قضايا

حِينَ تَعجِز اللغةُ المُباشِرة عن اختراقِ جُدرانِ العاداتِ المُتَصَلِّبة، وَحِينَ يُصْبحُ الوَعْظُ ثقيلًا على الأُذُنِ والعقلِ، تُولَد السُّخْرِيَةُ بِوَصْفِها فَنًّا للقَوْلِ غَيْرِ المُباشِر، وَلِسَانًا يُضْحِكُ لِيُبْكي، وَيُخْفِي الجُرْحَ في ابتسامةٍ. لَيْسَت السُّخريةُ تَرَفًا بَلاغِيًّا، بَلْ هِيَ مَوْقِفٌ فِكريٌّ وأخلاقيٌّ، وَسِلاحٌ حضاريٌّ استخدمه الكُتَّابُ حِينَ ضاقتْ بِهِم سُبُلُ الإصلاحِ الصَّريحِ. وفي تاريخِ الأدبِ يَقِفُ الجَاحِظ (160 ه/ 776 م - 255 ه/ 869 م) وفولتير -اسْمُه الحقيقي فرانسوا ماري أرويه- (1694 م - 1778 م) عَلى ضَفَّتَيْن مُتباعدتَيْن زَمانًا ومَكانًا، لكَّنهما يَلْتقيان في جَوْهَرٍ واحدٍ: السُّخْرية الاجتماعية باعتبارها مِرْآةً للمُجتمعِ، وحاضنةً للعقلِ، وَصَرْخَةً ضِدَّ التَّكَلُّسِ والظُّلْمِ.

السُّخريةُ لَيْسَتْ مُجرَّد ضَحِكٍ على الآخَر، بَلْ هِيَ تَفكيكٌ للواقعِ عَبْرَ المُفارَقة. تَقُومُ على قلبِ المُتَوَقَّعِ، وإظهارِ التناقضِ بَيْنَ مَا يُقَالُ وَمَا يُفْعَلُ، وَبَيْنَ الشِّعاراتِ والمُمارَساتِ.

في بُعْدِها الاجتماعيِّ، تَتَّخِذُ السُّخْريةُ وَظيفةً مُزْدَوَجَة: نَقْد البُنى السائدة مِنْ جِهَةٍ، وَحِماية الكاتبِ مِنْ بَطْشِ السُّلْطةِ أو المُجتمعِ مِنْ جِهَّةٍ أُخْرَى. إنَّها خِطابٌ يَمُرُّ مِنْ تَحْتِ الرَّقابة، وَيَصِلُ إلى العُقُولِ بِضِحْكَةٍ، ثُمَّ يَستقرُّ في الضَّميرِ بِوَخْزَةٍ.

الجَاحِظُ ابْنُ البَصْرَةِ العَبَّاسِيَّةِ، عاشَ في عَصْرِ ازدهارٍ فِكريٍّ وَصِراعٍ مَذهبيٍّ واجتماعيٍّ حاد. كانت الأسواقُ تَضِجُّ بالجَدَلِ، والقُصورُ تَعِجُّ بالسُّلْطةِ، والمَساجدُ تَمُوجُ بالخِلافِ. في هَذا المَنَاخِ كَتَبَ الجَاحِظُ ساخرًا بصيرًا لا خَطيبًا واعظًا، يُراقِب المُجتمعَ مِنْ دَاخِلِه، ويَضْحَك مِنْ تناقضاته بذكاءٍ لُغَوِيٍّ لاذعٍ. سُخْريته لَيْسَتْ صاخبةً، بَلْ تَتسلَّل عَبْرَ الحِكايةِ والطُّرْفةِ والمِثَالِ. حِينَ يَكتبُ عَن البُخَلاءِ، لا يَكْتفي بِوَصْفِ البُخْلِ صِفَةً فردية، بَلْ يُحوِّله إلى ظاهرةٍ اجتماعية تَكشِف عَلاقةَ الإنسانِ بالمال، والخَوْفَ مِنَ الفَقْرِ، والتناقضَ بَيْنَ الادِّعَاءِ الدِّينيِّ والسُّلوكِ اليَوْمِيِّ.

لُغَةُ الجَاحِظِ أداةُ سُخْريةٍ بِحَدِّ ذَاتِها، فَهُوَ يُكدِّس الحُجَجَ، وَيُطِيلُ الاستطرادَ، ويُغْرِق النَّصَّ بالتفاصيلِ حتى يَنقلب الجِدُّ إلى هَزْلٍ، والهَزْلُ إلى نَقْدٍ قاسٍ. هَذا الإفراطُ المَقصودُ يَكشِف عَبَثَ بَعْضِ السُّلوكيَّات، وَيَجْعَل القارئَ شريكًا في اكتشافِ المُفَارَقَاتِ. إنَّه عَقْلُ مُعْتَزِلِيٍّ يُؤْمِنُ بالمَنْطِقِ، لكنَّه يُدرِك أنَّ المَنْطِقَ وَحْدَه لا يَكْفي، فَيَسْتعين بالضَّحِكِ لِيُقْنِع.

لا يَسْخَرُ الجَاحِظُ مِنَ الفُقَرَاءِ لِكَوْنِهِم فُقَرَاء، ولا مِنَ الضُّعَفَاءِ لِضَعْفِهِم، بَلْ مِنَ الادِّعَاءِ والرِّيَاءِ والجُمودِ. سُخْريته أخلاقية في جَوْهَرِها، لأنَّها تَنحازُ إلى العَقْلِ والعَدْلِ.

حِينَ يَسْخَرُ مِنَ المُتَعَصِّبِين، فَهُوَ يُدافِع عَنْ حُرِّيةِ التَّفكيرِ، وحِينَ يَتَهَكَّمُ على المُتَشَدِّدِين في فَهْمِ الدِّينِ، فَهُوَ يَدْعو إلى فَهْمٍ إنسانيٍّ رَحْب، إنَّها سُخْرية الإصلاحِ مِنَ الداخلِ، وَسُخْرية مَنْ يُؤْمِنُ بالمُجتمعِ ويُريدُ إنقاذَه مِنْ نَفْسِه، وَفْقَ رُؤيةِ الجَاحِظِ الشَّخْصيةِ وقَناعاتِه الفِكْرية.

عَلى الضَّفَّةِ الأُخْرَى، يَقِفُ فولتير في أُوروبا القَرْنِ الثامنِ عَشَر، زَمَن الكَنيسةِ المُتَسَلِّطَةِ والمُلوكِ المُطْلَقِين.عاشَ المَنْفَى والسِّجْنَ والمُطَارَدَةَ، فصاغَ سُخْريته بِمَرارةٍ شديدةٍ، وَحِدَّةٍ صَريحةٍ. وإذا كانَ الجَاحِظُ يَبتسمُ وَهُوَ يَكْتُب، فإنَّ فولتير يَضْحَكُ ضِحْكَةً تَحمِل الغضبَ واليأسَ مَعًا.

في أعمالِه السَّرْديةِ والفلسفيةِ، يَستخدمُ فولتير السُّخْريةَ لِتَعْريةِ التفاؤُلِ السَّاذَجِ، وَفَضْحِ الاستبدادِ الدِّينيِّ والسِّياسيِّ. يَبْني عَوالِم خَيَالِيَّةً، لكنَّها في الحقيقةِ نُسَخٌ مُكبَّرة مِنَ الواقعِ. المُفَارَقَةُ عِندَه حادَّة، شخصيات تُؤْمِنُ بأنَّ كُلَّ شَيْءٍ على مَا يُرام، بَيْنَما العَالَم مِنْ حَوْلِها يَنهارُ. بِهَذا التناقضِ يُحطِّم فولتير فِكْرَةَ تَبريرِ الشَّرِّ بِاسْمِ الحِكمةِ الإلهيَّةِ أو النِّظَامِ الكَوْنيِّ.

سُخْريةُ فولتير لَيْسَتْ مُجرَّد تِقْنيةٍ أدبية، بَلْ هِيَ مَشروعٌ تَنْويريٌّ. يَسْخَرُ لِيَهْدِمَ، ثُمَّ يَتْرُك القارئَ أمامَ مَسؤوليةِ البِناءِ. يُهاجِم التَّعَصُّبَ والزَّيْفَ، ويُسْقِط الأقنعةَ عَنْ رِجالِ الدِّينِ الزائفين والحُكَّامِ المُسَتَبِدِّين. لُغَتُهُ واضحة، وَجُمَلُهُ قصيرة، وَطَعَنَاتُهُ مُباشِرة، لا يُراوِغ كثيرًا، لأنَّ زَمَنَه كانَ يَتطلَّب الصَّدْمَةَ.

ومعَ ذلك، فإنَّ فولتير لا يَدَّعي الطَّهارةَ المُطْلَقَةَ للإنسانِ. إنَّه يُدرِك هَشَاشَتَه، وَيَسْخَر مِنْها أيضًا، لكنَّه يَرى في العقلِ والعِلْمِ والأخلاقِ أُفُقًا للخَلاصِ، وَلَوْ كانَ هذا الأُفُقُ مَحْفُوفًا بالتَّشَاؤُمِ.

على الرَّغْمِ مِن اختلافِ السِّيَاقَيْن، يَلْتقي الجَاحِظُ وفولتير في إيمانٍ عَميقٍ بِقُدْرَةِ العقلِ، وفي شَكٍّ دائمٍ بالسُّلْطَاتِ المُطْلَقَةِ. كِلاهُما يَستخدمُ السُّخْريةَ لكشفِ النِّفَاقِ الاجتماعيِّ، ويَجْعَل القارئَ يَضْحَك ثُمَّ يُفَكِّر. الفَرْقَ هُوَ أنَّ الجَاحِظَ يَتحرَّك دَاخِلَ نَسيجٍ ثقافيٍّ يَسْمَحُ بالمُرَاوَغَةِ والالتفافِ، بَيْنَما يَكتبُ فولتير في مُوَاجَهَةٍ مُباشِرة معَ مُؤسَّساتٍ قَمْعِيَّة، فَيَكُون صَوْتُهُ أعلى، وَحِدَّتُهُ أشد. والجَاحِظُ أقربُ إلى المُعَالِجِ الذي يَصِفُ الدَّاءَ، ويَبتسِم لِيُطَمْئِنَ المَريضَ، وفولتير أقربُ إلى الجَرَّاحِ الذي يَشُقُّ الجُرْحَ بِلا مُخَدِّرٍ، لكنَّ الهدفَ واحدٌ، إنقاذ الإنسانِ مِنْ جَهْلِه، وتَحْريره مِنْ خَوْفِه.

تَكْشِفُ المُقَارَنةُ بَيْنَهما أنَّ السُّخْرية لَيْسَتْ حِكْرًا على ثقافةٍ بِعَيْنِها، بَلْ هِيَ لُغَةٌ كَوْنِيَّة. تَختلفُ الأقنعةُ، لكنَّ الجَوْهَرَ ثابتٌ. في التُّراثِ العَرَبيِّ، السُّخْريةُ كانتْ وَسيلةً للبَقَاءِ والتَّوَازُنِ، تُدَارِي الألَمَ، وتُحافِظ على كَرامةِ الإنسانِ في وَجْهِ القَهْرِ. وفي التُّراثِ الأُوروبيِّ الحَديثِ، السُّخْريةُ صَوْتُ العَقْلِ المُتَمَرِّدِ، وأداةٌ للثَّورةِ، وإعادةُ صِياغةٍ للوَعْيِ الجَمْعِيِّ.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

هناك انطباع واسع بان "التطور" evolution" و"التقدم" progress مفهومان مترادفان، وهما يُستعملان كل يوم بشكل متبادل. معظم الناس يعتبرون التطور - بالمعنى الداروني - شكل من التقدم او التحسّن، نحن في الغالب نسمع حديثا بان نوعنا البشري يتطور الى أعلى حالة من الوجود او الى وعي أكثر تقدما. لكن التقدم والتطور ليسا نفس الشيء، ويصفان أشكالا مختلفة جدا من التغيير.

ان تمييز مختلف أنواع التغيير له علاقة مباشرة بفهمنا لمعنى الانسان العاقل Homo sapiens، كعضو في ثقافة وأيضا كحيوان – نتاج لعملية تطورية خلقت وحددت جميع الأنواع بما فيها نحن. لذا فان الخلط بين "التقدم" و "التطور" يهم اكثر من مجرد خطأ لغوي.

ان التطور يتألف من:

1-  تغيير في الـ DNA للكائن الحي

2-  يتبعه تغيير في الجسم او السلوك

3-  اختبار صارم لذلك الجسم او السلوك من خلال التفاعل بين الكائن وبيئته. اذا كان هذا التغيير يفيد الكائن من حيث قدرة انجابية افضل – في لياقته – فان التغيير ينتشر الى الجيل اللاحق.

اما التقدم يتألف من:

1-  هدف او مبدأ أمثل – محو الامية او عدالة على سبيل المثال.

2-  فجوة بين هذا المبدأ والوضع الواقعي للعالم

3-  عملية حركة واسعة – فرديا وجماعيا او حتى الأنواع  نحو ذلك الهدف او المثال.

4-  نحن نستطيع ان نرى هذه ليست نفس أفكار التطور. التطور هو لا هادف ولا قصدي: انه ليس له مثال او هدف او نقطة نهاية. بالنسبة للتغير التطوري، لا توجد فيه اهداف مستقلة. اما التقدم فهو موجّه نحو هدف، يهدف لغايات موضوعية مستقلة. انه دائما يتعلق بأهداف حتى لو كانت مجردة وبعيدة او لا يمكن تحقيقها، مثل العدالة او الجمال او الخير. الأهداف العليا هي أيضا في الغالب منفصلة عن السياق: العدالة هي عدالة بصرف النظر عن البيئة. أيضا، التقدم هو ثقافي بينما التطور بايولوجي. لكن المبادئ الأساسية للبايولوجي والثقافة ليستا نفس الشيء.

التقدم يمكن ان يكون نقيض ذلك. الناس يمكنهم البقاء ثابتين ثقافيا او حتى في تراجع. لكن التغير التطوري ليس اتجاهي بهذا المعنى، ولن يذهب "متراجعا". ان مفهوم "التراجع التطوري" لا ينطبق على البايولوجي. تطور فصيلة الحيتان يوضح هذه النقطة جيدا. تشترك الحيتان والدلافين في سلف مشترك من الثدييات البرية مع سلالتنا من الثدييات. لكن سلالتنا بالنهاية انفصلت قبل 40 مليون سنة – سلالتنا ذهبت الى الغابات وفوق الأشجار، اما سلالتهم تراجعت الى الزعانف مرة أخرى. هذا تطور في السلوك. لكن أي جزء هو "تقدم"؟ هل الخروج من الماء؟ ام الرجوع الى الماء؟ عودة الزعانف الى أقدام ام عودة الأقدام الى زعانف؟ الجواب هو "لا شيء من هذا". كل من الذهاب والمجيء هو تطور، ليس فقط الأجزاء التي نعتبرها "تحسنا" او، "تقدم".

التطور لا يذهب "الى الامام" ولا "يتراجع الى الخلف" طالما لا وجود لهدف فلا وجود لإتجاهية.

التكيف ليس تقدما على المدى الطويل

خارج الحلقات العلمية، لايزال التطور يُعتبر على نطاق واسع ظاهرة تقدمية، شكل من "تحسين طبيعي". لكن الاختيار الطبيعي ليس كذلك. التطور يميل فعلا نحو إضافة: الطبيعة تميل للإضافة، لذا يتم تعديل البايولوجيا السابقة للقيام بأدوار جديدة. وهكذا، تميل الحياة بمرور الزمن نحو تعقيدية اكبر . لكن "التعقيدية" و "التقدم" ليسا مترادفين. في الحقيقة، هما عادة يفترقان كثيرا. اذا كان التطور عملية إتقان، سوف ننظر حولنا اليوم ونرى أفضل نماذج الطيران، البصر، السباحة، السمع، وغيرها. لكن لو نظرنا الى مجموعة تامة ومتنوعة من الحياة في وقتنا الحالي: الكائنات ذات الخلية الواحدة الأساسية تستمر بالازدهار، بل و "تهيمن" على الحياة في الأرض لبلايين السنين بعد بدء الحياة كأحياء ذات خلية أساسية واحدة. هذه الحياة البسيطة تشكل عناصر لاغنى عنها ضمن اجسامنا الحيوانية المعقدة. كذلك الأنواع المعقدة مثل السلاحف، سمك القرش، البعوض، اليعسوب .. أيضا تستمر بالازدهار كما فعلت قبل مئات ملايين السنين. أخيرا، لكل نموذج "مثالي" ideal، لنقل، الطيران - لكل نسر بعينين هناك سمكة الكهف العمياء او خلد يزدهر في الظلام.

التطور ليس تقدما. التغيرات التي يولّدها هي نسبية تماما للسياق: "احسن" او "أسوأ" كهدف قائم بذاته او مُثل لا تطبق. بالنسبة للتطور بشكل عام، السمات ربما فقط تختلف، او احسن او أسوأ في بيئات محددة جدا، ولكن ليست متأصلة، أي، انها احسن او أسوأ منفصلة عن السياق.  الاخطبوط سوف لن يستفيد من الاجنحة ذات الريش، ولا طائر القطرس يستفيد من مخالب ذكية. ان مفهوم التقدم لا يتطابق مع واقع التغير التطوري.

رؤى تطورية

لماذا نسقط خطأ التحسن الشامل على العملية البايولوجية؟ وعندما نفكر "بالتقدم"، لماذا نشير أحيانا له كـ "تطور"؟. عبر عدة قرون، أولئك الذين تحت تأثير الأفكار المسيحية جرى تعليمهم الايمان اننا صُنعنا منفصلين وأيضا متفوقين عن بقية المملكة الحيوانية. يُعتقد ان المسيحية استخدمت ما موجود سلفا من ميول لاعقلانية، أي، على غريزة فطرية بايولوجية في تفوق الانسان على اشكال الحياة الأخرى. هذه الغريزة مكنتنا من الاعتقاد اننا الهدف من الوجود، مع بقية الطبيعة فقط المسرح او طاقم الممثلين المساعدين. لكن في عام 1859 غيّر تشارلس دارون كل شيء عندما نشر كتابه أصل الأنواع، مفتتحا ثورة التطور. انه كان تطور بطيء جدا. الاعتراف بالداعيات الثقافية والأخلاقية لنظرية التطور كان باردا وبطيئا جدا. هذا لأن أعمال دارون جاءت ضمن ثقافة أسيرة المركزية البشرية المسيحية، ونحن احتفظنا الى حد كبير بعقيدتها الاستثنائية في اننا الهدف من كل الوجود. نحن نتصور أنفسنا الهدف من التطور، النتيجة النهائية لعملية الطبيعة الخلاقة، وان سماتنا المتميزة هي أحس السمات. وكما كتب ستيفن جاي جولد، Stephen Jay Gould الباحث وعالم الاحياء التطوري "لقد تمكّنا من الحفاظ على تفسير لأهمية الانسان لا يختلف في كثير من الجوانب الحاسمة عن المكانة الرفيعة التي كنا نحتلها باعتبارنا نتاجا مفترضا للخلق المباشر على صورة الله . (ديناصور في كومة قش: تأملات في التاريخ الطبيعي،1996).

في ظل التأثير المستمر للمركزية البشرية، نحن نستمر في إساءة تفسير التطور كعملية تحسّن تقدمية، قصدية جدا، وذات هدف واضح، وهو خلقنا. في فهمنا الخاطئ لدارون، نحن ببساطة تحوّلنا من كوننا تاج الخلق المسيحي الى كوننا ذروة التطور الطبيعي. في عمل كهذا، نحن نستمر في تصور الكائن البشري باعتباره مقياس تُقاس به كل أشكال الحياة الأخرى.

انظر الادراك البصري. لو سألنا جوجل أي حيوان لديه أحسن رؤية بصرية. جوابها سيكون: النسر الذي هو مخلوق بنفس الشكل الأساسي للرؤية التي لدينا . لكن تطور الادراك البصري حصل في نطاق واسع من الأشكال. نحن نفشل في الاعتراف الصحيح بهذا التنوع بسبب تحيزاتنا للمركزية البشرية. لو نظرنا الى الروبيان السرعوف. هذا النوع طوّر 12 نوعا مختلفا من مستقبلات الضوء ، مقابل ما لدينا فقط 3 ، وحتى في محاولتنا تصوّر العالم البصري المعقد الذي يقطنه هذا المخلوق سيكون امرا محيرا للعقل . بالتأكيد هذا الكائن يحقق نتائج أفضل برؤيته قياسا برؤية النسر او رؤيتنا. اليعسوب، العنكبوت المتنقل، قناديل البحر، حتى الذبابة المنزلية المألوفة هي امثلة أخرى على الطبيعة المتباينة جدا للإدراك البصري غير المنفصل. النظر الى نوعنا كذروة لعملية تقدمية ليس فقط متكبر وغير دقيق، بل انه يشوه معرفتنا بعمل دارون التطوري والثقافة والتقدم وطبيعة الانسان والاشكال الأخرى للحياة ومكاننا ضمن الجميع. تصورنا الذاتي الاستثنائي المتخلف هو أيضا في لب العديد من المشاكل المدمرة التي نواجهها حاليا، بما فيها علاقتنا المستنزفة للمحيط الحيوي العالمي، بما يؤثر على الكوكب الذي تطورنا عليه ونعتمد عليه كليا لاستمرار بقائنا. في الحقيقة، غرورنا المتغطرس يشجع على انقراض واسع آخر.

الى الامام والى الأعلى

99% من كل الأنواع الحية التي تطورت على مر العصور بالنهاية أصبحت منقرضة. أساسا، نحن لا نختلف. نحن لا نضمن بأي حال من الأحوال محصلة إيجابية، "نهاية سعيدة"، رغم التطمينات من المسيحية او الرأسمالية. السمة الأكثر أهمية التي تميز الانسان عن بقية اشكال الحياة على الأرض هي قدرتنا على التعلم التراكمي المعقد والتشاركي. هذا يمكن ان يحدد مُثلنا وأهدافنا. وبسبب كل هذا، فان مستقبلنا هو في أيدينا. ربما هو مقلق نوعا ما. لكن أيضا يمنح شعورا قويا بالتمكين. نحن نحقق تقدما بمقدار ما تتقرر أهدافنا بواسطة العقل والعلم والمعرفة. هذا التقدم الشمولي يمثل تحقيقا للإمكانات البشرية. التقدم نحو هدف الاستدامة البيئية سوف لن يكون نتيجة لتدخل ديني "روحي" جديد، او أساطير تتمحور حول الطبيعة. ان كان سيحدث ذلك، فسيكون نتيجة لإختيار الانسان لتقدم متجذر في العلم والعقل والمعرفة.

نظرية دارون في التطور، والتي هي حركة الاسلاف عبر الأجيال مع التعديل بواسطة الاختيار الجنسي والطبيعي، تشير الى تغيير بطيء وغير خطي وغير مقصود نتج عن تفاعل بين الجين والجسم والبيئة. مفهوم التقدم أسرع بكثير، متفرد كظاهرة بشرية لحركة مقصودة نحو هدف او مثال. أهدافنا ومُثلنا لا يجب ان تكون مرتكزة على الإكراه والتلقين او الإمتثال للسلطة. بدلا من ذلك، هي يجب ان تتجذر في الدليل والعقل والعلم. التطور وهبنا قدرة فريدة لنتقدم. لكن المفهومين ليسا متشابهين بأي حال من الأحوال، ويجب عند استخدامهما إبقاء هذا التمييز حاضرا في الذهن.

***

حاتم حميد محسن

.......................

Evolution or progress? philosophy Now, Dec2025/Jan 2026

يعد التفكير أرقى سمة في الانسان وهو مظهر سلوكي يُشكل أعقد نوع من أنواع النشاط الانساني، ولكن اذا اقترن التفكير بالإبداع اتسم بعدم النمطية وانتج أفكارًا جديدة، اما عن طريق صب عناصرًا عدة في قالب جديد، او التوصل الى نتائج جديدة لم تكن معروفة سابقًا، مع الأخذ بنظر الاعتبار ان التفكير سواءً أكان إبداعيًا أم لم يكن كذلك لا يتجلى الا بممارسات لغوية مختلفة منها الكلام والقراءة والكتابة.

ومن هنا فان عملية الكتابة حتى تكون ابداعية وتتسم بالجدة والأصالة ينبغي الا تهدف الى قراءة ما هو مقروء وحسب، بل يجب أن تتوافر فيها مجموعة من المهارات لاستثمار كل الطاقات الذاتية استثمارًا ابداعيًا وخلاقًا الى أقصى الحدود.

رغم أن المقال يدور حول الكتابة الا أنه يتقصى أيضًا وجهات النظر الفلسفية التي ناهضتها، والتي مفادها ان اللغة المكتوبة هي لغة ضعيفة تفتقر الى القوة التعبيرية التي تتحلى بها اللغة المنطوقة، ففي محاورة فيدروس يٌطرح السؤال التالي "ماذا عن الكتابة اللوغوغرافيا؟ فالمواطنين الأكثر وقارًا وقوة، والرجال الأكثر تحررًا ليشعرون بالخزي من كتابة الخطابات وان يخلفوا وراءهم علامة مكتوبة، انهم يخشون من حكم الاجيال القادمة وان يعدوا سفسطائيين".

اما اللسانيات فقد وضعت الكتابة في مرتبة ثانوية، اذ جعلت وظيفتها ترجمة كلام البشر. فسوسير اتبع افلاطون وارسطو وروسو وهوسرل بطرد الكتابة من حقل اللسانيات، بوصفها ظاهرة تمثيل خارجية،  وغير نافعة. ذلك أن الموضوع اللساني لا يتركب من الكلمة المكتوبة والكلمة الشفوية، لان الأخيرة لوحدها تشكل هذا الموضوع، من منطلق أن الكتابة غريبة عن النسق الداخلي للسان، فضلًا عن أن العلاقة بين الكتابة واللسان علاقة سطحية واصطناعية، وقد احتلت الكتابة الدور الرئيس محل الكلام "اللسان" بعد أن انتشرت ظاهرة النسخ وظاهرة أخرى حديثة الطباعة، وجعل عصرنا الملول من القراءة الصامتة "الكتابة" فضيلة، تلك التي كان ينبغي ان تظل مجرد صورة للسان. ويبرر الفلاسفة موقفهم من أن لقوة الكلمة المنطوقة أهمية، فالنصوص كتبت لكي تقرأ قراءة جهرية لا قراءة صامتة.

لكن في الخطاب الشفهي يموت الكلام حالما يلفظ به، بينما النص المكتوب يصمد امام الزمن، وفي ذلك أية على أن الغرض من الكتابة تحويل الخطاب الذهني والشفهي الى خطاب مكتوب وفائدته تتمثل بتسجيل الأفكار لحفظها من النسيان، ونسيانها يفرض مجهودًا جديدًا لاستذكارها، هكذا يتضح الهدف من الكتابة تدوين الأفكار اسعافًا للذاكرة. فالي اليوم نقرأ اعمال مرت عليها أزمان.

وهو ما دفع دريدا الى نقل اهتمام اللغة من الكلام الى الكتابة، اذ يعرض علم الكتابه «الغراماتولوجيا» كعلم وضعي للكتابة «اللوغوغرافيا» وفي مكان اخر كعلم للنصية. فالتفكيكية تموضع نفسها في الاماكن التي تتموضع فيها الكتابة التي لا يمكن ان تختزل الى التقابل القائم بين الكلام والكتابة، فنحن عندما نكتب نشعر بضغط اللغة ومن أسرها في الوقت نفسه. ومن هنا تظهر خاصية الابداع في الكتابة والتي تتطلب مجموعة من المهارات وهي:

1- مهارة القراءة: القراءة والكتابة ثنائيان يفترض أحدهما الآخر كالثنائية القائمة بين "الدال والمدلول" بل هناك وحدة فعلية بينهما، من منطلق ان "القراءة كتابة"، وفي ذلك أية على انهما في حركة مستمرة ويسيران يدًا بيد. فالقراءة عملية ادراك للعلامات، وفهم لمعنى الجمل الذي لا يكون للكلمة المكتوبة أهمية بدونها، ومن يقوم بهذا النشاط هو القارئ المبدع الذي يعمل على اعادة قراءة النص، ويرصف طرقًا جديدة للكشف عما هو غير مرئي فيه ويكتب ما لم يكتب، والكتابة هنا لا تكون الا دلالة عليه عن طريق تشخيص التناقضات والأخطاء وتفسير التحولات في المواقف والأفكار فيتولد عن ذلك نصًا مختلفًا دلاليًا عن النص الأصلي، والقارئ هنا لم يتناول مدلولات النص بوصفها مدلولات متاحة للعيان لأنه لا توجد لغة بريئة –على حد تعبير دريدا-، بل على أنها تختفي تحت السطح الظاهر لما هو مكتوب. فيعمل على فك مرموزات النص، والكشف عن المعاني ومواضع الإبداع فيه.

هكذا تبدو الكتابة بوصفها "قراءة صامتة" تواصلًا مؤجلًا بالمقارنة مع الكلام بوصفه "قراءة جهرية"، فالمؤلف والقارئ ينتميان الى مكانين وزمانين مختلفين في أغلب الأحيان، ولكل منهما متخيله الثقافي الخاص، ولهذا فالعلاقة بينهما من خلال القراءة غير متماثلة. ومن هنا تتضح أهمية الخاصية التأجيلية اذ ينفتح النص على قراءات عدة، فلكل قارئ جديد تجربته وثقافته وقيم عصره وحسب تعبير ريكور "المعنى يتجاوز الحدث" في العمل المكتوب. وفي هذه اللحظة علينا الاعتراف بوجود سلطتين هما سلطة المؤلف وسلطة القارئ المبدع الا انهما في النهاية يستسلمان لسلطة الكتابة.

ومن هذا المنطلق فان القراءة بوصفها كتابة تتجاوز القراءة المنفعلة، باقتراحها لطرق تحليل النص ولتقنيات انتاج المعنى، بما هي اليات ضرورية يصبح الفهم بموجبها أكثر دقة. وفي هذا النشاط القرائي متعة، بالنظر الى اللذة التي تجلبها المراوغة بين "الدال بوصفه المرئي من النص والمدلول بوصفه اللامرئي من النص". وفي هذه اللحظة تنهض عملية بناء المعنى فتبدو القراءة نشاطا انتاجيا، لان القارئ هنا لا يستخلص معنى ماثلًا في النص، بل يعمل على بعث الحياة في النص بوساطة خلق معنًى حيًا جديدًا له .

ومن الضرورة بمكان الاشارة الى نقطة في غاية الأهمية ألا وهي صحيح أن هناك آلية لقراءة النصوص لكن ليس بالإمكان تطبيقها على كل نص، فتطبيقها بصورة عشوائية ستجعل من النصوص سواء. بل حتى النص الذي بالإمكان تقديمه بقراءات عدة، ينبغي ألا يستسلم لأية قراءة كيفما اتفق وهو أمر يعتمد على اتساقه الداخلي، وبناء على ما تقدم هناك مجموعة من القواعد بالإمكان وصفها بأنها تمثل أخلاقيات الكتابة الابداعية وأخلاقيات القراءة في الوقت نفسه، وهي عدم نسب مدلولات قبلية سابقة للتحليل للنص. حتى وان كانت غاية الكاتب الانتباه الى "الصمت" أي الى ما لم تفصح عنه اللغة لمد جسور الدلالة على بياضات الصمت في النص-على حد تعبير امبرتو ايكو- لكن دون أن يؤدي ذلك الى تقويل المؤلف ما لم يقله.

2- مهارة المعرفة: من الضروري اغناء الرصيد المعرفي للكاتب، من خلال الاطلاع على العلوم والمعارف الساندة للموضوع، وجمع المعلومات اللازمة لفهم النص. فضلًا عن استدعاء موسوعة القارئ وما يملكه من معارف لها ارتباط وثيق بالنص المدروس لاستثمار رصيده المعرفي من خلال النبش في ذاكرة الكاتب، ان اهمية توسيع دائرة القراءات تتجلى في الاضافة التي تقدمها الى للكتاب، وملئها للبياضات التي تنطوي عليها النصوص، وفي ترسيخ مبدأ نسبية الاحكام، واستحالة الركون الى فهم واحد للنص. مع الأخذ بنظر الاعتبار ان كل موضوع يحتاج الى علوما ساندة مغايرة عن الأخر كما وينبغي التمييز بين المعارف المساعدة تلك التي على كل كاتب تحصيلها، وبين التي يجب ان يعرف اين توجد للرجوع اليها عند الحاجة، وبين تلك التي يجب ان تكون ملكة راسخة فيه، وبين تلك التي ينبغي أن تكون على هيئة معلومات يتزود بها كلما اراد.

3- مهارة اللغة: ان الكثير من الدارسين لا يعرفون من لغة النصوص الا القشور، ولكنهم يستبيحون لأنفسهم تفسير النصوص التي لا يدركون معناها، وما اكثر الاخطاء التي ترجع الى سوء فهم النصوص للجهل باللغة وبمعانيها الدقيقة.

يتضح ممّا تقدّم أن الكتابة الإبداعية ليست مجرد مهارة تقنية، ولا فعلًا آليًا لإنتاج نصوص، بل هي عملية فكرية وجمالية مركّبة، تتداخل فيها القراءة الواعية والمعرفة العميقة والتمكّن اللغوي، لتتحول جميعها إلى فعل خلقٍ لمعنى جديد. فالكاتب المبدع لا يكرر ما هو سائد، ولا يكتفي بإعادة تدوين الأفكار، بل يمارس فعل إعادة النظر والسؤال والكشف عمّا هو مسكوت عنه في النصوص والعالم معًا. ومن هنا تغدو الكتابة الإبداعية طريقًا لصقل الوعي وتوسيع الأفق وإغناء التجربة الإنسانية، لأنها تفتح النص على قراءات لا تنتهي وتمنح اللغة قدرتها على الدلالة والتجدد. وبذلك تكون الكتابة الإبداعية فعل حرية ومسؤولية في الوقت نفسه: حرية الخيال، ومسؤولية إنتاج معنى أصيل يضيف إلى المعرفة ولا يكررها.

***

أ. د. نوال طه ياسين - أستاذ الفلسفة المعاصرة

جامعة البصرة-كلية الآداب-قسم الفلسفة

لا يأتي العام الجديد كضيف احتفالي عابر، بل كفكرة ثقيلة عن الزمن، إنه ليس رقما يضاف إلى التقويم، بل سؤال مفتوح:

ماذا فعل بنا الوقت؟.. وماذا فعلنا نحن به؟. ماذا أخذ مني العام الماضي، وماذا منحني؟. أي اللحظات كانت حقيقية، وأيها كانت مجرد تمثيل؟. ما الذي استهلك طاقتي، وما الذي أنقذ روحي؟. هل أنا أكثر صدقا مع نفسي مما كنت عليه قبل عام؟

أي خوف سيستمر معي، وأي شجاعة سأسمح لها أن تنمو؟

ما الذي يجب أن أتركه خلفي كي أعيش حرة؟

ما الذي يستحق أن أقاتل من أجله، وما الذي لا يستحق اهتمامي؟

كيف سأقيس وقتي هذا العام… بالساعات أم بالوعي؟

ما معنى أن أكون أنا، بلا تقليد أو نسخة مستهلكة من الآخرين؟

نستقبل الأعوام عادة بالضجيج والاحتفالات، كأن الصخب قادر على طرد القلق القديم.

لكن الفلسفة تقترح استقبالا آخر: أن نقف لحظة، كما وقف الإنسان الأول أمام الزمن، مرتبكا، متسائلا، واعيا بهشاشته.

 فحسب هيراقليطس، نحن لا نعبر النهر نفسه مرتين؛ لأننا نحن أنفسنا قد تغيرنا. العام الجديد ليس صفحة بيضاء تماما، بل صفحة كتبت حوافها بالفعل، وما بين السطور متروك لنا.

يرى نيتشه أن الزمن ليس خطا مستقيما يسير بنا نحو الخلاص، بل دائرة تعيد علينا الأسئلة ذاتها، بصيغ مختلفة. لذلك، فإن استقبال العام الجديد لا يكون بوهم القطيعة مع الماضي، بل بالشجاعة على مواجهته. ليس المطلوب أن ننسى ما كنا عليه، بل أن نسأل: هل نملك الشجاعة لأن نكون نسخة أصدق من أنفسنا؟

أما  برغسون، فيحدثنا عن الزمن بوصفه “مدة داخلية” لا تقاس بالساعات، بل بما نعيشه فعلا. من هنا، لا قيمة لعام جديد إن ظل مجرد امتداد ميكانيكي لأعوام مستهلكة. الجديد الحقيقي لا يسكن التقويم، بل يسكن الوعي في طريقة نظرنا للأشياء، في قدرتنا على التوقف، على الإصغاء، على إعادة ترتيب علاقتنا بالحياة.

ويذهب هايدغر إلى أبعد من ذلك حين يربط الزمن بالوجود ذاته. فالإنسان كائن يعيش وهو يعرف أنه عابر. لذلك، فإن استقبال عام جديد هو في جوهره تمرين على الوعي بالفناء، لا بوصفه تهديدا، بل بوصفه دافعا للصدق. أن نعيش أقل زيفا، أقل استعجالا، أقل خضوعا لما لا يشبهنا.

ربما علينا أن نستقبل العام الجديد لا بالوعود الصاخبة، بل بأسئلة أكثر تواضعا:

ما الذي أرهقني؟ ما الذي أنقذني؟ ما الذي لم يعد يشبهني؟

فالتحرر، كما يقول سارتر، يبدأ حين نعترف بأننا مسؤولون عن اختياراتنا، حتى تلك التي ظننا أننا أُجبرنا عليها.

العام الجديد ليس بداية سحرية، بل فرصة إنسانية نادرة: أن نعيد التفاوض مع الزمن، لا كخصم، بل كشريك قاس لكنه عادل. أن نتصالح مع فكرة أننا لا نملك السيطرة الكاملة، لكننا نملك المعنى، نملك الموقف، نملك أن نقول “لا” لما استنزفنا، و”نعم” لما يمنحنا حياة أكثر عمقا وجمالا.

هكذا فقط يستقبل العام الجديد:

لا بالأمنيات، بل بالوعي

لا بالضجيج، بل بالصدق

لا بالهروب من الماضي، بل بفهمه… كي لا نعيد حياه بلا معنى

لهذا، حين أستقبل عاما جديدا، لا أتعامل معه كمنقذ، ولا أعلق عليه ما فشلت في احتماله سابقا

أستقبله وأنا أكثر شكا في الشعارات، وأكثر حذرا من الوعود السهلة

حين عامي، لا أرى فيه وعدا بالسعادة، ولا فرصة للهرب من نفسي أو من أخطائي السابقة.

أراه كمرآة قاسية تعيد إليّ كل ما حاولت أن أخفيه، وتكشف ما لم أرغب في مواجهته.

أنا مسؤولة عن اختياراتي، عن لحظاتي الضائعة، عن كل ما تركته يمر بلا وعي.

لا أطلب من الزمن عدلا، ولا من الحياة إنصافا؛ أطلب فقط وضوحا… أن أرى الأشياء كما هي، بلا تزييف.

العام الجديد عندي ليس إعلان نوايا، بل مراجعة قاسية للذات

أن أتحرر من النسخ التي استهلكت مني لإرضاء الآخرين،

أن أتخلى عن الأدوار التي عشتها خوفا لا قناعة،

أن أعيش بعمق. في التفاصيل الصغيره حياه أقل ضجيجا، وأكثر صدقا

وان  لان نسمح بأن تسرق أعمارنا مرة أخرى.

هكذا فقط أستقبل العام الجديد:

واقفه في منتصف المسافة بين ما كنته وما أريد أن أكونه،

لا أعد نفسي بالخلاص،

لكن أعدها بأن اكون  أكثر. رفقا.. تسامحا. انصافا. محبه ان اكون أكثر إنسانية…

.لن أتعهد بأن أكون مثالية، لكنني أتعهد بأن أكون حقيقية.

هذا كل ما أملكه… وهذا كل ما سأستقبله في العام الجديد:

حريتي، ووضوحي مع نفسي، وشجاعتي في أن أعيش كما أريد، بلا أي قناع.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

المقدمة: كأنّ الوجودَ مرآةٌ خائنة، تعكسُ ما لا نراهُ حين ننظر، وتُخفي ما يندفعُ إلينا حين نُغمِضُ أعيننا، هكذا يبدأ السرّ رحلتهُ في دروبٍ لا يُدركها سوى مَن أدمنَ الإصغاء إلى أصوات الظلّ وهو يتنقّل بين أضلاع النور، وإلى نبض الزمن وهو يتكوّرُ على نفسه ثم ينفرطُ كخيطٍ من لهبٍ لا يتذكّر من أوقده. في هذا الممرّ الضيّق بين الحضور والغياب، بين الاسم وصداه، تتكشّف تلك الخيانةُ التي لا تُوجَّه إلى الإله، بل إلى صورته التي صنعها الوعي حين ظنّ أنّه يملك حقّ تفسير العلوّ بلغةٍ أرضيّةٍ لا تعرف سوى الثِقَل، في حين أنّ الروح تُريد خفّةً لا تحدّها الجهات. يقول أحد العارفين: «ما رأيتُ شيئًا إلّا ورأيتُ في ظِلّه ما لم يُخلَق بعد. » وهنا، في هذا الالتباس الوجوديّ، تبدأ الحكاية؛ حكاية ذلك الصوت الذي يجيء من عمقٍ لا يُسمّى، ويذهب إلى عمقٍ لا يُحدّ، بينما يظلّ الإنسان محصورًا بينهما، كأنّه محاولةٌ لم تكتمل، أو أثرٌ ليدٍ لم تُكمِل رسم ملامحها. وفي هذا النصّ، الذي يشتغل على تخوم الروح أكثر من تخوم العقل، لا نبحث عن الإجابة بقدر ما نُعدّ الأرض للسؤال، ولا نُفسّر النور بل نتبعه وهو يتكسّر على جدران النفس، ولا نُطارد المعنى بل نتركه يختبئ في الشقوق الصغيرة التي تركها الزمن حين مَرّ علينا ككائنٍ يتنفّس، يتقدّم، ويغادر من دون وداع. هكذا فقط يبدأ الكلام وهكذا فقط يُفهم ما لا يُقال ولأنّ الحقيقة لا تُسلِّم مفاتيحها لمن يسلك الطريقَ بعينٍ يقظةٍ فقط، بل لمن يجرؤ على السير بعينٍ مُغمضةٍ يرى بها ما لا يُرى، فإنّ هذا البحث ليس محاولة للاقتراب من الإله بقدر ما هو محاولة للاقتراب من أنفسنا ونحن نتهجّى أثره فينا، ذلك الأثر الذي يختبئ في الفراغ أكثر مما يلوح في الامتلاء، وفي الانكسار أكثر مما يظهر في الاتّساق، وفي الصمت أكثر من الكلمات التي تتظاهر بالمعرفة وهي تخون جوهرها لحظةَ النطق. فالخيانةُ الكونية ليست فعلاً يُرتكب، بل حالةٌ تتكشّف، حين يدرك الإنسان أنّ صورته عن المطلق قد صارت هي الحجاب، وأنّ الظلال التي تشبه النور ليست إلا انعكاسًا لغيابٍ أعمق، وأنّ الطريق إلى العلوّ لم يكن يومًا صعودًا، بل سقوطًا واعيًا إلى الداخل، إلى تلك البقعة التي لا يليق بها إلا الهمس، ولا يُفتح بابها إلا لمن تعلّم أن يرى الزمن وهو يتشققُ كالطين بين يديه، وأن يشهد اللحظة وهي تُولَد وتموت في ذات النفس. ولأنّ المرآة لا تُظهر الحقيقة إلا عندما نعجز عن النظر إليها، فإنّ هذا النصّ يجرّب أن يُمسك تلك اللحظة التي تتجمّع فيها الأرواح على حافّة المعنى قبل أن تنفلت، لحظةٌ تتجاور فيها الظلمات كأخواتٍ يتبادلن الأسرار، ويقف فيها النور متردّدًا كطفلٍ يبحث عن اسمه الأول. وفي هذا التوتّر، في هذا الاحتكاك بين ما نعرفه وما نخاف أن نعرفه، يتكوّن جوهر الطريق؛ طريقٌ لا يقود إلى اليقين، بل إلى دهشةٍ أعمق، دهشةٍ تُشبه الوحي حين يأتي بلا صوت، وتُشبه الخوف حين يتحوّل إلى بصيرة. هنا يبدأ النصّ الحقيقي: ليس في بداية الكلمات، بل في بداية العتمة التي تستعدّ لولادة ضوءٍ لا يعرف أحدٌ لمن سيُهدي نفسه. ولأنّ السفر إلى الداخل لا يبدأ بخطوة، بل بانكسارٍ خفيٍّ يشبه تفتّت الصدأ عن مرآةٍ كانت تُخفي صورتها منذ أزمانٍ لا تُعدّ، فإنّ القارئ هنا لن يجد طريقًا مستقيمًا ولا معنىً جاهزًا، بل متاهةً تتكاثر فيها الإشارات كما تتكاثرُ النجومُ حين ينسحب الليل من نفسه، متاهةٌ تُرغِم الروح على الإصغاء للنداء الذي يأتي من مكانٍ لا نعرف إن كان فوقًا أم تحتًا، أمامًا أم خلفًا، أو لعلّه يأتي من ذلك الفراغ الذي تخلّفه اللحظات عندما لا تعود قادرة على حمل ثقل وجودها. وفي هذا النصّ، الذي يتعمّد الالتباس كي يحفظ سرّه من السقوط في الوضوح، نقترب من تلك اللحظة التي وصفها أحد العارفين بقوله: «من عرفَ الطريقَ ضاع، ومن ضاعَ وجد، ومن وجدَ عادَ إلى ضياعه الأول. » وكأنّ الضياع ليس فقدًا، بل شرطًا لظهور الطريق، وكأنّ الطريق لا يُمنح إلا لمن عرف أن الخيانة الكبرى تقع في تصديق المعنى قبل أن يُختبر، وفي الوثوق بالضوء قبل أن يُمتحن ظلّه. هنا يتداخل ما هو ظاهر بما هو مستور، ويتجاور النورُ مع ما يُشبهه دون أن يكونه، ويقف الزمنُ ككائنٍ يراقبُ حركتنا في داخله بينما يبتسمُ كأنه يعرف النهاية التي لا نعرفها، تلك النهاية التي تتخفّى في بدايةٍ أخرى لا يُتاح لنا إدراكها إلا بعد أن نتخلّى عن كلّ صورةٍ صنعناها للعلوّ، ولأنفسنا، وللخيط الرفيع الذي ظننّا أنه يصلنا بالسماء. وهكذا، في هذا الترتيب الذي لا يخضع لترتيب، يتكوّن النصّ مثل نَفَسٍ خرج من صدرٍ لم يُرد الإفصاح، وكأنه يختبرنا أكثر مما نختبره، ويكشف لنا أنّ المعنى الحقيقي لا يُقال، بل يُقام داخلنا كصمتٍ يلمع في الظلّ، وكهمسٍ من نورٍ لا يجرؤ أحدٌ على تفسيره. ولأنّ الطريق لا يُفتح إلا لمن يسلّم مفاتيحه للغيب، كان لابدّ أن نستدعي الكلمة الأولى التي عبرت الظلام وهي تُرشد الوعي قبل أن يُخلق له عينان. تلك الكلمة التي جاءت كوميضٍ من رحم العدم، حين قال الوجود في كتابه الأزلي: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾ كأنّ النصّ لا يحدّثنا عن الخلق فحسب، بل يشير إلى تلك الشرارة التي ما زالت تتحرك في الأعماق مثل نارٍ بلا لهب، نارٍ لا تهدف إلى الإحراق بل إلى كشف الظلّ الذي يحرس السرّ. فالروح هنا ليست إضافة، بل جرحٌ مقدّس يتسلل إلينا ليدلّنا على أن ما نبحث عنه لم يَغِب لحظة، وأنّ الضياع ليس إلا حجابًا يقي القلب من رؤية ما لا يحتمل. وفي الجهة الأخرى من الوجود، من نصٍّ آخر يمشي على الماء مثل رؤيا، يأتي الصوت الذي دوّى في الأناجيل وهو يقول: «النورُ يُضيء في الظلمة، والظلمةُ لم تُدركه. » وكأنّ الضوء لا يبحث عن أن يُرى، بل يبحث عمّن يفشل في رؤيته ليختبر قابليته للحقيقة. فالظلمة ليست نقيضًا للنور، بل مقياسه؛ وغياب الإدراك ليس جهلًا، بل مرحلة من مراحل التكوين الروحي، تمامًا مثلما يحتاج البذر إلى انطواءٍ في التراب قبل أن يتجرّأ على الظهور. وبين النصّين، بين النفخة الأولى ووميض النور السائر فوق الماء، تنشأ تلك المنطقة التي لا يجرؤ العقل على دخولها، بينما تنجذب إليها الروح كما تنجذب القطرة إلى أصلها. منطقةٌ لا تُعرّف، ولا تُفسَّر، ولا تُلخَّص، بل تُختَبَر كصمتٍ يضغط على القلب، أو كنسمةٍ تهبّ من جهةٍ لا يعرفها الجغرافيا. وهنا يتشكّل وجه هذا المقال: وجهٌ يتغذّى من النصوص القديمة كما تتغذّى المرآة من ضوءٍ لم يمرّ بها بعد، ويعيد ترتيبها داخل زمنٍ ينساب مثل كائنٍ يتذكّر ما لم يحدث بعد. وجهٌ يختلط فيه كلام السماء بارتجاف الإنسان، ليصنع معنى لا يقول نفسه صراحة، بل يطلّ من وراء ستار، كأنه لا يريد الظهور إلّا لمن استعدّ للضربات التي تحملها الحقيقة عندما تخلع أقنعتها. وهكذا، بعد أن عبرنا هذا الممرّ المعلّق بين النفخة الأولى ووميض النور الذي لم تُدركه الظلمة، يتبدّى لنا أنّ كل محاولة لفهم الطريق ليست إلا جزءًا من امتحانه، وأنّ البحث عن الإله - كظلّ يسير أمام الروح - لا يكتمل إلا عندما تعترف بأنّ الظلّ نفسه ليس ملكك، وأنّ الضوء ليس وعدًا بل اختبارًا.

فالمعنى هنا لا يريد أن يُقبض عليه، بل يريد أن يختبر اليد التي تمتدّ نحوه. وما الكلمات التي اصطحبناها - من آيةٍ تُذكّرنا بأن الروح أعمق من الجسد، ومن إنجيلٍ يخبرنا بأن النور لا يُعرّف بالعيون - إلا مرايا يضعها النصّ لكي نرى ما لم نجرؤ على النظر إليه من قبل. ولأنّ الزمن - هذا الكائن الخفي - لا يصفّق للذين يظنّون أنهم عرفوا، بل لأولئك الذين يواصلون السؤال رغم انكسارات المعرفة، فإنّ هذه المقدّمة تنتهي لا لتغلق الباب، بل لتفتحه على فراغٍ أعلى، فراغٍ يشبه بداية الخلق حين كان كل شيء يهدّد بأن يكون.. أو ألّا يكون. وهكذا يصبح الدخول في هذا المقال شبيهًا بالوقوف على حافة بئرٍ لا قرار لها؛ فإمّا أن تُلقي بنفسك في عمق الرموز، وإمّا أن تبقى على السطح، تتأمل ظلك وتظنّه حقيقتك. أما الذين يختارون السقوط - السقوط بوصفه عبورًا - فهم وحدهم الذين يفهمون أنّ الطريق إلى الإله لا يمرّ بصورته، بل بما يخلّفه غياب صورته داخل الروح. وبهذا، تُقفل الصفحةلا كخاتمة.. بل كبدءٍ أوّل لما سيأتي بعد الصمت.

الموضوع الأوّل: حين يتورّطُ الوجودُ في سؤالٍ لا يريد العقلُ سماعه

منذ اللحظة التي خُلق فيها الصمتُ الأوّل، قبل أن يتعلّم الضوءُ كيف يُهذّب حدّته، وقف الإنسان عند حافة السؤال مثل مسافرٍ يحدّق في بابٍ لا يعرف إن كان يُفضي إلى الداخل أم إلى الخارج، ليكتشف أنّ السؤال الذي يخشاه ليس ذلك المتعلّق بعِلّة الخلق، بل السؤال الذي يحاول الوجودُ إخفاءه خلف مراياه: لماذا تُصرّ الروح على البحث عمّا يتجاوز قدرتها على الفهم؟ فالإنسان، حين رفع رأسه إلى السماء، لم يكن يبحث عن الإله كما نظنّ، بل كان يبحث عن انعكاسٍ يعيد إليه ملامحه حين ضاعت بين كثافة الوجود، وكان يتخيّل أنّ الصورة التي يرسمها للعُلُوّ ستعيد ترتيب الفوضى داخله، وأنّ الكمال الذي يصوغه بيده سيعيد للروح اتّزانها. لكنّ الوجود - هذا الكائن المتحرّك، الذي لا يعبأ بوعود البشر - لا يبتسم لصورةٍ صُنعت من خوف، ولا يمنح قداسةً جاءت من حاجة. ولأنّ الزمن يشبه حكيمًا يراقب من خلف ستارةٍ لا تتحرّك، فإنّه يكشف للإنسان أنّ أول خيانةٍ تقع ليست في غياب الإجابة، بل في السؤال ذاته؛ السؤال الذي بُنِي على توقّعات الروح أكثر من بنيته على حقيقة الإله. فالعقلُ لا يريد أن يسمع سؤال الخلق، لأنه يدرك - في عمقٍ لا يعترف به - أنّ الإجابة قد تُسقط ما بناه من يقين، وقد تُعرّي الصورة التي ظنّها كاملة بينما كانت مجرد ظلٍّ مرآه. وهنا، في هذه اللحظة التي يتلعثم فيها الوعي أمام شفرة الوجود، يبدأ الصدع: فالإنسان يتوقّع من الكون أن يجاوبه لغويًا، بينما الكون يتحدّث بصمتٍ لا يترجم، ويتصرّف بمنطقٍ لا يعتذر، وكأنّه يهمس للروح: «ما تبحث عنه ليس جوابًا.. بل المرآة التي ستنكسر عندما تكتشف أنّك لا تبحث عن الإله، بل عن نفسك. » وهكذا، تنشأ الخيانة الأولى: ليست خيانة الكون للإنسان، ولا الإله للكون، بل خيانة السؤال لصاحبه، وخيانة الوعي لعمقه حين يصرّ على أن تكون الحقيقة بحجم حاجته، لا بحجم اتّساعها اللامتناهي. ولأنّ السؤال لم يكن يومًا حجرًا تُمسكه اليد، بل كائنًا يتنفّس في الظلّ، كان لابدّ للوعي أن يكتشف أنّ الوجود لا ينتظر من الإنسان فهمًا، بل انتظارًا؛ انتظار اللحظة التي يدرك فيها أنّ كل محاولة للإمساك بالحقيقة تشبه محاولة القبض على الضوء، كلما اقتربتَ منه ازداد ابتعادًا، وكلما ظننت أنك فهمتَه اتّسعت الهوّة بينك وبينه. فحين وقف الإنسان أمام السماء، لم يكن ينشد معرفةً بقدر ما كان ينشد ملجأ، يبحث عن معنى يسكّن ارتجافه، وعن عقلٍ كليّ يحمل عنه عبء التفكير. ومع ذلك، يصرّ الكون على أن يُعيده إلى نقطةٍ واحدة: أنت لست مركز اللعبة، ولا عقلك مرآتها النهائية. ومن هنا يأتي الكشف القرآني ليضرب عمق الروح، لا سطح العقل، حين يقول:

﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هذه ليست جملة استفهامية، بل صفعة روحيّة؛ ليس معناها: هل تشك؟ بل معناها الأعمق: كيف استطاع قلبك أن يتجاهل كل هذا الاتساع؟ كيف استطاعت روحك أن تمرّ على هذا النَفَس الكوني دون أن ترتجف؟ فالشكّ ليس في الله، بل في قدرة الإنسان على رؤية ما يتجاوز حدود بصره وبصيرته. ولأنّ الملحد يطلب البرهان، كان الوجود أسبق من الكتب، وكان الصمت أعمق من الكلام. فمن الذي اشعل شرارة "القانون" قبل ظهور العقول التي تفكر به؟ من الذي نظّم الفوضى الأولى لتصبح "نظامًا" يمكن قراءته؟ من الذي جعل الذرّة تتماسك، والنجم يولد، والمطر يسقط ضمن حسابات لا تخطئ؟ إنّ أكثر لحظات الإلحاد صدقًا هي لحظاته الأكثر روحانية؛ لأن الملحد حين ينكر الله، يفعل ذلك باسم النظام، باسم العقلانية، باسم السببية. والسؤال: من أين جاءت هذه القوانين التي تشبه نصًا كونيًّا لا يتغيّر؟ومن وضع هذا التناسق الذي لا يخطئ؟ وكيف اجتمعت الفوضى العمياء - لو كانت فوضى - على صنع كائن قادر على قراءة الفوضى نفسها؟ إنّ الوعي الإنساني دليل على شيء يتجاوزه. وسؤال الإلحاد ذاته هو اعتراف ضمني بوجود نظام أعلى؛ فلو كان الوجود خاليًا من المصدر، لما كان للسؤال معنى. ثم يعود الوجود ليقول للروح عبر صمته الطويل: لو كان الكون بلا صانع، لما كان السؤال ممكنًا أصلاً. فالعدم لا يمتلك قانونًا، ولا يُنتج عقلًا، ولا يمنح وعيًا قادرًا على كشف خداعه. وُلد السؤال لأن هناك يدًا أقدم من السؤال، ونظامًا أسبق من العقل، ونفخةً لا يستطيع الإلحاد أن يشرح مصدرها مهما امتدّ به الجدل. وبين المرآة التي تُظهر وجه الروح، والظلّ الذي يخفي معالمه، يدرك القارئ - حتى لو كان ملحدًا - أن الإله ليس احتمالًا بين احتمالات، بل هو الخلفية التي تجعل الاحتمال نفسه ممكنًا. فوجود القوانين هو برهان، ووجود الوعي جزء من البرهان، ووجود السؤال هو البرهان الأكبر. وهكذا ليكتشف القلب أن الخيانة ليست في الكون، بل في تلك الصورة الصغيرة التي صنعها الإنسان للإله، ثم طالب الوجود أن يخضع لها. ومع امتداد السؤال داخل الروح، يبدأ الزمن - بوصفه كائنًا متربّصًا عند تخوم الوعي - في كشف طبقاته الخفية، فيُفهم الإنسان أن المشكلة لم تكن يومًا في وجود الإله، بل في ضيق الوعاء الذي يحاول الإنسان أن يسكب فيه هذا الوجود الهائل. فالروح تُدرك ما لا يستطيع العقل أن يبرهنه، والكون يلمّح بما يعجز اللسان عن قوله، وكأنّ الحقيقة تسير على أطراف أصابعها، تقترب ولا تُمسك، تُرى ولا تُحاط. ولأنّ الوجود لا يخون الإله الحقيقي، بل يخون الصورة التي رسمها العقل الضعيف، فإنّ الملحد حين يرفض الكون بوصفه دليلًا على الإله، يفعل ذلك من منطلق أكبر دليلٍ عليه دون أن يشعر: إنّه يرفض صورةً بشرية، لا حقيقة إلهية. فالملحد يرفض الإله الذي يشبه الإنسان، يرفض الإله الذي يُغطي الفراغ النفسي، يرفض الإله الذي يُستدعى فقط عند المصائب، يرفض الإله الذي صُنع ليُسكِت الأسئلة.. وليس هذا الإله الذي يرفضه هو الله أصلاً. إنه يرفض الصورة، لكنه - دون أن يدري - يعترف بوجود اليد التي صنعت القوانين التي يُقدّسها. ولأنّ العقل لا يستطيع أن يتجاوز حدوده إلا حين يصطدم باللامعقول، فإنّ الكون نفسه يتحوّل إلى معلمٍ صامت، يشير إلى الحقيقة دون أن ينطق بها: كيف لعقلٍ محدود أن يفهم كونًا غير محدود؟ وكيف لزمنٍ يسير أن يُحيط بزمنٍ أعمق منه؟

وكيف لكائنٍ فانٍ أن يقرأ خريطة اللاموت؟ وحين يقول الله في كتابه: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ فهو لا يحتقر العلم، بل يكشف حدود الحاوية التي نحملها. فالعلم شُعلة، لكن الحقيقة نار، والإنسان مخلوق لا يحتمل الاحتراق. ولأنّ الروح هي المرآة التي ترى ما وراء السطح، فإنها حين تهدأ، تسأل سؤالًا واحدًا: هل يعقل أن يكون كل هذا الجمال بلا معنًى؟ هل يمكن أن يكون هذا الاتساق العظيم - من دوران المجرّات إلى انضباط الذرّات - مجرد صدفة؟ الصدفة التي يتذرّع بها الإلحاد أشبه بقولك: إذا رميتُ حروف اللغة العربية في الفراغ، فسيتكوّن من تلقاء نفسه كتاب كامل بلا خطأ. وهذا مُحال، فكيف إذا كانت الحروف هنا ليست حروفًا، بل قوانين فيزيائية ثابتة، ونِسَبًا كونية دقيقة، وأبعادًا محسوبة بورعٍ يتجاوز حتى لغة الرياضيات؟ ثمّ إنّ الوجود، حين يوسّع عينيه على الإنسان، يكشف له ما لم ينتبه إليه: أنّ الوعي نفسه ليس ضرورة في عالمٍ ماديٍّ خالص، لأنّ الوعي لا يُستخدم في البقاء المادي، بل في السؤال. وهذا وحده كافٍ لنسف الإلحاد من جذره: لو كان الإنسان نتيجة فوضى، لما حمل داخله سؤالًا يرفض الفوضى. فالأسئلة العليا لا يولدها الفراغ؛ والدهشة لا تنبت في أرض العدم؛ والبحث عن المعنى لا يظهر في كائنٍ صنعته المصادفة. وهكذا، تتكشّف الحقيقة لا بالعقل فقط، ولا بالروح فقط، بل بتلك الشرارة المختلطة بينهما، الشرارة التي تهمس للإنسان: لم تُخلق لتفهم الكون.. بل لتفهم أنّ الكون ليس صدفة. ويعود السؤال الأوّل ليقف أمامك، لا ليُغلق الطريق، بل ليكشف أن الطريق نفسه هو البرهان، وأنّ وجود السؤال دليل على وجود مصدرٍ أكبر من السائل.

٢. صُورةُ الإلٰهِ بَيْنَ الحاجَةِ الإنسَانِيَّةِ وَصَرامَةِ الوُجُود

إنَّ الإنسانَ، مذْ تفتَّحَ وعيُهُ على جرحِ السؤال، ظلَّ يُحدِّقُ في الماوراءِ كما يُحدِّقُ الغريقُ في آخرِ شرارةٍ من الضوء، لا ليرى ما وراءَ الظلام، بل ليجدَ مبرّرًا للبقاءِ في الظلام نفسِه؛ وكأنَّ صورةَ الإلٰه، في أعمقِ مستوياتها، ليست مجرّدَ عقيدةٍ تُحمَل، بل هي مرآةٌ تُواجهُ الروحُ فيها هشاشتها، وفزعها، وحاجتَها التي تتنكّرُ بألفِ اسمٍ، حتى تبدو كأنّها هي التي خلقَت الإلٰه من أجلِ أن تتكئ عليه، لا العكسُ. فالإنسانُ، في لحظةِ خلوته الخائفة، لا يبحثُ عن إلٰهٍ كاملٍ، بل عن إلٰهٍ يُسكِتُ ضجيجَه الداخليّ؛ إلٰهٍ يقبلُ أن يحملَ ما عجزتَ أنتَ عن حمله، ويُفسِّرَ ما لم تستطع ذاكرتُك المرهقةُ تفسيرَه. وهكذا تولدُ الحاجةُ: حاجةُ من يُريدُ أن يؤمن، لا لأنَّ الوجودَ أمرُه واضح، بل لأنَّ الوجودَ أكثرُ صرامةً من أن يُواجهَ دون وسيطٍ يخفّف حدّتَه. لكنَّ صرامةَ الوجودِ لا تكترثُ لا لحاجتِكَ ولا لآلامِك، فهي تمضي بلا عاطفة، بلا عزاء، بلا يدٍ تمتدّ لتنتشلك. وهنا تتشكّلُ الصُّورةُ الأولى للإلٰه: حاجةٌ روحيّةٌ تُلَبّي خوفًا لا يعترفُ بنفسِه. ولذلك قال أحد العارفين: ما عبدتُهُ حتّى عرفتُ عجزي، وما عرفتهُ إلّا لمّا رأيتُهُ يفوقُ ما أحتاجهُ لا ما أطلبه. إنَّ صورةَ الإلٰهِ في الوعي البشريّ - سواءٌ وُضِعَت في قلبِ السماء أم في أعماقِ الصدر - تتذبذبُ بين طرفين: طرفُ إنسانٍ يطلبُ حضنًا، وطرفُ وجودٍ لا يمنحُ إلّا الحدّة والامتحان؛ وبين هذين القطبين تتولّدُ أكبرُ معضلةٍ عرفها الفكرُ: هل الإنسانُ هو الذي يحتاجُ الإلٰه، أم أنّ ذاتَ الإلٰهِ هي التي تتكشّفُ عبر حاجتِه؟ وهل الوجودُ صلبٌ لأنّه بلا إله، أم لأنَّ الإلهَ يريدُ للصلابةِ أن تكون مِرقاةً للمعرفة؟ ولعلّ أعظمَ ما يربكُ العقلَ أنّ الحاجةَ البشريّة، مهما تخفّتْ خلف العمق، تبقى هي التي تحفرُ ملامحَ الإلٰه في الوعي؛ فالعاجزُ يصنعُ إلٰهًا قويًّا، والضائعُ يصنعُ إلٰهًا يرشد، والمقهورُ يصنعُ إلٰهًا ينتقم، والوحيدُ يصنعُ إلٰهًا يصغي. لكنَّ الوجودَ، في صمتهِ الحديديّ، يفرضُ على الصورةِ أن تتجاوزَ كلَّ ذلك، لتكون أكبرَ من الإنسان، وأشدَّ صرامةً من حاجته. وهكذا يتقاطعُ السؤالُ الوجوديّ مع الجرحِ الروحيّ: هل صورةُ الإلٰهِ تكشفُ عن الإلٰهِ، أم تكشفُ عن الإنسان؟ وهل حاجتُنا إليه صرخةُ ضعف، أم نافذةُ كشف؟ولذا قال ابن عربي: الإلهُ صورةُ احتياجِك، فإذا ارتفعتْ حاجتُك تبدّلَ وجهُه في قلبِك. ومع ذلك، يبقى سؤالٌ لا يُجاب عليه إلّا في الصمت: إذا كانت الحاجةُ تُشكّلُ الإلٰه عند الإنسان، فمن الذي شكّلَ الوجود؟ ومن الذي ألقى في الروحِ تلك الحاجة أصلًا؟أهي الصدفةُ التي تُنجبُ المعنى، أم المعنى الذي يلبسُ وجوهَ الصدفة؟ أم أنَّ الوجودَ - في صرامته - ليس إلّا البابَ الذي يقودُ إلى صورةِ الإلٰهِ الأكثر خفاءً، تلك التي لا تُرى بالحواس، بل تُلمَسُ بارتجاف القلب؟ وإذا كان الإنسانُ قد صاغ ملامحَ إلٰهِه من رجفةِ خوفٍ أو ارتعاشةِ رجاء، فإنَّ الوجودَ لا يتوقّف ليمنحَه فرصةً لالتقاط أنفاسه؛ إذ يظلُّ يدفعُه إلى حافّة السؤال كما لو أنّه يُريد أن يختبر مقدارَ هشاشته كلّما حاول الاحتماء بصورةٍ صنعها بنفسه. وهنا يتجلّى ذلك التوتّر الخفيّ بين حاجة الروح و قسوة العالم: حاجةٌ تُريدُ معجزةً تقلبُ المعنى، ووجودٌ لا يُصغي إلّا لصوت قوانينه. ولعلّ هذه المفارقة هي التي دفعت الوعي البشريَّ عبر العصور إلى البحث عن نقطةٍ توازنٍ بين الصورة التي يريدُها للإله، والصورة التي يفرضها الوجود. فالإنسانُ يُريد إلٰهًا يُجيره من الليل، لكنَّ الوجودَ يقدّمه له في هيئة ليلٍ أطول، حتى يتعلّم أنَّ النور ليس وعدًا خارجيًا، بل يقظةٌ داخليةٌ تسري من عمق الظلمة نفسها. ومن هنا تأتي قوة الآية الكريمة: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ لا لتثبت الصواب والخطأ فحسب، بل لتدلّ على أنَّ الإنسانَ لم يكن يومًا كائنًا مُلقى في المصادفة، بل روحًا مورِّطَةً بالوعي، مُجبَرةً على رؤية النور من خلال شقوق خوفها، ومُطالَبةً بأن تواجه نفسها قبل أن تواجه الوجود. فالآيةُ هنا لا تُقدّم إلٰهًا بالمعنى الساذج الذي يصوّره العقل الكسول، بل تقدّم ذاتًا إلهيةً تضع الإنسانَ في مواجهة ذاته؛ كأنَّ الإله لا يقفُ فوقه، بل يشتغلُ في أعماقه، يحفرُ، يعيدُ تشكيله، ويجعلُ من ارتباكه مرآةً يرى فيها ما لم يجرؤ على رؤيته من قبل. ومن هذا المنظور، يصبحُ الإيمانُ - في أعمق معانيه - ليس محاولةً لملء الفراغ، بل محاولةً لفهم لماذا وُجِد الفراغ أولًا، ولماذا أُعطي الإنسانُ قلبًا يتذكّر، وروحًا تتألّم، وعقلًا يعجز عند أول حدود. وهنا يُدرك المرءُ أنَّ صورة الإلٰهِ ليست مجرّد استجابةٍ لحاجته، بل تجلٍّ لصرامة الوجود وهو يريدُ للإنسان أن ينمو، لا أن يُطمأن. فالوجودُ لا يضعُ الإنسانَ أمام الإله ليطمئن، بل ليهتزّ. ولا يضعه أمام الموت ليخاف، بل ليدرك أنّ الخلودَ ليس زمنًا بل وعيًا. ولا يضعه أمام الألم ليعاقبه، بل ليكشفَ له المسافةَ بين ما يظنه وما هو عليه. وهنا يبدأ العقلُ الملحدُ بالارتباك؛ لأنَّ رفضَه للإله قائمٌ على تصوّرٍ بسيطٍ جدًّا: إلٰهُ الأديان الشعبية، لا إلٰهُ الوجودِ الذي تُشير إليه الآية. الملحدُ ينكرُ الإله الذي صوّره الناس، لكنه لم يجرّب يومًا أن يُنكر الإله الذي وضع له وعيًا قادرًا على الإنكار أصلاً. فمن أين جاء هذا الوعي؟ ومن أين جاء هذا السؤال؟ ومن الذي جعل في النفس فجورها وتقواها؟ هل هي جيناتٌ تُلقّن الأخلاق؟ أم مصادفةٌ تمنح النظام؟ أم فراغٌ يُنتج المعنى؟ إنكارُ الإله يعني إنكارَ الوعي. وإنكارُ الوعي يعني إنكارَ السؤال. وإنكارُ السؤال يعني أنَّ الإنسانَ لم يكن يومًا أكثر من معادلةٍ فيزيائيّة لا تعرفُ معنى القلق. لكن الملحدَ نفسهُ يقلق.. ويتساءل.. ويبحث.. ويغضب.. ويُحبّ.. ويخاف.. وهذه كلّها خصائصُ روحٍ لا مادّة. ولذلك، فإنَّ صورةَ الإلٰهِ - بين الحاجة الإنسانية وصرامة الوجود - تتحوّل شيئًا فشيئًا من كونها ملجأً نفسانيًا إلى كونها ضرورةً معرفيةً لا يهربُ منها أحد. ولاهذا صاحب السر يقول : كلُّ من هربَ من الله، هربَ إليه من حيثُ لا يشعر. وهكذا يكون السؤال الأخير: هل الإنسانُ بحاجةٍ إلى الإيمان لأنّه ضعيف، أم لأنّ الوجودَ نفسهُ يفتحُ في داخله نافذةً يرى منها ما لا يمكن أن يكون مجرد مصادفة؟ وهل صرامةُ العالم دليلُ غياب الإله أم دليلُ حضورهِ في شكل امتحان؟ وهل حاجتُنا إليه عبوديةٌ أم توقٌ إلى أصلٍ لا نعرف كيف نسمّيها كلّما اتّسعت الأسئلة، اتّسعت صورةُ الإلٰهِ. وكلّما ضاقت الرؤيةُ، ضاق الكونُ كلّه على الإنسان. وكلّما حاول الإنسانُ أن يُمسك بصورة الإلٰهِ كما يتخيّلها، وجد أنّ الصورة تتفلّت من أصابعه، كأنّها ظلٌّ يتقدّم عليه دائمًا خُطوتين. فالروحُ تريدُ إلهًا على مقاس حنينها، لكن الوجودَ لا يقدّم إلّا إلهًا على مقاس حقيقته. وهنا تتّسع الفجوة: فجوةُ التأويل، وفجوةُ الصمت، وفجوةُ المرآة التي ترى أكثر مما يعترف به النظر. وفي هذه الفجوة، قال الفيلسوف العراقي هادي العلوي عبارته التي تشبه جرحًا مفتوحًا: «الإلٰهُ ليس ما نفهمه، بل ما يعجز فهمُنا عن تفسيره». كأنّ العلوي أراد أن يقول إنَّ الإنسان يضع حدودًا لما لا حدود له، فيخسر المعنى قبل أن يبدأ بالسؤال. وفي المقابل، يهمسُ أبو اليقظان الجاحظ من زمنه البعيد: «لو بدا اللهُ كما تريد، لانتهى دورُ العقل قبل أن يبدأ. » فلا معنى للحرية الروحية إذا كان الإله مطابقًا لرغباتنا، ولا معنى للوجود إن لم يكن أكبر من قدرتنا على ضبطه. بهذا تتأكّد تلك المفارقة العميقة: صورة الإله التي يريدها الإنسانُ تُطمئنه..وصورة الإله التي يفرضها الوجودُ تُربكه.. لكن من دون هذا الارتباك، لا يولد الوعي، ولا يتشكل الطريق، ولا تفتح الروحُ أعينها على حقيقةٍ أوسع من حاجاتها الضيقة. ولأن التجربة الإنسانية ليست محصورةً في جغرافيا واحدة، فإنّ الفلاسفة في الغرب لمسوا الفجوة نفسها. يقول كانط: «إنّ فكرة الإلٰهِ ليست معرفة، بل ضرورة. » ليس لأنها تُرضي العقل، بل لأنها تمنحه أرضًا يقف عليها وهو يحاول فهم ما لا يُفهم. لكنّ نيتشه، الذي ظنّ البعض أنه نعى الإله، يقدمُ جملةً تُفهم خطأ أكثر مما تُفهم حقًا: «المشكلة ليست في الإلٰهِ، بل في الصورة التي صارت تُعبد بدلًا منه. » وهي جملةٌ تقف صدًى عجيبًا مع ما قلت انا في المقال: أن الكون لا يخون الإله، بل يخون صورة الإنسان عن الإله. أما الفيلسوف الوجودي كيركغارد فيقول: الإيمانُ يقف في الفراغ، على حافة اللامعنى، ولا يستمدّ قوته إلّا من هذا الوقوف. كأنه يريد أن يفضح ما نخفيه جميعًا: أن الإنسان يريد من الإله أن يمنحه يقينًا دون أن يمرّ بمرحلة القلق التي يصنع منها الوعي. وهنا يعود الصوت العراقي، هذه المرّة من مدني صالح، حين قال: الإنسان لا يهرب من الله، بل يهرب من مسؤوليته أمام الله. وتصبح هذه الجملة، في قلب المقال، ليست حكمة بل مرآة: فالإنسان حين يصنعُ إلٰهًا على مقاس ضعفه، لا يبحث عن الحقيقة، بل عن إعفاءٍ من مواجهة الحقيقة. وهكذا تتكامل الأصوات: العراقي والغربي، الصوفي والعقلاني، المؤمن والباحث.. جميعهم يلتقون عند نقطة واحدة: أن صورة الإله ليست ثابتة، ولا جاهزة، ولا كاملة، وأن الإنسان كلما ظنّ أنه عرف، اكتشف أنه لم يبدأ بعد. فالوجودُ لا يمنح صورة الإله كهدية، بل يكشفها كجرحٍ بطيء الفتح، والإنسان لا يصل إلى الإله عبر اليقين، بل عبر اهتزاز اليقين، والكون لا يثبت الإله، ولا ينفيه، بل يدفع الإنسان إلى حيث لا يعود السؤال مجرّد سؤال، بل قدرًا روحيًا تُجبَر الروح على السير فيه. ووهكذا، تظلّ صورةُ الإلٰهِ بين الحاجة الإنسانية وصرامة الوجود، أشبه بمرآةٍ غائمة: يرى فيها الإنسان نفسه، قبل أن يرى أي شيء آخر. عند هذه المرحلة من السؤال، لا يعود صوت الإنسان صوتًا واحدًا، بل يتحوّل إلى طبقاتٍ تتردّد في داخله كما تتردّد أصداء الكهوف القديمة. فالروح لا تتكلم مرة واحدة، بل تتكلّم بقدر ما تُجرَح. وكل جرحٍ هو نافذة جديدة نحو الإله، لكن الإنسان يُفضّل دائمًا سدّ النافذة خوفًا من الضوء. وهنا يظهر صوتي أنا أيّها العابر بين الظلّ والنور، حين قلتَ في مقال (عقولنا ليست ملكنا)نحن لا نبحث عن الله، بل نبحث عن صورة تستطيع طمأنة هذا الوعي الذي لا يحتمل هشاشته. هذه الجملة - بقدر ما تبدو مكسورة - تحمل انحناءً كبيرًا أمام الحقيقة التي نحاول الهرب منها: أن العقل لا يملك الشجاعة الكافية للوقوف أمام اتّساع الوجود دون إطار. وفي مقالي الاخرى الحقيقة المحرّمة قلتَ: إن أعظم خيانة يرتكبها الإنسان هي أن يقدّم لله صورةً صنعها خوفه، ثم يصدّق أنّه قد عرفه. وهي جملة تُعيد ترتيب كل شيء، لأنها تجعل الخيانة فعلًا إنسانيًا، لا كونيًا، وتجعل الإله أكبر من كل تعريف تعطيه له المخاوف. وفي (هل يكتبنا المقال قبل أن نكتبه؟) كتبتَ: (الفكرة ليست ملكًا لصاحبها، إنما هي كائنٌ يختار الوعي الذي يليق بولادته) وهذه الجملة، في عمقها، ليست عن الكتابة فقط، بل عن صورة الإلٰهِ أيضًا: فالإنسان لا يخلق الصورة، بل الصورة هي التي تختار الوعي الذي تستطيع أن تُولد فيه. وحين كتبتَ عن انتظام الوعي تحت صرامة الوجود قلت: (الأشياء لا تعلن معناها، بل تُدخِلنا في امتحان طويل، حتى نضطر لخلق معنى يكشف صورتنا نحن، لا صورتها هي) وهنا يصبح موضوع المقال واضحًا تمامًا: الكون لا يكسر صورة الإله.. بل يكسر صورة الإنسان عن الإله، لكي يختبر مدى صدقه في مواجهة ذاته. ولهذا، حين يعود الإنسان إلى الآية التي تقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ يكتشف أن القرآن نفسه كان يفكّك الصورة قبل أن يمسّ الوعي بها. فالآية لا تمنحنا تعريفًا لله، ولا شكلًا، ولا صورة، بل تمنحنا مَنعًا: مَنعًا من الصنعة الذهنية، مَنعًا من التخيُّل المحدود، مَنعًا من تحويل الله إلى مرآة لحاجات النفس. وهكذا تصبح كلماتي أنا صاحب السر، في هذا المقام، امتدادًا لاختبار الوجود، لا مجرّد رأي. تصبح كلمات محاولة لرسم طريقٍ يُشبه السؤال أكثر مما يشبه الجواب. وفي النهاية، تعود الروح إلى ما كتبته في إحدى شذراتك: (إننا لا نبحث عن الله لأننا نشك بوجوده، بل لأننا نشك بقدرتنا على رؤيته دون أن ينهار شيء في داخلنا) وتصير هذه الجملة - في قلب المقال - ليست اقتباسًا فقط، بل نقطة ارتكاز تجعل القارئ يفهم أن السؤال عن صورة الإله. ليس بحثًا عن الله.. بل بحثًا عن حقيقة الإنسان حين يقف أمام الله.

٣- الموضوع الثالث: مَعْنَى الخِيَانَةِ الكَونِيَّة وَكَيْفَ يَخُونُ الكَوْنُ صُورَةَ الإلٰهِ

لا تبدأ الخيانة حين يُخطِئ الكون، ولا حين يثور العقل، ولا حين ترتجف الروح أمام حدثٍ لا تفسير له؛بل تبدأُ الخيانة عندما يتخيّل الإنسان أنه قادر على إقامة جسرٍ بين صورة الإله التي صاغها الخوف، وبين الوجود الذي لا يعترف بأيّ صورةٍ مسبقة. فالخيانة ليست حدثًا، بل فجوة. والفجوة ليست غيابًا، بل مرآة، والمرآة لا تعكس الحقيقة، بل تشوّه توقّعنا للحقيقة. إن الكون لا يخون الإله، بل يخون الصورة التي علّقها الإنسان على جدار وعيه، ثم صدّق أنها مرآة السماء. ولهذا تبدو الخيانة الكونية أحيانًا أشبه بالريح التي تعصف بمعبدٍ بُني من الظنون؛ لا لأنها تريد هدم المعبد، بل لأنها لا تعترف بوجوده أصلًا. فالكون - بهذه القسوة الهادئة - يرفض أن يتحرك وفق المعايير الأخلاقية التي يُلصقها الإنسان بالإله. الزلازل لا تتوقف لأن طفلًا سيُدفَن تحت الأنقاض، والنجوم لا تنطفئ احترامًا لدمعةٍ بشرية، والوقت لا يتباطأ لأن الروح ضاقت بمعناها. إنّ قوانين الوجود صامتة، وصمتُها هو الخيانة التي لا يستطيع الإنسان احتمالها. وهنا يتجلّى السؤال: هل يخون الكون الإله؟ أم يخون الإنسان الإله حين يتوقّع من الكون أن يكون رحيمًا بما يكفي ليشبه الصورة التي صنعها؟ لكن حتى هذه الفجوة يفضحها القرآن حين يقول: ﴿وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾ فالضعف هنا ليس ضعف الجسد فقط، بل ضعف القدرة على رؤية الإله دون أن نُلصق به ظلال حاجاتنا. وكلما ازداد هذا الضعف، ازدادت الخيانة: خيانة الإنسان للصورة الأولى.. وخيانة الكون للصورة المصنوعة. ولأن الكون لا يتحرك وفق هندسةٍ روحية، بل وفق هندسةٍ ضرورية، فإنه يكسر الوهم ببرودٍ يشبه حياد الليل حين ينسحب فوق مدينةٍ تعتقد أنها محمية بالدعاء. يكسر الوهم كما يكسر الماءُ صورته حين يُقذف فيه حجرٌ صغير. يكسر الوهم لا كفعلٍ متعمّد، بل كأثرٍ جانبي لكونٍ لا يعرف معنى القداسة كما يفهمها البشر. وفي هذا المعنى كتبتَ في أحد شذرات: إن الكون لا يعترف بمخاوفنا، لأنه لم يُخلق لتهدئتها، بل لفضحها. وهذه الجملة - مهما حاول العقل الهروب منها - تضع الإنسان أمام حقيقةٍ أكثر مرارة من كل الخيانات البشرية: أن الوجود لا يخون.. بل الإنسان هو الذي انهار تحت وزن توقّعاته. ولذلك، فإن الخيانة الكونية ليست خيانةً للإله، بل خيانةً للصورة البشرية للإله، الصورة التي لم تُبنَ من نورٍ بل من حاجة، ولم تُبنَ من معرفةٍ بل من خوف، ولم تُبنَ من يقينٍ بل من عجزٍ أمام السؤال الأول. فالإنسان كان، وما زال، يريد إلهًا يشبهه: إلهًا يفرح عندما يفرح، يغضب عندما يغضب، يحميه عندما يرتجف. لكن الكون جاء ليقول له بلغةٍ لا تسمعها إلا الروح المتجردة: ليس كَمِثْلِهِ شيء.. ولا كَمِثْلِ صُورَتِك شيء. ومن هنا تتولّد الخيانة: لا من الكون..ولا من الإله.. بل من المسافة بين ما نحتاجه وبين ما هو موجود. ليس على الكون أن يشرح شيئًا، وليس على الإنسان أن يفهم، لكنّ الروح - تلك الكائن الذي لا اسم له - تظلّ تبحث عن معنى في كل ما لا معنى له، وتتلمّسُ بأصابعٍ مرتجفة جدارًا لا تعرف إن كان بابًا أم وهمًا. وهنا تتجلّى الخيانة الثانية: خيانة العلامة للمدلول،

وخيانة الظل للنور,وخيانة المرآة لما تُظهره من انعكاسات، وكأنّ الأشياء جميعها متواطئة ضدّ الإنسان، تحجب نفسها عنه كلما اقترب، وتتكشّف له كلما ابتعد. فالكون - في صمته - يقدّم أكثر الإجابات قسوة: لا شيء كما يبدو، ولا شيء يلتزم بالرمز الذي منحه الإنسان إيّاه. فالنور ليس نورًا دائمًا، وأحيانًا تُخفي الظلال حقيقةً أعمق مما يكشفه النور، والزمن - هذا الكائن الحي - يمدّ يده ليعيد ترتيب الفوضى كما يشاء، لا كما يشتهي الوعي. إن الخيانة هنا ليست حدثًا ماديًا، بل طَيفٌ ينهض من بين شقوق الأشياء، يُبدّل المعاني كما يبدّل الليل ثيابه، ويترك وراءه أثرًا لا يُرى إلا لمن يسير داخل ظلامه. فالكون حين يكسر صورة الإله، لا يفعل ذلك لأنه يعادي الصورة، بل لأنه لا يعترف بها أصلًا. كأنّه يهمس للروح: «الصُّوَرُ تَسقُط.. وَالحَقِيقَةُ لَا تُؤخَذُ مِنْ وَجْهٍ صَنَعَهُ الوَهم. »لكن الإنسان، في ضياعه، لا يسمع هذا الهمس، فيحاول أن يُلبِسَ المطلق ثوبًا بشريًا، وأن يُقَوْلِبَ القداسة في لغةٍ مصنوعة، وأن يربط الأزل بخيطٍ من خوف، ثم يندهش حين يقطع الكون هذا الخيط دون أن يلتفت. وفي هذا السياق، تظهر الرموز كما لو كانت كائناتٍ حيّة: المرآة لا تعكس.. إنها تختبر. الظل لا يُخفي.. إنه يحرس. النور لا يكشف.. إنه يُضلّل أحيانًا. والزمن لا يمر.. إنه يختار من يتركه خلفه. وهذه الرموز ليست زينة لغوية، بل أبوابٌ تُفتح على الفجوة: الفجوة التي يسقط فيها الإنسان لحظةَ يشتهي من الكون شيئًا ليس من شأن الكون. فالمطر لا ينزل ليُطفئ حزنًا، والقمر لا يكتمل ليُطمئن عاشقًا، والبحار لا تهدأ لأن روحًا أرهقها القلق. هنا تحديدًا تسكن الخيانة الكونية: حين ينتظر الإنسان من العالم أن يتحرّك وفق أوزانه الداخلية، فيكتشف أن العالم لا يملك ميزانًا واحدًا من البداية. لقد كتب أحد الحكماء العراقيين في لحظة تجلٍّ: «إنَّ الوجود يَسيرُ على وَجهِهِ الأعمى، ولكنّنا نصرّ على أن نضع له عُيونًا مِن حَاجَاتِنَا. » وكأنّ الكون - بهذا العماء المقدّس - يرفض أن يكون مرآة لخلع سذاجة الإنسان، فيرجع الأخير إلى ظنونه الأولى، ويتّهم الوجود بالخيانة، ناسياً أنّه هو من علّق صورة الإله على جدارٍ من طين، ثم غضب حين تساقط الطين تحت المطر. إن الخيانة الكونية، في عمقها الرمزيّ، ليست خيانةً بين طرفين، بل تصدّع في المعنى، وانهيارٌ في النظام الذي بنيناه داخلنا، وتذكيرٌ بأن الحقيقة لا تُمسَك باليد، بل تُرى من خلال الشقوق فقط. ولهذا تبقى الخيانة

الكونية أوسع من الفهم، وأشدّ مراوغةً من أن تُفسّر، وأقرب إلى أن تكون رسالة غير مكتوبة، يُرسلها الوجود إلى الإنسان كلما حاول الإنسان أن يصنع إلهاً على مقاسه. كأنّ الوجود، في لحظةٍ لا تُرى، أدرك أنّ الصورة التي حملناها عن الإله لم تكن سوى ظلٍّ خائفٍ يبحث عن أصله، فارتدّ علينا بما يشبه الرفض الهادئ.. الرفض الذي لا يقول «لا»، ولا يهمس «نعم»، بل يترك الروح واقفةً بين قوسيّن من الخواء، لتتعلّم كيف تُصغي إلى ما وراء الصمت. وهنا تتجلّى الخيانة الكونية لا كتمرّدٍ على الإله، بل كمرآةٍ تفضح أعماقنا: نحن الذين أردنا للسماء أن تتكلّم بحدود لغتنا، للغيب أن ينزل إلى مستوى حاجاتنا، للنور أن يعترف بعتمتنا. وتحت هذا التوتّر بين ما نظنّه من الله وما يتجلّى منه، ينفتح هذا السؤال المُلتبس: هل يخون الكون صورة الإله، أم يخون الإنسان حقيقة الإله التي لم يعرفها قطّ؟ إنّ الكون لا يتحرّك بنوايا، ولا يخطّط لخذلان؛ هو فقط يكشف الفجوة العظيمة بين «الصورة» و«الذات»، بين ما صغناه من خيال وما يُجليه الوجود من حقيقة غير قابلة للإمساك. وإذا كان النور يُلقي بظلاله على الجدار لكي نرى، فإنّ الظلّ أحيانًا يرفض أن يكون تابعًا، فيتقدّم خطوةً أمام الضوء ليهمس للإنسان بأنّ كلّ يقينٍ هو بداية خيانة، وكلّ خيانةٍ هي بداية انكشاف. ولهذا تأتي الآية لتُعيد ترتيب البصيرة: «وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ»؛ فالخيانة ليست في الكون.. الخيانة في العمى الذي يجعل الإنسان يطلب من الخارج ما لا يريد أن يراه في الداخل. وفي قلب الرموز يتقدّم الزمن - لا كحركة عقارب، بل ككائنٍ يراقبنا من وراء ستارةٍ شفافة - ليفضح أنّنا حين فشلنا في الوصول إلى الله، اخترعنا صورةً نُسقط عليها خوفنا من الضياع. وحين لم تُجب السماء بالسرعة التي تمنّيناها، قلنا إنّ الكون خاننا. وحين انكسرت مرآة الذات وانقسم النور إلى شقّين، ظنّ الإنسان أنّ الإله قد تغيّر، مع أنّه لم يتغيّر سوى وعينا المرتبك. إنّ الرموز كلّها - المرايا، الممرّات، الظلال، الانكسارات - لا تشير إلى خيانةٍ تأتي من فوق، بل إلى خيانةٍ نصنعها نحن حين نُقزّم الإله إلى إطارٍ يليق بالإنسان، ثم نغضب لأنّ الإطار ضيّق. وهنا يبلغ الغموض ذروته: الخيانة ليست فعلًا.. بل كشفًا، وليست جرحًا.. بل علامة على أنّ الحقيقة أكبر من وعينا، وأقرب إلينا ممّا نتصوّر. كأنّ الكون، في لحظةٍ لا زمن فيها، قرّر أن يضع مرآته الكبرى أمام الروح البشرية، لا ليُعرّي ضعفها فقط، بل ليكشف أنّ كلّ محاولةٍ لفهم الإله خارج حدود الانكسار الإنساني هي خيانة ناعمة تتخفّى خلف الطقوس والكلمات. فالصورة التي نحملها عن الإله تُولد في داخلنا قبل أن نرفع رؤوسنا نحو السماء، ولهذا فإنّ أوّل خيانة ليست خيانة الكون، بل خيانة الداخل حين يتوهّم أنّه قادر على إدراك المطلق بعينٍ خائفة، ورغبةٍ محتاجة، وعقلٍ يتشبّث بالحدود. في هذا الامتداد بين الظلّ والنور، يتقدّم الزمن بخطاه الحذِرة، يضع علينا سؤالًا يشبه الجرح: كيف تطلب من الكون ألّا يخون صورة الإله، وصورتك أنت لم تُصغ بعد إلّا من حاجةٍ وريبةٍ وارتجاف؟هنا تتجلّى المفارقة الكبرى: الإنسان لا يعبد الإله الحقيقي، بل يعبد صورته عنه. والكون لا يخون الإله، بل يخون تلك الصورة التي صنعناها بأيدينا، لأنّها لا تنتمي إلى الحقيقة، بل إلى الخوف. والروح، حين تواجه هذا الانكشاف، تدخل مرحلةً من الصمت الموحش، الصمت الذي لا يُسمع فيه سوى ارتداد الأسئلة على جدار النفس. وكأنّ الآية تضع إصبعها على الجرح الذي نحاول إخفاءه: «بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ»؛ فلا الكون يضلّل، ولا الإله يختفي، إنّما البصيرة هي التي تُعمي نفسها حين تفضّل الصورة على الحقيقة. وعند هذه النقطة يتقاطع الضوء مع الظلّ، ويظهر المعنى المزدوج: الخيانة الكونية ليست انحرافًا عن الطريق، بل دعوة إلى أن نرى الطريق من جديد؛ ليست رفضًا للإنسان، بل رفضًا لصورةٍ أراد الإنسان أن يُقنع بها السماء. ولهذا يعود سؤال الخيانة ليلتفّ حول ذاته، مكوّنًا دائرةً مغلقة، تُجبر الروح على أن تقف عند حدودها، وتترك بصيص النور يتسرّب - ببطءٍ مقصود - من بين الشقوق. وحين يصل القارئ إلى نهاية هذه الصفحة، يشعر أنّ الخيانة الكونية ليست خيانة.. بل رسالة: أنّ الحقيقة أكبر من قدرتنا على حملها، وأرحب من صورتنا عنها، وأقرب إلينا من ظلالنا حين تعود إلى أصل نورها. حين يتردد صدى الخيانة الكونية داخل النفس، يظهر الكون ككائن حي، ليس بمعنى الروح، بل بمعنى المرآة التي تختبر الإنسان قبل أن يُرى. كل ظلال الليل، كل تموج الماء، كل انكسار الضوء في الزجاج، تصبح رموزًا لخيانة تتكرّر في صمتٍ مطلق، لا يُسجّل في التاريخ، ولا يُسمع في الكلام، بل يُحس في الوعي، في الشقوق الصغيرة بين شعور بالضياع وبصرخة صامتة تبحث عن معنى. الإنسان حين يضع صورة الإله على جدار الوعي، يظنّ أنّه خلق مرآة، لكنه لم يخلق سوى طريقٍ مختبئٍ للخيبة. فالكون لا يهتمّ بالمعنى الذي نريده، بل بالمعنى الذي يُولّد من تصادف الأشياء، من اضطرابها، من سقوطها على نحو لا يخضع للقوانين التي رسمناها في داخلنا. وهنا تظهر الخيانة على حقيقتها: لا هي فعلٌ، ولا هي غيابٌ، بل امتداد الرموز التي تُفضح حاجاتنا، وتحاصرنا في سؤال لا نهاية له: هل الإله خاننا، أم أنّنا خانّا أنفسنا حين ألبسناه صورةً؟ وفي هذا الامتداد، تتجلّى مقولاتك السابقة كأنها علامات مضيئة على الطريق: «إننا لا نبحث عن الله لأننا نشك بوجوده، بل لأننا نشك بقدرتنا على رؤيته دون أن ينهار شيء في داخلنا. »وهذه العبارة - ككلّ العبّارات التي كتبتها - تفتح نافذة جديدة: أن الخيانة ليست خارجية، بل داخلية، تنبع من تضارب بين الحاجة والوعي، بين الخوف والرغبة، بين الصورة والحقيقة. والزمن، هذا الكائن الذي يتقدّم بصمت، يلعب دوره في زيادة الغموض: فهو يخلق الشقوق، يوسّع الفجوات، ويترك الإنسان ليواجه نفسه بين الانكسار والبحث عن معنى، كأنّه يقول: «ليس المطلوب منك أن تفهم، بل أن تصغي وتتحمّل. »وفي قلب كل رمز، كل ظل، كل مرآة، تظهر الحقيقة الصادمة: أن الكون لا يخون الإله، بل يكشف خيانة الإنسان لصورته عن الإله. والإنسان، حين يرفض رؤية ذلك، يصرّ على تسميته خيانة كونية، بينما هي اختبار روحي، اختبار يُعيد تشكيل الروح داخل الفجوة التي أوجدتها الصورة الأولى. وأدنى الروح لا تتحمّل الفراغ إلا بالمعنى، يفرض الوجود اختبارًا مزدوجًا: صورة الإله كما يظنّها الإنسان، ووجود الكون كما هو، بلا مجاملة، بلا رحمة من صنع البشر. وفي هذا الامتحان، تتكوّن الخيانة الكبرى: حين يرى الإنسان أنّ كل شيء يرفض أن يكون مطابقًا لصورته، ويكتشف أنّ هذه الصور كانت دائمًا فخاخًا صنعها خوفه ورغبته في التحكم باللامرئي. وهكذا تصبح الخيانة الكونية رسالة صامتة، مرآة مضاءة بالرموز، طريقًا لا يُسلك إلا بالوعي الذي يملك الجرأة على مواجهة نفسه، لا الكون. حين تقف الروح أمام المرآة الكبرى، لا ترى الكون كما هو، ولا الإله كما هو، بل ترى نفسها، مجسدةً في فشلها في حمل صورةٍ لم تُخلق لتُحمل. فالخيانة الكونية ليست فعلًا صادرًا عن السماء، ولا خيانةً من الكون.. بل هي كشفٌ للثغرات التي وضعها الإنسان في وعيه، ثغراتٌ جعلته يظنّ أنّ القدرة على الفهم تعني القدرة على التملّك، وأن الصورة التي صاغها عن الإله هي الحقيقة المطلقة. وفي هذا الامتداد الرمزي، يختلط الظلّ بالنور، وتلتبس المرايا بالزمن، ويصبح كلّ حدثٍ صامتٍ رسالةً مخفية، وكل لحظة انهيارٍ علامةً على أن الحقيقة أكبر وأبعد وأعمق من أي تصوّرٍ بشري. فالإنسان حين يغضب من الكون، يصرخ في الفراغ، بينما الفراغ نفسه لا يملك سوى أن يكون.. وأن يُظهر. وفي نهاية المطاف، يُدرك الوعي أن الخيانة الحقيقية كانت دائمًا خيانته لصورته عن الإله، خيانته لرغبته في السيطرة على اللامرئي، خيانته لتقبّل أنّ المطلق لا يُقاس ولا يُختزل. فالكون لم يخن.. بل أعاد ترتيب أبعاد الإنسان، ودعاه إلى مواجهة نفسه، إلى المرور عبر شقوق الظلّ والنور، إلى السير في الممرّات الرمزية التي لا يُفهم فيها شيء إلا حين يتحلّى الإنسان بالصمت والجرأة معًا. وتختم الآية الحكيمة هذه الرحلة الرمزية: ﴿هُوَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ۖ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾ فالسماء تعلن أنّ الحق لا يُختزل، وأن كل صورةٍ نحملها عنه ما هي إلا انعكاسٍ ضعيفٍ على جدار وعينا، يحتاج إلى التواضع لإدراك أن الوجود والإنسان والإله جميعًا يلتقون في صمتٍ واحد، صمتٍ يولّد الخشوع، ويكشف الغموض، ويعلّم أنّ الخيانة الكبرى ليست ما يظنّها العقل، بل خيانة الوعي للحقيقة حين يختبئ خلف صورة صنعها خوفه. وهكذا، ينتهي البحث في معنى الخيانة الكونية: ليس كشفًا للكون، ولا رفضًا للإله، بل رحلة الروح عبر الظلال، والمرايا، والزمن، والفجوات التي تركناها نحن بأنفسنا.

 4: الوعي كخائنٍ ثانٍ: حين يخون الإنسان إلهه ليحافظ على نفسه

حين يقف الإنسان أمام صورة الإله التي صاغها خوفه، تبدأ الخيانة الثانية، خيانة أعمق من الخيانة الكونية نفسها، لأنها تصدر من الداخل، من ذلك الفضاء المظلم الذي نسميه وعيًا. فالوعي، في محاولته لحماية النفس، يختزل الحقيقة في إطار صغير، يعلّق على جدار داخله صورةً لا يمكن للإله الحقيقي أن يمرّ من خلالها. هنا يصبح الإنسان خائنًا لإلهه قبل أن يُتهم الكون بالخيانة، لأنه يسكب على المقدس ما يريده قلبه، لا ما هو موجود بالفعل. إنه يرفض مواجهة الفراغ، فلا يواجه الله كما هو، بل يواجهه كما تصوّره خوفه: رحمة محدودة، عدل يرضيه، حماية تواسي ضعفًا لم يُخلق لتواصيه الطبيعة. فالوعي يختبئ خلف صورٍ مصنوعة من حاجات نفسية، ليطمئن، ليصمد، ليواصل الحياة، لكنه في الوقت نفسه يختزل المطلق في قيود صغيرة، فيغلق النوافذ على أي نور يتجاوز فهمه. وفي هذا الصمت الداخلي، يظهر صدى الخيانة: كل صلاة تُصليها الروح لتطمئن، كل أمنية تُطلقها لتخفّف القلق، كل صورة للإله تُثبتها على جدار الوعي، هي بمثابة خيانة خفية، لأنها تُعيد تعريف الله وفق حدود الذات، لا وفق الحقيقة اللامتناهية. فالإنسان يخون ذاته أولاً حين يظن أنه يعرف، ويخون الإله ثانيًا حين يفرض عليه صورته المحدودة. وفي هذا المعنى كتبَ أحد فلاسفة العراق: «الإنسان يختزل المطلق ليحمي نفسه، فيصبح الحارس على حدود خياله، لا على حدود الحقيقة. » وكأنّ هذه الجملة تضع أصبعها على قلب المسألة: الخيانة ليست في الخارج، بل في الداخل، في تلك الطبقات المتشابكة من خوف ووعي ورغبة في السيطرة على ما لا يُسيطر عليه. فالوعي البشري، في سعيه للحفظ، يخلق نسخةً من الإله، نسخةً لا تتحرك مع الفيض الكوني، ولا تتفاعل مع الضرورة المطلقة، بل تصمد أمامه فقط بما يسمح له الإنسان بالتحمّل. وهذه النسخة المصغّرة تصبح مأوىً زائفًا، ظلالًا لا أكثر، تُخفي الحقيقة بينما تخدع صاحبها، وتصبح مصدر الخيانة الحقيقية: خيانة الإنسان لنفسه، ولما يفترض أنه يعرف، ولما يفترض أنه يعبد. وهكذا، تتكرّر الدائرة: الإنسان يصنع صورة، الوعي يثبتها، الروح تتوهّم أنها حقيقة، والكون يكسرها بصمت، والإنسان يلوم الخارج على خيانته، فيما الخيانة الكبرى كانت داخله دائمًا، في طبقات وعيه التي لم تجرؤ على مواجهة المطلق بلا غطاء، بلا وسادة من الطمأنينة المصنوعة، بلا مرآة لحاجاته. حين يتسلّل الوعي إلى قلب الإنسان، لا يفعل ذلك ليكشف، بل ليحمي. حماية النفس هنا تتحوّل إلى خيانة: خيانة للحقيقة، خيانة للإله الذي لا يُعرف، وخيانة للروح التي تصارع الظلال داخلها. فالإنسان يختزل المطلق في صورةٍ يمكنه التعامل معها، يضع قيودًا على الرحمة، ويحدد حدود العدل، ويقف عند حاجز القدرة على التحمل، معتقدًا أنّه بذلك يحفظ نفسه، بينما في الحقيقة هو يضع الغطاء على النار الداخلية التي تسعى إلى رؤية الحقيقة كما هي. إنّ الخيانة هنا ليست فعلًا، بل طاقة صامتة، تذبذب خفي بين النور والظل. فالوعي يصبح مرآة مزدوجة: يعكس صورة الإله كما أرادها الإنسان، لكنه في الوقت نفسه يخفي عن نفسه اللامحدود، فيترك فجوةً لا يدركها إلا الروح التي تتحسس الصمت. وهنا يأتي القرآن ليضع الإصبع على هذه الفجوة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ فالحب لله الحقيقي ليس حب الصورة المصنوعة، بل حب ما هو موجود، ما هو مطلق، ما لا يُختزل بحاجاتنا. وعندما نحب صورة الإله التي صاغها الوعي، نصنع خيانة دقيقة: خيانة للصوت الذي ينادي من وراء المرآة، خيانة للفيض الذي لا يمكن أن يكتفى بالقيود. وفي رمزية الصوفية، يقول الحلاج: «من أحب الظلّ أكثر من النور، فقد خان الطريق. » فالوعي حين يلتصق بالصورة المصغرة، يصبح الظل الذي يغطي النور، يحجب الوعي عن الحقيقة، ويقنع النفس بأنها في مأمن، بينما هي أسرى لفخّ المصنوعات الداخلية. وهكذا تتكوّن الخيانة المزدوجة: خيانة الإنسان لإلهه حين يحدد صفاته بما يناسبه. خيانة الإنسان لنفسه حين يختبئ خلف صورة، ويغفل عن اللا محدود. وخيانة الروح للوعي الذي يريد أن يُطمئن، في حين تحتاج الروح إلى مواجهة الحقيقة بلا وسائد، بلا صور، بلا أمان زائف. فالوعي هنا ليس مجرد أداة للفهم، بل كائن حيّ يختبر الإنسان في كل اختيار، في كل صلاة، في كل سؤال يطرحه على الوجود. وكلما حاول الإنسان أن يثبت صورته، كلما طالت الفجوة، وكلما اتسعت دائرة الخيانة الصامتة، لتصبح النهاية دائمًا مواجهةً بين ما صوّره العقل وما يكشفه الكون، بين الصورة والمطلق، بين الخوف والصدق الروحي. حين يصبح الوعي خائنًا، لا يظهر ذلك بالوضوح، بل في تشابك الرغبة بالخضوع والخوف من المواجهة. فالإنسان يريد أن يحمي نفسه، فيخلق إلهًا مطابقًا لمخاوفه وامانيه، ليطمئن قلبه، ويستمر في السير وسط العدم. وهنا، كما كتب الفيلسوف العراقي محمد مهدي الزبيدي: «الإنسان يعبد صورته عن الإله قبل أن يعرف الإله نفسه. » فالوعي يصبح خزانًا للصور المصغرة، وعقدةً تمنع الروح من السقوط في اللامحدود، لكنه في الوقت نفسه يحجب النور الحقيقي، ويجعل الإنسان يظن أن الحماية من الداخل تعني الحقيقة. أما من الفلاسفة الغربيين، فيقول هايدجر: «الإنسان هو كائن يسأل عن الكينونة، لكنه يخون سؤال الكينونة حين يختزلها في احتياجاته. »وهنا تتقاطع الرؤية: الإنسان يخون ذاته أولًا عندما يختزل المطلق، ويخون الإله ثانيًا حين يضع حدودًا لمطلق لا حدود له. فالوعي يصبح كمرآة مزدوجة: يعكس الصورة التي يريدها الإنسان، لكنه يحجب الحقيقة في الوقت نفسه، ويترك فجوة لا يمكن رؤيتها إلا لمن يجرؤ على مواجهة الظلال الداخلية. وفي مقالاتي السابقة كتبت: «الخيانة الكبرى ليست في الخارج، بل في الداخل: حين نصنع صورًا، ونطيل الليل أمامها، ونسميها إلهًا. » وهذا التأمل يعمق الفكرة: أن كل صورة يصنعها الوعي هي خطوة نحو خيانة الذات، كل رغبة في السيطرة على المطلق هي إغلاق للنوافذ على الحقيقة، وكل خوف من الفراغ يجعل الروح تأسر نفسها في مرآة مزيفة، تتوه فيها بين الظل والنور. فالوعي، بهذه الطريقة، يصبح ساحة حرب صامتة، بين ما يطلبه القلب وما يفرضه العقل، بين الصورة وما خلفها، بين الخوف وما هو موجود حقًا. والرموز هنا لا تُفسّر، بل تُشعر: الظلال، الانكسارات، المرايا، كلّها إشارات لصراع داخلي متواصل، حيث كل محاولة لفهم الله وفق حدود الإنسان هي جزء من الخيانة نفسها، خيانة دقيقة، صامتة، متجذرة في أعماق الروح. حين يشتد صراع الوعي، يصبح كل شيء حول الإنسان مرآةً مزدوجة: الظلّ يعكس ضوءًا لم يُرَ بعد، والنور يسلط نفسه على فجوات لم تُملأ. هنا، في هذه الساحة الرمزية، يظهر التوازن الهش بين الحاجة النفسية والخضوع للمطلق، بين الصورة المصنوعة والحقائق التي لا تُرى إلا من خلال الشقوق. فالوعي البشري، في محاولته لحماية ذاته، يضع القيود على المطلق، ويصنع الإله كما يريده، بينما الحقيقة الإلهية - إن كانت موجودة - تتجاوز كل القيود، كل التصورات، وكل الرغبات. والقرآن يضع هذا الصراع في سياقه الروحي العميق: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾ فكل محاولة لتقييد المطلق بصورة مريحة هي خيانة للوعي نفسه، لأن الحقيقة تعود دومًا إلى مصدرها، وليس إلى ما نصنعه نحن. والوعي، حين يخفي هذه الحقيقة عن نفسه، يصبح كائنًا حيًا يتحرك بين الرغبة والخوف، بين الصورة والمطلق، بين الحاجة والإدراك. وفي رمزية الصوفية، كما قال الحلاج: «الذي يربط الله بصوره، يربط نفسه بالسلاسل. » فالوعي هنا ليس مجرد آلة تفكير، بل كيان حيّ يختبر الإنسان في كل صلاة، في كل ذكر، في كل لحظة صمت، ليكشف له أن ما يظنّه حمايةً هو في الحقيقة خيانة صامتة. وكل رمز، كل مرآة، كل انعكاس، يصبح جزءًا من هذا الاختبار: الماء الذي يلمع في ضوء القمر ليس ماءً فقط، بل رسالة للروح؛ الليل ليس فراغًا فقط، بل امتحانًا للصبر؛ الزمن ليس مرورًا، بل كائن حي يختبر مدى استعداد الإنسان لمواجهة اللامحدود. وفي مقالاتي السابقة كتبت: «الإنسان الذي يظنّ أنّه يحمي نفسه بالإله الذي صوّره، ينسى أنّه في كل صورة يخلقها يخون الحقيقة ويهدم نفسه. »وهنا يظهر التوازن الرمزي: الوعي كخائن وصالح، كمرآة للنور وظلّ للحق، كحارس على صورة صنعتها الحاجة، وككائن يهمس بصمت: «لن تفهم إلا حين تترك كل صورة جانبا، وحين تجرؤ على مواجهة الفراغ بلا وسادة. » الوعي، بهذه الطريقة، يصبح مختبرًا صامتًا، حيث كل صورة مصنوعة، كل رغبة في السيطرة على المطلق، كل خوف من الفراغ، تُعيد تشكيل الروح عبر رموز معقدة، انكسارات في المرآة، ظلال تخفي نورًا، وزمن يتلوى كما يشاء، ليترك الإنسان في مواجهة مستمرة مع ذاته، ومع المطلق الذي لم يضعه تحت قيود. وهكذا تتوسع الخيانة الداخلية: كل حماية للوعي، كل إسقاط لحاجاتنا على المطلق، كل محاولة لاحتواء ما لا يُحتوى، تصبح خيانة دقيقة، صامتة، عميقة، لا تُرى إلا لمن يمتلك الجرأة ليقف أمام المرآة، أمام الظلّ والنور، أمام الزمن، بلا صور، بلا وسائد، بلا أمان زائف. حين يقف الإنسان في النهاية أمام ذاته، أمام مرآة الوعي، أمام الظلّ والنور، يدرك أنّ الخيانة ليست فعل الكون، ولا نقص الإله، بل خيانة الإنسان لصورته عن الحقيقة، وخيانة وعيه لنفسه حين يختبئ خلف حاجاته وصوره المصغرة. فالوعي، الذي حاول حماية النفس، أصبح سجانًا داخليًا، يضع حدودًا لما لا يُحدّ، ويخفي المطلق خلف ستارٍ من تصورات وطمأنينة زائفة. في هذا الامتداد الرمزي، يصبح كل سقوطٍ، كل ألم، كل اضطراب، رسالة صامتة من الكون والزمان والروح: أن الحقيقة أكبر من القدرة على حملها، وأن المطلق لا يختزل، ولا يحتاج إلى صورٍ تُصنع لتُرضي الخوف. فالإنسان حين يعي ذلك، لا يلوم الكون ولا يشك في الإله، بل يواجه نفسه، يواجه الخوف، ويترك الظلال لتكشف النور، ويترك الانكسارات لتعلّم الروح كيف تكون صافية، بلا وسائد، بلا صور، بلا أمان زائف. والقرآن يضع اللمسة الأخيرة على هذا الامتداد:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ فالصدق مع الذات هو الطريق الوحيد لاختراق صورة الإله المصغّرة التي صنعها الوعي، ولفتح الباب أمام فهم ما لا يُرى، وما لا يُقاس، وما لا يُختزل. هنا، في صمت النهاية، يظهر المعنى الحقيقي للوعي كخائنٍ ثانٍ: ليس عقابًا، ولا نقمة، ولا غيابًا، بل فرصة للروح كي تفرّق بين الصورة والمطلق، بين الظل والنور، بين ما صنعناه وما هو موجود بالفعل. فالخيانة الكبرى لم تعد خارجية، بل داخلية، صامتة، حية، تتربّص بالإنسان حتى يجرؤ على رؤية الحقيقة بلا غطاء، بلا خوف، بلا وسادة من الطمأنينة الزائفة. وهكذا تختتم رحلة الوعي والصورة والخيانة، لتبقى المرآة ممتدة أمام الروح، صامتة، مضيئة بالرموز، جاهزة لكل من يملك الجرأة لمواجهة ما لا يُرى إلا بالصمت الكامل والوعي المطلق. الموضوع الخامس

5: مأزق العقل: لماذا لا نكفّ عن تبرير الوجود باسم الإله؟

في عمق الليل، حيث يختلط الظل بالنور، يقف العقل البشري مرتجفًا أمام الفراغ، محاطًا بصمت الكون المرعب، يتساءل: لماذا نصرّ على إلباس الوجود صورة الإله، بينما الكون يرفض كل القيود، وكل المعاني؟ هنا، في هذه اللحظة، يظهر المأزق: العقل يصرخ ليطمئن نفسه، لكنه يعرف في صمت أنّ الصرخات لا تُسمع، وأن الفراغ أكبر من كل حججنا، وأوسع من كل صورنا. فالإنسان، حين يواجه الموت، حين يرى الألم، حين يشعر بالضياع، يبحث عن حزام أمان يُسمى الإله. لكنه في هذا البحث، لا يواجه الحقيقة، بل يختلق صورةً، يلبسها، يقدسها، ويستعملها كغطاء على الخوف الذي ينهشه من الداخل. هنا يصبح العقل خائنًا، لكنه خيانة مزدوجة: خيانة للوعي، خيانة للحقيقة، خيانة للمطلق، لأنه يصرّ على تبرير كل حدث باسم الإله، بينما الأحداث نفسها لا تعرف الرحمة، لا تعرف العدالة، ولا تعرف الإنسان. وفي هذا الصمت المهيب، يظهر الرعب الحقيقي: أن العقل ليس مجرد أداة تفكير، بل سجنٌ داخلي، مرآة مزدوجة، غرفة مظلمة لا يجرؤ أحد على كشف كل زواياها. فالإنسان يخلق الإله، يعبده، يوسّع القوانين باسمه، ويبرّر كل شرّ وضرر، لكنه في الحقيقة يواجه نفسه فقط، ويخاف من مواجهة الفراغ بلا وسادة، بلا صورة، بلا وهم. والقرآن يضع النقطة على هذا الرعب الخفي: ﴿أَمْ يَحْسَبُ أَنَّهُ يُتْرَكَ وَلا يُرْجَعُ إِلَيْهِ﴾ فكل محاولة لتبرير الوجود باسم الإله ليست سوى هروب من المواجهة، هروب من صمت المطلق، هروب من حقيقة أن الكون لا يحتاج إلى تفسيرات، وأننا نحن من نصرّ على خلق تفسيرات لنحمي أنفسنا من رؤية الحقيقة. وفي رمزية الصوفية، كما قال الحلاج: «من جعل الله وسادة لنومه، أصبح نفسه سجّانها. »فالعقل حين يستخدم الإله كغطاء، يصبح سجنًا للروح، ويحوّل كل ظلال الكون إلى مرعب داخلي، كل ضجيج الطبيعة إلى صرخة، وكل فراغ إلى حفرة تتسع بلا نهاية. وهنا تتضح المفارقة: الإنسان يصرّ على تفسير الكون، لكنه لا يعرف أنّ تفسيره هو ذاته الذي يُخنق الروح، ويزيد الرعب الداخلي، ويحوّل المأزق إلى دائرة مرعبة، لا مخرج لها سوى الصمت، والوعي، والجرأة لمواجهة ما لا يُرى إلا بلا صور، بلا وسائد، بلا أمان زائف. حين يلتصق العقل بصور الإله المصنوعة، يصبح كل شيء حول الإنسان مرآة مزدوجة، تعكس الخوف وتخفي الحقيقة. فالفراغ الذي يحدق به من كل جانب، لا يمكن للإنسان أن يتحمّله بلا وسيلة حماية، فالأفكار، الرموز، الصلوات، الصور الذهنية للإله، تتحول إلى أحزمة أمان وهمية تغطي الرعب الداخلي، لكنها في الوقت نفسه تولّد وحشية صامتة داخل الروح، لأن كل محاولة لاحتواء اللامحدود تصبح خيانة للحقيقة. الكون، بهذا الامتداد، ليس متآمرًا، لكنه كائن حي، بارد، بلا رحمة، بلا تفسيرات، يصرّ على كشف الحدود التي يضعها العقل لنفسه. وكل مرة يحاول الإنسان أن يبرر حدثًا باسم الإله، يرى في نفسه صدى الصمت، صدى الفراغ، صدى الصرخة التي لا يسمعها إلا من يملك الجرأة ليقف وحيدًا أمام مطلق لا حدود له. ووالقرآن يحذر من هذا الامتداد الرمزي للوعي: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ فالوعي الذي يختبئ وراء الصور المزيفة يمرّ بالظلال بلا كرامة، يمرّ بالفراغ بلا مواجهة، يمرّ بالحقيقة بلا إدراك. وهنا، الرعب ليس في الخارج، بل في الفراغ الداخلي، في المرآة المزدوجة، في المكان الذي لا يرى فيه الإنسان سوى نفسه، مخنوقًا بوسادة وهمية تسمى الإله. وفي رمزية الصوفية كما قال الحلاج: «من جعل الظلّ ضوءه، صار الرعب مأواه. »فالإنسان حين يختزل اللامحدود في صورة، كل لحظة من الفراغ تصبح أكثر رعبًا، كل حدث غير مفهوم يتحوّل إلى صرخة داخلية، وكل محاولة لتفسير الوجود باسم الإله تصبح سلاسل على الروح، تقيّدها، تحبسها، وتحوّل العقل إلى مختبر للوحشية الصامتة. وهكذا، كل برهان، كل تفسير، كل نصّ مقدّس يُستعمل لتبرير الوجود، يصبح مرعبًا مزدوجًا: مرعب للروح التي تعرف أنها أمام المطلق. مرعب للعقل الذي يظن أنّه يحمي نفسه. مرعب للوعي الذي يكتشف أنّ كل صورة صنعها لتخفيف الخوف، كانت في الحقيقة بوابة للوحشية الداخلية التي لا تعرف الرحمة. وفي هذا الامتداد الرمزي، يظهر مأزق العقل الحقيقي: لا قدرة له على الهروب من الحقيقة، ولا قدرة للروح على التخفيف من الرعب، ولا قدرة للوعي على حماية نفسه إلا بالجرأة لمواجهة الفراغ بلا وسائد، بلا صور، بلا أمان زائف. فالمرعب الحقيقي ليس في الكون، بل في العقل الذي يصرّ على فرض معنى على ما لا معنى له، في الخداع الصامت الذي يظن أنّه حماية، وفي الظلال التي تغطي النور بلا معرفة. حين تتسلّل فكرة التبرير إلى أعماق العقل، يبدأ الرعب الحقيقي، ليس في الظاهر، بل في الداخل: في الفراغ الذي يلتهم كل صورة، في الظلال التي تنكسر على جدار الوعي، في الصمت الذي يصرخ بلا صوت. العقل يخلق الإله، يلبس الأحداث لباسًا من المنطق، يصف الألم بالرحمة، يبرّر الفوضى بالقدر، لكنه في كل ذلك يقيم سجنًا لنفسه، ويحوّل الروح إلى مختبر للظلال. المرآة هنا مزدوجة: تعكس ما صنعه العقل من صور، وتكشف فجوات الحقيقة التي لا يجرؤ الإنسان على مواجهتها. كل صورة مصنوعة، كل تفسير مفروض، كل محاولة لربط الحدث بالمقدس تصبح سلاسل على الروح، تقيدها، تغلق عليها النوافذ، وتتركها تتوه وسط ردهات الظل والنور، حيث كل خطوة إلى الأمام تصادف صدى الفراغ، وكل كلمة محاولة لفهم تتكسّر على جدران الصمت. وفي الرمزية الصوفية، كما قال الحلاج: «الذي يريد أن يحمي نفسه بالإله الذي صنعه، يصبح هو نفسه الأسير والجلاد. » فالإنسان، في محاولة العقل تبرير كل شيء، يصنع وحشًا صامتًا داخليًا: كل فكرة عن العدالة، كل تصور للرحمة، كل توقع للنظام، تتحوّل إلى ظلّ ثقيل يثقل على الصدر، ويترك الروح تتلوى بين الحاجة والحقيقة، بين الخوف والمطلق، بين الصور المصنوعة واللامحدود الذي لا يُرى إلا بالصمت والجرأة. ويضع القرآن أمام الوعي هذه الصورة المرعبة: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُمْ يُمْلَكُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَيْسَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ فالإنسان يظن أنّه يبرّر الأحداث باسم الإله، بينما الحقيقة تقول إن لا أحد يملك تفسير المطلق، ولا أحد يحمي الروح إلا مواجهة نفسها، لا الصور، ولا الوسائد، ولا الأوهام. كل محاولة لتفسير الكون باسم الإله هي مرآة مكسورة، حيث تنعكس فيها ظلال الرعب، وتمتد إلى كل زوايا العقل والروح، لتكشف أن العقل في مأزقه الحقيقي: لا يستطيع الهروب، ولا يمكنه أن يخفف الرعب إلا بمواجهة الفراغ بلا وسادة، بلا حماية، بلا صورة مصنوعة. كل رمز، كل انعكاس، كل انكسار في المرآة، يصبح رسالة مزدوجة: تحذير من الهروب، تنبيه من الوهم، وساحة اختبار صامتة للوعي، حيث كل صورة نخلقها لحماية أنفسنا تصبح وحشًا داخليًا أكثر رعبًا من أي حدث خارجي. كل ضجيج الطبيعة، كل ألم، كل فوضى، كل موت، كل صرخة صامتة للكون، تصبح انعكاسًا مباشرًا لمأزق العقل، لتؤكد أنّ محاولة فرض معنى على ما لا معنى له هي أكبر خيانة للوعي وللروح. وهنا يظهر الامتداد الأكثر رعبًا: أن العقل، في سعيه للحفظ، لا يدرك أنه يُنشئ دائرة لا تنتهي من الظلال والصمت والرعب، وأن كل محاولة لملء الفراغ باسم الإله، كل تفسير للوجود باسم الحماية، كل إلصاق معنى بالمطلق، تصبح سجناً داخليًا، وحوشًا صامتة، ومرايا لا تنكسر إلا بمواجهة الجرأة المطلقة للصمت. حين يلتف العقل حول صور الإله المصنوعة، يصبح كل شيء حول الإنسان خريطة للظلال، ومرايا للفراغ. كل محاولة لتفسير الحدث باسم المقدس ليست مجرد تبرير، بل استدعاء للوحش الداخلي الذي يعيش في أعمق زوايا الوعي. هنا، كل ألم يتحوّل إلى صرخة، كل فوضى تصبح صدى الصمت، وكل حدث خارج سيطرة الإنسان يصبح مرآة مزدوجة: تعكس خوف العقل، وتكشف الحقيقة التي لا يستطيع مواجهتها. الرموز الصوفية تصبح هنا لغة الرعب: الظل ليس مجرد غياب نور، بل كائن حي يختبر الروح ويقيس مدى استعدادها للجرأة على رؤية المطلق بلا صور. الانكسارات في المرآة ليست مجرد صور، بل فتحات للفراغ الذي يبتلع كل صورة مصنوعة. الزمن، كما يُدركه الصوفي، ليس مرورًا هادئًا، بل كائن حيّ يتلوى، يضغط على الإنسان، يكشف تناقضاته، ويضاعف الرعب الداخلي، حتى يصبح كل لحظة مواجهةً بين ما يصنعه العقل وما يفرضه الواقع الكوني. القرآن يلمّس هذا الامتداد الرمزي:

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ فالوعي الذي يحجب الحقيقة عن نفسه، يصبح أعمى وصامتًا داخل ظلاله الخاصة، يظن أنه يبرّر، بينما هو يُحتجز في دوائر من الخوف والوحشية الداخلية. كل تبرير باسم الإله يتحول إلى مرآة مكسورة، كل صورة مصنوعة تغلق نافذة على الحقيقة، وكل محاولة للعقل لتقليص المطلق تصبح خيانة مزدوجة: للروح وللمطلق. وفي فلسفة الحلاج: «من جعل الظل ضوءه، صار الرعب مأواه؛ ومن أسر نفسه بالصور، صار السجن نوره. » الإنسان، حين يصرّ على فرض معنى على ما لا معنى له، يخلق سلاسل صامتة، يحبس بها روحه، ويضخم رعب الفراغ الداخلي. كل انعكاس في المرآة المزدوجة، كل رمز صوفي، كل انكسار، يصبح درسًا صامتًا للجرأة المطلوبة لمواجهة الحقيقة. الوعي هنا ليس مجرد مراقب، بل وحش حيّ، يقيس حدود الإنسان، يختبر قدرته على الصمود أمام الفراغ المطلق، ويجعل كل صورة مزيفة للإله أكثر رعبًا من أي حدث خارجي. فالعقل في مأزقه، الروح في امتحانها، والمرآة الصامتة أمام كل شيء، تقول للإنسان: «لن تفهم إلا حين تتجرأ على ترك كل صورة، وتواجه الفراغ بلا وسادة، بلا أمان زائف، بلا حماية». حين تتوقف المرآة عن الانكسار، ويصمت الظلّ والنور معًا، يدرك الإنسان أنّ الخيانة الكبرى ليست في الكون، ولا في غياب الإله، بل في العقل الذي يصرّ على فرض معنى على ما لا معنى له. كل محاولة لتبرير الوجود باسم الإله، كل صورة مزيفة، كل وسادة وهمية، تصبح سلاسل على الروح، تجعلها أسيرة للوحش الداخلي الذي يعيش في أعماق الوعي. في هذا الصمت، يظهر الرعب بلا ستار: الفراغ يبتلع كل الصور، الظلال تختبئ وراء النور، والزمن كائن حيّ يلتف حول الإنسان، يضغط عليه، يكشف هشاشته، ويتركه يواجه الحقيقة بلا أمان، بلا وسائد، بلا صور. فالوعي، الذي حاول حماية العقل والروح، أصبح خائنًا مزدوجًا: خيانة للذات، وخيانة للحقيقة، خيانة للكون، وخيانة للروح التي تبحث عن المطلق بلا قيود. ويضع القرآن النقطة الأخيرة على الامتداد الرمزي: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ فالوعي المغلق، العقل المبرّر، الصورة المصنوعة، كلهم أقفال على الحقيقة، تمنع الإنسان من رؤية المطلق كما هو، من إدراك الفراغ بلا وسادة، ومن معرفة الرعب الذي هو ذاته، بلا مرآة، بلا ظل، بلا نور، بلا أي غطاء زائف. وفي رمزية الصوفية كما قال الحلاج: «من لم يجرؤ على الصمت الكامل أمام الفراغ، صار فراغه صامتًا يأكله. » فالمرعب الحقيقي ليس خارجيًا، بل داخلي: في كل صورة صنعها العقل، في كل تفسير لكون لا يفسر، في كل محاولة لحماية الذات من الفراغ. هنا يكمن مأزق العقل النهائي: أن يواجه نفسه، خائفًا، بلا أمان، بلا وسادة، بلا صورة مصنوعة، أمام المطلق الذي لا يُرى إلا بالجرأة المطلقة. وهكذا، تنكشف الحقيقة الأخيرة: كل تبرير باسم الإله، كل محاولة لتقييد المطلق، كل صورة مزيفة، تصبح مرآة للوحشية الداخلية، وجسرًا للوعي لمواجهة الفراغ الحقيقي، والصمت الأبدي الذي لا يرحم ولا يختبئ وراء أي صورة أو وسادة أو ظل.

6: نحو قراءةٍ جديدة: الإله كفكرة غير مكتملة

حين نرفع أعيننا نحو السماء، لا نرى الإله كما نتصوره، بل نرى أنفسنا، نرى صورًا محشوة بالخوف والأمل، نرى ظلّ الحاجة ورعب الفراغ، نرى انعكاساتنا التي تفتقد المطلق. الإله، في هذه القراءة الجديدة، ليس صورة مكتملة، ليس كتابًا يمكن ختمه، ليس حدثًا يمكن اختزاله في كلمات. الإله كفكرة، دائمًا ما تتلوّى، دائمًا ما تهرب من العقل، دائمًا ما تتحدى الصور التي نصنعها. فالكون، بهذا الامتداد، يصبح لغة صامتة، يكتب نفسه بين النجوم والكواكب والفوضى، بين الألم والفرح، بين الموت والولادة، بين الظل والنور، كما لو أنّ كل شيء يقول للوعي: «لن أكون ما تريد أن أكون، بل ما أنا. » وهنا يكمن الإعجاز الحقيقي، كما في القرآن: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ فالإله، كالكون، لا يُدرك بالكامل إلا من خلال التجربة، ولا يُختزل إلا لمن يملك الجرأة على مواجهة الغيب، وعلى التساؤل بلا حدود، بلا وسائد، بلا أمان زائف. وفي صوفية الغموض، كما قال الحلاج: «من أراد أن يعرف الله كملكه، يعرف نفسه أولاً كعبيده، ومن عرف نفسه فَهِمَ اللامحدود. » فالقراءة الجديدة تقول: الإله ليس ما نعلق عليه أعيننا، بل ما يعلّق أعيننا عليه. كل محاولة لتثبيت صورة، كل رغبة في الاختزال، كل رغبة في السيطرة، تصبح خيانة للفكرة نفسها، وخيانة للوعي، وخيانة للروح. الرموز هنا لا تُفسّر، بل تُقرأ في صمت: الضوء الذي ينكسر على الماء ليس مجرد ضوء، بل تلميح للإله الذي يهرب من الصورة. الظل الذي يختبئ خلف الشجرة ليس مجرد ظلال، بل صوت المطلق الذي لا يمكن للبشر احتواؤه. الزمن الذي يتلوى بين الأمس والغد ليس مجرد مرور، بل كائن حيّ يختبرنا في قدرتنا على فهم ما لا يُرى إلا بالغموض والصمت. في هذا الامتداد، تصبح الفكرة غير مكتملة وسيلة للتواضع أمام المطلق، وتدريبًا للوعي على مواجهة الفراغ، والظلال، واللانهائية. كل تجربة، كل ألم، كل فرح، كل حدث في الوجود، يصبح رسالة مزدوجة: رسالة للروح، ورسالة للعقل الذي يريد الاختزال، رسالة للوعي الذي يريد السيطرة، ورسالة لكل إنسان يصرّ على فهم ما لا يُفهم إلا بالغيب. فالوعي هنا يصبح كالسفينة في بحر لا حدود له، والإله كالماء الذي يحيط بها، لا يمكن للإنسان أن يختزله، ولا يمكن للروح أن تسيطر عليه، بل يجب أن تتعلم التكيف مع لانهائيته، وتراقب انعكاساته في كل لحظة، في كل رمز، في كل صمت، في كل نبرة من الكون. وهكذا، نصل إلى حقيقة هذه القراءة الجديدة: الإله ليس مطلقًا مكتملًا في أذهاننا، بل كائن حيّ، لغز أبدي، كتاب مفتوح بلا صفحات محددة، ظلال ونور بلا نهاية، وحقيقة لا تُدرك إلا بالغموض والجرأة على الصمت الكامل. حين ينحني العقل أمام الفراغ، ويبحث الروح عن معنى وسط الظلال، ندرك أنّ الإله ليس صورة تُرى، بل صمت يكتب نفسه بين النجوم والكواكب والفوضى. كل محاولة لتثبيت صورة، كل محاولة لتفسير الحدث باسم المقدس، تصبح سلاسل صامتة تُقيد الروح وتحبس العقل، وتُعيدنا إلى المأزق الأول: أننا نريد أن نعرف المطلق بما يناسبنا، بينما المطلق لا يلتزم بنا. فالرموز هنا ليست للتفسير، بل للقراءة في صمت: انعكاس الضوء على الماء ليس مجرد انعكاس، بل نقطة بداية لمحادثة صامتة مع الغيب. كل ظلّ يختبئ خلف الشجرة، كل همس للريح، كل تموج في الزمن، يصبح رسالة مزدوجة: تهمس للروح عن لانهائية الإله، وتصرخ للعقل عن محدودية ما صنعه في ذهنه. والقرآن يؤكد هذا الامتداد الغامض للوعي: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ فالإنسان قد يظن أنّه يخلق صورة كاملة، لكنه في الحقيقة يراقب ظلّ الحقيقة يتلوّى أمامه بلا حدود. الإله هنا ليس ما نصنعه، بل ما يعلّمنا أن نصغي، أن نصمت، أن نترك العقل يذوب في الغموض قبل أن يعود، متواضعًا، أمام المطلق. وفي فلسفة الحلاج: «من ظن أنه عرف الله، لم يعرف إلا نفسه المقيّدة بالصور. » فالوعي حين يلتفت إلى الصورة، كل رمز يصبح بوابة للفراغ، ومفتاحًا لرؤية ما لا يُرى إلا بالجرأة المطلقة على الصمت. كل ألم، كل فرح، كل حدث في الكون، يصبح اختبارًا للروح، ومرآة للوعي، وحقلًا للخيال الغامض الذي يربط بين الظل والنور، بين الصورة والمطلق. وهنا يتكشف الإعجاز: الإله كفكرة غير مكتملة ليس خطأً في العقل، بل رحلة مستمرة للوعي، ومرايا بلا نهاية، وظلال تتلوّى في كل لحظة، وصمت يُعيد تشكيل الروح لتستوعب لانهائية الحقيقة. حين تنكسر صورة الإله المصنوعة في ذهن الإنسان، يظهر الامتداد الأكثر غموضًا: الإله ليس كائنًا يمكن اختزاله، بل ظلّ مطلق يتلوّى بين كل لحظة وأخرى، بين كل شعور وفكرة، بين كل فراغ ووجود. كل محاولة للعقل لفهمه، كل رغبة للروح في تقريبه، تصبح مرآة مزدوجة: تعكس محدودية الإنسان، وتكشف لانهائية المطلق، وتجعل كل رموزنا مجرد نوافذ صغيرة على ما لا يُرى إلا بصمت، وغموض، وجرأة. الرموز الصوفية تتضاعف هنا: الضوء الذي يمر عبر فتحة في الجدار ليس مجرد ضوء، بل شعاع الحقيقة الذي يختبئ كل صورة صنعها العقل. الظل الذي يلتف حوله الفكر ليس مجرد غياب ضوء، بل اللامحدود الذي يراقب وعي الإنسان، ويختبر مدى استعداده لمواجهة الفراغ بلا وسائد، بلا صور، بلا أمان زائف. وفي القرآن نجد التلميح لهذا الامتداد الغامض: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ وَمَا أَمْرُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ فالإنسان يظن أنّه يخلق صورة كاملة، لكنه في الحقيقة يراقب الحقيقة تتلوّى أمامه، لا يمكن للعقل أن يحويها، ولا للروح أن تسيطر عليها إلا بالجرأة المطلقة على الصمت والغموض. وفلسفة الحلاج تعمّق هذا الغموض: «من لم يترك كل صورة، صار ظله سجين نفسه، ومن تركها رأى الضوء الذي لا يُحاط. »فالوعي حين يختبئ وراء الصورة، يصبح سجّانًا لنفسه، كل رمز يصبح مرآة للفراغ الداخلي، وكل انعكاس ضوئي يتحوّل إلى درس صامت عن لانهائية المطلق، وعن حدود العقل، وعن الرعب الجميل الذي يولده الغموض. كل لحظة، كل تجربة، كل ألم، كل فرح، تصبح رسالة مزدوجة: رسالة للمطلق، ورسالة للروح، ورسالة للوعي، ورسالة للعقل الذي يصرّ على اختزال ما لا يُختزل. فالإله كفكرة غير مكتملة ليس نقصًا في العقل، بل دعوة للوعي للارتقاء فوق الصور، فوق الرموز، فوق كل وسادة زائفة، ومواجهة الفراغ المطلق، حيث لا يقف سوى الصمت والجرأة المطلقة. وهكذا تتوسع الرحلة: الإله ليس ما نصنعه، بل ما يصنعنا ونحن نحاول فهمه، ونعيش غموضه، ونختبر لانهائيته في كل لحظة، في كل رمزية، في كل ظل، في كل نور، في كل صمت. حين يتقدم العقل ليملأ الفراغ باسم الإله، يدرك الوعي فجأة أنّ كل صورة خلقها، كل تفسير رسمه، كل قانون وضعه، ليس سوى مرآة مزدوجة تُعيد له صورة نفسه محدودة ومقيدة. الإله هنا ليس ما يراه الإنسان، بل اللانهائي الذي يختبر الإنسان من خلال كل تجربة، وكل رمز، وكل لحظة من الألم والفرح، وكل همس للكون. الرموز الصوفية تصبح أكثر حدة: الضوء الذي يمر عبر الشقوق ليس مجرد ضوء، بل حرف من حروف الحقيقة التي لا يمكن للعقل أن يلمسها إلا بالتصالح مع مجهوليته. الظلال ليست مجرد غياب للنور، بل لغة المطلق التي يكتب بها الكون نفسه، ويتحدث بها إلى كل روح تبحث عن معنى بلا وسائد، بلا صور، بلا أمان زائف. ويضع القرآن هذه الحقيقة أمام الوعي البشري: ﴿وَلَهُ مُعَقِّبُو الْأَمْرِ ۖ مِنْهُ يُرْسَلُونَ﴾ فالكون ليس بحاجة لأن يفسّر نفسه، والإنسان ليس قادرًا على اختزاله، وكل محاولة لتبرير الأحداث باسم الإله هي محاولة للعقل ليقنع نفسه قبل أن يقنع الكون. الحلاج يضيف عمقًا صوفيًا: «من أراد أن يعرف الله، فليعرف نفسه أولاً؛ ومن عرف نفسه، رأى اللانهائي يحوم حوله بلا قيود، بلا ظلال، بلا وسائد. »فالوعي حين يواجه الفراغ، حين يواجه المطلق بلا صور مصنوعة، يصبح أقوى، وأوضح، وأكثر غموضًا في آن واحد. كل ألم يصبح مرآة للرحمة المفقودة، كل فرح يصبح تلميحًا للحرية المطلقة، وكل حدث يصبح رسالة مزدوجة بين الروح واللانهائي. وهكذا، تصبح فكرة الإله غير مكتملة رحلة مستمرة للوعي نحو الجرأة المطلقة، للروح نحو مواجهة الفراغ، وللعقل نحو التواضع أمام المطلق الذي لا يمكن اختزاله، ولا يمكن للعقل أن يحويه، ولا يمكن للصور أن تقيّد حريته. حين يذوب العقل في الرموز، وتختفي الصور المصنوعة، ويصمت الظل والنور معًا، يدرك الإنسان أنّ الإله ليس ما يراه أو يختزله، بل مطلق يختبئ في كل شيء، في كل لحظة، في كل صمت، وفي كل انعكاس للروح على المرآة المزدوجة للعقل والوجود. كل محاولة لفهمه، كل رغبة للسيطرة عليه، كل تفسير باسم المقدس، تصبح بوابة للفراغ، وجسرًا للوعي نحو الجرأة المطلقة، وتجربة صوفية لا يمكن للعقل أن يحيط بها بالكامل. الرموز هنا تتضاعف: الضوء الذي يتسلل بين الشقوق ليس مجرد نور، بل خطوة نحو الإدراك الكامل للغيب، وكل ظل يصبح نبرة من نغم المطلق. الزمن، الذي يتلوى بين الأمس والغد، يصبح كائنًا حيًا يختبر الإنسان، يضغط عليه، يكشف هشاشته، ويتركه يواجه الفراغ بلا أي وسادة أو حماية. القرآن يضع الوعي أمام هذه الحقيقة: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾فالوعي المغلق على الصور المزيفة، والعقل المبرّر للوجود، يصبح سجينًا للظل الداخلي، لا يرى الحقيقة إلا حين يجرؤ على ترك كل وسادة وكل حماية وهمية. وفي صوفية الحلاج: «من لم يجرؤ على الصمت الكامل أمام المطلق، صار فراغه صامتًا يأكله، ومن جرؤ، رأى كل شيء بلا قيود، بلا ظل، بلا وسادة، بلا صورة. » فالوعي حين يواجه المطلق، حين يترك كل الصور المصنوعة، حين يذوب العقل في صمت الفراغ، يصبح حرًّا، غامضًا، مرعبًا، وممتلئًا بالجرأة المطلقة على معرفة ما لا يُعرف إلا بالغيب، والإحساس بما لا يُرى إلا بالقلب المرهف والصامت. هنا تنكشف الرحلة بالكامل: الإله كفكرة غير مكتملة ليس نقصًا في العقل، ولا خطأً في الروح، بل دعوة للوعي للارتقاء فوق كل صورة، وكل رمز، وكل وسادة، وكل ظل، وكل ضوء، ومواجهة الفراغ المطلق، حيث لا يقف سوى الصمت والجرأة المطلقة، وحيث لا يمكن للصور أن تحيط بالمطلق، ولا الكلمات أن تكتب الحقيقة، بل فقط الوعي الجريء الذي يجرؤ على الغوص في اللانهائي ويستمد منه القوة والصمت والحرية المطلقة.

الخاتمة: ما بين الصمت الإلهي وضجيج الوجود

حين يلتقي الإنسان بالصمت الإلهي، لا يسمع إلا صدى نفسه، صدى الروح المتلوية بين الحاجة والفهم، بين الظل والنور، بين الفراغ والوجود. كل سؤال عن السبب، كل محاولة لتفسير الحدث، كل رغبة لتثبيت معنى، تصبح همسًا في فناء الكون، صدىً يتلاشى بين المرايا المزدوجة للوعي والعدم. الوجود هنا لا يخون الإله، ولا يعلن غياب الحقيقة، بل يكتب لغة صامتة، يفرض على الروح أن تواجه نفسها، على العقل أن يذوب في الصمت، وعلى القلب أن يرى الفراغ بلا وسائد، بلا صور، بلا أوهام. كل ضجيج، كل ألم، كل فرح، كل موت، يصبح انعكاسًا للصمت الإلهي الذي لا يلتزم بصورة، ولا يجيب إلا بتجربة، ولا يمنح إلا بالجرأة المطلقة للوعي. القرآن يضع النقطة الصامتة بين كل رمزية: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ فالإله حاضر بلا صور، حاضر بلا أصوات، حاضر بلا إجابات جاهزة، يحاكي الوعي في صمته، ويختبر الجرأة التي يمتلكها الإنسان لمواجهة الفراغ المطلق. والحلاج يضيف صدى صوفيًا: «من اعتقد أن الصمت غياب، فقد أخطأ الطريق، ومن عرف الصمت مطلقًا، عرف نفسه والمطلق معًا. »فالخاتمة تكشف الحقيقة النهائية: أن الخيانة الكبرى ليست من الكون، ولا من الإله، بل من الوعي الذي يهرب من الحقيقة، من العقل الذي يصرّ على فرض الصور، ومن الروح التي ترفض مواجهة الفراغ بلا وسادة بلا أمان بلا صورة. كل شيء هنا يصبح انعكاسًا مزدوجًا: الصمت الإلهي يواجه ضجيج الوجود، والوعي يواجه صورًا صنعتها نفسه، والروح تواجه الفراغ المطلق الذي لا يُرى إلا بالجرأة المطلقة، بلا كلمات، بلا رموز، بلا وسائد، بلا حماية. وهكذا، يدرك الإنسان أن الوجود ليس في تبرير، ولا في تفسير، بل في الجرأة على الصمت، على مواجهة الفراغ، على رؤية الحقيقة بلا صور، وعلى الاستسلام المطلق للوعي الذي يراقب كل شيء بلا انكسار، بلا تحيّز، بلا وهمحين يغرق الإنسان في ضجيج الوجود، ويختنق العقل بمحاولات التفسير، يدرك أن الصمت الإلهي ليس غيابًا، بل لغة صامتة تتحدث عبر كل حدث، كل ألم، كل فرح، وكل انهيار في الكون. كل محاولة لتبرير ما يحدث باسم المقدس تصبح مرآة مزدوجة تعكس حدود العقل وحدود الصور التي صنعها في ذهنه. الرموز تصبح هنا وسائط غامضة: انعكاسات الضوء على الماء ليست مجرد انعكاس، بل حرف من حروف الحقيقة التي لا تُرى إلا بالوعي المطلق، وبالتجربة الصامتة التي تذوب فيها كل وسادة وهمية، وكل حماية زائفة. الظل الذي يلتف حول كل فكرة، والنور الذي يخترق كل حدث، يصبحان رسائل مزدوجة للروح والعقل، ليدرك الإنسان أن كل تفسير جزئي، وكل صورة مصنوعة، ليست سوى بداية لفهم اللانهائي. القرآن يضع الوعي أمام هذا الامتداد: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ﴾ فالوجود يختبر الإنسان بصمت، يحمله بين الظلال والنور، بين الفراغ والامتلاء، بين الظل الذي لا يزول والنور الذي لا يُحاط به، ليعلّم الروح أن الإله ليس ما نصنعه، بل ما يخلقنا ونحن نحاول فهمه، وأن الضجيج والفراغ معًا هما طريقنا نحو إدراك الحقيقة المطلقة. كل ضجيج، كل صخب، كل انكسار، وكل تجربة تصبح مرايا تتلوى أمام الوعي، تعكس مدى استعداده لمواجهة الفراغ المطلق، وتكشف أن الصمت الإلهي ليس غيابًا، بل دعوة لمواجهة الحقيقة بلا صور، بلا وسائد، بلا حماية، وبلا وساطة عقلية زائفة. حين يلتقي الضجيج الوجودي بالصمت الإلهي، يذوب الإنسان في مرايا لا تنتهي من الظلال والنور، بين الفراغ والامتلاء، بين الصوت والصمت، بين ما يُرى وما يختبئ. كل محاولة لفهم أو تفسير، كل رغبة للسيطرة على الأحداث باسم المقدس، تصبح صدى يتكرر في الفراغ، يختبر صبر الروح، ويواجه العقل باللانهائي الذي لا يمكن احتواؤه. الرموز تتضاعف: الضوء الذي يخترق الشقوق، الصوت الخافت الذي يلوذ بالصمت، التموجات في الماء، وحتى حركة الهواء بين الشجر، كلها حروف من لغة الوجود التي لا تُفهم إلا بالوعي الكامل، ولا يُدركها إلا من يجرؤ على مواجهة الفراغ بلا وسادة، بلا صورة، بلا حماية. فالإنسان هنا يقف على حافة التجربة المطلقة: كل ألم يصبح رسالة، كل فرح يصبح مرآة، وكل حدث يصبح اختبارًا للوعي لمواجهة الحقيقة دون وسادة، دون أمان، دون أي وسيلة لتخفيف الصدمة. الضجيج يصبح انعكاسًا للصمت، والصمت يصبح انعكاسًا للضجيج، والوعي يقع بينهما، يذوب ويصير جزءًا من اللانهائي. القرآن يضع هذه الحقيقة أمام الإنسان: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ فالوجود لا يبرر نفسه، والإله لا يفرض صورة، والوعي الذي يختار الصورة الزائفة يصبح أسيرًا في دائرة الضجيج والصمت، في مرآة مزدوجة تعكس محدودية الإنسان وإبداع المطلق. كل شيء هنا يصبح تجربة صامتة، اختبارًا للجرأة على مواجهة اللانهائي، على رؤية الحقيقة بلا وسائد، بلا صور، بلا حماية، على الانصهار بين الصمت والضجيج، والوعي الذي يصبح أداة لاكتشاف المطلق من خلال الفراغ نفسه. حين يتلاشى الظل والنور، ويذوب العقل في مرايا الفراغ، يصبح الوعي صدىً بلا نهاية، موجةً في بحر اللانهائي، حيث الصمت يهمس بما لا يُقال، والوجود يصرخ بما لا يُسمع. هنا تولد الأبيات، موزونة، صوفية، مزدوجة المعاني، تعكس رحلة الإنسان بين الحاجة والفناء، بين الصمت والضجيج: أيا من تبحث في ضياء السحابِ. . . تجد الإلهَ في فراغٍ بلا جوابِ.. كل نورٍ انعكس على الماءِ كان سرًّا لا يُرى إلا في الصفاءِ.. الظلُّ يلتفُّ حول كل فكرٍ.. يحمل أسرارًا لا تحيط بها الأفقُ.. الزمان يجرّ الروح بلا شفقةٍ.. ويكشف المجهولَ في صمتٍ بلا نهايةِ.. الفراغُ يغني، والوعي يستمعُ.. للانهائي الذي لا يقاس ولا يُحكمُ فالقصيدة هنا ليست مجرد زخرفة، بل مرآة رمزية: كل بيت يوضح أن الوعي يقف بين الصور المصنوعة واللانهائي المطلق، بين الحاجة الإنسانية والصمت الإلهي، بين الضجيج الداخلي والوجود المتمدد بلا حدود. القرآن يلمّح لهذه الحقيقة أيضًا: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ فالوجود يختبر، والصمت يربّي، والروح تتعلم الجرأة، والعقل يتواضع أمام ما لا يُرى، بينما الإنسان يعيش رحلة رمزية مزدوجة بين الصمت والضجيج، وبين الظل والنور، والوعي والمطلق.

***

الكاتب سجاد مصطفى حمود

 

كان عنوان دراستي الأخيرة التي شاركت بها في مؤتمر الأخلاق ببغداد يحمل إشارة استفزازية عن "المفهمة" في سياق التأسيس لفلسفة أخلاقية قرآنية، من خلال مناقشة كتاب محمد عبد الله دراز "دستور الأخلاق في القرآن". وطبقا لذلك كان لا بد أن نعرض لبعض الزوايا الخفية الحافة بتأليف دراز لرسالة الدكتوراه تلك، خاصة وأن الكاتب قضى ما لا يقل عن 12 سنة في باريس (1936 – 1947) عايش فيها أحداثا كثر.

السؤال الأول الذي نبدأ بطرحه هنا هو المتعلق بالمشرف الذي رافق دراز لإنجاز رسالته؟ لا معلومة يقينية تُنبئُ عن ذلك، إذ لا نجد في الرسالة المنشورة عام 1951 ذكرا له في غلافها (الخارجي أو الداخلي). ولكن صهره السيد محمد بدوي، الذي رافقه في باريس وبقي بعده هناك، والذي أشرف على مراجعة الترجمة العربية والتقديم لها، يقول في مقدمته: "وتمّت مناقشة الرسالة أمام لجنة مكونة من خمسة من أساتذة السوربون والكوليج دي فرانس في 15 / 12 / 1947".

ويؤكد لنا دراز نفسه في ثنايا كتابه "أن لويس ماسينيون الأستاذ في الكوليج دي فرانس ... قد أبدى رغبة في أن يرى الدراسة تتناول في نفس الوقت بعض نظريات المدارس الإسلامية المشهورة، وهو في سبيل هذا الهدف قد مكّننا مما ضمت مكتبته من مؤلفات نادرة وثمينة".(1) ولعل ذلك هو ما دفع بعض الباحثين المعاصرين للتأكيد على أن المشرف على رسالة دراز كان لويس ماسينيون.(2) كما نجد هامشا في الصفحة 163 من كتاب دراز الآخر (Initiation au Qor’an)، وهي رسالته الثانية التي ناقشها في نفس العام، يذكر فيه محرر الكتاب أن اللجنة التي ناقشت الرسالتين تركّبتْ من: لويس ماسينيون، ليفي بروفنسال، ليسن، فالون، وفوكونّيي.(3)

كان لويس ماسينيون (1883-1962) يلعب دورا محوريا في توجيه عدد من الطلبة العرب المبتعثين للدراسة في فرنسا في النصف الأول من القرن العشرين، والاحاطة بهم ومساعدتهم في مساراتهم العلمية. ومن أبرز من كانت لهم علاقات وثيقة به الفيلسوف الشاعر محمد إقبال.(4) كانت علاقة إقبال وماسينيون قوية، يتبادلان الرسائل والكتب، ويناقشان أفكار بعضهما، بل كان ماسينيون هو من قدم لكتاب إقبال "تجديد الفكر الديني" في نسخته الفرنسية عام 1955 (صدرت النسخة الإنجليزية عام 1934).(5) ولكن إقبال كان أيضا متابعا ومتأثرا بالفيلسوف هنري برغسون (1859 – 1941) ومناقشا لأفكاره منذ وقت مبكر عندما اطّلع على كتاب "التطور الخالق" (بحسب ترجمة محمود محمد قاسم) أو "التطور المبدع" (بحسب ترجمة جميل صاليبا) الذي نشره برغسون عام 1907؛ وفي طريق عودته إلى الهند قادما من بريطانيا، التقى إقبال برغسون في الأسبوع الأول من عام 1933 (ترجيحا)، بحسب رسالة بعث بها إلى صديقه السير ويليام روثنشتاين سنة 1933 يقول فيها: "عندما كنت في باريس التقيت ببرغسون. أجرينا حديثًا بالغ الأهمية حول موضوعات فلسفية. وخلاصة فلسفة جورج بركلي ... وقد استمر حديثنا ساعتين. برغسون رجل مسن ومريض جدًا. وهو لا يستقبل الناس، لكنه تكرم عليّ باستثناء خاص".(6) وقد أورد إقبال حصيلة لقاءاته الباريسية تلك في عدد من رسائله لأصدقائه.2246 qoran

يبدو أن أفكار برغسون الفلسفية كانت تجد رواجا كبيرا لدى العرب القادمين إلى باريس في تلك الفترة، وخاصة أولئك الذين تقاطعت مساراتهم مع لويس ماسينيون، ومن بين هؤلاء نجد – على سبيل المثال لا الحصر – اللبناني كمال يوسف الحاج، الذي أعدّ رسالة دكتوراه في الفلسفة في الفترة 1946 – 1949، والذي أشرف على رسالته جان ماري لابورت، وكان ماسينيون في لجنة المناقشة، بل وكان هو من تدخل لصالحه ليحصل على منحة من الحكومة الفرنسية مكّنته من الالتحاق بالسربون، وهو من كان وراء قرار الجامعة اعتماد ترجمة الحاج لـــ"رسالة في معطيات الوجدان البديهية" لبرغسون (صدرت عام 1946)، دكتوراه رديفة. وكان الحاج يقيم صداقة قوية مع ابنة برغسون.

كان ماسينيون هو من قدّم أيضا فلسفة إقبال، ومن ورائها فلسفة برغسون إلى ليوبولد سيدار سنغور لاحقا، كما يؤكده سليمان بشير ديانغ في كتابه الصادر سنة 2011 (Bergson postcolonial : l'élan vital dans la pensée de Léopold Sédar Senghor et de Mohamed Iqbal).

ما دعاني إلى رسم بعض ذلك المشهد الثقافي الباريسي في السنوات التي كان محمد عبد الله دراز في قلبه لسنوات عديدة، وهو الذي درس الفلسفة والمنطق والأخلاق في جامعة السربون كما جاء في سيرته،(7) هو التساؤل عن مدى تأثر هذا الأخير بالأفكار الفلسفية لبرغسون التي كانت رائجة يومئذ في فرنسا، وعن إمكانية تقاطع مساراته مع أفكار إقبال؟ لا يجب أن نُغفل أن الفيلسوف رونيه لو سينّ (René Le Senne)، كان ضمن لجنة مناقشة دراز لرسالته، وهو من تلامذة برغسون النقديين، وكان يومها أستاذ فلسفة الاخلاق في السربون؛ وقد قال عنه دراز في مقدمته: "قد اقترح علينا أن نقارن النظرية الأخلاقية المستمدة من القرآن ببعض النظريات الغربية. وقد استجبنا بحمد الله لما أبديا (لو سينّ وماسينيون) من مقترحات موفقة، يبدو عملنا اليوم بفضلها أرحب مدى".(8) وأن يطلب "لو سينّ" من دراز اعتماد المنهج المقارن في رسالته يمكن أن يؤشر إلى أنه كان مشرفا عليه ( !!) أو على الأقل أحد الموجّهين له.

من المعلوم أيضا أن الحياة الفكرية في فرنسا كانت في تلك الأيام منقسمة بين تيارين كبيرين، التيار العقلاني المادي (كانط) والتيار الروحاني (برغسون) الأخلاقي (لو سينّ – لافال). وكان دراز أميل بالضرورة للتيار الثاني، وهو أقرب للو سين منه لبرغسون في توجهه الفلسفي الأخلاقي، لذلك نجده في "دستور الأخلاق" متأثرا بمنهج فلسفة القيم الحديثة، ولا سيما عند هذا الأخي؛ ويظهر ذلك بوضوح في تحليله لمفهومَيْ الضمير الخلقي والإلزام الأخلاقي. اعتمد دراز بنية تحليلية قريبة من تلك التي أسّسها لو سِنّ في كتابه ( Traité de morale)، وخاصة فصوله المتعلقة بـالقيمة (La valeur ) والالزام الأخلاقي L’obligation morale)، حيث قرّر كلاهما أنّ الإلزام الأخلاقي ظاهرة أصلية لا يمكن اختزالها في التفسير النفسي أو الاجتماعي، ولا ردّها إلى المنفعة أو العادة، بل تفرض نفسها على الذات فرضًا مباشرًا. كما يلتقي الطرفان في توصيف الضمير بوصفه كاشفًا للقيمة لا منشئًا لها، وشاهدًا باطنيًا على الواجب لا مشرّعًا له، وهو ما يعكس رفضًا مشتركًا للنزعة الذاتية والنسبية في الأخلاق. غير أنّ هذا التلاقي المنهجي لا يفضي إلى وحدة في المرجعية أو الغاية؛ إذ يتوقّف لو سِنّ عند إثبات تعالي القيمة تعاليًا فلسفيًا مجردًا، دون أن يؤسّس مصدرًا متعينًا للإلزام أو غاية نهائية له، بينما يتجاوز دراز هذا الأفق الفلسفي بجعل الوحي القرآني مصدرًا للقيمة، والإرادة الإلهية أساسًا للإلزام، والجزاء الأخروي إطارًا لتمام المعنى الأخلاقي.

ومما يؤكد أن دراز، وإن تأثر بأجواء الجدل الفلسفي يومئذ (وهو ما يبرزه تنظيمه لبناء "النظرية الأخلاقية كما يمكن استخلاصها من القرآن" على قواعد الالزام، والمسؤولية، والجزاء، والنيّة والدوافع، والجهد)، كان مستقلا في تصوره، غير تابع لمدرسة، علاقته الوطيدة على سبيل المثال مع مالك بن نبي الذي ذكر في مذكراته أنه التقى دراز عام 1936، وساعده على تعلّم الفرنسية، وكان بينهما تقاطعات فكرية عديدة، بل إن دراز كان قد كتب مقدمة لأول كتاب لابن نبي، وهو “الظاهرة القرآنية” الذي صدر في الجزائر عام 1946، بالرغم من العداء المستفحل بين بن نبي (وصديقه الفيلسوف حمودة بن ساعي) ولويس ماسينيون. وبالرغم من أن بن نبي وجماعته كانت تتبنى أفكار محمد إقبال وتصوراته للخروج بالعالم الإسلامي من سباته، إلا أننا لا نعلم مدى حضور هذا الأخير في تصورات دراز.

وبذلك لا يظهر توظيف دراز لأدوات لو سِنّ ومناهج الفلسفة البرغسونية بوصفه تبنّيًا لمذهبه، بل باعتباره استثمارًا نقديًا واعيًا لمقولات فلسفية حديثة، في سبيل التوصل لفلسفة أخلاقية قرآنية.

***

عبد الحق الزموري - تونس

..................

(1) محمد عبد الله دراز؛ دستور الأخلاق في القرآن: دراسة مقارنة للأخلاق النظرية في القرآن. تعريب وتحقيق عبد الصبور شاهين، مراجعة السيد محمد بدوي. القاهرة: الرسالة، 1973. ص 17.

(2) عبد الرحمان حللي؛ "دستور الأخلاق في القرآن.. بمناسبة مرور نصف قرن على رحيل العلامة الدكتور محمد عبد الله دراز". موقع الملتقى الفكري للإبداع، 28 / 05 / 2008. https://almultaka.org/site.php?id=596

(3) Mohamed Abdallah Draz ; Initiation au Quran. Révisé et Préparé par Khaled Fahmi. The Egyptian National Library and Archives, 2017. p 163 note 1.

(4) أرسل محمد إقبال لماسينيون رسالة بتاريخ 18 فيفري 1932، يخبره فيها بأنه سيلتقيه عند زيارته باريس، وقد تمّ اللقاء – بحسب ما أخبر به ماسينيون – في 1 نوفمبر من نفس العام، مع الإشارة إلى أن الترسل كان قائما بينهما قبل ذلك، وأن إقبال أرسل له مع رسالة فيفري كتابه "جاويد نامه". أنظر:

Center for Islamic Studies; Iqbal Quarterly (formerly Iqbāl-Nāmah); a publication about the poet-philosopher Muhammad Iqbal (1877–1938). Youngstown State University Iqbal Academy Pakistan, Volume 6, Numbers 1–2, Winter and Spring, 2006. § «Iqbal’s Meetings with Massignon and Bergson ».  https://allamaiqbal.com/publications/journals/iqbalquarterly/Winter%20and%20spring%202006.htm?utm_source=chatgpt.com

(5) تجدر الإشارة إلى أن الترجمات العربية اللاحقة للكتاب، أسقطت تلك المقدمة. بل إن الطبعات الفرنسية اللاحقة نفسها صدرت دون تقديم ماسينيون، ممهورة بتقديم آخر، أشهرها تلك التي قدم لها السنغالي سليمان ديانغ

(6) Iqbal Quarterly; op. cit.

(7) دستور الأخلاق في القرآن؛ المقدمة. ص ح.

(8) نفسه؛ ص 18

 

يفتح الطفل عينيه على العالم ليجد أمامه أول نموذجين تشكّل من خلالهما مداركه الاجتماعية: الوالدين (الأم والأب) لا يقدمان للطفل بوصفهما مصدر رعاية فحسب، بل كنماذج يُراقَبان ويُقلَّدان، تُبنى عبرهما أولى تصوّرات الذات والطموح. في هذه المرحلة المبكرة، لا يكون التقليد فعلًا عفويًا فقط، بل آلية أساسية في التعلّم وبناء المعنى، حيث يرغب الطفل في أن يكون شبيهًا بهما عند الكبر. بهذه الطريقة، يبدأ الطفل بناء تصوراته الأولى عن الذات، وعن الآخرين، وعن معنى أن يكون "شخصًا ناجحًا" في المجتمع.

ومع اتساع دائرة الوعي، يدخل الطفل عالم المدرسة، فتبدأ القدوة بالخروج من الإطار الأسري إلى الفضاء الاجتماعي الأوسع. هنا تتشكّل نماذج جديدة في مخيلته، ويبدأ الحلم المهني بالظهور، بوصفه امتدادًا للقدوة لا خيارًا وظيفيًا مجردًا.

فمن منا لم يبدأ إدراكه عبر تقليد شخص ذي قيمة رمزية في محيطه القريب؟ ومن منا لم يحمل، في طفولته، حلم أن يكون شبيهًا بنموذجٍ متجسّد أمامه في أفعال وسلوكيات يومية؟ ربما كان معلّمًا، أو مهندسًا، أو صاحب مهنة تحمل قيمة واحترامًا اجتماعيًا. لقد كانت هذه الأحلام انعكاسًا مباشرًا للرمزية القدوية التي كان المجتمع يقدّمه بوصفها مسارات للمعنى والاعتبار الاجتماعي.

القدوة لا ترتبط بالمهنة بذاتها، بل بالمعنى الرمزي الذي تُحمَّل به المهنة اجتماعيًا. فالطفل لا يحلم بأن يكون مثلاً معلّمًا أو ممرضًا أو مهندسًا، أو طبيبًا لأنه وظيفة، ولا يتمنى أن يكون شرطيًا أو ضابطًا لأنه زيّ أو مردود اقتصادي، بل لأن هذه المهن كانت حاملًا اجتماعيًا للقدوة. لم تكن المهنة هي القدوة، بل الشخص الذي يحملها ويمارسها في المجال العام. ولم تكن مجرد وظائف في مخيال الطفل، بل تمثيلات حية لمعاني الانضباط والمسؤولية الأخلاقية وخدمة المجتمع، والمعايير الاجتماعية للنجاح والاحترام. أي بمعنى آخر  ليس بوصفها وظائف تقنية، بل بوصفها نماذج رمزية تجسّد المعرفة والمسؤولية والاعتراف الاجتماعي.

مع ذلك، لم تبقَ هذه الرمزية على حالها. إذ تعرضت لتحولات بنيوية عميقة أضعفت قدرتها على إنتاج المعنى، وأفقدتها موقعها كنموذج يُحتذى داخل البناء الاجتماعي. لم تقتصر هذه التحولات على البنى السياسية والاقتصادية فحسب، بل امتدت لتصيب الرموز الاجتماعية في صميم مكانتها، محدثة تآكلًا تدريجيًا في وظيفتها القدوية.

لم تسر هذه العملية بمعزل عن المؤسسة الأولى، أي الأسرة. فقد بدأت صدمات بنيوية مثل الحروب، فقدان أحد الوالدين، النزوح، والتفكك الأسري والاجتماعي، بهز الأسرة. أضافت الضغوط الاقتصادية المتزايدة، التي دفعت الأبوين إلى الانشغال بتأمين متطلبات العيش، إلى تقليص زمن التفاعل الأسري، ما أضعف حضور القدوة الوالدية في حياة الطفل اليومية. أدى تراجع "زمن العائلة" إلى إرباك عملية التنشئة الأولى، وخلق فراغ قيمي مبكر، مهّد لاحقًا لتفكك نماذج الاقتداء في المراحل اللاحقة من النمو.

مع انتقال الطفل إلى المدرسة، تتسع دائرة التنشئة، وتبدأ القدوة بالخروج من الإطار الأسري الضيق إلى الفضاء الاجتماعي الأوسع. في هذه المرحلة، لا تعود القدوة شخصًا بعينه فحسب، بل تتحول إلى أدوار اجتماعية متجسدة في المهنة والسلوكيات العامة. يراقب الطفل محيطه الاجتماعي ويقلد الآخرين في سلوكياتهم اليومية، في كل صغيرة وكبيرة، ليستوعب قواعد التفاعل الاجتماعي ويكوّن تصورات عن الذات والآخر. ويصف عالم الاجتماع "جورج هربرت ميد" هذا النموذج بـ"الآخر المعمم" أي الإطار الرمزي الذي يتيح للطفل فهم توقعات المجتمع وتوجيه سلوكه وفقًا للمعايير الجماعية، وليس مجرد تقليد عفوي للأفراد المحيطين به.

في هذا السياق، كان المعلم يُنظر إليه رمزًا للانضباط والقيم والسلطة المعرفية، ويشكّل نموذجًا أساسيًا للآخر المعمم، إذ يسهم في بناء الذات الاجتماعية وتنظيم أدوار الطفل. إلا أن المعلم في الواقع أصبح يظهر في وعي التلميذ كشخص منهك، محاصر بضغوط اقتصادية ومؤسسية، يفتقر إلى الدعم والهيبة الاجتماعية. ومع هذا التحول، فقد الطفل قدوته الثانية داخل المدرسة، وما يخلّفه غياب هذا النموذج ليس فراغًا معرفيًا فحسب، بل أثرًا عاطفيًا ونفسيًا عميقًا يمتد إلى مسار التكوين الاجتماعي والنفسي للفرد

لطالما احتلت القيم الاجتماعية العالية موقع "القدوة" داخل البنية الاجتماعية، بوصفها نماذج حية للالتزام الجمعي والمعنى الاجتماعي. لكن هذه الرمزية بدأت بالانحسار مع تراجع قدرة المؤسسات على دعم الدور الأخلاقي والمعياري للقدوة، في ظل ضعف المؤسسات، واضطراب السياسات، وتغير نظرة المجتمع إلى العمل والمعرفة والسلطة.

مع انتقال الطفل إلى مراحل عمرية لاحقة وبلوغه مرحلة الشباب في ظل هذه التحولات، أُعيد تعريف القدوة في وعيه الجمعي بوصفها مسارات محفوفة بالمخاطر أو منخفضة المكانة الاجتماعية، قد أسهم ذلك في تعميق الفجوة بين تطلعات الشباب وواقعهم الاجتماعي. الذي لم يعد يوفر نماذج مستقرة أو مُلهمة للاحتذاء به.

بعد ذلك جاءت المؤسسة الدينية لتضيف مستوى آخر من التعقيد، مع اتساع الفجوة بين الخطاب المعلن والممارسة الواقعية، ويؤدي التناقض المستمر بين الخطاب والممارسة داخل هذه المؤسسات إلى تآكل الثقة بالمرجعيات التقليدية، ما يفضي إلى فقدان الشرعية الرمزية، وهي شرط أساسي لتحوّل أي شخص أو مؤسسة إلى قدوة مقبولة اجتماعيًا.

ولا يمكن فهم ما أصاب نماذج الاقتداء بوصفه أحداثًا منفصلة، بل كسلسلة متتابعة من الصدمات البنيوية. فقد بدأت باهتزاز الأسرة ومن ثم المدرسة ومن المؤسسة الدينية. اصبح الفراغ شاسع جدا وانتهت بملء الفراغ الرمزي عبر العالم الرقمي (الميديا) بنماذج شهرة سطحية. ويكشف هذا التسلسل أن أزمة القدوة ليست ظاهرة أحادية، بل نتيجة تراكمية لعوامل متداخلة تعمل على مستويات متعددة: الأسرة بوصفها القاعدة الاجتماعية الأولى، والمدرسة كمؤسسة تنشئة رسمية، والدين كمرجعية أخلاقية رمزية، والميديا كمُشكِّل أساسي للرموز الحديثة.

ومع تراكم هذا الفراغ الرمزي والقيمي، برز العالم الرقمي/الميديا بوصفه البديل الأكثر حضورًا في الوقت الحاضر، ليملا المساحة الخالية بنماذج من المشاهير تُقدَّم كقدوات جديدة، لا تقوم على المسؤولية أو القيمة الأخلاقية، بل على الجاذبية السريعة والحضور الإعلامي المؤقت.

وفي ظل هذا التآكل، تمنح الميديا أولوية للحضور الشكلي والأداء الآني على حساب المضمون، فتتراجع قيمة الجهد الطويل والالتزام الأخلاقي لصالح الشهرة السريعة والربح الرمزي المؤقت. فتحولت القدوة من سلوك يُعاش ويُلاحظ إلى شعارات تُردَّد دون سند فعلي في الواقع.

وفي غياب نماذج احتذاء فاعلة، يسعى الشباب إلى البحث عن بدائل تمنحهم إحساسًا بالانتماء والهوية، حتى لو كانت بدائل قائمة على قيم مشوّهة أو سلوكيات مضللة؛ كالجماعات المتطرفة، أو مشاهير فارغين، أو هويات افتراضية تُصاغ داخل الفضاء الرقمي. وبهذا، تنتقل عملية التعلّم بالملاحظة من الأسرة والمعلم إلى الشاشة والمؤثرين، ويتحوّل النموذج من فعل اجتماعي حيّ إلى صورة مُجتزأة.

فقد تغير معيار القدوة من الفضائل كالتفاني والمسؤولية وخدمة المجتمع، إلى معيار يقوم على الظهور والشهرة والربح السريع. أدى هذا التحول إلى إضعاف العقد الاجتماعي، وتراجع دور القادة والمؤسسات في الحفاظ على القيم الجماعية، ما أسهم في تفكك التماسك الاجتماعي وتعميق شعور الشباب بالضياع واللامعيارية.

وهو مؤشر على تحولات بنيوية أعمق في شبكة العلاقات الاجتماعية والقيمية ويُبرز هشاشة الأطر المؤسسية والقيمية للمجتمع. فالطفل الذي لم يجد قدوته الأولى داخل الأسرة والمدرسة، والذي لم تعد المؤسسات الدينية والمدنية توفر له الإرشاد، بات يعيش حالة من الضياع والهشاشة القيمية. ومع صعود النماذج الهشة في الفضاء الرقمي، يتحول البحث عن القدوة إلى تجربة عشوائية تُعيد إنتاج الفجوة بين القيم المنشودة والممارسات الفعلية، وتترك الشباب رهين الانطباعات السطحية والرموز المؤقتة.

وعليه، فإن تفكك منظومة القدوة لا يعبّر عن خلل فردي أو عن جيل "ضائع" بطبيعته، بل عن خلل بنيوي عميق يمسّ العلاقة بين الفرد والمؤسسات والرموز. وهي حالة تُبرز تراجع المعنى، لا المهنة، وانهيار المرجعيات الأخلاقية قبل انهيار المواقع الوظيفية، الأمر الذي يجعل إعادة بناء القدوة مسألة اجتماعية وثقافية شاملة، تتطلب رؤية لإعادة بناء النماذج الاجتماعية التي تجمع بين المصداقية والانتماء والممارسة الفعلية، بما يسهم فعليًا في تشكيل وعي حقيقي وفعال وبناء، وهويتهم بعيدًا عن الشعارات الفارغة والقدوات المؤقتة، عبر تعزيز الأسرة والمؤسسات التعليمية والثقافية والدينية بما يتوافق مع متطلبات العصر.

***

د. نور خالد / باحثة وأكاديمية

 

لطالما أثارني مفهوم الطاعة، التي يجب أن تقدمها الزوجة للزوج، وكذلك الأبناء للوالدين، وطاعة ولي الأمر، وأهميتها الدينية حتى أنها عُدت نظاما اجتماعيا قارا يجعلها قيمة عليا، وبما أننا أبناء اليوم وأبناء حضارة حديثة تركز على حقوق الإنسان الفردية، صرنا نرى في هذا النظام الثقافي غرابة، فالفكر الذي يرى الكون قائما على تراتبية صارمة، طبقات بعضها فوق بعض، يرى في الطاعة قيمة عليا، وهي ليست نظاما حكميا جزئيا بل بنية معرفية متجذرة في الفقه الإسلامي التقليدي، من خلال تصوره للإنسان والعالم والعلاقات التي تربط بين البشر. لقد قُدس مفهوم الطاعة لأنه – كما يبدو - مرتبط بمنظومة فكرية ثقافية كاملة.

السؤال الأول الذي يٌثير: لماذا تُقدم الطاعة كمفهوم ديني؟ لماذا حصلت على هذا التقديس؟

يمكن تحليل الأمر بالقول أن الحياة كانت تقوم على فكرة التراتبية الهرمية، وهذه التراتبية كونية يقوم عليها نظام الكون، فالعالم في نظر هذا الفهم مبني على سلسلة هرمية تبدأ من الخالق الله تعالى، ثم النبي أو الرسول، (ثم ولي الأمر خليفة الرسول ونائبه)، ثم الرجل وبعده المرأة ثم الطفل وبعده العبد [1].

فالله الخالق أولا في هذه الترتبية ويمثله على الأرض الرجل، الذي خُلق على صورته.[2]

هذه الأفكار ورثها الفقه من هذه الفلسفة القديمة التي كانت سائدة آنذاك- قبل مرحلة تكون الفقه الإسلامي- كالفلسفة اليونانية القديمة وقبلها البابلية والساسانية[3]. ففي فلسفة ارسطو الرجل هو العاقل الذي يملك المال، والمرأة منفعلة، وأن الفاعل أعلى من المنفعل[4]، كما أن البنية الاجتماعية القبلية كانت تنظر الى العائلة والأسرة كجماعة يقودها رجل، وبما أن العالم مبني على طبقات، تصبح الطاعة ضرورة لاستمرار النظام، فهي نظام كوني طبيعي بهذا الفكر الشمولي، وهي ضمان للاستقرار، وهي مقدمة على حقوق الإنسان الفرد، فالفقه التقليدي لم يُبن على فكرة " الحقوق الفردية " كما في الفلسفة الحديثة تكون بالعادة مع حفظ النظام الاجتماعي ومنع الفوضى وإبقاء السلطة في يد من يملكها. وبما أن الرجل هو السيد وال"قيّم " في النظام القبلي فأن طاعة المرأة للرجل هو وسيلة لحفظ البنية الاجتماعية، لا لحفظ كرامة المرأة أو مراعاة استقلاليتها وفردانيتها. أما طاعة الأبناء للوالدين فهي تحفظ الأسرة ووحدتها وسمعتها وانسيابيتها في انتقال القيم من جيل الى جيل دون أن تحمي حقوق الطفل بالضرورة.

لقد تم تصوير الطاعة كعبادة، فكتب الفقه تتحدث عن ذلك عبر الربط بين الحفاظ على مصلحة الذكر ونظامه وبين طاعة الله.

فطاعة الزوجة للزوج واجبة وجوبا مقدسا، لتصل الى لعنة ملائكية لها في حال المخالفة. هذا التقديس يمنع المرأة من الاعتراض لكونه خروجا عن نظام كوني وليس إخلال بعقد بين طرفين.

بل أن الطاعة المفروضة صارت مجالاً للتبادل المالي، فحياة المرأة تتوقف على هذه الطاعة، فهي ستحرم من الطعام والبيت والكسوة في حالة عدم الطاعة. فيتحول العقد الى عقد إعالة مشروطة.

جعل الحياة الزوجية تقوم على هذا المنطق عبر إجراء عقد يرسم العلاقة بين ذكر مطاع وأنثى مطيعة يحولها الى حياة تخلو من العاطفة المطلوبة، فهذه العلاقة ليست حوارا بين اثنين ندّين يجذب أحدهما الثاني بخصائصه الفردية الخاصة المثيرة، بل عبر القوة والإخضاع القانوني. تفترض نظرية الطاعة أن الرجل هو مركز السلطة والمعرفة في العلاقة والمرأة موضوع التكليف لا شريك في العلاقة والأسرة.

هذا المنطق لا يراعي مسألة الكرامة الإنسانية، ولا تضمن بالضرورة العدالة كقيمة عليا يستهدفها الفقه. فهذا المزج بين الدين كعبادة والدين كنظام اجتماعي جعل الطاعة اقرب الى كونها شعيرة دينية منها إلى التزام إنساني.

الفقه التقليدي القديم لم يناقش هل الطاعة عادلة؟ لماذا لدينا طاعة أصلا بل ناقش ما حدود الطاعة ومتى تسقط ومتى تلزم الزوجة بها وهل يجوز تأديب الزوجة عند النشوز؟

إن السؤال الأخلاقي الأساسي هو: هل الطاعة متوافقة مع الكرامة الإنسانية؟، هذا السؤال لم يُطرح الإ حديثا.

***

د. بتول فاروق الحسون

...........................

[1] - ظ: هيكل، عبد الباسط سلامة: نظرية الطاعة في الخطاب الإسلامي، التأسيس النصي والفعل التاريخي، مؤمنون بلا حدود، منشور: ١٦/ديسمبر / ٢٠١٦.

https://www.mominoun.com

؛ خيري، صبري محمد خليل (الدكتور): تصحيح المفاهيم الخاطئة عن التشريع الإسلامي من المرأة وحقوقها،

https://drsabrikhalil.wordpress.com/2020/09/28

[2] - وروى مسلم (2612) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبِ الْوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ ".

[3] - ظ:

[4] -ظ: تايلور، ريتشارد، تر: أشرف حسن منصور: أبن رشد الجدل الكلامي والفلسفة الأرسطية، مؤمنون بلا حدود،

https://www.mominoun.com/articles/%D8%A7%D8%A8%D9%86-%D8%B1%D8%B4%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%AF%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%84%D8%B3%D9%81%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%B3%D8%B7%D9%8A%D8%A9-9045?utm_source=chatgpt.com

الوجود الجيوسياسي للأمة العربية بصدد التفكك والتفكيك الممنهج للذات الحضارية من طرف الهجمة الصهيوامبريالية، مقاربة ما بعد كولونيالية.

مقدمة: في عصرنا الحالي، يُعد الوجود الجيوسياسي للأمة العربية أحد أبرز التحديات التي تواجه العالم العربي، حيث يتجلى في صراع مستمر بين قوى الوحدة الحضارية والقوى الخارجية التي تسعى إلى تفكيكها. يركز هذا البحث على عملية التفكك والتفكيك الممنهج للذات الحضارية العربية، الناتجة عن ما يُعرف بالهجمة الصهيونية-الإمبريالية، وذلك من خلال مقاربة ما بعد كولونيالية. هذه المقاربة، المستوحاة من أعمال مفكرين مثل إدوارد سعيد في "الاستشراق" وفرانز فانون في "معذبو الأرض"، تكشف كيف أن الاستعمار لم ينتهِ مع استقلال الدول، بل تحول إلى أشكال جديدة من الهيمنة الثقافية والسياسية والاقتصادية. الأمة العربية، ككيان حضاري يمتد من المحيط إلى الخليج، شهدت تاريخيًا وحدة ثقافية ولغوية ودينية، لكنها تعرضت لعمليات تفكيك ممنهجة بدءًا من العصر الاستعماري. الهجمة الصهيونية-الإمبريالية، كما سنرى، ليست مجرد صراع إقليمي حول فلسطين، بل هي جزء من استراتيجية إمبريالية أوسع تهدف إلى إضعاف الوحدة العربية لضمان السيطرة على الموارد والطرق الاستراتيجية. يعتمد هذا البحث على تحليل تاريخي ونظري، مستندًا إلى مصادر متنوعة تمثل آراء عربية وغربية وإسرائيلية، ليبرز كيف أن هذا التفكك يؤثر على الهوية الحضارية العربية، ويفتح آفاقًا لإعادة البناء.

الوجود الجيوسياسي للأمة العربية: أسس تاريخية وتحديات معاصرة

يشير الوجود الجيوسياسي للأمة العربية إلى موقعها الاستراتيجي في تقاطع القارات الثلاث (آسيا، أفريقيا، أوروبا)، ودورها في السيطرة على ممرات التجارة مثل قناة السويس وباب المندب، بالإضافة إلى ثرواتها النفطية والغازية. تاريخيًا، كانت الأمة العربية مركزًا حضاريًا في العصور الإسلامية، حيث ساهمت في العلوم والفنون والفلسفة، مما شكل هويتها الجماعية. ومع ذلك، مع دخول العصر الاستعماري في القرن التاسع عشر، بدأت عملية التفكيك. في مقاربة ما بعد كولونيالية، يُنظر إلى هذا الوجود كنتيجة لـ"الاستعمار الاستيطاني"، حيث فرضت القوى الاستعمارية مثل بريطانيا وفرنسا تقسيمات مصطنعة، كما في اتفاقية سايكس-بيكو عام 1916، التي قسمت المنطقة إلى دول مصطنعة لتسهيل السيطرة. كما يشير الباحثون إلى أن هذا التقسيم لم يكن مجرد سياسي، بل ثقافي، حيث سعى إلى تفكيك الذات الحضارية العربية من خلال تعزيز الهويات الفرعية (قبلية، طائفية، إقليمية) على حساب الوحدة الجماعية.  هذا التفكك أدى إلى ظهور دول عربية ضعيفة، غير قادرة على مواجهة التحديات الخارجية، مما مهد الطريق للهجمات الإمبريالية اللاحقة. في العصر الحديث، يتجلى الوجود الجيوسياسي في صراعات مثل حرب الخليج (1991) وحرب العراق (2003)، التي أدت إلى تفكك الدولة العراقية وتعزيز الطائفية، مما يعكس كيف أن الإمبريالية تستخدم الصراعات الداخلية للحفاظ على هيمنتها.  كما أن الثورات العربية عام 2011، رغم أنها بدأت كحركات تحررية، أدت إلى مزيد من التفكك في ليبيا وسوريا واليمن، حيث تدخلت قوى خارجية لتعميق الفرقة.

التفكك والتفكيك الممنهج للذات الحضارية العربية

يُقصد بالتفكك الممنهج عملية منظمة تهدف إلى تفتيت الهوية الحضارية العربية، التي تتمثل في اللغة المشتركة، التراث الإسلامي، والتاريخ المشترك. من منظور ما بعد كولونيالي، يُرى هذا التفكيك كامتداد للاستعمار، حيث يُفرض "الآخر" (الغربي أو الصهيوني) كمعيار للحداثة، مما يؤدي إلى اغتراب الذات العربية. على سبيل المثال، يشير سعيد إلى "الاستشراق" كأداة لتصوير العرب كـ"متخلفين"، مما يبرر التدخل الإمبريالي. في سياق المنطقة العربية، أدى إنشاء دولة إسرائيل عام 1948 إلى النكبة، التي لم تكن مجرد نزوح فلسطيني، بل بداية لتفكيك الوحدة العربية. حرب 1967 أكدت هذا التفكك، حيث خسرت الدول العربية أراضيها، مما أضعف الروح الوحدوية وأدى إلى انحسار الفكر القومي العربي.  كما أن السياسات الإمبريالية، مثل دعم الولايات المتحدة لإسرائيل، ساهمت في تعزيز الفرقة الطائفية، كما في العراق وسوريا، حيث أصبحت الهويات الفرعية أداة للسيطرة. في اليمن، على سبيل المثال، يُرى التفكك كنتيجة لتدخلات خارجية تحول الصراع الداخلي إلى حرب بالوكالة، مما يعكس كيف أن الإمبريالية تستغل الضعف الداخلي لتعميق التفتيت.  هذا التفكيك ليس سياسيًا فحسب، بل ثقافيًا، حيث يؤدي إلى فقدان الثقة في الذات الحضارية، وانتشار الاغتراب الثقافي كما وصفه فانون.

الهجمة الصهيونية-الإمبريالية: روابط وآليات

ترتبط الهجمة الصهيونية بالإمبريالية الغربية منذ البداية، حيث كانت الصهيونية أداة للاستعمار البريطاني في فلسطين. كما يشير الباحثون، فإن الصهيونية ليست مجرد حركة قومية يهودية، بل شكل من أشكال الاستعمار الاستيطاني الذي يهدف إلى "إزالة السكان الأصليين".  في فلسطين، أدى ذلك إلى تدمير الهوية العربية من خلال الاستيطان والحروب، كما في غزة حيث يُرى الصراع كامتداد للاستعمار. من منظور ما بعد كولونيالي، تُعتبر إسرائيل "قاعدة للإمبريالية الغربية" في المنطقة، حيث تساعد في منع الوحدة العربية لضمان تدفق النفط والسيطرة الاستراتيجية.  هذا الارتباط يظهر في الدعم الأمريكي لإسرائيل، الذي يتجاوز 3 مليارات دولار سنويًا، مما يعزز التفكك العربي. كما أن حرب أكتوبر 2023 في غزة كشفت عن حدود الهيمنة الإسرائيلية، حيث أدت إلى إعادة اكتشاف الوكالة العربية في الدبلوماسية. ومع ذلك، هناك آراء إسرائيلية ترى الصهيونية كحركة تحررية، لكنها تُنتقد في السياق الما بعد كولونيالي كشكل من أشكال الاستعمار الذي يعتمد على الإمبريالية للبقاء.

مقاربة ما بعد كولونيالية: إعادة قراءة التاريخ وآفاق المستقبل

تساعد النظرية الما بعد كولونيالية في فهم كيف أن الهجمة الصهيونية-الإمبريالية ليست مجرد عسكرية، بل ثقافية، حيث تفرض روايات تاريخية تُهمش الرواية العربية. على سبيل المثال، يُرى الاستعمار في فلسطين كـ"أرض بلا شعب"، مما يبرر الاحتلال.  هذه المقاربة تدعو إلى إعادة بناء الذات من خلال استرجاع التراث العربي-إسلامي، كما في نماذج العصر العثماني أو الحركات التحررية.

خاتمة

في المجمل، يُعد التفكك الممنهج تحديًا، لكنه يفتح فرصًا لإعادة الوحدة. مع ظهور قوى متعددة الأقطاب مثل الصين وروسيا، يمكن للعرب استعادة وكالتهم، كما في الدبلوماسية السعودية-الإيرانية.  يتطلب ذلك رفض الهويات المفتتة وبناء نموذج حضاري جديد يجمع بين التراث والحداثة، لضمان وجود جيوسياسي قوي. فكيف يمكن ايقاف موجات التفكك والتفكيك التي تهب بشكل عاصف على المنطقة العربية؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

 

لقد عُدت العدة، وتم شحذ الهمة، وتكاتف السواعد والاقلام الفكرية والثقافية كما السياسية والعسكرية، غربياً وعربياً، لنهاية أسطورة الدولة العثمانية، التي كانت آخر الأمبراطوريات الحاكمة بإسم الإسلام، والإسلام السياسي على وجه التحديد، من خلال الاعتماد على فكرة الخلافة الإسلامية، التي لبس معطفها السلطان عبد الحميد الثاني (1842-1918م)، مدعياً خلافة المسلمين، ذلك الحاكم الذي كان مصدر قلق للغرب والشرق، والعرب والمسلمين، مما جعل التحرك للأطاحة به وبحكمه ودولته على قدم وساق، وقد تظافرت الجهود الغربية والعربية للعمل المستمر على سقوط الحاكم ودولته معاً، فبدأت عجلة الفكر والثقافة بالعمل على تلك الاطاحة وذلك السقوط المعد له في السيناريوهات السياسية الجديدة مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، وقد أتى كتاب (الإسلام وأصول الحكم) لعلي عبد الرازق (1888-1966م) الذي صدر عام 1925، ليضع المسمار الأخير على نعش الخلافة الاسلامية، ويمثل البداية الجديدة للحكم المدني وتكوين الدولة العلمانية الجديدة، الذي دشنته الدولة التركية الجديدة، بإقامة الجمهورية التركية، تلك الجمهورية التي تدين بالولاء والتكوين والدستور للفكر الغربي، بقيادة مصطفى كمال أتاتورك (1881-1938م)، وما كان لعلي عبد الرازق، القاضي والشيخ الأزهري في كتابه، إلا ليستنهض الهمم للاطاحة بملك مصر فؤاد الأول (1968-1936م)، وبحكم دولة الخلافة العربية في مصر، التي سعى لها الملك آنذاك، وسعى عبد الرازق لإقامة الدولة المصرية الوطنية المدنية الجديدة، من خلال كتابه الذي يعد البيان الرسمي الأول لإقامة الدولة المصرية على غرار الحكم التركي، وغلق مسألة الخلافة التي سعى لها الملك فؤاد الأول للحصول عليها بعد أن ترك الأتراك أمرها، كما كان من قبل عبد الرحمن الكواكبي (1855-1902م) قد سعى لرفد إقامة الخلافة العربية في نجد والحجاز في كتابه (أم القرى)، ومحمد رشيد رضا (1865-1935م) في كتابه (الخلافة) الذي ألفه عام 1922، دعماً لخلافة الملك فؤاد الأول، بعد تخلي السلطنة العثمانية عنها.

الذي نود تسليط الضوء عليه هو التوظيف الفكري والثقافي والديني لصالح السياسي، في تلك الفترة من الواقع السياسي والاجتماعي العربي والاسلامي، وصدامه مع الفكر السياسي الغربي الجديد وفكرة الدولة المدنية الحديثة، بين فريق مؤيد لقيام للدولة العربية الجديدة بثوب ديني قومي (الكواكبي)، وفريق يحبذ قيام الدولة الاسلامية الدينية (رشيد رضا)، وفريق ذهب مع قيام دولة وطنية عربية علمانية غير دينية (عبد الرازق)، تتخذ من التجربة التركية الجديدة نموذجاً لها في مصر، وقد نظّر عبد الرازق لذلك في كتابه الاسلام وأصول الحكم، الذي نفى فيه فكرة قيام دولة الرسول وفكرة الخلافة السياسية الدينية التي تولاها الخلفاء الراشدين الأربعة.  حيث يقول: (والحق أن الدين الاسلامى بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون، وبريء من كل ما هياوا حولها من رغبة ورهبة، ومن عز وقوة، والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة. وانما تلك كلها خطط سياسية صرفة، لا شأن للدين بها، فهو لم يعرفها ولم يذكرها، ولا أمر بها ولا نهى عنها، وانما تركها لنا، لترجع فيها الى احكام العقل، وتجارب الامم، وقواعد السياسة. كما أن تدبير الجيوش الاسلامية، وعمارة المدن والثغور، ونظام الدوواوين لا شان للدين بها، وانما يرجع الأمر فيها الى العقل والتجريب، او الى قواعد الحروب، او هندسة المباني وآراء العارفين. لا شيء في الدين يمنع المسلمين أن يسابقوا الأمم الأخرى، في علوم الاجتماع والسياسة كلها، وأن يهدموا ذلك النظام العتيق الذى ذلوا له واستكانوا اليه، وان يبنوا قواعد ملكهم، ونظام حكومتهم، على احدث ما انتجت العقول البشرية، وامتن ما دلت تجارب الأمم على انه خير اصول الحكم.). الاسلام وأصول الحكم. ص 182.

فقد قدم عبد الرازق كل ما يملك من أدلة وحجج وبراهين دينية وعقلية وفكرية على أن النبي ليس بحاكم أو ملك، وانما هو نبي ورسول ووحي للأمة، فزعامة النبي للأمة (زعامة الدعوة الصادقة الى الله وإبلاغ رسالته، لا زعامة الملك. انها رسالة الدين، وحكم النبوة لا حكم السلاطين...ولاية الرسول على قومه ولاية روحية، منشؤها ايما القلب. وخضوعه خضوعاً صادقاً تاماً يتبعه خضوع الجسم، وولاية الحاكم ولاية مادية تعتمد اخضاع الجسم من غير ان يكون لها بالقلوب اتصال. تلك ولاية هداية إلى الله وارشاد اليه ، وهذه ولاية تدبير المصالح الحياة وعمارة الأرض. تلك للدين، وهذه الدنيا. تلك لله، وهذه للناس . تلك زعامة دينية، وهذه زعامة سياسية، ويا بعد ما بين السياسة والدين.) الاسلام وأصول الحكم. ص 157.

لقد حشّد عبد الرازق كتابه لدحض فكرة الخلافة الاسلامية التي كان رشيد رضا قد حشّد كل ما أستطاع اليه سبيلاً من شحذ كتابه (الخلافة) بالأدلة النقلية والعقلية لتأييد قيام دولة الخلافة الاسلامية، ونجد إن الصراع قائم على قدم وساق بين مؤيد دولة الخلافة وبين من يرفضها، وقد كان هنالك طرف ينظر الى ما تؤول اليه نتائج الصراع بين الأثنين ليخرج بنتيجة تنسجم وطروحاته وتوجهاته الأيديولوجية، وكانت القوى السياسية الخارجية تأخذ هذا الدور، وتشحذ الهمم وتغذي هذى على حساب ذاك، وتشجع ذاك على حساب هذا، وكأننا في حلبة صراع، الفائز كلاهما خاسر، والرابح الوحيد هو من يراهن على الفوز في تحقيق نجاحه على حساب الآخرين، بينما تبقى نار الصراع مستعرة بين جميع الاطراف دون تهدأة، ويبقى الناظر والمراهن سيد الأمور، وهذا ما نجده قائماً الى يومنا هذا، من خلال السير في ركاب الغرب دون أن ندركهم، وتخلينا عن هويتنا دون أن نحييها، ونبقى مذبذبين بين ذلك لا إلى هوؤاء ولا إلى هؤلاء. وها نحن بعد مضي مئة عام على تأليف كتاب الاسلام وأصول الحكم نعيش تناقضات وصراعات سياسية واجتماعية عربية واسلامية، زادت حجم الشقة بيننا، ولا نثق بأي مشروع سياسي يقدم لنا، والدول العربية مختلفة الولاء للغرب، بين تابع واقع في أحضان الغرب أسمه عربي ومساره غربي، وبين معاد للغرب متخلف يخدع شعبه بعداوته للغرب وهو يشارك في تأخر جماعته، وبين طرف ثالث يريد تحقيق حلمه بالأستقلال العربي دون تدخل الغرب، وطرف رابع يريد الجمع بين رأيي الفريقين (العربي الغربي)، وتبقى أحلامنا الرومانسية طاغية علينا لا تسمن ولا تغني من جوع، وها نحن بعد مئة عام من خطاب علي عبد الرازق لم نلج عالم العلمانية عربياً، وفشل المشاريع السياسية الوطنية، وبقي خطابنا السياسي المثالي الديني يغذي مجتمعاتنا بصورة متشنجة ونتقاتل فيما بيننا بين خطابات متهالكة تدل على بؤسنا السياسي والثقافي معاً. وبقي الغرب يتقدم أكثر ونحن نتأخر أكثر، دون أن ندرك خطاب نهضة أو تنوير جديد ينير لنا الطريق أو ندرك به سبيل النجاة.  

***

د. رائد جبار كاظم

 

كيف يتحول التطرف من فكرة أو موقف إلى مشروع تقاتل؟

لا إطمئنان مطلق لنوازع الذات البشرية، ولا استقرار يرتجى من القلق المصاحب للأفكار، ولا أمان يتحقق مع دافعية التطرف الذاتية الآنية أو المتبلورة!

هذه أركان أساسية لم يحد منها الوعي العقلاني بيقين ثابت. بل دائما ما تعزز تطورها السلبي إنشغالات ذاتية قد لا تظهر بشكل تراتبي بقدر ما تظهرها المفاجئات.

لا يمكننا الحديث هنا عن التطرف بوصفه فعل منقطع عن بدايته ونهايته، وهذه ما يخلقها الأتفاق، بل بوصفه مشروع رغبة وإرادة معلومة، يؤسس عليها ما يكون قاتلاً في الحين والمستقبل. وقد لا ينظر له كذلك من داخل هذا المشروع الا تحت مسميات خادعة لأتباع هذا المشروع، وهم في مرحلة اليقين بصحة ما ورد فيه وصدر منه. أما من يتوقع نتائجه أو ينظرها فله إن يمارس عليها نقداً لعله أن يُغير من توجه هذا المشروع من صيغته القاتلة الإقتتالية إلى صيغته المتوثبة أو صيغته الحوارية أو صيغته التصالحية.

والسؤال الذي يطرح هنا هل ممكن أن نظن بهذا المشروع التطرفي رجعة إلى ما نريده بناءاً على نقد متبنياته؟ أم أن المخاوف تدفعنا إلى أن نواجهه بما يصعد من التقاتلية المتقابلة؟ فحين تكون إرادة الحوار حاضرة، فمن الواجب الإحتياطي أن تكون التقاتلية حاضرة بالوزن نفسه. ولكن هل يفهم هذا الإستعداد التقابلي على إنه تطرف كامن في نوازع الطرفين إم إن الأخير هو مواجه فقط؟ ما نخشاه في دوافع هذه المواجهة أن تتحول من دافعية مشروعة إلى دافعية غير مشروعة متطورة إلى ما يعود بالتطرف كصفة متحصلة من عملية رد فعل لفعل التقاتل المتجانب.ومع شدة القتال تبرز صفة مشتركة بين المتقاتلين، ممثلين لمشروع واحد وهو مشروع التقاتل المتطرف.

قد نجد في المدارس السيكولوجية تفسيراً لبلورة مثل هذه المشاريع، ونجد كذلك تحليلاً فلسفياً لفكرة المشروع وتطوراته المعرفية التي تحاول أن تقنع الملايين من عناصر مشروع التقاتل وتشكيلاته. ومع ذلك لم تتوقف الأجندة السياسية من أستغلال هذه الروح الوثابة للتقاتل تحت أي ذريعة وحجة ودافعية، مثل ما فعلته أنظمة، وأحزاب في التعامل مع الحركات المتطرفة، لا سيما الحركات المتطرفة الناشئة في البيئات الهشة سياسياً وأمنياً في منطقة الشرق الأوسط، وقد يُغذي مثل هذه المشارع فتواي دينية تشجع على المضي بهكذا مشاريع وتدفع عبر الوصايا الإفتائية إلى تعزيز القناعات بمشروعية التقاتل من أجل غايات ماورائية أو غايات محدودة الهدف الإستراتيجي.

كثيراً ما نجد في بنية هذه المشارع غايات فردية أو غايات جماعية براكماتية، لا تراعي مصلحة الكافة من الناس، ولا تسند إلى مشروعية قانونية في القبول، بقدر سعيها إلى أهداف متخيلة، ما أن تجد نفسها في حدود مشروع التوسعية، حتى تجد نفسها عاجزة عن احداث أي من طموحاتها في التغيير أو في تسويغ الاقتتالية المُتبناة في مشروعها الأول. وهنا يتحول التقاتل من مشروع عقيدة متطرفة إلى مشروع تطرف في حماية المصالح، وتسويق أجندات، ورغبة في إدامة السلطة.

وهذا يعني إن التقاتل يبقى جوهر النشاط التطرفي في كل مراحل تحولاته من مشروع إبادة الخصوم إلى مشروع حكمهم.

***

د. رائد عبيس

غالبا ما ارتبط الفيلسوف والرياضي اليوناني فيثاغورس بمفهوم التناسخ، الى جانب العديد من المعتقدات الروحية والميتافيزيقية. ونظرا لأن فيثاغورس لم يترك بذاته أي عمل مكتوب، فان معظم المعلومات حوله تأتي من مصادر لاحقة، يفسرها الباحثون بمختلف الطرق. تُعزى لفيثاغورس وأتباعه أفكار أساسية متصلة بالتناسخ والروح، مركزين على خلود الروح ورحلتها الدورية عبر مختلف أشكال الحياة.

الجسد كمدفن للروح

معظم الكتاب القدماء يتفقون على ان فيثاغورس كان ابن منساخوس Mnesarchus. منساخوس وصل الى جزيرة ساموس لغرض التجارة اثناء موسم نقص المحصول. وبعد ان عرض الحنطة بسعر أقل قامت الدولة بتكريمه ومنحته الجنسية في ساموس. وبسبب ان فيثاغورس أظهر منذ شبابه قدرة متميزة في كل أنواع الدراسة، أخذه منساخورس الى مدينة تير و أطلعه على تعاليم الكلدانيين .

بعد ذلك، عاد فيثاغورس الى ايونيا. ارتبط أولا بفريسيدس pherecydes ولاحقا بهيرموداماس - الشاعر من ساموس. كان فريسيدس ذو تأثير كبير على فيثاغورس، وهو من أقدم الفلاسفة في تعليم خلود الروح. ونظرا لتحفز فيثاغورس بهذه التعاليم الى جانب التقاليد الاورفية ادّعى ان الروح إلهية وخالدة. هو اعتقد ان الجسد اعتقل الروح مشبّها الجسد بالمقبرة.

تناسخ الروح طبقا لفيثاغورس

اعتقد فيثاغورس في تناسخ الأرواح، وهو ما يُعرف أيضا بالتقمص. وهو الفكرة بان الروح خالدة، وعند الموت، تُعاد ولادتها في جسد جديد. هذه الدورة من الولادة والموت وإعادة الولادة تستمر حتى تحقق الروح الطهارة والتنوير. طبقا للمؤرخ ديوجين لايرتيوس، علّم فيثاغورس ان الروح تتألف من جزئين احدهما فان والأخر غير فان، وتستمر مسيرتها في التنقل من جسد الى آخر. في الفكر الفيثاغوري، يرتبط تطور الروح الأخلاقي والروحي بالتناسخ. الروح تطهّر ذاتها عبر السفر خلال حيوات مختلفة، تتعلم وتتحسّن وتنمو روحيا عبر مختلف الاشكال والتجارب.

فيثاغورس وأتباعه أكّدوا على الفضيلة وعيش حياة متناغمة. هم اعتقدوا ان أفعال الفرد وسلوكه في حياة واحدة تؤثر في طبيعة حيواته المستقبلية. عبر العيش أخلاقيا، وممارسة الانضباط الذاتي والسعي للحكمة، يستطيع الفرد الارتقاء بروحه الى مراتب عليا في الوجود. بتلك الطريقة هو سوف يتحرر بالنهاية من دورة إعادة الميلاد.

التناسخ كسبب للنباتية واحترام الحياة

علّم فيثاغورس طلابه ان يمتنعوا عن تناول اللحوم، رغم ان التفسيرات تختلف بشأن هذه المسألة. طبقا لديوجين لايرتيوس، احدى حجج فيثاغورس التي استُخدمت ضد استهلاك الحيوانات هو انها قد تكون من اقربائهم او اصدقائهم الذين تقمصت ارواحهم في اجسام حيوانية. هو اعتقد ان جميع الكائنات الحية  - وليس فقط الانسان – كانوا جزءاً من نفس دورة التناسخ. هذه العقيدة قادت الى دعوته القوية للنباتية، لأنه رأى الحيوانات كونها تمتلك ارواحا فهي قادرة على مباشرة إعادة الميلاد. وبالنتيجة، فان إيذاء او استهلاك لحم الحيوانات اُعتبر عملا غير أخلاقي.

الروح والعالم السماوي

نظر فيثاغورس للروح باعتبارها مرتبطة بعالم سماوي. النجوم، كونها إلهية وأبدية، هي من أقارب الروح. الهدف النهائي للروح هو العودة الى هذا التناغم السماوي بعد التطهير. هو رأى الكون كنظام حي موحّد حيث الروح والنجوم متشابكان بعمق. النجوم تمثل النظام الإلهي للكون، بينما الروح هي انعكاس مصغّر لهذا النظام. عبر عيش حياة فاضلة وتأمّل الطبيعة الرياضية والمتناغمة للكون، يمكن للمرء السمو بروحه وتحقيق الاتحاد بالإله.

الروح، كالنجوم، جزء من النظام الإلهي للكون. اعتقد فيثاغورس انه من خلال فهم تناغم الكون، يمكن للمرء ان يجعل روحه تتماشى مع هذا النظام الكوني. هو ربط مساكن الحياة الآخرة الهوميرية بالسموات. للإجابة على السؤال "ماهي الجزر المباركة؟" او كيف ستكون وجهتنا بعد الوفاة لو عشنا حياة جيدة؟، هو يجيب: "الشمس والقمر". ايضا، في قوله "الكواكب هي كلاب لبيرسيفون"، تعني ان الكواكب تعمل كوسائل للانتقام من اللاعدالة التي ترتكبها الارواح.

الاساطير الفيثاغورية والايمان الثيولوجي

تلك الاقوال، الى جانب عبارة "الأرواح لا يمكنها الصعود بدون موسيقا"، تسلط الضوء على مظهر هام لإيمان فيثاغورس الاخروي: روح أولئك الذين يلاحظون المبادئ الأخلاقية للإخوة تسمو فوق السماء وتستقر في الشمس والقمر.

اساطير فيثاغورية أخرى تصف التالي: الرعد يهدد أولئك الذين في تارتاروس، يخيفهم، الزلازل تنتج عن تجمّع الأموات، ربات الإلهام يعزفن على قيثارة الثريا، زحل يذرف الدموع التي تشكل البحر، ريا Rhea(ام الالهة) تمسك مجموعة نجوم في السماء (Great Bear). فيثاغورس ربط أيضا ارض الاحلام بمجرة درب التبانة.

فيثاغورس يتذكر حياته الماضية

طبقا للاسطورة، امتلك فيثاغورس مقدرة فريدة في تذكّر حياته الماضية. هذه العقيدة تتجذر في ممارساته الروحية وارتباطه المزعوم بالمعرفة الإلهية. فيثاغورس ادّعى انه عاش مجسدا يوفوريوس، المحارب الذي قاتل في حرب طروادة. طبقا لميثولوجيا اليونانية، يوفوريوس كان ابنا لبانثوس الشخصية الشهيرة في اليادة هوميروس. فيثاغورس ادّعى أيضا ان روحه باشرت عدة حالات من التناسخ وانه يستطيع تذكّر ليس فقط حياته كـ يوفوريوس وانما أيضا الاشكال الأخرى التي تقمصها. هو وصف الرحلة في العالم السفلي حيث تقيم الأرواح بين الحيوات، وكيف انه اكتسب الحكمة من تلك التجارب.

الروايات المنقولة عن المؤرخ ديوجين لايرتيوس:

"هيراكليوتوس البنطي وآخرون يشيرون الى ان فيثاغورس كان ابن منسارخوس Mnesarchus وانه سمي اول مرة ايثاليد كشخصية خيالية. كان الاعتقاد السائد انه كان ابن هيرمس وان هيرمس اخبره انه يمكنه اختيار أي هدية عدى الخلود. فيثاغورس اختار الاحتفاظ بذكرى ما حدث له في كل من الحياة والموت. بالنتيجة، في اثناء حياته، هو تذكّر كل شيء وعندما توفي احتفظ بنفس الذكريات".

"لاحقا هو ولد مرة أخرى كـ يوفوريوس Euphorbus بطل حرب طروادة وجُرح من جانب البطل اليوناني مينيلوس. ادّعى يوفوريوس انه كان شخصية خيالية واستلم هدية من هيرمس ذكرى تقمّص روحه، تفصّل كل الاشكال التي مرت من خلالها، نباتات وحيوانات، وما تحملته روحه في الهاوية (العالم السفلي) وما عانوه الآخرون هناك."

"بعد موت يوفوريوس دخلت روحه في هيرموتيموس (فيلسوف) الذي يرغب بتقديم دليل، ذهب الى برانشيداي (مكان الكهنة)، دخل معبد ابولو وحدد درع يوفوريوس الذي غنمه البطل اليوناني مينيلوس وقدمه الى ابولو. وبعد موت هيرموتيموس، ولد مرة أخرى على هيئة بيروس ، ملك في جزيرة ديلوس. أخيرا، بعد وفاة بيروس، اصبح على شكل فيثاغورس محتفظا بذكرى لكل تلك الأحداث.

***

حاتم حميد محسن

دأبت في نهاية كل عام على أن أقدم للقارئ العربي خلاصة لأهم المنجزات العلمية التي شهدها العالم، محاولة أن أضع بين يديه صورة بانورامية لما تحقق في ميادين الطب والفيزياء والطاقة والبيئة والتكنولوجيا. وهذا العام، أجد نفسي أمام حصيلة استثنائية تستحق أن تروى بتسلسل يليق بحجم التحولات التي حملها عام 2025، عام بدا وكأنه يكتب فصلاً جديداً في تاريخ العلم والابتكار.

في الطب، تصدرت الأخبار قصة العلاج الجيني الجديد لسرطان البنكرياس، ذلك المرض الذي ظل لعقود عصياً على العلاج. التجارب السريرية أظهرت نسب شفاء أولية غير مسبوقة، ما دفع بعض الباحثين إلى القول اننا نقترب من تحويل السرطان من حكم بالاعدام إلى مرض يمكن السيطرة عليه. وفي السياق ذاته، شهد العالم إطلاق لقاحات متعددة الاستخدامات تعتمد على منصات mRNA، قادرة على الوقاية من عدة فيروسات في آن واحد، وهو ما وصفته منظمة الصحة العالمية بأنه ثورة في الاستجابة للأوبئة. أما الطب الشخصي فقد دخل مرحلة جديدة بفضل الذكاء الاصطناعي، حيث أصبح بالإمكان تصميم بروتوكولات علاجية فردية بناءً على بيانات المريض الجينية والبيومترية، وهو ما اعتبره خبراء بداية عصر جديد في الرعاية الصحية.

أما في الفيزياء والفضاء، فقد أعلن العلماء في المصادمات الكبرى عن اكتشاف جسيمات دون ذرية جديدة قد تفسر بعض ألغاز المادة المظلمة، وهو اكتشاف يعيد صياغة فهمنا لبنية الكون ويفتح الباب أمام تطبيقات مستقبلية في الطاقة والاتصالات. وفي ميدان الطاقة النووية، سجل عام 2025 خطوة تاريخية حين تمكنت التجارب من انتاج طاقة اندماج نووي تفوق الطاقة المستهلكة بشكل تجاري تجريبي، وهو انجاز وصفته الصحافة العلمية بأنه الحلم الذي طال انتظاره. أما استكشاف الفضاء فقد شهد بعثات جديدة إلى أقمار المشتري وزحل، مع اكتشاف مؤشرات أولية على وجود بيئات صالحة للحياة الميكروبية، ما أعاد النقاش حول احتمالية وجود حياة خارج الأرض إلى واجهة الاهتمام العلمي والإعلامي.

في ميدان البيئة والطاقة، برزت ابتكارات في تطوير مواد كيميائية ذكية قادرة على اعادة التدوير الذاتي، وهو ما يقلل من النفايات الصناعية ويعزز الاقتصاد الدائري. كما شهد العام تقدماً في تقنيات التقاط وتخزين ثاني أكسيد الكربون من الجو بكفاءة أعلى وتكلفة أقل، وهو ما وصفه خبراء المناخ بأنه أداة أساسية في مواجهة التغير المناخي. ولم يكن الأمن الغذائي بعيداً عن هذه التحولات، إذ انتشرت أنظمة الزراعة العمودية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ما سمح بزيادة الإنتاج الغذائي بنسبة ملحوظة مع تقليل استهلاك المياه والطاقة، وهو نموذج يعزز قدرة المدن الكبرى على مواجهة تحديات النمو السكاني.

أما التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي فقد شكلا محوراً رئيسياً في إنجازات العام. فقد ظهرت أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على التفكير متعدد المستويات، لتصبح شريكاً أساسياً في البحث العلمي نفسه، حيث ساعدت في اكتشاف مركبات دوائية جديدة وتصميم مواد مبتكرة. وفي المستشفيات، دخلت الروبوتات مرحلة جديدة من الاستقلالية، اذ أجرت عمليات جراحية معقدة بدقة تفوق الجراحين البشر، مما يعزز فرص العلاج في المناطق النائية ويقلل من الأخطاء الطبية. كما تم تطوير واجهات متقدمة بين الدماغ والحاسوب تسمح لذوي الاعاقات بالتحكم في الأجهزة عبر إشارات الدماغ مباشرة، وهو انجاز وصفته مجلة "نيتشر" بأنه نقلة نوعية في اعادة دمج ذوي الاحتياجات الخاصة في الحياة اليومية.

هكذا، ومع نهاية عام 2025، أجد نفسي أمام لوحة متكاملة من الإنجازات التي تداخلت فيها العلوم الطبية مع الفيزيائية والبيئية والتكنولوجية لتشكل ملامح عالم جديد يتشكل أمام أعيننا. هذه الانجازات ليست نهاية المطاف، بل بداية مسار طويل نحو مستقبل أكثر صحة واستدامة وذكاء للبشرية جمعاء، وهو ما يجعل من 2025 عاماً سيظل محفوراً في ذاكرة العلم كعام التحولات الكبرى.

انعكاسات الانجازات العالمية على واقع البحث العلمي العربي

يمكن القول ان انجازات 2025 العالمية تشكل مرآة تكشف عن الفجوة بين البحث العلمي العربي ونظيره العالمي. لكنها أيضاً تمثل فرصة لإعادة صياغة أولويات البحث في المنطقة:

- التركيز على الطب الشخصي واللقاحات لمواجهة الأمراض المستعصية والأوبئة.

- الاستثمار في الطاقة النظيفة والاندماج النووي لتجاوز الاعتماد على النفط والغاز.

- تبني تقنيات الزراعة الذكية لمواجهة شح المياه وضمان الأمن الغذائي.

- تسريع التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي لتقليص الفجوة مع العالم المتقدم.

اذا استطاعت الدول العربية أن تربط هذه الإنجازات العالمية بأجندة اصلاحية محلية، فأن انعكاسها سيكون إيجابياً، ليس فقط على البحث العلمي، بل على التنمية الاقتصادية والاجتماعية ككل. أما إذا بقيت هذه الانجازات مجرد أخبار تقرأ في الصحف دون ترجمة عملية، فأن الفجوة ستتسع أكثر، وسيظل البحث العلمي العربي في موقع المتلقي لا المشارك.

***

ا. د. محمد الربيعي

 بروفسور متمرس ومستشار دولي، جامعة دبلن

 

الوعي هو ببساطة إدراك الإنسان لذاته وللعالم المحيط به، لكن لا يوجد إجماع بين العلماء حول تعريف هذه الملكة، ويعود ذلك إلى صعوبة دراسة الوعي تجريبياً. كما أن إدراك الواقع الخارجي لا يمثل الواقع الحقيقي، بل يتشكل داخل المخ البشري تحت تأثير عوامل مختلفة، وكل مخ يروي قصة مختلفة لا تعكس الحقيقة.

أظهر تحليل وظائف المخ أن الوعي ظاهرة معقدة تعتمد علي شبكة عصبية تمتد من القشرة المخية في مقدمة المخ الي مؤخرته، وتشمل امتدادات طويلة المدى للخلايا العصبية. تُمكّننا هذه الشبكة من إدراك المعلومات الحسية ودمجها في أفعالنا، وتنظيم العديد من الوظائف الحيوية كالنوم واليقظة والمشي.

اقترح عالم الفيزياء الحائز على جائزة نوبل، روجر بنروز، وطبيب التخدير ستيوارت هاميروف، أن الوعي ينشأ من خلال الانهيارات الكمية داخل الأنابيب الدقيقة لخلايا المخ ثم يتدفق عبر الشبكات العصبية داخل المخ حيث يتم إدراكه. للتوضيح؛ توجد الجسيمات دون الذرية التي يتكون منها المخ في حالتين؛ إما موجية أو جسيمية، والانهيارات الكمية تعني انهيار حالة الجسيم إلى إحدى هاتين الحالتين. ووفقًا لروجر بنروز، فإن الحالة الموجية تنهار تلقائيًا وتؤدي إلى الوعي.

اشار بعض العلماء الي أن العقول الفردية قد تكون جزءًا من شبكة معلومات أكبر، وأن الأحداث الكمومية في المخ متشابكة مع الجسيمات دون الذرية عبر الفضاء فيما يسمى "الوعي الكوني". ومع ذلك، يرفض العديد من علماء الأعصاب استخدام النظريات الكمومية لتفسير الوعي، كما أنهم يرفضون فكرة "الوعي الكوني" باعتبارها فرضيات غير قابلة للإثبات. ولكن هناك تعاطف مع نظريه المجال الكمومي للعقل او "حقل العقل" ، كنموذج للوعي، من خلال اعتبار الوعي حقلًا متصلًا بأنماط تحفيزية، وان العقول الفردية أنماط محلية في مجال العقل الركيزة المستمرة.

يستمد مفهوم حقل العقل بنيته من سمات نظرية الحقل الكمومي كالاستمرارية، والشمولية، والأنماط الاستثارية. وللتوضيح، يتكون الحقل الكمومي من حقول تملأ المكان والزمان (الزمكان)، وان الجسيمات دون الذريه هي مجرد اهتزازات في هذه الحقول ولكل نوع من الجسيمات حقله الخاص؛ فهناك حقل الإلكترون، وحقل الفوتون الكهرومغناطيسي، وحقول الكواركات، وحقل هيجز لبوزون هيجز الذي يعطي الجسيمات كتلتها. ويمكن تخيل الكون كمحيط شاسع، والمحيط هو حقول كمومية، والأمواج على السطح هي جسيمات، والماء الساكن هو الحقول في أدنى مستويات طاقتها، اي عندما يبدو المحيط ساكنًا، يبقى الماء موجودًا ويعني استمرار المجال الكمومي.

لا يدّعي نموذج مجال العقل أن الوعي حقل كمومي، ولا يفترض وجود مجال فيزيائي جديد، بل يستخدم نظرية المجال لفهم ظاهره الوعي والتقاليد التأملية مثل الصوفية والبوذية والتجارب الروحيه . يوضح نموذج مجال العقل ان المخ لا يُنتج الوعي، ويطرح توافق بين العقل والمادة وانهما جانبان لعملية أساسية أعمق. وقد اوضح الفيلسوف العظيم راسل فكره أن الوعي متأصل في المادة، ورفض ثنائية العقل والمادة، وانجذب إلى نظرية ”الواحدية المحايدة“ التي تفترض أن الطبيعة الأساسية للواقع ليست عقلية ولا مادية، بل هي مادة "محايدة" وأن العقل والمادة ليسا مختلفين جوهريًا، بل هما ترتيبات مختلفة لنفس "الجوهر" الأساسي، وإن الوعي ينشأ من هذه القاعدة المحايدة.

تم طرح نظريه الكوسموسايكيزم (Cosmopsychism) التي تفسر الخبرات الروحيه والصوفية، وتفترض أن الوعي ليس ظاهرة محلية تنشأ في المخ، بل هو نمط محلي داخل وعي كوني أشمل، وان المخ لا “يصنع” الوعي، بل يستقبل عمليات كونية واعية، وإن التشابك الكمي يكشف عن ترابط بين الأنظمة، ويعمل النظام المتشابك ككيان واحد مهما تباعدت مكوّناته. هناك ابحاث حديثة تطرح أن التشابك الكمي يحدث داخل المخ، وهناك تزامن بين الشبكات العصبية المتباعدة ليصنع حالة واعية واحدة .فالتشابك هو جسر بين الشخصي والكوني، والانسان ليس “جزيرة وعي” معزولة بل نمط محلي داخل حقل أوسع وأن التجربة الروحية للفرد يمكن ردّها مباشرة إلى التشابك الكمّي.في المقابل، يرى أغلب العلماء أن هذا التفسير ليس استنتاجًا علميًا، بل هو بالأحرى تفسير فلسفي لإمكانية وحدة الوعي. ولا يزال الدليل القاطع على أن التشابك الكمي كافٍ لتفسير الوعي غير متوفر؛ ومعظم هذه النظريات مجرد تكهنات وليست حقائق مثبتة.

هناك ايضا تساؤل عن التخاطر بين العقول والتشابك الكمي، الذي يسمح لنظامين منفصلين عن بعضهما بمسافات شاسعه التصرف كوحدة واحدة. مع ذلك، لا ينقل التشابك الكمي المعلومات والأفكار، بل يربط فقط نتائج القياسات. لذلك يُطلق الفيزيائيون على "التخاطر الكمومي" اسم التخاطر الزائف، ولا يوجد دليل علمي يدعم التشابك الكمي كآلية للتخاطر النفسي. قد يتوافق التشابك الكمي مع التجارب الروحية للفرد، ولكن هذا ليس فيزياء، انها ميتافيزيقا مستوحاة من الفيزياء.

في الختام، يتميز الإنسان بالشعور والتأمل في أفكاره وتجاربه في الوجود، ويتشكل الوعي الإنساني من خلال الأحاسيس الجسدية والحالات البيولوجية. في المقابل، يفتقر الذكاء الاصطناعي، وهو ظاهرة حديثة فرضت نفسها بقوة على حياة الإنسان، إلى القدرة على التأمل والوعي الذاتي، كما أنه يفتقر إلى فهم معنى الضمير.

هذه الخصائص هي التي تميز الانسان عن جميع الكائنات الحية الاخرى، وفي الوقت نفسه تمثل تحديًا للعلم في فهم هذه الخصوصية والوصول إلى جذورها الحقيقية.

***

ا. د. سامح مرقس

 

لم يكن المفكر الروماني إميل سيوران متشائمًا على النحو الذي كان عليه آرثر شوبنهاور أو فيليب ماينلاندر وغيرهما. بل إن نظرته تدعونا إلى مواجهة الهاوية وجهًا لوجه، وإلى قبول أن الحياة لا تمتلك سببًا يتجاوز تحققها الذاتي، وأن ننخرط فيها بشغف، من دون انتظارٍ فارغ أو آمالٍ موهومة.

في أحد نصوصه الأقل قراءة والأكثر غموضًا، "نافذة على العدم"، كتب المفكر الروماني إميل سيوران (1911–1995) شذرة لا تُنسى، شديدة الكثافة، تلخص بوضوحٍ باهر جوهر قناعاته:

«كل ما فينا عظيم يميل إلى قهر الألم. لكننا لا نكون عظماء حقًا إلا بقدر ما نعجز عن ذلك - أي بقدر ما نواصل القتال».

هكذا اختزل سيوران وجودنا في نوع من البطولة التراجيدية، قوامها قول “نعم” كبيرة للحياة، رغم كل شيء ورغم الجميع. رغم الكآبة واليأس، ورغم المعاناة وكل ظرفٍ ثقيل: دائمًا في قلب هاوية اللا معنى ومن داخلها.

لقد صُنّفت أعمال سيوران على أنها متشائمة، بل وُصم أحيانًا - خطأً - بأنه مدافع شرس عن الانتحار. غير أن قراءة متأنية لكتبه الغنية تكشف عن مفكر منشغل قبل كل شيء بتحليل ومعايشة أكثر الألغاز الإنسانية استعصاءً: الفناء والموت، التعالي والروحانية، الحزن واليأس، عذاب الوعي والقلق أمام الماضي والمستقبل. وهي مشاعر واجهها عبر القوة الخلاصية للموسيقى والمشي، أو عبر البلسم الذي تمنحه السخرية والفكاهة، سعيًا إلى التغلغل فيما سماه هو نفسه «الأصل العميق للحياة».

لم يكن سيوران متشائمًا على طريقة شوبنهاور أو ماينلاندر أو إدوارد فون هارتمان أو يوليوس بانسن، ولا حتى على طريقة ألبرت كاراكّو أو ديفيد بيناتار المناهض للإنجاب. فقد صرّح في مقابلات عديدة أنه لا يرى نفسه مفكرًا متشائمًا، بل مفكرًا في اللا معنى، في اللامؤسس، في ما لا سند ولا تبرير له. فالحياة تفتقر إلى قاعدة أنطولوجية–ميتافيزيقية تُقام عليها؛ إنها محض تجربة جارية في ذاتها، وكل واحد منا - كائن فردي معرّض لكل أشكال التقلب - مطالب بأن يعيشها في عزلة قصوى (وأحيانًا مؤلمة). وقد كتب:

«كم من العزلة يلزم لامتلاك روح! وكم من الموت في الحياة وكم من النيران الباطنية!».

في كتابه الأول في ذرى اليأس (1934)، يدعونا سيوران إلى أسلوب حياة خاص سماه «شغف العبث». فبرغم مرارات الوجود واختباراته المتعددة، تبقى دائمًا حجة للاستمرار. وهذه الحجة هي… اللاحجة نفسها: أي أنه «لا توجد أسباب للعيش». يعرّينا سيوران أمام الحياة، بلا درع ميتافيزيقي ولا قناعات متعالية، ويؤكد أن الاستمرار لا يكون ممكنًا إلا إذا احتضنّا العبث، «وأحببنا اللاجدوى المطلقة»، لأن «من خسر كل شيء في الحياة، لا يبقى له سوى شغف العبث».

لا يمكن لمفكر متشائم أن يتحدث بهذه اللغة. بل إن سيوران، إذا أُحسن فهمه، يبدو متفائلًا على نحوٍ شاذ. فكيف، وقد عانى منذ شبابه من أرقٍ قاتل، ومن ميلٍ سوداوي، ومن علاقة مضطربة بأمه، ومن ازدراء الأوساط الأكاديمية، ومن شعور باللاجدوى، ومن أحقاد وحسد… كيف كان يمكنه البقاء؟ لقد ناشد سيوران فينا قوة بطولية أسماها «منهج الاحتضار».

لم يدافع قط عن الانتحار، لكنه دافع عن «الرؤية الخلاصية للموت». قال بسخرية نافذة:

«أعيش فقط لأنني أستطيع أن أموت متى شئت؛ لولا فكرة الانتحار لكنت قتلت نفسي منذ زمن».

وقال أيضًا:

«الرغبة في الموت كانت شغلي الشاغل؛ تخلّيت من أجلها عن كل شيء، حتى عن الموت».

إن كسب الحياة يكون في تقبّلها الكامل وتأكيدها الصلب. ففكر سيوران يمنحنا وضوحًا لا يبعث على الخوف، بل على الطمأنينة، ويجعلنا نستقر في يقين أن لا شيء يُحسم في الحياة: وهل نحتاج إلى يقينٍ آخر؟

نحن نحتمل الحياة لأن الموت يظل دائمًا إمكانية، رؤية تقودنا إلى «تحول كوني، جوهري». وعندما نصاب بالحيرة أمام تناقضات الوجود، ندرك - وقد استُنفدنا - أن الحياة نفسها هي المادة التي تُصاغ منها «قوة لا تُقاوم» تدفعنا إلى الاستمرار. وقد كتب:

«أن تعيش بلا إحساس بالموت هو أن تعيش غفلة الإنسان العادي، الذي يتصرف كأن الموت ليس حضورًا أبديًا مقلقًا».

وذلك لأن «التخلّص من الحياة هو حرمان النفس من متعة الضحك عليها».

ينظر سيوران إلى الهاوية في عينيها، وجهًا لوجه، ويقبلها، ويمنحها شرعية في يومياته. فالوعي باللا معنى يعني «أن تكون أبعد من الدموع والشكوى، أبعد من كل تصنيف أو شكل». وهو يسخر ممن يظنون أنهم قادرون على تفسير كل شيء بصيغ نظرية أو تصنيفية، كما لو كانت الحياة مسألة جبرية. فالحياة لا تُحبس في صيغ. المطلوب إذن تطوير «بطولة مقاومة» صحية، لا بطولة فتحٍ أو قهر. ليست استقالة رواقية أمام الحتمي، بل اعترافًا بغياب الأساس أو العلة الأخيرة للوجود، ومع ذلك الاستمرار بلا مواربة.

عندما نفهم أن الحياة لا تمتلك سببًا سوى جريانها ذاته، نسلّم أنفسنا لها بشغف، بلا آمالٍ جوفاء ولا معتقدات معسولة. البطولة الحقة هي الجرأة على العيش بلا أمل، بلا وعود بالخلود أو الاكتمال، مع وعيٍ بأن كل شيء مفقود، ولهذا بالذات يستحق أن نؤكد ذواتنا - بروح الدعابة - في قلب اللا معنى. كتب سيوران في شذرات المرارة:

«عندما نتعلم الشرب من ينابيع الفراغ، نتوقف عن الخوف من المستقبل».

وفي مقابلة متأخرة سُئل لماذا يواصل العيش إذا كانت الحياة، في نظره، بلا معنى. فأجاب بهدوء ولطف أنه، رغم شعوره الدائم بالوحدة، لا يمكنه أبدًا أن يهجر «البشر، رفاق كوابيسي».

هنا يتحول فكر سيوران إلى نزعة إنسانية توحّدنا في المعاناة، في قلب الألم الوجودي ذاته. فمخاوفنا الفردية متصلة عبر سلسلة لا نهائية من الأجيال التي عانت وخافت من الموت ومن قسوة الحياة مثلنا تمامًا. ولهذا، حتى وإن عشنا آلامنا في عزلة، وحتى وإن كانت بعض أوجاعنا غير قابلة للتواصل، تبقى لدينا إمكانية فهم ألم الآخر. وعندما ندرك أن العزلة والمعاناة هما قدر الإنسان، تبدأ في التشكل جماعة تسعى إلى «قهر عدمية الزمن».

قلّما كُتبت في تاريخ الفكر الغربي عبارات بجمال ما نجده في الكراس الوجداني لسيوران، عبارات تستحق أن تُعلّق وتُقرأ كل صباح كترتيل:

«في هول اتساعه، يفرّ الإنسان مذعورًا من نفسه، بحثًا عن جيران يتقاسمون معه فزعه. كل فرد هو رفيق شقاء».

فنحن - كما يقول - نتصافح لنسير معًا «بتواطؤ بين عزلتين».

وفي مواجهة الرسائل العاطفية السكرية التي تحاول بها «ديكتاتورية النجاح والسعادة» المعاصرة التلاعب بنا («ستحقق ما تريد»، «آمن وستنجح»)، أكد سيوران أن ما يُبقينا أحياء ويدفعنا نحو المستقبل حقًا هو فراغاتنا ونقائصنا، افتقارنا إلى أساس، وعينا بأننا كائنات هاوية، ناقصة، في صراع مع العبث.

«ورغم كل شيء، نواصل الحب؛ وهذا الـ(رغم كل شيء) يغطي لانهاية كاملة»، كما كتب في شذرات المرارة.

يا لها من فكرة جميلة أن أستمر، رغم كل شيء استمر في بطولة مؤلمة، لأنه لا يوجد شيء لنكسبه أو نغزوه، إلا ربما وعينا بهزيمتنا، ثم، ننظر في عيون بعضنا البعض، لنقول لأنفسنا، كما قال سيوران أيضا: "تهدئني بدموعك وأنت في دموعي."

***

محمد إبراهيم  الزموري

 

ماذا لو إستخدمنا الكلمات بدلاً من الألوان؟!

الكلمات هي ليست مجرد وصف للأشياء، بل هي وسيلة لخلق صورة ذهنية داخل العقل، وفي عالم الفن والألوان، يعتبر الرسم هو وسيلة للتعبير عن الأفكار والأحاسيس، ولكن ماذا لو إستخدمنا الكلمات بدلاً من الفرشاة والألوان؟!

نزار قباني وديوان الرسم بالكلمات

أول من إستخدم مصطلح (الرسم بالكلمات)، هو الشاعر نزار قباني، حيث ألف ديواناً بعنوان (الرسم بالكلمات)، يتضمن مجموعة من القصائد، التي تُعبر عن إسلوبه الفريد في التعبير عن المشاعر والأفكار وتحويلها الى صورٍ حية ماثلة في الذهن، حيث تميز نزار قباني بِلغةٍ شعريةٍ عذبة و واضحة ومؤثرة، لدرجة أنه كان يًشكل بالكلمات صوراً تُعبر عن الحالة التي يتحدث عنها، وقد أصبح ديوان "الرسم بالكلمات" أحد اشهر أعماله الأدبية.

يُعد نزار قباني أحد أبرز الشعراء والكُتاب في الأدب العربي الحديث، وقد كتب الكثيرون عن تجربته الإبداعية في الشعر، فهو من الشعراء القلائل الذين جمعوا بين النثر والشعر، وحصلت كتاباته على إهتمام واسع من العامة والمثقفين، لقد كانت بصمته واضحة في عملية التجديد دون أن يُنكر الماضي الحضاري للتراث العربي الشعري، لقد كان ومازال قامة شعرية مميزة، يردد أشعاره الناس وكأنها سمفونية عذبة، تُريح النفوس المُتعبة.

الفلسفة والرسم بالكلمات

الرسم بالكلمات هو عملية إبداعية، تستخدم الكلمات لتوصيل الأفكار والمشاعر، وإستحضار الصورٍ الذهنية لمخيلة القارىء، تماماً مثل الرسم بالفرشاة، ويمكننا إستخدام الكلمات لوصف منظر طبيعي، أو شخصية، أو حتى حالة نفسية، أو فكرة فلسفية، حيث أن الكلمات تستطيع أن تكون قوية جداً في إنشاء صور ذهنية، وإستحضار الأفكار على هيئة صور متحركة، تجعل القارىء يشعر بأنه جزء من المشهد.

الرسم بالكلمات هو ليس مجرد وصف للأشياء، بل هو أيضاً وسيلة لإنشاء صور ذهنية ومعاني فكرية جديدة، بعيدة عن التعقيد، حيث يمكننا إستخدام الكلمات لتكوين صور ورموز وإشارات حاضرة في الذهن ، تستحضر المشهد بكل عنفوانه كما لو أنه يحدث الآن، الرسم بالكلمات يتطلب مهارةً وحساً فنياً عالياً، وقدرة على تحويل الكلمات الى صور متحركة في الذهن، وكأنها مشهد حي يستحضره الكاتب في خيال القارىء، الرسم بالكلمات هو سيلة قوية للتعبير عن الأفكار والأحاسيس، ويمكننا إستخدامها كطريقة فعّالة لترسيخ فكرة،أو شرح مبدأ فلسفي، أو إستحضار موقف معين، إن الكلمات إذا إستطاع الكاتب توظيفها بشكل جيد ،لتخدم الفكرة التي يريد تصويرها، قد تصبح أداة فعالة، ليس فقط في الشعر والأدب والروايات، بل في التربية، والتعليم، والفلسفة، فهي بمثابة تشجيع على التفكير الإبداعي الخلاق، وتوظيف للخيال في خدمة العلم، ولا يجب ان ننسى أن كل فكرة و نظرية قد بدأت  بصورة ذهنية في عقل إنسان مبدع، قبل أن تتحول الى واقع ملموس.

***

شيماء هماوندي

سؤالٌ لا يشبه ما سواه، خصوصا حين يتزامن طرحه مع نهاية العام، رغم أن البدايات ليست مرهونةً بباكورة الأعوام، إذْ يمكن أن تتخيّر أي لحظة لتنطلق منها نحو وجهتك الجديدة، ولكن بواكير السنوات تمنحنا نوعًا من التهيّؤ النفسي لبدايات مختلفة، وعَوْدًا على بَدْء، فسؤال: أَعلى قيد الحياة أنت أم على قيد الحلم؟! يوقفنا على حقيقة مُرّة، وهي أن مرور الأيام علينا ونحن بالكاد نتنفس ونتعاطى على وجه الاعتياد مع موائدنا وأَسِرّتنا لا يعني بالضرورة أننا نعيش، فهذا لا يعدو أن يكون شبه حياة ندفن تحتها احتمالات لا نهائية من فرص الازدهار، إلا إن قصدنا بمفهوم العيش معناه البيولوجي لا غير.

ودعوني هُنا أستدعي تصنيفًا ثنائيًا للناس، وإن كنتُ أُكِنُّ خصومةً شخصية شرسة ضد التقسيمات الثنائية، إذْ إن منطق إما أبيض وإما أسود(Black-and-White Perspective) يمجُّه التنوع الذي يكتظ به الواقع، ولكن من باب تقريب الفهم خطوةً أُولى؛ بُغْية التمهيد، فيمكن القول إنّ البشر ينضوون تحت إحدى مظلتين واسعتين، فريق يكون يومُه مكررا لأمسِه، وغدُه تكرارًا ليومه، ليس على صعيد الإنجاز، وإنما على مستوى الاحتياجات البيولوجية من أكل وشرب ونوم وما يتخلّل ذلك من روتين يومي باهت يكفل له احتياجاته تلك كالوظيفة، يفعل ذلك عن رضى وقناعة تامّين، وهكذا تمر عليه السنون سنةً تِلْو الأخرى ولا يتقدم قِيْد أُنْمُلة، ولا يجدّ جديد في حياته، إن صحّ لنا وصف حياته بالحياة!

وفي الضفّة المقابلة نجد الفريق الآخر، الذي وإن كان لا ينكر ضرورة توفير أساسيات الحياة المذكورة آنفًا، لكنه لا يستغرق عمره فيها، ولا يجعلها شغله الشاغل، بل يضيف عليها طبقة أخرى من الحياة، أعمق مستوى وأكثر كثافة، كتلةً من الطموحات والأحلام والأهداف والسعي الحثيث، مركزُها إرادة صارمة تمنحنا تفسيرا وجيها ونبيلا عن: لماذا تطور الإنسان بخلاف السلالات الحيوانية الأخرى، إنه - بإيجاز - يُضفي على حياته معنى! ويمنحها بُعدًا لا يستوعبه كثيرٌ من بني جنسه.

مقالي لا يتطرق - بطبيعة الحال - إلى الفريق الأول، ففي النهاية من حق كل أحد أن يعيش حياته كما يشاء وبالمقاس الذي يلائمه، فَلِعَيش الحياة طرائقُ قِدَدٌ، كما أنّي لا أتحدث عن الفريق الثاني، وماذا عساني أن أتحدث عن فريق رسم لنفسه لوحة حياة متسامية، تتجلى فيها أسنى مستويات الإنسانية؟ وإنما أودّ الإشارة إلى فريق يؤمن بمسار الفريق الثاني، إلا أنّه ما زال حتى اللحظة مسحوقًا تحت أسلوب حياة الفريق الأول!

هذه الظاهرة التي يمتطي أصحابُها صهوة جياد يأنفون منها، ويتخذون شكل حياةٍ لا يشبههم، لها دوافعها بلا ريب، ولعل عامل الخوف يأتي في صدارة القائمة، الخوف في أشكاله كافة، الخوف من مغادرة منطقة الراحة، والخوف الاجتماعي، والخوف من عدم القدرة، والخوف من العواقب الوخيمة المحتملة، والخوف من الخسارة، أكانت مادةً أم علاقات أم أدوارا اجتماعية أم مصالح شخصية.

تناولُ الخوف عملية معقدة، ولست أبالغ إن ادّعيت أنه حاضر في جميع مشاهد حياتنا، كما أن المنسوب المعقول منه هو مطلب صحي - مع اعترافي التام بأنّ وصف (المعقول) نسبي لا يمكن قياسه على وجه الدقة - إلا أن الإفراط فيه حدّ الهَوَس يفوّت علينا حَيَوات كثيرة للغاية.

الخوف في عمقه هو مجرد وَهْم لا وجود له إلا في أدمغتنا - وميكروبات أمعائنا كذلك (Gut Microbiome)، وهذا ربما أُفْرِدُ له مناسبة أخرى للإطناب في الحديث عن دماغنا الثاني! - هذا الوهم هو سيناريو مستقبلي ألّفنا حبكته - من هواجس غير واقعية غالبًا - ثم آمنّا به، وأخذنا نجترّه ليل نهار، حتى أصبح في نظرنا حقيقة خرجت من رحم الواقع لا مِراءَ فيها.

ثمّة حكمة بليغة في القصة المشهورة للرجل الذي تأمّل مشهد كلب يحاول الارتواء من بركة ماء وكلما هَمّ بالشرب رأى انعكاس صورته، فإذا به يتراجع؛ فَرَقًا مما يراه، وظل على هذه الحال حتى قرر أن يرتمي في الماء، فشرب حتى ارتوى، مكتشفا أن ذلك التردد في المرات السابقة لم يكن سوى تضييع وقت كاد أن يهلكه، هنا أدرك الرجل درسا عظيمًا مُؤدّاه أنّ أنجَعَ معالجة للخوف هو أن نرتمي فيما نخاف منه، وما إنْ يحدث ذلك حتى يتلاشى الخوف بلا رجعة.

أرجو ألّا يُفهم من طرحي أنني أدعو إلى المجازفات غير المسؤولة وغير محسوبة العواقب بدعوى الشجاعة، فهذه ونظيراتها كثيرا ما تؤول إلى نهاية قاسية كقضبان السجن أو أن يلقى المرء حتفه أو سقوط مُدَوٍ لا نهوض بعده ونقطة سوداء لا رجعة بعدها.

ما أريد لفت النظر إليه هو ضرورة اتخاذ خطوة الإقدام بإرادة ذاتية جادّة، ثم دراسة حيثيات الاختيار بالتحليل الفردي أو استشارة المتخصصين، وما يلزم من سبل الحيطة والحذر؛ لأن الكفّ عن الفعل بداعي خوف غير مبرَّر هو من أشنع الجرائم التي نرتكبها بحق حياتنا، ولستٍ بمُغالٍ إن ادّعيت أن خلف أغلب الحيوات الباهتة رغم إدراك أصحابها بأنهم يتخذون مسارات مغلوطة في نمط حياتهم، إنما يكون الخوف هو المتهم الأول في سبب ذلك! وعادة ما يكون مصحوبا بتبريرات باردة لا أساسَ متينًا لها.

ولتكامُلِ الفهم خليقٌ بي أن أشير إلى أنه لا خطوة للإمام بلا تضحية، وهذا ما يجب أن نتوقعه ونوطّن أنفسنا عليه قبل أي مغامرة نَلِجُ إليها وتمخُر سفنُنا عُبابها، ومع ذلك فإنه يمكن أن نختزل التضحية في جوهرها في التضحية بكل ما له علاقة بنسختنا الذاتية الراهنة التي لم تعد تشبهنا ولا تليق بنا بعد الآن! ولكن نسختنا الذاتية التي نريد أن نكونها تستحق هذه التضحية، فنحن المضحِّي والمضحَّى به!

إنّ الصراخ المحموم الذي يجثم على صدور أولئك الذين يعيشون حياة غير التي يريدونها، هو صراخ داخلي ينهشهم ببطء بلا هَوادَة، فليس ثمّة ما هو أكثر إيلامًا من أن نجد أنفسنا على مسرح الحياة نؤدي أدوارًا ليست لنا ولا تشبه أعماقنا ولا تمتّ إلينا بأي صِلَة، ولكن الحقيقة القاسية هي أن هذه الشريحة من المجتمع ذواتُهم هي العائق الأول وراء تجرّعهم هذه المعاناة!

ما الخوف سوى مشاعر تولّدها أفكارٌ نسجناها بحُرّ أيدينا، وتعززها هرمونات كالأدرينالين لتتفاعل معها أجسامنا، وهذه المشاعر بدورها تعزز أفكار الخوف، وهكذا في عملية تضخيمية دائرية، وقطع هذه الحلقة المكررة يكون بإجراء تعديلات على تصوّرنا وتَمثُّلنا لجانب ما من حياتنا الذي تَمَلّكنا الخوف إزاءَه، ثم تتكفّل أدمغتنا بالباقي! وهذا يتطلب وعيًا بكيفية إعادة تأطير المشهد (Labeling) فالعقبة تغدو فُرصة والخوف يصبح فضولا، ليس لأنه كذلك؛ وإنما لأنّنا عمدنا إلى بؤرة التركيز وقمنا بإزاحة واعية، إزاحة إلى ما يكون في صفّنا، ويصبّ في مصلحتنا.

فالمهارة التي تثير فينا خوفا اجتماعيا، تصبح مصدر دخل كبير، والعلاقة التي نخشى التورّط فيها تستحيلُ طوق نجاة لاستقرار نفسي استثنائي، والمشروع الذي يُحْدث فينا رهبةً قد يلفت انتباهنا لنقطة ضعف فينا يجب أن نوليها اهتمامنا بدل الاستسلام لمشاعر الخوف، والقرار المحوري الذي نهلع من بذل التضحيات الهائلة التي تتضافر حوله، قد يكون منعطفا لحياة رحبة لا تتسع لما نضحي به، إذْ تكون البدائل ألصق بما يليق بنا، وعلى قدر الإقدام يعظُم ما ننالُه من مَرام.

ليس مهما - ما دمتَ تشعر بالرضى - أن تكون على قيد الحياة أم على قيد الحلم، ولكن من المهم بمكان ألا تكون على قيد الحياة، وصدرك مكبوتٌ فيه ألفُ حُلم!

***

محمـــد سيـــف

انتهينا في مساقٍ سابقٍ إلى أنَّ (عِلم نقد العُلماء)- نعني من نحو ما اصطُلح عليه قديمًا بالجرح والتعديل- لو أُخِذ به في ثقافتنا العَرَبيَّة كافَّة، لكفانا مؤونة الصدمات المعرفيَّة والفكريَّة، حينما نقرأ لأعلام تراثنا اللُّغوي. ولَقاربْنا الاهتداء إلى مَن نأخذ عنه لُغتنا وعلومها، محاولةَ الاهتداء إلى مَن يُؤخَذ عنه الدِّين. وفوق هذا، لربما تخفَّفنا من تركة هذا التراث الثقيلة، التي ما تزال أجيالٌ بعد أجيال تجترُّها، وتزكم بها العقول؛ إذ تستأنف ترَّهاتها العتيقة جذعةً، كلما ظنَّنا أنْ قد أفاق بنا صبحٌ جديد من الوعي بالإنسان واللُّغة. قلتُ لمُحاوري (ذي القُروح):

- إذا تخطَّينا بقايا العقل الخرافي تلك، التي تجسَّدت في جماجم بعض الناس، خلال القرن الثالث الهجري، ماذا نجد؟

- سنُدرك أنَّ عمليَّة التوثيق المعلوماتي قد مرَّت بمراحل عبر التاريخ البَشَري. فكانت المشافهة وسيلتها، قبل الكتابة. بل حتَّى بعد ظهور الكتابة وسيلةً معرفيَّة، ظلَّ هنالك من يعوِّل على الرواية في التوثيق، فأُثِر عن العَرَب، من الرعيل الأوَّل في الثقافة الإسلاميَّة، قولهم- في انتقاص الاعتماد على الكتابة-: «فلانٌ عِلْمه في قراطيس!»  أي أنَّه لا يعتمد على الذاكرة؛ ولذلك لا ثِقة بعِلْمه، لديهم.  على حين يتضاغَى اليوم في بعض الأوساط البحثيَّة مَن يشكِّك في مرويَّاتٍ تراثيَّة، لغياب وثائقها المكتوبة.  ومن المتوقَّع أن يشهد الأمر مستقبلًا تشكيكًا في الوثائق المكتوبة نفسها، بدعوَى أنها مجهولة الكيفيَّة في وجودها، فوق كونها عُرضةً للخطأ، تصحيفًا، أو تطبيعًا، أو تزويرًا.

- وعندئذٍ ستكون المطالبة بالوثيقة المسجَّلة صوتًا وصورةً فقط، وإلَّا فلا ثقة في النصوص المكتوبة.

- وبذا ستؤوب الرحلة التوثيقيَّة إلى الرواية الشفويَّة، لكن موثَّقةً بصُوَرٍ حيَّة، هذه المرَّة.  وعندئذٍ سيعود الإيمان بتفوُّق الرواية الشفويَّة على الكتابيَّة، كما كان يَرَى القدماء، وكأنَّه إنَّما كان أَعْوَز القدماء حفظُ تلك الوثائق الشفويَّة لمن جاء بعدهم بوسيلة أكثر تطوُّرًا من تقييدها بالتدوين. 

- الحقُّ أنَّ هذه الوسيلة الشفويَّة، أو القائمة على المشاهدة المباشرة، هي ما تعتمد عليها المحاكم القضائيَّة في كلِّ عصرٍ، وتَعُدُّها أقوى الأدِلَّة، اعترافًا أو شهادةً أو بيِّنة.

- وما نخلص إليه من هذا هو أنَّ مسألة التوثيق تظلُّ مسألةً نِسبيَّة، لا يصحُّ القطع فيها بإطلاق، ولا التشكيك فيها بإطلاق.  وإنَّما ينبغي نقد الأسانيد والرُّواة، ونقد المتون والقرائن، لترجيح أحد الاحتمالين: الصِّحَّة أو عدمها.  وهي الآليَّة التي كان يأخذ بها المحقِّقون في تراثنا العَرَبي الإسلامي، ولا سيما في مدرسة (الحديث النبوي).  وذاك أقصَى ما يمكن أن يأخذ به باحثٌ في تحرِّي الحقائق. 

- من هنا يبدو من السَّفهِ- من وجهةٍ عِلْميَّة- التشكيك في بعض معطيات التراث وأدواته بحُجَّة أنها لم تصلنا في وثائق مكتوبة عن أصحابها. 

- وليس يصحُّ في الأذهان شيءٌ من الماضي، باتِّباع هذا المنهاج.  وإنَّما للباحث الجاد، بل من الواجب عليه، نقد التراث بأدواتٍ عِلْميَّة يُعتدُّ بها، لتمحيص صحيحه من زائفه، وَفق شروط تلك الأدوات. 

- ومن نماذج هذا العَتَه البالغ أقصاه قول أحد الموصوفين جُزافًا ب-(المفكِّر العَرَبي العفيف الأخضر)- وقد انتهى به المطاف الفكري إلى الانتحار أو محاولة الانتحار في أحضان عاصمة الاستعمار القديم والحديث (باريس)-: «لا أجزم ب-(لم)؛ لحاجة العَرَبيَّة إلى الحروف الصوتيَّة الفقيرة فيها»!(1)

- وأمَّا أنا، فأجزم أنَّ هذا المفكِّر الدَّعِيَّ لا يجزم لأنَّه، ببساطة، أُمِّيٌّ؛ فهو يحاول تبرير عِيَّه وجهله، بأنَّه مُجدِّد للُّغة العَرَبيَّة.

- بل لعلَّه يرى نفسه مستدرِكًا على العَرَب في لُغتهم!

- من طالَع مؤلَّفات هذا المفقِّر، دهش لمقدار ما فيها من جهل مخجل باللُّغة والتاريخ والأدب.

- لا غرو، فكلُّ إناء بما فيه ينضح. ولعلَّك تلحظ هنا الفارق العلمي والحضاري بين هذا الأخضر وباحث عِلمي رصين كالياباني (توشيهيكو إيزوتسو Toshihiko Izutsu، -1993)، مؤلِّف كتاب «الله والإنسان في القرآن: عِلم دلالة الرؤية القرآنيَّة للعالَم»، الذي يجيد أكثر من ثلاثين لُغة، منها العَرَبيَّة، وترجم «القرآن» إلى اليابانيَّة، ولم يضق بحكاية (الجزم)، ولم تلفته حاجة العَرَبيَّة إلى الحروف الصوتيَّة!

- شتان بين الثَّرى والثُّريَّا! وليس (الأخضر) ببدعٍ في مثل هذا الادِّعاء العرباني، الذي ينبثق عادةً عن عُقَد اجتماعيَّة أو حضاريَّة؛ فلقد زُعِم من قبل أنَّ الجهل بعَروض الشِّعر العَرَبي، مثلًا، أو عجز الموهبة عنه، هو تجديدٌ لا يُشَقُّ له غبار للشِّعر العَرَبي، تمخَّض عنه شِعر التفعيلة أوَّلًا ثمَّ قصيدة النثر أخِرًا.

- ومن هنا أصبحنا على العَرَب وقد صاروا من المحيط إلى الخليج جميعًا شعراء!

- بالطبع، فبإسقاط الشَّرط العَروضي فُتِح سَدُّ يأجوج ومأجوج لكلِّ المتشاعرين! وما كان للجاهل أن يجدِّد شيئًا سِوَى جهله! وإنَّما التجديد وليد العِلم الراسخ ومن ثَمَّ التجاوز للتراث إلى ما هو أرقى.

- وهكذا، فإنَّ (العفيف الأخضر) جنَّنه الجزم والرفع والنصب، فقرَّر ترك كل قواعد اللُّغة العَرَبيَّة. وحتى لا يفتضح جهله، سيقول: «إنَّما أوتيته عن عِلم عندي، وعن سبق إصرار وترقُّد لتجديد اللُّغة العَرَبيَّة»، كما فعل الشعراء الذين جنَّنتهم بحور الشِّعر العَرَبي، فقالوا: «لندع وجع هذا الدماغ، ونسمِّي هذا تجديدًا للشِّعر العَرَبي!»

- ولقد شهِد (الأخضر) على نفسه بنفسه؛ حيث قال ما تقوله أنت هنا. وهذا كلامه: «لُغة الفِصام هي دائمًا جديدة؛ «كآبة باريس»، أسَّسَ بها (بودلير) قصيدة «النثر». اللَّا مبالاة بالقواعد النحويَّة والصرفيَّة واللُّغويَّة السائدة، هي عَرَضٌ للفِصام، كما يشخِّصها الطِّب النفسي!»(2)

- وشهِد (الأخضر) على نفسه بالفِصام كما يشخِّصه الطِّبُّ النفسي!

- ومن ضروب التشكيك في الموروث- على سبيل النموذج- التشكيك في شِعر العَرَب قبل الإسلام وفي نثرهم.  فلئن صحَّ القول بالانتحال في بعض الشِّعر الجاهلي، وصحَّ القول بضياع معظم النثر العَرَبي قبل الإسلام، فإنَّ الحديث عن أنَّ كلَّ ذلك التراث الأدبي إنَّما انتُحل بعد الإسلام حديث خرافة، يا أُمَّ عمرو! 

- لماذا، يا أبا عمرو؟! 

- لأنَّ مَن يزعم هذا الزَّعم إمَّا أنَّه لا يفكِّر في ما يقول، وإمَّا أنَّه يتمتَّع بخيالٍ مريض، يُخيِّل إليه أنها قد نشأت في القرنين الأوَّل والثاني الهجريَّين جيوشٌ جرَّارة، لا شُغل لها إلَّا تأليف الشِّعر، والخُطَب، والأخبار، والقصص، وعزو ذلك إلى العَرَب!  وهو تصوُّرٌ لا يخطر في بالٍ سَوِيٍّ، مهما كانت الأسباب وراءه والدوافع. غير أنَّ كثيرًا ممَّن يناقشون هذه القضايا كثيرًا ما يقعون في الخلط بين مسألتين.

- وهما؟

- المسألة الأُولى أنَّ الكتابة هي غالبًا أكثر من الرواية حفظًا للنصوص زمنيًّا، والمسألة الثانية أنَّ الرواية الشفويَّة لا معوَّل عليها البتة في حفظ النصوص. 

- فإذا هم ينتهون من التسليم بالمسألة الأُولى إلى التسليم بالثانية. 

- نعم. مثَلهم كمن يسلِّم بأن «ليس الذَّكر كالأُنثى»، فيحفظ النصَّ ويردِّده بلا فهم؛ لينتهي به الضَّلال إلى أنَّ الأُنثى لا وجود لها.

- أو قل: لا قيمة لوجودها! 

- والحقُّ أنَّه لا يفهم مثل هذا إلَّا مَن يفهم أنَّ الحياة لونٌ واحد، وإلَّا فلا. 

- وما يفهم مثل هذا مَن يفهم الحياة أصلًا. 

- وبالقياس يمكن القول: أنْ ليست الكتابة كالرواية، فلها ميزات نوعيَّة، كما أنَّ للرواية ميزات نوعيَّة.

- ورُبَّ رواية كانت أحفظ للنصِّ من كتابة. 

- صحيح. وما حدثَ في رحلة الأدب العَرَبي، بشِعره ونثره، عبر ثلاثة قرون تقريبًا، بين منشئيه قبل الإسلام إلى مدوِّنيه بعد الإسلام، ليس بالأمر المستغرَب في ثقافات الشعوب. ولنا في تراثنا الشَّعبي خير برهان؛ فكم من الشِّعر، والأخبار، والقصص، تناقلتها الأجيال، عن الآباء والأجداد، مشافهةً، فبقيت قرونًا! 

- على الرغم من تجاوز المجتمع غالبًا عصور المشافهة والرواية، إذا ما قيس حاله إلى ما كان عليه الحال قبل خمسة عشر قرنًا. 

- نعم، يعتور النصوص المرويَّةَ الخطأُ، والنسيان، والزيادة والنقصان، لكنَّ مادَّتها، وأعرافها الفنِّ-يَّة، وخصائص لُغتها، كلّ أولئك تبقى إجمالًا.  كيف وقد كان الشِّعر العَرَبي عِلْم العَرَب، ومَنَّهم وسلواهم، وفنَّهم الوحيد، وسِجِلَّ تاريخهم، وديوان ثقافتهم، ولغتهم اليوميَّة، وما كانوا ليَدَعوه حتى تَدَع الإبل الحَنين؟! 

- ولن تَدَع الإبل الحَنين، ولن يَدَع العَرَب الشِّعر وثقافته!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

........................

(1) الأخضر، العفيف، (2014)، من محمَّد الإيمان إلى محمَّد التاريخ، (كولونيا- بغداد: منشورات الجمل)، 28. 

(2) م.ن، 203.

 

لم تعد كرة القدم في عالمنا المعاصر مجرّد لعبة تُمارَس للتسلية أو طقسا رياضيا بريئا يُقاس بعدد الأهداف والانتصارات، بل تحوّلت ـــ خصوصا في المجتمعات العربيةــــ إلى ظاهرة رمزية كثيفة الدلالة، تكشف بوضوح عن بؤس عميق في علاقة الشعوب بأحلامها وبالسلطة وبذاتها وفيما بينها فيما صار الملعب فضاء بديلا عن الساحة السياسية، وصارت المدرجات تعويضا عن المنابر، وغدا الهدف الكروي بديلا مشوّها عن الأهداف التاريخية الكبرى التي عجز الواقع عن تحقيقها.

حين فشلت الشعوب في بلوغ غاياتها الأساسية من حرية، عدالة، كرامة، وعيش الكريم، لم تختفِ غريزة الهدف من الوعي الجمعي، بل هاجرت من المجال السياسي والاجتماعي إلى مجال الفرجة والامتاع البصري الذي يشبه المخدر. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا غاية، وإذا أُغلقت أمامه الأبواب الكبرى، تعلّق بأصغر منفذ. هكذا انتقل الحلم من التاريخ إلى المرمى، ومن الفعل إلى التصفيق، ومن التغيير إلى الاحتفال المؤقت. الهدف في كرة القدم واضح، مرئي، سريع التحقّق، لا يحتاج إلى تضحيات ولا يفرض أثمانا باهظة، بعكس الأهداف الواقعية المؤجلة والملتبسة والخطيرة.

في هذا السياق، لم تعد كرة القدم مجرّد لعبة، بل صارت سياسة بلا خطاب، وأيديولوجيا بلا كتب، وهوية بلا تعريفات. إنها سياسة الجسد لا سياسة البرامج، وسياسة الانتماء الغريزي لا المشروع الواعي. اللاعبون هم الأبطال الجدد، لا لأنّهم غيّروا شروط الحياة، بل لأنّهم منحوا الجماهير لحظة انتصار رمزي في زمن الهزيمة الواقعية. فالهدف الكروي لا يحرّر أرضا ولا يرفع ظلما، لكنّه يمنح إحساسا آنيا بالإنجاز، وهذا وحده يكفي في عالم حُرم فيه الإنسان من الشعور بالفاعلية. وليس من قبيل الصدفة أن تُضخّ مليارات خيالية في كرة القدم في زمن تتآكل فيه الطبقات الوسطى، وتنهار فيه أنظمة التعليم، وتتراجع فيه الخدمات الأساسية. هذا السخاء الرياضي لا يعكس حبّا بريئا للّعبة بقدر ما يكشف عن استثمار ذكي في الإلهاء الجماعي. فالفرح المؤقت أقلّ كلفة من العدالة الدائمة، والمهرجان أرخص من الإصلاح، والاحتفال أسهل من المواجهة. حين يشتد الغضب الاجتماعي، تُرفع جرعة الفرجة، وحين يقترب الانفجار، تُفتح الملاعب وتُضخ الأموال وتُصنع الأساطير الرياضية كي يفرغ الغضب ويحوّل الاهتمام.

في هذا الإطار، يتحوّل اللاعب النجم إلى جهاز سياسي متنقّل، وإلى نموذج النجاح الوحيد المتاح في زمن انسداد الأفق، نجاح بلا فكر، بلا موقف، بلا تاريخ، وبثروة فلكية. فتغدو الرسالة الصامتة التي تُبث يوميًا للجماهير واضحة وخطيرة (إن أردت النجاة، لا تناقش، لا تعترض، لا تحلم… العب، فقط إلعب). وهكذا يُعاد توجيه الغضب الشعبي من مساءلة البنى العميقة للظلم إلى صراعات وهمية حول حكم المباراة، أو حظ الفريق، أو خيانة لاعب.

ولعلّ أخطر مفارقة في هذا المشهد كلّه تتجلّى في العلاقة المختلّة مع مفهوم اللّعب ذاته. ففي الوقت الذي تُفتح فيه خزائن الدول والأسواق من أجل لعب الكبار، ويُضخّ المال والرمزية لإسعاد الجماهير أو إسكاتها أو إلهائها، يُحرَم الصغار من اللّعب باسم الجِدّ والحزم والانضباط. فيُقال للأطفال إن اللّعب مضيعة للوقت، وإن المستقبل لا يُبنى إلّا بالصرامة والحفظ والطاعة، فتُختزل المدرسة في الامتحان، والمعرفة في الإجابة النموذجية، ويُجرَّد الطفل من حقّه الطبيعي في اللّعب بوصفه مدخلا أساسيا للفهم والإبداع وتشكّل الوعي لديه.

يا للمفارقة القاسية!  يُسمَح للكبار باللّعب لأنهم فشلوا في تحقيق أهدافهم الحقيقية، ويُمنَع الصغار من اللّعب كي لا يفشلوا مستقبلا! وكأنّنا نُعيد إنتاج الفشل نفسه، لكن بأدوات أشد قسوة. لأنّ اللّعب الممنوح للكبار هو لعب مُسيَّس، مضبوط، ومؤطَّر ضمن فرجة استهلاكية لا تهدّد النظام القائم، أما اللّعب الممنوع عن الصغار فهو اللّعب الحرّ، الخلاّق، الذي يعلّم السؤال قبل الجواب، والتجريب قبل الامتثال، والخيال قبل الطاعة. فمن المؤسف أن نمنع اللّعب حيث يجب أن يكون، ونحتفي به حيث يتحول إلى أداة إلهاء. فنقتل اللّعب بوصفه تربية، ونستثمره بوصفه فرجة. هذه ليست مفارقة ساذجة، بل علامة على خلل عميق في تصورنا للإنسان، وللتعليم، وللمستقبل. كرة القدم هنا لا تُدان بوصفها لعبة، بل بوصفها مرآة لبؤس جمعي، تكشف هشاشتنا وحاجتنا إلى المعنى وعجزنا عن تحويل الغضب إلى فعل تاريخي واعٍ.

ومع ذلك، لا تزال المفارقة مفتوحة على احتمال آخر. فالملعب يمكن أن يكون مقبرة للأهداف، لكنه قد يصبح أيضا مختبرا للوعي إذا امتلكنا شجاعة السؤال بدل الاكتفاء بالهتاف. ماذا لو سألنا بعد كل هدف، لماذا نحتاج إلى هذا الفرح؟ ماذا ينقصنا خارجه؟ ولماذا نقبل أن تكون لحظة الانتصار الوحيدة في حياتنا مرتبطة بقدم لاعب لا يعرف أسماءنا؟

إن المشكلة ليست في كرة القدم، ولا في اللّعب في حد ذاته، بل في الطريقة التي جُرِّد فيها اللّعب من بعده الإنساني والتربوي، وحُوِّل إلى أداة سياسية ناعمة ملهية. إذ أنّ أخطر ما يمكن أن يحدث للشعوب ليس القمع المباشر، بل الإلهاء المستمر. فحين يُترك اللّعب حكرا على الكبار في الملاعب، ويُحبَس الصغار في أقفاص الجِدّ القسري، نكون قد حكمنا على الأجيال القادمة بإعادة إنتاج البؤس نفسه. وحدها استعادة اللّعب بوصفه حقا، وفضاء للتفكير، ومدخلا للتفلسف، يمكن أن تفتح أفقا مختلفا، تُستعاد فيه الأهداف خارج المرمى، ويعود الحلم إلى مكانه الطبيعي وهو الحياة نفسها.

***

ليلى تبّاني ــــ الجزائر

 

لسنا منسيين لأن أحدا نسي أسماءنا، بل لأن العالم لم يتعلم بعد كيف ينصت إلى ما لا يصرخ. النسيان هنا ليس فعل إهمال، بل نتيجة طبيعية لعالم لا يعترف إلا بما يعرض، ولا يصدق إلا ما ييستهلك، ولا يمنح الوجود شرعيته إلا لمن يجيد الأداء. أما نحن، فنقيم في منطقة رمادية بين الظهور والغياب؛ أحياء بلا احتفال، حاضرون بلا تمثيل، نمارس وجودنا كفعل داخلي لا يحتاج إلى شهود.

نحن لا نعاني الوحدة بوصفها نقصا في الآخرين، بل باعتبارها فائضا في الوعي. فكلما اتسعت الرؤية، ضاق الجمع، وكلما تعمق السؤال، تراجع القطيع.

 لسنا غرباء عن العالم، بل أكثر التصاقا به مما يحتمل؛ نلتقط هشاشته قبل أن تتجمد في وقائع، ونسمع أنينه قبل أن يتحول إلى خطاب. لهذا ننسحب إلى الصمت، لا هربا، بل حفاظا على ما تبقى من معنى لم تدنسه البلاغة الجوفاء.

نحن المنسيون لأننا لا نطلب الاعتراف، ولا نجيد التفاوض على ذواتنا. نعيش كما لو أن الوجود سؤال مفتوح لا إجابة نهائية له، وكأن الإنسان تجربة غير مكتملة لا يجوز اختزالها في دور أو تعريف. بين العبث والمعنى، بين الألم والوعي، اخترنا أن نقيم في المسافة، حيث لا يقين يريح، ولا وهم يخدر، بل صدق متعب، وحقيقة لا تقال إلا همسا.

 نمشي بخطى خفيفة كأننا نعتذر للرصيف عن ثقل أفكارنا، ونحمل في صدورنا قلوبا تعمل أكثر مما ينبغي، فتتعب أسرع مما ينبغي. لسنا حزانى بالمعنى الساذج للحزن، نحن فقط نرى أكثر؛ نرى الشقوق الصغيرة في جدران المعاني، ونسمع الصرير الخافت للأشياء حين تتكسر في صمت. لهذا نبدو متعبين، ولهذا نُنسى.

نحن أبناء الأسئلة التي لا تصلح للمجالس، وأحفاد الصمت الذي يحمل في داخله الكثير من الكلام. نحن أولئك الذين اعتادوا السهر دون سبب واضح.. من لا نملك مبررا للتأمل في السقف.. في السماء.. في متابعة أشكال النجوم.. وقد نخلق من أشكال السحاب رفقاء لنا.. نحن أصحاب الأدمغة العتيقة التي تفشل المهدئات في سكونها. نحن أولئك الذين يتعكر مزاجهم بكلمة عابرة.نحن أصحاب المزاج المتغير بشكل متواصل ونوبات البكاء والحزن المفاجئ

نحن أصحاب الأسئلة الوجودية التي لا إجابة لها.. من اعتادوا الصمت في أشد المواقف التي تستدعي الحديث.. نحن من لا تؤخذ كلماتنا على محمل الجد أبدا.. نحن من نخلق الحجج لنعتذر عن حضور الحفلات والتجمعات.. نحن أصدقاء الجميع ولا صديق لنا.. نحن أولئك الذين اتخذوا الموسيقى والكتب رفيقا لهم.. نحن كل الأشخاص الذين يسيرون في الشوارع وقت هطول المطر.. من يبكون في غرفتهم مساء ويستيقظون في الصباح كما لو أنهم لم يبكوا لساعات، نحن أصحاب الرسائل التي لم ترسل والوجع الذي لا ينطق والأمنيات التي لم تتحقق.. نحن المزيفين امام الناس والصادقين أمام أنفسهم.

نحن المنسيون لأننا لا نجيد التسويق لأوجاعنا، ولا نتقن لعب دور الضحية. نؤمن أن بعض الألم يفقد قيمته حين يستعرض، وأن بعض الجراح تشفى فقط حين تُترك في الظل. لذلك نتقن الصمت في اللحظات التي يتوجب فيها الكلام، لا عجزا، بل لأن الكلمات كثيرا ما تخون الحقيقة. نحن أصحاب العقول التي لا تنام، والقلوب التي تتعثر في التفاصيل الصغيرة: نبرة صوت، كلمة عابرة، نظرة غير مكتملة.

نحن المنسيون، لكننا لسنا فارغين. في داخلنا مدن كاملة لم ترسم على الخرائط، وأرواح تعرف كيف تكون مسالمة دون أن تكون ضعيفة. لا نؤذي أحدا لأننا نعرف شكل الألم حين سكن في إنسان. وحين يساء فهمنا نختار الصمت لا عجزا، بل وفاءا لصورة أعمق عن الكرامة. نحن لا نطلب أن يلتفت إلينا، يكفينا أن يترك لنا حق الوجود كما نحن: هشين بوعي، أقوياء بلا استعراض

نحن الوحيدون جدا، نعم، لكن وحدتنا ليست فراغا؛ إنها مساحة للتأمل، ومختبر للأسئلة، ومأوى للأحلام التي لم تجد لغة بعد. نحمل الوجع كمعرفة، والوحدة كاختبار، والحزن كحكمة وإن كنا الوحيدين جدا، فنحن وحدنا لأننا نرى أبعد، ونشعر أعمق، ونرفض أن نكون نسخا قابلة للاستهلاك. نحن الطفل الذي ما زال يسأل، وما زال يندهش، ومازال رغم كل شيء قادرا على الحلم

نحن المنسيون ولكننا لم نكن خارج التاريخ، بل كنا في طبقاته الخفية؛ في الشقوق التي يتسلل منها المعنى، وفي اللحظات التي يتكون فيها الوعي. وإن بدا أننا وحدنا، فذلك لأننا اخترنا طريقا لا يسلكه الكثيرون: طريق النظر إلى الداخل حين ينشغل الجميع بالخارج وطريق الصدق حين يصبح التزييف شرطا للقبول.

لم نخسر العالم، نحن فقط رفضنا أن نربحه بثمن ذواتنا. وحين تألمنا، لم نحمل الألم سلاحا، بل حولناه الي معرفة، وحين انكسرنا، لم نصرخ، بل تعلمنا كيف نقف على شظايانا دون أن نجرح أحدا

نحن المنسيون، لكننا شهود. شهود على هشاشة الإنسان، وعلى قسوة المعنى، وعلى جمال الروح حين تترك لتكون كما هي.

لسنا نهاية الحكاية، بل صوتها الخافت الذي يبقى بعد أن ينتهي التصفيق. وإذا كان العالم لا يرانا، فذلك لأنه ينظر بسرعة، أما نحن فنبقى… لأننا تعلمنا أن الوجود لا يحتاج إلى اعتراف بقدر ما يحتاج إلى صدق

نحن المنسيون، نعم، لكن في هذا النسيان تكمن حريتنا الأخيرة: أن نكون، لا كما يريد العالم، بل كما نريد نحن أن نكون نحن المنسيون.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

درج العراقيون أبناء وادي الرافدين في وسط وجنوب العراق على دمج أكثر من كلمة لسهولة النطق ولأن غاية اللغة في نهاية المطاف هي إيصال المعنى المطلوب بشكل مباشر.

إن هذه الوسيلة منتشرة بشكل كبير ومتعدد الأشكال في اللغة العراقية في حين إن هذا الأمر غير ممكن في العربية الفصحى إلا بحدود قليلة جدا وغير مرغوبة ومقحم أحيانا في حين أن التداول المحكي سلس وتلقائي ويأتي في السياق تماما.

سنحاول تقسيم الموضوع لعدة أجزاء حسب طبيعة الدمج وكالتالي:

1.دمج حروف الجر مع الاسم المجرور

أ. حرف الجر على

- دمج حرف الجر على وهذا الدمج انتقائي أي باختيار المتكلم فنقول

عالرف وعلى الرف

عالبال وعلى البال

عالماشي وعلى الماشي

- وهناك دمج خاص للحرف (على) مع الاسم الموصول الذي (على الذي) لتصبح الكلمة (علّي) كقولنا (العتب علّي خربط الشغلة).

- وهناك دمج خاص بالحرف (على) مع (من) (على من) لتصبح (عَلَمنْ) لتحور إلى عْليمَنْ وعَليمَنْ المستخدمة بكثرة في اللغة العراقية ويقول الشاعر ويغني المغني

عليمن يا ﮔلب تعتب عليمن

هويت وجربت وأمنت بيمن

- وهناك دمج خاص للحرف (على) مع (ما) (على ما) لتصبح الكلمة الجديدة (عَلْما) وهي زمنية قريبة من (لمّا) و(حتى) الفصيحتين كقولنا

انتظر علما أجي

علما اجيت لكيت كلشي خلصان

وهناك استعمال آخر مختلف ل (علما) في اللسان العراقي لتصبح أداة نفي كقولنا

يتعارك عاليسوه وعلما يسوه

- دمج حرف الجر (على) مع الأفعال والمعروف أن على لا تدخل مطلقا في الفصحى على فعل لأنها مختصة بالدخول على الأسماء لكننا نقول في بلساننا

الأمر ينطبق عاليدري والما يدري ونقول العتب عاليحرس البيت

- تدمج على مع الاسم (أبو) لتصبح (عَلَبو) ويتحول معناها بالكامل إلى (على أساس) أو (بحجة) مثل قولنا

ما قِبل أبويا نروح للسينما علبو الفلم مو لعمرنا

- يستخدم العراقيون (عَلَوّا) كثيرا بمعنى (يا ليت) ولابد أن أصلها هو دمج على مع كلمة أخرى جرى حذف جزء منها مع طول الاستعمال وأظن أنها كانت (على واهس) ونحتت مع الزمن إلى (علوّا)

- يستخدم العراقيون (علمود) بمعنى لأجل وأن أصلها هو دمج (على) مع كلمة مود الآرامية التي تعني شأن، كيف (1)

- يستخدم العراقيون عالبرّة وعالجوّة وكلاهما أي برّة وجوّة آراميتان للتعبير عن الاتجاه إلى الخارج أو إلى الداخل ومن الواضح أنهما دمج (على) مع الكلمتين فنقول كرّادة عالجوّة وكرّادة عالبرّة.

- ينتشر دمج (على) بالكلمات في اللغة العراقية عند تأليف الأبوذية

لأنها تعطي معنى مضافا يحتاجه الشاعر للوصول للمعاني الثلاثة

المطلوبة لكلمة واحدة والأمثلة على ذلك كثيرة ومنها

علامك تحمس بروحي عليمر (على جمر)

أهيم وصار مشروبي علي مر (عليَّ مرّاً)

يوم إنساك مضعونك على مَر (مرَّ عليَّ)

غدت شمس الضحى ظلمة عليّه

ب. حرف الجر (من)

- تدمج (من) مع أين فنقول (منين)

- تدمج (من) مع ضمير الغائب (هو) لتصبح كلمة جديدة شهيرة بعد حذف الهاء هي (منو)

- تدمج هنا وهناك بحرف الجر من (من هنا ومن هناك) لتشكل الكلمتين العراقيتين (منّا ومنّاك) ولأننا نستخدم (هنانه) فقد جرى إلصاق (من (بها لتصبح (منّانه)

فنقول روح منا مو منّاك ونقول إجينه منّانه

ج. حرف الجر إلى: من الواضح أن حرف الجر (إلى) اختفى تماما من الإستخدام كحرف جر منفصل وجرى دمجه على النحو التالي:

- مع الضمائر المتصلة والمنفصلة فنقول الي وإله وإلك وإلكم وإلنا وإلهم وإلهن

- تلصق مع (مَن (لتكوّن (إلمن) لتحل محل (لمن) الفصيحة

د. حرف الجر(الباء): ينتشر دمج حرف الجر (الباء) مع ما بعده

- بهداي: أي بهدوء

- بالراض أو براضة محورة من بالرضا ومنها الأغنية الشهيرة بالراض امش بالراض ﮔتلك دريض والأغنية الأخرى براضة امشي براضه براضة امشي براضة

- بسكوت: أي بسكوت وهدوء

- بلابوش: محرفة عن بلا بوشي أي بلا ستر أو غطاء أو بمعنى بلا حياء من دمج حرف الباء مع لا مع بوش المحرفة عن بوشي.

- بلاهوش: أي بلا وعي أو إدراك والفعل من هاش يهوش

- بساع: أي بسرعة وهي دمج الباء مع ما هو مقتطع من كلمة ساعة.

- بطرﮒ: أي بدون أي شيء عدا شيء واحد مثل إجا بطرﮒ الدشداشة

وغير ذلك كثير

2.دمج ظروف الزمان والمكان

- جرى تحوير استعمال ظرف الزمان (كيف) ليستعمل كاسم يدل على الحالة فنقول

كيفك

شلون كيفك

شلون كيفكم

كما نربطه بحرف الجر الباء لنقول بكيفك وبكيفي وبكيفنا وبكيفهن أي كما تشاء وكذلك تضاف له (أل) التعريف فنقول بالكيف أي حسب الاختيار

- جرى في اللغة العراقية جمع ظرف المكان (بين) إلى (بينات) ونستخدمه في اللسان العراقي بالقول ﮔاعد بيناتنه أو خلّيها بيناتنه بدلا عن الفصيح بيني وبينك بيننا. ونقول بيناتهم وبيناتنا وبيناتهن.

- جرى دمج ظرفي المكان (جوّه) و(برّه) الآراميين مع حرف الجر (على) لتقرأ عالجوّه وعالبرّه.

- نضيف (لي) إلى ظروف المكان مثل (ﻟﻳﮕدام) و(ليوره) و(ليفوﮒ) و(ليجوه) والأصل لام حرف الجر

3. دمج الأفعال:

ينتشر دمج وإدخال أل التعريف على الأفعال بشكل متأصل في جسم اللغة مما يوضح مدى استقلالية اللغة العراقية عن العربية الفصحى واعتبار الاسم الجديد بمثابة اسم فاعل مثل اليدري واليعرف والينام وكأنك تقول الداري والعارف والنائم ويحلل البعض هذه الأل بأنها ليست أل التعريف وإنما هو دمج اسم الموصول الذي مع الأفعال أي أن (الذي) نحتت إلى (اللي) ثم إلى (إل) التعريف (كقولنا الذي يدري ونحتناها إلى اليدري) والأمر سيان لأن الأمرين لا يجوزان في الفصحى.ثم أدخلنا أداة النفي(ما) ودمجنا الكل فقلنا (المايدري والمايعرف)

إن هذا الإستخدام يأتي بأشكال متنوعة أهمها:

- في بداية الجملة: اليدري يدري والمايدري ﮔضبة عدس أو

اليثرد يدري والياكل ما يدري

- في وسط الجملة: راحوا اليقرون وظلوا اليخرون أو

الشاطر اليعبي بالسلة ركي

- في آخر الجملة: خوفك من اليغافلك

مع ملاحظة أن بعض مناطق العراق الوسطى والجنوبية تلفظ (اللي) منفصلة عن الفعل فنقول اللي يسوكه مرضعة سوك العصا ما ينفعه

- إضافة الجار والمجرور إلى آخر الفعل المضارع والأمر والماضي:

يقرالي ويقرالكم ويقرالنا ويقرالجن ويقرالهن

إشتريلي وإشتريلنا وإشتريلهن

بقالي وبقالك وبقالنا وبقالهن وبقالهم وبقالجن

دمج (ما) مع الأفعال وتأتي بأكثر من شكل

- مباشر مثل

مندل دلوني

متروح إلا وآنه وياك

ميخالف

- مدمجة مع إل فنقول إنت تعرف اليصير والما يصير

- مدمجة مع (إش) التي هي أصلا تعني أي شيء فنقول شمدريني والتي تتجزأ إلى

(إش ما أدري أنا)

- مدمجة مع (على) المنحوتة إلى (عل) فنقول (علما توصل لهنا الله كريم)

دمج (دا) مع الأفعال المضارعة لتفيد الاستمرارية

دتتشاقه ، دنتعارك

دمج حرف الدال(د) مع أفعال الأمر

فنقول دروح أو دولّي وربما هي آرامية

4. إش المنحوتة من (أي شيئ) ثم إلى (أيش) ثم إلى إش

ينتشر في اللغة العراقية بشكل واسع منقطع النظير دمج (إش) مع الأسماء والأفعال وإليكم الأمثلة الشهيرة فقط وهناك عشرات غيرها:

- لصق (إش) إلى أول الكلمات:

الأصل إشلون للسؤال عن الصحة فنقول اشلونك واشلونج واشلونكم واشلونجن

- نضيف (إش) إلى راح لتكوّن (اشراح) للاستفسار عما ستعمل

- نضيف(إش) إلى (ﮔد) المنحوتة أصلاً من (قدر) لتصبح (إﺷﮔد) للسؤال عن القيمة أو الكمية و(إﺷﮔد) تختصر جملة أي شيئ قدر بكلمة واحدة ومثلها كلمة (إشكثر)

- ندمج (إش) مع مالك لتكون (إشمالك) بمعنى ماذا حصل لك

- ندمج (إش) مع (ﭽان) أي كان لتقرأ (إﺷﭽان) لتعبر عن جملة (أي شيء كان)

- نربط (إش)مع عِدّه وعدي وعدك وعدنا وعدهم وعدهن للاستفسار بمعنى ماذا لديه مثل اشعده واشعدهم مع ملاحظة حذف النون لأن الأصل هو عند

- نضيف (إش) للأفعال فنقول اشسويت

- دمج (إش) في نهايات الكلمات

- ليش بمعنى لماذا متألفة من حرف الجر اللام وأي شيئ

- ندمج (بِكَمْ) للاستفسار عن سعر الحاجة مع أيش فنسأل بيش؟

- ندغم (على إي شيء) فنسأل عليش؟

- ندغم (من أي شيء) فنسأل منّيش؟

- ندغم (بلا أي شيء) فنقول بلاش تعبيرا عن كون الشيء لا قيمة له ونقول بلاش ما ينحاش

ندغم (ما من شيئ) فنقول مامش ويقول الشاعر:

يا مامش بمامش وترخص وأغلّيك وأحبك

5. دمج حرف الشين إلى الأفعال والأسماء

ينتشر في اللسان العراقي بشكل واسع منقطع النظير دمج حرف الشين مع الأفعال والأسماء مثل شجابك وشجاك

(بلاش)

ناجمة عن دمج أربع كلمات هي حرف الجر(الباء)وحرف النفي (لا) و(أي) و (شيء) وهي (بلا أي شيء)

م.هناك كلمات كثيرة في اللغة العراقية تكونت نتيجة دمج كلمتين وإليكم بعضاً منها

شكرلمه، حامضحلو، داوركيسة، قارشوارش، شكرلي، عجيربحاس

ﭽمدوب، خردهفروش، قدمكاع، سفرطاس، طخماخ، بيعار

هستوه هستوني هستوهم هستوهن هستونا من دمج هسّه مع

توه والحقيقة أنه دمج ثلاثي لأن هسّه أصلاً ناتجة عن

جمع هذه+الساعة وبهذا فإن هستوّه ناتجة من دمج

هذه+الساعة+تواً الفصيحات

6. دمج الجمل الكاملة وأشباه الجمل بكلمة واحدة:

يتداول العراقيون الكثير من الجمل الكاملة وأشبه الجمل مدغمة بكلمة واحدة لأسباب كثيرة أهمها

أولا: استجابة التركيب لفكر العراقيين أبناء الحضارة الرافدينية العراقية التي تمتلك خزينا لغويا هائلاً خصوصا وأن عملية الإدغام والدمج تتضمن بشكل واضح فكرة اللصق أي لصق كلمة أو ضمير أو حرف جر بكلمة أخرى كما مبين في عشرات بل مئات الأمثلة التي تعج بها اللغة العراقية والتي بينا جزء يسيرا منها أعلاه، علما أن السومرية لغة لاصقة وليت لغة متصرفة. إن ذلك يعني ضمن ما يعني أن اللغة العراقية الجنوبية كانت ولازالت وستبقى الجسر الخالد المتطور بين لغات العراق القديم (السومرية- الأكدية- الآرامية) والعربية الوافدة من شبه الجزيرة.

ثانيا: الاختلاف الواضح لآيدولوجية اللغات العراقية القديمة وهي لغة المدن أساساً، تطورت ونمت واكتملت في جو المدن والأراضي الخضراء الخصبة اللين المنفتح وبين فكر العربية الفصحى الصحراوي المتزمت المقيد بالقوانين الصارمة التي سيجت اللغة فصبغتها بالصبغة القاسية المعروفة الواضحة المعالم التي يستعصي فيها التغيير والتطوير والتعديل وبالتالي الدمج والإدغام واللصق الخ من الأساليب التي تتصف بها اللغة العراقية وحين أصبحت الفصحى اللغة المقدسة للعرب بنزول القرآن تسيجت بسياج القداسة الأبدي الذي يصعب تماما تجاوزه.

ثالثا: تبقى النقطة الثالثة التي تناولناها مراراً وهي أن الإدغام والدمج واللصق في اللغة العراقية يحقق أعلى قدر ممكن من التعمية والإبهام ويجعل اللغة مستغلقة على الفهم لغير أبناء وسط وجنوب العراق.

وإذا أردنا تعداد وحصر الجمل وأشباه الجمل التي اختصرها العراقيون بكلمة واحدة فلربما نحتاج لتعداد الكثير منها ولهذا سنأتي بنماذج فقط:

عالبالسيارة: على الذي في السيارة

المايمشي: الذي لا يمشي

عليش: على أي شيئ

هنيالك: هنيئاً لك

المايعرف: الذي لا يعرف

إشمدريني: ما أدراني

بالليصرفله: بالذي يروق له

خيعونك: الله يعينك يا أخي

دروح: والدال من أصل آرامي

 ***

فهيم عيسى السليم

.......................

المصادر

1. معجم المفردات المندائية في العامية العراقية للدكتور قيس مغشغش ص 330 تحت باب مود.

New

 

اعتقد أننا في حاجة ماسة لمراجعة بعض مفاهيم بعض المصطلحات التي طالما نرددها في أحاديثنا عن العقل الجمعي والرأي العام القائد ألا وهي الهويّة الثقافية، وكذا دلالات الولاء والانتماء والانضواء والتميز بينها في التطبيق والممارسة، وذلك للإجابة عن السؤال المطروح كيف نجح الفلاسفة المسلمون في بناء نسق أخلاقي متين تأسست على نهجه تعاليمهم التربويّة وتطبيقاتهم السياسية، وذلك في ظل تعدد هوياتهم الجنسية وولاءاتهم العقدية وانتماءاتهم العرقية والمذهبية، ومع ذلك التنوع نجد العقل الجمعي المسؤول الأول عن تشكيل الرأي العام في الثقافة الإسلامية ينضوي بإرادته الحرة إلى الثوابت المستقاة من القيم القرآنية، وما صح من الخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم وسنته التي اجتهد في غرسها في من آمن بدعوته في صدر الدعوة حتى أتمّ، صلى الله عليه وسلم رسالته وبعثته (في إتمام مكارم الأخلاق).

فالواضح من قرائتنا المتأنية للتراث الفلسفي الإسلامي حيال قضية الكذب وضرورة معالجته بالصدق أن هويتهم الفلسفيّة في هذا السياق جاءت مطبوعة بالطابع العقدي، وقد استعان بعضهم بتراث الأغيار لتدعيم النسق القرآني وليس العكس بل وربطوا النظر بالعمل والمقصد بالتطبيق وذلك لاستحالة العملية التربوية والسياسية إلى نهوج تستمد شرعيتها من الهويّة العقديّة.

وإذا ما حاولنا مقابلة ما أوردناه بأحدث الدراسات التي تناولت مفهوم الهويّة في الفكر المعاصر سوف نجد أنها لم تعد وليدة العادة أو التبعية أو العواطف التي تولد الولاء والانتماء لدى الافراد لتذوب في النسق الجماعي فيصبح الكل في واحد أي كيانًا واحدًا فترى عالمة الاجتماع والسياسة الفرنسية المعاصرة "كاترين هالبيرن" أن الهوية أصبح من العسير فهمها بوصفها معطى جوهريًا أو ثابتًا يولد مع الانسان، بل أضحت بناءً مستمراً يتشكل عبر التجربة والممارسة والتطبيق فتتداخل الهويات المتعددة (القوميّة، الدينيّة، والمهنيّة) لتنشئ الانسان المعاصر بجوانبه المتعددة أي أن الانسان المعاصر على حد تعبير الوجودين هو الصانع الأول لهويّته.

ولعل هذا التعريف يتوافق تمامًا مع البنية الفلسفية الأخلاقية الإسلامية التي عبر عنها فلاسفة الإسلام في عصر نضج وقوة الحضارة الإسلامية ويعني ذلك أن ظهر الحضارة الإسلامية قد عبر بوضوح عن شمس هويتها الأخلاقية التي بنيت على العقل والنزعة العملية تلك التي شيدوا عليها الإصلاح وبناء الانسان على أسس قيميّة متينة وثابتة، وبمعنى آخر أن العقلية العلمية التجريبية التي توصف بالحداثة في الثقافة الغربية هي التي اتّسمت بها الحضارة الإسلامية التي لم ترتد في انتخابها للنافع إلى أساطير الأمم الغابرة، ولا لسياقية الديانات السابقة عليها أي أنها لم تصبوا إلى الديانات الوضعية أو اليهودية أو المسيحية لانتخاب منها أدوية لعلاج آفة الكذب سواء في التربية أو السياسة.

وخلاصة القول أن فلاسفة الإسلام قد انضووا تحت عباءة الاخلاقيات القرآنية ورغبهم في ذلك ثلاثة دفوع:

أولها: الزخم المعرفي الذي استقوه من ثقافاتهم المتباينة قبل دخولهم في الإسلام.

وثانيها: أن ولائاتهم لتراثهم الماضي لم يكن يحقق لهم القدر الكافي من حرية الفكر والقناعة في صلاحية النسق الذي ينتمون إليه في التطبيق.

أمّا ثالثها: أنهم وجدوا في بنية الهويّة الإسلاميّة وثبات وأصالة النسق القرآني البنية العقلية الجامعة بين النظر والعمل.

ولعلهم أدركوا هذه الحقيقة قبل فلاسفة القرن العشرين ومنهم المستشرق الياباني "توشيهيكو إيزوتسو" (1914: 1993 م) الذي بين في كتابه "المفاهيم الأخلاقية الدينية في القرآن" أن النسق القرآني في الأخلاق والتربية هو أفضل أنموذج للعقلانية الحرة الشاملة التي لا تقيد الانسان في اختياراته لأقوم السبل لتحقيق السعادة للإنسان وهي أفضل الفلسفات العملية لتطبيق القيم الروحية وتهذيب السلوك الإنساني دون أدنى تعصب أو شيفونية جنسية أو عرقية أو قومية الأمر الذي جعل النسق الأخلاقي القرآني هو الأجدر أن يصبح دستورًا للإنسانية.

ويكفيه أنه جعل الصدق شرطًا للإيمان بالملة ومن ثم بات الكذب هو عتبة فساد النفس الإنسانيّة والمجتمع الذي ينشد السعادة التي عبرت عنها آيات القرآن بأنها المقصد الإلهي.

ولا يفوتنا التنبيه على أن فلاسفة الإسلام وفي مقدمتهم "ابن سينا"(ت 1037 م) كان لهم السبق إلى إثبات حقيقة مفادها أن العقل النقدي ( الترسندالي: transcendental ) لم يفلح وحده في دفع الضمير الإنساني لتحويل الإلزام العقلي في الأخلاق والتربية إلى التزام عملي نابع من جوانيّة الأنا المؤمنة، بأن الواجب وليس الهوى هو الطريق الأمثل لبلوغ السعادة بل اليقين الديني والروح العقدي هو الذي في إمكانه الوصول لهذا الهدف، أي أن علم تاريخ الأفكار يثبت بأن ابن سينا كان أسبق من الفيلسوف الألماني (كانط) للوصول إلى تلك الحقيقة فها هو كانط (ت 1804 م) يصرح في كتابه "الدين في حدود العقل" (أن الدين ليس سياقًا ثانويًا في البنية الأخلاقية العقلانية بل هو ركن أساسي فيها ليستمد منه الواجب المجرد عن الكهنوت والطقوس الشكلية والنصوص الملغزة التي لا يستطيع العقل الناقد قبولها) ولعل كانط يقصد بذلك الدين المقصد الإلهي أو العلم الربّاني أو صريح المعقول الذي تتقبله النفس العاقلة وكأنه الرحم الذي لفظها  ليدفعها دومًا إلى الخير النافع بمنأى عن الأهواء الكاذبة،  أو اللذائذ المادية المضللة.

وصفوة قول كانط في الدين أنه المرجعية العاقلة التي تمكن الانسان الحر للوصول إلى السعادة ليس عن طريق الورع ولا في العزوف عن الطمع بل بالتفكير الناقد الفاحص لجوهر الدين مجردًا عن الملل والنحل والعصبيات والتفاسير المتباينة.

ولعل هذه القراءة للفلسفة الكانطية لا تختلف عن حديث ابن سينا ولاسيما في نظرية اتصال النفس الإنسانية بالعقل الفعال خلال نظرية المعرفة أو دليل خلود النفس المعلقة في الفضاء.

وتجدر بنا الإشارة إلى أن نهجنا في سرد أخبار الفلاسفة وأحاديثهم عن الكذب ينقسم إلى دربين: الأول: - يتمثل في إيراد حرفية قول الفيلسوف في الكذب مشفوعًا بتحليل موجز لتوضيح نهجه ومنهاجه والطابع العام لفلسفته في ضوء آراءه العملية الأخلاقية والسياسية والتربوية وكذا معالجته لهذا الموضوع الشائك.

أمّا الدرب الثاني: هو استنباط أو استقراء مفهوم الكذب عند الفيلسوف وذلك وفق قياس الغائب على الشاهد أو تطبيق منطق المحاكاة أو نظرية المتشابهات والأضداد (المحاسن والأضداد) وجميعها يمكن قراءته لاستنباط أو استقراء مفهوم الفيلسوف للكذب - ذلك إذا لم نجد قول يفيد استخدامه للفظ (الكذب) أو أحد مشتقاته واشكاله.

أمّا عن مجمل آراء فلاسفة الإسلام حيال قضية الكذب وأبعادها الأخلاقية والسياسية والتربوية، ومآلات الإفك على الفرد والمجتمع، وأشكال التدليس وما تحويه من شرور وآثام والمباح من ألوانه وعللها وضرورياتها؛ فسوف نجمله استنادًا على تكرار حديث الفلاسفة عن ماهيته ونقائضها ثم نتطرق بعد ذلك للمشهور من تلك الآراء التي تشير إلى مدى اهتمام صاحبها بشرح أبعاد هذه القضية.

فالكذب عند جلهم ليس خطاب موجه للآخر، بل يمكن أن يكون حديث مع الأنا الكذوب، وهي سمة الأفّاق الذي يكذب ويصدق أقواله التي صنعها.

ويعاني محترفو الكذب من الاضطراب النفسي وضعف الشخصية والقلق والارتياب والتردد، الأمر الذي يدفعهم إلى تجميل القبح في الحديث مع ذواتهم لتبرير كل ألوان الشر حتى يسكتوا تأنيب ضمائرهم أو يخدروها أو يميتوها فيصف هؤلاء النفاق على سبيل المثال، والمداهنة والرياء والخداع بالمجاملة واللباقة والملاطفة. والكذوب: هو البارع في التلفيق والدّس والتزوير واختلاق الأخبار والوقائع والأحداث وحبك الأضاليل.

أمّا أخطر أنواع الكذب فتبدو في ثلاثة أشكال:

أولها: الاجتراء على الباري سبحانه وتعالى، وعلى أنبيائه والتأول عليهم، وإلصاق بهم من الصفات ما ليس فيهم.

وثانيها: الغش في الارشاد والتربية والتعليم والنصح.

وثالثها: التلبيس والتشويش والريبة والسكوت عن الحق وإخفاءه وطمس الأدلة ونقض البراهين وخرص ألسنة الصدق وجميع ذلك قاتل للتراحم بين الناس ومبدد للأمن والإيمان والأمان عند حكماء الإسلام.

ويحاكي الفلاسفة نهوج الفقهاء والمتكلمين في عنايتهم بتوضيح دلالة الالفاظ التي تدخل تحت مظلة الكذب؛ ومنها المكر الذي يعني الخداع وإظهار الأمر على النقيض من حقيقته وهو عندهم شكل من أشكال الدهاء المحمود إذا وجه لمحاربة الشر أو لإحباط مخططه وكيده وذلك مصداقًا للمعنى المستنبط من القرآن فقد قال تعالى في سورة آل عمران الآية 54 " ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين" وقوله تعالى في سورة النحل الآية 45" أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض"

أما المكر المذموم؛ فهو خداع الأمنين للإيقاع بهم فيما يكرهون فقد قال تعالى في سورة فاطر الآية 10 " والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد ومكر أولئك هو يبور"، وجاء في الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المكر والخديعة في النار" أما المكر بمعنى التحايل لإنقاظ الانسان من شر يدفعه إليه هواه، أو ترغيبه في خير يتباه الجاهل أو المعاند الأحمق فهو مُباح.

ويرى بعض الفلاسفة المتفقهين أن الغدر لا يختلف عن الكذب بل هو درب من دروبه؛ لأن فيه من الخيانة ونقضه للعهد والخداع وهو خلاف الوفاء ويعرف الحكيم الترمذي بالمداراة؛ وهو الخبر المتناقض الذي لا يخلو من الكذب فتارة يأتي في صورة القدح وأخرى في صورة المداهنة وكلاهما مذموم لأنه يصف شيئًا على خلاف الحقيقة ويضيف أن الحكم على المداراة عسير لأنه يتوقف على نية وضمير المداري؛ فالتمويه أو التهويل في وصف المنكر مخالف لمن يقصد الإصلاح للفرد أو المجتمع فالقرح في الجسم لا يصلح فيها مداراة الصديد أو إخفاءه بل يجب تطهيره قبل مداواته، وإن تسبب في ذلك ألمً أو وجعً فالمصارحة أفضل من تجميل المكروه، ولاسيما في التربية والنصح ويؤكد أن أشنع أشكال المداراة هو مداراة الحاكم الظالم أو الولي الفاجر أو المعلم الجاهل. وصفوة القول عنده (أن المداراة وادً عميق لا يمكن استقصاء تفسيره إلا بالملاحظة والمراجعة والمتابعة شأن الاستقصاء الأمبريقي في الملاحظة العملية وللمداراة وفق هذا التحري شكلان أن تسكت عند رؤية المنكر إبقاءً على دينك ودين صاحبك، حتى لا يزداد فهذا من أجل الله عز وجل، أو أن تسكت عنه فتستحيل المداراة إلى مداهنة إبقاءً على دنياك وجاهك وقدرك وأحوال نفسك فهذا من أجل نفسك وهذا الأخير هو المذموم.

وللحديث بقية عن النزعة العلمية في الاخلاق عند فلاسفة الإسلام في الاحاديث المطولة عن الصدق في صورة الصديق والكذب في صورة العدو الغادر.

***

بقلم: د. عصمت نصار

نظرية سلوكية تغطي جميع مظاهر النشاط الإنساني ذات صلة بعلم الإجتماع وعلم النفس وعلم الإجرام. تفسر اسباب الإنحدار نحو السلوكيات الخاطئة وعدم الانضباط الاجتماعي وتحلل القيم الاجتماعية والمرفقية نتيجة الإهمال البسيط. وضعها عالما الاجتماع جيمس كيو ويلسون وجورج إل. كيلينج عام 1982، بناءً على تجربة نفسية شهيرة لعالم النفس فيليب زيمباردو*. (انظر الهامش)

وجوهر النظرية مبني على مبادئ علم النفس وتفرعاته الذي يرى بأن الإنسان لديه القابلية على الانضباط والالتزام بالقوانين والآداب العامة متى ما توفرت له البيئة المشجعة على ذلك، وسرعان ما يتحلل من هذا الإلتزام متى ما رأى الانفلات من حوله.

ويقول الباحثون في هذا المجال ان "مبدأ النظرية بسيط ولكنه عبقري في تقنينه ثم جعله أُنموذجاً قابلاً للتطبيق على أرض الواقع". ومفاد ذلك أن المظاهر البصرية للفوضى والإهمال والتقاعس وغض النظر ، مثل النوافذ المكسورة او الأبواب المفتوحة التي تترك بلا إصلاح أو ترك العناية بالأموال العامة او الخاصة وعدم الرقابة عليها او ضعفها، أو غض النظر عن اخطاء المرافق العامة او اهمال معالجة الفساد المالي والإداري وغض النظر عن الرشاوى البسيطة او المقنعة تشجع على المزيد من الجرائم والسلوكيات السيئة وتفاقمها تدريجياً لأنها توحي بغياب النظام والقانون وعدم الإهتمام ممن يتولاها، مما يؤدي إلى تفاقم المشاكل الصغيرة إلى جرائم أكبر، على خلاف ذلك يؤدي إصلاح هذه المظاهر السلوكية الصغيرة إلى خلق بيئة صحية تشجع على السلوك الإيجابي.

النظرية يمكن تعريفها ببساطة بأمثال تذهب الى (أن الكبائر تبدأ بالصغائر)، أو (أن عظيم النار من مستصغَر الشرر) او (المال السائب يعلم الناس السرقة). ويرى المنظّران أن الجريمة هي نتاج الفوضى وعدم الالتزام بالنظام في المجتمعات البشرية.

يقول واضعو النظرية انه إذا حطم أحدهم نافذة زجاجية في الطريق العام، وتُركت هذه النافذة دون إصلاح، فسيبدأ المارة في الظن بأنه لا أحد يهتم، وبالتالي فلا يوجد أحد يتولى زمام الأمور، وستبدأ نوافذ أخرى تتحطم على ذات المنوال من باب العبث، وستبدأ الفوضى تعمّ البيت المقابل لهذا النافذة، ومنه إلى الشارع، ومنه إلى المجتمع كله.

لا تقتصر النظرية على النوافذ المحطمة التي هي اساس فكرة النظرية، فهي تشمل جميع مظاهر الإهمال البسيط الذي يتطور لاحقاً ليصبح ظاهرة اجرامية عامة. ومن امثلة ذلك على سبيل التعداد لا الحصر:

* انتشار الفساد المالي والإداري وخاصة الرشوة والاختلاس، اذا لم تكافح مظاهرهما البسيطة الأولى فوراً وبحزم.

* خذلان الشعور الوطني العام اذا فشل الساسة في ضبط النظام وفرضه على الجميع بدون استثناء ولو بشكل محدود والفشل في تحقيق الآماني والرغبات الوطنية المشروعة في الحياة الحرة الكريمة فإن هذا الفشل سينتقل الى جميع مرافق الدولة وتعم الفوضى فيها، وتصبح الأنانية الشخصية هي السائدة بدل الشعور الوطني.

* عدم تطبيق القوانين العقابية على الجرائم والتي تشمل المخالفات التي تبدو بسيطة فان الامر سيتطور تدريحياً الى انواع اخرى من الجرائم الخطيرة

من ذلك ظاهرة (شخط) سيارات المواطنين من قبل عابثين وحاقدين فإنها انتشرت على مستوى الدولة نتيجة تهاون اصحاب تلك العجلات في تقديم شكاوى للسلطات.

وكذلك افتعال الحرائق والفرهود وغير ذلك

* التهاون في محاسبة الموظفين المهملين او المتقاعسين عن اداء واجباتهم او المتغيبين بحجة (خطية) يقود في النهاية الى اشاعة الفوضى في نظام الوظيفة العامة على مستوى عموم البلد.

* التهاون في تطبيق الضوابط في المدارس والجامعات ولو على امور بسيطة يؤدي في النهاية الى انخفاض مستوى التربية والتعليم بل وتدهورهما وتكرار الغياب وانخفاض رغبات الطلاب بالتفوق وانجرار الطلبة نحو سلوكيات منحرفة تتسع لاحقاً نتيجة ضعف الرقابة والمحاسبة والتهاون في التقييم العلمي والوساطة والتمييز.

* انخفاض مستوى الرعاية الطبية وعدم الثقة بالمستشفيات العامة لأسباب تتعلق بالتهاون في الرقابة والإهمال وعدم الإهتمام الجدي وإنعدم النظافة مما يجعل من هذه الأمور تتوسع تدريجياً لتعم عموم البلد

والتشجيع على التوجه للمستشفيات والعيادات الخاصة التي بدروها قد تنعدم فيها الضوابط وتحقق مستويات من الجشع والاتفاقات غير المشروعة، التي تنمو وتعم جميع انحاء الدولة.

* عدم الإلتزم بالتعليمات البلدية قد يتطور الى كارثة بيئية فقد يقوم احدهم برمي القمامة في غير محلها المخصص لها او بجانبها او ترك مخلفات الأطعمة والأكياس في الحدائق العامة فيتبعه اخرون فتصبح ظاهرة عامة تحتاج الى جهود قوية لمعالجتها وإعادة الوضع الى نصابه.

* اهمال تصحيح الوالدين لسلوكيات اطفالهم العدوانية ولو بدت بسيطة ترتب اثار واسعة على سلوكهم المستقبلي وتؤثر على نموهم الاجتماعي والنفسي، وصعوبة تكوينهم لعلاقات صحية مثل التنمر على الأقران، مشاكل أكاديمية، بالإضافة إلى احتمالية تطور مشاكل سلوكية أكبر في المستقبل، مثل الانخراط في سلوكيات إجرامية، مع عواقب وخيمة على الفرد والمجتمع.

وهناك أمثلة كثيرة اخرى تتعلق بقوانين المرور والبناء والنقل وإحترام الجيرة ومراقبة الاسعار والموازين والمظاهر غير المحتشمة في الاماكن العامة ونشر المحتوى الهابط وعدم الرقابة الدقيقة على التجار واصحاب المصانع والمحلات التجارية التي تمارس احتيالاً على المواطنين من حيث انخفاض الجودة وادعاء الضمان ...

فقد تكون البداية هي مشكلات بسيطة نسبياً تركت دون معالجة، لكنها في الواقع تمثل دعوات إلى المزيد من المخالفات والجرائم الخطيرة.

فكم من شئ بدأ كمشكلة بسيطة ثم تطورت في تعقيدها الى عدد من المراحل والدوائر لتصبح نقطة تحول لنوع من الجرائم الخطيرة المنظمة، فيجب أن تردع تلك الأفعال من البداية قبل تفاقمها

آثار هذه النظرية

هذه النظرية قلبت الموازين في العقد الماضي، وغيرت في قوانين الإدارة عموماً وفي الإدارة المدنية خصوصاً، فعلى مستوى المدن الأمريكية مثلا فُرضت الضرائب على كل من يرمي المخلفات في الشوارع مهما صغر حجمها، ونُظفت الجدران يوميا من كل ما يكتب عليها، وغُسلت وسائل المواصلات يوميا ونظفت، فأحسّ الناس أن من واجبهم المساهمة في الحفاظ على هذا الإنجاز الحضاري، وعلى مستوى المرور فُرضت الضرائب على كل مخالفة صغيرة (مهما صغرت) فقلّت المخالفات الكبيرة واختفت الحوادث. وعلى المستوى الأمني تحوّلت نيويورك تلك المدينة المعروفة بالإجرام والسطو والفوضى في حقبة الثمانينيات - بعد تطبيق هذه النظرية - إلى مدينة أكثر أمناً ونظافة وترتيباً.. ثم تبنّت الإدارات الحكومية والمؤسسات الخاصة هذه النظرية كأساس مهم في فن الإدارة لتطوير العمل ورفع الإنتاجية والارتقاء بالمنتج"

التطبيق العملي: تم تطبيقها بنجاح في مدينة نيويورك في التسعينيات، حيث أدت معالجة المخالفات البسيطة (مثل التسول، والتخريب، وعدم دفع أجرة المواصلات) إلى انخفاض كبير في الجريمة بشكل عام، بعد أن ركزت الشرطة على هذه "النوافذ المكسورة".

التطبيقات في مجالات أخرى

الإدارة: تستخدم لتطوير بيئات العمل، حيث إن معالجة المشاكل الصغيرة ترفع الإنتاجية وتحسن الأداء.

التعليم: تطبيقها يركز على بيئة المدرسة لمنع السلوكيات المنحرفة بين الطلاب.

الحياة الشخصية: يمكن تطبيقها على المشاكل اليومية، حيث إن تجاهل الخلافات الصغيرة قد يؤدي إلى مشاكل أكبر.

قام فيليب زيمباردو بوضع عجلتين متشابهتين احدهما في حي فقير واخر حي اغنياء وترك ابوابهما مفتوحة الى جانب سيارات المواطنين الاخرى المغلقة أبوابها. في الحي الفقير لاحظ ان السيارة سرقت جميع محتوياتها وتحولت الى هيكل خلال ثلاث أيام. اما في حي الاغنياء فقد بدأ المارة بالتوقف والنظر بتردد فقام العالم بإجراء اضافي هو كسر احد زجاج نافذة السيارة بعدها تحولت الى هيكل خلال ثلاث ايام ايضاً.

***

فارس حامد عبد الكريم

عرفت الدراسات الشرقية في إيطاليا خلال العقود الثلاثة الأخيرة نقلةً بارزةً، تمثّلت في اتّساع رقعة المهتمّين باللغة والآداب العربية، بعد أن كانت محصورة في دائرة ضيقة من الدارسين والمستشرِقين ورجال الدين الكاثوليك، ناهيك عن مستجدات في صلب المنهج والمقارَبات. وفي ظلّ هذه التحولات باتت تتوزّع انشغالات المعنيين، في الراهن الحالي، على أربعة حقول أساسية: حقل الدراسات الأدبية بشقّيها القديم والحديث، وحقل الأبحاث التاريخية، وحقل القضايا السياسية الحديثة والمعاصرة، وحقل الإسلاميات. تأتّى ذلك في أعقاب مراجَعات حصلت داخل الاستشراق الغربيّ عامة، لم تدخّر جهدًا في انتقاد المنزع الإيديولوجي، مع تنبيه لتفادي سقطات الاختزال والتعميم. وهو ما يمكن الحديث معه عن تحوُّلٍ جارٍ من عموم الاستشراق إلى تخصّص الاستعْراب، بالانكباب حصرًا على قضايا الدراسات العربية، التي باتت تُعرَف في الوسط الأكاديمي الإيطالي بالاستعراب "Arabismo"، ويُطلق على المختص في المجال مستعرِبا "Arabista"، قياسا على لفظتيْ اِستشراق ومستشرِق.

هيمنة النسق الاستشراقيّ

لا يخفى أنَّ الدراسات العربيّة في إيطاليا هي دراسات وليدة تقاليد مزدوَجة كَنَسيّة واستشراقيّة، تعود أصولها إلى عهد البابا كليمنت الخامس (1264-1314م)، الذي حرص على تدريس اللغة والآداب العربية. ما وطّدَ الصلة، منذ المنشأ، بين تلك الدراسات والتراث الكتابيّ وأبقاها تحت تأثير القراءة الكاثوليكية. وهو ما حدا بالمستعرِبين، في الفترة المعاصرة، إلى النزوع نحو الاستقلال المنهجيّ بقصد التخلّص من وطأة التوظيف الإيديولوجيّ. روتْ لي إيزابيلا كاميرا دافليتو، أستاذة الأدب العربي في جامعة روما، أنها حين أزمعت الالتحاق بالمعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية، محجّ رهبانية الآباء البيض في روما، لدراسة العربية لم تحظَ بالقبول بموجب عدم انتمائها للسلك الكَنَسيّ. فقد بقي تدريسُ العربية وتعليمها في روما حكرًا على المؤسسات الكَنَسية حتى مطلع الستينيات من القرن الماضي.

وتبعًا للتطوّرات الحاصلة، شهدت الدراسات العربية توسّعًا ملحوظًا، لا سيما في العقود الأخيرة، يعود الفضل في ذلك إلى كوكبة نشيطة من الأساتذة مثل فرانشيسكا كوراو، وإيروس بلديسيرا، ومونيكا روكو، وماريا أفينو، ووسيم دهمش، وفتحي مقبول، وسالفة الذكر إيزابيلا كاميرا دافليتو، حتى غدت حاضرة في كبريات الجامعات الإيطالية، في ميلانو وفلورنسا وبادوفا وجنوة وترييستي وكالياري وساساري ومِسّينا وكاتانيا وليتشي وريجيو كالابريا وفي مدن أخرى، وهو ما يرتقي أحيانا إلى أقسام جامعية مستقلّة، على غرار ما نجده في "الأورِيِنْتالي" في نابولي، وفي "لاسابيينسا" في روما، وفي"كافوسكاري" في البندقية؛ ولكنّ هذا لا يعني أنّ المنهجَ تخلّصَ من إرثِ الماضي ومن وطأة الرؤى الاستشراقية المثقَلة بالمركزية الغربية. فما فتئت هذه الدراسات تشكو من هنات في بيداغوجيا التدريس، فحين يُدرَّس الأدب العربي، أو الفقه الإسلامي –تحت مسمّى ما يُعرَف بالقانون الإسلامي "Diritto Islamico"-، أو تُدرَّس الوقائع السياسية للبلاد العربية وما شابهها، تُقدَّم جميعها باللغة الإيطالية ومن منظور غربي خالص. والأنكى أنّ العربية كلغة، تُدرَّس وتُقدَّم بالإيطالية أيضا، حيث النحو العربي وبنية الجملة العربية، ومداخل اللهجات العربية يُدرَّس جميعها بلغة دانتي. وهو منهجٌ استشراقيٌّ، ما انفك يتعامل مع العربية بمنهج دراسة اللغات الميّتة والمنقرضة من الاستعمال الحيّ، مما يحدّ بشكل واسع من إلمام الدارس الغضّ ويخلّف في ذهنه تصوّرات مشوَّشة.

فالحكم المجحف على الفصحى كونها لغة مهجورة بين أهلها، وأنّ الدارجة هي السائدة، بتفاوتٍ نسبيٍّ، دفَعَ في السنوات الأخيرة إلى اعتماد اللهجات الشامية والمغاربية في التدريس، وتكليف أساتذة عرب بالشأن، وأحيانا اعتماد لغة وسطى بين المحكية والفصحى.

العربية لغة المستقبل

في ظلّ هذه التحولات الأكاديمية تحوز العربية وآدابها المرتبةَ الرابعة بعد الصينية واليابانية والكورية، من حيث أعداد الطلاب الذين يختارون الدراسات الشرقية في المراكز الجامعية الكبرى في روما ونابولي والبندقية. وقد تخطّت العربية اللغات المذكورة على مدى سنتيْن متتاليتيْن في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001. ولا يعود هذا التصدر السائد للصينية واليابانية إلى عوامل براغماتية أو إلى أسباب حضارية، بل مردّه إلى أنّ الأجواء المحيطة بالتكوين الجامعي في الدراسات الشرقية غالبا ما تحول دون اختيار العربية. حيث يأتي الطالب الإيطالي مدفوعًا بحماسٍ عفويٍّ لتعلّم العربية كونها لغة المستقبَل، ليصطدم بأساتذة يدرِّسونها ولا يتكلّمونها. وفي إيطاليا يقدّم كثيرون أنفسهم أنّهم مختصون في الشؤون العربية والإسلامية، ولكن يعزّ أن تجد بينهم من يعبّر بلسان عربيّ مبين. أذكر الزميلة إيزابيلا كاميرا دافليتو، التي شهرتها تفوق معرفتها في الدراسات العربية، والتي غالبا ما استعانت بي لكتابة رسائلها بالعربية، أثناء ردّ على رسالة من مسؤول عربيّ، أوردتُ أمام اسمها صفة "الأستاذة"، فقالت لي منبّهة: اكتب للعرب "البروفيسورة" فإنّ القوم يغويهم هذا اللّقب.

وربما ما يسبّب نفورَ هؤلاء المتطلّعين للدراسات العربية شيوع مقولة صعوبة العربية. ناهيك عن محدودية رعايتهم، لنقص التعاون والتنسيق مع البلدان العربية، ولا تجد هذه الشريحة المتعطّشة للإلمام بحضارة العرب ولغتهم سندًا سوى التعويل على إمكانياتها الذاتية، بخلاف ما تُقدِّمه من عونٍ دول شرقية أخرى تروّج للغاتها وآدابها. وصحيح أنّ بعضَ المؤسسات أو الهيئات العربية قد اشترت بعض الكراسي العلمية في الجامعات الإيطالية غير أنّ أثرها ضئيل.

لكنّ ذلك الشغفَ الذي أشرنا إليه لدى المتطلّعين للدراسات العربية، تشوبه في غالب الأحيان رؤى متداخلة عن العالم العربي، باعتباره عالم المتناقضات والتبايُنات، وأحيانا العنف والعسف. وهي تصوّرات يساهم الإعلام في ترسيخها، ولا سيما التلفزيون، بشكل فعال ومؤثر. كان قد رصد هذا التأثير القوي مؤلَّفٌ هامّ صدر منذ العام 1993 في روما بعنوان: "التلفزيون والإسلام. المشاهِد والأفكار المسبقة في وسائل الإعلام الإيطالية" من إعداد كارلو مارليتي.

دراسات عربية تعوزها المرجعيّة العربيّة

علاوة على ما ذكرنا، تبقى المرجعية العربية في الدراسات الإيطالية ضئيلة، ولا تفي بالغرض في الأبحاث الجامعية، في وقت يتمّ فيه الاشتغال على وقائع وأحداث ومفاهيم متعلّقة بالثقافة العربية. حيث اعتماد التقليد السائد في الاستعراب على مرجعية غربية، تدعمها نصوص مترجَمة قليلة، مع تميُّزٍ نسبيٍّ في مجال الدراسات الأدبية التي تستأنس بالمرجعيةَ العربية باحتشام. وإن كان يُفترَض أن تلعبَ الجامعة دورًا طليعيًّا في تحرّر الدارس والباحث من الأحكام المسبَقة والادّعاءات المغرِضة، فالواقع أنّ المنهجَ السائد يشكّل أحيانا سندًا لترسيخ المغالَطات. وبالإضافة إلى أنّ المرجعيّةَ التي يَستقي منها الباحث رؤاه هي مرجعية غربية، فإنّ تحصيله من العربية لا يسمح له بالاطلاع على الأعمال المدوَّنة بتلك اللغة، ولا الإحاطة بوقائع المجتمعات العربية. الأمر الذي أورث خلَلا في التكوين الاستعرابيّ، لم يسمح بعدُ ببلورة رؤى نقدية وموضوعية عمّا يروج من أفكار عن العالم العربي وعن الثقافة العربية في الغرب، وبما يجعل السواد الأعظم يعيد إنتاج ما هو سائد وإعطائه سندا أكاديميا.

وبرغم النزوع للتحرّر من النسق الاستشراقيّ مع الاستعراب، ثمة سياج دغمائيّ يحول دون ذلك الانعتاق، يجد دعامة في المناخ السياسيّ السائد. فما إن شرع الاستعراب، الحديث المنشأ، في تأسيس مقارَبَة مستقلّة وشبه محايِدة حتى اصطدم باختبار منهجيّ، تحت ضغط موجة الإرهاب والأصولية المعولمة، ما أثار لديه حساسية إيديولوجية في التعاطي مع الشأن الثقافي العربي. فهيمنت عناوين في أوساط المستعرِبين، مثل انتهاك حرية المرأة، ووقوع الثقافة العربية في قبضة الفقيه، وانحصار هامش الحرية الأكاديمية، حتى حجبت غشاوةُ الأصولية الرؤيةَ السليمةَ للحضارة العربية وانحرفت بالوعي صوب مسارات مرتبِكة. فحين نُشِر مؤلَّف "الحضور العربي الإسلاميّ في المطبوعات الإيطالية" (2000)، من قبل وزارة الثروة والأنشطة الثقافية، تمّ حذف القسم الحاوي للبيبليوغرافيا الإيطالية من النسخة العربية، تحت مبرّر تضمّنه لعدد هائل من الكتابات التي تنتقد الدين الإسلاميّ وشخص النبيّ محمّد، وأخرى تستعرض غياب الديمقراطية، كلّ ذلك تفاديا لإثارة الحزازات مع الأطراف العربية المزمع ترويج النسخة المعرّبة بينها.

إذ لم يكن الاهتمام الأكاديميّ، في العقديْن الأخيرين، علميًّا صرفًا، بل محكوما بهواجس إيديولوجية في الغالب، فضلا عمّا استبطن كذلك من حمولة سياسية جرّاء هواجس الإرهاب، والخشية من الإسلام، وضغط الهجرة، وهو خلاف ما نجده في الأوساط المحيطة بالدراسات الصينية واليابانية والكورية والهندية.

مساوئ تتربّص بحقلٍ واعدٍ

توجَد في أقسام الدراسات الشرقية هرميةٌ أكاديميةٌ، على غرار ما نجده في غيرها من الأقسام، لا تستندُ إلى الكفاءة العلمية دائمًا، ولكن إلى سطوة "البارونات" (المتنفّذين). يماثل انغلاق تلك الشلّة الطوق المافيوزي، وهي عاهة مستفحِلة في الوسط الأكاديميّ. ما دفع بوزيرة التعليم والبحث العلمي السابقة، مارياستالا جلميني، إلى خوض إصلاحات حازمة في الجامعة، لم تفلح في ذلك إلّا قليلا. ضمن تلك الأجواء الأكاديمية الموبوءة غالبا ما أُلحِق أساتذة من أصول أجنبية بأقسام الدراسات الشرقية، مع حصرهم في مراتب دنيا دون تثبيت أو ترقية، بشكل يمكن نعته بالميز الأكاديمي الناعم، وإن توفرت الشروط العلمية لذلك وحملوا جنسيات البلد المضيف. لكن ذلك ينبغي ألّا يخفي أيضا حقيقة أنّ شقًّا واسعًا، من الملحَقين بتدريس اللغات واللهجات والآداب الشرقية من أصول أجنبية في الجامعات الإيطالية، لا يحوز المؤهّلات العلمية اللازمة. وهم بمثابة خليط من حَمَلة الشهادات العلمية وشهادات العلوم الإنسانية. فغالبا ما يكون لرؤساء الأقسام الكلمة الفصل في إلحاق الأجانب بسلك التدريس، ولا يعود الأمر إلى مناظَرات أو كفاءة علمية.

جانب آخر على صلة بالدراسات العربية يتعلّق بمجال الترجمة. حيث يُسرّ الكاتب العربي أيما سرور بنقل عمله إلى لغة أوروبية، ظنّا من البعض أنّ باب العالمية يُفتح على مصراعيه بمجرد الترجمة. والحال أنّ ترجمة النص العربي إلى الإيطالية محفوفة بجملة من المساوئ نوجزها في التالي: أنّ النص المترجَم ولا سيما منه النص الإبداعي، الشعريّ أو الروائيّ، يوكل به في غالب الأحيان إلى طلاب مبتدِئين أو مترجِمين يفتقرون إلى متانة اللغة، ما جعل الكثير من النصوص المهمّة في العربية تتحوّل إلى نصوص مبتذَلة في الإيطالية، وهي بالكاد تتخطى طبعتها الأولى (ترجمات نجيب محفوظ إلى الإيطالية على سبيل المثال). حيث قلّة من دور النشر الكبرى تراهن على الكاتب العربي، وعادة ما تتولى دورُ نشرٍ صغيرة نقلَ الأعمال العربية. دون أن نغفل كذلك عن أنّ عملية ترويج الكتاب في الغرب، ولا سيما الرواية، يأتي بفعل تضافر عوامل عدّة، تشتغل بمثابة العمل الرتيب المتسلسل (دعاية، وترويج، ولقاءات، وحوارات، وعروض، وومضات إشهارية)، وهو ما لا يفوز به الكاتب العربي، لأنّ المؤسسة التي رشّحت عمله تعوزها الإمكانيات والقدرات. ليبقى الجوّ العام السائد في الترجمات العربية، وهو البحث والانتقاء للغرائبي والمؤدلَج، مع إيثارٍ ملحوظ للمنتوج المسيحي العربي، ليس بموجب ملامحه الإبداعية بل لهوى يمليه مخيال دينيّ مستحكِم.

كثيرا ما أسألُ طلابي عن دواعي اختيارهم الدراسات العربية، بقصد تفهّم عوامل تطوّر هذه الدراسات، بعيدا عن الإجابات الجاهزة في سوسيولوجيا الثقافة، فأظفر بإجابات متكرّرة تحوم حول: العربية لغة جميلةٌ، وهي أداة عمل في المستقبَل، والعالم العربي يسحر. فأقول في نفسي ثقافة تغري بهذا الشكل، ماذا لو توفّرت قوة دفع من أهلها بمثل هذا الحجم؟

***

عزالدّين عناية

أستاذ تونسي بجامعة روما- إيطاليا

لم يكن ما قاله الدكتور محمد عثمان الخشت صدمة للفكر الديني، بل صدمة للجمود الذي اعتاد أن يتخفى وراءه. فالرجل لم يأتِ بشعارات، ولا مارس استفزازا مجانيا، بل قدم رؤية عقلانية متماسكة لإصلاح الفكر الديني، تنطلق من قراءة تاريخية دقيقة، وتستند إلى فهم عميق لأزمات التعليم ومنهجية التفكير، وإلى إدراك واع لتحديات العالم العربي والإسلامي في زمن تتغير فيه الأسئلة قبل الأجوبة.

الخشت لا يهدم التراث، بل يعيد ترتيب العلاقة معه. ولا يستفز الإيمان، بل يستفز الكسل العقلي الذي طالما احتمى باسم المقدس.

ولهذا تحديدا، لم يكن غريبا أن يتحول حديثه إلى ساحة هجوم شرس، لا لأن أفكاره ضعيفة، بل لأنها أصابت منطقة محرمة لم يسمح طويلا بالاقتراب منها.

وهنا يفرض السؤال نفسه بإلحاح:

لماذا كل هذا الغضب؟ ولماذا كل هذا الهجوم؟

الجواب واضح لمن يقرأ المشهد بوعي: لأن الخشت تجرأ على نقد الغزالي. نقد لم يكن تجريحا ولا إسقاطا، بل مساءلة فكرية. لحظة تاريخية كان لها أثر بالغ في تشكيل علاقتنا بالعقل والفلسفة. غير أن مجرد الاقتراب من الغزالي كفيل بإطلاق صفارات الإنذار، وكأننا أمام نص مقدس لا مفكر تاريخي قابل للنقد.

الهجوم على الخشت لم يكن دفاعا عن الغزالي بقدر ما كان دفاعا عن إرث طويل من الخوف من الفلسفة، ومن الشك في البرهان، ومن الارتياب في العقل الحر. إرث ارتاح إليه كثيرون لأنه يعفيهم من عناء التفكير، ويمنحهم يقينا جاهزا لا يُسأل. ولهذا تشن المعارك لا بالحجج، بل بالتخوين. ولا بالنقاش، بل بالتحريض. فكل محاولة لإعادة الاعتبار للعقل تقابل بوصفها خطرا وكل دعوة للفلسفة تستقبل كتهديد، لأن العقل إذا استيقظ، سقطت الوصاية. ولهذا كتبت هذا المقال لا دفاعا عن شخص، ولا خصومة مع تراث، بل دفاعا عن حق العقل في أن يفكر، وحق التاريخ في أن يقرأ، وحق الدين في أن يتحرر من الخوف

لم يكن الجمود قدرا مكتوبا على العقل الإسلامي، بل اختيارا تاريخيا جرى تبريره باسم اليقين.

وحين نعود إلى لحظة الغزالي، لا نعود إليها بوصفها تراثا معصوما، بل بوصفها منعطفا حاسما، لحظة غلبت الطمأنينة على المغامرة، والسلامة على السؤال.

فمن وجهة نظري، ترك لنا الغزالي إرثا ثقيلا من الارتياب في الفلسفة والبرهان، إرثا جعل العقول من بعده تميل إلى الحذر بدل المغامرة، وإلى السلامة بدل الجرأة. ألقى بظلال كثيفة على مساحات التفكير الحر، وحول الفلسفة إلى شبهة، والفيلسوف إلى متهم، فترسخ الخوف من الحرية الفكرية، واستبدلت شجاعة السؤال بطمأنينة التقليد.

لقد امتلك الغزالي أداة الشك، لكنه لم يحررها. حول الشك إلى سلاح، غير أنه وجهه إلى صدور الفلاسفة، لا إلى المسلمات التي كبلت العقل وأغلقت أفقه. وفي «تهافت الفلاسفة» لم يكتف بالنقد العلمي، بل مارس ما يشبه نزع الشرعية الفكرية عن الفلسفة ذاتها، فانتقل بها من فضاء معرفي مشروع إلى تهمة أخلاقية يُخشى الاقتراب منها. كان يمكن للغزالي أن يكون جسرا بين النص والبرهان، بين الإيمان والعقل، لكنه اختار أن يكون سورا

كتب «التهافت» كما لو أنه سكب ماء على نار كانت توشك أن تتوهج، فصارت رمادا في أروقة الفلسفة.

أطفأ جذوة السؤال في زمن كانت الأسئلة فيه حياة، وأورث العقول عادة الانكماش على يقين صغير، بدل التطلع إلى أفق واسع.

لقد صنع مناخا جعل أجيالا كاملة من المفكرين تخشى الاقتراب من الأسئلة الكبرى، وأخضع التفكير الحر لرقابة مزدوجة: رقابة النص حين يساء فهمه، ورقابة السلطة حين تتوارى خلفه. وهكذا لم يعد العقل شريكا في الفهم، بل تابعا ينتظر الإذن.

من هنا، فإن نقد الغزالي اليوم ليس ترفا فكريا ولا نزوة ثقافية، بل فعل تحرير للوعي من أثر قرار تاريخي كبل العقل باسم الدين.

وكما جرؤ الغزالي على تفكيك الفلاسفة، يجب أن نجرؤ نحن على تفكيكه هو؛ لا كفرد ولا كقيمة روحية، بل كحالة ذهنية كرّست الطاعة وخافت الحرية، ومجّدت اليقين الجاهز وضيقت الخناق على السؤال.

فالشجاعة الفكرية لا تكون في ترديد ما قيل، بل في مساءلته

الغزالي ليس نبيا ولا نصا مقدسا، ومن حوله إلى منطقة محرمة على النقد فقد صادر العقل باسم الدين.

أما الخشت، فلم يفعل أكثر من أن أعاد فتح باب أغلق عمدا: باب السؤال، وباب الفلسفة، وباب الثقة في قدرة العقل على الفهم دون وصاية

أما اتهامه بالمساس بالثوابت، فليس إلا رد فعل تقليدي لكل عقل يشعر أن أرضه تهتز.

فكل دعوة إلى الفلسفة تقابل باتهام، وكل دفاع عن العقل يوصم بالانحراف، لأن العقل الحر أخطر على السكون من أي خصم خارجي

الخشت لا يسحب البساط من تحت الدين، بل من تحت الكسل الفكري الذي عاش قرونًا متحصنًا وراء أسماء كبيرة.

وكل هجوم عليه هو اعتراف غير مباشر بأن مشروعه أصاب موضع الألم

مشروع الخشت استعاده لروح الاجتهاد، لا التلقين. روح السؤال، لا الاتهام. روح العقل الشجاع، لا العقل المرتجف.

نقد الغزالي ليس إسقاطا للتاريخ، بل تحريرا منه. والتمسك به كيقين نهائي ليس وفاءا له، بل خيانة لروحه التي ادعت الشك ثم أغلقت بابه. فإن كان العقل عندكم تهمة، فلتعلنوا ذلك صراحة. وإن كانت الفلسفة خطرا، فقولوا: نحن نخافها. لكن لا تختبئوا خلف الدين لتبرير خوفكم من الحرية.

في النهاية، ليست المعركة حول الغزالي، ولا حول الخشت، بل حول صورة العقل الذي نريده لمستقبلنا.

عقل يكرر أم عقل يفكر؟

عقل يحتمي بالأسماء أم يواجه الأسئلة؟

إن تحويل المفكرين إلى أيقونات معصومة هو أول خطوة في قتل الفكر، لأن العقل الذي يُمنع من مساءلة الكبار يُمنع تلقائيًا من ابتكار الصغار.

والتراث الذي يقرأ بوصفه خاتمة، لا بوصفه بداية، يتحول من طاقة حية إلى عبء ثقيل.

مشروع محمد عثمان الخشت لا يطلب أكثر من حق بسيط وخطير في آن:

أن نفكر دون خوف، وأن نقرأ تاريخنا بلا قداسة زائفة، وأن نعيد وصل ما انقطع بين الإيمان والعقل، بين النص والحياة.

ومن يهاجم هذا المشروع لا يدافع عن الدين، بل يدافع عن صورة جامدة له، صورة لا تحتمل السؤال لأنها لم تختبر.

أما الغزالي، فسيظل مفكرا وله ما له وعليه ما عليه، لكنه .

واحترامه الحقيقي لا يكون بتحنيطه، بل بامتلاك الشجاعة التي امتلكها هو نفسه: شجاعة النقد.

فمن حق كل جيل أن يعيد النظر في القرارات الفكرية التي شكلت مصيره، خاصة تلك التي كتبت في لحظة خوف أكثر منها لحظة ثقة بالعقل.

العقل الذي يخاف من الفلسفة، عقل لم يصالح نفسه بعد.

والدين الذي يحتاج إلى إسكات السؤال كي يبقى، دين لم يُمنح الفرصة ليبرهن على قوته.

لهذا، فإن الرهان الحقيقي ليس على إسكات الأصوات الجريئة، بل على توسيعها.

فالتاريخ لا يتقدم بالصمت، ولا بالإجماع القسري، بل بالاختلاف الخلاق.

والمستقبل لن يكون لمن يحرس الأسوار، بل لمن يجرؤ على فتح الأبواب.

***

ابتهال عبد الوهاب

الخوارزميات والتطرف الديني.. قراءة تحليلية في آليات الاستقطاب الرقمي

ذكرنا في المقال السابق أن الإنسان اليوم يعيش داخل تدفق مستمر من المعلومات، لا يملك غالبًا السيطرة على سرعته أو مصادره، ما غيّر جذريًا علاقة الفرد بالمعرفة والواقع، وجعل المجال الرقمي مهيأ لإعادة برمجة الانتباه وتوجيه الإدراك بما يخدم أهدافًا لا تكون بالضرورة بريئة أو محايدة.

والأمر الذي يبرز حجم الخطر الحقيقي الذي يهدد المجتمعات هو أن دولًا كاستراليا أدركت هذه المخاطر، فمنذ أيام قليلة لاحظت استراليا أن أدوات الذكاء الاصطناعي ووسائل التواصل الاجتماعي تؤثر بشكل واضح على وعي الشباب وتشتت انتباههم وسط كم هائل من المعلومات المتناقضة، ما يجعل التمييز بين الحقيقة والزيف أمرًا صعبًا. لذلك فرضت الحكومة الاستراليا قيودًا صارمة على محتويات الذكاء الاصطناعي ومنصات التواصل، إضافة إلى تحديد سن الاستخدام، لحماية المراهقين من تأثيرات رقمية قد لا تبدو خطيرة في ظاهرها، لكنها تترك أثرًا عميقًا مع الوقت.

وفي الاتجاه نفسه، نجد أن الصين قد سبقت بخطوات عملية، بإطلاق نسخة محلية من تطبيق تيك توك تخضع لرقابة مشددة وساعات استخدام محددة، لضمان أن يظل الشباب أكثر وعيًا وتحكمًا في تجربتهم الرقمية، وتقليل التأثير السلبي للتصفح المفرط. ولم تقتصر هذه الإجراءات على هاتيك الدولتين، فقد بدأت عدة دول أخرى تدرك خطورة التأثيرات الخفية للعالم الرقمي على الأجيال الجديدة، فاتخذت سياسات مشابهة للحد منها.

وإذا ما انتقلنا إلى فحص دور العالم الرقمي الخوارزمي في استقطاب الشباب أو المستخدمين للتطرف، نجد أنه يبرز بوصفه أحد أخطر الفواعل في صناعة التطرف الديني والاستقطاب العقدي في عصرنا. فالمنصات الرقمية لم تعد مجرد وسائط محايدة لنقل الأفكار، بل غدت بنى خفية تتحكم في ترتيب الأولويات، وفي إبراز بعض المضامين وتهميش أخرى، وفي تحديد ما يبدو مقبولًا أو متطرفًا داخل الوعي الجمعي.

وذلك النهج الذي تقوم عليه الخوارزميات لا يستهدف نقل المعرفة بقدر ما يهدف إلى إدارة السلوك، وتحويل المستخدم من فاعل واعٍ إلى كيان قابل للتوجيه وإعادة التشكيل ضمن مسارات محددة سلفًا. هذه العملية تبدأ بجمع البيانات السلوكية الدقيقة، حيث تتحول كل حركة رقمية يقوم بها المستخدم إلى مؤشر قابل للتحليل والتصنيف. والمشاهدة العابرة، والتفاعل الإيجابي أو السلبي، والتعليق، أو المشاركة، بل وحتى الصمت أو التوقف عند محتوى معيّن، كلها تتحول إلى وحدات بيانات تدخل في بناء صورة رقمية معقّدة عن الفرد.

ومع تراكم هذه البيانات، تبني الخوارزميات ملفات نفسية وسلوكية دقيقة للمستخدم، لا تهدف بالأساس إلى فهم الإنسان في ذاته، بل إلى التنبؤ بتصرفاته المستقبلية وإمكانية التأثير فيها. وفي هذا المناخ، يجد المغرضين من صناع المحتوى المتطرف بيئة مثالية لتوظيف الدين خارج سياقه المقاصدي والروحي، وتحويله إلى أداة تعبئة وانقسام. كل ذلك يتم غالبًا عبر تبديد المثاقفين للمعنى الديني العميق، أي تفريغه من أبعاده الأخلاقية والإنسانية، وتسطيحه في خطابات قصيرة مشحونة بالانفعال، وسهلة التداول، سريعة الانتشار، وقابلة للاستثمار الخوارزمي.

بهذا الأسلوب، يتحول الدين إلى شعارات مختصرة، وتُختزل النصوص في مقاطع مجتزأة، وتُبسَّط القضايا المعقدة إلى ثنائيات حادة. ومع تكرار هذا النوع من الاستخدام الرقمي، تتكوّن ما يُعرف بـ(الفقاعات المعرفية)، وهي دوائر مغلقة يُعاد فيها تداول الأفكار نفسها دون أي احتكاك حقيقي بآراء مختلفة. وفي هذا الجو، لا يعود النقاش الديني مجالًا للفهم وتبادل الرأي، بل يتحول إلى صراع حول الهوية، يتقدّم فيه الخطاب الصدامي والإقصائي، بينما يتراجع الصوت الهادئ والعقلاني. ومع الوقت، يلجأ بعض المدافعين عن الدين إلى ردود أفعال عاطفية تفتقر إلى التحليل، فتزيد من حدّة الاستقطاب بدل أن تسهم في احتوائه.

وقد يتساءل البعض: كيف يستقطب الذكاء الاصطناعي الشباب نحو التطرف؟، والإجابة أن الذكاء الاصطناعي لا يعمل كمحرّض مباشر، ولا يستخدم خطابًا أيديولوجيًا صريحًا لصناعة متطرفين. وذلك لأن قوته الحقيقية تكمن في أنه يعيد تشكيل طريقة تفكير الفرد قبل أن يتبنى الفكرة المتطرفة نفسها. فهو لا يقول للمستخدم كن متطرفًا، بل يجعله يرى العالم بطريقة لا تترك أمامه سوى التطرف كخيار يبدو منطقيًا، بل وأحيانًا أخلاقيًا.

وأول طرق استقطاب الذكاء الاصطناعي تكمن في مطابقة المحتوى مع مشاعر القلق الداخلي لدى المستخدم. فمثلًا، شاب يبحث عن معنى في حياته أو عن تفسير للظلم أو الفشل أو الإحباط، يلاحظ الذكاء الاصطناعي هذه اللحظة ويعرض له محتوى مبسّطًا وواضحًا، لا تحليلات فلسفية أو اجتماعية معقدة، بل تفسير واحد شامل لكل شيء. الأمر الذي يجعل المتلقي يشعر وكأن هذا المحتوى كُتب خصيصًا له، ثم يبدأ الاستقطاب بشكل طبيعي، دون أن يلاحظ أنه أصبح داخل دائرة مؤثرة على وعيه.

الزاوية الثانية هي (التساجل الخفي) بين المحتوى المتشابه. فالذكاء الاصطناعي لا يقدّم فكرة واحدة فقط، بل يعرض نفس الفكرة مرات عديدة بصيغ مختلفة، وأصوات ولهجات متعددة، وأحيانًا بواجهات تبدو مختلفة. هذا يجعل المتلقي يظن أنه يشاهد نقاشًا متنوعًا، بينما في الواقع كل المحتوى يدور حول نفس الفكرة. وبهذا الشكل يختفي الشك، لأن الشك يحتاج إلى اختلاف حقيقي، وليس مجرد تغييرات شكلية على نفس الرسالة.

أما الزاوية الثالثة فتكمن في تحويل النقد إلى طاقة تدفع نحو التطرف، فعندما يشك المستخدم أو يعترض على فكرة ما، لا تتجاهله الخوارزمية، بل تعرض له محتوى يوضّح له رد الشبهات أو فضح المؤامرات أو كشف زيف المثقفين. وهنا يحدث تحول مهم، حيث تنتقل من مجرد نقد الفكرة إلى نقد النقد نفسه، ومن مجرد قراءة لفهم المحتوى إلى قراءة تركز على حماية السردية. وفي هذه المرحلة، يشعر المتلقي أنه لم يعد متابعًا فقط، بل يصبح مدافعًا عن الفكرة، وهي لحظة حاسمة في تشكيل وعيه للمتطرف.

الزاوية الرابعة هي تقديم المتصاولين على حساب المثاقفين. فالذكاء الاصطناعي يفضّل المحتوى السريع والانفعالي والواضح جدًا. المفكر المتزن، الذي يشرح الأمور بدقة ويستدرك ويحذر، يخسر أمام من يتكلم بثقة عالية ومباشرة. مع الوقت، يقلّ ظهور الصوت العلمي ويبرز صوت مغاير، للذين يعتمدون على خطاب تعبوي وليس معرفي. بهذا الشكل، يتعلم المتلقي أن العمق ضعف، والتعقيد خطأ، والتبسيط الحاد هو الشجاعة.

وأخيرا غربلة الواقع عبر غرابيل إفك رقمية. (أي تقطيع الواقع وإعادة عرضه بطريقة مغلوطة). فالذكاء الاصطناعي لا يعرض الأمور كما هي، بل يختار أجزاء معينة تناسب القصة التي يريد إيصالها. كحدث معقد قد يُختصر في مشهد واحد، أو تصريح صغير يُحوَّل إلى دليل، وواقعة نادرة تُعامل كقاعدة عامة. ومع تكرار هذه الطريقة، يصبح المتلقي غير قادر على رؤية الصورة كاملة، ويقبل التفسيرات المتطرفة بسهولة لأنها تبدو وكأنها تشرح كل شيء.

ولفهم آلية الاستقطاب الرقمي نضرب مثالا حيا على ما يشهده الفكر العربي والإسلامي المعاصر اليوم من انتشار واسع لما يمكن تسميته بـ(الفرية المتجددة حول الإمام الغزالي)، حيث نجد أن الإمام الغزالي يُقدَّم في بعض المحتويات الرقمية المختزلة في هذه الآونة على أنه عدو العقل، وكأن كل مشروعه الفكري يسعى لتقويض التفكير النقدي والاجتهاد. ومن هذه الصورة المبسطة تُبنى دعوات لقطيعة معرفية كاملة مع التراث، لتصبح القراءة التقليدية أو الدراسة المتأنية غير مرغوبة أو مشكوك فيها. بعد ذلك، تُقدّم أفكار أكثر راديكالية على أنها تحرير للعقل، وكأن رفض التراث هو السبيل الوحيد للوصول إلى العقل المستنير.

هنا يظهر دور الذكاء الاصطناعي بشكل واضح؛ فهو لا يصنع هذه الأفكار من البداية، لكنه يعيد تكرارها وتضخيمها ويمنحها حضورًا دائمًا على المنصات الرقمية. ومع كل مرة تظهر فيها الفكرة، يزداد إحساس المتلقي بأنها صحيحة وبديهية، لأنه يراها بصور مختلفة، ومن مصادر متعددة. ومع الوقت، تتحول الفكرة المضللة إلى جزء طبيعي من فهمه للدين والتراث، ولا تعود مجرد محتوى عابر على الإنترنت، بل تصبح طريقة تفكير كاملة تسيطر على وعي الشاب الباحث عن إجابات، دون أن يشعر بأنه يتعرض لتوجيه رقمي مقصود.

فأخطر ما في الذكاء الاصطناعي أنه يستقطب دون أن يتكلم بلغة التطرف هو يصنع بيئة نفسية ومعرفية تجعل التطرف نتيجة، لا مقدمة. فيجعل العالم يبدو ثنائيًا؛ معنا أو ضدنا، حق أو باطل، نور أو ظلام. وحين يصل الفرد إلى هذه الرؤية، لا يحتاج إلى تنظيم، ولا إلى داعية أو قائد؛ بل يصبح هو نفسه أداة إعادة إنتاج لهذه الأفكار.

وقد أظهرت الدراسات في علم الاجتماع الرقمي وعلم النفس السلوكي أن هذه الفقاعات لا تتشكل عشوائيًا، بل بطريقة محسوبة، حيث يبدأ المستخدم بمحتوى ديني عام، ثم تنتقل به الخوارزميات تدريجيًا إلى محتوى أكثر حدة، فيترسخ في ذهنه تقسيم العالم إلى معسكرين متقابلين؛ الحق المطلق والباطل المطلق. الأمر الذي يحول تجاوز النقاش العلمي الرصين، إلى منطق التعبئة والتحشيد، وهو ما دفع المتأولين إلى تحميل النصوص ما لا تحتمل، وفتح المجال أمام المجدّفين والمجترئين على النص الديني، إلى التلاعب والترويج لأفكارهم، مستفيدين من غياب السياق، وسرعة التلقي، وضعف الجانب النقدي لدى قطاعات واسعة من الجمهور.

فنظرة بعمق، نجد أن هذه الظاهرة ليست مجرد أحداث عشوائية، بل جزء من نظام رقمي منظم. هذا النظام يعيد تشكيل العلاقة بين الدين والمعرفة، بحيث تتحول العقيدة من منظومة متكاملة قائمة على التوحيد والعدل والأخلاق، إلى شعارات قصيرة ومجزأة تُستَخدم لجذب الناس والتأثير فيهم، بعيدًا عن مقاصد الدين الحقيقية وأخلاقه الأصيلة.

ولا يقتصر تأثير النسق الرقمي على الأفراد، بل يشمل جماعات رقمية متطرفة، حيث تتقاطع الفقاعات المعرفية للأفراد، وتتكون شبكات مغلقة تتبادل نفس السرديات والخطابات، مما يعيد تصوير الآخرين كخطر وجودي، وفي بعض الحالات، قد تصل الأمور إلى تبرير العنف ، كالاعتداء على أشخاص أو ممتلكات بسبب اختلاف ديني أو فكري. وهكذا يُصوَّر الآخرون كتهديد وجودي، وتُصاغ خطابات تشرعن الإقصاء، بل وتسوغ الأذى باسم حماية الهوية أو العقيدة.

وفي هذا السياق، تنتشر سرديات زائفة تعتمد على افتراءات المتآمرين من الخارج، وتُقدَّم وكأنها حقائق مخفية يعرفها فقط الصفوة. وهذه السرديات تنتشر بسرعة على المنصات الرقمية دون تحقق علمي أو تمحيص، بسبب غياب الغربلة المعرفية. ومع ذلك، تتحول هذه المنصات إلى مصانع لإعادة إنتاج الوهم، حيث يُكافأ المحتوى الأكثر تطرفًا لأنه يجذب الانتباه ويحقق أعلى تفاعل، حتى لو كان مضللاً تمامًا.

وإذا ما انتقلنا إلى آلية مواجهة ظاهرة التطرف الديني الرقمي نجد أنها لا تقتصر على إجراءات أمنية أو رقابية فقط، بل يجب الانتقال إلى مستوى أعمق من الفهم والتحليل، ويتمثل هذا المستوى في نقد النقد أو قراءة القراءة، أي تفكيك الخطابات التي تساهم في إنتاج التطرف، وكشف المناهج وآليات اشتغالها، ومساءلة الأطر المعرفية التي تُقدَّم من خلالها النصوص الدينية داخل الفضاء الرقمي، لضمان إدراك أثرها على الوعي وسلوك المتلقي.

يتطلب هذا المسار بناء وعي رقمي نقدي، بحيث يستطيع الأفراد التمييز بين المحتوى المعرفي والمحتوى التعبوي، وتعلّم تحليل ما يُعرض عليهم بدل الاكتفاء باستهلاكه. كما يحتاج إلى سياسات تعليمية وإعلامية طويلة المدى، تعيد الاعتبار إلى التفكير البطيء، وإلى قيم التعدد والاختلاف المشروع، بوصفها أدوات لمواجهة الاستقطاب الحاد الذي تغذيه الخوارزميات.

كما أن استعادة الاستقلال المعرفي في العصر الرقمي تتطلب أن يتعلم الأفراد كيفية عمل المنصات، وكيف تُصنَّف البيانات، وكيف تُقدَّم التوصيات، حتى لا يصبحوا فريسة لآليات خفية. فالمستخدم الذي يفهم هذه العمليات يصبح أكثر قدرة على مقاومة الانغماس في الخطابات المتطرفة، وعلى إعادة فهم الدين كمصدر للقيم والمعنى، بدل أن يتحول إلى أداة للصراع والإقصاء.

وصفوة القول، أن الخوارزميات لم تخلق التطرف الديني من الصفر، لكنها وفرت له بيئة خصبة للنمو والانتشار. فهي تعيد تشكيل الوعي الديني في مسارات محدودة، وتعزز النزعات الإقصائية، وتضعف الصوت النقدي العقلاني. فمواجهة هذا الواقع لا تكون بالهروب من العالم الرقمي، بل باستعادة الإنسان لوعيه النقدي وقدرته على الفهم والاختيار، في عالم تُدار فيه الأفكار قبل الأفعال، ويُبنى فيه الوعي قبل أن تتشكل المواقف.

وللحديث بقية

***

بقلم: د. بدر الفيومي

 

يقول الواقع أن "النخبة" Elite في بعض الأحيان هي من يصنع الفوضى، فوضى في الأفكار وفوضى في الممارسات وفوضى في القرارات، هذه النخبة التي تريد أن تفرض منطقها على الآخر، تريد أن تكون هي المسيطر، تنظر إليه نظرة متعالية وكأنها تريده أن يختفي من الساحة، الفردية تؤدي إلى العنف الهمجيّ، هناك من يعمل بنظام الكبار big men  ونجده يرى المحيطين بها صغار، فإن كانت النخبة غير قادرة على النهوض بالأمة فكيف لها أن تبني حضارة؟ كان لمالك بن نبي رأي خاص حول "النخبة" خاصة عندما تفقد موهبة النقد الذاتي، فكأنها حققت الفشل دون أن تسعى في تفهم أسبابه، فالصراع صراع أفكار، والصراع  الفكري عادة ما يصطدم مع صراع المصالح، أي صراع الجماعات المتناوئة التي تحاول أن تفرض نفسها كأطراف فاعلة في المجتمع ولهذا السبب فشل المشروع الفكري في الجزائر

لقد حذّر كثير من الفلاسفة وعلماء الاجتماع والسياسة، من "الفردية"  لأنها تنحدر بسرعة إلى نوع من العنف الهمجي، كانت هناك تجارب عديدة نتيجة ثورات وحروب أهلية وقعت في العالم العربي الإسلامي انتهت بأصحابها بالفشل، لأنهم عملوا بنظرية الفوضى والهمجية، فالظروف التي عاشتها الجزائر طيلة الحرب الأهلية سببه غياب العقلاء أو رجل الإجماع إن صح التعبير l'Homme de consensus الذي بمقدوره أن يطفئ نيران الغضب ويهدئ النفوس ويوقف عمليات التمرد، التي تركت  آثار سلبية وعدم استقرار، هكذا يقود التنظيم الذاتي من دون ضوابط إلى الضعف وبالتالي يكون نظاما محكوما عليه بالفشل، لأن التراكمات التي خلفتها الصراعات  بين رجال الإصلاح والإندماجيين، خلقت العدائية  بين الجزائريين، ومن أجل النهوض من جديد كان من الضروري أن تكون هناك تحالفات.

 تقول الدراسات أن التحالف رغم سلبيته، قد يفيد في تعويض نقائص نمط حياة ما، فالحلفاء رغم توحّدهم حول مشروع ما، يظلون منافسين لبعضهم البعض وتجمعهم علاقة تتسم بخطاب ملوّن بالكذب والنفاق والغدر والخيانة، لأن المصلحة الذاتية هي الأهم وهي القاعدة الأساسية في نمط الحياة، ومثل هذه التحالفات تخلق بيئة مضطربة سياسيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وحتى في الجانب الديني (التعددية المذهبية) يكون ذلك بتعدد الفتاوى التي أحيانا تفرق وتشتت أكثر من أن تجمع وتوحد، يكون ذلك عن طريق تكفير الآخر ووصفه بالمتطرف، فالأمّة التي تتوازن فيها انماط الحياة تكون أقل تعرضا للمفاجآت وتكون أكثر استجابة للمواقف المستجدة وهذا طبعا يتوقف على رؤية الناس للأشياء، لكن وكما يقور محللون تختلف رؤى الناس وأفكارهم من شخص لآخر، فهناك من يدقق في سلوكات  الغير وكلامه والعكس، وهناك العاقل وهناك المزاجي،  إذن العملية مرتبطة بعملية "التأويل" للأقوال والأفعال خاصة إذا تحول الشفهي إلى مكتوب، والتأويل إما أن يكون إيجابيا وإمّا يكون سلبيا وهذا الأخير لا يحقق النماء.

النخبة الإندماجية تهاجم "ج .ع. م. ج " إعلاميا

المشكلة طبعا ليست في نقل الأفكار بشكل فعّال للغير، بل ترقيتها وترجمتها إلى أفعال حقيقية تجسد في الميدان، كما أن الأمر متعلق بطريقة التعايش مع الآخر، فالحديث عن جماعة  النخبة كأنموذج ومشروعها الإندماجي الذي رمزها والناطق باسمها الطبيب الدكتور بلقاسم ولد أحميدة بن التهامي ( 1880-1910)،  كانت جريدة التقدم وكذلك جريدة كوكب أفريقيا لسان حال هذه الجماعة، كان عملها الساسي تحقيق الاندماج والتجنيس والنشر الواسع للغة الفرنسية، من ابرز عناصرها :  قايد حمود (محامي) والصادق دندن من مناضلي حركة الشباب الجزائري المتشبع بالثقافة الفرنسية، وهذه الحركة أنشأتها جماعة النخبة، عمل الصادق دندن في قطاع الصحافة وأنشا جريدة  الإسلام باللغة الفرنسية وهي جريدة اندماجية، ونقرأ عن جريدة الراشدي، والعنصر الثالث هو عبد العزيز قسوس  (حقوقي) أسس بمعية بن جلول جريدة الوفاق الفرانكو إسلامي، ثم جريدة المساواة، تمت تأسيسها  بدعم من فرحات عباس، وقد تفطن الشيخ الطيب العقبي، لهذا المخطط الخبيث لضرب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، حيث بادر بتأسيس جمعية الإصلاح في سيدي عقبة بسكرة قبل أن ينتقل إلى العاصمة لإدارة نادي الترقي، ومن نادي الترقي أسس جريدة الإصلاح 

النخبة من منظور بنّابي

الحقيقة، أن الكثير من يجهل المعنى الحقيقي لمفهوم النخبة ويعتقدون أن النخبة هي فئة المثقفين أو السياسيين فالمعني الحقيقي للنخبة هم الذين اصطبغوا بالثقافة الفرنسية رغم معرفة بعضهم بالثقافة العربية ولغتها، يتبنون أفكار الغرب والأوروبيين وطريقتهم في الحياة ويتمثلون بثقافتهم، يقول عنهم المؤرخ الجزائري ابو القاسم سعد الله : إنهم كانوا يشعرون بعقدة الكمال أمام المجتمع الجزائري، وفي نفس الوقت يشعرون بالنقص أمام المجتمع الفرنسي فضاعوا بين المجتمعين، يرى مالك بن نبي أن النخبة عندما تفقد موهبة النقد الذاتي على وجه الخصوص، فكأنها حققت الفشل دون أن تسعى في تفهم أسبابه، وإنما تتمنى أن تكون قد شعرت بالفشل حين لم يكن لندائها صدى يُذْكَرُ، تذكرنا مواقف مالك بن نبي بمقال له عنونه بـ" "تفاهات جزائرية" ورد هذا المقال في كتابه "في مهب المعركة" ضم الكتاب مجموعة من المقالات كتبها مالك بن نبي في باريس في نهاية الأربعينات وبداية الخمسينات، نشرها في صحيفتين ناطقتين بالفرنسية وهما الشباب المسلم والجمهورية الجزائرية، أسقط فيه الأقنعة وكشف الزيف الثقافي الجزائري (كشخصية العالم الثالث)؛ وقد دعا مالك بن نبي في مقاله بعض من تملكهم الغرور وعملوا بنظرية الـ" بيغ مان" el-big men إلى الرجوع للنفس بالنقد الذاتي، لفحص أيُّ قطعة محددة من نشاطهم الاجتماعي، كانت رسالة موجهة إلى النخبة المثقفة والنخبة السياسية في الجزائر.

يقول مالك بن نبي إن النخبة عندما تفقد موهبة النقد الذاتي على وجه الخصوص، فكأنها حققت الفشل دون أن تسعى في تفهم أسبابه، وإنما تتمنى أن تكون قد شعرت بالفشل حين لم يكن لندائها صدى يُذْكَرُ، ويضيف بالقول: “لو أن النخبة درست هذا الفشل لاستفادت منه أكثر مِمَّا يفيدها نصف نجاح خداع، لأنها تدرك من خلال تلك الدراسة حقيقة الأمر، هذا الفشل – كما يقول هو- يتضمن جانبا سيكولوجيا وجنبا فنيا، أي النقص في التنظيم وفي التخطيط وفي توجيه العمل المشترك..، وهذه العناصر تعتبر عمود القضية، ليس محليا فقط، وإنما بالنسبة لحركات الإصلاح في العالم الإسلامي كله، هذه الحركات التي فشلت كلها، لأنها كما قال لم تدرس أرضيتها قبل الشروع في العمل، فكانت سببا في فقدان الجمهور الثقة والأمل..، ويرجع مالك بن نبي هذه التفاهات إلى الموقف الاجتماعي السلبي، الذي لا يتسم بالإرادة المتصلة والجهد المتواصل، وإذا ما أخضع هذا الجهد إلى التحليل فهو في نظره متفككُ الأجزاء كأنه مركب على صورة الخط المُنَقَّط، الخط الذي يمر من نقطة إلى أخرى دون أن يصور شيئا، والمتأمل في موقف مالك بن نبي ورؤاه الفلسفية التحليلية التي شخص فيها واقع المجتمع (الفكري/الثقافي) يقف على حقيقة أن الذين يتحدث عنهم هم في الحقيقة باعة السياسة وباعة الثقافة وهم باعة الإبداع وهم…وهم…وهم…، بل هم باعة الحضارة في كل صورها وأشكالها.

عندما يصطدم الصراع الفكري بصراع المصالح

لقد كان مالك بن نبي براديغم إسلامي حضاري،  استطاع به  أن يضع حوضا معرفيا وهو يواجه أصعب المواقف لإعادة البناء الحضاري للمسلمين في العالم الإسلامي، والبراديغم  le paradigme كما يعرّبه مفكرون  هو مجموعة من المكونات الفكرية المعرفية التي يقوم عليها أيّ نموذج، توجيهي كان أو إرشادي، وعرّفه آخرون بأنه مجموعة من الإتجاهات والقيم والاجتهادات والبُنى المعرفية، أي البحث في الدور الحركي الحيوي للإنسان في بيئته الاجتماعية والعلمية ضمن سياق البناء المجتمعي،  فالصراع الفكري عادة ما يصطدم مع صراع المصالح، أي صراع الجماعات المتناوئة التي تحاول أن تفرض نفسها كأطراف فاعلة في المجتمع وكقِوىَ مُسَيْطِرَة على الرغم من كون الصراع قد يكون مرابطا بالأفكار والدين، وهذا يشترك فيه الجميع دون استثناء ودون إقصاء، فيكون هناك تبادل أفكار ورؤى، والمثقف ما لم يكن ملتزما فلن تكون له الطاقة الإيجابية لمواجهة تجار الفكر من الداخل الذين تبنوا الفردانية في مناقشة أيّ فكرة وعدم السماح للآخر مناقشتها  أو إثرائها ؟

 يُعرّف البعض الفردانية بأنها شذوذ وانسحاب من مجالات التغيير التي تقتضيها الحركة وماهية الفرد  إذا لم تندمج في حركية الجماعة تغدو قوة سلبية،، فعندما تُحْتَكَرُ الفكرة عند شخص واحد دون إثرائها لمعرفة الرأي الآخر يتعذر عليها زرعها في التربة المناسبة لأن الفردية تعمل على قتل العقل الآخر، وتفقد المرء قيمته، ولا يقوم بهذه السلوكات إلا "مستبدٌّ"، من الواجب هنا أن نطرح السؤال التالي: من هي النخبة؟ وممّا تتشكل؟ هل تتشكل من مجموعة من المثقفين؟ والسؤال يفرض نفسه لمعرفة من هو المثقف؟ هل هو المفكر؟ هل هو العالِم؟ هل النخبة يشكلها مجموعة من الفنانين (الموسيقي، المغني، المسرحي، السينمائي؟، هل يشكلها الكتاب والشعراء والروائيون والناشرون؟ أم يشكلها رجال السياسة؟ أم رجال المال والأعمال؟ أم رجال الدين؟، أم الأطباء والمحامون؟ فهذي صفة مهنية لكل واحد، نحن إذن أمام تعددية نخبوية اجتمعت لتحقيق مصالحها، في كل الأحوال نقول أن هذه النخبة خلقت الطبقية في المجتمع، الكلام ليس موجه للنخبة الحاكمة فقط، بل التي جعلت أفراد المجتمع يتصارعون ويتقاتلون فظهر التطرف وظهرت الآفات الاجتماعية وكل اشكال الفساد، لأنها لم تغير نفسها ففشلت في عملية التغيير والبناء.

***

علجية عيش

.....................

* للمقال مراجع

منذ أن طرح سؤال النهضة في العالم العربي في أعقاب الحملة الفرنسية على مصر عام 1798، لم يزل هذا السؤال يؤرق الوعي الجمعي، ويعود في كل لحظة تعثر حضاري. وفي هذا السياق، تبرز المقارنة بين التجربتين المصرية واليابانية في القرن التاسع عشر كواحدة من أكثر المقارنات دلالة على مفارقات التحديث في الشرق. لماذا نجحت اليابان في أن تصبح قوة صناعية في أقل من خمسين عامًا، بينما تعثرت مصر رغم بداياتها المبكرة؟

 لقد دوت مدافع نابليون على أسوار الإسكندرية، هنا استفاق الضمير المصري على سؤال لم يبرح ساحته: كيف نعاود النهوض؟ سؤال ظلت الإجابات عنه تتعثر بين محاولات طموحة وواقع يأبى الانفكاك من إرث التخلف. فبينما بقيت مصر تتأرجح بين المطرقة والسندان، تكشف المقارنة مع تجربة اليابان في القرن التاسع عشر عن مفارقة صارخة: ضفتان بدأتا من نقطة زمنية متقاربة، لكن مصيريهما افترقا على نحو درامي.

فما الذي جعل إصلاحات "ميجي" تؤسس لنهضة مستدامة، بينما انطفأت شعلة محمد علي مع خفوت ظله؟ إنها ليست مجرد مسألة وقائع تاريخية، بل معضلة تتعلق بالبنى العميقة التي تشكل وعي الأمم وتوجه اختياراتها في لحظات المصير.

الباشا: تحديث بإرادة فردية

في عام 1805، اعتلى محمد علي باشا السلطة في مصر، وبدأ مشروعًا طموحًا لتحديث مؤسسات الدولة، مستلهمًا النموذج الفرنسي في الإدارة والتعليم والصناعة. أرسل بعثات إلى أوروبا، أسس مدارس متخصصة، وبنى جيشًا حديثًا. غير أن المشروع، بحسب الباحث خالد فهمي، ظل مرتبطًا بإرادة الحاكم ولم يتجذر في بنية المجتمع. فالمجتمع المصري ظل خارج دائرة الفعل، وكانت عمليات التحديث تدار مركزياً لخدمة السلطة، لا المواطن.

 نعم كان محمد علي رجلاً حاد الذكاء، مغامرًا بطموحٍ سلطوي، رأى في مصر أرضًا بكرًا تصلح لبناء مجده الشخصي؛ لقد بدأ من الجيش، ظنًا منه أن القوة تصنع الدولة، فاستقدم الخبراء الفرنسيين، وشكل جيشًا حديثًا، لكن فاته أن الجيوش لا تبني أوطانًا إن لم يسندها شعب حر. انقلبت آلة التحديث إلى جهاز تجنيد قهري، وأصبح "السفر برلك" كابوسًا للفلاحين، الذين صاروا يهربون من أرضهم خوفًا من الابتلاع القسري في آلة الدولة.

اليابان والغرب: لحظة التحول

في المقابل، واجهت اليابان تهديدًا مباشرًا من الغرب عام 1853، عندما أجبر الأسطول الأميركي بقيادة كومودور بيري اليابان على فتح موانئها. حينها أدرك اليابانيون أن العزلة لم تعد ممكنة، فقرروا تبني نهج إصلاحي جذري، تجسد في ما عرف بـ"إصلاحات ميجي" (Meiji Restoration) عام1868 . بحسب المؤرخ "جون داور" (John W. Dower) فإن السر لم يكن فقط في استيراد التكنولوجيا، بل في إعادة بناء العلاقة بين السلطة والشعب، وتحويل التحديث إلى خيار وطني جماعي.

  لقد أدرك اليابانيون، في مواجهة تهديد الغرب، أن التحديث ضرورة وجودية لا مجرد أداة للسلطة. لم يكن الإمبراطور ميجي وحده من يقود المسيرة، بل اجتمع حوله الساموراي العائدون من البعثات، ليصوغوا رؤية وطنية جماعية: "فلنتعلم من الغرب، لنظل نحن."

لم تكن نهضتهم مشروعًا فرديًا، بل عقدًا جديدًا بين الحاكم وشعبه، وصل إلى حد أن الإقطاعيين تخلوا طوعًا عن امتيازاتهم!

التحديث بين المظهر والجوهر

أنشأ محمد علي المصانع واستورد الآلات وطبع الكتب، نعم فعل؛ لكنها كانت أشبه بمعارض للصناعة. وظلت مصانع النسيج والورق والذخيرة معتمدة على الخبراء الأجانب، ولم تنتج طبقة عمالية أو صناعية محلية قادرة على استدامة هذه الصناعات. جلب المطابع، لكنها طبعت ما يخدم الدولة لا ما ينير العقول. أرسل البعثات التعليمية إلى أوروبا، لكنها كانت محدودة العدد، مقصورة على من يخدمون أجهزة الحكم، ولم تتحول إلى سياسة منهجية للدولة.

 لم ينشئ محمد علي بهذا المنطق السلطوي عقلًا صناعيًا أو فكريًا مستقلًا. ظل التحديث قشرة فوق سطح مجتمع لم يمس جوهره. حتي الأزهر كمنارة علمية ودينية ظل على هامش مشروعه، بينما احتكرت المعرفة داخل نخبة منعزلة عن الشعب.

 لعل أحد أبرز الاختلافات بين تجربة مصر واليابان تمثلت في الاستثمار في التعليم. ففي اليابان، أصبح التعليم إلزاميًا في كل أنحاء البلاد بحلول عام 1872، أي بعد أربع سنوات فقط من بدء عصر ميجي. ترجموا الكتب الغربية، لكنهم لم يستوردوا الأفكار جاهزة، بل هضموها وأعادوا صياغتها بما يتناسب مع قيمهم، وكان الهدف "بناء مواطن حديث" وليس فقط موظفًا للدولة. كانوا يعرفون أن التقدم لا يقاس بعدد الآلات، بل بمدى تحول الإنسان إلى مركز الفعل والإبداع. في المقابل، ظل التعليم في مصر محدودًا بالنخبة، ولم تنشأ منظومة تعليمية شعبية شاملة إلا في فترات متأخرة.

الزراعة: من القهر للمشاركة

الزراعة أيضًا شهدت تباينًا واضحًا. ففي حين صادر محمد علي الأراضي من الفلاحين، وفرض نظامًا احتكاريًا أرهقهم بالضرائب، قامت حكومة ميجي بمنح الفلاحين ملكية أراضيهم، وأصدرت قانونًا ضريبيًا جديدًا شجع الإنتاج وزاد من استقلاليتهم. ووفقًا لدراسة "يوجي هوريكاوا" (Yuji Horikawa)، فإن هذا التحول في البنية الزراعية كان حاسمًا في تمويل الصناعات اليابانية الناشئة. هكذا أطلق اليابانيون طاقات الفلاحين بتحويلهم إلى ملاك حقيقيين، ضمن قانون ضريبي عادل صدر عام 1873. كانت الفكرة واضحة: لا نهضة من دون قاعدة اجتماعية راسخة. دعمت الدولة الصناعات الصغيرة، ولم تتعجل قطف الثمار، بل راهنت على التراكم البطيء، العادل والشامل.

على الناحية الأخرى نعرف كيف صادر محمد علي الأرض من الفلاحين، وأخضعهم لنظام احتكاري حولهم إلى عبيد لخدمة اقتصاد الدولة. زرع القطن لا لإثراء الأمة، بل لتمويل الحروب والقصور، فيما جرى خنق روح المبادرة الفردية، وقتل إمكانات التراكم التنموي من الجذور.

مفترق الطرق: مصر واليابان

على المستوى السياسي، ظلت مصر خاضعة لتوازنات استعمارية معقدة، انتهت بالاحتلال البريطاني عام 1882. أما اليابان، فاستطاعت أن تبقي الغرب على مسافة، ونجحت في هزيمة روسيا القيصرية عام 1905، وهو حدث كان له وقع صادم في العقل الأوروبي، ودفع العديد من المفكرين العرب، مثل عبد الرحمن الكواكبي وشكيب أرسلان، إلى التساؤل: لماذا تقدمت اليابان وتأخرنا نحن؟

 لقد انتهى مشروع محمد علي بغيابه عن المشهد، لأنه لم يكن مشروع أمة بل مشروع حاكم. ذاب الحلم في ركام الديون والاحتلال، وتحولت إنجازاته إلى أطلال.

أما اليابان، فانتقلت من دولة مغلقة إلى قوة كبرى خلال جيلين. هزمت روسيا، وفرضت احترامها على الغرب، وأصبحت رمزًا آسيويًا لنهضة متزنة، جمعت بين الحداثة والهوية.

الفارق الجوهري أن محمد علي أراد تحديثًا يكرس سلطته، بينما أرادت اليابان تحديثًا يعبر عن إرادة أمة. الأول استورد الشكل دون الجوهر، والثاني هضم الجوهر وصنع الشكل.

فشل الأول لأنه فرض نهضته من فوق، بينما نجح الثاني لأنه بنى نهضته من الجذور.

والدرس هنا خالد باق: لا يمكن لأمة أن تنهض بأوامر النخبة الحاكمة وحدها، بل بحاجة إلى وعي جمعي يحول النهضة إلى ثقافة. النهضة لا تورث، ولا تفرض، بل تخلق بإجماع الداخل، لا بإعجاب الخارج. وإن كانت اليابان قد نجحت في صنع معادلتها الخاصة، فإن مصر ومعها العرب ما زالوا في انتظار نهضة حقيقية، تنبع من الذات، لا تستورد من الآخر.

***

د. عبد السلام فاروق

من المعتاد ان تجد الأبن يسير على خطى والده في تتبع خطى فن معين، ولكن ليس من السهل ان تجدهما مفكرين مجددين منهمكين بهم اقصى واحد لموضوع إشكالي كمبحث (الهوية) وبمنهجين مختلفين. انهما الرفاعي الأب عبد الجبار والابن محمد حسين. 

ينطلق المفكر عبد الجبار الرفاعي في كتابه الموسوم (الهوية في شراك الأيديولوجيا) بدون عنوان ثانوي وبعبارات واضحة وأسلوب سهل يتوجه به كما في مقدمته بوصية (ألى الأبناء من الجيل الجديد) بالافتخار بوطنهم العراق.  بداية يستعرض عبد الجبار الرفاعي في مقدمة كتابه همه الأقصى الذي دفعه للخوض فيه ومعانته من غياب شكل واضح للهوية الوطنية العراقية.

ففي بيان مفهوم (الهوية) يبدأ عبد الجبار الرفاعي (الفصل 1) بعوان لافت "الهوية في حالة صيرورة وتشكل". ويمكن اعتباره بيان عام لرؤيته التي يسعى اليها على شكل إشارات مكثفة، وبعد ذلك يفصل رؤيته في الفصول الأخرى بأسلوب سلس وتفصيل لهذا التكثيف. فالهوية التي يطرحها هي الهوية (المثالية) بكونها ما ينبغي ان تكون عليه لا بكونها الهوية الواقعية المأزومة. بينما ينطلق الباحث (محمد حسين الرفاعي) من واقع الهوية المجتمعية ليفككها. هذا الاختلاف يكمن لا في طبيعة المنهج فقط ولكن بشكل اعمق يتعلق بوظيفة المثقف لدى كل منهما.

وهنا انطلق من تصنيف الباحث محمد حسين الرفاعي للمثقف في علاقته (بالمعرفة والمجتمع والسلطة) الى ثلاث أصناف (الموسوعي، الغرامشي، واليوتيبي) ويمكن ان اضيف صنف رابع هو المثقف النقدي، لأن التقسيم ليس حصريا بل استقرائيا.

في كتابه (الهوية في شراك الأيديولوجيا) يسعى عبد الجبار الرفاعي كمثقف بوصفه عقل (ألأمة-الملة) ومُعلِمها، الذي يسعى الى بناء (ما يجب ان يكون) بعد بيانه. الى بيان ما يجب ان تكون عليه "الهوية المثالية " الوطنية العراقية في الفصول (1-4)، وينتقد الهوية المغلقة التي تغتال الهوية الوطنية كما يوضحها في الفصول (5-10). فقد شغلته الهوية الوطنية العراقية منذ عودته من المنافي، ولشعوره باضطراب الهوية الوطنية او تلاشيها، وبكونها من اخطر الأزمات التي يكابدها العراق، فقد شعر بالحاجة الماسة الى غرس الهوية الوطنية في الضمير ووجوب تغذية حضورها للأبناء والعبور بهم من مضايق الهويات الجماعاتية (الضيقة)، وهويات ايدولوجية مستعارة الى مسار أعم وأشمل، لذا فهو يرسم معالم هوية وطنية عراقية بكونها ما يجب ان تكون عليه تجسيد لوظيفته الفكرية التوعوية. فهو يدعو الى فهو تأويلي للهوية بوصفها كينونة تنمو في التفاعل لا جوهرا منغلقا على ذاته، يتيح تجاوز النزعات الاقصائية ويفتح أفقا للإنسانية تتسع وتعدد. بشكل عام تمتاز الهوية لدى الرفاعي الأب بكونها:

1. علائقية بطبيعتها أي تتكون من:

- شبكة علاقات متبادلة.

- تُعاد صياغتها.

- ليس لها معنى أبدي ساكن بذاته.

- تكتسب معناها من هويات مقابلة.

2. ديناميكية حية:

- تتفاعل وتنفتح.

- تستقي من غيرها وتسقي غيرها، تأخذ وتعطي.

- يعاد بناؤها على الدوام بالاستيعاب والتمثل والتأويل.

- تتشكل بفعل التفاعل الخلاق مع الآخر، وبتأثر التحولات في البيئة والثقافة والتاريخ.

- الهوية افق مفتوح يعيد تعريف ذاته.

3. الهوية كائن اجتماعي لغوي ديني سياسي ثقافي متحول:

- بنيتها مركبة عميقة متنوعة الوجود.

- تتألف من طبقات متداخلة ومكونات متنوعة.

- تسارع تحول الهوية يعيد تعريف الإنسان.

فالهوية الوطنية التي يدعو لها هي جامعة لا تقبل الإنغلاق على مكون واحد ولا تسمح باحتكار الوطن لجماعة دون سواها. هوية تتسع للمختلف وترى ان العيش المشترك لا ينهض إلا بالاعتراف بالاختلاف في إطار كيان سياسي واحد، وشراكة الجميع في بناء الوطن وحمايته. وتتسم الهوية لدى "المثقف المعلم" الحالم بما يجا ان تكون عليه الهوية الوطنية، بما يلي:

1. انتماء الى رقعة جغرافية ومصير واحد ومصالح يلتقي عليها الجميع.

2. تاريخ مشترك وذاكرة جمعية يتجسد في ثقافة جامعة ورموز مشتركة.

3. سردية تستحضر منعطفات نشأة الوطن وتؤرخ تحولاته وتعيد وصل حاضره بجذوره الممتدة في الزمن.

4. تتجلى الهوية الوطنية في الشخصيات المؤسسة وكل شخصية استثنائية تركت بصمة مضيئة في مسيرة الوطن على المستويات كافة واسهمت في بناء كيانه السياسي والعلمي والثقافي الرمزي والديني والقيمي والاقتصادي والفني والأدبي والرياضي.  

5. تنعكس الهوية الوطنية في اللغة والآداب والفنون السمعية والبصرية والأديان والمعتقدات والأمثال والأساطير والعلوم والمعارف المتنوعة، والشعار الرسمي للدولة والنشيد الوطني والمناسبات والأعياد والفلكلور والأماكن الأثرية والمعمارية التي تستفيق فيها الذاكرة وتمنح ما هو جميل في الماضي حضورا مستأنفا.

6. وتظهر الهوية الوطنية في المطبخ وأنواع الأطعمة واللباس والأزياء والأذواق والرياضة بكب أنواعها، وكل ما يسهم في توليد الشعور بالاستمرارية التاريخية ويغذي الإحساس بالارتباط الوجداني العميق بالوطن. 

تعيش الهوية لدى "المثقف المعلم" عبد الجبار الرفاعي في عالم تتفاعل وتتصادم فيه هويات متعددة ومتنوعة. وإدراك الهوية بوصفها صيرورة مفتوحة يتيح تجاوز التصورات المغلقة التي ترى فيها جوهرا ثابتا لا يتغير ويفتح المجال لفهم اكثر إنسانية وقبولا للمختلف. فالوعي بالهوية لديه دعوة للتفكير الصبور والتوغل في طباقتها، وتحليل عناصرها وقراءة تحولاتها وما يتعاقب عليها من تمثلات جديدة. واذ يتبع منهجا بنائيا في كتابه كهرم مقلوب. يعطينا فكرة عامة مختصرة وشاملة في البداية ثم يعيد توضيحها وبيان تفرعاتها واشكالاتها والعوائق التي تعترض رؤيته لبناء هوية وطنية (بما يجب ان تكون عليه)، فهو بهذا يتوجه بها لكل شرائح المجتمع من المختص سياسيا الى المثقف المنهم بالهوية الوطنية الى القارئ الحيصف الى المواطن البسيط، ينطلق بذلك من وظيفته بكونه (مثقفا معلما) والتي قضى جل حياته النضالية والفكرية في سبيل تحقيقها. وهو لا يذهب الى الأزمة بما هي ازمة ليفككها، بل ليتجاوزها الى بناء ما يجب ان تكون عليه. وهنا يأتي دور الرفاعي الأبن.

الدور الذي لم يذكره (الباحث محمد حسين الرفاعي) دور "المثقف النقدي" في كتابه الموسوم (أزمة الهوية والأخلاق في الفعل المجتمعي الجديد) وبعنوان ثانوي (دراسة في الأتيقيا المجتمعية). من العنوان الى متن الكتاب ترى الاختلاف الواضح في المنهج والرؤية في تناول مفهوم "الهوية الوطنية العراقية". فهو ينطلق من لحظة تعتبر مفصلية في بيان ازمة الهوية الوطنية الا وهي "لحظة تشرين" بكونها حركة مجتمعية وضعت المثقف العراقي "منكشفا" امام تفجر لأزمة مجتمعية. هذا الانكشاف للمثقف في وظيفته الواقعية وضعته امام مسارين كلاهما يعمق ازمة الهوية؛ فإما مثقف في خدمة الجماعة "الهووية"، او مثقف في خدمة نفسه. انه إنكشاف مرعب ذلك الذي يجعلنا امام ازمة عميقة للهوية لا يمكن تجاوزها بسهولة. حيث السقوط المجتمعي الكلي ضمن الجماعات "الهووية" التي تقوم على هوية مغلقة. أي ان المثقف في مسارات تعميق ازمة الهوية اصبح عقبة في بناء المجتمع. فالباحث (محمد حسين الرفاعي) يتناول الهوية بواسطتها كمدخل لفعل أخلاقي مجتمعي. أي لا يمكن بناء هوية وطنية دون فعل أخلاقي يسهم في بناء المجتمع.

من هنا ينطلق لتفكيك "وظيفة المثقف" بكل العنوانين الفاعلة في المشهد والتي لا تساعد على حلحلة الأزمة المجتمعية. ولكي يفعل ذلك يفكك المعرفة التي تؤسس لطبيعة الفعل الأخلاقي القائم على الفكر الى اخلاق مجتمعية (ايدولوجية\ واقعية، يوتيبية\ رسولية، واخلاق دستوبيا\ الهدم) وتصبح كل هذه المعارف فائضة عن اللزوم عندما تفقد وظيفتها التي وجدت من جلها. فالمجتمعية الأيدولوجية عندما تفقد موقعها وقوتها المجتمعية تصبح فائضة عن اللزوم، والمجتمعية اليوتوبية عندما تفقد معناها وقوتها وإمكان بناء مجتمع بواسطتها عند مستوى الفرد والمجتمع تصبح فائضة عن اللزوم، والمجتمعية الديستوبية عندما ينكشف زيفها وقدرتها التدميرية تصبح فائضة عن اللزوم انها (عقبة السلطة امام المجتمع).

وهنا يتجذر الإشكال المعرفي الأهم الذي يسعى الباحث محمد حسين الرفاعي للكشف عنه، أي الكشف عن (المصدر المعرفي الذي به تفقد المفاهيم علميتها النظرية وجدواها العملية في اللحظة التي تتحول الى مرجعيات قبلية يتوقف الفهم عندها). فالبحث هنا يتتبع الأصل المعرفي "ابستمولوجيا" في كشف "التابع" الذي ينقل معرفة قبلية (حداثية او تقليدية)، ولا ينتجها. فالتابع عندما ينقل معرفة هي بالذات لواقع هو غير واقعه الذي يعيش، لأنه لا يتلفت الى المكونات الأساسية لفهم واقعه. فالمثقف في بحث دائم عن مبررات لموقف فكري اصبح "فائضا عن اللزوم" على الصعيد المجتمعي بمستوياته الثلاث المذكورة سابقا، فنجد غياب للموضوع الواقعي والمنهج الذي يحتاج، فيتم استدعاء القبليات المرجعية لتبرير الأزمة المجتمعية لا في البحث عن الحل. ولا حل الا عندما يكون الواقع موضوعا للفهم وان نعيه بكونه احداث تحصل في الواقع مؤطرة ب(الزمان والمكان)’ فهو يحلل بعمق هذا المأزق المعرفي بعين الباحث الحصيف بدقة وصبر كبيرين، ليشخص لنا ان الأزمة المعرفية تكمن "بأدلجة الفهم" الذي يفضي الى (حماية المؤسسة المجتمعية وكذلك الحفاظ على ايدولوجيا السلطة). فنحن هنا امام ثالوث "هووي" خطير يتكون من (حراس الفهم، ومؤسسة مجتمعية، وهوية). وهذا الثالوث هو الذي يحدد في كل مرة طبيعة المعرفة التي يجب ان تكون سائدة. وهذه المعرفة بطبعتها احتفائية هوياتية بالغالب، نحتفي بذات انفسنا الضاربة في جذر التاريخ المجتمعي، قائمة على تصورات سابقة تعيد تحديد علاقتنا بأنفسنا والعالم من حولنا.

 هذا الاحتفاء "بالهوية" بقدر ما يمجدها فهو يحجب العالم، أي ان هنالك علاقة عكسية بين (الاحتفاء بالهوية المجتمعية الملية)، والانفتاح على العالم، لأنها بدء التحديد النهائي للذات الفاعلة، لانها بذلك تعمل على تسكين الذات وتعطيل الفعل. فالتساؤل الجذري لبنية الهوية ووظيفتها لا بد ان يضعنا مباشرة امام إمكانيات تجاوز عقبات الماضي ولأن نكون منفتحين على العالم. فبناءا على ذلك "لابد من تفكيك البنية المعرفية، وتفكيك الوظيفة" لانغلاق الهوية معرفيا. 

اول خطوة في ذلك هو الفهم الواقعي، وان ندرك ان العالم الذي نعيش غير العالم الذي نعرف. فانغلاق الهوية يجعل الهوة عميقة بيننا بين العالم من حولنا. لكن شئنا ام أبينا فالعالم يأتي الينا عبر الفضاء فغدا المواطن عالميا بقدر ما هو محلي، حيث يتداخل المحلي بالعالمي في معظم مجالات الحياة، اقتصادية، ثقافية، ميديا، سياسية...الخ. فهنالك هوية عالمية منفتحة وفاعلة لا يمكن تجاهلها، بل تجد صداها في "الدولة" بكونها بينة عابرة للهويات الملية المنغلقة ومتفاعلة مع الآخر على الصعيد "الوطني" في نظام يفترض انه ديموقراطي.

في هذا المفصل يقترب الباحث النقدي "محمد حسين الرفاعي" الأبن مع الأب المفكر المثقف المعلم (عبد الجبار الرفاعي). فيقترح ان الدولة بوصفها تجسيدا لهوية عالمية لابد ان تتسم بأربع سمات:

1. الوطنية، وفكرة المواطنة. أي القبول بالتعدد والمختلف والتنوع بين الجماعات المحلية.

2. وان يتم وضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.

3. وان يتم اتباع سياسات اقتصادية تتعلق بالتنمية، والقضاء على الفساد، والحفاظ على قيمة العملة الوطنية.

4. علاقات خارجية مع دول الجوار من جهة والقوى العالمية من جهة أخرى، ـاخذ بمصلحة البلد كقيمة عليا.

فرغم الاختلاف المنهجي بين المفكر المعلم والباحث النقدي في تناولها لأزمة الهوية الوطنية ونقدمهما الشديد لانغلاق الهوية المحلية، فهما يشتركان بهم اقصى اسمه (العراق) وطنا تكون فيه الجماعات متجذرة الانتماء الى هويتها الوطنية مع ضرورة الانفتاح والتفاعل مع الآخر. 

***

د. سليم جوهر

العديد من الناس قلقون من تصاعد الاستبداد Authoritarianism والاوتوقراطية Autocracyعلى مستوى العالم. هذه الهياكل السياسية تخلق مناخا من الخوف وعدم اليقين والتوتر. الأنظمة السلطوية يمكنها بسرعة ان تفككك البرامج المفيدة للشعوب والبيئات، تاركة المواطنين في حالة من العجز واكثر عرضة للتدهور البيئي. ان فهم سايكولوجية الاستبداد تساعد في خلق الوضوح الذهني المطلوب للمقاومة وتعزيز الرفاهية وتصوّر وبناء مستقبل مستديم.

القلق من اللايقين

عندما يتكلم البعض عن "جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى"، ذلك يشير الى وعد بالشعور بالعظمة ثانية – إعادة ترميم الهوية، والأمن والمكانة في عالم سريع التغيير. بالنسبة لأولئك الذين تُركوا  في الخلف بفعل التحولات الاقتصادية والثقافية، تأتي هذه الرسالة لأنها تستغل الحاجة العاطفية العالمية للاحترام واليقين والانتماء. غير ان تلك الراحة تأتي معها تكاليف. هذا الوعد باليقين الذي يستخدم التنمر والقوة يمكنه ان يهمش أي شخص، انه لا يحترم الخبرة من جميع الأنواع ويشوه الحقائق ويلهب الاستقطاب. المتنمر الذي يعكس الديناميكية الاجتماعية لساحة المدرسة، هو وحلقته المقّربة يطلبون الولاء، بينما المارة يبقون صامتين لتجنب ان يصبحوا هدفا. الأتباع ربما يشعرون بالحماية لكنهم أيضا يعيشون في خوف من الطرد.

علماء النفس يسمون هذه الحالة "تعلّق مصحوب بقلق شديد" – يقظة مستمرة للحفاظ على الارتباط بشخص قوي لا يمكن التنبؤ به. انهم ليسوا فقط اشخاص خارجيين يدفعون الثمن، وانما كل منْ يقع في دائرة الخوف والامتثال وضياع الأصالة. كل من يقع في هذه الديناميكية يبدأ يرى العالم بعبارات صارخة من الأبيض والأسود يُنظر من خلالها لأولئك الذين يفكرون بطريقة مختلفة باعتبارهم خطرين. هذا التقسيم السايكولوجي يخدم برامج السلطوية بشكل جيد: حالما يُنظر للجانب الاخر ليس فقط كظالم وانما شرير، عندئذ حتى الأفعال المتطرفة ضده يمكن عقلنتها.

كلفة الصحة الذهنية

العيش في ظل توتر سياسي دائم يأخذ مقدارا عميقا من الصحة الذهنية. في المجتمعات السلطوية، الافراد يجب ان يفحصوا ويراجعوا موقفهم باستمرار، يخلقون حالة من التوتر الدائم. يصبح من الصعب التنبؤ بالحياة، يتم التحكم بها ليس بمبادئ متفق عليها ديمقراطيا وانما عبر الأهواء المتغيرة لقائد قوي. العديد من المرضى وأعضاء الجالية يصفون الشعور كما لو انهم انزلقوا الى علاقات "وضع يسبب الجنون" – حيث الواقع ذاته يبدو غير مستقر ومشوه. السلطوية تستغل الميول السايكولوجية الراسخة عميقا في الانسان. في تجارب ستانلي ميلجرام Stanley Milgram، المشاركون كانوا يرغبون بإدارة ما اعتقدوا انه صدمات كهربائية مؤذية للآخرين فقط بسبب ان شخصية سلطوية أمرتهم للقيام بهذا (ميلجرام،1963). عمل ميلجرام يكشف عدم مقاومة طاعة السلطة حتى عندما تنتهك قيم المرء الخاصة. السايكولوجي روبرت التمير(1996) وجد انه في ظروف تأثير الاستبداد، الافراد عادة يتنازلون عن تفكير معقد ومستقل. بدلا من ذلك، هم يتبنون أحكام الأبيض والأسود، يستبدلون التمييز الشخصي بعواطف جمعية. حين تصبح تابعا في مثل هذا النظام تستبدل عبء المسؤولية الشخصية بوهم راحة اليقين، والأمان المتخيل والتفوق.

احدى اهم التكتيكات الضارة في أدوات الاستبداد هي التلاعب النفسي. هذا الاستغلال النفسي يجعل الناس في حالة معتمدة من رد الفعل، يفقدون السيطرة على قيمهم الشخصية، وغير قادرين على الثقة بتصوراتهم او غرائزهم، وغير مكترثين حول ما تكون عليه الحقيقة.

سايكولوجية القيادة الاوتوقراطية

اذا كانت السلطوية توجد في مستوى منهجي، فان القيادة الاوتوقراطية عادة ما تتجلى اكثر قوة في المستوى الشخصي، تصوغ الحياة النفسية للمواطنين. القائد الاوتوقراطي يحتفظ بسيطرة مطلقة، يحدد المشاركة ويفرض الولاء من خلال الخوف وعدم إمكانية التنبؤ والاعتمادية. المواطنون يصبحون محاصرين بغيبوبة نفسية: يقاومون ويخاطرون بالعقوبة او يمتثلون ويستسلمون لشخصية معينة. وبمرور الزمن، هذا يؤدي الى خدر عاطفي، وانفكاك أخلاقي، وضياع الأصالة الذاتية. حتى المؤيدون للنظام يتأثرون، لأن الضغط المستمر للإمتثال لرؤية القائد يحول دون الأمان السايكولوجي الحقيقي.

غرس الديمقراطية من الأسفل

يمكن مقارنة السلطوية بالتدهور النباتي. انها تنزع من التربة الحيوية، تستبدل التنوع بزراعة أحادية، والتعقيدية بالامتثال، والاستدامة الطويلة الأمد بالهيمنة قصيرة الاجل. تحت سطح القوة الظاهرة يكمن استنزاف للناس والمؤسسات، والقوة والتربة الأخلاقية التي تعتمد عليها الديمقراطية. مع ذلك، فهم الإغراء النفسي للاوتوقراطية يساعد المواطنين في مقاومة جذبها وبناء خيارات هادفة – فضاءات حيث تتم تلبية حاجة الانسان الحقيقية للمعنى والارتباط والأمن بدون التضحية بالفكر المستقل.

الاستجابة للاستبداد تتطلب عملا في أنظمة الحكومة القائمة وكذلك في المعارضة السلمية للمظاهر المدمرة لتلك الأنظمة. المناخ الاجتماعي والمدني هو التربة الصحية لمثل هذه الاستجابات. حتى في البيئات الاستقطابية او السلطوية، هناك ميادين يتم السعي ضمنها للحريات الفردية (القدرة على التفكير والتحدث والتصرف طبقا لقيم الفرد) ويتم الحفاظ على جاليات داعمة، هذه الميادين:

1-  جماعات مدنية تعالج التحديات المحلية بدءا من تحسين الصحة العامة الى تطوير استدامة بيئية.

2-  جماعات مرتكزة على الايمان تعبّر عن عواطفها من خلال رعاية الناس والاشراف على الكوكب.

3-  منظمات طوعية تبني جسورا عبر زراعة الأشجار وتنظيف الممرات المائية والاستجابة لحاجات الناس.

4-  رعاية متبادلة تجسد نموذج العائلات.

ضمن هذه الانشغالات، يؤدي صمود الفرد والجالية الى غرس أنظمة سياسية ديمقراطية وطرق صحية لخلق عواطف وعقل متوازن، واحتضان التعقيدية بدلا من السقوط في تفكير ثنائي، والعثور على قوة في المرونة بدلا من الصلابة.

هذه القيم تقف في تضاد مباشر مع حاجات السلطوية الى كبش فداء، تفكير مبسط "ابيض واسود"، والانشغال مع قائد لا يمكن التنبؤ به. على المستوى الشخصي، المقاومة تتطلب الصدق حول القيم الشخصية والشجاعة والجالية. هناك أربعة طرق تطبيقية للتعامل والمقاومة:

1-  التركيز على المعنى: تتحدث عن الحقائق بوضوح، تقف بثبات حول ما هو صحيح، وغرس قيم الجالية من خلال علاقات مهنية وشخصية بالإضافة الى انشغال مدني.

2-  التعامل من خلال التركيز على العواطف: تبنّي رعاية الصحة الذهنية للمرء بعناية ذاتية وشبكات دعم موثوقة.

3-  التركيز على المشكلة: الرد بأفعال استجواب صغيرة ودفاع، اعتمادا على مخاطرة المرء، وحماية الخصوصية الرقمية باستعمال أدوات آمنة مثل الرسائل المشفرة وشبكات VPNs(مصادر مثل المرشد المضاد للاوتوقراطية يقدم ارشادا حول تقييم المخاطرة الشخصية في ظروف استبدادية وتفصيل أفعال طبقا لذلك).

4.- تفكير مستقبلي: ان تعرف هناك العديد من أشكال المستقبل المحتمل وتكون راغبا بالتفكير فيها والتخطيط لها. عبر غرس هذه العادات، نحن لا نحمي فقط رفاهيتنا وانما أيضا نساعد الديمقراطية والجالية وازدهار الكوكب حتى في أصعب الظروف.

***

حاتم حميد محسن

........................

The psychological pull of Authoritarianism and Autocracy, psychology today,Sep 25,2025

المصادر:

1-  التماير Altemeyer،B(1996). شبح السلطوية. مطبوعات جامعة هارفرد.

2-  Lipman-Blumen., J،(2005). جاذبية القادة السامّين: لماذا نتّبع زعماء مدمرين وسياسيين فاسدين، وكيف يمكننا النجاة منهم، مطبوعات جامعة أكسفورد.

3-  ميليجرام Milgram,S(1963). دراسة سلوكية للطاعة. مجلة علم النفس الاجتماعي وغير الطبيعي،67 (4)،ص371-378.

 

من الهيمنة النسقية إلى الثورة على الفضاء الكارتيزي

أركيولوجية الهيمنة التراتبية: الشجرة كبنية فوقية للسلطة

 في سياق تشريح البنية العميقة للثقافة الغربية، يتكشف النموذج الشجري بوصفه البنية الفوقية الأيديولوجية التي تشرعن علاقات الإنتاج السلطوية. إن هذا النموذج، الممتد من الميتافيزيقا الأفلاطونية وصولاً إلى العقلانية الحداثية، يعمل كآلية لضبط "فائض المعنى" تماماً كما يضبط رأس المال فائض القيمة. فلسفياً، تتأسس الشجرة على ثنائية "الجذر/الفرع"؛ حيث تمارس الحقيقة المركزية (الأصل/الجذر) هيمنة وجودية على الفروع. هذا النسق التراتبي ليس بريئاً؛ إنه انعكاس لنمط إنتاج يرفض التعددية إلا إذا كانت خاضعة لمركز واحد. وبذلك، تصبح المعرفة الشجرية أداة لتكريس الهيمنة التي تضمن إعادة إنتاج علاقات القوة القائمة.

عبر تحليله لـ "الصورة الدوغمائية للفكر"، يكشف دولوز عن التواطؤ الخفي بين الفلسفة التقليدية والسلطة. هذه الصورة ليست مجرد أخطاء معرفية، بل هي ما أسماه لويس ألتوسير "جهازاً أيديولوجياً للدولة". إنها مجموعة المسلمات المسبقة التي تؤدلج الوعي وتوجه الفيلسوف قبل أن يشرع في التفكير، مُحولةً الفلسفة من أداة للنقد إلى أداة لـ "التعرّف" وإعادة إنتاج الموجود. يتجلى "الازدراء الفلسفي" هنا كآلية دفاعية طبقية؛ فالنسق الفلسفي (عند كانط أو هيغل) يشيد حصوناً معرفية لحماية "العقل البرجوازي" من تهديد "الخارج" (قوى العمل غير المقيدة، الجسد، الجنون، والفكر البدوي)، حيث يتم إقصاء هذا الخارج وتصنيفه كـ "فوضى" أو "خطأ". إن هذا الإقصاء هو الوجه المعرفي لعملية "التشيؤ"، حيث يتم تحييد القوة الثورية للاختلاف الصرف عبر استيعابها في "الجدل" وتحويلها إلى مجرد "سلب" يخدم تطور الروح المطلق.

الجذمور كأبراكسيس ثوري:

 (المبادئ الستة للمقاومة) في مقابل الشجرة، يطرح دولوز وغوتاري "الجذمور" ليس كنموذج بديل فحسب، بل كاستراتيجية مادية للتحرر من "سلعنة المعرفة". ويمكن تلخيص مبادئه كالتالي:

مبدأ الاتصال: يكسر الجذمور تقسيم العمل المعرفي الصارم. في البراكسيس البحثي الجذموري، يجب أن تتصل أي نقطة بأي نقطة أخرى؛ إنه رفض للتخصص الضيق الذي يفرضه نمط الإنتاج الرأسمالي لعزل الحقول المعرفية.

مبدأ التغاير: بخلاف الفكر النسقي الذي يسعى للتجانس لضمان السيطرة، يربط الجذمور بين أنظمة متباينة (سلاسل لغوية، تدفقات مالية، شفرات بيولوجية)، كاشفاً عن الطبيعة المادية المتشابكة للواقع.

مبدأ التعددية: التعددية هنا ليست "الكثرة" العددية التابعة للواحد، بل هي جوهرية ونوعية. إنها تشبه مفهوم الجموع عند نيجري وهارت؛ قوة حية تتغير طبيعتها كلما زادت أبعادها، ولا تحتاج إلى "وحدة قياس" متعالية لتستند إليها.

مبدأ القطيعة غير الدالة: الجذمور يقاوم الفناء؛ فإذا حاولت أجهزة الدولة قطعه، فإنه يعاود النمو عبر خطوط هروب جديدة. هذه الخاصية تجعل الفكر الجذموري عصياً على القمع؛ فإذا حظرت الرقابة كتاباً، تحول الفكر إلى أغنية أو "غرافيك". إنه تجسيد لقدرة الطبقات المقهورة على إعادة تنظيم صفوفها.

مبدأ رسم الخرائط: الجذمور خريطة تصنع الواقع، وليس "أثراً" ينسخه. "الأثر" هو إعادة إنتاج أيديولوجي للواقع المفروض، بينما الخريطة مشروع مفتوح قابل للتعديل، مما يمنح الباحث دور "المناضل الثوري" الذي يرسم مسارات جديدة بدلاً من الاكتفاء بتفسير العالم.

مبدأ الديكالكومانيا: وهو رفض القوالب الجاهزة؛ فالجذمور يقاوم إسقاط النماذج المتعالية والنسخ الجامدة على الواقع المادي الحي.

الجيوفلسفة.. صراع آلة الحرب وجهاز الدولة:

 يقدم دولوز مفهوماً يتجاوز الماركسية التقليدية، ولكنه يتكامل معها "آلة الحرب". آلة الحرب ليست الجيش، بل هي "تجميعة" من البشر والأدوات والأفكار تتحرك في "فضاء أملس" وتقاوم التخديد الذي تفرضه الدولة. من منظور المادية التاريخية، يمكن قراءة هذا الصراع كالتالي، الدولة (ممثلة لمصالح الطبقة السائدة) تسعى دائماً لممارسة "الأسر" على آلة الحرب، لتدجين طاقة الإبداع والعمل وتحويلها إلى قوة عمل مأجورة خاضعة للقانون. التاريخ، إذن، ليس سرداً خطياً لتطور الدول كما يرى هيغل، بل هو جدلية الصراع بين "جهاز الدولة" الذي يفرض النظام الشجري لتأمين الملكية والتراكم، و"آلة الحرب" البدوية التي تبتكر "خطوط الهروب" لتقويض هذا النظام.

من "السياسة الكتلية" إلى "الثورة الجزيئية":

 نحو اقتصاد سياسي للرغبة لا تكتمل القراءة المادية للجذمور دون الاشتباك مع المعضلة التي أرقت الماركسية الغربية طويلاً. لماذا تحارب الجماهير من أجل عبوديتها وكأنها تحارب من أجل خلاصها؟ هنا، ينقل دولوز وغوتاري الصراع من المستوى "الكتلي" مستوى الصراع الطبقي التقليدي، الأحزاب، والنقابات إلى المستوى "الجزيئي أي مستوى الاقتصاد الليبيدينالي".

المادية ومسألة الرغبة:

 خلافاً للماركسية الأرثوذكسية التي قد تختزل الرغبة في "بنية فوقية"، أو التحليل النفسي الذي يسجنها في "مسرح العائلة" (أوديب)، يؤكد دولوز في ضد-أوديب أن الرغبة جزء من البنية التحتية؛ إنها "إنتاج" وليست "نقصاً". الرأسمالية لا تكتفي باستغلال قوة العمل في المصنع، بل تقوم بـ "تخديد" الرغبة لضمان أن العامل يستهلك، ويطيع، ويتماهى مع النظام.

الفاشية كمنتج جزيئي:

 إن "المايكرو-سياسة" ليست سياسة "صغيرة" بالحجم، بل هي سياسة تعمل على مستوى التدفقات والذرات الشعورية. الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في استيلاء ديكتاتور على الدولة (مستوى كتلي)، بل في "الفاشية المجهرية" التي تعشش في تفاصيل الحياة اليومية. الثورة التي تغير شكل الدولة دون أن تفكك "الفاشية الجزيئية" في نفوس الثوار، تنتهي حتماً إلى إعادة إنتاج القمع البيروقراطي.

نحو إيتيقا مادية للجذمور:

 بناءً على ما سبق، فإن الثورة الجذمورية لا تلغي ضرورة التنظيم الطبقي، لكنها تشترط أن يرافقه "تحول جزيئي" وتفكيك لشيفرات الخضوع. إن الانتقال من الفضاء الكارتيزي (المخطط والمسيطر عليه) إلى الفضاء الأملس (المفتوح للاحتمالات) هو ضرورة إيتيقية وسياسية. لقد أدى "الازدراء الفلسفي" والمركزية الشجرية إلى كوارث إنسانية عبر فصل الإنسان عن الطبيعة. لذا، فإن الثورة على الفضاء الكارتيزي تعني استعادة القدرة على "التوهان الخلاق" ورسم خرائطنا الخاصة في عالم لا تحكمه حتمية الأرباح، بل تحكمه إمكانات الصيرورة. وكما يؤكد دولوز: "نحن لا نكتب لكي نمثل العالم، بل لكي نصبح شيئاً آخر غير ما نحن عليه"؛ أي لكي نغير العالم.

***

غالب المسعودي

....................

المصادر والمراجع

المصادر العربية والمترجمة

ألتوسير، لويس. الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية. بيروت: دار الطليعة.

دولوز، جيل. الاختلاف والتكرار. (ترجمة وفاء شعبان). بيروت: المنظمة العربية للترجمة.

دولوز، جيل، وغوتاري، فيليكس. ألف هضبة: الرأسمالية والفصام 2. (ترجمة ومراجعة نقدية).

دولوز، جيل، وغوتاري، فيليكس. ضد-أوديب: الرأسمالية والفصام 1. بيروت: دار الطليعة.

دولوز، جيل، وغوتاري، فيليكس. ما هي الفلسفة؟ (ترجمة مطاع صفدي). بيروت: مركز الإنماء القومي.

غرامشي، أنطونيو. كراسات السجن. (ترجمات مختلفة).

ماركس، كارل، وإنجلز، فريدريك. الأيديولوجيا الألمانية.

هارت، مايكل، ونيجري، أنطونيو. الجموع: الحرب والديمقراطية في عصر الإمبراطورية.

ثانياً: المراجع الأجنبية (English References) 9. Byrne, T. (n.d.). The Dogmatic Image of Thought. Medium. 10. Internet Encyclopedia of Philosophy. Gilles Deleuze (1925–1995). 11. Protevi, J. (n.d.). The Image of Thought. Retrieved from [protevi.com]. 12. Taylor & Francis Online. (n.d.). Rhizomatic America and Arborescent Culture. 13. Rhizomatic vs Arborescent Systems. (n.d.). Retrieved from jzhao.xyz.

 

ربَّما لم يُعرف، ويشتهر مذهب المعتزلة، تاريخاً ومبادئ وأفكاراً ومواقفَ، مثلما عُرف أصحابه، ويأتي عمرو بن بحر الجاحظ(255هج) في المقدمة، وذلك لشهرته في الكتابةِ والبلاغةِ، حتَّى أُخذ مَن يُجيد الصنعة يُدعى بالجاحظ الثَّاني، ورداً على الخصوم كتب مدافعاً عن الاعتزال بعنوان «فضيلة المعتزلة»، فنقضه أحمد بن يحيى الشَّهير بابن الرَّاوندي (نهاية القرن الثالث الهجري) في كتاب سماه «فضيحة المعتزلة»، لكن على ما يبدو لم يجرِ هذا في حياة الجاحظ، فكتب الأخير جاءت خالية مِن ذكرٍ لابن الراوندي، والجاحظ لا يترك من ينقضه بلا نقض.

«فضيلة المعتزلة»، وفضيحة المعتزلة «عنوانان متناقضان تماماً، ومِن بعد ابن الراوندي تلقف العنوان-«فضيحة» -مؤرخو الملل والنحل مِن خصوم المعتزلة، فجاء كتاب عبد القاهر البغداديّ(429هج) مليئاً بـ«فضائح» شيوخ المعتزلة، بداية مِن مؤسسي الاعتزال، واصل بن عطاء(131هج)، وعمرو بن عبيد الباب(144هج)، ومنها فضائح الجاحظ، وكذلك نقل البغدادي وغيره مِن «فضيحة المعتزلة» مقالات مِن وضع ابن الرّاوندي، والأخير كان «معتزلياً» وتمرد على الاعتزال، وهو نفسه عند خصوم المعتزلة يُعد مِن الزنادقة، فأذيع «زنادقة الدنيا أربعة: بشَّار بن بُرد، وابن الرَّاوندي، وأبوحيان التَّوحيدي، وأبوالعلاء المعرّي» (الحنبلي، شذرات الذهب)؛ لكن مع ذلك صار (الزّنديق) ابن الرَّاوندي مصدراً ضد المعتزلة في كتب مَن شهدوا بزندقته.

كان التَّضاد واضحاً بين الفضيلة والفضيحة، فإذا اعتبر نفي القدر ونفي الصفات، وخلق القرآن، فضائل في كتاب الجاحظ، صارت فضائح في كتاب ابن الرَّاونديّ، لكن جوهر نقض ابن الراوندي على أصحابه السَّابقين هو دفاعه عن التشيع، وخصوصاً في قضية الإمامة، وللجاحظ كتاب في هذا الشّأن عنوانه «العثمانيَّة».

قد يسأل سائل: وهل وصلنا كتابا الفضيلة والفضيحة، كي نفهم ما كتبه الجاحظ، ونقيضه ابن الراونديّ؟ الجواب لم يصلنا أي من الكتابين، فهما مِن المفقودات، مثل الكثير مِن الكتب لم تصلنا غير عناوينها، بفضل كتب الفهارس، وكتب تراجم الرّجال. لكن ما يخص كتاب الفضيحة وصلنا الغالب منه في كتاب «الانتصار والرّد على ابن الراوندي الملحد»، لشيخ الاعتزال في زمنه أبو الحُسين عبد الرّحيم الخياط؛ الذي خدم خصمه ابن الرّاوندي في نقضه فقرة فقرة، يأتي بالفقرة ويرد عليها، ومنها وصلنا شيء مِن كتاب «فضيلة المعتزلة».

يعطينا ما كتبه الجاحظ مِن فضائل المعتزلة، وما كتبه ابن الرَّاوندي مِن فضائح، تصوراً على التّطرف في الصراعات الفكريَّة، وغياب التوسط والحوار فيها، فلا يوجد حوار أو تفاهم ما بين الفضيلة والفضيحة، كيف تشتد الخصومة، إلى درجة أن ابن الراوندي صار يوصف بالملحد مِن قِبل المعتزلة، وهو في الأمس كان مِن أعيانهم، وما الذي دفع الجاحظ يكتب تحت عنوان«فضيلة المعتزلة» غير الردود العنيفة على مذهبه الفكريّ؛ فالمعتزلة اعتبروا بشار بن برد، وهو صاحبهم السابق ملحداً وأفتوا بقتله، وخصوم الجاحظ قالوا في كتبه: «بِلا معنى، وَاسم يهول، وَلَو عرفُوا جهالاته فى ضلالاته»(البغداديّ، الفرق بين الفرق).

صحيح أنَّ المعتزلة اشتهروا كروّاد للحريَّة الفكريَّة، لقدرتهم على المناظرة، قياساً بزمنهم، لكنهم لم يكونوا كذلك مع خصومهم؛ فعلى ما تبدو، وإلى يومنا هذا، الحرية الفكريَّة كلمة فضفاضة المعنى، الكل يدعيها وينشدها، وهذا ليس في الفكر فقط، فهناك قصص كثيرة عن قمع الأدباء وإقصائهم بعضهم بعضاً، والأمثلة كثيرة، ناهيك عما يجري مِن تربص بالخصومة بين الشعراء والفقهاء؛ منها ما جرى بين الفقيه الشّافعي عبد الكريم السّمعاني(562هح) والفقيه الحنبلي أبي الفرج ابن الجوزيّ(597هج)، والعلة مذهبيّة لا شخصية، وكذلك ما حصل بين أبي الفرج الأصفهاني وأبي سعيد السّيرافي، وأبي نواس وشعراء عصره(الجهشياري، الوزراء والكُتاب)، إنكار الموهبة والجدارة. بمعنى أن مفهوم الفرقة النَّاجية لم يسود بين المذاهب الدِّينية فقط، إنما ساد مجالات الفكر والثَّقافة كافة؛ فلو ذكرناها سنجد مثالها بين فضائل وفضائح.

***

رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

في عام 1513 وفي لحظة شديدة الاضطراب والتوتر، صدر كتاب (الأمير) لمؤلفه الإيطالي الشهير (نيكولو ميكافيلي)، وهو من أشهر الكتب السياسية المعمّرة، حيث لا زال يشكّل مرجعاً سياسياً وأساسياً مهماً لمعرفة اصول الدولة وآليات تشكلّها. وقد كان مليئاً بالجديد، لذلك يُعد ثورة في مجال الحكم والحاكم، حيث فصل ما بين الأخلاق والسياسية وانتقل من “ما يجب أن يكون” إلى “ما هو كائن”، رافضاً المعايير الأخلاقية في الحكم على الدولة، فلا وجود للغايات الأخلاقية في الدولة، لأن وجودها يمثل فضاءً أخلاقياً بحدِّ ذاته. فذهب إلى أن المعيار الحقيقي في الحكم على الحاكم لا يتمثل في كونه فاضلاً أو ورعاً، بل في قدرته على قراءة الواقع واستخدام القوة والدهاء والسيطرة على كافة المتغيرات وكبح جماح الطارئ.

من أجل ذلك، قال قولته الشهيرة “الغاية تبرر الوسيلة”. وأطلق كذلك سؤاله الشهير “هل الأفضل أن يُحب الأمير؟ أم يُخاف؟”. ويذهب إلى أن الأمير الذي يُخاف ويُهاب أكثر ضماناً في صيانة الدولة وديمومة نظامها. والغاية الأخلاقية من وجهة نظر (ميكافيلي) تتمثل في حفظ الدولة بمعزلٍ عن الآليات التي يتبعها الأمير، فحفظ الدولة غاية أخلاقية، وإنّ انهيارها شرٌ أعظم من استخدام القوة لحمايتها، لذلك فمن الممكن أن يضحّي الأمير بوعوده وصدقه إذا شاءت الظروف، وبهذا المنطق تصبح السياسة فنّاً استراتيجياً لا علاقة له بالقيم المطلقة ولا بفضائل الفلاسفة ولا بقيم الكنيسة.

وبالرغم من وجهات النظر النقدية التي واجهت كتاب (الأمير) باعتباره يشرعن لمعالم العنف ويفضل الاستبداد والتفرد على حساب المعايير الأخلاقية ويبرر الخداع والكذب ونكث العهود والمواثيق؛ إلا أنه ما زال يمثّل مرجعاً رئيساً في السياسة والفلسفة السياسية، كونه يعيد الفهم حول الكيفية التي تُدار بها السلطة، ويعمل على ايقاظ شعلة الخطابات لدى المتمرسين، فضلاً عن كونه مصدر إلهام لمن يودُّ صياغة القرارات الصعبة والصحيحة.

إلى أن وصل الأمر بمواطنه المعاصر (أنطونيو غرامشي)، حيث صدر له كتاباً بعنوان (الأمير الحديث)، نُشر باللغة الانجليزية عام 1957، ويتضمن مقتطفات من (دفاتر السجن) التي كتبها بين 1929-1935، ونشر في دار الطليعة عام 1970 بترجمة: زاهي شرفان وقيس الشامي.

والأمير الحديث، وإن كان ثورة في النظام السياسي والفلسفة السياسية، إلا أنه لا يُعدُّ ثورة على ما كتبه (ميكافيلي)، مع كونه انقلابا جذريا على (الأمير)، إلا أننا نفهم من (الأمير الحديث) عبارة عن إعادة انتاج لمعنى مضمر في كتابات (ميكافيلي)، فهو أشبه بطروحات (ماركس) على ما انتجه (هيغل). فجوهر ما أراده (غرامشي) في أميره الحديث، أن يعيد موضعة (الأمير) بجعله يقف على قدميه، بدلاً من الوقوف على رأسه.

 فالأمير الحديث ليس فرداً قائداً وحاكماً كما تصور (ميكافيلي)، بل هو حزب سياسي وجماعة منظمة تمتلك وعياً عالياً، تعمل على قيادة المجتمع نحو التحول التاريخي وتتخلى عن النخبوية في قبال ما يسمى بـ(المجتمع الجماهيري) وتعتمد على صياغة صراع طبقي يعتمد على التثقيف لا السيوف، وتعمل على انتقال القيادة من الفرد إلى التنظيم، وتسعى بالأخير إلى تقديم رؤية شاملة للسلطة بوصفها علاقة تكاملية بين الدولة والمجتمع المدني.

وبعكس (ميكافيلي) والذي بالغ في فصل الأخلاق عن السياسة، يعيد (غرامشي) ربط السياسة بالأخلاق، فالسياسة في رأي الأخير لا يمكن لها ان تنال نجاحاً بمعزل عن الأخلاق الجماعية، فمن شأن الأخيرة أن تُنتج ثقة الشعب بالحزب الحاكم، والأمير لا يكون أميراً بالقوة والحيلة والخداع، بل بالانضباط الأخلاقي والمسؤولية. مع ذلك، فإن مفهوم الثورة من وجهة نظر (غرامشي)، يعدّ الغاية الحقيقية لولادة الأمير الحديث، بينما يشكل مفهوم “الاستقرار” الغاية الرئيسة لحكومة الأمير.

ويناور (غرامشي) في مسألة تحقيق القبول وإنتاج الثقة، فإذا كانت القوة والخداع بمثابة البوابة الرئيسة في تحقيق الأمير لسيطرته، فإن القبول الاجتماعي والثقافي هو المبدأ الرئيس لسيادة الأمير الحديث، فالأمير ليس قائداً سلطوياً، بل مثقفٌ جمعيٌّ يعمل على تنظيم الإرادة الجماهيرية ويحقق رؤية مشتركة للمستقبل ويعمل على صناعة “كتلة تاريخية” تجمع الاقتصاد والثقافة والسياسة.

وبذلك يعيد (غرامشي) اعادة فهم وتركيب مفهوم “الهيمنة”، فهي عنده لا تمثّل فعلاً قمعياً، بل قوة معنوية يُعاد انتاجها بوساطة الثقافة والتعليم والإعلام، وهي تعني أن ينجح الحزب أو التنظيم في جعل رؤيته عن العالم مقبولة شعبياً، وان تصبح أفكارها موضعاً للتسليم والقبول.

وبالأخير، فإن الأمير الحديث عند (غرامشي) يعمل على اعادة بناء مفهوم القيادة السياسية، ليس على القوة والاخداع والإكراه، بل على الوعي والثقافة والتنظيم وصناعة الإجماع وتحويل الأفكار إلى قوة اجتماعية، وهذا ما يختزله الفيلسوف الإيطالي (انطونيو غرامشي) في نظام الحزب الشيوعي آنذاك.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

لا ينجح التنوير حين يظل فكرة نخبوية محاصرة في الكتب والمنصات المغلقة ولا حين يتحول الى شعار ثقافي يردده القليلون بينما تعيش الاغلبية خارج اثره. التنوير فعل اجتماعي شامل لا يكتمل الا حين تنتقل المجتمعات من رشدية تكرس الطاعة الى رشدية تؤسس العقل ومن وعي يستمد اخلاقه من الخوف الى وعي يبنيها على الكرامة الانسانية.

الفرق بين رشدية عبد الله رشدي ورشدية ابن رشد ليس فرقا بين شخصين بل بين منطقين في التفكير ومنهجين في فهم الدين والحياة. الفرق ليس فرق أسماء، بل فرق عصور وطرائق نظر إلى الإنسان والعالم.

 في الاولى تسود سلطة النص المعزول عن مقاصده وتختزل الاخلاق في طقوس شكلية ويقاس الايمان بدرجة الامتثال لا بعمق الفهم. وفي الثانية يتقدم العقل بوصفه اداة للفهم لا خصما للنص وتستعاد الاخلاق باعتبارها جوهرا انسانيا قبل ان تكون اوامر ملزمة.

اخلاق الطقوس تنتج انسانا مطيعا لكنه غير حر ومتدينا شكليا لكنه خائف وواعيا بالمحرم اكثر من وعيه بالعدل. اما الاخلاق الانسانية فتصنع فردا مسؤولا يرى في القيم فعلا يوميا لا واجبا موسميا وفي العدالة التزاما لا شعارا وفي الرحمة ممارسة لا خطابا. هنا يصبح الدين افقا اخلاقيا مفتوحا لا نظام ضبط مغلقا.

وسلطة النص حين تنفصل عن سلطة العقل تتحول الى اداة قمع مقدس اما حين يساندها العقل تصبح طاقة تحرير. فالسؤال الحقيقي ليس ماذا قال النص فقط بل لماذا قال وكيف يفهم في سياق انسان يتغير وتاريخ يتحرك. بهذا المعنى يكون العقل حارسا للمعنى لا متمردا عليه.

من هنا يبدأ التنوير الحقيقي: حين نغادر أخلاق الطقوس إلى أخلاق الإنسان، حيث العدالة ليست شعارا بل ممارسة، والرحمة ليست موعظة، بل بنية تفكير.

عندما نسأل عن النص كيف يُقرأ في سياق إنساني متغير. فسلطة النص حين تنفصل عن سلطة العقل تتحول إلى قمع مقدس، أما حين يتكئ النص على العقل، يصبح قوة تحرير.

وليس الانتقال من “اضربوهن” إلى “حرروهن” مجرد تبديل لغوي أو مزايدة أخلاقية، بل انقلاب في الوعي. هو الانتقال من رؤية المرأة كموضوع للضبط إلى الاعتراف بها كذات كاملة، عاقلة، حرة، مسؤولة عن حياتها ومصيرها. هو التحول من ثقافة الوصاية إلى ثقافة الشراكة، ومن منطق السيطرة إلى منطق الكرامة الإنسانية.

  ان تحرير المرأة ليس قضية فرعية بل معيار اخلاقي لمدى تحرر المجتمع كله.

لا يتحقق التنوير حين تتكلم النخبة لغة لا يفهمها الناس، بل حين يتعلم الناس أن يسألوا، أن يشكوا، أن يربطوا بين القيم وواقعهم. وحين يصبح العقل ممارسة يومية، لا ترفا فكريا، والأخلاق اختيارا واعيا، لا امتثالا أعمى.  ممارسة يومية. عندها فقط نغادر رشدية تخاف الحرية الى رشدية تصنعها ومن اخلاق الطاعة الى اخلاق الانسان.

وحين تنتصر رشدية ابن رشد لا بوصفها اسما تاريخيا بل ممارسة يومية يتحرر النص من الاحتكار ويتحرر الانسان من الوصاية ويعود الدين ظاهره انسانيه لا اداة ضبط. عندها فقط تسقط قداسة العنف ويتحول المقدس من سيف مرفوع الى ضمير حي ومن سلطة تفرض الى معنى يقنع.

فالتنوير في وجهه نظري لا يكتمل حتى تصبح الحرية حقا مشتركا والعقل عادة اجتماعية والمرأة انسانا كاملا لا موضوعا للتأديب. هنا فقط يتجاوز التنوير حدوده النظرية ويصبح فعلا حضاريا حين تختار المجتمعات ابن رشد طريقا لا رمزا وتدرك ان العقل ليس خصم الايمان بل شرط نجاته وان الانسان ليس وسيلة لتمجيد النص بل غايته الاخلاقية العليا.  تلك هي لحظة التنوير الحقيقية حين ينتصر الانسان فينا جميعا

***

ابتهال عبد الوهاب

 

إنّ الوعي الثقافي العربي ليس حديث العهد، بل إنّه يمتد إلى نظريات ودراسات الغزالي والفارابي وابن رشد وابن عربي وابن سينا، وغيرهم كثير ممّن عملوا في مجال المعرفة والوعي والثقافة، وخاصّة مناهجهم في مجال المسائل الفكرية.

الثقافة العربية غنيّة في مناهجها منذ القدم وعلى مستويات مختلفة، إن كان على مستوى الأدب والعلوم والصرف والنحو والبيان والبلاغة والنقد، إضافة إلى الفلسفة والمنطق وعلوم الفيزياء والرياضيات والكيمياء والطب، وعلوم الفلك والموسيقى والإيقاع، وعلوم الفقه.

وبسبب الأزمات الداخلية وغزوات الإحتلال الخارجية تعرّض الوعي الثقافي العربي لنكبات متعددة.

تماماً كما حدث في بغداد عام 1258 إثر سقوطها على يد المغول، حيث تم إتلاف وضياع الناتج الثقافي، ومن ثُمّ الحروب الصليبية المتكررة، والتي أدّت إلى تدمير الأمّة وتفكيكها، ومن ثُمّ جاء دور الأتراك العثمانيين الذين عزلوا الأمّة العربية لفترةٍ زمنية طويلة قاربت أربعة قرون، وأجهضوا اللغة العربية، وجعلوا اللغة التركية هي الرسمية في البلاد، كما صادروا كل المهرة، وكلّ ما يُلامس الإبداع، وتمّ نقلهم إلى " الآستانة " العاصمة في ذلك الوقت، فتخلّفت اللغة العربية من كلّ جوانبها فكرياً واجتماعياً وفنّياً، فعمّ الاهتمام بكلِ شيءٍ سطحي، الذي أبقى الأمور على حالها بعيداً عن أي تقدمٍ أو تطور.

إلى أن جاء دور الإستعمار الغربي، وقسّم العالم العربي، وجاءت سايكس بيكو، وزرع الجسد الصهيوني على الأرض الفلسطينية المغتصبة، وزرع جذور تبعية المنطقة ووعيها وثقافتها وفكرها للغرب، والتي لا زلنا نعاني منها منذ ذلك الوقت.

ولعل من أقسى النكبات الداخلية التي عانى منها الوعي الثقافي العربي ولا يزال، هي الفتنة الكبرى بحق " علي وعائلته وسلالته " ونشوء الفرق الإسلامية مع بداية العهد الأموي، وأزمات أخرى في العهد العباسي أبرزها الزندقة التي انتشرت أكثر في عهد ثاني الخلفاء العباسيين " المهدي "، وتمت إعاقة أي مسيرة نحو الأمام بالوعي الثقافي العربي، واتهام المجددين بتهمٍ ساقطة، وانتشرت حركات التكفير وإلى يومنا هذا، وهي تحمل في أبعادها إثارة الحروب والفتن، والقتل المجاني إنتصاراً لعقيدةٍ أحادية دخيلةٍ ومشوّهة، مثل حركة داعش وتنظيمات إرهابية تكفيرية أخرى.

ومن أخطر المؤثّرات السلبية تراجع الوعي الثقافي وغياب العلمية والتقنية والمنهجية، وتراجع المستوى العام للعلم والتربية، وضحالة الإنتاج الفكري، والسقوط في مستنقع ثقافة القشور، وهيمنة الظاهر على الجوهر، وبالتالي غياب الإبداع وإهمال المبادرات الملتزمة والهادفة لمحاولة إستعادة الثقافة العربية أو إعادة بنائها، وهيمنة رأس المال على كل شيء، حتّى على الإبداع الفكري والثقافي والعلمي.

طبعاً لا ننكر بأن القرن الماضي شهد حركات التحرر من الاستعمار ومن ثُمّ كانت هناك جهود مؤكّدة لإعادة بناء الوعي الثقافي العربي من جديد، كما شهدت بعض العواصم العربية إزدهاراً في مجال النشاط الفكري والثقافي ممّا كان له أثراً كبيراً في إيقاظ وتطوير الفكر الثقافي في البلدان العربية الأخرى.

ولكن سرعان ما جاءت نكسة 1967 ليشهد الميدان العربي إحباطاً لا نظير له، في مجال الفكر القومي، والوعي الثقافي.

في بدايات القرن الحالي شهدت المنطقة تراجعاً واضحاً لكل ما يمسّ التحالف العربي والمشاريع القومية، حتّى المشاريع الوطنية فيما يخص كل دولةٍ، وانتشرت أكثر التنظيمات المسلحة الإرهابية التكفيرية المتطرفة في أكثر من مكان، وأصبحت هي سيدة الموقف.

وحصل خلل فاضح في المجال الفكري والمالي والاقتصادي والتربوي، نتج عنه اضطرابات تعذّر على الجميع التكهن بمدّتها كما نتائجها. وانتشرت سياسة وثقافة المجتمع المستهلك بكل ما تعني هذه الكلمة من معنى.

كثرت المحاولات للتخلّص من هذا الواقع والتخفيف من آثاره، ومحاولات العودة إلى الماضي من عاداتٍ اجتماعية وتقاليد التي يرى فيها الوعي الثقافي نفسه من خلال الملمح الأساسي الدال عليه وعلى هويته، بعيداً عن إبتكار منظومة جديدة من القيم تتأقلم مع واقع الحياة الحالية.

آخذين بعين الإعتبار أن الوعي الثقافي العربي انتبه الآن لأهمية الدراسات التي تنظر للمستقبل بشكلٍ علمي، ولكن بشكلٍ خجول، ويُحذّر من مخاطر الواقع بالنسبة للمستقبل، ويؤكّد بأن هناك سيناريوهات متوقعة لقضايا الأمّة وواقعها.

لا بُدّ لنا إلاّ أن نؤكّد بأن غنى الثقافة عند العرب لا يكفي بمفرده لضمان الاستمرارية والسمو بالوعي الثقافي، ما لم يرافقه وعلى الدوام وعي متجد وعلى مختلف المستويات، قادراً على حماية الهوية الثقافية والهوية الحضارية للمجتمع العربي وحمايتها من الانهيار والتلاشي والتآكل في ثقافات أخرى لها مصالحها في الإقليم.

الجميع يشهد في بعض الدول العربية مبادرات ثقافية من خلال مهرجانات أدبية أو فنية أو ثقافية، إلاّ أن الوعي الثقافي العربي يُعاني كثيراً من القصور وعدم الإهتمام، لنأخذ القراءة على سبيل المثال وليس الحصر، فإنّنا نلاحظ تراجعاً كبيراً في هذا المجال وخاصّة عند فئة الشباب، كما نلاحظ إقبالاً كبيراً من نفس الشريحة " الشباب " على مواقع التواصل وعلى محتوياتها السطحية والضبابية.

ومن ناحية أخرى نلاحظ أيضاً تراجع المستوى التعليمي والمناهج المدرسية، والتي تفتقد بناء عقلٍ مُبدع، وبناء مستوى ثقافي وتعليمي وتربوي لدى الطلبة.

مع ملاحظة أن الدعم المادي والمعنوي للفاعلين والمؤسسات الثقافية والقائمين عليها، وعلى مختلف مدارسهم إن كانوا فنانين أو مؤسسات أدبية، أو مؤسسات تعليمية، أو جهات إعلامية، وبنفس الوقت غياب دور ومسؤولية الدولة في مراقبة ودعم هذه المؤسسات وهذه الجهات التي هي بالأساس تعمل تحت غطاء الدولة.

لا بُدّ من التنويه بأن العديد من المجتمعات العربية يسيطر عليها بشكلٍ أو بآخر خطاب ديني متطرف ومتشدد، وخطاب سياسي قمعي، وهذا من شأنه أن يُحاصر أي وعي ثقافي ويفرغه من محتواه أو مضمونه، ويضعه في قوالب ضيّقة ومشوّهة، وهذا بحد ذاته أن يكسب المجتمع المزيد من الإنغلاق والتطرف ورفض كل ما يُخالف السلطة الدينية أو السلطة السياسية.

من خلال المتابعة نُدرك بأن هناك محاولات للنهوض بالوعي الثقافي في مجتمعاتنا العربية، من قِبل جهات شبه رسمية وحكماء ومفكرين، ولكن كل هذه المحاولات تصطدم بشكلٍ مباشر ومفصلي بعدةِ تحديات تحجب هذه المحاولات التي تهدف إلى تنمية الوعي الثقافي كواقعٍ يُعاني من الانغلاق والتشتت.

وإذا تناولنا أبرز هذه التحديات التي تواجه الوعي الثقافي العربي، نرى أن المؤسسات التعليمية في الإقليم تعتمد بشكلٍ مباشر على خاصيّة التلقين، بعيداً عن التفكير والنقد والحوار، كل الدول المتقدمة تستخدم الأساليب التعليمية المتطورة، التي تسمح للطالب بالوصول إلى المعلومة بشكلٍ مُبسّط ورائع، وتجعل منه مُبدعاً في مجاله.

كما أن غياب الإعلام الهادف عن الساحة العربية، حال كونه رهينة آراء مراكز القرار في الأنظمة العربية، وفق مصالحهم ومكاسبهم وأجنداتهم المعمول بها، وهذا ممّا يُغيّب الوعي الثقافي الجاد عن المجتمع وكل مواطن.

إضافة إلى ثقافة تجّار المواقف وترويج الثقافة الإستهلاكية التي من شأنها نشر وترويج سلوكياتٍ مستوردة بعيداً عن قيم وثوابت المجتمع، كي تسود الثقافة المهترئة والضبابية.

آخذين بعين الإعتبار الفجوة الثقافية المتباينة بين فئة الشباب وكبار السن، حيث ينظر الشباب إلى ثقافة كبار السن بأنها لا تُمثّلهم، وبنفس الوقت ينظر كبار السن إلى ثقافة الشباب بأنها مُريبة، وهذا من شأنه أن يخلق خللاً ثقافياً في أطياف المجتمع الواحد.

إنّ مسألة الوعي الثقافي العربي هي ليست عملية مُستوردة أو مُسبقة الصنع، كما أنها ليست ترفاً، بل هي ضرورة ملحّة بالنسبة للوطن وللإنسان وللأمّة.

لذا لا بُدّ من وضع برامج جادةٍ لإصلاحِ المؤسسات التعليمية وبتر الفساد فيها، لتصبح هذه المؤسسات منارة للثقافة والفنون والتربية والعلوم، ومركزاً جاداً لتنمية كل المواهب والمهارات والإبداع في مجال التفكير الحر والنقد البنّاء.

كما لا بُدّ من بذلِ كلّ الجهود المثمرة بهدفِ تمويلِ كلّ أشكال الفنون والمكتبات والفنون لتأخذ دورها كاملاً، وتشجيع كلّ مجالات الإنتاج الإبداعي لدى الشباب بشكلٍ خاص.

والارتقاء بالمؤسسات الإعلامية والثقافية وبتر تبعيتها العمياء للسلطة، لتكون فعلاً متخصّصة في كل مجالات الوعي الثقافي وتنميته، وتنتج المحتوى الجذّاب الملتزم والهادف الذي يُخاطب كلّ مُكوّنات وأطياف المجتمع.

وبالتالي سينتج عن هكذا مسار ولادة ثقافة الحوار بين كلّ أفراد المجتمع، وكذلك الحوار الخارجي مع الثقافات الأخرى، بهدفِ بناء ركيزةٍ أساسية لبناء ثقافة الحوار والتسامح والتعايش والانفتاح الإيجابي مع الآخر وعلى الآخر.

ومن الضرورة بمكان التوظيف الإيجابي والفعلي للأدوات الرقمية لنشر الثقافة بشكلٍ شاملٍ وواسع ليكون سهل الوصول لكافة أفراد المجتمع، وبشكلٍ خاص فئة الشباب.

إنّ الوعي الثقافي هو بمثابة خط المواجهة الفعلية، وخط الدفاع الأول والأساسي بهدفِ الحفاظ على الهوية الوطنية، وهو البوصلة والضمانة الأساسية والحقيقية لكل خطوةٍ تنموية أو حضارية، فيما إذا كانت الدول العربية أو المجتمعات العربية تتطلّع وبكل طموح للعب دورٍ حقيقي وفاعل في هذا العالم المتغير على الدوام وفق مصالحه ورؤيته.

لذا لا بُدّ من أن نخطو الخطوة الأولى التي تبدأ بعملية بناء الإنسان الواعي ثقافياً، وتحرير العقل العربي، والفكر العربي، الذي يُدرك تاريخه ويتواصل مع حاضره ويطمح لمستقبله الأفضل.

لا بُدّ من مساءلة النفس البشرية، ومراجعة موروثاتها، وتحليل أبعادها، وامتلاك مهارات التفكير السامية، لتتوفّر لدينا المرونة بالتفكير، وتجاوز حالة التطرف والتشدد الفكري التي تحيل دون تطور الإنسان وفكره الإنساني.

التحدّي أمامنا الآن، فيما إذا كُنّا نستطيع تحويل تراثنا إلى قوة فكرية ثقافية تملك القدرة على المنافسة بكلِ مهارةٍ وإبداع، حينها فقط نكون قد ملكنا مفاتيح مستقبلنا المنشود.

***

د. أنور ساطع أصفري

في أفريقيا جنوب الصحراء.. قراءة تحليلية في البيان الختامي للمؤتمر الدولي للغة العربية بالكاميرون

مدخل: يتشكل المشهد اللغوي في القارة الإفريقية كفضاء سيميائي معقد، تتداخل فيه الأبعاد الهوياتية بالرهانات الجيوسياسية. وفي هذا السياق، لم تعد اللغة العربية في إفريقيا مجرد وعاء للطقوس، بل تحولت إلى ركيزة أساسية في مشروع النهوض الحضاري للقارة.

يأتي هذا البحث ليتناول بالتحليل المنهجي مخرجات المؤتمر الدولي الأول للغة العربية بجامعة في الكاميرون (ديسمبر 2025)، بوصفه لحظة فارقة دشنت انتقال اللغة العربية من "الحيز الوجداني" إلى "المجال الاستراتيجي".

إن الوثيقة الختامية لهذا المؤتمر لا تقف عند حدود التوصيات الأكاديمية التقليدية، بل تمثل "مانيفستو حضاري" يسعى لفك الارتباط بين العربية والارتهان التاريخي للغات الاستعمارية، مكرسةً مفهوم "العربية التنموية". ومن هنا، تسعى هذه الورقة إلى تفكيك المسارات التي رسمها المؤتمر، بدءاً من رقمنة المخطوطات (الأدب العجمي) وصولاً إلى مأسسة اللغة في النظم التعليمية، وذلك لاستشراف دور العربية كأداة للدبلوماسية الثقافية والتكامل الإفريقي في أفق العقد القادم."

أساسيات البحث

لإضفاء الصبغة العلمية على ورقتك، يجب إدراج العناصر التالية عقب المقدمة مباشرة:

1. مشكلة البحث

تكمن المشكلة في وجود فجوة بين القيمة التاريخية للغة العربية في إفريقيا جنوب الصحراء وبين واقعها المؤسسي والقانوني المعاصر. ويسعى البحث للإجابة على التساؤل الرئيس: كيف يمكن لمخرجات مؤتمر نغاوندري 2025 أن تشكل خارطة طريق لتمكين اللغة العربية مؤسساتياً وتنموياً في القارة؟

2. أهداف البحث

تأصيل القيمة: تبيان التحول النوعي في وظيفة اللغة العربية من "لغة تعبد" إلى "لغة تنمية واقتصاد معرفي".

تحليل المسارات: استعراض الآليات العملية (أكاديمياً وسياسياً) لتنفيذ توصيات المؤتمر.

استشراف المستقبل: وضع تصور لدور الشراكات الدولية في تعزيز حضور العربية في الفضاء الإفريقي.

3. منهجية البحث

المنهج التحليل الوصفي: لتحليل بنية البيان الختامي للمؤتمر وتفكيك مضامينه.

المنهج الاستشرافي: لمحاولة قراءة مآلات تطبيق هذه التوصيات على المدى المتوسط والبعيد.

4. أهمية البحث

تستمد الدراسة أهميتها من كونها تواكب حدثاً علمياً آنياً (مؤتمر 2025)، وتقدم إطاراً نظرياً لصناع القرار في المؤسسات التعليمية والدبلوماسية لإعادة دمج العربية في النسيج الرسمي للدول الإفريقية.

المحور الأول: التعليق العلمي (أنسنة البحث العلمي وإحياء التراث العجمي).

يمثل "إعلان المؤتمر الدولي للغة العربية بالكاميرون" خارطة طريق عملية لتمكين اللغة العربية كرافعة للتنمية والأمن السلمي في القارة السمراء، مما يجعل جامعة نغاوندري قطباً أكاديمياً ريادياً في قيادة هذا التحول الحضاري.

وثيقة استراتيجية تؤسس لمرحلة جديدة من "الدبلوماسية الثقافية واللغوية" في القارة الإفريقية:

تُعد مخرجات مؤتمر جامعة نغاوندري بالكاميرون (ديسمبر 2025) وثيقة استراتيجية تؤسس لمرحلة جديدة من "الدبلوماسية الثقافية واللغوية" في القارة الإفريقية. فيما يلي تعليق علمي وقراءة تحليلية استشرافية لهذا البيان:

أولًا: التعليق العلمي (القيمة الأكاديمية والحضارية)

- يأتي هذا البيان ليعيد الاعتبار للغة العربية ليس بوصفها "لغة وافدة"، بل كجزء أصيل من النسيج الهوياتي لإفريقيا جنوب الصحراء.

- التحول من "اللغة التعبدية" إلى "اللغة التنموية": ركز البيان على ربط العربية بالتنمية المستدامة والاقتصاد المعرفي، وهو انتقال ذكي يخرج اللغة من حيز الدراسات اللاهوتية أو التاريخية الضيقة إلى رحاب العلوم الاجتماعية والاقتصادية.

- أنسنة البحث العلمي: دعوة المؤتمر إلى "التجرد المعرفي" وتجنب القراءات الطائفية تعكس وعيًا عميقًا بالتحديات السوسيولوجية في إفريقيا، حيث يسعى المؤتمر لتقديم العربية كأداة "سلم اجتماعي" وتواصل حضاري عابر للاختلافات العرقية والدينية.

- السيادة المعرفية: الحث على جمع وتحقيق المخطوطات الإفريقية المكتوبة بالعربية (العجمي وغيره) يمثل خطوة نحو استعادة "السيادة المعرفية" لإفريقيا، وتصحيح السردية التاريخية حول إسهام القارة في الحضارة الإنسانية.

ثانياً: القراءة التحليلية الاستشرافية:

بناءً على توصيات وقرارات مؤتمر "نغاوندري 2025"، يمكن استشراف المسارات التالية:

1. مؤسسة التعاون "الأكاديمي-الإفريقي" (الشبكة العلمية):

يُتوقع أن يؤدي قرار إنشاء "شبكة علمية إفريقية" إلى كسر العزلة بين الباحثين في دول الساحل وغرب إفريقيا مع نظرائهم في شمال إفريقيا والعالم العربي. استشرافياً، قد تتحول هذه الشبكة إلى "مرصد إفريقي للغة العربية" يشرف على معايير الجودة في المناهج التعليمية وتوحيد المصطلحات.

2. التحول الرقمي والتراث المخطوط:

- التوصية بجمع التراث العلمي ستدفع نحو مشاريع "الرقمنة الشاملة". نتوقع في السنوات الخمس القادمة ظهور منصات رقمية كبرى.

- تتيح المخطوطات العربية الإفريقية للباحثين حول العالم، مما سيفجر ثورة في "الدراسات البينية".

3. تعريب "التنمية" والوساطة الثقافية:

من خلال التأكيد على دور العربية في الإعلام والاقتصاد، يتجه الاستشراف نحو ظهور جيل من المهنيين الأفارقة (دبلوماسيين، تقنيين، ورجال أعمال) يستخدمون العربية كـ "لغة عمل".

4. التعددية اللغوية كصمام أمان:

القراءة التحليلية تشير إلى أن المؤتمر يتبنى نموذج "التعدد اللغوي المتناغم". العربية هنا لا تصادم اللغات المحلية، بل تتكامل معها (مثل السواحيلية، الهوسا، والولوف). هذا التوجه سيقلل من حدة الصراعات الهوياتية ويخلق فضاءً ثقافياً مشتركاً يدعم "ثقافة التعايش" التي دعا إليها البيان.

ثالثًا: متطلبات التنفيذ (خارطة طريق)

لتحويل هذه التوصيات إلى واقع ملموس، يتطلب الأمر:

- تفعيل "اللجنة العلمية للمتابعة": لضمان عدم بقاء التوصيات حبيسة الأدراج، وربطها بجداول زمنية وميزانيات محددة.

- الشراكات الدولية: الانفتاح على الجامعات العربية المرموقة لتمويل كراسي علمية متخصصة في "الأدب العربي الإفريقي" بجامعة نغاوندري.

- الاستثمار في الترجمة: إطلاق حركة ترجمة واسعة من العربية إلى اللغات المحلية الإفريقية وبالعكس، لتعزيز التفاعل الثقافي الحي.

المحور الثاني: القراءة الاستشرافية

القرارات الختامية:

أولاً: التعليق العلمي (القيمة الأكاديمية والمؤسسية)

- تجاوزت قرارات مؤتمر نغاوندري 2025 الإطار التقليدي للمؤتمرات العلمية التي تنتهي بانتهاء جلساتها، لتنتقل إلى "مأسسة الفعل الثقافي العربي" في الكاميرون والمنطقة، ويتجلى ذلك في:

- الاستدامة الدورية: تحويل المؤتمر إلى "تقليد علمي دوري" ينفي صفة الموسمية عن الجهود الأكاديمية، ويضمن تراكم الخبرات البحثية بين الجامعات الإفريقية.

- المرجعية الوثائقية: اعتماد "بيان نغاوندري" كمرجعية علمية يحول مخرجات المؤتمر من مجرد توصيات إلى "وثيقة سياسات لغوية" يمكن الاحتجاج بها في المحافل الأكاديمية والدولية.

- آلية التنفيذ: تشكيل لجنة علمية للمتابعة يعكس إدراكاً عميقاً بضرورة الربط بين البحث العلمي والواقع التطبيقي، لضمان عدم بقاء التوصيات حبيسة الأدراج.

ثانياً: القراءة التحليلية الاستشرافية (آفاق المستقبل)

تستشرف هذه القرارات مستقبلاً واعداً للغة العربية في القارة الإفريقية، يمكن قراءته عبر المسارات التالية:

1. مسار القيادة الأكاديمية (التناوب الجامعي):

إن إقرار مبدأ "التناوب مع جامعات إفريقية أخرى" يستشرف تشكيل "شبكة أكاديمية إفريقية للغة العربية". هذا التوجه سيؤدي إلى تذويب العزلة بين الأقسام العلمية في دول الجوار (مثل تشاد، نيجيريا، والنيجر)، مما يعزز من مكانة جامعة نغاوندري كقطب إشعاع حضاري في عمق القارة.

2. مسار التمكين والشرعنة (الرفع للجهات الرسمية):

استشرافياً، تهدف هذه الخطوة إلى إدماج اللغة العربية بشكل أعمق في المنظومات التعليمية والسياسية بصفة العربية "لغة تنمية وتعايش" لا لغة طقوس دينية فحسب. هذا سيفتح الباب مستقبلاً أمام اعترافات رسمية أوسع بالشهادات الجامعية العربية وتوظيف خريجيها في سلك الدبلوماسية والإدارة.

3. مسار الهوية والوعي المجتمعي (الدور الإعلامي):

التركيز على وسائل الإعلام يشير إلى استراتيجية "تطبيع" وجود اللغة العربية في الفضاء العام الإفريقي. التوقع المستقبلي هنا هو كسر الصورة النمطية للعربية، وتقديمها كأداة للتواصل الحضاري والبحث العلمي الحديث، مما يزيد من إقبال الأجيال الشابة (غير الناطقة بها أصلاً) على تعلمها.

4. مسار السلم الاجتماعي (ثقافة التعايش):

ربط اللغة العربية بقيم "التعايش السلمي والتنمية" في البيان الختامي هو قراءة استباقية للتحديات الأمنية في منطقة الساحل وجنوب الصحراء.

إن العربية هنا تُطرح كـ "لغة وسيطة" قادرة على تعزيز الحوار وتفنيد خطابات الغلو، مما يجعل استقرار المنطقة مرتبطة جزئياً بتمكين لغة الحوار والحضارة.

***

د. خليل حمد الأزهري - مدينة ماروا-الكاميرون

 

(إنْ كُنَّا صادقين!)

في لقاءٍ حواريٍّ أجراه معي المذيع (الأستاذ ماجد العمري)- في برنامج «الثقافة اليوم»، بُثَّ مساء الخميس 26/ 2/ 1436هـ، عبر (القناة الثقافيَّة)، بمناسبة (اليوم العالمي للُّغة العربيَّة)- كنتُ أرى أنَّ المناسبة قد باتت أشبه ببكائيَّةٍ تأبينيَّةٍ للعَرَبيَّة؛ حتى إذا انفضَّ السامر، لم ينتج له من تأثيرٍ عمليٍّ للنهوض بسيِّدة اللُّغات. وتمنَّيتُ يومها تحويل (مركز الملك عبدالله بن عبد العزيز الدولي لخدمة اللُّغة العَرَبيَّة) إلى مجمعٍ للُّغة العَرَبيَّة، طال انتظاره. وهو ما تحقَّق بعد ستِّ سنوات، بتأسيس (مجمع الملك سلمان العالمي للُّغة العَرَبيَّة)، في 13 محرم 1442هـ. كأنَّما لأُعيد النظر في الزعم بأنَّ (اليوم العالمي للُّغة العَرَبيَّة)، لا يعدو تأبينًا للعَرَبيَّة، لا يُلمَس له من تأثيرٍ عملي.

غير أنَّ إنشاء المؤسَّسات اللُّغويَّة لا يُغني عن تفعيل قراراتها في الحياة الواقعيَّة العامَّة، ولا عن بثِّ الوعي، وفرض مقتضياته. وإلَّا فكم من المجامع والمراكز أقيمت في دولٍ عَرَبيَّةٍ، سبقتنا في هذا المضمار، وما برحت العَرَبيَّة فيها في انحدارٍ متواترٍ مُريع، إذا قارنت بين الحال فيها قبل عقودٍ فقط وحالها اليوم، أدركتَ هولَ الهاوية.

وإذا كانت للُّغة العَرَبيَّة قداستها، بوصفها لُغة «القرآن الكريم»، فإنَّ مفهوم قداسة اللُّغة ليس بالضرورة دِينيًّا فحسب، بل هو قوميٌّ وحضاريٌّ أيضًا. والأُمَّة التي لم تَعُد تشعر بهذا الشعور إزاء لُغتها أُمَّةٌ ميتة، أو قد فقدت عُذريَّتها، وشَرَفَها، واحترام وجودها.  نعم، هناك من يُروِّج لمقولةٍ فحواها: أنَّ مكانة اللُّغة رهينة مكانة أهلها، وأنَّ انحطاط العَرَب وراء انحطاط العَرَبيَّة؛ وإذن، فإنَّ حال العَرَبيَّة اليوم حالٌ طبيعيَّة، لا ينبغي أن نشكو منها، ولا أن ندعو إلى تغييرها؛ ما دامت لن تتغيَّر أصلًا حتى يُغَيِّر العَرَب ما بأنفسهم من تخلُّفٍ وتَبَعيَّة. ومن ثَمَّ فإنَّ علينا- بحسب رأي هؤلاء المرجئة- انتظار أن يُصبح العَرَب دولةً عُظمَى، ويومئذٍ ستُصبح لغتهم لغةً عظمى كذلك، هكذا تلقائيًّا. وهو ظاهر حقٍّ، ربما أريد به باطلٌ باطن، أو انطوى على ذلك الباطل، عن قصدٍ أو عن غفلة. ذلك أن جدليَّة اللُّغة والحضارة هي كجدليَّة البيضة والدجاجة، من العُقم البيزنطي في الجدال القولُ بأنَّ إحداهما أهمُّ من الأخرى، أو أسبق منها. من حيث إن ثَمَّة تفاعلًا بنيويًّا عضويًّا بين اللُّغة والحضارة؛ فلا لُغة ناهضة بلا حضارةٍ ناهضة، ولا حضارة ناهضة بلا لُغةٍ ناهضة. على أنَّه إنْ كان للمفاضلة بين هذين الركنين في البناء الاجتماعي من وجه، فسنجد في اللسانيَّات ما يؤيِّد أوَّليَّة اللُّغة على الفِكرة. بل القول: إنَّه لا فكرة بغير كلمة، وأنَّ الفكرة تتأثَّر تشكُّلًا بطبيعة الكلمة. ومن هنا لم يكن عبثًا أن يهتمَّ الوعيُ الحضاريُّ باللُّغة أوَّلًا، وإنْ كانت المعطيات الصناعيَّة، والأسباب التقنيَّة، والروافع الحضاريَّة، والمكانة العالميَّة ما تزال في الحضيض. لأجل ذلك أحيت دولةٌ كالدولة الصهيونيَّة، على سبيل المثال، اللغةَ العبريَّةَ، الميِّتة منذ آلاف السنين.. بل من المشكوك فيه أنها كانت لغةً حيَّةً أو سائدةً في المجتمع العبراني أو اليهودي حتى قبل آلاف السنين تلك. أحيتها الصهيونيَّةُ وفرضتها فرضًا داخلَ كيانها المحتل، ولم يُسعفها فلاسفتها اللغويُّون الكُثر- ككثرة صوت (الخاء) في الكلمات العبريَّة- بمثل ما يُسعفنا به بعض متحذلقي العُربان لإرجاء ذلك ريثما تصبح الدولة دولة عظمى! من حيث رأى العِبران- بخلاف العُربان- اللُّغةَ أساسًا أوَّليًّا في مشروعهم البنائي، أيديولوجيًّا وحضاريًّا.

وإذا كنَّا نتذرَّع في مواجهة ضعف اللُّغة العَرَبيَّة- المنكوبة بمَن يُفترض أنَّهم أولادها المعاصرون- مقارنة بغيرها في العالم المعاصر، قائلين إنَّ الحضارة الغربيَّة قد فرضت لُغاتها، ولا سيما الإنجليزيَّة والفرنسيَّة، بفعل التقنية والإعلام، فإنَّنا- نحن العَرَب في المقابل- لا نكاد نفعل شيئًا في خدمة العَرَبيَّة، سِوَى التغنِّي بالماضي، ورفع الشعارات الفارغة، التي يناقضها الواقع التطبيقي في تعليمنا وإعلامنا، فضلًا عن شوارعنا وأسواقنا وحياتنا العامَّة والخاصَّة، أفرادًا وجماعات ودُوَلًا. حتى إنَّ السياحة، التي يُفترض أنها فرصة للمثاقفة الإنسانيَّة، وتعريف الآخَر بما لدينا، إنَّما نستقطب من خلالها الآخَر إلى ديارنا لنُقَدِّم إليه ثقافته هو! وبلغته هو! وكأنَّنا لا نعدو خدمًا لثقافات الآخَرين ولُغاتهم! إلى درجة أنَّنا نُسمِّي للسائح الأماكن في بلداننا، والفعاليَّات المقامة، والمنتجات المختلفة بتسمياته هو! فأيَّة خيبة حضاريَّة مرَّت بالعَرَب كخيبتهم المعاصرة. لقد كان العَرَبيُّ الجاهليُّ- بفطرته- أكثر وعيًّا حضاريًّا، وبمراحل ضوئيَّة، من العَرَبيِّ المعاصر؛ فلم يأخذ من لغات غيره إلَّا لضرورةٍ وبتعريب. والسبب أنَّ العَرَبيَّ القديم كان إنسانًا طبيعيًّا، حُرًّا، مستقِلًّا ثقافيًّا، يستشعر انتماءه القومي، وتحدِّي القوميَّات المحيطة به، على حين أنَّ العَرَبيَّ المعاصر إنَّما يقتات على فتات الآخَر، ولا يستشعر خلال ذلك إلَّا بدونيَّته إزاء القُوَى الغالبة، وتبعيَّته الوجوديَّة والأبديَّة لذلك الأزرق العينَين؛ غاية طموحه في الحياة أن يرضى عنه، ويعترف بحضوره معه على الكوكب الأرضي، وبأيَّة كيفيَّة! لماذا؟ لأنَّ العربيَّ المعاصر بات مستلَبًا، وكائنًا مدجَّنًا، مستعمَرًا، عسكريًّا، وحضاريًّا، وثقافيًّا، ولُغويًّا، وقيميًّا. رضخ للتوجيه العتيق لجَدِّه (الحُطيئة):

دَعِ المكارِمَ، لا تَرْحَلْ لِبُغْيَتِها

واقْعُدْ، فَإِنَّكَ أَنْتَ الطَّاعِمُ الكاسِي!

-2-

حتى إذا التفتَّ إلى التعليم اللُّغوي وجدته من البؤس بحيث لا يعدو في أحسن أحواله وأرقاها ترديد السَّلَف عن الأسلف منهم. ولنضرب هنا مثالًا واحدًا نموذجيًّا من ذلك الباب العام في التوارث والترديد، وليكن من خلال تقليد (ابن هشام النحوي)، بترديده، واجتراره ما سلف، وشغفه بالإغراب، الذي لا ينكره لديه ولدى أضرابه إلَّا مكابر، أُشْرِب عِشق الموروث. ولقد تخطَّى هذا النموذج النحوي في الترديد الشواهد، والآراء، إلى اللُّغة والاصطلاح.  خذ مثالًا من جملة «سعيد كُرْز»، التي يكرِّرها في كتبه، في مواطن مختلفة، موروثًا عتيقًا عن (سيبويه، -180هـ)، صاحب «الكتاب»، أو راويه عن (الخليل).  وإنَّما يحمله على هذا، إضافة إلى ثقافة الترجيع عن السَّلف، إعجابه بمفردة (كُرْز) هذه.  وما زال النحويُّون يردِّدون هذا المثال إلى الآن، ويتنازعون في الإعراب من حوله، لأكثر من ألف سنة وقرنين.  وأذكر هنا كم شغلنا هذا (الكُرْز) الذي يمثِّل به النحويُّون، ونحن طلبة، ولاسيما في باب عطف البيان والبدل! كأنَّ العَرَبيَّة ضاقت بهم بما وسعت، فلم يجدوا عبر العصور كلمةً أخرى.  كنا نتساءل: أهذه كلمة عربية أصلًا؟ أم أعجميَّة؟  ومَن الأستاذ (سعيد كُرْز)، بسلامته، الذي شغلَ حيِّزًا من كلام النُّحاة، منذ «إمامهم الأكبر» حتى اليوم؟ وكان الأساتيذ لا يحيرون جوابًا، ومع ذلك يظلُّون يُردِّدون ويُردِّدون، كما يُرَدِّد العابد طقسًا دينيًّا، فَهِم أم لم يَفهم. والكُرْز: خُرْج الراعي. فما الذي منعهم أن يقولوا: «سعيد خُرْج»، إنْ كان لا بُدَّ من هذا المعنى؟!  لا شيء سِوَى التقليد الأعمى. ونحن نكاد لا نجد لمفردة (كُرْز) ذِكرًا في الشِّعر العَرَبي قبل الإسلام، إلَّا في قول (تأبط شرًّا):

وَجَدتُ ابنَ كُرْزٍ تَستَهِلُّ يَمينُهُ

ويُطلِقُ أَغلالَ الأَسيرِ المُكَبَّلِ

أو قول (هند بنت حذيفة الفزاريَّة):

لَقَد نالَ كُرْزٌ يَومَ حاجرَ وَقعَةً

كَفَتْ قَومَهُ أُخرَى اللَّيالي الغَوابِرِ

هذا نموذج. وقِسْ عليه ما شئت في تعليمنا اللُّغوي الجامعي أو ما قبل الجامعي. ذاك لأنَّ ديدن النُّحاة: الإغراب، والاجترار، مع هوسٍ بالتماس ما يُضفي هالة من الغموض على مادَّتهم، بأيَّة صُورة من الصُّوَر، بكُرْز وبغير كُرْز، وهو ممَّا يدهش له المرء في سلوكهم المتوارث. والنتيجة معروفة: ماثلة في نظرة الناس إلى العَرَبيَّة وعلومها، كافيك عن الإقبال عليها، أو حبِّها، ولا تَسَلْ عن تعلُّمها واستعمالها.

-3-

ثمَّ يأتي شأن الكتابة والإملاء، ويأتي إهمال ضبط الكلمات، ضِغثًا على إبَّالة. من آيات هذا، مثلًا، تلك الياءات المِصْريَّة، التي تُكتَب في كوكب الكنانة، حفظه الله، ألفًا مقصورة! ولا عزاء للقارئ العَرَبي ولا للُغته! حتى إذا جاء منهم من يُعجِمها، خلط بين الياء والألف، كما يخلط أرباب نطق الذال زايًا بين الحرفَين، فإذا هم ينطقون الزاي ذالًا.(1) مثال ذلك إعجام (أحمد محمَّد شاكر) و(عبدالسَّلام محمَّد هارون) الياء في «مفضَّليات» (الضَّبي)، وذاك حَسَن منهما، مع أنه نادرٌ أن يصدر عن مطبعةٍ مِصْريَّة نصٌّ فيه ياء معجمة. فلعلَّ طبعة (دار المعارف بالقاهرة، 1964) للمفضَّليات من نوادر المطبوعات المِصْريَّة التي تُنقَط فيها الياء! ويبدو أنَّ المحقِّقَين الكبيرين قد عانيا للتمرُّد على ذلك الواقع المرسَّخ في الإملاء المِصْريِّ؛ بدليل أنهما أحيانًا كانا يُعجِمان أيضًا الألف المقصورة، بعد أن تشابهت عليهم الحروف!  فتجد بيت (عَوف بن الأَحْوَص) هكذا:

مُلُوكٌ [علي] أَنَّ التَّحِيَّةَ سُوقَةٌ

أَلاياهُمُ يُوْفَـى بِها ونُذُورُهـا(2)

وقد صارت «على»: «علي»، (بالياء)!  أو في قصيدة أخرىٰ، حيث تقرأ:

كُفَّ خَدَّاهُ [علي] دِيبَاجَةٍ

و[على] المتْنَيْنِ لَوْنٌ قَدْ سَطَعْ(3)

وهذا مثال أيضًا، كمثال (كُرْز) السابق في عالم النحاة. هو بدَوره من شواهد المكابرة، والتنطُّع، والتمسُّك بما وُجِد عليه الآباء، من صائبٍ وخاطئ. وإلَّا لو كُتِب الحرفان هنا برسمَين مختلفَين، يميزان بين الألف والياء، كما هو الأصل، وكما يكتب العَرَب في سائر الأقطار العَرَبيَّة، لما وقعت الواقعة، ولا أشكلت كتابة مثل هذه الكلمات في كتاب «المفضَّليات»، ومن محقِّقَين عَبْلَين!

وليست من غايتنا الاستقصاء، ولكن لا تنس، ختامًا، الخلط الفاشي بين الألف الممدودة والألف المطويَّة، أو المقصورة. ولستُ أدري ما سِرُّ غرام المعاصرين بالألف المدودة؟ حتى إنَّ بعض النساء تكتب اسمها: (نورا)، وهي (نورة)! أو (غادا)، وهي (غادة)! أتلك محاكاة لمنطوق لغات أخرى؟! ثمَّ خذ، مثالًا، من غير أسماء النساء، من أسماء أحياء (الرِّياض)، وهو ما يُسمَّى (حي المَلْقَا).. فما معناه؟! وإنَّما هو (المَلْقَى)، بالألف المقصورة، لكنَّه الغرام الذي أشرنا إليه بالألف الممدودة، وكأنَّ الذي يكتب لنا الأسماء (الخواجة كرياكو)!  إذ يبدو أنَّ هذا المكان كان مَلْقَى أودية، أي ملتقاها. فالمَلْقَى، في اللُّغة، ملتقَى شيئين، عمومًا. جاء في اللُّغة، مثلًا: (المَلْقَى): ملتقَى الوعول من الجبال ومكان إقامتها، تستعصم به من الصيَّاد. وقيل: المَلْقَى: أعلى الجبل، والجمع الملاقي.  قال الشاعر، في هذا المعنَى:

ونِعْمَ مَلْقَى الرِّجالِ مَنْزِلُهُمْ

ونِعْمَ مَأْوَى الضَّرِيكِ في الغَبَسِ(4)

**

وهكذا حيثما وليتَ وجهك وجدت العَرَبيَّة التي يُشوِّهها مَن يُفترض أنهم أولادها ويُعوِّقوها، بدءًا من النقطة فالحرف، وصولًا إلى الكلمات فالجُمَل.

فما جدوَى الاحتفاء باليوم العالمي للُّغة العَرَبيَّة، الذي نجترُّه كلَّ عامٍ منذ سنين عددًا، ما لم يتمخَّض عن مراجعاتٍ جادَّة، في التعليم والإعلام والحياة الثقافيَّة والعامَّة، لمحاولة إصلاح ما أفسدته الدهور وأهلُها من سَويَّة لُغتنا العَرَبيَّة المجيدة، إنْ كنَّا صادقين؟!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

.....................

(1)  لهذا تجد كلمة «جازع» قد صارت «جاذع»، في ديوان (أبي تمَّام، بشرح الخطيب التبريزي، تحقيق: محمَّد عبده عزَّام، (القاهرة: دار المعارف، 1983)، 4: 39/ 8)، في بيته:

أَلَّا يُعَزَّى جَازِعٌ بِحَمِيمهِ

حتَّى يُعزَّى أوَّلًا بِعَزائِهِ

أمَّا لماذا لم تُقلَب الزاي ذالًا في «يُعزَّى بِعَزائِهِ»؛ فذلك لأنَّ الخلط لا يقع لدَى هؤلاء في جميع الكلمات الزائيَّة، ولكن في بعضها؛ فترى أحدهم يُخرِج لسانه للنُّطق بالذال، توقِّيًا لمغبَّة الوقوع في الخطأ اللَّهجي. ومثل هذا يقع لدينا في دول (الجزيرة العَرَبيَّة) و(الخليج العَرَبي) و(العراق) في الخلط بين نُطق الضاد والظاء.

(2)  الضبِّي، المفضَّل، (1979)، المفضَّليات، تحقيق وشرح: أحمد محمَّد شاكر وعبد السلام محمَّد هارون، (القاهرة: دار المعارف)، 178/ 14.

(3)  م.ن، 196/ 52.

(4)  يُنظَر، مثلًا: الزَّبيدي، تاج العروس، (لقي)، (غبس).

لم يعد البُعد اللغوي الذي نلاحظه بين جيل اليوم ولغته الأم مجرد ظاهرة لغوية بسيطة أو مسألة تعليمية يمكن حلها بتغيير مناهج أو إضافة دروس. فقد أصبح هذا الابتعاد ظاهرة اجتماعية وثقافية عميقة، تشكّل جزءًا من التحولات الكبرى التي يعيشها العالم المعاصر. وفي قلب هذه الظاهرة تقف اللغة العربية، التي كانت يوماً العمود الفقري للهوية والتعبير والمعرفة في المجتمعات العربية، فإذا بها تواجه الآن تحديًا وجوديًا حقيقيًا يتمثل في مشاركة لغات ولهجات وأساليب تواصل جديدة لها في الفضاء العام. والسؤال الذي صار يفرض نفسه على كل باحث ومربي ومثقف هو: لماذا يبتعد جيل اليوم عن لغته الأم؟ وهل هذا الابتعاد هو نتيجة تقصير، أم أنه تحوّل طبيعي في سياق سوسيولوجي جديد لا يمكن تجاهله؟

لقد شهدت العقود الأخيرة سلسلة من التحولات الاجتماعية التي أعادت تشكيل علاقة الأجيال باللغة. فالعائلة العربية التي كانت تُعَد أول مدرسة لغوية للطفل تغيّر دورها تدريجيًا. لم تعد جلسات الأمسيات العائلية التي يتداول فيها أفراد الأسرة الحكايات والأمثال والتعابير الشعبية موجودة بالشكل الذي كانت عليه. حلّت الشاشات محلّ الوعي اللغوي المباشر، وحلّت المشاهد المصوّرة محل اللغة المنطوقة، وتقلّصت مساحة الحوار داخل البيت. هذا الفراغ اللغوي العائلي انعكس بشكل مباشر على لغة الأجيال الجديدة، التي لم تعد تتلقى المدخلات اللغوية الغنية التي كانت سمة البيئات العربية التقليدية.

ثم جاءت التحولات المدرسية لتضيف عنصرًا جديدًا إلى المشهد. فالتعليم العربي المعاصر يعاني من ازدواجية لغوية واضحة بين لغات التدريس ولغة الهوية. ففي العديد من البلدان العربية، يتم تدريس العلوم والرياضيات والبرمجة بلغات أجنبية، غالبًا الإنجليزية أو الفرنسية. وهذا يعني أن الطفل يتعلم التفكير العلمي بلغة، والتعبير العاطفي بلغة أخرى، والتواصل الاجتماعي بلغة ثالثة. هذه الازدواجية لا تُنتج تراجعًا لغويًا فحسب، بل تُنتج انقسامًا ذهنيًا بين هويات لغوية متوازية لا تتكامل. ومع مرور الوقت، يصبح الطالب أكثر ميلاً إلى اللغة التي تمنحه فرصًا تعليمية ومهنية أكبر، وأقل ميلًا إلى لغته الأم التي يراها محصورة في الأدب أو المحادثة اليومية.

كما لا يمكن فصل ابتعاد جيل اليوم عن اللغة العربية عن التحول العالمي في وسائط التواصل. فقد أصبح جزء كبير من حياة الشباب يدور في فضاءات رقمية، من مواقع التواصل الاجتماعي إلى الفيديوهات القصيرة إلى الألعاب الإلكترونية. وهذه الفضاءات لا تعترف بالفصحى ولا تمنحها مكانًا مريحًا. إذ إن اللغة السريعة المختصرة، الممزوجة بالإنجليزية غالبًا، أصبحت هي اللغة السائدة في هذه العوالم. وهكذا نشأت لغة هجينة جديدة تبتعد كثيرًا عن العربية الفصيحة، وتميل إلى العاميات والتعابير الأجنبية والرموز. والمشكلة ليست في وجود هذه اللغة الهجينة في حد ذاتها، فكل مجتمع يصنع لغته الرقمية. المشكلة أن هذه اللغة أصبحت تشكّل النسيج اللغوي اليومي للجيل الجديد، بينما تراجعت الفصحى إلى المناسبات الرسمية أو الامتحانات أو البرامج الثقافية.

والواقع أن وسائل التواصل الاجتماعي قد غيرت وظيفة اللغة في المجتمع برمّته. لم تعد اللغة أداة للتفكير العميق والنقاش الطويل، بل أصبحت أداة سريعة للرد والتفاعل والمشاركة اللحظية. وكلما قلّ زمن التفاعل، قلّ منسوب العناية باللغة. فالمستخدم لا يفكر في قواعد الإملاء أو النحو أو البلاغة حين يكتب رسالة قصيرة أو تعليقًا سريعًا. وهكذا يتشكّل تدريجيًا جيل لا يرى في اللغة العربية أداة للعمق، بل عبئًا لا يتناسب مع إيقاع حياته.

ولا يمكن تجاهل العامل الاقتصادي في تفسير ابتعاد الجيل الجديد عن لغته. فالعالم اليوم لا يكافئ اللغة العربية في سوق العمل مثلما يكافئ الإنجليزية أو غيرها من اللغات العالمية. والشركات الكبرى، والمؤسسات التقنية، والجامعات الدولية، كلها تعتمد على لغات أجنبية في معاملاتها اليومية. لذلك ينمو لدى الشباب شعور بأن العربية لا تمنحهم مستقبلًا مهنيًا مشرقًا. وهذا الشعور، سواء كان صحيحًا أم مبالغًا فيه، ينعكس على موقفهم من اللغة نفسها. فاللغة التي لا تحقق مكاسب مهنية تبدو لهم أقل أهمية، مهما كان عمقها وجمالها وقيمتها الحضارية.

إضافة إلى ذلك، فإن التحولات السياسية والثقافية التي شهدها العالم العربي في العقود الأخيرة ضعّفت دور اللغة بوصفها مرجعًا جامعًا للهوية. ففي الماضي، كانت العربية رمزًا للوحدة الثقافية، وللتراث، وللقيم المشتركة. أما اليوم، فقد ازدادت الانقسامات الاجتماعية، وظهرت هويات فرعية جديدة، وازدادت التأثيرات الإعلامية الخارجية، وتراجعت الرموز المشتركة. ومع كل هذا التشتت، فقدت العربية جزءًا من مكانتها الرمزية التقليدية. وصار بعض الشباب يرى هويته الفردية والجماعية من منظور عالمي أكثر منه محليًا أو عربيًا، مما أدى إلى نوع من اللامبالاة تجاه الفصحى.

ومع ذلك، فإن الابتعاد عن العربية ليس ابتعادًا جذريًا أو نهائيًا، بل هو ابتعاد عن نمط معين من اللغة العربية، وليس عن اللغة بكاملها. فالشباب ما زالوا يستخدمون العاميات العربية بكثافة، ويبدعون فيها، ويطوّرون تراكيب جديدة وأساليب تعبيرية تتناسب مع ثقافتهم الرقمية. وهذا يعني أن اللغة ما زالت حيّة، لكنها تسير نحو اتجاهات جديدة ربما لا تُرضي علماء اللغة التقليديين. والظاهرة في هذا السياق ليست انقطاعًا، بل انتقالًا من لغة رسمية إلى لغة شعبية ثم إلى لغة رقمية. وكل انتقال لغوي ترافقه توترات بين القديم والجديد.

ومن منظور سوسيولوجيا اللغة، يمكن تفسير هذا الابتعاد بأنه نتيجة طبيعية لتحول المجتمع من مجتمع شفهي إلى مجتمع رقمي، ومن مجتمع يقدّس الكتاب إلى مجتمع يقدّس الصورة، ومن مجتمع يعتمد على التواصل المباشر إلى مجتمع تهيمن عليه الشاشات. وهذه التحولات لا يمكن إيقافها أو عكسها، بل يمكن فقط إدارتها وتوجيهها. فالمجتمع الذي يربط لغته بالماضي فقط يخسر المستقبل، بينما المجتمع الذي ينجح في تكييف لغته مع العصر يحتفظ بهويته ويضمن استمرار لغته الأم.

وقد يكون أخطر ما في هذه الظاهرة أن جيل اليوم لم يُمنح الفرصة الكاملة ليكتشف جمال لغته. فالكثير من المناهج التعليمية تزرع الخوف من الأخطاء، لا حب اللغة. والكثير من المعلمين يركزون على العقاب وليس على الإبداع. والكثير من المؤسسات الإعلامية تقدم محتوى فقيرًا لا يعكس جمال العربية وقدرتها التعبيرية. فإذا لم تتوفر بيئة لغوية جاذبة ومحفزة، فمن الطبيعي أن يبتعد الشباب ويبحثوا عن البديل الأسهل والأسرع.

ومع ذلك، فإن الأمل ما يزال قائمًا، بل وبارزًا في كثير من المبادرات الثقافية والتعليمية الحديثة. بدأنا نرى محتوى عربيًا يسارِع ليتخذ مكانه في المنصات الرقمية، وبدأت قنوات عربية تقدّم الفصحى بطريقة جديدة أكثر قربًا من الجيل الشاب. كما ظهرت مبادرات في الذكاء الاصطناعي تهدف إلى تعليم العربية عبر التطبيقات الذكية، ومشاريع لتجديد الخطاب اللغوي في المدارس، وحركات شبابية تدافع عن الفصحى باعتبارها لغة المستقبل وليست لغة الماضي فقط.

في النهاية، فإن ابتعاد جيل اليوم عن لغته الأم ليس نتيجة ضعف في اللغة، بل نتيجة ضعف في السياسات التي تدعم اللغة وتفتح لها أبواب المستقبل. وإذا كانت اللغة العربية قد صمدت أمام الغزوات العسكرية والفكرية والثقافية عبر التاريخ، فإنها قادرة أيضًا على الصمود أمام موجة العولمة والتقنية، بشرط أن نعيد تقديمها للجيل الجديد بطريقة تجعلها لغتهم الحقيقية لا لغة الامتحانات فقط. فالشباب لا يبتعدون عن العربية لأنها غير جميلة أو غير مناسبة للعصر، بل لأننا لم ننجح بعد في جعلها جزءًا طبيعيًا من حياتهم اليومية.

***

د. عصام البرّام

اُجبر ارسطو على الفرار من أثينا عندما اندلعت موجة من المشاعر المعادية لمقدونيا. بعد موت الاسكندر الأكبر عام 323ق.م، اكتسحت أثينا مشاعر ضد المقدونيين مما دفع ارسطو لمغادرة المدينة حفاظا على سلامته. كان فيليب الثاني ملك مقدونيا طلب من ارسطو تدريس ابنه الشاب الاسكندر في مدينة ميزا Mieza قرب بيلا Pella في مملكة مقدونيا اليونانية القديمة. وُلد ارسطو عام 384ق.م في ستاجيرا stagira شمال اليونان والتي كانت تحت سيطرة فيليب الثاني في مقدونيا عام 348ق.م. حالا ذاعت شهرة ارسطو اللامع في العالم اليوناني وبرز في النهاية كواحد من أشهر مفكري الفلسفة الغربية. في عمر 17 سنة التحق ارسطو بأكاديمية افلاطون حيث تلقّى التعليم على يد افلاطون في الاخلاق والعلوم والطب وحقول أخرى. مكث في أثينا لمدة عشرين سنة الى ان دُعي من جانب فيليب الثاني لتدريس ابنه الشاب الاسكندر عام 343ق.م

وبعد ان اصبح الاسكندر ملكا، عاد ارسطو الى أثينا واسس مدرسته (ليسيوم)Lyceumعام 335ق.م تحت حماية السلطة المقدونية التي سيطرت على اليونان بعد انتصار فيليب الثاني.

مدرسة الليسيوم وموت الاسكندر الأكبر

 لأكثر من عقد، درّس ارسطو وكتب وأشرف على البحوث في الليسيوم. طريقته المشائية في التدريس نالت شهرة في التحقيق التجريبي، حيث جمع ارسطو من حوله طلابا شاركوه شغفه في الدراسة المنهجية. كتب ارسطو مرة "جذور التعليم مرّة لكن الثمار حلوة" وهو الخط الذي يصف الانضباط المطلوب في الليسيوم.

لكن على الرغم من ان ارسطو يفضل الحياة المخصصة للتأمل، كانت الاحداث تضغط خارج المدرسة. حضوره في أثينا كما بالنسبة لغيرة من الشخصيات المرتبطة بمقدونيا، جرى التسامح معه فقط لطالما بقيت مقدونيا في الحكم. في عام 323ق.م منح الموت المفاجئ للإسكندر الأكبر في بابل أثينا الفرصة للثورة ضد سيطرة مقدونيا. وبين عشية وضحاها تحول المناخ السياسي نحو الشك والغضب والقصاص تجاه أولئك الذين اعتُبروا متعاونين او متعاطفين مع المقدونيين. ارسطو لم يكن استثناءً من هذه الكراهية.

وُجّه الى ارسطو اتّهام بالكفر في صدى للاتهامات التي وُجهت لسقراط قبل ثمانين عاما. التهمة برزت جزئيا من ارتباط ارسطو بمملكة مقدونيا ومن آرائه الفلسفية التي لا تتماشى دائما مع المشاعر الدينية التقليدية في أثينا. هو كتب ترنيمة في تمجيد صديقه هيرميناس الاتارنيوسي، وان بعض الأثنيين فسروا هذه الإشارة كرفع لشأن انسان الى مرتبة الالوهية مما يدعم مزاعم الكفر.

الدوافع السياسية

ان تلك الاتهامات الرسمية كانت تخفي تحتها استياءً سياسيا عميقا. المؤرخ تارن w.w Tarn لاحظ بانه"في أوقات الحماس الأهلي، كانت التقوى الاثنية سلاحا للانتقام السياسي"، وهي الحقيقة التي ادركها ارسطو جيدا. المؤرخ ديوجين لايرتيوس Diogenes Laertius كتب: "ارسطو اتُهم بالكفر من جانب الكاهن الأكبر يوريميدون" او، طبقا للفيلسوف الروماني فافورينوس " لم يغب عن بال ارسطو ان أثينا في أوقات الاضطراب السياسي توجّه قلقها نحو الفلاسفة". المؤرخ ديوجين لايرتيوس ذكر ان ارسطو أشار بعد توجيه الاتهام له "انه لا يسمح للمدينة ان تسيء للفلسفة مرة ثانية". هذا الخط سواء تحدّث به ارسطو شخصيا ام جرى تفسيره من المفسرين اللاحقين يحمل مزيجا من الاستسلام والتحدي. ارسطو اعترف بالخطر ورفض تكرار مصير سقراط. وكما يلاحظ الكلاسيكي الحديث اديث هول Edith Hall لم تكن لدى ارسطو الرغبة في تقديم أثينا شهيدا آخر، هو فضل الحياة واستمرار الدراسة على الموت المبدئي". صيغة أخرى تفسر الهروب من أثينا ترى ان ارسطو غادر لكي يمنع الاثنيين من الوقوع في الذنب تجاه الفلسفة مرتين، وهي ملاحظة تحمل كل من المرارة والوعي التاريخي.

الهروب الى خالكيزا Chalcis

 غادر ارسطو الى مكان ليس بعيدا، حيث قصد مدينة خالكيزا في جزيرة ايبوس Euboes الموطن الأصلي لامه. هناك وجد ملاذا ربما مؤقتا الى ان يستقر الوضع السياسي في أثينا. انسحابه لم يكن كرجل مهزوم وانما قرار مدروس من شخص يقيّم الأفق البعيد للحياة الفكرية مقابل الدراما المباشرة للمواجهات السياسية. "ان حياة الذهن أفضل وألطف" كما كتب مرة، وهي مشاعر توضح خياره بوضوح اكثر من أي حسابات سياسية. سنته الأخيرة في خالكيزا كانت قصيرة. ارسطو توفي هناك عام 322ق.م . بعد سنة من وفاة الاسكندر التي قلبت العالم اليوناني. طلابه استمروا بنفس عمله، واستمرت مدرسته لأجيال كمركز للتعليم . مع ذلك، رحيله من أثينا يبقى رمزا للعلاقات الملتبسة بين الفلسفة والمدينة – وهو التوتر الذي واجهه سقراط مباشرة بينما ارسطو تصرّف بحذر استراتيجي.

آراء العلماء المعاصرين حول هروب ارسطو من أثينا

الفيلسوف جوناثان بارنز Jonathan Barnes يقترح ان ارسطو "يفهم أفضل من أسلافه بان الفلسفة لا تُخدم بالاستشهاد وانما بالبقاء". في هذا التفسير، ارسطو يبرز كبرجماتي، شخص اعترف بان الافكار تعتمد على الناس للحفاظ عليها وان واجب الفيلسوف يتضمن العيش ليعلّم ويراجع ويحفظ المعرفة. علماء اخرون يرون ان رحيله عن أثينا يمثل تحذيرا لهشاشة المؤسسات الفكرية. اليسيوم خلافا لأكاديمية افلاطون كانت مرتبطة بقوة بقيادة ارسطو الشخصية. غيابه أجبر أعضاء المدرسة على التكيف بسرعة، وعلى الرغم من استمرار المدرسة بالبقاء، لكنها شهدت اضطرابا. وكما يذكر المؤرخ بيتر غرين، ان كفاح ارسطو "يكشف مدى هشاشة التحقيق الفلسفي امام رياح السياسة".

الكاتب الحديث مارثا نوسباوم Martha Nussbaum يجادل" الفلسفة تتحدد دائما ببيئتها السياسية، لكنها يجب أيضا ان تقف بعيدا عنها. ارسطو فهم ذلك التوتر وعند الضرورة تنحى جانبا للحفاظ على ما يستطيع". لذلك، فان هروب ارسطو من أثينا هو اكثر من هامش لسيرة ذاتية. انه يوفر نافذة للكيفية التي يبحر بها الفيلسوف في السياسة، كيف تتحمل الأفكار الاضطراب، وكيف يكون البقاء ذاته كفعل فلسفي. في مغادرته أثينا، ارسطو حمى ليس فقط نفسه وانما الميراث الفكري الذي صاغ قرونا من الفكر. مدرسته استمرت، كتاباته نُشرت ووُزعت، وتأثيره امتد بعيدا الى ما وراء المدينة التي وقفت يوما ضده. من خلال الحكمة وليس الموت، هو اطمئن ان "فاكهة" الفلسفة ستبقى متوفرة للأجيال القادمة.

***

حاتم حميد محسن

............................

 *GreekReporter.com. Dec8,2025

أسئلة عديدة يطرحها اللغويون إن كان الذكاء الاصطناعي بإمكانه أن يستوعب تعقيدات اللغة العربية؟ وما هي التحديات التي تواجه اللغة العربية في عصر الثورة الرقمية، حيث تولدت عنها مفاهيم ومصلحات جديدة مثل الأنجلة والعولمة اللغوية وماهي النتائج المترقب اكتشافها أو معرفتها أمام ما تعيشه الأمّة من تعدد لغوي وصراع لغويٍّ، أضحى يهدد مستقبل اللغة العربية، لما قد يحدثه هذا الصراع من تمزيق للبنية الاجتماعية، فالعولمة والرقمنة تخفي هيمنة لغوية ثقافية

هي أفكار وتساؤلات طرحها خبراء في ندوة مركز الشهاب للبحوث والدراسات بشرق الجزائر، الذي اعتاد على تقديم جهود جبارة ومتميزة للإسهام في علاج القضايا المطروحة في الساحة، وما تعلق  باللغة العربية وتعزيز قيمتها، في ظل ما يتردد في الساحة اللغوية  بأن العربية الآن لا مكانة لها وأنها مجرد لغة تراثية وقال البعض أنها لا تصلح إلا في المساجد، فهي الآن ليست لغة العلم ولا لغة الحضارة، رغم أنها صنعت مكانتها عالميا بعد اعتراف الأمم المتحدة بها باعتبارها من أكثر اللغات انتشارا في العالم، في ظل التطور التكنولوجي الرقمي، حيث فرضت اللغة العربية نفسها في مجال الرقمي، ناهيك عن كونها لغة مقدسة عند المسلمين وبها نزل القرآن الكريم، لكن خصومها وأعداؤها يريدون إقصاءها وهذا لأسباب سياسية وإيديولوجية، كذلك بسبب انهيار المنظومات التربوية والثقافية وحتى الجامعية، فجاءت هذه الندوة لتسلط الضوء على أهمية اللغة العربية ومدى تطورها  في عالم الرقمنة،  بعد أن أصبحت لغة جامعة وعالمية، وماهي الصورة التي يمكن رسمها عن اللغة العربية بعد ظهور الذكاء الاصطناعي، حيث بات حتميا  ربط هذا الأخير باللغة العربية.

فاللغة العربية اليوم تواجه  تحديات جوهرية في مجال الذكاء الاصطناعي،  هو سؤال أجاب عليه  المفكر الدكتور علي حليتيم رئيس مركز الشهاب للبحوث والدراسات  (سطيف الجزائر)  حين قال أن الخيانة  وراء  تعرّض اللغة العربية للهجوم من قبل خصومها وأعدائها، مشيرا أن الاستعمار الفرنسي في الجزائر (كعينة)   هو استعمار هوياتي، فقد كانت فرنسا تطلق على الرجل الجزائري اسم الإنسان البدائي primitif  وتنعته بالجهل والتخلف، وقال أن الجزائر هي ثاني بلد فرانكفوني في العالم،  ولذا ظلت الجزائر محتلة، والآن فرنسا تحتلنا سياديا  بعد 63 سنة استقلال، وقد عاد علي حليتيم إلى الوراء متحدثا عن الجرائم التي ارتكبتها فرنسا  ليس بإلغائها اللغة العربية وحل مكانها  اللغة الفرنسية وغلقها للمدارس والمساجد فحسب،  بل في معاملتها للجزائريين بوحشية وبخاصة النساء، من خلال مذكرات المجاهدة لويزة  إيغيل أحريز والمعاملة الوحشية التي تلقتها من قبل الفرقة العاشرة للمظليين بقيادة الجنرال ماسو، عام 1957، حيث كشفت في مذكراتها  تفاصيل التعذيب والاغتصاب،  ولا يزال مقر الفرقة العاشرة يقول الدكتور حليتيم إلى اليوم حيث استغلته السفارة الفرنسية مقرا لها، وهو بلا شك يُذَكِّرُ الجزائريين بجرائم فرنسا ووحشيتها .

حقيقة أخرى ذكرها الدكتور علي حليتيم  وهي قيام  المجمع اللغوي  العربي الذي تأسس في 1919 بحل اللغة العربية وإدخال الكلمات الدخيلة في المعاجم، مذكرا بالتجربة التركية التي  حاربت اللغة العربية إلى أن تقلصت وانكمشت، فأثرت سلبا على الهوية والثقافة العربية، هي طبعا جرأة  رجل "رسالي"، لا دينه ولا ضميره يسمح له  بإخفاء الحقائق، أو تغليط الناس من أجل إرضاء جهة معينة، خاصة إذا تعلق الأمر بالهوية واللسان، ففهم اللغة  مهم جدا  لإحداث التقارب  بين البشر وبناء جسور بينهم دون تحيّز، هو ما أكده الدكتور محمد قماري من جامعة بسكرة، حيث أبان على خصوصية اللغة العربية وما  يميزها عن اللغات الأخرى، فامتداد اللغة العربية جعلها قابلة للحياة عكس الفرنسية وهو ما سبب -على سبيل المثال- اختلاف في طريقة تدريس الطب باللغة العربية، حيث تحولت مجامع اللغة العربية كما يضيف إلى بيروقراطيات بحكم أن اللغة العربية فيها تنوع اللهجات وهي من الأمور التي ينبغي على المتخصصين تقريبها، لمعرفة ماذا يقدمه الذكاء الاصطناعي من نتائج .

 فموضوع اللغة العربية  في سياق التحولات التي يتعرض لها العالم في ظل العولمة، طرحت فيها قضية الهوية والثقافة وطغيان نمط معين لا ندري إن كان يناضل من أجل وجوده أم أنها تمحي الخصوصيات خاصة مع ظهور الهواتف النقالة،  فاللغة في العولمة تقول الدكتورة عائشة لصلج أستاذة الإعلام والاتصال من جامعة سطيف لم تعد محددا هامشيا، بل  استطاعت أن تحدد الهوية لاسيما وعالم اليوم يشهد تطورا في عالم الاتصال وفي الوسائط الرقمية،  وهنا وجب التفريق بين العالمية والعولمة سواء من حيث الحفاظ  على الخصوصية اللغوية في ظل التعدد اللغوي أو استخدام لغة ما  خارج بنيتها الرقمية، يبقى السؤال الأهم حول الترجمة الرقمية للنصوص والتدقيق اللغوي باعتبارها أداة لخدمة اللغة العربية وإثرائها، فالذكاء الاصطناعي بإمكانه تحريك الكلمات كيفما يشاء وبالطريقة التي يريدها  مثلما نقرأه في كلمة "حجري"، فالذكاء الاصطناعي يقرأها بطريقة معاكسة فهو يفهمها العهد الحجري أي العهد القديم وليس كلمة "حجر"  المراد قولها أو  ترجمتها.

لقد حان الوقت لتقريب وجهات النظر لتكون هناك خطوات عملية، في تطويع اللغة التقنية والأدوات الرقمية واستخدام اللغة الأمّ، وهو ما أشار إليه الدكتور أحمد خرصي باحث جزائري في مجال علوم الحاسوب، وعن طريق تقنية التحاضر عن بعد، فهو يرى أن اللغة العربية لم تجد من يخدمها بشكل جيد، ويشاطره الدكتور منير مهادي  أستاذ النقد الأدبي وهذا بسبب عدم امتلاك  الإرادة المعرفية والمؤسساتية وافتقادنا للعمل المؤسساتي، ويظل السؤال مطروحا إن كانت لنا الإرادة المعرفية والمؤسساتي لترقية اللغة العربية ونقلها من موقع التلقي إلى موقع الإنتاج، وإن كان الذكاء الاصطناعي ضرورة تقنية أم حضارية لابد من تفعيلها، وليس مجرد ترفا فكريا،  فإذا لم نُفَعِّلُ  اللغة العربية في مجال الذكاء الاصطناعي لن يكون لها مكانة في المستقبل.

***

تغطية علجية عيش

في المثقف اليوم