عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

كتب: براين نورتن

ترجمة: علي حمدان

***

بالنسبة لبرنارد ستيجلر، الفيلسوف صاحب الرؤية الثاقبة لعصرنا الرقمي، فإن التقنية هي السمة المميزة للتجربة الإنسانية*

***

أصبح من شبه المستحيل فصل تأثيرات التقنيات الرقمية عن تجاربنا اليومية. يُفسَّر الواقع عبر شاشات متوهجة، وتدفقات بيانات لا تنضب، وحلقات تغذية راجعة بيومترية، وأطراف اصطناعية رقمية، وشبكات متنامية تربط ذواتنا الافتراضية بمصفوفات أقمار صناعية في مدار ثابت بالنسبة للأرض. تُفسِّر ساعات اليد حالتنا الجسدية من خلال عدّ الخطوات ونبضات القلب. تتتبع الهواتف كيفية قضائنا وقتنا على الإنترنت، وترسم خرائط المواقع الجغرافية للأماكن التي نزورها، وتسجل تاريخنا في أرشيفات رقمية. تُقيم منصات التواصل الاجتماعي تحالفات وتخلق إمكانيات سياسية جديدة. وتُحدِّد الشبكات اللاسلكية الواسعة - التي تربط الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والأسلحة "الذكية" - كيفية خوض حروب عصرنا. تجاربنا في العالم مُشبعة بالتقنيات الرقمية.

لكن بالنسبة للفيلسوف الفرنسي برنارد ستيغلر، أحد أوائل وأبرز منظري عصرنا الرقمي، فإن فهم العالم يتطلب منا تجاوز النظرة التقليدية للتكنولوجيا. فقد اعتقد ستيغلر أن التكنولوجيا لا تقتصر على تأثيرات الأدوات الرقمية وكيفية تأثيرها على حياتنا، ولا على كيفية ابتكار الأجهزة واستخدامها من قبل منظمات قوية أو دول أو أفراد. إن علاقتنا بالتكنولوجيا أعمق وأكثر جوهرية، إنها تتعلق بالتقنيات نفسها.

بحسب ستيغلر، فإنّ التقنية - أي صنع التكنولوجيا واستخدامها بمعناها الأوسع - هي ما يُميّزنا كبشر. فأسلوب وجودنا الفريد في العالم، المُختلف عن باقي الكائنات، يتحدد بالخبرات والمعارف التي تُتيحها لنا أدواتنا، سواءً أكانت واجهة متطورة بين الدماغ والحاسوب مثل نيورالينك، أو فأسًا من الصوان استُخدم في عصور ما قبل التاريخ لإزالة الأشجار. لكن لا تظنّوا خطأً: فكلمة "تقنية" ليست مُجرّد مُرادف لكلمة "تكنولوجيا". وكما كتب مارتن هايدغر في مقالته "المسألة المُتعلّقة بالتكنولوجيا" (1954)، والتي استخدم فيها المصطلح الألماني "Technik" بدلًا من "Technologie" في العنوان الأصلي: "جوهر التكنولوجيا ليس بأي حال من الأحوال شيئًا تكنولوجيًا". وهذا يتوافق مع تاريخ الكلمة: فأصل كلمة "تقنية" يُعيدنا إلى ما يُشبه المصطلح اليوناني القديم للفن - "technē". إذن، جوهر التكنولوجيا لا يكمن في جهاز، مثل الجهاز الذي تستخدمه لقراءة هذه المقالة. إنها عملية إبداعية مفتوحة، وعلاقة مع أدواتنا والعالم.

هذا هو إرث ستيغلر. طوال حياته، طوّر فكرة التقنيات هذه، التي استكشفها لأول مرة أثناء سجنه بتهمة السطو المسلح، أكثر من أي شخص آخر. لكن أفكاره غالبًا ما تم تجاهلها وسوء فهمها، حتى قبل وفاته عام 2020. واليوم، أصبحت هذه الأفكار أكثر ضرورة من أي وقت مضى. كيف لنا أن نتعلم، بخلاف ذلك، فصل تأثيرات التقنيات الرقمية عن تجاربنا اليومية؟ كيف لنا أن نبدأ في فهم تاريخ واقعنا الغريب؟

لم يكن طريق ستيغلر ليصبح الفيلسوف الأبرز في عصرنا الرقمي سهلاً على الإطلاق. فقد وُلد في فيلبون سور إيفيت، جنوب باريس، عام 1952، خلال فترة ازدهار ونهضة شهدتها فرنسا عقب ويلات الحرب العالمية الثانية. في سن السادسة عشرة، شارك ستيغلر في الموجة الثورية عام 1968 (وانضم لاحقًا إلى الحزب الشيوعي)، حين أجبرت انتفاضة طلابية وعمالية جذرية الرئيس شارل ديغول على اللجوء مؤقتًا إلى ألمانيا الغربية. إلا أنه بعد الدعوة إلى انتخابات جديدة وإزالة المتاريس، خاب أمل ستيغلر في الماركسية التقليدية، وكذلك في التيارات السياسية السائدة في فرنسا آنذاك. بدا اليسار الفرنسي ممزقًا بين وجودية ما بعد الحرب لجان بول سارتر، ومعاداة الإنسانية للويس ألتوسير. بينما أصرّ سارتر على قدرة الإنسان الإبداعية على تشكيل مصيره، جادل ألتوسير بأنّ هيمنة الأيديولوجيا في المجتمع الرأسمالي قد تركتنا عالقين بلا حول ولا قوة في أنظمة سلطة خارجة عن سيطرتنا. لم يُرضِ أيٌّ من هذين الخيارين ستيغلر، لأنّ أياً منهما لم يستطع تفسير الصعود السريع لقوة تاريخية جديدة: التكنولوجيا الإلكترونية. بحلول سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، أدرك ستيغلر أنّ هذه التكنولوجيا الجديدة تُعيد تعريف علاقتنا بأنفسنا، وبالعالم، وببعضنا البعض. ولتفسير هذه الظروف الجديدة، اعتقد أنّه لا بدّ من إعادة كتابة تاريخ الفلسفة من جذوره، من منظور التقنية. لم تقترب لا الوجودية ولا الماركسية ولا أيّ مدرسة فلسفية أخرى من الاعتراف بالرابط الجوهري بين الوجود الإنساني والتاريخ التطوري للأدوات.

في العقد الذي تلى عام 1968، افتتح ستيغلر نادياً لموسيقى الجاز في تولوز، أغلقته الشرطة بعد بضع سنوات بتهمة ممارسة الدعارة غير القانونية. ولحاجته الماسة لتأمين لقمة العيش، لجأ ستيغلر إلى سرقة البنوك لسداد ديونه وإطعام أسرته. وفي عام 1978، أُلقي القبض عليه بتهمة السطو المسلح وحُكم عليه بالسجن خمس سنوات. كان ستيغلر، الذي ترك الدراسة الثانوية ولم يشعر يوماً بالراحة في بيئة السجون، قد طلب زنزانة خاصة به عند وصوله إلى السجن، ودخل في إضراب عن الطعام حتى تمت الموافقة على طلبه. وبعد أن وافق مدير السجن أخيراً، بدأ ستيغلر يلاحظ كيف كانت القراءة والكتابة تُؤثران على علاقته بالعالم الخارجي. كان هذا إدراكاً بالغ الأهمية. فمن خلال الكتب والورق والأقلام، تمكن من التواصل مع الناس والأماكن خارج أسوار السجن.

خلال فترة سجنه، بدأ ستيغلر بدراسة الفلسفة بتعمق أكبر، يلتهم كل كتاب يقع بين يديه. في مذكراته الفلسفية "التصرف بجرأة" (2009)، يصف ستيغلر فترة سجنه بأنها كانت فترة استكشاف ذاتي جذري وتجربة فلسفية. قرأ أعمالًا كلاسيكية في الفلسفة اليونانية، ودرس اللغة الإنجليزية، وحفظ الشعر الحديث، لكن الكتاب الذي لفت انتباهه حقًا كان حوار "فيدروس" لأفلاطون. في هذا الحوار بين سقراط وفيدروس، يوضح أفلاطون مفهومه عن "التذكر"، وهي نظرية في التعلم تنص على أن اكتساب المعرفة الجديدة ليس إلا عملية تذكر ما كنا نعرفه في حياة سابقة. ففي دوامة لا تنتهي من الموت والولادة، ننسى ما نعرفه في كل مرة نولد فيها من جديد. بالنسبة لستيغلر، أصبحت فكرة التعلم كذكرى أقل روحانية وأكثر مادية: فالتعلم والذاكرة مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بالتقنيات. من خلال الأدوات التي نستخدمها - بما في ذلك الكتب والكتابة والمحفوظات - يمكننا تخزين وحفظ كميات هائلة من المعرفة.

بعد محاولة أولية لكتابة الروايات في السجن، التحق ستيغلر ببرنامج فلسفي مُصمم خصيصًا للسجناء. وخلال فترة سجنه، حصل على شهادة في الفلسفة، وتواصل مع مفكرين بارزين، من بينهم الفيلسوف والمترجم جيرار غرانيل، الذي كان أستاذًا ذا نفوذ في جامعة تولوز لو ميراي (التي عُرفت لاحقًا بجامعة تولوز جان جوريس). عرّف غرانيل ستيغلر على بعض أبرز الشخصيات الفلسفية في ذلك الوقت، بمن فيهم جان فرانسوا ليوتار وجاك دريدا. أشرف ليوتار على رسالة الماجستير لستيغلر بعد إطلاق سراحه، بينما أشرف دريدا على أطروحته للدكتوراه، التي أنجزها عام 1993، والتي أُعيدت صياغتها ونُشرت بعد عام كأول مجلد في سلسلة "التقنية والزمن". بمساعدة هؤلاء الفلاسفة ومُثُلهم الجديدة، بدأ ستيغلر في إعادة تشكيل التزامه السياسي السابق بالمادية الماركسية، ساعياً إلى تفسير الطرق التي تُشكل بها التقنيات الجديدة العالم.

مع بداية سبعينيات القرن العشرين، بدأ عدد متزايد من الفلاسفة والمنظرين السياسيين في التشكيك في فورية تجربتنا المعيشية. لم يعد العالم من حولنا يُنظر إليه من قِبل هؤلاء المفكرين على أنه أمر مُسلّم به، كما كان الحال بالنسبة للفلاسفة الظاهريين مثل إيمانويل كانط وإدموند هوسرل. بل أصبح العالم يُقدّم نفسه كبيئة مبنية تتألف من أشياء مثل الطرق ومحطات توليد الطاقة والمنازل، وكلها أصبحت ممكنة بفضل المؤسسات السياسية والممارسات الثقافية والأعراف الاجتماعية. وهكذا، بدت الحقيقة أيضاً وكأنها بناء اجتماعي، وليست أمراً مُسلّماً به.

كان لويس ألتوسير أحد أبرز الفلاسفة الفرنسيين الذين تعمقوا في دراسة واقعية اللحظة الراهنة. ففي مقالته "الأيديولوجيا وأجهزة الدولة الأيديولوجية"، التي نُشرت عام 1970، أي قبل سنوات من تتلمذ ستيغلر على يديه، يُشير ألتوسير إلى أن الأيديولوجيا ليست مجرد معتقد فردي، بل هي ظاهرة تتجاوز بكثير نطاق الفرد، أو حتى المجتمع. فكما نلتفت لا شعوريًا عندما نسمع من ينادينا من الخلف، فإن للأيديولوجيا تأثيرًا تلقائيًا ولا شعوريًا علينا، إذ تتسلل إلينا من الخارج. وقد طوّر ميشيل فوكو، أحد تلاميذ ألتوسير في المدرسة العليا للأساتذة في باريس، نظريةً للسلطة تعمل بطريقة مماثلة. في كتابه "المراقبة والمعاقبة" (1975) وفي مواضع أخرى، يجادل فوكو بأن السلطة الاجتماعية والسياسية لا تتركز في أيدي الأفراد، بل تُنتَج من خلال "الخطابات، والمؤسسات، والأشكال المعمارية، والقرارات التنظيمية، والقوانين، والتدابير الإدارية، والبيانات العلمية، والمقترحات الفلسفية والأخلاقية والإنسانية". وقد تمثلت رؤية فوكو في إظهار كيف تُشكّل السلطة كل جانب من جوانب العالم، بدءًا من التفاعلات الصفية بين المعلم والطالب، وصولًا إلى مفاوضات اتفاقية تجارية بين ممثلين عن دولتين مختلفتين. من هذا المنظور، تتشكل السلطة في الممارسات المادية ومن خلالها، لا أنها شيء يمتلكه الأفراد.

هذه هي الأسس التي بنى عليها ستيغلر فكرته عن التقنية. ورغم تقديره للطرق التي حاول بها فوكو وألتوسير تفسير التكنولوجيا، إلا أنه ظل غير راضٍ عن إهمال أنواع محددة منها، فضلاً عن عدم تقديم أيٍّ منهما بدائل حقيقية لأشكال السلطة التي وصفاها. في كتابه "رعاية الشباب والأجيال" (2008)، يوضح ستيغلر أنه استطاع تجاوز فوكو بمساعدة مفهوم "الفارماكون" الذي طرحه معلمه دريدا. في مقالته "صيدلية أفلاطون" (1972)، بدأ دريدا بتطوير هذه الفكرة وهو يستكشف كيف يمكن لقدرتنا على الكتابة أن تخلق وتقوض (تعالج وتسمم) إحساس الفرد بهويته. بالنسبة لدريدا، فإن فعل الكتابة - وهو بحد ذاته نوع من التكنولوجيا - له علاقة متناقضة بالذاكرة الفردية. على الرغم من أن الكتابة تتيح لنا تخزين المعرفة والخبرة عبر فترات زمنية طويلة، إلا أنها تثبط عزيمتنا عن ممارسة قدرتنا الذهنية على التذكر. فالكلمة المكتوبة تقطع الصلة المباشرة بين التجربة المعيشة والذاكرة الداخلية. إنها "تعالج" حدودنا المعرفية، ولكنها في الوقت نفسه "تسمم" إدراكنا بتقييد قدراتنا.

"كل تكريم يمنحه المجتمع هو إعلان غير مباشر عن نوع المستقبل الذي يريده لأبنائه، فالقيم التي يرفعها إلى القمة اليوم هي ذاتها التي ستقود وعي الأجيال الصاعدة، وترسم ملامح حضارته غداً " (الكاتب).

تشكل الشخصيات التي يمنحها المجتمع مكانة التقدير والاحترام مرآة صادقة لمنظومته الثقافية واتجاهه الحضاري، لأنها تعكس القيم التي يختار ترسيخها في وعي أفراده والأجيال القادمة. فالتقدير الاجتماعي ليس فعلاً عفوياً أو مجرد استجابة للإعجاب، بل هو آلية ثقافية تعلن من خلالها الجماعة ما تعتبره جديراً بالاقتداء والاتباع.

لذلك فإن دراسة الشخصيات التي تتصدر المشهد العام تكشف كثيراً من ملامح البناء الثقافي للمجتمع، وتوضح طبيعة الأولويات التي تحكمه. فإذا كانت المكانة تمنح لأصحاب الفكر، والعلم، والإبداع، والنزاهة، فإن ذلك يعكس مجتمعاً يستثمر في رأس ماله الثقافي ويؤسس لمستقبل أكثر استقراراً ورقياً. أما إذا انتقلت هذه المكانة إلى أصحاب النفوذ الفارغ، أو الشهرة العابرة، أو الإثارة الإعلامية، فإن المجتمع يكون قد بدأ في إعادة صياغة منظومة قيمه على أسس هشة، الأمر الذي يمثل مؤشراً مبكراً على بداية التراجع الحضاري والانحطاط الثقافي.

وحسب دراسات علم الاجتماع الثقافي المعاصرة، لا يبدأ الانحطاط الثقافي بانهيار المؤسسات الكبرى، وإنما يبدأ بتغير المعايير التي تحدد من يستحق المكانة والاحترام داخل المجتمع. فعندما تتراجع قيمة المعرفة أمام جاذبية الاستعراض، ويهمش أصحاب الكفاءة لحساب أصحاب العلاقات والمصالح، وتصبح الشهرة بديلاً عن الإنجاز، فإن المجتمع يدخل في مرحلة من الاضطراب القيمي يعيد خلالها تعريف النجاح بصورة مشوهة.

وهنا تتجلى أخطر مظاهر الانحطاط الثقافي، إذ تنشأ الأجيال الجديدة وهي تعتقد أن المكانة الاجتماعية لا تكتسب بالعطاء أو الإبداع أو المسؤولية، بل بالقدرة على لفت الانتباه وتحقيق المكاسب السريعة. ومع تكرار هذه الأنماط تتراجع المكانة الرمزية للعلم، ويضعف تأثير المثقف الحقيقي، وتتقلص قيمة العمل المنتج، بينما تتسع دائرة النماذج التي تستهلك الوعي أكثر مما تبنيه. وبهذا يصبح الانحدار الثقافي عملية اجتماعية متراكمة، تعيد إنتاج نفسها جيلاً بعد جيل، حتى تتحول إلى جزء من الوعي الجمعي يصعب الانفكاك عنه.

إن مستقبل المجتمعات يصنع قبل كل شيء داخل منظومة القيم التي تحدد من يستحق أن يكون قدوة ورمزاً في الوعي العام. فالمجتمع الذي يكرم أصحاب الضمير والعلم والإبداع يبعث برسالة واضحة مفادها أن التقدم يبدأ من العقل، وأن الحضارة تبنى بالمعرفة والعمل والمسؤولية. أما المجتمع الذي يخلط بين الشهرة والقيمة، وبين الحضور الإعلامي والاستحقاق، فإنه يفقد تدريجياً بوصلته الثقافية، لأن القدوات التي يصنعها اليوم ستصبح المرجعية التي تشكل طموحات الأجيال في المستقبل.

 ولهذا فإن مواجهة الانحطاط الثقافي لا تبدأ بإدانة نتائجه، بل بإصلاح معايير التقدير الاجتماعي، وإعادة الاعتبار للنخب العلمية والفكرية، وترسيخ ثقافة تكافئ الإنجاز الحقيقي لا الضجيج، وتحتفي بمن يضيف إلى وعي المجتمع لا بمن يستثمر في تسطيحه. فحين ترتقي معايير التكريم، يرتقي معها الوعي الجمعي، وتستعيد الثقافة دورها في بناء الإنسان وصناعة الحضارة.

خلاصة القول، إن استعادة العافية الثقافية لا تبدأ بإقصاء أشخاص أو استبدال أسماء بأخرى، بل ببناء وعي جمعي يمتلك القدرة على مراجعة معاييره باستمرار، وعلى مساءلة كل قيمة قبل تحويلها إلى نموذج يحتذى. فالمجتمعات الحية هي التي تعلم أبناءها أن الاحترام مسؤولية تكتسب بالعطاء، وأن المكانة تبنى بالأثر لا بالضجيج، وأن القيمة الحقيقية لأي إنسان تقاس بما يضيفه إلى حياة الآخرين وإلى مستقبل مجتمعه. لذلك، اجعلوا من التربية، والقراءة، والنقد الواعي، والذائقة الثقافية الرفيعة، أدوات يومية لإعادة تشكيل الوعي العام، لأن نهضة الأمم لا تبدأ من وفرة الموارد، بل من جودة المعايير التي تحكم أحكامها واختياراتها.

 وحين يصبح المجتمع قادراً على التمييز بين القيمة الحقيقية والقيمة المصطنعة، فإنه لا يستعيد ثقافته فحسب، بل يؤسس لحضارة أكثر رسوخاً وعدالة وقدرة على صناعة المستقبل. ولا يتحقق هذا التمييز بالانطباعات أو بالدعاية أو بالشهرة العابرة، وإنما بمنظومة من المعايير الموضوعية التي تجعل الإنجاز مقدماً على الولاء، والكفاءة متفوقة على النفوذ، والأثر المجتمعي أسبق من الصورة الإعلامية. فالمجتمعات الناضجة لا تقيس قيمة الأفراد بما يمتلكونه من سلطة أو حضور، بل بما يتركونه من معرفة، وما يحققونه من منفعة عامة، وما يرسخونه من قيم أخلاقية ومؤسساتية قابلة للاستمرار. وعندما تصبح هذه المعايير جزءاً من الوعي الجمعي، يفقد التزييف قدرته على صناعة الرموز، ويتراجع تأثير الامتيازات المصطنعة أمام الاعتراف المستند إلى الجدارة. وعندئذ يتحول التكريم من مجرد فعل احتفالي إلى آلية اجتماعية لإعادة إنتاج القيم الأصيلة، وتغدو الذاكرة الجمعية أكثر قدرة على فرز النماذج الجديرة بالاقتداء من تلك التي صنعتها السلطة أو المال أو الدعاية، وبذلك يترسخ نظام رمزي يكافئ الاستحقاق، ويؤسس لمسار حضاري يجعل من الكفاءة والإنجاز معياراً للارتقاء الاجتماعي، لا الولاء أو المصالح العابرة.

***

د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوري

الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة

قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

لم يعد التعليم مجرد عملية تقنية لنقل المعرفة، بل أصبح ظاهرة مركبة يمكن فهمها فقط عند تقاطع الفلسفة وعلم الاجتماع. من جهة فلسفية، التعليم مرتبط بسؤال الوجود والمعنى ما الإنسان؟ ما المعرفة؟ ما الغاية من التربية؟ ومن جهة سوسيولوجية، التعليم هو مؤسسة اجتماعية تعمل داخل علاقات قوة طبقية وسياسية وثقافية، وتعيد إنتاج هذه العلاقات بشكل مستمر. بين هذين البعدين يتشكل جوهر التعليم كمساحة صراع على تعريف الإنسان نفسه.

في الفلسفة، التعليم يرتبط مباشرة بنظرية المعرفة ونظرية الإنسان. عند أفلاطون، التعليم هو خروج من الكهف نحو الحقيقة أي انتقال من الوهم إلى المعرفة. عند كانط، التعليم مرتبط بالانتقال من القصور العقلي إلى الاستقلال العقلي أي قدرة الإنسان على استخدام عقله دون وصاية. عند فوكو، المعرفة ليست بريئة، بل مرتبطة بالسلطة، والتعليم جزء من أنظمة الضبط التي تنتج الإنسان القابل للحكم والتنظيم. هذا يعني أن التعليم في الفلسفة ليس بريئا أبدا، بل هو جزء من سؤال أكبر من يملك تعريف الحقيقة؟ ومن يحدد شكل العقل؟. علم الاجتماع ينظر إلى التعليم كمؤسسة اجتماعية وظيفتها الأساسية ليست فقط نقل المعرفة، بل إعادة إنتاج البنية الاجتماعية. عند إميل دوركايم، التعليم هو وسيلة لدمج الأفراد في المجتمع عبر غرس القيم المشتركة. عند بيير بورديو، التعليم ليس محايدا، بل يعيد إنتاج الطبقة الاجتماعية من خلال ما يسميه الرأسمال الثقافي، حيث يتم تفضيل ثقافة الطبقات العليا وإعادة إنتاج امتيازاتها داخل المدرسة. عند باولو فريري، التعليم التقليدي هو تعليم بنكي يودع فيه المعلم المعرفة في الطالب، بينما التعليم التحرري هو الذي يحول المتعلم إلى فاعل نقدي يشارك في إنتاج المعرفة. يظهر أن التعليم ليس فقط مؤسسة معرفية، بل هو تقاطع بين الفلسفة التي تسأل عن معنى المعرفة، وعلم الاجتماع الذي يدرس كيف يتم توزيع هذه المعرفة داخل المجتمع، ولمصلحة من.

في الواقع السياسي، هذا التقاطع يصبح أكثر حدة. الدولة تستخدم التعليم كأداة لتشكيل المواطن، ليس فقط عبر القوانين، بل عبر تشكيل الوعي نفسه. هنا يتقاطع فوكو مع علم الاجتماع السياسي فالسلطة لا تعمل فقط بالقمع، بل بإنتاج أنظمة معرفة تجعل بعض الأفكار طبيعية وأخرى غير ممكنة. المناهج الدراسية ليست مجرد محتوى، بل هي اختيار سياسي لما يعتبر حقيقة.

في الواقع الاقتصادي، يظهر تحليل ماركس غير المباشر للتعليم: المدرسة ليست منفصلة عن نمط الإنتاج، بل جزء من البنية الفوقية التي تعكس وتدعم الاقتصاد. التعليم الحديث في ظل الرأسمالية يتحول إلى جهاز لإنتاج قوة عمل متخصصة، ويعيد تشكيل الإنسان وفق احتياجات السوق. هنا يتقاطع التحليل الاقتصادي مع الفلسفة النفعية التي تختزل المعرفة في فائدتها العملية، ومع علم الاجتماع الذي يدرس كيف يتم توزيع الفرص التعليمية بشكل غير متكافئ.

يظهر بوضوح أن التعليم ليس مساحة متساوية. نظرية بورديو عن إعادة الإنتاج الاجتماعي تفسر كيف أن الطالب لا يدخل المدرسة بشكل محايد، بل يحمل معه رأس مال ثقافي ولغوي واجتماعي يؤثر على نجاحه. المدرسة تبدو محايدة، لكنها في الواقع تفضل أنماط التفكير والتعبير الخاصة بالطبقات المهيمنة؛ وهنا يصبح التعليم أداة لإعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية بدل تقليصها. أما من زاوية الفلسفة النقدية، فإن التعليم يجب أن يكون مساحة لتحرير الإنسان من الطبيعة الاجتماعية المفروضة عليه. عند هابرماس مثلا، المعرفة لا تكون حقيقية إلا إذا كانت ناتجة عن تواصل عقلاني حر من الهيمنة، لكن الواقع التعليمي غالبا ما يكون بعيدا عن هذا النموذج، لأنه محكوم بعلاقات سلطة داخلية وخارجية.

في المجتمعات المتعددة ثقافيا، يتضاعف هذا التوتر بين الفلسفة وعلم الاجتماع. فلسفيا، التعليم يجب أن يعترف بتعدد الهويات والمعاني؛ أما سوسيولوجيا، فالتعليم غالبا ما يخدم مركزا ثقافيا واحدا ويهمش بقية المكونات. هنا يتحول التعليم إلى أداة لإنتاج هوية رسمية بدل أن يكون مساحة للاعتراف بالتعدد. الأزمة العميقة هنا أن التعليم يعيش تناقضا دائما بين وظيفتين وظيفة فلسفية تقول إن التعليم يجب أن يحرر العقل ويطور الإنسان كذات واعية، ووظيفة سوسيولوجية تقول إن التعليم يجب أن ينظم المجتمع ويعيد إنتاج استقراره. هذا التناقض لا يمكن حله بسهولة، لأنه ليس خطأ في النظام، بل هو جزء من طبيعته. كل نظام تعليمي هو في الوقت نفسه مشروع فلسفي عن الإنسان، ومشروع اجتماعي عن النظام.

 التعليم ليس مجرد مؤسسة داخل المجتمع، بل هو نقطة تقاطع بين سؤال الفلسفة عن معنى الإنسان، وسؤال علم الاجتماع عن كيفية تنظيم البشر داخل المجتمع. وبين هذين السؤالين يستمر الصراع هل التعليم يصنع إنسانا حرا يفكر خارج النظام، أم إنسانا مندمجا داخل النظام دون مساءلة؟.

***

زكريا نمر

 

في زمن صارت فيه الكتابة الفلسفية لدى كثير من تلامذتنا أقرب إلى "طقس كهنوتي" اشبه بترانيم مكررة وشاحبة، تُقدَّم يوم الامتحان كقداس للتكفير عن خطيئة عدم التفكير وذنب تغيب السؤال. ترانيم حزينة عكست وتعكس أنين الحكمة الى اليوم، تُحفظ عن ظهر قلب وتُستظهر يوم الخلاص.

نعم المقالات التي نطلق عليها في اقسامنا اسم مقالات فلسفية ونتداولها اليوم تغيب عنها لذة الكتابة وتنعدم فيها الدهشة. انها تُثقل كاهل الروح وتُتعب الجسد لحظة تصحيحها وتقييمها، فهي لا تنبع من الداخل، ولا تصدر عن معاناة فكرية، ولا يحركها قلق سؤال. ولا صلة لها بجوهر الفعل الفلسفي الصادق والاصيل: ذلك الفعل المتفرد والمتمرّد تفكيرا وقولا وكتابة، كتمرّد بروميثيوس الذي سرق النار من الآلهة، لقد اراد أن يمنح البشر، بتمرده على الرتابة والمألوف، نور المعرفة والدفء والحضارة.

تلك النار المحرقة المحركة والفاعلة، أوحت بالشعلة الأولمبية وولّدت عند أهل الحكمة وخاصتها ما سمي "أولمبياد الفلسفة الدولي" وهو فضاء وضّاءٌ بازغٌ، تتنافس فيه عقول طلاب الثانوية من أكثر من خمسين دولة، عقول تلاميذ مفكرة يتقاسمون دهشة السؤال وحرقته ويشتغلون على مدار أربعة ساعات على كتابة أجود المقالات الفلسفية وأعمقها وأكثرها أصالة.

هنا يكمن التوتر الذي ينطلق منه مقالنا هذا: من جهة نفور مما هو كائن من "كتابات استهلاكية استعراضية"، تجترّ المعلوم وتكرر الماضي، عاطلة عن الفعل ومعطّلة للفكر، ومن جهة أخرى انجذاب الى ما يجب أن تكون عليه الكتابة في أولمبياد الفلسفة، حيث المقال الفلسفي ليس ترفاً لغوياً ولا استعراضاً لمحفوظات، بل هو جواب مؤسَّس على سؤال يُفهم في بعده الإشكالي. إنه كالشعور: تيار متدفق، وتجربة فريدة، تعكس تفكير صاحبه في تماسكه وجرأته وأصالته. إنه أشبه بقبس من تلك النار المسروقة، نارٌ تحمل في داخلها دفء الحكمة ونورها الوضّاح.

هناك، في دورة 2025، تكررت مغامرة بروميثيوس: مقالات جريئة ومبدعة ومتمردة على المألوف، كتبها تلاميذ تتراوح أعمارهم بين الثامنة عشرة والعشرين، غاب عنها العرب. مقالات أصيلة كشفت عن صرامة التحليل وعمقه، ومهّدت، كسابقاتها، الطريق نحو دورة أولمبياد الفلسفة الدولي لعام 2026 -النسخة الرابعة والثلاثين- التي أقيمت في وارسو عاصمة بولندا، في الفترة من 14 إلى 17 ماي 2026.

وبين هاتين الدورتين، يعود السؤال الذي ظل يلازمني منذ مقالي الأول "أولمبياد الفلسفة.. تقليد لا يمارسه العرب" المنشور قبل خمس سنوات: لماذا يعجز عقل التلميذ العربي عن كتابة مقال فلسفي متميز ورصين، ليكون حاضراً في هذا المحفل العالمي؟ هل المشكلة في غياب القدرة المؤسسة لهذا الفعل، أم في مناهجنا الفلسفية ذاتها التي لا تزال أسيرة الحفظ والاستظهار؟ وهل عقل أستاذ الفلسفة عندنا قادر على الانفتاح على هذه النماذج، أم إنه "عقل لم يتصير عقل بعد"، بتعبير المرحوم البشير ربوح؟ وكيف ننتقل بالتلميذ العربي من كائن يخاف السؤال إلى كائن يقدّسه، فيمارس حقّه في سرقة نار المعرفة كما فعل بروميثيوس؟

المقالات الفائزة لعام 2026

دورة 2026 قدمت لنا مقالات استثنائية، يمكن قراءتها كمختبر حي لمعايير المقال الفلسفي المتميز شكلا ومضمونا، وكشفت عن نمطين رئيسيين من النجاح الفلسفي: النمط الجدلي النقدي المتوازن، والنمط التفكيكي الإبداعي.

- النوع الأول: النمط الجدلي النقدي المتوازن

يمثله مقالان: الأول لـ لويس إيمانويل غوميز غوزمان (المكسيك) حول الاختيار عند أرسطو، والثاني لـ أبينيشواري نارايانان (سنغافورة) حول اقتباس آيريس موردوخ للفيلسوفة والروائية الإنجليزية آيريس مردوخ (1919-1999): "نعيش في عالم خيالي، عالم أوهام والمهمة الكبرى في الحياة هي العثور على الواقع"

غوميز غوزمان تلميذ البكالوريا في التعليم الثانوي بالمكسيك أمسك بأطروحة أرسطو في "الأخلاق إلى نيقوماخوس" وفككها بدقة جراحية، انطلق من حجتين مؤيدتين قويتين (العقل يمنع الاندفاع، الشخصية ضرورة أخلاقية)، ثم انقلب عليها باستدعاء خصمين فلسفيين من الإرث الفلسفي الحديث والمعاصر: دافيد هيوم وفكرة العقل عبد للعواطف، والرغبة هي المحرك الأول للفعل والفيلسوف جون بول سارتر ومسلمة الحرية تسبق العقل، ونحن نختار أولاً ثم نبرر. وهو لا يروم من ذلك هدم فكرة أرسطو، بل ليصل إلى نتيجة مركبة ومتوازنة: أرسطو يصف "الفرد الأخلاقي المثالي"، لا السلوك البشري الفعلي في فوضويته.

العقل والرغبة والشخصية: دراسة نقدية لأرسطو حول الاختيار

لويس إيمانويل غوميز غوزمان (Luis Emanuel Gómez Guzmán) -المكسيك

سؤال ما الذي يميز الفعل البشري عن الحركة المجردة قد شغل الفلاسفة لقرون. يقدم أرسطو، في كتاب أخلاقيات نيقوماخوس، إجابة دقيقة: أصل الفعل هو الاختيار (prohairesis)، والاختيار نفسه ينشأ من الرغبة والتفكير الموجه نحو غاية. ثم يضيف شرطًا حاسمًا – لا يمكن أن يوجد الاختيار بدون كل من العقل والذهن وحالة أخلاقية. بمعنى آخر، يتطلب الفعل الجيد (ونقيضه) مزيجًا من الذهن والشخصية. أجد هذا الادعاء عميق الإلهام، لكنه غير كامل أيضًا. بينما أوافق على أن الاختيار يفترض العقل والتربية الأخلاقية، سأجادل بأن أرسطو يقلل من دور العاطفة وظاهرة ضعف الإرادة (akrasia)، والتي تعقد تركيبه الأنيق. للدفاع عن هذا الموقف، سأحلل أولاً التمييزات الرئيسية عند أرسطو، ثم أقدم حجتين مؤيدتين لرأيه، يلي ذلك حجتان مضادتان مستمدتان من ديفيد هيوم وجان بول سارتر، وأخيرًا أقدم خاتمة متوازنة.

يميز أرسطو بين السبب الكافي والسبب الغائي. السبب الكافي هو ما يحرك العملية؛ أما السبب الغائي فهو الغرض أو الغاية التي يُفعل من أجلها الشيء. هنا، يقول إن الاختيار هو الأصل الكافي للفعل – وليس السبب الغائي، الذي هو الغاية المرغوبة. ينبع الاختيار نفسه من مصدرين: الرغبة (orexis) والتفكير (logos) الذي يحسب الوسائل نحو غاية. هذا يتحدى بالفعل أي تفسير فكري بحت أو عاطفي بحت للفعل. علاوة على ذلك، يصر أرسطو على أن الاختيار يتطلب حالة أخلاقية (hexis)، أي استعدادًا مستقرًا للشخصية يتشكل من خلال التعود. بدون شخصية جيدة، لا يستطيع العقل وحده إنتاج اختيار جيد. النتيجة اللافتة هي أن كلا الذهن والشخصية ضروريان. إذا افتقر المرء إلى الحكمة العملية (phronesis) أو كانت شخصيته فاسدة، فسيكون الاختيار معيبًا.

هذا الرأي جذاب لأنه يتوافق مع التجربة اليومية: نحن نعجب بالأشخاص الذين لا يعرفون الصواب فحسب، بل يرغبون في فعله ولديهم الميل الاعتيادي للتصرف جيدًا. ومع ذلك، يترك إطار أرسطو مجالًا ضيقًا للحظات يعرف فيها المرء الخير لكنه يفشل في اختياره – وهي مشكلة سأعود إليها.

من الأسباب القوية للاتفاق مع أرسطو أنه بدون التفكير، سيصبح الفعل مجرد اندفاع. تخيل شخصًا يتصرف بناءً على رغبة فورية فقط – مثل الإمساك بكعكة لأنها تبدو لذيذة، دون التفكير في العواقب الصحية أو البدائل. قد لا يُعتبر هذا الفعل حتى اختيارًا بمعنى أرسطو؛ إنه أقرب إلى سلوك الحيوانات. يتضمن الاختيار الحقيقي التداول، مهما كان موجزًا. كما كتب أفلاطون في بروتاغوراس (352c): «قوة المعرفة شيء جميل قادر على حكم الإنسان، وإذا عرف شخص ما الخير والشر، فلن يُغلب أبدًا بشيء». يدافع أفلاطون هنا عن الفكرية – فكرة أن المعرفة تضمن الفعل الصحيح. أرسطو أكثر اعتدالًا: هو يمنح الرغبة دورًا، لكنه يحافظ على أن التفكير الموجه نحو غاية لا غنى عنه.

يمكننا اختبار ذلك بمثال. افترض أن طالبًا يقرر الدراسة للامتحان بدلاً من الذهاب إلى حفلة. يتضمن هذا الاختيار تفكيرًا (الدراسة تؤدي إلى درجات أفضل، والتي تؤدي إلى مستقبل مرغوب) ورغبة (الرغبة في النجاح). بدون تفكير، قد يذهب الطالب إلى الحفلة اندفاعيًا. وبدون رغبة، لن يكون لدى الطالب دافع حتى. لذا، يحدد أرسطو بشكل صحيح المصدر المزدوج للاختيار. يوافق كثير من علماء النفس المعاصرين على أن الوظائف التنفيذية (العقل) والدافعية (الرغبة) كلاهما مطلوبان للفعل المتعمد.

الحجة الثانية المؤيدة لأرسطو هي أن العقل وحده لا يمكنه ضمان الفعل الجيد لأن العقل محايد – يمكنه خدمة غايات جيدة أو سيئة. يستخدم المجرم الذكي التفكير بفعالية لكنه يفتقر إلى حالة أخلاقية فاضلة. لذا، كما كتب أرسطو: «لا يمكن أن يوجد فعل جيد بدون مزيج من الذهن والشخصية». هذا يتردد صداه مع ادعائه الشهير بأن الفضيلة هي هكسيس اختيارية (hexis prohairetike) – استعداد يتضمن الاختيار. يوافق إيمانويل كانط، رغم أنه يأتي من تقليد مختلف، على أن القيمة الأخلاقية تعتمد على توافق الإرادة مع الواجب، لا على الذكاء فقط. يقول كانط في أساس ميتافيزيقا الأخلاق: «من المستحيل تصور أي شيء في العالم، أو حتى خارجه، يمكن اعتباره خيرًا بلا قيد أو شرط، إلا إرادة طيبة». إرادة كانط الطيبة تشبه الحالة الأخلاقية الفاضلة عند أرسطو: إنها التوجه الداخلي الذي يجعل الفعل جديرًا بالثناء الأخلاقي.

لذلك، أرسطو على حق في الإصرار على أن الذهن والشخصية يجب أن يعملا معًا. قد يعرف شخص أن الصدق فضيلة لكنه يكذب إذا كانت شخصيته فاسدة. وعلى العكس، قد يكون شخص ذو شخصية جيدة لكنه بدون حكمة عملية طيبًا بطرق مضللة. فقط عندما تتحدان الحكمة العملية والفضيلة يظهر الاختيار الجيد الموثوق. هذا هو السبب في أن أخلاقيات الفضيلة لا تزال مؤثرة: فهي تلتقط تعقيد الوكالة الأخلاقية.

رغم قوة رأي أرسطو، أعتقد أنه يغفل أولوية العاطفة في تحفيز الفعل. جادل ديفيد هيوم بشكل شهير بأن «العقل هو، ويجب أن يكون فقط، عبد العواطف، ولا يمكنه أبدًا أن يدعي أي وظيفة أخرى سوى خدمة العواطف وطاعتها» (رسالة في الطبيعة البشرية). بالنسبة لهيوم، لا ينتج العقل الفعل أبدًا؛ إنه يحسب الوسائل فقط نحو غايات تحددها العواطف. الرغبة، لا التداول العقلي، هي محرك الاختيار. قد يرد أرسطو بأن الرغبة بدون تفكير عمياء، لكن هيوم يمكنه الرد بأن التفكير بدون رغبة خامل. الخلاف الأعمق يتعلق بما إذا كان العقل قادرًا على توليد الرغبة. يبدو أن أرسطو يفترض أن التفكير نحو غاية ينتج الاختيار بشكل طبيعي، لكن الرغبة في تلك الغاية يجب أن تكون موجودة بالفعل.

اعتبر حالة واقعية: شخص يقرر التبرع بالمال للأعمال الخيرية. الرغبة في مساعدة الآخرين (عاطفة) تأتي أولاً؛ ثم يحدد التفكير أفضل جمعية خيرية. لو غابت الرغبة، فلن يؤدي أي قدر من التفكير إلى التبرع. لذا، قد يُعكس تعبير أرسطو «الاختيار هو رغبة وتفكير»: الرغبة هي المصدر الأولي، والتفكير أداة ثانوية. هذا يتحدى ادعاء أرسطو بأن الاختيار لا يمكن أن يوجد بدون عقل وذهن. إذا كانت العاطفة وحدها قادرة على تحريكنا (كما في أعمال بطولية مفاجئة بدون تداول)، فقد ينشأ الاختيار من مركبات شخصية-عاطفية ليست بالضرورة عقلانية. قد يكون تأكيد أرسطو على التفكير فكريًا جدًا.

النقد الثاني، الأكثر داخلية، يأتي من الظاهرة التي تصدى لها أرسطو نفسه بشكل مشهور: ضعف الإرادة (akrasia). الشخص الضعيف الإرادة يعرف ما هو الخير (لديه تفكير صحيح) ولديه حالة أخلاقية مقبولة، لكنه يختار العكس مع ذلك. على سبيل المثال، شخص يعرف أن التدخين ضار لكنه يدخن على أي حال. يناقش أرسطو هذا في الكتاب السابع من أخلاقيات نيقوماخوس، لكن تفسيره – أن الضعيف الإرادة لديه معرفة بمعنى مؤهل، مثل شخص نائم أو سكران – ليس مقنعًا تمامًا. إذا كان الاختيار يتطلب عقلًا وحالة أخلاقية، فيجب أن يكون الفعل الضعيف الإرادة مستحيلاً. لكنه يحدث طوال الوقت.

يقدم جان بول سارتر بديلاً جذريًا: الاختيار ليس محددًا بالعقل أو الشخصية؛ إنه فعل حر غير مشروط. في الوجودية إنسانية، يكتب سارتر: «الإنسان ليس شيئًا آخر سوى ما يصنعه من نفسه». بالنسبة لسارتر، حتى شخصيتنا وتفكيرنا هما نتاج اختيارات سابقة. الشخص الضعيف الإرادة ليس لغزًا بل دليلاً على أننا نستطيع دائمًا اختيار ما يخالف حكمنا الأفضل. هذا الرأي الوجودي يعارض مباشرة ادعاء أرسطو بأن الاختيار يتضمن دائمًا تفكيرًا نحو غاية. سيقول سارتر إن الاختيار يسبق العقل؛ نختار أولاً، ثم نبرر.

بينما لا أقبل تمامًا حرية سارتر الجذرية (يبدو أنها تتجاهل علم النفس والعادة)، فإن نقطته تكشف ضعفًا في أرسطو. إذا كان ضعف الإرادة حقيقيًا، فإن الارتباط الضروري بين الاختيار والتفكير ينكسر. قد يعيش مراهق في السابعة عشرة هذا يوميًا: أعرف أنني يجب أن أدرس، ولدي شخصية جيدة (في الغالب)، لكنني أختار مشاهدة يوتيوب. سيقول أرسطو إن تفكيري كان ناقصًا أو حالتي الأخلاقية غير كاملة. لكن هذا يبدو كتبرير للمشكلة بدلاً من حلها.

كيف سيكون رد أرسطو على هذه الحجج المضادة؟ قد يقبل نقطة هيوم لكنه يصر على أن الرغبة البشرية ليست عمياء؛ من خلال التعود، تصبح رغباتنا عقلانية. يرغب الشخص الفاضل فيما يوافق عليه العقل. لذا، الرغبة والتفكير ليسا قوتين منفصلتين بل متكاملتين. أما بخصوص ضعف الإرادة، فيحافظ أرسطو على أن الشخص الضعيف الإرادة يفتقر إلى معرفة حقيقية – لديه معرفة عامة فقط («التدخين سيء») لكنه لا يطبقها على الخصوص («هذه السيجارة الآن سيئة لي»). هذا التمييز معقول لكنه ضعيف Arguably عندما ننظر في ضعف الإرادة الواعي (مثل شخص يدخن وهو مدرك تمامًا للمخاطر ويقول حتى «لا يجب أن أفعل هذا»).

في رأيي، يقدم أرسطو إطارًا ممتازًا للوكالة الأخلاقية المثالية، لكن الفعل البشري الحقيقي أكثر فوضوية. أحيانًا تتجاوز العواطف التفكير دون تدمير الاختيار. وضعف الإرادة يظهر أن الشخصية والذهن يمكن أن يتعارضا. لذا، أخلص إلى أنه بينما أرسطو على حق في أن الاختيار يتطلب كلا العقل والحالة الأخلاقية في الوكلاء الذين يعملون جيدًا، فإن ادعائه قوي جدًا كضرورة عامة. بيان أدق سيكون: الاختيار يتضمن عادة العقل والشخصية، لكن الأفعال يمكن أن تنشأ من الرغبة وحدها أو من صراع بين المعرفة والفعل. هذا الرأي المنقح يحتفظ برؤية أرسطو دون تجاهل تعقيد الإنسان.

في الخاتمة، يظل حساب أرسطو للاختيار واحدًا من أكثر التفسيرات إقناعًا للفعل البشري لأنه يعترف بأن لا العقل ولا الرغبة وحدهما كافيان للوكالة الأخلاقية. إصراره على أن الفعل الجيد يتطلب كلا الذهن والحالة الأخلاقية الفاضلة يلتقط حقيقة مهمة عن الحياة الأخلاقية: يتصرف الناس جيدًا ليس فقط لأنهم يعرفون الصواب، بل لأنهم طوّروا الشخصية التي تجعلهم يرغبون فيه ويسعون إليه. في الوقت نفسه، تكشف النقدات التي أثارها هيوم وسارتر قيودًا مهمة في إطار أرسطو. غالبًا ما يدفع البشر بالعاطفة بطرق تتجاوز السيطرة العقلانية، وواقع ضعف الإرادة يظهر أن المعرفة والشخصية لا تضمنان دائمًا الفعل الصحيح. لهذا السبب، يعمل نظرية أرسطو بشكل أفضل كوصف للوكيل الأخلاقي المثالي بدلاً من حساب كامل للسلوك البشري الفعلي. في النهاية، يتشكل الاختيار من تفاعل معقد بين العقل والرغبة والعاطفة والحرية. يحدد أرسطو بشكل صحيح الدور المركزي للعقل والشخصية، لكن نظرية مقنعة تمامًا للفعل يجب أن تعترف أيضًا بعدم الاستقرار والصراع اللذين هما جزء من التجربة البشرية العادية.

نارايانان تلميذة البكالوريا ابدعت في استراتيجية "القراءات المتعددة". اختبرت "القراءة القوية" لادعاء موردوخ (العالم خيال مطلق، والواقع هو الهدف الأعظم) وحطمت بحجج مضادة للشك (حجة مور ومعيار اليقين). ثم فكرة (الواقع مُشيَّد ذاتياً كما عند كانط وما بعد الحداثة). لكنها في النهاية خلت إلى أن الصورة "المتواضعة" لموردوخ (الدعوة إلى الفضائل المعرفية والتساؤل) هي الأكثر بقاءً، وإن كانت فلسفياً "تافهة" لا جديد فيها. السمة هنا هي الصرامة المنطقية: القدرة على عرض الحجج وتفنيدها بلا مجاملة، مع شجاعة القول إن الفيلسوفة الكبيرة قد تكون مخطئة، أو على الأقل غير أصلية في ادعائها الأقوى.

- النوع الثاني: مقالة النمط التفكيكي الإبداعي

تمثله مقالة سيميون كاردجييف (بلغاريا) حول الاقتباس نفسه لموردوخ

كاردجييف لا يناقش الاقتباس، بل يزعزع افتراضاته الأنطولوجية. يرى أن موردوخ تسجننا في ثنائية (وهم/واقع) كل طرف فيهما لا يُعرَّف إلا بنفي الآخر، فيقعان في دائرة منطقية مغلقة. ثم يستدعي مفهوماً فلسفياً غير متوقع: "الافتراضي" عند جيل دولوز. الافتراضي ليس وهماً ولا واقعاً فعلياً، بل هو "حقيقي دون أن يكون فعلياً"، مثل الذاكرة أو العاطفة تجاه شخصية روائية. بهذا المفهوم الثالث، يهدم كاردجييف الثنائية كلها، ويعيد تعريف الحقيقة لا كشيء "يُعثر عليه" بل كشيء ينكشف.

نعيش في عالم خيالي، عالم وهم.

المهمة الكبرى في الحياة هي اكتشاف الواقع. — آيريس موردوخ

سيميون كاردجييف (Simeon Kardzhiev) — من بلغاريا.

طالب في الصف الحادي عشر

إنه بالضبط هذا السؤال — حول ما هو «حقيقي» وما هو «زائف» — الذي لاحق وطارد بلا راحة تاريخ الفكر الغربي وتطوره منذ طاليس. لقد عمل هذا الانقسام في الوقت نفسه كمحفز للتغيير في الفلسفة الغربية، ولكنه أيضًا بدا وكأنه غير قابل للحل إلى الأبد. وبسبب هذه المفاهيم ذاتها، وبناها، وبنية الأنطولوجيا التي نألفها، لا نجرؤ على التفكير خارج هذا النموذج. يبدو أننا، بحكم الطبيعة، نميل إلى التفكير بأن الواقع والحقيقة شيء يجب «العثور عليه». في الاقتباس نفسه، تظهر هذه التوتر واضحًا؛ إذ يفترض ثلاثة أمور:

1. أننا نسكن عالم وهم، عالم زيف، عالم لا يتوافق مع الواقع، عالم يُعرَّف فقط بعدم علاقته بالصدق.

2. أن هدف «الحصول» على هذه الحقيقة هو «مهمة عظيمة»، جبل يجب تسلقه.

3. أن المهمة هي «العثور» على تلك الحقيقة، أي ما يتوافق مع الحق.

علينا اكتشاف النموذج الثابت للوجود الذي اعتبرته العادة مركز بنيتنا. في هذه المقالة، سأحاول تفكيك هذه البنى والثنائيات، لأرسم شيئًا يمكن أن يكون حقيقيًا وزائفًا في الوقت نفسه، ولأوجه فكرنا لا إلى «العثور» على الواقع الثابت، بل إلى تعزيز اكتشاف نشط للوجود داخل أنفسنا.

الواقع، والحقيقة بالطبع، ليسا شيئين ثابتين مفردين يُعثَر عليهما. الواقع والحقيقة هما حدث، حدوث مستمر في العالم، وليسا مجرد شيء يُعثَر عليه؛ إنهما يكشفان نفسيهما لنا في الوجود ذاته. إن المعارضة التي تخلقها موردوخ بين الخيالي والحقيقي دائرية؛ فهما يبرران بعضهما البعض ويسكنان مجالًا واحدًا. الشيء الذي لا تستطيع هذه البنية الثنائية احتواءه هو المفهوم الديلوزي للـ«افتراضي» (virtual) — ذلك الذي هو إمكاني، لكنه غير فعلي؛ إنه ليس في الواقع (غير حاضر)، ولا في الخيال؛ إنه ممكن. من خلال الافتراضي، يمكننا إعادة التفكير في الانقسام بين الحقيقي وغير الحقيقي، لا كشيء موجود أنطولوجيًا بالضرورة، بل كشيء يُيسَّر بواسطة بنى الفكر. الحقيقة ليست شيئًا يُنال، بل هي أليتيا (aletheia) — ذلك الذي يكشف نفسه لنا — ولا تكتشف نفسها بمحاولتنا «العثور» عليها، بل بحضورنا في الوجود. في هذا الإطار، ليس الخيال والوهم معارضين تمامًا لفعل تجربة الحقيقة، بل هما شيء يساعدنا على تجربة الواقع.

1- العلاقة بين الخيال والواقع

يفترض الاقتباس أن طبيعة الواقع مفردة، وأن كل فرد في هذا «نحن» الذي تشير إليه موردوخ يختبر الوجود بنفس الطريقة. لكن هذا تعميم خطير جدًا؛ يمكننا فقط افتراض أن كل ذات تختبر هذه البنية المفردة للواقع. بنية — مرة أخرى — تبدو محصورة في الواقع ذاته ويجب «العثور» عليها. «العثور» على شيء يعني اعتباره شيئًا ملموسًا. نحن نعرف ما نحتاجه، وكل ما علينا هو معرفة أين نبحث. يبدو كأن مهمتنا هي اتباع والمشاركة في هذه الأنطولوجيا للحضور، لنعثر على الحق مرة واحدة وإلى الأبد ونسكنه. التيليولوجيا (علم الغايات) التي نميل إلى اتباعها هي التوافق مع الحق والواقع. ولكي نكون حاضرين وجزءًا من الواقع، نُجبر أيضًا على اعتبار أن الواقع والحقيقة ذاتهما ثابتين. مفهوم ونمط فكري تكلسا في الفكر الغربي منذ أفلاطون ومثل الغار، مرورًا باللاهوتيين المدرسيين، وتاريخ الفلسفة الحديثة، وصولًا إلى يومنا هذا. لكن بالتراجع خطوة إلى الوراء والنظر إلى مصدر الالتباس — أفلاطون — يمكننا رؤية أصل الالتباس. حسب هايدغر في محاضرته «عقيدة أفلاطون في الحقيقة»، اعتدنا اعتبار الحقيقة شيئًا ثابتًا وغير قابل للتغيير إلا بالصدفة البحتة. هناك، يعيد هايدغر — وفي «الوجود والزمان» — تعريف الحقيقة حسب تعريفها المفقود: أليتيا — عدم الاختباء — وأن الحقيقة تكشف نفسها. في الغار، لا تُمسك الذات الحقيقة و«تعثر» عليها، بل من خلال تجربته تكشف الحقيقة نفسها له عبر الظلال والنار والنجوم والشمس. من خلال هذه المشاركة الديناميكية والمتدفقة والمتغيرة في الوجود، يختبر الحقيقة والواقع، ولا «يعثر» عليه. لذلك، لا يمكننا أن نربط الحقيقة بشيء مفرد أو ثابت، بل كشيء ديناميكي.

بالعودة إلى الاقتباس، نرى أن اللغة التي تستخدمها موردوخ تزرع فورًا في فكرنا تسلسلًا هرميًا للنمطين من الوجود اللذين يشكلاننا حسبها. في هذه البنية، يُرتب الوهم والخيال في أسفل السلم؛ ليس لهما وزن أو سلطة أو أهمية، بخلاف الواقع والحقيقة اللذين يجلسان في القمة وهما سمو هذه الميتافيزيقا. لذا، ليس لدينا خيار سوى التفكير في كل شيء من خلال هذا التعارض الثنائي: إما حقيقي أو زائف. من السيئ أن نعيش في الخيال، لأننا لا نحقق المهمة العظيمة المتمثلة في العثور على الواقع. لكن إذا نظرنا عن كثب وبدأنا نسأل أنفسنا: ما الذي يجعل شيئًا جزءًا من الواقع أو الخيال؟ فإن هذا الإطار الصلب ينهار على نفسه. الوهمي لا يُعرَّف بغير عدم علاقته بالحقيقي، والعكس بالعكس؛ الحقيقي هو فقط ما ليس في مجال الخيال. هذه المفاهيم التي اعتدنا اعتبارها آمنة تنهار تحت توترها الخاص، لأن تعارضهما يتميز فقط بعدم كونهما ما هو الآخر. لذا، ليسا في تعارض حقيقي، بل يخدمان لتبرير بعضهما البعض. إنهما يشكلان نفسيهما ذاتيًا، ولا يمكنهما الوجود بدون بعضهما، محيطين بنا في منطق دائري يبدو صعب الخروج منه. وربما بالفعل، بسبب تركيزنا الشديد على تحقيق المهمة العظيمة المتمثلة في العثور على الواقع، لا نستطيع تحقيقها. إن دافعنا النشط للعثور على الحقيقة هو العائق الذي يمنعنا من اكتشافها، حسب هايدغر، بالضبط لأننا نريد بشدة السيطرة على الوجود، وأمر أنفسنا عقلانيًا، فلا ننجح. بل نحتاج إلى تعزيز ما يسميه «الانفتاح على الكشف». نتيجة بحثنا حتى الآن هي أن لا الخيال ولا الوهم في هذا الإطار يوجدان حقًا بذاتهما دون أن يكونا مقيدين بالمفهوم الذي يعارضانه. وهذا يثبت أن مركز هذه البنية ليس داخلها، بل خارجها. وسأحاول الآن العثور على شيء لا تستطيع البنية ومفاهيمها المكونة الاستيلاء عليه بالكامل.

2- المصطلح الثالث: الافتراضي (الافتراضي)

لكن هل هناك شيء قد يكون وهميًا وحقيقيًا في الوقت نفسه، ولا نستطيع تصنيفه بسهولة في فئة واحدة؟ إنه هذا المصطلح الثالث الذي تخفيه البنية ضمنيًا، والذي من خلاله يمكننا زعزعة مركزها وتفكيكها، ونكون قادرين على رؤية كيفية عملها حقًا. الافتراضي، الذي صاغه برغسون أصلًا، يُجذِّره ديلوز ويعرفه بأنه ذلك الذي يسكن الواقع دون أن يكون ممكنًا. الافتراضي نفسه غير مُفعَل، ولا يمكن تفعيله بالكامل. الافتراضي يتناقض مع الانقسام الأنطولوجي التقليدي من أرسطو فصاعدًا، بين الممكن والفعلي. الفعلي حاضر، يمكن العثور عليه، يمكن الإشارة إليه، هو حقيقي، هو هنا ويمكن الإشارة إليه. الكرسي حقيقي وفعلي في آن. أما الممكن فيفترض داخل نفسه غاية — الفعلية. لكن الافتراضي حقيقي دون أن يكون فعليًا؛ إنه ليس لا شيء، لكنه ليس أي شيء؛ إنه قوة، ميل. بذور الشجرة افتراضية؛ الشجرة موجودة وحقيقية، لكنها غير فعلية.

من خلال هذا، يمكننا إعادة تقييم كلا مفهومي الخيال والواقع. إذا حاولنا تطبيق إطار موردوخ على شيء مثل الذاكرة، على سبيل المثال، نرى أنه لا يستطيع الصمود. الذاكرة ليست حقيقية تمامًا، فهل تعني ذلك أنها شيء وهمي؟ الماضي ليس شيئًا يمكننا الإشارة إليه بشكل ملموس، لكنه حقيقي بالتأكيد، لأنه حدث. فكيف لا نستطيع تعريفه بسهولة حسب مصطلحات موردوخ؟ يصبح الأمر أكثر إرباكًا عندما نفكر في تأثيرات الذكريات؛ يمكن للذاكرة أن تحتوي على مجموعة واسعة من المزاجات، وعند العودة إليها يمكننا اختبار هذه العواطف. إنها ليست شيئًا حقيقيًا بمعنى أنها محيطة بنا وملموسة، بل هي غير ملموسة جذريًا، حتى من خلال اللغة، لكننا نستطيع إدراكها تمامًا من خلال التجربة. على أي حال، لها وزن أنطولوجي. ينهار منطق موردوخ هنا؛ الذكريات ليست خيالًا، لكنها ليست حقيقية تمامًا أيضًا. لذلك يمكننا تعريف الذاكرة كشيء افتراضي — إنها حقيقية لكنها غير فعلية؛ حقيقتها تكشف نفسها لنا من خلال التجربة والمسافة. محتويات وتأثيرات هذا المثال للافتراضي حقيقية وتغير إدراكنا للعالم، دون أن تكون الذاكرة نفسها شيئًا يمكن الإشارة إليه. الحزن الذي نشعر به تجاه شخصية خيالية حقيقي، دون أن تكون الشخصية فعلية، وهذا الحزن يمكن أن يؤثر فينا ويغير الطريقة التي نختبر بها الواقع والحقيقة. إنه هذا التأثير الذي يمكن أن يسمح لنا بـ«العثور» على الواقع، لا كشيء نهائي، بل كمفتاح لمشاركتنا في الوجود. الرغبة حقيقية، لكننا لا نستطيع الإشارة إليها، رغم أن تأثيرها علينا شيء يمكن ملاحظته.

3- الخاتمة

مفارقة موردوخ هي أنه رغم كونها كاتبة غزيرة الإنتاج، فإنها تبدو وكأنها تدين الخيال كشيء غير حقيقي وخيالي يصرفنا عن هدف العثور على الواقع. ببساطة، في هذا النمط الثنائي للفكر — بين الخيال والواقع — لا يستطيع الوجود ذاته أن يظهر نفسه بشكل كامل وأصيل في كل مجالاته وسجلاته. إذا اعتقدنا أن الواقع هو مرمى هدف، أو كأس يُفوز به، أو مكافأة نهائية لطريق، فلن نستطيع أبدًا اختبار الوجود والواقع في تعقيده. بالضبط هذا الاقتباس يعمل كنقطة تفكيك من خلالها نفهم موردوخ والوجود بشكل أفضل؛ إذ إن ما يُعتبر خيالًا هنا هو بالمفارقة الشيء الذي يسمح لنا بإدراك الواقع والحقيقة. الخيال ليس عقبة أمام الفهم وكشف الواقع، بل هو شيء من خلاله نستطيع اكتشافه بشكل أفضل. البنى التي نعتبرها صلبة تخفي داخلها علاقة نحتاج إلى التكيف معها. علينا تحويل التركيز من الخارجي الذي يمكن امتلاكه، إلى الافتراضي الداخلي، الأرضية غير المؤسسة التي تسمح للحقيقة بأن تكشف نفسها لنا.

بارك يون وو تتفوق على الجميع بتحليلها لسلطة أرندت. تنطلق من تعريف أرندت (السلطة هرمية غير قسرية، تقف بين الإكراه بالقوة والإقناع بين أنداد) ثم تختبره بلا هوادة. تبتكر "عتبة انقلاب القوة" وجدولاً يصنف أشكال القوة، وتحلل العلاقة بين "ذات السلطة" و"موضوع السلطة" كما لو كانت معادلة فيزيائية. لكن ضربتها الكبرى هي تجربتها الفكرية عن "الشخص ج": ذات عقلانية محضة، متحررة من كل حاجة وكل علاقة، يُعرض عليها الدخول طواعية في سلطة. تثبت بارك، خطوة بخطوة، أن هذا الشخص لن يقبل، لأن العقل الخالص لا مصلحة له في سلطة. إنها تصل إلى نتيجة وجودية مزلزلة: السلطات توجد، لكنها لا تستطيع تبرير وجودها داخلياً أبداً.

- أسئلة العقل العربي معنى الغياب وإمكان الحضور

نعود الآن إلى الأسئلة التي افتتحنا بها هذا المقال، والتي تزداد إلحاحاً بعد هذه الرحلة.

لماذا يعجز عقل التلميذ العربي؟ ليس لأن الذكاء مفقود، ولا لأن الموهبة معدومة. الخلل أعمق. الخلل في أن مناهجنا صممت لتنتج "الترانيم الحزينة" التي وصفناها، لا "النار المحرقة" التي ننشدها. تلميذنا يُدرّب على الحفظ والاستظهار، لا على السؤال والتفكيك. يُطلب منه أن يكون وعاءً للمعلومة، لا منتجاً للمعنى. وحين يصل إلى لحظة الكتابة، لا يجد في داخله إلا صدى ما حُفظ، لا صوت ما فُكّر فيه. كيف ننتقل به من الخوف إلى التقديس؟ بأن نغير السؤال في فصولنا: لا "ماذا قال أرسطو؟"، بل "ماذا تقول أنت؟ وكيف ترد على أرسطو؟". بأن نعلمه أن الفلسفة ليست مادة دراسية، بل مغامرة وجودية، و"سرقة نار" كما فعل بروميثيوس ولن نصل الى هذه الغاية الا بإصلاح تربوي شامل.

وهل عقل أستاذ الفلسفة "لم يتصير عقل بعد"؟ سؤال البشير ربوح يوجع لأنه صادق. كثير من أساتذتنا وقعوا في الفخ نفسه: صاروا حراساً للمعرفة لا مشاركين في إنتاجها. يدرّسون الفلسفة كما تدرس الجغرافيا: أسماء وتواريخ ونظريات واغلب الأساتذة للأسف لا يقرأون ولا يكتبون وبالتالي لا يفكرون فلسفيا. والفلسفة الحقيقية تُمارس. ولكي نمارسها مع تلامذتنا، علينا العودة جميعا الى لحظة الدهشة والى مصادرها . وعلينا أن ننفتح على هذه النماذج العالمية، لا لنقلدها، بل لنفهم روحها. روح التحليل والتفكيك والجرأة على قول "لا" لنص فلسفي كبير. إذا كان أستاذنا يخاف السؤال، فكيف لتلميذه ألا يخاف؟

أليس غيابنا عن هذا الأولمبياد مرآة تعكس علاقتنا الملتبسة بالفلسفة أصلاً: نقدّسها في كتب التراث ونغتالها في ممارساتنا التعليمية؟ هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يظل مفتوحاً. نحن أمة تتفاخر بفلاسفتها القدامى، لكنها لا تنتج فلاسفة. تحتفي بالكندي وابن رشد، لكنها لا تخلق فضاءً لشاب في الثامنة عشرة ليكتب مقالاً أصيلاً وينافس به العالم. ثمة انفصام بين التمجيد اللفظي للفلسفة والتخلّي العملي عنها. وحده الفعل الذي يرمم هذا الانفصام. فعل تأسيسي وثورة تبدأ من القرار السياسي بإصلاح الفلسفة والنظام التعليمي ككل، ويمر بتدريب الأساتذة على التفلسف لا تدريس الفلسفة، وينتهي بتلميذ يكتب مقاله بقلمه وروحه، لا بذاكرته. وحين سرق بروميثيوس النار، لم يستأذن. لم ينتظر أن تصدر الآلهة مرسوماً يبيح له الفعل. هو فعل ما فعل لأن حبه للبشر كان أكبر من خوفه من العقاب. هذا هو الدرس الأخير الذي تحمله إلينا مقالات أولمبياد الفلسفة: أنها مكتوبة بروح بروميثيوس. روح لا تنتظر الإذن، ولا تخشى التمرد على المألوف، ولا ترضى بكتابة "ترانيم حزينة" فمتى نقرر نحن العرب، أن نسرق النار؟ متى نقرر أن نعلّم تلامذتنا ألا يخافوا السؤال وحرقته، تلك هي "المهمة الكبرى" للفلسفة.

***

عمرون علي

استفتِ قلبك وأن أفتوك..

هذا الشعار المهم يجب حمله مع القوانين والتشريعات الدينية، فالضمير الأخلاقي هو الأساس والبوصلة لخطى الإنسان، لأن الحكم الفقهي ظاهري في غالبيته قد لا يصيب الواقع، وهو يفيد إبراء الذمة يوم القيامة فيما اذا اتبعنا الحكم الخاطىء، فنكون معذورين أمام الله تعالى، لكن في الحياة الدنيا نحن غير معذورين حين نسيء لأحد ونأكل حقوقه بحجة أن المفتي قال ذلك.. المفتي يعطي الحكم بعنوانه الأولي العام، ولايعلم ملابسات قضيتك الاجتماعية والاقتصادية والنفسية، أنت من تشخص موضوع مسألتك، وتقع عليك مسؤولية تحقيق العدالة، ولذلك بعض الأحيان المكلف يتلاعب بموضوعه لتضارب المصالح، كمثال: الولاية الجبرية للأب، يقول المفتي: اذا وجد الأب أن مصلحة الطفل تقتضي البقاء مع الأم فيجب ابقاؤه معها حتى وان تزوجت وبلغ الطفل السابعة، هنا يضع الحق بيد الأب في تقرير مصلحة الطفل، لكن قد تتضارب مصلحته مع مصلحة المحضون، فقد لايريد الانفاق عليه، فيخدع نفسه فيقرر أخذ الطفل من أمّه.

فالأب هنا بيده السلطة التي تجعله المتحكم في القرار فيصدر قراره بناء على مصلحته، وهنا تكمن الخطورة؛ إذ يستطيع الإنسان أن يخدع نفسه قبل أن يخدع غيره، فيكيّف الوقائع بما يخدم مصلحته الشخصية، ثم يختبئ خلف الفتوى ليمنح قراره غطاءً شرعياً..

بينما في هذه المسألة يجب الرجوع للقاضي الذي تعينه الدولة لأحقاق حق المواطن بغض النظر عن الفتوى الفقهية المستمدة من فقه الفرد، لا فقه الدولة أو المحتمع، فالفقه هنا يتعامل مع افراد متفرقين وليس بينهم الا علاقات الابوة والأمومة والبنوة والزوجية والقرابة.

فأعطت للرجل صلاحيات واسعة في أتخاذ القرارات بشأن الأبن، مع افتراض حسن نيته وعدالته. فلا وجود لمصلحة الأسرة مثلا، لأن هو لايفهم هذه الجماعة، الا من خلال عناوين معينة المذكورة بالكتب الفقهية،فهو يتعامل مع افراد: الاب، الزوج، الأم، الوارث، الدائن، المدين. فلا ولاية للقاضي او الدولة في مراعاة حقوق المواطنين خارج حق الأب والأم والجد على الطفل.

ركز الفقه الفردي على الحقوق الفردية والعلاقات المباشرة، أكثر من تركيزه على مفهوم المؤسسة الاجتماعية كالأسرة بوصفها كيانا كاملا فهي لاتظهر كوحدة احتماعية ذات مصلحة عامة، بل كمجموعة حقوق متقابلة بين أفراد يمتلكون سلطات متفاوتة

أن التجربة الإنسانية تثبت أن السلطة حين تجتمع مع المصلحة الخاصة تحتاج دائما الى رقابة خارجية، لأن الإنسان يميل الى تبرير أفعاله، خاصة عندنا يمتلك سندا دينيا أو قانونيا يخفف عنه تأنيب الضمير.

من هنا تظهر ضرورة الانتقال من فقه الفرد الى فقه الدولة والمجتمع التي يمكنها أن تقيم محاكم خارج ما أنتجه الفقه الفردي من منظومة حقوقية.

المشكلة ليست بالدين أو الفقه نفسه بل بالنزعة الفردية حين تم نقلها بكل تصوراتها لتكون قانونا عامل يشمل الدولة، بلا آليات جديدة تراعي كيان المجتمع والدولة.

إن وجود سلطة قضائية مستقلة عن مصالح الافراد لايناقض الدين بل يحمي المقاصد الأخلاقية للدين من التلاعب الفردي، بينما الأن – كما يلاحظ في العراق – أن المحكمة ذاتها تطلب نصوصا موحدة للجميع تستمد من الفقه الفردي نفسه لتقرر على ضوئه القرار القضائي أو القرار التمييزي، فلا تخرج قرارات السلطة القضائية عن فتاوى وتفسيرات الفتوى الفردية نفسها. فالقضاء أصبح هنا مجرد إدارة ملفات إدارية، وإلزام تنفيذي على المكلف، فلم تعد الفتاوى خاصة بالامتثال الفردي، بل يجبر على تنفيذ الفتوى الفقهية، التي صارت قانونا عاما ينفذ في كل واقعة تقريبا.

إن الدولة الحديثة لم تنشأ فقط لتنظيم السلطة، بل أيضا لمنع الأفراد من أن يكونوا خصوما وحكاما في الوقت نفسه، لكن الفقه المقنن بقى يعطي الحق للأب -في هذا المثال المذكور - أن يكون هو الخصم والحكم عندما جعلت سنا معينا محددا للطفل للانتقال من حضانة الأم المنفصلة عن الأب، إلى الأب، دون البحث الكافي في كل حالة حول مصلحة المحضون. فالقضاء هنا تحول الى أداة تنفيذية فقط ما رسمه الفقه الفردي الخاص بإبراء الذمة الأخروي

في الفقه الإسلامي؛ الإنسان قد يكون معذورا أمام الله تعالى إذا اتبع فتوى خاطئة عن حسن نية، لكن ذلك لايلغي الضرر الذي يقع على الناس في الحياة الدنيا. فالظلم باقٍ حتى لوامتلك الظالم فتوى تبرر فعله. لذلك الضمير الأخلاقي النابع من القلب هو الأساس، وهذا مايذكره الحديث المنسوب للنبي ص: (استفت قلبك وأن افتاك الناس وأفتوك). فالقلب يعرف العدالة، استفت قلبك وهو ليس بديلا عن الفقه بل رقيب عليه من الداخل يمنع الناس من تحويل الأحكام الشرعية الى أدوات سلطة والتهرب من المسؤولية، وطلم الناس باسم الشريعة، ومن بعد ذلك تأتي الدولة بقوانينها الرادعة والملزمة إذا تاه الفرد عن بوصلة أخلاقه، وكان الفقه يخاطب الفرد فقط. بفقه ظاهري ينفع يوم الحساب في إبراء الذمة ولايفيد الحياة الدنيا بالضرورة.

***

ا. د. بتول فاروق

النجف ٢٥/ ٦/ ٢٠٢٦

مقاربة تفكيكية للخطاب الأسطوري والخطاب الاستعماري المعاصر

البنية المعرفية للأسطورة وتوظيفها السلطوي

يرتكز الفهم الفلسفي المعاصر للخطاب الأسطوري على كونه ليس مجرد حكايات خرافية غابرة تنتمي إلى طفولة البشرية الأولى، بل هو بنية معرفية ممتدة وعابرة للتاريخ تُستخدم بوعي لإنتاج المعنى وتثبيت دعائم السلطة عبر أطر لغوية مدروسة بعناية. في هذا السياق، ينطلق المشروع النقدي للمفكر رولان بارت من فكرة ثورية تؤكد أن اللغة ليست مجرد أداة محايدة للتواصل البشري، بل هي نظام فكري عقائدي متكامل يتجلى بوضوح في أطروحاته التأسيسية حول صياغة الكتابة والأنظمة العلاماتية المعاصرة.

تتبدى الأسطورة في هذا الطرح بوصفها نظاماً علاماتياً يعمد بالدرجة الأولى إلى تفريغ الواقع التاريخي من محتواه الحركي السائل، وتحويله إلى "طبيعة بديهية" أزلية ساكنة لا تقبل النقاش أو المساءلة. إن الأسطورة تأخذ الوقائع التاريخية والتحولات السياسية وتحيلها إلى ما يشبه القوانين الطبيعية الفيزيائية؛ فهي تجعل الهيمنة الطبقية أو التوسعية تبدو كأنها أمر حتمي وطبيعي تماماً كما تشرق الشمس وتغرب، مما يحرم المتلقي القدرة على رصد الصيرورة التاريخية والاجتماعية التي أنتجت هذا الواقع وأسست لتلك الامتيازات.

المأزق الاصطلاحي والصراع الدلالي في الفضاء العربي

يتأصل هذا التزييف اللغوي الممنهج في صميم الصراع الدلالي حول تسمية المفاهيم وتحديد غاياتها؛ إذ يكشف تفكيك مصطلح "ما بعد الاستعمار" عن قطيعة معرفية متوهمة تصوّر وجود حد فاصل بين مرحلة ما قبل الاحتلال وما بعدها، متغافلة عن امتداد آليات الهيمنة بوسائل ناعمة. وفي الفضاء التداولي العربي، يثور جدل لغوي وعميق حول ترجمة اللفظ الأجنبي للاستعمار؛ إذ تحمل اللفظة العربية في جذرها دلالة إيجابية مستمدة من التعمير والبناء والاستخلاف، بينما ينطوي الواقع الفعلي والممارس على الأرض على الإذلال والنهب المنظم واقتلاع الهويات. هذا التناقض الصارخ دفع كوكبة من المفكرين التفكيكيين إلى اقتراح بدائل مفاهيمية تكشف عن جوهر الفعل مثل "الاستخراب" أو "الاستكبار" للتعبير الدقيق عن حقيقة التدمير البنيوي.

يتوازى هذا التزييف مع مصطلح "التغريب" الذي يحمل في جذوره اللغوية الأصلية معاني التنحية، والإقصاء، والنفي عن الوطن والبيئة، لكنه شهد تطوراً بنيوياً هائلاً في العصر الحديث ليعبر عن استلاب الهوية وإقصاء الذات الحضارية والثقافية لصالح قيم المركز المهيمن وفرض نمطه المعرفي كنموذج وحيد للتقدم الإنساني.

العقل الأداتي: من ملحمة أوديسيوس إلى الهيمنة المعاصرة

إن الارتداد التنويري نحو الأسطورة يمثل في جوهره إعادة إنتاج مستمرة لعلاقة الصراع العنيف والهيمنة على الطبيعة والإنسان على حد سواء. هذا التحول العميق يفسره الفيلسوفان ثيودور أدورنو وماكس هوركهايمر عبر قراءة فلسفية تفكيكية لأسطورة أوديسيوس في الملحمة اليونانية القديمة؛ حيث يقيد أوديسيوس نفسه بإحكام إلى صاري السفينة ليسمع غناء الحوريات الساحر دون أن يندفع نحوهن ويهلك، مستعبداً في الوقت ذاته بحارته عبر سد آذانهم بالشمع ليتفرغوا للتجديف دون وعي بما يدور حولهم. تعبر هذه الصورة الأسطورية الرمزية بدقة عن نشأة "العقل الأداتي" بوصفه أداة للسيطرة الذاتية الصارمة وقمع الغرائز بهدف إحكام الهيمنة على الطبيعة والسيطرة على الآخر وإخضاعه.

يجدر بنا هنا التمييز بين مفهومين محوريين:

مفهوم "المحاكاة" التي تحفظ التوازن والانسجام الفطري بين الذات والموضوع، ومفهوم "الإسقاط" الذي يمثل حالة من العوارض الارتيابية التسلطية التي تحول البيئة المحيطة وكل ما هو خارجي إلى مجرد امتداد تابع للذات المستبدة، مما يلغي خصوصية الآخر ويسلبه وجوده المستقل.

هندسة التضليل والتعمية: البلاغة كبديل للقوة المادية

ينشأ التوازي الجوهري والعميق بين الخطاب الأسطوري التاريخي والخطاب التوسعي الهيمني المعاصر من هذه النقطة بالذات؛ حيث يتحول الخطاب السياسي إلى عقيدة تبريرية مطلقة للسلطة عندما تفصل الجماعة التاريخية فصلاً حاداً بين الحاكم والمحكوم. وكما يوضح ماكس فيبر عبر التحليلات الهرمنيوطيقية للفيلسوف بول ريكور، فإن هذه المرحلة من الانفصال تتطلب بالضرورة صياغة خطاب بلاغي إقناعي مكثف وشديد التأثير ليكون بديلاً مستداماً عن الاستخدام العاري والمستمر للقوة المادية والبطش العسكري.

تاريخياً، وظف الخطاب الأسطوري الرموز الميتافيزيقية السامية والتعبيرات الفقهية الموجهة لشرعنة الاستبداد وإضفاء هالة من القداسة على الحاكم الفرد. وفي العصر الراهن، يعيد الخطاب الهيمني المعاصر علمنة هذه الأسطورة وصياغتها في قوالب حداثية؛ إذ حل مفهوم "النظام العالمي الجديد" أو "قيم المركزية الغربية" محل المشيئة الإلهية المطلقة، لتبرير غزو الشعوب وتدمير بنيتها الاجتماعية ونهب مقدراتها الاقتصادية باسم نشر قيم الديمقراطية، والعولمة، وحماية حقوق الإنسان.

إن فعل الخداع في كلا الخطابين يقوم على بنية منطقية مغالطة وممنهجة بعناية فائقة لتوجيه الوعي الجمعي وإفراغ التفكير النقدي من مضمونه التساؤلي؛ إذ لا يُعنى هذا الجدل السياسي بإثبات الحقائق الموضوعية، بل بحسم الصراع لصالحه من خلال إثارة العواطف ومخاطبة مخاوف الذات المقهورة وتوجيه قلقها.

العقيدة، السرد، وصناعة الجهل البنيوي

لا تكتمل دائرة الخداع والتعمية بالاعتماد على المغالطات المنطقية الفردية أو العابرة، بل تتطلب بالضرورة بناء نسق سردي متكامل وممتد يتداخل فيه النص بالتوجه الفكري لإنتاج الجهل وإعادة توليده دورياً. يفكك النقد البنيوي الآلية السردية للخطابات المهيمنة مبنياً الدور المحوري لـ "ضمير الغائب" في الرواية وكتابة التاريخ؛ إذ يرى بارت أن استخدام ضمير الغائب يمنح السرد موضوعية مصطنعة ومحايدة توفر للقارئ طمأنينة التخييل القابل للتصديق على الرغم من زيفه البنيوي الكامن. ينتصر ضمير الغائب على ضمير المتكلم في أدبيات الطبقات المهيمنة لأنه يعرض الجوهر والمواقف كمعطيات نهائية وأزلية معزولة تماماً عن الذات الكاتبة وصراعاتها المصلحية الواقعية، مما يمنح الأسطورة حصانة شكلية تبعدها عن مشرط التشكيك والنقد.

في المقابل، يسعى الخطاب السياسي الاستبدادي في المنطقة إلى فرض صوته الأوحد من خلال لغة غامضة وتعاليم حاسمة تؤكد باستمرار على علاقات الفوقية والتبعية؛ حيث يتحول الخطاب من كونه حواراً مجتمعياً متبادلاً إلى إملاء عمودي يفرض السمع والطاعة المطلقة، معززاً أطروحات "مكرمات الراعي على الرعية" كبديل مشوه عن الحقوق الدستورية والمدنية الأصيلة للأفراد.

آليات الدفاع النفسي والدورات المفرغة لإعادة إنتاج الخضوع

يستمر نظام الخداع النفسي الإدماني بالعمل بكفاءة عبر آليات سلوكية دفاعية تلجأ إليها الشعوب الواقعة تحت القهر للتخفيف من وطأة عجزها التاريخي الممتد، وهي دفاعات تنقلب في نهاية المطاف لتسهم في إغلاق الدائرة المفرغة وإعادة إنتاج شروط التخلف والخضوع التام. وتتخذ هذه الآليات الدفاعية النفسية والاجتماعية صوراً بنيوية محددة يمكن تفصيلها في المحاور التالية:

الانكفاء على الماضي والجمود:

عندما يستعصي الواقع الراهن والمعقد على التغيير، وتنسد آفاق الفعل الحضاري والإنتاجي أمام الإنسان المقهور، فإنه ينكفئ تلقائياً على ذاته مستمسكاً بالتقليد الحرفي والعودة المتخيلة إلى الماضي المجيد كدرع واقٍ ضد قلق التلاشي والضياع الهوياتي. يغدو هذا الماضي ملاذاً وهمياً يُعوض فيه الفرد في مخيلته عن مهانته الحاضرة وتبعيته الحالية. ورغم أن هذا التمسك يكتسب في بدايته دلالة حمائية للدفاع عن الذات، إلا أنه يتحول بفعل المبالغة والتقديس إلى جمود معرفي صارم يرفض النقد الذاتي، مما يبقي المجتمع عاجزاً عن امتلاك أدوات العصر المعرفية والتقنية، وبالتالي تكرس السلفية الفكرية التبعية المطلقة للمركز الاستعماري المتفوق أداتياً وعلمياً.

الذوبان في العلاقات الدمجية والتعصب الأعمى:

يفر الإنسان المقهور من مسؤولية وعيه الحاد بفقدان كرامته الفردية وحريته الشخصية عبر الذوبان الكامل وغير المشروط في الجماعة والعلاقات الدمجية الأولية كالعشيرة، أو القبيلة، أو الطائفة المذهبية. تسهم هذه الكيانات الفرعية في تفتيت الهوية الوطنية الجامعة وتآكل المفهوم الحديث للدولة؛ حيث تكتسب العصبية الضيقة دلالة المثل الأعلى والخير المطلق في نظر أعضائها، بينما يُسقط على كل ما هو خارجها دلالات شريرة ومشاعر العداء المستحكم والخشية الدائمة. يتحول الخارج هنا إلى "أسطورة الشر والسوء المطلق" التي تجب محاربتها لحماية النقاء المتوهم للداخل، مما يؤدي إلى هدر طاقات الداخل والخارج معاً في صراعات عبثية، ويسهل على القوى التوسعية اختراق هذه الكيانات المفتتة وإدارتها والتحكم في مصيرها بيسر تام.

الهروب السحري والارتباط بخرافة الخلاص الميتافيزيقي:

أمام العجز المادي والعملي عن مواجهة أدوات القهر المنظم، يتخلى العقل المقهور عن سببيته المنطقية الصارمة وينزلق نحو التفكير الانفعالي الغيبي والسحري. يتجلى ذلك بوضوح في اللجوء العارم لـ "أسطورة قضاء الحاجات" والتعلق المفرط بالتمائم، والخوارق لكف الحسد، أو جمع الحبيبين، أو تحقيق النصر المؤزر على الخصوم دون أي مجهود مادي أو علمي مبذول على أرض الواقع. يتولى هؤلاء الأولياء أو المخلصون الغيبيون في المخيلة الشعبية حل المشكلات العميقة التي تعجز الجماهير عن تحقيقها بجهدها الفعلي، أو ما قصر الطاغية المستبد في تلبيته من احتياجات أساسية. تلبي هذه الأوهام حاجة نفسية طارئة لتخفيف القلق الوجودي، لكنها تفصل الجماهير تماماً عن الفعل السياسي والتاريخي الحقيقي، وتجعلها مستسلمة لقدرها وقابلة لمزيد من التلاعب المنظم من قبل أجهزة السلطة وهيمنة الآخر.

مقاربة تفكيكية لتجاوز بنية الاستلاب والاعتراف

يكشف التفكيك الفلسفي المقارن أن التوازي المطرد بين الخطاب الأسطوري التاريخي والخطاب الاستعماري المعاصر ليس توافقاً عارضاً أو وليد الصدفة، بل هو ترابط بنيوي وثيق وممتد في أدوات الهيمنة المعرفية والنفسية والاجتماعية. فالخداع المشترك ينجح باستمرار من خلال استغلال الهشاشة السيكولوجية للمتلقي وتحويل استلابه الحضاري إلى حالة إدمانية حادة يدافع الضحية عنها بنفسه ويبرر وجودها.

إن تأسيس "مقاومة معرفية" حقيقية لمواجهة صناعة الجهل يتطلب التحرر الفعلي والعملي من أجهزة صناعة الجهل البنيوي الكولونيالية والمحلية على حد سواء، وذلك من خلال الانتقال الحاسم من مناهج التلقين واستبطان التقاليد والمقولات الجاهزة التي لا تحتمل النقاش، إلى ترسيخ مناهج التفكير النقدي، والتحليلي، والاستقصائي التفكيكي التي تكشف الافتراضات المضمرة والخفية للخطابات المهيمنة وتكسب الأجيال الجديدة مناعة فكرية صلبة ضد مغالطات التضليل وآليات التعمية البلاغية.

تقتضي هذه المهمة المصيرية كشف زيف الخطاب الحداثي الشكلي والتمويلي، ومواجهة خطابات الاستبداد التقليدية في آن واحد. يبدأ هذا التحرر المعرفي بإعادة تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية العارية، وتعرية الطمأنينة المزيفة التي يضفيها ضمير الغائب السردي، لتعود الذات المقهورة ناطقة بضمير المتكلم الفاعل، المسؤول تاريخياً وحضارياً عن صياغة مصيرها واستعادة حريتها المسلوبة.

***

غالب المسعودي

في البداية، هل يختلف المثقف العراقي عن المثقف العربي؟ وما وجه الاختلاف إذا افترضنا وجود اختلافات فعلية بينهما؟

قد يبدو السؤال للوهلة الأولى إشكاليًا، لأن المثقف العراقي هو في نهاية المطاف جزء من الفضاء الثقافي العربي، ويتشارك معه اللغة والمرجعيات الكبرى والأسئلة الحضارية ذاتها. ومع ذلك، فإن خصوصية التجربة العراقية خلال العقود الخمسة الأخيرة تجعل من المشروع التساؤل عما إذا كانت هذه التجربة قد أنتجت نموذجًا مختلفًا للمثقف العراقي، أو على الأقل فرضت عليه شروطًا تاريخية ومعرفية تختلف عن تلك التي عاشها نظيره العربي في بلدان أخرى.

برأيي المتواضع، ما تزال المرجعيات الفكرية للمثقف العراقي محكومة إلى حدٍّ بعيد بإرث الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. ولا أقصد بذلك التقليل من قيمة تلك المرحلة أو منجزاتها الفكرية والأدبية، بل الإشارة إلى أن الكثير من التصورات والأسئلة والأسماء التي شكلت الوعي الثقافي العراقي آنذاك ما تزال تحتل موقع المركز في المخيال الثقافي العراقي حتى اليوم.؟ لا ننسى أن هناك تحشيد حزبي ثقافي يساري يميني (قومي) تشكل منذ الخمسينات من القرن الماضي في العراق وكان من أشهر ضحاياه الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب. كذلك، ربما يعود ذلك التباين العربي العراقي في المنجز الثقافي إلى وجود فجوة تاريخية امتدت لما يقارب عقدين من الزمن، بدأت بالحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، وتواصلت مع سنوات الحصار الاقتصادي والثقافي التي لم تؤدِّ فقط إلى إنهاك المجتمع والدولة، بل أسهمت أيضًا في قطع الكثير من قنوات التواصل المعرفي والثقافي مع العالم العربي والعالم الأوسع. وخلال تلك الفترة، شهدت الساحات الثقافية العربية تحولات فكرية ومنهجية وجمالية متسارعة، بينما كان المثقف العراقي منشغلًا بمواجهة تداعيات الحرب والعزلة والانهيار الاقتصادي، الأمر الذي خلق نوعًا من الانقطاع الزمني بينه وبين محيطه الثقافي.

فهل تغيّرت هذه المعادلة بعد عام 2003، ومع الانفتاح الكبير الذي شهده العراق على وسائل الاتصال الحديثة وشبكات المعرفة العالمية؟ في الداخل العراقي، لا أعتقد أن التغيير كان بالحجم الذي يُفترض أن يحدث. فما تزال أشباح المثقفين الرواد وأسماؤهم تهيمن على المشهد الثقافي العراقي ، ليس فقط بوصفهم جزءًا من الذاكرة الثقافية الوطنية، بل بوصفهم مرجعيات حاضرة بقوة المقارنات الساذجة والغير موضوعية في عملية إنتاج المعنى والحكم على التجارب الجديدة. وكأن الثقافة العراقية ما تزال تنظر إلى نفسها من خلال مرآة الماضي، أكثر مما تنظر إلى إمكاناتها الراهنة ومستقبلها الممكن.

ولا يعني ذلك غياب المواهب الشابة أو انعدام التجارب الجديدة، فثمة أسماء وتجارب واعدة في الشعر والسرد والنقد والفنون المختلفة، إلا أن هذه التجارب لم تستطع بعد أن تشكل تيارًا ثقافيًا مؤثرًا وعابرًا للتحقيب التاريخي، قادرًا على فرض أسئلته الخاصة وإنتاج مرجعياته المستقلة. وما يزال الكثير من النتاج الثقافي الجديد يتحرك داخل الأطر التي رسمتها الأجيال السابقة، أو يسعى إلى اكتساب شرعيته من خلالها. أما في فضاء الشتات العراقي، فإن المشهد يبدو أكثر تعقيدًا. فقد انقسم عدد غير قليل من الكتّاب والمثقفين العراقيين المقيمين في الخارج بين اتجاهين متناقضين إلى حدٍّ ما. الأول اتجاه ماضوي يواصل اجترار الأسئلة القديمة وإعادة إنتاج الخطابات ذاتها، وكأن الزمن الثقافي العراقي توقف عند لحظة معينة لا يجوز تجاوزها. أما الاتجاه الثاني فهو اتجاه نهضوي أو كوزموبوليتاني يسعى إلى الاندماج الكامل في السياقات الفكرية العالمية، ويقفز أحيانًا فوق الفوارق التاريخية والثقافية والمعرفية التي تفصل بين بيئة المهجر والبيئة العراقية. وفي كثير من الأحيان، لا يأخذ هذا الاتجاه الأخير بالاعتبار اختلاف شروط التلقي والإنتاج الثقافي بين العالم الذي يعيش فيه ويكتب ضمن مؤسساته الفكرية والثقافية، وبين العراق الذي يمتلك إيقاعًا مختلفًا في تطوره الاجتماعي والمعرفي. ولذلك تبدو بعض الخطابات الثقافية القادمة من الخارج متقدمة جدًا على واقعها العراقي، أو منفصلة عنه جزئيًا، ليس بسبب ضعفها الفكري، بل بسبب اختلاف التوقيت المعرفي بين البيئتين.

ومن هنا، فإن القضية لا تتعلق بتفوق المثقف العراقي أو تأخره مقارنة بالمثقف العربي، بقدر ما تتعلق بالظروف التاريخية الاستثنائية التي مرت بها الثقافة العراقية، والتي جعلت علاقتها بالزمن الثقافي العربي والعالمي علاقة معقدة ومتذبذبة وربما مضادة للتحديث.

المثقف أو منتج الثقافة العراقي ما يزال يحمل إرثًا ثقيلًا من الانقطاعات والحروب والهجرات والتحولات السياسية الحادة، وهي عوامل تركت آثارها العميقة على طبيعة إنتاجه الثقافي وعلى مرجعياته الفكرية. ولعل السؤال الأهم اليوم ليس: هل يختلف المثقف العراقي عن المثقف العربي؟ بل: هل استطاعت الثقافة العراقية أن تتجاوز آثار القطيعة التاريخية التي عاشتها خلال العقود الماضية؟ هل تمكنت من إنتاج جيل ثقافي جديد قادر على بناء توازن خلاق بين الوفاء لتراثها الفكري الغني، والانفتاح على الأسئلة المعاصرة والتحولات العالمية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال ما تزال مفتوحة، وربما تحتاج إلى مزيد من الزمن والدراسات قبل أن تتضح ملامحها بصورة نهائية.

***

ياسين غالب

إذا كان العمر هو المجال الذي تجري فيه التجربة الإنسانية، وكانت الآلام والابتلاءات من الحقائق الملازمة لهذه التجربة كما بينت المقالة السابقة "الوجود الإنساني بين حكمة الألم وأفق الأمل"، فإن الصبر يمثل الاستجابة الوجودية والروحية التي تحدد الكيفية التي يتعامل بها الإنسان مع تلك الحقائق. ومن هنا كان الصبر أحد أكثر المفاهيم عمقا في الفكر الديني والفلسفي والروحي؛ لأنه لا يتعلق بما يقع للإنسان بقدر ما يتعلق بما يصير إليه الإنسان من خلال ما يقع له. فالألم واقعة قد تفرض على الإنسان، أما الصبر فهو موقف وجودي وروحي يتخذه الإنسان إزاء ما يواجهه من أحداث وتقلبات.

ولعل من أسباب شيوع مفهوم الصبر أن كثيرا من الناس يتصورونه مفهوما بسيطا واضح الدلالة، بينما يكشف التأمل العميق أنه من أكثر المفاهيم تركيبا واتساعا. فالصبر ليس مجرد احتمال للألم، ولا مجرد تماسك نفسي في مواجهة الشدائد، بل هو رؤية مخصوصة للوجود، وطريقة في فهم العلاقة بين الإنسان والزمن، وبين الإرادة الإنسانية ومجريات القدر، وبين المحدود البشري والحكمة الإلهية التي تحكم حركة العالم. وليس الصبر مجرد فضيلة أخلاقية يكتسبها الإنسان بجهده الخاص، بل هو كذلك منحة ربانية ونعمة إلهية امتن الله بها على عباده، ولذلك تكرر الأمر به في القرآن الكريم، ووعد الصابرين بأعظم الجزاء. ولعل سر هذه العناية الإلهية أن الصبر هو سفينة الإنسان في بحر الوجود المتلاطم؛ إذ لا يكاد يخلو عمر من بلاء أو تكليف أو صراع مع النفس، فجعل الله له من الصبر ما يعينه على عبور تلك الأمواج دون أن يفقد وجهته أو يغرق في اليأس والاضطراب.

إن الإنسان بطبيعته كائن يتطلع إلى الثمرة قبل أوانها، ويرغب في اختصار المسافات، ويتمنى أن تخضع الحياة لرغباته وتوقعاته. غير أن قوانين الوجود لا تسير دائما وفق ما يشتهي الإنسان؛ فهناك ما يتأخر رغم السعي إليه، وهناك ما يفقده الإنسان رغم تعلقه به، وهناك من الآلام ما يداهمه دون اختيار منه. وهنا يظهر الصبر بوصفه قدرة على التعايش الواعي مع تعقيد الحياة دون أن يفقد الإنسان اتزانه أو إيمانه أو ثقته بالمعنى.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الصبر باعتباره أحد أهم شروط النضج الإنساني. فالطفولة النفسية تتجلى في الرغبة الدائمة في الإشباع الفوري، أما الرشد الوجودي فيبدأ حين يتعلم الإنسان كيف يؤجل رغباته، وكيف يحتمل الغموض، وكيف يواصل السير في الطريق دون يقين كامل بمآلاته. ولهذا فإن الصبر ليس مجرد فضيلة أخلاقية بين الفضائل، بل هو البنية الداخلية التي تستند إليها فضائل كثيرة؛ إذ لا علم بلا صبر، ولا إصلاح بلا صبر، ولا حب صادق بلا صبر، ولا مشروع حضاري أو روحي يمكن أن يكتمل دون صبر طويل.

وإذا تأملنا مفهوم الصبر وجدناه يتخذ صورا متعددة تعكس تنوع التجربة الإنسانية نفسها. فهناك الصبر على الابتلاءات والمصائب وما يصحبها من آلام وخسارات، وهناك الصبر على الطاعة والالتزام بما يقتضيه الواجب الأخلاقي والديني رغم ما فيه من مشقة، وهناك الصبر عن الشهوات والأهواء حين تدعو النفس إلى ما يفسد توازنها أو يبدد طاقتها الروحية. ولهذا لم ينظر الحكماء إلى الصبر بوصفه حالة عارضة، بل باعتباره مشروعا متكاملا لتربية الإرادة الإنسانية وتحريرها من الاستبداد الخفي للرغبات والانفعالات.

والصبر - من الناحية الفلسفية – يرتبط ارتباطا وثيقا بمشكلة الزمن. فالإنسان الذي يأسره منطق العجلة يريد أن يرى نتائج أفعاله فورا، وأن يزول ألمه في اللحظة نفسها التي يشعر بها، وأن تنكشف له الحكمة كاملة قبل اكتمال التجربة. أما الصبر فيعلم الإنسان أن للوجود إيقاعا خاصا لا يخضع دائما لعجلة البشر، وأن كثيرا من الحقائق لا تنضج إلا بمرور الزمن، وأن بعض الحكم لا تدرك إلا بعد اجتياز المحنة نفسها. ولهذا كان الصبر نوعا من المصالحة الواعية مع الزمن، وثقة بأن المعنى لا يتكشف دفعة واحدة، بل يتدرج في الظهور كما تتدرج الثمرة في النضج.

ولعل الحكمة الإلهية الكامنة في الصبر تتجلى في كونه الوسيلة التي ينتقل بها الإنسان من أسر الانفعال إلى رحابة البصيرة. فالنفوس في بداياتها تحاكم الأحداث من خلال ما تجلبه لها من لذة أو ألم، ربح أو خسارة، قرب أو بعد. أما الصبر فيدفع الإنسان إلى تجاوز هذه القراءة الجزئية نحو رؤية أعمق للوقائع، رؤية لا تتوقف عند ظاهر الحدث بل تحاول النفاذ إلى ما وراءه من دلالات ومعان. فالوقائع في ذاتها قد تكون متشابهة، لكن المعنى الذي يكتشفه الإنسان فيها هو الذي يحدد قيمتها في بناء شخصيته وتوجيه مسار حياته.

ومن هنا ارتبط الصبر في الرؤية الإيمانية بمفهوم الابتلاء. فالابتلاء ليس مقصودا لذاته، ولا الألم مطلوبا في ذاته، وإنما المقصود ما يمكن أن ينشأ عنهما من تهذيب للنفس، وتحرير للإرادة، وتوسيع لأفق الرؤية. ولعل من أعمق الحكم الكامنة في الابتلاء أنه يكشف للإنسان عن حقيقة نفسه أكثر مما تكشفها أوقات الرخاء؛ فالشدائد لا تخلق جوهر الإنسان بقدر ما تكشفه. وما يظهر في لحظات المحنة من ثبات أو ضعف أو سعة أفق أو ضيق رؤية إنما هو تعبير عن مكنونات كانت كامنة في النفس تنتظر ظرفا يزيح عنها الحجاب. فالذهب لا تظهر نقاوته إلا بعد تعرضه للنار، وكذلك النفس الإنسانية كثيرا ما تكتشف أعماقها وقدراتها الكامنة في أوقات الشدة أكثر مما تكتشفها في أوقات الرخاء.

وفي التجربة الصوفية يكتسب الصبر بعدا أكثر عمقا واتساعا. فالصبر عند أهل السلوك ليس مجرد احتمال للمحنة، بل مقام من مقامات الترقي الروحي. ولهذا تعددت تعريفات الصوفية له تبعا لاختلاف زوايا النظر إليه؛ فبعضهم رآه حبسا للنفس عن الجزع، وبعضهم نظر إليه بوصفه مجاهدة مستمرة للأهواء، وبعضهم جعله احتمالا للمكروه مع دوام التعلق بالحكمة الإلهية. غير أن هذه التعريفات جميعا تلتقي عند حقيقة واحدة، هي أن الصبر مدرسة لتزكية الإرادة وتحرير القلب من الاستسلام للانفعالات العابرة.

إنه انتقال من الانشغال بالفعل الإلهي إلى التأمل في الحكمة الإلهية، ومن النظر إلى البلاء بوصفه حدثا مؤلما إلى النظر إليه بوصفه فرصة للتزكية والمراجعة والتقرب. ولهذا كان الصبر عندهم مرتبطا بالمجاهدة؛ لأن النفس بطبعها تنفر من المشقة، وتتطلع إلى العاجل، وتضيق بالغموض، بينما يعلمها الصبر كيف تتحرر من أسر هذه النزعات لتبلغ درجة أعلى من الصفاء والسكينة. بل إنه يمثل في كثير من تجليات التجربة الصوفية حركة دائمة من التخلية والتحلية؛ تخلية النفس من السخط والجزع والاعتراض، وتحليتها بالثقة والسكينة وحسن الظن بالله.

غير أن الصبر في هذا المقام لا يعني إلغاء المشاعر الإنسانية أو إنكار الألم. فالإنسان الصابر قد يحزن ويتوجع ويبكي، لكنه لا يسمح للألم أن يتحول إلى قنوط، ولا للحزن أن يتحول إلى اعتراض على معنى الوجود. إنه يدرك أن المشاعر جزء من إنسانيته، لكنه يدرك أيضا أن الاستسلام لها ليس قدره المحتوم. ومن هنا كان الصبر نوعا من الحرية الداخلية التي تمكن الإنسان من الاحتفاظ بتوازنه الروحي مهما اضطرب العالم من حوله.

إن أعظم ما يمنحه الصبر للإنسان أنه يعيد ترتيب علاقته بذاته وبالعالم. فهو يحرره من وهم السيطرة المطلقة على مجريات الحياة، ويعلمه أن الكمال ليس في امتلاك كل شيء، بل في حسن التعامل مع ما يأتي وما يذهب. كما يوقظه إلى حقيقة أن كثيرا من معارك الإنسان ليست مع الخارج بقدر ما هي مع ذاته القلقة، ورغباته المستعجلة، ومخاوفه المتضخمة.

ومن هنا تتجلى فلسفة الارتقاء التي يشير إليها عنوان هذه المقالة. فالارتقاء الإنساني ليس صعودا في المكانة أو زيادة في المكاسب المادية فحسب، بل هو قبل ذلك ارتقاء في الوعي، واتساع في البصيرة، ونضج في العلاقة مع الذات والوجود. والصبر هو أحد أهم الجسور التي تعبر عليها النفس نحو هذا الارتقاء؛ لأنه يعلمها كيف تحول المحنة إلى معرفة، والخسارة إلى خبرة، والانتظار إلى مدرسة للحكمة.

ومع ذلك يبقى الصبر مرحلة من مراحل الارتقاء الروحي لا غايته النهائية؛ إذ إن الصابر ما زال يعيش حالة المجاهدة والمقاومة في مواجهة أعباء الحياة وتقلباتها. ومن رحم الصبر يولد مقام أعمق وأوسع، هو مقام التوكل؛ ذلك أن الإنسان كلما تمرس بالصبر أدرك حدود قدرته البشرية، وأيقن أن الأخذ بالأسباب - على ضرورته - لا يكفي وحده لضمان النتائج. وهنا ينتقل من مجرد احتمال الشدائد إلى الثقة بالله في خضمها، ومن الانشغال المفرط بالمآلات إلى السكينة الناشئة عن الاعتماد عليه مع استمرار السعي والعمل. ومن ثم كان الصبر تربية للإرادة في مواجهة الابتلاء، بينما كان التوكل تربية للقلب على الثقة بمن بيده تدبير الأمور كلها.

خلاصة القول: الصبر ليس مجرد خلق من الأخلاق، بل هو رؤية وجودية ومقام روحي وفعل معرفي في آن واحد. إنه القدرة على السكنى في زمن الابتلاء دون انهيار، وعلى مواصلة السير في الطريق دون استعجال، وعلى الثقة بالحكمة الإلهية دون تعطيل للإرادة الإنسانية. وإذا كان العمر هو ميدان التجربة، وكانت الآلام إحدى حقائقها الكبرى، فإن الصبر هو الفن الذي يحول تلك التجربة من مجرد تعاقب للأحداث إلى مسار للارتقاء الإنساني والروحي، ومن مجرد معاناة عابرة إلى حكمة باقية تنير الطريق للإنسان في رحلته نحو اكتماله الممكن.

***

بقلم: أ. د. ياسر البتانوني

أستاذ الفلسفة الإسلامية بكلية الآداب جامعة المنوفية

دراسة في أنثروبولوجية التصوف البصري أنموذجًا

أُثير هذا التساؤل عن إمكانية تقديم قراءة مختلفة للتصوف الإسلامي في العراق بشكل عام، والتصوف الإسلامي البصري بشكل خاص؛ بقصد توجيه بوصلة البحث الأكاديمي إلى تلك الفجوة بين واقع هذه الظاهرة العامة للتصوف، وبين الدراسات المقدَّمة متعدِّدة الأطر، والرامية لتقديم دراسة شاملة ومتكاملة وبحثية لكل دقائق الأمور عن هذا التوجه، سواء أكان توجهاً عقدياً، أم سياسياً، أم معرفياً، أم سلوكياً، أم أخلاقياً، أم اجتماعياً، أم مناطقياً محلياً.

والمهم من كل ذلك هو أن نبحث في خصائص هذه الظاهرة من الجوانب المذكورة كافة، لنقدم دراسة اجتماعية وأنثروبولوجية أوسع، لكون التصوف البصري يتميز بسمعة عالمية تضرب في عمق التاريخ والتراث، ولتأثيره الجلي على الحركات السياسية والعقائدية كافة عبر العصور المنصرمة؛ مما أثَّر في التصوف الإقليمي والمحلي امتداداً من البصرة وحتى شمال العراق. فالتراث الصوفي العراقي بشكل عام نابع من أصوله البصرية، ومتأثر بالتيارات الدينية الإقليمية والمحلية الناشئة عبر عصورها وظروفها المختلفة.

فالتراثية، والديمومة، والاستمرار، والنشاط، والتجديد؛ هي خصائص يقع على عاتق الدراسات الأنثروبولوجية تغطيتها من مساحة هذه الظاهرة في التاريخ، والجغرافيا، والدين، والثقافة، والاجتماع، والسياسة، وغيرها مما يمكن أن تكون حاضرة فيه وفاعلة وسط الثقافة البصرية وهويتها الحضارية الإسلامية.

ومن هنا، ندعو إلى محاولة تقديم قراءة أنثروبولوجية للتصوف البصري، انطلاقاً من خواصه الإنسانية التي يتميز بها الإنسان البصري، وطريقته في التصوف التي عُدَّت مثالاً لكل تجربة صوفية.

***

د. رائد عبيس

يظل الإنسان متطلِّباً الكمال، مع أنه بطبيعته البشرية يمارس الخطأ والصواب، حتى قيل إنه خطّاءٌ، يحصل هذا خارج التنظير الفلسفي أو الديني، أي في الحياة العامة، حتى فُلسف هذا الهاجس، فظهر مفهوم «الإنسان الكامل»، وعُبِّر عنه أنه الكون ذاته، والكمال من كمال الخالق، وبهذا ليس المصطلح مجرد تصوُّر أخلاقي للكمال البشري، بل مشروعٌ معرفيٌّ فلسفيٌّ. ظهر في الفلسفة اليونانية، في صورة الفيلسوف كما هو الحال في «جمهورية أفلاطون»، وظهر في المدينة الفاضلة للفارابي، ورسائل «إخوان الصفا»، وغيرها من الكتب التي تناولت نظام الحكم الأمثل، لم يكن هذا الفيلسوف معصوماً من الخطأ، لكنه بلغ من الحكمة ما يؤهِّله لقيادة الآخرين.

وترى كماله عند أرسطو طاليس ثمرةً للعقل والفضيلة، لا هبةً فوق بشرية. وهكذا بقي الإنسان الكامل في الفلسفة كائناً يجاهد لبلوغ الحكمة، مع بقاء احتمالات الخطأ قائمة. اتخذ مفهوم الإنسان الكامل عند المتصوفة، مرآةً للأسماء الإلهية، ومظهراً لأعلى درجات المعرفة الروحية.

هنا لم يَعُد الكمال مجرد تفوّق أخلاقي أو عقلي، بل أصبح مقاماً وجودياً يجمع بين العالم الإلهي والعالم الإنساني. ومع ذلك ظل هذا الكمال عند الصوفية مرتبطاً بالتجربة الروحية، لا بالتشريع أو السُّلطة الدينية. يبرز عند هذه النقطة مفهوم العصمة الدينية.

فالعصمة، في معناها العقائدي، تعني العصمة من الخطأ فيما يتعلق بالتبليغ الإلهي، أو الهداية الدينية، التي تختلف عن الكمال الفلسفي، لأن مصدرها ليس الاجتهاد الإنساني، بل العناية الإلهية. لذلك فإن الفيلسوف الكامل قد يُخطئ في استنتاجه، أما المعصوم، بحسب الاعتقاد الديني، فلا يُخطئ في أداء المهمة التي أوكلت إليه؛ فهو مطبوع على الكمال، وما يُسمى عند الشيعة الإمامية بالعصمة، وهي مقتصرة على الأئمة الاثني عشر، أي مركز الإمامة، يضاف إليهم السيدة فاطمة الزهراء، وفي المقدمة تأتي العصمة النبوية، وهنا يكون الحكم بيد المعصوم الكامل، بخلاف فكرة الحاكم الفيلسوف، الذي يكون كاملاً بما هو أقل من العصمة.

وبهذا يكون التاريخ الفكري قد شهد تداخلاً بين المفهومين، الكمال مع العصمة والكمال دون العصمة. فبعض الاتجاهات رفعت شخصيات دينية إلى مستوى يقترب من النموذج الفلسفي للكمال، كما الحال عند أقطاب الصوفية، بينما حاولت اتجاهات أخرى تفسير العصمة باعتبارها ذروةً أخلاقية يمكن الاقتداء بها، وليست العصمة المطلقة، كما هو الحال في المعصومية الشيعية المعروفة.

لا ندري إذا ترك الداعون إلى حكم الفيلسوف تقديس الفيلسوف الحاكم، وبالتالي عدم مراجعته، ففي العصمة الدينية، أو الكمال المُطلق المكتسب من الله، تُعدم المراجعة أو الاعتراض على أقواله أو أفعاله، وفي كل الأحوال، كلما اتسعت دائرة الكمال المنسوب إلى الفرد، تقلّصت مساحة النقد والاعتراض. لقد أدرك مفكرو الإسلام الأوائل خطورة الخلط بين المثال البشري والمُطلق الإلهي. فالبشر، مهما علت منزلتهم، يظلون جزءاً من التاريخ، بينما يبقى المطلق خارج التاريخ. لهذا نجد أن كثيراً من المناقشات دارت حول حدود القداسة الدينية وحدود العقل الإنساني.

إن الفرق الجوهري بين الإنسان الكامل الفلسفي والمعصوم الديني الأول، يستمد شرعيته ومكانته من المعرفة والفضيلة والتجربة الإنسانية، أما الثاني فيستمدها من النص والعقيدة الدينية، وبين هذين التصورين سعت المجتمعات إلى الموازنة بين الحاجة إلى المثال الأعلى، والحفاظ على الطبيعة الإنسانية التي لا تنفكُّ عن النقص والاجتهاد. تبدو من الناحية التاريخية أن فكرة (الإنسان الكامل) بدأت فلسفيةً، ثم دخلت في المجال الديني، واتخذت طابع التقديس، حيث الكمال المُطلق الإلهي، بينما فكرة الكمال الفلسفية ترتبط بالتربية البشرية، بإعداد الفيلسوف الحاكم لهذه المهمة.

***

د. رشيد الخيّون - كاتب عراقي

 

مفتتح: ثمة أسئلة تنتظر أجوبتها في الصالونات الأكاديمية، وثمة أسئلة تطرق الأبواب بعنف وتُطالب بالإجابة الآن، في هذه اللحظة التاريخية الحرجة بالذات، حيث سؤال التعارف الحضاري من النوع الثاني لا الأول، كونه ليس ترفاً فلسفياً يتسلى به المفكرون في ساعات الفراغ، بل هو سؤال من يريد أن يعرف أين يقف وسط هذا العالم، وماذا يُقدّم للتاريخ، واي مشروع   حضاري يريد من الٱخرين قراءته في مرحلة تتشكل فيها خارطة القوى الكونية من جديد.

المسلم المهتم بأمر أمته اليوم، يتساءل وهو يرى حضارته في حالة تقلّص ومراجعة وأحياناً انكسار: أيَّ تعارف نريد مع الحضارات الأخرى؟ والأدق: هل نحن أهلٌ للتعارف أصلاً؟ هل نملك نتحكم فيما نطمح ان نُعرِّفه؟

القرآن الكريم لم يترك الأمر غامضاً، في آية واحدة، في سورة الحجرات، رسم مشروعاً حضارياً كاملاً من أوله إلى آخره: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، إنها آيةٌ تبدأ بالأصل الإنساني المشترك، وتمر بالتنوع الحضاري المنشود، وتنتهي بمعيار التقويم الأخلاقي، ثلاث مقتضيات لا يصح الاكتفاء بواحدة منها دون الباقيين، وإلا انهار الصرح كله.

فالجَعل: حين يكون التنوع برنامجاً لا حادثة، لعلنا نتساءل: ما الذي يجعل هذه الآية استثنائيةً في موضوع الحضارة؟ الجواب في فعل واحد: "جَعَلَ"، لأنه لو قال القرآن "خلقناكم شعوباً وقبائل" لكان الأمر إخباراً عن واقعة تكوينية، بينما قول الله تعالى "جَعَلْنَاكُمْ"، وهو فعل يحمل في العربية معنى التحويل القصدي نحو غاية مُضمَرة أو مُصرَّح بها، بالتالي الجعل يعني أن التنوع الحضاري ليس عرضاً تاريخياً، ولا نتيجة لتفرق جغرافي عشوائي، بل هو تصميم إلهي مُقصود لغاية يُعلنها القرآن مباشرةً: التعارف.

هنا يقع الكثير من المفكربن في خطأ منهجي فادح حين يُختزل التعارف في "التعايش السلمي" أو "حوار الأديان"، لكن التعارف أعمق من ذلك بكثير، فـ"تَعارَفُوا" في العربية فعلٌ مُشترَك تفاعلي متبادل، يعني أن يُعرِّف كل طرف الآخرَ على حقيقته الداخلية، على رسالته ونسيجه القيمي وتجربته في الحياة، لا على العرض البراني وواجهته الإعلامية، التعارف الحق هو التكاشف المعرفي المتبادل في الجوهر، لا التجاور البارد في المظهر.

والأشد دلالةً أن اللام في "لِتَعَارَفُوا" هي لام الغاية، وهي أقوى أدوات التعليل في العربية، أي أن الكون لم يتنوع حضارياً اعتباطاً، بل تنوّع لغاية التعارف، هذا يعني أن الأمة التي تنكفئ على نفسها وتُعرض عن التعارف الحضاري تخون غاية الوجود الكوني ذاته.

المقاربات الحضارية الثلاث

منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، هيمنت ثلاثة مقاربات كبرى على مشهد التفكير في العلاقة بين الحضارات، وقد آن الأوان لمحاكمتها محاكمة صارمة:

أولاً - مقاربة الصدام: أعلنها صمويل هنتنغتون سنة 1996م وهو يقول إن الحضارات ستصطدم لأنها تختلف في جوهرها، وأن خطوط الكسر الحضارية ستحل محل الأيديولوجيات الباردة، وقد كان هذا النموذج في حقيقته ليس توصيفاً علمياً بريئاً، بل أيديولوجيا مُلبَّسة بزي أكاديمي، تُشرعن الهيمنة الغربية وتُضفي على الخوف من الإسلام  والكونفوشية طابعاً حضارياً، ومع ذلك، والخطير في الأمر، أن بعض المسلمين تبنّوا هذا النموذج عن غير وعي، فجعلوا من "الصدام" مشروعاً حضارياً بديلاً، وهو إلباس الهزيمة ثوب المقاومة.

ثانياً - مقاربة الحوار: جاءت رداً على الصدام، وصارت شعاراً يرفعه الجميع من الأمم المتحدة إلى المنظمات الدينية إلى المنتديات الثقافية، بيد أن الحوار، بصيغته السائدة، ظل في أغلب أحواله مجالسةً فاخرة بلا رهان حقيقي؛ حوارات تُعقد في فنادق مُكيَّفة للتكاذب، وتنتهي إلى بيانات دبلوماسية تُعلن احترام التنوع وتُثبّت واقع الهيمنة، حيث الحوار الذي لا يستند إلى توازن في الفاعلية الحضارية هو مونولوج يُؤدّيه طرف واحد ويستمع إليه الآخر مُتذللا بائسا مغلوبا مستسلما..

ثالثاً - مقاربة التعارف: وهي الأطروحة البديلة التي انبثقت من رحم القرآن وأعلنها المفكر السعودي الدكتور زكي الميلاد عام 1997م في مقالة غيّرت مجرى الحوار الفكري، إذ رفض الأطروحة الهنتنغتونية ورفض معها الحوار الفارغ، ودعا إلى نموذج تتعرف فيه الحضارات على بعضها معرفةً عميقة دون أن تتوهم إمكانية الإلغاء أو الاختزال، هذه المقاربة تعتبر الأقرب إلى روح الجعل القرآني، شريطة أن نملأها بمحتوى حضاري حقيقي لا بمجرد كلام على الحضارة.

مرتكزات التعارف البناء

القرآن يُعلن الغاية، والعقل يُحدد المرتكزات والشروط، والتاريخ يُقدّم الشواهد. والتعارف الحضاري الأمثل يرتكز  على ثلاثة مرتكزات لا مهرب منها:

المرتكز الأول - أن تكون لك هوية قابلة للتعريف، لا يُتصوَّر تعارف بين طرف يحمل مشروعاً حضارياً وآخر يفتش عن هويته أو يستعيرها من الطرف الأول، هكذا التعارف يتأسس على "القابلية على التعارف"، أي امتلاك مشروع داخلي متماسك، نسيج قيمي حيّ، وإنتاج معرفي فاعل، لأن الأمة التي لا تُنتج معرفةً لا تملك ما تُعرِّفه للآخرين، وحضورها في الجلسة الحضارية الكونية لن يعدو كونه تابعاً مُؤدَّباً.

المرتكز الثاني — أن تعرف الآخر من الداخل لا من أعدائه، التعارف الذي يقوده القرآن هو معرفة استيعابية لا استئصالية، وقد كان النموذج النبوي في التعامل مع سلمان الفارسي وبلال الحبشي وصهيب الرومي درساً بليغاً: ثلاثة أشخاص من حضارات مختلفة، استُوعبت تجاربهم، ورُفعت قيمتهم الإنسانية، وحُوِّلت خبرتهم الحضارية الخاصة إلى رصيد في بناء الأمة الجديدة، لم يُطلب منهم أن يمحوا ماضيهم، بل أن يرفعوه نحو الأعلى.

المرتكز الثالث — أن يكون الميزان قيمياً لا مادياً. ختام الآية ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ ليس مجرد تذكير أخلاقي عابر، بل هو قلب المشروع الحضاري القرآني، حيث إنه يُسقط معيار القوة المادية  كمقياس وحيد للتفاضل الحضاري، ويُؤسّس معياراً بديلاً: الإسهام في إعلاء الكرامة الإنسانية وتحقيق العدل ورفع الظلم، وهذا يعني أن الأمة الإسلامية، حتى في ضعفها المادي الراهن، قادرة على خوض التعارف الحضاري بمصداقية إذا صدقت في حمل هذه القيم وتجسيدها أمام التاريخ.

الرهانات الثلاثة الفاشلة

يواجه المسلمون اليوم ثلاثة رهانات قد تبدو متناقضة لكنها تؤدي جميعها إلى الطريق المسدود ذاته:

رهان الانكفاء الذي يقول: احتفظ بهويتك بالانعزال عن العالم، وهو خطاب يبدو دفاعاً عن الأصالة لكنه في الحقيقة هروب من المسؤولية الحضارية، كون الهوية التي لا تُجرَّب في ملتقى الحضارات هوية قاتلة أو ميتة لا حيّة، وإسلام لا يُقدّم رسالته للعالم إسلامٌ يخون أحد غايات ومقاصد وجوده الكوني.

رهان الذوبان القائل: الحداثة الغربية هي الحضارة الإنسانية الكونية الوحيدة، فإما أن تنخرط فيها كاملاً أو تبقى على هامش التاريخ، وهو رهان يستبطن خنوع وخضوع وقبول بالهزيمة، حيث يعتمد منطق القوة ذاته الذي يدّعي نقده، لأن الانخراط الكامل دون رسالة مستقلة ليس تعارفاً بل استسلاماً بصورة  قد تبدو مشرَّفة.

رهان الصدام الذي يريك الحضارة الأخرى هي العدو الوجودي، فالمعركة لا مناص منها، وهذا أخطر الرهانات الثلاثة لأنه يُلبَّس لبوس الحمية الدينية، فيصادر الغاية القرآنية من الداخل وينتج هنتنغتوناً مسلماً يؤدي الدور ذاته من الطرف المقابل.

 البديل الثالث: التعارف البنّاء

"التعارف البنّاء" هو البديل الأمثل الذي يُقرّ بأن الحضارات متنوعة ومختلفة، لكنها ليست عدوّة بالضرورة؛ يُؤمن بأن للإسلام رسالة حضارية فريدة، لكنه لا يدّعي أنه يحمل الحقيقة الوحيدة في كل مسائل الحياة؛ يدعو إلى استيعاب المنجز الإنساني الكوني، لكن من موقع الفاعل المُبادِر لا المتلقّي المُستهلِك او التابع المقهور.

هذا البديل يتطلب جرأةً غير معتادة على مستويات ثلاثة:

فكرياً: الانخراط في إنتاج المعرفة الكونية، وصياغة المفاهيم الكبرى، والمشاركة في رسم السؤال الحضاري لا فقط في الإجابة عنه.

أخلاقياً: تجسيد مبدأ الكرامة الإنسانية الكونية والعدل والشهادة على الشعوب قبل الدعوة إليها، لأن الفعل أبلغ من الخطاب.

سياسياً: استعادة القابلية الداخلية على التعارف بتجاوز الانقسامات الطائفية والسياسية التي تُفرغ الهوية الحضارية من محتواها وتجعل "التعريف بها" مجرد إحراج.

 لِتَعارَفُوا... غاية الأمة الواحدة

اللام في ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ لم تُنزَع من الآية بمرور التاريخ، إنها تقف ثابتة في النص، تُطالب بالإيفاء بها في كل عصر وجيل، بينما المحزن أن أمةً أُنيطت بها هذه الرسالة الكونية الكبرى باتت في كثير من أحوالها موضوعاً للتعارف لا فاعلاً فيه؛ تُدرَس في الأطروحات الاستشراقية وتُحلَّل في مراكز الأبحاث الغربية بدلاً من أن تكون هي من يُقدّم نفسها بنفسها للتاريخ، إلا أن الأزمة ليست نهاية المطاف، فالقرآن حين قرر "الجعل" لم يجعله لأمة واحدة في لحظة واحدة، بل جعله مشروعاً إنسانياً مفتوحاً، وكل جيل يُدرك الغاية ويُصرّ على الإيفاء بها معيداً كتابة الحظ الحضاري لأمته من نقطة جديدة.

أيّ تعارف نريد؟ ذاك الذي ينهض فيه المسلمون شركاءَ صانعين لا متفرجين مستضعفين متألمين، لامفعول بهم ولافيهم بل فاعلين، ويُقدّمون للتاريخ رسالة قابلة للتعريف لأنها حية ومتجددة وحاملة لإجابة على السؤال الذي لا تزال الإنسانية تبحث عنه: كيف نعيش معاً دون أن يُلغي بعضنا بعضاً، وكيف نتنوع دون أن نتصارع؟

ذلك هو الجعل القرآني في كمال بيانه، وتلك هي الأمانة الثقيلة التي لن ينهض بها إلا من آمن أن الحضارة ليست ترفاً بل واجب، وأن التعارف ليس خياراً بل رسالة أمة شاهدة على الناس ورسول الله صلى الله عليه وٱله وسلم شاهد عليها..

***

مراد غريبي

 

ثمة ظاهرة آخذة في الاتساع داخل بعض الكتابات الصحفية والثقافية، تتمثل في تحوّل الذات من مصدر من مصادر الرؤية إلى مركز الرؤية كلها. عند هذه النقطة يفقد الموضوع استقلاله تدريجياً، ويغدو مجرد مناسبة جديدة لظهور الكاتب. تتبدل العناوين أسبوعاً بعد آخر، وتتغير القضايا والأحداث والكتب والأشخاص، غير أن البطل الحقيقي يبقى واحداً في كل مرة.

يقرأ المرء مقالاً عن الأدب فيجد سيرة الكاتب تتقدم على الأدب. ويقرأ عن السياسة فتتزاحم الانطباعات الشخصية على حساب الوقائع. ويقرأ عن المجتمع والثقافة والفن، فيكتشف أن العالم الواسع بكل تشعباته قد جرى اختصاره في حدود تجربة فردية واحدة. الموضوع حاضر في ظاهر النص، أما في أعماقه فتدور الحكاية حول صاحب المقال نفسه.

الكتابة الجيدة تحمل دائماً أثراً من صاحبها، فالأفكار لا تولد في الفراغ، والتجارب الشخصية تمنح النص حرارة وصدقية. غير أن الأمر يختلف حين تتحول الذات إلى مرجعية مكتفية بنفسها، تستدعي العالم لكي يؤكدها، وتستحضر الوقائع لكي تعزز صورتها، وتنتقي من الأحداث ما ينسجم مع أحكامها المسبقة. عندئذ تتراجع الأسئلة، ويتقدم اليقين. تضيق مساحة الاكتشاف، وتتسع مساحة التأكيد.

يبدو أن النشر المنتظم وما يرافقه من شعور بالحضور والاعتراف يصنع أحياناً وهماً خفياً. يبدأ الكاتب بالنظر إلى صورته العامة أكثر مما ينظر إلى موضوعاته. ومع مرور الوقت تنشأ علاقة ملتبسة بينه وبين تلك الصورة. يكتب لكي يحافظ عليها، ثم يكتب لكي يكررها، ثم يكتب من داخلها. وهكذا تتحول المقالة من مغامرة معرفية إلى تمرين متواصل على إعادة إنتاج الذات.

من هنا يمكن فهم كثير من الخلاصات العجيبة التي تملأ بعض المقالات. تجربة محدودة ترتدي هيئة قاعدة عامة. حادثة عابرة تكتسب وزن ظاهرة اجتماعية. مجموعة صغيرة من الأشخاص تصبح نموذجاً للبشر جميعاً. انطباع شخصي يظهر في صورة حقيقة نهائية. وفي كل مرة تتسع المسافة بين الواقع كما هو والواقع كما يراه صاحب المقال.

المفارقة أن الكاتب الأكثر عمقاً يكون غالباً الأقل اطمئناناً إلى أحكامه. فكل معرفة حقيقية تفتح أبواباً جديدة من الشك والتساؤل. وكل احتكاك جاد بالعالم يكشف مقدار تعقيده واستعصائه على الاختزال. لذلك تحمل الكتابة الناضجة قدراً من التواضع المعرفي، وتفسح مكاناً للأصوات الأخرى وللاحتمالات المتعددة ولما لا يعرفه الكاتب بقدر ما تعرفه خبرته.

أما في مقالات كوكب الذات فالأمر يجري على نحو مختلف. العالم كله يتحول إلى مادة خام لتأكيد الأنا. الوقائع تؤخذ بقدر ما تخدم الفكرة المسبقة. الأشخاص يظهرون بقدر ما يعززون الرواية الشخصية. الأحداث تمر عبر مصفاة ضيقة قبل أن تصل إلى الصفحة. وفي نهاية المطاف يخرج القارئ بمعرفة إضافية عن الكاتب، بينما تبقى القضية التي جاء من أجلها في مكانها الأول.

لهذا تبدو بعض المقالات متنوعة في موضوعاتها، متشابهة في جوهرها. لكل مقال عنوان مختلف، ولكل مناسبة اسم جديد، غير أن النص العميق الكامن خلف هذه العناوين جميعاً يظل النص نفسه. الكاتب حاضر في المقدمة، حاضر في التفاصيل، حاضر في الاستنتاجات، حاضر في الخاتمة. حتى ليخيل للقارئ أن العالم بأسره لم يعد سوى هامش طويل يدور حول سيرة ذاتية لا تنتهي.

وحين تبلغ الكتابة هذه المرحلة، تفقد إحدى أهم فضائلها: القدرة على الخروج من حدود صاحبها. فالكتابة وُجدت لكي توسّع العالم أمام الإنسان، لا لكي تختصر العالم في إنسان واحد. وعندما تصبح الأنا مقياس الأشياء كلها، تتحول المقالة من نافذة على الحياة إلى غرفة مغلقة لا يرى القارئ فيها سوى صاحبها، جالساً في المركز، يروي الحكاية نفسها بعناوين مختلفة. 

***

بولص آدم 

 

من وحي ندوة المعهد العالمي للتجديد العربي

برهن ابن خلدون على تمييز الإنسان عن سائر الكائنات الحية بالعقل والقدرة على التفكير، من حيث إن الإنسان في طبيعته هو كائن مفكر، «لا يفتر عن الفكر طرفة عين، بل إن اختلاج الفكر أسرع من لمح البصر»، وعن هذا الفكر تنشأ العلوم.

ويشرح خصائص تعليم العلوم، وكيف أن العلم من جملة الصنائع، وأن الحذق في العلم والتفنن فيه والاستيلاء عليه إنما هو بحصول ملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله، ويميز بين العلم الذي هو ملكة أرفع من الفهم والوعي المشترك (وأيسر طرق هذه الملكة فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية، فهو الذي يقرب شأنها ويحصل مرامها)، وبين التلقين، معدًّا هذا الأخير غير داخل في طبيعة العلم.

ثم انتقل ابن خلدون لبيان كيف أن العلوم لا تزدهر إلا بازدهار الحضارة ورسوخها، وتخرب بخراب العمران والمدن والحضارة. وينتقد وهم الاعتقاد بأن ازدهار العلم في المشرق العربي وضعفه في المغرب إنما يعود إلى أن عقول أهل المشرق أكمل من عقول أهل المغرب بالفطرة، ويعيد ذلك التفاوت إلى أسباب تاريخية، إذ «تكثر العلوم حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة».

وفي سياق التناول الدقيق لسوسيولوجيا العلم، يصف ابن خلدون وضع العلوم في المغرب العربي والشمال الأفريقي في ضوء منهجية مقارنة مع المشرق العربي، الذي هو أرسخ في صناعة تعلم العلم، وأن العلم والتعليم إنما هو بالقاهرة من بلاد مصر، لما أن عمرانها مستبحر وحضارتها مستحكمة منذ آلاف السنين.

إن النظرة الثاقبة في تحليل ظاهرة العلم وتفسيرها تجعل ابن خلدون رائدًا لسوسيولوجيا المعرفة العلمية التي لم تظهر إلا في القرن العشرين.

يصعب الإحاطة بأبعاد الثورة المنهجية الخلدونية دون الإلمام بالمستوى الذي بلغته المعرفة العلمية في عصره، وموقف ابن خلدون منها. فقد وجدناه يمتلك وعيًا عميقًا بالحدود التي وصلت إليها المعرفة العلمية وتاريخ تطورها منذ أقدم العصور.

وهذا ما يشف عنه تصنيفه الدقيق للعلوم وخصائصها، فقد رأى «أن العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار تحصيلًا وتعليمًا هي على صنفين: صنف العلوم العقلية، وصنف العلوم النقلية الوضعية، وهذه الأخيرة مسندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي، ولا مجال فيها للعقل إلا في الفروع».

* العلوم الشرعية النقلية تشتمل على: علوم القرآن من التفسير والقراءات، وعلوم الحديث، وعلوم الفقه، وعلم الفرائض، وعلم أصول الفقه ومذاهبه، وعلم الكلام الذي يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية والرد على المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات عن مذاهب السلف وأهل السنة، وسر هذه العقائد الإيمانية هو التوحيد. ثم علم التصوف وعلم تعبير الرؤيا، والعلوم الشرعية تعد علومًا تختلف من ملة إلى أخرى.

* العلوم العقلية: التي هي طبيعية للإنسان من حيث هو كائن عاقل مفكر، فهي علوم لجميع أفراد النوع الإنساني، ومنها علم المنطق، وعلم الهندسة، وعلم الهيئة، والفلك، وعلم العدد، وعلم الموسيقى، والطبيعيات، وعلم الطب، وعلم الفلاحة، وعلم الإلهيات، وعلوم السحر والطلسمات، وعلم أسرار الحروف.

أما الفلسفة فتكمن أهميتها في ثمرة واحدة، وهي شحذ الذهن في ترتيب الأدلة والحجاج لتحصيل ملكة الجودة والصواب في البراهين، فهي أصح ما علمناه من قوانين الأنظار.

ويرى توبي أ. هف في كتابه «فجر العلم الحديث» أن بنية الفكر والعواطف في الإسلام في القرون الوسطى، بشكل عام، كانت ذات طبيعة جعلت طلب العلوم العقلية وعلوم الأولين أمرًا يثير الشكوك.

إشكالية البحث في المنهج الخلدوني:

للمنهج الخلدوني طبيعته المزدوجة شكلًا ومضمونًا ووظيفة، إذ إنه منهج ينطوي على لحظتين أو بعدين: البعد النقدي والبعد البنائي؛ الأول سلبي والثاني إيجابي. هذا من جهة، ومن جهة أخرى نلاحظ أن الطبيعة التركيبية للمنهج الخلدوني، التي جعلت منه بنية مغلقة شديدة التعقيد، ومن ثم عسير الفهم والتنميط، تكمن في كون ابن خلدون قد جمع بين ميادين تاريخية واجتماعية وأنساق معرفية متنوعة وموضوعات مختلفة كالتاريخ والفلسفة والعلم والدين، والاجتماع والأنثروبولوجيا والسياسة، وعلم النفس والفراسة والأدب والجغرافيا والأخلاق والمنطق، والتصوف وتفسير الأحلام والاقتصاد والفلك… إلخ.

إن هذه الصفة الموسوعية للمقدمة، من حيث تنوع الموضوعات المدروسة، ومن ثم تنوع النظريات التي تفسرها، لا ريب أنها تطلبت عدة طرائق منهجية مختلفة، كالمنهج التجريبي الاستقرائي، والمنهج الاستنباطي، والمنهج الجدلي التاريخي، والمنهج الوصفي، والمنهج المقارن، والمنهج التقليدي في «الجرح والتعديل» والقياس، والمنهج الحدسي التصوري، والمنهج الأنثروبولوجي، والتحليل والتركيب.

غير أن هذا التنوع النظري والمنهجي البادي في المقدمة ينبغي ألا يحول دون قدرتنا على التمييز الدقيق بين الطرائق والأدوات المنهجية التي استخدمها ابن خلدون في دراسة موضوعاته المتنوعة المتباينة وتفسيرها، وبين المنهج النقدي التاريخي الذي تسمح بنيته العقلية المفتوحة باستيعاب عدد من الطرائق المنهجية المختلفة، فهذا المنهج هو الإطار المنهجي العام والشامل الذي اعتمده ابن خلدون في فلسفته التاريخية الاجتماعية.

وقد اختلف الدارسون والنقاد بشأن منهجه كما اختلفوا في شأن نظريته وسلوكه. فمع ابن خلدون نجد أنفسنا إزاء شخصية نأت بنفسها عن كل تصنيف أو تنميط مدرسي تقليدي بقالب ضمن مذهب أو تيار أو اتجاه أو مدرسة فكرية. إذ لا يمكن حتى تحديد تخصصه الدقيق، إنه مفكر ناشز متمرد على أنماط القولبة والتأطير في أي من القوالب والأطر الجاهزة أو الأنماط المألوفة. فهو مؤرخ، وعالم اجتماع، وفيلسوف في التاريخ، وعالم بالأنثروبولوجيا، ومفكر سياسي، وعالم نفس، وفيلسوف في التربية والتعليم، وجغرافي، وعالم في الاقتصاد السياسي. فضلًا عن ذلك هو فقيه وقاضٍ ومربٍ وعالم في اللاهوت والتصوف، وهو الأشعري-المعتزلي-السني ذو الميول الشيعية، وهو الأديب الشاعر والمستشار والدبلوماسي، وهو المثقف السياسي، حامل القلم والسيف، الجبان الشجاع، وهو كذلك محب المنصب والجاه من ناحية، ومحب الدرس والعلم من الناحية الأخرى. وهو كذلك المخلص الخائن، والعصامي الوصولي، والنزيه الانتهازي، والحصيف المتهور، والمتواضع المتكبر، والجاد المتهتك، والعنيف المسالم، والحازم اللين، والقاسي المرن، والسهل الممتنع، والمتشائم المتفائل، والرحالة المستقر، والعربي الأصل البربري الثقافة، والمغربي التكوين المشرقي الهوى، والتونسي المولد القاهري الوفاة، وغير ذلك من المواقف والمواقع والمتناقضات التي سارت عليها حياة ابن خلدون الخاصة والعامة، الفكرية والعاطفية، والثقافية والسياسية، والنظرية والمنهجية، وربما كان ذلك هو سر العبقرية، كما ألمح إلى ذلك المستشرق الفرنسي أم سيرية بقوله: «إن مؤلف الكتاب المعروف بالمقدمة لا يزال شبه لغز من ألغاز علم النفس، فطبيعته المزدوجة، والبون الشاسع بين عقائده وتصرفاته، والتباين بين محاولاته في الإصلاحات الاجتماعية ومخالفته للنظم الاجتماعية، وبين نظرته للمصلحة العامة وأنانيته الظاهرة، وبين عدم تحيزه في البحث العلمي وتفضيل نفسه على الآخرين تفضيلًا صارخًا، وبين أفقه الواسع الرحب وكونه مزهوًا بنفسه، كل هذه المتناقضات في رجل هو في ذات الوقت عالم وقور وأديب طموح، إذ ترك لكتاب سيرته الشخصية مهمة صعبة شاقة، وأغلب هذه المتناقضات، مع هذا، يمكن عزوها إلى طبيعة العباقرة المزدوجة».

من هنا تكمن إشكالية دراسة ابن خلدون، فهو في سلوكه ومنهجه وفلسفته وعلمه نسيج كامل من المتناقضات يجعلنا بإزاء فكر شديد الوعورة، وفلسفة شديدة التعقيد، ومنهج محفوف بالمزالق. وقد وجدناه، بعد تمحيص وتقصٍّ لتاريخه، عصيًا على التعريف والضبط؛ فلا هو مؤرخ محترف، ولا فيلسوف متسق، ولا عالم اجتماع متخصص، ولا عالم اقتصاد، ولا مفكر سياسي، ولا مروج أساطير، ولا تأملي ولا مادي. كما أن منهجه أيضًا ليس بمنهج علمي تجريبي، أو منهج تأملي استدلالي، أو حدسي عرفاني، أو عقلي برهاني، بل هو منهج يعيش على تخوم كل هذه المناهج المعرفية المتنوعة المتباينة، ويلامس شواطئها من غير أن يغوص أو يغرق في قاع أي منها.

لقد بدا فيلسوف القرن الرابع عشر على هذا النحو نسرًا يحلق بعيدًا عن السرب، فهو نسيج وحده، متفرد اللحن والنغم، وهذا هو ما جعله مثار اهتمام شرائح واسعة من الدارسين والمهتمين من مختلف التخصصات والأنساق المعرفية المتعددة. فكل وجد فيه التخصص الذي يعنيه، وكل راح يؤوله بما يؤوله تخصصه الضيق؛ فهو عند الفلاسفة مبدع فلسفة التاريخ، وعند علماء الاجتماع مؤسس علم الاجتماع، وعند المؤرخين مؤرخ بارع، وعند السياسيين مفكر سياسي راسخ، وعند التربويين عالم من علماء التربية الكبار… إلخ.

وهنا نجد تفسيرًا لذلك السيل المتدفق من الكتابات والدراسات والآراء والأفكار التي كتبت على مدى القرنين الماضيين في الغرب والشرق عن ابن خلدون وفكره ومنهجه.

ومع كثرة ما كتب عنه، فقد كان لافتًا لنظرنا شح الدراسات النقدية التي تناولت منهجه بالدرس والتحليل، ولعل هذا هو ما   حفزنا للبحث في المنهج النقدي العقلاني عند ابن خلدون.

***

ا. د. قاسم المحبشي

من المفهوم إلى التشخيص إلى الفعل

فرش اشكالي: في محضنه اللغوي الأول، عربياً كان أم اعجميا، لم يكن الدرس الفلسفي يوماً درساً محايداً أو بريئاً. إنه في جوهره، ابن صراع الأضداد الذي أدركه هيراقليطس، درس محكومٌ بقانون الهدم والبناء: يهدم سذاجة الرأي، غثاء الأحكام المتسرعة، غباء التسليم الأعمى...، وكل ما يجعل العقل عبداً لما ينبغي أن يكون سيداً عليه. وفي الآن نفسه يبني الإنسانَ في أبعاده الثلاثة: فكراً، وقولاً، وفعلاً، وهو بهذا المعنى لا يمثل بناءً نظرياً مجرداً، بل بناءً يطال الذات في صميم وجودها الأخلاقي والعقلي ذات واعية مدركة لنفسها وللذوات الأخرى فاعلة وملتزمة.

هذا الدرس لا يمكن أن يحيا إلا بما سمّاه القدماء برغبة الايروس: تلك المحبة العاقلة التي تجمع المعلم والتلميذ في صداقةٍ حول الحقيقة فالفلسفة عند هايدجر ليست حب الحكمة بقدر ما هي حكمة الحب. ولا يستقيم هذا الدرس إلا بدافع الايتوس: ونعني به الالتزام الأخلاقي بألا يكون الدرسُ سلطةً تُمارس على العقول، بل فضاءً تُحرر فيه.

لكن هذا المعنى الأصيل للفعل الفلسفي، أصابه الانحراف في واقعنا. فما كان يفترض أن يكون فضاءً للحوار والصدام المنتج، صار فضاءً للصمت والامتثال. وما كان يفترض أن يبني الذات النقدية، صار ينتج ذواتٍ مستسلمة خائفة لا تجرؤ على السؤال. وما كان يفترض أن يعلّم التواضعَ أمام تعقيد الحقيقة، تحول إلى آلةٍ لتوزيع المقالات المعلّبة. وبين الأصل الفلسفي والواقع التعليمي، انفتحت فجوة عميقة، صارت أشبه بجرح مفتوح في جسد الثقافة والتعليم وهنا نتساءل:

- إذا كان الدرس الفلسفي في جوهره هدمٌ للسذاجة وبناءٌ للإنسان فكراً وقولاً وفعلاً، فكيف تحوّل في واقعنا التعليمي إلى درسٍ يهدم الثقة بالعقل ويبني الامتثال للقوالب الجاهزة؟

- أين تكمن لحظة الانحراف التي جعلت الفلسفة تعلن تحرير العقل وتمارس تلقينه، وتدّعي السؤال المفتوح وتفرض الجواب؟

- كيف نفسّر هذا الانفصام المزمن بين غايات الدرس الفلسفي وآليات إنتاجه الفعلية؟

- لماذا تغيب عن هذا الدرس أسئلةُ التلميذ الحارقة التي تمس وجوده المشخَّص، ليحل محلها "مشكل زائف" لا يربك ولا يحفز ولا يحرر؟

- هل يمكن الحديث عن أزمة درسٍ أم عن أزمة ثقافة ونسق كامل؟

- وكيف السبيل الى تجاوز حالة التأزم؟

في مفهوم الدرس الفلسفي واشكال تحققه التاريخي

ليس المقصود بالدرس الفلسفي المادة المعرفية التي يلقنها المعلم للمتعلم، بل الفعل الفلسفي نفسه حين يصير تعلُّماً وتعليماً، وحين يصير لقاءً بين سائل ومجيب في أفق الحقيقة. انه فضاء ينفتح على ثلاثة شروط:

- حضور سؤال حقيقي يمس الذات والعالم.

- حضور آخر يُصغي ويُسائل ويدفع إلى التدقيق.

- حضور الإيروس بمفهومه الافلاطوني والإيتوس (الالتزام الأخلاقي)

هذا المفهوم لايشكل نظرة طوباوية او نزوعا نحو المثالية بل تجربة ممكنة التحقق وقد تجسد هناك في شوارع أثينا في الاغورا هناك حوَّل السوفسطائيون الشارعَ الأثيني إلى درس فلسفي مفتوح، فالإنسان في فلسفتهم هو مقياس الأشياء كلها يستطيع أن يفكر في كل شيء: في الآلهة، في القوانين، في اللغة، في الأخلاق. لقد كان هذا اتساعاً جريئاً للعقل خارج الوصايات. ثم جاء سقراط ليضيف إلى هذه الجرأة شرطاً آخر: الشجاعة الأخلاقية. لم يكتفِ بتعليم التفكير، بل علّم بالموت أن الفلسفة التزامٌ حتى آخر رمق. في هذا اللقاء بين جرأة السوفسطائي وشجاعة سقراط، وُلد الدرس الفلسفي بوصفه فضاءً لا يُعلِّم أجوبةً، بل يُعلِّم كيف يقف الإنسان على قدميه فكراً وخُلُقاً. ولم يكن الدرس الفلسفي في أثينا محصوراً في حلقة أفلاطون أو رواق زينون. لقد تسرَّب إلى الشعراء (فكروا في أسئلة الوجود في الملاحم والتراجيديات) فكانت اللغة عندهم هي بيت الكينونة، وإلى النحاتين (الذين صوَّروا في الرخام فكرة الجمال والحقيقة)، و المسرحيين (الذين جعلوا الخشبة مختبراً للصراع الأخلاقي)، وإلى السياسيين (الذين جلبوا السؤال الفلسفي إلى الأغورا). وهذا يعني أن الدرس الفلسفي تحقق أيضاً بوصفه "غيرية كريمة": لم يظل حبيس الفيلسوف المحترف، بل فتح ذراعيه للفن والأدب والسياسة، فاغتنى بها وأغناها. كان درساً يسير في الشوارع، يُرى في التماثيل، ويُسمع في الأبيات، ويُختبر في القرار السياسي.

و في الحضارة العربية الإسلامية، وجد الدرس الفلسفي متسعاً آخر: المجلس. في "الإمتاع والمؤانسة" لأبي حيان التوحيدي، حيث يتسامر الأصدقاء في مسائل العقل واللغة والوجود والأخلاق....، تمتزج فيها الجدية بالظرف، والحجة بالنادرة، والعمق بالبساطة. هنا صار الدرس الفلسفي مؤانسةً، لا لأن الفلسفة فقدت صرامتها، بل لأنها ربحت الحياة. الفكر لم يعد مرهقاً يُؤدَّى فرضاً، بل صار لذةً تُطلَب حباً. هذا هو الإيروس في أجلى صوره. أما إخوان الصفا في القرن الرابع الهجري، فقد قدموا نموذجاً آخر: الدرس الفلسفي بوصفه موسوعةً يشارك فيها جمع لا فرد. لم يكن الواحد منهم هو المعلم المطلق، بل كانوا جماعة تتدارس الرياضيات والمنطق والطبيعة والإلهيات والموسيقى والأخلاق، بهدف تطهير النفس وتحريرها بالعلم. في رسائلهم نرى أن الدرس الفلسفي الأصيل يتسع للمعرفة كلها، ويجمع بين العقلي والروحي، ويُمارَس في أخوّة تُذكِّر بالإيتوس في معناه الرفيع: التزامٌ أخلاقي بأن تكون الحكمة للجميع، لا حكراً على أحد.

هذا هو المفهوم الذي سنحمله معنا الآن، لنرى كيف انحرف في واقع الدرس الفلسفي في الجزائر، حتى صار ضده. بين هذا التحقق التاريخي وما سنعاينه من أزمة، تنفتح هوة هي موضوع مقالنا كله.

حين ينقلب المفهوم على نفسه

عندما ننظر إلى واقع الدرس الفلسفي في جزائر اليوم، لا نرى أثراً حياً لتلك المساحات الرحبة التي أثبتناها. ما نراه هو انقلابٌ كاملٌ للمعنى، يمكن تبيّنه في أربعة انقلابات تقابل المحطات التي وقفنا عندها:

الانقلاب الأول: من فضاء السؤال إلى سجن الجواب

حيث كان السوفسطائي وسقراط يفتحان للعقل فضاءَ الجرأة والشجاعة معاً، نجد درسَنا اليوم يغلق هذا الفضاء بإحكام. السؤال الحقيقي الذي يربك ويحرر، صار ممنوعاً ضمنياً؛ ليس بقانون مكتوب، بل بآلية أشد خبثاً: الامتحان. التلميذ لا يسأل لأنه يريد أن يعرف، بل لأنه يريد أن يجيب. والأستاذ لا يعلّم السؤال، بل يعلّم تقنية الجواب النموذجي. لقد انتقلنا من درسٍ يعلّم الشجاعة على مواجهة المجهول، إلى درس يُدرّب على الخوف من الخروج عن المألوف. الفلسفة التي علّمت بالموت ألا تراجع، صارت تُدرَّس بالخوف من الرسوب.

الانقلاب الثاني: من غيرية كريمة إلى عزلة عقيمة

وحيث كانت الفلسفة في أثينا تنفتح على الشاعر والنحات والمسرحي والسياسي في غيرية كريمة، صار درس الفلسفة في جزائر اليوم معزولاً في قوقعة "المادة الدراسية". أي حوار بين الفلسفة والأدب الجزائري؟ وأي اتصال بينها وبين التشكيل أو المسرح أو السينما؟ وأي مساءلة للخطاب السياسي اليومي؟ لا شيء من ذلك. الدرس الفلسفي صار معزولاً عن الثقافة الحية، لا يلامسها ولا تلامسه. صارت الفلسفة مادة تُقرأ في القسم وتُنسى في الشارع، بينما كانت في الأصل نسيجَ الحياة العامة.

الانقلاب الثالث: من مؤانسة المحبة إلى عنف التلقين

في مجالس التوحيدي، كان الدرسُ مؤانسةً، والفكرُ لذةً، والحقيقةُ مطلوبةً حباً. أما في قسم الفلسفة اليوم، فالدرسُ واجب ثقيل، والحقيقةُ مفروضة من خارج، واللذةُ غائبة إلا لذةَ النجاح في الامتحان. الإيروس (المحبة) التي كانت تجمع المعلم والتلميذ حول السؤال، استُبدلت بعلاقة رأسية من الأعلى إلى الأسفل: المعلم يملِك الأجوبة، والتلميذ وعاءٌ يملؤه. هذا عنف رمزي يقتل الفلسفة في مهدها، لأن الفلسفة لا تُقبَل هبةً ولا تُؤخذ سلطةً، بل تُكتشف محبةً.

الانقلاب الرابع: من موسوعية إخوانية إلى اختزال مقرري

وعوض الموسوعية الجماعية التي بشّر بها إخوان الصفا، حيث تتحد المعرفة كلها في سبيل تطهير النفس وتحريرها، نجد درس الفلسفة اليوم مختزلاً إلى "برنامج" محدود الساعات، مقسّم إلى وحدات، يُدرَّس بوتيرة ميكانيكية، ويُقوَّم في امتحان لا يقيس إلا قدرة الحفظ وإعادة الإنتاج. الفلسفة التي كانت حياةً كاملة، صارت "مادة" كغيرها من المواد، تُحصى حصصها، وتُعدل معاملاتها، وتُختصر في "مقال" له مقدمة وعرض وخاتمة. الموسوعي صار مقررياً، والجماعي صار فردياً معزولاً، والتحرري صار انتقائياً.

هذا الانقلاب ليس جزئياً ولا عرضياً. إنه انقلاب جوهري يجعل الفلسفة تنقلب على معناها الأصيل. ما يُدرَّس اليوم باسم الفلسفة هو، في العمق، نقيضها: إنه تدريب منهجي على الامتثال، وقتل للسؤال، وإطفاء للإيروس، وتجفيف للإيتوس. الدرس الفلسفي في الجزائر يعاني من "انفصام بنيوي مزمن" لأنه يدّعي غاية هي تحرير العقل، بينما آليات إنتاجه وتداوله وتقويمه كلها مصمَّمة لإنتاج نقيض هذه الغاية.

معالم الأزمة

المعلم الأول: الغياب — الفلسفة تفقد موضوعها (الإنسان الحي)

في صميم الدرس الفلسفي كما تحقق تاريخياً، كان هناك إنسان حاضر بجسده وهمومه ومصيره. سقراط في الأغورا يسائل صانع الأحذية والسياسي؛ والتوحيدي في مجلسه يؤانس من كان حاضرا في مجلس المناظرة بأسئلة تمس حياتهم؛ وإخوان الصفا يتدارسون المعرفة لتطهير نفوس هم بشر من لحم ودم. هذا الإنسان الحي، المتشخَّص، المثقل بأسئلة الوجود والموت والمعنى، هو "موضوع" الفلسفة الأول والأخير. في مقابل ذلك درس الفلسفة في جزائر اليوم، يغيب هذا الإنسان. ولا نعني بذلك الغياب المادي، فأقسام الدروس الخصوصية والجامعات مملوءة بالتلاميذ. انه غياباً آخر: غياب أسئلتهم الحارقة عن الدرس، غياب وجودهم المشخَّص عن المفهوم الذي يُدرَّس. حين يُشرح محور "الحق والواجب والعدل" او الحرية والمسؤولية مثلاً، لا يلتقي الدرسُ مع تلميذ يعيش تناقضات الحرية يومياً: في البيت، في الشارع، في علاقته بالسلطة السياسية والدينية. حين يُدرَّس "الغير"، لا يُسأل التلميذُ عن غيريته هو: عن تمزقه بين لغات (العامية، الفصحى، الأمازيغية، الفرنسية)، عن نظرته إلى المهاجر الإفريقي في شارعه، عن علاقته بالآخر المختلف مذهبياً أو ثقافياً. وحين يُعالج "العمل"، لا يُربط ذلك بشبح البطالة الذي يطارد وعيَه، ولا بصور الهجرة غير الشرعية التي تملأ شاشاته.

هذا الغياب ليس صدفة ولا سهواً، بل هو أثر بنيوي لانقلاب المفهوم: فحين صار الدرس مقرراً مؤقتاً بامتحان، تعيّن أن تكون "المفاهيم" مجردة بما يكفي لتُقوَّم قياسياً. والتجريد هنا يعني، بالضرورة، إفراغها من الإنسان الحي الذي تسكن فيه. هكذا يتحول التلميذ إلى شبح في درس الأشباح: يكتب عن الموت ولا يفكر في موته هو، ويكتب عن الدولة ولا يسأل عن دولته، ويكتب عن الأخلاق ولا يُختبر في خلقه.

ولكي يتضاعف الغياب، يغيب الأستاذ أيضاً بوصفه إنساناً حياً. فهو مطالب بأن يكون ناقلاً أميناً للمقرر لا شاهداً على أسئلته هو. لا يُسمح له بأن يقول لتلاميذه: "هذا المفهوم يربكني أنا أيضاً"، ولا أن يعترف بأن سؤال التلميذ فتح له أفقاً لم يفكر فيه. الأستاذ الحي يتحول إلى "صوت للبرنامج"، كما تحول التلميذ الحي إلى "يد تكتب المقال".

وهكذا يتم الدرس في فراغ وجودي هائل: يتحرك المفهوم في فلك ذاته، ويعيش التلميذ في فلك آخر، وبينهما جدار من الزجاج السميك؛ يرى كل منهما الآخر دون أن يلمسه. هذا هو "معلم الغياب": ألا تلمس الفلسفةُ الحياة، وألا تُسأل فيها الأسئلة التي توجع وتشغل وتحرك.

المعلم الثاني: الامتحان القاتل - حين يصير التقويم بروكروستياً

إذا كان الغياب هو أثرُ المؤسسة على المحتوى الحي للدرس، فإن الامتحان هو أداتها المركزية لفرض هذا الغياب وتعميقه. الامتحان، في الأصل، لحظة حقيقة: لحظة يختبر فيها التلميذ قدرته على مواجهة سؤال فلسفي بذاته. لكنه، في واقع الدرس الجزائري، تحوّل إلى "طقس بروكروستي" (نسبة إلى سرير بروكروست الأسطوري الذي كان يمدد الضيوف أو يبترهم ليلائموا سريره).

"سرير بروكروست" هنا هو "المقال الفلسفي الجاهز": نموذج صارم له مقدمة وعرض وخاتمة، له عدد محدد من العناصر، له لغة بعينها (لا لغة التلميذ الحية)، له طريقة قياسية في طرح المشكل وحلّه. وبدل أن يكون هذا القالب أداة لتنظيم الفكر، صار سريراً يُبتَر عليه الفكرُ إن زاد، ويُمطَّط إن نقص، حتى يلائم القياس.

هكذا ينتج الامتحان "فوضى الدال وعقم المدلول"، كما وصفها أحد المحللين: يكتب التلميذ كلمات فلسفية كبرى (الحرية، العقل، الواجب، الوعي...) ولكنها فارغة من أي مدلول معيش، لأن المطلوب ليس أن يفكر في الحرية بل أن يعيد إنتاج الدرس عن الحرية. ويكتب "مقدمة" تطرح "الإشكالية"، لكنها إشكالية مزيفة لأن الجواب معروف مسبقاً، ومحفوظ في الكراس. السؤال الحقيقي الذي يربك ويحرر ويحفز على البحث غائب، وحلّ محله "المشكل الزائف" الذي يجيب عنه التلميذ بالحفظ لا بالفهم.

والأخطر من هذا كله أن الامتحان تحول إلى أداة عقاب للخارجين عن القالب. التلميذ الذي يجرؤ على التفكير بطريقة شخصية، بلغة تخصه، بمنطق يبنيه هو لا يُكافَأ، بل يُعاقَب بنقطة متدنية لأنه لم يحترم "المنهجية". وهكذا يتعلم التلاميذ، جيلاً بعد جيل، أن التفلسف خطر على المستقبل، وأن النجاح في الامتحان لا علاقة له بالتفكير. هذا هو الامتحان القاتل: ليس قاتلاً بمعنى أنه صعب، بل بمعنى أنه يقتل الفلسفة في صدر التلميذ، ويحولها من فعل تحرر إلى طقس امتثال.

المعلم الثالث: البيئة الحاضنة مسمومة

لا يُعزل درس الفلسفة عن البيئة الثقافية التي يتنفس فيها. وإذا تأملنا هذه البيئة، وجدناها تنضح بـ"كراهية الحكمة" بأشكال شتى. المجتمع الذي يُفترض أن يكون حاضناً للسؤال الفلسفي، صار يمجّ "الوصفة السحرية" ويحتقر التردد والالتباس. المتفلسف في المخيال الجمعي، شخصٌ ثرثار يعيش في الغيوم، لا "وليٌّ صالح" يحمل أجوبة مضمونة للنجاح. وهذا "الولي الصالح" موجود فعلاً، متجسداً في أستاذ الدرس الخصوصي الذي يوزع "الملخصات" الجاهزة، ويحفظ تلاميذه "المقالات النموذجية" عن ظهر قلب، ويرفع معدلاتهم في البكالوريا؛ فيُصبح هو "المنقذ" بينما يتحول أستاذ القسم الذي يحاول تعليم التفكير إلى شخص هامشي لا يُؤبه له.

هذه البيئة ليست محايدة. إنها "تربة مسمومة" تنمو فيها كل أمراض الدرس الفلسفي الأخرى. كيف تزدهر الفلسفة في بيئة لا تقرأ، أو تقرأ "المقالات الجاهزة" ولا تقرأ النصوص الأصلية؟ كيف تزدهر في بيئة لا تحترم السؤال، بل تريد الأجوبة سريعةً هشةً كالوجبات الخفيفة؟ وكيف تزدهر في بيئة تخلط بين "الحرية" و"الانفلات"، وبين "النقد" و"العدمية"، فلا هي تثق في العقل، ولا هي تريح صاحبه؟ إن الدرس الفلسفي هنا لا يسبح مع التيار، بل ضده. وأي أستاذ يحاول أن يُدرّس فلسفةً حقيقية يشعر بهذا التيار الجارف الذي يدفع تلاميذه -والمجتمع من ورائهم- نحو السؤال الوحيد: "ما الذي سيأتي في الامتحان؟"

المعلم الرابع: بؤس الجامعة

هنا نصل إلى ينبوع الأزمة العميق. قد يظن المرء أن الأزمة تنحصر في الطور الثانوي، لكن الحقيقة أن "أم الأزمات" تكمن في الجامعة. لقد تحولت أقسام الفلسفة في كثير من الجامعات، كما شخص الأمرَ بعضُ نقادها بعنف، إلى "مصنع لإنتاج موظفي الفلسفة" لا إلى "مشتل لإنتاج الفلاسفة".

الطالب الذي يدخل قسم الفلسفة يتعلم، في الغالب، كيف يجتاز الامتحانات، وكيف يحفظ الشروح، وكيف يتقن الصراعات المفاهيمية العقيمة التي تدور في فلكها وتحوم حول ذاتها. لكنه نادراً ما يتعلم كيف يكون فيلسوفاً؛ أي كيف يواجه نصاً أصلياً مواجهة حرة، وكيف يبني سؤالاً بحثياً أصيلاً، وكيف يكتب فلسفةً لا تقريراً عن الفلسفة.

ثم يتخرج هذا الطالب أستاذاً في الثانوي، فيحمل معه المرضَ نفسه الذي أصابه: يفهم أن "النجاح" في درس الفلسفة هو في حفظ القوالب لا في كسرها، وفي إعادة الإنتاج لا في الإبداع. هكذا يصير الأستاذ "البروكروستي" ضحيةً قبل أن يكون جلاداً. إنه يُمارس على تلاميذه ما مارسته عليه الجامعة. وبدل أن تكون الجامعة "ضميراً" للدرس الفلسفي وسنداً له، صارت طرفاً أساسياً في إعادة إنتاج "فقر الدم الفلسفي" ذاته. وما لم ينكسر هذا الإسفين في الجامعة، فكل إصلاح في الثانوي سيكون ترقيعاً فوق جرح غائر.

المعلم السادس: التنظير في وادٍ والممارسة في وادٍ آخر

هذا المعلم هو الخيط الناظم الذي يربط كل ما سبق. إنه "الانفصام المدوي" بين ما تقوله الوثائق الرسمية وما يحدث في قاع القسم.

تقرأ "دليل بناء الاختبارات" أو "المناهج الطموحة"، فترى كلاماً جميلاً عن "التفكير النقدي"، و"الحوار"، و"بناء المواطن الصالح"، و"التفتح على العالم". لكنك في القسم ترى العكس تماماً: تلقيناً، قمعاً، خوفاً، ومقالاً جاهزاً. هذه هي "الكذبة الممنهجة" التي تحدثنا عنها: أن ندّعي أننا نعلّم التفكير النقدي بينما كل جهازنا التعليمي مصممٌ لقمع كل أثر للتفكير النقدي الحقيقي.

إنه "الفعل المزدوج" بعينه: خطاب حداثي طموح يخاطب اليونسكو والتقارير الدولية، وممارسة بيروقراطية متخشبة تخاطب الامتحان ومعدلات النجاح. والتلميذ هو ضحية هذا الانفصام، لأنه يُربى على أن "النفاق المعرفي" هو القاعدة: قل شيئاً وافعل شيئاً آخر، اكتب في ورقة الامتحان أنك تحب الفلسفة وأنت تكرهها في أعماقك لأنها تحولت إلى كابوس.

هذه الديناميكية المفرغة بين هذه المعالم الستة تنتج "البؤس" و"العقم" و"فوضى الدال" التي تملأ أقسامنا: كلمات فلسفية ضخمة تدور في الفراغ، بلا بشر، بلا حياة، بلا أسئلة حقيقية.

تجاوز الأزمة من التشخيص إلى الفعل

أمام هذا التشخيص القاتم، هل من مخرج؟

إن المخرج لا يمكن أن يأتي من "فوق"، من إصلاح وزاري هش تطارده التناقضات نفسها. المخرج يبدأ من "تحالف نقدي" يُبنى في الفراغات التي لا تراها المؤسسة. إنه "فعل كلام" يفضح الكذبة الممنهجة، ويبني درساً موازياً حيثما وجد متسع.

أولاً: فضح "الكذبة الممنهجة"

تحويل الامتحان من طقس سري إلى حدث فكري عمومي. أن يُنشر سؤال البكالوريا في اليوم ذاته، ويُناقش علناً: هل هو سؤال حقيقي؟ هل يسمح بالتفكير؟ أم هو "سرير بروكروست" آخر؟ هذا الفعل البسيط، الذي مارسه بعض النقاد بشجاعة، يضرب جوهر الأزمة في مقتل.

ثانياً: بناء "درس موازٍ"

لا ننتظر الإذن. ننشئ ورشات فلسفة في المكتبات العامة، ودور الثقافة، ونوادي في الثانويات، خارج إكراهات البرنامج والامتحان. نستعيد "ليالي الإمتاع والمؤانسة" في مقاهينا الفكرية، ونحوّل الفلسفة إلى حدث ثقافي وليس مادة دراسية. التجارب المغاربية والدولية في "فلسفة الأطفال" و"المقاهي الفلسفية" تقدم نماذج عملية جاهزة للتطويع.

ثالثاً: خلق ذاكرة نقدية وفضح النماذج

توثيق التحليلات النقدية للامتحانات، ونشر نماذج لدروس فلسفية حية، ومقارنة أسئلتنا بأسئلة دول أخرى تحترم العقل الفلسفي. هذا يُراكم وعياً ويجعل كل جيل يبني على ما سبقه، بدل أن يبدأ من الصفر.

رابعاً: كسر العزلة والانفتاح اللغوي والمعرفي

الاستفادة من المنصات الرقمية (يوتيوب، بودكاست) لنشر محتوى فلسفي هادف بالعربية واللغات الأخرى التي يجيدها التلاميذ. ترجمة نصوص أساسية، واستضافة فلاسفة، وفتح نقاش حولهم. هذا يحرر الدرس من سجن اللغة الواحدة والمرجع الواحد، ويُسمع التلميذَ أصواتاً فلسفية حية.

خامساً: "الخيانة المبدعة" للقالب

على الأستاذ أن يمارس، حيث يستطيع، "خيانة مبدعة": أن يترك مساحة لسؤال حر لا علاقة له بالامتحان، أن يعلّم منهجية المقال بوصفها أداة مؤقتة لا غاية، أن يقول لتلاميذه إنه مسموح لهم بأن يفكروا بطريقة لم تخطر له هو على بال. هذه أفعال صغيرة لكنها، إذا تكاثرت، تصنع تياراً مضاداً.

هذه الأفعال تحتاج إلى "فاعل نقدي" جديد، يتشكل من أساتذة يرفضون أن يكونوا سجانين، وأكاديميين يرفضون اللامبالاة، ومثقفين مستقلين، وتلاميذ يكتشفون متعة السؤال. هذا التحالف ليس وهماً. إنه موجود، لكنه معزول.

***

عمرون علي - الجزائر

يُعَدُّ التأثيل اللغوي من أرقى مباحث الدرس اللغوي وأدقِّها مسلكاً؛ إذ يتجاوز الوقوف عند ظاهر الألفاظ إلى التنقيب في أصولها البعيدة، وتتبع رحلتها عبر الأزمنة والأمكنة، والكشف عن التحولات الصوتية والدلالية التي طرأت عليها في مسيرتها التاريخية. فالكلمة ليست بناءً صوتياً جامداً، وإنما كائنٌ ثقافيٌّ حيٌّ يحمل في أعماقه آثار الحضارات، وشواهد التفاعل الإنساني، وملامح التطور الفكري والاجتماعي للأمم.

والتأثيل، وهو المقابل العربي للمصطلح الأوروبي Etymology ــ ( ايتيمولوجي) علمٌ يبحث في أصول الكلمات وأنسابها اللغوية، ويستقصي مسالك انتقالها بين اللغات، ويُعنى ببيان الصلات الخفية التي تربط بين الألفاظ المتباعدة ظاهرًا والمتقاربة أصلاً. أما الباحث المتخصص في هذا الميدان فيُعرف بالمؤثِّل اللغوي، وهو أشبه بالمؤرخ الذي يقرأ الوثائق القديمة، غير أن وثائقه هنا هي الكلمات ذاتها.

جذور التأثيل في التراث العربي:

وإن كان مصطلح التأثيل اللغوي حديث النشأة، فإن جوهره المعرفي ليس غريباً عن التراث العربي؛ فقد مارس علماء العربية الأوائل صوراً متعددة من البحث التأثيلي تحت عناوين مختلفة، مثل الاشتقاق، وفقه اللغة، وتعليل التسمية، والمعرَّب والدخيل، والنحت اللغوي.

لقد أدرك هؤلاء العلماء أن اللفظ لا يُفهم على وجهه الأكمل إلا بردِّه إلى أصله، وأن المعنى الراهن ليس سوى حلقة من سلسلة طويلة من التطورات الدلالية. ولذلك نجد الخليل بن أحمد الفراهيدي يبحث في أصول الأبنية اللغوية، وابن دريد يربط بين الكلمات وأصولها الاشتقاقية، وابن فارس يؤسس نظريته الشهيرة في «المقاييس» القائمة على ردِّ الألفاظ إلى أصول دلالية جامعة، في حين اهتم الثعالبي والجواليقي والسيوطي بدراسة الألفاظ الدخيلة والمعرَّبة، وكشفوا عن مسالك دخولها إلى العربية.

ولم يكن هؤلاء العلماء مجرد جامعي ألفاظ، بل كانوا مؤرخين للمعنى، يقرؤون في الكلمة تاريخها، ويستنبطون من بنيتها أسرار نشأتها وتطورها.

التأثيل اللغوي في الدراسات الحديثة:

مع نشأة علم اللغة المقارن في القرن التاسع عشر اتخذ التأثيل اللغوي طابعًا علميًا أكثر دقة ومنهجية. فقد وضع اللغويون الأوروبيون أسس المقارنة المنتظمة بين اللغات، واستندوا إلى قوانين صوتية ثابتة لا تقبل الاستثناء إلا بضوابط معلومة.

ومن أبرز رواد هذا الاتجاه فرانتس بوب الذي أسهم في تأسيس الدراسات الهندوأوروبية المقارنة، وياكوب غريم الذي صاغ قانونه الصوتي الشهير، وفرديناند دي سوسير الذي فتح آفاقًا جديدة لفهم البنية اللغوية وعلاقاتها التاريخية.

وبفضل هذه الجهود تحوّل التأثيل من ملاحظات متفرقة إلى علم قائم على الشواهد والنصوص والقوانين الصوتية والتاريخية، وأصبح قادرًا على إعادة بناء مراحل لغوية اندثرت منذ قرون طويلة.

منهج المؤثِّلين اللغويين:

يقوم التأثيل اللغوي على جملة من الأسس العلمية المحكمة، من أهمها:

- مقارنة الكلمة بنظائرها في اللغات ذات الصلة.

- دراسة التحولات الصوتية وفق قوانين ثابتة.

- تتبع أقدم الشواهد النصية للكلمة.

- تحليل تطورها الدلالي عبر العصور.

- الاستفادة من المعطيات التاريخية والحضارية والجغرافية.

فالكلمة لا تُردُّ إلى أصل معين لمجرد التشابه في الحروف أو الأصوات، وإنما لا بد من سلسلة من الأدلة المتضافرة التي تؤيد هذا الأصل وتثبته.

ومن هنا يتضح الفرق بين التأثيل العلمي والتخمين الشعبي؛ فالأول يستند إلى منهج وبرهان، أما الثاني فيقوم غالبًا على الظن والتوهم والتشابه العارض.

حذر العلماء العرب من التأثيلات المتعسفة:

تميّز علماء العربية القدامى بدرجة عالية من الاحتياط العلمي في قضايا الاشتقاق والأصول اللغوية. فقد كانوا يشترطون السماع الصحيح والرواية الموثوقة والشاهد اللغوي المعتبر، ويحذرون من بناء الأحكام على مجرد التشابه الصوتي.

وقد عبّر ابن فارس عن هذا المنهج بوضوح حين رفض ردَّ الألفاظ إلى أصول متوهمة لا يسندها دليل معتبر. ولذلك ظل التراث العربي محافظًا على قدر كبير من الانضباط العلمي في معالجة قضايا الاشتقاق والتعليل.

وهذا الموقف يكشف عن وعي مبكر بأهمية المنهج، فالحقيقة اللغوية لا تُنال بالحدس وحده، وإنما تُستخرج من النصوص والشواهد والقرائن.

-  بين العربية واللغات الأخرى:

إن دراسة الألفاظ المعرَّبة والدخيلة تمثل أحد الميادين الخصبة للتأثيل اللغوي. فكلمات كثيرة دخلت العربية عبر الاحتكاك الحضاري والتجاري والعلمي، ثم اندمجت في نسيجها الصوتي والصرفي حتى أصبحت جزءًا من معجمها المعاصر.

ومن ذلك كلمة «بطاطا» التي يُرجعها الباحثون إلى أصول أمريكية قديمة انتقلت عبر الإسبانية إلى لغات العالم المختلفة، ثم استقرت في العربية بصورتها المعروفة. وليس هذا الحكم وليد رأي فردي أو اجتهاد عابر، وإنما هو ثمرة بحوث مقارنة اعتمدت النصوص التاريخية والمعاجم التأثيلية والشواهد اللغوية المتوافرة.

ومع ذلك يبقى التأثيل علمًا مفتوحًا للمراجعة؛ إذ قد تظهر وثائق جديدة أو شواهد أقدم تدفع الباحثين إلى إعادة النظر في بعض النتائج السابقة.

إن التأثيل اللغوي ليس ترفاً معرفياً، بل هو نافذة تطل منها اللغة على تاريخها العميق، ومرآة تنعكس عليها مسيرة الحضارات وتفاعلات الشعوب. ومن خلاله ندرك أن الكلمات ليست أصواتاً عابرة، وإنما سجلات حية تختزن ذاكرة الإنسان وثقافته وتجربته الوجودية.

ولعل أعظم ما يعلِّمنا إياه هذا العلم أن اللغة كائن متجدد، يجمع بين الثبات والتحول، وبين الأصالة والتفاعل، وأن فهم اللفظ لا يكتمل إلا بمعرفة جذوره ومسالك تطوره. فالكلمات، كما يقول أهل اللغة، لها أنساب كما للناس أنساب، ومن عرف أنساب الألفاظ أدرك جانبًا من تاريخ الأمم وعقولها وأحلامها.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

"فوبيا نظام الطيبات" مصطلح يصف حالة من التوجس والهلع بشأن "نظام الطيبات" الغذائي، والذي ابتكره الراحل الدكتور ضياء العوضي، وفكرة نظام الطيبات هو أنه يسمي أطعمه معينة بـ" الطيبات" وينصح بتناولها، وهذه الأطعمة وعلى عكس المتعارف عليه علميا هي السكريات والمعلبات، وهناك أطعمة أخرى يسميها " الأطعمة الخبيثة"، وهذه الأطعمة ويدعو لتجنبها تماما وهي " الدجاج"، والبيض، والألبان .

والسؤال الآن من هو الدكتور ضياء العوضي؟.. هو ضياء الدين شلبي محمد العوضي.- وُلد عام 1979 داخل أسرة أكاديمية، حيث تخرج في كلية الطب بجامعة عين شمس بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وقد بدأ مسيرته المهنية في تخصص في العناية المركزة، وقضي فترة طويلة من حياته بين أجهزة التنفس الصناعي، والتقارير، والمعلومات الدقيقة التي لا تعرف إلا الحقيقة، ولا توجد أي مساحة للاجتهاد الفلسفي.

ثم تدرج في العمل الأكاديمي، حتى وصل إلى درجة أستاذ مساعد بقسم الرعاية المركزة، ثم استمر في العمل الجامعي حتى عام 2023. ولكن سرعان ما أدرك أن تخصص العناية المركزة مقيدة ولا تعطيه أي فرصة لكي يخرج الطاقات المكبوتة بداخله، ومن ثم أدرك أن تخصص العناية المركزة لا تروق له، ولو أنه ظل طيلة عمره في دراسة هذا التخصص سيظل منغلق على  نفسه داخل غرفة العناية المركزة.

وفجأة قرر الدكتور ضياء العوضي أن يترك ويغادر ما تعلمه من كلية الطب ويهب نفسه لمشروعه في نظام الطيبات، حيث بدأ  يأخذ خطوات سريعة كي ينفذ هذا القرار العظيم، وذلك حين أنشأ حساب على التيك توك، وقد أفاضت السوشيال ميديا في الحديث عنه في الأيام والأشهر الماضية، وذلك من خلال متابعيه الذين وصلوا بالملايين وفيديوهاته التي تحقق مشاهدات عالية جدا .

وهنا بدأت أشاهد أول فيديو من فيديوهاته، فاكتشفت أنني أمام رجل يقف أمام الكاميرا وفي يده سيجارة، ويقول كلام ليس له أي علاقة بالطب البشري، ولا بالطب البيطري، لدرجة أنه يطلب من المرضي الذين يتابعونه، أن يوقفوا العلاج والأدوية التي يتعاطونها ؛ بل وينصحهم أن يلقوا بها في أقرب سلة مهملات، وألا يتابعوا على الأطباء، وأن يوقفوا عمل أي أشعة، أو تحاليل.

وهنا يقول الدكتور العوضي :" مبدئيا وقبل ما نضع أيدينا في أي حوار لازم تعرفوا أنه لا توجد ما يسمى أمراض مزمنة أصلا، دي مجرد نصب من عمل أيدي الأطباء وشركات الأدوية وقد اتفقوا وأجمعوا عليها سويا كي يجعلوكم تشترون تلك الأدوية بحيث تسيروا عليها طيلة عمركم .. أي مؤامرة من الآخر .. فالسكر مرض بسيط جدا يمكن معالجته في ساعة بمنتهي السهولة، والأنسولين والذي تتعاطونه في شكل حقن داخل أجسامكم. مجرد اشتغاله كبيرة فهو لا يعالج السكر وفي نفس الوقت يضر بالجسم، يعني " لا منه ولا كفاية شره"، وأنا شخصيا كل مرضي السكر الذين يتم علاجهم عندي أوقفوا الأنسولين، وبعد أن أوفقوه وزارة الصحة ردت وقالت عنهم أنهم قد شفوا تماما ".

وبالنسبة لمرض الفشل الكلوي قال الدكتور ضياء العوضي" فلا يوجد ما يسمى شيء اسمه "فشل كلوي" أصلا يا ابني .. فشل كلوي أيه" . وأما فيما يخص مرض السرطان "ففيه فعلا مرض اسمه السرطان ولكنه مرض بسيط جدا ولا يختلف كثيرا عن نزلة البرد، وعلاجه لا يحتاج إلى إشعاع ولا كيماوي"، وقد ذكر الدكتور ضياء العوضي أنه تمكن من معالجة 300 مريضة بسرطان الثدي من غير أي أدوية .

والدكتور ضياء العوضي بعد أن نسف كل نظريات الطب القديم والحديث والتي قد اجتهد فيه الأطباء فيها، ودمر كل أنواع الأدوية، قام في أحد فيديوهاته يشعل سيجارة وقال أمام كل مشاهديه :" الآن قد آن الأوان أن أقول لكم عن الاختراع المذهل الذي قد ابتكرته بنفسي كي أنقذ البشرية، وهذا الاختراع هو نظام الطبيبات وهذا النظام يشفي كل الأمراض من أولها لأخرها ويغني عن كل الأدوية والعقاقير والأشعة والتحاليل، ونظام الطيبات هو نظام غذائي بسيط جدا، ليس فقط يتماثل المريض من خلاله الشفاء فقط من كل الأمراض التي أصابتكم، ولكن يجعل صحتكم جيدة تماما، وأن المريض لا يأتيكم بغته" .

ونظام الطبيبات كما رواه الدكتور ضياء العوضي يقوم على مجموعة من المبادئ البسيطة مثل أن السجائر غير مضرة، والدليل على ذلك حسب قول الدكتور ضياء العوضي أن الإنسان البدائي، كان يشغل النار ويجلس أمامها الساعات الطول، ويظل يستنشق الدخان من تلك النار، ومع ذلك لم يصاب بأي أمراض خبيثة، والدليل أن الدكتور ضياء العوضي نفسه قال أنه لما ذهب المريض لعمل أشعة في مستشفى ما فوجد أن الرئة لديه سليمة.

هذا بالإضافة أنه حسب نظام طيبات الدكتور ضياء العوضي، فإن أكل الخضار ليس طعام الإنسان، ولكنه أكل المواشي، ومن ثم ينصحنا ألا نأكله ولا أن نقترب منه، وإلا أمعائك تتعب ومعدتك تصاب بالقرح، ومن جهة أخرى ينصحنا الدكتور ضياء العوضي بضرورة الابتعاد عن البطيخ والمانجو.

نقطة أخرى لابد من الأخذ بها في نظام الطيبات وهي ضرورة تناول الحلوي، وياحبذا لو تتناول مجموعة من الدهون المسبكة والمليئة بزيت الزيتون والسمن البلدي، ولا تصدق الأطباء الذين يقولون أن تناول الحلوى والدهون الكثيرة مضرة بصحة البشر، ولابد أن تدرك الدهون والسكريات لا يقتربون من شرايينك على الإطلاق.

لم يكتف الدكتور ضياء العوضي في نظام الطبيبات بذلك، بل حرم علينا أكل البيض والفراخ، حيث حسب اعتقاده تسبب العقم والكوابيس وبلغم على الصدر، وضرب لنا مثال بإخواننا الإيرانيين الذين رفضوا تناولها، فلأجل ذلك لا يهابون العدو الإسرائيلي ولا الأمريكي في حروبهم الدائرة حاليا.

والسؤال الآن: كيف استقى الدكتور ضياء العوضي معلوماته الطبية؟، فكيف عرف الدكتور ضياء العوضي أن الأنسولين ليس له أي فائدة تذكر للجسم؟، وكيف أدرك أنه لا يوجد ما يسمى الفشل الكلوي، وأن مرض السرطان ليس في حاجة للكيماوي؟، وأن البيض والفراخ يدمروا الجسم؟، فهل هناك بحث علمي اطلع عليه الدكتور ضياء العوضي في المجلات الطبية العالمية، أو عالم واحد خلقه الله قال بذلك؟

وهنا يشجبنا وينهرنا الدكتور ضياء العوضي فيقول : "والله عيب والله، كل هذا اجتهاد شخصي مني، وبرغم ذلك هناك شريحة من الناس تتبع نظام الطيبات ويصدقوه ويدافعون عن نظامه دفاع من لا يخشى الموت، بل الأدهى والأمر أن هناك مرضي سكر أوقفوا تناول الأنسولين وقرر السير على نظام الطيبات، فلماذا فعلوا ذلك ومن أين تلك الثقة في كلام الدكتور ضياء العوضي؟.. مع العلم أن هؤلاء المرضي قد لفوا على المستشفيات والدكاترة وجميعهم أكدوا بلا شك لهم أن الأنسولين هو علاجهم الوحيد ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يوقفوه أو يستغنوا عنه؟!

والحقيقة أن هناك في ذلك أسباب كثيرة، أولها أن كثير من المرضي المصريين دائما ما يتعلقون بأي بارقة أمل كي تنقذهم مما هم فيه، وذلك بسبب المنظومة الصحية التي تجهدهم في الحصول على الدواء، علاوة على أن المواطن المصري عندما يقرر أن يتم علاجه سرعان ما يدرك أنه لا توجد منظومة تأمين صحي تحميه، ولا مستشفيات عامة تقدم له الخدمة اللائقة، وإذا ما شاءت له الأقدار وتمكن أن يحصل من مستشفى عامة يجدها كالخرابة بلا أجهزة ولا أدوية ولا سراير، ولكي يتمكن من دخولها لابد من الوقوف في طابور ليس له آخر، ويبيت أمام باب تلك المستشفى بالأيام، وفي تلك الظروف لا يجد المريض بداً من ثلاث حلول : إما أن يسلم أمره لله ولا يعالج نفسه بها، وإما أن يسلم نفسه للعيادات والمستشفيات الخاصة، وهنا يضطر أن يبيع كل ما يملك كي يتم علاجه بسبب الأدوية الباهظة الثمن، وإلا أغلبها ناقص وليس موجود .

والحل الثالث أن يسير وراء نظام الطيبات اعتقادا منه أنه أخف الأضرار، لكونه يعد بارقة الأمل التي يدعوا إليها الدكتور ضياء العوضي، وذلك حين يقول له بأنه قد صنع له نظام غذائي سهل، وهذا النظام سيعالجك من كل الأمراض، ويحسن من صحتك، وفي ذات الوقت يوفر من أموالك التي تنفقها بلا طائل، ومن ثم فإن هذا النظام سيساعدك من إيقاف الأنسولين، ويرحمك من الذهاب للعيادات والمستشفيات، والدكتور ضياء العوضي بعد أن يعطي تلك البارقة من الأمل المغشوش، فإنه يحاول أن يثبت لهم ذلك من تقريظه لذاته من أنه يفوق أينشتين، وأنه عالم كبير لا يضاهيه أحد من الأطباء حتي الدكتور مجدي يعقوب لا يساويه في المنزلة.

ونظام الطبيات هو حسب قول الدكتور ضياء العوضي موجود في القرآن، وهو يضع هذا النظام من خلال موقع إلكتروني كبير، وقد فرغ به كل فيديوهاته، ويعمل تحت إمرته ورعايته لجان إلكترونية ليس لها إلا نشر وبث فيديوهاته في كل الفضاء السيبراني الحقيقية وغير الحقيقية من خلال مرضي ساروا على نظام الطيبات بعد أوقفوا العلاج، ومن بعدها شفوا تماما من مرض السكر، ولما امتنعوا عن تناول الأنسولين أصبحت صحتهم جيدة، ومن هنا أضحي نظام الطبيات هو النظام الذي يجب اتباعه والتمسك به

وفي أثناء النجومية التي حصل عليها الدكتور ضياء العوضي من انتشار نظام الطبيات، حدثت حادثة في شهر فبراير الماضي، وهي أن سيدة مصرية قد سمعت عن الدكتور ضياء العوضي وبدأت تتابع فيديوهاته شأنها شأن كثير من متابعيه، ولما أدركت أنه طبيب فعلا ومعه دكتوراه في الطب، وأنه يقول بمنتهي الثقة أن الأنسولين مجرد نصب وليس علاج، فقد صدقته، وقررت ألا تعطي لأبنتها الأنسولين، فكانت النتيجة أنه بعد مرور ثلاث أيام بالضبط أن الفتاة دخلت في غيبوبة وكادت أن تموت، لولا أن الأطباء أنقذوها بالمستشفى في آخر لحظة.

وعندما انتشرت تلك الحادثة عبر المواقع، هنا أدركت كل مؤسسات الدولة المصرية الطبية بدأوا يتحركون، وأدركوا أن أمرا ما بيت بليل، وأن فيديوهات الدكتور ضياء العوضي تمثل أذى . وهنا انتقدوا الدكتور ضياء العوضي لدرجة أن نقابة الأطباء قد حولته لمجلس تأديب، وبعد ذلك شطبت اسمه من النقابة، ثم قامت وزارة الصحة وسحبت منه ترخيص مزاولة الطب، وتم إغلاق عيادته، وفي اليوم التالي قام المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وقد دخل على حط التماس وأخرج قرار بمنع استضافة الدكتور ضياء العوضي في كل القنوات .

في ظل تلك النكبات التي أحلت بمستقبل الدكتور ضياء العوضي الطبي والمهني، كنا نتوقع منه أن يتوارى في الظل إلى أن يشاء الله وتهدأ الأمور، ولكن الدكتور ضياء العوضي لم يفعل ذلك، بل خرج لنا وقام ببث مباشر عبر الإنترنت، وبعد أن نفخ أمام المشاهد بالسجائر، خرج علينا وهو يغني ويسب في كل من تسبب في إيقافه عن مزاولة عمله ويقول :" ظلموني الناس ظلموني، فصلوني من النقابة وحرموني... إلخ، ثم قال بعد ذلك أنا ما زلت الدكتور ضياء العوضي ولا يستطيع أحد أن يمنعني من ممارسة الطب .

وهناك كثير من المتابعين والمشايعين لنظام الطبيات، عندما عرفوا بالقرارات التي أخذتها الدولة ضد الدكتور ضياء العوضي قرروا أن يدعموه ويدافعوا عنه ويحولوه لفتوة الناس الغلابة، وحملوه على أكتافهم وأخذا يطوفون به في كل أنحاء السوشيال ميديا على أساس أنه يمثل في نظرهم بمثل البطل المظلوم، والذي دفع ثمن شهامته ووقوفه مع الناس ضد مافيا، وهنا أخذوا يسبون في كل القائمين والمتسببين عن إيذائه وحرمانه من ممارسة عمله

ومنذ الإعلان عن وفاة الدكتور ضياء العوضي في دبي في الثاني عشر من أبريل الماضي والجدل حول وفاته مستمر، هذا بالإضافة إلى الجدل حول طريقة الدكتور ضياء العوضي لنظام الطيبات، فهناك من يمتدحها ويعتبرها ممتازة، وهناك من بهاجمها ويقولون عنها أنه سم وتقتل الناس وأنها تمثل دجل .

ومصر والعالم العربي منشغلة بالحديث عما سمى بظاهرة كما ضياء العوضي كما أسماها الدكتور خالد منتصر أو كما أسماها الفنان "تامر حسني" بـ" الفتنة الغذائية"، فمنذ وفاة هذا الرجل وأنا أتأمل موته الذي مات بها بطريقة غريبة عن عمر يناهز 47 سنة وغير معروف سبب موته أو قتله.. وللحديث بقية..

***

دكتور محمود محمد علي

مفكر مصري

من وحي ندوة الدراسات التاريخية

هو الوهج الذي أشتعل قبيل انطفاء الشمعة

البارحة، في المعهد العالمي للتجديد العربي، ووحدة الدراسات التاريخية، حضرت ندوة نقاشية بعنوان: (من ابن خلدون إلى هابرماس: مقارنات في فلسفة المجتمع والتاريخ)، بهدف إبراز أوجه التشابه والاختلاف بين رؤيتيهما لفهم نشأة المجتمعات وآليات تماسكها وتطورها التاريخي وأسس السلطة والشرعية فيها. قدمت المحاضرة الدكتورة بولا أبي حنا، وعقب عليها الدكاترة: عبدالرحيم غانم، وبدر شحادة، وباب أحمد الشيخ، وأدار الندوة الدكتور عماد غزلي بكفاءة واقتدار.

وتربطني بالدراسات التاريخية علاقات طيبة منذ سنوات، فضلًا عن اهتمامي بابن خلدون وفلسفته، وإشارة الإعلان إلى فلسفة التاريخ والمجتمع عند ابن خلدون وهابرماس. استمعت وتداخلت، وأحسست بأهمية التعريف بابن خلدون وفلسفته ومنهجه وكيفية مقارناته، وإليكم ما أعرفه عنه في سبيل تخصيب النقاش وتأصيل العلاقة بين التاريخ والفلسفة، إذ إن قليلًا من الفلسفة ينعش قلب التاريخ! واليكم الحلقة الأولى في التعريف بابن خلدون ومنهجه وفلسفته.

إذا ما أردنا أن نقيم الثورة المنهجية الخلدونية تقييمًا صائبًا، فلا بد لنا من النظر إليها وتقييمها في سياقها التاريخي الفعلي، ذلك السياق الذي يشكل كامل الوسط الثقافي والعلمي والسياسي والاجتماعي والديني والاقتصادي والحضاري والنفسي، وكل ما يتصل بالعصر الذي عاش فيه ابن خلدون وتعلم وفكر وكتب في فضائه.

فالمفكر أو المؤرخ هو كائن بشري فرد، وهو مثل غيره من الأفراد يشكل ظاهرة اجتماعية، وهو أيضًا الناطق الواعي أو غير الواعي باسم المجتمع الذي ينتمي إليه، ومن الخطأ النظر إلى ابن خلدون بمعزل عن الواقع الذي عاش فيه وكأنه نسر يرقب المشهد من فوق قمة جبل عالية، بل النظر إليه بوصفه جزءًا من ذلك التاريخ الذي حاول تفسيره، ومن ثم فهو محدد بحدود عصره وزمنه.

وربما كانت أفضل طريقة لتحديد أهمية ابن خلدون وقيمة منهجه هي طريقة المنهج التاريخي، كما عرفت عند فيلسوف التاريخ الإنجليزي “كولنجوود” (1889–1943م) وفيلسوف التاريخ الإيطالي “كروتشه” (1866–1952م)، اللذين شددا على أهمية الفهم التصوري للماضي الذي ندرسه وتحقيق نوع من الاتصال مع أذهان أولئك الذين نكتب عنهم وتمثل حقيقة وضعهم التاريخي.

وبالقياس إلى عصره يمكن القول إن ما حققه ابن خلدون على صعيد المنهج النقدي العلمي التاريخي يعد، بكل المقاييس، ثورة حقيقية لا تختلف عن الثورة المنهجية الكبرى التي شهدها العلم الطبيعي الحديث على يدي الإنجليزي “فرنسيس بيكون” (1561–1626م)، والفرنسي “رينيه ديكارت” (1596–1650م).

وهذا ما جعل ابن خلدون متقدمًا على كل من جاء بعده من علماء الاجتماع وفلاسفة التاريخ الحديثين أمثال ميكافيللي، وبودان، وفيكو، وفولتير، ومونتسكيو، وكوندرسيه، وكارل ماركس، وأوغست كونت، وشبنجلر، وتوينبي، وغيرهم ممن درسوا الظاهرة التي درسها ابن خلدون: التاريخ والعمران البشري والاجتماع الإنساني ونظم السياسة وتعاقب الحضارات وأساليب الإنتاج وقوى الإنتاج وأسباب الحروب والصراع والتغلب بين الناس… إلخ.

وهذا ما شهد به كبار المفكرين والدارسين، أمثال المؤرخ “جورج سارتون” في كتابه (تاريخ العلم)، الذي كتب في معرض حديثه عن ابن خلدون:

“لم يكن أعظم مؤرخي العصور الوسطى شامخًا كعملاق بين قبيلة من الأقزام فحسب، بل كان من أوائل فلاسفة التاريخ، سابقًا ميكافيللي وبودان وفيكو وكونت وكورنو”.

ويذهب آرنولد توينبي إلى وصف مقدمة ابن خلدون التي اسماها (كتاب العِبر، وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر، ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر) ب«أعظم ما توصل إليه الفكر البشري في مختلف العصور والأمم»

وفي ذات السياق يذهب المؤرخ الإسباني (رافائيل ألتاميرا) في كتابه “آراء حول نظرية ابن خلدون التاريخية” إلى أن: “ابن خلدون قد صاغ مجموعة من الأفكار ولخصها بقوة عقلية جبارة، كمخترع عبقري يبني فوق سوابق ضئيلة عملًا جديدًا من نوعه”.

وبمثل ذلك كتب الفيلسوف الإسباني “خوسيه أورتيغا” عن نظريات ابن خلدون في المسائل الأفريقية:

“إن مقدمة ابن خلدون هي، من حيث الزمن، أول كتاب في فلسفة التاريخ”، وأن ابن خلدون “هو عقلية واضحة كلها ضوء، وأن ضوءه العقلي يمزق كل غموض، ويصل نقيًا إلى الأشياء ويستخرج منها كتابًا يبدو كأن الذي كتبه مهندس بارع، وهو في الوقت نفسه أول عالم اجتماع”.

ويكتب المستشرق الألماني “فون قيسنديك” في كتابه “ابن خلدون مؤرخ الحضارة العربية في القرن الرابع عشر”:

“إن ابن خلدون أشاد حصنًا شامخًا من العلم المتين، الابتكار المطبوع، فهو عقل مبتكر ومثل أعلى في الآداب العربية، إذ يقف مؤرخ الحضارة الإسلامية العظيم وحيدًا في المشرق، لم يعقبه خلف ولم ينسج على منواله ناسج، وينطبق ما كان يشعر به أو يدعو إليه على أوروبا في القرن التاسع عشر أصح تطبيق وأتمه”.

ويرى المستشرق الأمريكي شميدت أن ابن خلدون “قد تقدم في علم الاجتماع إلى حدود لم يصل إليها الفيلسوف كونت نفسه في النصف الأول من القرن التاسع عشر. فلو أن المفكرين الذين وضعوا أسس علم الاجتماع من جديد كانوا قد اطلعوا على مقدمة ابن خلدون في حينها، وعلى المنهج الذي أوجده ذلك العبقري العربي قبلهم بمدة طويلة، لاستطاعوا أن يتقدموا بهذا العلم الجديد بسرعة أعظم مما تقدموا به فعلًا”.

ويرى المؤرخ الفرنسي “إيف لاكوست” في كتابه “العلامة ابن خلدون” أنه عندما اكتشفت المقدمة وترجمت في الغرب، كانت أوروبا مهتمة بعلم الاجتماع، ولذا لفت نظر العلماء أوجه التشابه الموجودة بين طروحات ابن خلدون وبين المسائل التي كانوا يبحثونها، فلقبوه بالمؤرخ، وبعالم الاجتماع، وبفيلسوف التاريخ، وعالم الاقتصاد، ومفكر السياسة.

وكتب الفيلسوف والمؤرخ الإسكتلندي روبرت فلنت في كتبه المهم ( تاريخ فلسفة التاريخ) قائلا:" إنه لا العالم الكلاسيكي ولا النصراني الوسيط قد أنجب مثيلاً له في فلسفة التاريخ... أما كباحث نظري في التاريخ، فليس له مثيل في أي عصر أو قُطْر، حتى ظهر (فيكو) بعده بأكثر من ثلاثة قرون... لقد جمع مؤرخو العرب المادة التاريخية، ولكنه وحده الذي استخدمها" ( ينظر، روبرت فلنت Robert Flint، تاريخ فلسفة التاريخ، دار نشر تشارلز سكريبنرز، 1894)

في الواقع، ثمة آراء عديدة قيلت في ابن خلدون ومقدمته ونظريته ومنهجه، وهي على كثرتها وتنوعها واختلافاتها تتفق في شيء واحد، هو التقدير الرفيع للمنهج الذي اكتشفه ابن خلدون في المقدمة.

ورغم تنوع الموضوعات التي عالجها ابن خلدون واختلاف أنساقها النظرية في العلوم الحديثة، كالتاريخ والحضارة والسياسة والاجتماع والاقتصاد والتربية والدين والتصوف والجغرافيا والأنثروبولوجيا والعلم والأيديولوجيا، وغير ذلك من الحقول المعرفية التي طرق عتباتها ابن خلدون، فقد كانت رؤيته المنهجية هي الروح الخفية التي تسري في كل أجزاء هذا النسيج الفكري وتمنحه الوحدة والمعنى والقوة.

نظرية ابن خلدون ومنهجه:

من الأخطاء الشائعة في حياتنا الثقافية العربية الاعتقاد أن النظرية تأتي في الترتيب قبل المنهج، وأن المنهج هو تطبيق للنظرية، في حين أننا نجد من واقع الخبرة العملية أن العلاقة بين النظرية والمنهج هي على درجة شديدة من التعقيد والتداخل والتمازج، إذ يصعب الفصل الفعلي بين أنساقها المتداخلة وعناصرها، لا سيما في الدراسات التاريخية. فمن الخطأ الظن أن التفكير النظري يعد ترفًا فكريًا زائدًا عن اللزوم، لأن ممارسة النشاط النظري لم تكن لتحصل لولا وجود قضايا حقيقية تدفع البشر إلى اللجوء إلى النظرية، وهي قضايا نواجهها جميعًا في حياتنا اليومية، كسعينا لفهم ما يجري لنا وللآخرين من حولنا، وهذا هو بالضبط ما فعله ابن خلدون حينما فكر في شؤون مجتمعه ومشكلاته وحياة عصره، فأبدع نظريته في ضوء رؤية منهجية نقدية تاريخية ناضجة.

وإذا كان أبسط تعريف للنظرية هو أنها محاولة تفسير خبراتنا اليومية في الحياة، تلك الخبرات الشخصية اللصيقة بنا في ضوء تفاعلنا مع أناس آخرين، وخبراتنا السابقة، وعواطفنا المكبوتة، ومعارفنا المتحصلة من التعليم المنهجي والتقليد والنقل والتراث، فإن المنهج هو: طريقة الوصول إلى تكوين هذه النظرية وبنائها واستخلاص قوانينها.

ولا أهمية للتساؤل عن أيهما أسبق في العلوم الإنسانية: النظرية أم المنهج، فالعلاقة بينهما علاقة جدلية ديناميكية مرنة وضرورية؛ فلا نظرية متماسكة وعلمية من دون منهج علمي، ولا منهج من دون نظرية. إذ تبدو ضرورة المنهج عند ابن خلدون تعبيرًا عن مقتضى التعليل الناتج من تصوره لموضوع التاريخ، ولذلك ليس المنهج سابقًا لفكر ابن خلدون ولا لاحقًا له، أي إنه ليس ترتيبًا بعديًا لقواعد مطبقة انكشف خطها فجأة، وليس منظومة قواعد موضوعة بصورة مسبقة، بل ثمة ترابط شديد بين النظرية والمنهج، وهما متحايثان متضايفان.

فقد تمكن ابن خلدون من الجمع الخلاق بين المنهج والنظرية، وترك لنا إرثًا علميًا عظيمًا ما زال يتمتع بكامل قيمته وقوته وحيويته، وما زلنا نلتمس الخطى في سبيل فهمه واكتشاف ثيماته المتخفية. يقول المستشرق روزنتال: “باءت بالفشل كل محاولة لمعرفة النموذج الذي احتذاه ابن خلدون في تفكيره”.

ابن خلدون ونقد أوهام المؤرخين

حينما نقارن بين المنهج النقدي الخلدوني ومنهج الفيلسوف الإنجليزي فرنسيس بيكون (1561-1626م)، وفيلسوف التاريخ الإيطالي جيوفاني باتيستا فيكو (1668-1774م)، إذ حاول الأخير في نقده لأوهام المؤرخين في كتابه “العلم الجديد والطبيعة المشتركة للأمم” تطبيق منهج بيكون في نقد أوهام المعرفة، نجد أن ما حققه ابن خلدون، بالمقارنة مع ما تم إنجازه في أوروبا على يد هذين الفيلسوفين بعد قرابة ثلاثة قرون من الزمن، يبين لنا كم كان ابن خلدون عظيمًا وجديرًا بأن يوصف بأنه صاحب أول ثورة منهجية في الدراسات التاريخية.

إننا نغمط ابن خلدون حقه حينما نتناول منهجه النقدي التاريخي بالدرس والتحليل، ونمر مرور الكرام على طبيعة ذلك النقد الذي وجهه للمؤرخين. لقد دأب الدارسون العرب والأجانب على تبسيط الثورة المنهجية الخلدونية بالنظر إليها بأنها مجرد نقد لـ”عيوب” أو “أخطاء” أو “أغاليط” أو “هفوات” أو “هنات” أو “مثالب” أو “نواقص”، إلى غير ذلك من النعوت التي ننعت بها النقد الخلدوني للمعرفة التاريخية وللمؤرخين، والتي توحي في مدلولاتها المفهومية بالتقليل من شأن ما أنجزه ابن خلدون. ولعل ذلك هو ما حفزنا إلى استخدام لفظ “الأوهام” بدلًا من الأخطاء والعيوب، إذ إننا بعد فحصنا الدقيق لطبيعة الثورة المنهجية التي أحدثها الإنجليزي فرنسيس بيكون، الذي اشتهر أكثر ما اشتهر بنقده للأوهام الأربعة الشهيرة: وهم الكهف، ووهم القبيلة، ووهم السوق، ووهم المسرح، وكذا شهرة الإيطالي فيكو بنقده لأوهام المؤرخين، وجدنا أنه من غير الإنصاف النظر إلى ابن خلدون بعده ليس سوى ناقد لأخطاء المؤرخين العرب المسلمين فقط. وهذا الموقف لا يعني بأي حال من الأحوال أننا من هواة التشبه بالغرب، بل إن موقفنا هذا يجد كامل مبرراته في طبيعة الإنجاز النقدي المنهجي الذي حققه ابن خلدون ذاته، كما لاحظنا في دراستنا لنقده أوهام المؤرخين، الذي لم تكن أوهام بيكون وفيكو إلا نسخة باهتة منه.

إننا نسمي نقد ابن خلدون للمؤرخين نقد الأوهام، لأننا وجدناه في نقده لا يقتصر على نقد الأخطاء أو الهفوات التي وقع بها هذا المؤرخ أو ذاك، بل ينقد أوهام العقل وأوهام النفس الإنسانية التي هي، من حيث طبيعتها البشرية الناقصة، عرضة دائمًا للأوهام والخرافات والأخطاء بحكم الطبيعة، لا بسبب القصور المنهجي فحسب. فالأوهام جزء من كينونة الإنسان، بل إن الحياة الإنسانية مستحيلة من دون الأوهام، فالناس يعيشون على الأوهام كما يعيشون على الماء والهواء.

ويحدد ابن خلدون في نقده لأوهام المؤرخين أسباب هذه الأوهام، فيعدها طبيعة متأصلة في النفس البشرية لا في أذهان المؤرخين فقط، إذ يرى أن الناس محكومون بعاداتهم ومألوفاتهم وبشروط حياتهم في بيئتهم الضيقة المحدودة، ومن ثم فإن تصوراتهم لا تخرج عن نطاق مألوفهم وعوائدهم، ويصعب عليهم تصور ما ليس مألوفًا لديهم إلا بالقياس على المألوف، كما لاحظنا آنفًا في قصة “الولد المسجون” الذي تصور الغنم مثل الفأر. وهذا هو ما عرفه أفلاطون بالكهف، وهذا هو ما سوف يطلق عليه بيكون وهم الكهف.

وفي ذلك كتب ابن خلدون: “والقياس والمحاكاة للإنسان طبيعة معروفة، ومن الغلط غير مأمونة، تخرجه مع الذهول والغفلة عن قصده وتعوج به عن مرامه، فربما يسمع السامع كثيرًا من أخبار الماضيين ولا يتفطن لما وقع من تغير الأحوال وانقلابها، فيجريها لأول وهلة على ما عرف ويقيسها بما شهد، وقد يكون الاختلاف بينهما كثيرًا، فيقع في مهواة من الغلط”.

هكذا إذن يعد ابن خلدون واحدًا من الأساطين الكبار الذين خرجوا من الكهف، وأولهم أفلاطون، وبعده أبو حامد الغزالي، وابن طفيل، وبيكون، وديكارت، وهيوم، وكانط في العصر الحديث.

لقد أدرك ابن خلدون أن الإنسان، من حيث هو مدني بالطبع، رهين المحبسين: محبس طبيعته المتناقضة المزدوجة، الجسدية والروحية، والغريزية والعقلية، والحيوانية والبشرية، التي منها أنه يحب ويكره، ويفرح ويحزن، ويهدأ ويغضب، ويجوع ويشبع، ويقاتل ويسالم، ويأمن ويفكر، ويخضع ويتمرد، وينام ويصحو، ويعمل ويكسل، ويعادي ويصالح، ويجشع ويقنع، ويخون ويوفي… إلخ. ومحبس أحواله الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والأخلاقية والتاريخية التي تشرط وجوده وتقيده بقيودها الضرورية الأسرية والعصبية والمعيشية والمذهبية… إلخ، التي لا يستطيع الفكاك منها. وفي ضوء هذا الأفق النقدي العقلاني الرحب ينبغي لنا النظر إلى نقد ابن خلدون لأوهام المؤرخين.

إذ مهد في نقده للأخطاء بنقد منهجي للمعرفة الإنسانية برمتها من خلال فحصه لقيمة أخلاقية متأصلة في الجبلة البشرية، وهي “الكذب”، بقوله: إن الكذب متطرق إلى الخبر بطبيعته، وله أسباب منها:

1- التعصب للآراء والمذاهب، فإن النفس إذا كانت على حال الاعتدال في قبول الخبر أعطته حصته من تمحيص النظر حتى يتبين صدقه من كذبه، وإذا خامرها تشيع لرأي أو نحلة قبلت ما يوافقه من الأخبار لأول وهلة، وكان ذلك الميل والتشيع غطاءً على عين بصيرتها عن الانتقاد والتمحيص، فتقع في قبول الكذب ونقله. وهذا هو ما نسميه اليوم بالتعمية الأيديولوجية.

وواضح أن ابن خلدون هنا لا يبحث في الكذب من حيث هو قيمة أخلاقية مذمومة، بل يفحص شروط إنتاج الكذب وأسبابه اللاشعورية، إذ إن الناس يكذبون ليس بإرادتهم، بل لا يعرفون أنهم يكذبون، وربما اعتقدوا أنهم يقولون الحقيقة. أليس مثل هذا النقد هو ما صنع شهرة كارل ماركس في نقده للأيديولوجيا الألمانية؟

2- من أسباب الكذب في الأخبار الثقة بالناقلين، وتوهم الصدق الذي يعود إلى شهرة المنقول عنهم وذيوع صيتهم بوصفهم مؤرخين كبارًا ومفكرين تربعوا على مسرح التراث والتاريخ رموزًا موثوقة، وهذا ما يسميه بيكون وهم المسرح.

3- الجهل بتطبيق الأحوال على الوقائع، لأجل ما يداخلها من التلبيس والاختلاف، فينقلها المخبر كما رآها، وهي على غير الحق في نفسها.

4- تقرب الناس إلى أصحاب السلطة والسلطان بالثناء والمدح بهدف الكسب والجاه والحظوة، فالنفوس مولعة بحب الثناء، والناس متطلعون إلى الدنيا وأسبابها من حياة أو ثروة أو شهرة أو سلطة أو جاه.

5- حب الناس للغرائب والخرافات والمستحيلات من أخبار الجن والشياطين والكائنات الخرافية والأساطير التي تستهوي الناس لما فيها من سمة غرائبية، وتشبع فيهم نزوعًا نفسيًا لا يقاوم.

6- قياس الماضي على الحاضر قياسًا مطلقًا، اعتقادًا منهم بأن الماضي لا يختلف عن الحاضر الذي يعيشونه.

7- أهم الأسباب هو الجهل بطبائع الأحوال في العمران، فإن كل حادث من الحوادث، ذاتًا كان أو فعلًا، لا بد له من طبيعة تخصه في ذاته وفيما يعرض له من أحوال. فإذا كان السامع عارفًا بطبائع الحوادث والأحوال في الوجود ومقتضياتها أعانه ذلك في تمحيص الخبر على تمييز الصدق من الكذب، وهذا أبلغ في التمحيص من كل وجه يعرض.

هذه هي الأسباب التي رصدها ابن خلدون ليكشف بها الأوهام التي تكتنف المعرفة عامة، والمعرفة التاريخية تحديدًا.

كما هو واضح، لم يبحث ابن خلدون في أخطاء أو هفوات وقع فيها المؤرخون عرضًا أو بسبب قصور مناهجهم أو تعمدوها بوعي منهم، بل جاء نقده جذريًا في شروط إنتاج المعرفة التاريخية وما يكتنفها من أوهام وأباطيل يصعب التحرر منها من دون امتلاك منهج نقدي عقلاني قادر على دراسة الظاهرة التاريخية في بنيتها الشمولية وصيرورتها المتغيرة وقواها المحركة وقوانينها الطبيعية الضرورية، الثابتة والمتحولة، والجوهرية والعرضية.

ومن هنا يجب القول: إن النقد عند ابن خلدون ليس لحظة عابرة في منهجه أو ضرورة إجرائية للشروع بعمله، بل هو النواة الجوهرية في منهجه، إنه البعد الثوري في مجمل النسق الفكري الخلدوني الذي يشتمل على ثلاث حركات متضايفة من حركات الوعي: حركة الوعي بالذات، وحركة الوعي بالمجتمع، وحركة الوعي بالتاريخ. وليس هناك من بديل عن المنهج النقدي التاريخي لمن أراد أن يفهم التاريخ وقواه التي هي الثقافة والحضارة والمدنية.

***

ا. د. قاسم المحبشي

جواب النداء؛ إلى الصديق الدكتور، نجيب عسكر

يعد التعليم أهم المؤسسات الحيوية المخولة بإعادة إنتاج المجتمعات وتمكينها وتطويرها بما تقوم به من وظيفة تكوّن الأجيال الجديدة بتربية وتنمية العقول ونقل الخبرة وحفظ المعرفة وتداولها، وذلك بحسب رؤية فلسفية مدركة أو مضمرة عن النخبة المعنية بأمر تسويس المجتمع وتدبيره. والمؤسسة التربوية التعليمة هي تكوينية بالأساس، إذ تنهض بمهمة تصميم وتشكيل وتمكين النمط الثقافي المرغوب فيه بمجتمعٍ من المجتمعات انطلاقا من السؤال الحيوي : ماذا نريد أن نكون؟

إذا كان المثل الأعلى لروضة الأطفال يتمثل في تمكين الأطفال من نطق وكتاب الحروف والأرقام والمثل الأعلى للمدرسة يتمثل في تمكين التلاميذ والتلميذات من المعارف الأساسية الأولية في مختلف التخصصات العلمية فإن المثل الأعلى للجامعة يتمثل في تمكين الطالبات والطلاب من فهم ماتعلموه في السنوات السابقة وتحويل معرفة الاولاد والبنات إلى قدرة الرجال والنساء المفترضة في بناء وتنمية المجتمعات والأوطان. هذا يشترط وجودة فلسفة تربوية وتعليمية وطنية عامة وملزمة أما حينما يخضع الاطفال والتلاميذ والطلاب لنظم ومناهج تربوية وتعليمية مختلفة المصادر ومتناقضة الأهداف ومضطربة الأدوات والاساليب وفي ظل غياب المنظومة التربوية الاستراتيجية الشاملة فمن المؤكد ان النتيجة ستكون كارثية ، كما هو حال العرب اليوم شعوب وجماعات وأفراد يعيشون في بلاد واحدة او بلدان متجاورة ليس بإمكانهم التفاهم مع بعضهم ، ويعجزون عن إيجاد اي قواسم مشتركة للتواصل والتفاهم والعيش معا، بل بلغ الحال بهم حد ان بعض سكان القرية او الحي او الشارع الواحد يجدون انفسهم فجاءة في حالة تشظي متناسلة.

فمنذ أكثر من قرن والعالم العربي يعيش ما يشبه المفارقة التاريخية الكبرى؛ فقد دخل التعليم الحديث إلى مجتمعاتنا، وتأسست المدارس والجامعات والمعاهد العليا، وتخرجت أجيال متعاقبة من حملة الشهادات، ومع ذلك ما زال سؤال النهضة مطروحاً بإلحاح أكبر من أي وقت مضى: لماذا لم يتحول العلم إلى ثقافة؟ ولماذا بقي التعليم في كثير من الأحيان مؤسسة لإعادة إنتاج التخلف أكثر من كونه أداة لتحرير الإنسان وتنمية قدراته؟

والجامعة بوصفها مؤسسة أكاديمية في مجتمعاتنا العربية هي مؤسسة حديثة وجديدة في كينونتها المؤسسية وبنيتها التنظيمية ووظيفتها العلمية، والتعليمية والتنموية وقيمها المهنية والأكاديمية، وأنماط علاقاتها وأهدافها وعاداتها وتقاليدها، في حين أن مجتمعاتنا بحكم التخلف التاريخي لا تزال أسير البنى والعلاقات والقيم التقليدية على مختلف صعد الحياة، السياسية والاقتصادية والثقافية، والاجتماعية والأخلاقية هذه البنى الثقافية التقليدية لا ريب وأنها تأثر في المؤسسة الجامعية وتخترقها بسهامها المنطلقة من كل حدب وصوب، إذ إن الجامعة ليست جزيرة منعزلة عن المجتمع التي توجد فيه، بل هي جزء من هذا المجتمع الذي يؤثر فيها وتأثر فيه. وقد تأسست أول جامعة عربية في مصر عام 1908م بجهود أهلية ثم تحولت إلى جامعة حكومية عام 1925م جامعة القاهرة حالياً، وكانت جامعة دمشق التي تأسست عام 1923م أول جامعة عربية حكومية حديثة وفي عام 1942م أنشأت جامعة الإسكندرية وفي العام ذاته تأسست جامعة القرويين في مدينة فاس المغربية، ثم تأسست جامعة الخرطوم سنة 1955م وجامعة بغداد في سنة 1957م وتأسست أول جامعة في عدن 1970م وفي عام 1971م تأسست جامعة صنعاء، وتأسست جامعة السلطان قابوس في مسقط عام 1986 وهناك ما يربوا على 300 جامعة عربية حكومية وخاصة، معظمها حديثة النشأة إذ نشأ أكثر من 80% منها بعد عام 1970م.

وهكذا كما تلاحظون ليست المشكلة في ندرة المدارس أو قلة الجامعات، وليست المشكلة أيضاً في غياب المعرفة أو انعدام الاتصال بالعالم؛ إذ لم يعد الوصول إلى المعلومات حكراً على أحد في عصر الثورة الرقمية. ومع ذلك فإن مظاهر التعصب والعنف والخرافة والامتثال الأعمى ما تزال أكثر حضوراً من قيم العقلانية والنقد والابتكار. وهذا يدفعنا إلى إعادة النظر في مفهوم التعليم ذاته وفي طبيعة العلاقة بين العلم والثقافة.

إن التعليم في جوهره ليس عملية نقل للمعلومات، بل هو مشروع إنساني يهدف إلى تكوين الإنسان. فالمدرسة والجامعة ليستا مخزنين للمعرفة، بل مؤسستان لصناعة العقل وتشكيل الشخصية وبناء الوعي. ولذلك فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا يعرف الطالب؟ بل: ماذا أصبح هذا الطالب بعد سنوات طويلة من التعليم؟ هل أصبح أكثر قدرة على التفكير؟ أكثر استقلالاً في الحكم؟ أكثر وعياً بذاته وبالعالم من حوله؟ أم أنه مجرد حافظ جيد لما قيل له؟

ففي مجمع لا يمتلك ثقافة مؤسسية ولا ثقافة قانونية ولا يزال يخضع لهيمنة العلاقات التقليدية كيف يمكن أن تكون فيه المؤسسة الأكاديمية وقيمها لا سيما إذا تركت مكشوفة لاعداءها التقليديين بلا حماية وبلا رعاية من الدولة والمجتمع وبلا سلطة خارجية أو ذاتية وفي ثقافة لا يزال بعض الناس فيها ينكرون الطبيعة وقوانينها والإنسان وعقلة وحريته وغير ذلك الظواهر والموضوعات التي هي الموضوع الأول والأخير لكل العلوم الطبيعية والإنسانية وينكرون العقل الإنساني كأداة ومعيار للمعرفة العلمية بل وينكرون الإنسان بعده كائن كرمه الله وأكرمه بالعقل وبالقدرة على التمييز والمعرفة ومن ثم فهو يستحق بأن يعيش حياته بحرية وكرامة وأمن وأمان هذا الإنسان الذي هو الموضوع الجوهري لكل العلوم الإنسانية والاجتماعية وفي ثقافة رسمية وشعبيه لا زال مفهوم العلم فيها يثير الالتباس وغير متفق عليه، بل لا زال الاعتقاد الراسخ، بأن العلماء هم "علماء الدين أو علما الشريعة ولا أحد سواهم)، وأن العلم هو العلم الشرعي النافع في الدار الآخرة لا في هذه الدنيا الفانية (وأن كل جديد بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار) هذا الحديث الشريف الذي يحذر من البدع والابتداع في العقيدة الدينية الإسلامية الحنيفة السمحاء والذي جرى تأويله وتعميمه للآسف الشديد على كل مناحي حياة المسلمين بسبب الغلو والتطرف في التأويل والتفسير، وفي مجتمع لا زالت فيه الثقافة السحرية والأسطورة والخرافية واللاهوتية تهيمن على كل الأفق الثقافي والفكري عند الخاصة والعامة في مجتمع ليس من بين مثلة العليا للنجاح العلم والتعليم والتفوق العلمي والكفاءة الشخصية والأداء المتميز والمواهب الفردية بل القرابة، العشائرية القبلية والعصبية والنفوذ والمحسوبية والرشوة والوساطة والانتهازية، والابتذال والنفاق والمزايدات السياسية الأيديولوجية... يقول (جون وجاردنر) في كتابة (التميزة الموهبة والقيادة) " "إذا أعدت الرثاثة والهرجلة مجتمعاً ما فليس من السهل على أي عضو في ذلك المجتمع أن يبقى بمعزل عن التأثر بها في سلوكه الخاص والعام"

لقد أدركت الدول المحترمة أن العلم لا يزدهر إلا عندما يصبح جزءاً من النسيج الثقافي للمجتمع. فالعلم ليس مجموعة من الحقائق الجامدة، بل نمط في التفكير ورؤية للعالم وأسلوب في التعامل مع الواقع. إنه القدرة على التساؤل والشك والنقد والتجريب وإعادة النظر في المسلمات. ولهذا السبب لا يكفي أن توجد الجامعات حتى يوجد العلم، ولا يكفي أن نُخرِّج العلماء حتى نصبح مجتمعاً علمياً فالعلم ليس مجرد تراكم للمعلومات، بل هو منظومة من الممارسات المنهجية التي تهدف إلى فهم الظواهر الطبيعية والإنسانية وتفسيرها واختبار الفروض المتعلقة بها. وهو يقوم على الشك المنهجي، والنقد المستمر، وقابلية النتائج للمراجعة والتصحيح. لذلك فإن جوهر العلم لا يتمثل في امتلاك الأجوبة، بل في القدرة على طرح الأسئلة الصحيحة.

شبّه الفيلسوف جوليان هكسلي منظومات الأفكار السائدة في أي مجتمع – معتقداته وقيمه وأعرافه ومواقفه – بالهيكل العظمي في الكائن الحي: فهي التي تمنح الحياة شكلها، وتحدد طريقة العيش والحركة. فالمجتمعات التي تقدّس التغيير والتحول تستثمر العلم وتحوّله إلى طاقة للنهضة، بينما المجتمعات التي تفضل النظام القائم وتخشى الجديد تحوّل العلم إلى زخرف شكلي، يُستهلك في الشهادات والطقوس لا في الإبداع والابتكار.والسؤال هنا: لماذا نهضت اليابان والصين والهند والنمور الآسيوية منذ بدايات القرن العشرين، بعد أن كانت مستعمرات مسحوقة، في ظروف مشابهة للمنطقة العربية، بينما ظل “الشرق الأوسط” أسير التبعية والتخلف؟ بل إن بعض الدول العربية كانت، قبل عقود، أغنى موارد وأفضل بنية تحتية من تلك الدول الناهضة، لكنها لم تُحوِّل إمكاناتها إلى نهضة علمية وثقافية مستدامة فكيف نفسّر أنّ أقدم جامعتين في العالم نشأتا في أرض الإسلام – جامعة القرويين (859م) والأزهر الشريف (972م) – في حين لم تعرف الولايات المتحدة جامعاتها إلا منذ نحو ثلاثمائة عام، لكنها سرعان ما غدت، في غضون عقود، أكبر قوة علمية وتكنولوجية في العالم؟

الجواب لا يكمن في “كمية التعليم” أو “عدد الجامعات”، بل في النظام الثقافي الشامل الذي يحدد موقع العلم داخل المجتمع. فالعلم يصبح ثقافة حين يتجذر في القيم العليا، في طريقة التربية والتنشئة، في أنماط التفكير والسلوك اليومي. أما حين يبقى معزولًا عن الثقافة السائدة، فإنه يتحول إلى مجرد شهادات تُعلَّق على الجدران، أو إلى أداة في يد السلطة لتعزيز شرعيتها، أو إلى سوق مفتوحة للوظائف دون روح نقدية خلاقة. إن المعضلة الكبرى التي تواجه مجتمعاتنا العربية الإسلامية هي أنّ الثقافة السائدة لم تتصالح مع العلم بعد: فهي تحتفي بالماضي أكثر مما تنفتح على المستقبل، وتُقدّس الثبات أكثر مما تؤمن بالتحول، وتبحث عن اليقين أكثر مما تحتمل الشكّ والتجريب. وفي غياب هذه الروح، يبقى العلم جسدًا بلا روح، مؤسسة بلا ثقافة، معرفة بلا فعل.

إن تحويل العلم إلى ثقافة هو الشرط الأول لأي نهضة حقيقية. وما لم تتغير البنية الثقافية العميقة – من التعليم إلى الإعلام، من الدين إلى القيم الاجتماعية – سيظل العلم عابرًا وهشًا، ولن يصبح كما كان في تاريخ الإنسانية: الحليف الأول للإنسان في معركته الأبدية مع الفناء والجهل والخوف.

إن الطفل يولد مزوداً بطاقة هائلة من الفضول والدهشة وحب الاستطلاع. إنه يريد أن يعرف كل شيء: من أين جاء؟ وكيف يعمل العالم؟ ولماذا تحدث الأشياء كما تحدث؟ يقول عالم النفس كارل ساغان" أن كل فرد يولد مزود بحب الاستطلاع والدهشة مما حوله، غير أن المجتمع يتولى هزيمة ذلك في نفسه، فالأطفال الصغار الذين سيكتشفون العالم المحيط بهم ببطئ ويوجهون التساؤلات البريئة: لماذا لون العشب أخضر؟ أو اين الله؟ ومن اين ولدت؟ وكيف ولدت؟ وهل توجد كرة قدم في الجنة؟ يواجهون بردة فعل غاضبة وصارمة وزاجرة كأن يقال لهم لا توجهوا أسئلة غبية؟ أو أستغفر الله العظيم! أو تسخر منه أو تحملق في وجهه أو تضربه .. الخ. وهذا ما يعيق تفتح فطرته الطبيعية ونموها وتنميتها عقلانيا وإنسانيا. غير أن التربية التقليدية كثيراً ما تتعامل مع هذا الفضول بوصفه مشكلة ينبغي كبحها لا طاقة ينبغي تنميتها. فيتعلم الطفل منذ سنواته الأولى أن الصمت فضيلة، وأن الطاعة أهم من الفهم، وأن الإجابة الجاهزة أكثر أماناً من السؤال الحر إذ يحل الخوف محل المبادرة، ويصبح التلميذ أكثر اهتماماً بإرضاء السلطة التعليمية من اهتمامه باكتشاف الحقيقة. وما إن يصل إلى الجامعة حتى يكون قد فقد في كثير من الأحيان أهم ما يحتاجه الباحث الحقيقي: الرغبة في التساؤل. إن أخطر ما يفعله التعليم التقليدي أنه لا يقتل المعرفة، بل يقتل الرغبة في المعرفة. فهو لا يمنع الإنسان من التعلم فقط، بل يجعله يعتقد أنه تعلم بينما هو لم يفعل سوى حفظ ما قيل له. ولذلك نجد آلاف الخريجين الذين يحملون الشهادات ولكنهم عاجزون عن التفكير النقدي أو مواجهة المشكلات الجديدة أو الإبداع خارج الحدود المرسومة لهم.

يقول جون هوليت:"ليس علينا أن نجعل البشر أذكياء، فهم يخلقون كذلك بالفطرة وكلما علينا أن نفعله هو التوقف عن تربيتهم وتعليمهم الغباء الذي نحمله"

بيد أن مسألة نمو العلم وتقدمه وازدهاره ليست مسألة علمية بل تتعين في تلك المجالات الواقعة خارج العلم حيث يتأمل البشر طبيعة الكون والإنسان بأعمق معانيها وأشدها غموضا، وحيث يخلق الخيال الإنساني المؤسسات التي تسمح للأفراد بالاستمتاع على الدوام بالفضاءات المحايدة أو الأطر الميتافيزيقية والثقافية الأوسع التي تجري ضمنها أنماط العلاقات والممارسات والخطابات التي تتشكل في سياقها تصورات الإنسان عن ذاته وعن عالمه وعن الآخرين تشكيلاً عميقاً، وهذا هو معنى الثقافة بعدها منظومة كلية مركبة من كل ما نفكر فيه أو نقوم بعمله أو نتملكه أو نفضله كأعضاء في المجتمع، فالثقافة السائدة في حضارة ما بوصفها نموذجاً إرشادياً (باراديم) إما أنها تدعم قوى الإنسان العقلية والإبداعية أو تحد منها وتضيق فرص نموها وازدهارها. في ضوء هذا المنظور يمكن تمثيل العلاقة بين العلم والثقافة بعلاقة الابن والأم، فالثقافة هي الرحم الحي لتخصيب وميلاد ونمو العلم، فكيفما كانت صحة الأم يكون الابن سليماً أو سقيماً. وهكذا كانت وما برحت وظيفة الثقافة هي: تحضير ولادة الفيلسوف والمفكر والعالِم والفنان والمؤرخ والفقيه والأديب والناقد والكاتب والخبير والمربي والسياسي وكل ما يتصل بتفتيح وتنمية قوى الإنسان وقدراته ومواهبه العقلية والعاطفية والبدنية فإذا كانت الثقافة تشجع السؤال والاختلاف والحوار، فإن العلم يزدهر. أما إذا كانت تمجد الامتثال والخضوع واليقين المطلق، فإن العلم يتحول إلى مجرد زخرفة شكلية.

ومن هنا نفهم لماذا استطاعت دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين والهند أن تحقق نهضتها العلمية خلال عقود قليلة، بينما ما زالت المجتمعات العربية تراوح مكانها رغم ما تملكه من موارد بشرية ومادية كبيرة. فالمسألة لا تتعلق بعدد الجامعات ولا بحجم الإنفاق فقط، بل بالمكانة التي يحتلها العلم داخل البناء الثقافي للمجتمع.

إن التربية التي يحتاجها عصرنا ليست تربية الامتثال والطاعة بل تربية السؤال والاستنارة. وهي لا تعني رفض التراث، بل إعادة قراءته قراءة نقدية تجعل منه مصدر إلهام لا قيداً على المستقبل. كما أنها لا تعني الانبهار بالحداثة، بل القدرة على استيعاب منجزاتها وتحويلها إلى جزء من مشروع ثقافي أصيل.

إن التغيرات المتسارعة في مختلف مناحي حياتنا اليوم تجعل مفاهيم التربية والتعليم التقليدية موضع تساؤل : إذ كيف نعلّم التلاميذ بينما هناك نظريات ومناهج وموضوعات يكون قد عفا عليها الزمن قبل أن يترك التلاميذ مقاعدهم في المدرسة ويضيف أننا نعيش لحظة تاريخية فارقة تجعل التغييرات في الأشخاص عاجزة عن ملاحقة سرعة التغيرات الاجتماعية والثقافية والعلمية المتسارعة في العالم المعولم الذي يشهد انفجار الثورة العلمية والتقنية الرقمية على نحو لم يسبق له مثيل من آدم حتى الآن أقصد إن المعارف العلمية والقيم التربوية في عصر العولمة وإنكماش الزمان والمكان. عصر العلم والميديا الجديدة تعيش حالة من التغيير والتبدل بوتيرة متسارعة في بضع ساعات فقط. وهذا يعني إن تحديات الحياة المعاصرة لا يمكن مواجهتها الإ بالاستجابة الإيجابية الفعالة وتلك الاستجابة لا يمكنها أن تكون الإ بتغيير جذري في أدوات ومحتويات ووسائل وطرق التربية والتعليم العتيقة. فمجتمع الغد أما أن يكون في الروضة والمدرسة أو لا يكون. وهكذا يظل سؤال التربية الملح كما كان في كل العصور. ماذا نريد أن نكون؟!

إن النهضة تبدأ عندما يتحول العلم من مادة تُدرَّس إلى ثقافة تُعاش، ومن شهادة تُمنح إلى عقلية تُمارس، ومن معرفة تُستهلك إلى قدرة على الخلق والإبداع. وعندئذ فقط يصبح التعليم مشروعاً لتحرير الإنسان لا لترويضه، وتصبح الثقافة قوة للتغيير لا مجرد ذاكرة للماضي، ويولد الإنسان المستنير القادر على بناء عالم أكثر عدلاً وحرية وعقلانية.

***

ا. د. قاسم المحبشي

 

لطالما وقفت متاملا ومستغربا امام هذا التناقض الصارخ الذي طالما ناديت بضرورة اصلاحه وكتبت عنه مرارا، فبين اروقة الجامعات العراقية ومقاعد مدرجاتها، اجدني امام قصة نجاح اكاديمي لافتة تخطها المراة بامتياز، لكنها سرعان ما تصطدم بجدار سميك يعكس انعداما مؤلما للعدالة وتكافؤ الفرص كلما سعت للعبور الى مراكز صنع القرار الاداري.

انه لامر يثير الدهشة حقا ان نرى قاعات الدراسات العليا تعج بالطالبات اللواتي بلغت نسبتهن نحو 69% من اجمالي المقبولين، وتشكل التدريسيات ما يقارب نصف الملاك التعليمي العام بنسبة تتراوح بين 44% الى 49%، ثم نرى هذه الكثافة والفاعلية تنحسر بشكل حاد ومفاجئ كلما صعدنا في الهرم القيادي للتعليم العالي! ان هذا المشهد يكشف لي في كل مرة عن تلك الفجوة التمييزية العميقة التي تفصل بين التاهيل العلمي العالي والاستحقاق الاداري المغيب، وهو واقع يستوجب منا وقفة جادة ومراجعة جذرية.

هذا التناقض الذي يترجم غياب العدالة المؤسساتية يتجلى بصدمة الارقام في مستويات الادارة العليا، حيث تشير البيانات والتقارير الرصدية الى ان تمثيل النساء في منصب رئيس جامعة لا يتجاوز حاجز 2.9% فقط، وغالبا ما ينحصر هذا التمثيل الشحيح في كليات او جامعات مستحدثة مخصصة للبنات لابعادهم عن القيادة العامة، بينما تصدمنا الحقيقة الاكثر اجحافا في مناصب المدراء العامين داخل هيكلية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والتي تكاد تسجل نسبة 0%، مما يعني ان احتكار الرجال للقرار الاستراتيجي ورسم سياسات التعليم يتخطى حاجز 97%، في اقصاء متعمد لطاقات نسوية اثبتت تفوقها الرقمي والمعرفي في حقول العلم.

ومع النزول الاداري نحو القيادات الوسطى، يستمر مشهد غياب الانصاف وان بدا اقل حدة، اذ تتارجح نسبة النساء في عمادات الكليات بين 5% الى 12% فقط، مع حصر معظمها في التخصصات الانسانية واللغات، مقابل اقصاء شبه تام عن قيادة الكليات السياسية والهندسية والتقنية، في حين تسجل النساء الحضور القيادي الملحوظ فقط في رئاسة الاقسام العلمية بنسب تتراوح بين 25% الى 35% لكون هذه المواقع تعتمد مباشرة على الاستحقاق التلقائي للاقدمية الاكاديمية والجهد اليومي الميداني الذي لا يمكن تجاوزه، والذين يهرب منه الرجال لكثرة اعبائه وقلة امتيازاته السياسية.

ان هذا الخلل الرقمي الفاضح وفجوة العدالة القيادية لا يعودان مطلقا لقلة كفاءة المراة الاكاديمية او تراجع مؤهلاتها، بل هما نتاج مباشر لبيئة التعيينات للمناصب العليا التي تخضع لمعايير المحاصصة الحزبية والعلاقات والترتيبات الذكورية خارج اسوار الجامعة، حيث تساهم هذه التوازنات الضيقة في اقصاء الكفاءات النسوية وحرمانهن من التنافس العادل على مناصب تستحقها لغة الارقام والتفوق، مما يجعل من الضروري والملح كسر هذا الاحتكار واعادة النظر في آليات اختيار القادة الاكاديميين لتكون الكفاءة العلمية والعدالة الجندرية هما المعيار الوحيد والفيصل.

***

ا. د. محمد الربيعي

 

ثمة ظاهرة تستحق التأمل طويلًا في المشهد الثقافي العراقي بعد عام 2003. فمن اللافت أن عددًا غير قليل من الموظفين، بعد إحالتهم إلى التقاعد، اندفعوا نحو كتابة المقالات وتأليف الكتب التي توزعت بين الرواية والمذكرات والسرد الشخصي والانطباعات العامة عن المجتمع والسياسة والحياة اليومية. والمفارقة أن معظمهم لم يكن لهم، طوال سنوات عملهم الوظيفي، حضور يُذكر في الصحافة أو النشاط الأدبي أو الندوات الثقافية أو حتى في الهامش الاجتماعي الذي يدور عادة حول الكتابة والقراءة. لا يتعلق الأمر هنا بإصدار حكم قيمي مباشر على ما يكتبونه، فذلك شأن آخر تحكمه معايير النقد والجماليات واللغة والبناء الفني. إنما تكمن الملاحظة الأساسية في طبيعة هذا التحول المفاجئ نفسه: كيف ينتقل شخص أمضى أربعين عامًا بعيدًا عن أي ممارسة كتابية واضحة، إلى السعي الحثيث لاكتساب صفة “الكاتب” أو “الروائي” أو “الصحفي” في مرحلة عمرية متأخرة؟ وما الذي يدفع إنسانًا عاش داخل نظام الوظيفة، بقوانينه ورتابته اليومية، إلى محاولة إعادة تعريف ذاته من خلال الكتابة بعد أن يغادر مكتبه الأخير؟

إعادة تعريف الذات

في الظاهر، قد يبدو الأمر مجرد هواية متأخرة أو رغبة بريئة في تمضية الوقت، لكن الاقتراب من هذه الظاهرة يكشف طبقات أعمق من المعاني النفسية والاجتماعية. فالكتابة هنا لا تظهر دائمًا بوصفها فعلًا أدبيًا خالصًا، بل بوصفها محاولة لإعادة ترميم صورة الذات بعد انهيار الدور الاجتماعي القديم. ذلك أن الوظيفة، في المجتمعات التي تقوم على البيروقراطية الصارمة، لا تمنح الإنسان موردًا اقتصاديًا فقط، بل تمنحه أيضًا تعريفًا واضحًا لوجوده. وحين يفقد هذا التعريف مع التقاعد، يشعر فجأة بأنه خرج من مركز الحياة إلى هامشها الصامت.

لقد كان الموظف، لسنوات طويلة، يدخل إلى مؤسسته بوصفه شخصًا معروفًا بالاسم والصفة والموقع الإداري. كان يمتلك مكتبًا وختمًا وسلطة توقيع، وكان حضوره اليومي جزءًا من حركة المجتمع. لكن التقاعد يقطع هذه الصلة دفعة واحدة. وفجأة يجد نفسه أمام وقت فائض، وأمام شعور ثقيل بأن العالم يمضي من دونه. عند تلك النقطة بالتحديد، تبدو الكتابة وكأنها وسيلة لاستعادة الاعتراف الرمزي بالوجود.

وثائق نفسية

ولهذا يمكن قراءة كثير من هذه النصوص بوصفها وثائق نفسية واجتماعية أكثر من كونها أعمالًا أدبية مكتملة الشروط. فالقيمة الحقيقية لبعضها لا تكمن في براعة الأسلوب أو تعقيد البناء السردي، بل في ما تحتويه من تفاصيل خام عن الحياة اليومية والتحولات الاجتماعية والعلاقات الإنسانية داخل مؤسسات الدولة والمدن والأحياء القديمة. إن بعض هذه الأعمال، على الرغم من بعدها الواضح عن المعايير الفنية للأدب، تظل قابلة للقراءة بوصفها مادة أرشيفية قد يعود إليها باحث أو مؤرخ أو حتى روائي يبحث عن ملامح عصر كامل جرى تسجيله من الداخل، بعفوية غير مقصودة أحيانًا.

ويبرز هذا الأمر خصوصًا في المذكرات التي تُقدَّم تحت لافتة “الرواية”. فكأن كلمة “رواية” تمنح التجربة الشخصية شرعية جمالية لا تملكها في أصلها. وهنا تتكشف واحدة من أكثر الظواهر دلالة في الثقافة العربية المعاصرة: اتساع مفهوم الرواية إلى درجة أصبحت معها قادرة على احتواء أي شيء تقريبًا؛ الذكريات، واليوميات، والشهادات الشخصية، وحتى التداعيات العابرة. لقد تحولت الرواية، في نظر كثيرين، إلى الوعاء الأكثر مرونة لتمرير السيرة الذاتية تحت غطاء أدبي يمنحها قيمة رمزية أعلى.

انهيار الشرعية الثقافية

غير أن المسألة لا تتعلق فقط بطموح فردي متأخر، بل ترتبط أيضًا بالتحولات العميقة التي أصابت مفهوم الثقافة بعد عام 2003. فقد انهارت، إلى حد كبير، الحدود التقليدية التي كانت تفصل بين الكاتب والقارئ، وبين النص الأدبي والخبرة الشخصية، وبين النشر الاحترافي والنشر العابر. أصبح بإمكان أي شخص أن يطبع كتابًا، أو ينشر نصًا، أو يعلن نفسه كاتبًا من دون المرور بالسياقات الصارمة التي كانت تفرضها الصحافة الثقافية أو المؤسسات الأكاديمية أو التراكم المعرفي الطويل.

لقد تغيرت فكرة “الشرعية الثقافية” نفسها. ففي زمن سابق، كان الكاتب يصل إلى الاعتراف بعد سنوات من الاحتكاك بالمجلات والصحف والندوات والقراءات المتخصصة. أما اليوم، فقد صار اللقب الثقافي متاحًا بدرجة غير مسبوقة، وأصبح الانتقال من القارئ إلى الكاتب يحدث أحيانًا بلا مقدمات واضحة. وهذا التحول، على الرغم مما يثيره من فوضى وارتباك، يكشف أيضًا عن نزعة ديمقراطية كامنة في الثقافة الحديثة؛ نزعة تسمح للأصوات المؤجلة بأن تتكلم أخيرًا، حتى وإن جاءت تلك الأصوات مرتبكة أو غير مكتملة.

الحاجة إلى الاعتراف

من الخطأ النظر إلى هذه الظاهرة بسخرية متعالية، كما يفعل بعض المثقفين الذين يتعاملون مع الكتابة بوصفها امتيازًا نخبويًا مغلقًا. فالرغبة المتأخرة في الكتابة قد تكون، في جانب منها، تعبيرًا عن حاجة إنسانية عميقة إلى الاعتراف والسرد وإعادة ترتيب الحياة داخل معنى يمكن احتماله.

إن الإنسان، حين يتقدم في العمر، يشعر بحاجة متزايدة إلى مراجعة قصته الشخصية، وإلى تحويل سنواته الماضية إلى حكاية قابلة للرواية. وربما لهذا السبب تحديدًا تظهر المذكرات في المراحل المتأخرة من العمر أكثر من أي مرحلة أخرى.

فالكتابة، في جوهرها، ليست دائمًا فعل إبداع بقدر ما هي مقاومة للنسيان. والموظف المتقاعد الذي يكتب مذكراته أو روايته الأولى لا يحاول بالضرورة أن ينافس كبار الأدباء، بل يحاول غالبًا أن يقول إنه كان هنا، وإن حياته لم تمر من دون أثر. إنه يكتب ضد الاختفاء أكثر مما يكتب من أجل الأدب.

ولعل هذا ما يمنح بعض هذه النصوص مسحتها الإنسانية الخاصة، حتى عندما تكون ضعيفة من الناحية الفنية. فخلف اللغة المرتبكة أو السرد المترهل، يمكن أحيانًا أن نلمح خوفًا دفينًا من الصمت، ومن التلاشي داخل عالم سريع النسيان. إن الكتابة هنا تصبح شبيهة بمحاولة متأخرة لوضع اسم على جدار الزمن قبل أن يُمحى كل شيء.

من جهة أخرى، تكشف هذه الظاهرة عن فراغ ثقافي عميق عاشته أجيال كاملة داخل النظام الوظيفي العربي. فقد أمضى كثير من الموظفين حياتهم في أداء أعمال روتينية استنزفت طاقتهم الداخلية، ولم تترك لهم فرصة حقيقية لاكتشاف ميولهم الفكرية أو الإبداعية. وحين انتهت الوظيفة، بدا كأنهم يستعيدون فجأة جانبًا مؤجلًا من ذواتهم. وربما لهذا تأتي كتاباتهم محملة أحيانًا بطاقة اعتراف متأخرة، وكأنها محاولة لتعويض ما ضاع من العمر.

نصوص متعجلة

ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن هذه الموجة الواسعة من الكتابة قد أفرزت أيضًا قدرًا كبيرًا من النصوص المتعجلة والضعيفة، تلك التي تخلط بين الرأي الشخصي والأدب، وبين التوثيق والانفعال المباشر. غير أن هذه الفوضى ليست معزولة عن السياق الثقافي العام الذي يعيش هو الآخر أزمة معايير واختلاطًا في المفاهيم. فحين تصبح الشهرة أسرع من التجربة، ويصبح النشر أسهل من التعلم، فإن المجال الثقافي كله يدخل في منطقة رمادية تتراجع فيها الحدود التقليدية بين الكاتب الحقيقي ومن يكتفي بادعاء الصفة. لكن، رغم كل ذلك، تبقى هذه الظاهرة جديرة بالانتباه لأنها تقول شيئًا مهمًا عن الإنسان المعاصر أكثر مما تقول عن الأدب نفسه. إنها تكشف عن خوف الإنسان من أن يعيش حياة كاملة ثم يرحل من دون أن يترك وراءه أثرًا لغويًا يدل عليه. ولهذا تبدو الكتابة، في كثير من هذه الحالات، أشبه بمحاولة أخيرة لترميم المعنى الشخصي للحياة بعد أن تنتهي الأدوار الاجتماعية الكبرى.

فالإنسان لا يكتفي بأن يعيش، بل يريد أيضًا أن يروي أنه عاش. والكتابة، مهما كانت متواضعة، تمنحه هذا الوهم الجميل: أن صوته قد يبقى قليلًا بعد أن يصمت العالم من حوله.

***

مروان ياسين الدليمي

(نظرة في الفرق بين الشرح على المتون والنظريات القانونية)

تمهيد: لا يمكن فهم التطور التاريخي للأنظمة القانونية دون التمييز الدقيق بين مرتبتين علميتين في عالم القانون: مرتبة "شارح القانون" ومرتبة "الفقيه القانوني".

ويرتبط هذا التمييز تاريخياً بالصراع المنهجي بين المدرسة اللفظية (الشرح على المتون) والمدرسة التحليلية الفلسفية التي تصيغ النظريات وتستنبط المقاصد.

أولاً: مدرسة الشرح على المتون (السياق التاريخي)

ظهرت في فرنسا خلال القرن التاسع عشر مدرسة فقهية عُرفت بـ مدرسة الشرح على المتون، وقد قامت هذه المدرسة على تقديس النص التشريعي (خاصة تقنين نابليون الصادر عام 1804) واعتباره المصدر الوحيد والكامل للقانون، مع التركيز الصارم على التفسير الحرفي للنصوص والبحث عن الإرادة المفترضة للمشرّع وقت وضع النص.

وقد تعرضت هذه المدرسة لاحقاً لانتقادات واسعة؛ لأنها نظرت إلى القانون نظرة شكلية جامدة، تكتفي بظاهر اللفظ وتغفل المقاصد والأهداف الاجتماعية، الاقتصادية، والإنسانية التي يتغياها القانون كظاهرة ديناميكية متطورة.

ثانياً: الفقه القانوني وفلسفته:

الفقه القانوني (Jurisprudence) هو مجموعة الآراء والتحليلات والبحوث الإبداعية التي يصدرها علماء القانون. وهو يتجاوز رصد الأحكام إلى دراسة ماهية القانون وفلسفته وأسسه، ويعتمد في ذلك على عدة محاور أساسية:

 1. المنهج المقارن: يهدف إلى مقارنة النظم القانونية المختلفة (كالقانون اللاتيني والقانون العام) لاستنباط القواعد والمبادئ المشتركة.

 2. فلسفة القانون: البحث في جوهر القانون، غايته، ومدى ارتباطه بالعدالة والأخلاق والمنطق.

 3. صياغة النظريات: وضع الأطر والمبادئ العامة الكبرى التي تُبنى عليها الأنظمة القانونية (مثل نظرية الحق، نظرية العقد، ونظرية الظروف الطارئة).

 4. التفسير التحليلي والتوجيهي:

لا يقتصر الفقه هنا على تفكيك النص، بل يحلله ويقيمه ليوضح مراميه للقضاة والمحامين، ويرشد المشرع نحو الثغرات لتعديلها.

وتتميز طريقة الشرح الفقهي الحديث بمزج النظري بالتطبيقي؛ كما نلمسه في شروحات الأستاذ الدكتور عبد الرزاق السنهوري والأستاذ الدكتور عبد المجيد الحكيم في القانون المدني، والدكتور مالك دوهان الحسن في علم أصول القانون، والدكاترة علي حسين خلف وسلطان الشاوي وواثبة السعدي في قانون العقوبات.

ثالثاً: أوجه الاختلاف بين شارح القانون والفقيه القانوني

 1. شارح القانون:

هو الممارس أو الأكاديمي الذي يقتصر عمله على تفسير النصوص القانونية القائمة، وبيان معانيها الظاهرة وكيفية تطبيقها المباشر على الوقائع العملية.

 أبرز خصائصه:

   أ. التركيز التام على النص القانوني القائم (الوضعي) والالتزام بالتفسير التقليدي والحرفي.

ب. عدم الخوض في فلسفة القانون أو نقد السياسة التشريعية.

ح. السعي لبيان "إرادة المشرّع" الحالية بدلاً من السعي لتطوير القانون مستقبلاً.

 د. تمثيله في الواقع: يظهر هذا الدور غالباً لدى كثير من الممارسين من محامين ومستشارين وموظفين قانونيين، وكذلك لدى المؤلفين الذين يعتمدون أسلوب شرح القوانين "المادة تلو الأخرى".

2. الفقيه القانوني

هو المفكر والباحث الاستراتيجي الذي يتجاوز الحدود الجامدة للشرح التقليدي، ليتعمق في بناء النظريات القانونية، وتحليل فلسفة القانون، ونقد التشريعات القائمة واقتراح البدائل.

 أبرز خصائصه:

أ. البحث الدائب عن "روح القانون" ومقاصده الكبرى لا مجرد ألفاظه.

ب. ابتكار النظريات القانونية وصياغة القواعد الكلية وتطويرها.

ج. التأثير المباشر في حركة التشريع (توجيه المشرع) وفي اتجاهات القضاء (توجيه المحاكم).

 د. الربط العضوي بين القانون والواقع الاجتماعي، السياسي، والاقتصادي.

 منهجه:الفقيه في هذه المرتبة لا يكتفي بالسؤال: (ماذا يقول النص؟)، بل يتساءل عميقاً: (لماذا وُضع النص؟ وهل ما زال يحقق غايته وعدالته؟ وكيف يمكن تطويره؟).

رابعاً: الفقيه صانع النظريات القانونية (المدارس الفكرية الكبرى)

إن القوانين الإنسانية لم تتطور عبر الشراح التقليديين، بل بفضل فقهاء وفلاسفة أسسوا مدارس ونظريات كبرى صاغت وجه العالم الحديث:

1- مدرسة القانون الطبيعي: ترى أن العدالة تستمد وجودها من مبادئ عقلية وأخلاقية أسمى وثابتة في نظام الكون، وليست مجرد إرادة للحاكم. ومن ابرز روادها: أرسطو، شيشرون، توما الأكويني، جون لوك).

 2- مدرسة العقد الاجتماعي:

بحثت في أصل الدولة وشرعية السلطة، معتبرة القانون وليد توافق مجتمعي.

ومن ابرز روادها: توماس هوبز، جون لوك، جان جاك روسو).

 3- المدرسة الوضعية القانونية:

تفصل بين القانون والأخلاق، وترى أن القانون يستمد قوته وصلاحيته من صدوره عن السلطة المختصة وفق إجراءات شكلية صحيحة.

ومن ابرز روادها: جيرمي بنثام، جون أوستن، هانس كلسن، هيربرت هارت.

 4- المدرسة التاريخية والاجتماعية: ربطت القانون بالتطور التاريخي للمجتمعات وباعتباره ظاهرة اجتماعية تنبع من ضمير الجماعة. ومن ابرز روادها: سافيني، إيرنج، وروسكو باوند.

5- مدرسة البحث العلمي الحر (المختلطة)،  مؤسسها وزعيمها الفقيه الفرنسي "فرنسوا جيني" الذي نادى بضرورة النظر إلى القاعدة القانونية من حيث شكلها وجوهرها معاً.

يرى جيني أن القاعدة القانونية تتكون من عنصرين: عنصر "العلم" (الحقائق الواقعية والتاريخية والعقلية) وعنصر "الفن" أي الصياغة (القالب الفني للنصوص).

خامساً: إسهام الفقه الإسلامي في بناء النظريات القانونية:

لم يكن بناء النظريات القانونية حكراً على الفكر الغربي؛ بل قدم الفقه الإسلامي منظومات سابقة ومتطورة جداً في فلسفة التشريع وأصوله:

 1- الإمام جعفر الصادق:

أ. أسهم بشكل استراتيجي في تأصيل قواعد الاستنباط وترسيخ دور العقل في الاجتهاد من خلال تقنين منهجية استنباط الأحكام ومنح "العقل" حجية ومكاناً بارزاً كأحد أدلة استنباط القانون (إلى جانب القرآن والسنة والإجماع). واعتبر العقل أداة لتمييز ملاكات الأحكام (العلل والتشريعات) (1)..

 ب. إرساء القواعد الأصولية الكبرى:

يُعزى إليه تأصيل قواعد تشريعية حمائية كبرى، مثل قاعدة "الاستصحاب" (وهي البقاء على اليقين السابق حتى يثبت العكس، وهو المعبر عنه حديثاً بأصل البراءة أو "المتهم بريء حتى تثبت إدانته")، وقواعد "نفي الضرر" و"الفراغ والتجاوز" التي تحمي استقرار المعاملات.

 ج. الأبوة الفقهية لأئمة المذاهب:

امتد أثره ليكون أستاذاً لعمالقة الفقه؛ فالإمام أبو حنيفة النعمان لازم الإمام الصادق سنتين وقال مقولته الشهيرة: "لولا السنتان لهلك النعمان".

كما كان الإمام مالك بن أنس يحضر مجلسه ويروي عنه، وهو القائل فيه: "ما رأت عينٌ، ولا سمعت أذنٌ، ولا خطر على قلب بشرٍ، أفضل من جعفر بن محمد فضلاً وعِلماً وورعاً".

 2- الإمام الشافعي: واضع علم أصول الفقه بشكل منهجي مدون في كتابه التأسيسي *"الرسالة"*.

 3- الأئمة (الجويني والغزالي والشاطبي): تدرجوا في صياغة "نظرية مقاصد الشريعة" ؛ بدءاً من التمهيد لها، مروراً بصياغة الكليات الخمس (حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، المال) على يد الغزالي، وصولاً لتكامل النظرية بصورتها النهائية لدى الشاطبي، وتأسيس العز بن عبد السلام لفكرة الموازنة بين المصالح والمفاسد.

 4- ابن خلدون: الذي درس القانون والتشريع بوصفهما ظاهرة اجتماعية وثيقة الارتباط بالعمران البشري وطبيعة الدولة.

 5- مجلة الأحكام العدلية: التي تمثل إعجازاً تقنينياً، حيث حوّلت الفقه المذهبي السائل (2) إلى مواد قانونية موضوعية ومبوبة، أثرت بشكل مباشر في صياغة القوانين المدنية العربية الحديثة.

سادساً: قمم الفقه القانوني المعاصر (السنهوري والصدر)

تجلى الفقه القانوني في أبهى صوره التجديدية في العصر الحديث عبر قمتين شامختين:

 1. الدكتور عبد الرزاق السنهوري (1895–1971)

يُعد "عميد الفقه القانوني العربي الحديث" حيث

أ. نجح في الجمع بين فلسفة الفقه الإسلامي والقوانين المدنية الغربية الحديثة.

 ب. صاغ أهم القوانين المدنية العربية (المصري، العراقي، السوري، الليبي).

  ترك موسوعته التاريخية "الوسيط في شرح القانون المدني" كمرجع لا غنى عنه.

ب. طور نظريات الحق والالتزام والعقد برؤية تجمع بين الأصالة والمعاصرة.

2. السيد محمد باقر الصدر (1935–1980)

يُعد من أبرز المفكرين والمجددين في الفقه والأصول والنظرية القانونية الإسلامية المعاصرة. حيث ابدع في

أ. تجاوز الاستنباط الفردي والتقليدي إلى بناء "نظريات نسقية متكاملة"، فتجلى ذلك في صياغة نظرية اقتصادية كبرى في كتابه "اقتصادنا"، ورؤية فلسفية للنظام الاجتماعي في "فلسفتنا".

ب. طور مباحث علم أصول الفقه وعمّق مناهج التحليل العقلي والمنطقي فيه، رابطاً التشريع بمتطلبات التطور ومفهوم العدالة الاجتماعية.

وعلى النحو المتقدم مثّل السنهوري قمة التطور في الفقه القانوني الوضعي العربي، بينما مثّل محمد باقر الصدر قمة التجديد في الفقه والأصول والنظرية القانونية الإسلامية المعاصرة.

 الخاتمة

إن شارح القانون مفسرٌ ومبينٌ للأحكام يقف عند حدود اللفظ وصناعة التطبيق، أما الفقيه القانوني فهو مبتكرٌ ومطورٌ  يبحث في الفلسفة والمقاصد.

فكل فقيه قادر على شرح القانون، ولكن ليس كل شارح للقانون فقيهاً لأن الفقه مرتبة معرفية عميقة تتجاوز الوصف والتفسير إلى الإبداع وبناء النظريات.

وأمام تعقد العلاقات الإنسانية وتطور المجتمعات، تبرز الحاجة الملحة دوماً للفقهاء القادرين على استلهام روح القانون، بدلاً من الانكفاء تحت عباءة النصوص الحرفية الجامدة.

***

فارس حامد عبد الكريم

............................

(1) ملاكات الأحكام (جمع مَلاك) مصطلح يُقصد به في الفقه وأصول الفقه المصالح والمفاسد الكامنة وراء الأحكام الشرعية، أو السبب والحكمة، و"المناط" الذي يدور حوله الحكم.

(2) مصطلح "الفقه المذهبي السائل" يشير إلى المنهجية الفقهية التي لا تجمد عند الحرفية في نقل وتطبيق آراء الأئمة والمذاهب الفقهية، بل تتعامل معها بمرونة وانفتاح بما يخدم مقاصد الشريعة، ويُستخدم هذا المصطلح في مقابل "الفقه الجامد" أو "المغلق"، الذي يحصر اجتهاده في إطار نصوص ومسائل مذهب معين دون الالتفات إلى سياق الواقع أو تغير أحوال الناس.

مكوناتها وجبهاتها في ضوء النصر والتحرر والصمود والسؤدد

مقدمة: مثل كلمة «اقرأ» الوحي الأول في الإسلام نقطة انطلاق حضارة شاملة قامت على طلب العلم، تحرير العقل، ومقاومة الجهل والظلم. ليست «حضارة اقرأ» حضارة دينية ضيقة، بل مشروع إنساني كوني يجمع بين الإيمان والعقل، والروح والمادة، والفرد والجماعة. في هذا الإطار، تُعد المقاومة ليست رد فعل ظرفياً، بل مبدأ وجودياً متجذراً في جوهر هذه الحضارة. هي مقاومة متعددة الأبعاد: مقاومة الجهل بالعلم، والظلم بالعدل، والاستعباد بالتحرر، والذل بالسؤدد. تتجلى عبر التاريخ في صور متعددة، مرتبطة ارتباطاً عضوياً بمفاهيم النصر (الذي يأتي بالتوفيق الإلهي والإعداد البشري)، والتحرر (من الاستعمار الخارجي والاستبداد الداخلي)، والصمود (الثبات على الحق رغم الضغوط)، والسؤدد (الرفعة والسيادة الحضارية). في هذه الدراسة المعمقة، نستعرض مكونات هذه المقاومة وجبهاتها المختلفة، مع ربطها بهذه القيم الأربع.

المكونات الأساسية للمقاومة في حضارة «اقرأ»

أولاً: المكون الإيماني-الروحي

يشكل الإيمان بالله الواحد وقوة الغيب أساساً متيناً للمقاومة. يمنح المؤمن شعوراً بالانتماء إلى مشروع أكبر من الزمن الحاضر، مما يولد صموداً أسطورياً. القرآن يربط بين الإيمان والصبر والنصر: «إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِين». هذا المكون يحول المقاومة من فعل يائس إلى عبادة وجهاد روحي، يحمي الإنسان من الانهيار النفسي أمام القوى الغاشمة. يتجلى في الصحابة الذين صمدوا في بدر وأحد، وفي مقاومة المسلمين للغزوات الصليبية والتتارية.

ثانياً: المكون العلمي-المعرفي

«اقرأ» أمر بالمعرفة، فالمقاومة تبدأ بتحرير العقل من الخرافة والتقليد الأعمى. بنى المسلمون حضارة علمية مزدهرة في بغداد والأندلس والقاهرة، مقاومين بذلك الجهل الذي كان سائداً في العصور الوسطى الأوروبية. العلم هنا مقاومة للاستعمار المعرفي: ترجمة المعارف اليونانية والفارسية والهندية، ثم تجاوزها بالنقد والإبداع. ابن سينا وابن رشد والخوارزمي والبيروني مثلوا مقاومة فكرية رفعت الحضارة الإسلامية إلى مصاف السؤدد العلمي، مقدمين نموذجاً للتحرر المعرفي.

ثالثاً: المكون الأخلاقي-الاجتماعي

تقوم الحضارة على العدل والإحسان والمساواة أمام الشريعة. المقاومة الاجتماعية ترفض الاستغلال والطبقية، وتدافع عن المستضعفين. هذا المكون يمنح المقاومة شرعية أخلاقية، فيجعلها حركة تحرر شاملة لا تقتصر على السياسة. الزكاة والوقف والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أدوات اجتماعية للمقاومة ضد الفقر والفساد، مما يعزز الصمود الجماعي.

رابعاً: المكون السياسي-العسكري

الدولة في حضارة «اقرأ» ليست غاية بل وسيلة لحماية الدين والنفس والعرض والمال. الخلافة الراشدة والدول الأموية والعباسية والعثمانية جسدت مقاومة سياسية للامبراطوريات المحيطة. الجهاد في سبيل الله (الدفاعي أساساً) يرتبط بالنصر والسؤدد، لكنه يقترن دائماً بالإعداد والحكمة: «وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة».

خامساً: المكون الثقافي-الحضاري

تشمل اللغة العربية، الفنون الإسلامية (العمارة، الزخرفة، الشعر)، والأدب مقاومة للذوبان الثقافي. المقاومة الثقافية تحافظ على الهوية وتنتج بدائل حضارية، كما حدث في الأندلس حيث ازدهر التعايش والإبداع رغم الضغوط.

الجبهات المختلفة للمقاومة

الجبهة الفكرية والتربوية

أخطر الجبهات وأعمقها. المقاومة هنا تتمثل في بناء الوعي وتعليم الأجيال على قيم «اقرأ». المدارس والجامعات (كالأزهر والقرويين) كانت حصوناً للصمود الفكري. في العصر الحديث، مقاومة الغزو الثقافي الاستعماري بالعودة إلى التراث النقدي وإحياء العلوم الشرعية والطبيعية. هذه الجبهة ترتبط بالتحرر من الاستعمار المعرفي، وتؤسس للسؤدد الحضاري طويل الأمد.

الجبهة السياسية والاقتصادية

تشمل مقاومة الاستبداد الداخلي والاستعمار الخارجي. اقتصادياً، المقاومة تكمن في الاكتفاء الذاتي، رفض الربا، وتطوير الصناعات. تاريخياً، نجح المسلمون في مقاومة الحصار الاقتصادي خلال الحروب الصليبية، وفي العصر الحديث في مواجهة الاستعمار الاقتصادي. النصر هنا يأتي بالصمود والابتكار، كما في نماذج التنمية الإسلامية التي تجمع بين العدالة والكفاءة.

الجبهة العسكرية والأمنية

ليست المقاومة العسكرية سوى جبهة واحدة، لكنها ضرورية عند الاعتداء. من فتح مكة إلى معارك حطين ودفاع القسطنطينية، يرتبط النصر بالإعداد والتوكل. الصمود في المعارك غير المتكافئة (كمقاومة التتار) يحول الهزيمة العسكرية المؤقتة إلى انتصار حضاري طويل الأمد.

الجبهة الاجتماعية والنسوية والشبابية

تشمل تمكين المرأة في التعليم والعمل (كما كانت عائشة رضي الله عنها عالمة ومقاومة)، وتفعيل دور الشباب كقوة تغيير. المقاومة الاجتماعية تبني مجتمعاً مترابطاً قادراً على الصمود أمام الأزمات.

الجبهة البيئية والمستقبلية

في عصرنا، تمتد المقاومة إلى حماية الكوكب كأمانة إلهية، ومواجهة تحديات الذكاء الاصطناعي والعولمة بقيم حضارة «اقرأ» التي تؤكد التوازن بين التقدم والأخلاق.

النصر والتحرر والصمود والسؤدد: علاقات جدلية

يمثل الصمود الركيزة: هو الثبات على المبادئ رغم الآلام، كما في قصة بلال والثبات في كربلاء وغيرها (مع الحفاظ على الإطار الإسلامي العام). يؤدي الصمود إلى التحرر، سواء كان تحرراً فردياً من الشهوات أو جماعياً من الاستعمار. أما النصر فهو نتيجة تراكمية، ليس دائماً عسكرياً بل حضارياً: انتصار الحضارة الإسلامية في حفظ المعارف ونشرها. ويتوج كل ذلك بالسؤدد، أي الرفعة والسيادة التي تجعل الحضارة قدوة، لا تابعاً. هذه القيم مترابطة: بدون صمود لا تحرر، وبدون تحرر لا سؤدد، وبالتوفيق الإلهي يأتي النصر.

خاتمة:

في حضارة «اقرأ»، المقاومة ليست استثناء بل قاعدة. هي مشروع متكامل يشمل كل جوانب الحياة، يقاوم به الإنسان المسلم كل أشكال الانهيار والذل. تاريخ هذه الحضارة مليء بفترات صمود أنتجت انبعاثاً حضارياً، كما بعد سقوط بغداد أو سقوط غرناطة. اليوم، تواجه الحضارة تحديات معاصرة تتطلب تجديداً في أساليب المقاومة دون المساس بثوابتها. العودة الحقيقية إلى «اقرأ» تعني بناء مقاومة واعية، علمية، أخلاقية، قادرة على تحقيق النصر والتحرر والصمود والسؤدد. إنها دعوة للأجيال لأن تكون جزءاً من مشروع حضاري مستمر، يقاوم الظلم ويبني المستقبل، مستلهماً من الوحي الأول: «اقرأ باسم ربك الذي خلق». هكذا تبقى المقاومة في حضارة «اقرأ» سر خلودها وقدرتها على التجدد عبر العصور. فهل يتسنى لنا أن نجعل من المقاومة كطريق الحضارة المستدامة؟

***

د. زهير الخويلدي - كاتب فلسفي

في توثيق الانكسارات والانتصارات الإمبراطورية

 التأسيس المعرفي للاستعمارية المضطربة وبنية القلق الإمبراطوري

تكشف القراءة التفكيكية المتعمقة لتاريخ الظاهرة الاستعمارية أنها لم تكن يوماً بنية مصمتة، أو واثقة من تفوقها المطلق؛ بل قامت في جوهرها على قلق وجودي مزمن أُطلق عليه في حقل دراسات ما بعد الاستعمار نسق "الاستعمارية المضطربة" أو "النزعة الاستعمارية القلقة". ويتجلى هذا الهلع المعرفي في التباين الصارخ بين الطموح التوسعي اللامتناهي للإمبراطوريات، والواقع المادي المتعثر الذي يسم بداياتها.

تعد التجربة الاستعمارية الإنجليزية المبكرة في القرن السادس عشر وبدايات القرن السابع عشر نموذجاً تاريخياً فريداً لهذا التعارض البنيوي؛ إذ تميزت بالتراجع والتخلف العملي مقارنة بالآلة الاستعمارية الإسبانية التي كانت قد أخضعت المكسيك وبسطت نفوذها الواسع قبل عقود من تأسيس شركة فرجينيا الاستعمارية في "جيمستاون".

أمام هذا العجز المادي والتعثر الميداني الذي انتهى بمذابح وهزائم متكررة، لجأت النخب الفكرية والأدبية الإنجليزية إلى سلاح "التراكم السردي والخطابي المفرط" للتعويض عن بؤس الواقع؛ وتمت صياغة نظريات تبريرية استندت إلى استعارة الضعف والقناعة بالأشياء البسيطة أو "التوافه"، لتسويق فكرة أن إنجلترا "الصغيرة" والمنعزلة ستقود العالم بنوع من العفة الروحية والرسالة الأخلاقية التي تتفوق بها على وحشية الاستعمار الإسباني. وبذلك، ولد الخطاب الإمبريالي من رحم العزلة القومية والاضطراب الوجودي، حيث تم توظيف الفضاء الاستعماري كمسرح تهكمي للتخلص من الهويات المشوهة، وإعادة صناعة الذات بوصفها المخلص التاريخي.

يمتد هذا المنظور النقدي ليفسر سلوك قوى إمبراطورية أخرى عاشت الهلع المعرفي ذاته؛ فالإمبراطورية اليابانية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، ورغم انتزاعها للوصاية الدولية على جزر جنوب المحيط الهادئ في مؤتمر فرساي عام 1919، جسدت نموذجاً صارخاً لـ "القوة المستكبرة والواثقة ظاهرياً، لكن القلقة والهشة باطنياً". كان هاجس البقاء والانتزاع للاعتراف الدولي يقض مضجع النخبة اليابانية التي كانت تخشى دائماً السقوط كضحية للقوى الغربية الاستعمارية الكبرى، مما جعل من حيازتها للمستعمرات عبئاً أمنياً ودافعاً لمزيد من التنازلات الاستراتيجية والقلق الوجودي بدلاً من كونه مصدر استقرار.

ويتسق هذا السلوك الإمبراطوري القلق تماماً مع المناورات المعاصرة للقوى الاستبدادية الكبرى، وصعود ظاهرة "الترامبية الجديدة" حيث" تتقنع البنية الإمبراطورية المعاصرة بالغطرسة الفجة، والاستعراض البلاغي، والاستخفاف بالقوانين الدولية، لإخفاء تصدعاتها الداخلية الراهنة ورعبها الوجودي من فقدان الأحادية القطبية.

تفكيك البنية الزمانية والمكانية للإزاحة الاستعمارية

يمثل المكان في الفلسفة التفكيكية مساحة مادية يجري شحنها بالرموز للتغطية على تصدعات البنية الحاكمة. وتعد كاتدرائية "القديس يوحنا الأنجليكانية" في مدينة بليز سيتي، والتي شُيدت بين عامي 1812 و1820 خلال فترة من المنافسة الاستعمارية المضطربة بين القوى الأوروبية، تجسيداً مادياً حياً لـ "المكان-زمان البنيوي" للإزاحة الكولونيالية.

إن إزاحة طقس التتويج الملكي بكل جلاله الكنسي والإمبراطوري من لندن إلى بقعة جغرافية نائية ومتواضعة في حوض الكاريبي لا يمثل مجرد استعراض للقوة، بل هو "استعارة كوميدية بائسة" ومحاكاة ساخرة تكشف رعب الإمبراطورية البريطانية المتداعية من فقدان السيطرة على خطوط الملاحة الاستراتيجية (وقناة السويس لاحقاً)، حيث أسقطت مشاعر القلق والترقب التاريخي على هذه المستعمرات النائية خوفاً من انتقام الشعوب المستضعفة التي وصفتها بالأمس بـ "الوحوش".

إن التتويج في المقبرة الاستعمارية يربط تهكماً بين طقس الولادة السياسية (التتويج) وفضاء الموت المادي (المقبرة)، معلناً انغلاق النطاق الاستعماري على نفسه، وتآكله البنيوي من الداخل عبر مشهد مسرحي يثير الازدراء والشفقة في آن واحد.

الكوميديا السوداء لمعاهدات فرساي: التفكيك النقدي لصلح المنتصرين وهزيمة الخاسرين

عند تطبيق المنهج التفكيكي على اللحظة التاريخية المفصلية لعام 1919 في قصر فرساي، يتجلى لنا كيف تحولت القاعات الفارهة إلى مسرح لمعالجة القلق الإمبراطوري عبر إنتاج منظومة من المعاهدات القهرية التي وزعت الهزائم والمكاسب بأسلوب تدميري يحمل في طياته بذور فنائه. لم يكن "صلح فرساي" وثيقة قانونية لإقرار السلام بقدر ما كان صياغة بلاغية انتقامية تهدف إلى هندسة الوجود السياسي للدول الخاسرة عبر آليات الإذلال المكاني والزماني.

تمثلت أولى هذه المعاهدات في "معاهدة فرساي" مع ألمانيا، والتي صيغت في قاعة المرايا ذاتها التي شهدت إعلان قيام الإمبراطورية الألمانية عام 1871. إن اختيار هذا المكان بالتحديد يعكس رغبة المستعمر الفرنسي والبريطاني في ممارسة فعل "المحاكاة الساخرة" للتاريخ؛ حيث تحول مكان التتويج الألماني القديم إلى مقصلة سياسية واقتصادية فرضت على برلين العزل العسكري الكامل، والاعتراف الفردي بالمسؤولية عن الحرب، ودفع تعويضات باهظة أصابت البنية الوجودية للدولة بالشلل. هذا الإفراط الانتقامي يعكس "اضطراب الوعي الذاتي" للمنتصرين الذين حاولوا طرد شبح الخوف من القوة الألمانية القادمة عبر تكبيلها بنصوص تعسفية قلقة.

لم تقف الهندسة الجغرافية الانتقامية عند حدود ألمانيا، بل امتدت لتفكيك أوصال الإمبراطوريات المهزومة الأخرى عبر منظومة معاهدات فرساي الفرعية. فجاءت "معاهدة سان جيرمان" (1919) لتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، محولة إياها من كيان إمبراطوري شاسع إلى جمهورية النمسا الصغيرة المحفوفة بالضعف الاقتصادي، مع حظر اندماجها مع ألمانيا، وهو ما مثّل حكماً بالإعدام الجيوسياسي القائم على عزل المكونات القومية وتفتيتها. ثم تلتها "معاهدة تريانون" (1920) التي بترت ثلثي مساحة المجر وألحقت ملايين المجر بالدول المجاورة، لتقدم نموذجاً صارخاً لكيفية إعادة رسم الخرائط بناءً على نزوات إمبراطورية قلقة تسعى لإنشاء حواجز بشرية وجغرافية واهية لحماية مصالحها المستقبلية.

أما "معاهدة نويي" (1919) مع بلغاريا، فقد جردتها من ممراتها الاستراتيجية نحو بحر إيجة لصالح اليونان، مما رسخ مفهوم العقاب الجغرافي وحرمان الدول المهزومة من مقومات الحياة الاقتصادية المستقلة. وتوجت هذه السلسلة بـ "معاهدة سيفر" (1920) الإقصائية التي استهدفت تفكيك تركة الدولة العثمانية، وتقسيم الأناضول والمشرق العربي إلى مناطق نفوذ استعمارية مباشرة بين فرنسا وبريطانيا وإيطاليا.

إن التفكيك النقدي لهذه المعاهدات يكشف أنها لم تكن خطة لبناء عالم مستقر، بل كانت استعراضاً مسرحياً مفرطاً حاول من خلاله المستعمرون الغربيون التغطية على تصدعاتهم الداخلية وأزماتهم الوجودية عبر تحويل جغرافيا الخاسرين إلى أراضٍ مستباحة ومقاطعات تابعة. وهو ما يحاكي تماماً بنية "التتويج البائس" في بليز؛ حيث تُبنى أمجاد الإمبراطورية فوق مقابر المهزومين، مما يحول السلام المزعوم إلى مهزلة تاريخية ومأساوية مكشوفة.

التوقيت الرمزي والمأزق الإمبراطوري المتجدد

تصل الاستعارة التهكمية للأمكنة والمواقيت إلى ذروتها الكوميدية السوداء عند تأمل السلوك السياسي الحديث للقوى الغربية في تعاطيها مع ملفات الشرق الأوسط، وتحديداً من خلال استدعاء قصر فرساي كموقع لإدارة وتوقيع التفاهمات والاتفاقيات الاستراتيجية مع إيران.

إن تكرار توظيف قصر فرساي في العصر الحديث لاستضافة هذه المشهديات السياسية يحمل دلالة رمزية بالغة الأهمية في الفلسفة النقدية؛ فالغرب، الذي يعيش اليوم طور "الاستعمارية المضطربة الجديدة" ويواجه تراجعاً بنيوياً في هيمنته الأحادية أمام الصعود التعددي للقوى الإقليمية، يحاول استدعاء "مكان الإخضاع التاريخي الأول" (فرساي 1919) ليضفي مشروعية إمبراطورية وهمية على مفاوضاته المعاصرة. وتتجلى هنا "الترامبية الجديدة" في أبهى صورها التهكمية؛ حيث يظن العقل الإمبريالي المأزوم أن استدراج طرف شرقي كإيران للتفاوض أو صياغة التفاهمات في فضاء فرساي يمثل محاولة ناجحة لإعادة إنتاج طقوس الهيمنة القديمة، وإيهام الذات الغربية بأنها ما زالت تمتلك القدرة على تحديد مصائر الأمم ورسم خرائط النفوذ من داخل الصالونات الفرنسية ذاتها.

لكن المفارقة التفكيكية هنا تكمن في تحول هذا الطقس الرمزي من مظهر للقوة إلى "مهزلة سياسية مكررة واستخفاف مفضوح". فبينما كان فرساي عام 1919 يمثل لحظة إملاء الشروط الصارمة من موقع المنتصر المطلق، تحول في القرن الحادي والعشرين إلى فضاء للمساومات المعقدة والاعتراف الضمني بالقوى الصاعدة.

إن التوقيت الرمزي والمكاني للتفاوض في فضاءات فرساي التاريخية يكشف عن رعب غربي كامن من تفكك المنظومة الدولية التي تأسست بعد الحرب العالمية الأولى؛ فالمستعمر الجديد لم يعد يمتلك القدرة على فرض "معاهدة سيفر" جديدة أو "فرساي" قهرية ثانية، بل أصبح يستجدي الحفاظ على الوضع القائم عبر إضفاء مسحة من الوقار الإمبراطوري التاريخي على تراجعاته الدبلوماسية المستمرة. وبذلك، تصبح رمزية فرساي المعاصرة استعارة كوميدية بائسة؛ حيث يتم استدعاء مسرح الانتصارات الخالية للتغطية على انكسارات الحاضر، وعجز الآلة الاستعمارية عن فرض إرادتها المطلقة.

الفلسفة التفكيكية والآليات الإدراكية لتوثيق الهزيمة

 ينطلق التفكيك المعرفي لخطابات الهزيمة من تفنيد القوانين التاريخية التي تحاول القوى المهيمنة فرضها كحقائق أزلية. ويرى كارل ماركس في أطروحته الشهيرة أن "التاريخ يعيد نفسه؛ في المرة الأولى كمأساة، وفي الثانية كمهزلة". غير أن الجانب التهكمي والساخر يتبدى بوضوح عندما تسعى النظم الاستبدادية والوكلاء المحليون إلى تحويل أدوات القمع الداخلي إلى رموز "تقدمية" أو دروع واقية، بزعم الوقوف في وجه التدخلات الإمبريالية المعولمة والترامبية الجديدة.

هنا تبرز السخرية والكوميديا السوداء كآليات نقدية وراديكالية ضرورية لتفكيك خطابات الهزيمة المزمنة، والتي تحاول الأنظمة والتعبئة الأيديولوجية الاستعمارية تحويلها من "حدث طارئ في الزمن" إلى "طبيعة بيولوجية وثقافية ثابتة" لدى المهزومين، لضمان انكفائهم على ذواتهم ورفضهم لأي محاولة للتغيير أو المقاومة.

بنيوية السخرية والاستخفاف

تتميز السخرية والاستهزاء بكونهما أدوات تعبيرية ذات بنيات إدراكية معقدة؛ فهما لا يقابلان الفكرة بفكرة موضوعية تفصيلية داحضة، بل يعتمدان على آليات خطابية وأدبية تهدف إلى تحقير خطاب الهيمنة وتوهينه في مشاعر المتلقي. ويؤدي هذا الأسلوب إلى وضع المخاطب (المستعمر أو المستبد) في مأزق نفسي حاد يمنعه من تبني الفكرة المستهدفة بالسخرية وقاية لنفسه وحفاظاً على كرامته واحترامه الاجتماعي أمام الآخرين.

وتكمن قوة السخرية التفكيكية في أنه لا يوجد دفاع موضوعي نافع ضدها؛ لأنها لا تلتزم بقواعد النقاش العقلاني المنظم، بل تعمل على الهتك البنيوي وتعرية التناقض الفاضح في خطاب الهيمنة، وتنزع عنه صفة الرصانة والوقار الزائفين.

يرتبط هذا التكتيك النقدي بنظريات المقاومة الثقافية الشعبية حيث كانت الكلمة الساخرة تاريخياً أداة للمستضعفين والعبيد لمواجهة غطرسة السادة وتجريدهم من ترفعهم الواهي، كما يتضح في شعر الهجاء الذي يقلب المعايير الجمالية والاجتماعية السائدة رأساً على عقب. وفي مواجهة السخرية الاستعمارية الفجة والمواقف الترامبية المتغطرسة، تنشأ حركات مقاومة لغوية وجسدية تعيد صياغة ردود الأفعال عبر مناورات إيمائية مبتكرة، تهدف إلى تفريغ تنمر المستعمر أو المستبد من فاعليته، وجعله هو ذاته موضع شك وضحك مكتوم؛ لتظل الاستعارة التهكمية للتاريخ والمكان السلاح الأقوى في تعرية بنية الاستعمارية المضطربة عبر العصور.

***

غالب المسعودي

أطروحات مالك بن نبي مهمة لمن ينظر إلى الاختلال الثقافي بوصفه معيقاً للنهوض العلمي والاقتصادي في المجتمعات العربية. تحدث مالك عن «الدروشة» التي حوّلت التراث من معرفة نشطة إلى مخدر للروح. كما دعا إلى عقلنة الثقافة التي تحدد اتجاهات السلوك الفردي والجمعي.

الإنسان هو نقطة الاشتباك في أي نقاش حول التقدم. هذا رأي لا يجادل فيه أحد، كما أظن. وهو يستدعي سؤالاً ضرورياً: ما دام اتفق الناس على أن كلاً منهم نقطةُ الاشتباك ومحور الجدل، فهل يَعُون أيضاً ما الذي ينبغي فعله كي نتقدم؟ وإذا كانوا يستوعبون أبعاد هذا السؤال، فهل يحاولون فعلياً وضع أقدامهم على طريق التقدم، أي هل يحاولون العثور على الجواب العملي لذلك السؤال؟

أريد هنا إيضاح نقطة ترد إلى ذهني بين حين وآخر، وخلاصتها أن العمل الفكري المهم لمالك بن نبي، لم يتواصل على أيدي مفكرين آخرين من بعده. أو لنقل على سبيل التحفظ إن المشروعات الفكرية التي تستهدف الغاية نفسها، أي التقدم، ليست كثيرة أو مترابطة، بل يبدو كل منها، مثل نخلة منفردة في صحراء، يثير الاهتمام، لكن يصعب التعرف إلى الخيوط التي تربطه بما قبله.

أعتقد أننا بحاجة إلى شيء يشبه عمل الفيلسوف المعاصر، أمارتيا سن، الذي وقف أمام فرضيات، جون رولز، في نظريته الشهيرة حول العدالة، ثم قال لنفسه: «كل بلد، حتى أكثره فقراً، تتوفر فيه فرص كثيرة لتحسين معيشة الناس. لا يوجد بلد خالٍ من الفرص. لماذا؟ لأن الفرص يخلقها الناس، شرط ألّا ينشغلوا بالحدود الضيقة لما يرونه بعيونهم، أو يسمعونه بآذانهم. ثمة في العالم فرص وفيرة. لكنك شغلت نفسك بالبحث عن تبرير للفشل، أو تركت الفعل الخلاق الإيجابي، وتفرغت لمراقبة ما يفعله هذا وذاك، كي تعثر على زلة تحولها إلى قصة. ولهذا السبب أو لغيره، عجزت عن تخيل الفرص التي يحصل عليها غيرك أو يخلقونها».

في أحاديثه الكثيرة حول الإنسان صانع الحضارة اكتفى مالك بن نبي بتأكيد ما يمكن أن نصفه اليوم بـ«الفردانية»، أي استقلال الفرد في تفكيره وتحمله مسؤولية حياته وأفعاله. ونعرف أن هذا شرط محوري للنهوض الاقتصادي والعلمي.

لكن ابن نبي لم يخبرنا كيف نخلق هذا الشعور لدى جميع الناس، خصوصاً الأكثر حاجة إلى التقدم، أي الطبقات الفقيرة والمعدمة. بل أستطيع القول إن تأكيده المتكرر على الصفات الريادية للإنسان المؤهل لصناعة الحضارة، أوقعه في مشكلة أخرى وهي النخبوية. فالمستفاد من كلامه أن صُنّاع الحضارة هم نخبة المجتمع وليس عامة الناس. هذا يتعارض جوهرياً مع الواقع القائم في عالم اليوم، حيث ينظر إلى جمهور الناس بوصفهم صُنّاعاً للمدنية ومستفيدين منها.

أعود إلى أمارتيا سن الذي ركز في نظريته عن العدالة على مبدأ تمكين عامة الناس من الإمساك بأقدارهم والسير في طريق التقدم. فكرة التمكين (empowerment) تجمع بين مفهومَين: المعرفة والإرادة. وأرى أن المعرفة هي التي تفسح الطريق لبروز الإرادة. وأقصد المعرفة العامة التي تجعل الإنسان العادي مطلعاً على العوالم البعيدة عن مداه الجغرافي والبصري، فيتعرف -تبعاً لذلك- إلى الفرص المتاحة في هذه العوالم. ويذكر في هذا السياق أن حكومة الهند وزعت في سبعينات القرن العشرين، عشرات الآلاف من أجهزة الراديو، على العائلات الفقيرة في الأرياف، كي تتعرف إلى الفرص المتاحة بعيداً عنها، ومن بينها فرص التعليم والصحة والأساليب الجديدة في الزراعة... إلخ. تلك الخطوة على بساطتها حسّنت، بشكل ملموس، شبكة الخدمات العامة في الريف، وعجلت بربطه بالاقتصاد الوطني، فتحسنت معيشة الناس.

هذا هو نموذج التقدم الذي نناقشه: حراك تنموي يخدم عامة الناس، لا سيما أقلهم حظاً. وهو لا يستهدف إنشاء نخبة، بل تحريك الطبقات الواقعة في أدنى السلم. في اعتقادي أن هذا أسرع طريق للتقدم... وللحديث بقية.

***

د. توفيق السيف

 

في كل مرة تنطلق فيها بطولة كأس العالم، يتكرر مشهد إنساني يستحق التأمل أكثر من متابعة النتائج والأهداف. فالأمر لا يتعلق بمجرد منافسة رياضية بين فرق تسعى إلى الفوز، بل بظاهرة اجتماعية وثقافية ونفسية قادرة على إعادة تشكيل سلوك ملايين البشر في وقت واحد. تتبدل الأولويات، وتتغير لغة الناس، وتتجه الأنظار نحو حدث واحد يصبح محور الأحاديث والاهتمامات والمشاعر. وكأن المجتمع بأسره ينتقل مؤقتًا من واقعه اليومي إلى واقع آخر تحكمه قواعد مختلفة.

وربما تكمن صعوبة فهم كرة القدم في أنها تجاوزت منذ زمن حدود اللعبة. فهي لم تعد مجرد نشاط ترفيهي أو منافسة بدنية، بل أصبحت إحدى أكثر الظواهر قدرة على إنتاج المعنى الجماعي في العصر الحديث. ولهذا تبدو النقاشات المتعلقة بها أقرب إلى الإيمان منها إلى التحليل، وإلى الانتماء الوجداني أكثر منها إلى الحسابات العقلانية. فما كان الدين والسياسة يقومان به في مراحل تاريخية سابقة من تعبئة للمشاعر وصناعة للهويات وتوحيد للجماعات، أصبحت كرة القدم تؤديه اليوم بدرجات لافتة.

في مواسم البطولات الكبرى، تستيقظ المشاعر الوطنية بطريقة يصعب العثور على نظير لها في أي مناسبة أخرى. الأعلام ترفرف في الشوارع والشرفات، والأناشيد الوطنية تُردد بحماس، والاختلافات السياسية والاجتماعية تتراجع مؤقتًا أمام هدف مشترك. وكأن المجتمع، بكل تناقضاته، يعثر فجأة على مساحة رمزية يتوحد فيها أفراده حول حلم واحد. ففي تلك اللحظات لا يعود اللاعبون مجرد رياضيين، بل يتحولون إلى ممثلين لآمال أمة بأكملها، فيما تصبح المباراة ساحة رمزية تُختزل فيها تطلعات الجماهير ومخاوفها ورغبتها في الانتصار.

هذا الاندماج الجماعي لا يمكن فهمه بمعزل عن الحاجة الإنسانية العميقة إلى الانتماء. فالإنسان لا يكتفي بالعيش البيولوجي أو الاقتصادي، بل يبحث دائمًا عن قصص كبرى تمنحه الشعور بأنه جزء من شيء أكبر من ذاته. وكرة القدم تقدم هذا المعنى بكثافة استثنائية؛ فهي توفر سردية مشتركة، وأبطالًا ورموزًا، وانتصارات وهزائم، وأوقاتًا مقدسة ينتظرها الناس بشغف يشبه انتظار الأعياد.

وليس من المصادفة أن يشبّه كثير من علماء الاجتماع والأنثروبولوجيا الملاعب بالمعابد الحديثة. فالمشجعون يتوجهون إليها كما يتوجه الحجاج إلى أماكنهم المقدسة، حاملين رموز الانتماء وألوان الفرق والمنتخبات. تتكرر الأهازيج والشعارات بصورة طقسية، وتتجسد حالة من الوحدة الجماعية التي تذوب فيها الفوارق الفردية. وفي لحظة تسجيل الهدف تبلغ هذه التجربة ذروتها؛ حيث تتوحد المشاعر في انفجار جماعي من الفرح أو الحسرة، في مشهد يعكس حاجة الإنسان القديمة إلى الاحتفال الجماعي وإلى اختبار الانفعال المشترك.

ولعل ما يمنح هذه الطقوس قوتها أنها تتيح للإنسان التحرر، ولو مؤقتًا، من أعباء الحياة اليومية. ففي عالم تحكمه الالتزامات المهنية والضغوط الاقتصادية والإيقاع المتسارع للحياة، تأتي كرة القدم لتفتح نافذة على زمن مختلف، زمن لا تحكمه الإنتاجية ولا الحسابات المادية، بل تحكمه المتعة والترقب والانفعال. إنها لحظة يخرج فيها الإنسان من دوره الوظيفي والاجتماعي المعتاد ليعود إلى مساحة أقرب إلى اللعب، ذلك النشاط الذي رآه كثير من الفلاسفة تعبيرًا عن الحرية الإنسانية في أنقى صورها.

وقد ساهمت وسائل الإعلام الحديثة في تعميق هذا البعد الرمزي. فالمباريات لم تعد أحداثًا محلية أو إقليمية، بل أصبحت مناسبات عالمية يعيشها الملايين في اللحظة نفسها. يجلس الناس أمام الشاشات في منازلهم أو يتجمعون في المقاهي والساحات العامة وكأنهم يشاركون في احتفال جماعي عابر للحدود. وبهذا المعنى، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة تُشاهد، بل تجربة اجتماعية تُعاش وتُستعاد في النقاشات اليومية والتحليلات والذكريات التي تمتد طويلًا بعد انتهاء المباريات.

ومن المثير للاهتمام أن كرة القدم أصبحت أيضًا ساحة رمزية لتجسيد المنافسات بين الأمم. فالتاريخ والسياسة والاقتصاد كثيرًا ما تحضر في خلفية المباريات الكبرى، حتى وإن لم يُعلن ذلك صراحة. وتتحول بعض المواجهات الرياضية إلى مناسبة لاستحضار ذكريات الصراع أو التعبير عن الرغبة في التفوق الوطني. ولهذا يشعر كثير من الناس بأن ما يجري داخل الملعب يتجاوز حدود الرياضة ليصبح تعبيرًا عن مكانة جماعة أو أمة بأكملها.

ومع ذلك، فإن هذه الهالة الرمزية لم تتأثر كثيرًا بالتجارية المتزايدة التي تحيط بكرة القدم أو بقضايا الفساد التي شهدتها بعض مؤسساتها. فالجماهير ما تزال قادرة على الفصل بين اللعبة بوصفها تجربة وجدانية عميقة وبين الإشكالات التي تحيط بها. وهذا ما يفسر استمرار سحرها وقدرتها على جذب الملايين رغم كل الانتقادات.

إن ما نشهده اليوم ليس دينًا جديدًا بالمعنى التقليدي للكلمة، لكنه بالتأكيد يعكس انتقال كثير من الوظائف الرمزية التي كانت تؤديها المؤسسات الدينية أو السياسية إلى فضاءات أخرى أكثر قدرة على مخاطبة وجدان الإنسان المعاصر. فالبشر لا يتوقفون عن البحث عن المقدس، لكنهم يغيرون صوره وأشكاله. وحين تضعف بعض المرجعيات التقليدية، تظهر بدائل جديدة قادرة على منح الأفراد شعورًا بالهوية والانتماء والمعنى.

ولهذا فإن كرة القدم تظل ظاهرة مزدوجة. فهي قادرة على تعزيز التضامن الاجتماعي، وبناء الجسور بين الأفراد، وإنتاج لحظات نادرة من الوحدة الجماعية. لكنها، في الوقت نفسه، قد تتحول إلى مصدر للتعصب والانغلاق والعنف حين تُرفع إلى مرتبة المطلق. فكل ما يمنح الإنسان معنى عميقًا يحمل في داخله إمكانية البناء وإمكانية الهدم معًا.

ويبقى السؤال الأكثر إثارة للتأمل: هل تكمن قوة كرة القدم في اللعبة نفسها، أم في الفراغ الوجودي والاجتماعي الذي جاءت لتملأه؟ وهل يتعلق الأمر بحب الرياضة حقًا، أم بحاجة الإنسان الدائمة إلى الإيمان بشيء يجمعه بالآخرين ويمنحه شعورًا بأنه جزء من قصة أكبر من حياته الفردية؟ ربما تكون الإجابة عن هذا السؤال هي المفتاح الحقيقي لفهم المكانة الاستثنائية التي تحتلها كرة القدم في عالمنا المعاصر.

***

الأستاذ محمد إبراهيم الزموري

قد يظن البعض أن صوت الفكر يتلاشى في زمن القتال، لكن الحقيقة أن أكثر اللحظات حاجة إلى الفلسفة هي تلك التي تفقد فيها البشرية بوصلتها الأخلاقية.

ليس للفيلسوف سلاح غير فكره، ولا درع سوى ضميره. وبينما تنطلق القذائف وتقرع طبول الحرب، يقف وحده، هامسا في صخب الجنون، متحديا هذا العنف بمنطق السؤال. يراقب من وراء الضجيج ما لا يراه غيره: سقوط الإنسان تحت ركام الشعارات، وانهيار المعنى تحت الحطام.

الفيلسوف لا يبحث عن نصر ولا هزيمة، بل عن الحقيقة التي تغتال كلما اشتعلت النيران. لا تهمه خرائط الجغرافيا بل الخرائط الخفية في العقول التي يعاد رسمها بالحقد والخوف.

انه لا يقف على ضفة المنتصرين، ولا يصطف مع المهزومين، بل ينحاز دائما الى ما يتجاوز الانتصار والهزيمة: الى الحقيقة، والعدالة، والكرامة الانسانية

في زمن الحرب تكون الشجاعة الكبرى أن تسأل...  تسأل عن جدوى القتل، عن أسباب الكراهية، عن منطق العداء، عن مصدر الخطاب الذي يحشد الجموع نحو المجازر. من أين جاء؟ من يخدم؟ ولماذا لا يناقش؟

الفيلسوف لا يحمل بندقية، لكنه يزرع الشك في يد من يحملها. لا يعتلي منصة سياسية، لكنه ينصت لصوت الضمير، يسائل، يفتش عن منطق ضاع في متاهات التحريض، وعن انسانية جرفت تحت اقدام الشعارات الصاخبة.

ما دور الفيلسوف في الحرب؟

ان يفضح المسكوت عنه، ان يرفض تبرير الدم بالمقدس او بالتاريخ او بالتراث او بالخوف. ان يسأل السؤال الممنوع: هل ما يقال لنا هو الحقيقة؟ هل العدو عدو لان جوهره شرير، ام لان مصالحنا تقتضي شيطنته؟ هل الوطن يبنى بالدم، ام بالحوار؟ هل الدفاع عن القيم يعني سحق المختلف، ام احتواءه؟

هذه الاسئلة لا تصدر الا عن شجاعة من طراز خاص: شجاعة الوقوف في وجه القطيع حين يندفع نحو الهاوية.

الفيلسوف في الحرب لا يقترح استراتيجيات، بل يعيد ترتيب البوصلة الاخلاقية. انه لا يهمه كم عدد الجنود، بل كم عدد الاكاذيب التي صدقت حتى يبرر تجنيدهم. هو لا يدون الخرائط، بل يمزق خرائط الكراهية التي ترسم على جدران العقول.

احيانا، يكون صوت الفيلسوف همسا، لا يسمع وسط الجلبة. لكنه يبقى. ينقش اسئلته في الوعي الجمعي، كمن يزرع الغاما مضادة للجهل والتعصب في حقول الزمن. وربما بعد سنين، حين تتوقف المعركة، ويبدأ الناس في عد الخسائر، يظهر صوت ذاك السؤال القديم: لماذا فعلنا ذلك؟ وهنا يتضح ان الفيلسوف لم يكن صامتا، بل كان يتحدث بلغة لا يفهمها زمن الحرب، لكنها ضرورية لزمن السلام.

وليس ابلغ من الفيلسوف سقراط، الذي اثر الموت على ان يتخلى عن التفكير الحر في مدينة مزقتها الانقسامات، ولا اعظم من رسائل تولستوي وهو يناهض العنف باسم الحب، ولا اصدق من صرخة جان بول سارتر: اذا لم نسائل الحرب، فنحن نبررها

هؤلاء لم يمنعوا الحروب، لكنهم اعادوا للانسان وجهه، حين تخلى عنه

دور الفيلسوف في الحرب هو ان يكون شاهدا لا يوقع، ومفكرا لا يستدرج، وبوصلة لا تبرمج. ان يصر على ان الدم لا يغسل الخطأ، وان الطغيان لا يصلح بالقوة، وان الكرامة لا تستعاد بالقنابل، بل بالفهم والاعتراف واعادة بناء المعنى.

 الحرب لا تنتصر على الفلاسفة، حتى وان اسكتت اصواتهم مؤقتا. لان الكلمة التي تقال بصدق، ولو في زمن الجنون، تبقى. تنمو تحت الرماد، وتشقق طريقها الى ضمير العالم، شاهدة على ان الانسانية لم تكن نائمة تماما، بل كانت تحاول ان تتنفس عبر اسئلة فيلسوف.

إن دور الفيلسوف في الحرب ليس أن يصرخ، بل أن يبقى. أن يظل واقفا حين يجثو الجميع. أن يحتفظ بالسؤال حيا، حتى لا يموت المعنى

وفي النهاية، قد تخرس الحرب صوت الفلاسفة، لكنها لا تستطيع أن تطفئ نور أسئلتهم.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

ثمة لقاءات عابرة في الزمن، لكنها تظل مقيمة في الذاكرة كأنها حدثت بالأمس. في نهاية تسعينيات القرن الماضي، اقترح مثقف عراقي مقيم في السويد زيارة مدينة مراكش ولقاء مثقفيها وشعرائها في جلسة مفتوحة للحوار والقراءة والتعارف. لم يكن الأمر يومها مجرد نشاط ثقافي عابر، بل بدا أشبه بامتحان رمزي لإمكانية اللقاء بين عوالم مختلفة، تتقاطع فيها الجغرافيا بالخيال، والمنفى بالهوية، واللغة بالإنسان.

في فضاء دار الباشا الكلاوي بالمدينة العتيقة، اجتمعنا حول الشعر والنثر والكلمة الحرة. كانت الأمسية، في جوهرها، احتفاءً بما يسميه الفيلسوف الألماني هانس جورج غادامير "اندماج الآفاق"، حيث لا يذوب أحد في الآخر، ولا ينتصر أفق على أفق، بل تتسع مساحة الفهم المشترك. يومها لفت انتباهي أن أغلب الضيوف القادمين من الشمال الأوروبي كانوا يحملون ثقافة إنسانية واسعة وانفتاحًا نادرا على الاختلاف، لا بوصفه موضوعا للتسامح فحسب، بل باعتباره شرطا من شروط المعرفة ذاتها.

ولعل هذا ما جعلني أعيد النظر في كثير من الصور النمطية التي رسختها الأدبيات الكلاسيكية حول العلاقة بين الشرق والغرب. فقد سبق أن التقيت شعراء ومثقفين من بلدان أوروبية مختلفة، ولم ألمس لديهم ذلك القدر من الحماس الإنساني الذي وجدته لدى مثقفين اسكندنافيين. بدا الأمر كما لو أن المسافة الجغرافية لا تعني بالضرورة مسافة وجدانية، وأن القرب الحقيقي، كما كان يرى مارتن بوبر، لا يتحقق إلا عندما يتحول الآخر من "هو" إلى "أنت"، ومن موضوع للمعرفة إلى شريك في الوجود.

لهذا كان صدور كتاب "الاستشراق السويدي" للكاتب والمترجم العراقي سعيد الجعفر حدثا فكريا استوقفني على أكثر من مستوى. فمن جهة أولى، يعيد الكتاب مساءلة مفهوم الاستشراق خارج المركزيات التقليدية التي احتكرت هذا الحقل لعقود طويلة، خصوصا في فرنسا وبريطانيا وألمانيا. ومن جهة ثانية، يفتح نافذة على تجربة معرفية مختلفة، أقل ارتباطا بالمشروع الإمبراطوري وأكثر اتصالا بالفضول العلمي والإنساني.

يصعب الحديث عن الاستشراق دون المرور عبر المنعطف الذي أحدثه إدوارد سعيد في كتابه الشهير ّالاستشراق". فقد كشف سعيد أن الاستشراق لم يكن مجرد معرفة بريئة بالشرق، بل نظاما من التمثلات أنتجته علاقات القوة، وحوّل الشرق إلى موضوع للهيمنة والضبط والتصنيف. لقد بيّن أن المعرفة ليست دائما منفصلة عن السلطة، وهو ما سيتوسع فيه لاحقا ميشيل فوكو حين اعتبر أن كل خطاب معرفي يحمل في داخله شبكة من علاقات القوة التي تحدد ما يمكن قوله وما يجب إقصاؤه.

غير أن القراءة المتأنية لتجارب الاستشراق الاسكندنافي، وخاصة السويدي، تضعنا أمام سؤال أكثر تركيبًا: هل كل معرفة بالآخر هي بالضرورة شكل من أشكال الهيمنة؟ أم أن ثمة إمكانا آخر للمعرفة يقوم على الحوار والإنصات والاعتراف المتبادل؟

يبدو أن الكتاب الذي يقدمه سعيد الجعفر يراهن على هذا الاحتمال الثاني. فهو لا يكتفي بتوثيق أسماء ومستشرقين ورحالة، بل يعيد بناء شبكة من العلاقات الثقافية التي نسجتها الرحلة والترجمة والبحث اللغوي، حيث يتحول الرحالة من مراقب خارجي إلى وسيط حضاري، وتتحول الرحلة من أداة استكشاف إلى أداة فهم.

ولعل المقارنة التي يقيمها الكتاب بين ابن بطوطة وسفين هدين تحمل دلالة عميقة. فكل منهما كان يبحث عن العالم، لكن العالم الذي عثر عليه لم يكن مجرد أمكنة ومدن وشعوب، بل كان في جوهره بحثا عن الذات من خلال الآخر. أستحضر هنا ما كتبه بول ريكور حين أكد أن فهم الذات لا يتم إلا عبر المرور بالغير، وأن الهوية ليست معطى ثابتا بل سردية تتشكل باستمرار من خلال اللقاءات والتجارب والتبادلات.

إن قيمة هذا العمل (أعكف على قراءته حاليا)، لا تكمن فقط في إعادة اكتشاف صفحة شبه منسية من تاريخ الاستشراق، بل في دعوته الضمنية إلى تجاوز الثنائيات الموروثة بين شرق وغرب، مركز وهامش، ذات وآخر. فالعالم المعاصر، كما يذكرنا زيغمونت باومان، لم يعد يحتمل الهويات المغلقة ولا الجدران الثقافية الصلبة، بل يتجه نحو فضاءات أكثر سيولة وتعقيدًا وتداخلاً.

وأعتقد أن الاستشراق السويدي لا يمكنه قراءته كموضوع أكاديمي أو أرشيف تاريخي، بل بإعادة التفكير في معنى المعرفة نفسها. معرفة لا تقوم على امتلاك الآخر أو اختزاله، وإنما على الإصغاء إليه. معرفة تجعل من الرحلة فعلا أخلاقيا بقدر ما هي فعل معرفي، ومن الاختلاف فرصة للفهم لا ذريعة للإقصاء.

مؤكد أن الكتاب سيتيح لي أن أقرأ جزءًا من تاريخنا بعين أخرى، وأن أرى نفسي في مرآة مختلفة. فربما لا تكون الحضارات، في نهاية المطاف، سوى حوار طويل بين ذواكر متعددة، تبحث جميعها عن شيء واحد: أن تفهم العالم دون أن تدّعي امتلاكه.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

هل المدونة تشريع باسم الدين أم مصادرة له؟

في هذه المقالة المستعجلة) كالمدونة المستعجلة- التي أقرت بلا إقرار حقيقي داخل البرلمان العراقي عام ٢٠٢٥- من دون قراءة واطلاع ومناقشة مطلقا، لانهم تصوروها منزلة من "السماء " وهي قد قدمت للتو بتوقيع من المعصوم جعفر الصادق (عليه السلام) مباشرة – فيها نقد لكيف تم تحويل المذهب الحر الى مذهب فقهي لا يشبهه.

الأخطر ما في الأمر انهم جعلوا المدونة كما لو كانت نصا منزلا، غير خاضع للنقاش والمراجعة وكأنها لاتتعامل مع بشر معاصرين. بل مع "كومة أحجار"  ثابتة ومتشابهة وتصوراتهم واحدة عن قضايا حياتهم ودينهم ؟ أو كما لو كانت صياغة النص القانوني غير خاضع للمساءلة والتهميش والتعديل .

وهنا تبدأ المشكلة فالفقه الجعفري عبر تاريخه الطويل لم يكن مذهبا مغلقا أبداً. بل كان قائما على مبدأ الاجتهاد المفتوح وعلى تعدد الآراء (واختلاف الفقهاء) وحق المكلف في اختيار المرجع الذي يقلده) لم يكن هناك نص قانوني او فقهي يحتكر الحقيقة باسم المذهب لكن المدونة الجديدة فعلت العكس تماما.

لقد حولت الفقه من حركة فكرية حيّة الى جهاز قانوني جامد) ومن تعددية الاجتهاد الى احتكار النص. ومن اختلاف الفقهاء والاراء الى مادة قانونية ملزمة تصدرها الدولة وتفرضها على المجتمع باسم الدين.

والسؤال هنا: هل ماجرى هو تشريع باسم الدين، أم مصادرة للدين نفسه؟

لأن الدولة حين تختار رأيا فقهيا واحدا من بين عشرات الآراء داخل المذهب الجعفري) ثم تحويله الى قانون نافذ) فإنها  لاتغير نظام المجتمع فقط) بل تعيد تشكيل المذهب نفسه وفق حاجتها السياسية والإدارية .

إن أخطر ما في المدونة ليس مضمونها أو تسميتها (بل الطريقة التي قُدمت بها، فقد أريد للمجتمع أن يتعامل معها بوصفها فوق النقد) وخارج النقاش وكأن الاعتراض عليها اعتراض على الدين ذاته وعلى المذهب الجعفري، -الذي يشعر اتباعه لليوم بأنهم مستهدفون في دينهم وتشريعهم- لا على صياغة قانونية بشرية قابلة للنقد والتعديل، فهي وأن كانت مستمدة من المدونات الفقهية الجعفرية الا أن نقلها للفتاوى ليس معصوما وطريقة الجمع والانتقاء بالآراء لم تكن معصومة بالتأكيد.

وهذه واحدة من أخطر آليات تدمير المجتمعات: أن يتحول القانون الى مقدس) وسياسة البلد الى دين والاجتهاد البشري الى حقيقة نهائية) والأخطر أن المدونة لم تطرح في مجتمع مستقر ومتوازن، بل في مجتمع عراقي ممزق بالحروب والطائفية والفقر والفساد والانهيار المؤسسي. أي أنها جاءت في بيئة متفجرة أصلا، لم تخرج من الحروب بعد، بدل أن تبحث عن ترميمها وتوحيدها .

فهل كان العراق بحاجة فعلًا إلى قانون يشوه المذهب ويجعله مع مرور الزمن مذهبا مغلقا ويفتح نزاعات مذهبية جديدة؟
وهل كانت الأولوية هي إعادة صياغة قانون الأحوال الشخصية) وفق صراعات الهوية الطائفية، بينما الدولة نفسها تعاني من فقدان العدالة والخدمات والاستقرار وغياب الدين الفعلي في مفاصل الحياة اليومية للناس الذين اكتفوا بالطقوس الظاهرية) التي دفعتهم اليها جماعات متشددة بعيدة عن روح الدين؟

إن القوانين الكبرى لاتبنى على الاستعجال) ولا على القداسة السياسية ولاعلى التخويف الديني) بل على النقاش المجتمعي العميق، والتوافق وفهم الواقع الاجتماعي والنفسي والاقتصادي للمواطنين .

أما حين يتحول البرلمان إلى مجرد ختم سريع لنصوص يُخشى الاقتراب منها، فإننا لا نكون أمام تشريع ديمقراطي، بل أمام إعادة إنتاج للاستبداد بلغة دينية، في صورة تبدو ديمقراطية. لمصلحة من يتم تزييف كل شيء ؟

لقد كان الفقه الجعفري حيا لأنه كان مفتوحا ومتعدد مقالة. وكان قويا لأنه قبلَ الاختلاف. وكان إنسانيا لأنه فهم تغير الزمان والمكان.

أما تحويله الى " مدونة مغلقة " تدعي تمثيله النهائي (فليس انتصارا للمذهب) كما أدعى البعض (بل اختزال له) وربما بداية فقدانه لروحه التاريخية التي قامت على الحرية والاجتهاد والتعدد .

***

ا. د. بتول فاروق

١٦/ ٦/٢٠٢٦

من بين أكثر الظواهر الإنسانية حضوراً وأشدها تعرضاً لسوء الفهم تأتي ظاهرة اللعب. فالكلمات التي تتناسل حولها؛ لعب، لعبة، ألعاب، ملاعب، منافسة، مباراة، مبارزة، سباق، رياضة، تدريب، تأهيل، بطولة، ماراثون، مونديال، وغيرها من الكلمات التي ترمز إلى النشاط الذي يمارسه الكائن الحي بوصفه جزءا أصيلًا من حياته (وما الحياة الدنيا الا لعب ولهو) إشارات إلى واحدة من أعمق الخبرات الوجودية التي صاحبت الكائن الحي منذ ظهوره على المعمورة. فاللعب ليس ترفاً ولا فعلاً هامشياً كما اعتادت بعض الثقافات أن تتصوره، وإنما هو أحد الأشكال الأولى التي تتجلى فيها إرادة الحياة ذاتها وهي تتعلم البقاء وتقاوم الفناء قانون الحياة الفطري وتشير دراسات علم السلوك الحيواني وعلم الأعصاب الوجداني إلى أن اللعب وظيفة بيولوجية أساسية لدى الثدييات، لأنه يسمح بتعلم العلاقات الاجتماعية وبناء الثقة وتجريب المخاطر داخل فضاء آمن، وهو ما يجعل الفرح نفسه حاجة وجودية لا ترفًا ثقافيًا.

للعب وظائف جوهرية في تأهيل صغار الحيونات وجعلها قادرة على التكيف مع الحياة. بل قل أن الحياة برمتها هي لعبة الكائنات الحية في الوجود ولا عذر للكائن من ممارستها طالما وهو موجودا؛ يجب أن يتقن ممارستها؛ إنها لعبته مع الموت والخوف والعجز والمرض في هذا الحياة التي لا ترحم العجز أبدا وهكذا نفهم كيف لعبت صغار الحيوانات قبل أن تتعلم الصيد والدفاع عن النفس، ولعب الإنسان قبل أن يؤسس المدن والدول والإمبراطوريات.

غير أن الإنسان بعقله هو الذي ارتقى باللعب إلى مرتبة الثقافة، وحوله إلى مؤسسة اجتماعية واقتصادية وسياسية وجمالية وأخلاقية، ووضع له قواعد ومعايير وأهدافاً تتجاوز مجرد التسلية. ففي الملعب تتجسد قيم الكفاءة والانضباط والمهارة والسرعة والإبداع، وتختفي الامتيازات الموروثة التي تأتي من خارج الجسد. هناك لا يعمل النسب ولا الثروة ولا السلطة ولا الخطابة، بل تعمل القدرات المتجسدة في الجسد ذاته. ولهذا تظل الرياضة واحدة من أكثر المجالات الإنسانية عدالة من حيث المبدأ، لأنها تعيد الإنسان إلى ما يستطيع أن يفعله بنفسه لا إلى ما يملكه خارج ذاته.

ولعل هذه الحقيقة هي التي جعلت اليونانيين يربطون بين الفلسفة واللعبة. فالرواية المنسوبة إلى فيثاغورس حين سُئل عن الفلاسفة ما تزال تحتفظ بقدرتها الرمزية حتى اليوم. فقد شبّه الحياة بمشهد احتفالي رياضي؛ بعض الناس جاءوا للمنافسة والفوز، وبعضهم جاءوا للتجارة والربح، أما الفلاسفة فقد جاءوا للمشاهدة والتأمل وفهم ما يجري. ومنذ ذلك الحين أصبح اللعب مرآة لفهم الوجود نفسه، لا مجرد نشاط ترفيهي عابر.

وبهذا المعنى يرى الفيلسوف الهولندي يوهان هويزينغا أن " الحضارة الإنسانية لم تنشأ من العمل الجاد وحده، بل من اللعب أيضًا؛ فالقانون والفن والشعائر وحتى السياسة تحمل في أصلها بنية لعبية قائمة على الرمزية والتمثيل" فاللعب ليس نقيض الجدية، بل أحد شروطها الخفية، لأنه يمنح الإنسان مساحة يخرج فيها مؤقتًا من ضغط الضرورة الاقتصادية والاجتماعية ليستعيد توازنه النفسي والجماعي.

ولم يكن من المصادفة أن يلتفت المفكرون المعاصرون إلى كرة القدم بوصفها الظاهرة الإنسانية الأكثر انتشاراً في عصرنا. فهذه اللعبة البسيطة التي تدور حول كرة مستديرة استطاعت أن تستقطب مشاعر مليارات البشر وأن تحول الانتماءات المحلية والقومية والدينية إلى لغة مشتركة يفهمها الجميع. إنها تقدم نموذجاً مصغراً للعالم: صراع وتنافس، انتصار وهزيمة، أمل وإحباط، عدالة وخطأ، فرد وجماعة، مهارة ونظام، حرية وانضباط. ولذلك فإن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة، بل أصبحت بنية ثقافية كاملة، ومختبراً إنسانياً لفهم الذات والآخر والمجتمع.

غير أن القيمة الفلسفية للعب لا تتوقف عند حدود الرياضة، بل تمتد إلى إعادة اكتشاف الجسد نفسه. ذلك الكيان يمنح هوية الكائن وتجربة حياته فكما يصعب تصور الابتسامة بدون وجه يبتسم فكذلك يستحيل وجود الكائن بدون كيان! وفيما يتصل بالكائن البشري هيمنت على الفكر الإنساني صورة مشطورة للإنسان تفصل بين الروح والجسد، بين العقل والمادة، بين السماء والأرض، بين الخلود والزوال. وبموجب هذه الثنائية تم الاحتفاء بالروح والعقل والوعي، بينما أُهمل الجسد أو نُظر إليه بوصفه وعاءً مؤقتاً أو مصدراً للشهوة والخطيئة والآثم.

مع عصر النهضة وما تلاه من حداثة فكرية لاسيما، منذ سبينوزا مروراً بنيتشه ووصولاً إلى فوكو ودولوز وميرلوبونتي، بدأت تقلب هذه المعادلة رأساً على عقب. لقد أعلن سبينوزا عبارته الشهيرة: «إننا لا نعرف بعد ما الذي يستطيع الجسد أن يفعله». وهي عبارة تبدو بسيطة ظاهرياً، لكنها تمثل انقلاباً جذرياً في فهم الإنسان لذاته. فهي لا تسأل عن الروح ولا عن العقل، بل عن الجسد نفسه بوصفه لغزاً لم يُكتشف بعد وربما كان روسو محقاً حين قال (إن أكثر الأشياء قرباً منا هي أكثرها بعداً عن فهمنا)

فكيف يمكننا النظر إلى اللعب والرياضة؟ فهما لا يعيدان اكتشاف الجسد بوصفه آلة بيولوجية فحسب، بل بوصفه مجالاً للإمكانات. فالعدّاء لا يكتشف قوة عضلاته فقط، بل يكتشف حدود الإرادة والتحمل والانضباط. واللاعب لا يكتشف جسده بوصفه كتلة لحمية، بل بوصفه ذكاءً متجسداً قادراً على اتخاذ القرار والحركة والإبداع في اللحظة ذاتها. ولذلك يصبح الجسد في الرياضة شكلاً من أشكال التفكير، ويصبح التفكير نفسه نشاطاً جسدياً.

ليس من قبيل المصادفة أن تستقر في الوعي الجمعي مقولات تبدو بديهية حدّ التكرار، مثل المثل العربي الشائع: «العقل السليم في الجسم السليم»، حتى تغدو أشبه بحقيقة نهائية لا تُمس. غير أن التأمل الفلسفي الهادئ يكشف أن هذه العبارة، على رسوخها، تنطوي على قلبٍ خفيّ في ترتيب العلة والنتيجة؛ إذ تضع الجسد شرطًا للعقل، بينما التجربة الإنسانية، في عمقها، توحي بالعكس: أن العقل هو الأصل، وهو الحارس الأول، وأن الجسد ليس إلا ميدانًا لتجلّياته.

فالعقل ليس مجرد أداة للتفكير، بل هو نظام توجيه كامل، يضبط الإيقاع الداخلي للإنسان، ويرسم حدود أفعاله، ويمنحه القدرة على التمييز بين ما يبني حياته وما يقوّضها. ومن دون هذا الرقيب الداخلي، يصبح الجسد عرضةً لقوى عمياء: شهوة بلا ميزان، وغريزة بلا ضابط، واندفاع بلا تقدير للعواقب. عندها لا تعود صحة الجسد مسألة عافية بيولوجية فحسب، بل تتحول إلى نتيجة مباشرة لغياب البوصلة العقلية. فكم من جسد قويّ ظاهريًا ينهكه سوء الاختيار، وكم من إنسان امتلك أسباب الصحة، لكنه أضاعها حين تخلّى عقله عن وظيفته كحارس ذكي للجسد فالتجربة الإنسانية لا تؤكد أن سلامة الجسد تنتج سلامة العقل بقدر ما تؤكد أن العقل هو الذي يصنع شروط سلامة الجسد فالعقل هو الذي يحول القوة إلى قيمة، والطاقة إلى معنى، والحركة إلى غاية.

وبهذا المعنى كتبت قبل أيام مقال بعنوان (الجسد السليم ثمرة من ثمار العقل السليم وليس العكس.

وإذا كانت هذه العلاقة صحيحة على مستوى الكائن الفرد، فإنها أكثر صحة على مستوى الكيان الاجتماعي. فكما يحتاج الجسد إلى عقل ينظم حركته، يحتاج المجتمع إلى عقل سياسي ينظم حياته المشتركة. والسياسة في معناها العميق ليست مجرد صراع على السلطة، بل هي فن إدارة الحياة الجماعية وضبط التوازن بين المصالح والقوى والرغبات المتعارضة.

وبهذا المعنى نفهم قول الشاعر ابو العلا المعري:

يَسوسونَ الأُمورَ بِغَيرِ عَقلٍ

فَيَنفُذُ أَمرُهُم وَيُقالُ ساسَه

فَأُفَّ مِنَ الحَياةِ وَأُفَّ مِنّي

وَمِن زَمَنٍ رِئاسَتُهُ خَساسَه

هكذا أذن السياسة، شأنها شأن العقل، يمكن أن تكون علاجاً أو سماً (فارماكون) بحسب أفلاطون. فهي قادرة على إنتاج العدل والأمن والأمل حين تخضع للقانون والمؤسسات، وقادرة في الوقت نفسه على إنتاج الخوف والعنف والانهيار حين تتحول إلى أداة للهيمنة والقهر. ولذلك فإن المجتمعات التي تفقد عقلها السياسي تشبه الأجساد التي تفقد جهازها العصبي؛ تستمر في الحركة لكنها تفقد الاتجاه.

ولا تدوم الدول الا ب «عدل صحيح وأمن راسخ وأمل فسيح». فالعدل هو عقل السلطة، والأمن هو جسدها، والأمل هو روحها. وإذا اختلّ هذا التوازن، دخلت المجتمعات في حالة شبيهة بانفصال الجسد عن عقله: حركة بلا وعي، وقوة بلا اتجاه، وانهيار يتقدّم ببطء ولكن بثبات. وهذا هو حال معظم المجتمعات العربية الراهنة بنسب متفاوتة.

ربما كان ذلك الهم المستديم هو ما دفعني للتفكير بالمعاني الفلسفية لمونديال 2026م الكروي؛ فالرياضة ذات دلالة حضارية تتجاوز حدود الترفيه، فهي تعلم المجتمعات معنى القواعد المشتركة، واحترام المنافسة، والاعتراف بالآخر، وقبول الخسارة، والاحتفال بالنجاح دون تدمير الخصم. إنها مدرسة مصغرة للحياة المدنية الحديثة إذ كشفت التظاهرات الرياضية العالمية أن البشر، رغم اختلاف لغاتهم وأديانهم وألوانهم، قادرون على الاجتماع حول قواعد واحدة ولغة واحدة ومشاعر مشتركة. وفي هذا المعنى يصبح اللعب أكثر إنسانية من السياسة أحياناً، لأنه ينجح في بناء ما تعجز عنه الأيديولوجيات والصراعات الكبرى.

لذلك فإن فلسفة اللعب ليست فلسفة عن الرياضة فحسب، بل هي فلسفة عن الإنسان ذاته. عن ذلك الكائن الذي لا يتوقف عن اختبار حدوده، وعن اكتشاف ما يستطيع أن يكونه. إنها دعوة إلى إعادة النظر في علاقتنا بأجسادنا الفردية والمجتمعية، بثقافتنا، بسياساتنا، وبأنفسنا. فربما كان السؤال الذي طرحه سبينوزا قبل قرون ما يزال ينتظر جوابه الكامل حتى اليوم: ماذا يستطيع الكيان أن يكوّنه؟

وتحضرني الذاكرة تفسير مشيل فوكو لهندسة الجسد في الحضارة الرومانية الامبراطورية. بضرب مثال عن عروض صراع العبيد مع بعضهم حتى الموت في مشهد احتفالي بهيج في روما. وهذا هو ما فعله قائد ثورة العبيد سبارتاكوس حوالي 111 ق.م.-71 ق.م حينما ثأر على روما العظيمة إذ تعلم سبارتكوس في مدرسة للعبيد كيفية مصارعة الوحوش في ملاعب روما لتسلية الرومان، وفي سنة 73 ق.م نظم ثورة للعبيد في تلك المدرسة، وحينما انتصر بسرعة مذهلة على أسياده وراح يطبق عليهم ذات الممارسة التي تعلمها في مدرستهم إذ جعلهم يمارسون لعبة مصارعة الوحوش في الملعب الروماني وكان هو وقادة ثورته يشاهدون العرض بحماسة بالغة. إذ لم يكن لديه ما يفعله بأكثر مما تعلمه في مدرسة العبودية الرومانية ورغم هزيمته بعد سبعين يوما فقط إلا أن ثورته غيرت الإمبراطورية الرومانية نجح في تغيير تصور الرومان للعبيد، الذي أدى إلى تحسينات في حياة ووضع العبيد وتقليص العبودية تدريجيًا. فهل سيغير مونديال 2026م صورة العرب عن أنفسهم وتصورهم للعالم والحضارة العالمية الراهنة؟ لاسيما وإن هذا الجولة تظم ثمانية منتخبات عربية منافسة هي (مصر والعراق والجزائر والأردن والمغرب وقطر والسعودية وتونس) والثقافة يمكن اكتسابها بالتقليد والمحاكاة أما الحضارة فلا يمكن اكتسبها لا بتعلم قواعد لعبتها بالتعليم والممارسة لأن الممارسة ليس مثالاً غامضاً أو أرضية تحتية للتاريخ أو محركاً خفياً بل هي ما يفعله الناس حقاً وفعلاً فالكلمة كما يقول الفرنسي بول فين :” تعبر بوضوح عن معناها ” وإذا كانت بمعنى من المعاني (محتجبة) كالجزء المحتجب من جبل الجليد، فذلك هو ما تجهد القوى المهيمنة والمتسلطة والقابضة على السلطان والنفوذ في إخفائه على الدوام بما تثيره من زوابع ونقع كثيف يظلل أرض المعركة بالدخان والغبار، وهذه هي الوظيفة الجوهرية للأيدولوجيا السياسية، إنها العمل الدؤوب على إخفاء وحجب الواقع السياسي الفعلي في عالم الممارسة المتعينة.

نعم المونديال حدث رياضي إنساني عالمي ولكنه خطاب انتجته قوى لعبة أخرى ليست لعبتنا ولم يكن لنا دورا في انتاجه وتصميم قواعد لعبته التنافسية الشفافة ومع ذلك يبقى المونديال حدث مهمه بالنسبة لنا نحن العرب. إذ شكل فرصة سانحة للاحتكاك المباشر بشعوب وثقافات ومعتقدات متعددة قلما اجتمعت في مكان واحد. الآخر مرآة الذات كما اكرر القول دائما إذ لا تنكشف حجب الذات عن ذاتها إلا بالاحتكاك بالآخرين ومعايشتهم وكل ما عرفت الذات الأخر كلما زاد معرفتها لذاتها والتربية الجسدية الفردية تشبه الثقافة المجتمعية فكما إن التربية البدنية السليمة لا تهتم بتمرين(القدم أو الرأس فقط) أو أي عضو معين من أعضاء الجسم بل هي ممارسة تهتم بتمرين وتهيئة الجسم كله وإكسابه اللياقة اللازمة للنشاط والطاقة والحيوية والحركة والاستدارة بمرونة ورشاقة. والثقافة بوصفها استراتيجية للتنمية العقلانية المستدامة، تمنح الأفراد القدرة على استعمال جميع المعارف والمهارات المكتسبة لمجابهة الأوضاع المختلفة وحل المشكلات الجديدة؛ أي تمنحهم (الذكاء الجسدي والعاطفي) إذ (هي ما يبقى بعد نسيان كل شيء) والثقافة بهذا المعنى هي تجسيد لمفهوم الهابيتوس عند بيبر بورديو بوصفها نسقا من الاستعدادات المُكتسبة بالتربية والممارسة الاجتماعية التي تحدد سلوك الفرد ونظرته إلى نفسه وإلى الأخرين والحياة و الكون، وهو أشبه ما يكون بطبع الفرد أو بالعقلية التي تسود في الجماعة، لتشكل منطق رؤيتها للكون والعالم. ووفقاً لهذا التصور، يعد «الهابيتوس» جوهر الشخصية والبنية الذهنية المولدة للسلوك والنظر والعمل، وهو في جوهره نتاج لعملية استبطان مستمرة ودائمة لشروط الحياة ومعطياتها عبر مختلف مراحل لوجود، بالنسبة للفرد والمجتمع. فهل فهمنا معنى اللعبة ودلالتها الحضارية. كتب الدكتور ياسر قنصوه

" أن الاسـتدارة الكرويـة ليسـت مصادفـة، بـل حـدث يثـر أسـئلة فلسـفية وإنسـانية تدعونـا لإجابـات مدهشــة وعميقــة، فقــد جــاء التصميــم كالكــرة الأرضيــة بعالمهــا الرحــب، حيــث التنافس والصراع والانتصار والهزيمــة، والانكســار والإحبــاط، والعــودة مــن جديــد أو روح «الريمونتــادا»(*) وقــد تلخــص الاســتدارة الكرويــة مفهــوم العدالــة."

***

قاسم المحبشي 15، يونيو 2026م

........................

(ينظر، ياسر قنصوه، عندما يركل الفلاسفة كرة القدم، الصادر عن دار ريشة للنشر والتوزيع بالقاهرة 2024م) والدنيا دوّارة.

 

في الآونة الأخيرة، اتجه المزيد من المؤلفين الأجانب الى اليونان القديمة ليتمتعوا بالإلهام في رواياتهم. الكتّاب المعاصرون ومعظمهم من البريطانيين والامريكيين، اعتمدوا على الميثولوجيا اليونانية لإضافة المزيد من العمق لقصصهم، وهم ربما في صواب في ذلك نظرا للمشاهد اليونانية الجميلة وثراء الافكار الميثولوجية والدينية مما جعل من اليونان القديمة خلفية مثالية للرواية.

بدأ اتجاه كتابة مسرح الروايات في اليونان القديمة في أواسط القرن العشرين وتحديدا في الستينات. اليونان القديمة بقيت خيارا جاذبا للمؤلفين. وبعيدا عن المناظر الخلابة، وما فيها من أودية ومعابد، فان التاريخ الثري لليونان القديمة وميثولوجيتها يضيفان عناصر مثيرة لأي قصة، تنقل القارئ الى ما يعتبره البعض أعظم حقبة على مر العصور.

من خلال كتابة روايات تدور أحداثها في اليونان القديمة، يمكن للمؤلفين الالتقاط والاختيار من مستودع غني بالاساطير والالغاز، مثل آلهة انتقامية او خيّرة، أبطال ملاحم، وكائنات اسطورية. هذه تخلق وصفة جميلة من أحداث دراماتيكية مثل حرب طروادة او القتال بين مدن كبيرة مثل أثينا وسبارطة.

في السنوات الأخيرة، بدأ المؤلفون أيضا باستطلاع شخصيات وأساطير أقل شهرة، مثل ثيسيوس و بينيلوب (زوجة اوديسيوس الوفية)، والساحرة سيرس. مؤلفو الروايات الخمس التالية في اليونان القديمة أضفوا الحيوية على تلك الفترة من خلال كلماتهم، ويمكن للمرء ان يتوقع الانجراف الى عالم الآلهة والوحوش والابطال والبطلات الذين يصعب نسيانهم.

1- رواية الملك يجب ان يموت، للروائية ماريا رينو Mary Renault

هذه واحدة من بين روايتين في سلسلة ثيسيوس من جانب المؤلفة البريطانية ماري رينو نُشرت عام 1958. انها إعادة تصوّر حية لإسطورة ثيسيوس التي تتعقب قصته بدءا من شاب نبيل الى بطل اسطوري عبر معارك ملحمية مع مينوتور وصراعه للدفاع عن العرش، الذي يواجه تهديد المغتصبين للحكم. أحداث الرواية تجري في كريت المينوية، بقصورها الرائعة وثقافتها الثرية النابضة. وسواء كنت متذوقا للتاريخ اليوناني ام لا، فان القصة ستسحبك الى عالم الاحتفال، الى تعقيدات السياسة اليونانية القديمة، والى شبكة من الممرات المحيرة حيث يقاتل ثيسيوس أشهر الوحوش في الميثولوجيا اليونانية.

2- اغنية أخيل، للكاتبة الامريكية مادلين ميلر

اغنية اخيل هي اول رواية لمادلين ميلر والفائزة بجائزة الرواية لعام 2012. وحسب عنوان الرواية، انها تدور حول احد اشهر الابطال في اليونان القديمة، اخيل، حيث رُويت القصة بواسطة ابن عمه باتروكلس.

نالت رواية ميلر المديح لنثرها الجميل الذي يستطلع الروابط العميقة بين اخيل وباتروكلس وسط فوضى حرب طروادة. انها تنقل القرّاء الى قلب اليونان حيث ساحة حرب طروادة ولكن أيضا تقدم لهم استرخاء المناظر الطبيعية الهادئة لليونان القديمة، وجبالها الشاهقة، وسواحلها الخلابة.

3- البينلوباد للروائية مارغريت اتوود

البينلوباد هي احدى الروايات التي تستكشف شخصيات أقل شهرة في الميثولوجيا اليونانية القديمة، مثل بينيلوب زوجة اوديسوس الصابرة. الرواية نُشرت عام 2005، انها إعادة سرد لاسطورة اوديسيوس من وجهة نظر بينيلوب حيث كانت تمضي حياتها في عزلة اثناء غياب زوجها.

في بينيلوباد، تعطي مارغريت اتوود بينيلوب صوتا، بينما في الاوديسة لا تعطي ذلك. بهذه الطريقة، يمكن للقارئ معرفة شخصيتها وذكائها في المكائد ضد خاطبيها. جرت الرواية في منظر طبيعي مثالي في ايثاكا، انها رواية مثالية اذا اردت ان تنتقل الى واحة في جزيرة يونانية ولكن أيضا التعمق في اسطورة اوديسوس من منظور نقدي اكبر.

4- رواية الألف سفينة للروائية البريطانية ناتالي هاينز

استمرارا لنهج استخدام اليونان القديمة كخلفية لإستكشاف قصص المرأة، رواية الالف سفينة هي إعادة سرد لحرب طروادة من خلال عدسة امرأة. هاينيز تجسد مجموعة من الشخصيات النسائية من الاساطير اليونانية القديمة، بما في ذلك شخصيات نسوية شهيرة مثل كاساندرا واندروماخي، وإلهة ايريس واثينا. هي أيضا تلقي الضوء على شخصيات غير معروفة  مثل كريوسا بنت الملك بريما و بنثيسليا ملكة الامزون.

رواية الالف سفينة تأخذ القارئ في رحلة عبر مدينة توري المتألقة والمناظر المتباينة للعالم اليوناني القديم. انها تحكي القصص الفردية لهذه الشخصيات النسائية، تصف كيف أثّرت عليهن حرب طروادة من داخل طروادة المحاصرة ومن خارجها.

5- رواية سيرس Circe للكاتبة مادلين ميلر

معظم الناس يتذكرون سيرس كساحرة أبقت اوديسوس عالقا في جزيرتها لمدة سنة في طريقه الى مدينته ايثاكا. في روايتها، تعيد ميلر تصور سيرس كشخصية قوية وتتعقب رحلة الإلهة من حياة محمية في قصر والدها المتلألئ الى منفاها البعيد في جزيرة نائية، اثناء منفاها، ستواجه سيرس آلهة يونانيين بارزين وابطال، بعضهم يساعدها وآخرون يعارضونها. هي صادفت الآلهة مثل هيرمس، الصياد ابولو واثينا بالإضافة الى شخصيات هامة مثل ديدالدس، جاسون، وميديا. بالطبع، هي أيضا صادفت اوديسيوس.عبر مزج عظمة الأسطورة مع عواطف الانسان، وأجواء المناظر الخضراء والذهبية لجزر اليونان القديمة، تقدم ميلر للقارئ تجربة لا تُنسى حقا.  

***

حاتم حميد محسن

في المثقف اليوم