت له التماثيل مثّالوه وتجهد النساء في تحقيقه (شـرارة ص. 74). ففي اليونان القديمة كان مقياس الجمال الأنثويّ عند اليونان يتمثّل فـي المرأة الممتلئة قليلاً كما يلاحظ في التماثيل والرسوم اليونانيّة (خمّاش: ص.29).

كان إحساس العاشق بجمال عشيقته في الجاهليّة يتحوّل على يد الحبّ إلى ضـرب مـن العبادة [...] وكـان العرب الجاهليّون يرون في جمال المرأة محور أحاديثهم وأداة الوحي الكبرى لشعرائهم (شرارة). وقـد وجد ديون Dion سنة 1977 أنّ جاذبيّة الوجه تعدّ نقطة الارتكاز الأولى للجاذبيّة، وأنّها تساعد صاحبها أو المتعامل معه على إقامة علاقات اجتماعيّة أكثر استدامة ووفاقاً، كما أنّ لذلك أثراً بيّنّاً في توجيه السلوك نحو مسالك لا تتّسم بالضعف والعدوانيّة.

"وتبين الدراسات الجماليّة الجارية بشكل عامّ أنّ الأفراد الأكثر جاذبيّة من ناحية الشكل يملكون في نظر من يتعاملون معهم خصائص إيجابيّة، بعكس الّذين لا يملكون هذه الجاذبيّة، فينظر إليهم على أنّهم يحملون خصائص سلبيّة" (الخشت: ص 72).

وتتعـدّد وجهات النظر في تحديد شواخص الجمال عند المرأة فهناك من ينظر إلى الجمال الأنثويّ في رشاقة الجسم وانسيابه، بينما يركّز آخرون على تناسق الوجه وبهائه، في حين يجمع البعض في نظريّتهم بين اعتبار رشاقة الجسد وبهاء الوجه. وثمّة رجال يفضّلونها ممتلئة، وآخرون يرغبون فـي الرفيعة، وهناك من تعجّبهم معتدلات الجسم، كما أنّ بعض الرجال يتوقون إلى السمراء، وآخرون إلى الشقراء، وطائفة يحبّذون البيضاء. فللجمال الجسـديّ ألوان مختلفة وأنماط متعدّدة، وتؤكّد أحدث الدراسات الّتي وقعت عليها أيدينا تنوّعاً كبيراً في نظرة الرجال إلى الجوانب الجماليّة للجسد الأنثويّ.

ويتجسّد جمال المرأة الجاهليّ في القصيدة اليتيمة الّتي تمثّل إحدى اللوحات الرائعة لجمال المرأة في منظور الثقافة الجاهليّة وهي من أقدم اللوحات الفنّيّة، إذ لم تكن أقدّمها إطلاقاً. تقول القصيدة:

بيضاء قد لبس الأديم أديم = الحسن فهو لجلدها جلـــد

ويزيّن فوديــهاً إذ حسرة = ضافــي الغدائر فاحم جعد

فالوجه مثل الصبح مبيّـض = والشعر مثل الــليل مسوّدّ

ضدّان لمّـا استجمعا حسناً = والضدّ يظهر حسنه الضــدّ

وجبينها صلّت وحاجبـــها = شخط المخط أزج ممــــتدّ

فكأنّها وسنى إذ نظـــرت = أو مـدنّف لما يفق بــعد

بفتور عين ما بـها رمـد = وبها تداوى الأعين الرمد

وتريك عرنينا به شمّـــم = أقنى وخدا لونه الـورد

وتحيل مسواك الأراك علـى = رتل كأنّ رضـــابه الشهد

والجيّد منها جيّـد جؤزرة = تعطو إذا ما طالها المردّ

وامتدّ من أعضائها قصــب = فعمّ تلته مرافــــق درد

والمعصمان فما يرى لهما = من نعمة وبضــــاضة زند

ولها بنان لو أردت لــه = عقداً بكفّك أمكن الــعقد

كأنّما سقيت ترائبــــهـا = والنحر ماء الورد إذ تبدو

وبصدرها حقّان خلّتهــمـا = كافورتين علاهما نـــــدّ

والبطن مطويّ كما طويــت = بيض الرياط يصونه الملد

وبخصرها هيف يزيّنـــــه = فإذا تنوء يكاد يتّــقـد

والتفت فخذاها وفوقهمـا = كفل بجانب خصرها نهـــد

فتيامها مثنّى إذ نهضــت = من ثقله وقعودها فـــردّ

والساق خرعبة منــــعّمة = عبلت فطوق الحجـل مـنسدّ

والكعب ادغم لا يبيّن لـه = حجم وليس لرأسه حـــــدّ

ومشت على قدمين خصرتـا = والينتا فتكامل الــعقد

ما عابها طول ولا قصر = في خلقها، فقوامها قصــد

يقـول محمّد عثمان الخشت في هذا المقام:" احتلّ جمال المرأة مكانة خاصّة في الأدب العربيّ فطالما تحدّث الشعراء والأدباء عن مفاتن المرأة وبهائها" ( الخشت: ص. 76). وقـد ربط العرب منذ وقت مبكّر بين الجوانب الجماليّة الجسديّة في الأنثى ومجالات الإبداع في الأدب، وقد بلغ ذلك التعبير حدّاً من الروعة لا يقلّ عـن التعبير الإبداعيّ لحضارات أخرى لجأت إلى أساليب متنوّعة كالنحت والسيراميك في الحضارة اليونانيّة والرومانيّة، والرسم في الحضارة الرينساس والعصر الحـديث. فضلاً عن أنّها تتعادل في دقّتها أحدث الأبحاث المعاصرة في مقاييس الجمال الأنثويّ ( الخشت: ص. 76 ).

لقـد أبدع العرب وأيّ إبداع في وصف جمال العيون إذ غالباً ما ينجذب شعراء العرب إلى حوراء العينين: (شدّة البياض والسواد، ويقال الحور اسوداد المقلة كلّها كعيون المها ( البقر الوحشيّ). وفي ذلك قال جرير:

" إنّ العيون الّتي في طرفها حور = قتلتنا ثمّ لم يحيين قتلانا"

وهناك كثرة كاسرة من النصوص الأدبيّة النثريّة الرائعة الّتي تصف جمال المرأة ومنها ما قاله الأخوان عمرو وربيعة عندما سألهما أبوهما عن صفات أحبّ النساء إليهما فقال عمرو:

الهركولة.. اللفاء (1).. الممكورة(2).. الجيداء (3)... الّتي يشفي السقيم كلامها... ويبرّئ الوهيب إلهامها، الفاترة الطرف (4) الفلّة الكفّ.. العميمة الردف.

أمّا أخوه ربيعة فقال: الفاتنة العينين.. والأسيلة الخدّين (5)... والكاعب الثديين (6)... الردّاح الوركين (7)... الشاكرة القليلة... المساعدة للحليل... الرخيمة الكلام (8).

لقـد أرسـل الحارث بـن عمرو ملك كندة امرأة يقال لها عصام إلى ابنة عـوف لكي تتعرّف على أوصافها لما أخبره البعض بكمالها وجمالها وعندما عادت استنطقها بالقول المأثور: ما وراءك يا عصام".

فقالت:" رأيت وجهاً كالمرآة المصقولة... يزيّنها شعر حالك كأذناب الخيل، إن أرسلته خلّته السلاسل، وأنّ مشطته قلت: عناقيد جلاها الوابل، وحاجبين كأنّهما خطّا بقلم أو سوداً بحمم (1)... وبينهما أنف كحدّ السيف الصنيع... حفّت به وجنتان (2) كالأرجوان (3) في بياض كالجمان (4). شقّ فيه فم كالخاتم، لذيذ المبتسم، فيه ثنايا غرّ ( بيضاء )، ذوات أشرّ ( الأشر تباعد بين الأسنان)، تقلّب فيه لسان بفصاحة وبيان، بعقل وافر وجواب حاضر، تلتقي فيه شفتان حمراوان تجلبان ريقاً كالشهد إذ ذلك.. وفي رقبة بيضاء ركبت كدمية… وعضدان ممتلئين لحماً، مكتنزين شحماً، وذراعين ليس فيهما عظم يمسّ ولا عرق يجسّ… نتأ في صدرها ثديان كرمانتين يخرقان عليها ثياباً.. تحت ذلك بطـن طويّ كطيّ القباطي المدجّنة (5).. كسي عكنا(6) كالقراطيس المدرّجة، تحيط بتلك العكن بسرة(7) كمدّهنّ (8) العاج المجلوّ.. خلف ذلك ظهر فيه كالجندول (9) ينتهي إلى خصر، لولا رحمة اللّه لا نبتر... لها كفل (10) يقعدها إذا نهضت، وينهضها إذا قعدت كأنّه دعص(11) رمل تحمله فخذان لفـا كأنّهما نضيـد الجمان (12). تحتهما ساقان خدلتان (13)، كالبردتين وشيتا (14) بشعر أسود كأنّه حلق الزرد (15).. ويحمل ذلك قدمان كحذو اللسان; فتبارك اللّه كيف تطيقان حمل ما فوقهما. وما أن سمع ملك كندة هذه الأوصاف، حتّى أرسل من يخطبها له من أبيها وتزوّج بها (الخشت: ص82-83 ).

وخلاصة القول: إنّ الحبّ عند العرب كان ينبعث ويتحرّك في النفس عن تأثير الحواسّ بجسد المرأة وإشعاعاته. وكان الجاهليّ يعجب بتحرّكات المرأة ويلمس فيها الجمال وفي هذا يقول الشنفري:

ويعجبني أن لا سقوط خمارهـا = إذا ما مشت، ولا بذات تلـفّت

كأنّ لها في الأرض نسياً تقصّه = إذا ما مشت، وإن تكلّمت تبلّت

وهذا ما يقوله الأعشى في وصف مشيتها:

غراء فرعاء، مصقول عوارضها = تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل.

كأنّ مشيتها من بيت جارتهـا = مرّ السحــــابة لا ريث ولا عجـــــل

ومن أجمل ما قيل في المرأة قول خالد صفوان في وصفه وجهه إلى أبو العبّاس السفّاح: " وحسبك من جمالها أن تكون فخمة من بعيد مليحة مـن قريب أعلاها قضيب وأسفلها كتيّب كأنّها كانت في نعمة ثمّ أصابتها فاقة فأثّر فيها الغنى وأدّبها الفقر ( عن كتاب العقد الفريد: كتاب المرجانة الثانية في النساء وصفاتها).

" وقـد ظلّت هذه الصفات الجسمانيّة في المرأة مثال إعجاب العربيّ وموضوع غزله واهتمامه إلى يومه هذا فلم يختلف بذوقه عن الجاهليّ في شيء كثير، وما زال تراثه القديم في هذه الناحية يعمل عمله في نفسه عن وعي منه وغير وعي" ( شرارة: ص. 78).

سئل أعرابيّ عن النساء، وكان ذا تجربة وعلم فقال: أفضّل النساء أطولهنّ إذ قامت، وأعظمهنّ إذ قعدت، وأصدقهنّ إذ قالت، والّتي إذا غضبت حلمت، وإذا ضحكت ابتسمت، وإذا صنعت شيئاً جوّدت، الّتي تطيع زوجها وتلزم بيتها العزيزة فـي قومها الذليلة في نفسها، الودود الولود وكلّ أمرها محمود (شرارة:ص.79).

قال عبد الملك لرجل من غطفان " صفّ لي أحسن النساء " قال " خذها يا أمير المؤمنين: ملساء القـدمين، ردحـاء الكعبين(1) مملوءة الساقين، جماء الركبتين (2) لفاء الفخذين، مقرمدة الرفغين(3)، ناعمة الإليتين، بداء الوركين، مهضومة الخصرين، ملساء المتنين، فخمة الذراعين، منيفة المأكميّتين (4)، فعمّة العضدين (5) فخمة الذراعين، رخصـة الكفّين (6) ناهدة الثديين، حمراء الخدّي، كحلاء العينين، زجاء الحاجبين(7)، لمياء الشفتين (8)، بلجاء الجبين(9)، شـماء العــرنين (10) شنباء الثغر (11) حالكة الشعر(12)غيداء العنق (13) غيداء العينين (14) مكسّرة البطن ناتئة الركب. فقال " ويحك وأنّى توجد هذه " قال " تجدها في خالص العرب أو في خالص الفرس (السنّاد: ص. 170).

قال خالد بن صفوان لأبو العبّاس السفّاح واصفاً محاسن المرأة:" إنّ منهنّ يا أمير المؤمنين الطويلة الغيداء والبضّة البيضاء والعنيقة الإدماء والدقيقة السمراء والبربريّة العجزاء ولو رأيت يا أمير المؤمنين الطويلة البيضاء والصفراء والعجزاء والسمراء واللعساء، والمولّدات البصريّات والكوفيّات ذوات الألسن العذبة، والقدود المهفهفة والأوساط المخصّرة والأصداغ المزرنفه والعيون المكحّلة والثدي المحققة. (شرارة:ص.107).

ومن بدائع وصف الحسناوات ما تسجّله قصّة ألف ليلة وليلة حيث جاء في وصف منار السنا:

" صاحبة وجه مليح وقد رجيح أسيلة الخدّ قائمة النهد دعجاء العينين ضخمة الساقين بيضاء الأسنان حلوة اللسان طريفة الشمائل كأنّها غصن مائل بديعة الصفة حمراء الشفة بعيون كحال وشفايف رقاق على خدّها الأيمن شامّة وعلى بطنها مـن تحت سـرّتها علامة ووجهها منير كالقمر مستديرة وخصرها نحيل وردفها ثقيل وريقها يشفي العليل كأنّه الكوثر والسلسبيل، وبين فخذيها تخت الخلّاقة، وهي بنت الملك الأكبر (عبداللّه بوحديبة:" الإسلام والجنس ص.196).

وقد نظر خالد بـن صفوان إلى جماعة في المسجد في البصرة فقال ما هذه الجماعة؟ قالوا امرأة تدلّ على النساء. فأتاها فقال لها: أبغي امرأة قالت: صفها لي. قال:" أريدها بكراً كثيب، أو ثيّب كبكر، حلوة من قريب فخمة من بعيد، كانت فـي نعمة، فأصابتها فاقـة، فمعها أدب النعمة، وذلّ الحاجة. فإذا اجتمعنا كنّا أهل دنيا، وإذا افترقنا كنّا أهل آخرة. قالت المرأة: لقـد أصبتها لك. قال: وأين هي. قالت: في الرفيق الأعلى من الجنّة فاعمل لها. (محمّد عثمان الخشت: ص.87)

وإذا كان العرب قـد أجادوا في وصف محاسن المرأة وأسرار جمالها فأبدعوا فـي ذلك وفجّروا عبقريّتهم الشاعريّة فإنّ ملامح هذه الصورة الجماليّة ما زالت راسخة في العمق الوجدانيّ للإنسان العربيّ. يقول بوعلي ياسين:" نلاحظ أنّ المفهوم الجماليّ لدينا نحن العرب قد تأثّر بعلاقـة المرأة بالطبيعة والحضارة، فالرجل الأسمر الّذي لوحته الشمس جميل مثلما هي جميلة المرأة ناصعة البياض الّتي لم تر الشمس وجهها. " ولا أقول إنّ المرأة العربيّة هـي الّتي اخترعت هذا الفهم الجماليّ ولكنّها فـي الأحوال كلّها تتصرّف بمقتضاه" (بوعلي ياسين ص.112).

يقول نزار قبّاني في هذا الخصوص:" الانفعال بجمال المرأة كان صحراويّاً بمعنى أنّ أمير الشعراء شوقي لم يستطع أن يتحرّر وهو في باريس وإسبانيا وجارون سيبني من رنين خلاخل البدويّات ووسمهنّ وكحلهنّ وأوتاد خيامهنّ (قبّاني: ص.22).

بهذا يتبيّن لنا أنّ الأدباء العرب القدامى وأيضاً فقهاء اللغة وقـد نظروا إلى جمال المرأة على أسس تكامليّة بين جميع أعضاء الجسد ومكوّناته. وهذا يظهر وجه التشابه بينهم وبين نظرة اليونان إلى الجمال الأنثويّ، وإن كان كلّ منهم يلجأ إلى شكل مختلف من أشكال التعبير الفنّيّ. فإذا كان العربيّ القديم يلجأ إلى رسم لوحة شعريّة بالكلمات للأنثى الجميلة، فإنّ اليونانيّ القديم كان يلجأ إلى فنّ النحت، فينحت تمثالاً لـ (فينوس) يضع فيه أجمل وأروع ما رأته عيناه أو خطر بخياله مـن صفات الحسناوات.

تؤكّـد أحـدث الدراسـات عـلى أنّ العـامل الجسـديّ الشـكليّ هو أكثر العـوامل تـأثيراً في انجذاب الأطفال والفتيات بعضهم إلى بعض، فمن كان شكله جذّاباً منهم ذكر أو أنثى يحظى بقبول أكبر وحبّ أعظم. فقـد جاء في دراسة قام بها وجنز Wiggins سنة 1968م ودراسة أخرى قـامت بهـا سالي بك Sally Beck في جامعة بتلر بأمريكا سنة 1979: أنّ الفروق الفرديّة بين الرجال في اختيارهم للإناث تعكس خصائص شخصيّة الذكر وخلفيّته الاجتماعيّة والثقافيّة والحضاريّة، وهذا يتّضح كالآتي: إنّ الرجال الّـذين يختارون الأنثى البدينة هـم عادة غـير مستقرّين عاطفيّاً، واهتماماتهم قليلة بالتحصيل الأكاديميّ والأمور الجماليّة.

***

عليّ أسعد وطفة

......................

الهوامش:

(1) الهركولة مـن النساء: العظيمة الوركين واللفاء: الّتي ضاق ملتقى فخدّيهـا لكثرة لحمهـا.

(2) الممكورة: ذات الساق الغليظة المستديرة الحسـناء.

(3) الجيداء: الّتـي طـال عنقها وحسن.

(4) الطرف: العين. ويقال: طرف فاتر: فيه ضعفت مستحسن.

(5) الردف: العجز ومؤخّر كلّ شيء.

(6) (أسل) أسالة: ملس واستوى فهو أسيل. ويقال خدّ اسيل، وكفّ أسيلة الأصابع.

(7) (كـعبت) الفتـاة-كعوبـاً: مهد ثديها، أي برز وارتفع، فهو كعـاب وكـاعب.

(8) الـرداح الـوركين: أيّ ضخمة تردف سمينة الاوراك.

(9) الرخيمة الكلام: الّتي لان كلامها ورق ولطف.

(1) الحممـة: بـوزن رصيّة: ما أحرق من خشب ونحوه. والجمع بحذف الهاء ويقصـد كأنّمـا سـوداً بفحـم.

(2) الوجنـة مـا أرتفـع من الخدّين

(3) الأرجوان: شـجر مـن الفصيلـة القرنيّة له زهر شديد الحمرة حسن المنظر وليسـت له رائحة.

(4) الجمان: الفضّة.

(5) القباطىء: جمع قبطيّة ثياب من كتّان بيض رقاق كانت تنسج بمصر المدرّجة والملفوف في الملامسة.

(6) عكنت: الجارية: صارت ذات عكن، وتعكّن البطن: صار ذا عكن والعكنة: ما انطوى وتثنّى من لحم البطن سمناً.

(7) البسرة: واحدة البسـر، وهو الغضّ من كلّ شيء.

(8) المدهن: آلة الدهن وقارورته.

(9) الجـدول: النهـر الصغـير.

(10) الكفـل: الـردف أيّ مؤخّرة المرأة وعجيزتها.

(11) الدعص: الكثيب والمجتمع من الرمل المستدير.

(12) نضيـد: الجمان اللؤلؤ المنظوم الفضّة المنضدية الّتي يكون بعضها فـوق بعـض.

(13) حدلتــا: مملؤتــان.

(14) وشــيئاً: حليتــا وزينتا.

(15) الزرد: الدرع.

المراجع:

1- عبداللطيـف شرارة:" فلسفة الحبّ عنـد العرب "، مكتبة الحياة، بيروت،.1960

2-جـلال السـناد: "دراسة سوسيولوجيّة للأمثال الشعبيّة في دير الزور " أطروحة ماجستير، كلّيّة الآداب جامعة دمشق، دمشق،.1988

3-بـوعـلي ياسين:" أزمة المرأة في المجتمع الذكوريّ العربيّ "، دار الحوار، اللاذقيّة،.1992

 4- نزار قبّاني:" عـن الشعر والحبّ "، بيروت، دار العلم للملايين بيروت، 1976.

5- محمّد عثمان الخشـت:" المرأة المثاليّة في أعين الرجال "، مكتبة ابن سينا، القاهرة، 1988.

6- عبداللّه بو حديبة: " الإسلام والجنس "، تعريب هالة العوري، مكتبة مدبولي، القاهرة، 1987.

7- سلوى خمّاش: " المرأة العربيّة والمجتمع التقليديّ "، دار الحقيقة بيروت،.1981

8- أوسـفلد شـفارتس:" علـم النفس الجنسـيّ "، تعـريب شعبان بركات، المكتبة العصريّة، صيداً، بيروت، 1972.

9- نور الدين العتر: " ماذا عن المرأة "، دار الفكر، دمشق 1979.

10- خـليل أحمد خليل:" المرأة العربيّة وقضايا التغيير: بحث اجتماعيّ في تاريخ القهر النسائيّ "، دار الطليعة، بيروت،.1985

11- صـلاح الدين المنجّد:" أمثال المرأة عند العرب: ما قالته المرأة العربيّة ومـا قيـل فيهـا "، دار الكتـاب الجديد، بيروت، لبنان.1981.

الاغتراب ليس عرضا طارئا في حياة الانسان الواعي، بل هو جرح وجودي عميق، يتفتح كلما اشتد الوعي واتسعت المسافة بين ما نحن عليه وما يراد لنا ان نكونه. انه ذلك الشعور الخفي بانك حاضر بجسدك، غائب بروحك؛ تمشي بين الناس لكنك لا تسكن معهم، تسمع لغتهم ولا تعثر فيها على صوتك، تشاركهم المكان وتفقد المعنى.

الاغتراب ان تجبر على التعايش في عالم لا يشبهك، ان تنفجر داخليا بافكار تعد فائضة عن الحاجة في نظر الاخرين، ان تتكلم فلا يسمع صوتك، او يسمع دون ان يفهم. هو ان تتحول ذاتك الى هامش، وحقيقتك الى عبء، فتعلم الصمت لا بوصفه حكمة، بل بوصفه ملجأ. هناك، في الزوايا المنسية من الحضور الاجتماعي، يولد الاغتراب بوصفه انسحابا انيقا من عالم لا يعترف بالاختلاف.

وفي لحظة صفاء موجعة، تهمس الذات لنفسها: انا لا انتمي الى هنا. ليس لان المكان طارد بالضرورة، بل لان الروح اوسع من الجدران، والفكرة اسبق من الزمن، والوعي غالبا يولد يتيما في مجتمعات تميل الى التماثل وتخشى الفرادة. وهنا يتداعى السؤال الفلسفي الجوهري:

هل الانتماء هو الذوبان في الجماعة؟ ام ان قوته الحقيقية تكمن في الحفاظ على الخصوصية دون ان تتحول الى عزلة قاتلة؟

اعمق اشكال الاغتراب ليس اغترابنا عن العالم، بل اغترابنا عن انفسنا. حين نتصرف بطرق لا نفهمها، حين نخاف مما نحن عليه، حين نرتدي وجوها ليست لنا، ونتكلم بلغات لا تعبر عن نبضنا. هناك يصبح الانسان غريبا حتى بين اقرب الناس اليه، ويحل الفراغ محل الامتلاء، والخواء محل المعنى، ويبدو العالم كانه مسرح بلا حقيقة.

وقد يولد الانسان في المكان الخطا، لكن مأساته الكبرى ان يولد في الزمن الخطا؛ ان يكون عقله سابقا لعصره، يرى ما لا يرى، ويحلم بما لم يخلق بعد. يقضي حياته يصف للاخرين عالما لا يستطيعون تخيله، بينما يعجز هو عن اغماض عينيه عن دهشته به. هنا يصبح الاغتراب قدر الوعي، وضريبة البصيرة.

في هذا المعنى، يتحول الاغتراب الى ازدواج قاس: ذات اجتماعية مفروضة، وذات داخلية تتاكل صمتا. يعيش الفرد ممزقا بين ما يحلم به وما يستطيع تحقيقه، بين ما يريد ان يكونه وما يسمح له ان يكونه. وحتى على مستوى الجماعات، تعيش مجتمعاتنا العربية اغترابا مركبا: بين ماض يرفض الرحيل، وحاضر يابى الحضور، فتتآكل الهوية في فجوة الزمن.

لقد تنبه الفلاسفة مبكرا الى هذه الماساة. رآها هيغل اغترابا للروح عن ذاتها، ورآها ماركس اغترابا للانسان عن عمله وعالمه، وقرأها اريك فروم بوصفها اغترابا نفسيا في حضارة تستهلك الانسان بدل ان تنقذه. اما الوجوديون، فقد جعلوا منها قدر الانسان الحديث في عالم فقد يقيناته. كافكا كتبها من جسده المريض، ونيتشه صرخ بها من صداعه الوجودي، وماركس حفرها في جلده وروحه. وحتى فان غوخ، لم ير جمال العالم الا حين انكسرت روحه الى اقصى حد.

يقول كامو ان الانسان لا يجد معنى لحياته الا في تمرده على العبث، ويصف لوكاش الاغتراب بانه احساس الانسان بان عالمه الذي صنعه بيديه لم يعد وطنه، بل سجنه. ويعلن نيتشه، مع موت الاله، انهيار القيم القديمة، تاركا الانسان وحيدا في مواجهة فراغ المعنى، عقلا متفوقا في عالم لا يطيق تفوقه.

لهذا، قد يكون الاغتراب مرحلة ضرورية للصحة العقلية في مجتمع مختل؛ عزلة مؤقتة تنقذ الذات من الذوبان، ومسافة تامل تحمي الانسان من المسخ. فالاغتراب، رغم قسوته، قد يكون بابا للبحث، ودافعا لاختراع زمن اخر، وفضاء ارحب من سجن الحاضر الخانق.

نحن، في جوهرنا، كائنات منفية. نحيا ونحن نعرف اننا سنموت، والموت اقسى اشكال الغربة. ناتي الى العالم غرباء، ونغادره غرباء، وبين الدخول والخروج نحلم بالعودة الى معنى لم نعرفه يوما. ولهذا، فان اشد ما يؤلم في الاغتراب ان تكون متصلا بواقع لا تستطيع تغييره، ولا تستطيع مغادرته.

ان اشد اشكال الاغتراب قسوة هو ذلك الذي يجعلنا نعيش حياة لا تشبهنا، ونؤدي ادوارا لا تعبر عنا، فنفقد انفسنا ونحن نحاول التكيف. وحين يصبح التكيف خيانة صامتة للذات، يتحول الاغتراب من وجع الى موقف، ومن عزلة الى شكل من اشكال المقاومة الداخلية.

لسنا مطالبين بالذوبان كي ننتمي، ولا بالانسحاب كي نحيا. انما نحن مطالبون بان نحفظ جذوة المعنى داخلنا، وان نصون اختلافنا بوصفه قيمة لا لعنة. فالعالم لا يتغير بالصخب وحده، بل بالوعي الذي يرفض ان يتحول الى نسخة مكررة.

قد لا نختار زمننا، ولا مجتمعنا، لكننا نختار الا نفقد ذواتنا داخلهما. نختار ان نكون غرباء بكرامة، لا مندمجين بلا روح. فالاغتراب، حين يعاش بوعي، لا يصبح نهاية الطريق، بل بدايته؛ طريق العودة الى الذات، الى الحرية، والى انسان لم يتصالح بعد مع الزيف، ولن يفعل.

فكيف نواجه تيهنا وهشاشتنا؟

ربما لا يكون الحل في الرحيل المكاني، بل في الرحيل الوجودي. ان نغادر كل ما يرهق الروح، ان نهجر ضيق العقول، وضجيج الكلمات المستهلكة، والسير خلف القطيع بلا تفكير. ان نرحل دائما الى حيث نجد ذواتنا، ولو كان ذلك في اعماقنا

هناك فقط، يتحول الاغتراب من لعنة الى وعي، ومن عزلة الى حرية صامتة، ومن جرح الى افق.

ذلك وحده خلاصنا الممكن في عالم يصر على ان يجعل من الانسان مسخا بلا ملامح.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

John Nosta

ترجمة: حاتم حميد محسن

***

في الشطر الأكبر من التاريخ الإنساني كان الذكاء نادرا، التفكير أخذ وقتا، والفهم العميق والبصيرة وصلا ببطء وتشكّلا بالتجربة المعاشة. الادراك وجد عقبات وهذه العقبات منحته جوهرا ووزنا. هذا الافتراض ينهار اليوم.

الذكاء الصناعي جعل الادراك غزيرا لكنه محفوفا بالمخاطر. الأجوبة تصل فورا والأنماط تظهر بسهولة تامة او بجهد قليل جدا. الحكم مغلّف تكنلوجيا ويُمنح بثقة تنافس ان لم تتجاوز ثقتنا. المسألة الرئيسية هنا هي ان هذا ليس مجرد تقدم تكنلوجي آخر وانما يجسد المرة الأولى التي يبدو فيها الادراك البشري نفسه على منحنى التقادم. نحن استبدلنا الأدوات السابقة، لكننا لم نستبدل ابدا التفكير. ذلك يفسر لماذا تبدو هذه اللحظة مختلفة جدا. الذكاء الصناعي لا يوسع جهد الانسان بنفس الطريقة التي توسع بها المكائن العضلات او السرعة. انه يشغل منطقة كنا نفترض انها متفردة للإنسان بما في ذلك الاستدلال والتركيب والتفسير. في عدة مجالات، يؤدي الذكاء الصناعي عادة وظائف اكثر كفاءة من الانسان. وهذا ادّعاء يرفضه العديد من الناس لأنه يتناقض مع الكيفية التي فهمنا بها التقدم – بطيء عموما ومتدرج وتتخلله تغيرات مفاجئة.

الذكاء الصناعي متفوق على الانسان في كل شيء بدءاً من تشخيص المشكلة الى الابتكار. هذه لم تعد حالات غير مألوفة او عروض توضيحية معملية وانما حقائق عملية مندغمة في حياتنا. وحتى الاخلاق التي لطالما عوملت على انها إنسانية آمنة، اثبتت انها اكثر قابلية للتنظيم الممنهج مما هو متوقع. القيود الأخلاقية يمكن كتابتها والمقايضات يمكن صياغتها بشكل رسمي، وحتى الممنوعات يمكن ادارتها . ما شُعر به يوما ما كإنسان غير قابل للاختزال يدخل وبشكل متزايد ضمن أنظمة الذكاء الصناعي. ربما الاكتشاف الغريب هنا ليس ان المكائن تفتقر للأخلاق وانما ان معظم ما نسميه تفكير أخلاقي كان اكثر إجرائية ورسمية مما نرغب الاعتراف به. السؤال لم يعد ما اذا كان الذكاء الصناعي سيصبح متفوقا معرفيا. في عدة وجوه، هو سلفا كان كذلك. السؤال الأعمق هو ماذا يحدث عندما يغير الذكاء ذاته الصنف. عندما يصبح الذكاء وفيرا، تتغير قيمته. ما يصبح نادرا ليس الادراك وانما الملكية. التحول الجوهري هنا هو من البصيرة والفهم العميق الى المسؤولية. وبعبارة أخرى، انه ليس الأجوبة وانما المسؤولية التي تحفز عليها تلك الأجوبة.

هذا هو عبء الذكاء

عندما يصبح الذكاء الصناعي اكثر قدرة، سترتفع كلفة الانفكاك عنه. التوصية المعيبة من نظام قوي تحمل عواقب اكثر من تلك التي تأتي من وسيلة اختيارية محدودة. وفي هذا السياق يصبح التفويض اكثر اغراءً في المكان الذي يكون فيه أكثر خطورة. كلما كان الذكاء الصناعي أذكى كلما كان التوقف والانفكاك أسهل، وبعمل كهذا يكون السعر أعلى .

هنا الحقيقية الرئيسية: الذكاء الإنساني لم يعد يُعرّف بواسطة انتاج أجوبة افضل. انه يُعرّف عبر تحمّل نتائج الأجوبة التي لا نفهمها بالكامل. العديد منا يشعر سلفا بهذا التحول حتى لو لم نسميه. عدم الارتياح الصامت الناتج من تأييد توصية غير مقتنعين بها. الدفاع المزعج عن استنتاج يبدو صحيحا لكنه جاء من مكان آخر. هذه اللحظة عندما تكون مخرجات الذكاء الصناعي ذكية ويصعب تحدّيها، وهي أيضا اللحظة التي تقع فيها المسؤولية علينا بشكل كامل. عدم الراحة تلك ليست فشلا. انها شعور بالذكاء دون تأليف.

هذا العبء ربما اكثر تحديا. انه يتطلب "حضورا معرفيا" في أنظمة صُممت لكي يبدو فيها حضور الانسان غير ضروري. انه يدعونا لنبقى مسؤولين في اللحظة التي تدعو بها الأتمتة الى الاستسلام. هذا قد يدفعنا نحو هامش صنع القرار، وهذا الهامش ليس تافها.

تلك هي النقطة التي تتصادم عندها القيم، ويتراكم الأذى، وحيث يكون انخراط الانسان في الأفكار غير التقليدية أقل اختيارا وأكثر ضرورة. الخطورة الواقعية للذكاء الصناعي ليست في ان المكائن سوف تفكر أفضل منا. هي في ان التفكير سيشعر انه تام بدوننا. اذا كان الادراك البشري يتضاءل فلا يمكن ان يكون رد الفعل فقط في فكرة لاحقة او حنينا الى الماضي. انه يجب ان يكون يقظة متحققة من خلال الرفض المستمر والجاد للانسحاب فقط بسبب ان الذكاء لم يعد يتطلب مشاركتنا. اليقظة ليست مشاهدة من مدرجات وانما ان تبقى حاضرا معرفيا داخل تكنلوجيات تعمل بشكل مثالي بدوننا.

ان مستقبل الذكاء ليس منافسة بين أذهان. انه اختبار لما اذا كان الناس يرغبون بالبقاء مسؤولين في عالم لم يعد فيه الذكاء يحتاجهم للعمل.

ان عبء الذكاء ليس حول الحفاظ على سيادة الانسان وانما حول رفض التخلي عن المسؤولية فقط لأن التفكير اصبح سهلا، ذلك العبء سوف لن يختفي مهما كانت درجة ذكاء أجهزتنا.

***

............................

The Burden of intelligence, psychology today Dec17,2025

John Nosta منظّر في الابتكار ومؤسس مركز Nosta Lab وهو مركز أبحاث تكنلوجي معترف به عالميا لرؤيته المحفزة للتحول الرقمي.

 

تأملات في اليوم العالمي للغة العربية (18 ديسمبر)

في الثامن عشر من ديسمبر من كل عام، يُحتفى باليوم العالمي للغة العربية، وغالبًا ما يأتي هذا الاحتفاء في صورة خطاب احتفالي يستحضر جمال اللغة أو يؤكد بعدها الثقافي. غير أنني أعتقد أن هذا التناول، على أهميته الرمزية، لا يقترب بما يكفي من السؤال الجوهري الذي يستحق التوقف عنده في مثل هذه المناسبة. فالسؤال، في تقديري، ليس: كيف نحتفي باللغة العربية؟ بل: كيف نفهم موقع اللغة داخل عملية التفكير نفسها؟ ومن هنا، لا يعود الحديث عن اللغة شأنًا لغويًا خالصًا، بل طريقًا لفهم كيفية تفكير الإنسان.

 ومن هذا المنطلق، أرى أن التحول الذي شهدته الفلسفة المعاصرة في فهم اللغة ينسجم تمامًا مع خبرتنا اليومية. فاللغة لم تعد تُفهم بوصفها أداة محايدة تنقل أفكارًا جاهزة، بل بوصفها المجال الذي تتكوّن فيه الفكرة أثناء تشكّلها. ويتضح ذلك ببساطة حين أجد نفسي أشرح فكرة ما، ثم أكتشف أنني لم أكن أفهمها جيدًا قبل أن أبدأ في شرحها. في هذه اللحظة، لا تكون اللغة مجرد وسيلة نقل، بل طريقة للفهم ذاته. وبهذا المعنى، تصبح اللغة العربية جديرة بالاهتمام الفلسفي لا لأنها تراث عريق فقط، بل لأنها تكشف بوضوح عن العلاقة الوثيقة بين القول والتفكير.

وانطلاقًا من هذه العلاقة، ألاحظ أن تجربتنا اليومية تؤكد أننا لا ننتج أفكارًا مكتملة ثم نبحث لها عن ألفاظ مناسبة، بل إن الفكرة نفسها تتبلور أثناء التعبير عنها. فعندما يقول شخص: "خليني أرتّب كلامي"، فهو في الواقع يعبّر عن حاجة أعمق، هي ترتيب الفهم لا ترتيب الكلمات. ولذلك، لا يمكن النظر إلى اللغة باعتبارها مرحلة لاحقة للتفكير، بل باعتبارها جزءًا من بنيته الداخلية. وهذا ما يظهر بوضوح في العربية، حيث إن اختيار الفعل أو الاسم، أو تقديم كلمة وتأخير أخرى، لا يغيّر شكل الجملة فقط، بل يغيّر طبيعة المعنى المتكوّن. وهكذا، يصبح النطق نفسه لحظة من لحظات التفكير.

ومن هنا، نصل بشكل طبيعي إلى علاقتنا بالتجربة المعاشة. فأنا أعتقد أن الإنسان لا يعيش التجربة أولًا ثم يفهمها لاحقًا، بل يفهمها وهو يحاول التعبير عنها. فعندما أقول: "أنا متلخبط"، لا أكون بصدد وصف حالة ذهنية جاهزة، بل أقوم بتحويل شعور غير واضح إلى صيغة يمكن إدراكها والتعامل معها. ومن خلال هذا التحويل، تساعدني اللغة على بلورة تجربتي بدل أن تبقى غامضة ومبعثرة. وفي هذا الصدد، يتجلّى ثراء العربية في قدرتها على تشخيص الحالات الوجدانية الدقيقة، مثل: حيرة، ارتباك، تردّد، قلق خفيف، وعدم ارتياح. فالتسمية هنا ليست ترفًا لغويًا، بل أداة لإعادة صوغ التجربة وتحويلها إلى خبرة مفهومة قابلة للتداول. وانطلاقًا من هذا التنظيم الدقيق للتجربة، يمكن استنتاج أن اللغة العربية لا تتعامل مع الخبرة الإنسانية بمنطق الحسم أو القطع، بل بمنطق التدرّج. فنحن في حياتنا اليومية نادرًا ما نكون في حالة يقين كامل أو رفض مطلق، والعربية تعكس هذا الواقع بصدق. نقول: أفهم جزئيًا، مقتنع إلى حدّ ما، الصورة غير واضحة تمامًا، القرار لم ينضج بعد. هذا التدرّج لا يمثّل ضعفًا في التعبير، بل دقّة في التفكير؛ إذ يجنّب العقل الوقوع في أحكام نهائية متسرّعة، ويُبقي مساحة للمراجعة وإعادة الفهم. وبهذا المعنى، لا تخدم العربية البلاغة فحسب، بل تدعم التفكير الناقد في أبسط صوره اليومية.

ومن هذا التدرّج، نصل إلى مسألة المعنى. فالمعنى، في رأيي، لا يتكوّن داخل الفرد وحده، ولا يُختزل في الكلمات ذاتها، بل يتشكل داخل موقف تواصلي مشترك. فكثير من العبارات التي نستخدمها يوميًا لا يمكن فهمها بمعزل عن السياق، مثل: "واضح بس مش قوي" أو "مش مقتنع بس فاهم". فهذه العبارات لا تُفهم من خلال الكلمات فقط، بل من خلال النبرة، واللحظة، والعلاقة بين المتكلمين. ومن هنا، يتضح أن اللغة ليست نظامًا مغلقًا من القواعد، بل ممارسة يومية للفهم المشترك، وهو ما يفتح الباب للتفكير في سوء الفهم وحدود التعبير وإمكانات التواصل الإنساني.

وعلى هذا الأساس، أرى أن النظر إلى اللغة العربية من زاوية الاحتفال وحدها يُفقدها بعدها الأعمق. فالاحتفال، مهما تكرر في ديسمبر وتحديدًا في الثامن عشر منه، يظل ناقصًا إذا لم يُصاحبه وعي بدور اللغة في تشكيل التفكير. أما حين ننظر إلى العربية بوصفها شرطًا من شروط الفهم، فإننا ندرك أنها ليست مخزونًا لغويًا ساكنًا، بل أداة حية لصياغة التجربة الإنسانية. فاللغة لا تصف الواقع فقط، بل تساهم في تكوينه ذهنيًا، وبهذا تكون العربية شريكًا رئيسًا في التفكير، لا مجرد وعاء له.

وانطلاقًا من هذا الفهم لدور اللغة داخل عملية التفكير، يمكن صياغة عدد من التوصيات التي لا تهدف إلى إصدار أحكام، بقدر ما تسعى إلى لفت الانتباه إلى إمكانات اللغة العربية كما نعيشها في ممارساتنا اليومية.أولًا: أوصي بتجاوز النظر إلى اللغة العربية بوصفها موضوعًا للاحتفال فقط، والنظر إليها بوصفها أداة حيّة للتفكير. ففي مواقف التردّد ومحاولات الفهم وإعادة شرح ما نشعر به، تظهر اللغة بوصفها جزءًا من عملية التفكير نفسها. فعندما يتوقف شخص ليعيد صياغة كلامه، فإنه لا يبحث عن ألفاظ أجمل، بل يحاول الوصول إلى فهم أدق لما يفكر فيه. ثانيًا: أوصي بالتعامل مع التعبير اللغوي باعتباره ممارسة للفهم، لا مجرد نقل لأفكار مكتملة. فكثيرًا ما تتضح الفكرة أثناء شرحها لا قبل ذلك. ومن هنا، فإن تحسين القدرة على التعبير في الحياة اليومية ينعكس مباشرة على وضوح التفكير، سواء في الحوار أو في الكتابة. ثالثًا:

أوصي بالإنصات الجاد للغة الحياة اليومية بوصفها مصدرًا مشروعًا للفهم الفلسفي. فالتعبيرات البسيطة التي نستخدمها دون وعي، مثل: "مش مرتاح" أو "حاسس بحاجة بس مش واضحة"، تكشف عن وعي دقيق بالتجربة الإنسانية، ولا تقل قيمة عن المفاهيم النظرية المجردة.رابعًا: أوصي باعتماد منطق التدرّج في التفكير والتعبير، بدل السعي الدائم إلى الحسم السريع. فاللغة العربية تتيح صيغًا تعبّر عن الفهم الجزئي وعدم الاكتمال، مثل: "إلى حدّ ما" و"لسه محتاج أفكر". واستخدام هذه الصيغ لا يعكس ضعفًا، بل وعيًا بحدود الفهم الإنساني. خامسًا: أوصي بفهم المعنى بوصفه نتاجًا تواصليًا يتكوّن داخل لحظة التفاعل، لا خاصية ثابتة للكلمات وحدها. فكثير من العبارات اليومية لا يُفهم معناها إلا من خلال الموقف والنبرة والعلاقة بين المتكلمين، وهو ما يؤكد أن التواصل فعل مشترك لا مجرد تبادل ألفاظ. سادسًا: أوصي بتجاوز اختزال اللغة في القواعد والتصحيحات الشكلية، خاصة في الممارسات اليومية. فعندما يعجز شخص عن التعبير، يكون السبب غالبًا تعثرًا في الفهم لا نقصًا لغويًا. ومساعدته تبدأ بالإنصات لتجربته، لا بتصويب لغته. سابعًا: أوصي باستخدام اللغة لوصف التجربة كما تُعاش، لا كما يُراد لها أن تبدو. فالتمييز بين الحالات الشعورية الدقيقة ليس ترفًا لغويًا، بل وسيلة لفهم الذات بعمق أكبر. وكلما ازدادت قدرتنا على التمييز الدلالي، ازداد وضوح علاقتنا بتجاربنا اليومية.

ومن خلال هذه التوصيات، يتضح لي أن اللغة العربية لا تُستعاد عبر الخطاب الاحتفالي وحده، بل من خلال استخدامها اليومي بوصفها أداة للفهم، وشريكًا في التفكير، ووسيلة لتنظيم التجربة الإنسانية. ومن هذا المنظور، يصبح التعامل مع اللغة بوصفها قواعد فقط اختزالًا لطبيعتها الحقيقية. فعندما يقول شخص: "مش لاقي الكلمات"، فهو في الغالب لا يعاني نقصًا لغويًا، بل تعثرًا في الفهم. ولهذا، أرى أن تدريب الإنسان على التعبير عن تجاربه اليومية هو في جوهره تدريب على التفكير نفسه. كما أن اختيار الكلمات في الحوار ليس مسألة شكلية، لأن الفرق بين قول: "أنت غلطان" وقول: "أنا محتاج أفهم وجهة نظرك" هو فرق في طريقة بناء العلاقة وأفق الفهم، لا في الصياغة وحدها.

وأعتقد أن التعبير التأملي، سواء في الكتابة أو في الحديث، هو تمرين فلسفي عملي، حتى وإن لم نسمّه كذلك. فعندما يصف الإنسان شعوره بدقة، لا يكون بصدد تسجيله فقط، بل يعيد تنظيمه ذهنيًا. والتمييز بين التعب والإجهاد والإرهاق ليس ترفًا لغويًا، بل وسيلة لفهم الذات بدقة أكبر. فكلما ازدادت قدرتنا على التمييز الدلالي، ازداد وضوح تفكيرنا وقدرتنا على التعامل مع تفاصيل الحياة اليومية.

وفي الختام، أرى أن اللغة العربية تظل حيّة بقدر ما نستخدمها لوصف ما نعيشه فعلًا: لحظات الحيرة، صعوبة القرار، عدم اليقين، ومحاولات الفهم بعد تجربة مربكة. ففي هذه اللحظات، لا تكون اللغة مجرد وسيلة للكلام، بل أداة للتأمل. ولذلك، فإن الاحتفال باللغة العربية في يومها العالمي لا يكون لأنها جميلة فقط، بل لأنها تفكّر معنا، وتساعدنا على فهم أنفسنا والعالم من حولنا.

***

أ.د/ علي الخطيب

أستاذ ورئيس مجلس قسم الفلسفة- كلية الآداب- جامعة المنيا

 

في الجذور النفسية والاجتماعية والدينية لأقدم الانفعالات الإنسانية

يُعدّ الحسد واحداً من أكثر الانفعالات الإنسانية حضوراً في التاريخ الفكري والاجتماعي والثقافي. ورغم قدمه، فإنّ الدراسات الحديثة ـ في علم النفس والاجتماع والدين والأنثروبولوجيا ـ تكشف أنّ الحسد ليس ظاهرة بسيطة أو سطحية، بل حالة مركّبة تتشابك فيها البنية النفسية للفرد بالمحيط الاجتماعي والثقافي والقيمي الذي يعيش فيه ويشكّل الحسد نقطة تماس بين السلوك الانفعالي والوعي الأخلاقي وبين الدافع الغريزي والبناء الحضاري ومن هنا تأتي أهمية دراسته كظاهرة إنسانية تتجاوز حدود الأخلاق الشعبية لتصبح موضوعاً للبحث العلمي وسيتم نثر ذلك عبر الاتي:

أولاً: الجذور النفسية للحسد

1.الحسد في علم النفس المعاصر.

يعرّف علماء النفس الحسد بأنه حالة انفعالية مؤلمة تنشأ عندما يشعر الفرد بنقص أو تهديد ذاتي نتيجة امتلاك الآخرين لميزة أو إنجاز أو مكانة لا يمتلكها هو ويختلف هذا التعريف عن الحقد والغيرة، فالحسد يقوم على المقارنة السلبية، بينما تقوم الغيرة على الخوف من فقدان ما يملكه الفرد أصلاً.

2. الحسد بوصفه صراعاً داخلياً.

يرى علم النفس التحليلي أن الحسد ينشأ من صراع بين رغبة الفرد في التميز وبين شعوره بعدم الكفاية. ومع تراكم التجارب، يتحول هذا الانفعال إلى "عدسة" ينظر من خلالها الفرد إلى نفسه والعالم، فيرى الآخرين على أنهم تهديد دائم، ويُفسّر نجاحاتهم على أنها اعتداء ضمني على قيمته الذاتية.

3. الحسد وعلاقته بالهوية.

تشير الأبحاث الحديثة إلى أنّ الحسد يرتبط بضعف البنية الهوية؛ فالأشخاص ذوو الهوية المستقرة والأهداف الواضحة أقل عرضة للحسد من غيرهم ويبرّر علم النفس هذا الارتباط بأنّ الهوية القوية تمنح الفرد مساحة كافية لفهم معاني الإنجاز وتقبل الفروق الطبيعية بين البشر.

ثانياً: المحركات الاجتماعية للحسد

1. الحسد كنتاج للبيئة الاجتماعية.

تتسع ظاهرة الحسد في البيئات التي تكثر فيها المقارنات: داخل العائلة المؤسسات، المجتمعات الصغيرة، أو المحيط المهني فالتنافس الحاد وضعف الفرص وشعور الأفراد بغياب العدالة الاجتماعية كلها عوامل تغذّي نشوء الحسد.

2. ثقافة الاستعراض وتأثير الإعلام الاجتماعي.

مع تطور وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الأفراد يعرضون لحظاتهم المنتقاة بعناية: السفر، الطعام الفاخر، الإنجازات، الكتابة والصور المثالية وهذا الاستعراض المستمر يخلق بيئة خصبة للحسد لأنّه يضع الأفراد تحت ضغط المقارنة الدائمة ويعزّز فكرة أن الآخرين يعيشون حياة أكثر جمالاً وكمالاً.

3. الحسد بوصفه أداة للضبط الاجتماعي.

بعض الأنثروبولوجيين يرون أنّ الحسد، تاريخياً، كان آلية لضبط التفاوت الاجتماعي داخل المجتمعات التقليدية فالمجتمع الذي يُدين التفاخر ويحتقر المستعلين على الناس إنما يستخدم "الخوف من الحسد" ليمنع الفرد من تجاوز حدود المقبول اجتماعياً.

ثالثاً: البعد الديني للحسد

1. الحسد في التراث الإسلامي.

قدّم الإسلام رؤية عميقة للحسد، فجعله من ثغور النفس الكبرى التي يجب حفظها وأشار القرآن الكريم إلى خطورته في قصة قابيل وهابيل، كما جعل "الحاسد إذا حسد" أحد الأصناف التي يُستعاذ منها ويبرز هنا التمييز بين الحسد (تمني زوال النعمة) وبين الغبطة (تمني مثل النعمة دون زوالها)، مما يجعل الحسد فعلاً أخلاقياً منحرفاً.

2. الحسد في الديانات الأخرى.

يتكرر التحذير من الحسد في المسيحية واليهودية والبوذية، حيث يُنظر إليه بوصفه انفعالاً مُفسداً للعلاقات، مدمّراً للنفس ومخرباً للسلام الداخلي وفي أغلب الفلسفات الروحية يعدّ الحسد دليل ضعف روحي وافتقار للسلام الداخلي.

3. الحسد كخلل في وعي الإنسان بالنعمة.

من الزاوية الدينية، الحسد ليس مجرد انفعال، بل خلل في رؤية الإنسان للرزق حيث يُنكر نسب النعمة إلى الله ويتعامل معها كما لو كانت ملكاً شخصياً يجب أن يُقارن بالآخرين ومن هنا يصبح الحسد نوعاً من الاعتراض الضمني على الحكمة الإلهية.

رابعاً: الحسد في الفكر الفلسفي والأدبي

1. في الفلسفة اليونانية.

رأى أرسطو أن الحسد انفعال يعتري الأشخاص الذين يعتقدون أنهم يستحقون أكثر مما لديهم وأنه ينشأ من مقارنة الذات بآخرين يُنظر إليهم باعتبارهم متشابهين أما أفلاطون فقد اعتبر الحسد ضعفاً روحياً سببه اضطراب النفس ورغبتها في الامتلاك.

2. في الأدب العالمي.

تُجسّد الأعمال الأدبية الكبرى الحسد بوصفه قوة مدمّرة: عند شكسبير يظهر في “عطيل” و”الملك لير”، وفي الأدب الروسي لدى دوستويفسكي على شكل صراع داخلي ينتهي غالباً بالتحطيم الذاتي ويظهر في الروايات العربية الحديثة بوصفه انفعالاً يعكس التشوه الاجتماعي.

خامساً: الآثار السلوكية للحسد

1. على الفرد يؤدي الحسد الى انخفاض احترام الذات واضطرابات القلق والاكتئاب وفقدان القدرة على تطوير الذات وتشوه العلاقات وإضعاف الثقة بالآخرين.

2. على المجتمع يؤدي الحسد إنتاج ثقافة الخوف من النجاح وتعطيل العمل الجماعي داخل مؤسسات الدولة والقطاع الخاص وانتشار الخطابات السلبية والتنمر الإلكتروني وانكماش المبادرات الاجتماعية بسبب الخوف من "عيون الناس".

سادساً: ميكانيزمات العلاج والوقاية

1. على المستوى النفسي

تعزيز الثقة بالذات وإعادة تشكيل صورة الذات بعيداً عن المقارنات وتدريب النفس على الامتنان وتقدير ما هو متاح وممارسة التأمل وتمارين ضبط الانفعال.

2. على المستوى الاجتماعي بناء ثقافة وتشجع الإنجاز لا المقارنة والحد من مظاهر الاستعراض الاجتماعي وتعليم الأطفال مهارات الوعي بالذات وتقدير الفروق الفردية.

3. على المستوى الديني والأخلاقي واستحضار مفهوم الرزق والقدر والإكثار من الدعاء بأن يبارك الله للناس فيما أعطاهم والتحول من الحسد إلى الغبطة ومن المقارنة إلى العمل.

ختاما فان الحسد ليس مجرد شعور عابر ولا ظاهرة أخلاقية بحتة، بل هو انفعال معقّد يبدأ في النفس ويتضخم في المجتمع ويُعاد تفسيره ضمن دين وثقافة وحضارة ومع أنّ الحسد قديم قدم الإنسان، فإنه اليوم أكثر حضوراً بسبب ثقافة المقارنة التي تفرضها الحياة الحديثة. وما لم تبنَ لدى الفرد القدرة على إدراك قيمته الذاتية بعيداً عن أعين الآخرين، سيبقى الحسد عاملاً معطلاً للتنمية الشخصية والمجتمعية وإنّ فهم الحسد لا يهدف إلى إدانته فقط بل إلى تحرير الإنسان من دائرة الانفعال السلبي، وتحويله إلى دافع للعمل، والنمو والرقي.

***

د. رافد حميد فرج القاضي

يبدو أن نهج جل شيوخ المعتزلة سواء في طرح القضايا ومعالجتها، أو في التناظر والتساجل، والتأليف بين الاستنباط والاستقراء، أو في الآليات العقليّة للتأويل: ذلك النهج الذي كان يهدف للجمع بين التصورات النظريّة والحلول الواقعية في تحليل الرؤى ونقد الآراء، والتخطيط للمستقبل، الذي يمكّن القائمين على الفكر الإسلامي من تبليغ الدعوة، والصمود أمام هجمات المغرضين وإحباط مكائدهم لإطفاء النور الإلهي، وتبديد تماسك الأمة الإسلاميّة والدستور الأقوم والمقصد الذي يكفل الأمن والسعادة للناس كافة والتشكيك في آيات الذكر الحكيم.

نعم نحن في حاجة إلى مراجعة دقيقة وإعادة قراءة لتلك القاعدة العقلانية المفعمة برقة الوجدان ونقاء السرائر والضمائر. فقولهم بضرورة تقديم العقل على النقل عند الخلاف قد أثبت فاعليته في التحسين والتقبيح في ضوء كل المتغيرات الثقافية والزمانية والمكانية والاحتياجات البشرية.

وكذا تأكيدهم على ضرورة تأهيل الدعاة والمثاقفين والمتصاولين والمدافعين عن العقيدة الإسلامية بالمناهج العقليّة التي تبدأ بالجدل إلى نقد النقد، أو قراءة القراءة؛ باعتباره هو السبيل الأمثل لكشف الأكاذيب وتبيان مفاسدها وإظهار الحق وتوضيح خيريته وصدقه وصلاحه على مر الدهور.

كما أن حرصهم على غربلة تصانيف كتاب السيرة وجماع الأحاديث المنسوبة للنبي صلوات الله وسلامه عليه بغرابيل تجمع بين العقل والمنطق من جهة والمقصد الشرعي الوارد في آياته القرآنية من جهة أخرى؛ فقد كان ذلك لحماية النبيّ والذكر الحكيم من الدس، وذلك لفضح إفك المتآمرين الذين استندوا على الأخبار المُلفقة وابتداع البدع وتقسيم الأمة الإسلاميّة لفرق ومذاهب عقدية يبرأ منها الله ورسوله؛ ذلك فضلًا عن اختلاق الأغيار لنحل أو أقوال وأحداث لم يقولها النبي صلى الله عليه وسلم ولم تحدث من صحابته وغير ذلك من شائعات مضلة تعمد إلى تشكيك المسلم في ثوابته الإيمانية التي تقوده إلى الالحاد والمروق.

ناهيك عن حرص شيوخ المعتزلة على وضع شروط للتفسير والتأويل والاجتهاد وأبرزها: التميز بين الدلالة السياقية للألفاظ في كل آية على حدى، والدلالة النسقية للقضايا المعالجة في كل موضوع، والدلالة القصدية للبنية الرئيسة لمجمل الآيات، التي استنبط منها المقصد الإلهي؛ كما يحسن للمفسرين توضيح المقصود بالصيغ البلاغية والإحالات (الإشارية، الرمزية، والوقائع التاريخية)، مع التأكيد على أن هذه التفاسير مجرد آليات للفهم والاستيعاب تبعًا للثقافة السائدة في كل عصر.

وأخيرًا أن إعلاء شيوخ المعتزلة من قدر المعجز الجواني للقرآن الكريم المتمثل في الحكمة الربانيّة سواء في (التشريع أو التوجيه أو الإخبار) على المعجز اللغوي وبيانه في الإبداع والبديع اللفظي. يرجع إلى أمرين: الأول: أن الاعجاز اللغوي لا يعيه إلا الناطقين بلغة نزوله أي العارفين بأسرار اللغة العربية في حين أن أمة الدعوة لا يمكنها استيعاب ذلك الأمر الذي يقطع بأن اتساق الإعجاز الجواني سوف يظل محفوظًا ومقدرًا من قبل العلماء وأصحاب العقول على مرّ الزمان، وليس أدل على ذلك من إيمان غير الناطقين باللغة العربية؛ بقداسة القرآن رغم جهلهم بإعجازه اللغوي ولم يهدهم إلى الإيمان بالقرآن إلا إعجازه الجواني العقلي البرهاني الواضح في دلالات القرآن المترجمة علمًا بأن أولى الترجمات للألفاظ القرآنية كانت شفهية أجراها الحفاظ من كبار الدعاة إلى اللغة الفارسية في منتصف القرن الثاني الهجري أي نحو 723 م.

أمّا الأمر الثاني؛ فيبدو في القراءات المتواترة لآيات القرآن الكريم التي كادت أن تمكن الطاعنين في الإسلام والمتشككين في سلامة القرآن، وخلوه من التحريف الذي يفضي إلى الريبة بين العوام في مصداقيته وكذلك تمنع المغرضين من تحريف دلالة سياقاته اللغوية، وقد برهنت الواقعات صدق توقع شيوخ المعتزلة.

فعلى الرغم من سلامة عملية تدوين القرآن الكريم في المصحف الشريف إلا أن الأخطاء في قراءته قد تسللت إليه.

ولم يحد من ذلك الخطر إلا قيام أبو الأسود الدؤلي ( 603: 688 م) بتشكيل ألفاظ القرآن الكريم بتوجيه من علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه.

أمّا خطر تعدد القراءات فقد دفع المتأولين والمجدّفين والمجترئين إلى التلاعب بسياقات معاني الكلمات ودلالتها في النسق القرآني.

وحرض غلاة المستشرقين والمتعصبين، والخوارج من المتأسلمين، والمبتدعين من المتشيعين، والمجترئين المحدثين على الترويج لأفكارهم الضالة، وأكاذيبهم المغرضة لإيهام العوام بأن النص القرآني يجب إدراجه ضمن الموروثات التراثية، ومن ثم يجب خضوعه للتأويلات المعاصرة والنظريات المادية والنفعية المنكرة للثوابت.

ولم يحد من هذا الخطر في صدر الدعوة الإسلامية إلا جهود نصر بن عاصم الليثي (ت. ن 708 م) ويحيي بن يعمر (ت. ن 746 م) بتوجيه من الحجاج يوسف الثقفي (ت. ن 714 م)، فوضعهما النقط على الحروف وتوحيد رسم الكلمات. ثم جاء الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت. ن 786 م) وأضاف الشكل المعروف الآن مثل الضمّة والفتحة والكسرة.

وأخيرًا اجتهد أحمد لطفي السيد (1872: 1963 م) في جمع جل الروايات والأحاديث المؤكدة على توقيفية عدد آيات القرآن الكريم وبداية كل آية ونهايتها، ورفع بذلك تقريرًا إلى الملك فاروق في (أكتوبر عام 1933 م) سواء كانت كتابات تراثية متواترة أو أبحاث حديثة موثوق في محرّرها نذكر منها فهرس زيبا الذي وضعه محمود الوارادري (ت. ن 1646 م) في كتابه "ترتيب زيبا" (عام 1644 م) وفهرس سلامة محمد في كتابه "ترتيب نصوص آيات الذكر الحكيم" (عام 1928 م).

وذلك كله لحماية القرآن الكريم من كيد الكائدين وكذب الكاذبين.

ويعني ذلك أن قراءتنا لنهج شيوخ المعتزلة، ولاسيما في دراستهم العقديّة في صدر الدعوة تعد من أهم المباحث الكلامية التي لم تقف عند تنظير والتصورات الخطابية فحسب بل كان لها تطبيقات في معالجة القضايا التي أثيرت بين الفرق الكلامية. وكان لهم أيضًا رؤية مستقبلية في توجيهاتهم لاصطناع آليات حافظة لسلامة القرآن الكريم ما زلنا نجني فضلها في هذا العصر الشاغل بالفتن والأكاذيب.

***

وإذا ما انتقلنا إلى أهم القضايا العقديّة التي ناقشها شيوخ المعتزلة الأوّل ووضعوا لها حلولاً مناسبة تتسم بالعقلانيّة فسوف نوجزها فيما يلي وذلك لأن جميعها يتصل اتصالًا مباشرًا بقضية الكذب وتبعاته في الثقافة الإسلامية، وغرابيل شيوخ المعتزلة النقديّة من جهة، والكشف عن مواقفهم التطبيقية والعملية التي تؤكدها التجربة ويدعمها الاستنباط من جهة ثانية، وتعبر كذلك عن نسقية آرائهم واتساقها وخلوها من الاضطراب والتناقض شأن جل الفرق الكلاميّة الأخرى.

ولعلّ أولى القضايا هي قضية التحسين والتقبيح، إذ يرى شيوخ المعتزلة أن فطرة العقل التي خلقه الله عليها لديها القدرة على التميز بين الحسن والقبيح؛ لأن صفة الجمال أو القبح غير مكتسبة في الأشياء؛ وأن الانسان إذا بدل طبيعتها يصبح كاذبًا أي ليس صادقًا مع ذاته.

واعتقد أن ذلك التصوّر لا يخلو من مسحة إيمانية فقد قال تعالى (ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها) (سورة الشمس، الآية7).

وجاء في الحديث الصحيح عن الرسول، صلى الله عليه وسلم (الحلال بين والحرام بين).

وعليه؛ نتساءل: كيف اهتدى العقل السليم لوجود الباري وأنه أحق بالعبادة قبل الرسالات؟ وكيف يتعرف العقل على الحسن والقبيح والتميز بين الفجور والتقوى قبل أن يكتسب ذلك من الوحي؟ والمراد من قول المعتزلة أن الشرع متممٌ لحكم العقل على الأشياء؛ فإن كان خيرًا فيؤكده؛ وإن كان شرًا فإن الانسان هو الذي قبحه بأفعاله التي خالف فيها ما فُطر عليه.

ويكشف هذا الرأي عن حقيقة قد ذكرناها سلفًا ألا وهي أن العقل عند المعتزلة لا ينفصل عن الحكمة عند اكتماله، ونقاء السريرة إلا إذا اكتسب القبح من بيئته.

ويتفق رأي المعتزلة مع جل ما انتهى إليه العلماء والفلاسفة ألا وهو أن العقل الإنساني مفطور بقوة تميز بين الخير والشر، وإن كان ميلها إلى الخير أكثر غير أن ما يكتسبه العقل من بيئته له عظيم الأثر على توجيه اختياراته، وأن التربية هي التي تقوم هايتك الاختيارات تبعًا للفكر السائد في بيئة ذلك العقل، وقد بينا أثر ذلك على معظم فلاسفة الإسلام الذين تحدثوا عن النفس العاقلة.

وصفوة القول عند المعتزلة أن فطرة العقل التي خلق الله الانسان عليها هي القادرة على التمييز بين الأشياء حسنها وقبحها، وأن الوحي هو الذي يعين الإنسان على تقويم الهوى أو ميله إلى نقيض الفضائل والمحاسن.

أمّا القضية الثانية فتتمثل في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وهي وظيفة الرسل والأنبياء والمصلحين على أن يكون دستورها عندهم هو الأمر بالمعروف والترغيب فيه بغير كراهة أو منكر. والنهي عن المنكر بتقبيحه بالعلم والتربية والقناعة بالمعروف وعليه يرى كل شيوخ المعتزلة أن الإجبار والعنف وإكراه الناس على فعل الخير أو كف الأذى وارتكاب المعاصي مرفوض عقلًا وشرعًا إلا إذا تجاوز شر المجترئين، فأصاب الأمنين أو تجاوز عصيانهم درجة الفجور الذي لا يردعه نصح أو لين. فالدعوة والحرية عند المعتزلة لهما ضوابط عقليّة وشرعية لا ينبغي الخروج عليها قال تعالى (ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (سورة النحل آية ١٢٥)

فالأمر بالمعروف عندهم واجب شرعي وعقلي معًا؛ لأن الخير والصدق والإحسان وغير ذلك من الفضائل هي رسالات على الانسان أن يوصلها لبني جنسه ويذيعها في مجتمعه، وكذا النهي عن المنكر والضرب على يد من ارتكب الآثام والشرور، وعلى رأسها الكذب الذي لا ينبغي على من يطلب الصلاح أن يروج له ولمشتقاته من خيانة وطمس للحقائق؛ فالمنكر هو الجنس الأكبر للكذب (فكل كذب هو منكر وكل منكر هو طمس للحق وهو باب للضلال) مع مراعاة المصلحة والموضوعية في الحكم على القدرة إذا استلزم الأمر استخدام القوة وذلك إذا ما تعرضت الأمة إلى خطر يهدد أمنها ويشتت جمعها.

ويختلف شيوخ المعتزلة في ذلك كل الاختلاف عن الخوارج، قدماء كانوا أو محدثين، أولئك الذين ابتدعوا مفاهيمَ مغايرة للمقاصد العقلية الشرعية، وجعلوا السيف والعنف واستباحة قتل الأغيار والاستيلاء على أموالهم والحط من شأنهم وغير ذلك من شرور لا يمكن أن نصف بها خير أمة أخرجت للناس.

ولا يفوتنا في هذا السياق التأكيد على أن هناك شروط للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند كل شيوخ المعتزلة أولها الفطنة، والعلم، والدراية بالحلال والحرام، والقدرة على تقدير الوقائع والواقعات وأثرها على الفرد والمجتمع، وعليه فالأمر والنهي فرض كفاية على العلماء والمصلحين وهو واجب أي فرض عين على الحاكم والقضاة، والخروج عنهم لا يخلو من المخاطر، أمّا الثورة عليهم تشترط القدرة وتأمين الآمنين؛ الأمر الذي يقطع ببطلان حُجة الوهابيين والداعشيين ومبتدعي نظريّة الحاكمية والإخوان المتأسلمين، ومن سلك مسلكهم.

وحريُّ بنا أن نشير كذلك إلى أن شيوخ المعتزلة قد ربطوا بين هذه القضية وقضية الإمامة أو الخلافة أو الفكر السياسي وأمور الحكم، وكذا قضية الحريّة ومرتكب الكبيرة والالزام الأخلاقي والالتزام بالآداب الشرعيّة، فالإنسان العاقل بالمفهوم المعتزلي يستطيع أن يفصل في كل هذه القضايا وتظل وظيفة المصلحين هي التنبيه والإرشاد والتذكرة ما دامت الحريّة لا تتعدى حدودها فتصبح قيودًا للآخرين أو اعتداءً عليهم أو فوضى وعبثية ومجوناً يزدريها العقل ويمُجُّها المجتمع وتهدد العدالة والأمن والاستقرار.

أمّا القضية الأخيرة وهي المنزلة بين المنزلتين (الإيمان، الكفر)، فيمكن إيجازها في ضوء ما أوردناه سلفًا في أن الشر الذي يصاحب الجرم الأخلاقي لا ينبغي التسرع في الحكم على أثره أو القطع في مآله الشرعي في الدنيا والاخرة؛ فالزاني أو السارق هو مُعتدي على حق غيره، وهو كاذب على ضميره، ومعارض ومنكر لصريح المعقول وصحيح المنقول أيضًا، وهو في هذه الحالات أمره إلى الله إن شاء غفر له إذا تاب وأناب أو عذبه، وفق إرادته ورحمته ولطفه. أمّا عن حكمه في المجتمع فهو فاسق إذا لم تثبت عليه شروط العقوبة الشرعية، وهو غير كافر لأنه عاصي لأوامر الله دون إنكار له.

أمّا العاصي الفاجر المستبيح للمحارم، فيعاقبه الله القادر الجبار بعدله.

وليس للحديث بقيّة عن غرابيل النقد عند المعتزلة، وسوف ننتقل إلى موقف الفلاسفة من الكذب في كتاباتهم الأخلاقية والسياسية.

***

بقلم: د. عصمت نصّار

توصل البروفسور يوناس فريسن، بمعهد كاروليسكا في استوكهولم، إلى أن أجسامنا تتغير كل يوم. ويتغير جسم الشخص البالغ كله تقريباً، خلال فترة تتراوح من 7 إلى 10 سنين. خلايا البشرة، تتجدد كل أسبوعين تقريباً. وخلايا الدم الحمراء، تعيش أربعة أشهر. وخلايا الكبد تعيش ما بين 300 و500 يوم.

نحن لا نلاحظ -على الأرجح- تغيّرات أجسامنا، لأننا في الأساس لا نعرف إلا القليل عن مئات الملايين من الخلايا، التي تتألّف منها أجسادنا، ولذا لا نلاحظ فناء أي منها، لكننا نلاحظ بالتأكيد أن العالم الذي نعيش فيه يتغير باستمرار. كما تتغير معرفتنا بهذا العالم. تموت أشياء في ذاكرتنا، وتحل محلها أشياء أخرى: الناس الذين نلتقيهم، والتجارب التي نخوضها، والمعارف التي نكسبها، وساعات الحزن والفرح التي نمر بها.

كثير ممن تأمل في مسألة الهوية، بدأ من هذه النقطة على وجه التحديد، من سؤال بسيط: أي سر وراء هذا الشعور العميق باستمرارية الهوية؟ نفسي التي عرفتها في الطفولة هي نفسي التي أعرفها اليوم، وستظل معي حتى نهاية العمر. هذه إشارة أولى إلى أن شخصيتي التي تتغير باستمرار في مسار الحياة، تنطوي في الحقيقة على ماهية مزدوجة، أي هويتَين أو مستويَين من التعريف: الهوية الأولى التي تصاحبني منذ أن تعرفت للمرة الأولى إلى اسمي ولوني وجنسي وعائلتي، وحتى نهاية حياتي. هذه العناصر تؤثر بعمق على نظرتي إلى نفسي ونظرة الآخرين إليّ. والهوية الأخرى أو المستوى الآخر هو الذي اكتسبته لاحقاً من خلال التفاعل مع البشر الذين أتعرف إليهم، والطبيعة المحيطة بي، ومن تفكيري في ذاتي وفي عالمي أو تفاعلي معه.

سؤال «من أنا؟» قد يشير إلى الوجود المادي للشخص، مثل كونه ذكراً أو أنثى، شاباً صغيراً أو شيخاً كبيراً، لكن هذه الأوصاف ليست عظيمة الأهمية في ذاتها، إنما ترتفع قيمتها أو تهبط، تبعاً لما تنطوي عليه من معانٍ في رأي الناس الذين أتعامل معهم، أي ما نسميه «العرف العام». ومن هنا فنحن بحاجة إلى معرفة المحيط الاجتماعي للشخص، والقيم التي يلقيها على كل عنصر من مكونات هويته. على سبيل المثال، نحتاج إلى معرفة الموقف الاجتماعي من المرأة: في مجتمع مثل أفغانستان والعديد من المجتمعات الريفية التقليدية، لن يسمح للمرأة بمعيشة معقولة خارج بيتها الخاص. أما في ألمانيا مثلاً، فيمكن لسيدة أن تصل إلى منصب رئيس الدولة. هذا يشير إلى معنى الفارق الجنسي في ثقافتَين مختلفتَين، وما يتبعه من اختلاف جذري في نوع المعاملة للذكر والأنثى في هذا البلد أو ذاك. كذلك الحال لو كان الشخص أبيض البشرة في مجتمع غالب أعضائه من السود، أو كان أسود البشرة في مجتمع أبيض. فارق اللون تترتب عليه فوارق في العلاقة بين الفرد والجماعة، وبالتالي مكانة الفرد فيها وتوقعاته منها. وهذه العلاقة تُسهم في تحديد فهم الإنسان لنفسه وللمحيط الاجتماعي. كما تُسهم في تحديد الطريقة التي يستعملها الإنسان في تقديم نفسه إلى هذا المحيط.

يوضح المثال السابق دور «الآخرين» في تحديد القيم المؤثرة في تشكيل الهوية الشخصية. وسوف نتعرف تالياً إلى حقيقة أن مشاركة كل منا في تشكيل هويته، مشروطة إلى حد كبير بالحدود التي تفرضها البيئة الاجتماعية التي نتعامل معها. خذ مثلاً العقيدة التي أدين بها، واللغة التي أتحدثها، والتي تؤثر بعمق في طريقة تفكيري واتجاهاتي، وكذا اللباس وطريقة العيش ونظام التعامل مع الناس، أي مجموعة الأعراف والنظم التي تحدد لي ما يمكن فعله وما لا يمكن، فهذه كلها يستلهمها الفرد من الأشخاص المحيطين به. وبناء على فعل الفرد وانفعاله، ورد فعل المحيط، يتحدد موقع الفرد في النظام الاجتماعي والمعايير الناظمة لعلاقته مع الآخرين.

***

د. توفيق السيف

 

في الاحتفاء باليوم العالمي للغة العربية (18 دجنبر)

لا يبرح الشعر موقعه الأول في قافلة الوجع الإنساني، قائدا خفيا لأسئلته الكبرى، وحارسا لقلقه الأزلي. وحين تكون اللغة العربية هي مركبه وموئله، يتجاوز الشعر حدّ القول إلى مقام الكينونة. يغدو قبضةً على الوجود، وسباحةً في أعالي المعنى، حيث تتعرّى الأشياء من عارضها وتستعيد أسماءها الأولى. من دونه، يبهت الأثر الثقافي، وتذوي الهوية في فراغ بلا صيرورة ولا عائد.

فالشعر، بوصفه اللسان العربي المبين في تجلّيه الأقصى، هو الفالق الواعي لطاقات التحوّل، والضامن لسرّ الصمود والاستمرار والتوهّج. وفيه تتدفّق اللغة لا كأداة عابرة، بل كدم نابض، يتآلف مع قضاياها السوسيولوجية واللسانية، من غير قطائع قسرية ولا ارتهانات عمياء، إذ يمضي المعنى في انفتاحه الحر، متجاوزا كل سياج.

غير أنّ هذا الحضور لا يعبر الزمن بلا امتحان. ففي خضمّ التسارع الهائل لعلوم الإعلام والصورة، وتحوّلات وسائط التواصل الاجتماعي والثقافي، يتسرّب شكّ خفيف، سرعان ما يستفحل، مهدّداً ميسم الشعر الراهن، ومكانته في لملمة اللحمة العربية، وحفظ مساقاتها التاريخية والمعرفية من التبدّد.

ومن قلب هذا العبور الخاطف، المكدّس بالانخطافات، تنهض مبادرات بنوايا عالية، يطلقها الغيورون على اللغة والشعر معا، ساعيةً إلى تبديد تلك المساحة الرمادية من الشك، وإلى ترميم ما تصدّع، وتحصين ما اعتراه الوهن، ورسم خرائط نجاة تمكّن رعاة العربية وشعرها من تحويل الضباب إلى يقين، والرؤية إلى بداهة لا فكاك منها.

وها نحن اليوم، نشارك في هذه الخطفة الرجيمة، لا بوصفنا شهودا فحسب، بل شركاء في الفعل، نبتغي أن نفرح قلوب الشعراء بلغتهم، وأن ننشدها على اتساع الأفق، قريبةً من حساسيات الجديد في الزمن والإنسان والمستقبل، كي يظل الشعر جسرا بين ما كنّا وما نصير، ونبضاً لا يخفت في جسد العربية.

وإذا كان الفرحُ هو ما يعنينا، من جهة الشعر، فإن النظر بعين القلب يظلّ أقصر المسالك إلى الحبّ الإنساني، وأصدقها وصولا. غير أن اللغة التي تعبر هذا الأفق مطالبة بأن تسلك الدرب الوعر ذاته، بلا ازدحامٍ بلاغي ولا تبريرٍ زائد، إذ إن الشعر، حين يُرى بالشعر، لا يبيح رهن أبواب المعنى كلّها، ولا يقبل أن تُقفل أصالته وعراقته وامتداده التاريخي في قفص الماضي. فهو لا يستدين راهنه من زمنٍ مضى، بقدر ما يستريح على أفق التطوير، ويأنس للتحديث، ويمضي في امتدادٍ سلس لا ينقطع.

ولعلّ في هذا الأفق الرحب، الممتدّ بين لغتنا الضادّية ولغات العالم الأخرى، ما يؤسّس لتجارب مسلكية تداولية أكثر اقترابا من نبض الكونية، لا بوصفها تعميما أجوف، بل باعتبارها استعادةً لجوهر الوجود وأخلاق العالم. فالشعر، بهذا المعنى، يوازي عطاياه بنفس الروح التي تنشغل بها علوم القلب، تلك التي تتحسّس طريقها نحو روحٍ مغيّبة في عالمٍ ماديٍّ متصنّع، أصمّ في بؤر الحروب، وأعمى في ميادين القتال المبرَّر بفظاعة.

إننا، إذ نمتثل لأحلام روحنا العربية، إنما نراهن على أن تتجسّد مواثيق اتصالها بالعوالم الأخرى، عبر تمكين لغتنا الشعرية من القبض على الهارب، لا افتراسا بل مصالحة، لا هيمنةً بل سلاما، تحقيقاً للمسالمة، وترسيخا للمصالحة، وإنضاجا لقيم التسامح.

وقد ظلّ الشعر العربي، في امتداده الصيروري المتراكم، مؤسِّسا لنظامه الذاتي والمعرفي، محرضا على الجمال، متورعا في زوايا الروح الكاملة، مشهرا سيف عشقه لا ليجرح، بل ليعلن اكتمال القمر، وارتفاع شمسه المنيفة، في ليل العالم الطويل.

فكيف يحرس الشعر العربي قلقَ العالم؟ وأيّ سرٍّ هذا الذي يجعله، إلى اليوم، قادرا على ملامسة الجرح الكوني من داخل لغته الخاصة؟ وهل ثمّة ما يُغذّي حماسة شعريّتنا العربية ويُرسّخ أثرها في التاريخ الإنساني، لا بوصفها ذاكرةً منقضية، بل باعتبارها طاقةً فاعلة في تشكيل الوعي الحضري للآخرين والتأثير في مخيالهم؟

وهل يستجيب تحوّل العالم إلى صناعةٍ ترجمية، تُعيد وصل الثقافات وتداخل المنظومات القيمية المتعدّدة، لأنماطنا الثقافية واللغوية التي تأسّست في غابر الأزمنة؟ أم أن تلك الأنماط مطالَبة اليوم بأن تعيد ابتكار نفسها، لا لتنجو فحسب، بل لتشارك في صياغة معنى العيش المشترك في عالمٍ يتغيّر على نحوٍ فائق السرعة؟

ثم، هل نملك الآن الشجاعة الجمالية والمعرفية لاختراع طرقٍ جديدة لمعاودة التأسيس، وردّ الروح إلى ما تاه منها، وإعادة وصل الشعر بمصادر دهشته الأولى، من دون الارتهان لنوستالجيا الماضي أو الذوبان في استنساخ الآخر؟

إنها أسئلة تتكثّف في وجدان الراهن الثقافي العربي، الذي لا يزال يتلمّس خطاه في طريق وعِر نحو الوجود المتعدّد للعالم الجديد. وجودٍ لا يقوم على الإلغاء، بل على الحوار، ولا على الانغلاق، بل على الانفتاح الخلّاق.

وبين هذه الرهانات الكبرى، وما يعتري الثقافة الشعرية من تحوّلات، في صراعاتها المتلاحقة مع أنماط جديدة تميل إلى التقليد، واهتزاز المعنى، وتدافع قيم الكتابة، وتراجع المقروئية، يطفو إلى السطح قلقٌ عميق: خوفُ استشكال الشعر ذاته، لا كنصّ فحسب، بل كنظام رمزي عربي مؤسِّس للهوية والوجدان، وحاملٍ لذاكرة جماعية مهدّدة بأن تفقد صوتها إن لم يُعاد الإصغاء إليها من جديد.

***

د. مصـطـفــى غَـــلمـان

أيُّ نبوءةٍ ألقىَ بها شاعرُ النّيل على مَسْمَع الدّهر عندما وصف لغتنا العربيّة الجميلة بالبحر

فى الثامن عشر من شهر ديسمبر الجاري من كلّ عام تحتفل الأوساط الأكاديمية في الوطن العربي، وفى سائر انحاء العالَم بلغتنا العربية الجميلة باعتبارها لغة حيّة، عالمية، رسميّة متداولة ومُستعملة، في جميع المحافل والهيئات والمنظمات الدّولية.

جاء هذا الاعتراف المستحقّ بكلّ المعايير على الصعيد الدولي بعد جهودٍ مضنية ومتوالية انطلقت بعد أن أقرّت منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) ذلك، في الدورة الثانية والتسعين لمجلسها التنفيذي المنعقد عام 2012، قبل أن تقرّر الملحقة الاستشارية للخطة الدّولية لتنمية الثقافة العربية المعروفة بـ (أرابيا) المنبثقة عن اليونسكو هذا اليوم عنصراً أساسيّاً في برنامج عملها المتواتر في هذا المجال.

ويؤكّد الخبراءُ المتخصّصون في هذا المجال أن قرار منظمة اليونيسكو جاء في سياق سلسلة من القرارات الدولية الأخرى للأمم المتحدة، ومنظماتها حول اللغة العربية، من بينها القرار(878) الصّادر عن الدّورة التاسعة للأمم المتحدة المنعقدة عام 1954، الذي كان قد أجاز الترجمة التحريرية لوثائقها إلى اللغة العربية، لتقرّر منظمة اليونسكوالعالمية عام 1966 استخدامَ اللغة العربية في المؤتمرات الإقليمية التي يتمّ تنظيمها في البلاد العربية، بالإضافة إلى إجازة المنظمة ترجمة الوثائق والمنشورات الصّادرة والمنبثقة عنها إلى اللغة العربية، ثم قرّرت اليونسكو كذلك في السّنة نفسها تقوية وتعزيز استعمال العربيّة في أعمالها، من خلال إقرار خدمات التّرجمة الفورية من اللغة العربية إلى غيرها من اللغات الأخرى الحيّة والعكس في جلساتها العامة، وعند مشارف عام 1968 تمّ اعتماد العربية لغة عملٍ في هذه المنظمة الدولية، مع ترجمة مختلف وثائق العمل، وكذلك المحاضر إليها فضلاً عن توفير، وتأمين الترجمة الفورية بصفة نهائية في مختلف دوراتها واجتماعاتها .

على الرّغم من هذه المكاسب المهمّة التي حققتها اللغة العربية على المستوى الدولي ما زالت تتوالى الدّراسات، وتُطرح التساؤلات، وتثار التخوّفات عبثاً في المدّة الأخيرة عن مدى قدرة اللغة العربية على استيعاب العلوم الحديثة ومواكبة العصرنة والابتكار والتجديد الذي لا تتوقّف عجلاتُه ولا تني، وتخوّف فريق من عدم إمكانها مسايرة هذا العصر المتطوّر والمُذهل في مختلف المجالات .

كما تحمّس بالمقابل فريق آخرمُحقّ فأبرز إمكانات هذه اللغة وطاقاتها الكبرى، مستشهداً بتجربة الماضي، حيث بلغت لغة الضاد في نقل العلوم وترجمتها شأواً بعيداً، وهكذا كثر الكلامُ وتعدّدت النقاشات في هذا المجال حتى كاد أن يُصبح حديثَ جميع المجالس، والمنتديات، والمؤتمرات، في مختلف البلدان العربية وخارجها.

الحرف والخطّ العربيّان

تعدّدت النداءات منذ أواسط القرن الفارط إعتباطاً بضرورة إصلاح، وتحسين الحرف والخطّ العربييْن تحت ذريعة إدعاء التطوّر ومواكبة العصر، إلاّ أنّ هذه النداءات والإدّعاءات الباطلة سرعان ما باءت جميعها بالفشل الذريع، وظلّت الغلبة للأشكال المتوارثة، والأنماط المعروفة التي كتبت بها عشرات الآلاف من المخطوطات والكتب في مختلف الميادين العلميّة، والفلسفية، والتاريخية، والأدبية وسواها.

فقد زعم البعض أن شكلَ الحرف العربي الرّاهن وتركيبه لا يتّفق مع العصر، فقدّم لنا في هذا السياق بعضُ الباحثين أشكالاً متباينة لخطّ جديد تشبه إلى حدّ بعيد رسوم الخط الإفرنجي، غير أن القارئ العربي اكتشف منذ الوهلة الأولى أنها في غالبيتها أشكال غريبة عليه يمجّها الذوق السليم، بل إنها تكلّفه عناءً شديداً في هجاء حرف واحد منها، والحقيقة أن جمالية الخطّ العربي أو حرفه لا تبارىَ، فقد ثبت الآن أنه حرف مثالي في جمال تكوينه وشكله وتنوّعه، وإلتوائه، واستوائه، وتعريجاته، واختصاره، وإن الصفحة الواحدة من الكتاب العربي لو كتبت بالحرف اللاتيني لاحتاجت إلى صفحتين على الأقل، فالكتاب المؤلف من مئة صفحة بهذا الخط الجميل لا يمكن رصفه بأقل من مئتي صفحة بالحرف اللاّتيني، ثم أن تطوّر واستعمال الحواسيب الإلكترونية المتطوّرة الحديثة تتّجه سريعاً نحو أساليب جديدة مبتكرة للكتابة، ومعنى ذلك هو العدول بالتدريج عن أسلوب الرصف الحرفي واختصار القوالب، وقد توصّل بعض العلماء إلى ابتكار رسوم حديثة للحرف العربي لا تخرجه عن شكله، ولا تبعده عن أصله، ومع استعمال الكومبيوتر والحواسيب واحتضانها وانتشارها وقبولها للحرف العربي بسهولة ويُسر بنجاح باهر وبنتيجة مُذهلة، ومن ثمّ سقطت دعوى هؤلاء الدّاعين إلى استبداله بالحروف اللاّتينية، وبذلك يفقد خصوم هذه اللغة معركتهم الادّعائية الأولى الزائفة معها .

الحرف العربيّ والحرف اللاّتينيّ

إنه لمن المستغرب أن نجد بين ظهرانيْنا من ما فتئ يدعو إلى استبدال الحرف العربي بالحرف اللاتيني، متّخذين ممّا ابتدعه مصطفى أتاتورك للّغة التركية مثالاً يُحتذى، وكذلك بدعوى إدّعاء السّهولة واليُسر وضبط الكتابة، وإبراز حركات الحروف، وهذه الدعوى التي تحمّس لها بعض خصوم هذه اللغة عرباً كانوا أم أجانب سرعان ما اتّضح لهم أنها كانت باطلة من أساسها . ومن بين المفكرين الذين كانوا قد تحمّسوا لهذه الدعوى الكاتب المصري سلامة موسى، الذي دافع عن هذه الفكرة دفاعاً مستميتاً، وقدّم تبريرات ومقترحات في شأنها، إنه يقول في هذا الشأن : " هذا السّخط الذي يتولاّنا كلما فكّرنا في حالنا الثقافية وتعطيل هذه اللغة لنا عن الرقيّ الثقافي، تزيد حدّته كلما فكّرنا وأدّى بنا التفكير إلى اليقين بأن إصلاحها مستطاع، والقلق عام ولكنّ الجُبن عن الابتكار أعمّ"، وهكذا وئدت هذه الدّعوى فى مهدها .

إشكالية النّحو العربيّ

كثيراً ما يشتكي النشء الصّاعد من متعلّمي اللغة العربية في مختلف البلدان العربية وسواها ممّا يسمّونه إعتباطا بصعوبة نحوها، وكان أحد البّاحثين المغربة وهو الاستاذ أحمد عصيد قد ذكر في هذا القبيل بما سمّاه " الصّعوبات الجمّة" لهذا النّحو، حيث يقول في ذلك : " ونعتقد أن الأوراش الكبرى للغة العربية التي يعيها الأخصائيون في هذه اللغة وعيا تاماً تتعلق أساسا بضرورة النظر في النحو العربي وتحديثه، بسبب الصعوبات الجمّة التي يصادفها الأطفال والكبار على السّواء في تعلمه، وكذا النظر في الإملاء وتنميطه تنميطا حديثا" . وهذا الذي ذهب اليه الباحث المغربي لا يستند الى أساس وهو من باب إطلاق الكلام على عواهنه بدون رويّة ولا تفكير أو تدبير.

تجدر الاشارة فى هذا الصدد بهذه المناسبة أنّ الخطأ الفادح الذى يقع فيه واضعو مناهج التعليم في معظم البلدان العربية كونهم يلقّنون القواعد في صورتها الجافة قبل النصوص، في حين نجد القائمين على مناهج التعليم في المدارس الأوروبية على اختلافها يعوّدون التلميذ على التعامل مع النصوص في المقام الأول، فهو يقرأ ويعيد ويحفظ من غير أن يكون ذا إلمام بعلم النحو، ثم يطبّق بعد ذلك ما قرأه على القواعد، فإذا أردنا الخروج بنحونا من هذه الصلابة التي تنسب اليه افتراءً علينا أن نكثر في المراحل الأولى من مناهج تعليمنا من النصوص، فالتعامل مع النصوص يكسب الطالب أو المتعلّم سليقة فطرية، ويعوّده بطريقة تلقائية عفوية على أشكال الحروف وبنائها وتراكيبها وتعدّد أساليبها، فقد وجدت النصوص مذ كانت العربية، أمّا النحو” كعلم قائم مدوّن” فلم يوضع إلاّ في زمنٍ متأخّر، أيّ في القرن الأوّل الهجري على يد الخليل بن أحمد الفراهيدي كما هو معروف.

إشكاليّة شَكْل الحرُوف

وتنبثق عن النحو العربي مسألة اخرى يرى فيها البعض مشكلة قائمة بذاتها وهي مسألة” الشّكل” شكل الحروف العربية تفادياً للغموض والّلبس والإبهام. وهناك إتهام مشهور يوجّه لأبناء اللغة العربية، في هذا الصدد، وهو أنه حتى كبار دارسيها يحارون أو يتعثّرون في بعض الأحيان عند قراءة نصّ من النصوص العربية مخافة الخطأ او اللحن ومن أجل شكلها شكلاً صحيحاً. على حين أننا نجد القارئ الفرنسي، أو الإسباني –مثلا- حتى وإن كان دون مستوى مرحلة الثانوية العامّة يقرأ النصوصَ في لغته بطلاقة من غير أن يرتكب خطأ واحداً، و يرى البعض أنّ هذه المسألة من أخطر الإتهامات التي توجّه للغة العربية، ويرى الباحثون فى ذلك رأيين إثنين، يقول الأوّل:أن اللغة العربية ليست صعبة كما يدّعون، بل إن النقص كامن فيمن لا يجيدها حقّ الإجادة، وإذا كان المرء عالماً بأصولها، مطلعاً على أسرارها، دارساً لقواعدها، ملمّاً بأساليبها فإنّه لا يخطئ أبداً، في حين يذهب الرأى الآخر أن العربية فعلا تشكو من هذه النقيصة، ففيما يخصّ شكل الكلمات على الأقل. هناك كلمات يحار المرء في قراءتها القراءة الصحيحة وقد يقرأها على غير حقيقتها، وهناك كلمات أخرى يمكن نطقها على عدّة أوجه، وهذه مشكلة في حدّ ذاتها، ولكن كما أسلفتُ آنفا فإنّه مع المِران، والممارسة، والمثابرة الحثيثة والقراءة المتعدّدة وتتبّع السياق كل ذلك يساعد على تفادى أمثال هذه الأمور التي لم تكن ابدا حائلاً دون التأليف والخلق والإبداع المستمر والمتواصل على إمتداد التاريخ العربي الحافل بجليل الآثار في كل علم.

الفصيح أم العاميّ فى اللغة

ومن المعروف ان الدراسات قد تعدّدت بين مؤيّدٍ للعامية متعصّب لها بدعوى التبسيط والسهولة واليُسر، وبين متمسكٍ بالفصحى لا يرضى بها بديلا أمثال فقد تحمّس للفصحى كتّاب كبار لهم وزنهم في تاريخ الأدب العربي قديمه وحديثه أمثال طه حسين، والعقاد، والرافعي، والمنفلوطي، والبارودي، وحافظ، وشوقي، وهيكل، وعبد الله كنون، ومحمد الفاسي، وعبد العزيز بنعبد الله وسواهم، والحقيقة أن الغلبة كانت دائماً للفصحى على الرّغم من هذه الدعوات والمحاولات، فكم من كاتب نادى وتحمّس للعاميّة وعمل على نشرها وتعميمها، ثمّ سرعان ما عاد ليكتب بفصحى ناصعة صافية نقيّة، وكمثال لما نقول كان الكاتب المصري الرّاحل القاصّ محمود تيمور فى فترة مّا من حياة قد تحوّل عن الفصحى إلى العامية بل إنه كتب قصصاً بها غير أنه سرعان ما عاد كاتباً عربياً مبيناً، بل ومتحمّساً كبيراً للفصحى ومدافعاً عن لوائها كعضو بارز في مجمع اللغة العربية بالقاهرة. ودعوات الأديب والشاعر اللبناني المعروف سعيد عقل، إلى إستعمال العامية معروفة وسال من أجلها حبر غزير.

هذا وكان قد أثير في المغرب في السنوات الأخيرة نقاش حامٍ حول هذا الموضوع سرعان ما خبا أوارُه، وخمدت نارُه، حيث دعا بعضُهم إلى إستعمال «الدّارجة» (العاميّة) بدل الفصحى في بعض مراحل التعليم، وعزا هؤلاء عن غير رويّة، ولا بيّنة ولا علم ولا برهان المشاكل التي يتخبّط فيها التعليم في هذا البلد الى اليوم وفى سواه إلى هذا الأمر، ولكن هذه الدعوة الباطلة سرعان ما وئدت هي الأخرى في مهدها مثل سابقاتها .

المستشرقون ولغة الضّاد

ونقدّم فيما يلي بعض الشهادات التي ادلى بها بعض المستشرقين والمستعربين الأجانب من مختلف الجنسيات عن مدى قوّة وصلابة وحياة اللغة العربية، يقول المستشرق الفرنسي المعروف «لوي ماسّنيون» في كتابه (فلسفة اللغة العربية): «لقد برهنت العربية على أنّها كانت دائما لغة علم، بل وقدّمت للعلم خدماتٍ جليلةً باعتراف الجميع، كما أضافت إليه إضافات يعترف لها بها العلم الحديث، فهي إذن لغة غير عاجزة البتّة عن المتابعة والمسايرة والترجمة والعطاء بالرّوح والقوّة والفعالية نفسها التى طبعتها على إمتداد قرون خلت، إنها لغة التأمل الداخلي والجوّانية، ولها قدرة خاصّة على التجريد والنزوع إلى الكليّة والشمول والإختصار..إنها لغة الغيب والإيحاء تعبّر بجملٍ مركزة قصيرة مقتضبة عمّا لا تستطيع اللغات الأخرى التعبير عنه إلاّ في جُمَلٍ طويلة ممطوطة». ويضرب ماسّينيون لذلك مثالاً حيذاً وطريفاً فيقول: «للعطش خمسُ مراحل في اللغة العربية، وكلّ مرحلة منه تعبّر عن مستوى معيّن من حاجة المرء إلى الماء، وهذه المراحل هي: العطش، والظمأ، والصَّدَى، والأُوّام، والهُيام، وهو آخر وأشدّ مراحل العطش، وإنسان «هائمٌ» هو الذي إذا لم يُسْقَ ماء مات»، ويضيف ماسّينيون: «نحن في اللغة الفرنسية لكي نعبّر عن هذا المعنى ( هائم) ينبغي لنا أن نكتب سطراً كاملاً وهو: «إنه يكاد أن يموت من العطش» ولقد أصبح «الهيام»(آخر مراحل العطش وأشدّها) كناية عن العشق الشّديد. وآخر مراحل الهوى، والجوى، والوله، والصّبابة كما هو معروف هو الهيام .

يرى «بروكلمان» أن معجم اللغة العربية اللغوي لا يضاهيه آخر في ثرائه وغناه . وبفضل القرآن بلغت العربية من الاتّساع إنتشاراً تكاد لا تعرفه أيُّ من لغات الدنيا. ويرى «إدوارد فان ديك»: أن العربية من أكثر لغات الأرض ثراءً من حيث ثروة معجمها وإستيعاب آدابها. ويقول المستشرق الهولندي المعروف «رينهارت دوزي» (صاحب معجم الملابس الشهير) : " أن أرباب الفطنة والتذوّق من النصارى سحرهم رنين وموسيقى الشّعر العربي فلم يعيروا إهتمامًا يُذكر للغة اللاتينية، وصاروا يميلون للغة الضاد، ويهيمون بها" .

ويؤكّد المستشرق الالماني " يوهان فك" صاحب كتاب (العربية : دراسات فى اللغة واللهجات والاساليب): " أن التراث العربي أقوى من كلّ محاولة لزحزحة العربية عن مكانتها المرموقة في التاريخ». ويشير العالم الفرنسي المعروف كذلك “جان بيريك “: «انّ العربية قاومت بضراوة الاستعمار الفرنسي في المغرب، وحالت دون ذوبان الثقافة العربية في لغة المستعمر الدخيل». وـأمّا «جورج سارتون» فيشير عن اقتناع : «أصبحت العربية في النّصف الثاني من القرن الثامن لغة العلم عند الخواصّ في العالم المتمدين». و تجدر الاشارة أن هناك العشرات من أمثال هذه الشهادات الحيّة والصادقة التي لم تُخْفِ إعجابها الكبير بلغة الضاد يضيق المجال لسردها في هذا المجال لكثرتها .

***

د. السّفير محمّد محمّد خطّابي

كاتب وباحث ومترجم من المغرب،

بمعزل عن المرجعيات النصية وتعدد قراءاتها، يمكن النظر إلى الوعي البشري بوصفه صيرورة زمنية لا تستقر، فهو ليس بنية مكتملة ولا معطى جاهزًا، بل حركة دائمة تتشكل عبر التجربة، والاحتكاك بالعالم، وإعادة تأويل ما نظنه يقينًا. الوعي لا يعيش خارج الزمن، بل يُصاغ داخله، وما يبدو ثابتًا في لحظة ما سرعان ما يتحول، في لحظة لاحقة، إلى سؤال مفتوح أو افتراض قابل للمراجعة. فاليوم ليس هو الغد، والغد لا يعود إلى اليوم، لأن الزمن نفسه يعيد تشكيل المعنى باستمرار.

في هذا الأفق المتحوّل، تبرز الصدفة بوصفها عنصرًا مركزيًا في تشكيل المصائر الإنسانية. غير أن الصدفة هنا لا تُفهم باعتبارها عبثًا محضًا، بل بوصفها تقاطعًا غير متوقع لسلاسل سببية متعددة، تتلاقى في لحظة واحدة لتُنتج حدثًا لا يمكن التنبؤ به. الإنسان يعيش داخل هذه الشبكة الكونية المعقدة دون أن يمتلك السيطرة الكاملة عليها، ومع ذلك يُطالَب دائمًا بتحمل نتائجها. هذا التوتر بين محدودية السيطرة وعبء المسؤولية يشكّل أحد أعمق أزمات الوجود الإنساني.

في الحياة اليومية، تتجلى هذه الإشكالية بوضوح في الحوادث المفاجئة. إنسان يخرج من بيته في لحظة عادية، ليصطدم بمصير لم يكن في الحسبان. قد يكون السبب إهمالًا بشريًا، أو شرودًا عابرًا، أو ظرفًا خارج نطاق التخطيط. غير أن الحدث، مهما بدا عابرًا، لا يتوقف عند لحظة وقوعه؛ بل يطلق سلسلة طويلة من الآثار النفسية والاجتماعية والاقتصادية. عائلة تتغير بنيتها، أطفال يُعاد تشكيل وعيهم على الفقد، ومستقبل يُعاد رسمه تحت وطأة الغياب. الحدث الفردي يتحول إلى تاريخ صغير، وقد يمتد أثره عبر أجيال، لا بالفعل المباشر، بل بما يخلّفه من ذاكرة ومعنى وجرح صامت.

هنا يطفو السؤال الفلسفي الحاسم: من المسؤول؟ هل هو الإنسان بوصفه فاعلًا أخلاقيًا؟ أم بنية الحياة التي تسمح بهذه التقاطعات القاسية؟ أم أن الكون ذاته يعمل وفق نظام لا يضع الإنسان في مركزه؟ لعل المسؤولية، في هذا السياق، ليست حكرًا على طرف واحد، بل موزعة بين الفعل البشري وحدود العقل وطبيعة الوجود. فالإنسان فاعل، لكنه ليس مطلق الحرية، ومخيّر في بعض أفعاله، ومقيد بسياقات لا يختارها في كثير من الأحيان.

ومع ذلك، فإن الحياة لا تتوقف عند حدود الألم. فمن رحم الصدمات تولد الأسئلة، ومن الأسئلة تتشكل المعرفة. الحوادث تُنتج قوانين، والفقد يولّد وعيًا جديدًا بقيمة السلامة والتنظيم، والرغبة في تقليل الخسائر. كأن التجربة الإنسانية لا تتقدم إلا عبر الانكسار، ولا تعيد بناء ذاتها إلا بعد مواجهة حدودها.

ورغم تراكم هذه المعارف، يبقى الشك حاضرًا: هل ما ننتجه من معرفة هو اقتراب فعلي من الحقيقة، أم مجرد سرديات مؤقتة تمنحنا القدرة على الاستمرار؟ ربما لا تكمن الإشكالية في غياب الحقيقة، بل في اعتقادنا بإمكانية امتلاكها كاملة. فالحياة، في جوهرها، ليست إجابة نهائية، بل سؤال متجدد، وما الإنسان إلا كائن يسير داخل هذا السؤال، محاولًا أن يمنحه معنى، ولو كان مؤقتًا.

***

فؤاد الجشي

 

لم تَتَطوّر الدراساتُ العربيةُ في إيطاليا في العصر الحديث بمعزلٍ عن مشاغلِ الكنيسة، ما جعلها مصبوغةً منذ مستهلّ انطلاقتِها بخياراتٍ دينيّةٍ، أبقت تعليمُ اللّغةِ العربية وتعلّمُها، إلى تاريخ قريب، حكرًا على رجال الدين وعلى طلاب الدراسات اللاهوتية الكاثوليك. لكن في خضمّ ذلك المسار لاحت بوادر انعتاقٍ من الاحتكار الكَنَسيّ، الذي طالما تحكّم بهذا المبحث، ليشهدَ المجالُ تطوّراتٍ حثيثةً في الأوساط غير الدينيّة، لا سيما منذ توحيدِ إيطاليا وإشراف الدولة على قسطٍ وافر من المؤسّسات التعليمية. وبشكلٍ عامٍّ توزّعَ المستشرِقون والمستعرِبون الإيطاليون عبْر تاريخهم ضمن ثلاثة أصناف: صنفٌ في خدمة الكنيسة، وصنفٌ اِنشغل بخدمة الأغراض الاستعماريّة، وصنفٌ اِنساق لتلبية احتياجات الدولة، مع تداخلٍ في بعض الأحيان في الأدوار بين هذه الأصناف.

فبتَتبُّع مسار الاهتمام بلغة الضاد وبالدراسات العربية في هذا البلد، يُمكِن العودةُ بالانشغال إلى البابا كليمنت الخامس (1264-1314م)، الذي حثَّ في إحدى عظاته في فيينّا، سنة 1311م، على ضرورة إيلاء تدريس العربية والعبرية والكلدانية والسريانية عناية في مختلف العواصم الأوروبية، بغرض أداء العمل التبشيريّ على أحسن وجه. وتُعدّ تلك الدعوة -وبصرف النظر عن مغزاها- عاملًا مهمًّا في لفت الانتباهِ إلى العربية والحثّ على الإلمام بها.

حواضر تدريسِ العربيّة

ضمن هذا السياق، يُمكِن الحديث عن حواضر رئيسيةٍ أربع في إيطاليا شهدت مبكّرا تدريس اللغة العربية، حتى غدت مراكز تاريخية في هذا المجال. تُعتَبر روما الأعرق في المجال بين سائر المدن الإيطالية وذلك منذ العام 1575م، حيث لم يدّخر البابا سيكتوس الرابع (1414-1484م) جهدًا في تكليف مكتبة الفاتيكان بمهامّ تدريس العربية وتهيئة الإطار اللازم لذلك، وإن جاء تدريسُ العبرية أسبق بما يعود إلى العام 1482. ما جعل روما، بين مطلع القرن السادس عشر وموفى القرن السابع عشر، تحوز الصدارة بين حواضر أوروبا في الدراسات الشرقية وفي تعليم اللغات، الذي شمل الأرمينية والقبطية، فضلا عن اللغات السامية الرئيسة. لكن مع توحيد إيطاليا، خلال العام 1861م، بدأ تراخي الطوق الذي ضربته كنيسة روما على تعليم اللغات الشرقية عامّة، ومنها العربية، وذلك لفائدة خيارات ذات طابع لائكيّ. وتدعَّمَ ذلك منذ تولّي المستعرِب ميكيلي أمّاري صاحب مؤلّف "تاريخ مسلمي صقلية" (1854-1872) مقاليد وزارة التعليم في حكومة فارينا (1862-1864)، وهو ما انعكست آثاره على كلية الآداب والفلسفة حينها، بخروج جامعة روما من الهيمنة البابوية واتخاذها طابعًا علمانيًّا (1871-1875)، حيث تولّى لويجي فنشنسي تدريسَ العبرية، وباولو سكاباتيشي السريانية، وجوهانس بولينغ العربية.

حذَتْ نابولي حذو مدينة روما، فكان تشييد "المعهد الجامعي الشرقي"، المعروف بـ "الأورِيِنْتالي" والتابع حينها إلى رهبانية معهد عائلة يسوع المسيح المقدّسة، والذي يُعزى الفضل في تأسيسه إلى المبشّر ماتيو ريبا. فقد حاز المعهد اعترافَ البابا كليمنت الثاني عشر في السابع من أبريل 1732م ويُرجَّح أنّ تدريس العربية قد انطلقَ في السنة نفسها، حيث لم تمضِ سوى بضع سنوات حتى بات محجًّا للدارسين والطلّاب من مختلف الأصقاع. ففي سنة 1747 اِلتحَقَ بالمعهد فتيةٌ وفدوا من الدولة العثمانية، من ألبانيا والبوسنة واليونان ولبنان ومصر، بغرض تكوينهم وسيامتهم كهنة للتبشير بالكاثوليكية في بلدان المأتى. وبعد توحيد إيطاليا بات المعهدُ يضمّ قسميْن: قسمٌ قديم للتبشير وآخر مستحدث خُصِّص للشبان الوافدين من خارج المؤسسات الدينية اهتمّ باللغات الشرقية.

بينما اِنطلق تدريسُ العربية في مدينة باليرمو مع إنشاء كرسي اللغة العربية في أكاديمية الدراسات سنة 1785م. ومن الطريف اقتران تلك البداية بفضيحة أكاديمية، حيث انْتحلَ شخصٌ صفة أستاذ وتولّى مهامّ تدريس العربية، غدت ذكراه مدعاة للتندّر في الأوساط العلميّة. حيث اِدّعى زورًا الراهب جوسيبي فيللا، الذي يَعرِف مفردات متناثرةً من العربية جنب لغته الأمّ المالطية أنّه يحذق العربية، وانتحل صفة مؤلِّف لعملٍ تاريخيٍّ، بما خوَّلَ له اعتلاء كرسي العربية حديث التأسيس، فطفق يدرّس المالطية المطعَّمة بمفردات عربية على أنها الفصحى، معتمدًا في ذلك الأبجدية العربية. حادثة "الخدعة السراسينية"، كما باتت تعرف، تحوّلت في فترات لاحقة إلى موضوع طريف للتندّر، مع بعض الشعراء والكتّاب الإيطاليين، كجوفاني ميلي وليوناردو شاشا وأندريا كاميلاري.

وفي مرحلة متأخّرة اِنضمّت البندقية إلى صفِّ تلك المدن الرائدة، تحت حافز الرحلة والتجارة، وبرغم الموقع المتقدّم الذي حازته المدينة في علاقتها بالشرق، فقد تأخّرت نسبيًّا في تشييد معلم علميّ يتكفّل بالدراسات العربيّة، رغم أنّ حاجة ماسّة إلى ذلك لاحت منذ وقت مبكّر، منذ إعداد ما كان يُعرَف بـ "الـدراغوماني السبعة"، أي التراجمة السبعة، بغرضِ تكليفهم بمهامّ الوَسَاطة مع الدولة العثمانية. ولم يتسنَّ تدريسُ اللغة العربية في مؤسّسة علميّة سوى مع تأسيس المعهد العالي للتجارة سنة 1853م، وقد اعتنى بالتخصصات الاقتصادية والتجارية، إلى جانب عنايته باللغات الأجنبية بهدف الدفاع عن المصالح الإيطالية في الخارج. وبشكل عامّ اِنحصر تعلُّمُ العربية، حتى القرن التاسع عشر، في أوساط التجّار والسّاسة ممن يتردّدون على البلاد العربية. فكانت معرفةٌ لغرض التواصل، وافتقرت إلى الأسس العلمية المتينة، وهكذا نُشرت قواميس في الغرض أحدها لأوغو دي كاستلنوفو ورفائيل دي توتشي سنة 1912، بالإضافة إلى طبع مجلّدين للنحو العربي في ميلانو سنة 1912 من إعداد أوجينيو ليفي.

ولم يشتد عودُ التصنيف العلميّ في مجال الدراسات العربية سوى في مراحل لاحقة. حصل ذلك في مرحلةٍ أولى مع نشرِ مؤلّف إيطاليٍّ للاورا فيشيا فالياري "النحو العربي بين النظرية والتطبيق" سنة 1936، وقد بات مرجعًا، نهلت منه أجيالٌ عدة ولا يزال حاضرًا في التعليم رغم تسرّب انتقادات إليه باعتباره يعرض عربية مشوبة بأجواء الإماء والجواري والنّوق. ثم أُتبعَ بقاموسٍ عربيّ إيطاليّ من إعداد ريناتو ترايني نشره "معهد الشرق بروما" (1964-1965)، لا يزال يُعدّ الأفضل في الساحة الإيطالية. ليلتحقَ مؤلّف إيزابيلا كاميرا دافليتو "الأدب العربيّ المعاصر من النهضة إلى اليوم" (1988) بثلاثية المؤلفات المرجعية التي لا غنى للباحث أو الطالب في أقسام الدراسات العربية عنها.

الدراسات العربيّة والمستعمِر

رافقت العنايةُ باللغة العربية اهتمامات بطباعةِ المؤلّفات المدوَّنةِ بالحرف العربيّ، وذلك منذ وقت مبكر، فكان طبعُ أولى نسخ القرآن الكريم في البندقية سنة 1537م، وإن تمَّ إتلافها بأمرٍ من البابا بولس الثالث (1468-1549م) على ما أورده الباحث أنجيلو ميكيلي بيمونتيزي في مؤلّفه: "البندقية وانتشار الأبجدية العربية في إيطاليا"؛ بالإضافة طُبعت نسخةٌ عربيةٌ من الأناجيل في المطبعة الفاتيكانية يعود تاريخها إلى العام 1590م. لتتوالى المطبوعات بنشرِ أربعة مجلّدات من "القاموس المحيط" للفيروز آبادي، وإن سبق ذلك وجود قواميس عربية مخطوطة بخطّ اليد، منذ أواخر القرن الثاني عشر ومطلع القرن الثالث عشر، على غرار القاموس العربيّ اللاتينيّ المودَع اليوم في مكتبة ريكارديانا في مدينة فلورانسا.

ولئن كانت الدراسات العربية الوسيطة والحديثة في إيطاليا كنسيّةَ المنشأِ فإن الحاضنة المعاصرة هي استعمارية. فقد اِنضمّ ثلّةٌ من آباء الاستشراق الإيطاليّ الحديث إلى "لجنة المصالح الاستعمارية المكلَّفة بالشؤون الإسلامية" - Commissione per lo studio delle questione islamiche d’interesse coloniale - سنة 1914، منهم ليونه غايطاني وكارلو ألفونسو نللينو ودافيد سانتيللانا، وهذا الأخير هو تونسي يهودي الديانة عُيِّن سنة 1913 أستاذا للتشريع الإسلامي في جامعة روما. وقد أورَدَ الباحث فلافيو ستريكا في بحثٍ بعنوان: "كارلو ألفونسو نللينو ومشروع احتلال ليبيا"، في مجلّة "حوليات" الصادرة عن كلية العلوم السياسية في كالياري (سنة 1983) أنّ المستشرِقَ نللينو قد شارك في مجمَل الاجتماعات واللّجان التي أَسْدت المشورة للمستعمِر بشأن القضايا الإسلامية إبّان احتلال ليبيا.

خلال تلك الحقبة شهد الاهتمامُ بالعربيّة تحوُّلًا، فقد تزايدت العناية باللهجات. حيث نشر ألفريدو ترومبيتي في مدينة بولونيا كتابًا عن اللّهجة الطرابلسيّة سنة 1912. وتقريبا في الفترة نفسها اِشتغل كارلو ألفونسو نللينو على الدارجة المصرية (1913)، حيث لا يزال عمله يُعَدّ من المصادر الأساسية إلى الحاضر. لتغدو اللهجات العربية من بين المحاور التقليدية التي يوليها الباحثون الإيطاليون اهتمامًا. وفي مرحلةٍ لاحقةٍ اهتمّت إستر بانيتا بالدارجة والفولكلور في بنغازي (1964). وتواصلَ ذلك الشغف إلى تاريخنا الراهن مع أوليفييه دوران الأستاذ بجامعة روما، حيث نشر سنة 1993 "ملامح من الدارجة المغربية"، أتبعه سنة 1994 بـ "مقدمة في اللهجات العربية"، كما نشر سنة 1996 عملا عن الدارجة الفلسطينية، إلى أن غدت دراسة اللهجات -Dialettologia- مادة مقرّرة للطلاب تُدرّس جنبَ الفصحى في جامعة روما.

تطوّرات في الدراسات العربية

شهدت أواخر الألفية الثانية تحولات معتبَرة في الدراسات العربية في إيطاليا، مسّت جوانب الترجمة والآداب. إذ حتى منتهى الثمانينيات كانت النصوص الأدبية العربية المترجَمة قليلة العدد ومحصورة التداول بين المختصّين، من مستشرِقين ومستعرِبين أساسا، ولكن عقب ذلك التاريخ تحوّل المنقول العربيّ إلى مقروء مرغوب بين عموم القرّاء. وباتت دور النشر تراهن على النصّ الأدبيّ العربيّ بعد أن تخلّت عن الفكرة الرائجة أنّ الكتاب العربي لا يَدرّ ربحا باعتباره مطبوعا خاسرا، فقد ساهم الأديب نجيب محفوظ مساهمة فعالة في ذلك التحوّل.

إذ تفيد الإحصائيات إنجاز خمس ترجمات يتيمة في إيطاليا، منذ مطلع القرن الفائت إلى العام 1965. حيث ترجمَ فرانشيسكو غابرييللي: "قصّاصون من مصر" وكذلك "ظلمات وأشعّة" لمي زيادة، وترجمَ أومبارتو ريتزيتانو "زينب" لمحمد حسنين هيكل و"الأيّام" لطه حسين، وترجمَ أندريا زنزوتّو كتاب "سأهبك غزالة" للكاتب الجزائري مالك حداد. ثم بعيد ذلك التاريخ، حاولَ ريتزيتانو بعثَ سلسلةٍ قصصيةٍ، بالتعاون مع "معهد الشرق بروما" وجامعة باليرمو، نشرت ثلاث مجموعات سورية وتونسية ومصرية، ثم سرعان ما توقّفت، وكأنّ الوقت لم ينضج بعد للنشر العربي. ولكن علاوة على عدمِ تهيّؤ القارئ الإيطالي، فقد كان نصيب وافر من الترجمات حرفيًّا وركيكًا. غير أنه لاحقا ساهمت العناية الفائقة لشخصيتين إيطاليتين، رعتا نقل مجموعة من النصوص العربية، وهما إيزابيلا كاميرا دافليتو من جامعة روما وفرانشيسكا ماريا كوراو من جامعة نابولي، في التحسين من جودة الترجمة والترويج للأعمال الأدبية العربية في الأوساط الإيطالية.

يورد مؤلَّف "الحضور العربيّ الإسلاميّ في المطبوعات الإيطالية" (2000)، الصادر عن وزارة الثروة والأنشطة الثقافية، أنه لم يُترجَم من المؤلّفات العربية بين 1900 و 1988 سوى 29 عملا، وقد حصل التحول الفعليّ بين 1989 و 1999 حيث تُرجم 112 عملا أدبيّا، كما ترجم 93 عملا أدبيّا فرنكفونيا خلال الفترة نفسها. بينما بلغت الأعمال المسرحية التي تُرجمت طيلة الفترة الممتدة بين 1900 و 1999 19 عملا مسرحيًّا، وحاز الشعر خلال الفترة نفسها 20 عملا. والواقع أنّ الجوائز العالمية، نوبل لمحفوظ (1988)، وغنكور لكلّ من بن جلون (1987) ومعلوف (1993)، قد ساهمت مساهمة فعّالة في إيقاظ الذائقة الإيطالية نحو الأدب العربي، حيث بلغت أعداد النصوص العربية المترجمة إلى الإيطالية حتى مطلع العام 2020 ما يناهز 400 عمل. وبشكل أقل ساهمت القلاقل السياسية والحروب والتوتّرات في إيقاد تلك الجذوة، فعشية اندلاع الثورة الجزائرية تُرجمت ترجمة يتيمة "سأهبك غزالة" لمالك حداد، ثم عقب الثورة خبا ذلك البريق، ليستيقظ الاهتمام مجدّدا مع فترة النضال الفلسطيني المسلّح بترجمة بعض الأعمال مثل "رجال في الشمس" (1985)، و"فلسطين: ثلاث قصص" (1985)، و"عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني؛ و"المتشائل" (1990) لإميل حبيبي. وفي خضمّ وفرة الترجمة الأدبية مقارَنةً بغيرها يبقى الأديب المغربيّ الطاهر بن جلون الممثّل الرئيس للأدب العربي في المخيال الإيطاليّ، فهو الأكثر ترجمة وحضورا في النشر والإعلام.

ولكن هذا الحضور للنصّ الأدبيّ العربيّ في إيطاليا، رغم تواضعه، بدأ يشهد نوعًا من النشاط الحثيث الفرديّ بعد سبات طويل، بعضه منبعث من إيطاليا، ممثَّلا في الجزائري عمارة لخوص والعراقي يونس توفيق، وغيره وافد من خارج، لعلّ أبرز وجوهه في الوقت الحالي علاء الأسواني وإبراهيم نصرالله.

الدراسات العربية في الراهن

لا غرو أنّ مناهجَ الدراسات العربية في إيطاليا قد خطت خطوات معتبرة من جانب مقارَبة الثقافة العربية، ومن جانب الأدوات المتوسَّلة إلى هذا الغرض، لكنها تبقى مشدودة إلى إرث السلف بشكل متراوح بين القبض والبسط. ولا يمكن الحديث عن عبورِ هذا الفعل من طورٍ إلى طورٍ، فما فتئ التعاطي مع اللغة العربية كلغة عصيّة، ذلك أنّ كثيرًا من الأساتذة الجامعيين يدرّسونها ولا يتكلّمونها ويسمعونها ولا يفقهونها. فيتوسّلون تدريس النحو العربي بواسطة الإيطالية، وعلى غرار ذلك فكّ أسرار اللهجات العامية، وعرض مضامين الأدب العربي، وهو منهج استشراقيّ غالبا ما ساد في تعليم اللغات المنقرِضة. ذلك أنّ منهج تدريس العربية، وكفاءة المدرس في حد ذاتها، وأدوات التدريس، تجعل هذه العوامل متضافرة التعاطي مع العربية إشكاليًّا. وهو ما ينعكس غالبا على التحصيل المعرفي للدارس بما لا يسمح له بالتعاطي مع اللغة كمعطى حيّ.

حيث يأتي الطالب الإيطاليّ الجامعي مدفوعًا بحماس فياض لتعلّم العربية، لكنه يصطدم بقدامة منهجية في التدريس، تُكرّر إنتاجَ المناهج الاستشراقية في التعاطي مع عربية محفوفة بعديد الأحكام المغرضة، أنها أصعب اللغات عالميًّا، وأنها غير مستعمَلة في البلاد العربية، وأنّ الأجنبيّ يذهب إلى تونس بغرض تعلُّم العربية فيتعلّم الفرنسيةَ، وأنّ اللهجات هي لغات، والترويج لذلك من قبل أساتذة جامعيين، لا لشيء إلا لأنّ إطلالتهم على العربية كانت من باب اللهجة الشامية أو المصرية أو المغاربية، التي بالكاد يفصحون بها. الأمر الذي خَلق تذبذبا بين تدريس الفصحى أو الدارجة في إيطاليا، ودفع إلى التعويل على تدريس لغة وسطى لا هي بالفصحى ولا هي بالدارجة، ينطبق عليها المقول الإيطالي "ليس باللحم ولا بالسمك ولكنّه شيء آخر".

وهذا المنهج التعليمي العقيم، في بعض جوانبه، عادة ما أوْرثَ مساوئ، حيث لا يحصّل الطالب أو الباحث الكفاءة اللغوية اللازمة لولوج المراجع أو المصادر العربية، ما يجعله رهينا للمقول الغربي في الموضوع، أو لبعض الترجمات القليلة. فالاصطدام بعدم إتقان اللغة بعد انقضاء السنوات عادة ما يكون محبِطًا لجموع واسعة اختارت تعلّم هذه اللغة، وهو ما رسّخ لدى كثيرين المقول الإيطالي الشائع: "?!Ma che parli arabo"، "أوتتكلم عربي؟"، ومفاده أتقول شيئا لا يفقهه الناس والحال أنّ مقولة تَمنُّع اللغة العربية عن الإلمام بها شائعة في أوساط المعلِّمين والمتعلِّمين على حد سواء، وهي تعود أساسا لمساوئ بيداغوجيا التدريس، التي خلّفها الاستشراق، وتتلخّص في أسلوب التعامل مع العربية كلغة ميّتة. حيث يُغرَق الطّالب أو الدارِس في فيلولوجيا اللّغة وقواعدها النّحوية، بما يأخذ حيزًا واسعًا من جهده ووقته، ولا يُقدّم له الجانب الحيّ والعملي منها، حتى ليقضي المرء السنوات الطوال على هذا النسق، ليستفيق لاحقا أنه غير قادر على إتيان محادَثة أو الإلمام بخطاب منطوق.

انعكس القصور اللغويّ على الدّرسِ الأكاديميّ أيضا في تعاطيه مع الفكر العربي، والفلسفي منه بالخصوص، فهو متوقّف عند فلسفة الفارابي وابن رشد وابن باجة، لا يتعدّاها، وبالمثل عند الفرق الإسلامية الكلاسيكية لم يتخطها إلى الفكر الديني الحديث.

من جانب آخر رغم أنّ إيطاليا من بين البلدان الأوروبية الأكثر قربًا من البلاد العربية حضاريًّا وجغرافيًّا فلا تزال الأبعد ثقافيا، وكما يقول عالم الاجتماع فرانكو كازانو: "هناك حديث بإطناب عن المتوسط لا ترافقه خيارات ثقافية موازية". ربما إحصائيات الترجمة من الجانبين مفزعة، فكلتا اللغتين استجلبت من الآخر ما يزيد بقليل عن الأربعمئة عمل لا غير وهي نسبة ضئيلة. وإذا استثنينا النصوص المصرية المترجَمة، والتي تقارب 80 بالمئة من مجموع ما تُرجم، فإنّ النصوص العربية شبه غائبة، ناهيك عن النص الخليجيّ فهو الأكثر ندرة على الإطلاق. ذات مرة قلت للأستاذ الفلسطيني وسيم دهمش المرابط في إيطاليا منذ خمسة عقود: كثيرا ما يطرق مسامعنا، إن المثقّف العربي في إيطاليا عرضة للموت السريري نظرًا لمحدودية الحراك الثقافي بين الضفّتين، رغم ذلك يعدّ كلانا إيطاليا دار قرار لا منطقة عبور. فردّ مبتهجا: لكل رسالته ونحن رسالتنا في الحرف العربي الذي نبلّغه للطلاب.

***

د. عزالدين عناية - أستاذ تونسي بجامعة روما- إيطاليا

يميل كثير من الآباء إلى الاعتقاد بأن تفكير الطفل يحتاج دائمًا إلى تصحيح، وكأن الطفل يرى العالم بطريقة غير صحيحة أو مشوشة. غير أن هذا الحكم المسبق – في تقديري – يغفل طبيعة خاصة في تفكير الطفل يمكن تسميتها بـ المنطق الحيوي؛ وهو منطق لا يقوم على القواعد والتعريفات الجاهزة، بل ينطلق من التجربة المباشرة والإحساس اليومي، أي من الحياة كما تُعاش قبل أن تُشرح.

فالطفل لا يفتقر إلى الفهم، بل يمتلك طريقة خاصة في تفسير ما يحيط به، طريقة لا تفصل بين ما يُرى وما يُحسّ، ولا بين الفكرة والتجربة. إنه يفهم العالم من داخل علاقته به، لا من خارجه، ويكوّن معناه انطلاقًا مما يعيشه فعليًا، لا مما يُطلب منه أن يحفظه أو يكرره.

ومن هنا، يبدو لي أن المنطق الحيوي لا يسأل أولًا: "هل هذا صحيح"، بل يسأل: "كيف أعيش هذا؟" و"كيف يظهر لي العالم؟". فالطفل لا يتعامل مع الواقع بوصفه مجموعة قوانين، بل بوصفه مجالًا للتجربة والمعنى، حيث تتداخل الرؤية مع الشعور، والمعرفة مع الحياة اليومية.

ويتضح هذا النمط من التفكير بجلاء حين يقول طفل في طريق العودة إلى البيت إن القمر "بيمشي جنبنا". هنا لا يكون الطفل بصدد تقديم تفسير علمي خاطئ، كما قد نظن، بل يعبّر عمّا يراه ويعيشه فعليًا. فالقمر حاضر أمامه أينما تحرك، وهو يحاول أن يمنح هذه الخبرة اسمًا ومعنى. ومن هنا يمكن القول إن الطفل يبدأ فهمه من الحياة كما تظهر له، لا من القوانين كما تُدرَّس له لاحقًا.

ومن هذا المثال البسيط، يمكن الانتقال إلى مواقف أكثر قربًا من الحياة اليومية داخل البيت. فعندما يرفض طفل النوم لأن غرفته "مش أمان" في الظلام، لا يكون ذلك جهلًا بحقيقة المكان، بل تعبيرًا عن تجربة شعورية حقيقية. فالطفل في هذه اللحظة لا يسأل: هل هذا منطقي؟ بل يعيش إحساسًا كاملًا بالخوف يحتاج إلى من يعترف به أولًا. ولهذا يبدو لي أن الإصغاء والطمأنة هنا ليسا ترفًا تربويًا، بل شرطًا رئيسًا للفهم.

ومن البيت ننتقل طبيعيًا إلى الفصل الدراسي، حيث تظهر الصورة نفسها ولكن في سياق مختلف. فقد يسأل المعلم تلاميذه عن سبب نزول المطر، فيجيب أحدهم: "علشان الزرع يشرب". هذه الإجابة لا تقدّم تفسيرًا علميًا مكتملًا، لكنها تكشف عن ربط ذكي بين الظاهرة الطبيعية والحياة اليومية. فالطفل هنا لا يبحث عن قانون علمي، بل عن معنى يمكنه فهمه والارتباط به. وعندما تُقصى هذه الإجابة سريعًا، نفقد فرصة تربوية ثمينة لتحويل هذا المعنى البسيط إلى فهم أكثر تنظيمًا.

وهنا يبدأ في الظهور نمط آخر من التفكير، هو ما يمكن تسميته بـ المنطق الصوري؛ وهو التفكير الذي يعتمد على القواعد، والتعريفات، والترتيب المنهجي للأفكار. وهذا النوع من التفكير ضروري بلا شك، لكنه – كما أرى – لا يكون مناسبًا دائمًا في البدايات. فالمشكلة لا تكمن في المنطق الصوري ذاته، بل في فرضه مبكرًا، وكأنه الطريق الوحيد والمشروع للفهم.

ويظهر الفرق بين المنطق الحيوي والمنطق الصوري بوضوح في اللعب. فعندما يتفق الأطفال على أن خطًا مرسومًا على الأرض هو "نهر"، وأن القفز فوقه شرط للنجاة، فإنهم لا يعبثون، بل ينشئون عالمًا له قواعده المؤقتة. والقاعدة هنا لا تُفرض من الخارج، بل تنبثق أثناء الفعل، وتتبدّل بتغيّر الأفق. وإذا أخطأ أحدهم وسقط داخل "النهر"، لا يُعاقَب، بل يحاول مرة أخرى. وفي هذا المشهد البسيط، يتحول الخطأ إلى جزء طبيعي من التعلم، لا إلى علامة على الفشل.

غير أن الإشكالية تبدأ حين نطالب الطفل بالتخلي مبكرًا عن هذا المنطق الحيوي القائم على التجربة والمعنى، ونطالبه بأن يفكّر فقط وفق القواعد الجاهزة. ويمكن أن يحدث هذا في البيت حين نُسكت الطفل بدل أن نستمع إلى تفسيره، ويحدث في الفصل حين نهتم بالإجابة الصحيحة أكثر من اهتمامنا بالطريق الذي سار فيه الطفل ليصل إليها. ومع التكرار، يتعلّم الطفل درسًا غير معلن: أن التفكير الشخصي غير مرغوب فيه، وأن الأمان يكمن في تكرار ما يقوله الكبار.

ومن هنا يمكن القول إن التربية الأكثر وعيًا هي تلك التي تبدأ من فهم طريقة الطفل في التفكير قبل السعي إلى تعديلها. فبدل التصحيح السريع، يمكن للبيت أن يتحول إلى مساحة للإصغاء، يُسمح فيها للطفل بأن يشرح كيف يرى العالم. وبدل الاكتفاء بالحكم على الإجابة في الفصل، يمكن للمعلم أن يمنح الطفل فرصة لشرح تفكيره، لأن هذا الشرح هو الخطوة الأولى نحو التعلم الحقيقي.

كما يبدو لي من الضروري إعادة النظر في مكانة اللعب داخل التربية، لا بوصفه وقتًا زائدًا، بل باعتباره مساحة طبيعية لبناء التفكير. ففي اللعب يتعلم الطفل المحاولة، والخطأ، وإعادة الفهم، وهي مهارات لا تقل أهمية عن حفظ المعلومات. وكلما شعر الطفل أن الخطأ مقبول، ازدادت جرأته على التفكير والسؤال.

وفي ضوء ذلك، يمكن القول إن تعليم القواعد والتعريفات ينبغي أن يأتي في وقته المناسب، بعد أن يكون الطفل قد عاش التجربة وفهم معناها. فالتدرّج في التعليم ليس مسألة تنظيم منهج فقط، بل هو احترام لطبيعة العقل في نموه. وعندما نرافق الطفل من المنطق الحيوي القائم على الحياة إلى المنطق الصوري القائم على التنظيم، نساعده على بناء تفكير متوازن.

وفي النهاية، يمكن التأكيد على أن الطفل لا يفكّر بطريقة خاطئة، بل بطريقة تناسب مرحلته وعلاقته بالعالم. وإذا احترمنا هذه الطريقة، ومنحناها الوقت والمساحة لتتطور، فإننا لا نعلّم الطفل الإجابات فحسب، بل نعلّمه كيف يفكّر، وكيف يرى العالم بوصفه مجالًا للفهم، لا مجرد ساحة للاختبار.

***

أ. د. علي الخطيب

أستاذ ورئيس مجلس قسم الفلسفة – كلية الآداب- جامعة المنيا- مصر

يشكل دفاع ارسطو عن العبودية جانبا مثيرا للجدل ضمن ارثه الفكري، ويمثل تناقضا صارخا لسمعته كفيلسوف مؤسس للفلسفة السياسية الغربية. التمعن في حجته يساعدنا في توضيح الكيفية التي جرى بها تبرير الهياكل الهيراركية الاجتماعية القديمة ولماذا استمرت تلك المعتقدات الى فترات متأخرة.

نظر ارسطو عميقا في التركيب الاجتماعي لمدينة أثينا الكلاسيكية وعالج ليس فقط منْ يجب ان يحكم وانما أيضا ما الذي يشكّل حياة بشرية مزدهرة كليا. ضمن هذا الاطار، هو عرض العبودية كمؤسسة طبيعية اندغمت في فهمه الأوسع للنظام السياسي والأخلاقي.

ارسطو والعبيد

في الجزء الأول من كتاب السياسة، يجادل ارسطو ان بعض الناس هم "عبيد بطبيعتهم"، مدّعيا ان اولئك الذين يفتقرون الى القدرة العقلية للتشاور والتفكير الدقيق يستفيدون من توجيه وارشاد السيد الذي يدير بعقله شؤون المنزل لأجل الصالح العام. يميّز ارسطو بين القوة الجسدية والبصيرة الرشيدة، متصورا شراكة يوفر فيها السيد العقل بينما يوفر العبد العمل. هو يعرض هذه العلاقة كمنفعة متبادلة بدلا من ان تكون اكراهية واستغلالية. هذا التمييز يعكس السلّم الهرمي الواسع للمؤسسات، بدءً من رب المنزل الى المدينة، مجسّداً الأوامر والطاعة كعلاقات طبيعية وليست نتاجا للعرف الاجتماعي.

في نفس الوقت، ارسطو لم يكن غافلا عن الاستغلال. هو ينتقد استعباد اسرى الحرب اذا لم يتماشى مع ما يعتبره طبيعيا. وبينما يثير هذا التحذير الشكوك حول العديد من حالات العبودية في العالم الواقعي التي كانت سائدة في زمانه، فهو لا يشكل حجة مناهضة للعبودية بقدر ما هو اختزال نظري: انه يجيز العبودية من حيث المبدأ بينما يلقي الشكوك على العديد من الممارسات. من خلال هذا الاطار، يؤكد ارسطو ان المجتمع سوف يزدهر في ظل الاعتقاد بان بعض الافراد ملائمون حقا ليكونوا عبيدا بشرط ان تتوفر فيهم معايير معينة.

هذا التوتر بين العبودية "الطبيعية" المثالية والقسوة التجريبية للمؤسسة هو من بين اهم التناقضات التي جرى النقاش فيها في السياسة. انه يعزز السؤال المستمر حول ما اذا كانت نظرية ارسطو تصمد امام التدقيق حينما تطبق على الممارسة الاجتماعية الحقيقية.

أصول عقيدة ارسطو في العبودية والانتقادات لها

ان جذور حجة ارسطو تكمن في نهجه التيلولوجي، وهو الرؤية بان كل البشر لهم غايات طبيعية او وظائف، وعقل كمعرّف للإنسانية والحياة السياسية - ذروة الطبيعة البشرية. يزعم ارسطو ان بعض الناس لا يشاركون في التفكير الا بقدر ما يدركونه لدى الآخرين، وان أهدافهم في الحياة (تيلوس) تُنجز ليس من خلال التفكير المتأني المستقل وانما عبر المشاركة في الحكم العقلاني للآخرين ضمن المجتمع المثالي. هو يقارن هذه العلاقة باعتماد الجسد على الروح. النقاد، القدماء والجدد على حد سواء، يجادلون بان هذه المقارنة تخاطر بتحويل الاختلافات في التعليم والظروف الى اختلافات أساسية للنوع، وبذلك تخفي الهيمنة الاجتماعية وبشكل فعال كنظام طبيعي. بهذه الطريقة، انها تخدم في ادامة السلالم الهرمية للمجتمع والتي هي في الأساس تفيد النخبة. الدراسات الحديثة سلطت الضوء على ثلاث انتقادات رئيسية تتحدى دفاع ارسطو عن العبودية:

1- المشكلة الابستمية: لا وجود لطريقة موثوقة لتحديد "العبيد الطبيعيين" دون إعادة انتاج الاستدلال المنحاز او الدائري، طالما عدم القدرة المتخيلة هي في الغالب نتيجة للقمع بدلا من دليل على عجز فطري.

2- المشكلة التطبيقية: الآليات التاريخية للعبودية في العالم اليوناني – بما في ذلك اسرى الحرب والنهب وعبودية الديون  نادرا ما تتماشى مع المعيار العقلاني الذي يفترضه ارسطو، بما يجعل المؤسسة التي يسمح بها لا يمكن تمييزها عن اللاعدالة الكلية اثناء التطبيق.

3- المشكلة المعيارية: حتى لو وُجدت قدرات غير متساوية، فان الاختلافات لا تبرر منطقيا الهيمنة طالما يمكن للتعليم  والحقوق القانونية والدعم الاجتماعي ان ينمّي استقلالية الفرد بدون اللجوء الى عبودية دائمة.

النتائج في الماضي وفي الحاضر 

ان عظمة ارسطو أتاحت ان تنتقل أفكاره بعيدا الى ما وراء مدرسته (ليسيوم ) لتؤثر في تفسيرات وتعليقات القرون الوسطى عبر اوربا وتوفير لغة استُخدمت لاحقا في النقاشات الحديثة المبكرة حول الغزو والاستعمار. وبينما أثار بعض العلماء والكتاب الانسانيين فكرة "العبودية الطبيعية" لتبرير الهيمنة، سلط آخرون الضوء على محاذير ارسطو بشأن الاستيلاء الظالم لتحدّي شرعية العبودية وإظهار المرونة التفسيرية لنصوصه في الخلافات الأيديولوجية.

في العالم الغربي، اعتمد المدافعون عن العبودية عادة على سلطة كلاسيكية لعقلنة عبودية مرتكزة على العرق، مع ذلك أشار النقاد الى ان متطلبات ارسطو - في ان العبودية تتطابق مع عدم قدرة حقيقية – لا تبرر ابدا أنظمة وراثية. ان تأثير نظرية ارسطو رسم أيضا تطور العلم الاجتماعي الحديث عبر الدعوة الى تمييزات واضحة بين هرميات وصفية وتبريرات معيارية. هذه التمييزات ساعدت على وضع ارضية للجدال تفضل ايجاد نظام قانوني عالمي يفصل الحقوق عن المعايير الخلافية للقدرة العقلانية.

بالنسبة للقارئ المعاصر، تأتي أهمية ارسطو كموقف ينبغي الحذر منه حول الكيفية التي يمكن ان تدعم بها نظريات معقدة مؤسسات غير عادلة عندما يكون التدقيق الميداني والتفكير الأخلاقي غير كافيين. وفي نفس الوقت، الانخراط بعناية مع حججه يكشف عن جذور النقد: التوتر بين فكرته المثالية للعبودية "الطبيعية" والواقع المرير للممارسة التاريخية يشير الى وجود ضعف جوهري في الدفاع عن المؤسسة ذاتها.

***

حاتم حميد محسن

 

إن الإسلوب الكلاسيكي التقليدي، المعقد، الذي يتم من خلاله عرض الأفكار الفلسفية، أصبح يُشكل عائقاً أمام تفعيل العلاج الفلسفي لمشكلات الإنسان الفكرية، وقضاياه وأزماته الوجودية، لأن الباحث في الفلسفة حين يريد ان يُقدم حلولاً فلسفية واقعية لمعالجة أزمات الإنسان والمجتمع، فإن كل ذلك قد يصطدم بالموروث الفلسفي الكلاسيكي التقليدي بوصفه إرثاً فلسفياً غير قابل للتعديل، والذي يرفض مؤيدوه أي فكرة جديدة أو محاولة للإصلاح، ويقللوا من أهميتها، وفاعليتها، وقدرتها على التاثير، بل وأحياناً يهاجموها، ويعتبروها دخيلة على الفكر الفلسفي الأصيل، وتؤثر على تسامي الأفكار الفلسفية وعلوها، ولكن ذلك يضعنا امام سؤال فلسفي جوهري حول أهمية و جدوى الفلسفة إن لم تستطع معالجة مشكلات الإنسان، وتغيير واقعه للأفضل، وماهي الجدوى من الحفاظ عليها وتناقلها وإجترارها عبر الأجيال إن لم تعالج مشكلاته بشكل عملي وحقيقي، إن الفكر الفلسفي يجب أن يخدم واقع الإنسان الإجتماعي، والأخلاقي، والصحي، والمهني، ويعمل على النهوض به، وإذا كانت الفلسفة تريد حقاً أن تغير جلدها، وتتخلص من الأفكار العقيمة والغير مفيدة للمجتمع، فيجب عليها تجديد وتطوير أفكارها، وإعطاء الإهتمام والأولوية للجانب العملي منها، والعمل على تعديل الأفكار والنظريات الفلسفية القديمة وتطويرها، لتناسب واقع الإنسان والمجتمع المعاصر، وتزوده بحلول فلسفية عملية، واقعية، واخلاقية، تساعده على التخلص من مشكلاته على نحو عملي، وليس فقط نظري، ويجب أن لايقتصر دور الفلسفة على تحليل المشكلات، بل يجب ان يتم تفعيل دور الفلسفة في تشخيص المشكلات، ومعرفة أسبابها، ومن ثم علاجها، لأن الفلسفة إذا لم تفعل ذلك، فإنها تناقض نفسها قبل كل شيء، حيث إن الفكر الفلسفي في الأساس هو دعوة للشك والتحقق، ولفحص الأفكار، والعمل بشكل فعلي على مكافحة الأفكار السلبية، ودعم ونشر الأفكار الإيجابية، وإن محاولات الهجوم على تاهيل الفلسفة وتفعيلها هو في الأساس ضد حقيقة الفلسفة، بإعتبارها بحث عن الحقيقة، ودعوة الى العلم بوصفه فضيلة أخلاقية، ونهوض بقيمة الإنسان وطريق لسعادته.

***

شيماء هماوندي

مقاربة اقتصادية تنموية

" يتقدم العالم بفضل الأشياء التي تبدو مستحيلة والتي تم إنجازها."

في سياق الاقتصاد التنموي، تبرز جدلية التخلف والتقدم كمحور أساسي لفهم مسارات الدول العربية في العصر الحديث، حيث تتقاطع العوامل التاريخية والاستعمارية مع الخيارات السياسية والاقتصادية المعاصرة. التخلف، كمفهوم، لا يقتصر على الجانب الاقتصادي المجرد مثل انخفاض الناتج المحلي الإجمالي أو معدلات البطالة العالية، بل يمتد إلى أبعاد اجتماعية وثقافية تشمل التبعية الهيكلية للنظام الرأسمالي العالمي، والتي تحول دون تحقيق تنمية مستقلة وشاملة. أما التقدم، فيُرى كعملية تحولية تركز على الإنسان كغاية ووسيلة، تهدف إلى توسيع الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع الحفاظ على الاستدامة البيئية والاستقلال الوطني. هذه الجدلية تكتسب طابعاً خاصاً في العالم العربي، حيث يواجه التقدم تحديات تاريخية مثل الاستعمار الأوروبي، الذي أدى إلى تجزئة المنطقة وتحويلها إلى مصادر للمواد الخام، مقابل نماذج تنموية غربية تركز على التحديث الرأسمالي، وبدائل شرقية مستمدة من تجارب شرق آسيا مثل الصين وكوريا الجنوبية، التي حققت قفزات تنموية من خلال نماذج مختلطة تجمع بين الدولة والسوق. من منظور اقتصادي تنموي، يعكس هذا الجدل توتراً بين التبعية الخارجية والاعتماد على الذات، حيث يُنظر إلى النماذج الغربية كأدوات للحفاظ على الهيمنة، بينما تقدم البدائل الشرقية نموذجاً للتنمية المستقلة، كما أبرزت دراسات مقارنة بين العالم العربي وشرق آسيا، التي أظهرت فشل الأول في الاستثمار والتصنيع مقارنة بالثاني.  في هذه الدراسة، سنستعرض هذه الجدلية من خلال تحليل المفاهيم الأساسية، النماذج الغربية وتأثيرها، البدائل الشرقية كمسارات بديلة، لنختم بتأملات حول إمكانيات التنمية العربية في ظل هذا التوتر. فماهي أسباب التخلف عند العرب؟ وهل التقدم عندنا يتحقق باحتذاء النماذج الغربية ذات الخلفية الاستعمارية أم باعتماد البدائل الشرقية ذات العمق التحرري الانساني؟

مفهوم التخلف والتقدم في السياق العربي: الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية

"من لا يتقدم كل يوم، يتراجع كل يوم."

يُعرف التخلف في الاقتصاد التنموي كظاهرة نسبية مقارنة بالدول المتقدمة، ومطلقة في ذاتها، تتميز ببنى إنتاجية ما قبل رأسمالية، وعلاقات اجتماعية إقطاعية أو قبلية، وثقافة تعزز التبعية والأمية. في العالم العربي، يرتبط التخلف تاريخياً بالاستعمار الغربي، الذي حوّل المنطقة إلى حديقة خلفية تابعة للنظام العالمي، حيث أصبحت مصدراً للمواد الخام مثل النفط والمعادن، مقابل استيراد السلع المصنعة، مما أدى إلى حلقة مفرغة من التبعية الاقتصادية. على سبيل المثال، في دول الخليج، أدى الاعتماد على الريع النفطي إلى تضخم استهلاكي دون تنمية إنتاجية محلية، حيث يسيطر الرأسمال الأجنبي على التكنولوجيا والاستثمار، مما يعمق التفاوت الاجتماعي والفجوة بين النخب والجماهير. أما التقدم، فيُرى كعملية تراكمية تاريخية تهدف إلى تحرير الإنسان من الاستغلال، من خلال تطوير القوى المنتجة، تحسين التعليم، وتعزيز الديمقراطية الاقتصادية. ومع ذلك، في السياق العربي، يظل التقدم محدوداً بسبب التجزئة القومية، التي فرضها الاستعمار بعد سقوط الإمبراطورية العثمانية، مما منع تشكيل أسواق كبيرة موحدة كما حدث في أوروبا، حيث ساهمت الحروب والاندماج في بناء دول قوية اقتصادياً. هذا الجدل يتجلى في نظريات مثل نظرية التبعية، التي ترى التخلف نتيجة للاستغلال الخارجي، حيث يحافظ النظام الرأسمالي العالمي على هيكل غير متوازن، يخصص للدول النامية دوراً في تصدير المواد الخام، مقابل احتكار الشمال للصناعات المتقدمة. في العرب، يتفاقم ذلك بالعوامل الداخلية مثل الاستبداد السياسي والطائفية، التي تحول دون التنمية الشاملة، كما أن التراث الثقافي يلعب دوراً مزدوجاً: يوفر ثقة بالنفس من خلال التاريخ الحضاري، لكنه يعيق الابتكار إذا تم التمسك به بشكل رجعي. بالتالي، يصبح التقدم ليس مجرد نمو اقتصادي، بل تحولاً هيكلياً يتطلب إنهاء التبعية وتعزيز الاعتماد على الذات، في جدل مستمر بين السبب (الاستعمار) والنتيجة (التخلف البنيوي). على هذا النحو: "في عمل الجسم كما في عمل العقل، يكون عدم التوازن المتحكم فيه هو الذي يسمح بالتقدم."

النماذج الغربية: التحديث الرأسمالي وحدوده في العالم العربي

"الفساد يتبع مسيرة التنوير. من الطبيعي تماماً ألا يستطيع الإنسان أن ينير نفسه دون أن يفسد."

تعتمد النماذج الغربية في التنمية الاقتصادية على نظرية التحديث، التي ترى التقدم كمسار خطي يبدأ من المجتمعات التقليدية نحو الصناعية، مستوحى من تجربة أوروبا والولايات المتحدة، مع التركيز على التصنيع، التحضر، التعليم، والقيم الرشيدة. في العالم العربي، تم تبني هذه النماذج بعد الاستقلال، كما في مصر تحت عبد الناصر، حيث سُعي إلى التصنيع الاستبدالي للواردات، لكنها سرعان ما اصطدمت بحدود التبعية، حيث فرضت الدول الغربية شروطاً عبر اتفاقيات مثل اتفاقيات الشراكة الأورومتوسطية، التي تهدف إلى دمج الاقتصادات العربية في السوق الأوروبية، لكنها تعزز الاعتماد على الاستثمار الأجنبي دون نقل تكنولوجي حقيقي. هذا النموذج، المعروف بـ"إجماع واشنطن"، يدعو إلى الخصخصة، فتح الأسواق، وتقليص دور الدولة، كما طبق في تونس ومصر خلال الثمانينيات والتسعينيات، مما أدى إلى نمو اقتصادي جزئي لكنه غير متوازن، مع ارتفاع البطالة (تصل إلى 15% في بعض الدول) وتوسع الفجوة الاجتماعية. نقدياً، يُرى هذا النموذج كأداة للحفاظ على الهيمنة الغربية، حيث يُفرض عبر مؤسسات مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، مما يعيق التنمية المستقلة ويحول الدول العربية إلى أسواق استهلاكية، كما أبرزت دراسات عن الثلاث عوالم العربية (إفريقيا الفرعية، الدول النفطية، المتوسطية)، التي أظهرت تقدماً اجتماعياً (مثل زيادة التعليم والصحة) لكن تخلفاً سياسياً واقتصادياً مقارنة بأمريكا اللاتينية أو أوروبا الجنوبية.

في السياق العربي، أدى تبني هذه النماذج إلى "تنمية التخلف"، حيث يُستغل الريع النفطي لتمويل الاستهلاك الغربي دون بناء صناعات محلية، مما يعمق الجدل بين التقدم الظاهري (نمو الناتج) والتخلف الهيكلي (ضعف الإنتاجية). بالإضافة إلى ذلك، يتجاهل هذا النموذج الخصوصيات الثقافية العربية، مثل دور التراث الإسلامي في تعزيز الثقة الذاتية، ويفرض قيماً فردانية تتعارض مع الروابط الاجتماعية التقليدية، مما يؤدي إلى تفكك اجتماعي وارتفاع معدلات الهجرة الشبابية. فكيف يمثل "عدم القدرة على العودة إلى الوراء هو شكل من أشكال التقدم."؟

البدائل الشرقية: نماذج شرق آسيا كمسارات تنموية مستقلة

"لا يمكن أن يكون هناك تقدم حقيقي إلا من الداخل."

في مقابل النماذج الغربية، تقدم البدائل الشرقية، مستمدة من تجارب شرق آسيا، نموذجاً للتنمية يجمع بين تدخل الدولة القوي والسوق، كما في "نموذج التنمية الآسيوي" الذي اعتمدته اليابان، كوريا الجنوبية، والصين، مع التركيز على التصدير، الاستثمار في التعليم، والحماية الوطنية للصناعات الناشئة. هذا النموذج، المعروف بـ"الإجماع الآسيوي"، يرفض الخصخصة السريعة ويؤكد على الدور التنموي للدولة في بناء البنية التحتية وتعزيز الابتكار، مما سمح بشرق آسيا بتحقيق نمو اقتصادي يفوق 7% سنوياً خلال عقود، مقابل نمو عربي لا يتجاوز 3% في كثير من الحالات. في السياق العربي، يُرى هذا النموذج كبديل واعد، حيث يتيح الاعتماد على الذات دون التبعية الكاملة، كما أبرزت مقارنات بين العالم العربي وشرق آسيا، التي أظهرت أن الأخير نجح في زيادة الاستثمار (بنسبة 30% من الناتج) والتصنيع، بينما فشل العرب بسبب ضعف الديمقراطية والاعتماد على الريع.  على سبيل المثال، اعتمدت الصين نموذجاً مختلطاً يجمع بين الاشتراكية والرأسمالية، مما رفع ملايين من الفقر، ويمكن للدول العربية مثل مصر أو الجزائر تبني عناصره من خلال سياسات تصديرية محمية واستثمار في التكنولوجيا، بدلاً من الفتح غير المتوازن. ومع ذلك، يواجه هذا البديل تحديات في العرب، مثل التجزئة التي تحول دون تشكيل كتل اقتصادية كبيرة كما في آسيا، والتأثير الثقافي الذي يتطلب توظيف التراث العربي-الإسلامي لتعزيز الثقة الذاتية، كما في نظرية التنمية البديلة التي تدعو إلى التحرر الشامل من الهيمنة الخارجية. هذا النموذج يعيد صياغة الجدلية، حيث يحول التخلف إلى فرصة للابتكار المحلي، مع التركيز على التنمية البشرية المستدامة، مقابل النماذج الغربية التي تعزز الاستهلاك غير المنتج. فكيف يكون "التقدم الحقيقي الوحيد هو القدرة على التشكيك في التقدم."؟

الجدلية والمقارنة: بين التبعية والاستقلال في التنمية العربية

"لا يزال أمام التقدم أن يحرز تقدماً."

تكمن جدلية التخلف والتقدم في العالم العربي في التوتر بين النماذج الغربية، التي توفر نمواً سريعاً لكن تبعياً، والبدائل الشرقية، التي تؤكد على الاستقلال لكن تتطلب إرادة سياسية قوية. اقتصادياً، أدى الاعتماد على النماذج الغربية إلى تقدم جزئي في دول ، حيث ارتفع الناتج لكن مع زيادة الاعتماد على العمالة الأجنبية، بينما تقدم البدائل الشرقية مساراً للتصنيع المستقل، كما في محاولات الجزائر لتبني سياسات آسيوية في الزراعة والصناعة. هذا الجدل يعكس تداخلاً بين العوامل الخارجية (الهيمنة الغربية) والداخلية (الاستبداد والتجزئة)، حيث يمنع الغرب تشكيل قوى عربية كبرى من خلال تدخلات عسكرية، كما حدث في محاولات الوحدة ، مقابل نجاح آسيا في تجنب مثل هذه التدخلات بفضل التوازن الجيوسياسي. من منظور تنموي، يتطلب حل هذه الجدلية دمجاً بين الاثنين: تبني عناصر غربية مثل التكنولوجيا مع روح شرقية في الاعتماد على الذات، مع تعزيز الديمقراطية لضمان مشاركة الجماهير، كما أن التراث العربي يمكن أن يكون جسراً للتنمية، مستلهماً من ابن خلدون في فهم الدورات الاجتماعية. فهل نحن أمام نموذج واحد للتقدم أم عدة نماذج يجدر اعتمادها وتأسيسها بشكل خصوصي؟

خاتمة

"التقدمي ليس من يؤمن، بل من يفهم مسار الأشياء."

يُنظر إلى التقدم في الفلسفة على أنه حركة ضرورية، وغالبًا ما يرتبط بعدم التوازن المنضبط، وقبول التجارب، والتساؤل الدائم؛ ويمكن أن يكون فرديًا أو جماعيًا، وأحيانًا تقنيًا، وأحيانًا روحيًا، ولكنه دائمًا في حالة توتر مع الركود أو التراجع، مما يتطلب منا إنتاج شيء جديد بدلاً من تكرار الماضي، وأن نكون حذرين من اليقين. في النهاية، تكشف جدلية التخلف والتقدم عند العرب عن حاجة ماسة إلى نموذج تنموي يتجاوز التبعية الغربية نحو بدائل شرقية مكيفة، حيث يصبح الإنسان محور التنمية، مع التركيز على الاستدامة والاستقلال. لتحقيق ذلك، يجب على الدول العربية تعزيز الوحدة الاقتصادية، الاستثمار في التعليم، وتوظيف الريع النفطي للتصنيع المحلي، مستلهمة من نجاح شرق آسيا في تحولها من التخلف إلى القوة الاقتصادية. هذا الجدل ليس قدراً، بل فرصة لإعادة بناء مسار تنموي عربي مستقل، يجمع بين التراث والحداثة في سبيل تقدم شامل ومستدام. فماهي الأفكار التنموية الثورية والآفاق المستقبلية للعرب؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

يمكن اعتبار الدكتور عبد الجبار الرفاعي من أهم المفكرين العرب المعاصرين الذين عملوا بشكل حقيقي على مشروع تجديد الفكر الديني. عمل الكثير من المفكرين على هذا المشروع، إلا أنهم خاطبوا الدين ودرسوه من خارج الدائرة الدينية. ما يميز الرفاعي أنه انطلق من داخل دائرة الدين للعمل على هذا المشروع الإصلاحي. لم يكن هدف الرفاعي أن يدافع عن التراث كصندوق سري ومقدس لا يمكن المساس به، ولم يكن في نفس الوقت من المنتقدين المتطرفين لهذا التراث كالذين رفضوا الصندوق وما فيه. كان هدفه الأساس هو إبراز التفسير الخاطئ والفهم غير المناسب لهذا التراث، فهو يتعامل مع مفهوم الإيمان كتجربة بشرية ذات بعد معنوي وأخلاقي وتجريبي، حيث اعتبر الإيمان هو العلاج للقلق المتزايد والمخاوف المتفاقمة عند الإنسان في العصر الحديث.

من أهم ما طرحه الرفاعي هو مفهوم "اللاهوت الجديد" أو "علم الكلام الجديد". هناك هاجس متزايد عند الرفاعي وزملائه المفكرين في العالم الإسلامي بأن علم الكلام بحاجة إلى تجديد حقيقي ليستطيع أن يواجه الظروف المتغيرة الحديثة، وهذا ما دفعه إلى تبني مفهوم علم الكلام الجديد، فقد دعا في كتابه "الدين والظمأ الأنطولوجي" بأن فهم الدين يجب أن يتجدد بتجدد احتياجات البشر الروحية. يتعامل الرفاعي في هذا الكتاب مع الدين على أنه مسألة ايمان قلبي، فلا يمكن للدين أن ينجو عبر القوة والفرض، كما نراه عبر التاريخ في مختلف الحكومات الإسلامية التي فرضت الإسلام بقوة السيف على الشعوب المحتلة. فالدين يجد طريقه إلى قلوب الناس عبر عطشهم إلى المعنى في هذا العالم المشتت. في كتابه "الدين والكرامة الإنسانية" يعتقد الرفاعي بأن الدين يجب أن يبدأ من الإنسان ومع الإنسان وإلى الإنسان. بمعنى أن الدين لا يسعى إلى أن يضحي بالإنسان من أجل الدين، وإنما يسعى إلى تطوير الإنسان ورفع حاجاته المعنوية في هذه الحياة. من النظريات التي تميز بها الرفاعي هو تمييزه بين مفهومي "الدين" و"التدين". بالنسبة له، فالدين هو موضوع وحي وغيب وربّاني، أي يقع خارج حدود التاريخ، بينما التدين فهو أمر تاريخي وثقافي ونفسي، أي أن التدين من نتاجات الإنسان حيث يقبل النقد والمساءلة. يستمر الرفاعي في هذا النهج ليطرح مجموعة من التساؤلات والانتقادات للتدين الذي يُبتنى على العنف والأيديولوجية السياسية والهيمنة الدينية.

على الرغم من انتقاده للتدين التاريخي البشري، إلا أنه يصر على تبيان مكانة الدين كنتاج إلهي وسماوي وخارج تلاعب البشر والتاريخ. يشارك الرفاعي مجموعة من الأفكار مع فلاسفة آخرين، فهو يتشاطر الرأي مع نصر حامد أبو زيد في تاريخية التفسير، حيث يعتقد بأن فهم النص يختلف مع اختلاف الثقافة والجغرافية والزمان، بمعنى أنه من الممكن أن يتغير فهم الدين باختلاف السياقات المختلفة، ولعل هذا يبرر وجود الإجتهاد الفقهي في المدرسة الإمامية، بل يجعله ضروريا. يغوص أبو زيد في التفسير اللغوي والهرمنيوطيقي والأدبي للنص القرآني ليقدم بذلك مجموعة من القراءات الجديدة للنصوص القرآنية، إلا أن الرفاعي اختار بأن يقرأ القرآن من منظور وجودي وأخلاقي وإيماني دون الخوض في المفاهيم اللغوية الجامدة.

على الرغم من وجود اتفاق ضمني بين رؤية محمد أركون وعبد الجبار الرفاعي في نقد التدين التاريخي، إلا أن أركون يستخدم سكينا حادا للغوص في جسد الدين التاريخي المتغير بتغير الحكومات والسلطات. إلا أن الرفاعي اختار البحث عن التجديد في داخل دائرة الإيمان والإجابة عن الأسئلة المتجددة في العصر الحديث. يؤكد الرفاعي على الحفاظ على روح الدين والإيمان، إلا أنه يرى من الضروري أن نعيد ترتيب الأولويات في الخطاب الديني. لا يخلو تراث الرفاعي من مواقف تدعو القارئ المتابع إلى النقد. لعل تراث الرفاعي يفتقد إلى عنصر أساسي في مشروعه التجديدي، فهو لا يحمل السكين الذي كان يحمله محمد اركون، فهو كان حريصا على أن يمشي في هذا البيت بهدوء دون المساس بمشاعر سكانه. حاول الإصلاح بهدوء من دون ضجيج، على عكس ما فعله اركون. كان بإمكانه أن يكون أكثر صراحة وأكثر تشخيصا لمواطن الخلل، ولكن قد أعزو هذا الأسلوب إلى ما هو عليه، فقد عرفته شخصا ذو كياسة وهدوء واطمئنان، ليس محبا لحلبات الصراع والضجيج. في النهاية، أرى أنه من الجميل أننا عاصرنا مفكرا مثل الرفاعي.

***

د. مجتبى الحلو - باحث وأستاذ جامعي عراقي

 

ذكورية اللغة العربية ليست مجرد ظاهرة لغوية عابرة، وهي أحد أبشع أشكال الإجحاف التي تمارس بحق المرأة، لأنها تلغي وجودها وإنسانيتها. فاللغة هي وسيلة للتفكير والتواصل وصناعة الواقع. وعندما تصبح اللغة ذكورية بشكل كامل، ينعكس ذلك على شكل التعامل معنا وعلى الطريقة التي ينظر بها لدورنا في المجتمع. يوميا نواجه هذا الإلغاء المبرمج في الخطاب العام: في المنزل، مكان العمل، في الشارع، في المدارس والجامعات وغيرها. ومن المؤسف والمؤلم أكثر أن هذا التهميش لا يظهر فقط في البيئات والاوساط التقليدية أو المحافظة، بل يتكرر حتى داخل المنظمات والأحزاب التي تعرف نفسها بأنها تقدمية أو داعمة لحقوق المرأة.

أنا شخصيا أعاني بشكل ملحوظ من شعور باللاوجود، عندما يتم استخدام صيغة المذكر فقط في مخاطبة الجميع: "زملاؤنا"، "كتابنا"، "قراؤنا"، "شبابنا"… وكأن المرأة مجرد ظل لا يرى، أو كأن وجودها ثانوي وغير جدير بالاعتراف. أحيانا أضطر لبذل طاقة إضافية فقط من أجل تذكير المجموعة بأن هناك عنصرا نسائيا حاضرا بينهم، وأن مخاطبتهم يجب أن تشملنا نحن النساء أيضا. هذا الأمر مرهق، حيث انه مجهود اضافي، ويعكس عبئا نفسيا عميقا، العبء المترتب على المطالبة بالاعتراف بوجودنا في أبسط التفاصيل، حتى في ضمائر الخطاب.

أن استمرار وجود هذه الظاهرة البشعة ليست حادثا لغويا طارئا، وهو امتداد لتاريخ طويل من الإقصاء. فاللغة لم تصنع في فراغ، وقد تشكلت داخل مجتمعات أبوية رأت الرجل مركزا لكل شيء، والمرأة مجرد تابع لا يذكر إلا بقدر صلته به. لذلك ظهرت القاعدة التي تقول إن “المذكر يغلب المؤنث”، وكأن الحضور الذكوري هو الأصل، وحضور المرأة استثناء يمكن تجاوزه.

وقد تراكمت الغاء واقصاء كينونة وجود المراة لغويا عبر قرون، من العصور الجاهلية إلى سلطة الفقه والخطاب الديني، ومن الممارسات الاجتماعية إلى صياغة القوانين والنحو والأمثال. وكلها كرست فكرة واحدة: أن صوت الرجل يكفي ليمثل الجميع، وأن المرأة تدمج ضمنا، حتى وإن كان هذا "الدمج" يخفي وجودها تماما بدل الاعتراف به.

وهكذا تحولت اللغة العربية إلى مرآة تعكس تاريخا طويلا من اللامساواة، وإلى أداة تعيد إنتاجها يوميا في كل خطاب، وفي كل جملة نسمعها أو نقرأها. وعندما لا تسمى المرأة، فإنها لا ترى. وعندما لا ترى، يصبح تغييبها أمرا طبيعيا لا يلفت الانتباه. وما يحدث لغويا يحدث اجتماعيا أيضا. فالمخاطبة الذكورية هي تفصيل لغوي، ومقدمة لأسلوب تعامل كامل يضع الرجل في الواجهة والمرأة في الهامش. وعندما يعاد إنتاج هذا النمط حتى داخل المؤسسات التي تعلن التزامها بالمساواة، يصبح الشعور باللاوجود مضاعفا.

نعم، نحن بحاجة إلى ثورة لغوية حقيقية، وإلى إصلاح واع يواجه ذكورية اللغة التي تبتر جوهر المرأة وتضعف حضورها. هذا إلاصلاح ضرورة لاستعادة التوازن، ولإعادة بناء واقع يعترف بنا كما نحن: ثابتات، حاضرات، جديرات بأن نسمى وأن نرى وأن نكون. ومن دون إصلاح لغوي و جذري واع، ستبقى المرأة غائبة لغويا في اللغة العربية، وبالتالي غائبة سياسيا واجتماعيا. نحن بحاجة إلى لغة تعترف بنا، تسمينا، وتخاطبنا. لغة تعيد بناء حضورنا بدل أن تلغي وجودنا.

***

بيان صالح

لمن نكتب؟ ولماذا هذا النوع من الكتابة؟

هناك أسئلة جذرية تُحدد طريق الكتابة لأحدنا مثل: لمن نكتب؟ لماذا هذا النوع من الكتابة؟ سُئلتها كثيرًا في لقاءات وحوارات بصيغٍ مختلفة، وفي كل مرة أتذكر عبارة الروائي الأمريكي ديفيد بالدتشي “ لاتقع في خطأ أن تكتب ما تعتقد أن الجماهير ستقوم بشرائه. اكتب للشخص الذي تعرفه جيدًا، اكتب لنفسك “، فعندما قرأتها لأول مرة فكأنما وجدت رفيقًا أنيسًا في رحلة بحرية تُغرقها أضواء الشهرة والجماهير دون اكتراث لضوئها الداخلي. والأصل في الكتابة أن يقترب الكاتب من القراء بما يكتنزه من فرادة لغوية وإبداعية تؤهله لاستنطاق الأفكار والقضايا الأكثر أهميةً وجدلًا بالنسبة إليه باستخدام الجنس الكتابي المناسب.

تقول الروائية الأمريكية سو غرافتون: “ أنا كاتبة مثابرة، وأيضًا مرعوبة “، عبارتها تمثلني كثيرًا. أصاب بقلق بعد الانتهاء من الكتابة، أترك العمل لأشهر ثم أعود إليه، أراجعه وأعدل مايلزم، ولابد أن أبعثه سريعًا للنشر والطباعة! فلو تأخر قليلًا، لن يصدر في الوقت المحدد لأن المادة ستظل تتطور وتتغير! في هذه اللحظة لابد لفرض التوقف وقرار حاسم بالنشر! أشعر في الحقيقة بنمو سريع في طاقتي الفكرية وقدراتي الكتابية ولهذا ألمس تفاوتًا هائلًا بين أعمالي ونصوصي بين فترات متقاربة فضلًا عن المتباعدة، فلم يمضِ على كتابي الأخير غير أشهر قليلة، وقد تملكتني رغبة في إعادة تحريره مع تطويره! أعرف جيدًا تشخيص حالتي الفكرية والنفسية والإبداعية! أعرف جيدًا لماذا ينتابني هذا الشعور، وأعرف بأن العلاج أن أمضي لعمل آخر.

دراسة مُضاعفة للأدب الإنجليزي

في عام 2011 تخرجت من الجامعة بدرجة البكالوريوس في الأدب الإنجليزي بعد أن درسته بكلية الآداب بجامعة الملك سعود بالرياض، ثم انتقلتُ إلى كلية الآداب والتربية بجامعة الملك فيصل بالأحساء، درست المقال والشعر والقصة والنوفيلا والرواية من الأدب الإنجليزي وبعض النماذج من الأدب الأمريكي. عرفتُ من تلك الدراسة التي تضاعفت سنواتها عليّ بشكل استثنائي؛ أن الدين عامةً يحضر بشدة في الأدب الإنساني العالمي، ويبرز في السرديات الأدبية والسيّرية بشكل أو بآخر كمكون أساسي للفكر والهوية، كما أن الميثالوجيا تُسيطر على فكر المجتمعات كافة وفقًا لسياقاتها الثقافية والتاريخية المتباينة، وأن قراءة الإنسان للأحداث مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بوعيه وقدرته على التأمل والتفكير المنطقي والقراءة النقدية، وفي ذلك كله لا يمكن أن نغفل أثر الدين في تفسير الإنسان للأقدار والأحداث الواقعة من حوله. تأثرت بنوعية الأعمال الأدبية التي درستها، وعرفت أهمية القضية الجوهرية في الأعمال الأدبية، ومدى إمكانية إظهار الطبقات الفكرية والقيم الدينية بطريقة إبداعية ناهضة، ذلك لأنها تعكس صورة من صور الإنسان ووجهًا من وجوه حياته.

وفي دراستي - ثلاث مرات - لرواية " روبنسون كروزو " 1719، لدانييل ديفو 1660 – 1731 التي تعتبر من أهم روايات الأدب العالمي، وجدت فيها تجسيدًا لظروف عصرها وانعطافاته الفكرية والدينية آنذاك، بسردها المُتخيل لحياة شاب اسكتلندي، اختار التمرد على الأسرة إعلاءً لقيّم الفردانية الناهضة في العصر السادس عشر الميلادي، والعيش في مغامراتٍ بحرية لم تنتهِ بسهولة كما بدأت. فقد استطاع بها إبراز حياة العزلة على جزيرة نائية، والأحاديث مع الإله الذي يسمعه ويستجيب لندائه، تعلو مناجاته في أصعب اللحظات وأشدها انغلاقًا، ما يدعوه للتساؤل عن تأخر الاستجابة، فيتقرب لربه بالعمل الخيّر. هكذا يحضر الدين وتبرز الحاجة لوجود إله في اللاوعي البشري، تأكيدًا على وجوديته الأصلية في الإنسان. وقد استوقفتني هذه القراءة لتأمل حياة إنسان غربي بمسيحيته البروتستانتية، فكلما ألهته الحياة عن إلهه، ذكّره الإعصار وأمواج البحر المتلاطمة بوحدته وضعفه وحاجته لقوة مطلقة تنجيه من أهوال البحر. أليس هذا شبيه بما يحدث لنا جميعًا؟! إذًا الله حاضر في روح الإنسان بصرف النظر عن عرقه ودينه وثقافته، إنما بناءً على اللحظة التي قد تُظهر ذلك أو تُخفيه، فيعي الفرد تلك الحقيقة أو لا يعيها لقصورٍ فيه. وقد كان درسًا من أقوى الدروس التي خرجت بها من الدراسة، لأشق بعد ذلك طريقي في القراءة الحرة والكتابة على نحوٍ يشبهني ويليق بطبيعتي الفكرية والإبداعية.

قراءة الكتب بين ذاكرة النص وذاكرة الأفكار

لست كائنًا نصيًا ولا تلقينيًا، أقرأ كثيرًا، وأنسى النصوص كثيرًا، الأفكار هي من تبقى في رأسي. ولأن هناك دائمًا قائمة لامنتهية من الكتب، وأعرف أن ذاكرتي ستبدأ بفقدان الملفات المقروءة سريعًا، تحديتها بالكتابة - بقدر المستطاع طبعًا - فلا يمكنني الكتابة عن كل كتاب أقرؤه، لكني اعتمدت طريقة الموجزات لأتحدى خيانة الذاكرة، قرأت وكتبت في مختلف الأجناس الأدبية. توسعت قراءتي من كتب الأدب إلى كتب من العلوم الاجتماعية والسياسية والفلسفة. أشعر بالضعف أحيانًا عندما أجدني لم أقرأ كل الروايات الشهيرة والحائزة على جوائز هامة، أحاول تقليل قراءاتي خارج الأدب، ولكن دون جدوى! تعترضني كتب مهمة تختطفني بالقوة من مادتي الأدبية لأقرأها ويمتلئ رأسي من فكرتها. لا تكفيني قراءة السرد لوحده، أحتاج دائمًا لأدوات النقد والتفسير والتحليل لأحقق الفهم.

وعلى إثر هذه القراءة، عرفت أن ما يواجه الإنسان من ظروف اجتماعية وسياقات ثقافية وتاريخية لها الأثر البالغ في صناعته الفكرية مع اعتبار أنّ لكل إنسان سياقًا خاصًا، وأن الوعي بهذا المعنى حسّاس وسالكه محال إلا أن يشعر بغربة، لأن الناس كجماعات لا يريدون تغيير قناعاتهم وتبديل نتائجهم والإخلال بمعارفهم، فالمعرفة تتطلب ثمنًا باهظًا، والشك والتغيير من الأمور التي تهز منطقة الراحة مما يدفع بالإنسان للثورة أمام الهزة البسيطة للمسلمات المتراكمة لدرجة التكلس، فهو يفرح بالوهم المريح أكثر، وهنا تكمن صعوبة تحريك القيم والأفكار السائدة لعقود طويلة. والإشكالية أن هذا الركون له انعكاساته التراكمية السلبية جدًا، وقد لمسنا ذلك بأنفسنا، فأصبحنا شهودًا على مكابدة دفع الإنسان للثمن، الذي قد يتسبب في إهدار العمر كاملًا، وتضييع فرصة الحياة بجودة عالية وتوازن معتدل. شعرت بإحباطٍ وألم شديد أمام بعض القراءات، وبتفاؤل وأمل مع قراءات أخرى. وفي كل مرة يكون القرار أن أكتب. لابد أن أكتب ليس ما يريده الجمهور، بل ما تريده ذاتي، أو كما عبر عنه بالدتشي “ اكتب للشخص الذي تعرفه جيدًا. اكتب لنفسك “.

***

رجاء البوعلي – صحيفة المثقف

وقوع الظلم في أي مكان من هذا العالم يجب أن يستفز ضميرك ويوقظ فيك ما تبقى من إنسان... فلا يهم جنس الضحية ولا لونها ولا عقيدتها ولا أفكارها ولا طبقتها الاجتماعية، لأن الإنسان حين يهان في أي بقعة من الأرض يهان معه جوهر العدالة، وتنتقص من إنسانيتنا جميعا ذرة من النور.

إن طلب العدالة لا يخص أمة دون أخرى، ولا ثقافة دون غيرها، بل هو واجب كوني يستوجب مقاومة عابرة للحدود ضد طغيان الشر. أن نكون بشرا يعني أن نرى في كل ألم إنساني انعكاسا لآلامنا الخاصة، وأن ندرك أن الحياد في حضرة الظلم ليس حيادا، بل تواطؤ ناعم يتخفى خلف العقلانية الزائفة.

قال مارتن لوثر كينغ:

"الظلم في أي مكان هو تهديد للعدالة في كل مكان."

وهذا القول لا ينتمي إلى السياسة فحسب، بل إلى الفلسفة الأخلاقية العليا، لأنه يعيد تعريف الإنسان بوصفه كائنا مسؤولا، لا عن ذاته فقط، بل عن النظام الأخلاقي للعالم الذي يعيش فيه.

كل قهر يمارس على كائن بشري هو قهر موجه ضد الفكرة الكبرى للعدالة. وليس من الشجاعة أن تطالب بالعدل فقط حين تكون الضحية تشبهك، بل حين تدافع عنه لمن يخالفك في اللون والعقيدة والرأي. فالعدالة لا تقاس بميزان الانتماء، بل بقدرتها على أن تعانق الإنسان من حيث هو إنسان.

الضمير الكوني لا يعرف الجغرافيا، ولا يسأل الميتافيزيقا عن جنس المقهور أو نسبه أو لغته. إنه وعي متصل بنبض الوجود، يرى أن كل ظلم على وجه الأرض هو شرخ في نسيج الروح البشرية كلها.

فالظلم لا يعرف العناوين، ولا يطلب جواز سفر ليعبر الحدود، إنه كائن غامض يعيش على صمتنا، ويتغذى من لا مبالاتنا، ويزدهر كلما ظن الناس أن الألم البعيد لا يعنيهم ما دام لم يطرق أبوابهم بعد.

حين يسقط إنسان في أقصى الأرض تحت وطأة القهر، ينبغي أن يهتز في أعماقنا خيط من الضمير، أن نشعر بأن شيئا في النظام الكوني قد اختل، فكل ألم إنساني هو صرخة في الوعي الجمعي، وكل صرخة لا تجد من يسمعها تنقص من إنسانيتنا قدرا.

الحقيقة الفلسفية الأعمق تقول إن العالم جسدا واحدا، وإن الطعنة في خاصرة أي جزء منه توجع الكل، لأن الإنسانية ليست تجزئة بل كينونة واحدة.

ولنعلم جميعا أن العدالة ليست حلما طوباويا، بل هي المعنى الأسمى لاستمرار الحياة بكرامة. أما الفيلسوف الذي يدعي الحكمة ولا ينحاز للحق، فقد خسر دوره بوصفه ضميرا للوجود

***

ابتهال عبد الوهاب

 

إذا ما رجعنا إلى الحقبة التي بزغ فيها نور النبوة، نجد أن العلم ارتبط في الثقافة الإسلامية بنظرة تتجاوز نفع الفرد إلى نفع الإنسانية جمعاء. حيث لم يُقدَّم الإسلام بوصفه قطيعة معرفية مع العالم، ولا مشروعًا حضاريًا مغلقًا على أتباعه، بل جاء في سياق إنساني أوسع يعترف بتعدّد الأمم واختلاف المِلَل، ويُقيم التمييز الواضح بين الخلاف العقدي من جهة، والتعاون الإنساني وتلاقح الأفكار وتبادل الخبرات من جهة أخرى.

 وقد تجلّى هذا المعنى عمليًا في عهد النبوة، حين تعامل النبي محمد صلى الله عليه وسلم مع غير المسلمين تعامل الثقة العملية، حيث استعان بعبد الله بن أريقط، رغم أنه مشرك، دليلًا في أخطر لحظات الدعوة أثناء الهجرة (622م). ولم يمنع اختلاف العقيدة من الاعتماد على خبرته وأمانته، الأمر الذي يظهر وعيًا مبكرًا بأن بناء المجتمع لا يقوم إلا على الثقة المتبادلة وتبادل المنافع. كما نظّم النبي-صلى الله عليه وسلم-العلاقة بين المسلمين واليهود والمشركين في وثيقة المدينة (622م)، التي أرست مفهوم الجماعة السياسية القائمة على التعايش والمسؤولية المشتركة، وليس على التطابق الديني، وهو ما يعكس وعيًا مبكرًا بأن بناء المجتمع لا يقوم إلا على الثقة المتبادلة وتبادل المنافع.

 وإذا ما انتقلنا إلى عهد الخلفاء الراشدين ثم الأمويين، نجد أن هذا المنطق ظل حاضرًا؛ فالإدارة والطب والدواوين لم تُحصر في المسلمين وحدهم، بل شارك فيها نصارى ومجوس وصابئة، خاصة في الشام والعراق وفارس. وقد عمل أطباء نصارى في علاج الخلفاء والأمراء دون حرج، وكان المعيار هو الكفاءة لا الانتماء العقدي، الأمر الذي ساعد على تناكح الأفكار بين الثقافات المختلفة. وفي هذا السياق بدأ الاحتكاك المنظم بتراث الأمم السابقة، حيث انتقلت المعارف اليونانية والسريانية والفارسية إلى البيئة الإسلامية، لا بوصفها علوم غريبة، بل باعتبارها خبرة إنسانية قابلة للتطوير والتمحيص.

ومع قيام الدولة العباسية (750م)، بلغ هذا التلاقح الحضاري ذروته، خاصة في بغداد التي تحولت إلى مركز عالمي للعلم. حيث أُنشئ بيت الحكمة في عهد الخليفة المأمون (ت 833م)، ليكون مؤسسة جامعة للترجمة والبحث، وشارك فيه علماء من أديان مختلفة. ومن أبرز هؤلاء حنين بن إسحاق (808 873م)، طبيب ومترجم نصراني، نقل مؤلفات جالينوس وأبقراط من اليونانية والسريانية إلى العربية بدقة علمية عالية، وكذلك ثابت بن قرة (826 901م)، صابئي من حرّان، أسهم في الرياضيات والفلك والطب. ولم يكن هؤلاء استثناءات، بل جزءًا من مناخ عام يرى أن العلم لا يُسأل عن عقيدة حامله، بل عن صدقه ومنهجه، الأمر الذي يعكس إدراكًا مبكرًا لأهمية الزمن المعيش في الانتفاع بالمعرفة والخبرات العملية.

ومن داخل هذا المناخ المتسامح والمنفتح، نشأ كبار علماء الإسلام الذين لم يكن علمهم حكرًا على المسلمين، بل صار تراثًا إنسانيًا مشتركًا. فابن سينا (980 1037م)، المولود في بخارى، ألّف كتابه الشهير القانون في الطب، الذي تُرجم إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر، وظل يُدرَّس في جامعات أوروبا حتى القرن السابع عشر، واستفاد منه الأطباء المسلمون والمسيحيون واليهود على السواء. وكذلك الزهراوي (936 1013م)، طبيب الأندلس الكبير، الذي وضع أسس الجراحة الحديثة في كتابه التصريف، حيث انتقل أثره إلى أوروبا وأصبح مرجعًا أساسيًا للجراحين قرونًا طويلة.

وفي السياق نفسه، يأتي ابن النفيس (1213 1288م)، الطبيب الدمشقي، الذي اكتشف الدورة الدموية الصغرى، وهو إنجاز علمي بالغ الأهمية، ظل مجهولًا في أوروبا حتى أُعيد اكتشافه لاحقًا، ما يؤكد أن المعرفة الطبية في الحضارة الإسلامية كانت جزءًا من السلسلة العالمية لتطور العلم، لا حلقة منقطعة عنها. ولم تكن المستشفيات الإسلامية، حكرًا على أطباء المسلمين، بل عمل فيها مسلمون ونصارى وغيرهم، وكان المريض يُعالج بوصفه إنسانًا لا تابعًا لعقيدة بعينها.

أما في مجال الفلسفة والعلوم العقلية، فنجد أن ابن رشد (1126 1198م)، قاضي قرطبة وفيلسوفها، مثّل نموذجًا صارخًا لتلاقح الأفكار بين الحضارات، حيث كتب شروحه الشهيرة على أرسطو، التي انتقلت إلى أوروبا عبر الترجمات اللاتينية، وأسهمت في تشكيل العقلانية الأوروبية فيما عُرف بالرشدية اللاتينية. وقد قرأه فلاسفة مسيحيون ويهود، وتأثروا به في بناء الفلسفة المدرسية، ما يدل على أن نتاجه الفكري تجاوز الإطار الديني والثقافي الذي نشأ فيه.

 ولذلك لم يكن علم ابن سينا أو ابن رشد أو الزهراوي علمًا إسلاميًا بالمعنى الضيق، بل علمًا إنسانيًا ساهم في بنائه المسلم والمسيحي والمجوسي، وانتفعت به سائر الأمم، في سلسلة تاريخية طويلة من الثقة المتبادلة والتلاقح الخلّاق.

وقد كانت الأندلس (711 1492م) نموذجًا حيًا لهذا التعايش، حيث عاش المسلمون والمسيحيون واليهود في فضاء ثقافي واحد، وتبادلت فيه اللغات والمعارف. ففي طليطلة، نشأت مدارس للترجمة نقلت العلوم العربية إلى اللاتينية، وأسهم فيها علماء من مختلف الديانات. ويكفي أن نذكر موسى بن ميمون (1135 1204م)، الفيلسوف والطبيب اليهودي، الذي نشأ في بيئة أندلسية إسلامية، وكتب مؤلفاته متأثرًا بالفلسفة الإسلامية، خاصة ابن رشد وابن سينا، ثم انتقل أثره إلى الفكر اليهودي والمسيحي معًا.

وإذا ما نظرنا إلى البنية الغربية الحديثة، نرى تحولًا جذريًا في التعامل مع المعرفة. ففي أوروبا الحديثة، كان الاحتفاظ بالأرشيفات، والسيطرة على الطباعة، والتحكم في الجامعات، جزءًا من أدوات السلطة، ومع صعود الرأسمالية الصناعية أصبحت المعرفة رأس مال استراتيجي. ومع ظهور الشركات متعددة الجنسيات، تحولت المعلومة إلى مورد يُستخرج ويُخزَّن ويُباع. حيث أصبحت المعلومة تُدار بآليات سياسية واقتصادية معقدة، وتخضع أحيانًا لتوجيهات مؤسسية تحدد ما يُنشر وما يُخفى وما يُضخ في الإعلام وما يُدفن في الأرشيف.

ففي مجال الطب تحديدًا، أصبح التطوير العلمي مرتبطًا بالربحية، فحين تتولى شركات عملاقة إدارة الأبحاث والاختبارات والتوزيع، يصبح الوصول إلى العلاج متوقفًا على القدرة الاقتصادية لا الضرورة الإنسانية. ولا يعني ذلك أن الدواء الغربي رديء، بل يعني أن الدواء الذي يصل إلى العالم لا يعكس دائمًا أفضل ما توصل إليه العلم، بل ما يتناسب مع حسابات السوق. فالأولوية تُعطى للأدوية ذات العائد الكبير، أما العلاجات التي تُحدث فارقًا جذريًا لكنها لا تحقق أرباحًا مناسبة، فتُؤجَّل أو تُحجَب أو تُطرح بحدود جغرافية واقتصادية ضيقة.

وليس المقصود هنا إلصاق المسؤولية بدين أو عرق معين، بل الإشارة إلى شبكات نفوذ ثقافية واقتصادية لعبت دورًا في توجيه المعرفة بما يخدم مصالحها. وقد أشار لذلك محمد عابد الجابري، بأنه في بدايات أوروبا الحديثة، كان الاحتفاظ بالأرشيفات، والسيطرة على الطباعة، والتحكم في الجامعات، جزءًا من أدوات السلطة ومع صعود الرأسمالية الصناعية، أصبحت المعرفة رأس مال استراتيجي، ومع ظهور الشركات متعددة الجنسيات تحولت المعلومة إلى مورد يُستخرج ويُخزَّن ويُباع. حيث أصبحت المعلومة تُدار بآليات سياسية واقتصادية معقدة، وتخضع أحيانًا لتوجيهات مؤسسية تحدد ما يُنشر وما يُخفى وما يُضخّ في الإعلام وما يُدفن في الأرشيف.

ومع دخولنا عصر الرقمنة، ارتفعت درجة التوجيه إلى مستوى غير مسبوق. فخوارزميات المنصات الكبرى لا تعمل بصورة حيادية كما يتصور البعض، بل تُبرمج لتوجيه السلوك والمواقف والرغبات بما يتماشى مع مصالح من صمموها. معرفة مرشّحة، ومختارة ضمن مسار معين يرسّخ نمطًا ذهنيًا دون آخر، وحين تُضخ مليارات من الصفحات والمقالات والفيديوهات في شبكة تُديرها حفنة من الشركات، يصبح من السهل تشكيل وعي عالمي يتجه إلى ما تريده تلك المنصات، لا ما يريده الفرد.

تحت هذه السحابة الكثيفة من البيانات المتناقضة معلومات صحيحة وأخرى زائفة، علم رصين وآخر موجه، معرفة نقية وأخرى محمّلة بالتحيز يصعب على الإنسان العادي الوصول إلى الحقيقة. ليس لأن الحقيقة غير موجودة، بل لأن الوصول إليها محاط بطبقات من التوجيه والتشويش والانتقاء. وهكذا تُبنى أنماط الوعي الحديثة من خيوط خفية من السياسات المعلوماتية توجه ما نراه، وما نفكر فيه، وما نميل إليه، حتى تتحول خياراتنا إلى نتائج هندسة ذكية، لا نتائج إرادة حرة تمامًا.

ومن هنا يمكن القول بأن ما نشهده ليس عفوية معلوماتية، بل هندسة معرفية ممنهجة تُعيد صياغة العقل الجمعي بما يتماشى مع مصالح القوى الكبرى. فالخوارزميات، والأرشيفات المغلقة، ومراكز البيانات، وقواعد البحث العلمي، والإعلام الرقمي، كلها تعمل ضمن نسق واحد لتشكيل وعي الإنسان بما يوافق ما يطمحون إليه له، لا ما يطمح هو إليه لنفسه.

للحديث بقية...

***

بقلم: د. بدر الفيومي

 

نشرت صحيفة المثقف مقالا للدكتور ضياء خضير تحت عنوان: نظرية الصفر اللغوي للدكتورة سناء حميد البياتي في عددها الصادر بتاريخ 5/12/2025 

يقول الدكتور ضياء في مطلع مقالته أن صديقه بعث له بفيديو يظهر فيه الزميلة الدكتورة سناء البياتي مع الأستاذ باسم الجمل ببرنامج تتحدث فيه عن نظرية الصفر اللغوي.. ثم يبني نقده وانتقاصه من هذه النظرية مستندًا على هذه المقابلة، وكان الأجدر بصاحب المقال أن يقرأ كتاب (نظرية الصفر اللغوي للنحو الكلّي وتطبيقاتها في العربية) الذي صدر عن دار كنوز المعرفة في الأردن ليكون منصفًا في ملاحظاته.

إذ يقدم الكتاب تعريفًا لنظرية الصفر اللغوي وتوضيحًا لمفهوم الصفر اللغوي وهو: نظام آليّة عمل الدماغ البشري لإنتاج اللغة، ويشرح الكتاب - وبالرسوم التوضيحية - المراحل التي تمرّ بها الفكرة لكي تُنتج جملة منطوقة أو مكتوبة، ويوضح أسس النظرية من حيث المبادئ والمنطلقات ثم النتائج المترتبة على تطبيقها في اللغة العربية، ولا يصح أن يعتمد الدكتور ضياء في نقضه والانتقاص من الجهد على محاورة محددة بوقت لا يتسع للشرح المفصّل لجوانب النظرية كافة.

لذلك يؤسفني أن أقول: إن صاحب المقال لم يفهم (نظرية الصفر اللغوي) حق الفهم، واختزلها اختزالا غير منصف، ولو قرأ الكتاب لعلم كيف طبقتُها على عدد من اللغات ونجحتُ في تطبيقها، وكيف أثبتتِ النظريةُ أنّ  توزيعَ العلامات على الكلمات في اللغة العربية دليلٌ على  أن العقل الذي أنتج هذه اللغة عقلٌ يتميز بالدّقة والتنظيم، مع الإثبات العلمي لهذه النتيجة، وكيف يمكن تسهيل تعليم لغة معينة للناطقين بغيرها من خلال الاعتماد على معاني النحو المشتركة بين اللغات التي حددتها نظريةُ الصفر اللغوي بأربعة معان رئيسة فقط، وبذلك يسهل تعليم اللغات بالاستناد إلى المشتركات التي يعتمدها المترجم عادة في الانتقال من لغة إلى أخرى، ولو قرأ الكتاب لعلم أيضا أنّ من النتائج المهمة لهذه النظرية أنها تُسهم في كشف إعجاز القرآن الكريم، و تحدد مواضع بعض أمراض الكلام الكامنة في جهاز انتاج اللغة في الدماغ من خلال العارض الذي يعاني منه المتكلم من حبسة أو غيرها من أمراض الكلام.

وأمور أخرى كثيرة مذكورة في الكتاب المنشور.2212 sanaa

وقد ذكر صاحب المقال أن رئيس المجمع العلمي العراقي رفض النظرية، ورفضه هذا ليس بحجة، لأن فهمه للصفر هو: العدم، أو هو اللاشيء، وأنا عارضته في أن الصفر مصطلح لمفهوم مهم جدا، وهو لا يعني اللاشيء وإنما هو الأساس في بناء كل شيء، ولا يمكن ان نبني الأشياء بناءً سليمًا ما لم نبدأ من الأساس، ثمّ يُشيد رئيس المجمع بالعرب ويفتخر بأنهم اكتشفوا الصفر وأنهم أهدوا العالم هذا الاكتشاف، فهل أهدوا العالَم اللاشيء أو العدم؟

 وفي مجال اللغة (نظام آليّة عمل الدماغ لإنتاج اللغة) الذي اكتشفتُه هو (مرحلة الصفر) لأنه المرحلة الماثلة ما بين انبثاق الأفكار المراد التعبير عنها بجمل، والجمل المعبرة عن تلك الأفكار كما أن الصفر الرياضي هو المرحلة الماثلة ما بين الأعداد الموجبة والأعداد السالبة، وقد وصفتُ هذا النظام وتلك الآليّة بدقة، وطبقته على أكثر من لغة ونجحت في تطبيقه، ويكفي أن يكون النجاح في التطبيق دليلًا على صحة نظرية لسانية مقرها في الدماغ البشري.

وهنا يطيب لي أن أسأل الدكتور ضياء خضير هذا السؤال:

هل دماغ الإنسان يُنتج اللغة وفق نظام أم أن إنتاج اللغة عشوائيٌ؟ بالتأكيد ستقول لابد أن يكون إنتاجها وفق نظام. إذن هات لي نظامًا آخر غير النظام الذي وصفتْه وحددت معالمَه نظريةُ الصفر اللغوي وطبّقه على عدد من اللغات كما فعلت نظريةُ الصفر اللغوي التي وصفت نظام آلّيّة عمل الدماغ لإنتاج اللغة وطبقته على عدد من اللغات ونجحت في التطبيق.

طبعا لا تستطيع...

والآن لنطلب من الدكتور ضياء خضير أن يذهب وينقّب في كتب العلماء ويأتينا بمن قدّم نظامًا متكاملًا لآليّة عمل الدماغ لإنتاج اللغة وطبّقَه على لغاتٍ متعددة ونجح في التطبيق كما فعلت نظرية الصفر اللغوي.

بالتأكيد لا يستطيع الدكتور ضياء خضير ولا غيره فعل ذلك وكل ما أورده في المقال (تشويش) على اكتشاف مهم ظهر في بيئة تنتقص وتتندر على جهود علمائها.. والله المستعان.

نعم إن تشومسكي أول من قال بوجود النحو الكلّي ولكنه لم يحدد قواعد النحو الكلّي كما حددتها نظرية الصفر اللغوي في الكتاب المذكور، ولم يستطع تطبيق نظريته (التوليدية التحويلية) على عدد من اللغات أو أن تكون لها نتائج يُستفاد منها في مجالات متعددة أو يستفاد منها في بناء منهج تعليمي للغة من اللغات كما فعلت نظرية الصفر اللغوي في كتابي (قواعد اللغة العربية بمفاهيم جديدة وتعليمية) المنشور في دار أكتب في مصر.

وللعلم إن نظرية الصفر اللغوي انطلقت من التراث العربي وهي امتداد لنظرية النظم لعبد القاهر الجرجاني في كتابه دلائل الإعجاز ولكنها التقت مع النظرية التوليدية التحويلية في أن كلا النظريتين تبحثان في منطقة واحدة هي: اللغة في الدماغ البشري، وقد حاول تشومسكي منذ عام 1957 في كتابه (البنى التركيبية) أن يصل إلى قواعد النحو الكلي، ورغم المراحل التي مرت بها نظريتة لحين كتابه الصادر عام 1995 البرنامج الأدنوي  The Minimalist Program  لم يتوصل تشومسكي  إلى تحديد قواعد النحو الكلي كما حددتها نظرية الصفر اللغوي بأربع قواعد رئيسة فقط  هي معاني النحو الرئيسة الرابطة بين الكلمات، أضف إلى ذلك أن نظرية الصفر اللغوي حددت المراحل التي تمر بها الفكرة لكي تُنتج كجملة بثلاث مراحل ذكرتُ مسمياتها وآليّة عمل كل مرحلة من المراحل.

 إن نظرية الصفر اللغوي ترفض مبدأ التحويل عند تشومسكي لأن تشومسكي يرى أن (الجملة النواة) التي يولدها الدماغ هي المركز وهي المنطلق وهي الأصل على حد تعبير النحاة العرب، والجملة النواة عنده هي: (الجملة الخبرية المثبتة بأصغر أشكالها) ومنها يبدأ بتحويل الجُملة إلى الشكل النهائي الناتج في البنية السطحية كالجملة المنفية أو الاستفهامية أو غيرها، ولتقريب مبدأ التحويل عند تشومسكي بمثال: إذا قلت (ما سافر زيدٌ) فإن الدماغ - حسب رأي تشومسكي- كان قد ولّد في البنية العميقة جملة صغيرة هي (سافر زيدٌ) ثم تحولت في الدماغ بإضافة النفي اليها فأصبحت (ما سافر زيدٌ) وتخرج للسطح بشكلها بعد التحويل (ما سافر زيدٌ)، لذلك فإن تشومسكي يرى أن إنتاج الجمل يمرّ في الدماغ  بمرحلتين:

الأولى: توليد

الثانية: تحويل

في حين ان نظرية الصفر اللغوي ترفض مبدأ التحويل وتذهب بالأصل إلى أبعد من الجملة الخبرية المثبتة، تذهب إلى(معاني النحو) الرابطة بين كلمات جميع الجمل بما فيها الجملة الخبرية المثبتة القصيرة، وقد حددت النظرية تلك المعاني النحوية بأربعة معان رئيسة فقط هي: (الإسناد، التخصيص، الإضافة، التوضيح) وأن المعنى العام للفكرة- النفي مثلا-  يتحدد منذ البدء في المرحلة الأولى التي تمر بها الفكرة، فالجملة تولد منفية من منذ البدء ولا تولد خبرية مثبتة ثم تتحول الى منفية كما في النظرية التوليدية التحويلية. وهذا يتناسب مع إدراك الإنسان الأشياء: من الكل إلى الجزء حسب نظرية (الجشتالت) في علم النفس الإدراكي، وفي الكتاب شرح مفصل لكل مرحلة تمر بها الفكرة ولكل معنى نحوي رابط يربط بين أجزاء الفكرة، وفيه تطبيق على اللغة العربية واللغة الإنكليزية واللغة السويدية ويمكن التطبيق بنفس الطريقة على جميع اللغات الطبيعية التي يمكن الترجمة منها وإليها.

لا أدري كيف يجرؤ ناقد على نقد نظرية منشورة في كتاب دون الاطلاع عليه! ولو اطلع عليه لأراح نفسه من ذكر قائمة بأسماء العلماء الذين اجتهدوا في تيسير قواعد العربية بدءًا من ابن مضاء القرطبي قديمًا مرورا بجميع من ذكرهم في العصر الحديث، وأكثرهم أهمية عندي (أستاذي) الدكتور مهدي المخزومي صاحب أهم كتاب (في النحو العربي نقد وتوجيه)، فليس هناك من ينكر جهود العلماء في مجال التيسير، ولكن كل عالم أخذ بطرف أو عدة اطراف من القواعد النحوية محاولا إيجاد البدائل الميسّرة، أما نظرية الصفر اللغوي فهي تأخذ بجوانب اللغة مجتمعة وتخرج بنظامها من مرحلة الصفر فتجمع جهود أولئك العلماء وتضيف إليه الكثير لأنها تنطلق باللغة من منبعها الأساس في الدماغ، وهي - نظرية الصفر اللغوي-  بذلك لا تختلف عن مفهوم الصفر في الرياضيات،  فقد كان اكتشاف الصفر الرياضي تنظيمًا للأعداد جميعًا وبنائها بناءً صحيحًا بعد أن كانت موجودة ولكنها ناقصة ومبعثرة وغير منظمة تنظيما يبدأ بها من الصفر.

نظرية الصفر اللغوي تؤكد أهمية التراكم المعرفي الذي قدمه هؤلاء العلماء العظماء وتؤكد أيضا أنها قفزت بهذا التراكم المعرفي قفزة إلى الأمام في كشف نظام آليّة عمل الدماغ لإنتاج اللغة، وبنت عليه منهجًا مقبولا لتعليم قواعد العربية، واذا كان تيسير وإصلاح مناهج تعليم العربية هي الفضيلة الوحيدة التي ذكرها صاحب المقال للدكتورة سناء البياتي فيجدر به أن يسائل نفسه: ألا يقتضي التيسير والإصلاح نظرية جديدة غير نظرية العامل نقيم عليها مناهج قواعد العربية؟ أم نبقى على أسس نظرية العامل والمعمول ونرقّع النظرية القديمة من هنا وهناك لتناسب فكر الدارسين في العصر الحديث؟

***

د. سناء حميد البياتي

 

في عالم يُهيمن عليه الذكاء الإصطناعي، شهدت حياتنا اليومية تطوراً وتغيراً كبيراً في مختلف المجالات الحياتية، وتحولت التعاملات والعلاقات الإنسانية الى العالم الرقمي، حتى مقالاتنا وكتاباتُنا أصبحت رقمية، لأننا نعيش في عصر التكنولوجيا الرقمية.

لا نستطيع إنكار حقيقة أن العالم الرقمي له الكثير من الجوانب الإيجابية، منها سهولة إنجاز مهامنا الحياتية، وسهولة التواصل مع البشر في أي وقتٍ، وفي أي مكانٍ في العالم، وسهولة الحصول على المعلومات، ومتابعة الأحداث، وحتى إدارة حساباتنا وأعمالنا، وشؤوننا اليومية، التي باتت هي أيضاً رقمية، ولكن في الوقت ذاته، لقد أصبح الإنسان وحيداً، يعاني من العزلة الإجتماعية، ويفتقر الى الحياة الحقيقية، والعلاقات البشرية، لقد أصبح الإنسان المعاصر، إنساناً رقمياً، أسيراً لتكنولوجيا الذكاء الإصطناعي، وتداعيات العالم الرقمي، والذي ترتب عليه أن تصبح الآلة رقيباً على الأنسان، تختبر حقيقته و إنسانيته، وتدقق في نتاجاته الفكرية، وتتحقق من مدى صحة كونه إنساناً، لقد أصبح الإنسان المعاصر  مُجبراً على أن يثبت للآلة أنه ليس روبوتاً.

مرحباً أنا لست روبوتاً

هذه العبارة الإفتتاحية التي قد تبدو بسيطة ولطيفة،  لكنها تحمل في ثناياها فوضى التكنولوجيا وتسلطها على الإنسان، وتفتح أبواباً لأسئلة فلسفية عميقة، حول العلاقة بين الإنسان والآلة، قبل سنين مضت كان الإنسان يحاول أن يُطور ألات  وروبوتات ذكية، تضاهي العقل الإنساني، اوعلى الأقل تحاول التشبه به، ولكننا اليوم مُلزمون كبشر أن نُثبت للآلات أننا لسنا روبوتات، المُضحك المُبكي أن كل حياتنا أصبحت عبارة عن واقع إفتراضي، لدرجة إختلط علينا الأمر وأصبح من الصعب علينا التمييز بين ماهو حقيقي، وماهو إفتراضي او ذكاء إصطناعي، و مع كل موقع إلكتروني ندخله أو نزوره كل يوم، فإننا مُلزمون بان نثبت للذكاء الإصطناعي بأننا بشر، ولسنا روبوتات، ولكن لماذا وكيف صلنا الى هذا الحال، لماذا أصبحنا ملزمين أن نثبت أننا بشر للآلات، كيف يمكن لللآلات ان تحدد إنسانيتنا، وهل من الممكن ان تصبح حياتنا كلها عبارة عن محاولات لإثبات هويتنا الإنسانية؟!

في البداية يجب علينا ان نطرح سؤالا يمثل فهمه نصف الإجابة: ما هو الفرق بين الإنسان والآلة، هل هو الفرق بين العقل والجسد، أم هو الفرق بين الروح والمادة، أم هل هو الفرق بين القدرة على التفكير والقدرة على التصرف، أم هو الفرق بين التفكير والشعور؟!

كل هذه الأسئلة المُتداخلة تعيدنا الى نقطة البداية، في ظل التطور السريع الذي يشهده الذكاء الإصطناعي، الذي بات قادراً على فهم المشاعر الإنسانية، وتحليلها، بل ومحاكاتها، وفي خضم الواقع الوجودي الجديد، وفي ظل الحياة الرقمية المعاصرة، مازال شرطا على الإنسان لكي يكون جزءاً من العالم الرقمي، أن يثبت بانه ليس روبوتاً.

***

شيماء هماوندي

إن دراسة العلاقة بين الأسطورة ورأس المال والسلطة تتطلب مقاربة فلسفية جذرية تتجاوز التحليل السطحي للوقائع التاريخية أو الظواهر الاقتصادية المعزولة. يُفترض في هذا العمل أن الأنساق الثلاثة لا تعمل في انعزال، بل تتضافر لتشكل نظام هيمنة بنيوي متكامل، يرتكز على إنتاج المعنى والشرعنة بقدر ارتكازه على الإكراه المادي.

الإطار النظري والمقدمة المنهجية

تتمثل الإشكالية المركزية في فهم كيف تتجاوز الأسطورة وظيفتها السردية لتصبح تقنية حوكمة تعمل على تطبيع مصالح رأس المال والسلطة. وكيف يتم دمج اللاعقلاني في آلة العقلانية الأداتية؟

يتطلب الكشف عن هذا التعاون الفلسفي دمج أدوات النقد المادي، كما صاغها كارل ماركس في نقده للاقتصاد السياسي، مع أدوات النقد المعرفي والخطابي، التي طوّرها فلاسفة مثل ميشيل فوكو ورولان بارت.

إن الهدف من هذا الدمج ليس مجرد تفسير العالم، بل هو الانخراط في مشروع جذري لفهم بنية الصراع الاجتماعي والتحولات الطبقية بهدف تغييرها.

تنطلق هذه المقاربة من خلفية نقدية عميقة، نجد جذورها في أعمال فلاسفة تقليد مدرسة فرانكفورت والفلسفة الكانطية الجديدة. فإرنست كاسيرر، وهو فيلسوف كانطي جديد وريث لمدرسة ماربورغ، قام بتحليل أسطورة الدولة في سياق الكوارث السياسية التي عصفت بالقرن العشرين. وقد سعى كاسيرر لتسليط الضوء على حدود الترابط "غير المنطقي بين سياسة المعقول وثقافة اللامعقول". هذا التحدي الفلسفي يظل قائماً: كيف يمكن للعقلانية السياسية أن تُستغل لإطلاق العنان لقوة الفكر الأسطوري المفزعة؟ إن عمل كاسيرر يوضح أن جذور الكوارث السياسية في القرن العشرين تكمن في النمط الأسطوري للفكر الإنساني، الأمر الذي استدعى إصدار عمله في سياق معاصر أصبحت فيه الأنظمة الديمقراطية محل نزاع وإضعاف.

الأصول التاريخية: الأسطورة والسلطة ما قبل الرأسمالية

في العصور الوسطى، كان التعاون بين السلطة والدين (كشكل مهيمن للأسطورة) واضحاً من خلال نظرية الحق الإلهي المقدس. هذه النظرية، التي تمخضت عنها عقلية الكنيسة، روجت لفكرة أن الحكام مختارون من الله، وبالتالي، لا يجوز الخروج عليهم ولا تترتب عليهم أي مسؤولية أمام أحد مهما كانت أفعالهم. وقد وفر هذا الأساس الأسطوري شرعية مطلقة للملوك والقساوسة لممارسة الفساد والطغيان.

مع اندلاع الثورات السياسية الكبرى في أوروبا (الثورة الإنجليزية 1688، والفرنسية 1789)، انهارت نظرية الحق الإلهي، وتم استبدالها بمبدأ العقد الاجتماعي الذي يجعل الشعب مصدر السلطات. لكن هذا التحول لم يلغِ دور الأسطورة، بل استبدل الأسطورة اللاهوتية بأسطورة علمانية جديدة. فبدلاً من أسطرة الكنيسة والحاكم الإلهي، تم أسطرة الدولة الوطنية والعقل (كما رأى كاسيرر)، وأصبحت الدولة نفسها كائناً يُنظر إليه من منظور المخيلة والذاكرة والوجدان.

الأسطورة في خدمة الرأسمالية السياسية والشمولية

أظهر إرنست كاسيرر في "أسطورة الدولة" أن الأساطير السياسية الجديدة ليست مجرد بقايا من الماضي، بل هي أشياء مصنوعة بدقة، صنَعها "صناع مهرة ماكرون إلى أبعد حد". إن هذه الأساطير لا تظهر عشوائياً، بل "تتبع مخططاً".

إن هذا الطرح يوضح مبدأً فلسفياً بالغ الأهمية: الأسطرة كأداة عقلانية. فبدلاً من أن تكون الأسطورة نتاجاً لـ "فعل لا شعوري" أو "انطلاق الخيال"، فهي هنا تكتيك عقلاني تم اختياره لتحقيق غايات في السيطرة والحكم.

في سياق الحرب العالمية الثانية والأنظمة الشمولية التي حللها كاسيرر، يتضح أن الكوارث السياسية تعود جذورها إلى النمط الأسطوري للفكر. إن النظام يختار بذكاء استخدام اللاعقلاني (الأسطورة) كوسيلة لتعطيل النقد العقلاني وتبرير سياسة قمعية، مثلما حدث مع أسطرة الدولة نفسها وتحويلها إلى أسطورة غير قابلة للمساءلة. هذا التطبيق التكنولوجي للأسطورة يسمح للنظام السياسي باستغلال الجانب العاطفي والخيالي (الوجدان والمخيلة) للبشر للحفاظ على النظام، خاصةً في أوقات الأزمات الاجتماعية أو الانقسامات.

أسطورة الجدارة

تعمل أسطورة الجدارة على إضفاء طابع الشرعية على التفاوت الهائل في الثروة والسلطة. الفكرة الأساسية لهذه الأسطورة هي أن النجاح الاقتصادي والاجتماعي ينتج بشكل عادل عن الجهد الشخصي والموهبة، مع وجود "فرصة متساوية" للجميع.

إن دور هذه الأسطورة هو تبرير اللامساواة الفاحشة، وإقناع الأفراد بأن فشلهم هو نتيجة لقصورهم الذاتي وليس لخلل بنيوي في النظام التوزيعي. يسعى النقد الفلسفي إلى إظهار الفجوة بين الاعتقاد في الجدارة والواقع، الذي تؤكده مناقشات أكاديمية معاصرة حول الامتياز والمحددات الحقيقية للنجاح. إن هذه الأسطورة تمنع النقد الجذري للنظام الاقتصادي، مقدمةً اللامساواة كـ "عدالة طبيعية."

أسطورة النمو اللانهائي

تعتمد الرأسمالية المعاصرة على أسطرة "النمو" كشرط وجودي لا يُسأل عنه، وكغاية نهائية للمجتمع. هذه الأسطورة، التي تُسوَّق كمعيار للمنطق السليم، تتجاهل التحذيرات الأكاديمية القائمة على حدود الموارد الطبيعية.

على الرغم من أن النمو الاقتصادي قد ساعد في رفع مليارات من البشر من الفقر المدقع في مناطق مثل شرق آسيا، وتظل الحاجة إليه قائمة في الاقتصادات النامية، فإن الإصرار الأيديولوجي على النمو المطلق وغير المشروط، حتى على حساب البيئة، يكشف أن هذه الأسطورة تعمل كـ عقيدة دينية اقتصادية لا تخضع بالضرورة للمنطق العلمي أو المنفعة طويلة الأمد. إن السلطة تخدم رأس المال عبر تبني هذه العقيدة، مما يؤكد أن التعاون الثلاثي يُغلِّب الأسطورة على الحقيقة والبيانات الواقعية.

إن هذا التعاضد البنيوي يكشف أن الأسطورة تعمل كـ هندسة اجتماعية تحوّل المفاهيم الخيالية (مثل "الحرية" أو "الفرصة المتساوية") إلى دوافع اقتصادية وسلوكيات منتجة (النجاح في ظل النيوليبرالية). هذا يفسر لماذا تبدو الهيمنة الحديثة مزيجاً من الإكراه المادي (الاستغلال الاقتصادي) والقبول النفسي (الذي توفره الأسطورة الاستهلاكية والسياسية). إذا كانت السلطة تشكل الفرد ليكون فاعلاً اقتصادياً (فوكو)، ورأس المال يتطلب التراكم المستمر (ماركس)، فإن الأسطورة تجسر الهوة الثقافية عبر تقديم السرد المرغوب (مثل التحسين الذاتي الأمثل، وحرية الاختيار) الذي يحفز الفرد على الامتثال طواعية لمتطلبات النظام للإنتاجية.

والأمر الأكثر أهمية هو أن الأسطورة تشكل الهيكل المعرفي الذي يمنع الأفراد من رؤية هشاشة رأس المال، وتجعلهم يعيشون حالة من الاغتراب، حيث يجدون أنفسهم مضطرين للجوء إلى "الخرافات والخزعبلات" كأساطير مضادة، واقعين في الفخ ذاته.

نقد العقلانية الأداتية وأُفول المنطق

لقد أثبت التحليل الفلسفي للتعاون الثلاثي أن الهيمنة الحديثة منظومة شاملة، حيث يتم فيها استخدام السحر والخرافات بشكل روتيني ويومي في البيت والمخزن والمكتب، لتغليف اللاعقلانية الجوهرية للنظام. إن النقد المعاصر، خاصة في ظل هيمنة الصورة والآلة الرقمية، يواجه تحدياً يتمثل في ضرورة تفكيك هذه الأنساق الثقافية التي تمليها الصورة المصنوعة وفق غايات إيديولوجية مسبقة، والتي تسمح بإحلال الخيال مكان الحقيقة، والوهم مكان الواقع.

إن الكشف عن هذه الآليات يتطلب من النشاط النقدي المعاصر أن يحقق التوازن المطلوب ويرسم صورة إيجابية للعلاقة مع الآخر، في وقت تشهد فيه الحياة الثقافية تراجعاً مريعاً في مختلف حقول العلم والمعرفة. إن الفلسفة السياسية لم تعد قادرة على الاكتفاء بنظريات العقد والقانون والماركسية التقليدية والتحليل النفسي، بل يجب أن تبتكر فن رفض الخضوع من خلال إعادة تأويل الأنساق المهيمنة، وتكرار مفاهيم مثل الدولة والمجتمع والسلطة عبر منظور نقدي جديد.

أفق المقاومة والتحرر الفلسفي

على الرغم من التشخيص العميق والتشاؤمي أحياناً الذي قدمه النقد المعاصر لعمق تغلغل السلطة. ومع ذلك، يفتح هذا النقد في الوقت ذاته باباً لإمكانية التحرر. يقر فوكو بأن السلطة تنتشر في كل مكان، ولكن الحرية أيضاً يمكن أن تظهر في كل مكان؛ فليس هناك "نقطة خارج السلطة".

إن الحرية في هذا المنظور ليست هبة تُمنح من الدولة ولا جوهراً أبدياً في النفس، بل هي شيء يُبنى بجهد مستمر. إن أفق المقاومة يكمن في تقنيات الذات، حيث ينخرط الفرد في عمل مستمر على الذات، ويرفض أن يكون مجرد نتيجة للأنظمة. هذا التحول الوجودي، الذي يطرح سؤال "كيف يمكن أن نحيا بشكل مختلف؟"، هو عمل سياسي بالمعنى الأعمق لأنه يحدد كيف يقف الفرد أمام أنظمة السلطة التي تسعى لقولبته كمتعهد منتج أو مستهلك طائع.

إن مهمة النقد الفلسفي اليوم هي نزع الأقنعة الأسطورية التي تخفي الاستغلال الطبقي والتحركات السلطوية. لقد أظهر التحليل أن النظام الرأسمالي المعاصر، على الرغم من مظاهره العقلانية والتكنولوجية، يعتمد على أسس أسطورية مصنّعة. وتكمن إمكانية تفكيك هذا التعاون الثلاثي في تحويل الفكر من التفسير إلى الممارسة، ومن النقد النظري إلى بناء الذات الحرة المتمردة على الأنساق المهيمنة.

***

غالب المسعودي

......................

المراجع

azadiposts.com - رأس المال كأفق فلسفي: ماركس ونقد الحداثة الرأسمالية - آزادي بوست

alaraby.co.uk - ماركس ونقد الرأسمالية وإرثها الفلسفي - العربي الجديد

lakome2.com - حضور الخيال في السياسة من خلال أسطورة الدولة لإرنست كاسيرر – لكم

arabicpost.net - فلسفة الأسطورة - عربي بوست

ahewar.org - ماذا يتعلم الانسان من الأساطير فلسفيا؟ - الحوار المتمدن

ardfilmjournal.wordpress.com - Barthes' Mythologies, Baudrillard and iPod - The Motley Vi

alsifr.org - رأس المال يتحرّك | صفر - alsifr.org

langue-arabe.ac-versailles.fr - المنظور الفلسفي للسلطة في أعمال فوكو - موقع اللغة والثقافة العربية

مقدمة: عبارة "في عالم الخداع الشامل، يصبح قول الحقيقة فعلاً ثورياً" تشكل واحدة من أكثر الاقتباسات شيوعاً في الخطاب السياسي والفلسفي المعاصر، حيث تعكس التوتر بين الحقيقة والكذب في مجتمعات تُسيطر عليها الدعاية والتلاعب. غالباً ما تُنسب هذه العبارة إلى الكاتب البريطاني جورج أورويل (1903-1950)، مؤلف رواية "1984" التي تنبأت بديستوبيا الرقابة والكذب الرسمي. ومع ذلك، يثير أصلها جدلاً أكاديمياً، إذ لا توجد أدلة قاطعة على أن أورويل قالها أو كتبها، بل إنها ظهرت في الثمانينيات كتلخيص تفسيري لأفكاره.   تهدف هذه الدراسة إلى استكشاف أبعاد هذه العبارة بمقاربة أكاديمية موسعة، مستندة إلى تحليل تاريخي، فلسفي، وسياسي. سنبدأ بمناقشة الأصول التاريخية والجدل حول النسبة، ثم ننتقل إلى أهميتها الفلسفية كهرمينوطيقا للمعنى في عصر ما بعد الحقيقة، وأخيراً دورها في السياسة المعاصرة كدعوة للمقاومة. تعتمد الدراسة على مصادر متنوعة لتسليط الضوء على كيفية تحول قول الحقيقة إلى فعل ثوري في سياقات الخداع المنهجي.

الأصول التاريخية للعبارة والجدل حول نسبتها

تعود أقدم ظهور مسجل للعبارة إلى الثمانينيات، حيث وردت في كتاب "شركاء في الإبادة البيئية: تواطؤ أستراليا في كارتل اليورانيوم" لـ"فينتورينو جورجيو فينتوريني" عام 1982، كنقش افتتاحي منسوب إلى أورويل: "في زمن الخداع، يصبح قول الحقيقة فعلاً ثورياً.

 تلاها ظهور آخر في عام 1984 في مجلة "البعد العلمي"الكندية، في رسالة من ديفيد هوفمان يقول: "أعتقد أن جورج أورويل قال في كتابه 1984 إن في زمن الخداع العالمي، يصبح قول الحقيقة فعلاً ثورياً". ومع ذلك، لا يوجد دليل يربطها مباشرة بأورويل، الذي توفي عام 1950، قبل عقود من ظهورها. بحث شامل في أعماله، بما في ذلك "1984" ومقالاته، لم يعثر على مطابقة، مما يجعل النسبة خاطئة .

 يرى الباحثون مثل محقق الاقتباسات أنها ربما نشأت كتلخيص تفسيري لأفكار أورويل حول "الكذب الكبير" و"اللغة المزدوجة" (التفكير المزدوج)، ثم تحولت إلى اقتباس مباشر بسبب الانتشار الشعبي.ومع ذلك، توجد اقتباسات مشابهة سابقة تعبر عن فكرة ثورية الحقيقة في سياق الخداع. على سبيل المثال، في عام 1912، كتبت شارلوت ديسبارد في مجلة "التصويت": "الحقيقة! لكنها بالضبط الحقيقة التي لا يمكن معرفتها من قبل الجماهير، فالحقيقة ثورية".

 كذلك، في عام 1919، كتب أنطونيو غرامشي في مقالة " النظام الجديد ": "قول الحقيقة، الوصول معاً إلى الحقيقة، هو فعل ثوري".

 في عام 1968، أعاد اللاهوتي يورغن مولتمان صياغة غرامشي قائلاً: "الحقيقة ثورية". هذه الأفكار تعكس تطوراً فلسفياً يربط بين الحقيقة والثورة، خاصة في سياقات الاستبداد والدعاية، مما يجعل العبارة جزءاً من تراث فكري أوسع يتجاوز أورويل.

في السياق العربي، تُترجم العبارة إلى "في عالم الخداع الشامل، يصبح قول الحقيقة فعلاً ثورياً"، وتُستخدم في الخطاب السياسي، كما في مقالات تناقش الكذب السياسي والفلسفة في المجال العربي والاسلامي.

 هذا الجدل حول الأصل يعزز أهميتها كرمز ثقافي، حيث تتجاوز النسبة الدقيقة لتصبح تعبيراً عن الواقع المعاصر.

الأهمية الفلسفية للعبارة: هرمينوطيقا المعنى في عصر ما بعد الحقيقة

فلسفياً، تعبر العبارة عن تحول في مفهوم الحقيقة، حيث تصبح ليست مجرد معرفة موضوعية بل فعلاً مقاوماً في مواجهة الخداع المنهجي. في فلسفة أورويل، كما في "1984"، يُعاد تشكيل الواقع عبر اللغة، مما يجعل قول الحقيقة تحدياً للسلطة التي تسيطر على "الحقيقة الرسمية". هذا يتردد في فلسفة ميشيل فوكو، الذي يرى الحقيقة كمنتج للخطابات السلطوية، حيث يصبح الكشف عنها فعلاً سياسياً.   كذلك، في فلسفة يورغن هابرماس، يعتمد التواصل التحرري على "الفعل التواصلي" القائم على الصدق، مقابل "الفعل الاستراتيجي" الخادع، مما يجعل قول الحقيقة أساساً للديمقراطية.

في عصر "ما بعد الحقيقة"، الذي وصفه أكسفورد عام 2016 كعصر يغلب فيه العاطفة على الحقائق، تصبح العبارة هرمينوطيقا لتأويل الواقع. كما يشير جورج لاكوف في فلسفة اللغة، يُعاد صياغة الحقائق عبر الإطارات، مما يجعل قول الحقيقة فعلاً ثورياً يعيد تشكيل الوعي الجماعي.

 في السياق العربي، ترتبط العبارة بفلسفة الكذب السياسي، كما في دراسات تناقش تأثير الدعاية على المجتمع، حيث يصبح الصمت تواطؤاً والصدق ثورة.  هذا البعد الفلسفي يجعل العبارة أداة للنقد الاجتماعي، حيث تكشف عن الاغتراب الإنساني في عالم الوهم.

الأهمية السياسية المعاصرة: قول الحقيقة كمقاومة

في السياسة المعاصرة، تكتسب العبارة أهمية كبيرة في مواجهة الأخبار المزيفة، الدعاية الرقمية، والحقائق البديلة. على سبيل المثال، في الولايات المتحدة، استخدمت خلال عهد دونالد ترامب لوصف المبلغون عن المخالفات مثل إدوارد سنودن، الذي كشف عن برامج التجسس، مما جعله "ثورياً" في عيون البعض.   في الشرق الأوسط، تُستخدم في سياق الربيع العربي، حيث أصبحت وسائل التواصل أداة لقول الحقيقة ضد الديكتاتوريات، كما في مقال يصف "قول الحقيقة عمل ثوري".

في فلسفة السياسة، ترتبط بالمفهوم الغرامشي لـ "الحقيقة الثورية"، حيث يصبح الكشف عن الخداع خطوة نحو الهيمنة المضادة.

 أمثلة معاصرة تشمل الطبيب الصيني لي ون ليانغ، الذي حذر من كوفيد-19 وتم اتهامه بنشر "الشائعات"، مما يجسد كيف يصبح قول الحقيقة جرماً في أنظمة الخداع. كذلك، في السياق الفلسطيني، يُستخدم الاقتباس لوصف الشهادات ضد الاحتلال.  هذه التطبيقات تؤكد أن العبارة ليست مجرد شعار، بل دعوة للفعل في مواجهة الاستبداد الرقمي والإعلامي.

التقاطعات بين الفلسفة والسياسة

يتداخل البعدان في العبارة كتعبير عن الثورة الوجودية، حيث يصبح قول الحقيقة تحريراً من الاغتراب، كما في فلسفة إريك فروم أو جان بول سارتر. سياسياً، يعزز ذلك المقاومة المدنية، كما في حركات مثل أنا أيضاً وحياة السود مهمة، حيث يكشف الصوت الفردي عن الخداع الجماعي.  في السياق العربي، ترتبط بالنقد الفلسفي للكذب السياسي، كما في دراسات حول "فلسفة الكذب والخداع السياسي"، التي تناقش تأثيره على المجتمع.

خاتمة

في الختام، تمثل العبارة "في عالم الخداع الشامل، يصبح قول الحقيقة فعلاً ثورياً" رمزاً للصراع الإنساني مع الكذب، رغم الجدل حول أصلها. من أصولها التاريخية في أفكار غرامشي وديسبارد إلى أهميتها الفلسفية في نقد ما بعد الحقيقة، ودورها السياسي في المقاومة المعاصرة، تظل دعوة للشجاعة الأخلاقية. في عالم يسيطر عليه الخداع الرقمي، يصبح الحفاظ على الحقيقة ليس خياراً بل ضرورة ثورية، محفزة على بناء مجتمعات قائمة على الصدق والعدالة والمساواة.

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

كانَ الكاتبُ المِصْرِيُّ عباس محمود العَقَّاد (1889 - 1964) يَرى أنَّ الإنسانَ مَخلوقٌ مَفطورٌ على التَّفكيرِ، لَيْسَ لَهُ أهمية إلا بِقَدْرِ مَا يُمارِس مِنْ حُرِّيةِ عَقْلِه. فالحُرِّيةُ عِندَه لَيْسَتْ مُجرَّد حَقٍّ سِياسيٍّ أوْ شِعارٍ اجتماعيٍّ، بَلْ هِيَ شَرْطُ الوُجودِ الإنسانِ نَفْسِه.

والعَقَّادُ دائمُ البَحْثِ عَن الجَوْهَرِ الإنسانيِّ الذي تَتداخلُ فيه قُوى العَقْلِ والضَّميرِ والإرادةِ، لذلك كانَ شَديدَ النُّفُورِ مِنَ الاستبدادِ العَقْلِيِّ، سَواءٌ جاءَ في صُورةِ مَذْهَبٍ ماديٍّ يُلْغِي الرُّوحَ، أوْ تَيَّارٍ صُوفيٍّ يُلْغِي العَقْلَ، أوْ سُلطةٍ سِياسيةٍ تُلْغِي الإرادةَ. كُلُّ مَظْهَرٍ مِنْ هَذه المَظاهرِ عِندَه طَعْنَةٌ في قَلْبِ الإنسانِ. ولعلَّ هَذا مَا جَعَلَ أُسلوبَه يَتَّسِمُ بالجِدِّيةِ والصَّلابةِ، فالعَقَّادُ في دِفَاعِهِ عَن الإنسانِ مُقَاتِلٌ فِكريٌّ لا يَعرِف المُهَادَنَةَ.

أمَّا الكاتبُ الأيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950 / نوبل 1925) فَهُوَ لا يَتعاملُ معَ الإنسانِ بِوَصْفِهِ مِثَالًا عقليًّا ثابتًا، بَلْ بِوَصْفِهِ دراما حَيَّة، يَتقلَّب بَيْنَ الخَيْرِ والشَّرِّ، والحِكمةِ والتَّهْريجِ، والسُّمُوِّ والسُّخْفِ. غَيْرَ أنَّ هَذه المُفارَقات لَمْ تَدْفَعْهُ إلى اليأسِ مِنَ الإنسانِ، بَلْ إلى الإعجابِ بِما يَملِك مِنْ قُدرةٍ دائمةٍ على النُّهُوضِ مِنَ الفَوْضَى.

كانَ شو إنسانيًّا لأنَّه رَأى أنَّ الإنسانَ أعظمُ مِنَ القُيودِ الاجتماعية التي تُلبِسه الأقنعةَ، وأذكى مِنَ الخُرافاتِ التي تُكبِّله، وأقوى مِنَ الأوهامِ التي تُحاصِره. وَهُوَ يَدعو، بلهجته اللاذعةِ، إلى تَحريرِ الإنسانِ مِنْ عُبوديةِ التقاليدِ، وجُمودِ المُؤسَّساتِ، لا لِيَجْعَلَ مِنْهُ بَطَلًا مِثاليًّا، بَلْ لِيَمْنَحَهُ الحَقَّ في أنْ يَكُونَ نَفْسَه، عَلى الرَّغْمِ مِنْ عِلَّاتِهِ ومُشكلاتِه وتناقضاتِه. ولعلَّ أعمقَ جوانبِ النَّزْعَةِ الإنسانيةِ عِندَ شو إيمانُهُ بأنَّ التَّغْييرَ الاجتماعيَّ لا يَحْدُثُ عَبْرَ تَجميلِ الواقعِ، بَلْ عَبْرَ الصَّدْمَةِ الفِكريةِ التي تُوقِظ العَقْلَ مِنْ سُبَاتِه، وَلَوْ بالتَّهَكُّمِ المُرِّ والسُّخْريةِ المَريرةِ والكوميديا السَّوْدَاءِ.

وعَلى الرَّغْمِ مِن اختلافِ النَّبْرَةِ بَيْنَ العَقَّادِ وشو، فالأوَّلُ جادٌّ صُلْب، والثاني ساخرٌ لاذعٌ، إلا أنَّهما يَلْتقيان في نُقْطَةٍ جَوهرية، وَهِيَ رَفْضُ اختزالِ الإنسانِ في قَالَبٍ ضَيِّق. فالعَقَّادُ يَرفُضُ أنْ يُخْتَزَلَ الإنسانُ في المَذهَبِ الماديِّ أو السُّلطانِ السِّياسيِّ أو التقاليدِ التي تُفَرِّغُ العقلَ مِنْ حُرِّيته. وشو يَرْفُضُ أنْ يُخْتَزَلَ الإنسانُ في الطاعةِ العَمْياءِ، والمَسرحياتِ الاجتماعيةِ التي تَفْرِضُها الطَّبَقَاتُ والسُّلُطاتُ والمُعْتَقَدَاتُ المَوْرُوثة. كِلاهُما يَثُورُ على النَّمَطِ الواحدِ الذي يَشُلُّ رُوحَ الإنسانِ، وكِلاهُما يَقِفُ إلى جانبِ الإنسانِ الفَرْدِ لا الإنسانِ النَّمَطِيِّ.

هَذا الالتقاءُ لا يُلْغي الاختلافَ، بَلْ يُضِيئُه. العَقَّادُ يَتَّخِذُ مِنَ العَقْلِ حِصْنَه الأوَّلَ، وشو يَتَّخِذُ مِنَ السُّخْريةِ سِلاحَه الأمضى. العَقَّادُ يَكتبُ كَمَنْ يَضَعُ لَبِنَةً في بُنْيَانٍ فِكريٍّ مُتماسِك، وشو يَكتبُ كَمَنْ يَضَعُ مِرْآةً تَكشِف للمجتمعِ وُجوهَه المَخْفِيَّة. ومعَ ذلك، فَكِلاهُما يَنتهي إلى رَفْضِ تَسْليعِ الإنسانِ، أوْ تَدجينِه، أوْ تَحويلِه إلى آلَةٍ.

يَنْبُعُ اختلافُهما العميقُ مِنْ مُنْطَلَقٍ أُسلوبيٍّ وثقافيٍّ. العَقَّادُ مُفكِّر عَرَبيٌّ إسلاميٌّ يَرى الإنسانَ مِنْ خِلالِ وَحْدَةِ العَقْلِ والرُّوحِ، ويَمْنَحُه بُعْدًا أخلاقيًّا مُتَسَامِيًا، حتى حِينَ يَتناولُ السِّيرةَ البَشَرِيَّةَ في سِياقاتٍ تاريخية. وشو كاتبٌ أُوروبيٌّ عَلْمَانيُّ النَّزْعَة، يَرى الإنسانَ مِنْ خِلالِ صِرَاعِه معَ المُجتمعِ والسُّلطةِ والعُرْفِ،ويَمْنَحُه بُعْدًا واقعيًّا ساخرًا. هَذا الاختلافُ يَنعكِس في طَريقةِ تَصويرِهما للإنسانِ. عِندَ العَقَّادِ، الإنسانُ مَشروعُ ارتقاءٍ مُستمر، وعِندَ شو، الإنسانُ مَشروعُ نَقْدٍ مُستمر.

في أعمالِ العَقَّادِ، تَتجلَّى النَّزْعَةُ الإنسانيةُ في الدِّفاعِ عَنْ حُرِّيةِ الفِكْرِ، وَدِراسةِ العُظَمَاءِ باعتبارهم قِمَمًا إنسانية تُحْتَذَى، وتَمجيدِ الإرادةِ الفَرديةِ التي تَصْنَعُ التاريخَ.

وفي مَسرحياتِ شو ومَقالاتِه، تَتجلَّى النَّزْعَةُ الإنسانيةُ في الثَّورةِ على التقاليدِ، وكَشْفِ التناقضاتِ الاجتماعيةِ، والدِّفاعِ عَن الطَّبَقَاتِ المُهَمَّشَةِ، والهُجومِ على النِّفَاقِ السِّيَاسِيِّ والدِّينيِّ.

كانَ العَقَّادُ إنسانيًّا بِمَعنى الدِّفاعِ عَنْ قِيمةِ الإنسانِ، وكانَ شو إنسانيًّا بِمَعنى كَشْفِ حَقيقةِ الإنسانِ. وَبَيْنَ القِيمةِ والحَقيقةِ، تَتشكَّل مَدرستان مُتكاملتان في رُؤيةِ الإنسانِ رُوحًا وَجَسَدًا.

ويُمكِن جَمْعُ النَّزْعَةِ الإنسانيةِ عِندَ العَقَّادِ وشو في صِيغةٍ واحدةٍ قائمة على تَصَوُّرٍ واحدٍ، وَهُوَ أنَّ الإنسانَ عَقْلٌ حُرٌّ وَضَميرٌ يَقِظ، لكنَّه أيضًا مَخلوقٌ يَبحثُ عَنْ ذَاتِه بَيْنَ مُفَارَقَاتِ الحَياةِ.

العَقَّادُ يَمنحُ هَذا الإنسانَ جَنَاحَيْن : العَقْل والحُرِّية. وشو يَمْنَحُهُ مِرْآةَ الوَعْيِ والقُدرةَ عَلى الضَّحِكِ مِنْ نَفْسِه. وَمِن اجتماعِ هَذَيْن الجَنَاحَيْن والمِرْآة، يَتكوَّن مَفهومٌ إنسانيٌّ أكثرُ نُضْجًا : إنسان قادر على صَوْنِ كَرامته، وَنَقْدِ ذَاتِه، وتَجاوزِ حُدودِه.

إنَّ النَّزْعَةَ الإنسانية بَيْنَ العَقَّاد وشو لَيْسَتْ مُجرَّد مُقارَنةٍ بَيْنَ مُفَكِّرَيْن، بَلْ هِيَ مُقارَنة بَيْنَ ثقافَتَيْن تَتكاملان في رَسْمِ مَلامحِ الإنسانِ الحَديثِ مَعنويًّا وماديًّا. العَقَّادُ يُشيِّد بُنْيانًا عقليًّا راسخًا يُدافِع عَنْ حُرِّيةِ الفَرْدِ وَسُمُوِّهِ الرُّوحيِّ، وشو يَفتحُ نوافذَ النَّقْدِ الساخرِ على المُجتمعِ، لِيَكْشِفَ هَشَاشَتَه وَطَاقَتَه في آنٍ معًا. وَبَيْنَ البِناءِ والنَّقْدِ، والجِدِّ والسُّخْرية، تَتَّضِح الصُّورة، وَتَتَبَلْوَر الرُّؤية، وَيَكتمِل المَعنى: الإنسان مِحْوَرُ الفِكْرِ، وغايةُ الإبداعِ، وَسُؤالٌ لا يَنتهي، لأنَّه الكائنُ الذي يُفَتِّشُ عَنْ ذَاتِه، وَهُوَ يَعِيشُ مَعَهَا، وَيَمْشِي مُثْقَلًا بالأسئلةِ، وَيَتْرُكُ في كُلِّ فِكرةٍ أثَرًا مِنْ رُوحِه.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

"القراءة هي السلاح الأول في معركة الحياة".. طه حسين

لا يمكن لأي مقاربة للقضايا والاشكاليات المرتبطة بتداول الثقافة المكتوبة في المجتمعات العربية والإسلامية أن تكون مقنعة ما لم يتم ربطها باستراتيجيات السلطة، والتي قامت في هذه المجتمعات مند بداياتها على احتكار الكتابة والقراءة معا بوصفهما أي الكتابة والقراءة وجهين متكاملين ومترابطين في استراتيجية الهيمنة والتحكم، وكل مقاربة ينبغي أن تأسس على معرفة دقيقة بالماضي، بحيث أن هذا الحاضر هو استمرار للماضي بكل ما يتضمن من ظواهر، سواء أطلقنا عليها ظواهر القطيعة والاستمرارية. فمن الضروري الوقوف على العوامل التي أدت إلى بداية الكتابة أو ما عرف بالتدوين، والذي نتج عنه هيمنة نمط من المعرفة على أنماط أخرى، والتي اقترنت بهيمنة سلطة بعينها.

أزمة القراءة في المجتمعات العربية: جذور تاريخية وتجليات حديثة

في بداية هذه الدراسة ينبغي لنا أن نطرح هذا التساؤل الهام والعريض: هل وجدت في المجتمعات العربية تقاليد أو مؤسسات تقترن بالقراءة وتداول المعرفة على نطاق واسع بين أفراد هذه المجتمعات مما نتج عنه وجود سوق نشطة للكتاب والمطبوعات بشكل عام؟

مند فترة ليست بالقصيرة، طفت على السطح نقاشات بين المثقفين والمهتمين بالنشر والكتابة نقاشات حول ظاهرة يعبر عنها أحيانا ب '' أزمة القراءة ''أو ''كساد سوق الكتاب"، وفي السياق سنحاول على وجه الدقة أن نركز النقاشات التي عرفها السياق المغربي.

في الواقع، قد تكون هذه الظاهرة موجودة مند القدم، لكنها وفي الآونة الأخيرة اتخذت ابعادا أكثر تعقيدا، إذ ارتبطت بوجود نشاط اقتصادي يشمل فاعلين متعددين وهذا ما يفسر تعدد الأصوات التي دقت ناقوس الخطر-خاصة الكتاب والناشرين- محذرة ومعلنة عن انحسار القراءة، ومتسائلة عن مصير الكتاب ومستقبل القراءة والمعرفة، ورافعة بشكل ضمني أو صريح نداء قديما: اقرأ.

لم تبدأ أزمة القراءة مع انتشار الانترنت ووسائل التواصل الحديثة، بل تواجدت على الدوام، غير انها ازدادت استفحالا وبالخصوص إذا ما استحضرنا  ارتفاع نسبة المتعلمين، وقد بدا ذلك بجلاء مند تسعينيات القرن الماضي، حيث توالت التحذيرات من تدهور القراءة، وفي هذا السياق قرأنا العديد من المقالات والتي نشرتها الجرائد الوطنية وملاحقها الثقافية، كتب نجيب خداري:" تضاعفت نسبة المتعلمين في الوطن العربي مرات ومرات...لكن قراءة الإبداع-نوعا وكما-في تناقص مفزع، ولا شك أن اختفاء المتلقي الجاد للعمل الإبداعي هو من العوامل الرئيسية لترهل الإبداع وخفوته"[1]، وأضاف بوجمعة العوفي في "الأبواب السرية":" ليس قارئا جليلا من لا يدعو للقراءة ويحفز عليها، ومن لا ينشر هذه الدعوة الفاتنة، هذه الدعوة الجميلة بين الناس، إن تعليم القراءة، وتحيينها جزء من "النضال الطبقي" ووعي المجتمعات يقاس بعدد قرائها"[2]. وبدورها نادية بنعباس الدكالي كتبت رسالة بهذا العنوان: ماذا يقرأ المتعلم في بادية المغرب" حيث أرجعت تقلص القراءة إلى الوضعية المادية والاجتماعية لقطاع عريض ورئيسي من المتعلمين المغاربة[3].

واعتبر إبراهيم الخطيب من جانبه تقلص أو تدهور القراءة مسألة عادية على اعتبار أن القراءة كانت دوما عملية تقوم بها الأقلية، وكتب:" ليس للأدب الرائع إلا قراء قليلون، إن هذه الملاحظة بديهية ومقلقة بالنسبة لمن يفكرون في الكتب الأدبية، وهي منشورة في المساحات لا حد لها ليبتاعها قراء لا حصر لهم، ويحاول الناشرون أن يقنعوا أنفسهم بمنطق العدد القليل، ويعتقد بعض علماء الاجتماع المهتمين بالثقافة أن ذلك هو مكمن الخطر، حيث يتم إهمال الموهبة التي تتوارى دائما وراء القلة، تلك الموهبة التي هي مستقبل النشر،  أردت بهذا المدخل المركب الإجابة على الشكوى التي نسمعها عادة، وسمعناها مؤخرا هذه الأيام على صفحات الصحف وفي بعض برامج التلفزة...[4]

وأرجع عبد الوهاب الدبيش أسباب هذه العودة إلى الوراء (أي تقلص القراءة) إلى عاملين أساسين ويتعلق الأول بانعدام سياسة ثقافية واضحة، إن لم أقل إلى التهميش الثقافي الذي يطال المجتمع، في حين يتعلق الثاني بالقدرة الشرائية للمستهلك وعلاقتها بطبيعة الاستثمارات المخصصة في مجال النشر والتوزيع وانعدام تكافؤ العلاقة بين المنتجين (المبدعين والكتاب والدارسين) وبين أصحاب رؤوس الأموال الموظفة في القطاع[5]. وأضاف مشددا على العامل الاقتصادي في فهم هذه الظاهرة بالقول: " أعود للحديث عن الدور الأخر وأعني به ضعف المداخيل وعلاقتها باقتناء الكتاب، فأسرد حدثين عابرين كافيين للدلالة على الوضع المادي السيئ الذي يعاني منه القارئ في علاقته بالكتاب، المثال الأول: وهو ما نلاحظه في المقاهي من تهافت على قراءة الصحف الموجودة بالمقاهي بالمجان. إن الذي ينتظر مدة زمنية غير يسيرة بالمقاهي من أجل دوره في الصحيفة التي لا يتجاوز ثمنها درهما ونصف، لا يعني سوى أنه غير قادر على توفيرها من ماليته الخاصة، فكيف ننتظر من مثل هذا المواطن أن يذهب إلى المكتبة، ويقتني كتابا أو كتابين في الشهر، وهذا المثال لا ينطبق فقط على المواطن العادي، بل يتعداه ليشمل من نعتبرهم حاملي المعرفة وأدوات تمريرها إلى المجتمع، بل إن الأستاذ الجامعي مثلا يقد يكتفي بشراء كتابين في السنة بعدما كان يخصص مبلغا لا يقل في أسوء الحالات 600درهم لاقتناء ما جد في عالمه المعرفي من جديد...[6]

وفي السياق ذاته، نشرت جريدة ليبراسيون المغربية؛ وتحت عنوان عريض وبأحرف بارزة وعلى أعلى صفحتها الأولى هذا النداء: " هذه الجريدة ليست للكراء"[7]، وكتب نوفل البرنوصي في نفس العدد من نفس الجريدة تحت هذا العنوان: " للقراءة وليس للكراء"، مستحضرا نداء النقابة الوطنية للصحافة المغربية وشركة توزيع (سابريس) من أجل حملة ضد الممارسات الاحتيالية واللامشروعة والمتعلقة ب"كراء" الجرائد والمنشورات، ومما جاء في هذه المقالة:"إن هذه الجريدة لا تكترى وإنما تباع وتقرأ بتمعن. إن شراء الجريدة وخاصة في مجتمعنا هو دعم لحرية التعبير والتعددية والديمقراطية...[8]

عكست هذه الأصوات في وقتها أزمة القراءة في المجتمع المغربي، بعد عقود من هذه التحذيرات، وفي الوقت الحاضر لا تزال الأزمة مستمرة وقائمة، بل وتتعمق مع ظهور أجيال من ''المتعلمين'' و '' اشباه المتعلمين '' والذين يساهمون – عن قصد أو عن غير قصد – في اعادة انتاج واقع يكرس القطيعة مع الكتاب بدء من المدرسة والجامعة ووصولا إلى الحزب السياسي وانتهاء بالشارع.

كيف يمكن إعادة الاعتبار للقراءة كفعل حيوي واستراتيجي في بناء الوعي الفردي والجماعي؟

فعل القراءة وفعل الكتابة: الابعاد الاستراتيجية

يجد التساؤل حول فعل القراءة ومشروعيته في القراءة ذاتها باعتبارها: " فعلا اجتماعيا ولا اجتماعيا في نفس الآن، إنها فعل لا اجتماعي إذ أن القراءة مؤقتا تعزل الفرد عن مجموع علاقاته مع المحيط، كي يعيد علاقات جديدة مع عالم العمل، واجتماعية القراءة تكمن في انطلاقها من مجموعة من المعايير والتقاليد التي وضعها المجتمع والتي تمثل جزءا من ثقافته وتجربته الجمالية[9]، وكذلك الثقافة والرؤية التي يطمح المجتمع إلى تكريسها وترسيخها كبديل، وتساهم بذلك في تشكيل رؤيته المستقبلية باعتباره فردا ينتمي لمجتمع.

لا أحد ينكر أهمية القراءة وتداول المعرفة على نطاق واسع، فالمعرفة التي يتم تداولها وتلقينها داخل المدرسة - رغم أهميتها – تظل محكومة بمنظومة محددة، تختلف حسب المجتمعات ودرجة تحررها وتشبعها بقيم الديموقراطية، أما القراءة وتداول المعرفة فهي إشكالية معقدة يصعب فهم العوامل المتحكمة فيها، وتتطلب مقاربة شاملة ومتعددة الابعاد والزوايا. إن سوسيولوجية القراءة كي تكون مقنعة، يجب عليها أن تتناول في نفس الوقت: العلاقات الخارج نصية (أي سوق الكتاب، والشروط الاجتماعية والاقتصادية) من جهة، والعلاقات النصية (أي دراسة المحتوى ودلالاته) من جهة أخرى[10].

تهدف سوسيولوجية القراءة أو الكتابة دراسة سوق الكتاب من جهة، ومضمون الكتاب من جهة ثانية، فالقراءة والكتابة فعلان متلازمان، يكمل أحدهما الأخر، ويخضعان لنفس الشروط الاجتماعية والبنيات الثقافية، فالثقافة المكتوبة لا يمكن أن تفهم خارج سياق تداولها وانتاجها، والذي يتحدد وفقا لطبيعة السلطة والمجتمع وأدوات انتاج الثقافة والابداع بشكل عام. لا يمكن النظر إلى فعل القراءة كمجرد تلق سلبي، بل كفعل استراتيجي، يتشكل منه وعبره الوعي الفردي والجماعي، وهي تتجاوز النص المقروء لترتبط بسياقاته الاقتصادي والاجتماعية والسياسية، والكتابة بدورها ليست فعلا بريئا، فهي أداة لتكريس الهيمنة أو مقاومتها، كما نقرأ ذلك في تاريخ المجتمعات العربية، حيث احتكر الفقهاء والعلماء الكتابة أو التدوين لتحديد ما يقرأ وما يهمل. إن أزمة القراءة ليست نتاج العوامل الحالية فقط، بل إن جذورها ممتدة في تاريخ احتكار المعرفة ونطاق تداولها، ولفهم بعض جوانب هذه الازمة لا بد من تفكيك بنياتها التاريخية، من إعادة طرح السؤال: لمن تكتب النصوص؟  لماذا؟ إن فعل القراءة – كما فعل الكتابة – هو صراع مستمر حول السلطة والهوية والوجود.

الكتابة بوصفها فعلا مكملا لفعل القراءة

يكتمل فعل الكتابة بفعل القراءة، فالثقافة المكتوبة تخضع لشروط تداولها في المجتمع، بحيث أن محتواها يحدد شكل وطبيعة تداولها، وذلك في انسجام تام مع المثقف والمجتمع وطبيعة السلطة، وقد أبرز موليم العروسي للتطابق بين هذه العناصر في سياق تحليله للمجتمع المغربي والمثقف خلال القرن التاسع عشر بالقول:" بالتأكيد إن مثقف القرن التاسع عشر في شخص العالم، كان يعيش في تفاعل مع الشروط الاجتماعية، فالمجتمع المغربي الذي توقف عن إنتاج وتجديد بنياته خلق مثقفا على صورته، إن هذا المجتمع في حالة "جمود" مارس ضغطا على ذهنية العالم، حتى فيما يتعلق بوجهات نظره وتدخلاته بغية حل النوازل، وعلى صعيد التعليم، فالجمود يترجم في حفظ الموروث الثقافي بواسطة الحواشي على الحواشي وشرح الشرح  وعلى صعيد الفتوى، فالعالم يعيد انتاج الحلول التي قال بها القدماء...[11]

فعل القراءة ومفارقات التأسيس: الأمية والإعجاز

تكشف الشروط التاريخية والاجتماعية، والتي أسست لبداية تداول الثقافة المكتوبة في المجتمعات العربية الإسلامية عن مفارقات ذات أهمية بالغة ضرورية، والتي لا غنى عنها لفهم وتفسير هزالة تداول الثقافة المكتوبة وانحسار القراءة، فرسالة نبي الإسلام رسالة نبي أمي بدأت بدعوة " اقرأ"[12]، وهي دعوة تحمل تناقضا ظاهريا، فالأمية هنا إعجاز يبرهن على أن القرآن ليس إبداعا بشريا بل هو وحي إلهي، لكن دعوة " اقرأ" هي دعوة لتجاوز الأمية، وكأن الاعجاز لا يدرك إلا بالقراءة نفسها.

قد يكون كل شيء قابلا للقراءة، فالقراءة في العمق هي إمساك بالمعنى وإدراك له بواسطة علامة أو إشارة، إن القراءة نوعان: قراءة تتم بواسطة نظام حروف اللغة، وقراءة تكون عن طريق إدراك الرموز والعلامات التي تتداولها جماعة بشرية بموازاة اللغة، أو في غيابها كقراءة الوشم وغيرها من الأشكال التعبيرية التي تزخر بها الابداعات الإنسانية، وهذا النمط من القراءة لا يقل أهمية من القراءة بواسطة نظام اللغة، فهي تماما مثل اللغة أداة للمعرفة والفهم.

إن القراءة بواسطة نظام حروف اللغة تؤرخ لظهور الكتابة، ويقول ابن خلدون في مقدمته مستعرضا منافعها: "فهي تطلع على ما في الضمائر، وتتأدى بها الأغراض البعيدة فتقضى الحاجات، وقد دفعت مؤنة المباشرة لها، ويطلع بها على العلوم والمعارف وصحف الأوليين وما كتبوه من علومهم وأخبارهم، فهي صناعة شريفة بهذه الوجوه والمنافع، وخروجها من القوة إلى الفعل، يكون إنما بالتعلم وعلى قدر الاجتماع والعمران"[13]، فالكتابة عند صاحب المقدمة ترتبط بالعمران، إذ أن أكثر البدو وعلى حد تعبيرهم أميون لا يكتبون ولا يقرأون[14].

تشكل الأمية إعجازا، والدعوة إلى القراءة محاولة للاقتراب وتلمس الإعجاز ذاته، وكأن الأمية ليست سوى حالة يمكن تجاوزها وتخطيها، ولكنها وما دامت إعجازا فأنت مدعو للقراءة من أجل تصديق الإعجاز، وما الإعجاز في نهاية المطاف سوى فن الكلام وفن البلاغة، والذي يتوخى توحيد القبائل العربية أو بالأحرى قبائل شبه الجزيرة العربية تحت سلطة واحدة، فالأمية وفن البلاغة ضدان، لكنهما الآن يتوحدان ويشكلان قمة الإعجاز، بينما تبقى القراءة مشروعا محتملا، والكتابة هي الصورة النهائية التي تجسده كنظام أحرف،" ويبين التاريخ وما يجري حاليا من وقائع أن الطبقات الحاكمة لم تكف عن استخدام الكلام كأداة للسلطة، بل والمطالبة لتملكه، الأمر الذي يحصل في الغرب كما في الشرق[15].

إن الإعجاز هو ما يؤسس السلطة والنفوذ، وفن الكلام شكل ويشكل سلطة اجتماعية بامتياز، ويمكن التذكير هنا بالمكانة التي كان يحتلها الكاهن قبل مجيء الإسلام الذي كان يعتمد في كلامه على السجع، بل إن من بضائع سوق عكاظ كانت توجد الفصاحة العربية[16]، لذلك لا غرابة أن يتبرك الأميون وأن يمسحوا جباههم بالكتب، ويعتقد الأميون وأنصاف الأميون في بعض جزر المحيط الهادي الجنوبي أن الأوراق الرسمية أدوات سحرية  [17]، كما هو الحال في المجتمع المغربي  حيث يعتقد أن "الكتابة" ذات مفعول سحري، إذ يتم الاستعانة والتوسل بما قد يكتبه الفقيه أو المشعوذ  من طلاسم وحروف واشكال لقضاء بعض الأغراض والمصالح.

يظل فعل الكتابة ناقصا، لا يكتمل إلا بفعل القراءة، والسلطة لا تقوم إلا من خلال احتكارهما وإضفاء طابع السحرية والإعجاز عليهما، وقد ربط ابن خلدون بين قيام الملك وازدهار الكتابة: "ولما جاء الملك العرب وفتحوا الأمصار وملكوا الممالك ونزلوا الكوفة والبصرة واحتاجت الدولة إلى الكتابة واستعملوا الخط وطلبوا صناعته وتداولوه وترقت الإجادة فيه...[18]

شكلت الكتابة في المجتمع العربي الإسلامي مركز الصراعات السياسية، وستأخذ معنى التدوين، حيث يمكن أن نميز في الثقافة العربية الإسلامية بين مرحليتين: مرحلة الشفاهية أو مرحلة السماع ومرحلة الكتابة، فسمة المرحلة الأولى كانت تداول القرآن والسنة عن طريق السماع أو بشكل شفاهي، مما سمح بتعدد الروايات والتأويلات، أما المرحلة الثانية، فبدأت بجمع القرآن في عهد عثمان بن عفان ثم كتابة السنة لاحقا.

ارتبط التدوين بإقرار وتثبيت السلطة السياسية من خلال احتواء الانقسامات التي ظهرت وسط الأمة الاسلامية، والاختلافات التي أعقبتها في تأويل النصوص الدينية بعد موت الرسول[19]، ونتيجة ذلك تحولت الكتابة إلى آلية للقضاء على الانقسامات السياسية، وتثبيت رواية السلطة في كل ما يتعلق بحياة الفرد والجماعة، بحيث يمكن اعتبار أن " التدوين هو في نهاية المطاف تثبيت لسنة ضمن أخريات ممكنات[20].

ارتكزت السلطة السياسية على الكتابة وقامت على أساسها، الشيء الذي يفترض احتكارها وتنظيمها، والمؤكد أن كل كتابة تسعى إلى إيصال معنى ما أو عدة معاني، الشيء الذي لا يمكن أن يحصل إلا بواسطة فعل القراءة، والقراءة لا تتحقق إلا بادراك واستيعاب الكتابة كحروف وأنظمة دلالية. إن القراءة والكتابة وجهان لعملة واحدة، فهما وسيلتان لتداول وإنتاج المعرفة، والتي عنهما تتأسس ضرورة الاحتكار: احتكار المعرفة عبر احتكار وسائل إنتاجها وتداولها، ونتيجة ذلك تم تحويل الكتابة إلى خط نخبوي (الخط العربي) والذي تم أيضا ربطه بالمقدس، حيث خضعت كتابة القرآن بدوره لأنماط خاصة من الخط، مما يفرض احتكارا للقراءة عبر تحديد ما يجب أن يقرأ وبالكيفية التي ينبغي أن يقرأ، وفي الوقت ذاته ما يمنع من القراءة، والذي تدرج تحت خانته ما يمكن أن ينعت بالهرطقة والزندقة، فالدعوة التي بدأت كدعوة للتحرر من خلال " اقرأ" تحولت  إلى أداة للهيمنة  من خلال احتكار الكتابة والقراءة معا.

فعل القراءة كموضوع للكتابة وكفعل مقاوم

أجمعت العديد من النصوص الأدبية عن حقيقة واحدة، حقيقة غير ممكنة إلا من خلال فعل القراءة، فهي شرط لتحققها. إن القراءة- من خلال هذه النصوص- أصبحت موضوع خطاب، أي خطابا عن فعل نحن بصدد القيام به، لكن التساؤل الذي يفرض نفسه علينا في هذا السياق: لماذا تتخذ نصوصا ما القراءة موضوعا لها وهي في الأصل نصوصا كتبت من أجل القراءة أو على الأقل تمتلك وعيا بذاتها، على اعتبار أن كل كتابة هي مشروع قراءة محتمل؟

يحضر القارئ من خلال هذه النصوص بقوة، وحقيقة واحدة تقال له، وتعلن عن نفسها بشكل واضح وحتى حينما لا تكون واضحة، فهي لا تحتاج إلى جهد وعناء كبيرين لتنكشف، هذه الحقيقة تقرأ في أكثر من نص أدبي، وهي أن القراءة شرط للحياة أو هي الحياة ذاتها، لذلك نعتقد أن الجدية التي تحدث عنها بيير بورديو فيما يتعلق بالعمل الأدبي كفيلة بإضاءة جوانب مهمة من تساؤلاتنا، " إن سحر العمل الأدبي يرجع دون شك في جزء كبير إلى كونه يتحدث عن الأشياء الأكثر جدية دون أن يطلب منه - بعكس العلم - بجدية تامة[21].

إن الموت كان سيلحق بكل النساء، وبدون استثناء، وهن اللواتي يحمين الجنس البشري من الانقراض والفناء لولا شهرزاد "التي قرأت الكتب والتواريخ وسير الملوك والمتقدمين وأخبار الأمم الماضيين، قيل إنها جمعت ألف كتاب من كتب التواريخ المتعلقة بالأمم السالفة والملوك الخالية والشعراء...[22]وبذلك تمكنت من أن تضمن الحياة لنفسها وتوقف الموت الذي كان سيلحق بكل النساء وذلك بفضل قراءاتها الواسعة، والتي حولتها الى قصص كانت أداة لتأجيل اعدامها، بل بفضلها غيرت مصيرها ومصير النساء كلهن، إذ كانت تحكي كل ليلة حكاية غير مكتملة، ترتبط نهايتها بالليلة القادمة وهذا دواليك، فشهرزاد لم تكن مجرد راوية للقصص، بل كانت قارئة، حولت قراءاتها كمقاومة لعنف السلطة وكاستراتيجية للبقاء والحياة.

كانت شهرزاد تعي موقعها وتدرك كل الاحتمالات بما في ذلك الموت، فهي اختارت المغامرة وقبلت الزواج من شهريار بكامل وعيها وعن سابق إصرار وعزيمة، إذ قالت لأبيها الوزير والمكلف بالبحث عن زوجة للملك كل ليلة: "يا أبتي زوجني هذا الملك، فإما أن أعيش وإما أن أكون فداء بنات المسلمين وسببا لخلاصهن من يديه..."[23].

إن احتمال الموت كان حاضرا في ذهن شهرزاد منذ البداية، فإذا كانت كما يقول –جمال الدين ابن الشيخ-لا تقص للاشيء، بل لأن الموت كان لها بالمرصاد...وهو ما كان يحث شهرزاد على استلام الكلمة واتخاذ القول سلاحا ضد الموت[24].

تثير نهاية "ألف ليلة وليلة" مسألة ذات أهمية بالغة، إذ أن شهرزاد سترى في قتلها من طرف الملك ضياعا لأطفالها: "وقالت شهرزاد: يا ملك الزمان إن هؤلاء أولادك وقد تمنيت عليك أن تعتقني من القتل إكراما لهؤلاء الأطفال فإنك إن قتلتني يصير الأطفال من غير أم، ولا يجدون من يحسن تربيتهم من الناس، فعند ذلك بكى الملك وضم الأولاد إلى صدره وقال شهريار: والله إني قد عفوت عنك...[25]

إن شهرزاد حتى لو قتلت في الليلة الواحدة بعد الألف فإنها ستبقى على قيد الحياة، فهي من جهة تجاوزت كل النساء اللواتي سبقنها من حيث البقاء على قيد الحياة  بعد الليلة الأولى من الزواج، ومن جهة ثانية فهي خلفت أبناء بمعنى نوعا من الاستمرارية والبقاء لها، وبذلك فهي تجد مسوغا وسببا لعفو الملك عليها، ويرجع السبب في كل هذا إلى كون شهرزاد كانت قارئة من الدرجة الأولى، كما تقول الحكاية: "وذلك أن ثقافتها ليست شفوية، مادامت قد قرأت العديد من الكتب وتأدبت في وسط اجتماعي متميز(ولهذا الوسط دور مهم في نشأتها وثقافتها، فهي ابنة وزير الملك أي جزء من السلطة وبشكل أو بآخر فهي ليست من عامة الناس)  وهيأت لنفسها الوسائل المادية التي بواسطتها امتلكت معرفة صلبة وغدت بين يديها سلاحا خارقا للدفاع[26].

تتكرر نفس الفكرة في قصة من الادب العالمي، وهي القصة التي كتبها إدغار آلان بو  إذ يربط الكتابة بالموت: "أنا الذي أكتب أقتفي طريقي نحو موطن الضلال"، ويربط القراءة بالحياة: " أنت الذي تقرأ مازلت ضمن الأحياء أما أنا الذي أكتب..."[27]، ويذهب  فيليب سولزر في نفس الاتجاه:" إن الأمية والجهل يمكن التغلب عليهما بالتأكيد، لكن معرفة القراءة هي مسألة ذات بعد آخر، وتلقي ما نسميه حياة يتوقف على ذلك. إن معرفة القراءة هي أيضا القدرة على قراءة كل الأشياء دون إقصاء ودون أحكام مسبقة...[28]

ونفس المعنى يردده ولتر.ج.أونج، إذ يقول:"...وتكمن المفارقة في حقيقة افتقاد النص للحياة أي زواله من عالم الحياة الإنسانية الحي من ناحية وثباته المرئي الصارم من ناحية أخرى يؤكد أن قدرته على البقاء، كما يؤكدان إن كان يبعث في سياقات حية، لا حد لها من خلال عدد يمكن أن يكون بلا حدود من القراء الأحياء[29].

تقترن القراءة بالحياة وتغدو شرطا ضروريا لها، فكل قراءة هي امتلاك للمعرفة، التي هي موضوع احتفاء وتقدير باعتبارها سلطة وتؤسس للسلطة، فالاستعارة التي قامت بها عالمة الاجتماع المغربية فاطمة المرنيسي في كتابها "شهرزاد ليست مغربية"[30] تنتصر لنفس المعنى وتؤكد نفس الحقيقة: إن المرأة المغربية لا تشبه شهرزاد في أي شيء، فهي لا تمتلك معرفة كتلك التي امتلكتها شهرزاد من خلال قراءاتها الواسعة والمتعددة، وبالتالي لا قدرة لها على الدفاع عن حقها في الحياة، فشهرزاد بهذا المعنى أضحت رمزا للمعرفة التي تعادل الحياة كحق لا غنى عنه بالنسبة للإنسان.

إن القراءة كفعل استراتيجي هي فعل مضاد، مضاد في مواجهة ثقافة وسلطة قائمة، والتي تلعب فيها المدرسة دورا مركزيا ومسيطرا، إذ لا أحد يعير اهتماما لموسيقاها، فهي موسيقى صامتة، إن المدرسة تأخذ الأولاد من الروضة من كل الطبقات الاجتماعية وتلقنهم منذ الروضة إن بالطرق الحديثة أو بالطرق القديمة أصول التصرف الملتصق بالايديولجية المسيطرة[31].

تبقى روح شهرزاد غائبة وغير مرغوب فيها، ولا تؤخذ بعين الاعتبار في الكتب المدرسية أو التعليم المدرسي بشكل عام، وهذا بالفعل ما أكده عالم الاجتماع المغربي بول باسكون بالقول: "إن التعليم لا يساعد على ولوج الحياة بل يساعد على ولوج الإدارة"[32]، ونفس الرأي قال به طه حسين: "وهكذا فمنذ دخول الطفل إلى المدرسة يوجه إلى الامتحان أكثر من توجيهه إلى التعلم والعلم، فهو يهيأ إلى الامتحان أكثر مما يهيأ للحياة"[33].

إن الخلاصة الوحيدة التي تبدو ممكنة ومنطقية هي أن الكتاب المدرسي والمدرسة بشكل عام تعيق امتلاك روح شهرزاد، بل وتقتلها، لذلك تبقى القراءة خارج الكتاب المدرسي مقياسا لقياس روح شهرزاد (أو الشهرزادية) كامتلاك للمعرفة بغية ولوج الحياة، مادام الكتاب المدرسي يقف على نقيضها ويعمل على إدامة نوع من السكونية والجمود داخل المعرفة التي تنتجها المؤسسة وتحميها.

***

عبد القادر بوطالب

................................

[1]- نجيب الخدري: "زمن الانحسار"، الملحق الثقافي لجريدة العلم15. يناير1994

[2] -بوجمعة العوفي:"الأبواب السرية"، الملحق الثقافي لجريدة العلم   19.  فبراير 1994

[3] -نادية بنعباس الدكالي: "ماذا يقرأ المتعلم في بادية المغرب" الملحق الثقافي لجريدة العلم. 26فبراير 1994

[4] -ابراهيم الخطيب: "قراء الأدب: أقلية دائما"، الملحق الثقافي لجريدة العلم. 26فبراير1994

[5] - عبد الوهاب الدبيش:"المجتمع المغربي والقراءة: أية آفاق"، الاتحاد الاشتراكي. 16 يناير 1994 العدد: 3812

[6] - المرجع السابق

[7] -libération. Numéro: 9292. Mars 1994

[8]-Nawfal El Bernoussi: " lire n’est pas louer" . in libération. 2 Mars 1994 ; Numéro: 929.

[9] -مدخل لنظرية القراءة: بيان اليوم الثقافي 13يوليوز 1992 العدد:53

[10] - ب.ف.زيما: " من أجل سوسيولوجية للكتابة" ترجمة حسن المودن، العلم الثقافي.    9شتنبر  .1990العدد:788

[11] -Moulime ElAroussi.   "sclérose ou résistance"; in lamalif: Numéro: 198 Avril 1988

[12] -سورة العلق: القرآن الكريم

[13] -ابن خلدون:  المقدمة.  دار الرائد العربي، بيروت، ا لطبعة الخامسة82 .19ص:417

[14] -المرجع السابق ص:419-.420

[15] - الطاهر لبيب: سوسيولوجية الغزل العربي (الشعر العذري نموذجا). ترجمة مصطفى المسناوي، دار الطليعة للطباعة وللنشر، لبنان الطبعة الأولى 8719 ص:179

[16] - المرجع السابق.

[17] -ولتر .ج.أونج: الشفاهية والكتابة، ترجمة حسن البنا عز الدين، عالم المعرفة. الكويت 9419 ص: 180

[18] -ابن خلدون: المقدمة سبق ذكره,.ص:419.420

[19] -Ali Omlil: Histoire et son discours. (Voir notamment: écriture et pouvoir), ed: SMER. Rabat, 2eme édition pp: 26-28

-[20]- ibid. p:29. (Voir notamment: Ecriture et divergence)

[21] -بيير بورديو: (حوار). الاتحاد الاشتراكي، عدد:3325 /5شتنبر 1992 ترجمة عبد الكريم العمراني عن مجلة حدث الخميس. عدد:16/10 شتنبر 1992

[22] -ألف ليلة وليلة، المجلد الأول، المكتبة الشعبية للطباعة والنشر، لبنان. ص:5

[23] - المرجع السابق. ص:6

[24] -جمال الدين ابن الشيخ: " نص المتخيل وقضاء الذات" الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي، 94/2/11

[25]- ألف ليلة وليلة –المجلد الرابع ص:388

[26] -Chafik Moulay Idriss:  Shahrazade ou la magie du verbe: une figure de la femme accomplie. in libération (Supp-Hebdo). Numéro:24-25 MARS 1994. P:8

[27]-Edgar Allain Poe: Nouvelles histoires extraordinaires. in https://beq.ebooksgratuits.com/vents/poe-2.pdf

pp. 484 - 484

يمكن الرجوع الى ترجمتنا لهذه القصة:

عبد القادر بوطالب: قصة الظل: والمنشورة في موقع ثقافات، للاطلاع على القصة، راجع: https://thaqafat.com/2024/03/108292

[28] -فيليب سولزر:"تأملات في المسألة السير-ذاتية" العلم الثقافي،19 فبراير 1994

[29] -والتر.ج.أونج: الشفاهية والكتابة. مرجع سابق، ص:161-162

[30] -Fatima El Mernessi: Shahrazade n'est marocaine. édition le fennec. 1988

[31] - جدل حول المدرسة. الاتحاد الاشتراكي. عدد:11/769  شتنبر 1985

[32] -بول باسكون: (حوار). مجلة بيت الحكمة، العدد:3 السنة الأولى، أكتوبر 1986

[33] -محمد بوبكري: "ملاحظات حول الإنتاج التربوي لوزارة التربية الوطنية. جريدة الاتحاد الاشتراكي، عدد: 3880-25مارس 1994

 

خلال حوارنا في المساق السابق رأينا تلك المفارقة المتمثِّلة في أنَّ (أبا عُبيدة، مَعْمَر بن المثنَّى التَّيْمي، -209/ 210ه-= 824م)- الذي استشهد به (ابن فارس، -395ه-= 1004م) على إنكار أن تكون في لُغة «القرآن» مفردات غير عَرَبيَّة الأصول- ما لبث أنْ رجع عن قوله ذاك. فبدا كمن كان في سَكرةٍ فأفاق! فسألتُ محاوري (ذا القُروح):

- إذن، كيف قال (أبو عُبيدة): إنَّ مَن قال إنَّ في «القرآن» ما ليس من لُغة العَرَب، فقد أعظم وأكبر؟!

- لا بدَّ من تخريج! وهنا يتحوَّل بنا (ابن فارس)، من الحديث عن «القرآن» إلى الحديث عن العنصر العَرَبي. فقال- بعد أن خاب مسعاه، فلم يجد مناصًا من أن يسلِّم بقول (أبي عُبيدة)-: «القول، إذن، ما قاله أبو عُبيدة، وإنْ كان قوم من الأوائل قد ذهبوا إلى غيره.»

- فعلام أشغلتنا باللَّتِّ والعجن، يا (ابن فارس)؟!

- واضحٌ أنَّ فكرة (أولئك القوم من الأوائل) هي ما ظلَّ يحوك في صدر (ابن فارس)؛ لأنَّ ما وُجِد عليه الآباء عادةً ما ينشب غُصَّةً في الحلق يصعب تجاوزه! إلَّا أنَّه لا بُدَّ ممَّا ليس منه بُد! فليتجه ابن فارس إلى التأويل، ولو بارتباكٍ ظاهر، ليقول في تفسير قول (أبي عُبيدة): «تأويله: أنَّه [أي: من قال بمفردات غير عَرَبيَّة في القرآن] أتى بأمرٍ عظيمٍ وكبير.»

- وهذا تحصيل حاصل، وتفسير للماء بعد الجهد بالماء، يا (ابن فارس)!

- قال: «وذلك أنَّ القرآن لو كان فيه من غير لُغة العَرَب شيء، لتوهَّم متوهِّم أنَّ العَرَب إنَّما عَجَزَت عن الإتيان بمثله لأنَّه أتَى بلغاتٍ لا يعرفونها، وفي ذلك ما فيه.»

- الله أكبر! «وفي ذلك ما فيه»! تُرى ماذا فيه؟

- تحوَّلنا الآن، مع (ابن فارس)، من الحديث عن «القرآن» الى الحديث عن العنصر العَرَبي: وأنَّ العَرَب لا يعجزهم الإتيان بشيء مطلقًا، حتى وإنْ كان ممَّا يجهلون!

- نعم، العَرَب، كسائر البَشر، يعجزون عن الإتيان بأشياء كثيرة. وكان ممَّا أعجزهم الإتيان بمثله «القرآن» نفسه، وهو بلغتهم، وهم لا يجهلونها، بل هي مهارتهم الأُولى، التي لا يُحسنون صناعةً كما يُحسنونها.

- بيدَ أنَّ التعصُّب العنصريَّ شيء، والتسليم بأنَّ الإنسان هو ابن بيئته، واللُّغة ابنة بيئتها، شأنٌ آخر. فلا يُعَدُّ استعمال كلمةٍ بلُغةٍ أجنبيَّة- تتعلَّق بمنتج ليس من بيئة مستعملها- عجزًا بيانيًّا. بل هو أمرٌ طَبَعي لا مفرَّ منه. إلَّا إنْ كان (ابن فارس) يعتقد أنَّ العَرَبيَّ كان يعلم الغيب، ويستعمل أسماء أشياء، وإنْ كان لا يعرف مسمَّياتها أصلًا. ولا غرو أنْ يعتقد ابن فارس بمثل هذا ما دام يقول بالتوقيف في اللُّغة، ومن ثَمَّ يجعل الإنسان شريكًا لله، منذ بدء الخلق، حسب العقيدة المانويَّة، كما أشرنا في مقال سابق.

- أتلك بسائط منطقيَّة، يبدو أنها كانت خارج العقل الخرافي، الذي دبَّج لنا بعض كتب التراث، كتلك الأبواب من نموذج كتاب «الصاحبي» ل-(ابن فارس)؟

- إنَّ القضيَّة هنا لا تتعلَّق بالعقل ولا بالمنطق فحسب، بل تبدو متعلِّقةً فوق ذلك بعقائد ملتبسة، فارسيَّة الجذور، وإنْ وُظِّفت ظاهرًا في المنافحات عن اللُّغة العَرَبيَّة و«القرآن الكريم». والحق أنَّ (أحمد بن فارس)، إلى هذا كلِّه، كان شديد التعصُّب لما عَلِم، شديد التعصُّب على ما لم يعلم. حتى إنَّه ليُنكِر أن يكون لغير العَرَب شِعر، أو قواعد شِعر، متنقِّصًا غير العَرَب غاية التنقُّص. وهذا حَيف وجهل في آن. فلا يعني اعتزاز المرء بلغته وثقافته تجريدَ الآخرين من الفضائل، لمجرد اختلافهم النوعيِّ عنه وعمَّا عَلِم أو أَلِف. وفي هذا إعراض عن آيات الله في تنوُّع خلقه في كلِّ شؤون الحياة، كما جاء في الآية: «وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ، وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ، إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِ-مِينَ.» قال (ابن فارس)(1): «وزعمَ ناس، يُتَوقَّفُ عن قبول أخبارهم، أنَّ الذين يُسَمَّون الفلاسفة قَدْ كَانَ لهم إعرابٌ ومؤلَّفاتُ نَحْوٍ. قال أحمد بن فارس: وهذا كلام لا يَعَرَّجُ عَلَى مثله. وإنَّما تَشَبَّهَ القوم آنفًا بأهل الإسلام، فأخذوا من كتب علمائنا، وغَيَّروا بعض ألفاظها، ونَسَبوا ذَلِكَ إِلَى قومٍ ذَوي أسماء مُنْكَرَةٍ، بتراجمَ بَشِعَةٍ، لا يكاد لسان ذي دِينٍ ينطق بِهَا. وادَّعوا مع ذَلِكَ أنَّ للقوم شِعرًا، وَقَدْ قرأناه فوجدناه قليل الماءِ، نَزْرَ الحَلاوة، غير مستقيم الوزن. بَلَى، الشِّعر شِعر العَرَب، ديوانُهم وحافظ مآثِرهم، ومُقيِّدُ أحسابهم. ثُمَّ للعَرَب العَروض الَّتِي هي ميزان الشِّعر، وبها يُعرَف صحيحه من سقيمه. ومَن عرفَ دقائقه وأسراره وخفاياه عَلِمَ أنه يُربي عَلَى جميع ما يَبْجَحُ بِهِ هؤلاء الَّذِين يَنْتَحلون معرفة حقائق الأشياء، من الأعداد والخطوط والنقط، الَّتي لا أعرف لَهَا فائدة غير أنها، مع قِلَّة فائدتها، تُرِقُّ الدِّين، وتُنتِج كلَّ مَا نعوذ بالله منه!»

- مَن قصدَ بالذين يُسَمَّون الفلاسفة؟

 - لا ندري مَن قصدَ بهم. أهو يشير إلى (اليونان)؟ وكيف تشبَّهوا بأهل الإسلام وعلمائه قبل ظهور الإسلام بقرون طوال؟ بل تخطَّى هذا إلى تقبيح أسمائهم! وما علاقة «الدِّين» و«ذي الدِّين» بنُطق أسمائهم المنكرة أو عدم نُطقها؟! أَ وَمعيار التديُّن أن «لا يكاد لسان ذي دِينٍ ينطق بها»؟! إنَّه كلام أشبه بكلام العوامِّ، شديدي التحجُّر، والانغلاق عن غيرهم من الأُمم والشُّعوب.

- صحيحٌ أنَّ الشِّعر كان ديوان العَرَب، وحافظ مآثِرهم، ومُقيِّد أحسابهم، كما قال (ابن فارس).

- غير أنَّ هذا لا ينفي، لدَى ذي لُبٍّ، أنَّ للأُمم الأخرى، قديمة وغير قديمة، شِعرًا أيضًا. ومن تلكم الأُمم (الفُرس)، الذين إليهم ينتمي الرجل. أفكان يجهل شِعرهم وملاحمهم؟!

- وصحيحٌ أيضًا أنَّ للعَرَب (العَروض)، الذي فيه موازين شِعرهم الموسيقيَّة، وبه يُعرَف صحيح الشِّعر من سقيمه، كما ذكر.

- ولكنَّ للأُمم غير العَرَبيَّة أيضًا قواعد شِعرها المغايرة، ولها مميِّزاتها النوعيَّة، المعروفة منذ الإغريق وغير الإغريق، قبل ميلاد المسيح بقرون. فضلًا عن ضُروب الشِّعر، التي لم يعرفها العَرَب قط، وما ينبغي لهم، من شِعر مسرحي، وملحمي، وقصصي، وتعليمي، وهو ما لم يعرف منه العَرَب غير ضربٍ واحد، وهو الشِّعر الغنائي الذاتي.

- الطَّريف أنَّ (ابن فارس) يزعم أنه قد قرأ شِعر غير العَرَب، قائلًا: «وَقَدْ قرأناه فوجدناه قليل الماءِ، نَزْرَ الحَلاوة، غير مستقيم الوزن»!

- أفكان يظنُّ أنَّ وزن الشِّعر غير العَرَبيِّ سيستقيم له على عَروض الشِّعر العَرَبي؟ ليجد فيه ما ينتظره من الماء والحلاوة واستقامة الوزن؟! أمَّا قوله: إنَّ «مَن عرفَ دقائقه [أي العَروض] وأسراره وخفاياه عَلِمَ أنَّه يُربي عَلَى جميع ما يَبْجَحُ بِهِ هؤلاء الَّذِين يَنْتَحلون معرفة حقائق الأشياء من الأعداد والخطوط والنقط، التي لا أعرف لَهَا فائدة غير أنها، مع قِلَّة فائدتها، تُرِقُّ الدِّين، وتُنتِج كلَّ مَا نعوذ بالله منه»، فمحض كلام عجوزٍ عقيمٍ، من عجائز العوامِّ، ممَّن يغطُّون عادةً تحت أطباقٍ مضاعفةٍ من الجهل والتعصُّب!

- واضح أنه يشير ب-«حقائق الأشياء من الأعداد والخطوط والنقط» إلى العلوم الطبيعيَّة، ولا سيما الرياضيَّات.

- وهو «لا يعرف لَهَا فائدة غير أنها، مع قِلَّة فائدتها، تُرِقُّ الدِّين، وتُنتِج كلَّ مَا نعوذ بالله منه!» ونحن كذلك نعوذ بالله من الجهل والعمَى، البالغ إلى هذا الحدِّ البائس من عدم المعرفة بفائدة العلوم الرياضيَّة، بل إلى توهُّم أنها «تُرِقُّ الدِّين، وتُنتِج كلَّ مَا نعوذ بالله منه».. ولله في خلقه شؤون!

- هذا، إذن، عالمنا النحرير (ابن فارس، عفا الله عنه)، بما كان يضرب فيه يَمنةً ويَسرة، من مهامه الادِّعاءات والمصادرات، سواء أكتبَ في شأن اللُّغة أم في غيرها. حاملًا عصاه الغليظة، ليضرب هنا وهناك، عاصِب العينين والعقل.

- تُرَى لو أنه استنَّ سنن علماء العَرَبيَّة الكبار، من أساتيذه وغيرهم- ك-(يونس بن حبيب)، و(الخليل بن أحمد)، و(سيبويه)، و(ابن جني)، و(عبدالقاهر الجرجاني)- أما كان أفاد، واحترم التخصُّص، وابتعد عن المزايدات، والمخاضات في ما يعلم وما لا يعلم، في خطابٍ بالغ الضيق والتشنُّج.

- إنَّ (عِلم نقد الرِّجال) لو أُخِذ به في ثقافتنا العَرَبيَّة كافَّة، لكفانا مؤونة هذه الصدمات المعرفيَّة والفكريَّة، حينما نقرأ لبعض أعلام تراثنا.

- أجل! ولقاربْنا الاهتداء إلى مَن نأخذ عنه لُغتنا وعلومها، محاولتَنا الاهتداء إلى مَن نأخذ عنه دِيننا. وهما عروةٌ وثقى واحدةٌ، لا انفصام لها. وفوق هذا، لربما تخفَّفنا من تركة هذا التراث الثقيلة، التي ما تزال أجيالٌ بعد أجيال تجترُّها، وتزكم بها العقول؛ إذ تستأنف ترَّهاتها العتيقة جذعةً، كلَّما ظنَّنا أنْ قد أفاق بنا صبحٌ جديدٌ من الوعي بالإنسان واللُّغة.

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

................................

(1)  يُنظَر: ابن فارس، (د.ت)، الصاحبي، تحقيق: السيد أحمد صقر، (القاهرة: عيسى البابي الحلبي وشركاه)، 76- 77.

لا تقرأ لي إن كنت تبحث عن مرآة لما ورثته لا لما تفكر فيه.. ولا تقترب من صفحتي إن كان اختلافك يرتدي هيئة سكين.. فبعض القراءات ليست فهما بل محاكمة وليست حوارا بل رجما مؤجلا.

ثمة لحظة يبلغها الإنسان يتعب فيها من شرح نفسه كما تشرح التهم. ومن تبرير أفكاره ومشاعره وطريقته في النظر إلى العالم. لأنه يدرك أخيرا أن الحياة ليست ملف دفاع وأن الوعي لا يحتاج إلى إذن وأن يعرف نفسه يكفيه وأن يكون صادقا مع ذاته هو أسمى أشكال الاكتفاء

 الإنسان ليس ملزما بالدفاع عن حقه في التفكير فأن يعرف نفسه بصدق أعمق من كل الشهادات

لا يعنيني موقعك مني ولا كيف تراني ولا زاوية نظرك إلى.. فالصور التي يرسمها الآخرون لنا غالبا ما تكون انعكاسا لمخاوفهم لا لحقائقنا. ما يعنيني أن أكون حاضرة في ذاتي متصالحة مع عقلي بلا أقنعة ولا خوف من الاختلاف.

أختلف معك نعم وقد نتصادم فكريا أو عقائديا لكن الاختلاف لا يبرر أن تحفر الجروح في الروح ولا يمنح أحدا حق تحويل الفكرة إلى خنجر.

أنا لا أطلب منك أن تشبهني بل فقط ألا تلغيني

الاختلاف ليس شقا في الجدار بل نافذة؛ والآراء لا تتحول إلى عداوة إلا حين يخون الإنسان إنسانيته.  لا مشكلة لدي أن نختلف فكريا أو عقائديا لكن المشكلة أن يتحول الرأي إلى حجر وأن يصبح الحوار ساحة إعدام للأسئلة.

أدرك أن أفكاري جريئة ومحرضه على التفكير ولا تشجع على الطاعة بل التساؤل ولا تمنح اليقين.  هكذا أنا ولا أستطيع حتى لو أردت أن أعلق عقلي على مشجب العادات أو أستقيل من السؤال إرضاء للجماعة.

ربما كانت مأساة الإنسان الأولى أنه مختلف ومأساته الأعمق أنه يفكر. أن يحاول الفهم في عالم يقدس التلقين. وأن يسبح أحيانا ضد التيار لا حبا في العناد بل وفاء للصدق الداخلي.

لا أرى في اختلافي فضيلة ولا في وعيي سببا للتباهي لا أبحث عن تفوق ولا أحتاج إلى كراهية الآخر كي أثبت وجودي أنا فقط أحاول أن أكون أنا وأرفض أن أعيش نسخة باهتة من الآخرين. لا أشعر بالنقص إن رفضت افكاري ولا الاكتمال إن صفق لي.  أصمت أحيانا لا ضعفا بل نجاة. وأتجاهل أحيانا لا هروبا بل رحمة بالنفس. وأتناسى ما مضى لأمنح الطريق فرصة أن يستمر.

أنا لا أنتمي لأحد أنتمي لأفكاري وشكوكي..  للموقف الذي يدافع عن حق كل الكائنات في الحياة. لكل ما يخفف عن روحي ثقل هذا العالم. انتمي لألمي أيضا لأن الألم معلم صادق لا يخون.

لذا إن كنت غيورا على يقينك خائفا على عاداتك متشبثا بدوغمائيتك كطوق نجاة فلا تقترب مني إن كان ثمن الاقتراب أن تضحي بعقلك أو تطلب مني أن أضحي بعقلي. لا تقترب مني إن كنت تخاف السؤال أو ترتعد من الشك أو ترى في التفكير خطيئة. لا تحاورني إن كان هدفك الانتصار لا الحقيقة فأنا لا أبحث عن هزيمتك ولا أفرح بانكسارك.

واعلم أيها المخالف لي حين أحاورك لست أبحث عن انتصار ذاتي ولا أحتفل بهزيمتك فالانتصارات في الحوار التي تترك أحدنا مكسورا هي هزائم متنكرة

غايتي أبسط وأصعب.. أن ننتصر للحقيقة.. أن نفرح معا بصحة الفكرة.. وأن نقتسم ثمرة الخير دون أن يقصى أحد ودون أن يصلب السؤال.. أن نخرج من الحوار أكثر إنسانية وتحضر. وفي النهاية لا أطلب منك أن تتبعني ولا أن تتفق معي ولا أن تتخلى عما تؤمن به. بل أطلب شيئا واحدا فقط أن تترك لي حقي في أن أكون أنا دون وصاية. ودون محاكمة. ودون خوف من الاختلاف.

إن كنت ترى في سؤالي تهديدا وفي شكي خطرا وفي عقلي استفزازا فتراجع ولا تقرأ لي أنا لا أقاتلك ولا أنافسك ولا أسعى لإسقاطك أنا فقط أدافع عن حق الإنسان في التفكير وعن كرامة العقل وعن حرية الروح من كل ما يحاول تدجينها.

أنا لا أطلب منك أن تعبر طريقي ولا أن ترى بعيني بل أن تعترف بأن للإنسان أكثر من نافذة على الوجود وأن الحقيقة لا تسكن صوتا واحدا ولا عقلا واحدا ولا زمنا واحدا فكل يقين يغلق أبوابه يتحول مع الوقت إلى سجن. فإن التقينا يا صديقي على الحقيقة فذلك مكسبنا معا وإن اختلفنا بوعي فذلك شرف الاختلاف.  أما إن تحولت الفكرة إلى سلاح والعقل إلى عدو فاعلم أننا سنخسر.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

يقبع في كواليس كل نجاح خطوات متراكمة تسبقه، إذْ كل خطوة تأخذ بحُجْزة أختها، في التزامٍ متواصل، ليُفضي بعد حين - طال الزمان أو قصُر - إلى حلم يرى النور، وإنجاز يولد للوجود، وإنْ شئت فقل إن النجاح هو آخر حلقة في سلسلة التراكمات، وفي هذا المقال لست أتحدث عن هذا النوع من التراكمات.

وفي المقابل كل انهيار كارثي من الحتمي أن يكون مسبوقا بسلسلة من التراكمات، تراكمات من الكتمان أو القرارات بالغة الضآلة غير المسؤولة أو الاستهانة بعدم وضع حدود صارمة مع العالم الخارجي، أو كبت مشاعر تفرضها الطبيعة البشرية، أو الاتكال على تقدير الآخرين، والانصياع لإملاءات البيئة، وهنا أتناول قصرا هذا النوع من التراكمات.

لا شيء يحدث من فراغ، ولا حَدَثَ يظهر في الواقع اعتباطا، ولا أمرَ جَلَلًا يحدث عفو الخاطر، هكذا مضت سنة الحياة فينا نحن بني البشر، إنه أشبه بغرس بذور لنباتات سامة، وتركها لرعاية الزمن، حتى يأتي يوم الحصاد، بثمارٍ من جنس تلك النباتات لا غير، والأمل بِغُلّة ثمار يانعة من جنس مختلف ما هو إلا محض وهم وارتهانٌ للمستحيل وتجاهلٌ لحقيقة معيشة.

في أدبنا العربي دأبنا على ترديد هذا الشطر الخالد: "ومعظمُ النار من مُستصغر الشرر" وهو حقا كذلك، فالنار هي شرارة بعد أخرى، ولهب يتبعه آخر، حتى تصير نارا هوجاء تأكل الأخضر واليابس، ولا تُبقي على شيء، ما يطالنا من أغلب ما نئنّ تحت وطأته ما هو إلا ما اكتسبته أيدينا على مدى الزمن، كلمةٌ طائشة هنا، وانفعال متهور هناك، وتسرّع هنا، وإهمالٌ هناك، تغافلٌ هنا، وانجرارٌ هناك، مواقف نحسبها عابرة ليست بذي بال، وقراراتٌ لا نقرؤها إلا تصرفات لحظية تافهة، لكننا نستيقظ ذات صباح لنجد أن كل شيء قد احترق! ونتهم العالم بأنه مَن أوقد تلك النار.

البدء بالانتباه والمراقبة والمحاسبة لأفعالنا الصغيرة هو أولى خطوات إيقاف كرة الثلج الآخذة في التدحرج قبل أن تغدو انهيارا ثلجيا يطمر أنفاسنا حين يعبرنا، تلك الرغبة الجامحة التي أخرسناها، وتلك اللحظة التي وجب أن نتريّث فيها، وذلك الموقف الذي تحتّم علينا التفكير مليًا قبل التفوّه بكلمة لإشباع غرورنا أو إطفاء ثورة غطرستنا، وتلك العلاقة التي توجّب أنْ نحملها على مأخذ الجِدّ، ولحظة الغضب الذي احتاج إلى ضبط النفس، وذلك التردد الذي استلزم قطعه بالمبادرة، وذلك الموقف الذي تطلّب شجاعة، وذلك التجاوز الذي استلزم صرامة، وتلك الفرصة التي تَمَلّكنا الخوف لاقتناصها، كل تلك اللحظات ليست بمعزل عن الوضع الراهن الذي نعيشه، فهي شبكة مترابطة يعضد بعضها البعض، وتتبعها تداعيات قد لا ننتبه إلى صلتها بها، وما إنْ نتوقف لبُرهة للتصرف إزاءَها بطريقة مختلفة حتى تأخذ حلقة التراكمات تلك بالتصدّع، ونأخذ بزمام الأمر شيئا فشيئا، لنجد أنفسنا مع واقع مختلف، ما ظننا يوما أن يكون من نصيبنا.

إنّ الأزمات حين تحلّ بنا، ونسعى جاهدين للتصدي لها، ليست جوهر المشكلة، بل أعراضٌ لخطواتٍ صغيرة خطوناها، واستجاباتٌ متكررة ارتضيناها، هذه الأزمات قذفتها الحياة فوق رؤوسنا لتبعث لنا برسالة واحدة: يا صاحِ عليك بتصحيح المسار! إنها نداء استيقاظ يخبرنا عنّا، وإنذارٌ لوجود خلل مستمر يجب معالجته على جناح السرعة والاهتمام، وللكاتب (Ryan Holiday) لفتة أنيقة جدا في عمقها في علاقة وقع دروس الحياة إذا تجاهلنا الانتباه عن كيفية تعاطينا مع أحداثها واستهترنا بأجراس الإنذار بين الفينة والأخرى، إذ يقول في كتابه

The Obstacle is the Way:

(1) "Lessons come hard only if you’re deaf to them"

أي: دروس الحياة تكون قاسية إذا أعرتها أذنا صماء!

إنّ تحمّل المسؤولية مهنة الشجعان، والقيام بأدوارنا المنوطة بنا تجاه ما يحدث صنعةُ أولي النباهة، فما يحدث إنما يحدث خلالنا ولا يحدث لنا! وفي اللحظة التي نبدأ فيها بالتحرك من منطلق الجزء المسؤولون عنه أصالةً، والتوقف عن لوم الظروف والآخرين والنحس، وتعليق معاناتنا على مِشْجب الحظ العَكِر، يستجيب لنا الكون، فيتغير الواقع! فليس ثمة أسهل من إلقاء اللوم على العالم الخارجي، ولن نُعدَم التبرير بأنّنا ضحايا لا حول لها ولا قوة، ومن اليسير جدا أن نندب حظنا ونتباكى طوال الليل متذمرين مما نحن فيه، ولكن ذلك البكاء لن يزيدنا إلا بُؤسًا، أما الوعي بأننا نملك الكثير لنقوم به، وفي جعبتنا خيارات تنتظر أن نلتفت إليها، مهما كانت المعاناة التي نتجرّعها، فإن ذلك كفيلٌ بقلب المعادلة رأسًا على عقِب، لتصبّ في صالحنا.

ذلك الشعور المكبوت سنين طويلة الذي نقرر التنفيس عنه، وتلك المبادرة التي نُقدم عليها بجرأة متبصّرة، والتقدير الذاتي الذي نرجعه لحياض ذواتنا، وتوطين النفس على الاعتناء بالتفاصيل الصغيرة، وتلك المراجعة الحازمة لردات فعلنا وطريقة استجابتنا للمثيرات الخارجية، كل ذلك بداياتٌ قد تبدو صعبة بادئ الأمر أو إيلاء اهتمام أكبر من حجمه فيما يبدو، لكنها تخلق مسارات جديدة تحمل في تضاعيفها مآلاتٍ تخترق واقعنا البئيس، وتكسر الحلقة المفرغة من اللامبالاة والألم الذي ينشب بمخالبه عديمة الرحمة في حظوظنا في الحياة.

التراكم يدحضه تراكم آخر ولكن باتجاه معاكس، وكل تراكم مضادّ يبدأ بحركة مضادة، فيُستبدل باللامبالة الانتباهُ، وبالانفعال الأناةُ، وبالكبت التحرّر، وبالعشوائية التخطيطُ، وبالفوضى الهدوءُ، وبالجُبن الإقدام، ومرّة بعد مرة، ويوما بعد يوم، سيؤتي التراكمُ أُكُلَه؛ فينتج عنه واقعٌ مبتسم الحظ وبهيّ الملامح.

لا شيء يضاهي مبدأ التراكم في سلطانه على الأحداث، أكان تراكما نحو الهاوية، أو كان تراكما صوب العُلا، والحياة لا تحمي المغفلين! وقوانينها تنسحب على الجميع ولا تحابي صدق النوايا غير المتسقة مع الأفعال الصائبة.

فلا تستوي تراكمات الاستثمار والادخار مع تراكمات التبذير وهدر الأموال، ولا تستوي تراكمات الكتمان والكبت مع تراكمات السماح لاحتيجاتك الداخلية بالتنفيس، ولا تراكمات الإهمال مع تراكمات المسؤولية الذاتية، ولا تراكمات الانفعال مع تراكمات ضبط النفس، ولا تراكمات التساهل مع الآخرين في تجاوز مساحتك الخاصة مع تراكمات إرساء حدود صارمة تصون ذاتك من هضم حقها، ولا تراكمات الكسل مع تراكمات الالتزام.

أنتَ لست ضحية للعالم، بل نتيجة لتراكماتك! وكل علاج يبدأ من سبب المشكلة، وكل نهاية تقطعها بداية، والقرار بيدك، إما كسر حلقة التراكمات بتراكمات أخرى، أو ترك الحبل على غارب تراكماتك المشؤومة لتغوص بك في الضحالة أكثر وأكثر، لا أحد ينقذك إلا أنت، والسرّ - كلُّ السر - في الخطوة الأولى، ولكل شيءٍ مرة أولى.

***

محمـــد سيـــف

........................

الهوامش:

(1) The Obstacle is the Way, Ryan Holiday, P:86, Profile Books LTD, 2015.

خط الدفاع الأول في مواجهة الغش والمعلومات المضللة

تعد منظومة القيم والانضباط التربوي جوهر العملية التعليمية وأساس بناء الإنسان الصالح الذي يميّز بين الحق والباطل ويهتدي بنور العلم والأخلاق، فالقيم هي الإطار الذي يوجّه السلوك ويهذب الضمير ويمنح الفرد القدرة على اتخاذ القرار الصحيح في عالم تتزاحم فيه المعلومات وتكثر فيه المغريات، وإنّ التربية التي لا تقوم على القيم تكون جسدًا بلا روح لأن القيم هي التي تحفظ للعلم مكانته وللمتعلم كرامته، وقد أكد القرآن الكريم على أهمية الصدق والأمانة في قوله تعالى ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114] فالزيادة في العلم لا تُطلب إلا بنية صافية وسلوك مستقيم، كما قال سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ﴾ [الأنفال: 58]، وهذه الآية تؤكد أن الغش في أي صورة من صوره خيانة للأمانة العلمية والإنسانية

أما في الفكر الإسلامي، فإن القيم التربوية تمثل منظومة من المبادئ الأخلاقية التي تُستمد من القرآن والسنة، وهي أساس تكوين الشخصية المؤمنة الواعية التي تتعامل مع الآخرين بالعدل والإحسان، فالقيمة في الإسلام ليست مجرد فكرة مجردة بل هي سلوك عملي متجذر في الإيمان، وقد بين الله تعالى في كتابه العزيز أن غاية التعليم هي تزكية النفس لا مجرد جمع المعلومات، قال تعالى ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا﴾ [الشمس: 9]، فالتزكية هنا هي أسمى صور الانضباط القيمي، إذ تعني تهذيب النفس وتطهيرها من الميل إلى الخطأ والغش والخداع، كما أن النبي (ص) جعل من الصدق ميزانًا للإيمان بقوله «عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة» رواه البخاري، فالقيمة الأخلاقية في الفكر الإسلامي ترتبط بمصير الإنسان الروحي والاجتماعي

أما الانضباط التربوي في الفكر الإسلامي فهو نظام متكامل يهدف إلى تنظيم السلوك وضبطه وفق الشريعة ومقاصدها، لا على أساس القسر والعقاب وإنما على أساس الوعي بالمسؤولية أمام الله والضمير، فالمتعلم في الإسلام مسؤول عن علمه وسلوكه، مصداقًا لقوله تعالى ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: 38]، والانضباط بهذا المعنى هو التزام ذاتي ينبع من الإيمان بالله والخشية منه، كما جاء في الحديث الشريف «اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن» رواه الترمذي، فالانضباط في الإسلام ليس مجرد التزام شكلي بالقواعد المدرسية، بل هو تربية داخلية على المراقبة والمحاسبة والإحسان في العمل

وفي ظل الانتشار الواسع للمعلومات عبر الوسائط الرقمية أصبح المتعلم عرضة للمعلومات المضللة التي تُبنى على التضليل والخداع، وهنا تتجلى أهمية المنظومة القيمية في تعزيز التفكير النقدي والتمييز بين المعلومة الصحيحة والزائفة، فالقرآن الكريم يدعو إلى التثبت قبل تصديق الأخبار قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6] وهذه الآية تمثل قاعدة ذهبية في التربية الإعلامية المعاصرة إذ تربي المتعلم على التمحيص قبل النشر أو التبني لأن الانخداع بالمعلومات الكاذبة نوع من الغش المعرفي الذي يتنافى مع القيم الإسلامية

ومن الروايات التربوية التي تبرز أهمية القيم في التعليم ما ورد عن الإمام علي عليه السلام قوله «قيمة كل امرئ ما يحسنه» وهذه المقولة تختصر فلسفة التربية القيمية، فالقيمة الحقيقية للإنسان ليست بما يملك من مال أو جاه وإنما بما يتحلى به من خلق وعلم نافع، كما قال أيضًا «العلم يهتف بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل» في إشارة إلى أن العلم المنفصل عن القيم والانضباط لا يثمر ولا يبقى

إن الغش والمعلومات المضللة لا يُمكن مواجهتهما بالرقابة الخارجية وحدها بل بالرقابة الذاتية التي تُغرس في النفس منذ الصغر، فحين يتربى المتعلم على الصدق والأمانة يصبح هو الرقيب على نفسه ويعي أن الغش لا يضر غيره فقط بل يسيء إلى ذاته وضميره، ومن هنا فإن المؤسسات التعليمية مطالبة بترسيخ القيم من خلال المناهج والأنشطة والتفاعل الإيجابي بين المعلم والمتعلم، كما يجب على الأسرة أن تكون شريكًا في هذه العملية التربوية لأن القيم تبدأ من البيت وتنمو في المدرسة وتترسخ في المجتمع

وبذلك يمكن القول إن منظومة القيم والانضباط التربوي تمثل خط الدفاع الأول في حماية التعليم من التلوث الأخلاقي والمعرفي، فهي السور الذي يحفظ نقاء العلم ويمنع الغش والخداع، وهي في الوقت نفسه البوصلة التي توجه الأجيال نحو الصدق والنزاهة والإتقان، مصداقًا لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 195]، فالعمل المتقن القائم على الصدق والانضباط هو التعبير الأسمى عن الإيمان بالله وعن عمق الانتماء الإنساني والحضاري وبه تزدهر الأمم وتسمو النفوس وتعلو القيم

***

د. صباح خيري

 

ينزع المتشددون الذين أطلقوا على أنفسهم (السلفيون الجدد) إلى أن شيوخ المعتزلة قد جانبهم الصواب في تقديمهم العقل على السمع ودفعتهم تأويلاتهم العقلية للنصوص القرآنية إلى انزلاق أقدامهم في آتون الاجتراء كما قادتهم أهواؤهم إلى تكفير بعضهم بعضًا ثم راح الوهابيون من بعدهم يصفون التأويل والاجتهاد في إعمال العقل في السمعيات بأنه درب من دروب الهرطقة والتجديف بل والكذب على الله ورسوله مرددين (لا اجتهاد مع نص). وفاتهم أن تجديد الدين لا يكون مع غيبة المجتهدين، والاجتهاد لا يستقيم إلا إذا صدر عن عالم أريب وعقل فطن ودقة في التعبير والصياغة.

وغاب عنهم أيضًا (أنه لا اجتهاد مع نص قطعي الثبوت وقطعي الدلالة وهذا لا ينطبق إلا على المحكم من آيات القرآن فقط) ومن أقوال فخر الدين الرازي في كتابه (مختصر الصواعق) في ذلك (المطالب الثلاثة: الأول: ما يتوقف ثبوت الشرع على ثبوته، كوجود الله وصدق الرسول، فهذا يستحيل أن يعلم بإخبار الشرع. الثاني: ثبوت أو انتفاء ما يقطع العقل بإمكان ثبوته أو انتفائه، فهذا إذا لم يجده الانسان من نفسه، ولا أدركه بحسه استحال العلم به إلا من جهة الشرع. الثالث: وجوب الواجبات، وإمكان الممكنات، واستحالة المستحيلات، فهذا يعلم من طريق العقل بلا إشكال. فأما العلم به بإخبار الشرع فمشكل، لأن الخبر الشارع في هذا المطلب إن وافق عليه العقل فالاعتماد على العقل وخبر الشارع فضل، وإن خالفه العقل وجب تقديم العقل وتأويل الخبر في قول المحققين) ولعل هذا القول يعبر عن العقل الجمعي الذي يدين به جل المسلمين.

فشيوخ المعتزلة لم يحتكموا في تأويلاتهم للسمع إلا لصريح المعقول -وذلك قبل اختلاط آرائهم بالنظريات الفلسفية - وعليه أن تأويلاتهم للمتشابه من القرآن لا يخرجهم عن رأي الجمهور وقد انحصرت مواطن انتقادات بعضهم لبعض في المسائل ذات الصلة بالتصورات الفلسفية الميتافيزيقية فحسب أما آرائهم في القضايا العقدية فقد اعتمدت على نظرية تجاور العقل للنقل ولم يقفوا من كتب جماع الحديث موقفًا استبعاديًا إلا بعد تنقيتها بغرابيل صريح المعقول.  كما أن كثرة محاوراتهم ومناظراتهم مع شتى المذاهب والملل والنحل قد اكسبتهم دربه ودراية بقواعد حرية التثاقف، والالتزام بحدود الموضوعية في النقد مع الزام المحاور بعقلانية التصورات في طرح الرؤى والاتيان بالحجج والبراهين ذلك فضلًا عن مجهم للتقليد في شتى صوره وعدم الاحتكام للمألوف والموروث ولاسيما في أمور التشريع. وبهذا المنحى وبفضل غرابيلهم العقلية قد استطاعوا صد الهجمة الشرسة التي شنت على أصول العقيدة الإسلامية من قبل عشرات الفرق (الجبرية، المجسمة، الدهرية، الحلولية، الباطنية، عصبية الخوارج، بدع الشيعة، تجديف الملحدين وإفك الهراطقة) وليس هناك أدل على أهمية وعظم جهودهم في تبيان فلسفة المقاصد الشرعية إلا عودة معظم خصومهم إلى التسلل إلى الثقافة الإسلامية ثانيةً وذلك عقب غيبة المطبقين لمنهج المعتزلة العقلي ولاسيما في الفكر الإسلامي المعاصر الذي بات مولعًا بعشرات الأكاذيب التي اصطنعها الخوارج الجدد من الإرهابيين والتكفيريين من جهة وأصحاب البدع مثل عبدة الشيطان والمجدفين التفككين والارتيابيين ودعاة وحدة الأديان والعقيدة الابراهيمية وتأليف الجماعات الماثونية من جهة ثانية وتجديف المتعالمين من دعاة الحداثة وما بعد الحداثة والفوضويين والوجودين والعبثيين والاباحيين والمجترئين على النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته من المأجورين ودعاة الفتن من جهة ثالثة فجلهم قد ارتدى عباءة الصدق وراح يلوح برايات العدل والحرية التي جاء بها المهدي المنتظر وخفي تحت عباءته لباس أبليس ومسبحة ترانيم الشيطان الكاذبة.

مع العلم أن جل شيوخ المعتزلة لم يلزم أحدهم باتباع اجتهاداتهم ولم يزعموا أن ما انتهوا إليه عقلًا ناسخًا لما جاء في السمع (القرآن). ولعل نهجهم يتفق مع قول الامام الشافعي (ميز يا بني، علمك الله، ما قد شرحت لك من هذا القول وتدبر ما حكيت لك من قول الكذابين على الله يبن لك الصدق وتعلم الحق، لأنه واضح مبين لا يخفى أهل المعرفة والعقل لأن العقل أكثر حجج الله سبحانه على عباده ولذلك لم يخاطب إلا ذوي الالباب والعقول).

كما يؤكد شيوخ المعتزلة أن تدبر نسقية القرآن والنظر للقضايا التي تحدث عنها في آياته تغني العابد المريد عن غرابيل الكذب وذلك لأنه قد توصل بعقله المؤمن بأنه أوشك على الوصول إلى حق اليقين وهو الممثل الأوحد إلى المقاصد الربانية ولعل ابن سينا وبن طفيل قد تأثرا بهذا المنحى العقلي في حديثهما عن قصة (حي بن يقظان) - فالحق لا يناهض أو يعارض الحق- والصدق لا يمكن أن يتخفى في رداء الكذب بل العكس صحيح لذا نجد شيوخ المعتزلة يحزرون من الآيات التي ينزعها الكذابون من سياقاتها لإضلال الناس بإسم الدين الامر الذي يوجب مقابلة الآيات بعضها ببعض إذا كانت تشتمل على حكم أو الارشاد إلى حقيقة أو الاخبار عن واقعة ولا يحتج في هذا المقام بما يقال عنه الناسخ والمنسوخ فالنسخ في القرآن عند جميع شيوخ المعتزلة لا يكون بمعنى الابدال أو الانتقال من حكم إلى نقيده فقد اعتبر جلهم أن القرآن نص متناغم ومتناسق ولا يوجد فيه نسخ، أو أن شئت قولت النسخ عندهم مقيد بأن يكون في حدود التخصيص لا الإلغاء الكامل. وقد اعتمدوا في ذلك على مبدأ أن كل آية لها حكمها الخاص، وأن الأوامر والنواهي فيه متوافقة، وربطوا ذلك بمبادئهم العقدية، كما ورد في قضية "خلق القرآن".

كما ينكرون أيضًا وصف أفعال العباد بأنها مقدرة قبل وجود أصحابها ويكذبون كل من رد المعاصي والآثام التي تدخل في بابها بأنها قدر من عند الله تجبر الانسان على فعلها بحجة أنه لا مرد لقدر الله بينما الصدق عندهم أن كل أفعال العباد قد خبرها الله بعلمه وليس بإرادته لأنه لو كان غير ذلك لبات العادل ظالمًا وحاشا لله أن يكون كذلك فقد قال تعالى في سورة فصلت ( مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيد)ِ (46) وجاء في صحيح الحديث قول النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه عز وجل: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً، فلا تظالموا".

ويجدر بنا الإشارة إلى أن شيوخ المعتزلة قد أخرجوا الخوارق والمعجزات الواردة في القرآن من غرابيل النقد التي تفصل بين الصدق والكذب فكل ما جاء في حق اليقين صادق بالضرورة والعقل عاجز عن الوصول إلى حقيقته ويرجع ذلك لأنهم اعتبروا أن علم الله وقدرته هي ذاته ومن ينكرهما يجحد وحدانيته وربوبيته وعليه فإن المعجزات الخارقة للسنن ما هيا إلا آيات يحتج بها على كذب الكاذبين وأنها تأييد لأنبيائه ورسله ضد المنكرين والجاحدين ومع ذلك فأنهم لا يسلمون بحدوث الخوارق والمعجزات والكرامات التي لم يذكرها القرآن سواء كانت منسوبة إلى الأنبياء أو الأولياء وحجتهم في ذلك أنها تحدث إشكالًا في الاستيعاب بين عين اليقين الذي يمكن للعقل تصوره وبين حق اليقين الذي أخبر عنه الله في قرآنه الكريم كما أن ذيوعها بين العوام  قد يحدث فتنة ويجلب الشكوك والخلط بين الأنبياء والأولياء ويجعل الكذب يتسلل إلى ألسنة من يظنهم الناس على غير حقيقتهم مثل الافتتان بالخلفاء أو المتصوفة الاتقياء أو أصحاب المناقب والنجاحات من الأمة والزعماء أو الادعياء.

أما المعجزات الواردة في السيرة وكتب جماع الحديث مثل رواية حوار النبي صلى الله عليه وسلم مع حماره يعفور، وادعاء بعض الرواة (بقيام النبي صلى الله عليه وسلم بوطء كل زوجاته وسراريه في ليلة واحدة)، ووجود الحمامتين والعنكبوت في مدخل غار ثور أثناء الهجرة لإخفاء النبي صلى الله عليه وسلم وصاحبه عن عيون مطارديه. فإن مثل هذه القصص والروايات المختلقة يأبها صريح المعقول شكلًا وموضوعًا ويسهل على غلاة المستشرقين والطاعنين في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم نقدها وهدم أركانها وقد شكك فيها جمهور العلماء.

أما موقف شيوخ المعتزلة من قضية خلق القرآن فهي أيضًا تعبر عن وجهتهم العقلية النابعة من عمق إيمانهم بعدم الفصل بين علم الله وذاته وأن إعجاز القرآن ليس  في صياغته اللغوية وروعته البلاغية التي لا يدركها إلا أرباب تلك اللغة فحسب بل أن نسقيته وبنيته المعرفية وموضوعيته التي تفوق كل تصور في صلاحيتها للتطبيق في كل زمان ومكان وجمع فضائله الأخلاقية بين الثوابت والأصول الركينة والقابلة دومًا للتجديد والتطويع وفق المتغيرات الثقافية والبيئات المتغايرة هي المعجز الحقيقي الذي يمكن التحقق منه بعين اليقين ويمهد للذهن سبيله إلى قبول الغيبيات التي تحدثت عنها الآيات في حق اليقين وقد تأثر بهذا المنحى ابن رشد.

  كما قام شيوخ المعتزلة بالرد على مخالفيهم بنهجهم الجدلي المفحم مبينين أن القرآن باعتباره كلام الله فهو صادر عنه وكل ما يصدر عن الله من أشياء فهي من خلقه سبحانه وتعالى كما أن الألفاظ والحروف والكلمات والتراكيب اللغوية أشياءً قد اكتسبت دلالاتها من البشر وقد خلقها الله سبحانه وتعالى   وجعلها وعاءً لحمل أوامره وشرائعه ومقاصده بلسان يفقهوه شأن الكتب السابقة على الإسلام التي تنزلت على أقوام بلغات شتى أما القول بقدم القرآن فهو لا يكون لأن الله سبحانه هو الأول والأخر والأول لا يشاركه أحد في وجوده.

 وخلاصة قول المعتزلة أن حلاوة وجمال الالفاظ القرآنية لا تعد وجهًا للإعجاز فقط إذا ما قورن هذا المعجز بتلك الحكمة النسقية والمنطق المكين والحجج التي سوف تظل من المستحيلات التي لا يستطيع العقل الاتيان بمثلها، ولعل قول الله (إنَ نحن نزلنا الذكر وإنَ له لحافظون)، (سورة الحجر الآية 9) يتضح فهمه على الوجه الأمثل الذي يكشف أن سر حفظه كامن في جوانية النص وجوهره وبنيته التي يصعب تزييفها أو تسلل الكذب إليها، وكيف لا وكل الواقعات والمعارف والمعلومات تؤكد حجيته الصادقة وعظم خالق آياته وإن كره الجاحدون.

 ويترئ لي أن قضية خلق القرآن وقدمه من القضايا المفتعلة التي أثارها الأغيار من لاهوتي أصحاب الكتب المقدسة، وذلك خلال مساجلات المعتزلة معهم وإن حجة شيوخ المعتزلة وردهم تبعًا للسياق السالف كان في شدة العبقريّة؛ لأنهم لم يقولوا بأن القرآن مخلوق بالمعنى الدلالي الذي ينظر إليه الذهن بأن كل المخلوقات ناقصة ومصيرها للهلاك شأن الإنسان ذاته،  كما أنهم لم ينظروا إلى القول بالقدم على أن دلالة القدم هي (السرمديّة أي القبلية المطلقة) فقالوا إنّ القرآن هو المرآة  التي جعلها الله صورةً تعكس جانبًا من علمه الذي يسهل على البشر رؤيته واستيعابه.

وعليه؛ يمكن اعتبار (جبريل) مرآة ناطقة للآيات، وأن الأثر الذي يُحدثه وقع القرآن في القلوب هو شكلٌ من أشكال المرآة الشعوريّة التي تلحق بوجدان الذين يستمعون إلى القرآن دون علمًا منهم بلغته وما تحمله الآيات من معاني ودلالات.

ومن زاوية أخرى - لقراءتنا لكلام المعتزلة - نجد أن خلافهم مع الأشاعرة في هذه القضية يكاد يكون خلافاً دلاليًا حول دلالة الكلام وظاهر الألفاظ؛ ولعل مضمون هذا التصور يتفق مع رؤية الامام أحمد بن حنبل الذي ذهب إلى أن القرآن هو كلام الله فحسب. وحديث الجرجاني (1339:1413 م) في كتابه (دلائل الاعجاز) عن المعجز الدلالي للقرآن الكريم. 

وللحديث بقيّة حول الجانب التطبيقي من آراء المعتزلة المستنبطة من غربلتهم للآراء التي طرحت في الثقافة الإسلامية ولحقت بعقائدها.   

***

بقلم: د. عصمت نصّار

 

تأتي دعوة الدكتور أيمن السيد عبد الوهاب، مدير مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، للنخب الفكرية لتعريف دورها في تشكيل مستقبل الأمة، في لحظة فارقة من تاريخنا المعاصر. إنها لحظة تحول "جيوفكري" عميق، تعلن نهاية دورة حضارية هيمنت على العالم قرونا، وتبشر بولادة دورة جديدة متعددة الأقطاب، تحمل بصمات شرقية آسيوية واضحة. هذا التحول ليس مجرد إعادة توزيع للقوى على الخريطة العالمية، بل هو تحول في "الميتافيزيقا الاجتماعية" التي تنظم علاقات البشر والمجتمعات والدول. وهو يطرح أسئلة مصيرية على النخب العربية، التي تقف أمام منعطف تاريخي لا يحتمل التردد أو التلكؤ.

فالعالم الذي نعيش فيه اليوم لم يعد هو العالم الذي نشأت فيه مراكز الفكر العربية في منتصف القرن الماضي. لقد انقضى زمن كانت فيه هذه المراكز مجرد نوافذ نطل من خلالها على إنتاج المعرفة في الغرب، أو ورش لتكييف هذه المعرفة مع واقعنا المعقد. نحن اليوم أمام واقع جديد: واقع تعيد فيه التقنيات الرقمية والذكاء الاصطناعي صياغة مفهوم المعرفة ذاتها، وتحيل فيه التحولات الجيوسياسية الكبرى الكثير من المسلمات الفكرية السابقة إلى تاريخ.

في هذا الواقع المتشابك، تواجه مراكز الفكر العربية ثلاثة تحديات وجودية متداخلة:

أولا: تحدي الهوية في عالم الذوبان: كيف تحافظ هذه المراكز على رسالتها الحضارية الخاصة، بينما تتعرض الخصوصيات الثقافية لعمليات إذابة ممنهجة في بوتقة العولمة الثقافية؟ وكيف تشارك في صياغة النظام العالمي الجديد دون أن تفقد بوصلة ذاتها، ودون أن تظل أسيرة الثنائيات العقيمة التي شغلت العقل العربي طويلا (الأصالة والمعاصرة، التراث والحداثة، الدين والعلمانية)؟ السؤال الجوهري هو: كيف ننتقل من موقع المتلقي للفكر إلى موقع المشارك في إنتاجه وصياغته؟

ثانيا: تحدي التسونامي التقني: لقد غير الذكاء الاصطناعي وثورة البيانات قواعد اللعبة الفكرية برمتها. فالقدرة على جمع المعلومات ومعالجتها وتحليل الأنماط لم تعد حكرا على العقل البشري. بل إن الآلات تتفوق عليه في هذه المهام بمراحل. وهذا يطرح سؤالا محوريا: ما هي القيمة المضافة التي يقدمها الباحث والمفكر البشري في عصر الخوارزميات الخارقة؟ وما هو الدور الجديد لمراكز الفكر في ظل هذه الثورة التي تتدخل حتى في تشكيل الوعي واتخاذ القرار؟

ثالثا: تحدي التحول الفلسفي: نحن إزاء تحول قيمي عميق في النسق العالمي. فالنموذج الغربي، الذي رفع شعار الفردانية والحرية المطلقة، يعاني أزمة عميقة تتجلى في التفكك الاجتماعي والاستقطاب السياسي. وفي المقابل، يبرز النموذج الآسيوي، الذي يقدم الجماعة والتنمية والاستقرار كبديل. مجتمعاتنا العربية تقف في ملتقى الطرق، تبحث عن مسارها الثالث الذي يستلهم من تراثها ويستوعب معطيات العصر، دون أن يكون نسخة طبق الأصل من أي نموذج وارد. هذا البحث يحتاج إلى تأمل فلسفي جريء، لا إلى مجرد ترقيع سياسي أو اقتصادي.

الاستجابة لهذه التحديات المصيرية لا تكون ببعض الإصلاحات الإدارية السطحية، بل تتطلب تحولا نوعيا في الرؤية والوظيفة والمنهج. وهذا التحول يقوم على أربعة أركان أساسية:

1. إعادة تحديد الهوية والوظيفة: يجب أن تنتقل مراكز الفكر من دور "مورد الخدمات الفكرية" للحكومات والنخب، إلى دور "حاضنة التجديد الحضاري". عليها أن تعمل على إعادة ربط العقل العربي بجذوره المعرفية والتاريخية، ليس للوقوف عندها تحنيطا، بل للانطلاق منها في حوار خلاق مع منجزات العصر. عليها أن تكون الجسر بين ثوابت الأمة ومتغيرات العصر، بين العمق التاريخي ومتطلبات المستقبل.

2. تبني منهجية تكاملية مركبة: لقد آن الأوان لتجاوز منهجية "إما/أو" التي شطرت العقل العربي وأضعفت فاعليته. نحتاج إلى منهجية تستوعب التعقيد، وترفض التبسيط المخل، وتجمع في تحليلها بين دقة العلوم الاجتماعية، وعمق الفلسفة، وروح النقد التاريخي، وحدس الحكمة الإنسانية. منهجية تنظر إلى الظواهر في كليتها وترابطها العضوي، لا كأجزاء منعزلة.

3. الاستيعاب النقدي للثورة التقنية: لا مكان هنا لموقف الرفض المطلق، ولا للانبهار السلبي. على مراكز الفكر أن تتحول إلى مختبرات لاستكشاف وفهم وتوظيف التقنيات الحديثة، خاصة الذكاء الاصطناعي. الهدف هو بناء "ذكاء مضاعف" يجمع بين سرعة التحليل الآلي الهائل، وعمق السؤال البشري، وقدرته على الحكم الأخلاقي والتأويلي الذي تفتقده الآلة.

4. بناء تحالفات المعرفة الجنوبية: في عالم يتجه نحو التعددية القطبية، يجب أن تتعدد وتتنوع روابط المعرفة. فالحوار مع مراكز الفكر في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية لم يعد ترفا، بل أصبح ضرورة استراتيجية. إنه الطريق لخلق توازن معرفي جديد، ولتأسيس منظور "جنوب-جنوب" يحرر الفكر العالمي من ثنائية الشرق والغرب التي هيمنت عليه قرونا طويلة.

بهذه الرؤية المتكاملة، يمكن لمراكز الفكر العربية أن تتحول إلى خلايا تفكير جماعي حقيقية، وذلك من خلال:

- استعادة الروح النقدية البناءة: نقد ينطلق من الانتماء والحرص، لا من التمركز حول الذات أو الانبهار بالآخر. نقد يفرق بين الجوهر والعرض، ويهدف إلى الإصلاح والتجديد، لا إلى الهدم والتشويه.

- بناء معرفة تشاركية حوارية: الخروج من الأبراج العاجية للإنصات إلى نبض الشارع وفهم هموم الناس الحقيقية. فالمعرفة التي تبنى مع الناس ولهم، هي وحدها القادرة على تقديم أجوبة مقنعة عن أسئلتهم المصيرية.

- تبني رؤية استباقية للمستقبل: الانتقال من ثقافة رد الفعل إلى ثقافة الفعل، ومن تحليل الماضي والحاضر إلى المشاركة الفاعلة في صياغة المستقبل. رؤية تجمع بين واقعية التشخيص وجرأة الطموح.

- إعادة الاعتبار للبعد الأخلاقي: في زمن العولمة المادية الصاخبة، تصبح مهمة الدفاع عن القيم الإنسانية والأخلاقية، المستمدة من تراثنا الروحي والحضاري ومن الفطرة الإنسانية السليمة، مهمة مركزية. فالفكر بلا أخلاق قوة عمياء، والسياسة بلا أخلاق صراع همجي.

بين لحظتين تاريخيتين نعيش: لحظة نهاية وهمود، ولحظة بداية وولادة. الخطر الوجودي حقيقي، لكن التاريخ يعلمنا أن أعظم المخاطر تحمل في طياتها أعظم الفرص. العالم الذي يبحث عن توازن جديد، هو عالم يحتاج إلى كل الأصوات الحضارية، خاصة صوت حضارتنا العربية الإسلامية الحامل لتراث إنساني هائل. ولكن هذا الصوت لن يسمع، ولن يكون له تأثير، إذا ظل مشتتا أو ضعيفا أو عاجزا عن التعبير بلغة العصر.

هنا تكمن المهمة التاريخية لمراكز الفكر العربية: أن تصوغ هذا الصوت، أن تجسده في رؤى واضحة، ومناهج دقيقة، وسياسات عملية. أن تقود النقلة النوعية في الفكر التي تشكل الأساس المتين لأي نهضة حقيقية. المهمة شاقة وتتطلب شجاعة المفكر، وصبر الباحث، وحكمة الحكيم، وتواضع من يدرك أن المعركة الحقيقية هي معركة فكرية في المقام الأول.

فالأمم التي تتخلف عن صناعة فكرها، محكوم عليها باستهلاك فكر غيرها. والفكر المستورد، كالرداء المستعار، قد يغطي الجسد لحظة، لكنه لن يناسب مقاسه يوما، ولن يعبر عن روح صاحبه وذاتيته. والقرن الحادي والعشرون، بتحولاته الجارفة، ينتظر منا إجابتنا الخاصة: المتماسكة، الأصيلة، والمعاصرة.

***

د. عبد السلام فاروق

كانت مسألة خلق العالم ومصير الإنسان بعد الموت من بين أولى الأسئلة التي خطرت في ذهن الإنسان، وقد تم التعبير عن مفاهيمه في عصور ما قبل التاريخ من خلال رسومات كهفية جذابة.

بدأ تطور المعرفة في الشرق الأدنى مع ظهور حضارة وادي النيل وحضارة بلاد ما بين النهرين.

رفض المصريون القدماء قبول الموت كنهاية لوجودهم، مما دفعهم إلى التفكير والتأمل بعمق في معنى الوجود، وكيف تم خلق الكون، وكيفية التغلب على الموت والوصول إلى الحياة الأبدية. وقد ادي ذلك الي الاعتقاد بان الحياة على الأرض مجرد جزء من رحلة أبدية تستمر بعد الموت وفقا لدينونه صارمه تقيم حياه الانسان قبل موته.

ظهرت الحضارة السومرية في جنوب بلاد ما بين النهرين، وابتكر السومريون نظام دولة المدينة حيث كان لكل مدينة استقلال ذاتي وإله خاص. كان السومريون يعتقدون أن العالم تحت مراقبة الآلهة، وأن المرض سببه الغضب الإلهي.

يرتبط تاريخ اليهوديه بتاريخ كنعان وهي منطقة تشمل فلسطين وسوريا وغرب نهر الأردن. ظهرت مملكة إسرائيل في الشمال منذ القرن الثالث عشر قبل الميلاد، ومملكة يهوذا في الجنوب خلال القرن العاشر قبل الميلاد. تم كتابه أجزاء كبيرة من التوراة بواسطه نخبه من اليهود المنفيين في بابل واختيار يهوه إلها سماويًا لليهود. يصف التوراة وعد الله لـ "إبراهيم" وهروب نسله إلى مصر، ثم خروجهم من مصر بقيادة "موسى" وعند جبل سيناء تلقى "موسى" التوراة (أسفار موسى الخمسة). في النهاية، قادهم الله إلى أرض كنعان التي أصبحت "إسرائيل .“ تقدم الديانه اليهودية مجموعة من الارشادات والتقاليد والطقوس بعضها تأثر بالثقافة المصرية وهناك تقارب كبير بين النصوص المصرية والنصوص العبرية، ومن الامثله كلمة ”مزمور" كلمة مصرية تطلق على الترانيم، ونصائح الحكيم "بتاح حتب" هي أصل سفر المزامير، وحكم "أمينموب" هي أصل سفر الأمثال. وأخذ العبرانيون عن المصريين عمل الخبز بلا خميرة، وختان الذكور . كما يوجد تشابه بين بعض القصص في ”التوراة" والأساطير السومرية مثل قصة "نوح" والطوفان وأسطورة جلجامش السومرية. كذلك هناك تشابه بين قصة "آدم وحواء“ مع اساطير منقوشة باللغة الأوغاريتية في "سوريا" .

كانت الزرادشتية الديانة الرسمية لبلاد الفرس منذ عام 600 قبل الميلاد إلى 650 ميلادي. انتشرت الزرادشتية على يد النبي زرادشت، الذي تلقى وحياً متكرراً من ملاك يخبره عن إله واحد يدعى أهورا مازدا (الرب الحكيم) الذي خلق العالم، وهو مصدر الأفكار والكلمات والأفعال الطيبة، ويجب عبادته، وأن هناك صراعاً مستمراً بين الخير والشر.

تشمل الممارسات الدينيه عند الزرادشتيون الصلاه خمس مرات في اليوم مع تغطية الرأس بقبعة بيضاء من القطن للرجال ووشاح للنساء. كما يمارس الزرادشتيون غسل الوجه والارجل واليدين قبل الصلاه . ينظر الزرادشتيون الي النار على أنها الرمز الأسمى للنقاء، وتمثل نور الله ”أهورا مازدا“. يحاسب روح المتوفى رئيس الملائكة ” والصالحون مصيرهم الجنه، وينجحون بسهوله في عبور الصراط الذي يقع فوق جهنم أمَّا الأشرار سيفشلون في عبور الصراط ويهوون في النار. بعد نهاية الزمان، سوف يجتمع الجميع اهل الجنه وجهنم وسوف يعيشون في سلام ووئام إلى الأبد مع أهورا مزدا، الذي برفض العذاب الابدي .

هناك تشابه بين الزرادشتية والعديد من المعتقدات والممارسات الدينيه في الشرق الادني، وقد دخلت بعض المعتقدات والممارسات الزرادشتية إلى المجتمع الإسلامي، فهناك تشابه في وصف الاله وفي ممارسه الصلاه خمس مرات في اليوم، وفي ممارسه الوضوء قبل الصلاة. كما ويوجد تشابه بين قصه الاسراء والمعراج في الاسلام مع أساطير زرادشتيه.

كانت الفترة الهلنستية (323 قبل الميلاد إلى 30 قبل الميلاد) المرحلة الأخيرة في تطور الفكر الديني في الشرق الأدنى قبل ظهور المسيحية. أدت حملات الإسكندر الأكبر إلى تواصل ثقافي كبير بين الشرق والغرب، وإلى إنشاء إمبراطورية عالمية اندمجت فيها الثقافات والحضارات والأديان الشرقية والغربية. وقد أسفر هذا الاندماج عن ظهور ثلاثة تيارات دينية: الهرمسية، والغنوصية، والمساريه. لعبت الغنوصية دورًا هامًا في الإيمان بإله واحد يضع المعرفة الباطنية في القلب النقي ليدرك الإنسان وجود الإله السماوي، وأن طريق الخلاص يمر عبر الوسيط السماوي، "المخلص"، الذي تصعد الروح معه إلى السماء لتتحد مع الله إلى الأبد. أثر التوحيد الغنوصي على اليهودية ليصبح "يهوه" الإله الواحد العظيم، وجعلوا السماء مقرًا أبديًا له.

في الختام، فإن التشابه في المفاهيم الدينية عبر حضارات الشرق الأدنى يعكس حقيقة أن التجربة الإنسانية هي سلسلة متشابكه من الافكار. للاسف انكر ارسطو وجماعته التواصل الفكري القوي بين الحضاره المصرية القديمة والحضاره الإغريقية، علي الرغم من ان عشرات من الفلاسفة الإغريق تلقوا تعليمهم في "جامعة أون" المصرية واستفادوا من مكتبة الإسكندرية التي كانت منارة للمعرفه في العالم القديم. اخطأ ايضا منظري "العصر المحوري“ في حصر الحضارات البشريه الهامه في فتره محدده تمتد من القرن الثامن إلى القرن الثالث قبل الميلاد. ها الاختيار العشوائي يتجاهل التسلسل الحقيقي للفكر الإنساني ودور اهم حضارتين في تاريخ البشريه: الحضاره السومريه والحضاره المصريه القديمة.

لقد حلت النظريات العلمية محل الأساطير والتأملات المجردة،منذ اكتشاف كوبرنيكوس في عام 1514، أن الأرض ليست مركز الكون، وأصبح الإنسان قادرًا على القياس والتنبؤ معتمدًا على علوم الفيزياء، والمعادلات الرياضية .

للاسف، انتشرت الحركات الدينية الأصولية في جميع أنحاء الشرق الأدنى خلال العقود الأخيرة، مما أعاق تقدم المعرفة، ويجب علينا مواجهة هذه الظاهرة المؤسفة وهزيمتها بالمعرفة العلمية الحديثة.

***

بقلم استاذ دكتور سامح مرقس

جدلية الموروث والعصرنة في تشكيل النص الإبداعي المعاصر

تتناول هذه الدراسة قضية الإبداع في عصر التكنولوجيا، من خلال تحليل العلاقة الجدلية بين استلهام الموروث الثقافي والتفاعل مع معطيات العصر الرقمي. تنطلق الدراسة من فرضية أن الإبداع المعاصر لم يعد مجرد إنتاج جمالي أو لغوي، بل أصبح فعلاً تواصليًا يتفاعل مع قارئ جديد تشكّل وعيه ضمن بيئة رقمية متسارعة. ومن ثمّ، فإن الكاتب المعاصر مطالب بإعادة صياغة أدواته الفنية والفكرية بما ينسجم مع متطلبات هذا القارئ العصري، دون التفريط في أصالة الموروث أو عمق الهوية الثقافية.

الكلمات المفتاحية: الإبداع، التكنولوجيا، الموروث، العصرنة، القارئ الجديد، الأدب الرقمي.

المقدمة

يشهد العالم المعاصر تحولات جذرية بفعل الثورة التكنولوجية التي غيّرت أنماط التفكير والإنتاج والتلقي في مختلف المجالات، ولا سيما في ميدان الإبداع الأدبي والفني. فقد أصبح الإبداع في زمن الرقمنة ظاهرة مركّبة تتقاطع فيها الفنون والمعارف والتقنيات، مما يفرض على الباحثين والمبدعين إعادة النظر في المفاهيم التقليدية التي حكمت العملية الإبداعية لعقود طويلة.

تنبع أهمية هذه الدراسة من كونها تسعى إلى استكشاف جدلية العلاقة بين الموروث الثقافي والعصرنة في تشكيل النص الإبداعي المعاصر، في ظل التحولات الرقمية التي أعادت تعريف مفاهيم النص، والكاتب، والقارئ. كما تهدف إلى إبراز كيف يمكن للمبدع العربي أن يوازن بين الأصالة والانفتاح، بين الجذور الثقافية والآفاق التقنية، ليصوغ نصًا قادرًا على التفاعل مع روح العصر دون أن يفقد هويته.

وتنطلق الدراسة من إشكالية محورية مفادها: كيف يمكن للإبداع أن يحافظ على عمقه التراثي وهويته الثقافية في ظل هيمنة التكنولوجيا الرقمية؟ وما السبل التي تمكّن المبدع من توظيف أدوات العصر لخدمة القيم الجمالية والفكرية الأصيلة؟

وللإجابة عن هذه الإشكالية، تعتمد الدراسة منهجًا تحليليًا نقديًا يقوم على تتبع مظاهر التحول في مفهوم الإبداع، وتحليل أثر التكنولوجيا في بنية النصوص المعاصرة، مع استحضار دور الموروث الثقافي في إثراء هذا التحول.

أولاً: مفهوم الإبداع في ضوء التحولات التكنولوجية

الإبداع، في جوهره، فعل إنساني يتجاوز المألوف نحو اكتشاف الجديد والمغاير. غير أن هذا المفهوم شهد تحولات عميقة مع الثورة الرقمية. فقد أصبح الإبداع اليوم مرتبطًا بقدرة المبدع على توظيف الوسائط المتعددة، والتفاعل مع فضاءات رقمية مفتوحة، تتجاوز حدود الورق واللغة التقليدية.

يشير عبد الله الغذامي (2005) إلى أن "التحول الرقمي في الثقافة العربية لم يعد خيارًا، بل أصبح شرطًا من شروط الوجود الثقافي ذاته"¹. وهذا يعني أن الإبداع لم يعد يُقاس فقط بجماليات النص، بل بمدى قدرته على التفاعل مع بيئة رقمية متغيرة، تستوعب الصورة والصوت والحركة إلى جانب الكلمة.

ثانياً: الموروث الثقافي كمنطلق للإبداع المعاصر

يُعد الموروث الثقافي خزانًا رمزيًا يغذي الإبداع ويمنحه عمقه التاريخي والإنساني. غير أن استلهام الموروث في عصر التكنولوجيا لا يعني استنساخه، بل إعادة قراءته وتأويله بما يتناسب مع روح العصر.

يرى محمد عابد الجابري (1991) أن "التراث ليس كتلة جامدة، بل هو طاقة فكرية قابلة للتجدد عبر القراءة النقدية"². ومن هذا المنطلق، فإن المبدع المعاصر مدعو إلى إعادة إنتاج الموروث في ضوء أدوات العصر، ليصبح التراث مادة حية تتفاعل مع الحاضر، لا عبئًا يثقل النص.

إن الموروث، حين يُعاد توظيفه بوعي نقدي، يتحول إلى عنصر إبداعي فاعل يسهم في بناء هوية النص المعاصر، ويمنحه بعدًا إنسانيًا يتجاوز حدود الزمان والمكان.

ثالثاً: القارئ الجديد وإشكالية التلقي في العصر الرقمي

أفرزت التكنولوجيا قارئًا جديدًا يختلف جذريًا عن قارئ الأمس. إنه قارئ متصل بالشبكة، سريع التفاعل، متعدد الوسائط، يستهلك النصوص عبر الشاشات لا عبر الصفحات.

تؤكد دراسات علم الاتصال أن "القارئ الرقمي يميل إلى النصوص القصيرة، المتفاعلة، والمفتوحة على الصورة والصوت"³. وهذا يفرض على الكاتب إعادة النظر في بنية نصه، ولغته، وإيقاعه، ليواكب هذا التحول في الذائقة.

فالنص الإبداعي المعاصر لم يعد مجرد خطاب لغوي، بل أصبح فضاءً تفاعليًا يدمج بين الكلمة والصورة والصوت، ويتيح للقارئ المشاركة في إنتاج المعنى، مما يجعل عملية التلقي جزءًا من الفعل الإبداعي ذاته.

رابعاً: النص الإبداعي بين التجديد والتشويق

إن التجديد في النص الإبداعي لا يعني القطيعة مع الماضي، بل يعني إعادة صياغة العلاقة بين الشكل والمضمون بما يحقق التشويق والتفاعل. فالقارئ العصري يبحث عن نصوص تثير خياله وتستجيب لسرعة إيقاع حياته.

يشير رولان بارت (1970) إلى أن "النص الحديث هو نص مفتوح، يولد معناه من تفاعل القارئ معه"⁴. ومن هنا، يصبح التشويق عنصرًا بنيويًا في النص، لا مجرد وسيلة لجذب الانتباه، بل أداة لإشراك القارئ في عملية الإبداع ذاتها.

إن النص الإبداعي المعاصر، في ضوء هذا الفهم، يتحول إلى تجربة جمالية تفاعلية، تتجاوز حدود القراءة التقليدية نحو فضاء من المشاركة والتأويل المستمر.

خامساً: نحو رؤية تكاملية للإبداع في عصر التكنولوجيا

إن الإبداع في زمن التكنولوجيا يتطلب رؤية تكاملية تجمع بين الأصالة والمعاصرة، بين الموروث والحداثة، بين الجمالية والتفاعلية. فالمبدع المعاصر مطالب بأن يكون واعيًا بتراثه الثقافي، ومتمكنًا من أدوات العصر الرقمية، ليصوغ نصًا قادرًا على مخاطبة القارئ الجديد دون أن يفقد هويته.

إن هذا التوازن هو ما يضمن للنص الإبداعي أن يظل متجددًا ومشوقًا، وأن يحقق رسالته الجمالية والفكرية في عالم سريع التحول. فالإبداع الحقيقي هو الذي ينجح في تحويل التكنولوجيا من أداة إلى لغة، ومن وسيلة إلى فضاء للتعبير الإنساني العميق.

الخاتمة

يُظهر تحليل الإبداع في عصر التكنولوجيا أن التحدي الأكبر أمام المبدع المعاصر يتمثل في قدرته على الجمع بين استلهام الموروث والتفاعل مع معطيات العصر الرقمي. فالقارئ الجديد، الذي أفرزته التكنولوجيا، يفرض على الكاتب أن يعيد النظر في أدواته وأساليبه، ليقدم نصًا متجددًا، مشوقًا، ومؤثرًا. ومن ثمّ، فإن مستقبل الإبداع العربي مرهون بمدى قدرة المبدعين على تحقيق هذا التوازن الخلاق بين الأصالة والتجديد، بين الجذور والآفاق، في زمن تتسارع فيه التحولات وتتشابك فيه الهويات.

النتائج العلمية

1. يتضح أن الإبداع في عصر التكنولوجيا لم يعد نتاجًا فرديًا خالصًا، بل أصبح عملية تفاعلية تتقاطع فيها الذات المبدعة مع الوسائط الرقمية، مما أفرز أنماطًا جديدة من التعبير الفني والأدبي.

2. أثبتت الدراسة أن الموروث الثقافي لا يتعارض مع العصرنة، بل يشكل رافدًا أساسيًا لإثراء النص الإبداعي المعاصر، إذ يمنحه عمقًا دلاليًا وهوياتيًا في مواجهة العولمة الثقافية.

3. أظهرت النتائج أن التكنولوجيا أسهمت في إعادة تشكيل مفهوم النص ذاته، من خلال توسيع فضاء التلقي والتفاعل، وتحويل النص من بنية مغلقة إلى فضاء مفتوح متعدد الوسائط.

4. تبين أن المبدع المعاصر بات مطالبًا بامتلاك كفايات رقمية وثقافية جديدة تمكّنه من توظيف الأدوات التقنية دون التفريط في الأصالة الجمالية والفكرية.

5. كشفت الدراسة عن بروز تيارات إبداعية هجينة تمزج بين التراث والحداثة الرقمية، مما يعكس تحولات عميقة في الذائقة الجمالية وفي آليات إنتاج المعنى.

6. أكدت النتائج أن التفاعل بين الموروث والعصرنة ليس مجرد جدلية فكرية، بل هو مسار ديناميكي يعيد تعريف الهوية الثقافية في ضوء التحولات التكنولوجية المتسارعة.

التوصيات

1. ضرورة إدماج الدراسات الرقمية في مناهج النقد الأدبي والإبداعي لتأهيل الباحثين والمبدعين لفهم التحولات النصية في البيئة الرقمية.

2. تشجيع المبدعين على استلهام الموروث المحلي والعربي في إنتاج نصوص رقمية معاصرة تحافظ على الخصوصية الثقافية وتواكب روح العصر.

3. دعم المشاريع البحثية التي تدرس العلاقة بين التكنولوجيا والإبداع من منظور ثقافي وفلسفي، وليس فقط من زاوية تقنية.

4. إنشاء منصات رقمية عربية متخصصة في عرض وتحليل النصوص الإبداعية الرقمية، بما يسهم في توثيق التجارب الجديدة وتبادل الخبرات.

5. تعزيز التعاون بين الباحثين في مجالات الأدب، والفنون، والتقنية، لتطوير مقاربات متعددة التخصصات تواكب التحولات الإبداعية الراهنة.

6. توجيه المؤسسات الثقافية إلى تبني برامج تدريبية للمبدعين الشباب حول الكتابة الرقمية وأساليب توظيف الوسائط المتعددة في الإبداع.

مقترحات لتوجيه الدراسات المستقبلية

1. دراسة أثر الذكاء الاصطناعي في تشكيل النصوص الإبداعية ومستقبل العلاقة بين الإنسان والآلة في عملية الإبداع.

2. تحليل التفاعل بين القارئ الرقمي والنص التفاعلي، واستكشاف التحولات في مفهوم التلقي الجمالي في البيئة الافتراضية.

3. بحث دور اللغة العربية في الفضاء الرقمي الإبداعي، وكيفية تطوير أدوات رقمية تدعم حضورها في النصوص التكنولوجية.

4. دراسة مقارنة بين الإبداع العربي والإبداع العالمي في توظيف الموروث ضمن النصوص الرقمية المعاصرة.

5. استقصاء التحولات في البنية السردية والشعرية للنصوص الرقمية، ومدى تأثرها بالوسائط البصرية والصوتية.

6. تحليل الأبعاد الأخلاقية والجمالية لاستخدام التكنولوجيا في الإبداع، خاصة في ظل تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي والتطبيقات الحديثة.

***

د. خليل حمد الأزهري - مدير مكتب البحث العلمي للاستشارات والنشر والترجمة بالكاميرون -عضو رابطة الأدب الحديث بالقاهرة

.....................

الهوامش

1- عبد الله الغذامي، الثقافة الرقمية وسقوط النخبة، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، 2005.

2- محمد عابد الجابري، التراث والحداثة، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1991.

3- دراسات في علم الاتصال الرقمي، جامعة القاهرة، 2018.

4- رولان بارت، لذة النص، ترجمة محمد برادة، دار توبقال، الدار البيضاء، 1986.

حين نتأمل الذكاء الاصطناعي، لا نرى فقط تقدّمًا تقنيًّا مذهلًا، بل نواجه أنفسنا في أكثر صورها تعقيدًا: الإنسان وقد صار مرآةً تصنع مرايا.

لقد أراد الإنسان أن يخلق عقلًا شبيهًا بعقله، فإذا به يوقظ السؤال القديم الذي أرّق أفلاطون وأرسطو وابن سينا: ما الذي يجعلنا نفكر؟ أهو الدماغ بما هو عضو مادّي؟ أم الوعي بما هو أثر في الروح؟

إن كل محاولة لفهم الذكاء الاصطناعي ليست سوى تجسيد جديد لدهشة الفلسفة. تلك التي تضعنا أمام حدود المعرفة.

لقد ظنّ الإنسان أنه سيصنع آلة تفكر، لكنه لم ينتبه إلى أنه في اللحظة ذاتها يصنع مرآة وجودية تعكس هشاشته وخوفه من أن يُستبدل، فكما قال هيدغر: "جوهر التقنية ليس تقنيًا". إنها ليست أدوات نستخدمها فحسب، بل طرائق تفكير تعيد تشكيل علاقتنا بالعالم.

وإذا كان العلم قد حرّر الإنسان من كثير من الأوهام، فإن الذكاء الاصطناعي يعيده إلى أقدم أوهامه، الرغبة في الخلق. إننا نعيد تمثيل لحظة التكوين نفسها، ولكن هذه المرة لا بوصفنا مخلوقين، بل بوصفنا صُنّاعًا. وهنا يتجدد السؤال الميتافيزيقي: هل يحقّ لنا أن نصنع "وعياً آخر"؟، أم أن الوعي يظل سرًّا لا يُعاد إنتاجه إلا بوصفه أثرًا في النفس، لا كودًا في الخوارزمية؟.

إن التفكير في الذكاء الاصطناعي ليس شأناً علميًا فقط، بل هو تحدٍّ فلسفي ومعرفي. فالآلة قادرة على التعلّم، لكنها لا تعرف لماذا تتعلّم. وهي تمتلك منطقًا حسابيًا، لكنها تفتقد الوعي بالمعنى، ذلك الوعي الذي يجعل الإنسان يسأل لا فقط "كيف؟" بل "لأي غاية؟"، وهنا تتجلّى المفارق، إذ كلما ازداد الذكاء الاصطناعي إتقانًا، ازددنا نحن حيرة أمام ماهية الإنسان. هل نُعرّف أنفسنا بالعقل أم بالروح؟ بالقدرة على التفكير أم بالقدرة على التأمل؟.

لقد كتب ميرلوبونتي أن "الوعي ليس مرآة تعكس العالم، بل هو حضورٌ في العالم". أما الوعي الاصطناعي فليس له عالم، بل بيئة، ليس له تجربة وجودية، بل وظيفة. إنه يحاكي الوعي دون أن يعيش العالم، بينما الإنسان يعيش العالم ليكتشف ذاته. ولعل هذا ما يجعل "المعنى" مستعصياً على البرمجة. فالمعنى ليس نتيجة منطقية بل تجربة روحية، تتكوّن من الذاكرة والحنين والرمز، ومن قلق الإنسان أمام موته وخلوده في الوقت ذاته.

إن الآلة لا تموت، ولذلك لا تحيا بالمعنى الإنساني للحياة. فليس المقصود من نقد الذكاء الاصطناعي هو رفضه، بل تحريره من مركزية الأداة، وإعادته إلى أفق الوجود الإنساني. إنه ليس خطرًا في ذاته، بل خطر حين يغدو نموذجًا للفكر.

وحين يصبح الإنسان نفسه "ذكاءً اصطناعيًا" في سلوكه، حسابيًا في قراراته، آليًا في انفعالاته. يذكّرنا الجابري بأن "العقل لا يكون عقلًا إلا متى كان نقديًا"، بينما يحذّرنا بودريار من أن “الواقع سيذوب في محاكاته". هنا يكمن التحدي، كيف نعيش داخل الثورة التقنية دون أن نفقد حرارة المعنى؟. وكيف نُعيد إلى الوعي قدرته على التساؤل، لا الاكتفاء بالتنفيذ؟

ربما يكمن الحلّ فيما يسميه ابن عربي "الخيال الخلّاق"، ذلك البعد الوسيط بين الحسّ والعقل، بين العالم المرئي والعالم الغيبي. الذكاء الاصطناعي سيظل أداة إن لم نتعلّم كيف نحوله إلى رافعة للوعي الإنساني، لا بديلاً عنه.

علينا أن نجعل من التقنية أفقًا للإنسانية لا نهاية لها. فالرهان اليوم ليس على التفوق العلمي، بل على القدرة على أنسنة المعرفة، وجعلها امتدادًا للروح، لا سجنًا لها. وما لم نعد اكتشاف المعنى في داخلنا، فإن كل ذكاء خارجي سيظل ناقصًا، لأنّ الإنسان وحده هو القادر على أن يسأل عمّا لا جواب له، وهو ما يجعل منه، في النهاية، الكائن الوحيد القادر على أن يتجاوز نفسه.

ربما يكون الذكاء الاصطناعي فرصة لا لإعادة اختراع الإنسان، بل لاكتشاف مدى إنسانيته. فحين نتساءل عن حدود الآلة، فإننا في الحقيقة نتساءل عن حدود وعينا. وعندما نحلم بخلق "عقلٍ آخر"، فإننا نحاول أن نرى في هذا الآخر صورتنا الممكنة، صورة الإنسان وهو يسير بين المادة والروح، بين المعقول والغيب، بين العلم والإيمان. ذلك هو أفقنا المفتوح: أن نواصل التساؤل، لأن السؤال نفسه هو آخر ما تبقّى من الإنسان في عصر ما بعد الإنسان.

***

د. مصطفى غَلمَان

صادفت هذا الأسبوع مقالين: أحدهما «الهوية الإسلامية والمؤامرة عليها» للدكتور ناصر دسوقي رمضان، وقد نشر في 2009. أما الآخر فهو «الحق في الكرامة والهوية المغلقة» للدكتور عبد الجبار الرفاعي، ونشر الأسبوع الماضي.

كلا المقالين يعالج مسألة مثيرة للجدل، تنطوي في سؤال: هل يمثل الدين هوية خاصة لأتباعه، تنفي الهويات الأخرى أو تزاحمها، أم أنه، على العكس: هوية مفتوحة، تتفاعل مع غيرها، أو على الأقل تقبل مجاورتها والتداخل معها؟

القائلون بأن الدين هوية متفردة، يعتبرون السؤال ذاته دينياً. أي أن الهوية، من حيث المبدأ، موضوع ديني، وينبغي أن يأتي تكييفه من داخل الدين. بناءً على هذا؛ فإن الدين يضع نفسه وأتباعه في دائرة خاصة، تفصلها حدود واضحة عن بقية الانتماءات، بما فيها الانتماء العائلي والقبلي والمهني والسياسي والقانوني وغيره. هذه الحدود ليست مجرد اختلاف في الأفكار، بل مخالفة في النظام الاجتماعي والتراتب وحتى نمط العيش.

أما التصور الآخر فيقود منطقياً إلى الاستنتاج، بأن الدين - في ذاته - أداة تواصل أو موضوع تواصل بين المختلفين. وفقاً لهذه الرؤية، فإن الانتماء للدين، يعني أن تصعد الجسر الذي يوصلك إلى بقية الخلق، بشراً ونباتاً وحيواناً وجماداً، من خلال استيعاب النظام الكوني الذي خلقه الله وسخَّره للإنسان، والقيم العليا التي يقبلها بنو آدم كافة، بغض النظر عن أديانهم وأعراقهم أو بلدانهم.

يركز الفريق الأول على «تمايز» المسلمين عن غيرهم. وهو يصرف هذا التمايز إلى مختلف أطراف الحياة. لكنه - في التطبيق - يقصر اهتمامه على التمايز المظهري، كما في اللباس واللغة والهيئة وأمثالها. وبناء على التمايز، فإنه يرجح الانقطاع أو حتى المنازعة، كمضمون للعلاقة مع المختلفين، لا سيما أتباع الأديان التي تبدو منافسة. وفي الوقت الراهن يمثل الصراع مع الغرب الثقافي والحضاري، مادة أثيرة للنقاش والتعبئة عند أهل هذه الرؤية، لكنه – للسبب المذكور نفسه – صراع يدور حول الجوانب المظهرية، وليس – على سبيل المثال – الاقتصاد والعلم والابتكار وحقوق الإنسان وأمثالها. كما ينظر للغرب باعتباره مسيحياً أو يهودياً، أي ديناً منافساً، وليس باعتباره حضارة مختلفة، يمكن التفاعل معها أو الاستفادة من تجربتها.

في المقابل، يدعو الرفاعي لهوية منفتحة، تسمح بمشاركة الآخرين، بمن فيهم أتباع الأديان الأخرى ومن لا يتبع ديناً على الإطلاق. ويرى أن النموذج الذي يعرضه القائلون بتفرد الهوية الدينية، قد أسهم في تحويل الدين آيديولوجيا مغلقة، أشبه بقلعة، يتعارف الناس في داخلها، وينكرون المختلفين الذين في خارجها.

تقديم الدين كهوية منفتحة، وقادرة على التفاعل مع الهويات والأديان والآيديولوجيات المخالفة، يعني أن الجوانب المظهرية والشكلية، أي تلك العناصر الحياتية التي تميز المسلمين عن غيرهم، ليست جزءاً من جوهر الدين، بل هي وعاء لحياة أتباعه، يرتبط بظرفهم المعيشي فحسب.

هذا المفهوم مقبول من حيث المبدأ، في الماضي والحاضر، ونعرفه باسم تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد، وقابلية الأحكام الشرعية للتشكل حسب ضرورات الظرف الخاص للمكلفين. لكن هذه القاعدة، أي تأثير الزمان والمكان، لم تتحول قاعدة حاكمة، بل بقيت هامشية في معظم العمل الفقهي المعاصر. وتظهر هامشيتها في جعل نصوص الكتاب والسنّة، متراساً لمنع التصرف في الأحكام التي لم تعد مناسبة لحاجات المسلمين وضرورات حياتهم المعاصرة. فكلما احتاج المسلمون إلى حكم جديد، بحثوا في منطوق النص وليس في حكم العقل كما يفترض.

أعتقد أن القول بالهوية المنفتحة، يسنده أصل سابق للدين، وهو اعتبار التعرف والتعارف وكسب المعرفة، علّة لخلق الناس مختلفين، كما ورد في التنزيل الحكيم «وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا». فهل يمكن للدين أن يلغي علة من علل الخلق والتكوين الرباني؟.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

في المثقف اليوم