عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

يترددُ أحيانًا على لسان بعضِهِم، أن مسائلَ عِلْمِ الكلام قد عفا عليها الزمنُ، وأنه ما الجدوى من الكلام الآن في خلافاتٍ تَمَّتْ قبل مئات السنين، فلنتحدث عن قضايا تمس واقعنا.

هذا فحوى الكلام الذي يفْتأ بعضهم يردده زاعمًا بذلك أنه يَعملُ على تطوير وتجديد الفكرِ الإسلامي، والقضية، في نظري، تحتاجُ إلى تفكيكٍ لهذا الاعتراض المُركَّبِ.

فمِن ناحية أننا لابد أن نتناولَ قضايا لها عَلاقةٌ بواقعنا، فهذا أمر لا شك فيه، وبالفعل لابد منه، وهو صحيح، هذه نقطة نتفق عليها بدايةً.

أما مكمن الخلل في الاعتراض المُركَّب، فيتمثل في أنه ينطوي، سواء بشكلٍ ضمني أو صريح، على أن القضايا الكلاميةَ التي وقعَ فيها الاختلافُ منذ مئات السنين، لم يَعُد لها جدوى في واقعنا، وأن تناولها غير مؤثر، وغير مفيد للحاضر الذي نحياه، وهنا يكمن لُب المشكلة والخلل في هذا الطَّرْح.

فالواقع الذي نحياه، والاصطفاف المذهبي، والتناحر الطائفي، لم يكن إلا على هذه القضايا في الأساس، فانقسام المسلمين إلى سُنَّةٍ وشيعةٍ، وغير ذلك من المذاهب والطوائف، كان قائمًا على هذه القضايا، بالإضافة إلى العامل السياسي التاريخي الذي دعَّم هذا الانقسام.

ومِن ثَمَّ تُصبح الدعوةُ إلى ترْكِ السبب والقضايا الرئيسة في انقسام الأمة شيئًا من العبث الفكري؛ فهذه القضايا، وإن زُعِمَ أنها في ظاهرها لا تمس الواقع، إلا أن الانقسام الدائرَ حولها هو سبب رئيس في حالة الضعف والتردي القائم، والذي تعاني منه الأمةُ أشد المعاناة.

وبالتالي، فإن التحدي الحقيقي هو مواجهة هذه القضايا وليس الهروب منها، ولا أقصدُ بمواجهتها أن نطرحها من باب أن ينتصرَ كلُّ فريقٍ لنفسه ويُقْصي غيرَه، لا، وإلا فنحن بذلك لم نغيِّر شيئًا، وسنزيد الواقعَ سوءًا، ولكن الهدف والمقصد من مواجهة تلك القضايا، هو إقامة حوار بشأنها، وتغيير منهجيةِ التناول ولغته، فمثلًا: الخطابُ الكلامي القديم، في كثيرٍ من جوانبه واتجاهاته، يقوم على «الإقصاء» للآخَر وتبديعه أحيانًا، وتفسيقه أحيانًا، وتكفيره أحيانًا أخرى، بل والسخرية من الخصم والشماتة فيه وسَبِّه(١)، وهذا ما نحتاج بالضبط إلى معالجته، فنتناول هذا بآلية وخطوات واضحة، كالتالي:

أولًا: نعيدُ بحْث كثير من القضايا وننظر فيها، فلربما كان جزء من الخلاف من قبيل «الخلاف اللفظي»، وحينها يهون الأمر كثيرًا ونَعلَمُ أن المضمون واحدٌ وإن اختلفت العبارة.

ثانيًا: ننظر في مدى قطعية هذه الاختلافات، وفي ظني أن هذه الاختلافات مِن قبيل الظني الذي لا نستطيع أن نقطع من كل وجه على صحته، وإذا كان الأمر كذلك وعلى هذا النحو، فهل يصبح من العقل أن نتطاحن على قضايا ليست بالقطعية من الأساس؟!

ثالثًا: منهجية الخطاب، وكما تقدَّم، كانت المنهجيةُ الكلاميةُ القديمةُ -أغلبها- قائمة على الإقصاء في جوانب عديدة، والتجديد لا يكون بالإهمال والتَّرْك لكل شيء كما هو عليه؛ وإنما بتوضيح هذه القضايا وإقامة النقاش حولها، سعيًا إلى تغيير منهجية «الإقصاء» إلى «التعايش» مع الآخَر وتَقَبُّله.

ولربما قال قائل: لن تجدي هذه المحاولات شيئًا، فكلٌّ سيبقى على ما هو عليه.

لتأتي الإجابة وأقولُ: إذا كان تناول هذه القضايا ومحاولة إيجاد أرضية مشتركة لن يجدي، فهل التَّرْك لهذه المسائل يجدي؟! فعلى أقل تقدير، تناول هذه القضايا بمنهجية عقلانية غير إقصائية، مِن شأنه أن يقوم بعمل حراك فكري، ثمرتُه تأتي عاجلًا أو آجلًا، وما الثورة الفكرية في أوروبا على العصور المظلمة ببعيدة، فلم تَصِل أوروبا إلى ما هي فيه من يومٍ وليلةٍ، وإنما من محاولاتٍ دؤوبةٍ في طريق تمهيد الطريق للإصلاح والتجديد والتأسيس، وراح في سبيل ذلك ضحايا، ودَفَعَ آخرون ضريبةً باهظةً جرَّاء هذا التجديد، فأوروبا لم تصل إلى حالها هذا فجأة، ولم تهبط عليها الحضارةُ هديةً من السماء(٢)، هذه ثمرةٌ مرجوةٌ مِن تناول هذه القضايا.

أما على الجانب الآخَرِ، فإن إغلاق هذه القضايا بزَعْم أنها لا جدوى منها، ما ثمرته؟ ثمرته أن كل شيء سيصبح كما هو عليه، التناحر المذهبي ظاهر وواقع، وجزء منه كامنٌ، وعلى استعداد أن يلتهمَ سعي الأمة ويدحض محاولة نهضتها.

كما أنه من غير المنطقي أن تكون هناك قضايا شائكة تمس جوهرَ الواقع، كالفِكْر الجبري والتواكلي والمُشَرْعِن لكثير من الخطايا، ثم نقول بعد ذلك: هذه خلافات تاريخية ما دخْلنا بها! فتكون هذه الدعوة بذلك قد خدَمَتِ اتجاهاتٍ بعينها، مستفيدة من إبقاء الوضع كما هو عليه، ومن رَوَاجِ فكرها، وسيطرتها الكاملة على العقل الجمعي، واستخدام ذلك في التنكيل بغيرهم، هذه أبعاد قد تكون غير مرئية وراء هذه الاختلافات، وهي أبعاد اجتماعية بالغة الخطر، ومِن ثَمَّ تصبح مواجهة هذا الحَشْد ضرورة فكرية ودينية واجتماعية، وإلا، فمَن يتمسكُ بغلْق هذه القضايا ويزعم عدم جدواها، فهو بذلك يُكرِّس للخطاب السائد، والذي هو المستفيد الأكبر من بقاء الأوضاع كما هي عليها.

وهذا كله لا ينفي التفاعلَ مع المستجدات الفكرية، فنتفاعل معها، ولكن ليس على حساب خطاب كامن شَكَّلَ العقلَ الجمعي، ثم بعد ذلك ندعو إلى إغلاقِ كل شيء وبقاء الأوضاع كما هي عليه.

وهذا التناول، بهذه المنهجية، لهذه القضايا جزء من تجديد عِلْم الكلام، فتجديد عِلْم الكلام لا يكون فقط بطرْح قضايا جديدة بالكلية لا علاقة لها بالتراث، هذا تعريف بعضهم لتجديد عِلْم الكلام، وبناء عليه يصبح تناول أية قضايا تراثية لا لندرج تحت عِلْم الكلام الجديد، وفي نظري هذا قصورٌ في النظر إلى تجديد عِلْمِ الكلام؛ فتجديد عِلْم الكلام لا يكون، فقط، بتناول قضايا جديدة؛ وإنما -أيضًا- بإعادة طرْح قضايا قديمة ولكن بتغيير منهجيةِ التناول.

ومن الاعتراضات المطروحة أيضًا على عِلم الكلام: اتهامُه بأنه سبب الفرقة بين المسلمين! فهل بالفعل يتحملُ عِلمُ الكلام -من حيث كونه عِلمًا- الانشقاق الذي حدث بين الأمة؟ بمعنى آخر: هل عِلم الكلام هو الذي «أنشأ» هذا الخلاف والانشقاق؟

إذا نظرنا إلى نشأة علم الكلام؛ نجدُ أنه نشأ في فترةٍ مبكرةٍ من التاريخ الإسلامي، بسببِ عدد من العوامل الداخلية، وعلى رأس هذه القضايا: قضية الإمامة(٣). وإذا عَلِمنا أن الجذور الأولى لبذوغ قضية الإمامة كان بُعَيْد وفاة الرسول، صلى الله عليه وآله وسلَّمَ، فكيف يكون عِلم الكلام هو الذي أنشأ الخلاف؟ ومَن السابق؟ بمعنى: هل كان قبل بذوغ الاختلاف حول الإمامة يوجد تنظير وعلماء كلامٍ ثم جاء الاختلافُ حول الإمامة متأثرًا بهذا التنظير ومستجيبًا له؟ أو أن العكس هو الحاصل، وأن عِلم الكلام جاء ليصوغ أمرًا قد وقعَ وحدثَ بالفعل قبل التنظيرات الكلامية؟ الواضح هو أن السؤال الأخير هو الأدق، فقد أثبتنا وجود ونشأة البذور الأولى العِلم الكلام، متمثلًا -في البداية- في قضية الإمامة، والتي كان ظهورها قبل أي تأليفٍ وتنظيرٍ كلامي، ومِن ثَمَّ، كيف يتأتَّى لنا بعد ذلك أن نقول إن عِلم الكلام هو سبب الاختلاف بين المسلمين؟ الواقع أن نقيض هذا الطَّرْح هو الصحيح كما أثبتنا.

***

بِقَلَم: محمد خليفة ـ باحث دكتوراة بكليةِ دارِ العلوم

...................

الهوامش:

(1) عبد القاهر البغدادي، «الفَرْق بين الفِرَق». تحقيق: د. محمد عثمان الخشت، (ط١، القاهرة، مكتبة ابن سينا، د.ن)، ص ١١: ١٢.

(2) د. هاشم صالح، «معارك التنويريين والأصوليين في أوروبا». (ط١، بيروت، دار الساقي، ٢٠١٠م)، ص ٧.

(3) د. عبد الجبار الرفاعي، «عِلم الكلام الجديد: مدخل لدراسة اللاهوت الجديد وجدل العِلم والدين». (ط١، تونس، دار التنوير، ٢٠١٦م)، ص ٧.

أنا من المتحمسين لإمكانات الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، وأثمن بثقة الإنجازات الهائلة التي يحققها في مجالات الطب والهندسة واللوجستيات والإدارة. بل أقر بأن هذه الثورة الرقمية تحمل وعوداً حقيقية بتجاوز العوائق العملية التي طالما أثقلت كاهل التطور والتنمية. غير أن المشكلة ليست في الأدوات ذاتها، بل في السياق الذي نوظفها فيه والجهاز المعرفي الذي نستقبلها به، فبقدر ما تشكل هذه التقنية قفزة نوعية للبشرية، بقدر ما قد تتحول في واقعنا العربي غير المكتمل الجاهزية إلى حجر عثرة يوسع الفجوة بيننا وبين العالم المتقدم، لا سيما في المجالات الجوهرية: التعليم، والتعلم، والابتكار.

1- وهم المعرفة وضياع التمايز المعرفي

المعضلة الجوهرية ان الذكاء الاصطناعي، في غياب المناخ النقدي، لا يوسع هامش الفكر الحر بقدر ما يمحو التمايز الضروري بين المفكر والجاهل. فمن خلال اتاحة المقالات الجاهزة والاجابات المنمقة التي تجيب عن كل شيء ولا شيء، يوهم المثقف انه يجيد التركيب ويوهم القارئ العادي انه يمتلك المعنى ذاته الذي يمتلكه الفيلسوف. والاخطر انه ينتج خطابا يحاور نفسه بنفسه، حيث تولد الخوارزميات الاسئلة والاجوبة والمناقشات في حلقة مغلقة لا يظهر فيها اثر للذات المفكرة. تتحول المعرفة هنا إلى صدى رقمي بلا بصمة انسانية، مما يجهز الارضية لاستقبال اعمى لكل ما تمليه الالة ويجعل من التفكير مجرد رفاهية لا ضرورة لها.

وهنا تتجلى المفارقة في قول المؤرخ الشهير يوفال هراري، الذي يحذر من ان الذكاء الاصطناعي "ليس اداة بل فاعل"، مضيفا: "اللحظة التي نتوقف فيها عن التفكير النقدي نصبح مجرد بيانات". فاذا كان العقل العربي قد اعتاد في كثير من محطاته على استيراد الحلول الجاهزة، فان هذه التقنية تاتي لتُعمق هذه العادة لا لتعالجها.

2- البنية النقدية الغائبة.. حين يقدس النص ولا يناقش

غير ان هذه الافة لا تقف عند حدود مخرجات الالة، بل تمتد لتكشف عن خلل اعمق في بنية تلقينا الثقافي. ففي المشهد الفكري العربي، نادرا ما تقابل المقالات الجادة والمثيرة للتفكير بنقاش معمق يقوم على التحليل والتفكيك والاعتراض البناء. بل ان ردود الفعل السائدة عليها لا تتعدى في الغالب الاعم الموافقة السريعة والاستحسان الخطابي والتبجيل المفرط لعقل الكاتب، وكان النص قد صار وثيقة مقدسة لا تقرا بقدر ما تبجل. وهذه الظاهرة ليست عارضة، بل هي دليل قاطع على غياب البنية النقدية في تشكيل وعينا الجمعي. وحتى الحفظ والتلقين الذي اعتدنا عليه كالية للتربية، بدا يضمحل امام قدرة الذكاء الاصطناعي على استبدالهما تماما بالنسخ واللصق، فتنهار اخر جسور المواجهة مع النص الاصيل ويُقتل العقل النقدي الذي بدا في النمو حديثا عندنا.

في هذا السياق، يحذر الدكتور ياسر ابوبكر في صحيفة "القدس" من ان "اخطر ما يهدد التعليم العربي اليوم ليس ضعف المناهج او نقص الموارد فقط، بل التحول إلى مستعمرات خوارزمية تستهلك ادوات الاخرين دون وعي بطبيعة قيمها ومضامينها وانحيازاتها". ويضيف ان "الذكاء الاصطناعي ليس جهازا بلا روح، انه يحمل ثقافة من صنعوه وقيمهم واهدافهم. وحين نستخدمه دون فهم، فاننا نسمح باعادة تشكيل وعينا العربي وفق منطق خارجي لا يشبهنا". وهذا يؤكد ان غياب النقد ليس مجرد تقصير اكاديمي، بل هو استسلام معرفي يفتح الباب امام هيمنة ثقافية جديدة.

3- فخ التعليم.. اختصار الوقت ام اختصار التفكير؟

وهنا يتجلى الخطر الاكبر ليس على الثقافة العامة فحسب، بل على مستقبل الابتكار في الامة العربية. فالغرب يتعامل مع الذكاء الاصطناعي بصفته اداة لاختصار الوقت في المراحل الدنيا من التفكير (كجمع المعلومات وتنظيمها)، لينصرف بعدها العقل البشري إلى مستويات اسمى من التاليف والتحليل النقدي والابداع الفكري. اما في مؤسساتنا التعليمية التي لم تؤسس بعد ثقافة نقدية عميقة تقوم على الجدل والفحص، فان اختصار الوقت هذا يتحول إلى اختصار للتفكير ذاته والغاء له.

تخيل المشهد: طالب عربي يطلب من الذكاء الاصطناعي كتابة بحثه الجامعي في دقائق، فينهي واجبه دون ان يمر بمشقة القراءة والموازنة بين المصادر، بينما يستخدمه طالب في جامعة غربية لتوليد فرضيات جديدة واختبارها نقديا تحت اشراف ذاتي واع. النتيجة ليست مجرد فجوة في الدرجات، بل فجوة منهجية في تكوين العقل. الاول يدرب الالة على الاجابة والثاني يدرب عقله على الاسئلة. وهذا هو جوهر الابتكار: ليس في استهلاك المعلومات بل في اعادة تركيبها نقديا، وهو ما يعجز عنه المستخدم السلبي.

وتؤكد الدراسات الحديثة هذه المخاوف، إذ وجدت دراسة اجرتها شركة مايكروسوفت بالتعاون مع جامعة كارنيغي ميلون ان "كلما اعتمد البشر على ادوات الذكاء الاصطناعي لاتمام مهامهم قل التفكير النقدي لديهم وقل اعتمادهم على انفسهم". كما كشفت دراسة اخرى ان "الطلاب الذين استخدموا ادوات الذكاء الاصطناعي بكثرة اظهروا قدرات تفكير نقدي متدنية مقارنة باؤلئك الذين لم يستخدموها بكثرة". بل ان الافراط في استخدام برنامج "شات جي بي تي" قد يؤدي وفق دراسة حديثة إلى "ضعف الذاكرة وتراجع التحصيل الدراسي". وهذه النتائج ليست مجرد ارقام، بل انذار مبكر لمستقبل عربي قد يفقد فيه الجيل القادم القدرة على التحليل والاستنتاج.

4- تخدير العقل الجمعي وتوسيع الهوة الحضارية

اذا سألتني بصدق وتجريد عن الحبر الاعظم لهذه التقنية في واقعنا الشرقي، فلن اقول لك انها تستخدم في التصنيع او الزراعة، بل ساقول لك: استخدامها الاكبر والاخطر هو "تخدير" العقل الجمعي. انها ليست دواء للجهل بل مسكنا يداريه، تشعر المتلقي بانه مثقف واع، بينما هو في الحقيقة مستقبل سلبي يكتفي باستهلاك النتيجة النهائية دون ان يكابد عناء البناء الفكري. هذا التخدير المعرفي يخلق جيلا واثقا من معارفه لكنه هش امام اول سؤال ناقد، لانه لم يعتد على انتاج الاجابة من داخله بل استوردها جاهزة.

وفي هذا الصدد، يحذر الدكتور عبد الله حمد المريخي في جامعة قطر، من ان الاستخدام المفرط للذكاء الاصطناعي قد يؤدي إلى "اتكالية الطالب عليه في كل اموره وانه سيحل الواجبات والتكليفات وسيجري البحوث نيابة عنه". ويدعو إلى "مراجعة وتطوير اساليب التدريس والتقييم" لتتناسب مع المستحدثات، مؤكدا ان الذكاء الاصطناعي "اداة تكنولوجية ومساعدة وليست بديلا عن التفاعل البشري بين المعلم والمتعلم".

وهنا تكمن المفارقة الماساوية: بدلا من ان تضيق هذه الثورة الفجوة بيننا وبين الدول المتطورة، فانها ستعمل على توسيعها بسرعة فائقة. فالذكاء الاصطناعي في سياقنا يصبح اداة استعمارية معرفية جديدة بامتياز، لانه يقدم حلولا جاهزة لمشاكلنا المركبة، فيتبدد طاقتنا الفكرية في هامش النصوص المكررة وتبقي مجتمعاتنا في دائرة الاستهلاك المعرفي المحض، عاجزة عن المنافسة في انتاج التقنيات نفسها التي تستهلكها. نحن لا نطور الخوارزميات بل نستورد تطبيقاتها، ولا نبتكر المناهج بل نقلد نتائجها. وبهذا تتحول التكنولوجيا التي كان من المفترض ان تكون جسرا للعبور إلى المستقبل، إلى سد يمنعنا من رؤية تعقيدات طريقنا.

5- العيب ليس في الالة بل في عدم جهوزيتنا

ان الخطر الحقيقي لا يتمثل في ان ياتي الذكاء الاصطناعي ليجيب عن اسئلتنا، بل في ان ينسينا كيف نطرح الاسئلة اصلا، وان يسرق منا لحظة المواجهة الوحيدة مع تعقيد الواقع. واذا اردنا الا تتحول هذه الثورة إلى كارثة معرفية، فعلينا ان نبدا اليوم لا بمنع التقنية بل باعادة بناء البنية النقدية في مدارسنا وجامعاتنا، وتعليم الاجيال ان يستخدموا الالة لتوسيع مداركهم لا الغائها. والا، فان الفجوة بيننا وبين الدول المتقدمة لن تتسع في الانتاج التقني فحسب، بل في القدرة على التفكير ذاتها، وسنظل نردد اصداء الاخرين بينما يصنع الاخرون مستقبلهم بايديهم، منهزمين ليس امام الالة بل امام غيابنا عن وعي ذاتنا الناقد.

ختاما، لا يخفى على القارئ ان ما سطرته في هذه المقالة لا ينبع من موقف متشائم من الذكاء الاصطناعي او رفض مطلق له، بل من حرص شديد على مستقبل التعليم في عالمنا العربي، وعلى ضرورة ان نكون مستعدين لهذه التقنية لا مكتفين باستهلاكها. فأنا مؤمن تمام الايمان بان الذكاء الاصطناعي يمكن ان يكون اداة هائلة لحل المشكلات المعقدة وتسريع عجلة التنمية، شريطة ان نستخدمه بوعي ونبني اولا عقولا ناقدة قادرة على توجيهه لا الانجراف وراءه. واذا بدا في عباراتي شيء من القسوة او التشاؤم، فهو فقط مرآة لخوفي من ان تفوتنا هذه الفرصة الذهبية، لا رغبة في التخلي عنها. فالتحدي الحقيقي ليس في التقنية نفسها، بل في كيفية تعاملنا معها، وفي قرارنا الجماعي بأن نكون صناع ادواتنا لا مجرد مستهلكين لنتائجها.

***

محمد الربيعي

بروفسور متمرس، جامعة دبلن

"النظافة لا دين لها" علاء مشذوب/ حمام اليهودي

في رواية (حمام اليودي) للمرحوم الروائي علاء مشذوب يتم طرح سؤال الاخلاق بطريقة إشكالية، عبر تناوله لطبيعة النزاع حول "يجوز او لا يجوز" ليهودي ان يكون راعيا لنظافة اجساد المسلمين. فيحتدم الجدل مما يؤدي الى ان تواجه النظافة ذاتها اشكالية تتعلق بما حولها لا بها، فتنتكس النظافة. لاحظوا هذه "العلاقة الصراعية" بين (النظافة) كمفهوم اخلاقي، و(يجوز او لا يجوز) كمفهوم اجرائي، فنخسر النظافة. لأن الاخلاق حسنة بذاتها لا بمتعلقاتها.

لقد شهدنا خلال الايام الماضية حوادث كثيرة بل مصائب وازمات، اشدها ايلاما (حوادث الفساد التي تزكم الانوف) وحرائق وضحايا، ولكن ما يثير الاشمئزاز حقا، ما نشهده من غياب القيم الاخلاقية في تناول هذا الامر. فتم الادعاء مثلاً بان الحريق مفتعل لغرض صرف الانظار عن حريق في وزارة، وان النائب المدان ليس هاربا فيخرج لنا بتبرير ساذج، ان الفساد اولى من الفوضى. اعتراضي هنا لا يتعلق بدقة المعلومة، ولكن ان يتم تناول الفاجعة بكونها حدثا ثانوياً لحدث اكثر اهمية هو الخوف من الآخر كفاعل مشؤوم. التبرير هنا اكثر مأساوية من الحدث ذاته، فتكون سلامة الورقة، اكثر اهمية من سلامة الانسان، وسمعة الجهة المنتمي لها الفاسد اهم من فعل السرقة، والحفاظ على الواقع اهم من كل قيمة اخلاقية. هنا اقول قد نجد في ما ذهب اليه المرحوم علاء مشذوب في تسليط نقده عل العلاقة الجدلية بين (الاخلاق والاجراء) تفسيرا لازماتنا التي لا تنتهي.

فلو استعرنا ايضا مفهوم (سلافو جيجك) استطيع ان اقول ان رمزية الفساد لدينا يتأتى من فرط واقعيته التي لا تصدق، لتتحول الى مادة للتفكير بضرورة إيجاد حل، هذا التفكير هو الذي يجعلنا نختبر واقعيته على انه "كيان افتراضي" وتلك هي المفارقة. ان تتحول الواقعية المفرطة في كل مناحي حياتنا (مثل نقص الادوية) في معالجة المرضى، الى رمزية تتمثل في ان انقاذ الحياة تتطلب ايجاد حل عاجل "بالتبرع" من قبل المستثمرين كما طالب وزير الصحة، اي ان يتم تحويل نقص الخدمات الصحية في مستشفى الى (افتراض) فاعل مشؤوم. وان محاربة الفساد تصب في صالح العدو المفترض سواء كان داعشيا، اسرائيليا، بريطانيا، او امريكياً، بعثيا. او نتيجة صراع حزبي، كل ذلك يجعل من (محاربة الفساد او حياة الانسان) امر لا قيمة اخلاقية له، مقابل اجراء كشف الفاعل المشؤوم.

ان تحول مظاهر الفساد الى "كيان افتراضي" تخرجه من كونه معضلة سوء الادارة في مرسسات الدولة ودوائرها الى حل بالتبرع من اجل ترميم مستشفى. او الاشارة الى فاعل "رمزي" فتنتقل المسؤولية من واجب الموسسة، الى واجب المجتمع، من التخطيط والتنمية المستدامة، الى التبرع من اجل الدواء او ادامة المستشفيات ليتم التنازل عن دور الدولة في الضمان الصحي والاجتماعي بالاستعاضة عنها بالتكافل الاجتماعي. وقس ذلك على الكهرباء وكل مناحي حياتنا، فيقال لنا ان من يمنع تبليط شارع او بناء منظومة تصريف صحي، او اعمار مدينة منكوبة، او تقديم ماء صالح للشرب، هو بفعل فاعل مشؤؤم. فأزمة الكهرباء المستدامة، تُقدم لنا لا بكونها مشكلة واقعية تحتاج حلا واقعيا، بل بكونها تحمل من الرمزية الشيء الكثير. رمزيتها تتأتى من فرط واقعيتها التي لا تصدق، لتتحول الى مادة للتفكير بضرورة إيجاد حل، هذا التفكير هو الذي يجعلنا نختبر واقعية انقطاع الكهرباء على انه "كيان افتراضي"، بفعل فاعل مشؤوم. فنتعرض في الواقع الى ضغط غياب الكهرباء والحاح الحر المفرط في واقعيته، وبين افتراض ان الحل ممكن ولكن ليس بيدنا (بل لأن الفاعل المشؤوم لا يريد). يساق هذا الامر (كصراع بين الواقع والافتراض) من قبل الكثير من المنعزلين ويحيون حياة مفعمة بالحرية في مساحة (كيبورد) لا تمت للواقع بصلة، ولكن نتيجة الخبرة الكامنة لديهم، والتي يظهر فيها الواقع على شكل تحليل يكرس الذاتي لا الموضوعي، فيرفض التعرف على الفساد بنتيجته، ليقول لنا انها تعبير عن رمزية الشر الكامنة في الاخر.

لا يكتفي هذا المنعزل عن الواقع الذي نخبره من حولنا بمصائبه ونكباته واحزانه التي لا تنتهي، بل ويرغب ان يحررنا من وهمنا، ليقنعنا ان الفساد المفرط في واقعيته ما هو الا مظهر لشيء اكبر، لكننا لا نراه. ليقول لنا ان ما نراه كحقيقي (الفساد) هو الوهم الذي يقدم لنا على انه حقيقي (الفساد خير من الفوضى). هنا تقدم الدعوة لنصدق اننا نحيا في كون مصنوع بفعل فاعل بشع يهددنا طوال الوقت، ليعكس الجدل، في ان اي نقد للفساد هو تبرئة لفعل الفاعل المشؤوم. هي دعوة صريحة من قبل المنعزل لرفض التفسير الاجتماعي لفساد المفسدين، باعتباره تبريرا خفيا للفاعل المشؤوم.انها ثقافة تصرف النظر عن الواقع وتبرير لعدم تحمل مسؤولية الفساد من قبل المفسدين ذاتهم.

ان المشكلة الحقيقة تكمن في منظومة العمل ذاتها، وان نعزوا هذا الفساد الى فاعل خارجي، هو تبرئة لهذه المنظومة. فالصراع بين الفساد ونقضيه صراع داخلي محض، لذا علينا تغيير قواعد العمل الظاهرة لهذه المنظومة الداخلية. الفساد والشر لا يحتاج ان يرتكبه الشياطين، بل يرتكبه الحمقى والاغبياء كما تقول حنا ارندت، والانهيار الاخلاقي الذي يسببه فساد السلطة، والعجز عن التفكير او التفكير من وجهة نظر آخر (التفكير من خلال فكر تاج الراس).

كيف يمكن للوضع المساؤي ان يتحول الى وضع فلسفي (على قول باديو)، يقال عندما تحدث المفارقة، او عندما يفتقد المعيار المناسب بين حالتين المفروض ان تكون متشابهتين، لتتحول الى نقيضها. اخترع الانسان المشافي من اجل الشفاء، من اجل استعادة الصحة، لكن ان تتحول هذه المشافي الى محارق وقبور وموت مجاني وبالجملة تلك هي المفارقة المبكية المضحكة. واوجد الانسان الدولة من اجل تحقيق العدالة ونشر القيم الأخلاقية لتحفظ للمجتمع امنه وسلامته، لا للتمتع بمغانم السلطة، ونشر الفساد، وقتل كل القيم الاخلاقية والانسانية.

ان الطبيعة المتخفية للفساد يكمن في داخل نظام مغلق، تديرة مجموعة من المجرمين المرضى ويهدف الى نزع الشخصية الانسانية عن ضحاياه، عبر تصدير الفهم على انهم مجرد ضحايا لسوء الادراة، او نتيجة للعنف، اي عبر تحويل واقعية الموت المجاني المفرط في واقعيته على قول (جيجك)، الى رمزية "المسؤولية" لتتحول المسؤولية الاخلاقية لرجال السلطة الى سوء ادارة مثل"التفريط بشروط السلامة المهنية" فيتم تبرئة الفساد والمفدسين.

الاخلاق وحدها يمكن ان يكون جذرية، اما الفساد فلا يمكنه ذلك إلا ان يكون متطرفا (جورجير اغامبين)، لذا يتولد الفساد من فشل في التفكير، فهو يتحدى التفكير، فحين يتصدى الفكر له ويتقصى المقدمات واصولها، يصاب بالارباك حين لا يجد شيئا سوى ان المسبب "فاعل مشؤوم" مفارقة مبكية مضحكة. السؤال الجوهري حول ما نواجهه من كوارث يتلخص في؛ ما الذي يجعل اي قرار او خيار يتخذ على مستوى عام يؤدي الى اخطاء كارثية لدينا، سواء على مستوى السياسة والاقتصاد والثقافة ومنازلة الفساد. يقول الأمام علي (ع) رجال العلم على أربع:

1. رجل يعلم ويعلم أنه يعلم فذاك عالم فاتبعوه.

2. ورجل يعلم ولا يعلم أنه يعلم فذاك نائم فأنبهوه.

3. ورجل لا يعلم ويعلم أنه لا يعلم فذاك جاهل فعلموه.

4. ورجل لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم فذاك أحمق فاجتنبوه.

في التهديد الوجودي الذي واجهناه في ايام جائحة كورونا، لعبت معرفتنا دورا كبيرا في ما آلت اليه احوالنا. لقد زعزعت الجائحة الكثير من المسلمات فحدث شواش:

- حول المعرفة ذاتها.

- حول الاكراه على العزلة.

- والعيش بلا يقين.

المفارقة تكمن في المعرفة التي نحوزها، فقد واجه العالم الجائحة "بعلمه انه لا يعلم"، بينما نواجهها نحن، "بجهلنا أننا لا نعلم". فالمواجهة التي حصلت معرفيا حول الجائحة في العراق كانت بين نمطين من المعرفة:

- الاول الذي يعرف انه لا يعرف، فيحاول التعلم من اجل النجاة، وهم القلة.

- والثاني الذي لا يعرف انه لا يعرف، وهم الكثرة ولهم الغلبة.

المشكلة لا تكمن بعدم المعرفة بما يحدث حولنا. بل جهلنا التام بعدم المعرفة حول ما يحدث. هذا الجهل يوجب علينا التعامل معه كواقعة مجتمعية يتساوى فيها الاستاذ الجامعة مع الامي (الذي لا يقرأ)، يسوقهم عدم القلق لأنهم يستندون الى عدم تحمل المسؤولية نتيجة بعض الاعتقادات الراسخة، التي تعطيهم ضمانة موهومة ضد الخطر.

الغلبة هنا لهذا الصنف الثاني، فهم يملكون مفاتيح السياسة والاقتصاد والثقافة، القابضين على السلطة واما التابعين لهم فيملئون الارض عويلا وصراخا عن الحق المضيع، والمذهب المهدد، والطائفة التي في خطر...الخ، وسبب كوارثنا تكمن في العدو الماثل امام العين، لا في قرارتنا وخياراتنا، لانها تؤخذ تحت قهر وقسر معتقدنا باننا مظلومين، بل حتى فساد النفوس بسبب العدو لا غير. فلا مسؤولية يتحملها الحمقى والتابعين والمطبلين. لذا جل الحوادث تتحول الى كوارث لانها تقع تحت طائلة قرار او خيار يخرج من دائرة الحمق هذه.

علينا ان نعرف ان "المعرفة لا تعرض ذاتها" كما يقول الحكماء. فلا يمكن اعتبار تجاربنا الذاتية وهي مشتبكة بالشأن العام حدثا شخصياً، بل هي في احتدامها جزء من التجربة الاخلاقية والقيمية للمجتمع الذي ننتمي اليه. اي انني في اشتباكي بالشأن العالم ارسي قواعد اخلاقية وقيمية لمن هم معي وحولي ومن انا مشتبك معهم توافقا او تنافراً. ان عملية تشكيل الذات كما تذهب بتلر، لا تقع كلها في متناول الذات وبرغبتها، بل هي تقع تحت تأثير عوامل محكومة بالعلائقية ومعتمدة على معايير الاخر (المجتمع) بشكل رئيسي، وفي هذه الفجوة بين رؤيتنا لذاتنا، وتأثير الاخر في تشكيلها نقع في مطب التوازن بين رؤيتنا لذواتنا ورؤية الاخر لنا.

وكذلك في جدلية الصراع بين الطموح والواقع، تدخل ذواتنا محنة المفارقة بين ما نريد وما يمكن تحقيقه، فنصاب بالخيبة من سعة الفجوة، لذا تحاول ذواتنا ان تعيد ترتيب اولوياتها من جديد، معتقدة بقدرتها على النجاح، ولكنها (تخادع نفسها) لانها تفشل من جديد في ايصال الواقع الى ما تطمح اليه. فمحنة الذات المتوهجة انها لا تعترف بخداعها لنفسها، ولكنها بدلاً عن ذلك تتعالى على تجربتها باكتسبها فهما جديداً عبر هذا الخداع (قدرتها على الى ايصال الواقع لما تطمح اليه).

يكمن التعالي في العلاقة بين "الرغبة" الجارفة للذات المتوهجة بتغيير الواقع و"القوة"التي تحتاجها لتشكيل الواقع الذي تعيش فيه وتعتقد بانه "الغريب" عنها الى واقع تعتقد انها تعرفه وهو الذي لم يتحقق بعد "الحلم". في هذه الجدلية، الذات المأزومة بالتوهج، التي لا تعترف بالعجز عن التغيير التام، فهي اما ان تخسر الواقع الذي تحلم به بتصالحها مع ذاتها، واما ان تخسر نفسها بتوجهها للواقع الذي تحلم به. اي تسعى لتشكيل واقعها (الحلم) لتتشارك به مع الاخرين، فتدرك نفسها بوصفها اكثر غزارة مما كانت من قبل(بتلر).

تلك هي محنة الذات المتوهجة بالتغيير، تعاني الخوف من فقدان (الحلم)، والنشوة التي تشعر بها وهي ترى نفسها وقد حلت في آخر، الذي تشعر به امتداد لها "فتستملكه"، لذا فهي غير قادرة على تحمل فقدان هذا الاخر الذي استملكته. وللخروج من هذه المحنة تسعى الذات الى ممارسة الغطرسة ضد الاخر ما ان تشعر انه يسعى للاستقلال عنها. ان العنف الذي يمارس ضدنا، يعني انكشافنا امام الاخر وضعفنا وهشاشتنا المعرفية. (بتلر).

***

د. سليم حوهر

لكل دعوةٍ أهدافُها وغاياتُها، ولكي تبلغ تلك الغايات لا بدّ لها من آليات ومرتكزات تُمهِّد الطريق أمام تحققها، وفي هذا الإطار، تسعى "الديانة الإبـراهيمية الجديدة" إلى البحث عن البيئة الملائمة التي تضمن لها النمو والانتشار، فتتوسل بالمشتركات الظاهرة بين الديانات السماوية الثلاث، بوصفها أرضية جاهزة للتقارب والاندماج؛ من وحيٍ منزّل، ونبيٍّ مرسل، وكتابٍ مقدّس، ومعجزةٍ خارقة للعادة، غير أنّ ما يُروَّج له من أنّ هذه الدعوة انطلقت من رحم المؤتمرات الفـكرية، أو وُلدت في فضاءات المقالات الأكاديمية والمراكز البحثية، لا يخلو من قدرٍ كبير من التمويه؛ إذ إنّ جذورها الفعلية، كما تكشف الوقائع، انبثقت من أروقة وزارة الخارجية الأمريكية، لا من ساحات الحوار الديني الحر.

نحن، إذن، أمام مشروعٍ متسلسل الحلقات، تتداخل فيه المصطلحات وتُعاد صياغتها بعناية، بحيث تغدو السياسة هي الحاكم الفعلي، فيما يُستدعى الدين بوصفه المظهر الخارجي لبوتقتها، وتُرفع شعارات السلام والتسامح والتعايش كواجهة أخلاقية لمضامين مغايرة. غير أنّ المحطات التي تمرّ عبرها هذه الدعوة، والبوابات التي تُفتح أمامها، لا توحي إلا باتجاهٍ واحد: تكريس النفوذ الغربي في الوطن العربي والإسلامي، أو ما يُسمّى سياسياً بالشرق الأوسط، عبر ترسيخ مفاهيم جديدة تتلاءم مع تحولات الثـقافة المعاصرة، وتُقدَّم بثوبٍ حداثي ناعم، بوصفها مبرراً لإزالة الحواجز بين الديانات الثلاث. وقد أسهم هذا المسار في توليد شعورٍ متنامٍ بأن وراء هذه الدعوة أيادي خفيّة، تتمثل على نحوٍ خاص في الحركة المسيحية الأصولية المعاصرة، التي تراهن، بالتكامل مع حلفائها، على خلق مناخٍ يسمح بتطبيق المشروع الأمريكي–الصهيوني ذي البعد السياسي، تحت غطاء ديني–إنساني.

إنّ تسارع الأحداث في الشرق الأوسط، وتأجيج الصراعات الطائفية والعرقية والدينية، لا يمكن فصله عن عملية إعادة ترتيب أوراق النفوذ المُعدّة سلفاً، ففي هذا السياق، تُقدَّم الديانة الإبـراهيمية بوصفها الدعامة المعنوية والمادية والإعلامية لتوسيع الهيمنة، لا بالسلاح العسكري، بل بالأسلحة الفـكرية والرمزية، وباستهداف الحركة الأصولية الإسلامية التي يُنظر إليها باعتبارها الخطر الأكبر، غير أنّ المفارقة الأكثر خطورة تكمن في تجاهل الأصولية اليهودية–المسيحية، التي لم، ولن، تتخلى عن قراءتها الحرفية للكتاب المقدّس، ولا عن عقائد عصمة العهدين، وما يرتبط بها من نبوءات تتعلق بأحداث مستقبلية ومصيرية، مثل فكرة "الشعب المختار".

ومنذ لحظة الاحتلال عام 1948، وولادة الصراع العربي–الصهيوني على أرض فلسطين، جرى توظيف هذه النبوءات لتبرير مشروعٍ استيطاني يروم تجسيد ما ورد في النصوص المقدّسة، من موقع معبد الله إلى حدود مملكة بني إسرائيل المزعومة. وهكذا، نجد أنفسنا أمام إشكالية عميقة: دعوةٌ مُعلنة إلى التسامح والتعايش والسلام العالمي، تقابلها في العمق مخططات للسيطرة، واقتحام الدين من داخله، وإعادة تفكيك الأديان، لا لتقريبها، بل لتفريغها من معناها المقاوم، وتحويلها إلى أدواتٍ في مشروع الهيمنة.

إنّ الحديث المتزايد عن "القواسم المشتركة بين الأديان" لا يمكن فصله عن كونه مدخلاً تمهيدياً لإعادة هندسة الـوعي الجمعي، لا عبر الصدام، بل عبر التذويب، فهذه القواسم تُقدَّم بوصفها قيَماً سماوية عليا، مقبولة لدى الجميع، لا تثير حساسية أتباع الديانات المختلفة، لتتحول، في الخطاب السياسي، إلى أرضية ناعمة يُبنى عليها مشروع "حلّ الصراع العربي–الإسرائيلي"، غير أنّ هذا الخطاب، في عمقه، لا يستهدف العدالة، بل إعادة تعريف الحق.

ولهذا، يحذّر المنظّرون الداعمون لهذا المسار من خطورة الحديث عن "إعطاء الحق للشعوب الأصلية" بصيغته النـقدية، لأنّ هذا المفهوم، كما يُعاد تأويله سياسياً، ينقلب عملياً إلى تبرير استيلاء إسرائيل الكامل على القدس، فالمفاوض الإسرائيلي والغربي لا يتوقف عن الترويج، بوسائل متعددة، لما يسمّى "الحقوق التاريخيّة لليهود" في المدينة، عبر استدعاء سرديات زائفة من قبيل "مملكة داوود" بوصفها كياناً سياسياً تاريخياً، والادعاء بأن اليهود هم سكان كنعان الأصليون، وأن اليهودية سبقت المسيحية والإسلام، بما يمنحها، وفق هذا المنطق، أسبقية الحق. وهذه المفاهيم، التي يجري ضخّها ثقافياً وإعلامياً، لا تمهّد إلا لتنفيذ ما يُعرف بـ"الدولة الإبـراهيمية"، القائمة على مبدأ إعادة الحق إلى أصحابه الأوائل… أي اليهود، بحسب الزعم الصهيوني.

***

د. حيدر عبد السادة جودة

كيف يستطيع الإنسان أن يجعل آلاف المتابعين يعتقدون أنهم أمام عقل استثنائي، وعبقرية نادرة، وشخصية تستحق الإعجاب والتقليد؟ وكيف يتحول الفرد العادي إلى "نموذج" يتبعه الآخرون، لا بسبب عمق أفكاره أو قيمة ما ينتجه، بل بسبب قدرته على صناعة صورة براقة عن ذاته داخل فضاء لا يعترف دائما بالمعرفة، وإنما يكافئ الحضور والاستعراض؟ .

يبد أن السؤال الأكثر إلحاحا الآن، ليس كيف يصنع المؤثر جمهوره، بل كيف يصنع جمهوره نسخة متخيلة منه؟، وكيف تتحول الشخصية الرقمية الهلامية إلى هوية بديلة يتقمصها الآخرون، فيقلدون طريقة كلامها وحركاتها واختياراتها، وحتى أوهامها، إلى درجة يصبح فيها التقليد بديلا عن التفكير، والانبهار بديلا عن النقد؟

  إننا أمام ظاهرة تتجاوز حدود مواقع التواصل الاجتماعي، لتكشف تحولا عميقا في بنية الوعي المعاصر. فالفضاء الرقمي لم يعد مجرد أداة للتواصل، بل أصبح مختبرا اجتماعيا لإنتاج الرموز وصناعة النجوم وإعادة تعريف مفاهيم النجاح والقيمة والذكاء.

 لقد انتقل الإنسان من عصر كانت فيه المكانة تُكتسب عبر المعرفة والخبرة والإنجاز، إلى عصر أصبحت فيه القدرة على جذب الانتباه في حد ذاتها نوعا من السلطة.  وفي ذلك ينبها الفيلسوف الألماني يورغن هابرماس إلى خطورة تحول المجال العمومي إلى فضاء تتحكم فيه المصالح والأدوات التقنية، حيث يمكن أن يصبح النقاش العام خاضعا لمنطق التأثير بدل منطق الحجاج والعقلانية.

 واليوم تبدو المنصات الرقمية وكأنها نقلت هذا التحول إلى مستوى أكثر تعقيدا؛ إذ لم تعد الحقيقة هي ما يملك قوة البرهان، بل ما يملك قدرة الانتشار.  ومن زاوية أخرى، يمكن استحضار تحليل بيير بورديو لمفهوم "الرأسمال الرمزي"، حيث لا تقوم السلطة فقط على المال أو القوة المادية، بل على الاعتراف الاجتماعي الذي يمنحه الآخرون للفرد. فالمؤثر الرقمي يبني رأسماله الرمزي من خلال أرقام المتابعين والإعجابات والمشاهدات، حتى تصبح الكمية بديلا عن القيمة، ويصبح الانتشار دليلا زائفا على الأهمية.

 المفارقة الكبرى أن بعض الشخصيات الرقمية لا تقدم معرفة حقيقية ولا تجربة إنسانية عميقة، لكنها تنجح في بناء صورة مثالية عن الذات. إنها تمارس نوعا من "هندسة الانبهار"، حيث يتم تحويل الحياة اليومية إلى عرض مستمر، والذات إلى علامة تجارية، والخصوصية إلى مادة للاستهلاك الجماعي. ونستحضر هنا أفكار الفيلسوف الفرنسي غي ديبور، الذي يرى أن المجتمعات الحديثة تتحول تدريجيا إلى مجتمعات فرجة، حيث لا يعود الإنسان يعيش التجربة بقدر ما يعيش تمثيلها وصورتها. فالصورة لا تعكس الواقع فقط، بل تصبح واقعا قائما بذاته. وفي العالم الرقمي، يصبح الفرد أسيرا للصورة التي يصنعها عن نفسه، حتى يفقد المسافة النقدية بين الذات الحقيقية والذات المعروضة.

ويصف عالم الاجتماع البولندي زيغمونت باومان المجتمعات المعاصرة بأنها تعيش حالة من "السيولة"، حيث أصبحت الهويات قابلة للتشكيل والتبديل بسرعة. وهذا ما يفسر انتشار الشخصيات الافتراضية التي لا تقوم على عمق داخلي، بل على القدرة على التكيف مع مزاج الجمهور والخوارزميات. لكن السؤال الأكثر إزعاجا يتعلق بالجمهور نفسه: لماذا ينجذب البعض إلى نماذج تفتقر إلى المعرفة أو العمق؟. لماذا تصبح التفاهة قابلة للانتشار أكثر من الفكر؟.

  ربما تكمن الإجابة في ما وصفه فريدريك نيتشه بصراع القيم، حيث لا تنتصر دائما الأفكار الأكثر عمقا، بل قد تنتصر القوى الأكثر قدرة على فرض حضورها. وفي البيئة الرقمية، تمتلك الخوارزميات قدرة هائلة على تضخيم المحتوى الذي يثير الانفعال، سواء كان غضبا أو دهشة أو فضولا، وليس بالضرورة المحتوى الذي يحمل قيمة معرفية. 

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود المؤثرين، فالتأثير ظاهرة إنسانية قديمة، وإنما في انتقال التأثير من مجال المعرفة والخبرة إلى مجال الاستعراض الفارغ. فحين يصبح عدد المتابعين معيارا للحقيقة، وحين تتحول الشهرة إلى شهادة كفاءة، يصبح المجتمع أمام انقلاب في سلم القيم، يصبح المظهر أكثر أهمية من الجوهر، والصورة أكثر حضورا من الإنسان، والقدرة على جذب الانتباه أهم من القدرة على إنتاج المعنى.

 إن العالم الرقمي لا يعاني فقط من فائض المعلومات، بل من أزمة معنى. فوسط هذا التدفق الهائل من الصور والأصوات، يصبح الإنسان مهددا بفقدان ملكة التمييز بين ما يستحق المتابعة وما يستحق النسيان.

 ولهذا فإن السؤال الأخلاقي الأكبر لا يكمن في، كيف نصنع مؤثرين أكثر نجاحا؟ بل في، كيف نصنع جمهورا أكثر وعيا، قادرا على مقاومة الإغراء السهل للصورة، وعلى التمييز بين من يضيء الطريق ومن يبيع الوهم؟.  فالمشكلة تنساق إلى منتحلي وصانعي أقنعة رقمية، وممن أصبحوا مستعدين للعيش داخل تلك الأقنعة. وفي اللحظة التي يصبح فيها الوهم أكثر جاذبية من الحقيقة، لا يكون الخطر في كذب المؤثر وحده، بل في استعداد الجماعة لتصديق الكذبة وتحويلها إلى واقع اجتماعي.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

فرش اشكالي: ما نسميه بداية العالم ليس في جوهره إلا بداية الكتابة. فالعالم قبل الكتابة كان عالماً بلا ذاكرة جماعية، عالماً تذوب فيه الأحداث كما تذوب آثار الأقدام على رمال الشاطئ مع أول موجة. كان صوتاً عابراً، يولد ويموت في اللحظة ذاتها، لا يترك وراءه إلا صدىً يتلاشى في الهواء.

لكن الإنسان منذ نحو ستة آلاف عام، قرر أن يحدث تحولا في نسيج الوجود، حيث أنشأ عالما من الخطوط والرموز والعلامات، متماسكاً ومستداماً، يوازي العالم المادي ويحاوره، ويبقى بعد أن يفنى صاحبه.

هذا التحول لم يكن مجرد اختراع تقني، بل حدث أنطولوجي فمنذ خمسمئة ألف سنة كان الإنسان يملك أسلحة وأدوات، لكنه لم يبدأ الكتابة إلا في لحظة متأخرة نسبياً من تاريخه واليوم، بينما تُنشر خمسة مليارات كتاب كل عام، لا يزال ملايين البشر لا يعرفون الكتابة. هذا التأخّر وهذا التفاوت يكشفان أن الكتابة ليست امتداداً طبيعياً لليد، بل حدثاً يبني الإنسان في وحدته البيولوجية والتاريخية التي لا تنفصم.

في هذا المقال سنتأمل الكتابة لا كأداة، ولا كمهارة ثانوية، بل كـشرط لإمكانية الإنسان نفسه. نسأل: ما الذي يجعل الكتابة ممكنة؟ وما الذي تجعله هي ممكنة؟ كيف تحوّلت اليد من عضو جسدي إلى كائن يفكّر؟ وكيف يصير الأثر ذلك الغياب المادي حضوراً يخاطبنا عبر الأزمنة؟

اليد التي تفكّر

يقول أرسطو: "ليس لأنّ للإنسان يداً هو أذكى الكائنات، بل لأنّه أذكى الكائنات أنّ له يداً". هذه الجملة تقلب العلاقة التقليدية بين العقل والجسد رأساً على عقب. اليد ليست أداة عضوية تخدم الدماغ؛ بل هي دليل على الذكاء وشرط من شروطه، فالإنسان لا يملك يداً لأنه ذكي فحسب؛ بل هو ذكي لأنه يملك يداً قادرة على أن تتجاوز مجرّد الإمساك.

لكن مارتن هايدغر يذهب أبعد من ذلك، اليد عنده ليست مجرد آلة تُصنع الأدوات، بل عضو متجسد في الكائن البشري، يمكّنه من "تناول" الأشياء. لكنها لا تكتفي بأن تتناول وتأخذ. "اليد تقدّم العون، كما أنها تهدّد وتصون وتحفظ ، اليد تخط علامات، إنها تدلّ وتشير، اليد تتكلم، اليد تنطق". في درسه عن بارمنيدس، يقول هايدغر: "بها تُقام الصلاة، وترتكب الجريمة، وبها تعطى التحية، ويعبّر عن الامتنان، بها يتمّ القسم، والهدي إلى الطريق".

هذا يعني أن اليد ليست وجهاً بلا عيون فحسب كما قد نتصوّر بل هي عضو الإنسان الناطق، وحده الكائن الذي يتكلّم أي يفكّر يمكن أن تكون له يد. ولهذا ينفي هايدغر أن تكون للحيوان أيدٍ: "القرد يملك أعضاء يتناول بها الأشياء، لكنه لا يملك يداً". الحيوان يملك قوائم، والقوائم لا تشير ولا تدلّ ولا تتكلم... لأن التفكير عمل اليد.

لكن جاك دريدا المحاذر دائماً يُذكّرنا: "إذا كان هناك فكر لليد، فليس بمعنى الإدراك العقلي". عنصر الفكر حاضر في حركة اليد، لكنه لا يُسقط عليها كما يُسقط المرء نظريته على الأداة. اليد تفكر بحركتها لا بعقلها. وهذا هو السر: أن الكتابة ليست "ترجمة" للفكر إلى الورق، بل ولادة للفكر في لحظة حركة اليد.

لكن اليد وحدها لا تكفي. الكتابة تتطلّب أيضاً نظرة ترى هذا الشيء المرئي-اللامرئي الذي يُكتب. هكذا يتحقق توازن يدوي-بصري متأخر، معقّد، رائع. اليد التي تخطّ والعين التي تقرأ ليستا عضوين منفصلين؛ إنهما طرفا حركة واحدة تؤسّس عالماً ثانياً متماسكاً ومستديماً.

بهذا الفهم تتضح حقيقة أساسية: الكتابة ليست مجرّد تسجيل لما نفكّر فيه. إنها الطريقة التي يصبح بها الفكر مرئياً، والغياب حضوراً، والإنسان قادراً على أن يترك أثراً لا يفنى بفنائه.

اليد بين العطاء والقبض

لكن اليد في التقليد العربي تحمل معنى أعمق من "الأداة" و"الفكر". يقول ابن عربي: "القدرة روح اليد". واليد في القرآن ليست مجرّد عضو؛ هي موقف. {ولا تجعلْ يدك مغلولة إلى عنقك، ولا تبسطها كل البسط فتقعدَ ملوماً محسوراً} ذلك ان اليد المغلولة بخل، و اليد المبسوطة كل البسط إسراف. والكتابة الحقيقية كما اليد الحقيقية تقف في الوسط فهي تعطي دون أن تُفلس، تُبدي دون أن تُبذّر.

ويقول صاحب الفتوحات المكية: "اليد لها العطاء ولها القبض". اليد العليا — المنفقة — خير من اليد السفلى — السائلة. وفي اللسان “سميت يداً لأنها إنما تكون بالإعطاء". هنا، الكتابة تقترب من الهبة. الكاتب لا يُنتج "سلعة"؛ يُهدي نفسه عبر الحرف.

الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر نفسه يصل إلى هذا المعنى حين يقول: "اليد تُهدي وتتلقى، ليس الأشياء وحدها، لأنها تهدي حتى نفسها". فالكتابة اليدوية بخط الكاتب هي هذا العطاء فانا أُعطيك نفسي في شكل حرف لا يمكن أن يُنسَخ تماماً. وكتب هايدغر: "مددت له يدي" — إلا أن ذلك الذي مددت له يدي قد "لا يتقبّلها". هكذا الكتابة: هبة قد تُرفض، غياب قد لا يُلتفت إليه، لكنها رغم ذلك تبقى هبة.

بل إن ابن عربي يذهب إلى أن حركة اليدين نفسها تحمل دلالة وجودية. رفع اليدين في التكبير مثلاً “يؤذن بالافتقار في كل حال من أحوال التكبير، يقول ما بأيدينا شيء، هذه قد رفعناها إليك في كل حال ليس فيها شيء". والتكتيف وضع اليد على الأخرى "صفة الأذلاء". من هنا، الكتابة الحقيقية هي رفع اليدين: إقرار بالافتقار، وإعلان بأن ما نُعطيه ليس من فضلنا بل من فضل الحرف نفسه.

من الحجر إلى الورق: حين تصير العمارة كتابةً والزمان مساحة

يقول فيكتور هيغو: " الفكرة الرئيسية لكل جيل لن تُكتب بنفس المادة وبنفس الطريقة. كتاب الحجر سيفسح المجال لكتاب الورق، الأقوى والأدوم ". حين شعرت ذاكرة الأجناس الأولى بأنها مثقلة، نُقلت التقاليد إلى الأرض. نُصب الحجر قائماً فكان حرفاً، ورُكّب الحجر على الحجر فصارت كلمات. ركام كارناك الهائل هناك في فرنسا لم يكن مجرّد حجارة؛ كان جملة مكتوبة في الصخر. هكذا بدأت العمارة: ككتابة، كأبجدية أولى.

المبنى كتاب أصلب وأدوم. لتدمير الكلمة المكتوبة على الورق يكفي شعلة نار، أما لهدم الكلمة المبنية فتحتاج إلى ثورة. لكنّ ثمن هذا البقاء كان ثقيلاً: فالفكر حين يريد أن يصير حجراً يحتاج إلى جبال وعمال وذهب. أما الفكر الذي يصير كتاباً فلا يحتاج إلا إلى ورق وحبر وقلم. عندئذٍ لا نعجب أن يغادر الذكاء البشري العمارة إلى الطباعة. الجنس البشري يملك كتابين: إنجيل الحجر وإنجيل الورق. وبرج بابل الثاني برج الكتب المطبوعةهو ملاذ الذكاء ضد غمر الهمجية.

تحت شكل الطباعة صار الفكر متطايراً غير قابل للتدمير، انتقل من الثقل إلى الخفّة، ومن الجمود المكاني إلى السيولة الزمنية. والكتابة لا تحتل الفضاء فحسب؛ إنها تحتل الزمان. تمنح التمزّق الدائم للوقت استمرارية المكان، وتحوّل الزمان المتدفّق إلى مكان مشترك يمكن العودة إليه.

من حجر معبد الكرنك في مصر الفرعونية إلى ورق الكتاب، احتفظت الكتابة بجوهرها: قدرتها على تثبيت ما يفلت من الصوت. لكنّ هذا التثبيت نفسه يفتح باباً أعمق: باب الغياب الذي يصير علاقة.

الكتابة كعلاقة غياب

الأثر بصمة تُترك لحظاتٍ أو بشكل دائم. الكتابة غياب يتحوّل إلى حضور، وحضور يحمل في داخله أثر الغياب، الكاتب قد يكون ميتاً منذ قرون، لكن خطّه حاضر يخاطبنا. الآثار الطبيعية كانت النموذج الأول: آثار الأقدام على الثلج، المسارات التي لا تؤدي إلى مكان. الإنسان رأى الأرض كتاباً طبيعياً، فبدأ يحاكيها ثم حوّلها إلى قصد اصطناعي.

لكنّ الكتابة ليست تقنية محايدة. فعاليتها تعتمد على فعالية السحر، مثل تعويذة لا تعمل إلا إذا آمنت بها. هي تستحضر الكلمة من مسافة بعيدة في المكان والزمان، تجعل الصوت العابر باقياً، والفكر السرّي مرئياً. الشيء المكتوب لم يعد شيئاً تماماً؛ النص ليس منتجاً صناعياً، بل حضور من نوع مختلف يعتمد على الإيمان به ليظلّ فعّالاً.

في قلب هذا الفهم تظهر رسالة المنفى ورسالة السجن... رسائل تكشف البنية الوجودية للكتابة. غياب المخاطَب وغياب المتكلّم يجعلان العلاقة تُحدَّد بالغياب نفسه. في الصمت يستمرّ شيء يُقال، ويُقال أكثر. الغائب حين يُكتب إليه يصير أحياناً أكثر حضوراً من الحاضر.

وكما قال هيراقليطس عن وحي دلفي : "الكتابة لا تكشف ولا تخفي، بل تشير". وهذه الإشارة هي سرّها.

الكتابة والسلطة

إرادة الكتابة متجذّرة في إرادة التشريع. القانون هو ما يستحق أن يُقال ويُعاد دون أن يُناقَض. كتابة القانون تمنحه ضمان السلطة العامة، وتعلن أننا لن نمنح أنفسنا استثناءً. يصير التطبيق أكثر يقيناً، والتنفيذ أشد حزماً، والتفسير أقل حرية. لكنّ هذا الجمود يحرّر أيضاً، الناس أكثر حرية إزاء القواعد المدوّنة القابلة للنقد وإعادة الكتابة منهم إزاء عادات تملك قوة اللاوعي.

بين الكتابة والمال تضامن في الأصل: كلاهما يقوم على التجريد الذي يجعل التراكم ممكناً. العقود والمعاهدات تستمدّ قوتها من كونها مكتوبة. قوة المؤسسات تأتي من الكتابة. وحين كُتب أن :" الناس يولدون ويظلّون أحراراً ومتساوين أمام القانون" ، صارت الجملة تخاطب الجميع ولا أحد في آنٍ واحد. هذه القدرة على مخاطبة الغائب والمستقبل هي مصدر سلطتها.

لكن السلطة التي تخلقها الكتابة هي نفسها التي تجعل مقاومتها ممكنة. فهي تُنتج النظام وتُنتج إمكانية تجاوزه.

من يملك حق الكتابة؟

ليس كل إنسان يكتب، وليس كل من يكتب يُقرأ. تاريخ الكتابة هو أيضاً تاريخ منع الكتابة. فالكتابة في مصر القديمة كانت حكراً على الكهنة. وفي العصور الوسطى الأوروبية، كان أمية الشعوب شرطاً لسلطة الكنيسة التي احتكرت الكتاب المقدس. وحين اخترع غوتنبرغ الطباعة، لم يكن الابتكار التقني هو المخيف؛ بل كان تفكيك احتكار الكلمة ما أرعب السلطات.

وفي عالمنا العربي، لا تزال الكتابة — رغم تعدد وسائلها — حكراً على من يملك الوقت والمكان واللغة. فالفلاح الذي يعمل أربع عشرة ساعة لا يكتب. واللاجئ في المخيم لا يملك "رفاً" يضع عليه كتاباً. والمرأة في مجتمعات تقليدية كثيرة تُمنع من أن تُسمع صوتها قبل أن تُمنع من الكتابة.

الكتابة إذن ليست فعلاً فردياً محايداً. هي فعل سياسي يتطلب شروطاً مادية واجتماعية. وحين نسأل "هل انتهت حضارة الكتاب؟"، يجب أن نسأل أيضاً: "هل انتهى حق الجميع في الكتابة؟"

الحرف العربي بين النقش والروح

إذا كانت الكتابة في الغرب بحسب أفلاطون "تهدد الحضور"، فإن التقليد العربي-الإسلامي يقدّم رؤية مغايرة. القرآن نفسه يُسمّى "الكتاب" و"الفرقان" ، وهو في آنٍ واحد: كتابة (محفوظة في اللوح) وصوت (تلاوة). لا تنافر بين الحرف والروح، بل توازن، والنبيّ محمد ﷺ الأميّ لم يكتب، لكنه أُوحي إليه كتابة، فصار الكتابة في الإسلام فضلاً إلهياً يُناله من لا يكتب.

أما الخط العربي خاصة خط الرقعة والثلث والنسخ فقد تحول إلى فن روحاني. الخطاط لا يكتب فحسب؛ يتقرب إلى الله بحرفه. حروف القرآن تصير "أجساداً نورانية" على الورق هنا، الكتابة ليست غياباً يحلّ محل الحضور، بل حضوراً إضافياً: حضور الله في الحرف.

وهذا يكشف أن ثنائية "الصوت والحرف" لا تتوزع جغرافياً (غرب/شرق) بل تتوزع وجودياً ولكن هل نرى في الكتابة بديلاً عن الحضور، أم امتداداً له؟

هل انتهت حضارة الكتاب؟

موت غوتنبرغ ليس نهاية حضارة الكتاب، لكنّ الذين يرفضون الطريقة الأدبية يتحدثون عن كتابة سينمائية وتصويرية وراقصة، يعيدون ما ينتزعونه، يصعب التفكير في اختفاء الكتابة حقاً، فنحن نعيش وضعاً ملتبساً .

لكن السؤال اليوم أعمق: هل ما زالت الكتابة قادرة على أداء وظيفتها الأنطولوجية؟

في العالم الرقمي، النص لم يعد "ثابتاً". يمكن تعديله بحرف واحد دون أن يترك أثراً. يمكن نسخه آلاف المرات دون أن يفقد شيئاً ودون أن يكتسب شيئاً، يمكن حذفه بضغطة زر. هنا، الغياب يفقد كثافته، فالكتابة الورقية رغم هشاشتها تحمل "أثراً" لا يمكن محوه بسهولة، فهناك بقعة حبر، ثنية في الورق، رائحة الزمن. أما الكتابة الرقمية فهي "نقاء" مطلق يعني عدم وجود.

وهنا يتجلى سرّ هايدغر حين يقول إن "الناس جميعهم يتشابهون في الكتابة الآلية". فالآلة واليوم الحاسوب والشاشة تُخفي الخطّ اليدوي، تُخفي ما تسميه الفرنسية le caractère: الحرف والطبع معاً. في الكتابة الآلية يغدو اللفظ مجرد "أداة"، وتختفي الطباعة، بل يختفي الجسد. أما اليد فهي بحسب هايدغر صانعة النسخ الفريدة، لان كل عمل يدوي هو عمل متفرّد لا شبيه له. ليس وحدة إنتاجية، ولا رقماً في سلسلة.

والأخطر هو الذكاء الاصطناعي الذي يكتب، فحين يكتب الروبوت قصيدة أو مقالاً، هل يُنتج "غياباً"؟ أم أن "الغياب" يتطلب "موتاً"؟ الروبوت لا يموت، ولا يغيب، ولا يشتاق. كتابته هي محاكاة للغياب دون أن تكون غياباً. وهذا يعني أنها محاكاة للكتابة دون أن تكون كتابة.

الفكرة الرئيسية لكل جيل لن تُكتب بنفس المادة. انتقلت من الحجر إلى الورق، وها هي تنتقل إلى الشاشات. لكنّ تغيّر المادة لا يعني نهاية الجوهر. الجوهر هو القدرة على تثبيت الغياب وجعل العلاقة تتجاوز الحضور المباشر، والتاريخ يعلّمنا أنها تغيّرت مراراً دون أن تموت. كل مرة أُعلنت نهايتها كانت تعيد اختراع نفسها.

خاتمة: أنا كنت هنا

من حجر المعابد إلى حرف الألف، من رسالة سجين إلى إعلان حقوق الإنسان، من يد أرسطو إلى يد هايدغر، من بسط اليدين في الدعاء إلى قبضهما على القلم، تظلّ الكتابة الحدث الذي يجعل الإنسان قادراً على أن يكون أكثر من حضوره الجسدي.

ليست أداة في يده؛ إنها الشرط الذي يجعله ممكناً ككائن تاريخي. تمنح التمزّق الدائم للزمان استمرارية المكان، وتحوّل الغياب إلى علاقة أعمق من الحضور، وتجعل السلطة ممكنة والمقاومة ممكنة. هي مشكوك فيها ومقدّسة، خطيرة ومنقذة، هبة قد تُرفض وغياب قد يُلتفت إليه.

كما قال هيراقليطس عن وحي دلفي:" الكتابة لا تكشف ولا تخفي، بل تشير " وهذه الإشارة بين الكشف والإخفاء، بين الحضور والغياب — سرّها الأبدي.

في زمن العلامات الرقمية، يعود السؤال: هل ما زلنا قادرين على إنتاج آثار تحتفظ بكثافة الغياب؟ هل ما زالت يدنا تفكّر وهي تكتب؟ هل ما زلنا نعطي أنفسنا في الحرف، أم أصبحنا نكتب بآلات تشابهنا جميعاً؟ وهل سيظلّ هناك قارئ مجهول يحصد ما نزرعه اليوم بعد أن نكون قد غبنا؟

الكتابة، في أعماقها، هي المحاولة الإنسانية اليائسة والجبّارة لقول: أنا كنتُ هنا. ولأنّ هذا القول يخاطب من لن يلتقيه الكاتب أبداً، فهو دعوة إلى ذلك التوازن اليدوي البصري الذي يجعلنا نرى في الغياب حضوراً، وفي الموت حياة، وفي الحرف ربما روحاً.

***

عمرون علي

وعنفها الحاضر في فاجعة كولومبيا

الجذور الفلسفية والروحية لعلاقة الإنسان بالأرض

منذ أقدم العصور، لم تكن علاقة الإنسان بالأرض مجرد ارتباط نفعي أو بيولوجي قائم على استهلاك الموارد من أجل البقاء، بل كانت علاقة وجودية عميقة تحمل أبعاداً روحية وفلسفية خالصة. فالأنسان لم يُخلق ككائن غريب هبط على هذا الكوكب بالصدفة، بل وُجد ليكون جزءاً من نسيجه الكوني، يتقاسم معه نبض الحياة وقسوة الوجود.

وفي تعبير بليغ عن هذه العلاقة، يرى الفيلسوف الألماني مارتن هايدجر أن الوجود البشري الحقيقي يقوم على مفهوم "السكن على الأرض". فالإنسان ليس سيداً مطلقاً ومسيطراً على الطبيعة، بل هو "حارس وراعي" لهذه البيئة العميقة. ووفقاً لهذا التفسير، فإن الكوارث الجيولوجية والتقلبات العاتية التي يشهدها كوكبنا ليست سوى تذكير دائم بصلابة الأرض وجوهرها المستقل، وهو ما يكسر أوهام الغرور البشري، ويعيد الإنسان إلى حجمه الحقيقي القائم على التواضع أمام قوانين الوجود الأزلية

طبيعة الأرض. بين وهْم الجنَّة وقسوة التكوين

يطرح التأمل في كوكب الأرض تساؤلاً جوهرياً حول ما إذا كان هذا الكوكب جنة ممهدة لراحة الإنسان وسعادته المطلقة، أم أنه بيئة قاسية فرضت على الكائن صراعاً مستمراً من أجل البقاء.

فعلى الصعيد العلمي والفيزيائي، لا تبدو الأرض مجرد صخرة صماء، بل تشكل نظاماً ديناميكياً فريداً يوفر مقومات الحياة الأساسية من مياه سائلة وغلاف جوي متوازن ومجال مغناطيسي واقي، مما جعلها واحة استثنائية مقارنة بالكواكب المجاورة الميتة أو القاحلة التي تعج بالبراكين والعواصف العاتية. وفي المقابل، يكشف السجل الجيولوجي عن تاريخ حافل بالأزمات والانقراضات والتقلبات العنيفة، مما يؤكد أن الأرض لم تكن يوماً مهدًا جاهزًا ومريحًا بالمطلق.

ومن هنا، يتضح أن صلاحية الأرض للعيش ليست هبة مجانية مريحة، بل هي بيئة ممكنة ومتاحة بشروط صارمة وقوانين صلبة، مما أجبر الإنسان منذ بداياته على الكفاح والتكيف المستمر وسط طبيعة عاتية ومتقلبة في شتى أنحاء العوالم المتحرك

من أزلية الطبيعة إلى فاجعة كولومبيا. سجلّ ممتد من الهلاك البشري

على امتداد التاريخ البشري، لم تكن الكوارث الطبيعية سوى حلقات في سلسلة متصلة تعكس قوى الأرض الجيولوجية والمناخية الجامحة. ولعل الذاكرة البشرية توقفت طويلاً أمام ذلك الزلزال الفضيع في القرن الثامن عشر وتحديداً عام 1755 (زلزال لشبونة الشهير)؛ حيث ضرب هازّاً إمبراطوريات بأكملها بقوة هائلة قاربت 8.5 درجات متبوعاً بتسونامي عارم وحرائق أكلت الأخضر واليابس، مخلفاً ما بين 40,000 إلى 50,000 قتيل، ومحدثاً صدمة كبرى هزت حتى أفكار فلسفة عصور التنوير حول طبيعة الوجود.

ولا تتوقف قسوة الطبيعة عند الزلازل الكبرى، بل تتجلى في حرائق المدن الضخمة التي شهدتها أوروبا في القرن التاسع عشر، مثل حريق هامبورغ الكبير عام 1842؛ والذي اندلع نتيجة الجفاف والرياح العاتية في شوارع ذات مبانٍ خشبية متلاصقة، ليأتي على ربع مساحة المدينة ويدمر آلاف المنازل ويشرد عشرات الآلاف.

كما تمتد هذه السلسلة لتشمل أمواج التسونامي المدمرة، ككارثة المحيط الهندي عام 2004 التي ضربت سواحل عدة دول آسيوية وأفريقية وخلفت أكثر من 220,000 قتيل في بضع ساعات، والزلازل العابرة للحدود مثل زلزال تركيا وسوريا المدمر عام 2023 الذي حصد أرواح أكثر من 50,000 قتيل وخلف دماراً هائلاً، إضافة إلى زلزال مصر عام 1992 الذي أحدث دماراً واسعاً ومئات الضحايا نتيجة هشاشة المباني وقرب مركزه من التجمعات السكانية الكثيفة.

ولا تقتصر الفواجع على الأرض وحدها، بل تشمل الكوارث الناجمة عن تفاعل الطبيعة مع عجز البنى التحتية البشرية، مثل انهيار سدي درنة في ليبيا عام 2023 نتيجة العاصفة المتوسطية المدمرة (دانيال) وغياب الصيانة، مما أسفر عن جرف أحياء كاملة ومقتل وفقدان الآلاف، وصولاً إلى الأعاصير العنيفة التي تضرب السواحل الأمريكية متسببة بمآسي واسعة وخسائر بمليارات الدولارات، وأحدثها فاجعة زلزال كولومبيا الأخير بقوة 7.4 درجات والذي أودى بحياة المئات وشرّد الآلاف.

تؤكد هذه المحطات الممتدة من لشبونة التاريخية وحرائق القرن التاسع عشر إلى فواجع التسونامي، والزلازل، وانهيار السدود، والأعاصير المعاصرة أن السجل الكارثي للأرض مفتوح بلا توقف، وأن الطبيعة حين تتحرك بقوانينها الصارمة، لا تترك خلفها سوى دليل جديد على أن بقاء الإنسان على هذا الكوكب مرهون دائماً باحترام أسراره واستيعاب خطوطه الحمراء بين حتمية البقاء وأفق التواضع. فلسفة الكوارث بين نبض الأرض وغرور الإنسان

يقودنا هذا السجل الهائل من الفواجع إلى السؤال الفلسفي الأعمق: هل هذه الظواهر المدمرة هي دليل على تداعي الكوكب ونهايته، أم أنها الصمام الخفي الذي يبقي الأرض حية؟

من المنظور الجيولوجي البحت، لا تُعد القوى العنيفة للزلازل والبراكين علامات احتضار، بل هي "نبض الحياة" والآلية الديناميكية الكبرى التي تضمن استمرار كوكبنا؛ فحركة باطن الأرض وتكتونية الصفائح هي التي تجدد غلافه وتخلق مجاله المغناطيسي الواقي، وكأن الكوارث في جوهرها الفيزيائي هي "ضريبة البقاء" التي يدفعها الكوكب ليبقى نابضاً بالحياة. أما على الصعيد الإنساني، فتکشف الكوارث عن أزمة أعمق تتعلق بما يُعرف بـ "غرور السسيطرة التقنية". فعلى مرّ العصور، ظن الإنسان أنه قادر على إخضاع الطبيعة وترويض حدودها، متخذاً من التقدم العلمي درعاً وهمياً يحميه من صرامة المكان. لكن الهزات، والأعاصير، والفيضانات تأتي دائماً لتُسقط هذا الوهم، وتُذكّر الكائن البشري بهشاشته المطلقة أمام قانون كوني لا يحابي أحداً.ومن هنا، فإن التجاوز الحقيقي لهذه المأساة لا يكمن في محاولة قسر الأرض على طاعة الرغبات البشرية، بل في بلوغ منزلة "التواضع المعرفي"؛ أي إعادة اكتشاف فن العيش المشترك مع الطبيعة، واحترام إيقاعها الأبدي، وإدراك أن بقاء الإنسان على هذه الواحة العتيقة مرهون بمدى قدرته على الانصياع لحكمة المكان، لا بفرض الهيمنة على من هنا ان أفق العلاقة المستقبلية. نحو التواضع المعرفي يتحدد مصير هذه الشراكة الكونية بقدرة الإنسان على تجاوز وهم السيطرة والغرور التقني، والانتقال إلى وعي جديد يقوم على "التواضع المعرفي". فبدلاً من قسر الأرض على طاعة الرغبات، يكمن التحدي في احترام إيقاع المكان والالتزام بخطوط الخطر، لتتحول الكوارث من مآسي مدمرة إلى مُدرّب صارم يعيد صياغة تناغمنا الأصيل مع كوكب عتيق يمنحنا الحياة رغم كل شي

***

ئاريان علي

اعتقد اليونانيون القدماء ان الفراغ امر مستحيل، وان هذه الفكرة أرعبتهم لأنها هددت فهمهم الكامل للواقع. ما الذي يخيف الانسان اكثر هل هو الوحش ام العدم المطلق؟ اليونانيون القدماء انزعجوا من فكرة الفضاء الفارغ. كان عليهم الاعتقاد ان الكون بالكامل كان منظما وهادفا وهيكليا. الفراغ التام بدا مخيفا بشكل لا يصدق واكثر مما يخشونه من الفيزياء. انه وضع الاخلاق، إحساس الفرد بالهوية، الهدف واستقرار الوجود أمام التساؤل. اذا كان "اللاشيء" موجودا حقا، عندئذ سيكون الواقع في نهاية المطاف غير محكوم بالعقل والانسجام.

لماذا اعتقد اليونانيون ان "اللاشيء" غير موجود؟

لكي نبدأ، يجب ان نرى الخلفية لسبب عدم وجود الفراغ ذاته. بالنسبة لمعظم فلاسفة اليونان، "اللاشيء" يستحيل تصوره بشكل عقلاني. بارمنديس تبنّى هذه الحجة عندما قال ان "ما ليس كائنا" لا يمكن ان يوجد بأي شكل من الاشكال. حتى التفكير في اللاشيء ذاته اعتبره مضادا لرؤيته. كيف يمكننا التفكير بشيء غير موجود؟

اعتقد بارمنديس ان الوجود والفكر مرتبطان بعمق. اذا كان الانسان يستطيع التفكير بشيء ما، عندئذ، وبطريقة ما، سيكون ذلك الشيء "هناك" سلفا. هذا يعني ان حالة الفراغ المطلق ستكون مستحيلة. الواقع لابد ان يكون كاملا، مستمرا، ومنظما. هذه الفكرة طبعت اليونانيين. هم كانوا يساوون بين الوجود والنظام والعقل والفهم. الكون يُتوقع ان يكون عقلانيا. من جهة أخرى، الفراغ يمثل الفوضى واللاعقلانية. الخوف لم يكن فقط فيزيائيا، انما كان أيضا نفسيا.

اذا كان اللاشيء موجودا، فان الواقع سيكون بلا بناء او غاية. تلك الفكرة بحد ذاتها ازعجت المفكرين اليونانيين، طالما ان فلسفتهم كانت دائما تبحث عن الانسجام والمعنى الكوني. الناس حاليا لايزالون يشعرون بنفس الخوف. العديد من الافراد يكافحون ضد مشاعر الفراغ الوجودي او فكرة ان الحياة قد لا تحتوي على معنى. الناس بالطبع ينظرون الى النماذج، التوضيحات، والبناء لأن اللايقين الثقيل يسبب لهم الفزع.

شعر اليونانيون بهذا القلق في وقت مبكر. بالنسبة لهم، الفراغ ليس فقط فضاءً فارغا. انه يرمز الى الاحتمال المرعب بان الواقع قد لا يكون له أساسا قويا ابدا.

ارسطو والخوف من الفضاء الفارغ

رفض ارسطو بقوة فكرة الفضاء الفارغ في كتابه الفيزياء، الجزء الرابع. طبقا لارسطو، الكون بطبيعته قاوم حالة الفراغ. هو اعتقد ان الحركة تحتاج الى شيء ما. الأشياء تسافر من خلال الهواء، الماء، او أي شيء مادي. الفضاء الفارغ سيكون مستحيلا لأنه لا شيء يمكنه التأثير في العدم المطلق او النفاذ من خلاله. يرى ارسطو ان الكون كان تاما، مترابطا، وهادفا. كل شيء له مكان ووظيفة. النجوم تحركت بشكل منظم. الطبيعة تميل نحو التوازن والمعنى. الفراغ يشكل تهديدا للرؤية الكاملة للعالم. الفضاء الفارغ يعني الاضطراب والعشوائية. انه يشير الى وجود مناطق من الوجود منفصلة عن الهدف والبناء. ارسطو وجد من الصعب جدا الاعتقاد بهذه الفكرة.

عالم اليونان عكس هذا الخوف بقوة. الكون جرى تصوره كنظام متناغم فيه كل عنصر احادي مترابط طبيعيا ومنطقيا. فكرة الفراغ غير الهادف اعتُبرت غير طبيعية وبغيضة.

مع ذلك، العلم الحديث كان محتوما عليه في يوم ما ان يتحدى رؤية ارسطو. الفيزيائيون لاحقا كانوا قادرين بانفسهم على اكتشاف الفراغ وما نراه في الفضاء الخارجي. حتى الان، الفضاء الفارغ في الحقيقة ليس "فراغا". فيزياء الكوانتم تبين لنا فعالية مستمرة، جسيمات، وتغيرات في الطاقة تحدث دائما ضمن ما يبدو فراغا.

العلوم الحديثة عادت نوعا ما الى ذلك الشعور من اليونان القديمة، حول اللاشيء. الناس لايزالون يكافحون لتصور الفراغ المطلق لأن الذهن يبحث اوتوماتيكيا عن النظام والحضور. ارسطو تصور هذا التصرف النفسي قبل الاف السنين. بالنسبة لليونانيين، الكون الفارغ لايبدو فقط خاطئا علميا وانما الشعور به أمر لا يطاق.

الفوضى الكونية: خوف اليونانيين من الاضطراب

لو نظرنا في الميثولوجيا اليونانية، نراها تبدأ بفكرة مدهشة للغاية وهي انه قبل ان يوجد النظام، كانت هناك فوضى. هذه لم تكن في فهمنا الحديث، فقط فوضى محضة تتمثل في الاضطراب. الفوضى صُورت كفجوة غير واضحة وبلا حدود توجد قبل التكوين وظهور المعنى والشكل، اليونانيون كانوا يشعرون بخوف عميق من هذا.

حضارة اليونان حاولت باستمرار فرض نظام على الواقع. هندستهم المعمارية بيّنت اهتماما في كل من التماثل والتناسب. فلسفتهم باستمرار سعت الى أنظمة عقلانية. سياستهم سعت دائما الى بناء مجتمعات محكومة بالقانون بدلا من الفوضى. الفراغ نُظر اليه كمضاد لكل شيء اعتقدوا انه ثمين. الفراغ المطلق دل على عدم استقرار تام وعدم تنبؤ كامل. بدون تكوين، هويتك تصبح غير واضحة. بدون نظام، سيبدو الواقع يستحيل فهمه او ادارته. هذا الخوف يظهر دائما في التراجيديا اليونانية. الشخصيات يحاولون دائما الهروب من اللانظام او المصير، فقط ليقعوا في فخ قوى اكبر من انفسهم.

ان انهيار البناء يحمل تهديدا كبيرا. المجتمعات الحديثة أيضا تستمر في مواجهة هذه المخاوف. انهيار اقتصادي، عدم استقرار سياسي، وتفكك المجتمع يرسخ الخوف لأن الناس يعتمدون على أنظمة منظمة ليشعروا باليقين.

اليونانيون تعلموا هذا نفسيا. الناس مطلوب منهم عادة وضع أشياء روتينية، أفكار متخيلة مسبقا، عادات مؤسسة، ومؤسسات لأن النقص المطلق للمعلومات ينتج قلقا وجوديا. الفوضى تثير ليس فقط مخاطرة عالية في البقاء وانما أيضا في معنى الوجود. هذا هو السبب لماذا فلاسفة اليونان اصبحوا مسحورين بالانسجام والتوازن والنظام الكوني النهائي لدرجة لا فكاك منها . ان الفراغ اصبح رمزا لكل الأشياء غير المستقرة والخارجة عن السيطرة كليا. وربما ذلك الخوف لم يتوقف ابدا في ان يكون جزءا من كامل الحضارة البشرية.

ديموقريطس، الذرات، والقبول الراديكالي للفراغ

ماذا لو لم يكن الكون منظما بدقة في كل الاوقات؟ ماذا لو ان كل ما يحيط بنا هو مجرد ذرات بسيطة عائمة في فراغ تام؟ بينما العديد من اليونانيين كانوا خائفين من اللاشيء، ديموقريطس قبل بذلك تماما. هو ومعه الذريين ادخلوا احدى اهم الأفكار الراديكالية في الفلسفة القديمة: وهي ان الواقع يتألف من ذرات صغيرة جدا غير مرئية تتحرك في فضاء فارغ. العديد من اليونانيين اعتبروا هذا امرا مخيفا.

خلافا لارسطو، ديمقريطس اعتقد ان الفراغ كان مطلوبا للحركة. بدو فضاء فارغ، الذرات لن تتحرك ابدا، او تصطدم، او تخلق كل العالم المرئي من حولنا. في هذه الفلسفة، الفراغ في الحقيقة يشكل جزءا من الوجود بدلا من ان يكون نقيضا له. تلك الفكرة غيرت كل شيء. الواقع لم يعد يعتمد على نظام الهي او عقل كوني. بدلا من ذلك، الكون نشأ من هذه الجسيمات غير المرئية، المتحركة باستمرار خلال الفراغ.

العلم الحديث في الحقيقة اقترب كثيرا من هذه النظرية القديمة. الفيزياء الذرية، ميكانيكا الكم، وعلم الكون كلها تصف البنى المختبئة التي تشكل الواقع ذاته تحت تجربتنا اليومية . ديموقريطس سبق عصره كثيرا. مع ذلك، العديد من اليونانيين عارضوا الذرية لأنها هددت الأفكار التقليدية للمعنى والنظام. اذا كان الوجود ينتج من ذرات تتحرك عشوائيا في فراغ تام، عندئذ ربما لا يمتلك الكون هدفا مقررا سلفا ابدا. تلك الامكانية يجب ان تكون مقلقة جدا. الذريون جعلوا الفلسفة تواجه اسئلة نحن انفسنا لانزال نسألها اليوم: هل ينطوي الواقع ذاته على معنى متأصل، او هل نحن نصنع معنى لأنفسنا ضمن كون غير مختلف؟ ديموقريطس قبل باللايقين بطريقة لم يكن العديد من المفكرين القدماء قادرين على القيام بها. ولهذا السبب تُعتبر فلسفته حديثة جدا حتى اليوم.

لماذا هدد الفراغ أفكار الهوية والمعنى اليونانية

بالنسبة لليونانيين، الفراغ مثّل تهديدا اكبر من الفيزياء. انه هدد المعنى. الفلسفة اليونانية ربطت دائما الاخلاق وهدف الانسان بالنظام الكوني. الكون نُظر اليه كمنظم وعقلاني ومليء بالمعنى. الناس وجدوا موقعهم ضمن التناغم الاوسع. لكن الفراغ أشار الى شيء ما مخيف: ماذا لو لم يأتي الوجود مع اتجاه مصمم سلفا؟ هذا الخوف يبدو واضح جدا في الفلسفة الوجودية اللاحقة أيضا. جين بول سارتر جادل بان الناس يُقذفون الى الوجود بدون معنى محدد مسبقا. فردريك نيتشه حذر بان المجتمع الحديث ربما يصارع بعد فقدان الايمان في النظام الكوني والقيم الموضوعية. بهذه الطرق المتعددة، هذا القلق الحالي كان موجودا سلفا في اليونان القديمة. الفراغ كان رمزا لانهيار اليقين. بدون بناء، الاخلاق ستبدو غير مستقرة ابدا. الذات ستكون غير مؤكدة. حياة الانسان ستبدو مؤقتة وبلا اتجاه كنتيجة لذلك. سايكولوجياً، الناس يقاومون هذا الشعور بانفسهم.

الناس ينظرون دائما لنماذج وتوضيحات وأنظمة لأن الفضاء الفارغ يسبب لهم القلق. الأديان، الفلسفات، العادات والأنظمة السياسية دائما مستعدة لتقديم مهرب من الخوف من اللاوجود. هذه الامكانية بقيت تؤرق اليونان القديمة والفلسفة الهيلينستية لقرون تلت. ولا تزال تؤرق الحياة اليومية.

لماذا لايزال خوف اليونانيين من الفراغ موجودا اليوم؟

لم يختف خوف اليونانيين من الفراغ. اليوم يستمر اللاشيء في إخافة الناس عاطفيا وسايكولوجيا، حتى انه يتخذ اشكالا مختلفة. "الفراغ" الحديث عادة يُنظر اليه كوحدة، ضجر، قلق وجودي او صمت غير مريح يظهر عندما تختفي مشتتات الانتباه. مجتمعنا الحديث يكافح دائما لملأ هذا الفراغ. أجهزة الموبايل، التواصل الاجتماعي، منصات البث، والضوضاء اللامتناهية كل ذلك يساعد الناس على تجنب الجلوس بمفردهم مع أفكارهم، فالكثيرون يخشون السكون لدرجة انهم يفضلون إبقاء انفسهم في حالة انشغال دائم بدلا من مواجهة المجهول وجها لوجه.

اليونانيون لاحظوا هذا السلوك. بالنسبة لهم، الفراغ ليس فقط فضاءً فارغا. انه رمز لفكرة مخيفة: ان الوجود ربما يفتقر الى معنى مؤكد او نظام. ذلك القلق من فقدان الحياة أو ان تصبح الحياة فارغة يؤثر علينا في كل مكان. فالناس يسعون وراء الإنتاجية بلا توقف، ويصيغون هوياتهم عبر الانترنيت، ويملأون جداول أعمالهم جزئيا لأنهم يحاولون الهروب من ذلك الفراغ.  

***

حاتم حميد محسن

 

قراءة نقدية أكاديمية لمقالة البروفسور محمد الربيعي

تقدّم مقالة البروفسور محمد الربيعي واحدًا من أهم الطروحات الفكرية في النقاش العربي حول الذكاء الاصطناعي، إذ لا تكتفي بوصف التقنية أو التحذير منها، بل تربطها بالبنية الثقافية العربية وبمستقبل التعليم والابتكار، وتكشف بجرأة عن هشاشة البنية النقدية التي تستقبل هذه الثورة الرقمية. فالمقالة تنطلق من تشخيص دقيق لظاهرة “وهم المعرفة”، حيث يذوب التمايز بين من يفكّر ومن يستهلك المعرفة، ويصبح الذكاء الاصطناعي أداة تمنح الجميع مظهرًا موحدًا للمعرفة دون أن يمتلكوا جوهرها. هذا التشخيص ينسجم مع الأدبيات الحديثة في فلسفة التقنية التي تؤكد أن الذكاء الاصطناعي لا يرفع مستوى الجميع، بل يرفع من يعرف كيف يستخدمه ويضعف من يعتمد عليه دون وعي.

ويمضي الربيعي في تحليل العلاقة بين التقنية والسياق العربي، فيربط الذكاء الاصطناعي ببنية ثقافية تميل إلى تقديس النص وضعف الجدل النقدي والاستهلاك المعرفي بدل الإنتاج. هذا الربط يضع الذكاء الاصطناعي في سياقه الاجتماعي الحقيقي، لا في فراغ تقني، ويكشف أن المشكلة ليست في الأداة، بل في البيئة التي تتلقاها. ومن هنا يبرز الفرق الجوهري بين استخدام الذكاء الاصطناعي في الغرب بوصفه وسيلة لتسريع التفكير، وبين استخدامه في العالم العربي بوصفه بديلًا عن التفكير نفسه. هذا الفارق لا يخلق فجوة معرفية فحسب، بل فجوة في تكوين العقل ذاته.

وتتعمق المقالة في توصيف أثر الذكاء الاصطناعي بوصفه “مسكّنًا للجهل”، إذ يمنح المتلقي شعورًا زائفًا بالمعرفة بينما يحرمه من القدرة على إنتاج سؤال نقدي واحد. ومع ذلك، يحافظ الربيعي على موقف متوازن، فلا يقع في فخ الرفض أو التهويل، بل يؤكد أن الذكاء الاصطناعي أداة عظيمة إذا استخدمت بوعي، وأن الخطر الحقيقي يكمن في غياب هذا الوعي.

ورغم قوة المقالة في تشخيص المشكلة، إلا أنها تحتاج إلى توضيح أعمق للتمايز بين العقل الاصطناعي والعقل البشري. فالعقل الاصطناعي نظام احتمالي تنبؤي لا يمتلك وعيًا أو قصدًا أو خبرة وجودية، بينما العقل البشري بنية واعية قادرة على المعنى، والحدس، والإبداع والشك. هذا التمايز ليس تفصيلًا نظريًا، بل هو الأساس الذي يحدد حدود التقنية ويفسر لماذا لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يهدم العقل العربي، بل يمكن أن يهدد وظائفه إذا غابت البنية النقدية.

كما يغيب عن المقالة مفهوم “المتعقل” أو القدرة على مراقبة التفكير، وهي قدرة أساسية في بناء العقل النقدي، وقد يضعفها الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي. كذلك تحتاج المقالة إلى تحليل أعمق لآليات بناء الوعي النقدي، مثل إصلاح المناهج، تدريب المعلمين، وتعليم الطلاب كيفية تقييم مخرجات الذكاء الاصطناعي، وهي عناصر ضرورية لتجاوز “فخ السهولة”.

وتبقى نقطة مهمة كان يمكن للمقالة أن تبرزها أكثر، وهي التفريق بين الاستخدام السلبي للتقنية والاستخدام الإبداعي لها. فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد أداة للنسخ واللصق، بل يمكن أن يكون محفزًا للابتكار، ومنصة لتوليد الفرضيات العلمية وتسريع البحث والتجريب الذهني، إذا أحسنّا توجيهه.

ومع ذلك، تبقى المقالة نصًا فكريًا مهمًا في النقاش العربي حول الذكاء الاصطناعي، لأنها تربط التقنية بالبنية الثقافية العربية وبمستقبل التعليم والابتكار، وتقدّم نقدًا علميًا صحيحًا بأن الذكاء الاصطناعي قد يقتل التفكير النقدي في بيئة غير جاهزة. هذا النقد يستحق أن يُبنى عليه في السياسات التعليمية العربية، لأنه يضعنا أمام سؤال جوهري: هل نملك البنية النقدية التي تسمح لنا باستخدام الذكاء الاصطناعي بوصفه أداة للتحرر المعرفي، أم سنتركه يتحول إلى أداة جديدة لإعادة إنتاج هشاشتنا؟

مع خالص التقدير

***

 بقلم الدكتور عبد الجليل البدري

نعيش في زمن أتقن فيه الإنسان إصلاح كل شيء تقريبا خارج ذاته، لكنه عجز عن إصلاح ذاته.. المؤلم أن كثيرا من البشر يعيشون في عناية دائمة بمظهرهم، بينما يتركون دواخلهم بلا صيانة؛ حتى يصبح الإنسان من الخارج أكثر أناقة، ومن الداخل أكثر خرابا

كم أتمنى أن يكون في محلات بيع النظارات عدسات للعناية بالبصائر المظلمة، تعيد إلى العين قدرتها على رؤية الإنسان قبل أن ترى ملامحه، والجوهر قبل المظهر، والحقيقة قبل أن تغويها الأقنعة.

كم أتمنى أن يكون في محلات التجميل مستحضرات للاهتمام بالأرواح المشوهة، تعيد إليها شيئا من نقائها الذي أفسدته القسوة، وشيئا من جمالها الذي أطفأته الأنانية.

كم أتمنى أن يكون في محلات التنظيف مواد لتنظيف وتطهير العقول الصدئة، تزيل عنها غبار الموروث، ورواسب التعصب، وبقايا الأفكار التي ماتت منذ زمن وما زالت تسكن رؤوسا ترفض أن تدفنها.

كم أتمنى أن تكون هناك صيدليات تبيع دواء للقلوب التي أدمنت الكراهية، وحقنا للضمائر التي فقدت الإحساس، وعقاقير للنفوس التي أصابها تضخم الأنا حتى لم تعد ترى في الكون إلا صورتها.

كم أتمنى أن نجد في المكتبات فرشاة لتنظيف الذاكرة، نمسح بها آثار الإهانات القديمة، ومرارة الخيبات، وأسماء الذين عبروا حياتنا وتركوا فيها ندوبا أكثر مما تركوا من حب وجمال

كم أتمنى أن يكون هناك ميزان لقياس إنسانيتنا، لا يقيس الوزن ولا الطول، بل مقدار الرحمة فينا، وقدرتنا على الاختلاف دون كراهية، وعلى القوة دون استعلاء، وعلى امتلاك الحقيقة دون أن نتحول إلى أوصياء عليها.

كم أتمنى أن توجد مرايا لا تعكس وجوهنا، بل تكشف لنا ما أخفته الوجوه طويلا: كم من القسوة يسكن ملامحنا، وكم من الزيف نرتديه كل صباح، وكم مرة ظلمنا إنسانا ثم أقنعنا أنفسنا أننا كنا على حق.

كم أتمنى أن يكون هناك مركز لإعادة تأهيل الأرواح، نستطيع أن نودع فيه نفوسنا المنهكة لبعض الوقت، فتخرج منه أقل غضبا، وأكثر تسامحا، وأشد قدرة على الحب وتقبل الآخر المختلف

لكنني كلما بحثت عن هذه الأشياء، اكتشفت أنها لا تباع في الأسواق، ولا تصنعها المصانع، ولا توصف في الوصفات الطبية.

فالبصيرة لا تحتاج إلى عدسة بقدر ما تحتاج إلى وعي، والروح لا تحتاج إلى مستحضر تجميل بقدر ما تحتاج إلى صدق، والعقل لا يحتاج إلى منظف بقدر ما يحتاج إلى شجاعة السؤال،

والقلب لا يحتاج إلى دواء بقدر ما يحتاج إلى أن يتعلم ألا يؤذي.

ربما كان أعظم ما ينقص الإنسان في هذا العصر ليس ما يملكه، وإنما ما لم يتعلم كيف يراه في نفسه.

نحن ننفق الكثير على تجميل الجسد، والقليل على تهذيب الروح. نعتني بنظافة البيوت، ونترك عقولنا تمتلئ بالغبار. نخشى تجاعيد الوجه، ولا نخشى تجاعيد الضمير. نبحث عن عيون جميلة، ولا نسأل إن كانت ترى بعدل ونخاف أن يفسد مظهرنا أمام الآخرين، بينما لا يؤرقنا كثيرا أن يفسد جوهرنا أمام أنفسنا.

ولعل المأساة الحقيقية ليست أن يكون للإنسان وجه قبيح، وإنما أن يصبح القبح أخلاقا، وأن يتحول الجهل إلى يقين، والتعصب إلى فضيلة، والقسوة إلى قوة، والوصاية إلى حق، والكراهية إلى عقيدة.

فما أحوجنا إلى ثورة لا تبدأ من الشوارع، بل من الداخل؛ ثورة على كل فكرة ورثناها دون أن نفكر، وكل حكم أصدرناه دون أن نعرف، وكل كراهية تعلمناها قبل أن نلتقي بالآخر.

 ربما لا يحتاج العالم إلى مزيد من مستحضرات التجميل، بقدر ما يحتاج إلى شيء يعيد للإنسان إنسانيته، فالإنسان لا يصبح جميلا حين يتغير وجهه، بل حين تصبح روحه أكثر رحمة، وعقله أكثر تواضعا، وقلبه أكثر اتساعا، وضميره أكثر يقظة.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

من الجسر المعرفي إلى معيار الشرعية

فرش اشكالي: في مطلع القرن العشرين، كانت أهم أطروحة في الفيزياء ونقصد بها نظرية النسبية قد كتبت بالألمانية، وقبلها في القرن الثامن عشر، كتب القانون الثالث للحركة لنيوتن باللاتينية. وقبلهما بقرون، كانت أعظم كتب الطب والرياضيات والفلك من "القانون في الطب" لابن سينا إلى "الجبر والمقابلة" للخوارزمي تدرس بالعربية في جامعات أوروبا، فتاريخيا لغة العلم لم تكن دائماً الإنجليزية، فكيف تحولت الإنجليزية إلى اللغة الطبيعية للعلم، وكيف صار من البديهي أن نعتقد أن العلم لا يمكن أن يكون إلا بالإنجليزية؟

الإنجليزية لم تصبح لغة العلم لأنها أكثر دقة أو أكثر قدرة على التعبير عن المفاهيم العلمية من العربية أو الألمانية بل القوة هي التي جعلتها كذلك، فالإمبراطورية البريطانية أولاً، ثم الهيمنة الأمريكية ثانياً، فرضتا الإنجليزية كلغة للقوة الاقتصادية والعسكرية فتبعها العلم.

لكن السؤال الذي يهمنا هنا في مقالنا ليس تاريخياً بحتاً بل ماذا يحدث حين نصدق أن الإنجليزية هي لغة العلم بشكل طبيعي وبديهي؟ ماذا يحدث حين ننسى أنها لغة لحظة، ونعتقد أنها لغة الأبد؟

هنا ولا شك يبدأ الاستلاب، ففي نقاشات التعليم في العالم العربي، ثمّة جملة تتكرّر كتعويذة: "المستقبل هو الإنجليزية عبارة تقال في قاعات الوزراء ومجالس الآباء ونشرات الأخبار. تُقال كحقيقة بديهية لا تحتاج إلى برهان. وحين تُتخذ قرارات سياسية كفرض الإنجليزية في المراحل المبكرة، أو ربط الترقيات الأكاديمية بالنشر بالإنجليزية يُحتفى بها كـ"إصلاحات شجاعة ونصر على التخلف وعلى الاستعمار، لكن هل حقاً اللغة الانجليزية هي ما ينقصنا؟

صحيح أن الإنجليزية يمكن أن تكون جسراً نعبر به إلى المعرفة. لكنها قد تصبح أيضاً بوابة تتحكم في شروط الاعتراف بالمعرفة. يمكن أن تكون أداة للتحرر من العزلة، لكنها قد تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج التبعية. والسؤال إذن ليس: هل الإنجليزية لغة استعمارية أم لغة تحرر؟ بل سؤال أكثر تركيباً:

متى تتحول اللغة العالمية من وسيلة للانفتاح إلى معيار للشرعية، ومن أداة للتحرر إلى آلية لإعادة إنتاج التبعية؟

غرضنا من هذا المقال ليس محاكمة الإنجليزية، ولا الدفاع عن اللغات الوطنية بدافع الحنين. فتعلم لغة أخرى لا يعني خيانة اللغة الأولى، والانفتاح على المعرفة العالمية لا يعني فقدان الذات. المشكلة تبدأ في اللحظة التي لا تعود فيها اللغة وسيلة للوصول إلى المعرفة، بل تصبح هي نفسها شرطاً للاعتراف بأن ما ننتجه معرفة، عند هذه النقطة ينبغي أن نغادر سؤال اللغة بمعناه الضيق، لندخل إلى سؤال أوسع:

من يضع المعايير التي نقيس بها أنفسنا؟

من قوة الغالب إلى سلطة المعيار

لاحظ ابن خلدون، في تحليله لعلاقة المغلوب بالغالب، أن المغلوب يميل إلى الاقتداء بالغالب في شعاره وزيه وعاداته وأحواله، لأن النفس ترى في الغالب صورة للكمال الذي تفتقده ، وهذه الملاحظة لا تكمن أهميها في أنها تفسر كل أشكال التقليد، وإنما في أنها تكشف آلية تتجاوز الإكراه المباشر، حيث هيبة القوة تستطيع أن تجعل نموذج الغالب مرغوبًا لدى المغلوب نفسه، وهنا تبدأ الهيمنة في الانتقال من الخارج إلى الداخل، وهذا ما يجعل مفهوم «القابلية للاستعمار» عند مالك بن نبي قابلًا للاستثمار في سياقنا، بشرط ألا نفهمه بوصفه اتهامًا للمجتمع المستعمَر، ولا بوصفه إعفاءً للمستعمِر من مسؤوليته التاريخية، وإنما باعتباره سؤالًا عن الشروط الداخلية التي تسمح لعلاقة الهيمنة بأن تستمر بعد زوال صورتها المباشرة. فالاستعمار يستطيع أن يرحل عن الأرض، لكن بعض شروطه قد تبقى في طريقة النظر إلى الذات وإلى الآخر. وقد يتحول المحتل من شخص يحتل المكان إلى نموذج يحتل في مخيلتنا ولا شعورنا معيار التقدم، و هنا يبدأ الاستعمار الجديد في اتخاذ صورة أكثر تعقيدًا حيث لم يعد المطلوب أن تحتل الأرض، بل أن يصبح معيارك هو المعيار الذي يقيس به الآخر نفسه.

هنا يساعدنا أنطونيو غرامشي على فهم شيء بالغ الأهمية: السلطة لا تستمر بالقوة وحدها. فهي تصبح أكثر استقرارًا عندما تتحول إلى هيمنة ثقافية، أي عندما تنجح في جعل تصور معين للعالم يبدو طبيعيًا وبديهيًا، بحيث لا يحتاج إلى فرض نفسه بالقسر المستمر. وهذا يغير طبيعة السؤال. لو قيل للباحث: " استخدم الإنجليزية لأنني أفرضها عليك" لكان الأمر واضحًا بوصفه إكراهًا. لكن ماذا يحدث عندما يصبح الاعتقاد السائد هو أن الباحث الجاد يجب أن ينشر بالإنجليزية، وأن المجلة المرموقة هي المجلة التي تنتمي إلى منظومة نشر دولية معينة، وأن البحث الذي لا يدخل هذه المنظومة يظل في مرتبة أدنى مهما كانت قيمته؟ هنا لا تظهر السلطة في صورة أمر مباشر. إنها تظهر في صورة بديهة، ولا يعود الباحث بحاجة إلى أن يُجبر على اختيار المعيار؛ فهو يتعلم أن يختاره بنفسه. وهنا تكمن إحدى أكثر صور الهيمنة تعقيدًا: أن يختفي الفاعل الذي يفرض المعيار، ويبقى المعيار نفسه.

من الضروري هنا ان نفتح زاوية أخرى للتفكر وهي اللغة بوصفها رأس رمزي، هنا يصبح مفهوم " الرأسمال اللغوي" عند بيير بورديو مفيدًا لفهم البعد الاجتماعي للمسألة،  فاللغة ليست مجرد مجموعة من الكلمات والقواعد بل هي تمثل رصيدا  داخل الحقول الاجتماعية المختلفة، حيث تمتلك بعض طرق الكلام قيمة أكبر من غيرها. وقد يتحول إتقان لغة معينة إلى مورد يفتح أبواب التعليم والعمل والبحث والنشر والاعتراف. وهذا يعني أن انتشار الإنجليزية في المجال الأكاديمي لا ينتج أثرًا معرفيًا فقط؛ بل يمكن أن ينتج أيضًا تفاوتًا اجتماعيًا،  فالقدرة على تعلم الإنجليزية بمستوى عالٍ ليست موزعة بالتساوي، فهناك من يولد في بيئة مدرسية وثقافية واقتصادية تمنحه وصولًا مبكرًا إلى اللغة، وهناك من لا يحصل على هذا الرصيد إلا بعد جهد مضاعف، وربما لا يحصل عليه أصلًا. وعندما تصبح اللغة شرطًا متزايد الأهمية للترقي والاعتراف، فإن ما يبدو في الظاهر معيارًا محايدًا قد يخفي وراءه تفاوتًا في الموارد. هنا تظهر مفارقة أخرى: اللغة التي يفترض أنها تفتح العالم أمام الجميع قد تصبح، إذا تحولت إلى شرط حصري للمرور، أداة لإعادة توزيع فرص الوصول إلى العالم بصورة غير متساوية. ولا يعني ذلك أن الإنجليزية هي التي تنتج التفاوت من العدم، وإنما يعني أن النظام المؤسسي يمكن أن يحول الكفاءة اللغوية إلى رأس مال اجتماعي، وأن يجعل امتلاك هذا الرأس المال شرطًا للوصول إلى مواقع معينة.

من لغة التواصل إلى لغة الشرعية

هنا نصل إلى النقطة المركزية في الإشكالية التي نشتغل عليها، وهي ان هناك فرق هائل بين أن أحتاج الإنجليزية لكي أصل إلى المعرفة، وبين أن أحتاجها لكي يعترف بأن ما أنتجه معرفة ذات قيمة، في الحالة الأولى تكون اللغة وسيلة، وفي الثانية تصبح معيارًا.

يمكن للباحث أن يتعلم الإنجليزية لكي يقرأ أحدث الأبحاث، ويتواصل مع زملائه في العالم، وينشر أفكاره خارج مجتمعه، كل ذلك يدخل في معنى الانفتاح المعرفي، لكن الوضع يتغير حين تصبح العلاقة على النحو الآتي (الإنجليزية جسر للنشر الدولي ،وشرط الاعتراف الأكاديمي وسبب مهم للترقية والحصول على التمويل ومن ثمة  المكانة، وهنا لا تصبح اللغة مجرد أداة اتصال؛ لقد أصبحت جزءًا من بنية الشرعية، لذلك ينبغي أن نميز بين أمرين كثيرًا ما يختلطان: العالمية بوصفها انتشارًا، والعالمية بوصفها قيمة، وكون لغة ما منتشرة عالميًا لا يعني في ذاته أن كل ما ينتج خارجها أقل قيمة. وكون مجلة ما واسعة الانتشار لا يعني تلقائيًا أن كل بحث منشور خارجها فاقد للقيمة. المشكلة تبدأ عندما يتحول الانتشار إلى معيار للقيمة، وحين يصبح الاعتراف الخارجي شرطًا شبه حصري للاعتراف الداخلي. وهنا يمكن أن نصوغ لحظة التحول في جملة واحدة: لا تبدأ الهيمنة حين نتعلم لغة الآخر، بل حين يصبح الاعتراف بنا مشروطًا بأن نتكلم وفق معاييره.

من يملك حق تعريف المعرفة؟

المسألة لا تتوقف عند اللغة، فاللغة لا تعمل منفردة، إنها تدخل في شبكة من المؤسسات التي تحدد ما الذي يُنشر، وما الذي يُفهرس، وما الذي يُدرّس، وما الذي يُمول، وما الذي يمنح صاحبه مكانة علمية، وهنا يصبح سؤال ميشيل فوكو عن العلاقة بين المعرفة والسلطة ذا صلة مباشرة بمشكلتنا، فالسؤال ليس فقط: من يتكلم؟ بل من يملك المؤسسات التي تحدد شروط سماع الكلام بوصفه معرفة؟ فالجامعة، المجلة العلمية، هيئة التقييم، قاعدة البيانات، التصنيف، لجنة التحكيم، المؤسسة المانحة... جميعها ليست مجرد قنوات محايدة لنقل المعرفة؛ فهي تشارك في تحديد ما الذي يظهر في المجال المعرفي، وما الذي يبقى خارجه، ومن هنا فإن السيطرة الأكثر تعقيدًا ليست السيطرة على الأفكار نفسها، وإنما السيطرة على شروط ظهور الأفكار واعتراف المؤسسات بها، و إذا كان الباحث يستطيع أن يكتب ما يشاء، لكنه لا يستطيع أن يدخل إلى المجال الذي تُمنح فيه الشرعية إلا إذا استجاب لمعايير محددة، فإن السؤال عن حرية الكلام وحدها يصبح ناقصًا. فالحرية لا تتعلق فقط بإمكانية أن تقول شيئًا، بل أيضًا بإمكانية أن يجد ما تقوله مجالًا للاعتراف والنقاش.

هنا يأخذ إدوارد سعيد المسألة إلى مستوى آخر، ففي نقده للاستشراق، لم تكن القضية مجرد أن الغرب كتب عن الشرق، بل أن إنتاج المعرفة عن الشرق ارتبط تاريخيًا بعلاقات قوة وتمثيلات ومؤسسات جعلت الشرق موضوعًا للمعرفة من موقع يملك سلطة تعريفه. وهذا يفتح أمامنا سؤالًا يتجاوز اللغة: هل نملك فقط حق الكلام عن أنفسنا، أم نملك أيضًا القدرة على تحديد المفاهيم التي نصف بها أنفسنا؟

قد يكتب الباحث عن مجتمعه بلغة أجنبية، وهذا في ذاته ليس مشكلة. لكن السؤال يصبح أكثر عمقًا عندما يجد نفسه مضطرًا إلى ترجمة واقعه إلى المفاهيم التي يحددها مركز معرفي خارجي قبل أن يصبح هذا الواقع مرئيًا أو قابلًا للاعتراف، وهنا لا تكون التبعية في اللغة وحدها. إنها في إطار النظر، فقد ننتقل من استعارة لغة الآخر إلى استعارة أسئلته، ثم إلى استعارة مفاهيمه، ثم إلى استعارة أولوياته، حتى نبدأ في النظر إلى واقعنا بعين ليست عيننا. وهذا هو المستوى الأعمق من الاستلاب المعرفي.

ماذا يحدث للذات حين تصبح لغة القوة معيارًا للقيمة؟

إذا كان سعيد قد كشف علاقة المعرفة بالتمثيل، فإن فرانز فانون يتيح لنا الاقتراب من التجربة النفسية للغة، فاللغة يمكن أن تكون أكثر من وسيلة للتواصل؛ يمكن أن تكون وسيلة للارتقاء الاجتماعي، ولطلب الاعتراف، وللاقتراب من عالم القوة، وهنا يظهر السؤال: ماذا يحدث للإنسان حين يشعر أن لغته الأصلية لا تمنحه المكانة نفسها التي تمنحه إياها لغة القوة؟

لا تكمن المشكلة في أن يتعلم لغة أخرى، بل في أن يبدأ الإنسان في النظر إلى لغته الأولى بوصفها علامة نقص، وإلى لغة الآخر بوصفها علامة اكتمال. عند هذه النقطة ينتقل الأمر من التعلم إلى الاستبطان، حيث لم يعد الآخر هو الذي يقول لي إن لغتي أقل قيمة. فأنا الذي بدأت أقول ذلك عن نفسي، وهنا تبلغ الهيمنة مرحلة شديدة العمق، حين يصبح صوت السلطة جزءًا من صوت الفرد عن نفسه، وهنا يمكن أن نصل إلى روبرت فيليبسون ومفهوم الإمبريالية اللغوية، أهمية هذا المفهوم أنه ينقل النقاش من الحكم الأخلاقي على لغة بعينها إلى تحليل الظروف التاريخية والمؤسسية التي تجعل لغة ما أكثر قدرة على التوسع من غيرها، وعلى الحصول على موارد ومواقع ومؤسسات تدعم انتشارها. ومن هذه الزاوية، لا ينبغي أن نتعامل مع انتشار الإنجليزية كظاهرة بسيطة يمكن تفسيرها بسبب واحد. فهي ترتبط بتاريخ الاستعمار، وبالقوة الاقتصادية، وبالمؤسسات الدولية، وبالتكنولوجيا، وبالمجال العلمي، وبشبكات الاتصال العالمية، و لكن يجب في الوقت نفسه ألا نقع في اختزال معاكس ، فليس كل استخدام للإنجليزية إمبريالية لغوية،  فالطالب الذي يتعلم الإنجليزية للوصول إلى كتاب أو محاضرة، والباحث الذي يستخدمها للتواصل مع زملائه، والمجتمع الذي يترجم إليها إنتاجه، لا يمارس بالضرورة علاقة تبعية، المشكلة تبدأ عندما تصبح اللغة شرطًا حصريًا أو شبه حصري للاعتراف، وعندما يؤدي هذا الشرط إلى إضعاف القدرة على إنتاج المعرفة في اللغات الأخرى. هنا تنتقل الإنجليزية من كونها أداة اتصال إلى كونها بنية للشرعية.

من الجسر إلى البوابة

وهنا يمكننا أن نعيد صياغة المسألة كلها في صورة استعارة واحدة. اللغة العالمية يمكن أن تكون جسرًا، والجسر يتيح لي أن أعبر من عالمي إلى عالم آخر، ثم أعود إلى عالمي بخبرة جديدة. لكن الجسر يمكن أن يتحول إلى بوابة، والبوابة لا تكتفي بتسهيل العبور؛ إنها تحدد من يدخل، وبأي شروط، وبأي لغة، وبأي معايير، هذه هي اللحظة التي يتحول فيها الانفتاح إلى هيمنة. فاللغة لا تصبح مشكلة لأنها عالمية، بل لأنها تصبح حارسة على العالمية، ولا تكمن المشكلة في أن تكون الإنجليزية لغة مشتركة للعلم، بل في أن يتحول هذا الواقع إلى اعتقاد بأن العلم الذي لا يتكلم الإنجليزية أقل علمية، أو أن المعرفة التي لا تحصل على اعتراف مؤسساتها أقل قيمة. وهنا يتضح الفرق بين: اللغة بوصفها وسيلة، واللغة بوصفها معيارًا.

إذا كان الأمر كذلك، فهل يكون التحرر المعرفي في رفض الإنجليزية والعودة إلى اللغة الوطنية؟ سيكون هذا الاستنتاج سهلًا، لكنه خاطئ، فاللغة الوطنية التي لا تستطيع استيعاب العلوم الحديثة ولا إنتاج مصطلحاتها ولا ترجمة المعارف إليها قد تتحول هي نفسها إلى حاجز. والانغلاق على لغة واحدة يمكن أن يكون شكلًا آخر من أشكال العزلة. لذلك لا ينبغي أن يكون البديل هو استبدال لغة مهيمنة بلغة منغلقة، وإنما بناء علاقة مختلفة باللغات، ان المطلوب ليس الإنجليزية بدل الفرنسية، ولا العربية ضد الفرنسية، فاللغة الأجنبية ينبغي أن تكون نافذة لا جدارًا، وجسرًا لا بوابة، وأداة للوصول إلى المعرفة لا معيارًا وحيدًا لقيمتها. وهنا تصبح الترجمة مشروعًا معرفيًا لا نشاطًا ثانويًا. فالمجتمع الذي يستقبل المعرفة فقط يظل مستهلكًا لها، أما المجتمع الذي يترجم ويعيد إنتاجها بلغته ثم يترجم إنتاجه إلى الآخرين، فإنه يدخل في الدورة العالمية للمعرفة بوصفه فاعلًا.

يمكن لغادامير أن يمنحنا مخرجًا فلسفيًا من الثنائية الزائفة بين الانغلاق والانفتاح. فالإنسان لا يقف خارج اللغة لكي يختارها كما يختار أداة محايدة؛ اللغة هي أحد الأوساط التي يفهم من خلالها العالم. لكن هذا لا يعني أن الإنسان محكوم بلغة واحدة أو أفق واحد. فالحوار مع لغة أخرى يمكن أن يوسع أفق الفهم، وأن يجعل الإنسان يرى في لغته الخاصة إمكانات لم يكن يراها قبل الاحتكاك بالآخر. وهنا يصبح تعلم الإنجليزية، أو أي لغة أخرى، فعلًا تحرريًا بالمعنى العميق إذا أدى إلى توسيع الأفق لا إلى إلغاء الأفق الأصلي. فالتحرر اللغوي لا يعني أن نتوقف عن استخدام لغة الآخر. بل يعني أن نستطيع استخدامها دون أن نضطر إلى فقدان حقنا في الكلام من موقعنا الخاص.

الاستقلال المعرفي خرافة، والاكتفاء الذاتي الكامل وهم في عالم تتشابك فيه المعارف، لا توجد أمة تعرف كل شيء، ولا لغة تستوعب وحدها كل ما ينتجه العقل البشري، ان الاستقلال الحقيقي هو امتلاك القدرة على الاستقبال دون التبعية، والتعلم دون المحاكاة، والترجمة دون الذوبان، والإنتاج دون الانغلاق، والحوار دون فقدان الصوت الخاص. وهذا يعني أن السؤال عن الإنجليزية لا ينبغي أن يكون هل نستخدمها أم لا؟ بل ما موقعها داخل مشروعنا المعرفي؟ هل نستخدمها لكي نصل إلى العالم؟ أم لكي نستبدل أنفسنا بالعالم؟ هل نكتب بها لكي يسمعنا الآخر؟ أم لأننا لم نعد نعتقد أن ما نكتبه بلغتنا يستحق أن يُسمع؟ الفرق بين السؤالين هو الفرق بين الانفتاح والتبعية.

خاتمة

أن نتكلم بلغة العالم دون أن نصبح صدى له ليست المشكلة في أن يتعلم الإنسان لغة الآخر، بل في أن يفقد القدرة على الكلام بلغته الخاصة. وليست المشكلة في أن ينشر الباحث بالإنجليزية، بل في أن يصبح النشر بالإنجليزية الطريق الوحيد الذي يمر عبره الاعتراف بقيمة ما ينتجه. اللغة العالمية تصبح أداة للتحرر عندما توسع قدرتنا على المعرفة والتواصل، وتتحول إلى أداة للهيمنة عندما تصبح معيارًا وحيدًا أو شبه وحيد لتحديد من يملك حق الدخول إلى مجال المعرفة. لهذا لا يبدأ الاستلاب حين نتكلم بلغة الآخر، بل حين نبدأ في قياس أنفسنا بالمعيار الذي جاءت به لغته، فالهيمنة الأكثر اكتمالًا ليست أن يمنعك الآخر من الكلام، وإنما أن يجعلك تعتقد أن الكلام لا قيمة له إلا إذا صيغ بالطريقة التي يعترف بها هو. لكن التحرر لا يكون برفض اللغة العالمية، كما لا يكون بالاستسلام لها. إنه في امتلاكها. أن نتعلم الإنجليزية لكي نقرأ العالم، لا لكي ننسى كيف نقرأ أنفسنا. أن نستخدمها لكي نُسمع صوتنا، لا لكي نستبدل صوتنا بصوتها. أن نجعلها جسرًا نعبر عليه، لا بوابة تقرر لنا من نحن. فالمجتمع المستقل معرفيًا ليس هو المجتمع الذي لا يحتاج إلى الآخر، وإنما الذي لا يحتاج إلى أن يتخلى عن نفسه لكي يدخل العالم. وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل الإنجليزية لغة التحرر أم لغة الهيمنة؟ بل هل نستطيع أن نتكلم بلغة العالم دون أن نصبح صدى له؟

***

عمرون علي

 

منتوجات الحب عندما تنسلخ الروح إلى ما هو غير معلن

"نحن لا نكره أبدًا من نحب، إلا إذا تحول الحب إلى رغبة في السيطرة، وحينها يصبح التملك وجهًا آخر للعبودية."... باروخ سبينوزا

***

إن رحلة الحب البشري منذ بداياتها وحتى يومنا هذا تحمل في طياتها تناقضات عميقة؛ فهي تبدأ من غريزة البقاء لتتطور عبر التاريخ والفلسفة إلى أسمى معاني الارتقاء، لكنها في المقابل قد تسقط في فخ التملك والتشوه النفسي إذا غاب عنها الوعي والنضج.

نشأة الحب وتطوره بين البيولوجيا والفردانية

لم يكن الحب في بداياته الأولى فكرة فلسفية مجردة ولا شعورًا رومانسيًا حالئًا، بل ولد من رحم الضرورة البيولوجية والاجتماعية القصوى لضمان بقاء النوع البشري في مواجهة قسوة الطبيعة والمفترسات فكانت غرائز الحماية والرعاية الوالدية والتعاون الجماعي داخل القبائل البديلة هي الشكل الأولي لهذا التعلق ومع تطور الإنسان عقليًا ولغويًا بدأت هذه الروابط تتخذ أبعادًا رمزية تترجم في طقوس وأساطير تعبر عن الانتماء والتعلق بالآخر ومع الثورة الزراعية واستقرار الإنسان ظهرت الملكية الخاصة وتنظيم النسل والأسرة النووية فتحول الارتباط من مصلحة جماعية للقبيلة إلى تنظيم اجتماعي واقتصادي ثنائي محدد الملامح ومع بزوغ الحضارات الكبرى واكتشاف الإنسان لذاته المستقلة ظهرت أولى النصوص والأساطير المعبرة عن لوعة العشق الفردي مثل ملحمة جلجامش وأساطير عشتار وتموز لتتوج هذه المسيرة لاحقًا في العصور الوسطى الأوروبية عبر شعراء التروبادور ومفهوم الحب المهذب أو الرومانسي الذي رفعت من شأن المرأة وجعل التضحية من أجلها قيمة كبرى وصولًا إلى العصر الحديث حيث فرضت الفردانية نفسها ليصبح الحب والارتباط العاطفي اختيارًا شخصيًا مستقلاً ومبنيًا على التوافق الروحي والنفسي البحت بعيدًا عن الإكراهات الاقتصادية والقبلية.

الحب والوجودية في مواجهة عبثية الوجود

تنظر الفلسفة الوجودية عند أعلامها مثل جان بول سارتر وسيمون دي بوفوار وألبير كامو إلى الحب والجمال باعتبارهما الجناحين اللذين يرتفع بهما الإنسان لمواجهة عبثية الوجود ولا معقوليته فالجمال الوجودي لا يقف عند حدود الزخرفة الشكلية بل يمثل المواجهة الأصيلة للواقع المادي والكوني حيث يمنح الفن والإدراك الجمالي للإنسان شعورًا بالمعنى والتحرر من وطأة العدمية المطلقة أما الحب فيتموضع في قلب الفكر الوجودي كأزمة وكحل في آن واحد فعلى الرغم من أن سارتر يرى في نظرة الآخر تهديدًا محتملًا لحرية الذات إلا أن الحب الحقيقي يظل المحاولة الأذرع والأعمق لكسر العزلة الوجودية المطلقة والاعتراف المتبادل بحرية الكائن الآخر وهشاشته ليتحول الحب من مجرد حاجة عاطفية إلى فعل وجودي واعي يتقاسم فيه طرفان حران عبء الوجود وصمت الكون.

الوجه المزدوج للحب بين الارتقاء الحضاري والعنف المدمر

حمل الحب منذ نشأته طاقة مزدوجة ومتناقضة جعلت منه القوة الدافعة الكبرى للارتقاء الإنساني وفي الوقت ذاته الصاعق المفجر لأعنف غرائز التدمير فعلى صعيد الارتقاء كان الحب الوالدي والتعاطف الاجتماعي الركيزة الأساسية في بقاء وتطور الكائنات البشرية وتكوين مجتمعات متعاونة كما كان الملهم الأكبر لكل الفنون الخالدة من شعر وموسيقى وعمارة وساهم بفعالية في توسيع دائرة الأخلاق والرحمة الإنسانية لتتجاوز الأسرة الضيقة نحو قيم عالمية مشتركة وفي المقابل كان هذا الشغف الجارف نفسه وقودًا لدمار هائل عندما تحول إلى رغبة مرضية في التملك المطلق والغيرة العميقة مؤديًا إلى حروب وصراعات فردية وجماعية باسم العصبية والهوية والتعصب المقيت مما يثبت أن الحب مرآة حقيقية لتناقضات النفس البشرية بين السمو الإنساني والتوحش الغريزي.

الوجه المظلم للحب وتجليات من الحب ما قتل

المثل العربي الشهير من الحب ما قتل يختزل ببراعة ذلك الانحراف الخفي الذي تدخله العاطفة عندما تنسلخ الروح عن نقائها وتتحول من فضاء التحرير والارتقاء إلى سجن مظلم من الهوس والسيطرة فالحب في جوهره يمنح الحرية والاتساع لكنه عندما يقترن بخوف مرضي من الفقد أو برغبة عارمة في الاستحواذ المطلق على الشريك يفقد معناه السامي ويتحول إلى طاقة هدامة تسيطر على العقل وتغيبه وحين يتعرض هذا التعلق العاصف لصدمة عاطفية قوية كالخيانة أو الرفض أو الفراق يعجز الإنسان عن استيعاب الواقع بسبب فرط الاحتراق النفسي وارتفاع مستويات التعلق العصبي مما يدفعه تحت وطأة الانهيار التام إلى ارتكاب أفعال عنيفة أو مدمرة تثبت أن الوجه المظلم للحب ليس نتاج الحب ذاته بل هو نتاج سقوط الإنسان في فخ الأنانية والاعتمادية المريضة.

جوهر الحب الحقيقي بوصفه خيارًا أخلاقيًا للتحرر

إذا كانت كل تلك التشوهات والاصطدامات العنيفة تمثل الجانب المظلم للتعلق فإن جوهر الحب الحقيقي والنقي يظل مرتكزًا على مفاهيم جذرية تعيد للعاطفة براءتها وسموها فالإنسان في الحب الواعي لا يبتلع شريكه ولا يعتبره ملكية خاصة بل يمنحه الحق المطلق في أن يكون حرًا ومستقلًا بذاته لأن الحب الحقيقي لا يقوم على محو الآخر بل على الاحتفاء بوجوده وتفرده كما أن العلاقة السليمة تبنى على التكامل الروحي والتبادل الواعي بعيدًا عن الاعتمادية المرضية التي تبحث عن نصف آخر يكمل النقص بتهور وهنا ينتقل الحب من كونه مجرد غريزة عمياء أو تفاعل عاطفي عابر إلى خيار أخلاقي وإنساني مستدام يستند إلى الرحمة والاحترام المتبادل ليغدو الوسيلة الأسمى لتحقيق السلام الداخلي والتحرر الروحي الكامل.

***

ئاريان علي

يَنْفِي المفكر اللبناني الدكتور أسعد السحمراني* أستاذ العقائد والأديان المقارنة بجامعة الإمام الأوزاعي بيروت لبنان أن يكون المفكر الجزائري مالك بن نبي أوّل من وضع سؤال "النهضة"، إذ يقول: إن سؤال النهضة قد طُرِحَ قبل أن يَخُطَّ مالك بن نبي رؤاه تحت عنوان "مشكلات الحضارة"، ومن أثار السؤال عالِمٌ أزهريٌّ كان في مهمة دعويّة في جاوة بأندونيسيا وهو الشيخ محمد بسيوني عمران وهو واحد من أبرز قراء القرآن الكريم في مصر والعالم الإسلامي، وقد وجّه هذا الأخير رسالة إلى الإمام محمد رشيد رضا صاحب مجلة " المنار" في القاهرة في ربيع الأول 1328هجرية ( 1929م) .

و جاء في سؤاله مايلي: ما الأسباب التي ارتقى بها الأوروبيون والأمريكيون واليابانيون ارتقاءً هائلا، وهل يمكن أن يصير المسلمون أمثالهم في هذا الإرتقاء إذا اتبعوهم في أسبابه مع المحافظة على دينهم الإسلام أم لا؟ وطلب السائل أن يجيب صاحب المجلة على صفحات المنار على سؤال الأمير شكيب أرسلان، وكانت الإجابة في مجموعة مقالات جمعتها المنار في كتاب عنوانه: لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟ صدر عام 1930 وتبعتها طبعات جديدة عن دار النفائس ببيروت.

يضيف الدكتور أسعد السحمراني بالقول: إن ما خطه قلم مالك بن نبي تمحور حول التأسيس للمشروع النهضوي الحضاري وقد أصّل لمشروعه من مرجعية ثقافة الأمّة والإسلام أساسا فيها، هذه الثقافة التي من فضلها تتكون شخصية الإنسان الذي هو بحاجة إلى تحرير نفسه من القابلية للإستعمار، لقد كان في مشروع مالك بن نبي النهضوي الإستثمار في التربية، لذلك ركز مالك بن نبي على دور المدرسة والمناهج والمقررات وهذه مع الفكر النهضوي مقرونة بالأخلاق والذوق الجمالي.

 يقول السحمراني إن آفة الإسلام في الفئة الجامدة التي ترفض ايّ تغيير، فقد اضاع الإسلام جامد وجاحد، وأما الجاحد هو الذي يريد أن يُفَرْنِجَ المسلمين ويبعدهم عن قيمهم وعن ثقافته الأصيلة، لقد دخلت النهضة العربية في طور جديد منذ ثورة يوليو/ جويلية سنة 1952 في مصر بقيادة جمال عبد الناصر، ولهذا بات من الضروري أن توضع مشكلة الإنسان في المرتبة الأولى، لأنه هو الذي يوجِّهُ الأشياء ويصنع الحضارة، ربما ا هذا هو التنبيه الذي أطلقه مالك بن نبي في كتابه "تأملات" طالبا الإنسان على صورة آدمية مسلمة بالعقل باعتباره مستخلف في الأرض

و الدكتور أسعد السحمراني ارتكزت دراساته حول قضايا عديدة منه الإسلام بين المذاهب والأديان، والأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة وكتاب آخر بعنوان : ايها المسلمون اتحدوا وغيرها من الأعمال الفكرية والدينية ، والأهم من ذلك كله هو أن الدكتور أسعد السحمراني عضو في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي غاب عنها مالك بن نبي، بحيث لم يكن فيها عضوا وكان قد صرّح بنفسه في كتاباته بأنه عمل وخدم الحركة الإصلاحية، وتحدث في معاهدها دون أن ينضم رسميا كعضو فيها، في حين وُجدت بينه وبين بعض رموزها اختلافات في وجهات النظر الفكرية والمنهجية، فقد

اعتمد خلاف مالك بن نبي مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين على مفهوم رئيسي، وهو أنه لا بد أن تولد الجزائر الجديدة على الهوية النهضوية الإسلامية، التي اختلف في تحريرها مع "العلماء" ، خاصة ما تعلق بمشاركتها في المؤتمر الإسلامي عام 1936 وحضور بن جلول وفرحات عباس وهو يمثل زعيم الإندماجيين وقال فرنسا أنا وأنا فرنسا وكانت إشارات مالك بن نبي واضحة بأن هناك كتلة اجتماعية منفصلة عن روح الإسلام، مستلبة فكرياً لباريس يقودها التيار الاندماجي في الجزائر وأن الجمعية غفلت عن التفطن لهذا المخطط الإستعماري، مما عجّل في اغتيال مالك بن نمبي فكريا.

***

علجية عيش

..................

* السحمراني كان عضوا في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين

من الاكتفاء بالاتباع والترجمة إلى احداث القطيعة والابداع

مقدمة: تشكل الفلسفة العربية الإسلامية واحدة من أبرز التجليات الفكرية في تاريخ الحضارة الإنسانية، لا باعتبارها مجرد امتداد للفلسفة اليونانية أو انعكاساً سلبياً لها، بل بوصفها تجربة حضارية مركبة نشأت في سياق ثقافي وديني واجتماعي خاص، وتحولت تدريجياً من مرحلة الاستقبال والترجمة والاتباع إلى مرحلة الإبداع والاستقلال النسبي والقطيعة الجزئية مع النموذج اليوناني. هذه التحولات لم تكن مجرد تطورات داخلية في حقل المعرفة الفلسفية، بل كانت تعبيراً عن ديناميكية حضارية أوسع، ارتبطت بتكوين الهوية الثقافية الإسلامية، وتفاعلها مع التراث العالمي، وصراعها مع التحديات اللاهوتية والسياسية والعلمية.

إن المقاربة الحضارية لهذه المسيرة تقتضي النظر إلى الفلسفة لا كمنتج نظري معزول، بل كجزء من منظومة حضارية شاملة تشمل الدين والعلم والسياسة واللغة والسلطة. فقد نشأت الفلسفة العربية الإسلامية في ظل حضارة توسعت جغرافياً وثقافياً، واستوعبت تراث الأمم السابقة، ثم أعادت صياغته وفق مقتضيات رؤيتها الكونية. ومن هنا يمكن تقسيم مسارها إلى مراحل متداخلة: مرحلة الاكتفاء بالترجمة والاتباع، ثم مرحلة التكيف والتأويل، وصولاً إلى مرحلة الإبداع والقطيعة النسبية التي أفرزت أنظمة فلسفية أصيلة. فعلى ماذا يقوم تاريخ الفلسفة العربية الاسلامية؟ هل اكتفى بتقليد واتباع التراث الفلسفي الوافد عليه من الاغريق والفرس والسريان والهند؟ بأي معنى أحدث قطيعة وعرف فترات من الابداع؟

السياق الحضاري لنشأة الترجمة والاستقبال

ظهرت الحاجة إلى الفلسفة في العالم الإسلامي مع اتساع رقعة الدولة العباسية، حيث واجهت الحضارة الإسلامية تحديات معرفية وعقدية جديدة. لم يكن الإسلام في بداياته ديناً فلسفياً بالمعنى اليوناني، بل كان رسالة توحيدية تركز على الوحي والشريعة والأخلاق العملية. غير أن الاحتكاك بالحضارات الفارسية واليونانية والسريانية والهندية، خاصة بعد الفتوحات، طرح أسئلة حول طبيعة الوجود، والعلاقة بين العقل والنقل، ووجود الله وصفاته، وخلق العالم، وطبيعة النفس، والسياسة المثلى. في هذا السياق برزت حركة الترجمة الكبرى في القرنين الثاني والثالث الهجريين، مدعومة من الخلفاء العباسيين، لا سيما المأمون. لم تكن هذه الحركة مجرد نقل نصوص، بل كانت مشروعاً حضارياً يهدف إلى تملك المعرفة العالمية وتوظيفها في خدمة الدولة والمجتمع. تُرجمت أعمال أرسطو وأفلاطون وأفلوطين وجالينوس وإقليدس وبطليموس، وكثيراً ما نُقلت عبر وسطاء سريان، مع شروح وتعليقات. وكان "بيت الحكمة" رمزاً لهذه المرحلة، حيث جُمعت المخطوطات ونُقلت وصُنفت. غير أن الترجمة لم تكن محايدة. فقد اختيرت النصوص وفق حاجات المجتمع الإسلامي، وأُعيدت صياغتها أحياناً بلغة عربية تحمل حمولة دينية وثقافية. وهكذا بدأت الفلسفة تدخل المجال الإسلامي بوصفها "حكمة" يمكن أن تتوافق مع الوحي أو تخدمه. وكان الكندي من أوائل من حاولوا هذا التوفيق، معتبراً الفلسفة والدين طريقين متكاملين إلى الحقيقة. في هذه المرحلة المبكرة ساد الاتباع إلى حد كبير. كان الفيلسوف يقرأ النصوص اليونانية، يشرحها، ويسعى إلى مواءمتها مع العقيدة الإسلامية. لكن حتى هذا الاتباع لم يكن سلبياً تماماً؛ إذ إن اختيار المفاهيم وترجمتها وتأويلها كان ينطوي على فعل إبداعي أولي. فالترجمة ذاتها كانت إعادة إنتاج للمعنى في سياق حضاري مختلف، حيث تحوّل "اللوغوس" اليوناني إلى "عقل"، و"العلة الأولى" إلى مفاهيم تقترب من التوحيد الإسلامي.

مرحلة التكيف والتأويل: بناء النظام الفلسفي الإسلامي

مع تقدم القرون، انتقلت الفلسفة من مجرد استقبال إلى بناء أنظمة متماسكة. برز الفارابي بوصفه المؤسس الحقيقي للفلسفة السياسية والإلهية في الإسلام. لم يكتفِ بنقل أرسطو وأفلاطون، بل أعاد ترتيبهما في نسق جديد يجمع بين المنطق والميتافيزيقا والسياسة. رأى في المدينة الفاضلة تجسيداً للعقل الكلي، وجعل النبوة أعلى درجات المعرفة الحدسية، مما مكّنه من دمج الوحي في البنية الفلسفية. هنا بدأت القطيعة الجزئية تظهر: لم يعد أفلاطون أو أرسطو مرجعاً مطلقاً، بل أصبحا مادة يُعاد صياغتها وفق رؤية حضارية ترى في النبوة والشريعة أساساً للتنظيم الاجتماعي. ثم جاء ابن سينا ليحقق قفزة نوعية. لم يكن مجرد شارح، بل بنى منظومة ميتافيزيقية متكاملة حول واجب الوجود، والماهية والوجود، والنفس، والعقول العشرة. استند إلى التراث الأرسطي والأفلوطيني، لكنه تجاوزهما في مسائل جوهرية، مثل تمييزه بين الوجود والماهية، وهو تمييز أصبح حجر الزاوية في الفكر الإسلامي اللاحق. كما طور نظرية النبوة والخيال، وجعل الفلسفة أداة لفهم الكون والإنسان في إطار توحيدي. كانت فلسفته تعبيراً عن حضارة وصلت إلى ذروة قوتها العلمية والسياسية، حيث تداخلت الفلسفة مع الطب والفلك والرياضيات. في هذه المرحلة لم تنفصل الفلسفة عن اللاهوت الكلامي أو التصوف. فالمتكلمون، رغم نقدهم للفلاسفة أحياناً، استفادوا من أدواتهم المنطقية. والصوفية وجدوا في المفاهيم الفلسفية لغة للتعبير عن تجاربهم. وهكذا أصبحت الفلسفة جزءاً من النسيج الحضاري الأوسع، لا غريبة عنه.

القطيعة والإبداع: تجاوز النموذج اليوناني

بلغت القطيعة ذروتها مع مفكرين أعادوا النظر جذرياً في علاقة العقل بالنقل، وفي طبيعة المعرفة نفسها. يُعد الغزالي نقطة تحول حاسمة. في "تهافت الفلاسفة" نقد ابن سينا والفارابي في مسائل ثلاث رئيسية: قدم العالم، وعلم الله بالجزئيات، والبعث الجسماني. لم يكن نقده رفضاً للعقل، بل دفاعاً عن حدود العقل أمام الوحي، وإعادة ترتيب العلاقة بينهما. أدى هذا النقد إلى تراجع الفلسفة المشائية في المشرق، لكنه فتح الباب أمام تيارات أخرى أكثر إبداعاً. في الأندلس، جاء ابن رشد ليدافع عن الفلسفة ضد الغزالي، مؤكداً أن الحقيقة واحدة، وأن الفلسفة والشريعة متوافقتان إذا فُهمتا فهماً صحيحاً. لكنه لم يعد مجرد تابع لأرسطو؛ بل قدم قراءة نقدية للتراث، وطور نظرية في التأويل تسمح للعقل بالعمل بحرية ضمن إطار الدين. كانت فلسفته تعبيراً عن حضارة أندلسية منفتحة، لكنها واجهت تحديات سياسية أدت إلى تراجعها.

أما الإبداع الحقيقي فيتجلى في تيارات أخرى. ففي المشرق برزت فلسفة الإشراق مع السهروردي، الذي قطع مع المشائية الأرسطية إلى حد كبير، مستلهماً التراث الإيراني القديم والأفلاطونية المحدثة والتصوف. جعل النور مبدأ الوجود، وبنى ميتافيزيقا رمزية وحدسية تتجاوز المنطق الصوري. وفي مدرسة أصفهان لاحقاً، ومع الملا صدرا، بلغت الفلسفة الإسلامية ذروة تركيبية جديدة: جمعت بين المشائية والإشراق والتصوف، وأبدعت نظرية في أصالة الوجود والحركة الجوهرية، مما شكل قطيعة جذرية مع التصورات اليونانية التقليدية للوجود الثابت. لم يكن الإبداع مقتصراً على الميتافيزيقا. في المنطق طور المناطقة المسلمون نظريات في القياس والحد والمغالطات تتجاوز أرسطو. وفي الأخلاق والسياسة قدموا تصورات عن السعادة والمدينة والعدل مستمدة من الشريعة والتجربة التاريخية الإسلامية. وفي نظرية المعرفة أبدعوا في مسائل العقل الفعال والاتصال والحدس.

الأبعاد الحضارية للتحول

من منظور حضاري، لم تكن هذه المسيرة مجرد تطور فكري، بل انعكاساً لتفاعل الحضارة الإسلامية مع ذاتها ومع العالم. فالترجمة كانت تعبيراً عن ثقة حضارية وقدرة على الاستيعاب. والاتباع كان مرحلة ضرورية لامتلاك الأدوات. أما القطيعة والإبداع فهما نتيجة نضج داخلي، حيث أصبح العقل الإسلامي قادراً على نقد التراث العالمي وإعادة بنائه وفق رؤيته الخاصة.

ارتبط هذا التحول بعوامل عدة: ازدهار العلوم التجريبية الذي غذى التساؤل الفلسفي، وتنوع المدارس الكلامية والصوفية التي فرضت حواراً مستمراً، والصراعات السياسية التي جعلت الفلسفة أداة لتبرير السلطة أو نقدها، واللغة العربية التي أصبحت وعاءً قادراً على التعبير عن أدق المفاهيم المجردة. كما لعبت الترجمة العكسية لاحقاً، عبر اللاتينية والعبرية، دوراً في نقل هذا التراث إلى أوروبا، مما يؤكد الطابع الحضاري العالمي للفلسفة الإسلامية. غير أن هذه المسيرة لم تخلُ من توترات. فالتوتر بين العقل والنقل، وبين الفلسفة والسلطة الدينية، وبين الإبداع والمحافظة، ظل حاضراً. وفي مراحل لاحقة، مع تراجع المؤسسات العلمية وتغير موازين القوى الحضارية، ضعفت الفلسفة كمشروع مستقل، واندمجت أكثر في التصوف أو الكلام أو العلوم التقليدية. لكن الإرث الذي خلفته ظل حياً، يشهد على قدرة حضارة على التحول من متلقٍ إلى مبدع.

خاتمة

إن تاريخ الفلسفة العربية الإسلامية، من الاكتفاء بالاتباع والترجمة إلى إحداث القطيعة والإبداع، هو تاريخ حضارة واجهت الآخر واستوعبته ثم تجاوزته. لم تكن القطيعة مطلقة أو عدائية، بل كانت قطعاً انتقائياً يسمح بالاحتفاظ بما ينفع وإعادة صياغة ما يتعارض مع الرؤية التوحيدية والوجودية الإسلامية. ومن خلال هذا المسار برزت إسهامات أصيلة في فهم الوجود والمعرفة والإنسان والمجتمع، إسهامات لا تزال تشكل جزءاً من التراث الإنساني المشترك. على هذا النحو تبقى هذه التجربة شاهداً على أن الإبداع الفلسفي لا ينشأ من فراغ، بل من حوار عميق مع التراث، ومن شجاعة في تجاوزه عندما تتطلب الضرورة الحضارية ذلك. وفي عالم اليوم، حيث تتجدد أسئلة الهوية والعقل والدين، يظل هذا التاريخ مصدراً للتأمل في كيفية بناء معرفة أصيلة في سياق حضاري متجدد. لماذا وقع تاريخ الفلسفة العربية الاسلامية في التهفيت الداخلي لمقالاته الأنطولوجية؟ وكيف مارس تأثيرا كبيرا على الفكر الأوروبي؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

لم تَعرف الثقافة العَرَبيَّة قديمًا مصطلح (ثقافة)، لكنَّها كانت تتنفس المسمَّى نفسه، (الثقافة). ولهذا كان بعض الكُتَّاب العَرَب في القرن الماضي، قبل أن يولد مصطلح (ثقافة)، يستعملون كلمة (كلتور Culture).(1) وبذا فإنَّ عصرنا عصر الكلمات والمصطلحات البرَّاقة، أمَّا الفعل، فإنْ لم يكن كابيًا، ربما كان بعكس التسميات، إلَّا ما ندر. هكذا ابتدر مجلسنا (ذو القُروح)، دون بسملة. فقلت له:

- أُحِبُّ ضَرْب الأمثلة!

- وأنا أُحِبُّ ضَرْبك ضربًا مبرحًا! خذ مثلًا من البلاغة! لقد كانت تسري في دماء العَرَب، العوامِّ منهم قبل الخواص. حتَّى تعلَّم الناس، عِلْمًا فارغًا، أو قُل: (عِلْمًا في حَكَرَة)، كما نقول بلهجات (فَيْفاء)؛ فأصبحوا يحلِّلون ويحرِّمون، ويُفتون في ما يعلمون وما لا يعلمون. وأشرقت على البسيطة شمس (قُل، ولا تقُل!). فمن بدائعهم قولهم مثلًا: لا تقُل «كلُّ عامٍ وأنتم بخَير»، بل قُل: «كلُّ عامٍ.. أنتم بخَير!» والعامِّي يضحك من هذا التصحيح، وإنْ لم يعلم كيف يَرُد، غير أنَّه يَشعُر بفِطرته أنَّ العبارة الأُولى هي الصحيحة، وفيها بلاغة الخطاب المنشود، والعبارة الأخرى عرجاء بليدة. ذلك أنَّه بدارجته يقول أيضًا، إذا حُيِّيَ بمثل تلك التحيَّة: «وأنت بخير»، أو «وأنت بصحَّة وسلامة»، ويكتفي بذلك، فتصل رسالة التحيَّة خير وصول.

- شيءٌ ما أَهَرَّ ذا ناب!

- نعم أَهَرَّه، وأَهَرَّ أباه أيضًا!  بل أَنْبَتَ له نابًا ثمَّ أَهَرَّه!

- ما الذي فَهِمَه العوامُّ ولم يفهمه المتعلِّمون؟

- فَهِمُوا ما يُسمَّى (بلاغة الحذف).

- كيف؟

- المتعلِّم المسكين اليوم لا يفهم اللُّغة إلَّا على أنها الكلمات المرسومة أمام عينيه. لا يفهم أنَّ لُغة الخطاب شبكةٌ معقَّدةٌ من العلاقات والمقامات، فيها علاقات حضورٍ في علاقات غياب.

- دع التفلسف، وقُل لي: ما تلك الواو بين «كُلّ عام»، و«أنتم بخَير»؟

- هي واو الحال. ففي العبارة بلاغة غياب، وتقديرها: (لِيَحِلَّ عليكم كلُّ عامٍ وأنتم بخَير حال).

- يا سلام!

- والعامِّي- البلاغيُّ الحقيقي، والمثقَّف بالفِطرة- حينما يقول لك: «وأنت بخير» يعني: لتعُد عليك هذه المناسبة وأنت بخير. لأنَّه يُعَوِّل على أنَّك إنسان، تفهم ما يُقال، وأنَّ لدَى السامع من الذكاء اللُّغوي ما يكفيه ويُغنيه عن الإطالة والشَّرح.

- يفهمها وهي طائرة!

- نعم. وتلك هي البلاغة.

- لا حول ولا قوَّة إلَّا بالله! وماذا بعد؟

- خذ نموذجًا آخر!

- هات، يا حبيبي!

- مصطلح الترجمة نموذجًا. يملأ الحيطان اليوم، «ومحصولنا على بَقَرٍ»...

- على بَقَرٍ؟

- أقصد، لا تُفهَم الترجمة، ولا تنجو العقول من التلوُّث الترجمي الحاصل، حتَّى نشأت أجيالٌ تكتب وكأنها تترجِم!

- واليوم لديك الذكاء الاصطناعي. استمع إليه في الكتب المسموعة المُعَدَّة بالذكاء الاصطناعي، لتسمع مضحكات الثكالى في نطق الكلمات!

- وسينشأ جيل عَرَبي بعد سنوات يتحدَّث مثل الذكاء الاصطناعي! 

- دعنا مع الترجمة أوَّلًا، التي لم تستكمل حكايتها في المساق الماضي!

- كنا قد قلنا إنَّ إشكالات التَّرجمة إلى العَرَبيَّة اليوم إشكالاتٌ واسعة! ولا تدري، لماذا يشتغل أحدهم بالترجمة، وهو لا يعدو في عمله، وضع كلمة عَرَبيَّة معجميَّة مقابل كلمة غير عَرَبيَّة؟! على أنَّ هذا ليس بالحادث الجديد. فستجد من نماذجه، مثلًا، في «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، ما الله به عليم! وكانت قد طُبِعت ترجمة «دائرة المعارف الإسلاميَّة» في (مِصْر)، سنة 1933، ثمَّ تتالت طبعاتها. ومنها طبعةٌ صدرت عن (دار الشَّعب- القاهرة: 1969)، مضبوطةً بعض مفرداتها بالشَّكل. ثمَّ أُعيدَ طبعُها، مع استكمال الترجمة لأجزاء الموسوعة، في (مركز الشارقة للإبداع الفكري، 1998)، تحت عنوانٍ جديد، هو: «موجز دائرة المعارف الإسلاميَّة». وأُشِيرَ إلى أنها «الطبعة الأُولى»؛ بما يوهم أنَّه لم يُطبَع منها شيءٌ من قبل! وكان المتوقَّع أن تظهر هذه الطبعة الأخيرة أفضل من سابقتها، لكنَّها، مع الأسف، لم تكن كذلك، ولاسيما من حيث الضبط بالشَّكل. بل ليتها حافظت على نُسخة الطبعة المِصْريَّة؛ ولم تتخفَّف من بعض الضبط بالشَّكل. وقد ضربنا على ذلك، في المساق السابق- بعض الأمثلة. وكان الصَّواب غالبًا من نصيب طبعة (القاهرة).  ففي (جبل العُرِّ)- أحد جبال (بني مُنَبِّه) المجاورة لمنطقة (جازان)-: لمَّا لم تظهر الشَّدَّة على الرَّاء واضحة في الطبعة المِصْريَّة، ظنَّوها في طبعة (الشَّارقة) فتحة، فصار اسم الجبل «العُرَ»! وكذا لمَّا لم تظهر الضمَّة واضحة على حرف العين من كلمة «عُقوم»، ظنَّوها في طبعة الشَّارقة فتحة! غير أنَّ الطبعتين تشتركان في الأخطاء في ثلاث حالات: ضبط اسم (المُوَسَّم)، وعبارة: «في أبي عريش»، وعبارة «بلغ جنوبًا إلى المخاء، بل احتل تعزّ»، كما أوضحنا في المقال السابق.

- يبدو في هذا الذي وقعَ في الطبعة الأخيرة إخلالٌ بالأمانة العِلميَّة في نقل ما كان ضبطَه المؤلِّف أوَّلًا- حتَّى بالإنجليزيَّة- وما كان ضبطَه المترجِم ثانيًا، وَفق الطبعة المِصْريَّة، وإخلالٌ، إلى ذلك، بعِلميَّة المادَّة المقدَّمة إلى القارئ.

- على أنها تجتمع في نَصِّ الطبعتَين كلتيهما ثلاثة عوامل، تجعله غير مفهوم، فضلًا عن القصور في الدِّقَّة العِلميَّة:

1- المعلومة المضطربة لدَى المؤلِّف أصلًا.

2- رداءة الترجمة.

3- الإملاء الشاذُّ في رسم بعض الأحرف العَرَبيَّة.

ولذا ترى أنَّ هذه الترجمة، بطبعتَيها، من أردأ ما يمكن أن تقرأه من الترجمات. ومن ملامح ذلك، أن تقرأ النصَّ الآتي:

«(جَيْزان): اسم واد [كذا! والصَّواب: وادٍ] وثغر ومقاطعة على البحر الأحمر في جنوب غرب العربية السعودية، والصيغة القديمة «جازان» لا تزال تستعمل كثيرًا وخاصة على يد الكتاب المنتمين إلى هذه المقاطعة نفسها. وثمة روايات مختلفة في نطق جيزان هي: جى بين الفتحة والكسرة، وجى، وجو، وقلما يقال زى بين الفتحة والكسرة (بين قبيلة ال-مَسارِحَة) أما الصيغة قيزان التي ترد في كثير من الخرائط، فباطلة. ويقال إنها جمع قَوْز (تل رملي) على حين أن الجمع فعلا هو أقواز.»(1)

فأوَّلًا- زعمَ المؤلِّف: أنَّ (جازان) «صيغة قديمة». والصحيح أنَّ (جازان) هي الصيغة العَرَبيَّة الصحيحة منذ القِدَم، أمَّا «جيزان»، فلا تعدو صيغة عامِّيَّة. ولقد جُعِل مدخل هذه المادَّة في «دائرة المعارف الإسلاميَّة» عامِّيًّا، هكذا: (جيزان)، لا عَرَبيًّا صحيحًا: (جازان)، واستمرَّ استعمال هذه الصيغة في سائر ما وردَ عن جازان. ولعلَّ هذا ما يسوِّغ لقارئٍ أنْ يظنَّ الصواب (جيزان)؛ أ لم يَرِد الاسم هكذا في «دائرة المعارف الإسلاميَّة»، على يد (الخواجة رنتز G. Rentz)، وهو من هو؟!

أمَّا القول: «الروايات المختلفة في نطق جيزان هي: جى بين الفتحة والكسرة، وجى، وجو، وقلما يقال زى بين الفتحة والكسرة»، فطلاسم، تستدعي محاولة فكِّها في المساق المقبل، بعون الله!

***

مرفأ:

بَـنَـيْتُ الشِّعْـرَ بَـيْـتًـا شَـعَّ بَـيْـتًـا

فبَـاتَ مَـدِيْـنــةً لِلـحُـبِّ حَـالا

تَـضُمُّ عُرُوْقَ غَرْبِ الأرضِ شَرْقًا

وتَـسْـقِيْ فَـيْـضَ جَذْوَتِها الثَّكَالَى

تُـعَـنْـقِـدُ في ضَمائِـرِهَا شُـمُـوْسًا

وأَقْـمَـارًا وتَـهْصِـرُها اشْـتِعَـالا

إِذا نَـادَى الـمُنَـادِيْ: يَـا لَبَـعْـثٍ!

رَأَيْتَ الـنَّـارَ تَلْـتَـهِـمُ الكُـسَالَى!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

............................

(1) يُنظر مثلًا: العقَّاد والمازني، (د.ت)، الديوان في الأدب والنقد، (القاهرة: الشعب)، 121.

(2) تُقارَن: دائرة المعارف الإسلاميَّة، طبعة (القاهرة: دار الشعب، 1969)، 13: 109، بطبعة (الشارقة: مركز الشارقة للإبداع الفكري ، 1998)، 11: 3292.    

مقاربة نقدية بين الجزائر وتونس والمغرب

"الفلسفة في صلبها الضد الرافض للتعود...

الفلسفة لا تكون بدون الفكر الحر والفعل الحر"

محمد مصطفى القباج

***

فرش اشكالي

تعيش الفلسفة في المدرسة المغاربية حالةً من البؤس المزدوج: بؤس التنظير وبؤس الممارسة. فمن جهة، تتشابه البلدان الثلاثة – الجزائر وتونس والمغرب – في رهانها على الفلسفة كأداةٍ للتحرر الفكري والارتقاء بالوعي، وتتفق مناهجها على وعودٍ باهرةٍ بالتفكير النقدي والإبداعي. ومن جهةٍ أخرى، تتباين مساراتها المنهاجية في تفاصيلها، لتتفاقم أوجه قصورها جميعاً بشكلٍ يكشف عن أزمةٍ بنيويةٍ لا تقتصر على منهاجٍ بعينه أو بلدٍ بذاته، بل تمتد لتطال جوهر العلاقة بين الفلسفة والمدرسة، فواقعيا الفلسفة تكابد في مجتمعاتنا العربية  ألواناً شتى من العذاب الفكري. إنها تُدرَّس في مجتمعاتٍ مسكونةٍ بالازدواجية: تمجد الهوية قولاً وتنسلخ عن ذاتها فعلا، تسترهب النقد الذاتي وتتعالى على الآخر في ازدراءٍ مقيتٍ للغيرية. وفي ظل هذا السياق، تحوّل الدرس الفلسفي – الذي يُفترض أنه «مدرسة الحرية» على حد تعبير اليونسكو – إلى رهينةٍ لتناقضٍ مؤلمٍ بين وعود المناهج وواقع الممارسة.

هذه الأزمة ليست مصيراً محتوماً. ومن هنا يتناول هذا المقال مقاربة نقدية مقارنة لتجارب تدريس الفلسفة في سنواتها الأولى بالبلدان الثلاثة، انطلاقاً من تشخيصٍ دقيقٍ للواقع الجزائري كحالةٍ نموذجيةٍ للأزمة، ثم تفكيكاً للأسباب الجذرية في التجربتين التونسية والمغربية، وصولاً إلى طرح بدائل بيداغوجية من شأنها إعادة الاعتبار للفلسفة، لا كمادة مدرسية عقيمة، بل كممارسة حية للتفكير الحر. ولعل المفارقة الكبرى أن الفلسفة، وهي الخطاب الذي نشأ لتحرير العقل من الوصاية، أصبحت داخل المدرسة العربية واحدة من أكثر المواد خضوعًا لمنطق الوصاية والامتحان. ومن هنا تنشأ الإشكالية التي يسعى هذا المقال إلى مناقشتها: هل يعود تعثر تدريس الفلسفة إلى اختيارات المناهج، أم إلى شروط تنزيلها، أم إلى أزمة أعمق تمس علاقة المدرسة العربية بالتفكير ذاته؟

الإطار النظري: الفلسفة عنصر غريب في الجسم العربي

بالنسبة للوطن العربي عموما، يوجه تفكيرنا إطار من الأوليات: أن الفلسفة إبداع إغريقي، وأن العرب اتصلوا بالفلسفة بعد أن أغلق جوستنيان سنة 527م مدرسة الإسكندرية، فاتجه أساتذتها إلى الشرق العربي. الفلسفة إذن عنصر غريب في الجسم العربي، وليس عنصراً متأصلاً يمكن قبوله أو رفضه بانتقائية تختار ما يفي بالغرض وتنحي ما يخل بالكيان.

بعد انحسار المد الحضاري العربي، أخذ ذلك الوضع المتوتر – الذي كان خلافاً نسبياً – نمطية قارة. فتقرر في الجامعات الإسلامية (الأزهر، القرويين، الزيتونة...) تدريس جزء من الفلسفة هو المنطق الصوري في صلبه الأرسطي شرحا، وأهمل سقراط وأفلاطون إهمالاً تاماً. وإذا تجاوز تدريس الفلسفة نطاق «الدرس المنطقي» واستعمل في قضايا لها علاقة بالمعتقد الديني، فإن هذا التجاوز يعتبر مروقاً وزندقة.

ومن الأحداث الدالة: صدور فتوى تحرم تعاطي الفلسفة في مصر سنة 1870 كان من نتائجها إقصاء درس المنطق والفلسفة عن مقررات جامعة الأزهر. وقريب من هذا، المرسوم القاضي بتحريم تدريس الفلسفة الذي أصدره الحاجب المنصور في العصر الموحدي بالمغرب، إذ أصدر أمراً بألا يترك أي كتاب من كتب الفلسفة تحت التداول، ونفذه بإبادة وإحراق كتب الفلسفة. وفي عهد السلطان محمد بن عبد الله سنة 1780، أُصدر «ظهيرٌ» يحدد بدقة المواد الممنوعة: «من أراد أن يخوض في علم الكلام والمنطق وعلوم الفلسفة... فليتعاطى ذلك في داره مع أصحابه... ومن تعاطى ما ذكرنا في الجوامع ونالته عقوبته فلا يلومن إلا نفسه».

مع حلول ظاهرة الاستعمار، اخترق الغرب المجال المعرفي والتربوي العربي. فأدمج الدرس الفلسفي في التعليم الثانوي ببعض البلدان في الثلاثينات (لبنان، سوريا، العراق، المغرب...). لكن الحقيقة المرة التي لا بد من الإقرار بها: أن الدرس الفلسفي في الوطن العربي ما زال واقعاً تحت تأثير «المدرسة الاستعمارية». ولم يوفق أي بلد عربي لحد الآن في صياغة درس فلسفي مطابق لفكر العرب وواقعهم، لدرجة العجز عن التوفيق الأدنى بين الفلسفة الغربية والفلسفة الإسلامية.

المنهاج بين الطموح والعجز

يراهن منهاج الفلسفة الجزائري للسنة الثانية ثانوي (شعبة آداب وفلسفة) على كفاءتين ختاميتين: التحكم الفعلي في آليات الفكر النسقي، وخوض تجارب فعلية في طرح القضايا الفلسفية وفهمها ومحاولة حلها. ويوزّع الحجم الساعي تقريباً بالتساوي بين الدروس النظرية (55 ساعة) والأعمال التطبيقية (53 ساعة). غير أن هذه الكفايات، على طموحها، أقرب إلى مطالبٍ أخلاقية كانطية منها إلى أهدافٍ قابلةٍ للتحقق في ظل غياب لغة تفكير مشتركة قوية، وضعف التأطير، وانعدام ثقافة احترام الآخر والتواصل.

وفي المغرب، يُعرَّف التلميذ في الجذوع المشتركة على الفلسفة كنمطٍ فكريٍّ متميز عبر نشأتها ولحظات تاريخها ومعالمها. ويُركّز المنهاج على الأشكلة انطلاقاً من وضعيةٍ مشكلة، وصياغة أسئلةٍ منظمة، والقراءة الفلسفية، والتفكير المنطقي والمحاججة.

أما في تونس، فيبدأ تدريس الفلسفة في السنة الثالثة (أول سنة) بعنوانٍ فريد: «مطلب التفكير: من اليومي إلى الفلسفي»، يتفرع إلى الوعي بالمغالطات، والإجرائيات (التأسيس، الأشكلة، التعريف، الحجاج، الفحص)، وإيتيقا التفكير (التعقل بدلاً من الانفعال، الحوار بدلاً من الإرغام).

أولاً: الجزائر

يشهد الدرس الفلسفي في التعليم الثانوي الجزائري حالة من البؤس من حيث الممارسة، ومن جهة التنظير البيداغوجي يعاني من الهزال والفقر. إنه يمر بأزمة عميقة تظهر أعراضها في القلق والاكتئاب والتمزق لدى الأستاذ والتلميذ معاً. حيث ينظر أغلب التلاميذ إلى الفلسفة نظرة استخفافٍ وتعالٍ، لأن القدرة على حفظ المقال الفلسفي واستظهاره تُعتبر في مخيالهم العلامة الحقيقية على جودة التفكير. وتحت ضغط الامتحانات الرسمية، تحوّل الدرس إلى هجينٍ تلفيقيٍّ يغلب الكم المعرفي على الكيف. وهنا يتأرجح موقف التلميذ بين الخوف والحقد (بالنسبة للشعب العلمية)، والتهكم والسخرية (لدى تلامذة الشعب الأدبية).

وفي ظل هشاشة تكوين الأساتذة، يراهن كثيرٌ منهم على تخوفات التلميذ وغرائزه. فيتحول الدرس غالباً إلى ما يشبه الكوميديا تحقيقاً لمطلب الفرجة (إتقان فن الإلقاء ووجوب الإنصات)، أو إلى دراما عندما يعلن المتعلم انزعاجه وعدم رغبته في دراسة الفلسفة، لكثافة مواردها المعرفية والتفكير في طلب الخلاص عبر الغش أو الهروب نحو الدرس الخصوصي.

العوائق العشرة

يمكن رصد أهم العوائق فيما يلي:

أ) طريقة تدريس تقليدية سكونية تغلب الكم على الكيف، تعتمد الترغيب ببعض المقالات المتوقعة داخل الدرس الخصوصي والترهيب من طرف أستاذ المادة. طريقةٌ متناقضةٌ يحذّر فيها الأستاذ تلامذته من الأحكام المسبقة ثم يزوّدهم بمجموعةٍ من المطبوعات المستنسخة، ويمتدح المواقف الحرة ثم يحطّ من أهمية موقف التلميذ. مما ولد لدى التلميذ عزوفاً نفسياً وعقلياً.

ب) ضعف التأهيل والتكوين: حيث يُوجَّه أفضل التلاميذ إلى الشعب العلمية، وتستقطب الفلسفة الأضعف تكويناً. وتأتي المادة متأخرة (السنة الثانية أداب)، مثل «بومة مينيرفا» الهيغلية. وقد أكّد المرحوم محمود يعقوبي أن الإشكالية ليست في المنهجية بقدر ما هي في ضعف المستوى المعرفي للمدرسين والطلبة الموجهين إلى التخصص.

ج) العائق الأيديولوجي: خضوع المنظومة التربوية للقرارات السياسية الكبرى (ديمقراطية التعليم، الجزائرَة، التعريب، الأسلمة) وجد هذا التدخل مجاله التطبيقي الأول في حقل الفلسفة

د) غياب التفكير النقدي والمرونة اللغوية والرياضية: إذ تتطلب الفلسفة، كما كان أفلاطون يذكّر، إتقان اللغة والرياضيات، وغياب هذا المدخل يضعف القدرة على التجريد.

هـ) مركزية المقال الفلسفي واختزاله في أشكالٍ معلّبةٍ وأسئلة نمطية مستهلكة تسرّع من وقوع المتعلم في الملل.

و) العائق الثقافي: الصعوبات ليست مؤسساتية أو ديداكتيكية فحسب، بل ثقافية أيضاً؛ فالتدريس لا يتم في فراغٍ أيديولوجي.

ز) غياب الحرية: حيث لا يزدهر الدرس الفلسفي إلا في وطنٍ يقدّس الحرية.

ح) الانغلاق والعزلة عن التطورات العالمية في ميدان الأفكار، مما يقود إلى موت الفكر المبدع.

ط) غياب التخطيط وتهافت المشروع التربوي: تنمية تربوية هشة، فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع، ارتفاع التكلفة مع انخفاض المردود، تهافت المحتوى، وغياب التخطيط المستقبلي.

ي) توزيع الحصص (55 ساعة نظرية مقابل 53 ساعة تطبيقية) يوحي بتوازنٍ زمني، لكن الواقع يقول إن الحصص التطبيقية تظل رهينة ضعف التأطير وغياب البنى التحتية، ما يحوّلها إلى مجرد أرقامٍ على الورق.

ثانياً: تونس

تختلف التجربة التونسية اختلافاً جوهرياً، إذ تبدأ الفلسفة في السنة الثالثة (أول سنة لتدريسها) بعنوانٍ فريد: «مطلب التفكير: من اليومي إلى الفلسفي». وهو عنوانٌ يحمل في طياته فلسفةً تربويةً عميقة تقوم على ردم الهوة بين الحياة والتفكير.

يتفرع هذا المطلب إلى ثلاثة عناصر: الوعي بالمغالطات، والإجرائيات (التأسيس، الأشكلة، التعريف، الحجاج، الفحص)، وإيتيقا التفكير. كما تُدرج تجربة الالتزام الفكري من خلال شخصيات فكرية تربط بين الفكر والممارسة، وهو ما يمنح التجربة التونسية بعداً إنسانياً ووجودياً ناقصاً في التجربتين الجزائرية والمغربية. ذلك ان المنهاج التونسي يتميز باعتماد «القراءة التأليفية»، وهي الدرس كما يتصوره الأستاذ وينجزه فعلياً في الفصل، فيدمج بين التمشي المعرفي والإشكالي. وهي «قراءة شمولية، تأويلية تستحضر الكل في الجزء (روح التفكير الفلسفي) وتربط الأهداف الخصوصية بالأهداف العامة». وتمثل النصوص ثلثي الكتاب المدرسي.

لكن التجربة التونسية – كما يسجل حمادي بن جاب الله – لم تبتئس يوماً قدر ما ابتأست يوم اشتدت العناية بها. فقد شهدت خلالها توسعاً كمياً وانحساراً كيفياً انتهيا بها إلى ما يشبه الوأد. فتوسع مجال تداول القول الفلسفي لم يزده إلا وهناً، كما تشهد بذلك مقالات امتحانات الباكالوريا ومستوى الطلبة الوافدين على كلية الآداب.

وقد تعزى هذه الظاهرة إلى سوء التبليغ أو عسر الهضم أو ضحالة الغذاء أو إلى هذه العوامل الثلاثة مجتمعة. فأما سوء التبليغ، فلا يقتصر على انعدام الإعداد البيداغوجي، بل يتعداه إلى عدم التحكم في أداة التبليغ، إما بسبب ما يعانيه المعلم من اختلاف بين لغة الدرس (الفرنسية) ولغة التدريس الحالية (العربية)، وإما بسبب ازدواج لغة التكوين ازدواجاً فجاً لم ينتج إلا نوعاً من حاملي الشهادات العليا لغتهم أقرب ما تكون إلى اللغة الهجينة.

وأما محتوى البرامج، فهو يبدو لأول وهلة ثرياً ثراءً يشهد له حجم البرامج المقررة نفسه (حوالي 1000 صفحة موزعة على ثلاث مجلدات). لكنه في حقيقته «ركام من المعلومات السطحية المحتوى والمتنافرة التركيب»، يحكمها مساواة فاسدة بين العلماء وغير العلماء، وخلط شنيع بين الحدوسات والرؤى التخيلية والمفاهيم والنظريات العلمية. وهكذا يسود الاعتقاد أن اكتشاف اليوم ليس إلا حلقة أخيرة من مضمار سباق خطى تتنامى فيه المعارف وتتراكم، وهو ما يوجب اجتثاث النصوص من مناخها الفكري

ولعل حضور البعد السياسي في صلب القول الفلسفي هو الذي يفسر إلى حد بعيد تردي الفلسفة عندنا. فقد شهدت أواخر الستينات وأوائل السبعينات انتشار المواقف اليسارية، فحاولت معالجة الوضع عن طريق إدخال تحويريات كانت مصحوبة بما يشبه القنبلة الإيديولوجية تدور على معنى «الجلاء الثقافي» و«الأصالة» و«العروبة» والأسلمة. وانتهى كل ذلك إلى شيء يشبه الوصاية العامة على العقل والوجدان والضمير. وقد انعكست هذه السلفية السياسية على الفلسفة تعليماً وإنتاجاً، فكان الاتجاه إلى ضرب من «التواصلية الإبستيمولوجية» تمحو الفوارق النوعية بين مختلف مراحل صيرورة المعارف.

رغم الطموح، يتحول التلميذ التونسي إلى رهينةٍ لنظامٍ مدرسيٍّ عاجز عن توفير قاعة عرضٍ لفيلمٍ فلسفي أو خشبة مسرحٍ لتجسيد إشكالٍ فلسفي. وغلبة النصوص (ثلثي الكتاب) قد تُضيّق أفق التلميذ وتُبعده عن الجذور التاريخية للتفكير. ناهيك عن إكراهات الدرس الخصوصي التي تقتل الروح الفلسفية في مهدها.

ثالثاً: المغرب

في المغرب، يلتقي التلميذ بالفلسفة لأول مرة في الجذوع المشتركة (الأولى ثانوي)، حيث يُعرَّف عليها كنمطٍ فكريٍّ متميز عبر نشأتها ولحظات تاريخها ومعالمها. ويُركّز المنهاج على الأشكلة انطلاقاً من وضعيةٍ مشكلة، وصياغة أسئلةٍ منظمة، والقراءة الفلسفية، والتفكير المنطقي والمحاججة.

2. تاريخ التدريس: ثلاث مراحل

يمكن استعراض تاريخ التعليم الفلسفي بالثانوي في المغرب في ثلاث مراحل متلاحقة:

المرحلة الأولى (1940-1970): يعود إدخال الفلسفة في التعليم الثانوي إلى الأربعينات، حيث كانت الشهادة منظمة في مرحلتين، كانت الثانية منهما تضم تعليماً فلسفياً يدرس باللغة الفرنسية مستلَماً من البرامج التقليدية الفرنسية. وعند خلق الباكالوريا المغربية سنة 1960، انطلق مسلسل التعريب.

المرحلة الثانية (1971-1974): تتميز بحركة التعريب التي عربت الفلسفة بشكل كامل سنة 1971، مما أتاح إعادة اكتشاف الفلسفة العربية الإسلامية. وقد عرفت هذه المرحلة إقرار برنامج جديد (1971) كان يضم في الواقع برنامجين منفصلين: أحدهما للفلسفة والآخر للفكر الإسلامي.

المرحلة الثالثة (1975-اليوم): أبرز سماتها النزوع إلى التجديد، منها إقرار برنامج جديد (سبتمبر 1976) الذي جرى تعديله لاحقاً. ولعل أهم عنصر يميز هذا المقرر هو دمج الفلسفة والفكر الإسلامي اللذين كانا منفصلين في مقررات سابقة. وتخضع تعليم الفلسفة في تنظيمه للمذكرة رقم 179 المؤرخة في 28 سبتمبر 1976، التي تضع أربع مبادئ توجيهية: الموضوعية في التقديم، ربط التدريس بالواقع الوطني والتراث العربي الإسلامي، الانفتاح على الواقع المعاصر، وبناء المواد على أساس إشكالات محددة بوضوح.

بين النشأة والاستشكال

يُطلب من المدرس أن يُشغّل التلميذ على قضية نشأة الفلسفة، لا كإخبارٍ تاريخيٍّ جاف (ظهرت عند اليونان في القرن السادس قبل الميلاد وانتهى الأمر)، بل كإشكاليةٍ فلسفيةٍ تدور رحاها بين ثنائية المركز والهامش (النزعة المركزية الأوروبية مقابل نقدها والاعتراف بجدية الشرق). وهو ما يقتضي استثمار نصوص فلسفية وتاريخية وأنثروبولوجية، ليكون التعرف على الفلسفة ممارسةً لفعل التفلسف لا نقلاً للمعرفة.

الاكتظاظ كقاتلٍ للفلسفة

غير أن هذا الطموح يصطدم بواقعٍ مرير: الاكتظاظ الهائل في الفصول، وعدم تلاؤم الغلاف الزمني مع حجم المقررات، ما يدفع بالمدرس إلى تعليم الفلسفة لا التفلسف. أي إلى نقل معارفَ يحفظها التلميذ ليستظهرها في الامتحان، ثم يتخلص منها عند «التحرر من قيود الامتحان». وبعض المدرسين يتعاملون مع النصوص الفلسفية كغاياتٍ في حد ذاتها لا وسائلَ لتعلم التفلسف.

إقصاء الفلسفة

وقد عبّرت الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة عن رفضها لقرار إقصاء الفلسفة تدريساً وامتحاناً من مستويات الأولى والثانية باكالوريا (2017)، رأت فيه تجسيداً للارتجالية والمزاجية التي تحكم النظام التربوي المغربي، وانعدام الإرادة السياسية للانتقال من «مدرسة الحفظ» إلى «مدرسة التفكير».

نحو تجاوز العوائق – مقترحات إصلاحية

الحل لا يكمن في مزيد من الشعارات، بل في اقتحام مباحث علم التدريس (الديداكتيك) بشكلٍ علميٍّ. ويمكن اقتراح مداخلٍ تشترك فيها البلدان:

1. تدرج تدريس الفلسفة: البدء بتدريسها من السنة الأولى ثانوي بشكلٍ متدرج (مفاهيم، ثم مدارس، ثم إشكاليات)، بدلاً من إلقائها على التلميذ دفعةً واحدة.

2. تنويع التمارين: العمل على التعاريف، مجموعات صغيرة (2-5 تلاميذ) لمناقشة الحجج، منتديات حوارية، استضافة مختصين من خارج المدرسة.

3. التكامل بين المواد: الاشتغال على ترجمة النصوص (في شعب اللغات)، وتحقيق التكامل بين مدرس الفلسفة وأستاذ الأدب العربي وأستاذ اللغات الأجنبية حول قضايا المواطنة وحقوق الإنسان والديمقراطية والمراهقة.

4. تجديد المشكلات: الاشتغال على قضايا روح العصر مثل الذكاء الاصطناعي والآثار الفلسفية للتكنولوجيات الجديدة.

5. إعادة بناء الامتحانات: لا يجب أن تُعلَّم التيارات الفلسفية على شكل معارف مخزّنة، بل بطريقة تمكّن من فهم التسلسل التاريخي للفكر ومجابهة نسبية الآراء.

6. شعبة «علوم وفلسفة»: التفكير في إنشاء شعبة جديدة تربط بين العلوم والفلسفة، استجابةً لطبيعة الفلسفة «بنت العلوم» لا «أمها».

7. فك العزلة: التوثيق، واستضافة المؤطرين المبدعين، وتنظيم تدريبات، واستغلال منح التعاون الدولي.

8. إعادة اعتبار تكوين المدرس: ليس تكويناً معرفياً فحسب، بل تكويناً في فن الحوار الصفي وإدارة النصوص وتشجيع الإنتاج الفلسفي.

9. تخفيف المحتوى: التخمة المعرفية تقتل التفكير. يجب أن يكون «الأقل هو الأكثر» في تدريس الفلسفة.

10. تحرير الفلسفة من الامتحان: جعل الامتحان أداةً لتقييم التفكير لا حفظ المعارف.

11. تأسيس مجلس عربي لتدريس الفلسفة: على غرار المجالس الدولية المتخصصة، يضع معايير موحدة وينظم أوراش عملٍ مشتركةً، ويصدر مجلةً متخصصةً في ديداكتيك الفلسفة.

خاتمة

الفلسفة مادة كونية وإنسانية. عزلها يقود إلى موت الفكر المبدع. والارتقاء بها يتطلب أكثر من تعديل برامج: فهو يتطلب إعادة اعتبار لزمن القسم، وتكوين المدرس، والارتقاء بالفضاء المدرسي، وغرس ثقافة التقييم التي تكافئ التفكير لا الاستظهار.

ان هذا المقال لا يدّعي الشمولية. بل هو دعوة إلى مواصلة الرصد الميداني، وإلى حوارٍ بين مدرسي الفلسفة في البلدان الثلاثة حول ما ينجح فعلاً داخل القسم، لا فقط ما يُكتب في الوثائق الرسمية. فالانتقال من الديماغوجيا إلى البيداغوجيا ليس شعاراً، بل شرط إمكانية أن تصبح الفلسفة، مرةً أخرى، تجربةً حقيقيةً في التفكير.

***

عمرون علي

................

المراجع

- محمد مصطفى القباج، «إشكالية الممارسة الفلسفية تدريساً وإنتاجاً (حالة الوطن العربي)»، في: الممارسة الفلسفية في الوطن العربي (اليونسكو، 1986).

- اليونسكو، الفلسفة مدرسة الحرية: تعليم الفلسفة وتعلم التفلسف، تقرير 2009.

- وزارة التربية الوطنية الجزائرية، منهاج الفلسفة – السنة الثانية ثانوي، شعبة آداب وفلسفة.

- وزارة التربية الوطنية المغربية، برنامج الجذوع المشتركة – الفلسفة.

- وزارة التربية التونسية، برنامج الفلسفة – السنة الثالثة ثانوي.

- عبد الرحمن بدوي، «تعليم الفلسفة في الجامعة»، في: الممارسة الفلسفية في الوطن العربي (اليونسكو، 1986).

- المؤلف، «محنة الدرس الفلسفي في الجزائر: من الديماغوجيا إلى البيداغوجيا».

- محسن سعيد السيد، بيداغوجيا تعليم الفلسفة.

- محمود يعقوبي، مداخلة في افتتاح الملتقى الوطني «تدريس الفلسفة في الجزائر: واقع وآفاق»، المدرسة العليا للأساتذة بقسنطينة.

- زواوي بغورة، نقد تدريس الفلسفة في التعليم الثانوي والجامعي.

- ضياء الدين زاهر، دراسات في التعليم العربي.

- عمر الفقيه حسن، «القراءة التأليفية»، المجلة التونسية للدراسات الفلسفية، العدد 23، ص 113.

- حامد بن جاب الله، «وضع الفلسفة في تونس تعليماً وبحثاً»، في: الممارسة الفلسفية في الوطن العربي (اليونسكو، 1986).

- إسماعيل فائز، «الدرس الفلسفي بالتعليم الثانوي التأهيلي بالمغرب: رؤية نقدية».

- الجمعية المغربية لمدرسي الفلسفة، بيان بخصوص قرار وزير التربية الوطنية رقم 3295.17، 6 ديسمبر 2017.

- أبو الوفا التفتازاني، «الفلسفة في مصر: تدريساً وبحثاً»، في: الممارسة الفلسفية في الوطن العربي (اليونسكو، 1986).

- المرجعية العامة للمناهج الجزائرية، ص 44.

- القباج، مرجع سابق.

الخوف من السياسة

في التاريخ العربي/ الإسلامي هناك مفارقة غريبة وغريبة جدا، و هي أن السياسة كانت هي الحاضر الأكبر كممارسة على مستوى بناء الدول والممالك والأمبراطوريات والوصول إلى السلطة وفي المعاملة مع الرعية من موقع السلطان والإستناد في أصول الحكم على الشرعية الدينية وشرعية القوة، و مع ذلك كانت السياسة والممارسة السياسية هي الغائب الأكبر على مستوى الرعية والناس والأمة، أي بلغة العصر غابت المشاركة الشعبية في إدارة شؤون الدولة وغاب الجمهور عن الشأن العام، إذ سادت ظاهرة غريبة هي العزوف ليس فقط التعوذ من فعل ساس ويسوس وسياسة، كما فعل الشيخ محمد عبده بعد فشل الثورة العرابية في مصر، ولكن حتى عدم مخالطة الساسة والإبتعاد عن السلطة وعدم الكلام في السياسة وعن المشاركة في شؤون الحكم، بل حتى الإمتناع عن التفكير في الشأن العام والتوقف عن إنتاج الأفكار ذات الصلة بالسياسة وحتى في مناقشة مفاهيم هي من صميم السياسة والعمل السياسي، بإعتبار السياسة، هي فكر وفعل وممارسة، أقصد التفكير ومناقشة قضايا ومفاهيم السلطة والدولة والخلافة والحكم . ومن هنا لا نستغرب أن يغيب الفكر السياسي بالمعنى العميق، أقول الفكر السياسي وليس الفقه السياسي ولا السياسة الشرعية، و أن لا يتجاوز عدد المفكرين السياسيين في الحضارة العربية – الإسلامية، أصابع اليد الواحدة، مقارنة بعدد الفقهاء وعلماء اللاهوت، كما لا نندهش عندما لا نجدأثرا لفلاسفة السياسة في الإسلام، خلاَّ فيلسوف واحد هو محمد أبو نصر الفارابي في كتابه" أراء أهل المدينة الفاضلة " أو بعض النصوص المتناثرة هنا وهناك في مقدمة العلامة عبد الرحمن بن خلدون وكتاب " الضروري في السياسة " للوليد بن رشد.

والغريب في الأمر أن الأمة العربية، في المشرق وفي المغرب، والتي أبدعت في كل شيء، في الأداب والفنون وفي العلوم والفكر وفي الفقه والقانون، قد أصيبت ليس فقط بعُقم في مجال التنظير السياسي وفي حقل إنتاج الأفكار السياسية، بل وفي تطوير المفاهيم والمقولات ذات الصلة بالسياسية، و هي كثيرة، مفاهيم وكلمات تراثية/دينية، من قبيل الشورى وأهل الحل والعقد والبيعة والإختيار والوصية .

و لعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا، أن غياب الكلام في السياسة وغياب النقاش السياسي في تلك الحقبة من التاريخ العربي -الإسلامي، له أسبابه وله مبرراته ودوافعه أو بلغة علماء أصول الفقه له أسباب نزول، و لكن ما نبغي الإشارة إليه أن غياب الكلام وغياب النقاش والنقص الفادح في التنظير السياسي هي أعراض للمرض الحقيقي، الذي يتجلى بوضوح في الإستبداد السياسي أي الحكم المطلق أو كما سمَّاه الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو بالإستبداد الشرقي، الضاربة جذوره في أعماق التاريخ. وما يلفت الإنتباه أن مساحة الحرية كانت واسعة في العلوم النقلية أي علوم القرآن والحديث والفقه ودليل الإثبات هو إختلاف المذاهب الفقهية وتعدد تفاسير القرآن وكثرة كتب الصِحَّاح والأسانيد في الحديث النبوي، بل حتى حرية أن الكلام في الذات الإلهية كانت متاحة، وأبرز شاهد على ذلك هو علم الكلام الذي كان يناقش قضايا الجبر والإختيار والعدل الإلهي والصفات الإلهية والمحكم والمتشابه في القرآن، بل حتى أن قضايا الإلحاد والكفر والشرك بالله، كان الخلفاء والملوك والأمراء في بعض الأحيان يغضون الطرف عنها وتعتبر ذلك أمورا شخصية، لكن..و هذه أكبر لكن .. ما كان ممنوعا هو الإقتراب من الذات السلطانية، وما كان مرفوضا هو معارضة السلطة الحاكمة، لأن الناس في واقع الأمر تخاف من السلطان ولا تخاف من الله،، بالإضافة إلى الصدمة النفسية الكبيرة التي ولدتها أحداث الحرب الأهلية القاسية أو كما سمّاها طه حسين بالفتنة الكبرى، و ما تركته في نفوس ووجدان وعقول الأفراد والجماعات عند السنة وعند الشيعة وعند الخوارج سواء بسواء، فنار الفتنة تلتهم الجميع وتقضي على كل ما تجده في طريقها، وبالتالي فإن أحداث هذه الفتنة وتطوراتها الدراماتيكية، بقيت راسّخة في الذاكرة الجماعية للأمة العربية- الإسلامية، حيث مشهد النهايات الدامية لكبار الصحابة والإغتيال السياسي الذي طال ثلاثة من الخلفاء الراشدين، إذ اكتوى بنار العنف السياسي كما أشرنا سابقا عدداً كبيراً من الأفراد والجماعات ولم تسلم من العنف السياسي حتى النخب الفكرية والعلمية ورجال الدين، و كما أن الثورة تقتل أبناءها فقد تعرض للقتل قادة وزعماء، من بينهم صحابة كبار وشخصيّات كانت فاعلة في تاريخ الإسلام قبل الهجرة وبعد الهجرة، البعض من هذه الشخصيات يعتبر من أبرز الأبطال في تاريخ الإسلام بل منهم من كان على رأس قائمة المبشرين بالجنة، كما تجلى العنف السياسي وبوضوح في حروب الردة التي أعلنها الخليفة الأول أبي بكر الصديق ضد المتمردين في بعض مناطق الجزيرة وخاصة في اليمن وعمان والبحرين، والحقيقة أن هذه الحروب التي لم تكن حروبا دينية بل حروباً سياسية ضد أولئك الذين رفضوا دفع الزكاة، و بلغة العصر كانت حروبا ضد التهرَّب الضريبي، و ضد التمرد على السلطة المركزية.

الخوف من السلطان

ويمكن القول بأن ما كان يسمى في التاريخ الإسلامي بالصحابة، و هم بمصطلحات العلوم السياسية المعاصرة ب "رجال الرئيس "، كانت تُشكّل ما يسمى اليوم بالطبقة السياسية، أو بالمعنى الأرسطي الأليغارشية الحاكمة في عهد النبوة والطبقة الحاكمة في عهد الخلفاء الأربعة الذين تولوا مسؤولية إدارة شؤون الدولة الوليدة، بعد وفاة النبي مباشرة، وبعد صراع كلامي ونقاش حاد بين الأنصار والمهاجرين في مؤتمر سقيفة بني ساعدة، حيث حُسِّم الأمر لصالح قبيلة قريش، وهنا نستطيع أن نقول أن القبيلة " انتصرت " على العقيدة. والجدير بالذكر أن من بين رجالات الطبقة السياسية في عهد النبوة الذين أصبحوا فيما بعد خلفاء أي وصلوا إلى السلطة وتربعوا على سدة الحكم، نذكر منهم ثلاثة خلفاء/حكام، كُلُّهم من قبيلة قريش، والغريب في الأمر أنهم كُلُّهم ماتوا غيلة، وبعبارة أدق تعرضوا للإغتيال السياسي. والحقيقة التي لا نقاش فيها أن إغتيال أعلى رأس في سلطة الدولة يمثل ذروة العنف السياسي ويؤشر على وجود خلل ما في إدارة شؤون الدولة والمجتمع، نستنج من ذلك أنه عندما قَضى ثلاثة خلفاء وبطريقة دراماتيكية، و هم عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب، فهذا دليل إثبات على أن هناك خلل في النظام السياسي القائم وهناك مشكلة كبرى في الحكم، لأن هؤلاء الذين اغتيلوا غدراً وماتوا غيلة، كانوا قادة وكانوا في الصف الأول من الصحابة، أي كانوا في مركز صنع القرار، وبعبارة أخرى كانوا يشكلون الطبقة السياسية الحاكمة في يثرب/المدينة في زمن النبوة، و إذا شئنا الدقة نقول، أنهم كانوا في السلطة الحاكمة عندما اشتعلت نار الحرب الأهلية وتحركت آلة القتل في كل إتجاه ودارت عجلة العنف والعنف المضاد، العنف الغَّاشم من طرف السلطات الحاكمة والعنف المُفرّط والمُنفلّت من كل عقال من طرف المعارضة سواء بسواء. ومن هنا لا نندهش عندما يخاف الناس ويتوجُّس الجمهور خِيّفة طوال التاريخ الإسلامي من كل ما يصدر عن السلطة ومن كل ما يأتي به السلطان ومن كل ما يصدر عن الدولة السلطانية وكل ما تقدمه السلطات للناس من خدمات القمع والقهر والتسلُّط من ناحية، ومن ناحية أخرى كان خوف الناس وتوجّس الشعوب خيّفة أشّد من إيقاظ الفتنة ومن نشوب الحرب الأهلية من جديد ومن عودة الإقتتال الداخلي وتكرار مشاهد قطع الرؤس.

الخوف من الفتنة

و لسنا في حاجة إلى شرح كبير للقول بأنه قد سادت في الفقه السياسي والسياسة الشرعية وفي الفكر الإسلامي والفكر السياسي الإسلامي عموما والخطاب الديني الوسيط خصوصا مقولات ورفعت شعارات ونُحِتت عبارات تحذر من الفتنة وشرورها ومن إشعال جذوة الحرب الأهلية، من هذه المقولات والشعارات نذكر " سلطة جائرة ولا فتنة دائمة " أي تفضيل بقاء الإستبداد السياسي على الحرب الأهلية الداخلية وهناك شعار يقول " ملك غشّوم ولا فتنة تدوم " ومعناه حاكم قوي خير من الإقتتال الداخلي وكذلك عبارة " الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها " ويقصد بها أن رماد الحرب الأهلية في حالة كمون، فلا توفر الأسباب التي تؤدي إلى اشتعاله، وفي نفس الإتجاه وكما ورد في نصوص الفقهاء وفقهاء السياسة الشرعية أمثال أبي الحسن الماوردي وأحمد بن حنبل وأحمد ابن تيمية وابن عبد ربه وابن جماعة تم تمرير مقولات تُمجد السلطان، حتى وإن كان هذا السلطان ظالم وقامع للحقوق والحريات، و تقدس الحاكم المستبد من قبيل عبارة شهيرة ابن جماعة والتي تدعو للإمثتال للحاكم القوي الذي استولى على السلطة بالقوة وعدم الخروج على ولايته " من اشتدت وطأته ..وجبت طاعته "و هناك عبارت تربط بين اللله والسلطان وتعتبر الثاني امتداد للأول مثل عبارة تقول أن السلطان هو " حمى الله في بلاده وظله الممدود على عباده " وبأن عبارة أخرى ترى أن " الحاكم ظل الله على الأرض " ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل هناك مقولات تركز على الربط في القداسة بين الحاكم والله، فالسلطان هو ممثل الله في الأرض، وبالتالي طاعة الحاكم/ولي الأمر/الإمام من طاعة الله، وفي هذا السياق ظهرت هذه العبارة التي تقول أن " طاعة الأئمة من طاعة الله وعصيانهم من عصيان الله " وهناك مقولات تبرر الظلم وتجيز التسلُّط وتدعو الرعية لتحمل الظلم والصبر، بل وتطلب وفي نفس الوقت منهم شكر السلطان على عدله – إذا عدل ؟- كأن يقال " إذا كان الإمام عادلاً، فله الأجر وعليك الشكر، و إذا كان الإمام جائرًا فله الوزر وعليك الصبر " . ونبغي التأكيد عليه هاهنا، أن فقهاء السلطان، وقد كانوا بمثابة وزراء الإعلام والدعاية والإرشاد في حكومات الملوك والسلاطين، قد بذلوا مجهوداً ضخما في صياغة هكذا عبارات ومقولات تؤكد على ضرورة وجود الحاكم حتى ولو كان جائرا، و وجود حاكم ظالم خير من عدم وجوده وفي هذا المعنى قالوا " إن الحاكم الظالم خير من انعدامه أصلا " وأن الطاعة واجبة ..خوفا من انقسام الأمة ..و اضطراب الأمور " و" أن الحاكم ولو كان ظالما، لخير من الفتنة وانحلال الأمة " وأن على الرعايا/الشعب طاعة الحكام، فذلك من حقوق الحكام المشروعة، أما حقوق الشعب فهي مؤجلة إلى يوم تقوم الساة أي إلى يوم الحساب، ولأجل ذلك قالوا العبارة التالية... "أدوا إليهم حقهم.. واسألوا الله حقكم " ونحن نعتقد أن الدعوة إلى الطاعة هي الوجه الأخر للخوف من الفتنة، وكلا الوجهين له علاقة بالصراع على السلطة، وبالتالي له علاقة بما حدث في عهد ولاية عثمان بن عفان وخاصة في الست سنوات الإخيرة. وزيادة في التوضيح نقول، أن ما يسمى في التاريخ العربي /الإسلامي بالفتنة الكبرى والتي تمثلت خاصة في مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان هي في حقيقة الأمر شكل من أشكال الإنتفاضة الشعبية وهي أيضا ترمز للصراع الضاري على السلطة بين أجنحة الطبقة السياسية التي توزعت بين المدن الثلاث المدينة والكوفة ودمشق، كما كانت هذه الفتنة وإن جاز التعبير أول ثورة إجتماعية في الإسلام من ناحية أولى، و ثورة على الفرز الطبقي وعلى سوء توزيع الثروة من ناحية ثانية، و تعبيراً مكثفا عن التطاحن السياسي على الكرسي أي على السلطة والحكم والملك عقب شغور منصب القائد السياسي والرمز الروحي، المتمثل في النبي محمد بن عبد الله (ص). ومن المعروف أن الفتنة الكبرى وبعبارة العصر تلك الحرب الأهلية الدامية قد مرت بثلاث جولات، الجولة الأولى من هذا الصراع المحموم على السلطة، كانت قد بدأت وقائعها في مؤتمر سقيفة بني ساعدة، عندما تقابل الأنصار مع المهاجرين وجها لوجه وعلى طاولة حوار جدول أعمالها في نقطة واحدة هو من يكون خليفة الرسول وبعبارة أدق من يحكم المسلمين بعد أن أصبح كُرسيّ النبوة / الرئاسة شاغرا، أقصد كُرسي السلطة والحكم بعد وفاة النبي محمد بن عبد الله (ص)، وقد تم حسم مسألة الخلافة لصالح قبيلة قريش، كما أشرنا سابقاً، رغم أن مقترح الأنصار بتقاسم السلطة وفق مقولة "منا أمير ومنكم أمير "، حيث تم تعييّن أبي بكر بن قحافة . ثم كانت الجولة الثانية من الصراع، إذ مرَّت الأحداث الدرامية عاصفةً، عندما حاصر " الثوار " و" المتمردون " الخليفة الثالث عثمان بن عفان لمدة أربعين يوما، وانتهت بمقتله، أما الجولة الثالثة والأخيرة في سياق الحرب الأهلية، فقد كانت أكثر درامية وأكثر قسوة بل وأكثر دموية، إذ شَهِدت حربًا ضروسًا بين أبناء العم أي صراع داخل البيت القبلي /القرشي، بين بني هاشم من وبني أمية، و هي الحرب التي وصلت الذروة بإغتيال الخليفة الرابع الإمام علي بن أبي طالب وتصفية الهاشميين فيما بعد في مذبحة كربلاء في مشهد يشيب له الولدان، وبالتالي إزاحة " آل البيت " من المشهد السياسي تماما وعلى إثر هذا الحدث الدراماتيكي أُسدِل الستَّار على حقبة الخلفاء الراشدين وهي من أكثر الحقب مثالية في المخيال الإجتماعي للمسلمين والأكثر تهييجا للمشاعر لكنها كانت في حقيقة الأمر الأكثر اضطرابًا من الناحية السياسية.

***

مصطفى دحماني

باحث في الفكر السياسي الإسلامي - الجزائر

يعود الناس من العطلات بأشياء كثيرة. فمنهم من يحمل حقيبةً ممتلئة بالهدايا، ومنهم من يعود بصورٍ تحفظ ذكريات الأماكن التي زارها، وآخرون يحملون وعودًا مؤجلة بأن تكون حياتهم بعد الصيف مختلفة عما كانت قبله. لكن قليلين هم الذين يعودون من رحلةٍ بفكرةٍ قادرة على أن تغيّر طريقة نظرهم إلى الحياة، وأندر منهم من يعود بفكرةٍ تغيّر تاريخ الفلسفة بأسره.

هكذا كان صيف الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه. فلم تكن رحلاته إلى جبال الألب السويسرية مجرد استراحة من عناء العمل أو هروبًا من صخب المدن، بل كانت رحلةً للبحث عن هدوءٍ افتقده جسده، وعن صفاءٍ احتاج إليه عقله. وهناك، بين الجبال والبحيرات، لم يعثر على إجابة جاهزة، بل اصطدم بسؤالٍ ظل يرافق الفكر الإنساني حتى اليوم: "هل نستطيع أن نحب حياتنا إلى الحد الذي يجعلنا نقبل أن نعيشها مرةً أخرى، بكل تفاصيلها، إلى الأبد؟"

ولذلك لم يكن المشي عند نيتشه مجرد رياضةٍ يومية، بل كان أسلوبًا في التفكير. كان يؤمن بأن الأفكار لا تولد في الغرف المغلقة بقدر ما تولد في الطرقات المفتوحة، حيث يتحرر العقل من ضجيج الالتزامات، ويبدأ في الإصغاء إلى الأسئلة التي يطمرها إيقاع الحياة اليومية. فالجسد المتحرك يوقظ العقل، والخطوات المنتظمة تمنح الفكر إيقاعًا مختلفًا، وكأن الطريق لا يقود إلى مكانٍ بعينه، بل يقود إلى أعماق النفس.

ولعل هذا ما يفسر العلاقة القديمة بين الفلسفة والمشي. فقد كان أرسطو يدرّس تلاميذه وهو يسير بينهم، ولهذا عُرف أتباعه بالمشائين. وكان جان جاك روسو يجد في التجوال مصدرًا لإلهامه، بينما جعل هنري ديفيد ثورو من الطبيعة مختبرًا للتأمل في معنى الحرية. ولم يكن هؤلاء يبحثون عن أفكارٍ في الأشجار أو الجبال، وإنما كانوا يبحثون عن أنفسهم بعيدًا عن ضوضاء المجتمع.

فالطبيعة لا تمنح الإنسان الحكمة جاهزة، لكنها تمنحه شيئًا أكثر أهمية: الإيقاع. إنها تعلمه أن لكل شيء زمنًا، وأن النمو لا يحدث بالقفزات، بل بالتدرج. فالجبال لا تستعجل تكوينها، والأنهار لا تتوقف لأنها لم تصل إلى البحر بعد، والأشجار لا تقيس عمرها بسرعة نموها، بل بقدرتها على الاستمرار. ومن يتأمل الطبيعة يدرك أن السرعة ليست دائمًا مرادفًا للتقدم، وأن التمهل قد يكون أحيانًا أكثر إنتاجًا من العجلة.

ولذلك فإن أعظم ما تمنحه الإجازات ليس الراحة الجسدية، بل استعادة الزمن الذي فقدناه. ففي حياتنا المعاصرة أصبح الوقت سلعةً نادرة، وأصبحت السرعة فضيلةً لا ينافسها شيء. نقرأ بسرعة، ونتحدث بسرعة، ونسافر بسرعة، بل ونرتاح بسرعة أيضًا. حتى أوقات الفراغ امتلأت بقوائم طويلة من الأنشطة التي ينبغي إنجازها، وكأن الإنسان يخشى أن يضيع منه وقتٌ لا يفعل فيه شيئًا.

لكن التفكير لا يحب العجلة. فالأفكار الكبرى لا تظهر عادةً تحت ضغط المواعيد النهائية، ولا تولد وسط سيل الإشعارات الذي يرافقنا في كل لحظة. إنها تحتاج إلى فراغٍ يسمح للعقل بأن يتجول كما يتجول الجسد في طريقٍ جبلي هادئ. ولهذا كان الفلاسفة ينظرون إلى أوقات الفراغ بوصفها شرطًا للمعرفة، لا ترفًا زائدًا عنها. ولم يكن من قبيل المصادفة أن الكلمة اليونانية التي اشتُقت منها كلمة "مدرسة" كانت تعني في أصلها وقت الفراغ المخصص للتأمل والتعلم.

لقد تغيرت علاقتنا بالزمن تغيرًا جذريًا. فنحن لم نعد نمنح أنفسنا فرصة التوقف، بل أصبحنا نقيس قيمة اليوم بعدد المهام التي أنجزناها، وعدد الصور التي التقطناها، وعدد الأماكن التي زرناها. حتى العطلة تحولت في كثير من الأحيان إلى مشروعٍ ينبغي إنجازه بكفاءة، لا إلى مساحة نستعيد فيها هدوءنا الداخلي.

ولو عاد نيتشه إلى عالمنا اليوم، لربما لم يندهش من تطور التكنولوجيا بقدر اندهاشه من اختفاء القدرة على السير بلا هدف. فقد أصبح الطريق مجرد وسيلة للوصول، بينما كان يراه هو فرصةً لاكتشاف الذات. وأصبح الهاتف رفيق كل خطوة، بينما كان الصمت بالنسبة إليه جزءًا من الحوار مع العالم.

ولعل الدرس الأعمق الذي يقدمه لنا نيتشه لا يتعلق بفكرة "العود الأبدي" وحدها، بل بطريقة العيش التي تجعل هذا السؤال ممكنًا. فالفيلسوف لم يطلب من الإنسان أن يتنبأ بالمستقبل، وإنما دعاه إلى أن يعيش الحاضر بصدقٍ يجعله جديرًا بالتكرار. فالحياة التي نخجل من تكرارها هي حياة لم نعشها كما ينبغي، أما الحياة التي نستطيع أن نقول لها "نعم" بكل ما فيها، فهي وحدها التي تمنح الوجود معناه الحقيقي.

إن الصيف، في جوهره، ليس فصلًا من فصول السنة، بل فرصة نادرة لإبطاء إيقاع الحياة. إنه يذكرنا بأن الإنسان لا يحتاج دائمًا إلى أن يذهب بعيدًا كي يكتشف شيئًا جديدًا، وإنما يحتاج أحيانًا إلى أن يسير ببطء، وأن ينصت إلى الأسئلة التي تؤجلها ضوضاء الأيام.

وربما لهذا السبب لم تولد الأفكار التي غيرت التاريخ دائمًا في القصور أو الجامعات أو المختبرات، بل ولدت أحيانًا على طريقٍ جبلي، أو تحت ظل شجرة، أو على ضفاف بحيرة، حين كان إنسان يمشي دون أن يعرف أن كل خطوة تقوده إلى فكرة ستظل تسير مع البشرية بعده بقرون.

فما نحتاج إليه اليوم ليس عطلة أطول، ولا أماكن أكثر جمالًا، بل لحظات أقل ضجيجًا وأكثر حضورًا. ففي عالم يزداد سرعة كل يوم، قد يكون أعمق أشكال الحكمة هو أن نتعلم من جديد فن التمهل. وعندها فقط قد نكتشف أن بعض الأسئلة التي نبحث عنها في الكتب أو خلف الشاشات كانت تنتظرنا منذ البداية على الطريق الذي نسير فيه.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

في المجتمعات غير الصحية تزدهر الخرافات الطبية

انتشرت خرافة "نظام الطيبات" في المجتمعات العربية والإسلامية الراهنة كالنار في الهشيم نتيجة تضافر عوامل بنيوية سياسية واقتصادية وثقافية معقدة؛ فهل كان تفاقم الفقر وغياب التغطية الشاملة للتأمين الصحي الدافع الأساسي لالتجاء البسطاء إلى هذه الأوهام العلاجية كبديل رخيص؟ أم أن الجهل وتجذر الثقافة السحرية والخرافية في الوجدان الجمعي هو الذي مَهّد البيئة الخصبة لتقبل هذه الادعاءات دون وعي علمي؟ وبأي قدر ساهمت خوارزميات السوشيال ميديا ومنصات التواصل الاجتماعي في تضخيم هذه الظاهرة وتسريع وتيرة انتشارها عبر صناعة "تريندات" مضللة؟ أم أن هناك أبعاداً أخرى غائبة، كأزمة الثقة في المؤسسات الطبية الرسمية، تجعل من هذا الانتشار نتاجاً لتداخل وتشابك كل هذه الأسباب معاً؟ تلك الأسئلة وغيرها هي التي ناقشتها ندوة البارحة في منتدى الفكر والفلسفة بعنوان «التدليس في الممارسات الطبية وطرق كشفه»، قدمها الطبيب والمثقف المصري الدكتور بهي الدين مرسي، وأدارها الأستاذ الدكتور بهاء درويش، أستاذ الفلسفة المتفرغ بكلية الآداب – جامعة المنيا، وعضو اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا باليونسكو – باريس. وقد أثارت الندوة في ذهني سؤالًا أوسع من موضوع التدليس الطبي المباشر: كيف يمكن أن نفهم عودة السحر والشعوذة والخرافة إلى المجال الطبي في مجتمعات عربية معاصرة واولها مصر واليمن والعراق والسودان وغيرها، في الوقت الذي تعيش فيه البشرية ثورة طبية وتكنولوجية غير مسبوقة جعلت صحة الإنسان ورفاهه وسعادته ومتوسط عمره واحدة من أهم مؤشرات تقدم المجتمعات ونجاح سياساتها؟

وتعد ظاهرة «نظام الطيبات» الذي روج لها ضياء العوضي مثالا يستحق البحث والدراسة إذ تحول من مجرد منظومة غذائية إلى ظاهرة اجتماعية وفكرية وإعلامية واسعة، الأمر الذي يجعل السؤال عنه يتجاوز بكثير حدود الطعام والحمية: لماذا انتشرت هذه الظاهرة بهذه السرعة؟ هل لأن الفقر يجعل الإنسان يبحث عن علاج أقل كلفة؟ أم لأن الخوف من المرض والموت يجعله أكثر قابلية لتصديق الوصفات السحرية؟ أم لأن الجهل وضعف الثقافة العلمية يحرمان الإنسان من أدوات التمييز بين المعرفة والوهم؟ أم لأن الثقافة السحرية والخرافية ما زالت حاضرة في بنية الوعي الاجتماعي العربي؟ أم أن السوشال ميديا جاءت لتجمع هذه العوامل كلها وتمنح الخرافة قوة انتشار لم تكن متاحة لها في أي عصر سابق؟ أعتقد أن الإجابة لا تكمن في سبب واحد، وإنما في شبكة معقدة من العوامل الاقتصادية والنفسية والثقافية والسياسية والإعلامية، بحيث يصبح «نظام الطيبات» مجرد عرض من أعراض مرض اجتماعي أعمق، هو قابلية المجتمع غير الصحي لتصديق الوهم والبحث عن الخلاص خارج المعرفة العلمية.

فإذا أردنا أن نفهم ظاهرة شيوع السحر والشعوذة في المجال الطبي العربي اليوم، علينا أولًا أن نفهم أن المرض ليس مجرد خلل عضوي يصيب عضوًا من أعضاء الجسم، وإنما هو تجربة وجودية تهز الإنسان من الداخل وتذكره فجأة بهشاشته وحدوده وعجزه أمام الموت؛ فالإنسان السليم يعيش عادةً في حالة من النسيان الجميل لجسده، يأكل وينام ويعمل ويسافر ويخطط للمستقبل وكأن الصحة حق مكتسب لا يمكن أن يُنتزع منه، لكنه عندما يمرض يكتشف أن ذلك الجسد الذي لم يكن يشعر بوجوده هو الشرط الأول لكل شيء، وأن الصحة التي كان يتعامل معها باعتبارها أمرًا طبيعيًا ليست كذلك على الإطلاق. ولهذا ظل المرض منذ أقدم العصور، إلى جانب الموت، أحد أكبر مصادر الخوف الإنساني، وارتبطت به عشرات المفاهيم والتسميات: الداء والعلة والسقم والوجع والألم والوهن والعجز والضنى والضر والوباء والابتلاء وغيرها، وكلها تعكس محاولات الإنسان القديمة لفهم ما يعجز عن تفسيره والسيطرة على ما يخشاه.

ومن هنا يمكن أن نفهم ذلك الحلم الإنساني القديم بالعثور على «إكسير الحياة» وحجر الفلاسفة والوصفة السحرية التي تمنح الإنسان الصحة الدائمة والشباب الأبدي وتؤجل الموت؛ فقد تغيرت اللغة والأدوات والأسماء، لكن الرغبة الإنسانية في هزيمة المرض والعجز والموت لم تتغير. كان الإنسان القديم يلجأ إلى الساحر والكاهن لأنه لم يكن يعرف الأسباب العلمية للمرض، أما الإنسان المعاصر فقد يلجأ إلى «خبير» يظهر على شاشة هاتفه، أو إلى معالج شعبي، أو إلى طبيب يتحدث خارج حدود اختصاصه، أو إلى رجل دين يقدم وصفة طبية، كما كان يفعل عبد المجيد الزنداني في اليمن لأن الجميع يشتركون في تقديم الإجابة التي يريدها الإنسان الخائف: هناك سر لا تعرفه، وهناك طريق للخلاص. وهنا تكمن المفارقة الحضارية؛ فقد انتقلنا من عصر السحر والكهانة إلى عصر الطب التجريبي والعلم الحديث، لكن الخرافة لم تختف، وإنما غيرت لغتها وأدواتها ووسائط انتشارها، فأصبحت أحيانًا ترتدي معطف الطبيب، أو تستعير لغة العلم، أو تتدثر بالمقدس، ثم تجد في وسائل التواصل الاجتماعي منبرًا عالميًا مفتوحًا.

ولعل ما يحدث في اليمن يقدم نموذجًا صارخًا لهذه المفارقة؛ فقد أشارت تقارير ودراسات ميدانية سابقة إلى انتشار مراكز وممارسات العلاج بالشعوذة في صنعاء ومناطق يمنية أخرى، وإلى أعداد كبيرة من المواطنين الذين يلجؤون إلى السحر والشعوذة، فضلًا عن إنفاق مبالغ كبيرة على هذه الممارسات. وتفيد الأرقام المتداولة في تقرير سابق لصحيفة «الثورة» اليمنية بوجود أكثر من 200 مركز للعلاج بالشعوذة ظهرت في العاصمة صنعاء خلال سنوات سابقة، وأن ما يقارب 300 ألف مواطن ومواطنة اضطروا إلى اللجوء إلى العلاج بالسحر والشعوذة، وأن النساء يمثلن نسبة كبيرة منهم، فضلًا عن آلاف الممارسين لهذه الأنشطة ومبالغ تنفق سنويًا عليها. وسواء اختلفنا مع بعض تفاصيل هذه الأرقام أو احتجنا إلى تحديثها والتحقق منها ميدانيًا، فإن الظاهرة ذاتها لا يمكن إنكارها، وهي التي تستحق منا أن نسأل: كيف يمكن لمجتمع عاش عقودًا في ظل التعليم الحديث والجامعة والطب والمستشفى والإعلام أن يعود في لحظة تاريخية إلى الكاهن والمشعوذ والعراف؟

إنها، في تقديري، واحدة من أكثر المفارقات سريالية في الحالة العربية المعاصرة؛ فبينما استطاعت الحضارة الحديثة أن تفكك كثيرًا من أسرار المرض، وأن تطور اللقاحات والأدوية والجراحة والتشخيص المبكر، وأن تجعل متوسط العمر يرتفع في كثير من المجتمعات، نجد قطاعات من مجتمعاتنا تعود إلى اللحظة البدائية، لا لأن الإنسان اليمني أو العربي أقل ذكاء من غيره، وإنما لأن شروط الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي تنتج العقل وتعيد تشكيله قد تدفعه إلى النكوص عندما تنهار مؤسسات المعرفة والثقة والحماية الاجتماعية. وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: لماذا يؤمن الناس بالسحر؟ وإنما: ما الذي حدث للمجتمع حتى أصبح السحر مرة أخرى يبدو لبعض أفراده خيارًا معقولًا؟

لا شك إن الأفكار التي يحملها الناس عن المرض والصحة والعجز والموت والحياة لا تولد في فراغ، وإنما تنبع من علاقاتهم الاجتماعية وشروط حياتهم اليومية، ومن المؤسسات التي تحكمهم ومن أنماط السلطة والمعرفة التي تحيط بهم. وفي الحالة اليمنية الراهنة، حيث تراجعت مؤسسات الدولة الحديثة، وتدهورت الخدمات الصحية، واتسعت دائرة الفقر، وانخفضت الثقة بالمؤسسات، وأصبحت الحرب والعنف والانقسام السياسي والطائفي جزءًا من الحياة اليومية، يصبح انتشار السحر والشعوذة والخرافة الطبية أحد أعراض الانهيار العام في بنية المجتمع، لا ظاهرة منفصلة عنه. وحين تصبح الخرافة جزءًا من خطاب السلطة أو الجماعة أو المؤسسة الدينية، فإنها لا تعود مجرد اعتقاد فردي، وإنما تتحول إلى أداة من أدوات إعادة إنتاج الوعي والسيطرة عليه؛ فالناس، كما يقول المثل، «على دين ملوكهم»، أو بصورة أكثر دقة: إن الناس يتأثرون بالثقافة التي تنتجها السلطة وتعيد المؤسسات الاجتماعية والإعلامية والدينية إنتاجها بحسب نظرية ميشيل فوكو عن المعرفة والسلطة؛ فكل سلطة لا تكتفي بإدارة الناس بالقوة، وإنما تنتج أيضًا أشكال المعرفة والخطابات التي تبرر وجودها وتمنحها الشرعية وتعيد إنتاجها. والسياسة الطبية ليست استثناءً من هذه القاعدة؛ فالطب نفسه يدخل في شبكة من علاقات القوة والمعرفة، ولذلك يصبح السؤال السوسيولوجي الأهم ليس فقط: ماذا يفعل الناس؟ وماذا يقولون؟ وماذا يعتقدون؟ وإنما: لماذا يفعلون ما يفعلونه؟ ولماذا يقولون ما يقولونه؟ ومن أين جاءت هذه الأفكار التي تحولت إلى عادات وممارسات؟ إن الممارسة الظاهرة ليست إلا الجزء المرئي من جبل الجليد، أما الجزء الأعظم فيختبئ في البنية الثقافية والنفسية والاقتصادية والسياسية التي تنتج تلك الممارسة وتمنحها معناها.

في دراستي للأسس الفكرية للصحة الاجتماعية قبل سنوات استوقفني كتاب مهم لعالم الاوبئة

البريطاني ريتشارد ويلكنسون بعنوان (المجتمعات غير الصحية: علل عدم المساواة) ترجمه محمد منير الأصبحي ونشرته مكتبة الملك فهد الوطنية. من المتب المهمة جدًا لفهم هذه الظاهرة؛ فويلكنسون لا يختزل صحة المجتمع في مقدار الثروة التي يمتلكها، وإنما في: كيفية توزع هذه الثروة؟ وما طبيعة العلاقات الاجتماعية التي تنتجها؟ وما مقدار العدالة أو عدم المساواة الذي يعيشه الناس؟ فالمجتمعات الغنية ليست بالضرورة مجتمعات صحية، لأن الصحة العامة لا تتحدد بالدخل الإجمالي وحده، وإنما تتأثر بشدة بمستوى التفاوت الاجتماعي وعدالة توزيع الفرص والثروة ، وبالمكانة النسبية للفرد، وبدرجة الثقة والتماسك الاجتماعي، وبالشعور بالكرامة والأمان والانتماء إذ أكد بالمجتمع غير المتكافئ لا ينتج الفقر المادي فقط، وإنما ينتج أيضًا فقرًا نفسيًا واجتماعيًا ورمزيًا. فالإنسان الذي يعيش في أسفل السلم الاجتماعي تحت ضغط دائم من الحاجة والمهانة وعدم الأمان لا يتأثر جسده بالفقر وحده، وإنما يتأثر أيضًا بالإجهاد المزمن والشعور بالدونية والعجز وفقدان السيطرة على الحياة. وعندما تتآكل الثقة الاجتماعية، وتضعف الروابط بين الناس، ويشعر الفرد بأنه متروك لمصيره في مواجهة المرض والبطالة والفقر والموت، فإنه يصبح أكثر قابلية للبحث عن بدائل تمنحه الشعور بالسيطرة والمعنى، حتى لو كانت هذه البدائل خرافية. وهنا تصبح الشعوذة ليست مجرد جهل، وإنما آلية نفسية واجتماعية للتكيف مع واقع غير محتمل.

التفاوت الاجتماعي لا يهدد صحة الفقراء وحدهم، وإنما يضر بالمجتمع كله، لأنه يضعف الثقة ويزيد القلق ويعمق الشعور بالظلم والحسد والقهر والحرمان، ويدفع الأفراد إلى البحث عن وسائل للهروب النفسي من واقعهم. ومن هنا يمكن أن نفهم العلاقة بين المجتمع غير الصحي والخرافة الطبية: فحين تكون الحياة نفسها غير صحية، يصبح من الطبيعي أن تبحث الجماعة عن حلول غير صحية لمشكلاتها الصحية فالصحة ليست، كما هو شائع، مجرد انتفاء المرض العضوي أو العقلي، وإنما هي حالة مركبة تشمل العافية الجسدية والنفسية والعقلية والاجتماعية والبيئية والاقتصادية والثقافية والأخلاقية وغيرها من شروط الحياة الإنسانية. وقد عرفت منظمة الصحة العالمية الصحة بأنها حالة اكتمال السلامة البدنية والعقلية والاجتماعية، وليس مجرد الخلو من المرض أو الوهن. وإذا أخذنا هذا التعريف في أبعاده الاجتماعية والفلسفية، فإن صحة الإنسان لا يمكن أن تتحقق في مجتمع مريض بالظلم والفقر والحرب والخوف وانعدام الثقة؛ لأن الجسد يعيش داخل المجتمع، والنفس تتشكل داخله، والعقل يتغذى من ثقافته، والصحة الفردية في نهاية المطاف ليست منفصلة عن الصحة الاجتماعية.

وإذا كان الفقر والخوف والمرض يشكلون مثلثًا نفسيًا واجتماعيًا يمهد الطريق واسعا للسحر والشعوذة والخرافة ، فإن السوشال ميديا تمثل ضلعًا رابعًا شديد الخطورة؛ فهي تمنح الخرافة قدرة هائلة على الانتشار وإعادة الإنتاج، وتحوّل القصص الشخصية إلى أدلة، والمشاهدات إلى شرعية، وعدد المتابعين إلى سلطة معرفية وهمية. وهكذا يمكن لوصفة غذائية أو قصة علاج بالسحر أو الأعشاب أو الرقية أن تنتشر في ساعات بين ملايين الناس، بينما يحتاج البحث العلمي إلى سنوات حتى يمر بمراحل الاختبار والمراجعة والنشر. وهذه المفارقة الزمنية بين بطء العلم وسرعة الخرافة تجعل المجتمعات التي تعاني أصلًا من ضعف التعليم والثقة والمؤسسات أكثر تعرضًا للتضليل.

ولهذا فإن «نظام الطيبات» نموذجًا معبرا ظاهرة اعمق؛ ظاهرة تتعلق بالإنسان عندما يواجه الفقر والمرض والخوف، فيبحث عن معنى وعن أمل وعن قدرة على التحكم في مصيره، فتأتي الخرافة لتقدم له ما يعجز الواقع عن تقديمه: يقينًا سريعًا وحلًا بسيطًا ووعدًا بالشفاء. وقد تناولت صحيفة «الغارديان» البريطانية الظاهرة في تقرير عن تنامي تأثير «نظام الطيبات» رغم المخاطر المرتبطة به، وهو ما يؤكد أن المسألة لم تعد مجرد حمية غذائية فردية، وإنما أصبحت ظاهرة إعلامية واجتماعية تستحق الدراسة والنقد.

ولذلك فإن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تكون بالسخرية من ضحاياها أو بوصفهم بالجهلاء، وإنما تبدأ بإصلاح شروط الحياة التي تنتجها: تعليم علمي جيد، وتأمين صحي عادل، ومؤسسات طبية موثوقة، وأطباء يحترمون عقل المريض ويستمعون إليه، وإعلام صحي مسؤول، ومناهج مدرسية تعلم التفكير النقدي، وتشريعات تلاحق التدليس الطبي، ومنصات رقمية أكثر مسؤولية في التعامل مع المعلومات الصحية. فالإنسان الذي يشعر بالأمان أقل قابلية للخرافة من الإنسان المذعور، والإنسان الذي يملك تأمينًا صحيًا أقل حاجة إلى الوصفة السحرية من الإنسان الذي لا يستطيع شراء الدواء، والمجتمع الذي يتمتع بالثقة والتماسك أقل استعدادًا لتصديق من يبيع له الوهم.

وفي النهاية، ربما يكون الدرس الأعمق الذي يمكن استخلاصه من «نظام الطيبات» ومن انتشار الشعوذة الطبية في مجتمعاتنا هو أن صحة المجتمع لا تبدأ من المستشفى فقط، وإنما من طبيعة المجتمع نفسه؛ من مستوى العدالة فيه، ومن توزيع الثروة، ومن التعليم، ومن الثقة، ومن الأمن، ومن الكرامة الإنسانية، ومن قدرة الفرد على أن يعيش حياة يشعر فيها بأنه قادر على التحكم في مصيره. وهذا هو المعنى العميق الذي يساعدنا كتاب ريتشارد ويلكنسون، المجتمعات غير الصحية: علل عدم المساواة، على فهمه: إن المجتمع الذي يترك الناس في حالة دائمة من التفاوت والقهر والخوف لا ينتج أمراضًا عضوية ونفسية فقط، وإنما قد ينتج أيضًا ثقافة مرضية تبحث عن الشفاء في المكان الخطأ.

فالفقير لا يواجه المرض بالطريقة نفسها التي يواجهه بها الغني، فحين يمرض الإنسان القادر يستطيع أن يدفع ثمن الفحوص والتحاليل، ويزور أكثر من طبيب، ويحصل على رأي ثانٍ، ويشتري الدواء، وربما يسافر إلى بلد آخر بحثًا عن العلاج، بينما يقف الفقير أمام المرض وهو يفكر أولًا في سؤال مختلف تمامًا: كم سيكلفني العلاج؟ ومن أين سأدفع ثمن الدواء؟ وماذا سأفعل إذا احتجت إلى عملية أو علاج طويل؟ ولهذا تصبح الوصفة الرخيصة أكثر جاذبية، فإذا قيل للمريض: لا تحتاج إلى هذه الفحوص، ولا إلى هذه الأدوية المكلفة، ولا إلى زيارة الطبيب، وإنما تحتاج فقط إلى تغيير طعامك واتباع نظام معين، فإن الخطاب يجد في فقره أرضًا خصبة. ومن هنا فإن محاربة الخرافة الطبية ليست مسألة ثقافية فقط، بل هي أيضًا مسألة سياسية بالاساس ؛ فالتأمين الصحي العادل، والطب الجيد المتاح للفقراء، وخفض كلفة العلاج، واستعادة الثقة بالمؤسسة الطبية، كلها أدوات حقيقية في مكافحة الخرافة، لأن المجتمع الذي يترك الفقير وحيدًا أمام المرض لا ينبغي أن يتفاجأ عندما يبحث الفقير عن أبواب أخرى للأمل.

فالمعركة الحقيقية ليست بين الطب والشعوذة فقط، بين العلم والخرافة وإنما هي بين الطغيان والعدالة بين مجتمع صحي ومجتمع غير صحي؛ بين ثقافة تنتج العقل النقدي وثقافة تنتج العقل الخرافي؛ بين دولة تحمي الإنسان ودولة تتركه وحيدًا أمام المرض؛ وبين معرفة تقول للإنسان «اختبر واسأل وتحقق»، وخرافة تقول له «صدقني ولا تسأل».

ولعل أعظم وصفة صحية نحتاج إليها المجتمعات العربية اليوم ليست «نظام طيبات» جديدًا، ولا عشبة سحرية، ولا وصفة مقدسة، وإنما بناء شروط الحياة الإنسانية الكريمة التي تجعل الإنسان قادرًا على أن يعيش صحيحًا، كريمًا، آمنًا، متعلمًا، ومطمئنًا. فالصحة في معناها الإنساني الأوسع ليست مجرد غياب المرض، وإنما القدرة على الحياة الطيبة، والعيش بكرامة، والتمتع بالأمان والرفاه والمعنى. أما حين يصبح الفقر والمرض والخوف قدرًا يوميًا، فإن الخرافة لن تكون بعيدة؛ إنها ستجد دائمًا طريقها إلى الجسد والعقل والروح.

وهكذا علينا النظر إلى «نظام الطيبات» العوضي ومخاطره لا باعتباره قضية غذائية معزولة وخرافة طبية رائجة ولا بإدانة صاحبه الذي مات في ظروف غامضة ولا بتسفيه وتجهيل المصدقين والمروجين له ولا بتعداد ضحاياه ، وإنما باعتباره مرآة كاشفه لسيكولوجية الفقر والخوف والمرض؛ مرآة تكشف كيف يبحث الإنسان المقهور عن النجاة، وكيف يمكن للوهم أن يتحول إلى أمل، وللأمل إلى اعتقاد، وللاعتقاد إلى ممارسة، وللممارسة إلى سوق، ثم إلى مؤسسة، وربما إلى سلطة لا تقل خطرًا عن المرض الذي جاءت لتعالجه.

وحين يشعر الإنسان أن حياته مصانة وكرامته محفوظة، تقل حاجته إلى البحث عن الخلاص في عالم السحر والشعوذة.

إن الفقر قد يجعل الإنسان يبحث عن الأرخص، والمرض يجعله يبحث عن الأسرع، والخوف يجعله يبحث عن الأمل، والجهل قد عاجزًا عن التمييز؛ لكن مسؤولية الدولة العادلة هي الحيلولة دون أن تتحول هذه الحاجات الإنسانية المشروعة إلى سوق مفتوحة للعبث وبيع الأوهام.

وفي الختام، تظل الصحة أعظم نعمة لا نشعر بها إلا حين نفتقدها، والمرض أعظم معلم قاسٍ يذكرنا بهشاشتنا. ويرحم الله ضحايا نظام الطيبات الذين صدقوا ضياء العوضي.

***

ا. د. قاسم المحبشي

تمتلك كثير من المجتمعات العربية نخبة علمية متقدمة في مختلف المجالات المعرفية. لا تنفك الجامعات العربية عن التقدم في التصنيفات الدولية للجامعات مقارنة بنظيراتها الإقليمية والدولية. في حين ينشط نخبة من الأطباء والمهندسين والعلماء في العالم العربي على مستوى عال ومتقدم. بل وينجح الكثير من العلماء العرب الذين ترعرعوا في العالم العربي بشق طريقهم فيي مختلف مختبرات ودول العالم. لكن الواقع ليس بهذه الإيجابية. تصدر الولايات المتحدة الأميركية وحدها (حوالي 349 نسمة) سنويّا أبحاثا علمية أكثر من ثلاث وعشرين دولة عربية مجتمعة (حوالي 450 نسمة). هناك الكثير من الأسباب والعوامل التي تؤدي إلى هذا الضعف الكبير بالإنتاج العلمي. هنا، سنركز على أحد العوامل المساهمة والمهمة وهو الخطاب العلمي العربي وكيف يساهم تدريس العلوم باللغات الأجنبية في ضعضعة مكانة المعرفة في المجتمعات العربية.

المعرفة العلمية بوصفها خطابًا

 لشرح مفهوم المعرفة العلمية، سنلجأ للمؤرخ والفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو وكيف ميز بين الجملة والعبارة. الجملة العلمية لا تصبح معرفة لمجرد أنها صحيحة على الصعيد النحوي واللغوي. تحتاج الجملة لتصبح عبارة إلى مؤسسات معترف بها ومتكلمين مخولين التكلم بمثل هذا خطاب. المؤسسات هي مراكز الأبحاث والجامعات والأشخاص هم الأكاديميون والعلماء. يعتمد الخطاب العلمي على مجموعة من المناهج والمفاهيم المتوافق عليها والبنية التحتية المادية كالمجلات والكتب وقواعد البيانات.

 سأعطي مثالا من مجالي البحثي على ذلك. ان الجملة "أعيد تعيين هذا الكودون" هي جملة صحيحة نحويًّا. في علم الأحياء الجزيئية الناطق بالانكليزية، تنتمي هذه الجملة إلى شبكة كثيفة من المفاهيم والممارسات تخولها لتصبح عبارة معرفية في الخطاب العلمية. نستطيع ترجمتها إلى العربية، كما فعلت أعلاه، لكن الترجمة وحدها لا توفر لها البنية الخطابية المحيطة التي تجعلها سهلة الفهم والتدريس ولا تمنحها القدرة على انتاج معرفة جديدة. إذا، إن وجود المفردات، لا يعني بالضرورة وجود خطاب علمي.

ضعف الأرشيف العلمي العربي

 الأرشيف عند فوكو هو النظام التاريخي الذي يحدد إن كان أي من العبارات هي ذات معنى علمي. يحدد الأرشيف ما يمكن حفظه وتصنيفه في مرحلة معينة من تاريخ الخطاب العلمي. ويعود ضعف الأرشيف العلمي العربي ليس إلى غياب المصطلحات العربية القادرة على توصيف العلوم، فاللغة العربية لغة علوم أيضا كما كانت في عصور العرب الذهبية، بل إلى ضعف الشبكة المؤسسية التي تتداول هذه المصطلحات داخلها. أوجه الغياب تتجلى بغياب كتب دراسية علمية باللغة العربية، غياب صحافة علمية جادة، وغياب ترجمة علمية مؤسسية. إن الترجمات المتفرقة لا تغن ولا تسمن من جوع ولا تصنع أرشيفا علميا. المفاهيم العلمية تكتسب عمقها الاجتماعي من التكرار والنقد والتطبيق والارتباط بمفاهيم أخرى.

العلم بوصفه معرفة أجنبية وبعيدة اجتماعيًا

 تلقي العلم باللغات الأجنبية في الدول العربية يحدث شرخا في الصورة الاجتماعية للعلم. عندما تصبح اللغات الأجنبية كالانكليزية لغات الأدلة والمختبرات والخبرات، بينما تبقى العربية لغة المجتمع والحياة اليومية والسياسية والدينية والثقافية، فد يبدو العلم خارجا عن المجتمع. هنا ينشأ انقسام ضمني، العربية تعبر عن الهوية الاجتماعي، بينما تعبر الإنكليزية عن الواقع العلمي. في هكذا مجتمع، قد يحظى العلم باعجاب الكثيرين دون أن يصبح مملوكا اجتماعيا.

 يتشكل الخطاب العلمي فقط لدى الاكاديمين والخبراء العلميين في برجهم العاجي المتقن للغة الأجنبية ولا يحظى المتكلم العربي العادي إلا بفتات ترجمات متفرقة. في هذه الحالة يطلب من الجمهور قبول وفهم نتائج من دون المشاركة الكاملة في الخطاب الذي أنتجها. إضافة إلى ذلك، تصبح اللغة الإنكليزية ليست مجرد مهارة تواصل فحسب، بل تصبح شرطًا للدخول إلى التعليم العلمي وإلى مواقع السلطة المعرفية. بذلك تخلق فجوة أكبر بين المؤسسات العلمية والجمهور الأوسع.

النتائج على الفهم العام للعلم

 إن كل ما سبق أعلاه لا يعني أن الناس يعرفون معلومات أقل. الأهم ن ذلك أن المجتمع قد يمتلك قدرة أضعف على الوصول إلى الممارسات المفهومية للعلم. تسيء عامة المجتمع فهم القواعد الأساسية للعلم كمفاهيم الدليل وعدم اليقين والسببية والاختلاف العلمي المشروع. خذ مفهوم عدم اليقين كمثال، فالكثير من الناس يظنون أن فكرة عدم اليقين تعني أن العلم غير قادر على إرساء قواعد ثابتة وإجابات حقيقة بدون أن تتغير بعد فترة من الزمن. وهذا غير تقدير خاطئ حول آلية تقدم العلم. تمكن العلم عبر تاريخه من إرساء حقائق علمية ثابتة نعتمد عليها يوميا في مجالات الطب والهندسة والزراعة.

 قد يفهم العلم نتيجة لذلك كسلطة لا تناقش وبوصفه فرضا أجنبيا، لا ثروة إنسانية. الثقافة العلمية الناضجة تتطلب من المواطنين أن يناقشوا كيفية تبرير الادعاءات، لا أن يتلقوا النتائج فقط من المتخصصين.

الأمر ليس أمر مشاعر قومية أو صراع هوية

 إن تدريس العلم باللغة الأجنبية يمنح العلماء والمتعلمين ميزة الانخراط السريع والفعال في المجتمع الأكاديمي الناطق باللغة الإنكليزية. أما إذا درّس العلم باللغة العربية، فسيخسر هؤلاء هذه الميزة. وفي مجال علم الأحياء، أستطيع أن أرى من تجربة شخصية أن الكثير من العلماء المتمرسين يعانون من ضعف قدراتهم باللغة الإنكليزية.

 والأمر ليس اتهاما بأن اللغة العربية غير قادرة على احتواء العلم. فاللغة العربية تمتلك القدرة التعبيرية اللازمة للعلم، لكن هذه القدرة تحتاج إلى دعم مستمر عبر التعليم والنشر والتواصل العلمي والاستخدام العام. والأمر ليس تعصبا أعمى للغة الأم. إن تعلم العلم باللغة العربية ممكن إذ أن اغلب الدول الأوروبية المتقدمة علميا تدرس العلم بلغاتها المحلية. وإن كانت الحجة بصعوبة الانتقال من اللغة العربية إلى الإنكليزية، فالصين واليابان، بما يمثلون من مكانة علمية دولية مرموقة، يدرسون العلم بلغاتهم البعيدة كل البعد عن الإنكليزية.

الخاتمة: جعل العلم قابلًا للقول من داخل المجتمع

 إن ضعف الخطاب العلمي العربي هو في الوقت نفسه عرض من أعراض هامشية العلم اجتماعيا وآلية تعيد انتاج هذه الهامشية. لا ينبغي أن يكون الهدف هو عزل العلم العربي عن اللغة الإنجليزية وما تشكله من مركز ثقل الخطاب العلمي المعاصر، بل بناء ثقافة علمية ثنائية اللغة: تصل فيها الإنجليزية الباحثين بالعلم في مختلف ارجاء العالم، بينما تصل العربية العلم بالمجتمع. يصبح العلم قوة اجتماعية حقيقية لا حين تُترجم نتائجه فقط بشكل متناثر، بل حين يستطيع المجتمع أن يسائلها ويناقشها ويدرّسها ويعيد صياغتها بلغته الخاصة.

***

فضل فقيه – باحث

.......................

قراءات إضافية:

Foucault, M. The Archaeology of Knowledge and the Discourse on Language (Pantheon Books, 1972).

حتى أَئِدَ أيّ افتراض غير دقيق، يُتوهَّم من العنوان، فإنّي أؤكد على كارثية القناعات المغلوطة قولا واحدا، وإنما غايةُ ما أرومُه هنا هو اعتبار المقارنة، فهناك طبقة متوغّلة من القناعات هي أخطر من القناعات التي نراها مغلوطة كما سأكشف عنها قريبا، على أن حكم الخطأ الذي ننسبه للقناعات إنما هو حكم نسبي، تتفاوت فيه الأذهان، فما هو خطأ لدى عقلٍ ما هو صواب لدى عقل آخر، وهلمّ جرّا، وحينما نصِم قناعة ما بكونها خطأ فهي من منظور الفرد ذاته بغضّ النظر عن دقة حكمه، ولا حكم مطلق على كل حال.

الأمر الآخر الذي يقتضي مني لفت النظر إليه في هذا المقام هو أن الإطار العام للقناعات التي يتطرق مقالي إليها هو  القناعات الشخصية التي تؤثر على الفرد، وتنعكس في سلوكه، وتتجسّد في استجابته للحياة، ولئن كانت القناعات الشخصية المغلوطة خطرا يجرّ إلى صاحبه ويلاتٍ جسيمة غير أنّه سرعان ما يتخلّص من آثارها متى ما انتبه إليها، وعمد إلى إصلاح ما أفسدته من مفاهيم متفرّعة أو إسقاطات عملية، والمفارقة في عالم الأفكار أن ما قد يراه الفرد خطأ قد يكون صوابا من وجهة نظر أخرى، فحتى ما يتبيّن لبعضنا خطؤه قد لا يكون خطأ بالمرة في مرآة البعض الآخر.

ولأنّ الإطار العام للقناعات المشار إليها هنا هو القناعات الذاتية، فمن الجيد أن أبدأ بهذه التوطئة التي لا بد منها، وهي أنّ كل حركة وسكون تصدر منا إنما يكون مردُّها قناعة داخلية ننطوي عليها، مترسخة فينا على تطاول الزمان، تقود ما يندُّ عنا من ممارسات، وتحكم عالمه، وتقنن مجراه، وتشعل جذوته.

هذه القناعات منها ما ندركه فينا، لدرجة أننا نرددها شعاراتٍ نفتخر بها أمام المَلأ أو في دوائرنا الخاصة على أقل تقدير، وهذا النوع من القناعات نستطيع محاكمته ومراجعته والوقوف على الزائف منه وتعديله؛ لأنه بَيّنٌ أمام إدراكنا، غير أنّه ثمة نوع من هذه القناعات الدخيلة مدفون فينا، غائر العمق، لا يصله إدراكنا الواعي إلا بشق الأنفس، رغم أنه يتغذى عليه، كما أنّ من هذه القناعات ما هو سلبي، ومنها ما هو إيجابي، وعن السلبي من هذا النوع من القناعات الخفية أتحدث في مقالي هذا، ومن أمثلة هاته القناعات: أنا فاشل في مهارة كذا، لا يوجد أحد صافي السريرة، يمكن انتهاك حق الإنسانية بالدين، لا يمكن أن أصل أبعد من كذا، الإجابات الوجودية نهائية وموجودة لدى طائفتي… إلخ.

إنّ خطورة هذه القناعات السلبية والمغلوطة الخفية، أنها شبحية، فنحن نستقي منها دون أن نعي بوجودها، ونصطدم بتحديات نفسية وفكرية وحياتية نحاول حلّها باعتبارها مشكلات، وما هي إلا ظواهر لمشكلة جذرية تتمثّل في قناعة سلبية داخلية غير واعية فينا أي بعيدة عن إدراكنا؛ ومن أجل ذلك لا تفتأ تظهر تلكم المشكلات بعد تراجعها المؤقت في كل مرة؛ لأن جذرها لم يُستأصل.

إن هذه القناعات السلبية المغروسة فينا إنْ كانت تفتّ في عضد كياننا وثقتنا بأنفسنا ونقاط قوتنا، أو كانت تشطح بنا شطحات فكرية، تجعلنا بُؤَر خراب تقوّض مجتمعاتنا، فهي أخطر من القناعات التي ندركها؛ لأننا ببساطة بالغة غير مدركين إيّاها، والتي عادة ما تكون قد تسللت إلينا من معتقد ديني سابق، أو تضليل إعلامي متقصّد، أو بقيت فينا من صدمات ماضية، خصوصا المراحل المبكرة من أعمارنا، إلى غيرها من أسباب.

إن خطرَ القناعات السلبية والمغلوطة الخفية يتعدّاها ليغذي قناعات صغرى متفرّعة منها، ومنها ما يتجسد مباشرة في هيئة تصرفات تصدر منّا باعتبارها معبّرة عن شخصيتنا، وسِمة أصيلةً فينا، وطبعا لا ننفكّ عنه، كقناعة الفشل، ومنها يتفرّع مثلا الخوف من التعبير عن الذات؛ لعدم الاستحقاق، أو الانسياق لانطباع الآخرين عنا؛ لأن الفرد بهذه القناعة الخفية يتشكك في إيمانه بذاته، ولأنّ الفرد ليس مدركا لقناعة الفشل الخفية؛ فهو يظن أن الخوف من التعبير عن الذات إنما هو مشكلة مجردة في الخوف من التحدث أمام الناس، وما إنْ يحاول إصلاح  ما يراه مشكلة - لكنه عَرَض للمشكلة المتمثلة في القناعة الخفية - حتى يعترف بعجزه بعدما يدرك كيف أن المشكلة تعاود الظهور مجددا ولو بعد حين.

مثالٌ ثانٍ يمكن أن يتمثّل في سلوك التعامل بعداء وهجومية مع الآخرين، ويراه الفرد في نفسه طبيعة شخصية جينية، وهو لا يعدو أن يكون إسقاطا لقناعة خفية، وربما ردة فعل نفسية، وهي أن كل الناس سفلة وضيعون، لكنه لا يدرك هذه القناعة بوعي في نفسه، فيعمد هذا الفرد إنْ أراد أن يقوّم من سلوكه إلى طباعه فيهذّبها، ويتعلم الأساليب، ويقرأ الكتب، ولكنه لا يفلح إلا بقدر ضئيل ومؤقت؛ لأن قناعته الداخلية الخفية ترفد طباعه المتشنّجة تلك.

مثال ثالث، أنْ يجد المرءُ في نفسه انقباضا في تقبّل أي فكرة جادّة في قضية ما، لا لشيء سوى أن قناعة دينية خفيّة مترسخة في ذهنه تقف سدا منيعا بينه وبين استمراء ما يعارضها، لكنه غير مدرك لهذه القناعة الدينية الضمنية المتجذرة في داخله، فلا يقرأ الأمر سوى أن الأدلة التي تعضد هذه الفكرة ليست بذاك، بينما الخلل يكمن في تشويشٍ هائل تقوم به خفيةً تلك القناعة الدينية، وتمارسه في آلة النقد الفردية دون أن ينتبه لها.

إذا كنا لا ندرك هذه القناعات السلبية والمغلوطة الخفية القابعة في دهاليز عقولنا، فكيف نعلم بوجودها حتى نتلافى أضرارها الجسيمة؟ هذا هو السؤال الملحمي الذي يجدر بنا أن نحشد له كل قوات وعينا الذاتي، ولربما تكمن الخطوة الأولى في الافتراض بوجودها بادئ الأمر، ثم التفتيش عنها في كل مشكلة عويصة تواجهنا إنْ شخصية وإنْ فكرية، خصوصا تلك المتكررة منها، ومحاولة التتبّع العكسي للفكرة المغذية، تتبعا إلى أقصى حد يمكننا الوصول إليه، تماما كما ننتبع في الشجرة الثمرة إلى غصنها إلى جذورها إلى آخر عرق منها يمكننا الوصول إليه، هذه هي اللَّبِنة الأولى للإمساك بأول خيط يقود لهذه القناعات، وستتفاجأ أنها معدودة جدا، ولك أن تتخيل أنه كم من مشكلات مردّها قناعة سلبية مغلوطة واحدة، بل يحدث أحيانا أن كل الفوضى التي يذوق الفرد منا مرارتها ويقاسي لعناتها ما هي سوى امتداد ساحق لقناعة سلبية خفية واحدة لم ينتبه له وعيه!

***

محمـــد سيـــف

الإعلام بين الحقيقة والتلاعب

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي خلال السنوات الأخيرة واحدة من أهم الأدوات التي يعتمد عليها الأفراد والمؤسسات في الحصول على الأخبار وتبادل المعلومات وتكوين الآراء والمواقف. فقد غيّرت هذه المنصات طبيعة الاتصال الجماهيري، فلم يعد إنتاج الخبر ونشره حكرًا على المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح بإمكان أي مستخدم يمتلك هاتفًا ذكيًا وحسابًا على إحدى المنصات الرقمية أن يشارك في صناعة المحتوى والتأثير في الرأي العام. وعلى الرغم من المزايا الكبيرة التي أتاحتها هذه البيئة الرقمية، فإنها في الوقت نفسه فتحت المجال أمام نوع جديد من الصراعات غير التقليدية، يتمثل في حملات التأثير السيبراني التي تستهدف توجيه أفكار الجمهور ومواقفه وسلوكياته من خلال المحتوى المنشور على شبكات التواصل الاجتماعي.

ويقصد بحملات التأثير السيبراني مجموعة من الأنشطة المنظمة التي تستخدم الوسائل الرقمية والمنصات الاجتماعية للتأثير في تصورات الأفراد والجماعات تجاه قضية أو جهة أو حدث معين. وقد تكون هذه الحملات ذات أهداف سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو أمنية، وقد تعتمد على المعلومات الصحيحة أو المضللة أو خليط من الاثنين. ولا يشترط أن تكون كل حملة تأثير سيبراني مرتبطة بجهة حكومية أو مؤسسة كبيرة، فقد تنفذها جماعات منظمة أو شركات أو جهات ضغط أو حتى أفراد يمتلكون القدرة على الوصول إلى جمهور واسع.

وتزداد خطورة هذه الحملات بسبب طبيعة وسائل التواصل الاجتماعي نفسها، حيث تنتشر المعلومات بسرعة كبيرة، ويصعب أحيانًا التحقق من مصدرها قبل إعادة نشرها. كما تعتمد المنصات الرقمية على خوارزميات تهدف إلى عرض المحتوى الذي يتفاعل معه المستخدمون بصورة أكبر، وهو ما قد يؤدي إلى انتشار الأخبار المثيرة أو العاطفية على حساب الأخبار الدقيقة والهادئة. ومن هنا أصبحت الحقيقة الإعلامية تواجه تحديًا متزايدًا في بيئة رقمية تتحرك فيها المعلومات بسرعة تفوق قدرة المؤسسات والأفراد على التحقق منها.

الإعلام الرقمي وتحول صناعة الحقيقة

كان الإعلام التقليدي يعتمد بدرجة كبيرة على وجود مؤسسات تحريرية تمتلك قواعد مهنية للتحقق من الأخبار ومراجعة مصادرها قبل النشر. أما في عصر وسائل التواصل الاجتماعي، فقد أصبح الحد الفاصل بين الصحفي والمستخدم العادي أكثر ضبابية. يستطيع شخص غير متخصص أن ينشر معلومة خلال ثوانٍ، وقد تصل هذه المعلومة إلى ملايين الأشخاص قبل أن تتمكن وسائل الإعلام المهنية من التحقق منها. ولذلك لم تعد المشكلة الأساسية مرتبطة بوجود المعلومات أو نقصها، وإنما أصبحت مرتبطة بمدى صحتها ومصدرها والسياق الذي قدمت فيه.

ويظهر التلاعب الإعلامي في صور متعددة، منها نشر معلومات غير صحيحة، أو اقتطاع تصريحات من سياقها، أو استخدام صور قديمة باعتبارها صورًا لحدث جديد، أو إعادة نشر أخبار صحيحة ولكن بطريقة توحي بمعنى مختلف. وقد تستخدم بعض حملات التأثير حسابات وهمية أو منسقة لإعطاء انطباع بأن رأيًا معينًا يحظى بتأييد شعبي واسع، في حين أن هذا التأييد قد يكون مصطنعًا أو مبالغًا فيه.

كما يمكن استخدام الصور ومقاطع الفيديو في صناعة روايات مضللة، خصوصًا مع التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي. فقد أصبح من الممكن إنتاج محتوى يبدو حقيقيًا بدرجة كبيرة، الأمر الذي يجعل المستخدم أمام تحدٍ جديد يتمثل في التمييز بين المادة الأصلية والمادة المصطنعة. ومع انتشار تقنيات التزييف العميق، لم يعد الاعتماد على الصورة أو الفيديو وحدهما كافيًا لإثبات صحة الواقعة، بل أصبح من الضروري البحث عن مصادر مستقلة تؤكد الحدث وتتحقق من سياقه.

ولا تقتصر خطورة التلاعب على الأخبار الكاذبة بصورة مباشرة، إذ يمكن أيضًا التأثير في الجمهور من خلال تكرار رسائل معينة بصورة مستمرة. فالتكرار قد يجعل المعلومة تبدو مألوفة، ومع مرور الوقت قد يخلط بعض المستخدمين بين ما تكرر أمامهم وبين ما تم إثباته بالفعل. وتزداد فعالية هذا الأسلوب عندما تتوافق الرسائل مع المعتقدات أو المخاوف أو التوجهات الموجودة مسبقًا لدى الجمهور.

خوارزميات المنصات وصناعة غرف الصدى

تلعب خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي دورًا مهمًا في تحديد نوع المحتوى الذي يظهر أمام المستخدم. فهذه الخوارزميات تعتمد على بيانات متعددة، مثل عمليات البحث والإعجاب والمشاركة ومدة مشاهدة المحتوى، بهدف تقديم منشورات يُتوقع أن تجذب اهتمام المستخدم. وقد يكون لهذا النظام فوائد عديدة، لكنه قد يؤدي أيضًا إلى تكوين ما يعرف بـ"غرف الصدى"، حيث يجد المستخدم نفسه محاطًا بمحتوى يشبه آراءه السابقة ويؤكد قناعاته بدلًا من تعريضه بصورة متوازنة لوجهات نظر مختلفة.

وتستطيع حملات التأثير السيبراني استغلال هذه البيئة من خلال إنتاج محتوى مصمم خصيصًا لجذب فئات محددة من الجمهور. فقد تختلف الرسالة المستخدمة لاستهداف فئة عمرية معينة عن الرسالة الموجهة إلى فئة أخرى، كما يمكن استغلال القضايا التي تثير مشاعر الخوف أو الغضب أو التعاطف لتحقيق انتشار سريع. وفي هذه الحالة لا يعتمد نجاح الحملة بالضرورة على قوة الأدلة التي تقدمها، وإنما على قدرتها على إثارة المشاعر ودفع المستخدم إلى المشاركة وإعادة النشر.

وتكمن المشكلة في أن المستخدم قد لا يدرك أن ما يظهر أمامه ليس انعكاسًا كاملًا لما يحدث في المجتمع، بل نتيجة لخوارزمية اختارت له محتوى معينًا بناءً على سلوكه الرقمي. وعندما يتكرر المحتوى ذاته من مصادر متعددة، قد يشعر الفرد بأن رأيًا معينًا يمثل إجماعًا عامًا، بينما قد يكون الواقع أكثر تنوعًا وتعقيدًا.

كما يمكن أن تؤثر هذه الحملات في القضايا السياسية والانتخابات والأزمات الدولية، حيث تصبح وسائل التواصل الاجتماعي ساحة للصراع على تشكيل الرواية العامة. وقد تسعى بعض الجهات إلى تشويه صورة طرف معين، أو تضخيم قضية محددة، أو إثارة الانقسام بين فئات المجتمع، أو تحويل النقاش العام بعيدًا عن موضوع أساسي إلى قضايا جانبية. وفي مثل هذه الحالات يصبح الإعلام أمام مسؤولية كبيرة تتمثل في الفصل بين نقل ما يتداول على المنصات وبين التعامل معه باعتباره حقيقة مؤكدة.

مواجهة التلاعب وتعزيز الوعي الإعلامي

تبدأ مواجهة حملات التأثير السيبراني من المستخدم نفسه، لأن الوعي الرقمي أصبح جزءًا أساسيًا من القدرة على التعامل مع الأخبار والمعلومات. ولا يكفي أن يكون الشخص قادرًا على استخدام التطبيقات والمنصات، بل يجب أن يمتلك مهارات تساعده على تقييم المحتوى قبل تصديقه أو مشاركته. ومن أهم هذه المهارات التحقق من مصدر الخبر، ومقارنة المعلومات مع مصادر مستقلة وموثوقة، والانتباه إلى تاريخ الصور ومقاطع الفيديو، وعدم التعامل مع العناوين المثيرة باعتبارها دليلًا على صحة المحتوى.

وتتحمل المؤسسات الإعلامية مسؤولية لا تقل أهمية، إذ ينبغي عليها تعزيز المعايير المهنية المتعلقة بالتحقق من الأخبار، وتقديم السياق الكامل للأحداث، والتمييز بوضوح بين الخبر والرأي والتحليل. كما أن سرعة النشر لا ينبغي أن تأتي على حساب الدقة، لأن تصحيح معلومة خاطئة بعد انتشارها لا يضمن بالضرورة وصول التصحيح إلى جميع الأشخاص الذين شاهدوا المعلومة الأصلية.

ومن الضروري كذلك أن تعمل المؤسسات التعليمية على نشر ثقافة التربية الإعلامية والرقمية بين الطلاب والشباب، بحيث يتعلمون كيفية تحليل الأخبار والصور والمقاطع المنتشرة عبر الإنترنت، وفهم طبيعة الخوارزميات وتأثيرها في المحتوى الذي يشاهدونه. فالمجتمع الذي يمتلك وعيًا إعلاميًا مرتفعًا يكون أكثر قدرة على مقاومة التضليل والتلاعب.

وعليه، لا ينبغي أن يؤدي الخوف من التضليل إلى فقدان الثقة في الإعلام أو اعتبار كل معلومة منشورة على الإنترنت كاذبة. فوسائل التواصل الاجتماعي توفر فرصًا مهمة للوصول إلى مصادر متعددة وسماع أصوات كانت بعيدة عن الإعلام التقليدي. ولذلك فإن الهدف ليس رفض البيئة الرقمية، وإنما تطوير طرق أكثر وعيًا للتعامل معها.

لذا، أصبحت حملات التأثير السيبراني جزءًا أساسيًا من المشهد الإعلامي الحديث، وأصبح الصراع على المعلومات لا يقل أهمية عن الصراعات التقليدية في تأثيره على المجتمعات. وبينما توفر وسائل التواصل الاجتماعي فرصة غير مسبوقة للتواصل والوصول إلى المعلومات، فإنها في الوقت نفسه تمنح الجهات الراغبة في التلاعب أدوات فعالة للوصول إلى الجمهور والتأثير في مواقفه. ومن هنا فإن حماية الحقيقة لا تعتمد على المؤسسات الإعلامية وحدها، بل تتطلب تعاونًا بين الصحفيين والمؤسسات التعليمية والمنصات الرقمية والمستخدمين أنفسهم. فالمواطن الواعي الذي يتحقق قبل أن يصدق أو يشارك يمثل خط الدفاع الأول أمام التضليل، والإعلام المهني الذي يلتزم بالدقة والسياق يمثل خط الدفاع الثاني. وبين هذين الدورين يمكن بناء بيئة إعلامية أكثر قدرة على التمييز بين الحقيقة والتلاعب، وأكثر استعدادًا لمواجهة تحديات العصر الرقمي.

***

د. عصام البرّام

إشكالية الماضي وسؤال الحاضر 

في ذكرى وفاة النبي الأكرم ﷺ، ينبغي أن نسأل أنفسنا -نحن المسلمين- هذا السؤال: من أين استقى الكارهون من المستشرقين هذه المادة الضخمة التي يطعنون بها في شخصية النبي محمد ﷺ ونبوته وسيرته؟ 

أليست من موروثنا الروائي والتاريخي؟ 

ألسنا نحن من قدّمنا لهم هذه المادة على طبقٍ من ذهب، من خلال جملةٍ من الروايات والسرديات التاريخية التي لا يقلُّ ما يُقالُ في كثيرٍ منها إنها مدسوسة أو من الإسرائيليات؟

وقبل أن نوجّه إصبع الاتهام إلى هؤلاء المستشرقين، يجدر بنا أن نوجّه النقد والمساءلة إلى كثيرٍ من الروايات المتعلقة بالسيرة النبوية، والموجودة في تراثنا الروائي والتاريخي، السني والشيعي على حدٍّ سواء. 

لقد تحوّلت بعض هذه الكتب إلى ما يشبه المسلّمات التي لا يجوز الاقتراب منها أو إخضاعها للنقد، بوصفها -في نظر أتباعها- أصحّ الكتب بعد كتاب الله. 

ولذلك، فإن كل محاولة لمراجعتها أو نقدها قد تجرّ على صاحبها تُهمًا تبدأ بالتكفير، وقد تنتهي بالسجن أو حتى القتل، على أيدي بعض المتشددين أو من يتبنّون هذا النهج داخل المؤسسة الدينية.

وبفعل هذه الرؤية، وما كرّسته بعض كتب التراث، نشأ تصوّران عن النبي محمد ﷺ: 

الأول: محمد القرآني؛ وهو النبي الذي تهفو إليه القلوب، وتفخر بالانتماء إليه، لما تجسّده سيرته من عظمة، وما تمثّله أخلاقه وأفعاله من سموٍّ وإنسانية. 

والثاني: محمد الروائي أو التاريخي؛ وهو التصور الذي رسمته بعض الروايات التاريخية، حتى بات يثير النفور لدى كثيرين، ويجعل بعض النفوس تستثقل ما نُسب إليه من أقوال وأفعال.

إن صعوبة تقبّل هذه الحقيقة من قِبل قطاعات من المؤسسة الدينية -السنية والشيعية- تتمثل في رفض الاعتراف بعدم صحة عددٍ غير قليلٍ من الروايات والخرافات التاريخية التي تسللت إلى التراث. 

ويشبه ذلك حال طفلٍ عاش وترعرع في بيت أبويه، حتى إذا كبر أخبراه بأنه ليس ابنهما، وإنما وجداه لقيطًا عند باب أحد المساجد أو في قارعة الطريق.

ومع كل هذه العقبات، لا بد أن تستمر الدعوات التنويرية التي بدأها عددٌ من المفكرين والأعلام، من داخل المؤسسة الدينية وخارجها، في الماضي والحاضر؛ بهدف كسر أصنام هذا الموروث الزائف، وتحريره من هيمنة المتسلطين على المؤسسة الدينية، والعمل على غربلته وتنقيته بما ينسجم مع سيرة الإسلام ونبيه، ويصون مكانتهما من كل ما علق بهما عبر التاريخ.

***

د. علاء كاظم الجابري

من الفاعل الإنساني إلى الفاعل الخوارزمي

مقدمة: شهد مفهوم الإبداع تحولًا عميقًا عبر تاريخ الفكر الإنساني، إذ ارتبط لفترات طويلة بالإنسان بوصفه الفاعل القادر على التخيل والابتكار وإنتاج ما هو جديد وغير مسبوق. وقد ارتبط الإبداع بالخيال والوعي والموهبة والخبرة والتجربة الإنسانية، حتى أصبح يُنظر إليه باعتباره إحدى أكثر الخصائص التي تميز الإنسان عن غيره من الكائنات والآلات. غير أن ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي أحدث تحولًا نوعيًا في هذا التصور، بعدما أصبحت الأنظمة الخوارزمية قادرة على إنتاج نصوص وصور وموسيقى وأعمال فنية وأشكال متعددة من المحتوى تبدو في كثير من الأحيان شبيهة بما ينتجه الإنسان. ولم يعد السؤال مقتصرًا على قدرة الآلة على محاكاة الإبداع، وإنما أصبح يتعلق بإمكان اعتبارها طرفًا فاعلًا في العملية الإبداعية نفسها. ومن هنا يبرز سؤال فلسفي جوهري: إذا كان الإبداع قد ارتبط تاريخيًا بوجود فاعل إنساني يقصد إلى إنتاج الجديد، فماذا يحدث لهذا المفهوم عندما تصبح الخوارزميات قادرة على إنتاج أعمال لم تكن موجودة من قبل؟

إن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يمثل مجرد تطور تقني في أدوات الإنتاج، وإنما يكشف عن تحول أعمق في العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا. ففي النماذج التقليدية كانت التكنولوجيا تساعد الإنسان على تنفيذ أفكاره، بينما أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي قادرًا على المشاركة في إنتاج المحتوى نفسه. فالمستخدم قد يقدم فكرة أولية أو مجموعة من التعليمات، بينما تقوم الخوارزمية بتحويلها إلى نص أو صورة أو مقطوعة موسيقية أو تصميم. وهنا تتداخل الأدوار بين الإنسان والآلة، بحيث يصبح من الصعب تحديد الحد الفاصل بين من يوجه العملية ومن ينتج مخرجاتها. ولذلك فإن ظهور الفاعل الخوارزمي لا يمثل مجرد إضافة فاعل جديد إلى المجال الإبداعي، وإنما يدفع إلى إعادة التفكير في طبيعة الفاعلية والإبداع والابتكار.

ويزداد تعقيد المسألة عندما ندرك أن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا ينتج من فراغ، وإنما يعتمد على كميات هائلة من البيانات التي تمثل نتاجًا سابقًا للثقافة والمعرفة الإنسانية. فالخوارزمية تتعلم من أنماط لغوية وبصرية وموسيقية وفنية متعددة، ثم تستخدم ما تعلمته لإنتاج مخرجات جديدة. ومن هنا يطرح الذكاء الاصطناعي سؤالًا حول طبيعة الجدة نفسها: هل يكفي أن يكون الناتج جديدًا من حيث الشكل حتى نطلق عليه إبداعًا؟ أم أن الإبداع يتطلب قصدًا ووعيًا وتجربة ذاتية لا تمتلكها الخوارزمية؟ وإذا كانت الآلة تنتج عملًا جديدًا اعتمادًا على أنماط تعلمتها من أعمال بشرية سابقة، فهل يمكن اعتبارها مبدعة بالفعل أم أنها تمارس شكلًا متقدمًا من إعادة التركيب؟

كما يثير الذكاء الاصطناعي التوليدي قضية أخرى تتعلق بمكانة الإنسان داخل العملية الإبداعية. فإذا أصبحت الآلة قادرة على إنتاج محتوى سريعًا وبكميات هائلة، فقد يتغير دور الإنسان من منتج مباشر للعمل إلى مصمم للأوامر ومراجع للمخرجات ومنتخب من بين البدائل التي تنتجها الخوارزمية. وبذلك قد ينتقل الإنسان من موقع «المبدع» إلى موقع «الموجه» أو «المنسق» للعملية الإبداعية. وهذا التحول لا يعني بالضرورة اختفاء الإبداع الإنساني، لكنه يعيد تعريف موقعه ووظيفته. ومن هنا يصبح من الضروري دراسة الكيفية التي يعيد بها الذكاء الاصطناعي التوليدي تشكيل مفهوم الإبداع ذاته، والبحث في الحدود الفاصلة بين الإبداع الإنساني والإنتاج الخوارزمي.

أولًا: التحول من الإبداع الإنساني إلى الإنتاج الخوارزمي

ارتبط مفهوم الإبداع في الفكر الإنساني بفكرة القدرة على إنتاج شيء جديد يحمل أثر صاحبه ورؤيته وخبرته. فالإبداع لم يكن مجرد إنتاج لشيء غير موجود من قبل، وإنما كان يتضمن عملية ذهنية ووجدانية معقدة تجمع بين الخيال والمعرفة والتجربة والوعي. وكان العمل الإبداعي يُفهم باعتباره تعبيرًا عن ذات مبدعة تمتلك موقفًا معينًا من العالم. ولذلك ارتبطت قيمة العمل الفني أو الأدبي أو العلمي بشخصية صاحبه، وبالسياق الذي نشأ فيه، وبالخبرات التي شكلت رؤيته. غير أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يضع هذا التصور أمام اختبار جديد، لأنه يستطيع إنتاج أعمال لا تحمل بالضرورة تجربة ذاتية أو وعيًا شخصيًا بالمعنى التقليدي.

وقد أدت قدرة الأنظمة التوليدية على إنتاج محتوى متنوع إلى زعزعة الحدود التقليدية بين الأداة والفاعل. ففي السابق كان الحاسوب أو البرنامج ينفذ التعليمات التي يضعها الإنسان، بينما أصبح النظام التوليدي يقدم مخرجات يمكن أن تتجاوز بصورة واضحة الصياغة المباشرة التي وضعها المستخدم. فقد يعطي الإنسان تعليمات بسيطة، ثم يحصل على نص كامل أو صورة مركبة أو مقطوعة موسيقية. وهذا يعني أن التكنولوجيا لم تعد مجرد وسيلة تنفيذية، وإنما أصبحت تشارك في صياغة النتيجة النهائية. ومن هنا تظهر فكرة الفاعل الخوارزمي، أي النظام الذي يشارك في إنتاج مخرجات لها قيمة معرفية أو فنية أو إبداعية.

ولا يعني ظهور الفاعل الخوارزمي أن الإنسان فقد دوره بصورة كاملة، لأن المستخدم ما زال يحدد الهدف ويقدم التعليمات ويختار النتائج ويعدلها. إلا أن طبيعة المشاركة الإنسانية أصبحت مختلفة. فقد كان المبدع في النموذج التقليدي يتحكم بدرجة كبيرة في تفاصيل العمل، بينما أصبح في البيئة التوليدية يتعامل مع عملية أكثر تعقيدًا، لا يمكنه دائمًا التنبؤ بمخرجاتها بدقة. ولذلك أصبح الإبداع يتخذ شكل حوار بين الإنسان والنظام الخوارزمي، بحيث يوجه الإنسان العملية بينما تنتج الآلة احتمالات متعددة يمكن للإنسان الاختيار من بينها.

وهذا التحول يغير مفهوم المهارة الإبداعية، إذ لم تعد المهارة مرتبطة فقط بالقدرة على إنتاج العمل بصورة مباشرة، وإنما أصبحت تشمل القدرة على صياغة التعليمات وفهم إمكانات النظام وتقييم مخرجاته. فالشخص الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي التوليدي يحتاج إلى معرفة كيفية التعامل معه، وكيفية توجيهه، وكيفية اكتشاف الأخطاء والتحيزات والنتائج غير المناسبة. وبذلك تظهر مهارات إبداعية جديدة لا تقوم فقط على الإنتاج المباشر، وإنما على إدارة العلاقة بين الإنسان والخوارزمية.

كما يؤدي الإنتاج الخوارزمي إلى تسريع العملية الإبداعية بصورة غير مسبوقة. فالعمل الذي كان يحتاج إلى ساعات أو أيام من البحث والكتابة أو التصميم يمكن أن ينتج خلال فترة قصيرة جدًا. وهذا التسارع يمكن أن يفتح إمكانات جديدة للتجريب، لأن المبدع يستطيع اختبار عدد كبير من الأفكار بسرعة. لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى إضعاف قيمة العملية البطيئة التي كانت جزءًا من التجربة الإبداعية. فالإبداع الإنساني ارتبط في كثير من الحالات بالتأمل والتردد والمحاولة والفشل وإعادة البناء، بينما قد يدفع الإنتاج الآلي السريع نحو تفضيل النتيجة على العملية.

ومن هنا يبرز سؤال حول العلاقة بين السرعة والإبداع. فهل زيادة سرعة إنتاج الأعمال تعني زيادة الإبداع؟ ليس بالضرورة، لأن الإبداع لا يقاس فقط بعدد المنتجات التي يمكن إنتاجها، وإنما بقيمة الأفكار وقدرتها على تقديم رؤية جديدة. وقد يؤدي سهولة الإنتاج إلى وفرة هائلة من المحتوى، لكنها لا تعني بالضرورة وفرة مماثلة في الأفكار الأصيلة. ولذلك فإن الذكاء الاصطناعي التوليدي قد يجعل إنتاج المحتوى أكثر سهولة، لكنه لا يحسم مسألة القيمة الإبداعية لهذا المحتوى.

كما أن الاعتماد على الخوارزميات قد يؤدي إلى تشابه المخرجات، لأن الأنظمة تتعلم من أنماط سابقة وتعيد تركيبها وفق احتمالات إحصائية. وإذا أصبح عدد كبير من المبدعين يستخدمون الأنظمة نفسها أو النماذج نفسها، فقد تظهر أنماط جمالية ولغوية متكررة. ومن هنا تظهر مفارقة مهمة: التكنولوجيا التي تمنح الإنسان إمكانات هائلة لإنتاج الجديد قد تؤدي في الوقت نفسه إلى زيادة التشابه بين المنتجات. ولذلك فإن الحفاظ على الاختلاف الإبداعي يحتاج إلى استخدام واعٍ للتكنولوجيا، لا إلى الاعتماد الكامل على مخرجاتها.

وتظهر مشكلة أخرى تتعلق بمصدر الإبداع، لأن الخوارزمية تعتمد على بيانات أنتجها البشر في الأصل. ومن ثم فإن الإنتاج الخوارزمي يقوم جزئيًا على تراكم معرفي وثقافي سابق. وهذا يثير سؤالًا حول ما إذا كان الذكاء الاصطناعي يخلق جديدًا بالفعل أم يعيد تنظيم القديم بطرق جديدة. ويمكن القول إن إعادة التركيب نفسها قد تنتج أشكالًا جديدة، لكن ذلك لا يحسم السؤال حول طبيعة الإبداع، لأن الجدة الشكلية لا تعني بالضرورة وجود رؤية أو معنى ذاتي.

إن التحول من الإبداع الإنساني إلى الإنتاج الخوارزمي لا يعني انتقال الإبداع بصورة كاملة من الإنسان إلى الآلة، وإنما يعني أن العملية الإبداعية أصبحت موزعة بين عدة عناصر. فالإنسان يقدم الهدف والسياق والمعنى، بينما توفر الخوارزمية قدرة هائلة على التوليد والاقتراح وإعادة التركيب. ولذلك يمكن النظر إلى الإبداع في العصر التوليدي باعتباره عملية تشاركية جديدة، لا يمكن فهمها من خلال الثنائية التقليدية التي تفصل بصورة حادة بين الإنسان والآلة.

وفي ضوء ذلك، يصبح التحدي الفلسفي هو إعادة تعريف مفهوم الفاعلية الإبداعية. فإذا كان الفاعل هو من ينتج المخرج النهائي، فإن الخوارزمية يمكن أن تبدو فاعلًا. أما إذا كان الفاعل هو من يمتلك قصدًا ووعيًا وتجربة ذاتية، فإن وصف الآلة بالمبدع يصبح أكثر إشكالًا. ومن هنا فإن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يقدم إجابة عن معنى الإبداع بقدر ما يجبرنا على إعادة طرح السؤال نفسه.

ثانيًا: الفاعل الخوارزمي وحدود الإبداع الآلي

يفترض مفهوم الفاعل الخوارزمي أن النظام التقني لم يعد مجرد أداة سلبية، وإنما أصبح قادرًا على المشاركة في إنتاج نتائج لم يحدد الإنسان تفاصيلها مسبقًا. فالذكاء الاصطناعي التوليدي يستقبل مدخلات معينة، ثم يقوم بمعالجتها وفق نماذج حسابية معقدة، وينتج مخرجات يمكن أن تكون نصوصًا أو صورًا أو أصواتًا أو تصميمات. ومن هنا يبدو أن الخوارزمية أصبحت تمتلك نوعًا من الفاعلية الإجرائية، لأنها تؤثر في النتيجة النهائية. إلا أن هذه الفاعلية تظل مختلفة عن الفاعلية الإنسانية، لأن النظام لا يمتلك بالضرورة قصدًا ذاتيًا أو وعيًا بالنتائج التي ينتجها.

وتكمن أهمية التمييز بين الفاعلية التقنية والفاعلية الإنسانية في أن إنتاج شيء جديد لا يكفي وحده لإثبات وجود الإبداع. فالآلة قد تنتج صورة لم يسبق إنتاجها، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تدرك معنى الصورة أو الغرض منها. ويمكن القول إن الخوارزمية قادرة على التوليد دون أن تكون قادرة على إعطاء معنى ذاتي لما تولده. ومن هنا فإن الإبداع قد يتطلب عناصر تتجاوز الجدة، مثل القصد والمعنى والتجربة والقدرة على التعبير عن موقف تجاه العالم.

ومع ذلك فإن إنكار أي دور إبداعي للخوارزمية قد يكون تبسيطًا للمسألة، لأن النظام يؤثر بالفعل في النتائج التي يحصل عليها الإنسان. فالخوارزمية لا تكتفي بتنفيذ فكرة مكتملة، وإنما تقدم احتمالات وصياغات قد تغير الفكرة الأصلية نفسها. ولذلك يمكن القول إن الفاعل الخوارزمي لا يمتلك بالضرورة إبداعًا ذاتيًا، لكنه يشارك في إنتاج العملية الإبداعية. وهذا يفتح مفهومًا جديدًا للإبداع يقوم على التفاعل بين الإنسان والنظام.

وتتضح هذه الفكرة في طريقة استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في الكتابة والفنون والتصميم. فقد يبدأ المستخدم بفكرة عامة، ثم تقدم الخوارزمية عدة احتمالات، ويقوم المستخدم باختيار بعضها وتعديلها وإعادة توجيه النظام. وبذلك تصبح العملية الإبداعية سلسلة من التفاعلات المتبادلة. فالإنسان يؤثر في الآلة من خلال التعليمات، والآلة تؤثر في الإنسان من خلال المخرجات التي تقدمها. وهذا التبادل قد ينتج أعمالًا لم يكن أي من الطرفين لينتجها بالطريقة نفسها منفردًا.

ويثير ذلك سؤالًا حول مفهوم المؤلف. ففي الأدب والفن التقليدي كان من الممكن تحديد الشخص الذي أنتج العمل ونسبته إليه. أما في البيئة التوليدية فقد يصبح العمل نتيجة تعاون بين المستخدم والنظام، وقد تدخل كذلك بيانات التدريب ومصممو النموذج ومطوروه في عملية الإنتاج بصورة غير مباشرة. ومن هنا تصبح فكرة المؤلف أكثر تعقيدًا، ويصبح من الضروري إعادة التفكير في العلاقة بين الإنتاج والنسبة والملكية.

كما يثير الفاعل الخوارزمي سؤال المسؤولية. فإذا أنتج النظام محتوى خاطئًا أو مسيئًا أو منحازًا، فمن المسؤول عنه؟ لا يمكن تحميل الخوارزمية ذاتها المسؤولية بالمعنى الأخلاقي التقليدي، لأنها لا تمتلك بالضرورة إرادة أو وعيًا أخلاقيًا. ولذلك تنتقل المسؤولية إلى البشر والمؤسسات التي صممت النظام أو استخدمته أو نشرته. ومن هنا فإن الاعتراف بوجود فاعلية خوارزمية لا ينبغي أن يؤدي إلى إعفاء الإنسان من المسؤولية.

وتظهر حدود الإبداع الآلي كذلك في مسألة المعنى. فالعمل الإبداعي الإنساني غالبًا ما يرتبط بتجربة أو موقف أو إحساس أو صراع داخلي. أما النظام التوليدي فيتعامل مع الأنماط والاحتمالات والعلاقات التي تعلمها من البيانات. ولذلك يمكن أن ينتج مخرجات تبدو عاطفية أو فلسفية، لكنه لا يعني بالضرورة أنه يعيش التجربة التي يعبر عنها. وهنا يظهر الفرق بين محاكاة التعبير عن الشعور وامتلاك الشعور نفسه.

ومع ذلك فإن قدرة النظام على محاكاة أشكال التعبير الإنساني قد تجعل الحدود أكثر غموضًا. فإذا كان المتلقي يرى العمل مؤثرًا وجميلًا بغض النظر عن مصدره، فهل يظل غياب التجربة الذاتية للآلة مانعًا من اعتباره عملًا إبداعيًا؟ هذا السؤال يكشف عن اختلاف بين تقييم العمل من جهة وتقييم الفاعل من جهة أخرى. فقد تكون المخرجات ذات قيمة جمالية حتى إذا كان منتجها غير واعٍ بالمعنى الإنساني التقليدي.

ومن هنا يمكن القول إن مفهوم الفاعل الخوارزمي لا ينبغي أن يحل محل الفاعل الإنساني بصورة مطلقة، وإنما ينبغي أن يستخدم لوصف التحول في بنية العملية الإبداعية. فالخوارزمية أصبحت طرفًا مؤثرًا في الإنتاج، لكنها لا تمتلك بالضرورة جميع خصائص الفاعل الإنساني. ولذلك فإن فلسفة الذكاء الاصطناعي تحتاج إلى مفاهيم جديدة تستطيع وصف هذه المنطقة الوسطى بين الأداة والفاعل.

إن ظهور الفاعل الخوارزمي يفرض في النهاية إعادة التفكير في العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا. فالتكنولوجيا لم تعد مجرد امتداد لقدرة الإنسان، وإنما أصبحت قادرة على إنتاج نتائج تؤثر بدورها في الإنسان وتعيد توجيه اختياراته. ولذلك فإن السؤال الأهم ليس هل أصبحت الآلة مبدعة مثل الإنسان، وإنما كيف تغيرت طبيعة الإبداع عندما أصبح الإنسان يعمل داخل بيئة تتشارك فيها الفاعلية بين البشر والخوارزميات.

ثالثًا: الذكاء الاصطناعي التوليدي وتحول مفهوم الأصالة

ارتبطت الأصالة في الفكر الإبداعي بفكرة أن العمل يعبر عن رؤية خاصة ومتميزة لصاحبه. وكان العمل الأصيل هو الذي يحمل بصمة مبدعه ويكشف عن طريقة فريدة في النظر إلى العالم. لكن الذكاء الاصطناعي التوليدي يجعل مفهوم الأصالة أكثر تعقيدًا، لأن العمل قد ينتج من خلال نظام تعلم من عدد هائل من الأعمال السابقة. وهنا يبرز سؤال: إذا كان العمل الجديد قائمًا على إعادة تركيب أنماط موجودة في البيانات، فهل يمكن اعتباره أصيلًا؟ أم أن الأصالة تتعلق بطريقة استخدام هذه المواد وليس بمصدرها فقط؟

لا يمكن اعتبار كل إنتاج قائم على عناصر سابقة غير أصيل، لأن الإبداع الإنساني نفسه يعتمد بدرجة كبيرة على التفاعل مع التراث والمعرفة السابقة. فالمبدع لا يبدأ من فراغ، وإنما يتعلم ويقرأ ويشاهد ويتأثر ثم يعيد بناء ما تعلمه داخل رؤية جديدة. ولذلك فإن مجرد اعتماد الذكاء الاصطناعي على بيانات سابقة لا يكفي لنفي الأصالة عن مخرجاته. لكن الاختلاف يكمن في طبيعة العملية التي تتم بها إعادة التركيب، وفي غياب التجربة الذاتية التي تمنح الإبداع الإنساني جزءًا من خصوصيته.

ويطرح الذكاء الاصطناعي كذلك مشكلة جديدة تتعلق بتشابه الأعمال. فإذا استخدم عدد كبير من الأشخاص النظام نفسه للحصول على أنواع متقاربة من المخرجات، فقد يصبح من الصعب الحفاظ على التفرد. وقد يؤدي انتشار المحتوى التوليدي إلى إنتاج بيئة ثقافية تتكرر فيها الأنماط والأساليب. ومن هنا تصبح الأصالة مرتبطة ليس فقط بكون العمل جديدًا، وإنما بقدرته على تجاوز القوالب الجاهزة التي توفرها الخوارزميات.

كما يمكن أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إعادة تعريف دور الفنان والكاتب والمصمم. فبدلًا من إنتاج كل عنصر من عناصر العمل يدويًا، قد يصبح المبدع مسؤولًا عن تحديد الرؤية العامة واختيار البدائل وتعديلها. وهذا لا يلغي الإبداع بالضرورة، لكنه ينقله من مستوى التنفيذ إلى مستوى التوجيه والاختيار. ومن هنا يمكن القول إن الأصالة قد تنتقل جزئيًا من «صنع العمل» إلى «صنع القرار الإبداعي».

وتزداد أهمية هذه المسألة في مجال الكتابة، حيث يستطيع النظام إنتاج نصوص تبدو مترابطة ومنظمة، لكن قيمتها الإبداعية تعتمد بدرجة كبيرة على الفكرة التي تقف وراءها. فإنتاج نص سليم لغويًا لا يعني بالضرورة إنتاج فكرة أصيلة. ولذلك يصبح دور الإنسان أكثر أهمية في تحديد السؤال والموضوع والرؤية والحجة. ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في الصياغة، لكن القيمة الفكرية للعمل تظل مرتبطة بالاختيارات التي توجهه.

وتظهر الأصالة كذلك في الفنون البصرية، حيث يستطيع النظام إنتاج عدد هائل من الصور في أساليب مختلفة. وهذا يفتح مجالًا واسعًا للتجريب، لكنه يجعل مفهوم «الأسلوب الشخصي» أكثر تعقيدًا. فإذا كان النظام قادرًا على تقليد أنماط متعددة، فهل يصبح الأسلوب ملكية ثابتة لصاحبه؟ أم يصبح جزءًا من فضاء ثقافي يمكن للخوارزميات إعادة إنتاجه؟ هذه الأسئلة تجعل الذكاء الاصطناعي التوليدي تحديًا للمفاهيم التقليدية حول الملكية والأسلوب والأصالة.

كما أن قضية الأصالة ترتبط بالبيانات التي تستخدم في تدريب الأنظمة. فإذا كانت النماذج تتعلم من أعمال بشرية سابقة، فإن السؤال لا يتعلق فقط بالنتيجة النهائية، وإنما أيضًا بمصدر المعرفة التي قامت عليها. وهذا يفتح نقاشًا حول حقوق أصحاب الأعمال المستخدمة في التدريب، وحول حدود استخدام الأعمال السابقة في بناء أنظمة قادرة على إنتاج أعمال جديدة. ولذلك فإن مستقبل الإبداع التوليدي يحتاج إلى معالجة العلاقة بين الابتكار التكنولوجي وحقوق المنتجين البشريين.

وتشير هذه التحولات إلى أن الأصالة لم تعد مفهومًا بسيطًا يمكن تحديده من خلال مصدر العمل وحده. فقد يكون العمل ناتجًا عن تعاون بين الإنسان والآلة، وقد يكون الإنسان قد استخدم مخرجات الخوارزمية ثم أعاد تشكيلها بصورة كبيرة. ومن هنا ينبغي النظر إلى الأصالة بوصفها عملية تتعلق بدرجة المشاركة الإنسانية وبطبيعة الاختيارات التي يتم اتخاذها خلال الإنتاج.

ويكشف ذلك عن ضرورة تطوير معايير جديدة لتقييم الأعمال التي ينتجها الذكاء الاصطناعي. فلا يكفي أن نسأل هل العمل من إنتاج إنسان أم آلة، وإنما يجب أن نسأل عن الفكرة والقصد والاختيارات وطبيعة التدخل البشري. وهذا يمكن أن يقود إلى تصور أكثر مرونة للأصالة، يعترف بالتغير الذي أحدثته التكنولوجيا دون أن يتخلى عن القيمة الخاصة بالإبداع الإنساني.

وفي النهاية يمكن القول إن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يلغي مفهوم الأصالة، لكنه يجبرنا على إعادة التفكير فيه. فقد أصبح الإبداع عملية تشاركية تتداخل فيها المعرفة البشرية مع القدرة الخوارزمية على إعادة التركيب والتوليد. ولذلك فإن الأصالة المستقبلية قد لا تعني غياب التكنولوجيا، وإنما تعني قدرة الإنسان على استخدامها لإنتاج رؤية لا تختزل في القوالب التي تقدمها الخوارزمية.

رابعًا: الإنسان المبدع في مواجهة الخوارزمية

أدى ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى إعادة طرح سؤال الإنسان المبدع ومكانته في عالم تتزايد فيه قدرة الآلات على إنتاج المحتوى. فقد كان الإبداع من المجالات التي ينظر إليها باعتبارها مرتبطة بالإنسان بصورة خاصة، لكن التطور التكنولوجي أظهر أن بعض المهام التي كانت تعتبر إبداعية يمكن تنفيذها بواسطة الأنظمة الذكية. وهذا لا يعني أن الآلة أصبحت إنسانًا، وإنما يعني أن الحدود التي كانت تفصل بين العمل التقني والعمل الإبداعي أصبحت أقل وضوحًا. ومن هنا أصبح الإنسان مطالبًا بإعادة تحديد ما يميزه داخل العملية الإبداعية.

يمكن القول إن إحدى أهم خصائص الإنسان المبدع هي قدرته على إنتاج المعنى وربط الأشياء بسياقاتها الإنسانية. فالإنسان لا ينتج العمل فقط، وإنما يضعه داخل قصة وتجربة وموقف. وقد يكون العمل الفني تعبيرًا عن تجربة شخصية أو احتجاجًا على واقع أو محاولة لفهم سؤال وجودي. وهذه الأبعاد لا يمكن اختزالها بسهولة في عملية حسابية. ومن هنا تظل التجربة الإنسانية عنصرًا مهمًا في فهم الإبداع، حتى في عصر الذكاء الاصطناعي.

غير أن الإنسان نفسه أصبح يتغير من خلال استخدام التكنولوجيا. فالمبدع الذي يعمل مع الذكاء الاصطناعي لا يمارس الإبداع بالطريقة نفسها التي كان يمارسها قبل ظهور هذه الأدوات. فقد أصبح قادرًا على اختبار احتمالات كثيرة، والحصول على مقترحات متنوعة، وتعديل أفكاره بسرعة. وهذا يعني أن التكنولوجيا لا تغير المنتجات فقط، وإنما تغير أيضًا عملية التفكير الإبداعي نفسها. ومن هنا يمكن اعتبار الذكاء الاصطناعي شريكًا في إعادة تشكيل الممارسة الإبداعية.

وقد يؤدي الاعتماد المتزايد على الخوارزميات إلى خطر تراجع بعض المهارات الإنسانية إذا أصبح الإنسان يعتمد عليها بصورة كاملة. فإذا كان الكاتب يستخدم النظام دائمًا في إنتاج النصوص، فقد تتراجع لديه القدرة على الصياغة المستقلة، وإذا كان الفنان يعتمد دائمًا على التوليد الآلي، فقد يقل تدريجيًا اعتماده على مهاراته اليدوية. ولذلك فإن الاستخدام الواعي للتكنولوجيا يحتاج إلى الحفاظ على المهارات الإنسانية، بحيث تكون الخوارزمية أداة للتوسيع لا بديلًا عن القدرة.

كما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز الإبداع الإنساني من خلال توفير مساحة واسعة للتجريب. فالمبدع يستطيع أن يطلب من النظام تقديم احتمالات مختلفة، ثم يستخدمها لإعادة التفكير في فكرته. وهذا يمكن أن يفتح آفاقًا لم تكن متاحة بالسرعة نفسها في الماضي. ومن هنا لا ينبغي النظر إلى العلاقة بين الإنسان والآلة باعتبارها علاقة تنافسية فقط، وإنما يمكن النظر إليها بوصفها علاقة تعاون.

لكن التعاون نفسه يحتاج إلى وعي بحدود الآلة. فالخوارزمية قد تنتج مخرجات مقنعة لكنها خاطئة أو سطحية أو متحيزة، وقد تقدم أفكارًا تبدو جديدة لكنها قائمة على أنماط مكررة. ولذلك فإن الإنسان يظل مسؤولًا عن التقييم والنقد. ومن هنا تصبح القدرة على النقد أهم من القدرة على الإنتاج وحدها، لأن وفرة المخرجات تجعل الاختيار والتقييم أكثر أهمية.

كما أن الإنسان المبدع يملك القدرة على رفض مخرجات الخوارزمية، وهي قدرة مهمة في الحفاظ على استقلاليته. فالتكنولوجيا قد تقدم اقتراحات كثيرة، لكن الإنسان ليس ملزمًا بقبولها. ويمكن أن يكون الإبداع في المستقبل قائمًا جزئيًا على القدرة على التمييز بين ما تنتجه الآلة وما يستحق أن يتحول إلى عمل ذي معنى. ومن هنا يصبح المبدع ليس مجرد مستخدم للنظام، وإنما ناقدًا وموجهًا ومختارًا.

وتظهر كذلك أهمية التعليم في حماية الإبداع الإنساني. فإذا نشأ جيل يعتمد على الأنظمة التوليدية دون تطوير قدراته الخاصة، فقد تصبح التكنولوجيا مصدرًا للتبعية بدلًا من أن تكون وسيلة للتمكين. ولذلك يجب أن يركز التعليم على التفكير النقدي والخيال وحل المشكلات والقدرة على إنتاج الأفكار، مع تعليم استخدام الذكاء الاصطناعي بطريقة واعية. فالمطلوب ليس رفض التكنولوجيا، وإنما بناء علاقة ناضجة معها.

ويكشف الذكاء الاصطناعي التوليدي كذلك عن ضرورة إعادة تعريف قيمة العمل الإبداعي. ففي عالم يمكن فيه إنتاج آلاف النصوص والصور خلال وقت قصير، تصبح القيمة أقل ارتباطًا بمجرد القدرة على الإنتاج، وأكثر ارتباطًا بالفكرة والاختيار والرؤية. وهذا يعني أن المستقبل قد يمنح أهمية أكبر للمبدع الذي يمتلك موقفًا فكريًا واضحًا وقدرة على تقديم معنى متميز، بدلًا من الشخص الذي يستطيع إنتاج أكبر كمية من المحتوى.

وفي النهاية، فإن الإنسان المبدع لا يواجه الخوارزمية باعتبارها خصمًا يجب القضاء عليه، وإنما باعتبارها قوة تكنولوجية تحتاج إلى توجيه. ويمكن أن يصبح الذكاء الاصطناعي وسيلة لتوسيع الخيال الإنساني إذا ظل الإنسان محتفظًا بدوره في تحديد الغايات والمعاني والقيم. ولذلك فإن مستقبل الإبداع لن يتحدد بقدرة الآلات على إنتاج المحتوى فقط، وإنما بقدرة الإنسان على استخدام هذه القوة دون أن يفقد استقلاله الإبداعي.

خامسًا: مستقبل الإبداع في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي

يبدو أن مستقبل الإبداع سيتجه نحو نموذج جديد تتداخل فيه القدرات الإنسانية والخوارزمية بصورة متزايدة. ولن يكون من الممكن الفصل بسهولة بين ما أنتجه الإنسان وما أنتجته الآلة، لأن الكثير من الأعمال ستنشأ من خلال تعاون مباشر أو غير مباشر بينهما. وهذا التحول سيجعل مفهوم الإبداع أكثر انفتاحًا على أشكال جديدة من الإنتاج، لكنه في الوقت نفسه سيجعل الحاجة إلى المعايير النقدية والأخلاقية أكثر إلحاحًا. فكلما ازدادت قدرة التكنولوجيا على الإنتاج، ازدادت الحاجة إلى تحديد ما الذي يجعل العمل ذا قيمة.

وقد يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى ديمقراطية الإبداع من خلال إتاحة أدوات كانت في الماضي تحتاج إلى مهارات تقنية أو فنية متخصصة. فالشخص الذي لا يمتلك مهارة الرسم مثلًا يستطيع إنتاج صورة من خلال وصفها، والشخص الذي لا يمتلك خبرة موسيقية واسعة يمكنه تجربة أنماط مختلفة. وهذا يمكن أن يوسع دائرة المشاركة في الإنتاج الثقافي. إلا أن سهولة الإنتاج لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على إنتاج أعمال عميقة أو ذات قيمة، ولذلك تظل المعرفة والخبرة والحس النقدي عناصر أساسية.

كما يمكن أن يؤدي انتشار المحتوى التوليدي إلى تغيير الاقتصاد الإبداعي. فإذا أصبح إنتاج النصوص والصور والموسيقى أكثر سرعة وأقل تكلفة، فقد تتغير قيمة بعض الأعمال والمهارات في السوق. وقد تظهر وظائف جديدة مرتبطة بتوجيه الأنظمة وتقييم مخرجاتها وتصميم عمليات العمل معها. وفي المقابل قد تتراجع الحاجة إلى بعض المهام التقليدية. ومن هنا فإن التحول التكنولوجي لا يغير مفهوم الإبداع فقط، وإنما يعيد تشكيل المؤسسات والوظائف المرتبطة به.

ومن المتوقع كذلك أن تصبح القدرة على التمييز بين المحتوى البشري والمحتوى الخوارزمي أكثر صعوبة. وهذا قد يؤدي إلى تحديات تتعلق بالثقة في المعلومات والصور والمحتوى الثقافي. فإذا أصبح بالإمكان إنتاج محتوى مقنع بسهولة، فإن السؤال لن يكون فقط «من يستطيع أن ينتج؟»، وإنما «كيف نعرف أن ما نراه أو نقرأه جدير بالثقة؟». ومن هنا تصبح التربية الإعلامية والرقمية جزءًا مهمًا من حماية المجال الثقافي من التضليل والتلاعب.

وقد يفرض المستقبل أيضًا إعادة النظر في مفهوم المؤلف والملكية الفكرية. فالأعمال التي تنتج من خلال التفاعل بين المستخدم والنظام تثير أسئلة حول صاحب الحق فيها. كما أن تدريب النماذج على أعمال سابقة يثير أسئلة حول حقوق أصحاب هذه الأعمال. ولذلك فإن التطور التكنولوجي يحتاج إلى أن يواكبه تطور قانوني وفلسفي قادر على التعامل مع الأشكال الجديدة من الإنتاج.

كما ستزداد أهمية مفهوم المسؤولية في البيئة الإبداعية الجديدة. فحين ينتج النظام محتوى قد يتضمن معلومات خاطئة أو صورًا مضللة أو خطابًا ضارًا، يجب أن يكون هناك طرف مسؤول عن استخدامه ونشره. ولا ينبغي أن يؤدي تعقيد التكنولوجيا إلى اختفاء المسؤولية الإنسانية. ومن هنا فإن مستقبل الإبداع يحتاج إلى قواعد واضحة تحدد مسؤولية المستخدمين والمطورين والمؤسسات.

ويحتاج المستقبل كذلك إلى حماية التنوع الثقافي والإبداعي. فإذا اعتمدت أنظمة الذكاء الاصطناعي بصورة كبيرة على بيانات وأنماط ثقافية محددة، فقد يؤدي ذلك إلى هيمنة بعض الأشكال الثقافية على غيرها. ولذلك ينبغي أن تراعي النماذج التوليدية التنوع اللغوي والثقافي، وأن تتيح إمكانات حقيقية للمجتمعات المختلفة للتعبير عن خصوصيتها. فالتكنولوجيا لا ينبغي أن تصبح أداة لإنتاج ثقافة موحدة.

كما سيحتاج الإنسان إلى تطوير علاقة جديدة مع مفهوم العمل الإبداعي. فقد يصبح من الصعب اعتبار الجهد المبذول وحده معيارًا للقيمة، لأن التكنولوجيا تقلل من الوقت المطلوب للإنتاج. ولذلك قد تنتقل قيمة الإبداع بدرجة أكبر إلى الفكرة والرؤية والقدرة على الاختيار وإنتاج المعنى. وهذا يعني أن الإنسان المبدع في المستقبل سيكون مطالبًا بتطوير قدرته على التفكير أكثر من مجرد قدرته على التنفيذ.

ويشير ذلك إلى أن التعليم الإبداعي يحتاج إلى التغير، بحيث لا يكون الهدف مجرد تعليم الإنسان كيفية إنتاج عمل، وإنما تعليمه كيفية التفكير في العمل وتقييمه وتطويره. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يساعد في التنفيذ، لكنه لا ينبغي أن يلغي الحاجة إلى التفكير المستقل. ومن هنا يجب أن يصبح التفكير النقدي والإبداعي جزءًا أساسيًا من التعامل مع التكنولوجيا التوليدية.

وفي النهاية، فإن مستقبل الإبداع لن يكون خاليًا من الخوارزميات، لكنه لا ينبغي أن يكون خاليًا من الإنسان. فالذكاء الاصطناعي التوليدي قادر على توسيع إمكانات الإنتاج والتجريب، لكنه لا يستطيع أن يحدد وحده لماذا نبدع، ولأي غاية، وما القيمة التي ينبغي أن يحملها العمل. ولذلك فإن التحدي الحقيقي يتمثل في بناء نموذج جديد للإبداع يحافظ على الإنسان بوصفه مصدرًا للمعنى والغاية، ويستفيد في الوقت نفسه من القدرة الخوارزمية على التوليد والتجريب.

النتائج والتوصيات

تكشف القراءة الفلسفية لمفهوم الإبداع في عصر الذكاء الاصطناعي التوليدي أن ظهور الأنظمة التوليدية أحدث تحولًا جوهريًا في العلاقة بين الإنسان والإبداع والتكنولوجيا. فلم تعد التكنولوجيا مجرد أداة لتنفيذ الأفكار الإنسانية، وإنما أصبحت قادرة على المشاركة في إنتاج المحتوى نفسه، الأمر الذي أدى إلى ظهور مفهوم الفاعل الخوارزمي بوصفه عنصرًا جديدًا داخل العملية الإبداعية.

وتبين أن الذكاء الاصطناعي التوليدي لا يمتلك بالضرورة الإبداع بالمعنى الإنساني التقليدي، لأن إنتاجه للمخرجات لا يستند إلى تجربة ذاتية أو وعي أو قصد إنساني بالمعنى المعتاد. ومع ذلك فإن قدرته على التأثير في النتيجة النهائية تجعله طرفًا فاعلًا في العملية الإبداعية، وهو ما يستدعي تجاوز الثنائية التقليدية بين الإنسان بوصفه فاعلًا والآلة بوصفها أداة.

وتكشف القراءة كذلك أن مفهوم الأصالة أصبح أكثر تعقيدًا في البيئة التوليدية، لأن الأعمال الجديدة قد تنتج من إعادة تركيب أنماط ومعارف سابقة. غير أن الاعتماد على مواد سابقة لا يلغي الأصالة بصورة تلقائية، لأن الإبداع الإنساني نفسه يعتمد على المعرفة السابقة، وإنما تكمن المسألة في طبيعة إعادة البناء وفي مقدار الرؤية الإنسانية التي تدخل في العملية.

كما يتضح أن دور الإنسان لم يختفِ، وإنما تغير من الإنتاج المباشر في بعض الحالات إلى التوجيه والاختيار والتقييم وإنتاج المعنى. وأصبح المبدع مطالبًا بامتلاك مهارات جديدة تتعلق بفهم الخوارزميات وصياغة التعليمات ونقد المخرجات، إلى جانب المهارات الإبداعية التقليدية.

وتكشف النتائج أن سرعة الإنتاج التي يوفرها الذكاء الاصطناعي يمكن أن تعزز التجريب وتوسيع نطاق الأفكار، لكنها قد تؤدي في الوقت نفسه إلى وفرة كبيرة من المحتوى المتشابه. ومن ثم فإن زيادة القدرة على الإنتاج لا تعني بالضرورة زيادة القيمة الإبداعية، لأن القيمة تظل مرتبطة بالفكرة والرؤية والاختلاف والمعنى.

كما تظهر أهمية المسؤولية الإنسانية في مواجهة الفاعل الخوارزمي، لأن الخوارزمية لا يمكن تحميلها المسؤولية الأخلاقية بالمعنى التقليدي. ولذلك تظل المسؤولية مرتبطة بالأفراد والمؤسسات التي تطور التكنولوجيا أو تستخدمها أو تنشر مخرجاتها.

وتكشف القراءة أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن يكون وسيلة لتعزيز الإبداع الإنساني إذا تم استخدامه بوصفه أداة للتجريب والتوسيع، وليس بوصفه بديلًا كاملًا عن التفكير الإنساني. فالتكنولوجيا تستطيع توليد الاحتمالات، بينما يظل الإنسان قادرًا على تحديد القيمة والمعنى والغاية.

كما يتضح أن انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي يفرض إعادة النظر في مفهوم المؤلف والملكية الفكرية، خاصة في الحالات التي تنتج فيها الأعمال من خلال تفاعل بين المستخدم والنظام، أو عندما تعتمد النماذج على كميات واسعة من الأعمال البشرية السابقة في التدريب.

وتكشف النتائج كذلك أن مستقبل الإبداع يحتاج إلى حماية التنوع الثقافي والفكري، لأن الاعتماد المفرط على النماذج والخوارزميات نفسها قد يؤدي إلى تشابه المخرجات وإضعاف الخصوصية الثقافية والإبداعية.

وأخيرًا، يتضح أن السؤال الفلسفي الأهم ليس ما إذا كانت الآلة تستطيع أن تحل محل الإنسان في الإبداع، وإنما كيف يمكن إعادة بناء مفهوم الإبداع في ظل ظهور شريك خوارزمي قادر على التوليد. فالمستقبل الإبداعي الأكثر توازنًا هو الذي يحافظ على الإنسان بوصفه مصدرًا للمعنى والغاية، ويستفيد من الخوارزمية بوصفها قدرة جديدة على التوليد والتجريب.

التوصيات

وترى الباحثة ضرورة توسيع الدراسات الفلسفية التي تتناول العلاقة بين الذكاء الاصطناعي التوليدي ومفهوم الإبداع، وعدم الاكتفاء بالدراسات التقنية التي تركز على كفاءة الأنظمة وقدرتها على إنتاج المحتوى.

وتقترح الباحثة تطوير مفهوم فلسفي أكثر دقة للفاعل الخوارزمي، يميز بين الفاعلية التقنية التي تمارسها الخوارزميات والفاعلية الإنسانية القائمة على القصد والوعي وإنتاج المعنى.

وترى الباحثة ضرورة إعادة النظر في مفهوم الأصالة الإبداعية في ظل ظهور الأعمال المنتجة بالتعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، ووضع معايير جديدة تراعي طبيعة المشاركة الإنسانية والخوارزمية في إنتاج العمل.

وتدعو الباحثة إلى تعزيز التربية النقدية والإبداعية التي تساعد الأفراد على استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي دون الاعتماد الكامل عليه، مع الحفاظ على مهارات التفكير والخيال والتحليل والنقد.

وترى الباحثة ضرورة وضع أطر أخلاقية وقانونية واضحة لتحديد المسؤولية عن المحتوى الذي تنتجه الأنظمة التوليدية، خاصة عندما يكون هذا المحتوى مضللًا أو ضارًا أو منتهكًا لحقوق الآخرين.

وتقترح الباحثة إجراء مزيد من الدراسات حول العلاقة بين الذكاء الاصطناعي التوليدي والملكية الفكرية، وخاصة ما يتعلق باستخدام الأعمال البشرية في تدريب النماذج التوليدية.

كما تدعو الباحثة إلى الاهتمام بالتنوع الثقافي واللغوي في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدي، بحيث لا يؤدي انتشار هذه التكنولوجيا إلى فرض أنماط ثقافية أو إبداعية موحدة.

وترى الباحثة ضرورة إعادة تطوير مفهوم التعليم الإبداعي بما يتناسب مع عصر الذكاء الاصطناعي، بحيث ينتقل التركيز من تعليم الإنسان كيفية إنتاج المحتوى فقط إلى تعليمه كيفية التفكير فيه وتقييمه وإنتاج المعنى من خلاله.

وتقترح الباحثة اعتماد نموذج تكاملي للعلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، يقوم على اعتبار التكنولوجيا أداة لتوسيع القدرات الإبداعية الإنسانية وليس وسيلة لإلغاء دور الإنسان أو استبداله.

وأخيرًا، ترى الباحثة ضرورة الحفاظ على مركزية الإنسان في العملية الإبداعية، بحيث تظل الغايات والقيم والمعاني والاختيارات النهائية مرتبطة بالفاعل الإنساني، بينما تستخدم القدرات الخوارزمية في التوليد والتجريب وتوسيع إمكانات الإبداع.

***

إعداد الباحثة: آلاء صلاح - فلسفة التكنولوجيا

سؤال: أين اختفت كتب مالك بن نبي؟

ينتقد مالك بن نبي العقل الجزائري وهو يتناول مشكلة الحضارة من خلال معادلته: "حضارة= إنسان + تراب+ وقت " فعندما تكلم مالك بن نبي عن الجزائر قال: لو كان للأرض قيمة عندنا لما تركناها تتصحّرُ، وهو صاحب مشروع السدُّ الأخضر في الجزائر، وفكرة هذا المشروع تنسبُ إليه، حيث اقترح هذه الفكرة الإستراتيجية في سبعينيات القرن الماضي ليكون حزاما نباتيا يوقف زحف الرّمال نحو الشمال، وقد تضمّنت أبحاثه اختيار أنواع خاصة من الأشجار القادرة على التكيف والنمو في المناطق الجافة، حيث سمّاه "الحزام الأحضر" .

و قد ردّ عليه أحد الغيورين من الجزائريين وهو الدكتور محمد مجدان، باحث وأستاذ جامعي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، فكتب: "لو كان مالك بن نبي حيًّا لقال: لو كان للأرض قيمة عندنا لما ملأناها اسمنتا مسلحا، يريد بذلك القول تشييد المباني والمصانع والمنشآت على الأراضي الزراعية الخصبة،  ويكفي اليوم أن ننظر إلى الأراضي الزراعية في بلادنا كيف تحولت إلى إسمنت مسلح وبالأخص في مسقط رأس مالك بن نبي ( قسنطينة) دون الحديث عن عمليات النهب للعقار الفلاحي وعجز المسؤولين من القمة إلى القاعد لمواجهة مافيا بل بارونات العقار، وهو المصطلح الأصح استعمالا.

كما انتقدهم في عدم احترامهم للوقت وقيمته، فقيمة الوقت مرتبط بالأمة وما تنتظره من المسؤولين الذين وثقت فيهم وآمنتهم على مصالحها، كل في مجال إدارته، فالمسؤول الذي يحدد موعدا مثلا للقاء رسمي يتدارس فيه مشاكل الأمة ويتأخر عن الموعد ويبقى من تمت دعوتهم ينتظرون لساعات طويلة، فيضطر البعض إلى الإنصراف، لأنه ملزم بالقيام بعمله داخل مكتبه أو مصنعه أو لأمور أخرى تخدم المجتمع وتكون في الصالح العام، يكون هذا المسؤول قد أساء للمنصب الذي يشغله والذي كُلِّف به من طرف من كلفوه بهذه المهمة، فيفقد الناس فيه الثقة .

كان مالك بن نبي يطرحُ أفكاره لا بعقل المفكر فحسب، وإنما بعقل الملاحظ و الناقد، فيوجه ما يجب أن يكون، لأنه عاش في مرحلة اتسمت بالتناقضات وغياب المسلم عن أداء واجبه وعدم اهتمامه بواقع المسلمين وهو يرى الأمة الإسلامية تتراجع إلى الوراء في كل ميادين الحياة، في الوقت الذي تقدّم غيرها، فلو كان هذا المسؤول يدرك أن دينه ( الإسلام) علّمه كيف يحترم الوقت ويحترم وعوده أمام رعيّته، وأن ما يقوم به هو واجب ربّاني من أجل رقيّ المجتمع، لكان الوضع مختلفا، فالحضارة كما قال مالك بن نبي تسقط وتنهار عندما تفقد العنصر الروحي وهو "الدين"، وربما هي الأسباب التي جعلت مالك بن نبي يعيش على الهامش، كل ذلك بسبب أفكاره ومواقفه

 فما بال البعض اليوم لا يولي أهمية للوقت وهذا ما نلاحظه في اللقاءات، تقدم الكلمة الأولى للأصغر مرتبة، فنسمع عبارات ... (الكلمة الأن للسيد فلان (منظم اللقاء)، ثم تليه الكلمة للسيد فلان (رئيس المنظمة أو الجمعية) ثم كلمة (الوالي) وتترك الكلمة لمن هو أعلى مرتبة أو منصب في الأخير (الوزير) لكي يجبرون وسائل الإعلام على البقاء والمتابعة، وكأن الجميع متفرغون، وقد كسروا في ذلك المثل القائل: " إذا حضر الماء بطل التيمّمُ"، أليس هذا هدر للوقت؟

هذه هي الأسباب التي أدت إلى الإنقلاب على مالك بن نبي ليس بتهميشه فقط وجعله منبوذا وسط قومه وداخل وطنه، بل تعرض كتبه للسّرقة، كان أول كتاب تمت سرقته هو كتاب "المسألة اليهودية"، وهو أول كتاب له، ثم سرقة كتاب آخر بعنوان: sos algerie، أما كتابه الهام وهو "الظاهرة القرآنية" وعلى حد قوله هو فإنه لم يتعرض للسرقة فحسب ولكنه تعرض للحرق وقد أعاد كتابته من جديد رغم ضياع ومراجعته صدر لأول مرة عام 1946 عندما كان بفرنسا بين فغيه أهمية الدين في البناء الحضاري.

***

علجية عيش (مجرد وجهة نظر)

 

مدخل: الإشاعة في العصر الرقمي ليست كلامًا عابرًا ينتقل داخل دائرة محدودة، ثم ينتهي أثره بإنتهاء الجلسة وفي حدودها الضيقة (العائلة، الحي، المدينة). بل أصبحت قوة اجتماعية قادرة على اقتحام الحياة الخاصة، وتوجيه الانفعالات العامة، وتغيير صورة الأفراد والجماعات، والتأثير في الاقتصاد والإعلام والعلاقات السياسية.

لعلها تبدأ الإشاعة بمنشور مجهول، أو تسجيل صوتي مقتطع، أو صورة أُخرجت عن سياقها الحقيقي، ثم تتحول بفعل التكرار والتعليق والمشاركة إلى اعتقاد جماعي، قبل أن تتحول القناعة إلى سلوك، والسلوك إلى واقع.

الإشاعة الرقمية تكمن خطورتها في أنها لا تحتاج إلى أن تكون صحيحة حتى تؤثر، فقد يكون مضمونها باطلًا، لكن الخوف والفوضى والهلع الذي تثيره حقيقي، والخصومة التي تشعلها حقيقية، والخسارة التي تتسبب فيها حقيقية. لذلك لا تكفي دراسة الإشاعة من زاوية صدقها أو كذبها، بل يجب بحثها بوصفها ظاهرة معرفية وأخلاقية وسوسيولوجية وسياسية.

ثم إن السلم الاجتماعي لا يعني غياب الاختلاف أو توحيد الآراء، بل يعني قدرة الجماعة على إدارة اختلافاتها داخل فضاء مشترك من الثقة والاحترام والوقائع القابلة للنقاش. كما تشير الأدبيات الحديثة إلى أن السلم الاجتماعي تنميته لا يقومان على التطابق، بل على الاتفاق بشأن معنى «نحن» المشتركة، وعلى إمكان الحوار رغم التعدد والاختلاف. وبالتالي الإشاعة تعمل على تفكيك هذا المجال المشترك، ليس عبر تضليل الأفراد فقط، بل إضعاف شروط العيش المشترك.

الإشاعة بوصفها ظاهرة فلسفية

تنشأ الإشاعة غالبًا في المنطقة الفاصلة بين الجهل والمعرفة، حين يقع حدث غامض أو مقلق، ويغيب التفسير الموثوق، يبدأ الإنسان في تركيب رواية تساعده على فهم ما يحدث، هنا تتدخل الإشاعة لتملأ فراغًا معرفيًا ونفسيًا في آن واحد: فهي تقدم تفسيرًا حين تغيب المعلومات، وتمنح شعورًا بالسيطرة حين يشتد الهلع والخوف، ثم الإشاعة لا تنتشر لأنها تقدم حقيقة مكتملة، بل لأنها تقدم احتمالًا قابلًا للتصديق. ولهذا فإنها غالبًا ما تظهر في عبارات مثل: «يقال إن...»، و«مصدر مقرب أكد...»، و«بلغني خبر ..»، و«تحذير للنشر»، هذه الصيغ لا تؤسس اليقين، لكنها تفتح باب الشك، والشك في بيئة مشحونة قد يتحول سريعًا إلى اتهام ثم إلى إدانة.

ومن منظور إبستمولوجي، لا تكمن المشكلة في تداول المعلومات والأخبار غير المباشرة في حد ذاته؛ حيث معظم معرفتنا بالعالم تقوم على شهادات الآخرين، لكن القيمة المعرفية للشهادة تتوقف على مصدرها، ودرجة اختصاصه، ومدى صدقه، وإمكان التحقق من كلامه. أما أن يصبح التكرار بديلًا عن الدليل، أو أن تتحول كثرة المشاركات إلى معيار للحقيقة، فذلك يمثل انحرافًا في بنية المعرفة الاجتماعية.

لهذا انتشار الإشاعة عبر حسابات كثيرة لا يعني بالضرورة تعدد مصادرها. فقد تكون آلاف الحسابات قد أعادت إنتاج المنشور نفسه، فيظهر للمستخدم كأنه أمام إجماع، بينما هو في الحقيقة أمام تكرار لرواية واحدة، فقد أظهرت دراسات انتشار المعلومات الرقمية أن التجانس والاستقطاب داخل الجماعات الرقمية يساعدان على تكوين غرف صدى تعزز الروايات المنحازة، وتدعم التحيز التأكيدي، وتزيد حجم انتشار الإشاعة.

الإشاعة بوصفها فعلًا اجتماعيًا

الإشاعة لا تكتفي بوصف الواقع، بل قد تساهم في صناعته، فإذا انتشر خبر عن ندرة سلعة، اندفع الناس إلى تخزينها، فحدث النقص بالفعل. وإذا شاع اتهام شخص، تضررت سمعته قبل ظهور الدليل. وإذا انتشرت رواية عن خطر أمني أو طائفي، تغيرت سلوكيات الأفراد وازدادت مشاعر الخوف والتوجس والتنافر.

هنا تظهر المفارقة الأساسية، قد تكون الإشاعة كاذبة من حيث مضمونها، لكنها حقيقية من حيث آثارها، لأن الخوف الذي تنتجه، والقطيعة التي تسببها، والتوتر الذي تولده، والقرارات التي تدفع الناس إلى اتخاذها، كلها وقائع حقيقية. وعليه فإن مواجهة الإشاعة لا ينبغي أن تقتصر على إثبات خطئها، بل يجب أن تتجه أيضًا إلى معالجة آثارها الاجتماعية والنفسية.

 الإشاعة عادة ما تؤدي ثلاث وظائف متداخلة: تمنح الجماعة تفسيرًا لحدث غامض، وتعبّر عن انفعال مشترك، وتدفع الأفراد إلى اتخاذ موقف أو القيام بفعل. لهذا فهي ليست رسالة معرفية فقط، بل هي خطاب انفعالي وعملي؛ إنها تحول القلق إلى رواية، والرواية إلى موقف، والموقف إلى سلوك.

نماذج من آثار الإشاعة الرقمية

1- تدمير الأسر وبث اللاثقة

تُعد الأسرة من أكثر المجالات تعرضًا للأثر المباشر للإشاعة الرقمية، لأنها تقوم على الثقة والخصوصية والسمعة والروابط العاطفية، يكفي نشر صورة قديمة خارج سياقها، أو محادثة مبتورة، أو ادعاء عن علاقة مشبوهة، حتى تبدأ الشكوك في التسلل إلى الحياة الزوجية والعائلية.

لا تحتاج الإشاعة الأسرية إلى دليل قوي كي تؤثر؛ يكفي أن تزعزع اللاثقة. فإذا وصل منشور مجهول إلى أحد الزوجين، فقد يبدأ في مراقبة الهاتف، وتأويل الصمت، وربط الوقائع العادية برواية الإشاعة ثم تتحول العلاقة عندئذ من مجال للحوار والسكن إلى فضاء للمراقبة والتحقيق والاتهام.

مثلًا قد تنتشر صورة لشخص مع امرأة أو رجل في مكان عام، ثم تُرفق بتعليق يوحي بوجود علاقة غير مشروعة. وبغض النظر عن حقيقة الصورة، يمكن أن يؤدي تداولها إلى نزاع بين الزوجين، ثم إلى تدخل العائلتين، وربما إلى قطيعة أو طلاق. ولا يتوقف الضرر عند الزوجين، بل يمتد إلى الأبناء، وإلى سمعة العائلتين، وإلى شبكة العلاقات الاجتماعية.

فلسفيًا، تكشف الإشاعة الأسرية عن هشاشة الثقة حين تتحول المعرفة إلى مراقبة، فالأسرة لا تقوم على امتلاك كل المعلومات عن أفرادها، بل على حسن الظن والحوار واحترام الحدود الشخصية، لكن عندما تحل الإشاعة محل التواصل المباشر، تتحول العلاقة الإنسانية إلى ادانات دائمة.

2- الصراع الطائفي وتمزيق المجتمع

تزداد خطورة الإشاعة عندما ترتبط بالدين أو الطائفة أو المذهب أو الانتماء القبلي، في هكذا الحالة لا يكون المستهدف فردًا فقط، بل جماعة تحمل ذاكرة ورموزًا وحساسيات تاريخية، قد يؤدي خبر غير موثق عن اعتداء أو إساءة أو مؤامرة إلى إنتاج غضب جماعي، خاصة إذا صيغ بلغة تحريضية تستدعي المظلومية والانتقام.

فالإشاعة الطائفية تعتمد على نقل المسؤولية من الفرد إلى الجماعة. فإذا ارتكب شخص فعلًا، نُسب الفعل إلى طائفته كلها، وإذا وقع حادث غامض، جرى تفسيره بوصفه مؤامرة من جماعة أخرى، هكذا تنتقل الجماعة من منطق المسؤولية الفردية إلى منطق العقاب الجماعي.

وقد ينتشر مقطع قديم على أنه اعتداء حديث ارتكبته جماعة دينية أو طائفية معينة، ثم تُضاف إليه تعليقات تحدد هوية الفاعل وتطالب بالرد. وقبل التحقق من زمان المقطع ومكانه، تبدأ الشتائم والتهديدات، وقد تتحول إلى اعتداءات حقيقية.

تعمل الإشاعة هنا على صناعة «العداوة اجتماعيًا»، فهي لا تنقل الانقسام فقط، بل تعيد بناء الهوية على أساس الخوف من الآخر، وقد بينت دراسات حول التضليل الرقمي أن خطاب الكراهية والأخبار الكاذبة يمكن أن يعمقا التوترات بين الجماعات، وأن غرف الصدى الخوارزمية تقلل التعرض لوجهات النظر المختلفة وتعيد إنتاج الانقسام الطائفي والسياسي.

حيث تشير دراسات مقارنة إلى أن استخدام النخب السياسية لوسائل التواصل في نشر المعلومات الكاذبة يرتبط بارتفاع الاستقطاب واحتمالات النزاع المدني، خصوصًا حين تتحول المنصات إلى أدوات لتنظيم التعبئة خارج الفضاء الرقمي. وهذا يعني أن الإشاعة الطائفية قد تكون تلقائية وشعبية، لكنها قد تكون أيضًا منظمة وموجهة لخدمة مصالح سياسية.

3- تشويه الوعي وصناعة القطيعة

لا يقتصر أثر الإشاعة على إحداث ضرر مباشر، بل يمتد إلى تشكيل وعي الفرد والجماعة. فحين يتعرض الإنسان يوميًا لسيل من الأخبار غير الموثقة، يفقد تدريجيًا القدرة على التمييز بين الواقعة والتأويل، وبين الشهادة والدعاية، وبين السؤال والقطيعة.

تنشأ بذلك حالة يمكن تسميتها تخمة الشك، حيث لا يعود الفرد يثق في شيء، لكنه في الوقت نفسه يصبح مستعدًا لتصديق أي رواية توافق انفعاله أو موقفه أو جهته، وقد يبدو هذا الشك موقفًا نقديًا، لكنه قد يتحول إلى لا مبالاة معرفية، أي إلى اعتقاد بأن «كل شيء كذب»، ومن ثم تصبح كل الروايات قابلة للتصديق بالقدر نفسه.

هكذا تعمل الإشاعة على اختزال القضايا المركبة في جمل سهلة التداول. فالأزمات السياسية والاقتصادية والتربوية تُرد إلى شخص واحد أو جماعة واحدة أو مؤامرة واحدة، وبدل أن يسأل الفرد عن البنية والظروف والتاريخ، يبحث عن فاعل محدد يلقى عليه اللوم ويفرغ نحو جام غضبه ويرسخ القطيعة معه.

ومع تكرار المعلومة، يشعر المتلقي بألفة تجاهها، وقد يخلط بين الألفة والصدق، وتتحول المعرفة عندئذ من عملية فحص وتأمل إلى انطباع سريع، ثم يصبح المجتمع شديد الانفعال، قليل الصبر على البحث، سريع الاستعداد للقطيعة، وتنتقل فيه السلطة من الأكثر علمًا إلى الأكثر إثارة.

4- تسويق الأوهام اجتماعيا

لا تكتفي الإشاعة بنقل الاوهام، بل قد تمنحها تسويقًا وترويجًا داخل الثقافة الاجتماعية، وعبر كثرة التداول، تتحول بعض الأوهام إلى «معارف شعبية» تتناقلها الأجيال رغم افتقارها إلى الدليل، وقد يتعلق الوهم بالصحة أو التربية أو الدين أو العلاقات الاجتماعية أو تفسير الأحداث السياسية والوقائع التاريخية والشخصيات التراثية او الوطنية او العلمائية الدينية والأكاديمية والسياسية.

وقد يأتي الوهم في صورة علمية أو دينية أو وطنية. فخبر صحي غير مثبت قد يُرفق بصور أطباء مجهولين، أو بمصطلحات علمية، أو بشهادة شخص يدعي الخبرة، بهذا يكتسب الوهم مظهرًا زائفًا من المصداقية. كما يحدث الأمر نفسه حين يُنسب قول ضعيف أو حديث غير ثابت إلى الدين، فيتحول التداول الرقمي إلى وسيلة لخلط المقدس بالمتداول، والعلم بالانطباع.

تكمن خطورة الأوهام في أنها لا تبقى فكرة عابرة؛ إذ قد يؤثر في قرارات العلاج، وفي تربية الأطفال، وفي العلاقات بين الفئات، وفي المواقف من المؤسسات. ومع تحولها إلى جزء من الثقافة، يصبح رفضها صعبًا لأن الناس لا يدافعون عن المعلومة وحدها، بل يدافعون عن عاداتهم وصورتهم عن المجتمع وموروثهم الرمزي.

5- الفساد الاقتصادي واستغلال الخوف

يمكن للإشاعة الرقمية أن تتحول إلى أداة للتلاعب الاقتصادي، حيث الأخبار غير الموثقة عن ارتفاع الأسعار، أو نقص السلع، أو إفلاس الشركات، أو تغير العملة، أو فرص الاستثمار، قد تدفع الأفراد إلى قرارات مالية خطيرة.

قد تنتشر إشاعة عن قرب ارتفاع سعر مادة أساسية، فيسارع التجار والمستهلكون إلى تخزينها واحتكارها والمضاربة، فيرتفع الطلب وتزداد الأسعار فعلًا، وقد تنتشر إشاعة عن إفلاس بنك أو شركة، فيسحب الناس أموالهم أو يبيعون أسهمهم تحت ضغط الخوف. وفي كلتا الحالتين تتحول المعلومة غير المؤكدة إلى عامل مؤثر في السوق.

وقد تكون الإشاعة جزءًا من عملية احتيال منظمة، تبدأ بخبر مثير ثم تنتهي بدعوة إلى تحويل الأموال أو الاستثمار في منصة وهمية، كما يمكن أن تستخدم للإضرار بمنافس تجاري أو تشويه سمعة مؤسسة أو رفع قيمة منتج بعينه.

هنا تتجاوز الإشاعة نطاق الخطأ العفوي، وتصبح استغلالًا لثقة العامة، فإذا كان الناشر يعلم أن المعلومة غير مؤكدة، ويستخدمها لتحقيق منفعة أو إلحاق الضرر بالآخرين، فإن الإشاعة تتحول إلى ممارسة فساد اقتصادي، لأنها تمويه واستغفال لتحقيق مكاسب مادية حقيقية.

6- تخلف الإعلام وتفشي الإشاعة

لا تنتشر الإشاعة في البيئة الإعلامية القوية بالقدر نفسه الذي تنتشر به في بيئة تعاني ضعف المهنية والبطء وانعدام الشفافية، فعندما تتأخر المؤسسات عن تقديم المعلومات، أو تتناقض التصريحات، أو يكتفي الإعلام بنقل البيانات دون تحقيق، يترك المجال مفتوحًا للمصادر المجهولة.

لا يعني تخلف الإعلام ضعف التقنيات فقط، بل يعني ضعف وظيفته المعرفية والأخلاقية. فالإعلام الذي لا يتحقق، ولا يشرح السياق، ولا يميز بين الخبر والرأي، ولا يصحح أخطاءه، يساهم في تحويل الجمهور إلى مستهلك للشائعات.

ولا يكفي أن يقول الإعلام: «تداولت مواقع التواصل خبرًا عن...»، لأن هذه العبارة قد تمنح الإشاعة حياة جديدة، بل ينبغي أن يوضح ما ثبت وما لم يثبت، وأن يذكر مصادره، وأن يضع الحدث في سياقه، وأن يواجه الادعاءات بالأدلة لا بالإنكار المجرد.

 الإعلام المهني لا يقيس نجاحه بسرعة السبق فقط، بل بقدرته على حماية الجمهور من الخطأ. فالسبق القائم على معلومة كاذبة قد يضر بالمجتمع أكثر مما ينفعه، بينما يمنح التحقق الهادئ للخبر قيمة عامة تتجاوز لحظة الانتشار.

المسؤولية عن الإشاعة الرقمية

أ- المسؤولية الاجتماعية

لا تقع المسؤولية عن الإشاعة على المنتج الأول وحده، بل تتوزع بين منتج المحتوى، وناشره، ومتلقيه، والمنصة التي تضخمه، والمؤسسة التي تتأخر في توضيحه.

تتمثل مسؤولية المنتج في عدم اختلاق المعلومة، وتحديد مصدرها، والتمييز بين ما شاهده وما استنتجه.

 أما مسؤولية الناشر فتتمثل في عدم تقديم الظن في صورة يقين، والتنبيه إلى درجة عدم التحقق، وتقدير الضرر المحتمل.

بينما يتحمل المتلقي مسؤولية التوقف قبل المشاركة، ورفض تحويل التكرار إلى دليل.

كما تتحمل وسائل الإعلام مسؤولية التحقق والتصحيح وتقديم السياق، بينما تتحمل المنصات مسؤولية الحد من الحملات المنسقة والتضخيم الآلي للمحتوى المحرض والمضلل.

 في حين المؤسسات العامة، فعليها أن تقدم المعلومات بسرعة ووضوح وشفافية، لأن فراغ المعلومات يوسع مجال الإشاعة.

وتشمل المسؤولية الاجتماعية ثقافة التصحيح، فحذف المنشور لا يكفي إذا كان قد انتشر وتناقلته الحسابات، اذ التصحيح الجاد يقتضي الاعتراف بالخطأ، وتوضيح الحقيقة، والاعتذار عند وقوع ضرر.

ب- المسؤولية القانونية

تختلف القوانين من دولة إلى أخرى، لكنها تلتقي غالبًا في مساءلة الأفعال التي تتضمن التشهير، وانتهاك الخصوصية، والتحريض على الكراهية أو العنف، والاحتيال، والتلاعب الاقتصادي، ونشر أخبار كاذبة تسبب ضررًا عامًا.

لكن المسؤولية القانونية ينبغي أن تميز بين الخطأ غير المقصود، والنقد المشروع، والعمل الصحفي، وبين التعمد في اختلاق الأخبار أو نشرها بقصد الإضرار أو تحقيق منفعة غير مشروعة، بل لابد أن تقوم القوانين على الوضوح والتناسب، وألا تتحول مكافحة الإشاعة إلى ذريعة لإسكات الرأي المخالف أو منع المساءلة العامة.

ومن الضروري أن تتوافر للمتضرر وسائل عملية للرد والتصحيح والتعويض، وأن تشمل المساءلة الشبكات المنظمة التي تصنع حملات التضليل، لا المستخدم الفرد وحده، لأن الإشاعة الرقمية قد تنتج أحيانًا عن سلوك عفوي، لكنها قد تكون أيضًا عملية منسقة ذات أهداف سياسية أو اقتصادية أو طائفية.

ج- المسؤولية الشرعية

 المسؤولية الشرعية في التعامل مع الإشاعة ترتكز على مبدأ التبيّن، وعلى التمييز بين الغيبة والنميمة والنصيحة والشهادة والتحذير من الضرر، فليس كل ما يصل إلى الهاتف صالحًا للنشر، وليس كل ما هو صحيح مباحًا في كل سياق.

تقتضي النظرة الشرعية عدم ترويج الظن، وعدم إشاعة الفاحشة، وعدم انتهاك الخصوصيات، وعدم السخرية من الأفراد والجماعات، وعدم استخدام الكذب لتحقيق غرض سياسي أو دعوي أو اجتماعي أو ربحي مادي او طائفي عنصري. لكنها في الوقت نفسه لا تعني التستر على الفساد أو إسكات النقد المشروع.

فثمة فرق بين التشهير والتحذير، وبين الغيبة والشهادة، وبين كشف الجريمة وانتهاك الخصوصية، وبين نقل معلومة موثقة إلى جهة مختصة وإطلاق اتهام أمام جمهور واسع. ويتحدد هذا الفرق بالقصد، ودرجة التحقق، وحجم المصلحة، واحتمال الضرر، ومدى الحاجة إلى النشر.

يمكننا صياغة القاعدة الشرعية العملية على النحو الآتي:

كل خبر يخدش عرض الإنسان أو أمن المجتمع أو علاقاته أو أمواله لا يجوز تداوله بمجرد السماع، بل يحتاج إلى تثبت، ومصلحة معتبرة، واقتصار على قدر الحاجة، وابتعاد عن التشهير والتحريض والتسقيط والاضرار.

د- المسؤولية الأخلاقية

تتجاوز الأخلاق القانون والرقابة الخارجية، لأنها تتعلق بما يفعله الإنسان حين يستطيع الإفلات من العقوبة. وقد يكون المنشور قانونيًا من الناحية الشكلية، لكنه يظل ظالمًا أو مهينًا أو غير مسؤول من الناحية الأخلاقية.

وهنا تظهر أهمية الضمير الأخلاقي؛ أي التفاعل وفق المبادئ التي توجه سلوك الإنسان حين لا يراقبه أحد، فالحرية الرقمية لا تعني القدرة على النشر فقط، بل القدرة على تقدير أثر النشر، والاعتراف بحدود المعرفة، واحترام الإنسان الذي قد يتحول إلى موضوع للاتهام أو السخرية.

ويتجلى الضمير الأخلاقي في التثبت، والتواضع المعرفي، والعدل، والرحمة، واحترام الخصوصية، والامتناع عن التشهير، والشجاعة في تصحيح الخطأ. فالمستخدم المسؤول لا يسأل فقط: «هل أستطيع نشر هذا؟» بل يسأل: «الى اي مستوى أخلاقيًا يحق لي أن أنشره؟ ومن قد يدفع ثمنه في حال أقدمت على ذلك؟»

نحو تنمية السلم الاجتماعي رقميًا

يمكن بناء ميثاق عملي لمواجهة الإشاعة الرقمية من خلال مجموعة من الأسئلة التي تسبق النشر:

- هل أعرف مصدر المعلومة؟

- هل لدي دليلًا مستقلًا على صحتها؟

- هل ميزت بين موضوع النشر وتأويلي له؟

- هل يمكن أن يلحق النشر ضررًا بشخص أو جماعة أو طائفة أو مؤسسات رسمية او وطني؟

- هل توجد مصلحة حقيقية عامة؟

- هل لغتي المستخدمة إنسانية أم عنصرية، جامعة أم تحريضية، بناءة ام تدميرية؟

- هل أقبل أن يُنشر عني الشيء نفسه بذات الأسلوب واللغة؟

- ماذا علي أن افعل إذا تبين أن المعلومة خاطئة او المنشور مسيء للٱخر؟

إذا لم تكن الإجابات واضحة، فإن الامتناع عن المشاركة هو الخيار الأكثر مسؤولية. فالصمت في هذه الحالة ليس عجزًا، بل ممارسة للوعي، وحماية للحقيقة، واحترام وتنمية للسلم الاجتماعي.

لا يكفي أن نطالب الأفراد بالحذر؛ بل ينبغي أن تتكامل جهود المدرسة والجامعة والأسرة والمسجد والإعلام والمؤسسات الثقافية والمنصات الرقمية.

لذلك ندعو كل الدول العربية للالتفات بكل مسؤولية لمطلب التربية الرقمية في المناهج التربوية والتعليمية، بإضافة مادة او فصل ضمن مقررات التربية المدنية خاص بالتربية الرقمية والاعلامية، تعلم المستخدم كيف يحدد المصدر، ويفحص السياق، ويفهم الخوارزمية، ويميز بين الرأي والخبر، ويقدّر عواقب المشاركة والمسؤوليات المترتبة عنها خصوصا لدى فئة الأحداث دون أن نغفل عن دور الأسرة في نجاح ذلك كله.

مستخلص

تكشف الإشاعة الرقمية عن أزمة مركبة تمس الأسرة، والهوية، والوعي، والثقافة، والاقتصاد، والإعلام وأمن الدول وسلم المجتمعات ومستقبلها، فهي قد تهدم بيتًا من خلال شك، او تشعل صراعًا طائفيًا من خلال مقطع مبتور، أو تشوه الوعي عبر تكرار الوهم، أو تسهم في فساد اقتصادي باستغلال الخوف، أو تزداد قوة حين يفشل الإعلام في أداء وظيفته المعرفية والأخلاقية.

ومن المنظور الفلسفي، لا تقتصر المشكلة في كذب الإشاعة وحده، بل في قدرتها على تحويل الاحتمال إلى اعتقاد، والاعتقاد إلى هوية، والهوية إلى صراع.

ومن المنظور السوسيولوجي، تكشف الإشاعة عن شبكة اللاثقة والانقسامات والمصالح التي تحكم المجتمع.

أما من المنظور القانوني والشرعي والأخلاقي، تضع الإنسان أمام مسؤولية الكلمة، وواجب التبيّن، وحرمة الظلم، وضرورة حماية الكرامة، أمام الله والانسان والمجتمع.

لذلك حماية وتنمية السلم الاجتماعي في العصر الرقمي، لا تبدأ من الخوارزميات وحدها، ولا من القوانين وحدها، بل من الإنسان الذي يقرر أن يتفكر لحظة قبل النشر، ففي تلك اللحظة يتحدد الفرق بين مستخدم يضاعف الضجيج والفوضى والتفاهة والمٱسي، ومواطن يساهم في بناء الوعي؛ بين كلمة تفتح جرحًا، وكلمة تمنع فتنة؛ وبين حرية تستعمل للفوضى، وحرية ترتقي إلى المسؤولية.

حين تصبح الكلمة قادرة على صناعة السلم الاجتماعي، لا يعود السؤال: هل أستطيع أن أنشر؟ بل يصبح السؤال الأعمق: هل ما أنقله يساعد المجتمع على فهم الحقيقة والتنمية والتقدم، أم يدفعه إلى الخوف والصراع والفساد بشتى أشكاله؟

***

بقلم: مراد غريبي

8/8/2026

إن دراسة ظاهرة الامتثال للقانون في إطار علم الاجتماع القانوني لا تنصرف فحسب إلى رصد حركة الأفراد الظاهرة تجاه النص التشريعي، بل تذهب إلى أبعد من ذلك، إلى الكشف عن كينونة الرابطة الفلسفية التي تجمع بين السلطة السياسية والضمير الاجتماعي. فالامتثال ليس فعلاً ميكانيكياً ينجم عن مجرد وجود نص عقابي رادع، بل هو تعبير عن توازن قيمي واجتماعي داخل بنية الدولة. ومن هنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا يغدو القانون في بعض المجتمعات سلوكاً تلقائياً يُحترم دون حاجة لقسر مادي مستمر، بينما يتحول في مجتمعات أخرى إلى مجرد عبء يترصد الأفراد الفرص للإفلات منه؟

يكمن المفتاح الأول لفك هذا اللغز في التمييز الفلسفي الدقيق بين "الشرعية" كبناء شكلي صدقته السلطة التشريعية، وبين "المشروعية" كقيمة موضوعية مستقرة في وجدان الجماعة. في المجتمعات التي تنجح في تطبيق القانون، لا يُنظر إلى النص التشريعي بوصفه إملاءً فوقياً تفرضه إرادة حاكمة مستبدة، بل بوصفه تجسيداً موضوعياً لفكرة العدالة المشتركة. هنا يتطابق القانون الوضعي مع الضمير الجماعي، فيتحول الامتثال من طاعة ناتجة عن الخوف من العقاب (الردع المادي) إلى التزام أخلاقي واجتماعي تلقائي (الردع الذاتي). أما في المجتمعات التي تخفق في فرض سلطة القانون، فإن القواعد غالباً ما تصدر منبتة الصلة عن الواقع وقيمه الأخلاقية، فتُعامل كأدوات قهر تفتقر إلى القبول الفلسفي، مما يولد مقاومة مستترة وصراعاً صامتاً بين الفرد والنص.

كذلك يرتبط الامتثال ارتباطاً وثيقاً بمدى رسوخ "فكرة الدولة" في الوعي العام. الدولة في التحليل القانوني الرصين ليست مجرد جهاز قمعي، بل هي مؤسسة المؤسسات ومجسد الصالح العام. في المجتمعات الناجحة، يدرك الفرد أن احترامه للقانون هو صيانة لكينونة الدولة التي تحمي حقوقه وحرياته، فالقانون هنا أداة تنظيم وتبادل منافع متبادلة. وفي المقابل نجد في المجتمعات التي تعاني من وهن في الامتثال غياباً للشخصية المعنوية للدولة في الأذهان، حيث تتماهى الدولة في نظر الأفراد مع اشخاص الحاكمين أو الفئات المسيطرة. هذا الخلط الفلسفي يجعل التهرب من القانون يظهر في الوعي الشعبي كنوع من أنواع المقاومة أو الدفاع عن الذات، بدلاً من كونه اعتداء على الصالح العام. إن القانون ليس نصوصاً جامدة تكتب على الورق، بل هو كائن حي يتنفس من خلال التطبيق  الاجتماعي اليومي. والخلل الكبير الذي يعتري النظم القانونية المتعثرة هو الاعتقاد الواهم بأن صياغة نصوص مثالية مستوردة كفيل بصناعة الانضباط. إن إقحام قواعد قانونية غريبة على النسق الثقافي والاقتصادی للمجتمع دون تهيئة فلسفية مسبقة، يولد حالة من "الانفصام القانوني"، حيث يعيش المجتمع بنظامين: نظام رسمي مكتوب في الدفاتر الحكومية، ونظام واقعي غير رسمي يدير شؤون الناس الفعلية.  إن نجاح مجتمع ما في تطبيق القانون ليس رهناً بغلظة العقاب أو كثرة الأجهزة الرقابية، بل هو رهن بمدى قدرة المشرع على صياغة قواعد تعكس روح الجماعة وتطلعاتها العادلة. إن الامتثال هو الثمرة الطبيعية لعقد اجتماعي حقيقي ومتوازن، لا يشعر فيه الفرد بأنه مستهدف بالتنظيم والتقييد، بل محمي بموجب قاعدة قانونية عادلة ومتجردة تضمن كرامته الإنسانية أولاً وأخيراً.

***

دكتور أحمد فاتح محمد

"حين تخرج الصورة إلى الواقع، تصبح خارج السيطرة تماماً.."

"كُتبت له النجاة، مَنْ يفلت من صورته.."

رُبّ صورةٍ من زاويةٍ معينةٍ تكشف كامل المشهد. بالضبط كما يُلخص الإنسان المحدود تاريخ مجتمع مترامي الأطراف، فالحياة الإنسانية توجد في أدق عناصرها مثلما تُوجد داخل أكبرها حضوراً. ولكن لماذا الصورة تحديداً؟! الصور تُشبع فينا طاقات "التأمل والتحقُق" معاً. حتى نكاد نشعر بعدم وجود أي فراغ، هي لحظات قصوى من الحضور المكثف بامتياز. وتتسع لاستيعاب دلالة العالم والوجود. تحملنا إلى حيث تريد قبل أنْ نحملها إلى ما نريد. نحن بالنسبة إلي قوة الصور نقع في الهامش. تعيد رسم أوضاعنا بشكلٍّ بطيء، وتمثل وعداً مؤجلاً لن يأتي. ولاسيما إذا كانت الصورة معبرةً عن تراث من الصراع حول المكانة والسلطة في المجتمعات البشرية.

هكذا أثار ت صور " القاضي المزيف" تداعيات شتى على صعيد الثقافة والمعنى والسلطة. فقد أنتزع مكانةً ليست له وسط حراسةٍ مشددةٍ على رمزية الأزياء والثقة والحقيقة والقوى الرائجة في المجتمع المصري. كيف تتم معرفة ما حدث؟! وما أبعاد التداعيات التي ظهرت؟

الصورة كأثر

التناقض المثير أنَّه لا توجد صورة خارجنا رغم أننا نلتقط الصور من الخارج. فكل صورة توثّق وجودنا الخارجي داخل زمان ومكان ما. أي تأخذ الكاميرا واقعة رؤية معينةٍ، إلاَّ أن تأثيرها يبقى داخلنا عادةً. حتى وهي أمام عيون الآخرين، تمارس الصورة حضورها في أعماق حياتنا. الصور تغرينا بإمكانية امتلاك الآخر الذي يقاسمنا الرؤية، أي ترأب الصدع الذي نراه في المرآة والذي يسكننا طوال الوقت، الصورة تثير الاعجاب وقد تملكنا حتى الثمالة. هي الأثر الذي نجري وراءه بهذا المعنى أو ذاك.

ولكن لا تقف الجُرعات البصرية عند نهايةٍ، بل تستثير ظمأ وجودياً للمزيد. يتجاوز الجمال ورغبة التواجد إلى فكرة الافلات من الموت. اغواء الصورة يتجاوز حدود الفعل إلى نمط العيش. إن حياة دون صور هي التصاق مع الموت مباشرة. فهي تنطلق كالرصاصة عكسياً من أدنى إلى أعلى، من المحدود إلى اللامحدود، بفضل كونها مساحةَ دلالةٍ لا زاوية لقطة فقط. الصورة جسد الانسان في ذروة الاغواء الوجودي. كأنه يتطلع إلى تأبيد اللحظة لدرجة أنها تشكل إطار قوته الرمزية أمام الآخرين.

حين تجسد الصور دلالة الاغواء، يغرق صاحبها عبر التفاصيل دون رجعةٍ، لا فيما قامت به من إطارٍ فقط، بل يغرق داخل تراث الصورة الذي هو المجتمع المتخيل. لأنَّ الموروثات تخاطبنا عبر ألصق الأشياء، عبر صورتنا عن أنفسنا. في تلك البرهة (اللقطة) ترسم عالما مميزاً كما لو لم يوجد من قبل. إن قانون السلطة كاغراء يتحول إلى نيجاتيف ضمن كل المشاهد الممكنة. والخيال أقوى إلى حد الرعب من أية حقيقة. في الصورة، يود الشخص أنْ يعيش هناك There لا هناHere . لأن الـ" هناك " يرسم ثقافياً قانون الواقع. ويحدد نظرة الآخرين لنا، كما أن محل تفضيل الخيال حتى ولو لم يكن كذلك. وهذا يشحن طاقة الإنسان ركضاً وراء السلطة والمناصب والراوج الاجتماعي.

وقع الشخص المنتحل لصفة قاضٍ بمجلس الدولة المصرية في" اغواء الصورة". ليست كل الصور تحيلك إلى ذكرى، بل قد تدفعك إلى الجنون. ولكنه جنون يمشي بين الناس، ويتغذى على العلاقات والرواج وهيمنة المعنى. فقبل أن تخرج عبارات الادانة لهذا الفعل، علينا أن نعرف مساحة التبرير وراءه في مجتمعاتنا الإنسانية لا في مصر فقط. بعض أعمال الانتحال تكشف الجوانب المجهولة من شخصيتنا العمومية التي لا ندركها. لا لأننا نعاني قصوراً في الوعي، ولكن لأننا لا نريد أنْ نعي من الأساس. وتلك الأعمال تلقي بفحواها على قارعة الطريق، نظراً لحرصنا على دفنها في حيوات متفرقة أو داخل "مقبرة جماعية " نزورها يومياً.

ذات عبارة، قالها القاضي المزيف:" أشعر بالفخر عندما يطلق الناس عليّ مستشاراً". عبارة هي الصورة قبل أي شيء آخر. أي المشهد في أعظم تجليات السلطة الرائجة. فالصورة لديه ولدى باقي الأفراد أكثر واقعيةً من الواقع ذاته. مثله كمثل تصورات شرائح أناس كثيرين نتيجة رواسب وسائل التواصل الاجتماعي. لأنه عالم افتراضي مفتوح باطلاق، فقط ظن الفاعلون كونه محققاً لما يريدون. فمن أطلق على القاضي المزيف لقباً يغازل وسيطاً كهذا في مقابل عيون محدقة لا تتوقف عن المتابعة. الألقاب تحمل آثار السلطة التي تأتي من أي اتجاه طالما فضاء المعنى في كل مكان.

الاحتيال العمومي

ليس القاضي مزيفاً فقط كما تمَّ تداول صوره، ولكنه كشف زيف صورة المجتمع عن نفسه. لا يعد شخصاً مزيفاً إلا بقدر ما تتزاحم المعاني المزيفة خلف الكاميرا. تكمن المشكلة في كاميرا الثقافة لا في كاميرا القاضي. لأن الثقافة هي ما تحدد الصور وتنتجها وتطرحها عبر أسواق الناس. وهي ما تصنع الواقع وتعطيه دلالته العامة، لا توجد حقائق بعيدة عن عملية الاحتيال الفوتوجرافي.

غدت صورةُ المجتمع حلبةً للصراع اليومي بحثاً عن سلطةٍ ما وسط مظاهر الفقر والتعلق بمكانة مستحيلة. وأصبح الدخولُ في سباق محموم للظفر بالمكاسب هو الأساس. الاعمال التي تنال اعجاباً هي محط الاهتمام لا الاعمال المرتبطة بمجهودٍ متواصل. هناك زيف الترويج لصور القوى النافذة. لقد فهم أهل الفن والرياضة ورجال الاعمال ورموز السياسة اللعبة إلى درجة بعيدة. لأن قانون العيش وسط الاحتيال العمومي قائم على قواعد اللعب غير النظيف. قواعد خفية بحكم كون الثقافة الرائجة هي شفرات الصورة. ويدرك هذا اللاعب أو ذاك أن فك الشفرات يحتاج نزولاً إلى أرض الثقافة. ومن ثم يكثر هؤلاء الفنانون والرياضيون إغراق تفاصيل الحياة عبر الصور. لأنهم في مكانة تسمح لهم بصناعة الصورة، كما لا يعنيهم الواقع كثيراً. فالثروات والمكانة غدت هبات غير مستحقة.

عندما يصور القاضي المزيف وضعياته في قاعة المحكمة وهو ينطق ببعض الكلمات، فهو يفك إحدى شفرات الثقافة. السلطة تقبل من يقبلها ويعمل وفقاً لقواعدها السرية. وأن ذلك وعد متقدم بالشهرة والرواج الاجتماعي. القضاء له كل الاهمية داخل الثقافة الراهنة، مساحته مليئة بالألوان السياسية والثقافية والاخلاقية والمعرفية. والأخطر هو إطار الثقة الممنوحة مجاناً لهذا النمط من الوظائف. ولا تستطيع كقارئ أن تنتزع الاطار وإلا انتزعك من مكانتك أيا كانت.

المجال العمومي دائرة لا تعترف إلاَّ بالصورة. ذلك بخلاف حقيقة الصورة في الواقع. وقد تم وضع كامل الحقيقة فيها، إن صورة الاثرياء والسيارات الفارهة والمشاهد السياحية وبيوت الفنانين والرياضيين شكلت لاوعي الأفراد. كانت مادة دسمة جعلت الحياة صورة ليس أكثر. اختزلت الحياة في لقطات هي الأهم. بجانب أنَّ الصورة لا تأتي عارية، ولكنها محاطة بكم فاخر من المبالغة وخطف الانظار. في مقابل سيل غير قليل من لعاب الحرمان والامنيات المغبونة التي يطلقها المهمشون.

طبيعي أن يعتمد تصرف المهمشين على الصور المزيفة الرائجة. ولكن بأية صيغة تعد الصور مزيفة؟ هناك "حساب للرغبات" يحدد بوصلة التعامل مع الواقع. فالرغبة في الثراء الفاحش هي الرغبة في الشهرة والمكانة، لأنَّ الأفراد ربطوا صور الأثرياء وأصحاب الثروات وانماط الحياة الفاخرة بآثارها. وقلبوا النتائج إلى مقدمات. فالصور نتائج لا مقدمات كما هو معروف.

أحتل الاثرياء مكانة اجتماعية بفضل ثرواتهم وبعض الانجازات ثم جاء التقاط الصور. بينما لا يفهم المهمشون وضعاً كهذا، فغدت الصور سبباً في الثراء وهي المفتاح السحري لمقاومة البؤس. إذن فلتكن الصورة المزيفة للقاضي طريقاً للمكانة كما يعتقد. لا وسيلة أمام فقر الواقع وبؤس الحال إلاَّ إلتقاط الصور. ونظراً لأن لاوعي القاضي المزيف لم يدرك عملاً حقيقياً ولا خطاً شاقاً للصعود، فأخذ يؤسس لواقعه البائس بانتحال الصفة. وهو الانتحال نفسه الذي يلتقي مع احتيال الواقع العام.

صنم السلطة

جيئة وذهاباً، تلح الصور البراقة في الحياة العامة على نمط العيش السريع. القاضي المزيف أراد امتلاك هذا النمط من العيش، وكل ما يعرفه هو الصورة التي ستكون سريعة، وفي الوقت عينة ستملأ الفجوة مع الواقع. وستوفر له ثقةً إزاء الناس بحيث يستطيع ممارسة خداعه واستقطاب الضحايا. لأنه لم يكتف بالصورة، إنما استعملها في الاحتيال والوعود بحل مشاكل الناس القانونية مقابل أموال.

لا تستوفي أية صورة ذلك المعنى، بل تذهب بمحتواها إلى مدى بعيد. من هنا ذهب المنتحل المزيف إلى صورة القاضي تحديداً. فهي تعطية مهابة دون ثمن، وسلطة دون مبرر، كما أنها تحقق نظرات المحطين به وتسمح له بالإدعاءات التي يخافها الجميع. فعالم القضاء سري تماماً ولا يجوز للمتطفلين تناوله كثيراً. وكل الأشياء المتداولة عن القضاة أشياء مسربة، وليس هناك خط واضح بين الصدق والادعاء فيها. ولعل وافر السلطة المختزن في صور القضاء كان مصدر اغواء أكثر من غيره.

هناك صور متحركة (مقاطع فيديو) نشرها القاضي المزيف وهناك صور ثابتة (فوتوجرافية). لعلَّ اللقطة مع افتراض المهابة تُوثق الصورة في لاوعي الناس. ولأن المجال العمومي لا يحتمل النقد ويخضع للتسليم المباشر، فقد لجأ إليه أناس كثيرون لحل مشاكلهم القضائية. وهم لا يدركون أن صورته فارغة من القانون وخالية من السلطة والقوة التي يأملونها. إن صور القاضي تظهر كقشرة خارجية ولا تملك إلا أن تكون براقة دون مضمون. وتلتقي في الهدف مع صور الفنانين ورجال الاعلام والسياسة.

تؤدي الصور دور الصنم في دائرة الأديان. هي ظل لإله لا يكون. ومهما تشبث يها الناس، لن تقوي على مجابهة الحقيقة. فهي خالية من الرمزية وخالية من الواقع، والأهم أنها صامتة صمت القبور. وفي مجتمع لا يستطيع التعامل إلا بالأصنام، تنتشر الأخيرة عبر مجالات شتى سياسية كانت أم اجتماعية أم دينية.

مهما كانت الصور منتشرة، فسلطة الدولة والمجتمع تخاف من حقيقتها. لأنها سلطة أمر واقع. في حين أن الحقيقة هي ما تخيف بالأساس. ولذلك تم القبض على القاضي المزيف. وبعض الاعتبارات القانونية في غاية الأهمية. مثل انتحال صفة وظيفية والنصب والاحتيال على المواطنين والتصوير في أماكن محظورة بأمر القانون مثل المحاكم والهيئات القضائية. ولكن الأهم هو سرقة السلطة، لأن القاضي المزيف سرق بعضاً مما لا يخصه ويخص السلطة بالمقام الأول.

وهذا شيء في غاية الأهمية أنَّ اغواء الصورة مقرون بشيء ليس لنا امتلاكه، وأن الرعب الكامن فيها ناجم عن سرقة معنى السلطة. فمن الممكن لأي شخص أنْ يصور شخصاً ذا مكانة أو أن يلتقط صورة بجواره، ولكن لا ينبغي عليه أن يسرق صفته سواء أكان تصويراً أم حقيقة. والغريب أنه مسموع للرموز وأصحاب المكانة أنْ يحتلوا موقعاً داخل نظام السلطة، ولكن غيرهم من المهمشين لا يمكنهم فعل ذلك. وليس بإمكانهم حتى الإدعاء به، لأنَّ هذا الادعاء الصغير يصطدم بالهيمنة الضخمة لفائض السلطة.

السلطة التي تكونت من ميراث الثقافة تخشى على صورتها لا صور المهمشين. إن رمزية الصورة أقوى من الواقع، ومع اعتراف القاضي المزيف بكونه غير متعلم وأنه فشل في أن يكون شيئاً مهماً في المجتمع، إلاَّ أن المفاجئ هو سرقة الرمزية. والسلطة هي التي أنهت أية مشروعية خارجها. ولذلك ستكون الصور التي تواجد فيها صور محل إدانة مسبقة. ليس من مؤسسات الدولة وحسب، بل من الناس العاديين أيضاً. ولم يتساءل أحد لماذا فعل القاضي المزيف هذا الفعل؟ وهل مكانة أصحاب الصور الرائجة في المجتمع حقيقية أم لا؟

***

د. سامي عبد العال

"أخطر أشكال الضياع أن يعيش الإنسان في زمن انتهى، أو في حياة لا تخصه " (الكاتب).

لا يبدأ ضياع الإنسان دائماً بفقدان المكان أو المال أو الفرص، بل قد يبدأ حين يفقد علاقته بالحاضر، فيغدو جسده في زمن، بينما يظل وعيه عالقاً في زمن آخر، أو منشغلاً بحياة أشخاص آخرين. فقد يبدو الإنسان في الظاهر مندمجاً في تفاصيل حياته اليومية، يؤدي أعماله ويؤدي أدواره الاجتماعية بصورة اعتيادية، لكنه في العمق قد يكون أسير ذاكرة لا تكف عن استدعاء الأمس، أو رهينة اهتمام دائم بما يفعله الآخرون وما يملكونه وما يحققونه. وفي هذا السياق، لا تكمن المشكلة في الماضي بوصفه جزءاً أصيلاً من التجربة الإنسانية، ولا في الآخرين بوصفهم شركاء في الحياة الاجتماعية، وإنما في تحولهما إلى مركز تستنزف حوله الأفكار والانفعالات والقرارات، حتى يفقد الحاضر مكانته بوصفه المجال الوحيد الذي يستطيع الإنسان أن يمارس فيه إرادته ويصنع أثره.

وعلى الرغم من أن هذه الظاهرة تبدو في ظاهرها مسألة فردية تتعلق بطريقة التفكير أو بإدارة المشاعر، فإنها في حقيقتها أكثر تعقيداً من ذلك. فالإنسان لا يصوغ وعيه بمعزل عن المجتمع، بل يتشكل إدراكه للزمن ولذاته وللآخرين داخل بيئة اجتماعية وثقافية تحدد ما يستحق الاهتمام، وما ينبغي الخوف منه، وما يعد نجاحاً أو إخفاقاً. وعلى هذا الأساس، فإن الانشغال بالماضي أو بالآخرين لا يعكس دائماً ضعفاً في الشخصية أو عجزاً عن إدارة الحياة، بل قد يكون استجابة لظروف اجتماعية وثقافية أعادت تشكيل أولويات الإنسان وأسلوب نظرته إلى ذاته وإلى العالم من حوله.

لقد أصبح الإنسان المعاصر يعيش في بيئة تتزاحم فيها الذكريات والصور والمقارنات بوتيرة غير مسبوقة. فالتطور الرقمي لم يختصر المسافات بين الناس فحسب، بل اختصر أيضاً المسافة بين الإنسان وماضيه، وبين حياته وحياة الآخرين. فالصور القديمة، والذكريات المستعادة، والأحداث التي كان الزمن كفيلاً بإبعادها، أصبحت حاضرة بضغطة زر، كما أصبحت تفاصيل حياة الآخرين متاحة بصورة يومية، حتى بدا وكأن الإنسان يعيش في زمنين معاً، ويشارك في عشرات الحيوات في الوقت نفسه. ومع هذا التداخل، لم يعد التحدي الحقيقي هو كثرة ما نعرفه، بل قدرتنا على المحافظة على حضورنا في حياتنا نحن، دون أن نستنزف وعينا فيما لا نملك تغييره أو فيما لا يضيف إلى نمونا شيئاً.

ووفق الرؤية السوسيولوجية، لا تكمن خطورة هذه الظاهرة في كونها سلوكاً فردياً متكرراً، بل في تحولها إلى نمط ثقافي يعاد إنتاجه بصورة مستمرة. فحين يصبح الالتفات إلى الماضي أكثر شيوعاً من التفكير في المستقبل، أو يصبح الانشغال بحياة الآخرين أكثر حضوراً من الانشغال ببناء الذات، فإننا لا نكون أمام حالات فردية معزولة، بل أمام ثقافة اجتماعية تعيد توجيه الوعي بعيداً عن الحاضر، وتستنزف طاقات الأفراد في مساحات لا تمنحهم قدرة حقيقية على الفعل أو التغيير. وعند هذه النقطة، لا يعود السؤال لماذا يضيع بعض الناس؟ بل يصبح السؤال الأعمق كيف تنتج المجتمعات المعاصرة أشكالاً جديدة من الضياع، تجعل الإنسان غائباً عن الزمن الوحيد الذي يملكه حقاً؟

وإذا كان ضياع الحاضر يبدأ على مستوى الفرد، فإنه لا يتشكل بمعزل عن المجتمع. فالإنسان لا يختار دائماً طريقة نظرته إلى الزمن أو إلى ذاته بإرادة مستقلة، وإنما يتأثر بالبنية الثقافية والاجتماعية التي يعيش في إطارها. ولهذا، فإن الماضي والآخرين لا يكتسبان هذه السلطة على وعي الإنسان من تلقاء نفسيهما، بل لأن المجتمع قد يمنحهما، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مكانة تتجاوز حجمهما الطبيعي، حتى يصبحا معياراً لفهم الحاضر وتقييم الذات.

ويبرز الماضي بوصفه أول أشكال هذا الاستلاب. فالذاكرة الإنسانية وجدت لتكون خزينة للتجارب والخبرات، يسترشد بها الإنسان وهو يبني مستقبله، لكنها قد تتحول، في ظروف اجتماعية معينة، إلى قوة تشد الوعي إلى الخلف. ولا يحدث ذلك لأن الإنسان يعجز عن النسيان فحسب، بل لأن بعض المجتمعات تعيش زمناً تتراجع فيه الثقة بالمستقبل، فيصبح الماضي أكثر وضوحاً وأقل غموضاً من الآتي. وكلما ضعفت قدرة المجتمع على إنتاج الأمل، ازداد الميل إلى استحضار الأمس، حتى يتحول الحنين من شعور إنساني طبيعي إلى ثقافة جماعية تنظر إلى الوراء أكثر مما تنظر إلى الأمام.

وتبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحاً في المجتمعات التي عاشت أزمات ممتدة أو تحولات عميقة، حيث لا يبقى الماضي مجرد ذاكرة شخصية، بل يصبح مرجعاً جماعياً يقارن الناس به حاضرهم، ويقيسون من خلاله ما فقدوه أكثر مما يفكرون فيما يستطيعون بناؤه. ومع مرور الزمن، تتشكل علاقة غير متوازنة مع الذاكرة، فبدلاً من أن تكون الخبرة قوة تساعد على الفهم واتخاذ القرار، تصبح سلطة تفرض حضورها على كل محاولة للتغيير، وكأن المستقبل لا يملك شرعيته إلا إذا كان امتداداً للماضي.

وعند هذه النقطة، تكمن المفارقة، فالإنسان لا يتوقف عند الحدث الذي مضى، وإنما عند المعنى الذي يمنحه لذلك الحدث. ولذلك، فإن أكثر ما يستنزفه ليس الماضي ذاته، بل استمرار إعادة تفسيره واجتراره، حتى تتحول الذاكرة إلى فضاء دائم للمراجعة والندم والافتراضات التي لا تنتهي. وعندئذ، يستهلك العقل جزءاً كبيراً من طاقته في محاكمة ما انتهى، بدلاً من توجيهها إلى ما يمكن إنجازه. وهكذا لا يصبح الماضي عائقاً لأنه وقع، بل لأنه يظل حاضراً بالطريقة التي يُعاد بها إنتاجه داخل الوعي الفردي والثقافة الاجتماعية معاً.

غير أن الاستلاب لا يقف عند حدود الماضي، بل يجد شكلاً آخر أكثر انتشاراً في المجتمع المعاصر، يتمثل في الانشغال المستمر بالآخرين. وإذا كانت المقارنة الاجتماعية ظاهرة قديمة صاحبت الإنسان منذ نشوء الحياة الجماعية، فإنها اكتسبت اليوم أبعاداً غير مسبوقة بفعل البيئة الرقمية التي جعلت حياة الآخرين حاضرة على مدار الساعة. فلم يعد الإنسان يقارن نفسه بمن يعرفهم فقط، بل أصبح يقارن واقعه اليومي بصور مختارة بعناية، تعرض النجاح دون الفشل، والرفاه دون المشقة، واللحظات الاستثنائية بوصفها حياة اعتيادية.

ولذلك، لم تعد المنصات الرقمية والتكنولوجية مجرد وسائل للتواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى فضاءات تعيد تشكيل إدراك الإنسان لقيمة ذاته. فكلما ازداد تعرضه لصور الإنجاز والتميز والثراء والقبول الاجتماعي، ارتفعت معاييره في تقييم نفسه، حتى وإن كانت تلك الصور لا تعكس الواقع إلا بصورة جزئية. ومع تكرار هذا النمط، يصبح الإنسان أكثر انشغالاً بموقعه في أعين الآخرين من انشغاله بموقعه الحقيقي في مسار حياته، ويتحول الاعتراف الخارجي تدريجياً إلى مصدر رئيس لتقدير الذات.

ولا تنفصل هذه الظاهرة عن الثقافة الاستهلاكية التي أعادت تعريف النجاح بوصفه شيئاً يجب أن يعرض قبل أن يعاش. فلم يعد الإنجاز في كثير من الأحيان يكتسب قيمته من أثره الحقيقي، بل من قدرته على جذب الانتباه وإثارة الإعجاب. وبهذا، يصبح الظهور قيمة اجتماعية في حد ذاته، وتتحول المقارنة إلى ممارسة يومية تعيد إنتاج شعور دائم بعدم الاكتفاء، لأن الإنسان لا يقيس نفسه بواقعه، بل بصور مثالية يصعب أن تتحقق في الحياة الفعلية.

وعندما يلتقي الاستغراق في الماضي مع الانشغال الدائم بالآخرين، يفقد الحاضر مكانته الطبيعية. فالماضي يستحوذ على الوعي بما لا يمكن تغييره، والآخرون يستحوذون عليه بما لا يمكن امتلاكه كاملاً، وبينهما تتآكل المساحة الوحيدة التي يستطيع الإنسان أن يمارس فيها حريته وإرادته. ومن هنا، فإن أخطر أشكال الضياع لا تتمثل في خسارة الزمن، بل في فقدان القدرة على العيش فيه، لأن الإنسان قد يقضي سنوات طويلة وهو حاضر بجسده، لكنه غائب بوعيه، موزع بين ذاكرة تستدعيه باستمرار، وصور تستنزفه دون أن تضيف إلى حياته معنى حقيقياً.

وإذا كانت المجتمعات المعاصرة قد نجحت، بدرجات متفاوتة، في إعادة تشكيل علاقة الإنسان بالماضي وبالآخرين، فإن ذلك لا يعني أن هذا الاستلاب قدر لا يمكن تجاوزه. فالبنى الاجتماعية والثقافية تؤثر في الإنسان، لكنها لا تلغي قدرته على الوعي والنقد وإعادة بناء علاقته بذاته وبالعالم. وهنا تتجلى أهمية الحاضر، ليس لأنه الزمن الأقصر بين الماضي والمستقبل، بل لأنه المجال الوحيد الذي يمتلك فيه الإنسان إمكانية الفعل، والقدرة على تحويل المعرفة إلى ممارسة، والخبرة إلى تغيير.

ومن هذا المنطلق، فإن التحرر الحقيقي لا يعني قطع الصلة بالماضي، لأن المجتمعات التي تفقد ذاكرتها تفقد جزءاً من هويتها، كما لا يعني الانفصال عن الآخرين، لأن الإنسان كائن اجتماعي لا يكتمل وجوده خارج شبكة العلاقات الإنسانية. وإنما يبدأ التحرر عندما يستعيد الماضي مكانته بوصفه مصدراً للفهم لا سجناً للوعي، وعندما يعود الآخرون شركاء في التجربة الإنسانية لا مقياساً دائماً لتحديد قيمة الذات. فالمشكلة لا تكمن في الذاكرة ولا في المجتمع، بل في اختلال العلاقة معهما، بحيث يتحول ما ينبغي أن يكون وسيلة للنمو إلى مصدر دائم للاستنزاف.

ولذلك، فإن استعادة الحاضر ليست فعلاً زمنياً فحسب، بل هي عملية إعادة تنظيم للوعي. فالإنسان لا يحرر نفسه بمجرد تجاهل ما مضى، ولا بمجرد التوقف عن مقارنة نفسه بالآخرين، وإنما عندما يعيد ترتيب أولوياته وفق ما يملك القدرة على التأثير فيه. فكلما اتسعت المسافة بين ما يشغل تفكير الإنسان وما يستطيع تغييره، ازداد شعوره بالعجز، وكلما اقترب اهتمامه من دائرة فعله الحقيقي، ازدادت قدرته على الإنجاز واستعاد إحساسه بالمعنى.

بناءً عليه، فإن المجتمعات التي تسعى إلى بناء إنسان أكثر توازناً لا تكتفي بدعوة أفرادها إلى التفاؤل أو الثقة بالنفس، بل تعمل على ترسيخ ثقافة تمنح قيمة للعمل الحقيقي أكثر من المظاهر، وللإنجاز أكثر من الشهرة، وللمعرفة أكثر من الانطباعات السريعة. فكل ثقافة تعيد الاعتبار للجهد والإبداع والتفكير النقدي، تساهم في بناء أفراد أقل ارتهاناً للمقارنة وأكثر قدرة على إنتاج ذواتهم بصورة مستقلة. أما الثقافات التي تجعل المكانة الاجتماعية رهينة الظهور، أو النجاح رهينة اعتراف الآخرين، فإنها تعيد إنتاج حالة من القلق الدائم، لأن الإنسان سيظل يبحث عن قيمته خارج ذاته، في معايير تتغير باستمرار ولا تعرف الاكتفاء.

إن أخطر ما يواجه الإنسان اليوم ليس تسارع الزمن، بل تشتت الوعي داخله. فوفرة المعلومات، وكثافة الصور، وتسارع الأحداث، لم تمنحه بالضرورة فهماً أعمق للحياة، بل قد تدفعه إلى توزيع اهتمامه على كل شيء، حتى يفقد القدرة على التركيز فيما يصنع الفرق الحقيقي في حياته. وعندما يصبح العقل مشغولاً بكل ما يحدث، يفقد طاقته على بناء ما ينبغي أن يحدث. ولهذا، فإن الحفاظ على الحاضر لم يعد مجرد مهارة شخصية، بل أصبح شكلاً من أشكال المقاومة الثقافية في زمن تتنافس فيه القوى الاجتماعية والرقمية على جذب الانتباه واستنزافه.

وفي الختام، لا يبدأ المستقبل عندما تتغير الظروف من حولنا، بل عندما نستعيد حقنا في أن نعيش الزمن الذي نملكه، لا الزمن الذي انتهى، ولا الزمن الذي يعيشه الآخرون. فالحياة لا تختزل بما نحتفظ به من ذكريات، ولا بما نعرفه عن الآخرين، وإنما بما نبنيه من معنى في حاضرنا، لأن الحاضر ليس مجرد لحظة عابرة بين الأمس والغد، بل هو المجال الذي تتشكل فيه القرارات، وتُصاغ فيه القيم، ويُعاد فيه بناء الإنسان.

وليس المقصود من تجاوز الماضي أن نتخلى عن ذاكرتنا، فالأمم والأفراد الذين يفقدون ذاكرتهم يفقدون جزءاً من هويتهم، وإنما أن نستعيد العلاقة المتوازنة معه، بحيث يتحول إلى خبرة تثري الوعي بدلاً من أن تقيد الإرادة، وإلى مصدر للحكمة بدلاً من أن يكون سجناً للندم. كما أن العيش في الحاضر لا يعني الانفصال عن المستقبل، بل يعني امتلاك القدرة على التخطيط له انطلاقاً من فهم أعمق للواقع وإيمان أكثر رسوخاً بإمكان تغييره.

إن الإنسان يملك دائماً فرصة لإعادة ترتيب علاقته بالزمن، لأن قيمة الحاضر لا تنبع من خلوه من التحديات، بل من كونه الزمن الوحيد الذي يستطيع فيه أن يتعلم من ماضيه، ويصنع مستقبله، ويمنح حياته اتجاهاً ومعنى. وكلما استطاع أن يحرر وعيه من استنزاف الذكريات ومن هيمنة المقارنات، اتسعت قدرته على رؤية الفرص الكامنة في واقعه، وتحولت طاقته من اجترار ما كان إلى بناء ما يمكن أن يكون.

وعندما يدرك الإنسان أن وعيه هو أثمن موارده، وأن زمنه هو رأسماله الحقيقي، وأن قيمته لا تستمد من الماضي ولا تمنح له من الآخرين، بل تتجسد فيما يضيفه إلى حياته وحياة من حوله من معرفة وعمل وقيم، يكون قد تحرر من أكثر أشكال الاستلاب خفاءً. وحينها يستعيد الماضي مكانته بوصفه معلماً لا حاكماً، ويستعيد الحاضر دوره بوصفه ميدان الفعل، ويغدو المستقبل أفقاً مفتوحاً تصنعه الإرادة الواعية أكثر مما تصنعه الظروف. فهناك تبدأ الحرية الحقيقية، حين يعيش الإنسان زمنه بوعي، ويستثمر خبرته بحكمة، ويمنح مستقبله حقه في أن يولد من أفضل ما في ماضيه، لا من أثقل ما فيه.

***

د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوري

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

لم أذهب إلى سينما النجوم في مدينة أنسخدة لمشاهدة فيلم «الأوديسة» للمخرج البريطاني الاميركي، كريستوفر نولان بوصفه فيلمًا جديدًا فحسب، بل بوصفه عودةً شخصية إلى زمن بعيد. وما إن انطفأت الأنوار، وبدأت شاشة IMAX العملاقة ترسم البحر الإغريقي، حتى شعرت أنني أغادر مقعدي في القرن الحادي والعشرين، وأعود أكثر من خمسة وأربعين عامًا إلى الوراء، إلى ذلك الشاب الذي قرأ للمرة الأولى ملحمتي هوميروس: الإلياذة والأوديسة.

أتذكر أنني أمضيت سبعة أيام مع الإلياذة، وسبعة أخرى مع الأوديسة. ولم تكن تلك القراءة يسيرة بالنسبة لشاب يعيش في بيئة بسيطة، ولم يكن قد عرف بعد شيئًا عن الفلسفة أو الحضارة اليونانية أو الميثولوجيا الإغريقية. كانت أسماء مثل زيوس، وأثينا، وأفروديت، وأوديسيوس، وأخيل، وهيلين وباريس وهكتور وطروادة وحصانها .الخ تبدو لي كأنها تنتمي إلى عالم آخر. ومع ذلك كنت أشعر بمتعة الاكتشاف، وكأنني أفتح نافذة تطل على حضارة لم أكن أعرف بوجودها قبل ذلك اليوم المشهود

إذ شكلت تلك القراءة، عبورًا وجدانيا من عالمي المحلي المحدود إلى عالم اكثر رحابة اشبه بقدح زناد الروح والشرارة الأولى التي أيقظت عندي فضول المعرفة، ورسخت في نفسي قناعة ما زلت أؤمن بها إلى اليوم: أن الإنسان حين يقرأ نصًا عظيمًا، فإنه لا يقرأ الماضي فحسب، بل يقرأ نفسه في مرايا العصور بوصفه ذاتا انسانيا يشترك مع أشباهه من بني الإنسان في كثير من الحاجات والصفات.

وهذا هو ما يفسر انجذاب الناس لمشاهدة فيلم «الأوديسة» الجديد فهو في تقديري، لا يعيد رواية مغامرات أوديسيوس البحرية فحسب، بل يعيد اكتشافها بوصفها رحلة وجودية في أعماق النفس الإنسانية. فما يبدو في ظاهره صراعًا مع البحر والوحوش وغضب الآلهة، يخفي في جوهره أسئلة الفلسفة الكبرى: من نحن؟ وماذا نرغب وما هي الدوافع التي تحركنا، وكيف نحافظ على إنسانيتنا وسط الخراب؟ وما الذي يجعل الحياة جديرة بأن تُعاش؟

وهذا ما يراه الفيلسوف الفرنسي إدغار موران إذ أكد أن السينما تشبه الحلم في بنيتها النفسية؛ ففي الحلم تمتزج الذكريات بالرغبات والمخاوف، والأساطير والخرافات لاسيما ففي المجتمعات التقليدية كانت الأساطير الدينية والبطولية القديمة ولازالت تقدم نماذج مثالية للإنسان أما في المجتمعات الحديثة فقد أصبحت السينما هي التي تنتج الأساطير والشخصيات الأسطورية الممثلة بالنجوم.

ولعل قوة السينما وسر جاذبيتها ينبع من قدرتها على الجمع بين هذين العالمين في تجربة واحدة. فنحن ندرك عقلانياً أن ما نشاهده على الشاشة ليس حقيقياً، لكننا نتفاعل معه وجدانياً كما لو كان جزءاً من حياتنا الخاصة. نبكي لمصير شخصية خيالية، ونفرح لانتصار لم نشارك فيه، ونشعر بالخوف من خطر لا يهددنا فعلياً. هذه المفارقة هي التي جعلت موران يعتبر السينما مختبراً لفهم البنية العميقة للخيال الإنساني.

البارحة شاهدت الاوديسة بعيون جديدة وقراتها ليس بوصفها انتقالًا جغرافيًا بين الجزر والبحار او صراع بين الإنسان والآلهة ، بل وجدتها رحلة في دهاليز النفس الإنسانية، وغوص عميق في طبقات الذات وصراعاتها الداخلية. فالرحلة الحقيقية ليست تلك التي يقطعها الجسد في المكان، وإنما تلك التي يقطعها الإنسان في أعماق وعيه وهو يصارع رغباته، ويختبر حدود قوته حريته، وممكناته ويحاول التوفيق بين ما يشتهيه وما يجب عليه أن يفعله.

ولعل المشهد الذي استوقفني في الفيلم، حين أمر أوديسيوس جنوده أن يربطوه بالحبال إلى صاري السفينة وهو يقترب من جزيرة السيرينات، يمثل واحدة من أعمق الصور الرمزية في تاريخ الأدب الإنساني. فقد أراد أن يسمع الغناء الساحر الذي يفقد البحارة عقولهم ويقودهم إلى الهلاك، لكنه في الوقت نفسه لم يشأ أن يستسلم له، فابتكر حيلة تجمع بين المعرفة والانضباط. هنا تتحول السفينة إلى رمز للحياة، ويتحول الصاري إلى رمز للعقل الذي يحمي الإنسان من نفسه قبل أن يحميه من العالم كما جاء في المدونة العربية فالعقل من العقال إي الربط والعاقل من يحبس نفسه ويردها عن هواها، أخذ من قولهم اعتقل لسانه إذا حس ومنع الكلام.. وسمي العقل عقلاً لأنه يعقل صاحبه عن التورط في المهالك أي يحبسه.

وهكذا يمكننا قراءة الاوديسة ضوء التحليل النفسي عند سيجموند فرويد بوصفه تجسيدًا للصراع الدائم بين (الأنا والهو والأنا الأعلى) إي العقل والهوى والضمير ومشهد ربط البطل إلى صارية السفينة ذكرني بعبارة الفيلسوف ابو يوسف الكندي (أعص الهوى وأطع من شئت) . فالسيرينات لا يمثلن مجرد مخلوقات أسطورية، وإنما يجسدن قوة “الهو” (Id)، ذلك المخزن العميق للغرائز والرغبات والاندفاعات المحكومة بمبدأ اللذة والليبيدو، التي لا تعبأ بالعواقب ولا تعترف إلا بالإشباع الفوري. ولهذا لم يكن غناؤهن مجرد موسيقى، بل نداءً صادرًا من أعماق اللاوعي، يدعو الإنسان إلى الانصياع الكامل لرغباته ولو كان الثمن الموت ذاته. ويظهر هذا “الهو” كذلك في غواية أكلة اللوتس الذين يفقدون ذاكرتهم وينسون أوطانهم، كما يتجلى في همجية السيكلوب الذي يعيش خارج القانون والعقل والنظام.

وفي الطرف المقابل يقف “الأنا الأعلى” (Super-Ego)، بوصفه الضمير الأخلاقي والوعي بالقيم والواجبات والإيمان الديني والمعايير الاجتماعية التي تشكلت عبر التربية والثقافة والخبرة التاريخية. إنه الصوت الداخلي الذي يذكّر أوديسيوس دائمًا بأن له وطنًا اسمه إيثاكا، وزوجة وفية تدعى بينيلوبي، وابنًا ينتظر عودته، وشعبًا ينبغي أن يعود إليه ليقيم العدل ويستعيد النظام. ولذلك رفض الخلود الذي عرضته عليه كاليبسو، لأن الخلود بلا معنى أخلاقي ولا مسؤولية إنسانية ليس إلا شكلًا آخر من أشكال الضياع.

أما “الأنا” (Ego)، فهو الذات الواعية المحكومة بمبدأ الواقع، التي تحاول باستمرار تحقيق توازن دقيق بين اندفاعات “الهو” وضغوط “الأنا الأعلى”. لم يغلق أوديسيوس أذنيه بالشمع كما فعل بحارته، لأنه أراد أن يعرف ويختبر ويستمع، لكنه في الوقت نفسه ربط نفسه بالصاري حتى لا يتحول الفضول إلى هلاك. وهنا تتجلى عبقرية هوميروس في تصوير العقل لا بوصفه قوة تلغي الغريزة، وإنما بوصفه القدرة على إدارتها وترويضها وتحويلها من قوة مدمرة إلى طاقة واعية. وهكذا يصبح الصاري الخشبي تجسيدًا رمزيًا لمبدأ الواقع الذي يمنح الإنسان القدرة على النجاة.

ولعل هذا هو السر الذي جعل الأساطير الكبرى تعيش آلاف السنين، وتهاجر من المعابد إلى الكتب، ومن الكتب إلى المسرح، ثم إلى السينما. فهي لا تنتمي إلى الماضي بقدر ما تنتمي إلى البنية العميقة للخيال الإنساني. ولهذا لم يكن غريبًا أن تعود هوليوود، مرة بعد أخرى، إلى جلجامش وهوميروس، وسوفوكليس، وأوديب، وهرقل، وبروميثيوس، وكليوبترا وغيرها من الأساطير المؤسسة للوعي الإنساني؛ لأن السينما، مهما بلغت تقنياتها، ما تزال تبحث عن الحكايات الكبرى التي تختبر معنى الإنسان في مواجهة القدر والزمن والموت.

خرجت من الفيلم وأنا أشعر أن الأوديسة لم تكن يومًا قصة رجل عاد إلى وطنه بعد حرب طويلة، بل قصة الإنسان وهو يحاول، في كل عصر، أن يعود إلى ذاته بعد أن تشتته الحروب، وتغويه السلطة، وتخدعه الأوهام، وتستنزفه الحياة.

وربما لهذا السبب أيضًا لم تمت الأساطير، ولن تموت. فهي لا تحفظ ذاكرة الماضي فحسب، بل تحفظ الأسئلة التي تجعل الإنسان إنسانًا. وكل جيل يعيد قراءتها بلغته الخاصة، كما تعيد السينما اليوم اكتشافها بأحدث أدواتها التقنية، لتؤكد أن التكنولوجيا، مهما بلغت من الإبهار، تظل في حاجة إلى ذلك الخيال الأول الذي ولد مع الأسطورة، وإلى تلك الدهشة القديمة التي ما تزال، بعد آلاف السنين، توقظ فينا الرغبة في التفكير، وتذكرنا بأن رحلة أوديسيوس ليست سوى صورة مكبرة لرحلة كل واحد منا في هذا العالم إذ أن في الوجود الإنساني جانباً باطناً، لا مرئياً، مجهولاً، وأن معرفته لا تتم بالطرق المنطقية- العقلانية، وأن الانسان دونه دون محاولة الوصول إليه، كائن ناقص الوجود والمعرفة، وأن الطرق إليه خاصة وشخصية وفريدة وحميمة ولهذا سنجد أن هناك قرابات وتآلفات بين جميع الاتجاهات التي تحاول أن تستشرف هذا الغيب. فالتجارب الكبرى في معرفة الجانب الخفي من الوجود تتلاقى بشكل أو بآخر فيما وراء اللغات وفيما وراء العصور، وفيما وراء الثقافات. وهذا هو مبعث ظهور الأساطير والايديولوجيات في كل العصور. فكيف يمكن أن يعيش الإنسان بدون وهم من الأوهام. ذلك هو السؤال الذي يوجه الحضارة البشرية الآن بعد أفول الحكايات الكبرى والذكاء الاصطناعي.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

في المثقف اليوم