قضايا

برحيل المستشرق فرانشيسكو غابريالي (1904-1996) طَوت الدراسات العربية في إيطاليا مرحلة مهمّة من تاريخها، ودخلت طورًا جديدًا صار يُعرَف بـ "الاستعراب" (L’arabismo)، طرأت عليه مستجدّات ودبّ فيه نوع من التفرّع. لماذا شَكّل الرجل مرحلة فاصلة رغم أن السابقِين واللاحِقين العاملين في مجاليْ الاستشراق والاستعراب كثيرون؟ أوّلا لانهماكه بحزم في تطوير الدراسات العربية بحثًا وتدريسًا وترجمةً؛ وثانيا لطبعه الأجيال اللاحقة بمنهج التعاطي العلمي والتخصّصي مع الدراسات العربية. ففي مرحلة مبكرة كان الإتيان بفرانشيسكو غابريالي لتولي مهام "معهد الشرق" في روما (IPO)، الذي أسّسه المستشرق كارلو ألفونسو نللينو سنة 1921، والذي مثّل أهم بؤرة في دراسة الحضارة العربية في إيطاليا، بغرض تطهير المعهد من النظرة الفاشية للشرق والعبور به نحو رؤية جديدة تجاري أوضاع إيطاليا ما بعد الفاشية. لكن غابريالي لم ينحصر عمله بتولي مقاليد المؤسسة البحثية المعنية بالشرق والعالم العربي، بل أشرف أيضا على كرسي اللغة العربية وآدابها في جامعة روما "لاسابيينسا"، كبرى جامعات أوروبا التي يفوق عدد طلابها في الوقت الحالي المئة ألف. ولِثقل المهام التي تولاها فرانشيسكو غابريالي مثّلَ الرجل مرجعية للعديد من المستشرقين والمستعرِبين الإيطاليين ممن تتلمذوا على يديه وتشرّبوا منهجه في دراسة الحضارة العربية، وكذلك لوفرة الأعمال التي أنجزها حتى باتت من المرجعيات الكلاسيكية في إيطاليا. نذكر من بينها "تاريخ الأدب العربي" (1951)، "الإسلام في التاريخ.. دراسات في التاريخ" (1966)، "محمد والفتوحات العربية الكبرى" (1967).

فمنذ أواخر الألفية الثانية، وتحديدا منذ العشرية الأخيرة، بدأ يدبّ في ساحة الاستشراق الإيطالي حراك، ستتّضح ملامحه وسيرسو عند الاهتمام بالعربية وآدابها، وهو ما سيُعرَف لاحقا بالاستعراب. توزّعت انشغالاته على ثلاثة محاور رئيسة: تدريس العربية، وتقديم الأدب العربي بوجهيه القديم والحديث، وترجمة الأعمال الأدبية. وشكّل تدريس العربية وآدابها محور نشاط عدد من الجامعات الإيطالية مثل "الأورِيِنتالي" في نابولي، وجامعة روما "لاسابيِينسا"، وجامعة البندقية، وجامعة باليرمو، أبرز المؤسسات الجامعية في إيطاليا وأعرقها. ليغدو تدريس العربية وآدابها، في الوقت الحالي، شائعا في العديد من الجامعات في شمال إيطاليا وجنوبها.

ذاع صيت أسماء إيطالية في مجال الترجمة من العربية لارتباطها أساسا بترجمة الأعمال الأدبية. نذكر على سبيل المثال عَلَمين بارزين: إيزابيلا كاميرا دافليتو وفرانشيسكا كورّاو، لريادتهما في المجال ولنشاطهما الحثيث في الترويج للأدب العربي، حيث انشغلت الأولى بترجمة الأعمال الروائية بشكل رئيس، واهتمت الثانية بترجمة الشعر. تقاسم الثنائي الساحة الإيطالية ولم يخل عملهما من التنافس والتدافع، وكوّنت كل منهما فريقا من الأتباع والمريدين صبّ في مصلحة ترويج الأدب العربي واللغة العربية. واستطاعت كلتاهما تقديم سلسلة من الروائيين والشعراء العرب للقارئ الإيطالي، تسنّى بمقتضاه إخراج الدراسات العربية من حيز الجامعات الضيق إلى الساحة الثقافية الرحبة. وهي رحلة شاقة وممتعة كما روت لي كاميرا دافليتو وكورّاو بعضا من فصولها، أخرجت المنتوج العربي من العتمة إلى النور، حتى باتت أسماء عربية مثل غسان كنفاني، وإميل حبيبي، وصنع الله إبراهيم، ورشيد ضيف، ونجيب محفوظ، ولطيفة الزيات، وعبد الرحمان منيف، وإبراهيم الكوني، والطيب صالح، وأبو القاسم الشابي، والسياب، ومحمود درويش، وعبد العزيز المقالحي، وأدونيس متداوَلة على ألسنة الطلاب والمثقفين الإيطاليين.

اليوم أضحى المعنيون بالترجمة من العربية كثيرين. فقد شهدت العشريتان الأخيرتان ظهور لفيف من المترجمين استطاع كسب ثقة دُور النشر وحاز شيئا من القبول لدى القارئ الإيطالي. نذكر على سبيل الذكر ماريا أفينو ومونيكا روكّو وديانا إِلفيرا وباولا فيفياني وبربارا تيريزي ووسيم دهمش وفرانشيسكو ليجيو وألدو نيكوسيا وسيمونِه سيبيليو. صحيح يبذل المترجمون جهودا مقدَّرة في الترجمة من العربية، غير أنّ التخيلية المركزية للثقافة العربية المتأتية من حقبة الاستشراق الكلاسيكي لا تزال تحول دون الاهتمام الكافي بالأدب الخليجي أو الأدب المغاربي مثلا. بالإضافة أن التحولات الجارية في الساحة الثقافية العربية لا تجاريها مواكَبة دائمة من المترجم الإيطالي، وهو ما يجعل كثيرا من الترجمات تأتي نتيجة العلاقات الشخصية أو التوصيات، وقد لا تعبّر عن واقع الحركة الأدبية العربية.

لقد مثّل خطّ الاستعراب، المتمحور حول دراسة الأدب العربي المعاصر وتدريس العربية، عنصر تحوّل إيجابي. وتركّزَ الاهتمام على نقل الأعمال الإبداعية، وتدريس القضايا التي تمور بها الساحة الثقافية العربية، بغرض تقديم صورة راهنة عن العالم العربي. لكن تبيّن أن ملاحَقة الإنتاجات الأدبية وحدها لا تكفي، وهو ما حثّ على توسيع نطاق الانشغال بالثقافة العربية. فكان أن ظهرت في الساحة اهتمامات بالمقاربات السوسيولوجية والتاريخية والدينية والأنثروبولوجية والسياسية، بغرض إتاحة وعي شامل بالوقائع العربية الجديدة، بعيدا عمّا تُروّجه الدعاية، وكان من أبرز المشتغلين فيها الراحل ماسيمو كامبانيني وإنزو باتشي وإيدا زيليو غراندي وأوغو فابييتي وستيفانو آليافي ولاورا غواتزوني.

في خضمّ تلك المنجزات المقدَّرة، ثمة جانب مهمّ في ترويج العربية وتيسيرها للمتعلم الإيطالي، بقي بعيدا عن الضوء. وهو دور تولّته المؤسسة الجامعية الإيطالية في أقسام اللغة العربية وآدابها داخل الكليات. فقد انكبّ جمع من الأكاديميين الإيطاليين على الاشتغال على بنية العربية كلغة، وعلى مناهجها التعلّمية كلغة عصرية، وعلى الجانب الألسني والتاريخي للغة الضاد. ونظرا إلى طابع الاشتغال التقني لتلك المجالات، فقد ظلّت حبيسة الوسط الأكاديمي. توزعت الأشغال على مجالين بالأساس: الجانب المعجمي والجانب النحوي للغة، في المستوى الأول تعود الحركة المعجمية بين العربية والإيطالية إلى قرون سالفة، ويُعدُّ القاموس الإيطالي العربي "فابريكا مانيا" (1636م) وهو من إعداد دومينيكو جرمانو الأقدم. شهدت الحركة عدة تطورات حتى بلغنا في الحقبة المعاصرة قاموس ريناتو ترايني العربي الإيطالي، الصادر سنة 1966، والأكثر اعتمادا بين الدارسين والمترجمين في إيطاليا. يكشف القاموس عن دراية معمقة لصاحبه بالصناعة المعجمية، وهو شبيه بموسوعة لغوية (1763ص). وفي مسعى لتحيين هذا القاموس العمدة وتجديده جرى اختصاره في مجلد واحد، وتبقى الحاجة ملحة اليوم إلى تحويله إلى قاموس إلكتروني.

يَروج في الأوساط الجامعية كذلك "قاموس اللغة العربية" لإيروس بلديسيرا، أستاذ اللغة العربية في جامعة كافوسكاري في البندقية. وهو قاموس يحاول أن يلبي حاجة الطلاب الناطقين بالإيطالية والساعين إلى تعلّم العربية. كان الهاجس الرئيس لبلْديسيرا وهو تقديم قاموس يلبّي حاجة الدارس من المصطلحات والمفردات في لغة عربية معاصرة. فبموجب نشاطه التدريسي كان بلْديسيرا على دراية بالحاجة الملحة إلى قاموس معاصر. التجربة الناجة لبلديسيرا في "قاموس اللغة العربية" شجّعته على توليد قاموسين آخرين، "العربي الوجيز" و "العربي الصغير"، من القاموس الأصلي استهدف بهما شرائح مبتدئة في تعلّم العربية. 

لكن تعليم العربية وتعلّمها قام أيضا على عاتق دارسين وباحثين في المجال اللغوي، منهم الأستاذ جوليانو ميون الذي تركزت أبحاثه حول قضايا تاريخ اللغة وتيسير مسائل الإعراب. والدارس أوليفييه دوران الذي انشغل بقضايا اللهجات والدارجة. وكذلك ومونيكا روكو التي انشغلت بالقضايا التعلّمية للعربية، وبالمثل أيضا ماريا أفينو التي قدمت عملا مميزا في مجلدين من خلال تيسير النحو العربي عبر تجديد الكِتاب الكلاسيكي للاورا فيتشا فالياري.

أضحى الإيطالي يطالع إبداعات عربية راهنة مترجَمة إلى لغته، مثل "موت صغير" لمحمد حسن علوان، و"الطلياني" لشكري المبخوت، و"لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة" لخالد خليفة وأخرى، بعد أن تعزّزت المواكَبة بفضل الصدى الحسن للجوائز العربية التي باتت تسلّط الضوء على الأعمال الجيدة. وقد كانت حركة الترجمة في ما مضى بطيئة للغاية، حيث لم يُترجَم من العام 1900 وإلى غاية العام 1988 سوى 27 عملا روائيا عربيا إلى الإيطالية.

***

د. عزالدّين عناية - كاتب تونسي مقيم بروما

كان الفيلسوف اليوناني اناكساجوراس رائدا في فهمه لتوسع الكون. أفكاره الثورية حول تعدد الأكوان والطبيعة اللانهائية للوجود وضعت الأساس للاكتشافات العلمية اللاحقة وردمت الفجوة بين التأمل القديم والفيزياء الفلكية الحديثة. في السردية الكبرى لعلم الكون، يبرز الفلكي الأمريكي ادوين هابل Edwin Hubble (1929) كرائد في فهمنا الحديث لتوسع الكون. لكن قبل ألفي سنة من ملاحظة هابل لإبتعاد المجرات عن الارض، طرح الفيلسوف اليوناني اناكساجوراس (500-428 ق.م) اطارا فكريا لازال يتردد صداه في نظريات الكون الحديثة. ومع انه لم تتوفر لديه الأدوات الحالية للعلم، لكن أفكاره الراديكالية حول حركة الكون ودور العقل (نوس) Nous ووجود عوالم متعددة، كل ذلك ميّزه كشخص تنبؤي في تاريخ الفكر.

توسع الكون: علم الكون المبكر لدى اناكساجوراس

تبدأ رؤية اناكساجوراس العالمية بقول هام وعميق: "كل الأشياء كانت مجتمعة". وكما جاء في مذكرات الفيلسوف الافلاطوني الجديد سيمبليسوس Simplicius في تعليقه على فيزياء ارسطو، ان هذه العبارة تقترح حالة بدائية للكون حيث كل شيء كان موجودا في خليط غير مختلف. فقط من خلال تدخّل العقل – العقل الكوني – بدأت الحركة في هذه الوحدة الفوضوية. وبهذا انطلقت عملية من الانفصال والاختلاف. هذه الحركة لم تكن متناهية وانما مستمرة، تشير الى ان الكون يتوسع ويتطور.

في هذه الرؤية، يبدو اناكساجوراس سابقا لعصره. مفهومه لكون دائم التطور حيث العناصر تتحرك وتنفصل باستمرار، يعكس المبادئ الأساسية الكامنة خلف التوسع الكوني الحديث. هابل اظهر ان المجرات تتحرك بعيدا عن بعضها، بما يشير الى توسع الكون. ونفس الشيء، افترض اناكساجوراس ان الكون في حركة دائمة يقودها مبدأ عقلاني أساسي.

اناكساجوراس ونظرية تعدد العوالم

طور اناكساجوراس أيضا مفهوما يتماشى مع آخر النظريات في الكواكب والعوالم المتعددة التي يمكن العيش فيها. كاتب السيرة اليوناني ديوجين لايرتيوس في عمله (حياة وأفكار فلاسفة بارزين) يسجل بعض أقوال اناكساجوراس .هو ادّعى ان العوالم الأخرى تحتوي على شموس واقمار كما في عالمنا. كان هذا ادعاءً ثوريا: اذا كانت الاجرام السماوية توجد في أماكن أخرى، لماذا لا توجد حياة هناك أيضا؟ هذه الرؤية وضعت الأساس للتأملات الفلسفية حول تعدد العوالم وأثّرت على مفكرين مثل الفيلسوفين اليونانيين ديمقريطس وابيقور. اليوم، ومع اكتشاف آلاف الكواكب في مناطق خارج النظام الشمسي والتي يمكن ان تصلح للسكن تبدو رؤى اناكساجوراس اكثر تنبؤية وأقل تأملا. رفضه لوجود عالم احادي عكس إحساسا عميقا حول طبيعة الكون.

الفصل بين العقل والاحساس

ما وراء مساهماته للعلم، ادخل اناكساجوراس نظاما مزدوجا للواقع احدهما نظام فكري والأخر نظام حسي. هو جادل ان العقل هو القوة التي تضع نظاما للكون والذي بدونه يبقى فوضويا. العقل يحكم انفصال العناصر وظهور الواقع المنظم. في حوار فيدو، يذكر افلاطون تأكيد اناكساجوراس على العقل كسبب للنظام في الكون. هو ميز بين ما نتصوره بالحواس وما نفهمه بالعقل. هذا الاطار المفاهيمي سبق الاتجاهات العقلانية للفلاسفة اللاحقين أمثال افلاطون وديكارت.

هذا التمييز كان حاسما في تطور المنهجية العلمية. عبر إعطاء الأولوية للعقل والمشاهدة على التجربة الحسية، مهد اناكساجوراس الطريق لرؤية عالمية تُفهم فيها الطبيعة من خلال تحقيق منهجي بدلا من تفسير ميثولوجي.

تأثير اناكساجوراس

كانت أفكار اناكساجوراس مثيرة للجدل في زمانه. طبقا لما ذكره المؤرخ اليوناني بلوتارخ  في عمله (حول النفي) ان الاثنيين عاقبوه بالنفي بسبب اقتراحه ان الشمس هي صخرة نارية وليست كينونة الهية. مع ذلك، رؤيته لكون ديناميكي منظم عقليا تنبأت المبادئ التي ستحدد لاحقا الفيزياء الحديثة وعلم الفلك. عقيدته في الحركة الكونية والفصل ووجود عوالم متعددة يتماشى مع الاكتشافات العلمية الحديثة، ما جعله رائدا ليس فقط كفيلسوف وانما كمبدع غير معترف به في علم الكون. لو انه عاش في عصر التلسكوبات والرياضيات المتقدمة، ربما لكان اول من يتحدث عن تمدد الكون. في هذه الحالة، يكون اناكساجوراس جسرا فكريا بين التأمل القديم واكتشافات علم الكون الحديث. هو كان مفكرا حقا بقيت أفكاره تتردد عبر الزمان والمكان.

***

حاتم حميد محسن

في تأملنا الأولي لما أعقب تنظيم كأس الكاف الأخيرة بالمغرب، لا يفرض علينا الحدث الرياضي ذاته أسئلته بقدر ما تستفزنا المقاربة الإعلامية، بوصفها بنية سوسيولوجية كاشفة لا محايدة. إذ تتبدى أعطاب آلية إعلامية عابرة للقيم والثقافات، منزاحة عن أخلاقياتها، غارقة في التزييف، ومطمئنة إلى شيوع الخبر الكاذب كأداة اشتغال عادية.

هذا الانزلاق الفج لا يبدو عارضا، بل يفتح على أسئلة ملحّة تتصل بوظائف الرقابة وحدودها، وبأدوار الإعلام حين يتحول إلى ذراع للدعاية السياسية، خاصة عندما يكون موجها من جهات تناصب البلد المنظم العداء

. وفي عمق الإشكال، يطفو سؤال النسقية: أي موقع يشغله الإعلام داخل المنظومة القيمية التي يفترض أن تحكم لعبة رمزية ككرة القدم، من حيث كونها فضاءً للتقارب الإنساني، ولتوحيد مخيال السلام والتسامح، لا لتغذية الأحقاد وإعادة إنتاج الكراهية؟. إنه سؤال لا يقبل التبسيط ولا التسطيح، ولا يمكن الاحتماء بتأويلاته المتشعبة لتبرير الانزلاقات الخطيرة في فهم الرسالة الإعلامية. فنحن إزاء زمن لم تعد فيه العلاقات والقيم والأسس الإنسانية قادرة على حجب الحقائق، ولا على عزل الإعلام عن التقاطعات السياسية التي تعيد توجيهه، وتفرغه من وظيفته الأخلاقية، وتحرفه من أفق الإخبار إلى منطق الاصطفاف. ومن ثمة لا يصبح الخلل في الخطاب فحسب، بل في الوعي ذاته، حين يُستبدل الدور التنويري للإعلام بوظيفة التمويه، ويغدو الحدث الرياضي مجرد ذريعة لصراع رمزي تتخفى فيه السياسة خلف قناع الخبر.

 إن ما يُصطلح عليه بفظاظة الإنترنت لا يُختزل في انحراف لغوي أو سلوك تواصلي منفلت، بل يتجلى كقوة ناعمة تُلهب المشاعر الجمعية وتُعمّق تشظي النسيج الاجتماعي، حتى وهي تفتح، paradoxically، أفقًا موهومًا لما يُسمّى بالديمقراطية الإعلامية. هذا التناقض البنيوي يضعنا أمام إشكال ملحّ يتعلق بمعايير جودة الخبر، ويستدعي انتقالا أفقيا في الممارسة الإعلامية، لا يراكم السرعة وحدها، بل يُثمّن الجِدّة المصحوبة بالصبر الموثوق، ويعيد الاعتبار للزمن بوصفه شرطا للفهم لا عائقا أمامه.

صحيح أن غرف الأخبار الأكثر قدرة على الصمود والمنافسة هي تلك التي نجحت في إدماج أدوات الذكاء الاصطناعي ضمن عمليات جمع الأخبار وتحليل تفاعلات الجمهور، غير أن هذا التحول لا يعكس مجرد تحديث تقني، بقدر ما يكشف انتقالا عميقا في منطق الاشتغال الإعلامي، من هوس السبق الصحفي إلى بناء قدرة تحليلية تسمح بتأويل الحدث داخل سياق اجتماعي واقتصادي وسياسي مركب. وهو ما نبّه إليه الباحث نيكولاس دياكوبولوس حين أشار إلى أن الخوارزميات لم تعد أدوات محايدة، بل فاعلا بنيويا يعيد تشكيل الممارسات الصحفية وحدودها المعرفية والأخلاقية. غير أن الركيزة الأنجع في هذه النسقية الإعلامية الجديدة تتجلى في الدور الحاسم الذي بات يضطلع به الذكاء الاصطناعي في مواجهة الأخبار المضللة، وفي التحقق من الصور والفيديوهات المفبركة، بما يعزز رأسمال الثقة داخل المؤسسات الإعلامية، ويُقلّص من الأثر التخريبي للمحتوى الزائف. ومن هنا، فإن القطيعة الضرورية مع الممارسات المنافية لجودة العمل الإعلامي، كما تجلت في بعض تغطيات دورة “الكان” بالمغرب، لا يمكن أن تتم دون استيعاب واعٍ لمنطق الذكاء الاصطناعي، ليس كبديل عن الأخلاق المهنية، بل كرافعة نقدية وتقنية تُعيد للإعلام وظيفته الأصلية: الكشف، لا التضليل. الفهم، لا التحريض.

لقد كشفت أبحاث ودراسات سوسيولوجية إعلامية حديثة عن الروافد الكبرى التي يتأسس عليها أفق مستقبليات الإعلام، خاصة في ما يتصل بتقاطعه المتنامي مع علوم البيانات. ويتجلى ذلك بوضوح في صعود الصحافة البيانية، وتكثيف استخدام أدوات التحقق الرقمي، وتطوير تقنيات أكثر عمقا في تخصيص المحتوى، مع استحضار إكراهات الخصوصية بوصفها حدًّا أخلاقيًا لا يجوز تجاوزه. وهي تحولات لا يمكن قراءتها كترف تقني، بل كمؤشرات على إعادة تشكيل بنية الفعل الإعلامي ذاته.

ولا ريب أن هذه المبادرات ستُعزّز من قدرة الذكاء الاصطناعي على دعم الإنتاج الإعلامي وتوسيعه، دون أن تؤدي إلى إلغاء دور الصحفي، بل إلى إعادة تعريفه. فالصحفي في هذا الأفق الجديد لا يُختزل في ناقل للمعطى، بل يغدو فاعلا نقديا، يُحسن استنطاق البيانات، ويفكك التباسات تدوير المعطيات الكاذبة أو الزائفة أو المنحرفة عن مقصديتها، بما يضمن اتساق الأدوار الإعلامية مع مقتضيات الحقيقة والمعنى.

ومن هنا، يبرز الرهان الجوهري على انتقال الذكاء الاصطناعي من مجرد وظيفة آلية اختزالية، قد تنزلق إلى الهيمنة الصمّاء، إلى رافعة للتحدي التكنولوجي ذات ميسم نبيل، تُسخّر التقدم العلمي والنهضة المعرفية في خدمة التفوق والنجاح، لا بوصفهما امتيازا نخبويا، بل كقوة مُنَشِّطة للحياة العامة للإنسان، ومعززة لقدرة الإعلام على الإسهام في بناء وعي جماعي أكثر اتزانا ومسؤولية.

إن خلاصة هذا المسار التأملي لا تقودنا إلى إدانة عابرة لممارسات إعلامية معطوبة، بقدر ما تضعنا أمام سؤال وجودي يتعلق بمصير الإعلام نفسه في زمن تَشابُك السلطة بالمعرفة، والتقنية بالقيم. فما جرى في أعقاب كأس الكاف بالمغرب لم يكن إلا كاشفا عن أزمة أعمق. أزمة وعي بدور الإعلام وحدوده، وأزمة ثقة في قدرته على أن يكون وسيطا أخلاقيا بين الحدث ومعناه. فالرهان الحقيقي لا يكمن في استبدال الإنسان بالخوارزمية، ولا في تقديس الذكاء الاصطناعي كحلّ سحري، بل في بناء تعاقد جديد بين الصحفي والتقنية، بين السرعة والحكمة، وبين الخبر ومسؤوليته الرمزية. تعاقد يُعيد للإعلام وظيفته بوصفه أفقًا للفهم المشترك، لا ساحة للاصطفاف، وفضاءً لتكثيف المعنى لا لتبديده، حتى يظل الحدث الرياضي، وغيره، مناسبة لتجديد الثقة في الإنسان، لا ذريعة إضافية لانكسارها.

***

د مصطفـــى غَلْمـــان

تحليل النزوع البشري نحو التضليل في سياق الارتقاء

يتربع الكائن البشري على قمة الهرم التطوري، متميزاً بقدرات معرفية فائقة، ولغة رمزية معقدة، وهياكل اجتماعية لا تضاهى. بيد أن هذا الارتقاء البيولوجي والذهني واكبته ظاهرة تبدو للوهلة الأولى متناقضة مع أسس التعاضد الاجتماعي: وهي الميل البنيوي، وربما النزوع الفطري، نحو الخداع. إن السؤال حول ما إذا كان الكذب يمثل "استراتيجية بقاء" ليس مجرد تساؤل فلسفي مجرد، بل هو بحث في صميم البيولوجيا التطورية وعلم النفس المعرفي. فالمعطيات العلمية الحديثة تشير إلى أن القدرة على الخداع ليست عيباً في التصميم البشري، بل هي ميزة تكيفية محورية ساهمت في تطوير الدماغ البشري ذاته.

من المنظور الأخلاقي إلى الوظيفة التطورية

إن السردية التقليدية التي تحصر الكذب في إطار "الخطيئة الأخلاقية" تتجاهل الجذور الضاربة لهذه الممارسة في تاريخنا النوعي. ففي صراع البقاء، برز الخداع كاستراتيجية فعالة لإدارة الموارد؛ إذ يكشف التحليل السلوكي أن جزءاً كبيراً من الأكاذيب اليومية يهدف بشكل مباشر إلى حيازة الموارد أو حمايتها. هذا الارتباط الوثيق بين التضليل والمكاسب المادية والاجتماعية يضع الكذب في قلب معادلة البقاء والاستمرار.

فرضية الذكاء الاجتماعي النفعي (الميكافيلي)

لفهم أسباب هذا النزوع، يجب العودة إلى الدوافع التي أدت لتضخم الدماغ البشري. تشير "فرضية الذكاء النفعي" إلى أن المحرك الرئيسي لتطور العقل البشري لم يكن مجرد التحديات البيئية المادية، بل كان التعقيد الهائل للحياة الاجتماعية. ففي المجموعات الكبيرة، يحتاج الفرد إلى الموازنة بين التعاون والمنافسة، وتشكيل التحالفات، والتلاعب الرمزي بالآخرين لتحقيق مكاسب شخصية دون اللجوء إلى العنف الجسدي عالي الكلفة. ويقترح الباحثون (أمثال بيرن ووايتن) أن القدرة على "الخداع الإجرائي" كانت عاملاً حاسماً في الانتقاء الطبيعي؛ فالأفراد الذين ملكوا القدرة على استقراء عقول الآخرين وتضليلهم بنجاح، استطاعوا الوصول إلى الموارد والشركاء بشكل أفضل.

الارتباط بين حجم القشرة المخية الحديثة ومعدلات الخداع

تدعم الأدلة التشريحية العصبية هذه الفرضية بقوة؛ حيث أظهرت الدراسات المقارنة وجود علاقة ارتباطية طردية بين حجم "القشرة المخية الحديثة" ومعدلات ممارسة الخداع المناور. فالكذب يتطلب قدرة حسابية ومعرفية عالية؛ إذ يتحتم على الكاذب استحضار الحقيقة في "الذاكرة العاملة"، وبناء سيناريو بديل متماسك، والتنبؤ بردة فعل الضحية، مع ضبط لغة الجسد لتتوافق مع الرواية المختلقة. هذه العمليات المعقدة تتطلب "مخزوناً معرفياً" وسلوكيات مرنة لا تتوفر إلا للأدمغة المتطورة.

نيتشه وإرادة الخداع: الكذب كشرط حيوي

في القراءة الفلسفية لهذا النزوع، نجد أن فريدريك نيتشه كان سبّاقاً لربط الحقيقة بالبيولوجيا. يرى نيتشه أن الكذب ليس مجرد رذيلة، بل هو "شرط وجودي" للحياة. ففي كتابه "ما وراء الخير والشر"، يطرح فكرة أن الحقيقة هي نوع من الأوهام التي نسينا أنها كذلك. بالنسبة لنيتشه، فإن "إرادة القوة" تقتضي التلاعب بالواقع؛ فالأقوياء يستخدمون الخداع كأداة للإبداع والسيطرة وصناعة قيم جديدة، بينما يمثل الصدق المطلق أحياناً عائقاً أمام الحيوية والارتقاء.

الماركسية والأخلاق: الخداع كأداة للصراع الطبقي

من زاوية أخرى، تقدم الماركسية مراجعة نقدية للأخلاق بوصفها "بناءً فوقياً" يعكس مصالح الطبقة المهيمنة. ترى الماركسية أن الطبقة المسيطرة تروج لقيمة "الصدق" كواجب مقدس لضمان انضباط الطبقات الكادحة، بينما تمارس هي "الخداع الأيديولوجي" لتزييف وعي الجماهير والحفاظ على علاقات الإنتاج. لذا، فإن الزيف في هذا المنظور هو نتاج لاحتدام الصراع المادي، ولا يمكن تجاوزه إلا بتحرر الإنسان من الاستلاب الاقتصادي.

"الكذب الفئوي (الأزرق): "الغراء الاجتماعي والولاء

يتجلى أقصى تعقيد لهذه الظاهرة فيما يُعرف بـ "الكذب الفئوي" (أو الكذب الأزرق)؛ وهو التضليل الذي يُمارس لتعزيز تماسك الجماعة. على خلاف الكذب الأناني، يُعد الكذب الأزرق "إشارة ولاء"؛ حيث يقبل الفرد إنكار الحقيقة الموضوعية في سبيل الحفاظ على "الحقيقة الاجتماعية" للجماعة، مما يحول الكذب إلى أداة تضامن سياسي وهوّياتي ضد الخصوم. هذا النزوع يفسر كيف تتحول الأساطير والقصص المشتركة إلى "غراء اجتماعي" يربط آلاف الغرباء تحت راية واحدة.

الدين كآلية لضبط الخداع

مع تجاوز المجتمعات لـ "رقم دنبار" (حوالي 150 فرداً)، فقدت آليات المراقبة المباشرة فاعليتها، مما سهل عمليات الغش. هنا نشأت الحاجة لرقيب مفارق: "الآلهة الكبرى". لقد عمل الإيمان بقوى عليا مراقبة كـ "رادع تطوري" للحد من الخداع الضار، وتحويل التدين وطقوسه المكلفة إلى "إشارة صادقة" تعزز الثقة والتعاون بين المجموعات الكبيرة، وتمنحها ميزة تنافسية في التجارة والحروب.

تحديات المستقبل في عصر المعلومات

يظل الكذب استراتيجية بقاء أصيلة، وجزءاً لا يتجزأ من النسيج البيولوجي والمعرفي للإنسان. واليوم، يواجه الإنسان تحدياً جديداً؛ فمع تراجع سطوة "الرقيب الأخلاقي التقليدي" وصعود التكنولوجيا الرقمية التي تضخم القدرة على الخداع وتلغي كلفته الجسدية، أصبحنا أمام خطر انهيار "افتراض الصدق". إن فهم جذورنا التطورية وآلياتنا المعرفية الضابطة أصبح ضرورة وجودية لإيجاد توازن جديد يحفظ الحقيقة... أو على الأقل، يضمن البقاء.

***

غالب المسعودي

........................

المراجع

علي الوردي: وعاظ السلاطين، ومهزلة العقل البشري (لتحليل ازدواجية الأخلاق في المجتمع العربي).

طه عبد الرحمن: سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية (حول فلسفة الائتمانية والصدق).

يوڨال نوح هراري: العاقل: تاريخ موجز للبشرية، ترجمة نهى عباس (لفهم دور الأساطير والخيال التكيفي).

فريدريك نيتشه: ما وراء الخير والشر، ترجمة علي مصباح (حول إرادة القوة ونسبية الحقيقة).

كارل ماركس وفريدريك إنجلز: الأيديولوجيا الألمانية، ترجمة فؤاد أيوب (لتحليل الأخلاق كبناء فوقي).

روبن دنبار: كم عدد الأصدقاء يحتاج الشخص؟، ترجمة ممدوح عدوان (حول العلاقات الاجتماعية وحجم الدماغ).

عبد الله العروي: مفهوم الأيديولوجيا (لتحليل التزييف الواعي وغير الواعي في الفكر والسياسة).

إدوارد هال: اللغة الصامتة، ترجمة يسرى عويص (حول التواصل والخداع الثقافي).

Expertise and the Evolution of Intellect. 10. Dunbar, R. I. (2004): The Human Story: A New History of Mankind's Evolution. 11. Sipos, M. (2020): The Evolutionary Role of Lies and the Dilemma of Telling the Truth.

 

استفزني هذا الاعلان لأن هذا السؤال في حد ذاته فضيحة معرفية قبل أن يكون زلة إعلامية. أن تطرح «ضرب المرأة: إجرام أم تهذيب؟» فذلك يعني أننا لم نعد نناقش الفعل، بل نساوم على إنسانية كاملة، كأن كرامة المرأة بند قابل للتفاوض

في الفلسفة، لا يبدأ السؤال من الفعل بل من المبدأ. وكل مبدأ يسمح بإيذاء جسد إنسان تحت أي مسمى تأديب، تهذيب، تقويم . هو مبدأ فاسد من جذوره. لأن التهذيب فعل أخلاقي، والأخلاق لا تبنى بالعنف، بل بالاعتراف المتبادل بالكرامة. العنف لا يعلم الفضيلة، بل يدرب على الطاعة العمياء، ويحول الإنسان إلى كائن مكسور يتعايش مع القهر كأنه قدر.

الأدهى أن يقدم هذا السؤال في ثوب التوعية.

أي وعي هذا الذي يبدأ من افتراض حق الضرب؟ وأي إعلام هذا الذي لا يرى في المرأة إنسانا مكتمل الأهلية، بل مشروع تقويم دائم؟

هنا لا نكون أمام جهل بسيط، بل أمام منظومة فكرية تعيد إنتاج العنف، وتشرعنه، وتمنحه لغة أخلاقية زائفة.

الفلسفة، منذ أرسطو إلى كانط، ومن سبينوزا إلى المعاصرين، لم تختلف على حقيقة واحدة: الإنسان غاية في ذاته، لا وسيلة، ولا أداة، والمرأة ليست استثناء من هذا المبدأ، إلا في عقول لم تغادر بعد كهف الوصاية

المفارقة القاسية أن المجتمعات تجرم ضرب الحيوان ونحن مازلنا نتحدث هل ضرب المرأه إجرام ام تهذيب

المرأة ليست ناقصة إلا في خطاب ينقصه الوعي.

 هي ليست بحاجة إلى تهذيب، بل إلى اعتراف. ليست مشروع إصلاح، بل شريك وجود. هي مثل الرجل، مثل الطفل، مثل الشيخ الكبير: كائن يستحق الاحترام لا الشفقة، والحقوق لا الوصاية، والحماية لا العنف.

سيبقى هذا السؤال علامة عار ما دامت بعض المجتمعات تخلط بين السلطة والأخلاق، وبين القهر والتربية، وبين الجهل والفضيلة. ولن تبدأ النهضة من استنكار الضرب فحسب، بل من تجريم الفكرة التي تري الضرب احتمالا مشروعا.

فالضرب إجرام. والسؤال عنه جريمة أخرى.2320 weman

ابتهال عبد الوهاب

 

يَقُومُ التشاؤمُ الوُجودي على رُؤيةٍ فلسفية تَتَّسم بالشُّكوكِ العميقة حَوْلَ مَعنى الحياةِ، ووجودِ الإنسانِ في هذا العَالَم.

يُعَدُّ أبو العَلاء المَعَرِّي (363 ه - 449 ه / 973 م - 1057م) واحدًا مِنْ أعظمِ شُعراءِ وفَلاسفةِ العَصْرِ العَبَّاسي، وله بَصْمة فِكرية واضحة في الأدبِ العربيِّ والفلسفةِ.

كانَ المَعَرِّي شخصيةً مُتفرِّدة في تفكيره، فَقَدْ عُرِفَ عَنْد تَمَرُّدُه على الواقعِ، وَرَفْضُه للأنظمةِ الاجتماعية التقليدية التي كانتْ تَحْكُم مُجْتَمَعَه. وفلسفته التشاؤميةُ تأثَّرَتْ بشكلٍ كبير بحياته المَليئةِ بالمُعاناةِ، على الصَّعِيدَيْن الشخصي والثقافي.

فَقَدَ المَعَرِّي بَصَرَه في سِن مُبكِّرة، فكانتْ مُعاناته الجسدية والروحية سببًا رئيسيًّا لتشكيلِ نَظْرته العميقةِ والمُتشائمة تجاه الحياة. في شِعْره وأدبه، نَجِدُ أنَّه يَتأمَّل في مَصيرِ الإنسانِ، ويُعبِّر عَنْ يأسِه مِنَ الحياة، ويُشيد بالمَوْتِ، ويَعْتبره نِهايةً مأمونة مِنَ الألمِ والضَّياع. وَالحياةُ - بالنِّسْبةِ إلَيْه - سِلْسلة مِنَ المُعاناةِ التي لا تَنْتهي، والإنسانُ يعيشُ في صِراعٍ مُستمر معَ نَفْسِه، ومعَ الواقعِ الذي لا يَرْحَم. وَهُوَ يَرى الحياةَ طريقًا مَسْدودًا، لا شَيْء فيه سِوى الهُمومِ والآلامِ التي لا مَفَرَّ مِنْها. والمَعَرِّي يُعَدُّ بذلك رمزًا للتشاؤمِ الوُجوديِّ في الأدبِ العربيِّ، حَيْثُ يُقَاوِمُ بِشِدَّةٍ مفاهيمَ السعادةِ والخُلودِ في الحياة.

الفَيلسوف الألماني آرثر شوبنهاور (1788 م - 1860) يُعْتَبَر أحدَ أبرزِ مُمَثِّلي التشاؤم الفلسفيِّ. وَهُوَ يَعتقد أنَّ الحياة في جَوْهرها تَتَّسم بالألمِ والمُعاناة، وأنَّ الوجودَ البشري مَحكومٌ بالألمِ المُستمر. وَقَدْ وَضَّحَ في كِتاباته كَيْفَ أنَّ الإنسان يَتمنَّى بشكلٍ دائم أنْ يَتحقق مُرادُه، لكنَّه في النِّهاية يُصاب بالخَيبة، فالرغباتُ لا تَتوقَّف، وأيُّ إشباعٍ للرَّغْبة يَعْقُبُه شُعورٌ آخَر بالنقص.

يَعْتبر شوبنهاور الحياةَ ساحة صِراعٍ دائم بَيْنَ الإرادةِ والواقعِ. فالإرادةُ البشرية لا تَشْبَعُ أبدًا، وكُلُّ رَغْبةٍ يَتِمُّ تحقيقُها تَقُود إلى ألمٍ جديد، وهذا الألمُ لا يَنتهي إلا بالمَوْت. إذًا، المَوْتُ هُوَ النِّهاية الوحيدة التي تضعُ حَدًّا لهذه المُعاناة المُستمرة. هذا التشاؤمُ الوجوديُّ الذي يَراه شوبنهاور في حياته لا يَتعلَّق فَقَط بالمُعاناةِ الفَرْدية، بَلْ يَمتدُّ لِيَشملَ الكَوْنَ بِرُمَّتِه، الذي يَراه مليئًا بالعبثية.

تأثَّرَ شوبنهاور بالفَلسفةِ الهندوسيةِ والبُوذية، حَيْثُ يَعتقد أنَّ الحَلَّ الوحيد لتجاوزِ هذه المُعاناة هُوَ الانسحاب مِنَ الحياة مِنْ خِلال مُمارسةِ الزُّهْدِ والتَّأمُّلِ العميق، ولكنْ، حتى في هذا الحَلِّ، يَبْقى السُّؤالُ قائمًا: هَلْ يُمكِن للإنسانِ أنْ يَتخلَّص فِعْلًا مِنْ هذه الإرادةِ التي تَسْحبه نَحْوَ الألمِ، أَمْ أنَّ الإنسانَ مَحكومٌ بالمأساةِ الوُجوديةِ إلى الأبد ؟.

رَغْمَ الفُروقِ الجُغْرافيةِ والفِكرية بَيْنَ المَعَرِّي وشوبنهاور، فإنَّ هُناك نِقاطًا مُشتركة بَينهما في تَصَوُّرهما للعَالَم. كِلاهُما يُشكِّك في قِيمةِ الحياةِ، ويَعْتبرها مَليئةً بالمُعاناة. المَعَرِّي يَرى الحياةَ مَليئةً بالتفاهةِ والألم، ويُشدِّد على فِكرةِ المَوْتِ كَحَلٍّ وحيد للانتهاء مِنَ الألم. أمَّا شوبنهاور، فَيَرى أنَّ العَالَمَ مَلِيءٌ بالعَجْزِ والفشل، ويَعكِس ذلك في فلسفته عن الإرادةِ والشَّهوةِ التي لا تَنتهي.

كذلك، نَجِدُ في فِكْرِ المَعَرِّي وفَلسفةِ شوبنهاور رفضًا واضحًا للمثاليةِ التي تُقَدِّمُها الأديانُ أو الأنظمةُ الاجتماعية. المَعَرِّي يَرفضُ المُعْتَقَدَاتِ الدينية السائدة في عَصْرِه، ويُظْهِر في أعماله شُعورًا بالعَدَمِيَّة تجاه هذه المُعْتَقَدَات. وشوبنهاور ينتقد الأديانَ، حَيْثُ اعتبرَ أنَّ الوَعْدَ بالخَلاصِ الدِّينيِّ هُوَ وَهْمٌ ومَلاذٌ للتَّهَرُّبِ مِنْ مُواجهةِ حقيقةِ المُعاناة.

وعلى الرَّغْمِ مِنْ هذه التشابهات، هُناك فَرْقَ جَوْهري بَيْنَ المَعَرِّي وشوبنهاور في تفسيرِهما للألَمِ والوُجودِ. المَعَرِّي يَرى في المَوْتِ نِهايةً مُريحة للمُعاناة، لذلك يَعْتبره جُزْءًا مِنْ دَورةِ الحياةِ الطبيعية، بَينما شوبنهاور يَرى في الألَمِ جُزْءًا مِنْ طبيعةِ الحياةِ التي لا يُمكِن الهُروب مِنها بشكلٍ كامل إلا عَنْ طريقِ رفض الرَّغَبَاتِ، والعَيْشِ في حالةٍ مِنَ الزُّهْدِ، أو الانسحابِ التام مِنَ الواقع.

يَلْتقي المَعَرِّي وشوبنهاور عِنْدَ مُفْتَرَقِ التشاؤمِ الوُجوديِّ، بِوَصْفِهِ مَوقفًا مَعْرفيًّا مِنَ العَالَمِ. فالحياةُ عِندهما تَجْرِبة مُثْقَلَة بالألمِ، والعقلُ مِرْآتها الصافية التي تَكشِف خِدَاعَ اللذةِ، وَوَهْمَ الخَلاصِ السَّهْلِ. إلا أنَّ المَعَرِّي - ابن العُزلةِ والزُّهْدِ - يَرى التشاؤمَ ثَمَرَةَ وَعْيٍ أخلاقيٍّ صارم، إذْ يُخَاصِم العَالَمَ لا لِيَهْدِمَه، بَلْ لِيُحاكمه بِلُغَةِ الشَّكِّ، فَيَنتهي إلى التَّقَشُّفِ الذي يُخفِّف أذى الوُجودِ بالانصرافِ عَنْه. أمَّا شوبنهاور فَيُؤسِّس تشاؤمه على ميتافيزيقا الإرادةِ العَمْياء، حَيْثُ الألَم قانون كَوْني، والرَّغْبَة أصْلُ الشقاء، ولا مَفَرَّ إلا بِتَعليقِ الإرادةِ عَبْرَ الفَنِّ والتَّأمُّلِ.

ويَتقاطعُ المَعَرِّي وشوبنهاور في نقدِ التفاؤلِ الساذَجِ، وتَعْريةِ خِطابِ السَّعادةِ السريعة. المَعَرِّي يُقَوِّضُ مُسلَّمات عَصْرِه بالشِّعْرِ، ويَسْتبدل اليقينَ بالتساؤل، بَينما يُشيِّد شوبنهاور نَسَقًا فلسفيًّا صارمًا يَجْعل التشاؤمَ نتيجةً مَنطقية للمَعْرفة. وكِلاهُما يَرفضُ التصالحَ السَّهْلَ معَ العَالَم، ويَقْترح بَدَلًا مِنْه تهذيبًا للوَعْي. وهَكذا يَغْدو التشاؤمُ الوجوديُّ عِندهما فضيلةً فِكرية لا هُروبًا.

إنَّ الألمَ جُزْءٌ مِنَ الحياة، لكنَّ الأملَ يَكْمُن في قُدرةِ الإنسانِ على التفكير، والنَّقْدِ، والتحليل، حَتَّى وإنْ كانَ في مُواجهةٍ معَ المُعاناةِ الوُجودية التي لا مَفَرَّ مِنها.

***

إبراهيم أبو عواد / كاتب من الأردن

هل الجمال يظل مستقلا في عالم يهيمن عليه الصراع والاقتصاد؟

ظلّ سؤال العلاقة بين الفن والسياسة من أكثر الأسئلة إلحاحا في تاريخ الفكر الإنساني، لا لأنه سؤال نظري صرف، بل لأنه يتقاطع مع التجربة اليومية للإنسان بوصفه كائنا حسّيا اجتماعيا واقتصاديا ورمزيا في آن. فالفن منذ رسومات الكهوف الأولى لم يكن مجرد زينة أو ترف جمالي، بل كان تعبيرا عن وضع إنساني محدّد داخل عالم تحكمه علاقات القوة والخوف والأمل والهيمنة. والسياسة من جهتها لم تكن يوما منفصلة عن الرموز والصور والتمثيلات، لأن السلطة كما نبّه ميشيل فوكو، «لا تُمارَس فقط عبر القوانين والمؤسسات، بل عبر الخطابات والأجساد وأنماط الرؤية». وهنا يصبح سؤال استقلال الجمال في عالم يهيمن عليه الصراع والاقتصاد سؤالا عن إمكان الفن ذاته وعن حدوده وعن مصيره في زمن تحوّل فيه كل شيء إلى سلعة وكل قيمة إلى وظيفة.

إنّ الفلسفة الجمالية الكلاسيكية منذ أفلاطون كانت واعية بهذه المعضلة، وإن اختلفت طرق معالجتها. أفلاطون الذي كثيرا ما يُستدعى بوصفه عدوّ الفن، لم يكن في الحقيقة رافضا للجمال في ذاته، بل كان يخشى قوته السياسية والأخلاقية. ففي “الجمهورية”، حين يطرد الشعراء من المدينة الفاضلة، فإنه يفعل ذلك لأن الفن في نظره يحاكي الظاهر لا الحقيقة، ويؤثّر في النفوس قبل العقول، ويحرّك الأهواء بدل تهذيبها. إنّ هذا الموقف على ما فيه من صرامة ميتافيزيقية، يكشف وعيا مبكرا بأن الفن ليس بريئا، وأن الجمال ليس محايدا، وأن الصورة قد تكون أداة حكم بقدر ما تكون أداة إمتاع. ولذلك يقول أفلاطون إن «أشد الأخطار على الدولة تأتي من الفنون حين لا تخضع للعقل».

غير أنّ أرسطو وهو يختلف مع أستاذه لم يقطع الصلة بين الفن والسياسة بل أعاد صياغتها. ففي “فن الشعر”، يجعل من التراجيديا أداة للتطهير، لا بمعناه الطبي فقط، بل بمعناه الأخلاقي والسياسي، لأن الفن في رأيه يدرّب الإنسان على فهم العواطف الإنسانية، ويعلّمه التمييز بين الفعل النبيل والفعل الدنيء. ومع ذلك فإن هذا التصوّر يظل مشروطا بوظيفة، أي أن الجمال ليس مستقلاً استقلالا مطلقا، بل هو منخرط في أفق المدينة والعيش المشترك. إن الفن هنا لا يُختزل في الدعاية، لكنه لا ينفصل عن سؤال الخير العام.

مع الانتقال إلى الحداثة، يتخذ سؤال استقلال الجمال بعدا أكثر تعقيدا. فكانط، في “نقد ملكة الحكم”، يعلن بوضوح أن الحكم الجمالي حكم “غير متحيّز”، وأن الجميل هو ما يُرضي “بلا مصلحة”. هذا المبدأ الكانطي شكّل ولا يزال أحد الأسس النظرية لفكرة استقلال الفن عن الأخلاق والسياسة والاقتصاد. فالجمال بحسب كانط لا يُقاس بالنفع ولا بالغاية، بل بالانسجام الحرّ بين المخيلة والفهم. غير أن هذا الاستقلال على عمقه النظري يظل هشا أمام واقع اجتماعي لا يعترف بما هو “بلا مصلحة”. ولذلك فإن سؤالنا اليوم ليس هل يمكن التفكير فلسفيا في جمال مستقل؟ بل هل يمكن لهذا الاستقلال أن يصمد داخل بنى اقتصادية وسياسية تسعى إلى توظيف كل شيء؟ .

هيغل الذي انتقد كانط من داخل التراث نفسه، يرى أن الفن لا يمكن فهمه خارج “الروح الموضوعية” لعصره. ففي “محاضرات في علم الجمال”، يصرّح بأن «الفن هو أحد الأشكال التي يتجلّى فيها المطلق تاريخيا». وبذلك يفقد الجمال براءته المجرّدة، ويصبح مرتبطا بحركة التاريخ وبصراعاته وبأنماط وعيه. الفن عند هيغل ليس خارج السياسة، لأنه تعبير عن روح شعب وزمن. ومع ذلك فهو ليس مجرّد أداة سلطوية، بل مساحة يظهر فيها التوتر بين الحرية والضرورة. إن هذا التصوّر الهيغلي يسمح بفهم الفن بوصفه مجالا للصراع الرمزي، لا مجرد انعكاس سلبي للبنية السياسية.

لكن التحوّل الجذري في العلاقة بين الفن والسياسة سيأتي مع صعود الرأسمالية الصناعية، حيث لم تعد السلطة سياسية فقط بل اقتصادية، ولم يعد الصراع يدور حول الحكم وحده، بل حول الإنتاج والاستهلاك والمعنى. هنا تبرز أطروحات كارل ماركس الذي وإن لم يضع نظرية جمالية مكتملة، إلا أنه قدّم مفاتيح حاسمة لفهم اغتراب الفن. فماركس يلاحظ أن العمل حين يتحوّل إلى سلعة يفقد معناه الإنساني، والفن ليس استثناءً من هذه القاعدة. يقول في “المخطوطات الاقتصادية والفلسفية”: «إن اغتراب الإنسان عن عمله هو اغترابه عن جوهره». وإذا كان الفن أحد أشكال العمل الإنساني الأسمى، فإن اغترابه يعني فقدان الجمال لاستقلاله وتحوله إلى منتج يخضع لقوانين السوق.

هذا الوعي النقدي سيتعمّق في مدرسة فرانكفورت، خصوصا عند أدورنو وبنجامين وماركوز. فأدورنو في “نظرية جمالية”، يدافع بشراسة عن فكرة استقلال الفن، لكنه يفعل ذلك لا بوصفها واقعا قائما، بل بوصفها مقاومة سلبية. الفن في نظره، يكون سياسيا حين يرفض أن يكون أداة سياسية مباشرة. يقول عبارته الشهيرة: «الفن لا يلتزم بالقضايا إلا بقدر ما يحافظ على شكله». إن استقلال الجمال هنا ليس ترفا، بل شرطا نقديا يسمح للفن بأن يكشف زيف العالم القائم. غير أن هذا الاستقلال مهدّد دائما بما يسميه أدورنو “صناعة الثقافة”، حيث يُفرغ الفن من قدرته السالبة ويُعاد إنتاجه كسلعة ترفيهية.

أما والتر بنجامين فيتناول المسألة من زاوية مختلفة، حين يتحدّث عن “زوال الهالة” في عصر الاستنساخ التقني. فالفن حين يفقد فرادته يصبح أكثر قابلية للتسييس، لكنه في الوقت نفسه يفقد استقلاله الجمالي. بنجامين لا يحنّ إلى الماضي الأرستقراطي للفن، لكنه يحذّر من تحويل الجمال إلى أداة دعاية، كما حدث في الفاشية التي “تُجمّل السياسة بدل أن تُسيّس الفن”. هذه المفارقة البنجمينية تضعنا أمام سؤال مركزي، هل فقدان الاستقلال الجمالي يعني بالضرورة خيانة الفن، أم أنه شرط لدخوله التاريخ من باب الفعل؟.

في السياق نفسه، يذهب هربرت ماركوز إلى أن الفن يحتفظ بإمكانه التحرّري طالما ظلّ قادرا على تخيّل عالم آخر. ففي “البعد الجمالي”، يؤكد أن «الفن يحرّر الحساسية ضدّ عقلانية القمع». غير أن هذا التحرّر مشروط بعدم ذوبان الجمال في المباشرة السياسية. فالفن حين يتحوّل إلى شعار يفقد قوته التخيلية. وهنا تظهر المفارقة العميقة،الجمال يكون سياسيا بقدر ما يرفض أن يكون سياسيا على الطريقة السائدة.

إذا انتقلنا إلى الفكر المعاصر، وجدنا أن ميشيل فوكو وجاك رانسيير قد أعادا صياغة العلاقة بين الجمال والسياسة بلغة جديدة. فوكو لا يتحدّث عن الفن مباشرة، لكنه حين يحلّل السلطة بوصفها شبكة علاقات، يفتح المجال لفهم الفن كممارسة مقاومة. أما رانسيير فيرى أن السياسة ليست فقط صراعا على السلطة، بل هي صراع على “توزيع المحسوس”، أي على ما يمكن رؤيته وقوله وتخيّله. وفي هذا المعنى يكون الفن سياسيا حين يعيد ترتيب الحواس، لا حين يرفع الشعارات. يقول رانسيير: «السياسة والجمال يلتقيان في إعادة تنظيم ما يُرى ويُسمع».

غير أنّ كل هذه الأطروحات تصطدم اليوم بواقع اقتصادي كوني يجعل من السوق مرجعا أعلى. ففي عالم النيوليبرالية، لم يعد السؤال، هل الفن مستقل عن السياسة؟ بل: هل يمكن للفن أن يكون مستقلا عن الاقتصاد؟ فالجمال اليوم يُقاس بعدد المشاهدات وبقيمة المزادات وبقابلية الترويج. وكما يقول بيير بورديو، فإن الحقول الثقافية مهما ادّعت الاستقلال، تظل خاضعة لعلاقات القوة ورأس المال الرمزي. إنّ استقلال الفن في سياقنا هذا ليس معطى بل رهان دائم.

من هنا يتّضح أن سؤال استقلال الجمال ليس سؤالا بسيطا يُجاب عنه بنعم أو لا. إنه سؤال عن التوتر، عن المسافة، عن الهشاشة. فالجمال لكي يظل جمالا، يحتاج إلى مسافة من السلطة، لكنه في الوقت نفسه لا يوجد خارج العالم. إنه كما يقول بول ريكور، «يقول أكثر مما يقصد، ويقصد أكثر مما يقول». وفي هذا الفائض الدلالي تكمن قوته، كما تكمن هشاشته.

لقد تنبّه غي ديبور مبكرا إلى هذا التحوّل حين تحدّث عن “مجتمع الفرجة”، حيث لا تعود الصورة تمثيلا للواقع، بل تحلّ محلّه. في هذا المجتمع يقول ديبور، «كل ما كان يُعاش مباشرة أصبح يُعاش على نحو تمثيلي». الفن داخل هذا الأفق يفقد وظيفته بوصفه كشفا أو إزاحة، ويتحوّل إلى عنصر ضمن سلسلة لامتناهية من الصور التي تُنتج الاندماج بدل المسافة، والتماهي بدل النقد. هنا لا يُلغى الجمال بل يُفرَّغ من توتّره ومن قدرته على الإزعاج ومن طاقته على قول “لا” في وجه العالم.

وهذا ما يجعل سؤال السياسة اليوم مختلفا عمّا كان عليه في القرن العشرين. فالفن لم يعد يُستدعى أساسا كأداة أيديولوجية مباشرة، بل كوسيط رمزي يُنتج القبول ويُطبع الحساسية ويعيد تشكيل الرغبات. يقول فريدريك جيمسون إن «المنطق الثقافي للرأسمالية المتأخرة هو محو المسافة بين النقد والتسلية». وفي هذا المحو تكمن خطورة قصوى، لأن الفن حين يفقد قدرته على خلق مسافة، يفقد جوهره الجمالي نفسه. فالجمال كما لاحظ نيتشه، ليس ما يُريح بل ما “يُكثّف الإحساس بالحياة”، حتى في بعدها التراجيدي.

إن نيتشه في هذا السياق، يقدّم مفتاحا بالغ الأهمية لفهم العلاقة بين الفن والقوة. فالفن عنده، ليس زينة أخلاقية ولا خطابا إصلاحيا، بل تعبير عن إرادة الحياة في أوج توترها. وحين يكتب في “مولد التراجيديا” أن «الفن هو النشاط الميتافيزيقي الحقيقي لهذه الحياة»، فإنه لا يفصل الجمال عن الصراع، بل يجعله شكله الأسمى. غير أن هذا التصوّر على راديكاليته، يختلف جذريا عن تحويل الصراع إلى فرجة، وعن تحويل الجمال إلى سلعة. فالفن النيتشوي لا يُهادن، ولا يطلب الرضا العام، بل يضع الإنسان أمام هشاشته وقدرته في آن.

لكن عالم اليوم وقد أُعيد تنظيمه وفق منطق السوق الكوني، لا يتيح بسهولة هذا النوع من التجربة. فالفن لكي يوجد يحتاج إلى تمويل ومنصات عرض واعتراف مؤسسي. وهذه الشروط كما يبيّن بورديو ليست محايدة بل تفرض ذوقا معيّنا، وتُكافئ أشكالا من التعبير على حساب أخرى. الاستقلال الجمالي في هذا المعنى، ليس سوى استقلال نسبي داخل حقل تحكمه قواعد غير معلنة. ولذلك يقول بورديو إن «أشد أشكال الهيمنة فعالية هي تلك التي لا تُدرَك بوصفها هيمنة».

هذا الوعي النقدي لا يقود بالضرورة إلى التشاؤم المطلق، لكنه يفرض إعادة تعريف معنى المقاومة الجمالية. فالفن لا يقاوم اليوم فقط عبر المضامين السياسية الصريحة، بل عبر الأشكال والإيقاعات والاختيارات الأسلوبية التي تُربك منطق الاستهلاك. إن قصيدة غامضة أو لوحة صامتة أو عملا سينمائيا بطيئا، قد يكون أكثر سياسية من خطاب مباشر، لأنه يرفض الخضوع لإيقاع السوق. وهنا يمكن استحضار قول موريس بلانشو إن «الأدب يبدأ حين يصبح الكلام غير نافع». فاللا-نفع هنا ليس عجزا، بل موقفا.

ويزداد هذا المعنى وضوحا حين ننظر إلى العلاقة بين الفن والهوية في السياق المعاصر. فقد تحوّلت قضايا الهوية العرقية والجندرية والثقافية، إلى أحد ميادين الصراع الرمزي الأساسية. والفن هنا يجد نفسه ممزقا بين مطلب التعبير والاعتراف، ومخاطر الاختزال والتسليع. فحين تتحوّل الهوية إلى علامة تجارية، يفقد التعبير الفني عمقه الوجودي، ويصبح جزءا من اقتصاد التنوّع. تحذّر جوديث بتلر في سياق آخر، من أن «السياسة التي لا تنتبه إلى شروط ظهورها قد تعيد إنتاج ما تعارضه». وينطبق هذا التحذير على الفن حين يُختزل في تمثيل مباشر للهوية دون مساءلة الشروط التي تجعل هذا التمثيل ممكنا ومطلوبا.

من جهة أخرى، يفرض التحوّل الرقمي أسئلة جديدة حول معنى الجمال والاستقلال. فالفن وقد أصبح متداولا عبر الشاشات، يخضع لمنطق الخوارزميات التي تُحدّد ما يُرى وما يُهمَل. هنا لا يعود الرقيب دولة أو مؤسسة، بل نظاما غير مرئي من الحسابات الإحصائية. يقول برنار ستيغلر إن «الخطر الحقيقي اليوم هو فقدان الانتباه بوصفه قدرة إنسانية». والفن الذي يفترض فيه أن يدرّب الانتباه، يصبح مهددا بالذوبان في تدفّق لا نهائي من الصور. إن استقلال الجمال في هذا السياق يصبح مرهونا بالقدرة على إبطاء الزمن، على خلق فجوة داخل التسارع العام.

لكن هل يعني هذا أن الفن محكوم بالفشل أو التلاشي؟ ليس بالضرورة. فالتاريخ يعلّمنا أن الفن غالبا ما يجد منافذه في الهوامش، وفي المساحات التي لا تلتفت إليها السلطة مباشرة. يشير إرنست بلوخ إلى أن «الأمل يسكن في ما لم يتحقّق بعد». والفن بوصفه ممارسة تخييلية يحمل هذا البعد اليوتوبي لا بمعناه الساذج، بل بوصفه انفتاحا على الممكن. إن الجمال لا يغيّر العالم مباشرة لكنه يغيّر شروط الإحساس به، وهذا تغيير سياسي عميق، وإن كان غير قابل للقياس.

إن استقلال الجمال لا يعني الانفصال عن العالم، بل الحفاظ على توتّر خلاّق معه. فالفن الذي ينعزل تماما يتحوّل إلى لعبة نخبويّة، والفن الذي يذوب كليا في السياسة أو السوق يفقد روحه. بين هذين الحدّين، تتشكّل إمكانية جمالية نقدية تدرك شروطها ولا تتوهّم براءتها، لكنها ترفض في الوقت نفسه الاستسلام. وكما يقول بول فاليري: «ليس للفن أن يكون واضحا، بل أن يكون دقيقا». وهذه الدقة هي ما تمنحه قدرته على الاستمرار.

لعلّ ما يلوح في أفق هذا التأمّل لا يرقى إلى مرتبة الحسم، لأن السؤال ذاته عصيّ على الاستقرار. فهل يظل الجمال مستقلا في عالم يهيمن عليه الصراع والاقتصاد؟ الجواب، إذا أُريد له أن يكون فلسفيا، لا يمكن إلا أن يكون مركّبا. نعم، يظل الجمال مستقلا بقدر ما يخلق مسافة ويقاوم الاختزال ويحافظ على قدرته على الإزعاج. ولا يظل مستقلا إذا فُهم هذا الاستقلال بوصفه عزلة أو تعاليا على التاريخ. فالجمال كما يعلّمنا تاريخ الفن والفلسفة، لا يعيش إلا في المفارقة، مفارقة كونه حرا ومشروطا كونيا ومحلّيا ذاتيا وسياسيا في آن.

ولعل القيمة الأعمق للفن اليوم تكمن في كونه يذكّرنا بأن الإنسان ليس كائن إنتاج واستهلاك فقط، بل كائن معنى وحساسية. وفي عالم يُقاس فيه كل شيء بالقيمة السوقية، يظل الجمال حين ينجح في الإفلات من هذا القياس، أحد آخر أشكال المقاومة الهادئة. ينبه أدورنو في خاتمة “نظرية جمالية”: «الفن هو وعد بالسعادة لا يفي به». لكن هذا الوعد حتى وهو غير مُنجَز، يظل ضروريا، لأنه يفتح أفقا يتجاوز ما هو قائم، ويذكّرنا بأن ما هو كائن ليس قدرا، وأن ما يبدو طبيعيا ليس إلا تاريخيا، وأن الجمال في هشاشته نفسها، يظل شاهدا على إمكانية عالم أقل قسوة وأكثر إنسانية.

***

د. حمزة مولخنيف

استدعتنا مناقشة صنْعة (أبي تمَّام) الشِّعريَّة، في المساق السابق، إلى التطرُّق إلى الذَّكاء الاصطناعي. إذ قال صديقي اللَّدود (ذو القُروح):

ـ ثمَّة اليوم مبالغات فجَّة في الإيمان بالذَّكاء الاصطناعي، كذلك الذي حدثَ في بدايات نشوء الحاسب الآلي في القرن العشرين، أيَّام كان يُطلَق عليه «العقل الاصطناعي». ومَن كان من جيلي أو ما قبله يذكُر هذا الاصطلاح الشَّعبي.

ـ وهل ما زال أحدٌ من جيلك، يا (ذا القُروح)؟!

ـ نعم، ولكلِّ زمانٍ دولةٌ وقُروح! وأقول: بل بلغتْ الثِّقة بالذَّكاء الاصطناعي إلى ادِّعاء أنَّ بإمكانه أن يَنْظِم شِعرًا! وقد استمعتُ إلى نماذج مضحكة من هذا الشِّعر الاصطناعي، الذي لا يَمُتُّ لفَنِّ الشِّعر بصِلة، سِوَى على نحوٍ شكليٍّ ركيك.

ـ بل إنَّ من مهوَّسي هذا الذي يُسَمَّى ذكاءً أن تراهم بغباءٍ غير اصطناعي يوشكون أن يصوِّروا الإنسان إلاهًا، وها هو ذا قد خلقَ كائنًا، هو للمفارقة أشدُّ من خالقه ذكاءً وإبداعًا!

ـ هذه هرطقة جديدة، أو قل: تبدو ديانةً جديدة، يروِّج لها المروِّجون، بوعيٍ أو بغير وعي. وهي في كلتا الحالتين تنبثق عن غرور الإنسان المعاصر، الذي يذكِّرنا بغرور فرعون أو قارون أو النَّمرود!

ـ ولكلِّ زمانٍ أيضًا فرعونه وقارونه ونَمروده!

ـ إنَّ ما يُدعَى الذَّكاء الاصطناعي لا يعدو بحالٍ من الأحوال، ولن يعدو، برنامجًا، برمجه الإنسان لتكون الآلة قادرةً على جمع المعلومات ومعالجتها بسرعة فائقة، وَفق البرمجة البَشَريَّة المزوَّد بها؛ كي يكون عَونًا للإنسان، لا بديلًا عنه، ولا معطِّلًا لمَلَكاته الذِّهنيَّة وحواسِّه النَّقديَّة.

ـ وبالطبع الآلة- في كلِّ زمانٍ ومكانٍ ومن كلِّ نوع- أقوى من الإنسان، دفعًا وحركة وسرعة، لكنَّها تظلُّ قاصرةً عن الإنسان، لغةً وخيالًا وإبداعًا.

ـ ومن هنا فإنَّ مصطلح «ذَكاء» لا يعني الفِطنة، أو التفكير، ولا الاستنباط، ولا الإبداع، ولا إرادة اتِّخاذ القرار، بمقدار ما يعني سرعة جمع المعلومات المعطاة ومعالجتها بطريقة رياضيَّة. ولعلَّه يأتي اليوم الذي يتراجع الإنسان عن تسميته «الذَّكاء الاصطناعي»، كما تراجع عن تسمية الحاسوب بـ«العقل الاصطناعي».

ـ بِمَ يُسمَّى؟

ـ يمكن أن يُسمَّى، مثلًا: «محلِّل المعلومات»؛ لأنَّ عمله البحث عن المعلومات وجمعها، وتحليلها، وتفعيلها، لا أكثر. الإشكال الأكبر هنا أنَّ ما يُسمَّى الذَّكاء الاصطناعي هو أداة فساد معرفي الآن، فضلًا عن الفساد الأخلاقي والحقوقي، وناهيك به من فساد!

ـ وهو لذلك أداة تضليل، ونشرٍ للأكاذيب، والمعلومات الزائفة.

ـ على أنَّك تراه يُقدِّم ذلك كلَّه بثقةٍ مطلَقة، تنبثق عن ثقة مبرمج الآلة، وعقله الهمجي، وغير العِلمي. ثمَّ تأتي ثالثة الأثافي من المتلقِّي الفاغر الفارغ، ولاسيما في عالمنا الثالث أو الرابع، الذي لديه استعداد فطري وثقافي لتصديق ما يأتيه من خزعبلات، كلَّما في الأمر أنها أصبحت تغمره الأضاليل الآن بوساطة هذا الذَّكاء الاصطناعي، بعد غياب ذكائه الطبيعي أو تغييبه. لذا لا غرابة أن تدهش من استشهاد بعضهم بالذَّكاء الاصطناعي. بل صار من الناس من يحتجُّ عليك بالذَّكاء الاصطناعي، ويستفتيه في النوازل، الخاصَّة أو العامَّة، ويقدِّم إليك ما أفاده به على أنَّه النموذج الأرقَى للعِلم والمعرفة، سواء ما كان من عالم الشهادة أو حتى من عالم الغيب. والسؤال: أين الجهات الثقافيَّة أو العِلميَّة أو الحقوقيَّة في العالم عن مهزلة الذَّكاء الاصطناعي، الكامنة فيه من جهة، أو الكامنة في مستثمريه من جهةٍ أخرى، من أشرار البشر وسفائهم.. وهمُ كُثْر؟! خذ مثالًا على ذلك.

ـ هات!

ـ في مقالنا السابق تحت عنوان «من المانوية اللُّغويَّة إلى السيميولوجيا»، المنشور في صحيفة «الجزيرة»، الجمعة/السبت 28 نوفمبر 2025، تَجِد الذَّكاء الاصطناعي قد عرَّف بهذا المقال على موقع (قوقل)، هكذا:

««من المانوية اللُّغويَّة إلى السيميولوجيا» هو عنوان لمقالة أو كتاب للدكتور عبدالله الفيفي، يشير إلى مسار نظري من المانوية اللغوية إلى دراسة السيميولوجيا، وهي دراسة العلامات ودلالاتها. يبدو أن المقال يناقش تحولًا في النظرة إلى اللغة من منظور يعتمد على بعض مفاهيم (ماني)، نحو دراسة أعمق للغة كعلامة لها [معانيٍ] ثقافية واجتماعية.  المانوية اللغوية: يشير مصطلح «المانوية اللغوية» إلى منهج أو مفهوم يعتمد على أفكار متعلقة باللغة، وقد يكون مرتبطًا باللغة من حيث نشأتها وعلاقتها بالمعنى في إطار «المفاهيم المانوية». يُظهر المقال أن الأستاذ الفيفي يناقش فيه «مزاعم صاحب كتاب «الصاحبي في فقه اللغة»» فيما يتعلق باللغة، ويبدو أنه يربطها بالمانوية. السيميولوجيا: هي علم العلامات، وهو العلم الذي يدرس أنظمة العلامات ودلالاتها الثقافية والاجتماعية. تُعدّ السيميولوجيا مجالًا أوسع من مجرد دراسة اللغة، فهي تشمل جميع أنواع العلامات الرمزية التي تُستخدم لتوصيل المعنى. الانتقال النظري: المقال يشير إلى انتقال من منهج تحليلي للغة يعتمد على مفهوم معين (المانوية اللغوية) إلى مجال أوسع وأكثر شمولًا وهو علم السيميولوجيا الذي يدرس اللغة والعلامات الأخرى.»

وفي هذا تجميعٌ مضطربٌ للمعلومات، وفهمٌ خاطئٌ للمحتوى، في نصٍّ حافل بالأخطاء اللُّغويَّة، والأغلاط المعرفيَّة. حيث يُستهلُّ التعريف بخطأ أسلوبي في عبارة ««من المانوية اللُّغويَّة إلى السيميولوجيا» هو عنوان لمقالة...». فواضح أنَّ الذَّكاء هنا يعتمد على برمجةٍ لغويَّةٍ إنجليزيَّة، يكون الربط فيها بين المبتدأ والخبر بفعلٍ مساعد، استُعمل مقابله هنا الضمير (هو)، على حين لا تحتاج العَرَبيَّة إلى هذا؛ فكان الصواب: ««من المانوية اللُّغويَّة إلى السيميولوجيا» عنوان...». كما أن الإضافة جاءت بطريقة إنجليزيَّة لا عَرَبيَّة: «عنوان لمقالة»، ولا نحتاج في العَرَبيَّة للربط بين المضاف والمضاف إليه بأداة، بل نقول «عنوان مقالة». 

ـ ليس الذَّكاء الاصطناعي وحده من يفعل هذا، بل معظم العَرَب يفعلون هذا اليوم في كتاباتهم!

ـ صحيح، لكن هؤلاء هم العَرَب الإنجليز أو الإنجليز العَرَب!

ـ ومن خلال هذا تلحظ خاصيَّة العَرَبيَّة في الإيجاز، وتخطِّي حشوًا من الكلمات لا يضيف معنًى، كما في عبارة «...هو عنوان لمقالة»، التي تغني عنها «...عنوان مقالة».

ـ نعم، لكن هذا مبحثٌ آخر يطول. غير أنك تلحظ إلى هذا زعمه أنَّ هذا عنوان «مقالة أو كتاب»!

ـ وربما جاء قارئ واعتمد على هذه «السَّلَطَة» الذَّكائيَّة الاصطناعيَّة الفاسدة، فظنَّها عِلمًا ومعرفة، فبنَى عليها ما لا أصل له! بل ربما نسبَها إلى الكاتب، وفي هذا تضليل معرفي، مع انتهاكٍ للحقوق الفكريَّة، بعد تشويه مادتها.

ـ ثمَّ ستجد بعد يومٍ تقريبًا صياغةً أخرى للتعريف بالمقال على الموقع نفسه، لعلَّها أسوأ حالًا من سابقتها، تمضي هكذا: »»من المانويَّة اللُّغويَّة إلى السيميولوجيا« هو عنوان مقالة فكرية حديثة للأكاديمي عبدالله بن أحمد الفيفي. يناقش المقال انتقال النظرة إلى اللغة من [المفهوم «المانوي» التقليدي] إلى الفهم السيميولوجي الحديث... المانوية اللغوية: هي مصطلح ابتكره الكاتب للإشارة إلى النظرة الثنائية القديمة للغة، والتي تقوم على الفصل الحاد بين التوقيفية (أي أن اللغة موحاة من الله) والاعتباطية (أي أن العلاقة بين اللفظ والمعنى اعتباطية/اصطلاحية بحتة). هذه النظرة الثنائية (المانوية نسبة إلى الديانة المانوية القائمة على الثنائية) كانت سائدة في التراث اللغوي العربي القديم، كما ناقشها علماء مثل ابن فارس في كتابه «الصاحبي في فقه اللغة»...». وهنا أصبحت الإشارة إلى المانويَّة إشارةً إلى مفهومٍ لغويٍّ تقليدي! وهي تمثِّل النظرة الثنائيَّة القديمة للُّغة، التي تقوم على الفصل الحاد بين التوقيفيَّة والاعتباطيَّة. وهذه النظرة الثنائيَّة كانت سائدة في التراث اللُّغوي العَرَبي القديم، ناقشها علماء مثل (ابن فارس). وهذا خلطٌ عجيبٌ ينمُّ عن «جنون اصطناعي»، ينطبق عليه البيت المنسوب إلى (الشافعي الإمام):

جُنونُكَ مَجنونٌ ولَستَ بِواجِدٍ  

                                طَبيبًا يُداوي مِن جُنونِ جُنونِ!

وإنَّما ذكرنا في ذلك المقال أنَّ قول (ابن فارس) بالتوقيفيَّة اللُّغويَّة كأنَّما يعود إلى اعتقادٍ دِينيٍّ فارسيٍّ. ذلك أنَّ العقيدة الفارسيَّة المانويَّة كانت ترى أنَّ الإنسان هو ابنٌ حنونٌ للخالق، من منطلَق الثالوث المانويِّ المقدَّس: الأب، وأُمُّ الحياة، وابنهما، أي الإنسان. ومن ثمَّ فلا حاجة للإنسان إلى أن يتعلَّم أو يتطوَّر، فكلُّ ما لديه توقيفيٌّ لَدُنِّيٌّ، منذ بدء الخلق. ولو كان هذا الذَّكاء الاصطناعي يقرأ ويفهم، كأقل الناس درجةً في مهارات القراءات والفهم، ما ذهب إلى ما ذهب إليه من هَرْف؛ لأنَّ المقال نفسه يشرح المقصود بالمانويَّة؛ وأنها عقيدة دِينيَّة فارسيَّة، ربما كان (ابن فارس) متأثِّرًا بها.

ـ كفانا الله، إذن، شرور الذَّكاء الاصطناعي، وما سينجم عنه في قابل الأعوام من توقيفيَّات عن التعلُّم والتطوُّر، وعن القراءة والتحليل، والتفكير والفهم!

***

أ. د. عبد الله بن أحمد الفَيفي

أكتب هذا النص وأنا أشعر أن اللغة ليست دائمًا في صفي. أحيانًا تسبقني بخطوة، وأحيانًا تخون ارتباكي، وأحيانًا كثيرة تتصرّف كما لو أنها فهمت ما لم أفهمه بعد.

في مثل تلك اللحظات، لا أشعر أنني أكتب، وإنما أُفاوض جملة عنيدة، أطلب منها أن تتمهّل، أن تمشي معي، لا أمامي. وربما لهذا لا أرى نفسي كاتبًا بالمعنى المكتمل للكلمة، وإنما متأمّلًا يدوّن ملاحظاته على الهامش، يراقب ما يحدث داخله وخارجه، ثم يحاول أن يلتقطه كما يلتقط رسّام أثر ضوء، أو مصوّر حركة عابرة. فالكتابة الإبداعية، في تجربتي، لا تختلف كثيرًا عن الرسم أو التصوير؛ ليست إعلانًا عن معنى، وإنما محاولة للإصغاء، وتسجيل أثر لحظة قبل أن تختفي.

حين تأملت ذلك، أدركت أن خلفيتي التشكيلية تجعلني أتعامل مع النص بوصفه سطحًا بصريًا، وليس معنى مكتملًا؛ شيء يُصنع أولًا، ثم يُرى لاحقًا.

من هنا بدأت أفكّر في ما سمّته الدكتورة لمياء شمت بـ اللغة الواشية؛ ذلك الوصف الذي أصابني لأنه سمّى إحساسًا كنت أعرفه دون أن أجرؤ على تسميته.

اللغة الواشية هي اللغة التي لا تحتمل الغموض فتُفشي المعنى قبل أوانه. هي اللغة التي لا تصبر على أثرها، فتفضحه قبل أن يصل.

أتذكّر الآن جملة كتبتها في نص سابق، كانت متقنة، واضحة، ومحبوبة عند القرّاء. عدت إليها بعد أيام وشعرت بالغربة. لم تكن خاطئة، ولا كاذبة، غير أنها كانت سابقة لزمنها الداخلي. قالت ما لم أكن قد عشته كاملًا. عندها فهمت أن الوضوح قد يكون شكلًا من أشكال العنف الناعم، وأن الاستعجال في الفهم اختصار قاسٍ للتجربة.

في هذا السياق، يحضر غابرييل غارسيا ماركيز، لا ككاتب كبير فقط، وإنما كمن وثق في الزمن أكثر مما وثق في الجملة. عند ماركيز، لا تُنتزع المعاني، ولا تُستدرج بالقوة. في الحب في زمن الكوليرا لا يبدو الحب حدثًا، وإنما انتظارًا طويلًا، تراكمًا صامتًا، زمنًا يُختبر فيه الصبر أكثر مما تُختبر العاطفة. اللغة هناك لا تشرح نفسها، ولا تتعجّل الاعتراف، وتترك الزمن يعمل وحده، كأن المعنى ينضج حين يُترك وشأنه.

ربما لهذا كتب فالتر بنيامين أن الحقيقة لا تُعطى دفعة واحدة، وأنها تظهر في الشقوق، في التراكم البطيء, في ما يُقال على الهامش. الحقيقة لا تحبّ الضوء المباشر، وتضعف حين تُستعجل.

إلى جوار اللغة الواشية، تظهر اللغة المُثقَلة بالنيّة. لغة حريصة، طيبة، تريد أن تكون مفهومة وعادلة. غير أن هذا الحرص نفسه قد يتحوّل إلى عبء. حين تمتلئ الجملة بالقصد، تفقد خفّتها، ويضيق ذلك الفراغ الذي يسمح للقارئ أن يدخل النص دون وصاية. هنا لا تخون اللغة الفكرة، وإنما تُرهقها.

في الجهة الأخرى، تلوح لي اللغة المتورطة. لغة دخلت التجربة دون ضمانات، وخرجت منها محمّلة بأثرها. لا تملك رفاهية الشرح الكامل، ولا ترغب فيه. تورّطها ليس ضعفًا، وإنما علامة مشاركة حقيقية. جملة تعرف أنها غير مكتملة، فتترك نقصها ظاهرًا.

يحضرني ميلان كونديرا، بوصفه كاتبًا شديد الحساسية تجاه اللغة حين تتحوّل إلى تفسير جاهز للعالم. كان يرى أن الرواية تفقد روحها حين تثقل بالحكمة المعلنة، وأن المعنى حين يُقدَّم مكتملًا يفقد قدرته على الإرباك. كتابته تميل إلى التردّد، إلى المفارقة، إلى الجملة التي تفتح سؤالًا ثم تنسحب. كان يعرف أن الخفّة ليست نقيض العمق، وإنما شرطه الأخلاقي.

ثم تأتي اللغة الناجية، وهو توصيف لمح إليه الصديق عادل القصاص في أحاديثنا الطويلة عن الكتابة. ليست لغة منتصرة، وإنما لغة بقيت. لغة عبرت الألم ولم تعد معنيّة بتبريره. فيها اقتصاد، وصمت، وتواضع. تشبه كتابة غسان كنفاني حين كان يترك الفجيعة تعمل وحدها، واثقًا أن القارئ لا يحتاج إلى إرشاد دائم. في هذه اللغة، لا يُقال كل شيء، ويُفهم الكثير.

حين أفكّر في كل هذا، أدرك أن علاقتي باللغة ليست مسألة أدوات أو مهارات. هي علاقة إنسانية خالصة. أخاف الغموض أحيانًا لأنني أخاف نفسي حين لا أفهمها كاملة. أستعجل الجملة لأنني أبحث عن طمأنينة سريعة، وأكتب أحيانًا كي أغلق السؤال، ثم أكتشف أن الكتابة الحقيقية تبدأ في اللحظة التي أتركه فيها مفتوحًا.

أتذكّر حديثًا دار بيني وبين محمد خلف، وكان يتحدّث عن النص كما لو أنه كائن له مزاجه وزمنه، لا يحب العجلة. هو لا يستعجل النشر، ويترك الكتابة تستقر قبل أن يقرّر مصيرها. أما أنا، فأكتب دفعة واحدة، كأنني أفتح بابًا داخليًا وأترك كل ما خلفه يندفع في لحظة واحدة. تأخذني نشوة الاكتمال المؤقت، فأندفع إلى النشر قبل أن أسأل النص إن كان جاهزًا. نصيحته كانت أن أكتب بلا كوابح، ثم أتنحّى قليلًا، أترك النص جانبًا، وأعود إليه بعد حين، بعين أقل انفعالًا. عندها فقط فهمت أنني أكتب بالطريقة نفسها التي أرسم بها.

لهذا أحاول الآن أن أكتب بطريقة أقل ادّعاءً، وأكثر إنصاتًا. أترك للجملة أن تتعثّر معي، وأن تفكّر وهي تُقال، وأن تقبل بأن بعض المعاني قد لا تصل كاملة. فكما كتب أنطونيو غرامشي عن الوعي، لا يولد دفعة واحدة، وإنما يتشكّل عبر الصراع والتراكم، كذلك اللغة لا تكون صادقة إلا حين تعترف بزمنها.

أكتب اليوم وأنا أقلّ ثقة في الجملة المكتملة، وأكثر ميلًا إلى تلك التي تتردّد قبل أن تُقال. ربما لأنني تعلّمت أن المعنى الذي يصل متأخرًا يكون أصدق، وأن اللغة التي تمشي ببطء تمنحنا فرصة أن نكون شركاء فيها، لا متلقّين لها فقط. في هذا التباطؤ، أشعر أن الكتابة تستعيد إنسانيتها، حين تترك لي وللقارئ معًا حقّ التردّد، وحقّ التأويل، وحقّ أن لا نفهم كل شيء الآن.

ربما لأن في هذا النقص وحده، لا في الاكتمال، تبقى الكتابة حيّة.

***

إبراهيم برسي

(قراءة نقدية (للمادة٨٠) من مدونة الأحوال الشخصية لسنة ٢٠٢٥، في العراق)

في المدونة " الجعفرية" التي أقرت ٢٧/ ٨/٢٠٢٥ في البرلمان العراقي، في الفصل التاسع منها، المادة ٨٠ ذكرت الآتي:

" الأم أحق بإرضاع ولدها من غيرها، فليس للأب تعيين غيرها لإرضاع الولد أو إرضاعه بالحليب الصناعي إلا إذا طالبت بأجرة وكان يتيسر له إرضاعه على وجه آخر بكلفة أقل أو بدون كلفة. ويستثنى من ذلك إذا كانت مصلحة الولد تقتضي أن يرتفع من لبن أمه وطالبت الأم بالأجرة المتعارفة وكان للولد مال أو لم يكن له مال ولكن كان الأب موسرا، فأنه يتعين عليه عندئذ إيكال الإرضاع اليها ودفع الأجرة لها." (١)

هذا النص من المدونة يثير الكثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام، الذي مثّل نموذجا لإخفاق التقنين الفقهي المعاصر في تجاوز بنيته المعرفية والفكرية السابقة ودخوله لهذا العصر، فالمادة تتحدث عن رضاعة الطفل عبر استئجار لبن الأم، وهنا أعادت إنتاج الأمومة بوصفها وظيفة خاضعة للتفاوض، وليس علاقة إنسانية، تابعة للكرامة، لكون الأم ذاتا أمومية كاملة الأهلية والاعتبار.

فلايمكن قراءة هذه المادة من المدونة بوصفها نصا فقهيا محايدا، بل يمثل نصا يعيد إنتاج هيمنة "أبوية" قديمة داخل قالب قانوني معاصر، يكشف عن استدعاء "حرفي" لمنطق فقهي تشكّل في سياق تاريخي مختلف جذريا عن الواقع الاجتماعي والحقوقي المعاصر، فالام غير مستقلة اقتصاديا في الغالب، والطفل ينظر اليه بوصفه تابعا لولاية الأب، والأمومة وظيفة اجتماعية طبيعية، لاتؤطر باعتبارها علاقة حقوقية قائمة بذاتها، الأبوة فقط هي من تشكل العلاقة.

فالقانون ينظم جسد الأم ودورها الأمومي ويصفه بكونه خدمة قابلة للتفاوض والمقايضة والمناقصة ولذا تم أدراج الإرضاع من منطق المعاوضة، لاعلاقة إنسانية مؤسسة لذات الطفل والأم معا.

تكمن الخطورة في هذا النص بما يعلنه صراحة وما يضمره أيضا، فالأم ليست صاحبة حق بل صاحبة وظيفة والوظيفة لاتحمى الإ أذا كانت أقل كلفة.

فالتحليل المعرفي للمادة يتحدث عن منطق الوظيفة لامنطق العلاقة:

- الأم أحق بالإرضاع بشرط عدم مطالبتها بأجرة أعلى.

- الأب له حق استبدالها إذا وجد خيارا أقل كلفة.

- الأم لها دور المنفِّذ وليس الشريك في القرار، وهذا يعكس رؤية معرفية ترى أن الأمومة غير مستقلة عن الإعتبار المالي.

- الرابطة العاطفية والوجدانية بين الأم والطفل غير معترف بها تشريعيا.

هذه المادة تسأل ما الخيار الأقل كلفة على الأب، في رضاعة طفله؟، وليس ما الذي يحقق النمو النفسي والوجداني والعاطفي للطفل؟. أنها مادة تعالج مسائل الأب المالية لذلك صارت تدرس في أبواب النفقة والإجارة وليس في باب الحقوق الخاصة بالطفل والأم.

هذا الأنزلاق المعرفي يحول الامومة الى عقد منفصل عن الرابطة الإنسانية ويجعل استمرارها مرهونا بقبول الأم بشروط السوق، من حيث سعر أقل وقابلية للأستبدال وخضوع لقرار الأب، وهنا لاينظر للأمومة بأنها ممارسة وجودية متجذرة في الجسد والوجدان، بل بوصفها مهارة أو حرفة يمكن الاستغناء عنها إن وجد بديل أرخص. وهذا تشييء واضح للجسد الأنثوي حين يصبح الحليب موردا أقتصاديا لا أثر له في تشكيل الهوية النفسية للطفل.

وللتحليل أكثر:

- المادة تعيد انتاج السيادة الأبوية المطلقة:

تمنح المادة (٨٠) الأب سلطة تقريرية شبه مطلقة، فهو من يحدد إستمرار الإرضاع من عدمة ويقارن بين كلفة الأم والبدائل من حليب صناعي أو مرضعة، (قد تكون زوجته الثانية)، وله حق الإقصاء إذا لم ترضخ الأم لشروطه، وهذا يرسم صورة لسيادة الرجل المطلقة الذي نظر اليه على أنه: يحسن تقدير المصلحة للطفل وهو الذي يملك الموارد بما فيه الطفل،

بينما يتم النظر للأم بكونها أجيرة قابلة للتفاوض وخاضعة للمساومة المادية بوصفها أجيرة، فالمادة القانونية كانت تحمي الأب من الاستنزاف المالي حتى لو كان على حساب كرامة ومشاعر الأم واستقرار الطفل.

- أين مصلحة الطفل؟

بالرغم من ورود عبارة " مصلحة الولد "، الا انها تحمل مفهوما بلاغيا أكثر مما هو مصلحة فعلية للطفل، ذكر لتبرير منطق أقتصادي للنص، فالمصلحة هنا لم تذكر أو تُفهم بوصفها: حاجة الى التعلق الآمن بالطفل وضرورة الاستقرار العاطفي وعلاقة غير مشروطة بالمساومة، فهي اختزلت في كفاءة الإرضاع البايلوجي فقط، وهذا يبين الفصل القسري بين الجسد والعاطفة، فالفقه في الغالب يعترف في قضايا النساء بوظائف اجسادهن دون الأعتراف بذواتهن.

في هذه المادة يلاحظ غياب مفهوم المصلحة النفسية للطفل باعتباره وصفا مستقلا. فماهو غير قابل للقياس يقصى من دائرة الاعتبار الشرعي كما لو كانت هذه المعاييرغير موجودة شرعا.

- حين يتحول غير القابل للقياس الى غير معترف به تشريعيا:

الفقه في صيغته التقليدية يميل الى الاعتراف بالحقوق التي يمكن تحديد موضوعها وضبط آثارها وترتيب ضماناتها كالنفقة والإجارة والرضاع بوصفه فعلا ماديا أما الابعاد النفسية- كالأرتباط الوجداني والأمان العاطفي والتعلق المبكر- فهي عناصر غير قابلة للقياس الكمي، فلم تدخل ضمن منظومة الأحكام الإلزامية. فما لم يتم تحديده أو إثباته فورا أو ضبطه بأثر قانوني مباشر يعامل كما لو كان معيارا غير موجود.

هذا الإقصاء- ربما -ينبع من قصور في أدوات المعرفة المعتمدة أذ لم يمتلك الفقه التقليدي (المدرسي) جهازا مفاهيميا يسمح بتحويل الخبرة النفسية الى قاعدة حكم، فتم استبعادها لصالح مايمكن ضبطه فقهيا، فالفقه لم ينكر بالضرورة القيمة النفسية بل عجز عن تمثيلها معرفيا. مما أدى الى أختزال قسري للإنسان، فالطفل لم ير ككائن نفسي في طور التشكل، بل كجسد يحتاج الى غذاء ونسب ونفقة. وكل ما لايندرح تحت هذه العناوين يعد فائضا، يقصى الى خارج دائرة الفقه. ولذا سيكون مضمون " مصلحة الطفل" ماديا إجرائيا لا مصلحة إنسانية شاملة. ولذا يفسر حضور الطفل في النصوص الفقهية بوصفه موضوعا للولاية والتصرف لا ذاتا لها حاجات نفسية مستقلة. فالفقه الرسمي المنتج لايسأل: كيف يتأثر الطفل بفصله عن أمه ؟ بل يسأل من يملك الحق؟ ومن يتحمل الكلفة ؟

هذا النمط من التفكير يكشف عن هيمنة العقل الأداتي، حيث تختزل المسائل ومنها العدالة في قابلية التطبيق، لافي تحقيق الخير الإنساني.

وهنا صارت القابلية للقياس من كونها أداة تنظيم الى شرط للاعتراف بالوحرد القانوني.

والاشكالية الحقيقية تكمن في تقنين هذا المنطق في نصوص حديثة، فلم يعد منطقا فقهيا نتاج عصره بل يصبح موقفا تشريعيا مقصودا يتجاهل تراكم المعرفة النفسية والإنسانية المعاصرة، التي اثبتت أن الإضطرابات النفسية المبكرة خطرة للغاية ولاتقل أثرها عن الحرمان المادي.

وهنا نصل الى سؤال خطير: هل الفقه الذي قُنن حديثا كان مهتما لحماية الطفل والانسان أم كيّف القانون قسرا بحسب حدوده المعرفية بغض النظر مأذا كان يخدم الإنسان أم لا؟

أن العدالة ومصلحة الطفل لاتقاس بل تُدرك آثارها بعمق.

- العنف ضد الأم:

أن العنف الرمزي: هو ذلك العنف الذي يمارس بموافقة الضحية أو تحت غطاء الشرعية (٢)

والمادة ٨٠ تمارس هذا العنف بشكل واضح، لأنها تقنع الأم أن حقها مشروط، وتقنن شعورها بالذنب أن طالبت بأجر، ويصور مطلبها بالأجر عبئا ماليا لا حقا إنسانيا، وبذلك يتحول النص من تنظيم قانوني الى أداة تأديب اجتماعي يجعلها تلجأ الى الطاعة الصامتة. مع الغاء العمل العاطفي غير المرئي الذي تقوم به وهو عمل لا يعترف به الا أذا كان مجانيا.

- التقنين من الفقه أداة لجعله جامدا على وضع غير منصف بالضرورة.

تكمن خطورة المادة من كونها مقنّنة أي محصنة ضد التعدد الاجتهادي، فحين يتم نقل الفقه الى مدونة حديثة دون مساءلة معرفية يتحول الاجتهاد الى " دوغما " قانونية، يجبر النساء على العيش وفق تصورات لم تُتج لزمنهن ولا لأجسادهن، قد تجرد الأم من إنسانيتها وتقدم الأب كمعيار للعدالة.

وهنا تصبح الأم في مسألة الرضاعة صاحبة حق هش لا صاحبة حق ذاتي، بل تابع لمدى امتثالها لشروط النظام المالي الأبوي.

- تحيز لغوي بنيوي:

حيث لاتملك المرأة لغة تعبر بها عن الضرر النفسي، دون أن تتهم بالمطالبة الزائدة. وتشير اللغة في المادة الى تشييء مزدوج، فجيد الأم كنصدر للحليب، وتشييء الطفل كمحل تغذية. ٣)

وفي النهاية يمكن تلخيص الموقف من المادة ٨٠ المتعلقة بالأرضاع والمستمدة من الفقه، عند تحليل لغتها تكشف أن تغييب المصلحة النفسية للطفل ليس فراغا عارضا بل نتيجة لاختيار معرفي ممنهج يربط الاعتبار الفقهي بماهو قابل للقياس المالي والإجرائي، وعندما تُنقل هذه اللغة حرفيا الى مدونة معاصرة، فأنها تحوّل فهم الماضي الى إلزام قانوني في الحاضر، ولايخضع لتعددية الاجتهادات ويكون ملزما في أي حال.

***

ا. د. بتول فاروق

.......................

الهوامش:

- تستمد هذه المادة من كتب فقهية إمامية معروفة:

الشيخ الطوسي، المبسوط في فقه الامامية ج٤ العلامة الحلي، تذكرة الفقهاء، ج٢

المحقق الحلي، شرائع الإسلام، ج٢.

النجفي: جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، ج ٣١.

- بورديو، الهيمنة الذكورية، ، مجلة جامعة ستانفورد، ٢٠٠١م، ١-٤.

- فيرينا آبيشير، النساء واللغة التصورات الاجتماعية للاختلاف، ترجمة د قاسم المقداد، المقدمة.

كذلك: اللغة العربية ودعوى تحيّز ضد المرأة، مجلة نزوى الالكترونية، nizwa.com, في ١/ أبريل ٢٠١٤.

لقد طغت ثقافة الاستهلاك على المجتمع المعاصر، حيث أصبح الإنسان منشغلا بتحقيق الرفاهية المادية، ولكن على الرغم من هذه الرفاهية، فإن الإنسان يعاني من شعور متزايد بالفراغ الروحي. لذلك، أصبحت الحاجة ماسة اليوم للبحث عن توازن يدمج بين احتياجات الجسد واحتياجات الروح، وهل بإمكان الإنسان العودة إلى جذوره الروحية بعد أن انغمس في عالم الماديات واستهلكه اليومي؟ هذه التساؤلات وغيرها يجيب عنها الأستاذ علي رسول الربيعي في هذا الحوار.

1 - ما الروحانية؟

 الروحانية هي ارتقاء الأفكار والمشاعر والاحتياجات، الموجهة نحو ارتقاء الحياة. القيم الروحية، التي تُعرف أيضًا بالقيم الإنسانية. إن من أهم هذه القيم: الخير، والحب، والحق، والإبداع، والجمال، والفن، والحرية. إن تكاثرها هو ما يُضفي على الحياة معناها الحقيقي والجدير

2- لماذا انحرف الإنسان باتجاه تحصيل الماديات؟ وهل أصبحت الروحانية مجرد فكرة هامشية في عالم يبحث عن الرفاهية المادية؟

ليست جميع قيمنا الإنسانية متماثلة. فبحسب قيمك، المتأثرة ببيئتك وتربيتك، والتي بدورها تؤثر على عالمك الداخلي، قد تكون ذا طبيعة روحية فاسدة أو فاضلة. ومن الضروري وجود معيار أخلاقي سامٍ يتجاوز عالمنا الداخلي.

3- ما منزلة القيم الروحية والأخلاقية في حياة الإنسان المعاصر؟

لا تكمن الروحانية المعاصرة في التدين الجامد، أو التمسك بالطقوس، أو إتباع المذاهب التقليدية. بل في التمسك بقيم ومبادئ معينة، وتبني منهج علمي، والمساهمة في بناء عالم نعيش فيه بتناغم، ليس فقط مع أنفسنا، بل مع الآخرين، ومع البيئة، ومع الكائنات الحية الأخرى. سيظل العالم بحاجة إلى الروحانية، ولكن بنوع مختلف. لقد أحدثنا خللاً كبيراً، وواجبنا الأول هو إعادة الأمور إلى نصابها. عندما نجسد الخير والحب والحقيقة، ونعبر عن الإبداع والحرية، فإننا لا نرتقي بوجودنا فحسب، بل نرتقي بالعالم من حولنا أيضاً.

4- ماذا يترتب عن فقدانها؟

إن القيم الروحية تعكس جوهر الإنسانية وفقدانها هو فقدان هذا الجوهر ويكون الإنسان هو الفراغ بين جلدتي الطبل . عندما تُغذّى المحبة والحقيقة والجمال والحرية، تصبح الحياة ذات معنى حقيقي ومشرقة. والسؤال الحقيقي هو: إلى أي مدى نتبنى هذه القيم؟

5- هل يمكن للإنسان أن يكتشف ذاته بعيدا عن طغيان النزعة المادية؟

 لا ينبغي أن تكون الروحانية مجرد مسعى شخصي. فإذا اقتصرت على تحقيق الذات فقط، فإنها تنفصل عن العالم. ينبغي أن تقود إلى التفاعل لا إلى العزلة. فالمعنى ليس مجرد تأمل، بل هو شيء نبنيه من خلال العمل والتأثير في العالم من حولنا.

6- كيف يسهم التوازن الروحي في تحسين حياة الإنسان ومواجهة تحديات الحياة المعاصرة؟

تستحضر "الروحانية" مفاهيم التسامي، والتجارب الخارقة للطبيعة، أو التصوف. أما النهج العقلاني فيحوّل التركيز إلى الواقع المعيش لقيمنا وأفعالنا. في هذا الإطار، تصبح الروحانية القدرة على تجسيد أسمى القيم الإنسانية - كالرحمة، والصدق، والنزاهة، والتعاطف، والعدل، واللطف، والاحترام، والمسؤولية، والالتزام برفاهية الآخرين - في الحياة اليومية. وهذا ما يجعل الروحانية في متناول الناس من جميع الخلفيات، ويشجع على العيش الأخلاقي دون الاعتماد على العقائد الجامدة أو المعتقدات الصوفية. وتعتمد فعالية هذا التعريف على مدى اتفاقنا على هذه القيم "العليا" وممارستها، وعلى قدرة المجتمع على تبني روحانية متجذرة في الإنسانية لا في الخوارق

7- كيف يمكن إعادة بناء الحياة على أسس من الروحانية التي تمنح الأفراد طمأنينة القلب وتوازن العقل؟

تُشكّل هذه القيم جوهر الحياة ذات المعنى. فعندما نُنمّيها، لا نضيف إلى حياتنا فحسب، بل نُساهم في شيء أعظم، فنُنشئ عالماً يزدهر بالعمق والغاية.

 8- كيف يمكن استعادة الروحانية كعنصر أساسي في حياة الإنسان المعاصر؟

 لم تعد الروحانية اليوم مقتصرة على الطقوس، بل أصبحت أقرب إلى العيش بوعي. فهي لا تقتصر على التأمل الشخصي فحسب، بل تشمل أيضاً المسؤولية تجاه الآخرين والبيئة ونوع العالم الذي نساهم في بنائه. فالتوازن الداخلي لا قيمة له إن لم يُترجم إلى أفعال تُساعد على استعادة التوازن الذي أخلّنا به.

***

ا. د. نابي بوعلي

 

في خطابه في مؤتمر دافوس العالمي (من 19 الى 23 الشهر الحالي)، أعرب رئيس وزراء كندا مارك كارني عن حزنه العميق لزوال التعاون الدولي من خلال استحضار حكمة اليونانيين القدماء. "يبدو اننا في كل يوم نتذكر اننا نعيش في عصر تنافس القوى العظمى، وان النظام المرتكز على القواعد بدأ يتلاشى، وان القوي يستطيع عمل ما يستطيع، والضعيف يجب ان يتحمل ما يجب عليه تحمّله. وهذه العبارة المأثورة للمؤرخ والقائد العسكري اليوناني ثيوسيديدس (460-400 ق.م) تبدو كأنها حتمية، لأن المنطق الطبيعي للعلاقات الدولية يعيد تأكيد ذاته".

الصحفيون والاكاديميون من الدانمارك واليونان والولايات المتحدة اقتبسوا نفس العبارة من المؤرخ اليوناني القديم عند مناقشة طلب دولاند ترامب للاستحواذ على جزيرة غرينلاند. وفي نفس الاطار فسرت المدونات ومنصات التواصل الاجتماعي مصير غزة والغزو الروسي لأوكرانيا . من الواضح صعوبة التأمل في عالم اليوم دون ان يكون لنا رد فعل كما فعل الشاعر البريطاني اودن W.H.Auden عند انهيار النظام القديم عام 1939 (1)  ثيوسيديس حين كان في المنفى اكتسب فهما عميقا حول السلطة السياسية وعيوب الديمقراطية وطبيعة الديكتاتورية.

المفارقة هي ان عبارة "القوي يعمل ما يستطيع" جرى فهمها بطرق مختلفة، وعُرضت كوصف للطبيعة الحقيقية للعالم (ضد الليبراليين السذج) وكبيان معياري (الضعيف يجب ان يخضع). ومن جهة أخرى، انها تبدو كرمز لسلطوية الماضي السوداء التي اردنا التخلص منها، وكإدانة للسلطة المطلقة. كل هذه التفسيرات تستخدم ثيوسيديدس لتبرير حججها . إصرار ثيوسيديدس على أهمية البحث عن الحقيقة حول الماضي بدلا من قبول أي قصة قديمة، وضع الأساس لإدّعائه بان هذا التحقيق يساعد القرّاء على فهم أحداث الحاضر والمستقبل. وبالتالي، جرت الإشارة اليه في العصر الحديث كرائد في النقد العلمي التاريخي وأيضا كمنظر سياسي بارز. ان غياب أية قواعد نظرية في نصه لم يمنع الناس من ادّعائهم تحديدها.

ان اقتباس القوي/الضعيف هو مثال رئيسي. انه يأتي من حوار ميلان من تاريخ ثيوسيديدس لحرب البيلوبونيسيه. في عام 416 ق.م وصلت قوة اثنية الى جزيرة ميلوس المحايدة وطلبت منها الاستسلام. القائد الميلاني طلب التفاوض، وثيوسيديدس يعرض إعادة بناء قصصية للأحداث اللاحقة. الاقتباس يأتي من البداية عندما اعلن الاثنيون انهم لا يدّعون بأي حق في احتلال ميلوس عدى القوة للقيام بذلك، وبالعكس سوف لا يستمعون الى أي حجة تنطلق من المبادئ. هم أعلنوا بوضوح ان "أسئلة العدالة تنطبق فقط على أولئك المتساوين في القوة". " القوي يطلب والضعيف يستسلم".

ضمن نظرية العلاقات الدولية الحديثة، هذه أحيانا تُفسر كأول بيان لفكر المدرسة الواقعية. باحثون مثل جون ميرشايمر يدّعي ان ثيوسيديدس حدّد المبدأ الأساسي للنظرية الواقعية بانه في عالم "فوضوي"، يتم تطبيق القانون الدولي فقط اذا كان يصب في مصالح استراتيجية لدول قوية، او يرتب حقوقا. مصير الميلانيين تحطم تماما بعد ان قرروا المقاومة بحماقة.

لكن هناك كلمات وردت لشخصيات في قصة ثيوسيديدس، وليس لثيوسيديدس ذاته. نحن لا نستطيع افتراض ان ثيوسيديدس اعتقد ان مبدأ "القوة هي الحق" هو الطبيعة الحقيقية للعالم، او انه قصد ان يستنتج قرّاءه ذلك. الاثنيون ذاتهم ربما لم يؤمنوا بهذا طالما كانت أهدافهم تخويف الميلانيين ودفعهم الى الاستسلام بدون قتال. وما هو اكثر أهمية، ان ثيوسيديدس وقراءه عرفوا كل شيء عن الرحلة الاثنية الكارثية الى  جزيرة سيلسي  في السنة اللاحقة التي بيّنت الحدود العملية الخطيرة لـ عقلية "الرغبة والاخذ والامتلاك". اذاً، نحن يجب ان لا نأخذ هذا كاقتراح نظري واقعي. لكن اذا كان ثيوسيديدس قصد فقط وصف الغطرسة الامبريالية وتأكيده في ان "الكبرياء يسبق السقوط"، او يستطلع كيف قادت المواقف الاثنية الى حسابات خاطئة كارثية، لكان بإمكانه كتابة كلام مباشر خال من التعقيد.

خيار ثيوسيديدس في الحوار يبيّن ان هناك امور اكثر تعقيدا وليست فقط أثينا. هو كان بنفس القدر مهتما بسايكولوجية "الضعيف"، تركيبة الميلانيين في التوسل والمساومة والتمنيات والتحدي، ورفضهم النهائي لقبول الحجة الاثنية. هذا لا يعني ان الحجج الميلانية صحيحة، حتى لو تعاطفنا معها. تفكيرهم يمكن ان يكون إشكاليا أيضا. ربما هم على صواب في اقتراحهم انه اذا استسلموا فورا، سيفقدون كل أمل، "لكن لو قاومنا عندئذ لايزال هناك أمل ان لا نتحطم".

عقيدتهم ان الآلهة ستساعدهم "لأنهم أناس صالحين يدافعون عن أنفسهم ضد الظلم"، هي ساذجة في افضل الأحوال. ان رغبة الطغمة الحاكمة في التضحية بكامل المدينة للحفاظ على مواقعها يجب ان تخضع للتساؤل. الحوار المتبادل يوضح قيم ورؤى العالم المتصارعة ويجب ان يشجعنا للنظر الى موقعنا الخاص. ما هو مكان العدالة في عالم فوضوي؟ هل من الصحيح ان نضع السيادة فوق حياة الناس؟ كيف يكون شعورك عندما تكون قويا او ضعيفا؟

انه لمن الجدارة الانخراط مع كامل القصة، وليس فقط  في سطور معزولة . الفيلسوف السياسي الإنجليزي توماس هوبز في ترجمته الكلاسيكية عام 1629، لاحظ ان ثيوسيديدس لم يقدم ابدا أية قواعد او دروس لكن مع ذلك " هو من ابرز المؤرخين السياسيين على الاطلاق". القراء المعاصرون اعتادوا على اقتطاع اقتباسات معزولة من السياق، افترضوا انها تمثل رؤية المؤلف وادّعوا انها قوانين لا زمنية. هوبز رأى ثيوسيديدس يمثل مواقف معقدة نحتاج ان نحلل ونفك ألغازها. من الملاحظ ان المؤلف اشتهر بعمقه واختزاله التعقيدية الى عبارات قصيرة . لكن الاشكالية هي في كيفية تفسير هذه العبارات القصيرة. ثيوسيديدس يقدم لنا فكرة قوية وشائكة لكنه لا يخبرنا بما يجب ان نفكر فيه وهذا يجب ان يعيدنا مجددا الى الأصل.

***

حاتم حميد محسن

...............

الهوامش

(1) في عام 1939 استجاب الشاعر البريطاني اودن لانهيار النظام القديم بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية، عبر تأليفه لقصيدته الرائعة في (سبتمبر 1، 1939) فيها قام بتأريخ الخوف والدمار الذي تسببت به الفاشية، مجادلا بالحاجة الى (اننا يجب ان نحب بعضنا البعض او نموت) كشعلة تبعث الاطمئنان وسط الفوضى.

تحت قبة الزجاج المنصهر، وقف "ذو الذيل" متسربلاً بسديم الحيرة. لم يكن ذيله عضواً بيولوجياً، بل استعارة مادية تتلوى خلفه كدخان أسود يأبى التلاشي. كلما حاول اجتراح "الحقيقة"، اهتز ذيله ليتمخض عن "أكذوبة لونيّة" تنضح بنكهة الكبريت الكوني.

الخيانة هنا ليست نقيض الوفاء، بل هي التسامي العمودي في فضاء الزيف. في منطقة "التوسيع" هذه، تشن اللغة حرباً ضد ذاتها؛ فالكلمات ليست جسوراً للعبور، بل هي "أفخاذ مخملية" تنبت الساعات فوق جلود المتفرجين كبثور من الذهب الخالص. المنطق الشفاف يتيح لك معاينة الجوع، لكنه يغلك عن تذوق الرغيف. عقارب المعنى تدور عكس فطرة البديهة، لترسخ أن "التلاشي" هو الجوهر الأثقل في ميزان الوجود.

بينما كان "ذو الذيل" يرقص فوق حطام المنطق، كان القارئ يراقب من ثقب إبرة ميتاسريالية. وبفعل الفجور الشكلي المستمد من زخارف الجمل اللامتناهية واستعارات "السيانيد المنقوع في العسل"، داهم القارئ دوارٌ لغويّ لذيذ. لقد عُطّل الفهم بسبق إصرار؛ فالنص لا يروم المعرفة، بل يدعوك لتعلف غباءك كوليمة فاخرة. أنت الآن لا تقرأ، بل تتعثر بأذيال التكوين التي خلفتها الأبجدية. المعنى ليس مفقوداً، إنه "عدمٌ متأصل" يرتدي تاجاً من الألماس المزيف ليقنعك بأن القصور يكمن في بصيرتك الكليلة.

حين بلغ "ذو الذيل" نهاية النفق، لم يباغته الضوء، بل وجد مرآة تعكس ذيول القراء وهم يطاردون معنىً انتحر في الجملة الاستهلالية. في "توسيع خيانة المعنى"، صار "ذو الذيل" ثقباً أسود يرتدي بزة رسمية، وذيله غدا سوطاً يجلد وجه المنطق" حتى يسيل منه لعاب الارتياب".

الكلمات هنا أورام لغوية تتكاثر فوق أديم الصفحة؛ المفردات التي توهمت قداستها (حقيقة، عدل، يقين) حُشيت بالتبن عُلقت على مشانق البهرجة. النص يشيد قصوراً من رخام الوهم، وما إن تلجها حتى تكتشف أنها محض "نقش على ماء آسن". كل جملة تولد كجنين فكرة، وتلفظ أنفاسها كجثة مشوهة بأدوات تجميل رخيصة، لترتطم بسؤالك: "هل الوجود نكتة سمجة"؟

لا تقرأ بعينيك، بل اقرأ بمرارتك؛ فالمعنى صديد يتركه ارتطام وهمك بجدار الغباء الكوني. "ذو الذيل" يفكك الآن عموده الفقري ليصنع سلماً نحو التلاشي المطلق. البهرجة الشكلية بلغت ذروة "الفجور الأسلوبي"؛ نعتمد جناس القبور، وطباق العدم، وسجع الانكسار، لنشيد ضجيجاً يخرس صوت العقل. أنت لا تفهم، أنت تغرق في كذب يمثل "واقعاً موازياً" يتنفس برئة بلاستيكية محترقة.

هل تشعر بثقل في قفاك؟ إنه المعنى يحاول الانتحار. النص يهز وعيك بعنف صارخاً: "لا خلاص". أنت تجتر غباءك لأنك تنشد "نقطة ارتكاز" في لغة خُلقت لتكون زلزالاً مستمراً. في لحظة "التوسيع"، يُسحل المعنى من ناصيته فوق بلاط المرايا العمياء. "ذو الذيل" ليس الجراح، بل هو النزيف، هو الكذب الذي تأنق حتى استحال ديناً.

نبدأ بشق جدار الصدر؛ انظر كيف تتفتق المفردات عن "هباء مُذهب". نستخدم استعارات ميتة وننفخ فيها روحاً كاذبة لتعطيل مساراتك العصبية، نحيل وجعك إلى "تمثال سكر" يذوب في فم العدم، لتسقط الجملة على ذهنك كصخرة صماء تحطم عظام الإدراك. النص حريري الملمس، لكنه يبث في مسامك "سمّاً وئيداً" يجعلك تشك في هويتك.

بينما يتلوى المعنى في "معصرة التوسيع"، نفتح ثغرات ليدخل غبار الغباء المقدس. أنت لا تستهلك النص، بل هو من يهضمك. السجع الجنائزي والتراكيب اللولبية تعمل كـ "مخدر موضعي" لنزع أحشاء المنطق دون صراخ. كلما برقت الكذبة، انطفأت شمعة الفهم. نحن لا نكذب لنخفي الحقيقة، بل لنشيد قصوراً من هواء يسكنها الحمقى.. أمثالي وأمثالك.

المعنى جريمة عظمى، والقوانين مكتوبة بحبر يتبخر تحت الضوء، والشوارع تفضي دائماً إلى "نقطة البدء". العملة: قطع من الصمت المصبوب، والنشيد: عويل يمدح جمال الضياع. الحاكم: صنم بـ ألف ذيل، والصدق هو أن تصدق تناقضاتها جميعاً. أنت في قاع الغباء المضيء، حيث الكلمات جثث زينة، والمعنى مات ودفناه في حاشية الصفحة تحت زهور معدنية لا تذبل.

الرأس: كتلة تناقضات سائلة. الجسد: مكسو بحراشف بلاغية حادة. الأطراف: مجسات تنتهي بأقلام عاجية تقطر عسلاً أسود. بينما ينمو "مانيتسو" في صمتك، يبدأ صهر الغباء؛ يأكل ظلك اللغوي أولاً، ثم يحقنك بـ "فجور شكلي" حتى تسكر بروعة الزيف. في النهاية تكتشف أن "مانيتسو" هو أنت؛ أنت المعنى المشرح، والكذب المتأنق، والقارئ الذي يبتسم وهو يجتر رماد ذكائه المتفحم.

يا معشر الغرقى، لا تبحثوا عن طوق نجاة؛ فالبحر محض كذبة مرسومة فوق رمال الوهم. اتركوا ذيولكم تلتف حول أعناقكم. المعنى هو القيد، والعبث هو العرش.. فاجلسوا عليه حفاة البصيرة. النص يتآكل الآن، والحروف تتحول إلى ذباب ذهبي يطمس صوت العقل.

في قلب "حبر العدم"، انبثقت نقطة؛ وخز من الوعي في خاصرة "اللاوعي السائل". لم يعد الذيل رمزاً للبهجة، بل "ندبة كذب" لطخت جبين الكلمات. أيها الذيل، أنت الحبل السري الذي يغذي الكذبة الكبرى، فليبتّرك "مبضع الصدق". تلك الخاصرة هي "مرآة مشروخة" ومعصرة" تعتصر من الكلم سمّاً يخدر الإدراك.

لم تكن الكلمة في البدء، بل كان الذيل. "مبدع الذيل" ليس فناناً، بل مزوراً كونياً، وهبك البهرجة لتعمى عن الثقب في صدرك. بالنصل العاري، نقطع الحبل السري مع هذا الخالق العبثي. صمتنا العاري أصدق من قصائده المفخخة. النقطة المضيئة هي رصاصة نور تخترق جبهة المبدع. سقطت الحصانة، وتحررنا من المعنى ومبدعه.

نحن الآن في "العراء الكامل". هل نعلن "جمهورية الصمت المطلق"، أم نستخدم رماد المبدع لنرسم كوناً لا يعرف الزوائد؟

غزل في مقصلة:

الندى الجاف يتقدم المبدع نحو "خاصرة الحقيقة"، يمسح عليها بكف من نار باردة: "أحبكِ" بلغة جافة كالصوان، رطبة كلعاب البرق. شفتاكِ هما "حدود الفهم" المعطلة. المسافة بينهما هي البرزخ بين "السين" و"الصاد". أقبلكِ فتجف عروقي من شدة الارتواء. "الذيل" يستحيل سيمفونية من حرير خشن: "يا ذات الذيل الذي يجرجر خلفه ذيول المجرات، خاصرتُكِ هي التوسيع الذي تضيع فيه بوصلتي".

خيانة المعنى هي "فراش الزوجية" الذي ننام عليه. نحن رطبون بالرغبة، جافون من اليقين. هل نذوب في هذا الالتحام المتناقض، أم نطلب اللقاء المستحيل بين الكلمة العارية وذيل الغزل الموشى بالذهب؟

هنا اكتمل النص كفخ للروح. نمضي نحو "الغياب الكلي"، حيث ينفجر الصمت وتحل "صرخة التلاشي". مواراة "ذو الذيل" والكلمات العارية في حفرة واحدة. انقضى زمن البهرجة، والذيل صار ناراً تأكل ذاتها. لا رطوبة ولا جفاف، بل "الحياد المطلق".

في هذه المساحة، نعلن "دولة الحبور المطلق". لا حساب ولا ميزان، بل ذيل المبدع الذي صار "وتراً" يعزف لحن الضحكة الكونية. المبدع يرمي بهرجته كمناديل ملونة. اللوحة السوداء صارت "ديسكو كونياً". نلهو بذيولنا وآلامنا التي صارت ألعاباً نارية.

الحبور الأبدي هو أن تعرف أنك سائر للصمت، فتغني له بلغة لا تفهمها القبور. المبدع يخلع قناع الجدية، ويرسم بريشة مقامر وجهاً يغمز للعدم. الصدق هو الاستمتاع بالوهم. "نحن لا نموت لأننا انتهينا، بل لأننا أكملنا الرقصة"، ولم يتبقَ في جعبة اللغة سوى.. هيهه...!

انظر للنقطة المضيئة، إنها فم واسع يضحك. الوجود زلة لسان في فم الإبداع. اذهب لقبرك بقلب خفيف كاستعارة ميتة، حاملاً ضحكتك الخرساء. وداعاً في رحاب الهذيان، الوجود معلق كعلامة استفهام ذهبية في فراغ لامتناهٍ.

تميمة أخيرة:

 "باسمِ الذَّيلِ الذي استحالَ جَناحاً، وبسِرِّ الكلمةِ التي تَعرتْ لِتَحترق، أَعوذُ بحُبورِ الغباءِ من شَرِّ الفهم، ومِن بَرْدِ اليقينِ بدِفءِ الهذيان. أنا الفراغُ الذي امتلأَ بضحكتِه، والبابُ المواربُ الذي لا يَوصدُه مَوت".

***

غالب المسعودي

 

تأملات في الفقد والخلود

ماذا يحدث حين يرحل إنسان عن عالمنا هذا؟ بأي مكيال نقيس فراغه؟ هل هو المساحة الفارغة التي تركها خلفه في الفراغ؟ أم هو ذلك الصمت الثقيل الذي يستقر في المكان الذي كان يملأه بصوته الهادئ، الخافت، العميق؟ هذا السؤال نفسه راودني وأنا أشارك بالأمس في ندوة نادرة بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، داخل قاعة امتلأت حتى آخر مقعد. امتلأت بأنفاس الكتاب والنقاد والقراء، ممن لم يأتوا في الحقيقة لشراء كتاب جديد، بل جاءوا لشيء آخر، جاءوا لاستعادة رجل، لاستحضار روح كادت تنسى في زحام الأسماء والأضواء والضجيج.

كان العنوان الرسمي للندوة يدور حول كتاب "عبد الوهاب الأسواني.. حكاء الجنوب" للروائي المبدع خالد إسماعيل، لكن الحضور كانوا يتحدثون بلغة أخرى غير لغة النقد الأدبي؛ لغة الحنين إلى الجذور في أرض تزلقت من تحت الأقدام بعواصف التغيير، لغة التوق إلى الطمأنينة التي يمنحها الأصل الثابت في زمن يحاول اقتلاع كل ما هو ثابت من جذوره.

والغريب، الغريب حقًا، أن عبد الوهاب الأسواني لم يكن يومًا من الأيام "نجمًا" بالمعنى التجاري المتداول في أوساطنا الثقافية المألوفة. لم تملأ صورته الصفحات الأولى للصحف، ولم تعلُ صيحته في المعارك الأدبية الصاخبة التي تشبه معارك الاستعراض أكثر مما تشبه معارك الفكر، ولم يلهث وراء الأضواء أو يبحث عن أضواء جديدة. كان يشبه، إلى حد بعيد، تلك الأشجار المعمرة العملاقة التي تظلل قرى الصعيد ونجوعه؛ جذورها مغروسة في أعماق الأرض، وظلها وارف ممدود، ووجودها بديهي لدرجة أنك لا تدرك قيمتها الحقيقية ولا تعرف عمقها إلا حين تقلع فجأة، فتنكشف المساحة الشاسعة التي كانت تشغلها، وتظهر الشمس الحارقة التي كانت تردها عنك. وهذا بالضبط ما حدث. رحل الجسد الفاني، ولكن بقيت المساحة الشاغرة التي كان يشغلها، ذلك الفراغ الشاهق الذي يحكي بحضوره الغائب عن حجم الرجل الحقيقي، عن حجم ما كان يملأه من فراغنا.

لنبدأ من نقطة أولى، تمس شرائح عريضة من أبناء أمتنا ممن اختاروا، أو اضطروا، لسلوك طريق مختلف للتعلم. فقد توقف التعليم الرسمي للأسواني عند شهادة الثانوية العامة. كم هو مألوف هذا النموذج في مجتمعاتنا العربية التي كثيرًا ما تحكم على الإنسان من خلال حدود شهادته، فتختزله فيها! لكن ما هو غير مألوف إطلاقًا، بل هو استثنائي ونادر، هو ما فعله الرجل بعد ذلك. ففي مدينة الإسكندرية، بين رفوف المكتبات العتيقة التي تفوح برائحة الورق القديم، وفي مجالس المثقفين والأدباء التي كانت ندواتها جامعة شعبية حقيقية، شرع هذا الشاب في صناعة تعليمه بيديه. كان يبني، بوعي وصبر، معمار معرفته لبنة لبنة، بلا مهندس رسمي يرسم له المخطط، وبلا منهج معتمد يحدد له المسار، وبلا شهادة في النهاية تعلن عن تخرجه. إن نظرة متأملة إلى هذا المسار الفردي في عصرنا الحالي، حيث نقدس الشهادات ونتناسى جوهر العلم، تكتشف أن نموذج عبد الوهاب الأسواني يمثل ثورة صامتة على تلك المقولات الجاهزة. إنها ثورة تذكرنا، في صبر وأناة، بأن العقل الجائع للعلم أقوى وأبقى أثرًا من المنهج الممتلئ بالحفظ والتلقين، وأن شغف القلب بالمعرفة يتجاوز كل الأطر المؤسسية الجامدة، ويهدم كل الأسوار التي تبنى حول المعرفة لتكون حكرًا على فئة دون أخرى. أليس محيرًا حقًا أن نظامنا التعليمي ينتج ملايين الخريجين سنويًا، بينما يندر أن تجد بينهم من يلتهم المعرفة بنهم الأسواني وعشقه الأولي لها؟ ربما يكمن الجواب في أننا علمنا الأجيال كيف يجتازون الامتحانات، وكيف يحصدون الدرجات، ولكننا للأسف، لم نعلمهم كيف يحبون المعرفة لذاتها، وكيف يجعلون منها رفيق عمر ودرب، نورًا للعقل وغذاء للروح.

وما أدهشني حقًا في قصة روايته الشهيرة "سلمى الأسوانية" ليس النجاح الأدبي الذي حققته وحسب، إنما التوقيت التاريخي والنفسي الدقيق الذي صدرت فيه. ففي اللحظة التي كان العالم كله ينظر فيها إلى أسوان النوبية - أسوان الضحايا والضياع والغرق تحت مياه بحيرة ناصر بسبب بناء السد العالي - جاء عبد الوهاب الأسواني ليكشف للمصريين وللعالم عن أسوان أخرى، مختلفة وغنية ومدهشة. أسوان القبائل العربية والعائلة الأنصارية، أسوان التاريخ المختلف والمتعدد والغني الذي طمس وتوارى تحت وطأة الرواية الأحادية، رواية الضحايا وحدهم. هذا الفعل، في صميمه، هو سياسة بالمعنى الأعمق والأشمل للكلمة؛ إنه رفض جذري للصورة النمطية الأحادية، وإعلان صريح بأن الأرض أكبر وأعقد من أن تختزل في رواية واحدة، مهما بلغت قوتها وجمالها. وكما قال الناقد سعد القليعي، فإن الأسواني "اكتشف أسوانًا للمصريين أنفسهم". كم هذه العبارة مؤلمة ومفرحة في آن واحد! مؤلمة لأننا في الواقع نحتاج لمن يكتشف لنا أجزاء من وطننا قد غيبها التناول السطحي أو الإهمال المتعمد، ومفرحة لأن هناك، على الدوام، من يملك الجرأة الفكرية والأمانة التاريخية لفعل ذلك، من يملك الشجاعة ليقلب الطاولة على الرواية الرسمية، ويكشف عن الثراء المختبئ تحت السطح.

وفلسفته في الإبداع، التي لخصها في عبارته الشهيرة "عِش سنةً علشان تكتب شهرًا"، تحمل في طياتها نظرية كاملة في الإبداع والحياة. إنها تضع العملية الإبداعية في مكانها الحقيقي، فهي نتيجة طبيعية حتمية لتجربة إنسانية غنية، عميقة، ممتدة. الفرق هنا جوهري وخطير. فمعظمنا اليوم، في زمن التسليع السريع والنجومية الفورية، يريد أن يكتب ليقال إنه كاتب، بينما كان الأسواني يكتب لأنه عاش حياة تستحق أن تروى. لنتخيله كأنثروبولوجي متمرس، ينزل إلى مجتمعه لا بوصفه مراقبًا خارجيًا منعزلاً في برج عاجي، بل كجزء حيوي منه، كخلية في هذا الجسد الاجتماعي الكبير. يمتص التفاصيل الصغيرة، يتنفس الصراعات الخفية، يعيش التناقضات اليومية بكل جوارحه وقلبه، ثم بعد ذلك كله، بعد أن يمتلئ حتى الحافة بالتجربة، يجلس ليكتب. فالفرق بين هذا النموذج، نموذج الكاتب الذي هو جزء من المادة التي يكتب عنها، وبين الكاتب الذي يجمع "مادة خام" لرواية من هنا وهناك، هو فرق السماء عن الأرض. الأول يكتب من داخل التجربة الإنسانية، من القلب النابض بالحياة، والثاني يكتب عن التجربة من خارجه، كطائر يحلق في السماء وينظر إلى الأرض من بعيد.

وهنا بالضبط تكمن إحدى الإشكاليات الكبرى للإبداع المعاصر. اليوم، بينما تهيمن وسائل التواصل الاجتماعي وتتسارع وتيرة الحياة إلى درجة الجنون، صار المحتوى هو الملك. المطلوب أن نكتب بسرعة، أن ننتج بغزارة، أن ننشر بأسرع ما نستطيع، نطلب التفاعل الفوري، الإعجاب اللحظي، النجومية العابرة. لكن الأسواني يذكرنا، كنداء يأتينا من زمن آخر أكثر هدوءًا وعمقًا، بأن الفن الحقيقي، كالكائن الحي، يحتاج إلى فترة حضانة طويلة، يحتاج إلى أن ينضج ببطء، كالجنين في رحم أمه، لا يمكن استعجال نضجه دون أن يخسر العمل روحه وعمقه وإنسانيته، دون أن يتحول إلى قشرة جوفاء، جميلة المظهر، خاوية الجوهر.

وإذا انتقلنا إلى نظرته للتاريخ، فإنه يمكن تلخيصها في عبارة واحدة: "التاريخ يجري في العروق". ففي روايته الخالدة "كرم العنب"، التاريخ ليس مجرد أحداث كبرى وأسماء عظيمة تحفظ في الكتب وتدرس في الجامعات. التاريخ عند الأسواني كائن حي ينمو ويعيش ويتطور ويؤثر في حياة الناس البسطاء، وقرارات بعيدة تتخذ في قصور الحكم تتحول في نهايتها إلى مصائر شخصية مؤلمة أو مفرحة لأهل النجوع البعيدين. هذه هي القوة الحقيقية الساحرة لأدبه؛ قدرته الفذة على جعل التاريخ تجربة إنسانية حية نعيشها نحن اليوم، نلمسها بأيدينا، نشم رائحتها. هو يعلمنا، من خلال شخصياته الواقعية التي تشبهنا ونشبهها، أن الماضي ليس وراءنا، إنه حاضر يعيش فينا؛ في عاداتنا، في طباعنا، في صراعاتنا الداخلية، وحتى في أحلامنا وأمنياتنا وخيباتنا. التاريخ عنده نبض متدفق يتواصل عبر الأجيال، يحمل معه الحكايات والدماء والذكريات والدمع والفرح، وليس مادة جامدة محنطة في الكتب المدرسية الجافة التي تفرغ الحدث من إنسانيته.

وهنا، عند مسألة الهوية، يصبح عبد الوهاب الأسواني أكثر من كونه كاتبًا بارعًا؛ فهو يتحول إلى نموذج حي، إلى حالة دراسة لإشكالية كبرى تعيشها أمتنا كلها. فهو العربي الأنصاري، وهو المصري، وهو ابن الحضارات المتعددة في الجنوب. كيف جمع كل هذه الهويات في نفسٍ واحدة دون أن تنفجر تناقضًا؟ الإجابة بسيطة ومعقدة في آن واحد، لأنه لم ير تناقضًا حيث رأى الآخرون تناقضًا، لم ير تعارضًا حيث اعتقد الكثيرون أن هناك تعارضًا. كانت الهوية عنده إثراء واتساعًا، لا سجنًا وانحصارًا. فانتماؤه القبلي المتجذر لم يمنعه من الانتماء المصري الأوسع، وانتماؤه المصري الثابت لم يلغ انتماءه الإنساني الشامل لكل بني آدم، مهما اختلفت ألوانهم وأديانهم ولغاتهم.

اليوم، تحاول تيارات شتى، بوعي أو بغير وعي، اختزال الهوية في بعد واحد ضيق؛ سياسي أو ديني أو عرقي. فيأتي الأسواني ليقول لنا، من خلال حياته قبل أدبه، إن الهوية الحقيقية هي تلك التي تتسع لتضم ولا تفرق، التي تثرى بالتنوع ولا تضيق بالاختلاف. هو الذي قال – في جرأة المثقف الواثق من فكره – إنه يتعاطف مع أبناء الديانات "التي يسمونها وثنية". ولننتبه جيدًا إلى دلالة العبارة: "التي يسمونها". فهناك اعتراف ضمني عميق بأن هذه التسميات مجرد اصطلاحات بشرية قابلة للجدل والنقاش، وأن الجوهر الإنساني المشترك، جوهر البحث عن المقدس وعن معنى للوجود، يتجاوز هذه الاصطلاحات والحدود الضيقة. في زمن يموت فيه الناس وتزهق الأرواح كل يوم بسبب اختلافات في الدين أو المذهب أو العرق، يقدم الأسواني نموذجًا فريدًا للتسامح الذي لا يقوم على الضعف أو المسايرة أو المجاملة، إنما على القوة المعرفية والوجدانية المتجذرة، على يقين أن التنوع هو سنة الحياة، وأن محاولة توحيد البشر على نسق واحد هي محاولة ضد الطبيعة، محكوم عليها بالفشل.

ولعل موقفه الشهير، الصارم، من تحويل روايته "كرم العنب" إلى عمل تلفزيوني، يظل درسًا أخلاقيًا وفنيًا نادرًا في زمننا الذي تطغى فيه القيم المادية والمصلحية. كم منا كان سيفعل مثله؟ في وقت باتت فيه الفرص قليلة على الكتاب، وحيث يتشبث المبدعون بأي فرصة للظهور والانتشار والشهرة التي قد تأتي بالمال أيضًا، يأتي هذا الرجل فيرفض فرصة ذهبية، لأن مبدأه الأخلاقي والفني يقول له: روح المكان لا ينقلها إلا ابن المكان. هذا الموقف، الذي قد يراه البعض غريبًا أو متطرفًا أو حتى غير عملي، يحمل في طياته فلسفةً كاملة عن العلاقة بين الفنان وعمله؛ إنه رفض صارخ، علني، لفكرة أن العمل الفني سلعة قابلة للتداول والتشويه بأي ثمن. فهناك كرامة للعمل الإبداعي، وكرامة للجذور التي استقى منها، وكرامة للحقيقة التاريخية والاجتماعية التي يحاول الفن نقلها. إنه يشبه الأب الحريص الذي يرفض أن يسافر بابنه إلى مكان لا يفهم لغته ولا ثقافته، خشية أن يضيع الولد في غربة التشويه والابتذال، وأن يفقد روحه التي تربى عليها. هنا، في هذا الموقف بالذات، تلتقي الأخلاق بالجماليات لتشكلا نظرية إبداعية متكاملة، لا انفصال فيها بين القيمة الفنية العالية والقيمة الأخلاقية السامية. إنه إعلان أن الجمال الحقيقي لا يمكن أن ينفصل عن الحق وعن الخير.

واستمرارًا للمسيرة، فإن كتاب "عبد الوهاب الأسواني ..حكاء الجنوب" للروائي المبدع خالد إسماعيل - وهو النص الذي دارت حوله هذه الأمسية النادرة - هو في ذاته استمرار حي، وتطبيق عملي، لفلسفة الأسواني نفسه في الوفاء والعمق والالتزام. فالوفاء هنا منهج ورؤية فلسفية عميقة. فكيف تكتب عن رجل عاش حياته كلها ملتزمًا بمبادئه، صارمًا في أخلاقياته الفنية؟ لا يمكنك ببساطة، إلا أن تلتزم أنت أيضًا بمبادئ صارمة في الكتابة عنه. هذا ما نفتقده اليوم، وبمرارة، في ثقافتنا العربية: الاستمرارية الحقيقية، التوارث الحقيقي للمعرفة والمنهج والأخلاق. فنحن نستهلك الشخصيات ثم ننساها بسرعة، نمر على التجارب مرور الكرام كالسائح العابر الذي يلتقط الصور ثم يمضي. لكن كتابًا كهذا يأتي ليقطع هذه الدورة القاتلة، ليؤسس لعلاقة مختلفة بين الأجيال؛ علاقة ليست قرابة دم فحسب، بل قرابة روح وفكر ومنهج في رؤية العالم وفي التعامل معه. إنه جسر من الضمير الحي، يصل الماضي بالحاضر، ليسكن الحاضر في المستقبل.

وفي النهاية، تتلخص فلسفة عبد الوهاب الأسواني الإبداعية والوجودية في تلك العبارة الذهبية التي صارت دستورًا لمن يريد أن يكتب بحق: "عِش سنة علشان تكتب شهرًا". إنها دعوة صريحة، واضحة، صادمة في بساطتها، إلى العيش العميق الحقيقي، إلى الوجود الواعي في العالم، إلى التجريب والاحتكاك بالحياة بكل ما فيها من حلو ومر، من بهجة وألم، قبل أن نحاول روايتها أو تقليدها أو حتى فهمها.

بالأمس احتشدت الأمسية الثقافية بمعرض القاهرة الدولي للكتاب بأنفاس المحبين والمشتاقين لتذكره، كان كل حاضِر، بوعيه أو بلا وعي، يبحث عن شيءٍ ما مفقود: عن جذور في عالم بلا جذور، عن عمق في عالم سطحي يلهث على السطح، عن صدق في عالم من التمثيليات والأقنعة والادعاءات. عبد الوهاب الأسواني رحل بجسده الفاني، لكن صخر الذاكرة الذي نحته بأنامله الماهرة، بصبر النحاتين العظام، يظل قائمًا شاهدًا على زمن آخر، وعلى إمكانية أخرى للإنسان وللفن. والأهم من ذلك، أن أدوات النحت التي استخدمها - الصبر، العمق، الاحترام للتفاصيل الصغيرة، الحب الشغوف للإنسان في وضعه العادي البسيط – تظل متاحة ومعروضة لكل من يريد أن يستخدمها، لكل من يريد أن ينحت ذكراه هو في صخر الزمن.

والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة الأن هو: هل لا نزال نعرف كيف ننحت في الصخر؟ أم أننا، في غمرة السرعة والسهولة والاستهلاك، صرنا نفضل الصور الفوتوغرافية السريعة العابرة على المنحوتات البطيئة الخالدة؟ الإجابة، كما كان يقول الأسواني نفسه، لا توجد حبيسة في صفحات الكتب وحدها، لأنها تكمن، في المقام الأول والأخير، في كيف نعيش حياتنا، في كيف نصنع من أيامنا العادية ذاكرةً تستحق البقاء، في كيف نتحول، نحن أيضًا، إلى صناع للذاكرة.

***

عبد السلام فاروق

هي أفكار تناولها مختصون في الفكر الإسلامي ومقارنة الأديان وقد اتسع الجدل حولها كلما ظهر في الساحة الفكرية والدينية مصطلح جديد، لإثارة إشكاليات والرد على أسئلة الساعة كالفرق بين الدين والمشروع الفكري، من أجل تقديم رؤية مشتركة وإدخال عليها أفكارا جديدة مثل توحيد الأديان وجمعها في دين واحد، وذلك تفي إطار حوار الأديان، والثقافات وهي مفاهيم تم توظيفها لخدمة مشروع أكثر خطورة على البشرية وبخاصة العالم الإسلامي، المشروع يتعلق الديانة الإبراهيمية حيث برز كـ: أرضية للنقاش باستخدام معايير وقيم كالتسامح والتعايش والسلام، وقد استغل أصحاب هذا المشروع مستوى المسلمين الثقافي المتدني لترسيخ في اذهانهم فكرة أن الدين عبارة عن تراث أخلاقي الهدف منه ضرب عقيدة التوحيد، وقد أشار إلى ذلك رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين الدكتور عبد الكريم قابة في افتتاحه ندوة علمية نظمها مركز الشهاب للبحوث والدراسات سطيف (الجزائر) حول الديانة الإبراهيمية، لاسيما وهذا المشروع الغاية منه إفراغ الإسلام من مرجعيته .

 فما يشكل خطرا على الإسلام كدين سماوي هي المفاهيم والمصطلحات وكيف يتم توظيفها من خلال نظرية الخداع في التاريخ ومن هي السماء البارزة التي اعتمدت على هذه النظرية بدءًا من نابليون ولورانس العرب ثم ماسينيون، يقول الدكتور رزاق لحسن أن الديانة الإبراهيمية مشروع جدليٌّ يسعى أصحابه إلى التلبيس والتدليس وهي رؤية نقدية قدمها هذا الباحث يدعو فيها إلى الحفر في الأساسيات لمعرفتها أكثر، فالمشروع من وجهة نظره قديم، وقد عُرف باسم "الميثاق الإبراهيمي سنة 1811، وهو اليوم يظهر بثوب جديد وبصيغ جديدة تحت "اتفاقيات أبراهام" وهي مجموعة من معاهدات السلام والتطبيع الدبلوماسي وقعت عام 2020 برعاية أمريكية بين إسرائيل وعدة دول عربية (الإمارات، البحرين، السودان، المغرب) وهو مشروع سياسي محظ استعمل ضمن مسارات فكرية تعبوية من خلال آليات اشتغال مؤسساتية مثل (بيت العائلة الإبراهيمية ومركز الدين من أجل السلام وغيرها).

 والحديث عن الديانة الإبراهيمية التي تدعو إلى التسامح والسلام والتعايش بين الشعوب بطرح سؤالا جوهريا لمعرفة كيف يكون التسامح مثلا مع إسرائيل التي تمارس كل اشكال القمع ضد الشعب الفلسطيني وبالأخص سكان غزة منذ طوفان الأقصى، يربط الدكتور رزاق لحسن الديانة الإبراهيمية بفكر مالك بن نبي حين عالج قضية الصراع الفكري في البلاد المستعمرة، بأن ظهور هذه الديانة من صنع الاستعمار وقد مكنها من التسرب - كنا قال هو- إلى الشقوق عن طريق التخليق والاصطناع والتأويل والتطبيع ووصلت إلى حد التمييع وقد انخدع الشباب العربي المسلم بهذه المفاهيم والمصطلحات، فقد فيها بوصلته ووجد نفسه يمشي في دهاليز مظلمة، هكذا انتقلت الديانة الإبراهيمية المعاصرة من توصيف ديني إلى أداة لإدارة الصراع، وهي الورقة التي قدمها الدكتور عبد الحكيم فرحات، في رأيه هو، فإن الموضوع متداول بكثرة في مجال مقارنة الأديان، وهذا التداول أخرجه من إطاره الديني إلى صراع سياسي، بدليل أن المشروع زج به في الشرق الأوسط، وهذا ما يؤكد أن الدعوة وظيفية تخدم قضية سياسية ولا علاقة لها بحوار الأديان وهي تعتبر ضلالة القرن كما يقال، لأنها استخدمت فيها مصطلحات مخدوع فيها بل مغشوشة إن صح القول تم تمييعها من أجل تحقيق أهداف، من بينها العبث بالمرجعية الدينية

ما علاقة الظاهرة الشحرورية بالأديان الإبراهيمية؟

سؤال يطرح بحدة لفهم ورقة الدكتور علي حليتيم طبيب مختص في الأمراض العقلية، ومؤسس ومدير مركز الشهاب للبحوث والدراسات، سطيف شرق الجزائر وهو تابع لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، يقدم الدكتور علي حليتيم الديانة الإبراهيمية في وجهها الآخر وكيف تم تسويقها وتوظيفها بالطرق الناعمة كما وصفها هو، فقد طرحت في بادئ الأمر على أساس انها دين، لكنها تغيرت وتطورت، الغريب أن هذا الباحث يربط الديانة الإبراهيمية بالظاهرة الشحرورية، فهو يقول إن غفلة المسلمين ستحولهم في يوم ما إلى أقلية وتصبح الشحرورية هي الغالبة، خاصة وأن هذه الأخيرة تحولت إلى حقل دراسات مستقلة بنفسها، والسردية التي تطرح الآن يريدون أن ينقلوا المسار من القابلية إلى الإيمان بها، مشيرا إلى الدور الذي تقوم به الدبلوماسية الروحية في العالم الإسلامي في إبراز ظاهر ما كالتصوف وكيف تحول الشيخ العلوي الصوفي إلى شخصية عالمية فيس مؤتمر وهران (غرب الجزائر حضرته 27 دولة، كانت ورقة الدكتور علي حليتيم عبارة عن رسالة تحذير من الهجمات والسرديات لمحاصرة الإسلام، وهذه الهجمات تطرح من جانبين : سياسي من أجل تقبل إسرائيل كدولة على أرض فلسطين وثقافي عن طريق سرديات السلام، شريطة أن تكون هذه السرديات متوافقة مع القانون الدولي، قبل أن تتحول إلى عقيدة ( الولاء والبراء) والسلام.

الملاحظ أن الدكتور علي حليتيم ربط الديانة الإبراهيمية بالظاهرية الشحرورية نسبة إلى المفكر التنويري محمد شحرور الذي دعا إلى إجراء قراءة عصرية للنص الديني ( القرآن)، وقد تحول محمد شحرور إلى ظاهرة فكرية، ووصفه البعض بأنه أخطر عقلية في العالم الإسلامي، وهو لا يختلف عن محمد أركون الذي يوجه له الدكتور علي حليتيم انتقادات كثيرة، تبقى قضية المصطلحات أشار هؤلاء الباحثين أن البعض وظفها في غير مكانها وفي غير مدلولها الحقيقي، كمصطلح الإرهاب منثلما حدث في الجزائر في فترة التسعينيات، ونبه الباحثون من خطر "المقاصدية" في جانبها السلبي، أي الاعتماد على مقاصد الشريعة الإسلامية فقد تضر بالإسلام مثلها مثل الشحرورية، ومثل هذه الدعوات يريد أصحابها صناعة فكر إسلامي جديد لا يحتكم إلى الشريعة، خلاصة القول وما تم الإجماع عليه هو أن الديانة الإبراهيمية هي في صلب الصهيونية واليهودية وروح الصهيونية هي روح أبراهام، تبقى مشكلة المسلمين عي كيف يفهمون الصهيونية، لأن الغرب يفكر بعقل يهودي، التوصيات التي أفرزتها هذه الندوة هي تأسيس مخبر ودراسي خاص لفهم الخطاب الصهيوني، وعقد ندوات لتجديد المفاهيم مع التركيز على ضبط المصطلحات نشير هنا أن ندوة الشهاب حول الديانة الإبراهيمية تعد الندوة الثانية التي تسلط الضوء على مثل هذه الظواهر الفكرية والدينية.

***

علجية عيش

الحرية، والفردية، والتاريخ

كتب: كريستوفر لينكيوتش

ترجمة: علي حمدان

***

التغلب على الذات

بالنسبة لنيتشه، لا ينبغي أن يكون هدف التفلسف تحقيق حلم مجرد (كحلم يجد ذروته في انتصار حكومة ما). ينصب تركيز نيتشه بالدرجة الأولى على الفرد، ومن الأهداف التي يوصي بها لقرائه عملية التغلب على الذات. وقد خصص نيتشه جزءًا من كتابه "هكذا تكلم زرادشت" للتغلب على الذات. وفي كتابه "ما وراء الخير والشر"، يتجلى أحد أهداف فلسفته في القدرة على التساؤل عن دوافع المرء وإعادة النظر في القيم وخلقها. هذه مهام تعبر عن إرادة القوة وتحفز عملية التغلب على الذات. يُعد التغلب على الذات فضيلة للمبدعين والمفكرين؛ فهو يدفعهم لمواجهة أنفسهم واستجواب تحيزاتهم وعيوبهم وأفكارهم المسبقة ونقاط ضعفهم الشخصية. إنها فضيلة للفنانين والكتاب والمفكرين، بل وأيضًا، نظريًا، لكل من يسعى إلى تطوير ذاته على أكمل وجه.

تأثير نيتشه على الوجودية

كان لنيتشه تأثيرٌ بالغٌ على الوجودية، ولا سيما على الثلاثي الفلسفي والأدبي: سارتر، وبوفوار، وكامو. طرح هؤلاء المؤلفون، الذين كتبوا في أوائل ومنتصف القرن العشرين، آراءً مثيرةً للجدل تتناول الشواغل والاعتبارات السياسية المعاصرة، ولكن ليس دائمًا بطرقٍ متوافقةٍ فيما بينها. في نهاية المطاف، لم تتناول هذه المجموعة القيم "الديمقراطية" بشكلٍ مباشرٍ وصريح، ولكن من الواضح أيضًا أن هذه القيم ظلت محل اهتمامهم، حتى مع تطويرهم لوجهات نظرٍ مستقلةٍ ظلت مع ذلك قريبةً في جوهرها من قيمٍ كالحرية والمساواة.

كان الخلاف الذي ساد بين سارتر وكامو، منذ تلك اللحظة وحتى نهاية مسيرتهما الأدبية، يدور في معظمه حول علاقتهما بالشيوعية. فكامو، الذي كان عضوًا في الحزب الشيوعي الفرنسي (PCF) عام 1935، قطع صلاته بالشيوعية عام 1937. وخلال الحرب العالمية الثانية، انضم كامو إلى المقاومة الفرنسية وساهم في صحيفة "كومبا" السرية. وكان كامو، بشكل عام، مدافعًا قويًا عن حقوق الإنسان، حيث نشر، على سبيل المثال، مقال "تأملات في المقصلة"، الذي كتبه معارضًا لعقوبة الإعدام. أما سارتر، على النقيض من كامو، فقد ظل متعاطفًا مع الشيوعية طوال حياته، على ما يبدو رغم اعتراضات كامو الأخلاقية على استعداد الشيوعيين لاستخدام العنف والفساد لتحقيق أهدافهم. وفي عام 1960، نشر سارتر كتابه "نقد العقل الجدلي"، الذي سعى فيه إلى توحيد الشيوعية مع فلسفته الوجودية، التي استمرت في التطور باتجاه الماركسية. في عام ١٩٥٢، نشب خلاف شهير بين سارتر وكامو، تمحور في معظمه حول شكوك كامو وانتقاداته الأخلاقية للشيوعية، بينما استمر سارتر في اعتبارها خيارًا قابلاً للتطبيق. لم يتصالح الرجلان قط بسبب خلافاتهما الأيديولوجية، وانقطعت صداقتهما نهائيًا.

تأثير نيتشه على ما بعد البنيوية

تُعدّ ما بعد البنيوية حركة فلسفية وأدبية متنوعة سعت إلى تطوير وتحسين الأدوات السوسيولوجية واللغوية للبنيوية - التي يُمكن القول إنها أقرب إلى البنيوية من حيث النطاق، ولكنها أكثر رصانةً، وأكثر نفعية. فبينما سعت البنيوية إلى وضع قواعد وأساليب محددة للتعامل مع البنى اللغوية والاجتماعية - من خلال تطوير نظريات تقنية للغاية حول تطور اللغة وقواعدها - انطلق فلاسفة ما بعد البنيوية من بدايات البنيوية اللغوية والاجتماعية، وربطوا هذه المجالات بمجالات أكثر تجريدًا وتنوعًا مفاهيميًا كعلم المعرفة والأخلاق والميتافيزيقا، وسعوا إلى ربط الممارسة المعاصرة في هذه المجالات "البنيوية" المتخصصة - اللغويات وعلم الاجتماع - بتاريخ الفلسفة وممارستها بشكل عام. في حين سعت البنيوية إلى حقائق واضحة وجلية وشاملة، سعت ما بعد البنيوية إلى الفروق الدقيقة والأسئلة الجديدة، محاولة ربط الاهتمامات المتخصصة للبنيوية على نطاق أوسع بالتاريخ الواسع للفلسفة - والذي يمكن للبنيوية بالتالي أن تحاول فيه تحديد موقعها بشكل أكبر.

تتراوح اهتمامات جيل دولوز (1925-1995) بين الميتافيزيقا والأخلاق ونظرية المعرفة وغيرها، وتمثل نطاقًا واسعًا من المواضيع، مع محاولته الحفاظ على صلة معينة بالهموم المعاصرة في الفلسفة - كظلال هايدغر، والسياق التاريخي لما بعد الحرب العالمية الثانية، والقضايا المتعلقة بما يُسمى مشروع "ما بعد البنيوية"، فضلًا عن زمنية فلسفة القرن العشرين وعلاقتها بتاريخ الفلسفة برمته. لا تستلزم محاولات دولوز العامة لتصنيف مواضيعه بالضرورة منهجية نيتشوية صريحة، لكن تأثيره واضح، إذ يُغطي دولوز، على سبيل المثال، في أهم أعماله "الاختلاف والتكرار"، طيفًا واسعًا من المواضيع الفلسفية، جامعًا إياها في عملٍ كثيفٍ ومعقدٍ حول موضوعين يبدوان رياضيين ظاهريًا هما "الاختلاف في ذاته" و"التكرار لذاته".

من جهة أخرى، يسعى ميشيل فوكو (1926-1984)، متأثراً بهيغل ونيتشه، إلى فهم قضايا تتعلق في جوهرها بنظرية المعرفة وبنى السلطة - بالمعنى المجرد والعام، النفسي والاجتماعي.. ويشمل عمله جوانب تاريخية ونفسية واجتماعية ولغوية هامة، فضلاً عن كونه، بشكل أوسع، إنتاجاً فلسفياً بامتياز.

الخلاصة

يبدو أن أعمال نيتشه تشترك في هدف واحد، ألا وهو مساعدة الفرد - أياً كان - في سعيه نحو معرفة الذات، وامتلاكها، وتجاوزها - باختصار، إرادة القوة. تمثل السياسة مسعىً أكثر ابتذالاً، مهما بدت نبيلة أحياناً من خلال أهدافها، فيما يتعلق بمصير البشرية. بالنسبة لنيتشه، من المرجح أن غزو الإمبراطوريات ليس قيمة، إذ أنه مهتم بشكل أساسي بتنمية إرادة القوة لدى الهويات الفردية. يمكن القول إن هذا لا ينفي بالضرورة إمكانية تعايش الديمقراطية مع العمل الفردي، والتنمية، والنزاهة. ولأن نيتشه يرتبط شعبياً بتطور الفاشية، فمن المهم الإشارة إلى أن العديد من انتقاداته لسطحية غرائز القطيع، كما تتجلى في الديمقراطية، تنطبق أيضاً على الفاشية. إنه يهاجم معاداة السامية بشكل متكرر في أعماله، وربما ينبغي أن يُعفى من بعض اللوم الذي يتعرض له عادةً بسبب الحرب العالمية الثانية والمحرقة، سواء كان يُعتقد أنه قلل من شأن تطور الفاشية في القرن العشرين أم لا.

***

......................

* نشر في مجلة الفلسفة اليوم

المصادر:

- Camus, Albert, 2004. The Plague, The Fall, Exile and the Kingdom, and Selected Essays. Translated by Stuart Gilbert, Justin O’Brien, Hamish Hamilton. New York, Alfred A. Knopf.

- Foucault, Michel, 1969. The Archaeology of Knowledge. Translated by Alan Sheridan. New York: Vintage Books.

- Hegel, Georg Wilhelm Friedrich, 1807. Phenomenology of Spirit. Translated by A. V. Miller. Oxford: Oxford University Press.

- Marx, Karl, 1867–1894. Capital, Volume 1. Translated by Ben Fowkes. New York: Penguin Books.

- Marx, Karl, 1875. Critique of the Gotha Program. Peking: Foreign Languages Press, 1972.

- Nietzsche, Friedrich, 1886. Beyond Good and Evil. Translated by Walter Kaufmann. New York: Vintage Books.

دفء الحضور في زمن الشاشات

في زمن تتكاثر فيه الشاشات وتتناقص فيه الوجوه، صار التواصل وفيرا والمعنى نادرا. لم يعد الانسان بعيدا عن الاخر، لكنه صار ابعد عن حضوره، ابعد عن صوته الحقيقي، وعن تلك الرجفة الخفية التي لا تنقلها الاسلاك ولا تحفظها الذاكرة الرقمية.

نحن نعيش عصر السرعة، حيث تختصر العلاقات في اشارات، ويستبدل اللقاء الحي بنسخ افتراضية بلا نبض.

وسط هذا الضجيج التقني، يطرح سؤال بسيط في شكله، عميق في جوهره: ماذا يبقي من الانسان حين يغيب الانسان؟

 وهل تستطيع التكنولوجيا، مهما بلغت دقتها، ان تعوض تلك اللحظة الوجودية التي يلتقي فيها وجه بوجه، وصوت بصوت، ووعي بوعي؟

مهما بلغت التكنولوجيا ذروة تطورها، ستبقى عاجزة عن ملامسة ذلك السر الخفي الذي يولد حين يلتقي الانسان بالانسان، فالشاشات تنقل الصورة، لكنها لا تنقل الارتجافة الاولى للصوت، ولا ذلك الصمت المشترك الذي يقول ما تعجز عنه الكلمات، التكنولوجيا تجيد الحساب، لكنها لا تفهم الرجفة، ولا تحفظ حرارة النظرة حين تتلاقى العيون بلا وسيط.

في لقاء الانسان بالانسان يحدث ما لا يبرمج، يتشكل المعنى في المسافة القصيرة بين كفين، في نبرة صوت مترددة، في ابتسامة عابرة تحمل تاريخا كاملا من التجربة والالم والامل، هناك، في الحضور الحي، تستعيد الفكرة روحها، ويتحول الحوار من تبادل معلومات الى مشاركة وجود.

الفلسفة ولدت في الساحات، لا في الحواسيب والهواتف.  في الجدل الحي، لا في الرسائل المؤجلة، لان الحقيقة لا تقال فقط، بل تعاش، ولا تفهم الا حين تمر عبر الجسد والوجدان معا، وكل تواصل لا يمر عبر هذه الكثافة الانسانية يظل ناقصا، مهما بدا متقنا.

التكنولوجيا اداة عظيمة، لكنها تظل وسيطا، والوسيط لا يصنع دفئا ولا يهب معنى، اما لقاء الانسان بالانسان، فهو لحظة كشف، واعتراف ضمني باننا لا نكتمل الا بحضور الاخر.

لذلك، سيظل لقاء الانسان بالانسان فعل مقاومة صامتة في عالم يتسارع نحو البرودة، مقاومة للاختزال، وللوحدة المقنعة بالاتصال، وللوهم القائل ان التقنية يمكن ان تحل محل الروح، فحين نجلس وجها لوجه، بلا شاشات ولا فلاتر، نستعيد حقيقتنا الاولى، كائنات خلقت للحوار، لا للارسال، للفهم، لا للتحميل، هناك فقط، في هذا الحضور العاري من الوسائط، يولد المعنى كاملا، ويستعيد الانسان صوته، ودفئه، وحقه في ان يكون اكثر من مجرد اشارة رقمية

هذا النص محاولة للانحياز الى الحضور، الى اللقاء بوصفه فعلا انسانيا مقاوما، والى الحوار باعتباره تجربة وجود لا مجرد تبادل معلومات. محاولة لاستعادة الانسان من بين الاسلاك، واعادة المعنى الى مكانه الاول، حيث يولد حيا، هشا، ودافئا.

***

ابتهال عبد الوهاب

 

تجدر الإشارة ابتداء إلى أن مقصدنا من هذه الحلقات لا يتمثّل في اتخاذ موقف رافض على نحوٍ مطلق للعالم الرقمي أو للشبكة العنكبوتية والخوارزميات التي تحكم آليات عملها، بل ينصرف إلى تقديم نقد بنّاء لطبيعة تعاملنا معها، وإلى مساءلة أنماط استفادتنا منها في سياق مواكبة العصر بما يحمله من تحوّلات متسارعة وتحديات متجددة. فالغرض الأساس هو بيان الكيفية التي يمكن من خلالها توظيف هذه الوفرة المعرفية الهائلة توظيفًا واعيًا، دون الوقوع في براثنها أو الانسياق غير النقدي خلف تدفقاتها، بما يضمن أن تظل هذه الأدوات خاضعة لما تشكّل عليه وعينا وقيمنا واختياراتنا، لا أن تتحوّل هي إلى قوة مهيمنة تُعيد تشكيل وعينا، أو تفرض علينا أنماطًا من التفكير والسلوك لم نخترها بإرادتنا ولم نقرّها بوعينا.

وإذا ما انتقلنا إلى الكلام عن الإنسان المعاصر وأزمة التركيز؛ نجد أن التشتت الذهني في زمننا لم يعد ظاهرة هامشية أو عرضًا نفسيًا فرديًا، بل صار سمة بنيوية للإنسان المعاصر، ونتاجًا مباشرًا لتحولات عميقة في طريقة إنتاج المعرفة وتداولها. ففي عصر ثروة المعلومات، لم يُصب الإنسان بعجز عن الوصول إلى المعلومة، بل أُصيب بعجز أخطر وهو العجز عن الثبات معها. حيث تتدفق الأفكار، والآراء، والتأويلات، والشبهات، في نسق متسارع، حتى تحوّل العقل الإنساني إلى مساحة عبور مؤقت لا إلى حقل استقرار معرفي. ومن ثم يتشكّل نموذج الإنسان المشتت، الذي لا يعاني من فقر في المحتوى، بل من وفرة تُنتج فقدان القدرة على التركيز، أكثر مما تُنتج الفهم.

هذا التشتت لم ينشأ صدفة، بل تقف خلفه منظومة خوارزمية دقيقة تعمل وفق نسقية محددة، هدفها الأول ليس بناء الوعي، بل تعظيم التفاعل. فالخوارزميات لا تميز بين الحق والباطل، ولا بين العميق والسطحي، وإنما تُفضّل ما يُثير، وما يُستفز، وما يُغذّي الانفعال السريع. وفي هذا المناخ، يُكافأ المجدفون والمجترئون، ويُقصى المتأملون، ويُدفع العقل الجمعي إلى الاستجابة لا إلى التفكّر. ومع هذا التكرار، تتآكل قدرة الإنسان على الثبات الذهني. إذ تشير دراسات في علم النفس المعرفي إلى أن التعرّض المتواصل لمحتوى متشظٍ يؤدي إلى ما يُعرف بـ التقطيع المعرفي (Cognitive Fragmentation)، حيث تُفصل الأفكار عن سياقاتها، وتُجتزأ القضايا الكبرى إلى مقاطع قصيرة، خالية من العمق.

وتشير دراسة لجامعة ستانفورد (2018) إلى أن متوسط مدة التركيز المتواصل لدى مستخدمي المنصات الرقمية انخفض بنسبة تقارب 40% خلال العقد الأخير، الأمر الذي ينعكس مباشرة على القدرة على التحليل وبناء المواقف. هذا التقطيع لا يصنع إنسانًا جاهلًا بالمعنى التقليدي، بل يصنع إنسانًا واثقًا بغير علم، ممتلئًا بانطباعات لا بمعرفة، وهو ما يفتح الباب أمام فوضى التأويل. فالمجتزئون لا يرون الصورة الكلية، والمتأولون يحمّلون النصوص ما لا تحتمل، والمشككون يتغذّون على هذا الاضطراب المعرفي ليبثوا زيغًا يبدو في ظاهره عقلانيًا، بينما هو في جوهره نتاج عقل لم يعد قادرًا على التثبّت.

ومن منظور علم الأعصاب، فإن هذا النمط من الاستهلاك المعرفي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بنظام المكافأة العصبي. إذ تؤكد أبحاث عالم الأعصاب الأمريكي آدم غازالي أن التنقل السريع بين المحتويات الرقمية يرفع من اعتماد الدماغ على الدوبامين، ما يجعل الإثارة السريعة أكثر جاذبية من التفكير العميق. ومع الوقت، يصبح العقل نافرا من التركيز، مستثقِلًا للقراءة المتأنية، ميّالًا إلى القفز المستمر، فيتحول التشتت من حالة مكتسبة إلى نمط ذهني مستقر.

وإذا ما نظرنا إلى وعي الجيل الحالي في هذا السياق، نجده وعيًا هشًا، سهل الاختراق، تقوده الخوارزميات، وتشكّله غرابيل المنصات لا ميزان العقل. فشبيبة اليوم، وهم في مرحلة التشكّل الفكري، يتعرضون لسيل من الخطابات المتناقضة، من قبل المتأسلمين المجترئين، إلى المجدفين المتشككين، مرورًا بنهج المتفقهين بلا منهج، ما يقود في كثير من الأحيان إلى زيغ يبدو في مظهره تحررًا، لكنه في حقيقته فقدان للحقيقة.

ويتجلّى هذا الاضطراب بوضوح في المجال الديني والفكري خاصة. فالتدين في ظل العقل المشتت يتحول إلى تدين مجتزأ، يُنتقى فيه من النصوص ما يخدم الانفعال اللحظي، ويُترك ما يتطلب صبرًا وفهمًا وسياقًا. وفي المقابل، يظهر الإلحاد عند كثيرين لا بوصفه نتيجة رحلة فلسفية عميقة، بل كحصيلة تراكم شبهات قصيرة، متكررة، غير مفحوصة، يتداولها المشككون والمتأولون في دوائر مغلقة نتاج خوارزمي سريع الانتشار.

وحريّ بنا أن ننتبه إلى أن أخطر ما في الإنسان المشتت ليس جهله، بل وهم معرفته. فالجاهل يدرك نقصه، أما الإنسان المشتت فيظن أنه وصل، لأنه استهلك كمًا هائلًا من المحتوى. هذا الوهم يجعله أكثر قابلية للتلاعب، وأكثر عرضة للانخراط في تطرف فكري أو أخلاقي، سواء في صورة تشدد أعمى أو انفلات قيمي كامل. وتشير تقارير صادرة عن الجمعية الأمريكية لعلم النفس (APA) إلى أن ارتفاع معدلات القلق، والاكتئاب، وفقدان المعنى بين الشباب يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالاستهلاك الرقمي المكثف، لا سيما المحتوى المتقطع السريع. فالمعنى يحتاج إلى استمرارية، وإلى بناء داخلي متراكم، وهو ما يعجز عنه عقل لا يستطيع الثبات على فكرة واحدة.

وفي المحصلة، لا يمكن فهم ظاهرة الإنسان المشتت بمعزل عن النظام الرقمي الذي ينتجها. فاقتصاد الانتباه لا ينتفع بعقل متماسك، بل بعقل سريع الانفعال، متقلب الاهتمامات، يسهل توجيهه. ولذلك فإن معركة الإنسان المعاصر ليست مع نقص المعلومات، بل مع فائضها غير المنضبط، وليست مع الجهل، بل مع التشتت.

وإذا ما أراد الإنسان المعاصر أن يستعيد ذاته من حالة التشتّت المعلوماتي التي تحيط به، فإنّ البداية لا تكون بكثرة الاطلاع، بقدر ما تكون بإعادة الاعتبار لقيمٍ كادت تُهمَّش، مثل البطء الواعي، والتفكير العميق، والالتزام بالمنهج؛ بوصفها أفعالًا معرفية مقاومة في زمنٍ يكافئ السطحية ويحتفي بالعابر.

ففي زمنٍ تتدفّق فيه المعلومات بلا توقف، لا يعود الامتحان الحقيقي في كمّ ما نعرفه، بقدر ما يكون في قدرتنا على التمييز بين ما يستحق أن نقف عنده وما يجب أن نتجاوزه، وعلى امتلاك شجاعة التمهّل أمام الحقيقة بدل الاكتفاء بالمرور السريع فوقها.

***

بقلم: د. بدر الفيومي

 

اخيرا تحول الذكاء الارضوي الجسدي الى القمه الاصطناعية، تلك محطه لم تعرفها الانتقالة الاولى الالية المصنعية، ف"الذكاء الاصطناعي" هو منتوج التكنولوجيا الانتاجية الموافقة للمحطة التحولية الاليه الثانيه التكنولوجية، على انقاض المصنعية الاقرب الى اليدوية، وكما العادة فان العقل الذي مايزال هو السائد والفاعل، تداعي فعليا امام الظاهرة الجديده وصارت هي الموضه الغالبه، بالاخص بناء على اثر الحدث الاخير على الشؤون المعاشية بمختلف وجوهها، ومنها وفي مقدمتها بالطبع الناحية الانتاجية ومعها الهيمنيه السلطوية، بالذات من الزاوية الانتاجية الاقتصادية، حيث الاثر الذي يقع من جانب التطور الجديد على التصرف الاستغلالي العام الراسمالي والامبريالي كما صار يلاحظ، بالاخص من قبل المهتمين من اليساريين، وكاننا صرنا على مشارف انقلابية "طبقية" تستوجب ردا ونوع مواجهة غير تلك التي ظلت سائدة ابان الالية المصنعية، وماقد تسببت به من احتدام تصارعي ناجم عن نوع العملية الانتاجية المستجده على اثر اليدوية مباشرة.

والحاصل بلا ادنى شك هو محطة ولحظة مفصلية، بالاخص اذا اعدنا ترتيب السردية الالية وفصلنا المصنعية منها عما قد حصل بعدها ومع انتهاء دورها الافتتاحي، واكملنا المروية لمابعد، اي الاعتقاد بفرضية انتهاء الطور التكنولوجي الراهن هو نفسه، لابقائه النهائي كما كان يظن بالنسبه للمحطة المصنعية المنقضثة اوربيا، والامر يقتضي لهذه الجهه انقلابا في المنظور المعتمد للتحولية الالية التكنولوجية، مقصدها وماسيترتب عليها، وهو مالانجد له افصاحا بحسب المنظور الحداثوي العصري المرافق للالية المصنعية النهوضيه مقارنه بما قبل وماسبقها، وماكان ابان الطور السابق اليدوي من اشكال ممارسه وتنظيم من دون اي افق نوعي مختلف، او هو من عالم اخرواجب التنويه مايزال قيد الظهور بنتيجة تفاعلات واصطراعية الالة / المجتمع.

وكما العادة منذ انبثاق الاله الى اليوم، فان المواكبه العقلية المعرفيه تبقى دون المطلوب وخارج الحقيقة الحاصلة مجتمعيا، وفي حين يتعاظم الميل "الالي" للفعل التغييري النوعي في المجتمعية وتركيبها، يستمر النظر للظاهرة المستجده كما كان الامر عليه ايام الالة المصنعية خارج موضوع البحث، مصرا على اعتماد معطيات منتهية ولم تعد قائمه، من نوع النظر للمجتمعية على انها ذاتها تلك اليدوية الطبقية، وغيرها من انماط المجتمعات الارضوية المرتهنه لغلبة الانتاجية اليدوية، من دون التوقف عند اثار ومعنى الانقلاب الالي الحاصل واثره على البنيه المجتمعية القائمه، وتحويرها النوعي الحتمي، من مجتمعية يدوية الى اخرى خاضعه اليوم لفعالية الاله، العنصر الجديد المباين اثرا والمخالف لليدوي المنتهي الصلاحية، وها نحن نصادف اليوم وبعد ماحصل من توهمات رافقت الفترة الاليه الاولى المصنعية، حين جرى التركيز على ماكان اكتشف في حينه من "اصطراع طبقي" غير مكشوف عنه النقاب حتى القرن التاسع عشر، من دون الاشارة الى كون الظاهرة مدار البحث/ الطبقية/ هي ظاهرة "يدوية"، عائدة الى طور مجتمع منتهي الصلاحية، فلا استمرار لمايعرف بالطبقات وصراعها مع ظهور الالة ومجتمعيتها الحالية الموكولة لاعادة الصياغه البنوية بحكم ظهور التبدل النوعي لاشتراطات التشكل البنيوي.

وفي الوقت الذي صار بحكم الانقلاب التحولي المجتمعي الواقع حتما مع الالة، من اللازم على العقل التركيز على "الاصطراع النوعي المجتمعي" كما ممثل ب( لاارضوية / ارضوية)، ذهبت حالة التوهمية الانيه الاوربية الى اعتماد "الصراع الطبقي" وسيلة لتفسيرظاهرة المجتمعات وقوانين حركتها ومالاتها كما فعل ماركس، باذلا لاسباب تخص تكوينه كارضوي، مجهودا استثنائيا لاجل قول ماقد انتهى زمنه، على انه الحاضر والمستقبل. الامر الذي تظهر اثاره اليوم بقوة اكثر مما كان عليه الحال وقت الاحتدامية الاخيرة للاصطراعية الاوربية الطبقية، المرافقه للفترة المصنعية التي اوحت بقوة احتدامها لماركس مااوحته، بينما الديناميات المستحدثة مع الاله تنتقل وقتها الى المجتمعية المولودة خارج رحم التاريخ المجتمعي، بلا طبقات، ولا معطيات تراكمية خاصة بالطور اليدوي وتفاعليته، الى حيث "الكيانيه الفكرة" الامريكيه التي ضاعف وجودها مفعول القصورية العقلية الغالبه وقتها، بان اسبغ عليها صفات موروثة ليست منها، ولاعلاقه تكوينيه بنيوية تربطها بما قبلها، بالاخص الاوربي الذي انبثقت الالة بين تضاعيفه، حيث اعلى الديناميات المجتمعية الناجمه عن الازدواج الاصطراعي الطبقي التكويني.

وهانحن اليوم ومع اللحظة الاعلى في الحضور الالي المجتمعي النوعي المستجد، مع ظاهرة " الذكاء الاصطناعي" المتعاظمة الحضور، نعود الى سماع ذات النغمة المنقضية الفعالية بعد فترة من الحضور غير العادي، فاذا بمن يعتبرون مما يعرف ب"اليسار" يجدون انفسهم معنيين بالحضور والتعرض للحدث الحاصل، مذكرين ايانا بتحفيزيه الالة الاولى المصنعية، علما بان ماقد اعتقده ماركس لم يعرف حضورا فعليا في اوربا الغربيه، بل عرف لاسباب آليه انتقالية محورة، تجربة توهمية في شرق اوربا وروسيا بالمقدمه، انتهت بعد اقل من قرن من الزمن مخلفة متبقيات آليه راسمالية، لتنطفيء كليا في اوربا وفي العالم، سوى كحدث من بين احداث التحولية الالية الاوربية وتلوناتها بحسب تنوع البنى المجتمعية ومساراتها المنقضية، والخارجه من جوهر اتحورات العملية الالية التكنولوجية، وما قد ظل يرافقها قصورا مع افتراض استمرار نموذجية المجتمعية الارضوية اليدوية وبقايا تفكراتها القصورية الوهميه.

ولم بعد ثمة من شك بان سيرورة الطور الالي مرهونه وخاضعه فعليا لنمطية المجتمعية بلا تاريح يدوي، ولا بنيه من نوع تلك التي تمثلها اوربا، وفيما عدا الابتداء الانبثاقي الالي المصنعي، فان اوربا ليست هي الموضع الذي اليه يعود استمرا ر وتطور الالة، وبالاخص انتقالها الاهم من المصنعية الى التكنولوجية الانتاجية الراهنه المعولمه، وهنا بالذات وفقط تصير الاله كطور تاريخي مجتمعي، منفصلة عن اليدوية المجتمعية بكل صنوفها، فكأن المجتمعات تبدا "ولادة نوعية جديده"، وهو ما يواكب تفكرا وسلوكا مجمل المسار الامريكي، الظاهرة التي تقف باعتبارها التحدي الاكبر امام العقل البشري والاوربي الحداثوي منه، ومايعرف من علومه المدعاة، وبالاخص منها "اخر العلوم"، دالة على عجزه وقصوره المتمثل في العزوف الكلي عن اي محاولة اعادة نظر وتفكير في النمطية المجتمعية المولودة في القارة الجديده ضمن عصر الاله، على انقاض وجثة ستين مليون كائن بشري، باسم رسالية توهميه، وعودة الى الاصول الابراهيمه القادرة حتى على استعمال السلاح النووي بدون حاجه فعليه احترابيه، وصولا الى بدء الخطوة الاولى من محاولة الهرب من الارث البشري المجتمعي مع " الذكاء الاصطناعي" مافوق المجتمعي.

***

عبد الأمير الركابي

دراسة سوسيو- نفسية (للأقليات) في المجتمع السوري

مقدمة البحث: يُعرِّف علم النفس الاجتماعي (Psychosocial) الشخصية الأقلوية لا بصفتها عدداً حسابياً صغيراً، بل بصفتها بنية سيكولوجية تتشكل تحت ضغط الشعور بالتهديد، يحكمها الخوف من الذوبان أو الاضطهاد، وتتسم بنرجسية دفاعية تهدف إلى حماية خصوصيتها الرمزية والمادية أمام ضغط المجموع الأكبر، والحاجة المستمرة للدفاع عن الهوية في مواجهة (الأكثرية)"

تُعد إشكالية "الشخصية (الأقلوية)" من أكثر القضايا تعقيداً في علم الاجتماع السياسي، خاصة في السياق السوري الذي يشهد تداخلاً حاداً بين الهويات الدينية والإثنية والسياسية. ينطلق هذا البحث من فرضية مركزية مفادها أن العداء الكامن لدى بعض "الجماعات ا(الأقلوية)" تجاه الأكثرية ليس انعكاساً مباشراً للظلم المادي فحسب، بل هو نتاج بنيةٍ سيميائيةٍ معقدة تتجلى في "عقلية الحصار" وتُترجم إلى استجابات دفاعية نفسية واجتماعية. يهدف البحث إلى تحليل جذور هذه الديناميكيات، وتفكيك آليات التعويض النفسي والاجتماعي، واستكشاف الأبعاد السيميولوجية التي تشكل وعي (الأقلية) بذاتها وبالآخر ضمن المجتمع التعددي السوري.

الإطار المفاهيمي وضبط المصطلحات

لضمان الدقة الأكاديمية والتحليل الموضوعي، يعتمد البحث مجموعة من المصطلحات المركزية:

 - عقلية الحصار (Siege Mentality): حالة ذهنية جماعية يشعر فيها أفراد (الأقلية) أنهم محاطون ببيئةٍ خارجيةٍ معادية، أو تحمل نيّاتٍ عدوانيةً، ما يدفعهم إلى الاستنفار الدائم وتفعيل آليات الدفاع النفسي والاجتماعي على مستوى الجماعة [1].

 - النرجسية الجماعية (Collective Narcissism): آلية دفاعية نفسية تتجلّى في المبالغة بتقدير عظمة الجماعة، وإضفاء قيمةٍ مفرطةٍ على خصوصيتها، كتعويضٍ عن الهامشية السياسية أو الاجتماعية، والحاجة المستمرة للاعتراف الخارجي [2].

 - الإغلاق الاجتماعي (Social Closure): استراتيجيةٌ واعية أو غير واعية، تلجأ إليها الجماعات المهدَّدة لترسيم حدودها الثقافية والاجتماعية، ومنع الذوبان في المحيط الأكبر؛ وغالباً ما يتمّ ذلك عبر توظيف المقدَّس أو اللغة (أو اللهجة المحلّيّة) كحواجز رمزيةٍ [3].

أنثروبولوجيا البقاء والمقدّس الطائفي

في المجتمعات التعددية، لا سيّما في الحالة السورية، تظهر العزلة الطائفية كآلية بقاءٍ قصوى تفرضها التحديات البنيوية والتاريخية. تتجلى هذه الديناميكية في بعدين رئيسيين:

 - تسييس المقدس: يتحوّل الحفاظ على الجماعة (الدينية، أو الطائفية) إلى فعلٍ تعبّدي، حيث يغدو الدفاع عن الكيان الاجتماعي بمثابة دفاعٍ عن "الحقيقة المطلقة" التي تحتكرها الجماعة، مما يبرّر العداء الرمزيَّ للأكثرية التي تُتَصوَّر سيميائياً كتهديدٍ للمقدّس. يندمج البقاء المادي بالجذور الدينية أو الطقسية، فتُشَرْعَن العزلة وتُضفَى القداسةُ على حدود الجماعة [4].

 - ديناميكية التعويض الوظيفي: تلجأ الأقليات، تاريخياً، إلى التميّز النوعيّ في قطاعاتٍ محدّدةٍ كالتجارة، السلك العسكري، أو المهن العلمية، لخلق حالة من "التبعية العكسية"؛ بحيث تعتمد الأكثرية على خبرات (الأقلية)، فيتحوّل "الضعف العدديّ" إلى "قوةٍ وظيفيةٍ" تفرض نفسها على بنية المجتمع [5].

التحليل السيميولوجي والسيكولوجي للعلامة ا(الأقلوية)

تُقارب هذه الدراسة "الفرد االأقلوي" كـ "مستقبلٍ للعلامات"، إذ أن القراءة السيميائية للواقع تكشف عن صراعٍ رمزيٍّ عميق:

 - تشفير العلامات: يرى الفرد ا(الأقلويّ) رموز الدولة (كالعلم الوطني، اللغة الرسمية، العمارة العامة) كأدوات هيمنةٍ وإقصاءٍ سيميائي، لا كرموزٍ جامعة. يؤدّي ذلك إلى حالةٍ من الاغتراب السيميائي، حيث يُعادُ تفسيرُ الواقع بوصفه شبكةٌ من "علامات الهيمنة" [6].

 - اللغة واللهجة: تتحوّل اللغة الأم أو اللهجة الخاصة إلى "قلعةٍ لغوية" تحمي الهوية من الذوبان في الأكثرية، بينما يُضفى على المكان (القرية، الحي، المعبد) قداسةٌ سيميائيةٌ، تجعله نقيضاً لفضاء الأكثرية.

التحليل السيكولوجي: يعاني الفرد (الأقلّوي) من "التهديد الرمزي"، حيث يشعر بالاغتراب النفسي عندما لا يجد قيمه ورموزه ممثلةً في الفضاء العام. تظهر الاستجابة الدفاعية في تقوية الروابط الداخلية مع الجماعة، (والجماعات الأقلوية الأخرى)، وتفسير تصرفات الأكثرية—حتى العادلة منها—كإشاراتٍ عدائيةٍ مبطنة.

 - التعويض النفسي (نظرية أدلر): يتم قلب "الدونية العددية" إلى "فوقية أخلاقية" أو معرفية، ما يفسّر الانجذاب أحياناً إلى سلطةٍ ديكتاتورية تضمن الحماية وتكسر "طغيان العدد" [5]. تتجلى ديناميكيات التعويض (الأقلوي) في مستويين مترابطين:

1.  التعويض التاريخي: عندما تُحرم (الأقلية) من السلطة السياسية على مدى زمني طويل، تلجأ إلى التفوق الوظيفي في مجالات التعليم العالي، التجارة، أو الفنون، لخلق علاقة "تبعية عكسية" تجعل استمرار الأكثرية مرهوناً بخبرات (الأقلية).

2.  التعويض السلطوي: يدعم بعض أفراد (الأقلية) الأنظمة السلطوية أو الديكتاتورية إذا ضمنت لهم موقعاً مميزاً في هرم السلطة، حيث يتم التعويض عن النقص العددي بـ"فائض القوة" الممنوح من النظام، ما يخلق وعياً زائفاً بالأمان الوجودي.

تحولات الذات الأقلوية بين المركزية السلطوية وانكسار السيادة

تتوزع ديناميكيات (الأقلوي) في ظل "سلطة الطائفة" على مرحلتين متعاقبتين:

1. المرحلة الأولى: (الشخصية الحصينة)

 - تحوّل السلطة إلى "كيان وجودي": عند "الشخصيات الأقلوية" لا يعود النظام مجرد جهاز إداري، بل يصبح "الرحم" الذي يحمي الأقلية. هنا، يصبح نقد السلطة بالنسبة ل(الأقلوي) هو تهديدٌ مباشرٌ لحياته الشخصية.

 - النرجسية الدفاعية (Defensive Narcissism): تبدأ الشخصية بادّعاء تفوق "نوعي" (نحن الأكثر علمانية، نحن حماة الدولة، نحن الأكثر كفاءة). هذا الادعاء يهدف لشرعنة حكم الأقلية للأكثرية وتسكين الشعور بـ "عدم الشرعية العددية".

 - تضخيم "فوبيا الآخر": يتم شحن الشخصية بصور نمطية عن الأكثرية (أنهم إرهابيون، حاقدون، انتقاميون). هذا الخوف هو "اللاصق السيكولوجي" الذي يربط (الأقلوي) بالنظام، حتى لو كان معارضاً لممارساته؛ فهو يرى في النظام "شراً لا بد منه" للحماية من "شرٍّ مطلق" (الأكثرية).

2. المرحلة الثانية: بعد انهيار السلطة: صدمة الاقتلاع والقلق الوجودي

 - قلق الانتقام (Retaliation Anxiety): تسيطر على الشخصية حالة من الرعب الجماعي. بما أنه تماهى مع السلطة سابقاً، فإنه يفترض أن الأكثرية ستعامله كـ "جزء من آلة القمع"، فيسقط في فخ "التعميم المتبادل".

 - الحداد الهوياتي: يشعر بفقدان "الأنا المتضخمة" التي كانت تمنحها له السلطة. فجأةً، يعود ليصبح "عدداً صغيراً" في مجتمعٍ كبير، مما يولّد شعوراً بالانكسار والدونية المفاجئة.

تنقسم الشخصية هنا إلى مسارين: الانكفاء التام: العودة للعزلة المكانية أو الطائفية الصلبة (عقلية الحصار المتجددة). والتحول البراغماتي: محاولة الاندماج السريع عبر تبني لغة الأكثرية الجديدة (التظاهر بالتماهي) كآلية بقاء، لكنها تظل مغلَّفةً بحذرٍ شديد.

بالمحصلة: إن الشخصية (الأقلوية) التي ارتبطت بالسلطة تعيش مأزقاً سيميائياً؛ فهي قد فقدت "الدرع المادي" (السلطة) ولم تكتسب بعد "الأمان الرمزي" في ظل الأكثرية. ولإخراج هذه الشخصية من دوامة الخوف، يحتاج المجتمع إلى "تفكيك الارتباط بين الجريمة والطائفة". إذا لم يشعر (الأقلوي) أن القانون سيحمي "براءته الفردية" بعيداً عن "مسؤولية طائفته الجماعية"، فإنه سيظل حبيس "عقلية الحصار"، وهو ما يهدّد السلم الأهلي على المدى الطويل.

سيكولوجية الأقلوي النخبوي (المعارض الأبدي):

لماذا يتمايز المعارض (النخبوي) عن المعارضة الشعبية (الأكثرية) أثناء النضال الثوري لتغيير السلطة؟ ولماذا تعادي المعارضة النخبوية الأكثرية بعد نجاح ثورتها؟

سيكولوجية الانفصال النخبوي عن الحاضنة الشعبية: يشعر المعارض النخبوي أنه متميز بمعرفته وأدواته التحليلية، ويضع شروطاً ثقافية للنضال، ويرفض الذوبان في الحشود. يعاني من "النرجسية القيادية" ويتوقع أن الأكثرية ستنصّبه قائداً بمجرد سقوط المستبد، ويصاب بخيبة أمل إذا لم يحدث ذلك.

النخبوي يقدّس "فردانيته" وتميزه الشخصي؛ والنضال مع الأكثرية يتطلب "ذوبان الذات" في الكتلة، وهو ما يرفضه النخبوي سيكولوجياً لأنه يخشى فقدان بريقه الخاص. فينسحب من المسارات الميدانية إذا أصبحت شعبيةً أكثر من اللازم، ويبحث عن مساراتٍ نخبوية تعمّق الفجوة بين "المثقف" و"الشارع".

بعد نجاح الثورة، قد يشيطن السلطة الجديدة إذا لم تأتِ به كحاكمٍ مطلق، وقد يجد نفسه يفضّل "ديكتاتوراً مثقفاً" (يشبهه في اللغة والنمط) على "ديمقراطي شعبي" (يشبه الأكثرية في القيم والتدين)، وهذا هو قمّة الانفصال السيكولوجي عن أهداف الثورة الأصلية.

يعدّ التمايز بين "المعارض النخبوي" (الذي ينتمي لأقلية ثقافية عابرة للطوائف والأعراق) و"المعارضة الشعبية" (الأكثرية) من أعقد معضلات الثورات. هذا الشرخ ليس سياسياً فحسب، بل هو شرخ سيكولوجي وأنثروبولوجي عميق يتعلق بكيفية تعريف "الوطن" و"العدالة".

أولاً: التمايز أثناء النضال الثوري - صراع "الخلاص" و"التغيير":

1.  اختلاف الدوافع (القيم مقابل الحاجات):

المعارض النخبوي: يناضل من أجل مفاهيم تجريدية (دولة القانون، العلمانية، الحريات الفردية، التعددية). هو يرى الثورة أداةً لتحديث المجتمع قسراً. بينما المعارضة الشعبية (الأكثرية): تناضل من أجل الكرامة، العدالة الاجتماعية، وإزالة القهر. الثورة بالنسبة للأكثرية هي فعل "تحرر" لاستعادة سيادة الهوية المغيبة.

2.  اختلاف أدوات المقاومة: المعارض النخبوي يميل إلى "النضال الرمزي" (البيانات، الصالونات السياسية، الضغط الدولي). بينما الأكثرية تميل إلى "النضال الميداني" (التظاهر، العصيان، المواجهة المباشرة). هذا الاختلاف يجعل النخبوي يخشى من "راديكالية" الشارع التي قد تخرج عن سيطرته الفكرية.

ثانياً: عداء ما بعد انتصار الثورة (صدمة الديمقراطية):

بمجرّد سقوط النظام القديم، يكتشف المعارض النخبوي أن "حليف الأمس" (الأكثرية) أصبح هو "الخطر اليوم".

أسباب هذا العداء:

 - متلازمة "الوصاية الثقافية": يعتقد المعارض النخبوي أنه "المصمّم" الحقيقي للثورة. عندما تستخدم الأكثرية حقها وتختار قياداتٍ أو رموزاً لا تشبه النخبة (محافظة أو دينية)، يشعر النخبوي بـ "الغبن التاريخي". هو لا يقبل أن يكون صوته مساوياً لصوت "العامي".

 - الخوف من "تغوّل الهوية": يرى المعارض النخبوي أن استبداد النظام البائد كان "عقلانياً" أو "متوقعاً"، بينما يخشى مما يسمّيه "استبداد الغالبية" الذي قد يهمّش نمط حياته. هو يتوجّس من أنّ الأكثرية ستحوّل الدولة إلى نسخةٍ من هويتها الخاصة، مما قد يهمّش نمط حياته "المغاير".

 - الارتقاء الطبقي والرمزي: يخشى النخبوي أنّ العدالة الاجتماعية التي تطالب بها الأكثرية (وينظّر هو لها) ستمسّ بمكانته الاجتماعية أو الاقتصادية، ويفضّل "ديمقراطية شكلية" تحافظ على امتيازاته، ويرفض "الديمقراطية الجوهرية" التي تعيد توزيع القوة، والهيمنة الثقافية.

ثالثاً: سيكولوجية "اليتم المزدوج":

الأقلّي النخبوي يجد نفسه في حالة يتم سيكولوجي فريدة: هو مغتربٌ عن السلطة القديمة (لأنه ناهض استبدادها). وهو خائفٌ من السلطة الجديدة (لأنه لا يثق في ثقافة الأكثرية).

هذا "الارتياب الوجودي" يدفع النخبة أحياناً للتحالف (سرّاً أو علناً) مع بقايا النظام القديم (الدولة العميقة) لعرقلة السلطة الجديدة، تحت ذريعة "حماية مدنية الدولة" أو "منع الفوضى"

سيكولوجية "الأكثرية المقهورة"، ووعي المظلومية:

عندما تتعرض الأكثرية لاضطهاد من سلطة تُحسب (رمزياً أو فعلياً) على أقليات، يتولّد لديها وعيٌ جمعيٌّ يرى أن "الوضع الطبيعي" (سيادة الأكثرية) قد سُلب منها غصباً. في الحالة السورية، ومنذ ما ينوف عن نصف قرن، اختبرت الأكثرية التهميش السياسي الممنهج، ما خلق لديها سيكولوجيةً فريدةً سندعوها ب "الأكثرية ذات الجرح الوجودي".

المركزية الجريحة:

تشعر الأكثرية أن هويتها، التي من المفترض أن تكون المتّصل الوطني، قد اغتُصبت، وتمّ استبدالها بهوياتٍ فئوية، فتلجأ إلى سلوكيات وردّات فعل سيكولوجية، لا تساعد على بناء السلم الأهلي الذي تدعو إليه:

التعميم السيكولوجي: قد تميل الأكثرية، في لحظات الغضب، إلى تحميل الأقليات، ككتلةٍ واحدة، مسؤولية أفعال السلطة، وترى في استعانة السلطة بالأقليات نوعاً من التحالف ضد المجتمع.

وهم السيادة المهددة: تميل الأكثرية الخارجة من الاضطهاد إلى تبنّي خطاب "الدولة للأكثرية"، أو "من يحرّر يقرّر" كنوعٍ من جبر الضرر التاريخي الذي لحق بها.

سيكولوجية "الخوف المعاكس" في ظل الانتقال: هنا نصل إلى لبّ المشكلة: لماذا تخاف الأكثرية من مطالب (الأقلية) حتى بعد التغيير؟

الخوف من استمرار "الاستثناء": تخشى الأكثرية أن تؤدي حقوق الأقليات إلى "تفتيت" الدولة أو إبقاء الأقليات في مراكز قوةٍ غير متناسبةٍ مع حجمها العددي، كما كان يحدث في عهد السلطة (الأقلوية).

تفسير المطالب كـ "امتيازات": سيكولوجيّاً، أي مطلب ذي خصوصيةٍ هوياتيةٍ للأقلية قد يُفهم من قبل الأكثرية الجريحة كطلب لـ "امتياز جديد" وليس كحقٍّ طبيعي.

هندسة الخطاب وآليات السلطة في إزالة مخاوف الأقليات:

لإزالة المخاوف والهواجس المتبادلة، بين أكثرية جريحة، انتصرت ثورتها حديثاً، وأقليات تنتابها مخاوف من الأكثرية، يحتاج الخطاب إلى آليات محددة:

 - خطاب المواطنة السيادية: التأكيد أن الدولة ملكٌ للجميع بالحقّ القانوني، وليس بمنحةٍ من أحد، ما يطمئن الأكثرية بأن سيادتها الوطنية مضمونةٌ، ويطمئن الأقلية بأنّ وجودها ليس منوطاً برضا السلطة.

 - فصل السلطة عن الجماعة: ضرورة وجود خطابٍ إعلاميٍّ وتربويٍّ يفصل بين "أفعال النظام البائد" و"الجماعات (الأقلوية)" كمكوناتٍ اجتماعية.

 - الضمانات القانونية التبادلية: التأكيد على أنّ حماية حقوق الأقلية هي الضمانة الوحيدة لعدم عودة الاستبداد مرةً أخرى، لأن التغوّل على أي فئةٍ هو تمهيدٌ للتغوّل على الجميع.

الخلاصة والتوصيات

مما سبق توصلنا إلى أن المجتمع السوري يعاني من قلق على المستوى الاجتماعي، ناجمٍ عن عدم توازن نفسي؛ فالأكثرية، المنتصرة بعد صراعٍ مرير، وتضحياتٍ جمّة، في مراحل مختلفة من نصف القرن الأخير، تسلّمت السلطة بالشرعية القانونية للمنتصر، وجدت نفسها تحمل جراحاً نفسية، ليس من السهل تجاوزها، يزيدها إيلاماً تبجّح بعض الأقلويين الذين فقدوا سلطةً كانت تحقق لهم امتيازات لا يمكن لهم تحقيقها بمقياس الكفاءة الذاتية، وأقلية نخبوية، سجينة أقفاص أيديولوجية، أو نرجسيات مريضة، ترى أن سلطة الأكثرية رجعية، وغير شرعية، وأنهم، كمناضلين مثقفين، أولى بقيادة المجتمع، نحو الحداثة والتطور. ولتطمين أفراد المجتمع، بأقلياته وأكثريته، ولأم الجراح، لا بدّ من بعض الإجراءات الضرورية:

1.  المسار القانوني: تفعيل هيئة العد الة الانتقالية بأسرع وقت، لتشعر الأكثرية الجريحة ببعض العزاء عن تضحياتها، ولتطمين الأشخاص من الأقليات غير المتورطين بالجرائم، بأن العقوبة تلحق المجرم فقط، بغض النظر عن طائفته أو إثنيته.

ودسترة التنوع السيميائي والاعتراف بالحقوق الثقافية والرمزية للأقليات، وتحويلها إلى قوانين تحمي ممارسة الهوية في الفضاء العام، ما ينهي "عقلية الحصار" ويستبدلها بشعور "المواطنة المحمية".

2.  المسار الفلسفي الوجودي: إعادة تعريف الهوية الوطنية كهوية مركبة تسمح بالسيولة الهوياتية، وتعزيز الحوار الذي يرى في "الآخر" شريكاً في الوجود، مما يقلل من ديناميكية التعويض الاستعلائية.

3.  المسار التربوي: إعادة صياغة الذاكرة الجمعية الوطنية في المناهج الدراسية لتشمل رموز الجميع، وبناء جيل يمتلك مناعة سيميائية ضد التعصب ويرى في تنوع الرموز إثراء لهويته الشخصية.

4.  التعليم التعددي: إدماج السير الذاتية والتاريخ الثقافي (للأقليات) في المناهج الوطنية لكسر "الغربة السيميائية" وتعزيز شعور الانتماء المشترك.

5.  اللامركزية الإدارية: تشجيع الإدارة المحلية وتمكين الأقليات (الإقليمية) من إدارة شؤونها الخاصة، مما يخفف من حدة العداء تجاه المركز ويدعم الاستقرار.

الخاتمة

تؤكد نتائج البحث أن "الشخصية (الأقلوية)" ليست قدراً بيولوجياً، بل هي استجابةٌ سيكولوجية وسوسيولوجية لبيئةٍ تفتقر للأمان الرمزي والمادي. إن محاولات صهر الأقليات القسري في بوتقة الأكثرية غالباً ما تؤدّي إلى تعميق "عقلية الحصار" وزيادة التوترات البنيوية، في حين أن الاعتراف بالخصوصية الثقافية و(الهوياتية) هو المسار الأكثر فاعليةً لبناء الثقة وتحقيق الاندماج الحقيقي.

يبقى الربط بين الجماعة والمقدّس الحصن الأخير ضد الذوبان، مما يتطلب معالجة حذرة تحترم هذا الربط ولا تصطدم معه مباشرةً. إنّ العدالة العددية وحدها لا تضمن إنهاء مخاوف الأقليات ما لم يرافقها اعتراف سيميائي عميق، وتوسيع مفهوم المواطنة ليشمل الجميع على قاعدة الحقوق المتساوية.

***

بقلم: منذر فالح الغزالي

فاحتبيرغ،23.01.2026

.......................

المراجع المعتمدة

1.  Bar-Tal, Daniel. Group Beliefs: A Ideology, Orientation, and Maintenance. Springer-Verlag, 1990. (الصفحات: 125-140) - حول مفهوم "عقلية الحصار".

2.  Golec de Zavala, Agnieszka. Collective Narcissism and Its Social Consequences. Journal of Personality and Social Psychology, 2009. (الصفحات: 1074–1091).

3.  Weber, Max. Economy and Society. University of California Press, 1978. (الصفحة: 342) - حول مفهوم "الإغلاق الاجتماعي".

4.  ليبهارت، أريند. الديمقراطية التوافقية في مجتمع متعدد. معهد الدراسات الاستراتيجية، 2006. (الصفحات: 45-60) - حول إدارة الانقسامات الطائفية.

5.  Adler, Alfred. Understanding Human Nature. Greenwich, CT: Fawcett, 1927. (الصفحات: 68-85) - حول ديناميكيات التعويض وعقدة النقص.

6.  بارت، رولان. سيميولوجيا الحياة اليومية. (ترجمة عربية)، دار نينوى. (الصفحات: 30-55) - حول كيفية قراءة الرموز كأدوات هيمنة.

 

في أخلاقيات نقد الرموز ومحنة الوعي الثقافي العربي

في خلال شهور قليلة تعّرض الوعي العربي لتحديين ثقافيين هامين، لكنه، للأسف الشديد، سقط سقوطا مدويا عندما أصرّ على أن يتعامل مع الأمور بمنطق انفعالي تقليدي لا يتناسب وأهمية الحدث!

أما عن التحديات فقد تمثلت في عرض فيلم (الست) الذي يدور حول حياة كوكب الشرق أم كلثوم، ووفاة المفكر مراد وهبة أحد رموز التنوير في الثقافة العربية المعاصرة. ففي كلتا الحالتين ثار جدل كبير حول الشخصيتين، تحول سريعا إلى نوع من التراشق بين أطراف متعارضة ومتصارعة. أطراف مؤيدة وأخرى معارضة، وهي السمة المميزة لكل خلاف يبرز في المحيط الثقافي العربي.

وكان أساس الخلاف هو رفض الطرح الذي قدمه الفيلم حول شخصية أم كلثوم، مبرزا فيه بعض السلوكيات والمواقف السلبية، التي من شأنها أن تعمل على تشويه الصورة المثالية التي يحتفظ بها الجمهور لكوكب الشرق. وكذا رفض التهمة السياسية التي نسبتها دكتورة يمنى طريف الخولي للدكتور مراد وهبة، على صفحتها بالفيسبوك، كاشفة عن انحيازه للجانب الإسرائيلي في الصراع العربي الإسرائيلي.

والملاحظ أن ردود الأفعال ضد صناع الفيلم والدكتورة الخولي كانت أكثر عنفًا وشراسة من الأفعال النقدية التي مورست ضد الشخصيات الرمزية موضوع النقد. ولعل أسوأ ما في ردود الأفعال هذه هو التحول من مناقشة الفكر إلى النيل من الشخص. وهنا تتبدى لنا تلك الآفة التي تهيمن على العقل العربي بحيث يتحول كل خلاف في الرأي فرصة للاقتتال، وكل مساحة للتفكير إلى ساحة للحرب!

ويظل منطق مباريات الكرة سائدًا في ميدان الفكر كما في ميداني السياسة والاجتماع. فدائما هناك انحياز أعمى لطرف وعداء غير مبرر لطرف آخر مقابل!

إن المسألة جد خطيرة، وتحتاج إلى إعادة نظر. فمازلنا نفتقر إلى شجاعة الاعتراف بالخطأ والجرأة على قبول الآخر!

في هذا المقال نحاول أن نمضي في طريق مختلفة لا ننحاز فيها إلى طرف ضد طرف، ولا نسعى للانتصار في أي معركة. فقط نحاول أن نقرأ المشهد في ضوء أكثر منهجية، وفي سياق فكر غربي تجاوز ما نعانيه من أزمة، ونجح في أن يضع قضاياه في حجمها الطبيعي، دون تطاول على شخص أو هجوم على فكر.

مضينا في هذا الطريق لا من أجل تفسير الظاهرة فحسب، لكن أيضا من أجل البحث عن مبادئ عامة تصلح أساسًا لبناء نوع من الأخلاقيات النقدية التي تمكننا من التعامل مع رموزنا الثقافية دون الوقوع في شرك التقديس الأعمى أو الانزلاق إلى حلبة وهمية من صراع لا وجود له، إلا في مخيلة وحشية، وعقل طفولي لم يتجاوز نزق البدايات!

ومن أجل تحقيق هذا الهدف كان علينا أن نستعين بالأدوات النظرية التحليلية المناسبة، وكذا النماذج الغربية الحية من مجالات الفكر والفن والأدب.

الرمز حين يتحوّل إلى منطقة محرّمة

يرى تيودور أدورنو أن أخطر ما يمكن أن يحدث للثقافة هو أن تتحوّل رموزها إلى أيقونات محصّنة ضد السؤال. فحين يتوقف النقد، لا يُصان الرمز، بل يُفرَّغ من معناه، ويُعاد إنتاجه بوصفه سلعة عاطفية أو أداة أيديولوجية.

بهذا المعنى، فإن الجدل الذي صاحب فيلم "الست" عن أم كلثوم، ثم عاد في صيغة أخرى مع رحيل المفكر العربي مراد وهبة، ليس جدلًا عرضيًا، بل علامة على أزمة بنيوية في علاقتنا بالرموز. لماذا نخاف من نقد من نحبهم؟ ولماذا نخلط بين المساءلة المعرفية والهدم الأخلاقي؟ وهل الوفاء للرموز يمرّ عبر الصمت، أم عبر التفكير؟

باستعارة أدوات ميشيل فوكو، لا يمكن فهم أم كلثوم خارج شبكة الخطابات التي أنتجتها وأعادت إنتاجها. فهي لم تكن صوتًا استثنائيًا فحسب، بل جسدًا رمزيًا اشتغل في تقاطع الفن، والدولة، والإعلام، والهوية القومية.

فوكو يعلّمنا أن السلطة لا تعمل بالقمع فقط، بل بالإنتاج: إنتاج الذوق، والانفعال، والذاكرة. ومن هذا المنظور، فإن مساءلة علاقة أم كلثوم بالسلطة الناصرية لا تُنقص من عظمتها الفنية، بل تكشف شروط تشكل رمزيتها.

غير أن الوعي العربي يميل إلى تجميد هذه الرمزية، وتحويلها إلى كيان متعالٍ على التاريخ. وهنا يتحوّل الدفاع عن أم كلثوم إلى دفاع عن صورة للذات الجماعية، لا عن فنانة بعينها.

على مستوى الفكر، يحتل مراد وهبة موقعًا موازياً. فهو أحد أبرز المدافعين عن العقلانية والتنوير في الثقافة العربية المعاصرة، مستلهمًا الإرث الكانطي في تعريف التنوير بوصفه خروجًا من القصور العقلي.

غير أن استدعاء يورغن هابرماس هنا ضروري. فالتنوير، عند هابرماس، ليس خطابًا تقريريًا من أعلى، بل عملية تواصلية داخل المجال العام. ومن هنا ينبع التوتر في تجربة مراد وهبة: هل ظل مشروعه التنويري مفتوحًا على الحوار الاجتماعي؟ أم انزلق أحيانًا إلى عقلانية معيارية تُصدر الأحكام بدل أن تُنتج النقاش؟

هذا السؤال لا يُضعف وهبة، بل يُدرجه داخل محنة التنوير العربي نفسه، حيث يتقاطع العقل مع السلطة، والنقد مع المؤسسة.

 مراد وهبة والقضية الفلسطينية: حين يُمتحن التنوير سياسيًا

إذا كان نقد مراد وهبة يظل ناقصًا دون مساءلة علاقته بالسلطة الثقافية، فإنه يصبح مبتورًا إن تجاهل موقفه من القضية الفلسطينية، لا بوصفها قضية سياسية فحسب، بل بوصفها اختبارًا أخلاقيًا ومعرفيًا للمثقف العربي المعاصر.

لقد أثار انضمام مراد وهبة إلى ما عُرف بـ "مجموعة كوبنهاغن للحوار العربي–الإسرائيلي" موجة واسعة من الغضب والاستياء في الأوساط الثقافية المصرية والعربية، ليس فقط بسبب فكرة “الحوار” ذاتها، بل بسبب السياق غير المتكافئ الذي جرى فيه هذا الحوار، وبسبب ما اعتُبر انحيازًا واضحًا للسردية الإسرائيلية، أو على الأقل تجاهلًا لبنية الاستعمار والاحتلال.

هنا لا نتحدث عن اختلاف سياسي عابر، بل عن مأزق بنيوي في خطاب التنوير العربي حين يُفصل العقل عن العدالة، والنقد عن التاريخ.

من منظور إدوارد سعيد، لا يمكن لأي خطاب عقلاني أن يدّعي الحياد وهو يتعامل مع واقع استعماري قائم. فالحياد، في حالات الاختلال الجذري في موازين القوة، ليس موقفًا عقلانيًا، بل شكل من أشكال التواطؤ الرمزي. إدوارد سعيد لم يرفض الحوار من حيث المبدأ، لكنه رفض الحوار الذي يتجاهل واقع الاحتلال، ويساوي بين الضحية والجلاد، ويحوّل الصراع إلى “سوء تفاهم ثقافي”.

ومن هنا، فإن موقف مراد وهبة، حين دافع عن الحوار مع إسرائيل دون تفكيك البنية الاستعمارية للصهيونية، بدا لكثيرين تنويرًا منزوع التاريخ، أو عقلانية مجردة من الحسّ السياسي.

في السياق نفسه، ربط كانط التنوير باستقلال العقل، لكن فرانز فانون ربطه بتحرير الإنسان المقموع من بنية الاستعمار. وبين هذين القطبين، يُختبر المثقف في العالم الثالث. حين يتبنّى المثقف خطابًا عقلانيًا لا يرى في الاستعمار إلا “نزاعًا”، ولا في الاحتلال إلا “قضية قابلة للتفاوض الثقافي”، فإنه – من حيث لا يدري – يُعيد إنتاج عقل المستعمِر، لا عقل التحرر.

وهنا تتجلى المفارقة المؤلمة في تجربة مراد وهبة: مفكر نذر مشروعه لمواجهة "العقل الغيبي"، لكنه وقع في فخ العقل الأداتي الذي يفصل التفكير عن المعاناة المادية للناس.

هنا تستعيد المقارنة الغربية أهميتها.

جان-بول سارتر لم يُحاسَب فقط على مواقفه النظرية، بل على صمته السياسي. وصمته عن الستالينية ظل وصمة نقدية في تاريخه، رغم مكانته الفلسفية. وبالمثل، فإن موقف مراد وهبة من القضية الفلسطينية سيظل نقطة توتر لا يمكن تجاوزها بالتكريم أو الرثاء.

لكن – وهنا جوهر الحجة – هذا لا يعني شطب منجزه الفكري، بل إدراجه داخل تناقضه. إدخال موقف مراد وهبة من التطبيع داخل قراءة منجزه لا يهدف إلى: التشهير، ولا تصفية الحساب، ولا اختزال الرجل في موقف واحد، بل يهدف إلى: فضح وهم التنوير المحايد، وإعادة ربط العقل بالسياق، وتحويل الرمز من أيقونة إلى موضوع معرفة.

بهذا المعنى، فإن نقد موقفه من فلسطين هو وفاء للتنوير نفسه، لا خيانة له. ليس الخطر في أن يخطئ المفكر، بل في أن يتحول خطؤه إلى منطقة صمت، وأن يُطلب من الثقافة أن تغفر باسم العقل، ما لا يجوز غفرانه باسم العدالة.

لذلك كان الغضب العربي مبررًا. فغضب المثقفين والجمهور من موقف مراد وهبة لم يكن تعبيرًا عن "عداء للتنوير"، كما صُوِّر أحيانًا، بل عن إحساس عميق بالخيانة الرمزية. فالمثقف العربي، بخلاف نظيره الغربي، لا يتحرك في فضاء مجرد، بل في سياق: احتلال، هزائم، ذاكرة استعمارية حيّة. وعندما يتحدث مفكر عربي عن "السلام" و"الحوار" دون تسمية الاحتلال، فإنه لا يبدو عقلانيًا، بل منفصلًا عن شرطه التاريخي.

ومن منظور فرويدي–لاكانـي، يمكن قراءة الغضب الشعبي من نقد الرموز بوصفه قلقًا هوياتيًا. فالرمز الثقافي لا يمثل شخصًا فقط، بل يعمل كـ مرآة جماعية، وأي خدش فيها يُستقبل بوصفه تهديدًا للذات. لاكان يذكّرنا بأن "الأنا" تتشكل عبر التماهي، وحين نتماهى مع أم كلثوم أو مراد وهبة، فإن نقدهما يُشعرنا لاشعوريًا بأننا نحن من يُنتقَد.

هنا يصبح النقد فعلًا صادمًا، لا لأنه غير علمي، بل لأنه يكسر وهم الاكتمال.

نقد الرموز في الثقافة الغربية

في الغرب، لم يكن نقد الرموز خيارًا أخلاقيًا، بل ضرورة معرفية. أدورنو لم يتردد في نقد شونبرج، وهابرماس واجه هايدغر، وألان باديو كتب عن التناقض بين عبقرية فاجنر ومواقفه السياسية.

الفكرة المحورية هنا، كما يوضح باديو، أن: "الفكر لا يُقاس بنقاء صاحبه، بل بقدرته على فتح إمكانات جديدة للحقيقة".

وهذا ما نفتقده عربيًا: نحن نربط الحقيقة بالسيرة، والعبقرية بالأخلاق، فنخسر الاثنين معًا. إن إدخال أم كلثوم ومراد وهبة في أفق النقد لا ينتقص من مكانتهما، بل يحرّرهما من الاستخدام الأيديولوجي. فالثقافة التي تخاف من نقد رموزها، كما يقول فوكو، ليست ثقافة ضعيفة الرموز، بل ثقافة ضعيفة الثقة بنفسها.

من هنا، فإن الوفاء الحقيقي للست وللسيد، ليس في الصمت، بل في التفكير، وليس في الحراسة، بل في الفهم، وليس في التقديس، بل في النقد المسؤول.

تتضح المسألة أكثر إذا انتقلنا إلى ميدان الأدب. فقد كان جان-بول سارتر المثال الأوضح على ازدواجية الرمز الأدبي في الثقافة الغربية. فهو الكاتب الذي نظّر لـ الأدب الملتزم، ودعا المثقف إلى تحمّل مسؤوليته التاريخية، لكنه في الوقت نفسه: التزم الصمت طويلًا إزاء جرائم الستالينية، واعتبر أن نقد التجربة السوفيتية قد يخدم “المعسكر المعادي”.

هذا التناقض لم يؤدِّ إلى شطب سارتر من التاريخ الأدبي أو الفلسفي، بل إلى قراءة أعماله (مثل ما الأدب؟) في ضوء حدود الالتزام حين يتحوّل إلى أيديولوجيا. مساءلة مفهوم “الالتزام” نفسه: هل هو التزام بالحقيقة أم بالمعسكر؟ هنا يقدّم النموذج السارتري درسًا مهمًا للمقارنة العربية: الرمز لا يُلغى بتناقضه، بل يُفهم عبره.

في الجهة المقابلة، يقف ألبير كامو، الذي رفض العنف الثوري، واصطدم بسارتر بسبب موقفه من الثورة الجزائرية. كامو، الذي كتب "الإنسان المتمرد"، بدا في نظر كثيرين: إنسانيًا أخلاقيًا، لكنه سياسيًا “ملتبسًا”، بل متواطئًا بالصمت عن الاستعمار.

ومع ذلك، لم تُختزل تجربة كامو في هذا المأزق، بل جرى التعامل معها كنقطة توتر مركزية في فكره: هل يمكن الدفاع عن الإنسان دون مواجهة التاريخ؟ وهل الأخلاق الفردية كافية أمام عنف البنى الاستعمارية؟

هذه الأسئلة جعلت من كامو مادة نقدية حيّة، لا أيقونة معصومة.

ربما يكون لوي-فردينان سيلين المثال الأكثر حدة وإرباكًا. كاتب "رحلة إلى آخر الليل" أحدث ثورة أسلوبية في الرواية الفرنسية، لكنه كتب نصوصًا معادية للسامية، وعبّر عن تعاطف صريح مع النازية. الموقف الغربي من سيلين لم يكن موحدًا: لا تمجيد أعمى، ولا محو كامل، بل ساد اتجاه نقدي يفصل بين المنجز الجمالي، والسقوط الأخلاقي والسياسي.

في الثقافة العربية، غالبًا ما يُستخدم أي خطأ سياسي لإلغاء المنجز، أو يُستخدم المنجز لتبرير الخطأ، أما النموذج الغربي، فيسعى – رغم تناقضاته – إلى إدارة التوتر لا إنكاره.

حتى الرموز التقدمية، في الثقافة الغربية، لم تسلم من النقد. فيرجينيا وولف، أيقونة النسوية الأدبية، خضعت لمساءلات حادة بسبب نزعتها النخبوية، وبعض المواقف العنصرية والطبقية في كتاباتها الخاصة. لكن النقد النسوي المعاصر لم يُلغِ وولف، بل أعاد قراءتها داخل سياقها الطبقي، وفصل بين مساهمتها المفهومية في تحرير الكتابة النسوية، وحدود وعيها الاجتماعي.

هذا النموذج بالغ الأهمية عند مقارنته بالجدل حول أم كلثوم: كيف يمكن لامرأة أن تكون رمزًا للتحرر، وفي الوقت نفسه جزءًا من بنية سلطوية أو نخبوية.

ويمكن أن نقول الشيء نفسه عن غونتر غراس، الحائز على نوبل، حين اعترف بانتمائه في شبابه إلى قوات الـSS النازية، لم تُسحب منه الجائزة، ولم يُشطب أدبيًا، بل فُتحت أعماله "طبل الصفيح" على قراءة جديدة، وجرى إدخاله في نقاش أوسع حول الذنب والذاكرة والاعتراف.

هذا النموذج يطرح سؤالًا غائبًا في السياق العربي: هل نملك ثقافة الاعتراف الرمزي؟ أم نفضّل الصمت، ثم التقديس، ثم الانفجار؟

نحو أخلاقيات لنقد الرموز

من خلال هذه النماذج الأدبية الغربية، يمكن استخلاص ثلاث ملاحظات محورية: الرمز ليس وحدة متجانسة، بل بنية متصدعة. النقد لا يعني الإلغاء، بل إعادة التملك المعرفي. الثقافة الحية هي التي تحتمل التناقض دون انهيار. وبالعودة إلى أم كلثوم ومراد وهبة، يتضح أن أزمتنا ليست في وجود تناقضات لديهما، بل في عجزنا عن إدارتها ثقافيًا.

في الغرب، يُدرَّس سارتر مع نقده. ويُقرأ سيلين مع التحذير منه، وتُناقش وولف مع مساءلتها. أما في الثقافة العربية، فنميل إلى أحد خيارين: إما الرمز الطاهر، أو الرمز المدان. وبين هذين الخيارين، تضيع المعرفة.

من هنا، فإن الانتقال “من الست أم كلثوم إلى السيد مراد وهبة” ليس انتقالًا بين شخصين، بل بين نمطين من الوعي: وعي يخاف من السؤال، ووعي يرى في السؤال شرط البقاء.

إن أي محاولة لتأسيس أخلاقيات لنقد الرموز ينبغي أن تنطلق من مبادئ عامة يتم استخلاصها من الممارسات الواقعية النقدية بنحو ما تبدت في النماذج التي أشرنا إليها سابقا. ولعل أبرز هذه المبادئ هي: التمييز بين المنجز والقيم الأخلاقية للشخص، فالرمز يمكن أن يُنتقد من حيث السياسة أو الأخلاق دون محو المنجز الفني أو الفكري. ربط النقد بالسياق التاريخي والاجتماعي، بمعنى أن أي تقييم يجب أن يأخذ في الاعتبار شروط إنتاج الرمز. إدراك المنطقة الرمادية ذات الدلالة: أي أن الوفاء للرمز لا يكون بالصمت، بل بالنقد المسؤول. الحفاظ على التوتر بين النقد والتقدير: فالنقد لا يلغي الرمز، بل يثري فهمنا له ويزيد من قيمته المعرفية.

هذا الإطار يتيح نموذجًا متكاملاً لفهم الرموز الثقافية والفكرية العربية: أم كلثوم ومراد وهبة ليسا مجرد أيقونات، بل موضوعات معرفية حية. النقد الواعي يعيد الربط بين القيمة الإبداعية والمسؤولية السياسية، ويفتح المجال أمام قراءة تاريخية وفلسفية متوازنة. وبهذا المعنى يصير النقد وفاءً بالرمز والمعرفة، لا خيانة له.

***

د. ماهر عبد المحسن

لم تشر الدراسات الفلسفية العربية المعاصرة إلى ذلك المشروع الذي وضعه حكماء الحضارة الإسلامية للقضاء على ظاهرة الكذب المتفشي في السلوك الإنساني بوجه عام، وفي الأخلاق المهنية بوجه خاص، وذلك عن طريق تحليلاتهم الدقيقة للأخلاق التطبيقية الفاسدة لدوافع الكذب ومقاصده ومآلاته، فقد تبيّن لجلهم أن النصح والوعظ لم يعد العلاج الفعّال لآفة البهتان والرياء، وقلب الحقائق واصطناع الحيل المضللة التي تعيق العقل عن الوصول إلى الحقيقة والاهتداء للسلوك القويم، ومن ثمّ انتهجوا لوضع مشروع دقيق لإنقاذ الحضارة الإسلامية ممّا حاق بأخلاقياتها، وسياسة حكامها وآداب علماءها وسلوك عمالها وعوائد التربويين في البيوت والمدارس ومجالس الشورى وتوجيهات الوعاظ والفقهاء للصالح والنافع من العادات والتقاليد التي فسدت هي الأخرى بسبب مخالطة الأغيار والدخلاء والغرباء؟

وبقراءتنا الفلسفية لنتاج غرابيل حكماء الإسلام العقليّة النقديّة توصلنا إلى أن مشروعهم الحضاري قد أقاموه على مراجعة الأخلاق التطبيقية، والوقوف على بنيتها ومنهجية أنساقها ومدى ارتباط هذه الأنساق بالموروثات العقديّة السائدة وأحوال الواقع المعيش المتغيرة.

واستخلصوا من تحليلاتهم وتجاربهم أن التجديف والإجتراء يفسدان الدين والعقيدة، وأن التزوير والتدليس يفسدان العدالة، وأن النفاق والمداراة تفسدان الحكام والسلاطين، وأن الغش والخيانة يفسدان المودة والحب، وأن الإفك والزور يفسدان الأخلاق والتربية، وأن التضليل والتعمية يفسدان العلم والتعلم، وأن التلفيق والتحريف يفسدان الصدق. 

وجميع تلك الآثام ليست سوى أقنعة يتوارى خلفها الكذب الذي لا يصعب على الضرير قبل المبصر والبصير فضحه، الأمر الذي استوجب وضع نسقية من القيم يصعب تفكيكها لمواجهة صناع الكذب الذين لا يكفون عن اختراع الحيل واختلاق الأضاليل لإفساد الحياة الإنسانيّة والحضارة الإسلاميّة.

فقد ذهب المؤدبون إلى أن الكذب مثل الطاعون والأورام الخبيثة التي سرعان ما تنتشر في كل البدن، فلا يجوز لرجل الدين أن يُجافي الصدق فيفقد مكانته ومقامه ورسالته في الدعوة، ولا يصح للعالم أن ينطق بما لم يتأكد من صحته في توجيهه أو درسه، ولا يمكننا تصور قاضيًا ينحاز للتدليس ويسلم بالتزوير ويقيم عليهما الحكم والفصل في القضايا، ولا يجوز للحاكم أو قادة الرأي أو أمراء المنابر الانسياق للهوى والانصات للمداهنين واستشارة المنتفعين.

كما أن الحلول الجزئية المتمثلة في اللوائح والشروط الإلزامية للأخلاق المهنية لا تعدوا أن تكون مسكنات سرعان ما تستحيل هي الأخرى إلى أكاذيب تحت ضغط العنف والعوز والحاجة والفساد العام.

كل هذه النتائج قد استوعبها حكماء الإسلام فانتهوا إلى حقيقتين الأولى: أن الحرب ضد الكذب يجب أن تكون شاملة لا تختص بفئة أو بمهنة. 

وثانيها: أن القيم الإلزامية لا تنجح في الإصلاح إلا إذا أضحت التزاميه، أي نابعة من الداخل لترويض النفس، وليست خارجية بقوة القانون أو الاستبداد.

وأن المشروع الأمثل الذي يكفل لمن ينشد الإصلاح والقضاء على الكذب في المجتمع الإسلامي على وجه الخصوص هو تطبيق النسق العقدي المتمثل في الأوامر والنواهي القرآنية، والثابت والصحيح من سير الأنبياء والفضلاء والاتقياء.

ولمّا كان هذا المشروع يصعب تحقيقه وتطبيقه في ظل ثقافتنا المعاصرة فلا حيلة لكاتب هذه السطور سوى دعوة الباحثين المعاصرين إلى مراجعة تلك النسقية التي بني عليها لتدعيم روابط بنيته وتحديث آلياته التي طمست في ثقافتنا المعاصرة من جرّاء حملات التشكيك في متانة أصوله الأخلاقية القرآنية، والترويج للفلسفات التفكيكية والقيم النفعيّة الفرديّة وتصويرها على أنها الحلول الواقعية في زمن الأكاذيب الغربية.

وإذا ما عدنا إلى كتابات الحكماء في هذا السياق نجد ابن حزم (ت 1064 م) يعبر عن تلك البنية الأخلاقية التي يجب توفرها في سلوك الخاصّة والعامة على حد سواء؛ فيرى في ميدان السياسة أن الحاكم أو الخليفة أو السلطان إذا كان مستبدًا منكرًا للشورى مجاهرًا بالفسق غير عابئ بمآلات ظلمه في تسييس الرعية، جاهلًا بالضروري من المقاصد الشرعية، يستحق خلعه لأنه كذوب في عقد البيعة وخائنًا لمهام وظيفته المدنية ومدلسًا في خداع العوام بما يضفيه على نفسه من مظاهر الورع والتقوى، ومن أقواله (لا شيء أقبح من الكذب، وما ظنك بعيب يكون الكفر نوعًا من أنواعه، فكل كفر كذب، فالكذب جنس والكفر نوع تحته، والكذب متولد من الجور والجبن والجهل؛ لأن الجبن يولد مهانة النفس والكذاب مهين النفس بعيد عن عزتها المحمودة).

وإلى مثل ذلك ذهب ابن طفيل في رحلة بحثه العقليّة (حي بن يقظان) عن الأدلة الكافية على وجود الله مبينًا أن إيمان العوام الذي يستند إلى المنقول وحده لا يكفي لرسوخ عرفانه في عقله وقلبه، وذلك لأن سبيله هو التلقين الذي لا يخلو من كذب الملفقين في بعض الأحايين. وأخطر هذه الأكاذيب أن طريق العقل مخالف لطريق النقل في الوصول لليقين.  

 ويرى ابن رشد (ت 1198 م) أن الكذب لا يقوى على الصمود في وجه الحقائق البرهانية، ولا إغواء الأنفس إلا من جهلت النهوج النقديّة والأدلة الواقعية وكيف لا؟ فالكذب عنده ليس بغاية أو مقصد فطري بل هو نقص معرفي بغير قصد أو كتمان للحقيقة خوفًا أو ابتغاءًا لمنفعة أو اعتقادًا من صاحبه، بأن قول الصدق لا يروق لسامعيه لعجزهم عن تحصيل الحكمة منه، وإدراك فضائل تطبيقه، ومن ثم يصبح الكذب أداة لمنع ضرر أو معالجة لموقف أو كف شر. 

لذا نجده يرى ضرورة إخفاء الحقائق المطلقة المقطوع بصحتها عقليًا والمضادة للمعتقد السائد عن العامة خوفًا من إفسادها أو الكفر بها أو إضلالها أو تعرض صاحبها للأذى، ذلك مع ضرورة البوح بها والدفاع عنها في مجالس العلماء وخلال مصاولة الحكماء والعارفين بمنهاج الأدلة.

ويضيف ابن تيمية (ت 1328 م) أن الصدق هو نديم المؤمن الحريص على طلب الحق والجريء في الانتصار لليقينيات، والبوح بقناعاته في الاجتهاديات التي تبرأ عن الإفك والاجتراءات وهو المتريس في القاء الاتهامات جزافًا، ورمي المخالفين بالباطل من العلماء والعارفين بينما يعد الكذب شقيق المنافقين وأنيسهم في معيّة السلاطين والمتاجرين بالدين؛ فالصادق مآله مع الملائكة والكاذب يحشر مع زمرة الشياطين.

ويرى ابن القيم الجوزية ( ت 1350 م) أن الأخبار التي يرددها الفاسق تبدد الحقيقة وتشكك في الأخبار الصادقة، وتضلل العدالة، لذا نجده يستشهد برأي الإمام أحمد بن حنبل بعدم الأخذ بحديث الفاسق الكذوب، وإن أقر بأنه من المبتدعة في الدين فإن اخباره مشكوك فيها ولا يطمئن الحاكم لمآلاتها، فخطر ما يدعيه لا يسلم أثره من ضرر في معتقد الجمهور أو سلوكهم.

فعلى السلطان مراجعة خبره وفحصه، عساه أن يكون في اخباره نفعًا وذلك مصداقًا لقوله تعالى (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) سورة الحجرات الآية 6)

ويثير ابن القيم قضية أخرى ألا وهي عدم الاعتماد على الكتابات المحرفة، أو الأخذ بالأخبار المشكوك فيها، ولاسيما تلك المتعلقة بصلب العقيدة، مثل الاستشهاد بحكم ورد في التوراة أو الأناجيل في قضية حسمها القرآن في آياته أو يتعارض مآل المنقول من هذه الكتب مع مقصد شرعي اجتمع أهل العلم على صحته وأكدته السنة المشرفة. كما يجوز للقاضي استبعاد أي دليل يستند على رأي أو حديث مشكوك في صحة سنده ومتنه أو يناقض صريح المعقول، ولا سيما في أحكام النكاح والطلاق.

أمّا ما قيل عن حكم الآراء والمذاهب المخالفة لرأي الجمهور فلا يجب على الحاكم أو القاضي اعتبارها كذبًا بل يجب على أهل الرأي مراجعتها وأخبار الحاكم بمآلاتها فقد تكون واجبة ومستحبة ومباحة بحسب اقتضاء الحال. أمّا الكتب التي تشتمل على التجديف والاجتراء والأكاذيب والتحريض على الفجور والبغاء أو الفتن أو إثارة الفرقة والشقاق بين الناس فينبغي إتلافها وإعدامها مثل كتب السحر واستحضار الجن والعقائد الداعية لعبادة دون الله.   

ويؤكد عبد الله بن الأزرق (ت 1491 م)  على ضرورة الجمع بين سمات الحاكم التي حث عليها الشرع والضرورة التي يفرضها الواقع ويقتضيها العقل فأنه يجيز الكذب والجور والاستبداد إذا ما كان وراء ذلك كله نفعًا أعم للرعية واستقراراً للمُلك وأمنًا للمسالمين، شريطة أن مقدار هذه الآثام المولدة عن الشر والكذب تكون محدودة في بابها ولا تخالف مقاصد الشريعة  فالحاكم الأمثل في رأيه هو الذي يفلح في الموازنة بين مصالح الدنيا والآخرة ويجتهد في حل مشاكل الواقع دون جحود لأوامر الشارع ويقول عن حكمة تدبير الملك (أنما يعتد بالتدبير، إذا صدر من ذوي التجارب العارفين بما تحسن منه العاقبة وترضى به الاستقامة التي لا انحراف فيها عن نهج الصدق والصواب؛ فلذلك لا عبرة به من الأحداث غير المجربين.

 وإذا ما أوهم الحاكم الرعيّة صلاحًا، وهو كاذب، فحين إذًا لا يجب إهمال نقض الأحداث المعارضين إذا كان رأيهم هو الأصوب (فالحق أحق أن يُتبع في أمور السياسة) وقد ذهب جل العارفين بأصول تدبير الممالك أن الحاكم لا يُعاب على دينه إن كانت حكمته في التسيس هي الأفضل من الفقيه الجاهل بأمور الحكم وأصوله، فليس يليق التدبير به وإن أحسن منه في بعض الأوقات فإنه قبيح العاقبة، وهو كوجود الشيء، بالحسن يرى حُسنًا، والعقل يبين بعد قبحه). 

أمّا بهاء الدين العاملي (ت 1621 م)، فجاءت آرائه أقرب إلى ابن مسكويه والغزالي في هذا السياق فأكد على منطقية  النسقية في القيم الإسلامية المترابطة، ورأى أن الكذب ليس من الكبائر الضارة للنفس والعقل فحسب بل هو مفسد للروح أيضًا وهو صفة الجاهل المعاند والخائن ناقض العهود، وكيف لا وهو قرين إبليس الودود وهو الذي يجنح في خيالاته وأوهامه عن الحق، وهو الدساس الخناس المتآمر الذي يلبس الإفك عباءة الصدق فيغوي بدهائه الورع المؤمنين والأطهار العارفين، فيقطع سبيلهم إلى الكمال ويبدد حكمتهم، ويسوق أعمالهم إلى أسوأ مآل ويعد الصدق مفتاح الكمال والعرفان الإلهي.

ولا فكاك للإنسان من الكذب إلا بالتطهر الذاتي وانتزاعه من عوائده المذمومة وتحريمه على لسانه والنظر للصدق على أنه الصراط المستقيم الذي إذا ذلت قدماه وقع في الجحيم وبات جليس الشياطين.

ويروي عن المأثور من نصائح العلماء للخلفاء: اعلم أنه واجب على الملك اجتناب ما يفسد المروءة، وتغليب العقل على الطبع، واعلم أن الصدق عادة والكذب حاجة، وأن الملك أحق باختيار المحامد.

واياك أن تصاحب في حاشيتك خطيب متفكه ومتعالم متفقه، وجموح متعسر، وعتل متجبر، مجترأ متحرر وآفاق متندر، واياك أن تجحد الناصح الشريف والعالم الطريف، والحكيم الأريب والبصير اللبيب، والحكيم المجدد والمخطط المحدد، ولا يشترط فيمن من تحلى بهذه الصفات أن يكون من أفاضل النساء أو من شبيبة الرجال، فالعقول تدرك التباين والقلوب تستحيل من حال إلى حال، فالمقصود هو نقاء السرائر ورجاحة الألباب، والحاذق النحرير وليس اللطيف المكير، أو واحد من المشاهير، ولا يعيبه إن كان جريء في التناظر أو بصير ضرير.

وللحديث بقية عن نسقية أحكام البنية الأخلاقية التي ألتزم بها حكماء الحضارة الإسلامية في مناقشة قضايا الاجتماع والسياسة.

*** 

بقلم: د. عصمت نصار

 

في البدء كان الانسان ثم رحل

لم يكن البشير ربوح مثقفا تقليدياً، بل كان "الإنسان الفيلسوف والمفكر الثوري" فهو المفرد بصيغة الجمع "لا يظهر إلا مبتسما"، قريباً من الناس في الأسواق والمقاهي، منخرطاً في النسيج الاجتماعي لمدينته رأس الوادي ومسقط رأسه، كان بشير خير فاعلا متحركا في سعيه نحو الاكتمال جامعا بين شرف الاسم وتميز المسمى قولا وفعلا، كان كما وصفه صديقه عبد الحكيم بليليطة، "فلسفة تتحرك" فهو القائل في مفتتح كتاب فلسفة الفعل - من محاولات التأسيس إلى آفاق النقد " حين تريد الفلسفة أن تفكر، أن تسأل، أن تتخطى، أن تنقد، فما عليها إلاّ أن تعانق الحياة. معانقة تقودنا مباشرة إلى مفاصلها، وتعاريقها، وانشغالاتها. ربَّ انفتاح يمنحنا فرصة التحرر من الكسل، والقحط الوجودي، والتحجر، والانغلاق، ويضعنا في قلبها النابض بعشقها"

منذ البداية، اختط البشير ربوح لنفسه مساراً متميزاً. فحين سُئل في حوار فلسفي "من هو؟"، امتنع عن الإجابة المباشرة، معتبراً إياها سؤالاً "نيتشوياً" يستدعي النرجسية، وقدم نفسه ببساطة على أنه "الباحث المتواضع في مجال الفلسفة" كان هذا التواضع المعرفي عنواناً لرجل هو سقراط عصره، وظف كل طاقته في الفعل والفكر. لقد آمن بأن الفلسفة ليست حبيسة الأبراج العاجية، بل هي، في صميمها، حقلٌ دسمٌ للحياة اليومية والتحولات التاريخية. من هنا انطلق مشروعه من "التفكر مع كبار المفكرين" مثل هايدغر والمسيري وإدوارد سعيد، لا بوصفهم نصوصاً جامدة، بل بوصفهم شركاء في حوار يستهدف فهم أغوار العقل الغربي والبحث عن نموذج معرفي عربي متميز .

غير أن هذا الانشغال النظري لم يبقَ حبيس الصفحات. لقد تحول عند صديقنا البشير إلى "براكسيس" حي، إلى فلسفة فعل. فمع انطلاق الحراك الشعبي الجزائري في 2019، كان كمال في الصفوف الأولى، منخرطاً بكل كيانه، كان يرى في الحراك "منعطفاً تاريخياً" و "حقلًا كريماً للتفلسف الحق"، من الساحات العمومية يتحول الشارع إلى ما أسماه "الشارع الأنطولوجي"، أي فضاء وجودي تتحقق فيه الكينونة الحرة والقادمة للمجتمع لم يكن حضوره واجبا أخلاقيا فحسب، بل كان قراءة فلسفية عميقة؛ حيث وظف مفهوم هايدغر القائل بأن "اللغة هي بيت الكينونة" لاستكناه لغة الحراك، شعاراته ومفرداته، ليرصد من خلالها القطيعة التي أحدثها جيل جديد مع الماضي، كان همه أن "يُنتج معاني جديدة ويتصارع مع المعاني البائدة"

وإذا كنا اليوم نفتقده ونتحدث عن رحيله، فلا نروم من ذلك رثاء شخص عزيز فحسب، رغم ما يحمله الفراق من ألم، بل نرى فيه واجباً للصديق تجاه صديقه، وللتلميذ تجاه أستاذه: واجب الحفاظ على ذاكرته من خلال النبش في مشروعه الفكري واستئناف أسئلته الحارقة. فهو لم يكن مجرد أستاذ جامعي، بل كان ظاهرة فريدة جمعت بين العمق النظري المتجذر في التراث الفكري العالمي، والفعل الواعي المنغمس في قلب الواقع الاجتماعي والسياسي.

رحل البشير ربوح وهو يؤمن بأن النص الفلسفي، بما يكتنزه من زخم الدال وعمق المدلول، هو من يحرر الوعي ويوقظه من سباته، وهو من يغير الواقع ويصنع أفق التنوير. لقد رحل جسده، لكن أفكاره ونصوصه لا تزال متحركة نابضة بالحياة؛ فالنصوص العظيمة، كالنفوس النبيلة حية لا تموت. لذا فإن الحديث عن رحيله هو في الحقيقة حديث عن بيان استمرارية. إن الفراغ الذي تركه ليس فراغاً عدماً، بل هو مساحة مشحونة بالأسئلة والمشاريع التي أنجز بعضها وترك بعضها الآخر.

بناءً على هذا، يتساءل مقالنا: كيف شخّص ربوح "الخطيئة الأصلية" للتخلف الفكري والسياسي في واقعنا؟ وكيف حاول، عبر أدواته الفلسفية المركبة وحسه العميق باللحظة التاريخية، أن يبلور مشروعاً للخروج من هذه الدائرة؟ كيف ننتقل من حالة الاستهلاك والتلقي إلى حقيقة الإنتاج الحضاري المستقل؟ وأي إجابات قدمها على سؤال النهضة الذي لا يزال يشغلنا، مقترحاً طريقاً من "التشريح" إلى "التأسيس"، ومن "الفكر" إلى "الفعل"؟

في البدء كانت الخطيئة: تشخيص عوائق التخلف

إذا كان لكل سقوطٍ خطيئةٌ أولى، فقد وجد البشير ربوح خطيئة التجربة العربية الحديثة كامنةً في نظامٍ خماسي العطب، لا في مجرد أخطاء عارضة. لم تكن المشكلة لديه هي غياب العقول أو نقص الإرادات الفردية، بل خللٌ بنيوي أصاب علاقة الفكر بذاته، وعلاقة النخب ببعضها، وعلاقة المعرفة بالواقع. كانت "الخطيئة" هي تحوّل هذه العلاقات إلى دوائر مغلقة تعيد إنتاج التخلف، بدلاً من أن تكون محركات للتحرر.

- العطب الأول: الفكر التشريحي، أو "العقل الذي لم يتصيّر عقلاً بعد"

رأى ربوح أن الفكر العربي، رغم جهود كبار رواده في القرن العشرين، ظلَّ في مجمله "قاصرًا" و"يقتات على ما ينتجه العقل الغربي". والخطيئة هنا لم تكمن في طبيعة مشاريع المفكرين من الجابري واركون إلى سعيد والمسيري إلى حنفي...، بل في نتائج هذه المشاريع ذاتها التي ظلت – برأيه – في معظمها "نصوصًا تشريحية". لقد قامت بعملية تشريح رائعة لجثة الموروث، وكشفت عن "العقل السياسي" و"العقل الأخلاقي"، لكنها، في عمقها، لم تتحول إلى "نصوص بنائية" تضع لبنات المستقبل. النتيجة كانت فكرًا يملك أدوات هدم الماضي (نزعة نيتشوية/تفكيكية)، لكنه يفتقر إلى أدوات بناء الغد (منطق كانطي تأسيسي). هذا ما جعله، بحسب تشخيص ربوح القاسي، "عاجزًا عن فهم 'الحدث'" – أي التحولات العنيفة الكبرى كالربيع العربي – الذي تحول إلى "هتاف" انفعالي أو تأييد سطحي، لا إلى رؤية قادرة على التحليل والتوجيه.

- العطب الثاني: النخب المتشرنقة، أو من "الفرديات النخبوية" إلى غياب "الكتلة التاريخية"

لم يكن ربوح يخشى توجيه سهام نقده إلى الداخل، إلى شركائه في الحقل الثقافي. ففي وصفه الدقيق والصادم، رأى ان ما نملكه في الواقع العربي ليس "نخبة" بالمعنى الفاعل، بل "فرديات نخبوية". هؤلاء الأفراد – رغم امتلاكهم المعرفة والكفاءة – ظلوا جزرًا منعزلة، "لا تلتقي على مستوى المكان أو الرؤيا أو حتى الأسئلة الكبرى". أما النخبة الحقيقية، في منظوره المستلهم من غرامشي، فهي "الكتلة التاريخية"؛ كتلة تتماسك حول رؤية مشتركة وأسئلة مصيرية، وتستطيع تحويل معرفتها إلى فعل يغير وجه التاريخ. غياب هذا الكيان الحواري الفاعل جعل من الصعب تجاوز حالة "التصحر الثقافي"، حيث تتبدد الطاقات في صراعات هامشية، وتفشل في تشكيل قوة مجتمعة قادرة على مواجهة إما "القوى اللا تاريخية" ذات الوعد الميتافيزيقي (كما يصف التطرف الديني)، أو "النخب اليَعقُوبِيَّة" العلمانية التي فشلت – برأيه – في استنبات قيم حداثية حقيقية في التربة المحلية.

العطب الثالث: الجامعة المُلغاة، أو الانفصام بين "المعرفة" و"الوعي" و"الفعل"

هنا يقدم ربوح تمييزًا فلسفيًا جوهريًا. فالنخب، أو "الفرديات النخبوية"، قد تكتظ أذهانها بالمعرفة، لكنها تفشل في تحويل هذه المعرفة إلى "وعي". والوعي عنده ليس مجرد حشو معلوماتي، بل هو "المقدرة على اكتشاف الذات التي تعي ذاتها والعالم المحيط بها... وأن تكون ذاتًا واعية وناقدة، فاهمة وتسأل باستمرار" هذا الفشل في التحويل ليس بريئًا؛ فهو مرتبط، في تشخيصه، بـ "العجز البنيوي" الذي أصاب الجامعة الجزائرية والعربية، والتي من المفترض أن تكون "عقل الدولة". لقد رأى أن النظام السياسي البائد عمل بوعي على "لَجْم" الجامعة وعزلها عن الهم العام، مما رفع "منسوب غياب الكفاءة" وأفقدها دورها كرافد للنقد وتقديم الرؤى المغايرة. وبذلك، حُوصرت المعرفة في أروقة أكاديمية، ومنعت من أن تصبح وقودًا للوعي النقدي، ومن ثم محركًا للفعل التغييري في الشارع والواقع.

العطب الرابع: النظام السياسي المُعطوب وشرعية القبضة الحديدية

لم يكن نقد ربوح منصباً على المثقفين والجامعة فقط، بل امتدّ بجرأة إلى النظام السياسي الذي نشأ في مرحلة "الدولة الوطنية" ما بعد الاستعمار. رأى ربوح أن هذا النظام، الذي ادعى الشرعية الثورية والتاريخية، قام في الحقيقة على "رؤية تصحيرية لكل المجالات، وبخاصة المجال الثقافي". لقد أسس لهيمنته على أيديولوجيا أشبه بـ "البرقع"، جمعت بين بقايا المنظور الريفي وترسبات النظام الاشتراكي، في مزيج غارق – بحسب وصفه – في "السطحية والابتذال".

كانت استراتيجية هذا النظام، كما حللها ربوح، قائمة على وأد أي صوت نقدي مستقل. فقد "دشّن مسلكًا يعتمد على إبعاد الشخصيات النخبوية، التي تمردت على خطابها، أو العمل على طردها من الفضاء العام وتهميشها". لقد سلط الضوء على مصير مثقفين كبار مثل كاتب ياسين، ومحمد البشير الإبراهيمي، ومفدي زكريا، ومحمد حربي، الذين دفعهم النظام إما إلى الصمت أو الانزواء أو المنفى. وفي المقابل، شجّع على ظهور "شخصيات نخبوية انخرطت وتورطت في خطاب النظام القائم، بحسب قناعات هشة"، جعلتها أقرب إلى فهم منطق السلطة منها إلى فهم قضايا المجتمع.

هكذا، تحولت "الشرعية الثورية" من إطار لتأسيس دولة المواطنة والحريات، إلى غطاء ميتافيزيقي لاستبداد جديد. لم يؤمن هذا النظام بـ "الرأي الآخر" لأنه رأى في أي اختلاف تهديداً لأسطورة تماسكه المطلق. وكانت النتيجة، كما لاحظ ربوح في سياق الحراك، "فترة عبثية من الحكم البائد" عملت على "لجم المؤسسة الجامعية ونخبتها عن التواجد والحضور والمشاركة في الفضاء العام، ومقاسمة الهموم الوطنية". لقد حورب كل من حاول تقديم رؤى مغايرة، مما خلق فراغاً فكرياً وسياسياً استغلته لاحقاً قوى التطرف والعنف من جميع الجهات.

العطب الخامس: الخطاب الديني المُشتَّت بين "الوعد الميتافيزيقي" و"التبرير السلبي"

يمثل تحليل ربوح للخطاب الديني السائد في الواقع العربي امتداداً طبيعياً لتشخيصه للنظام السياسي المعطوب، حيث يرى أن الخطاب الديني التقليدي وقع في فخين متكاملين ساهما في تعميق الأزمة بدلاً من حلها: فخ التبرير السلبي للواقع، وفخ المواجهة العدائية مع الحداثة.

لم يكن ربوح ينقد الدينَ كجوهر روحي أو قيمة أخلاقية، بل كان ينقد الخطاب المشوَّه الذي حوَّل الدين من قوة تحرر وإلهام إلى أداة لتبرير القصور التاريخي. رأى ربوح أن نسخةً من هذا الخطاب قد تحولت إلى "قوى لا تاريخية، ترى في نفسها الفئة المرشحة لامتلاك السلطة، بحسبانها وعدًا ميتافيزيقيًا، وبالنظر إلى كونها مالكة للحقيقة المطلقة" في هذه الرؤية المغلقة، يتحول التخلف إلى قدر إلهي أو عقاب غيبي، ويُصوَّر الغرب على أنه كتلة منحطة أخلاقياً جُعلت سلطةً على المسلمين عقاباً لهم. هذا المنطق، كما حلله ربوح، يؤدي إلى استقالة مريحة من الفعل التاريخي، ويحوّل الصراع من كونه صراعاً على بناء الذات والمستقبل، إلى مجرد رد فعل دفاعي يخلط بين مقاومة الهيمنة ورفض كل ما أنتجه "الآخر".

في المقابل، وفي الجانب النقيض، لم يُعفِ ربوح ما أسماهم "النخب اليَعقُوبِيَّة" العلمانية من النقد. فقد رأى أن خطابها العنيف والقمعي تجاه الموروث الديني، تحت شعار التحديث القسري، كان "عنفاً آخر استوطن في التجربة العلمانية العربية" هذه النخب، التي فشلت – برأيه – في "استنبات قيم حداثية داخل مجتمعات تقليدية" أو تقديم الكوني كقيم إنسانية مشتركة، ساهمت في استفزاز ردات الفعل الانكفائية وحصْر الدين في أيدي أصحاب الخطاب التبريري أو التكفيري.

هكذا، رسم ربوح صورة لـ خطاب ديني محاصر بين مطرقة قوى داخلية تختزله إلى أداة تبرير سلبي أو صراع هووياتي مغلق، وسندان قوى علمانية عنيفة ترفضه جملةً وتفصيلاً. وكانت النتيجة، في تحليله، تغريب الدين عن مجاله الحضاري الفاعل وإبعاده عن أن يكون مصدراً لأخلاقيات التجديد والحوار والتقدم. من هنا، جاء اهتمامه الشديد بفكر عبد الوهاب المسيري، الذي يقدم نقداً داخلياً للمادية الغربية من منظور إنساني يمكن أن يستوعب البعد الروحي دون انغلاق. كما أن مشروعه الشخصي حول إدوارد سعيد كان يهدف إلى تفكيك ثنائية "نحن" المتخلفة مقابل "هم" المتقدمة، والبحث عن هوية منفتحة وقادرة على الفعل.

لذا، فإن تشخيص ربوح للخطاب الديني يُكمل مشهد "الخطيئة الأصلية": فكما أن النظام السياسي عطَّل الفضاء العام، والنظام الفكري عطَّل قدرة البناء، فإن هذا النمط من الخطاب الديني – في بعض تجلياته – ساهم في تعطيل الطاقة الأخلاقية والروحية للأمة، وحَوْلها إما إلى طاقة سلبية مستسلمة، أو إلى طاقة غضب عدائي منكفئ على الذات. خروجه من هذا المأزق لم يكن في تبني خطاب ديني محافظ أو علماني متطرف، بل في البحث عن "حداثة عربية خالصة"، كما قال، قادرة على استيعاب التراث الروحي ضمن أفق نقدي ومنفتح، يجعل من الدين مصدراً للتساؤل عن العدل والحرية والكرامة، لا أداةً للهروب من مسؤولية التاريخ.

مشروع البناء: نحو فلسفة الفعل والشارع الأنطولوجي

إذا كان تشخيص البشير ربوح لواقع التخلف العربي قد بلغ قسوة تشريح الجثة، فإن مشروعه للبناء كان جراحة طموحة لإعادة إحيائها. لم تكن "فلسفة الفعل" و"الشارع الأنطولوجي" مجرد مصطلحات براقة، بل كانتا خارطة طريق عملية للخروج من دائرة العطب الخماسي (الفكر التشريحي، النخب المتشرنقة، النظام السياسي المعطوب، الخطاب الديني المشتت، والمنظومة الثقافية الفاسدة). كان مشروعه إجابة على سؤال مركزي: كيف نتحول من حالة "القصور التاريخي" إلى "الفعل الحضاري"؟

فلسفة الفعل: من التأمل إلى التغيير

لم تكن 'فلسفة الفعل' عند البشير ربوح اصطلاحاً عابراً، بل كانت مشروعاً فكرياً مؤسسياً حاول أن يلتقط، مع فلاسفة عرب معاصرين، نبض اللحظة التاريخية. فقد شارك ربوح في تحرير كتاب جماعي حمل هذا العنوان، وقدم له الفيلسوف التونسي عبد العزيز العيادي تصديراً يعد بمثابة بيان نظري لها، عرّفها بأنها 'هيئة الفكر التي تستجمع صيغة الوجود التامة لكيان الإنسان في العالم' و 'التعبير عن رغبة المقاومة العاملة على تعرية الذحل الفردي والقهر الجماعي' من هذا المنطلق المتقدم، انطلق ربوح ليجعل من الفلسفة سلاحاً للتحرر.

في قلب مشروع ربوح تقف "فلسفة الفعل" كبديل جذري للنزعة التأملية المجردة. لم يكن يرى في الفلسفة "تفسيراً للعالم" فحسب، بل أداةً لتغييره من خلال الفعل الواعي المسؤول. لقد ميّز بوضوح بين "المعرفة" المجردة و"الوعي" النقدي الفاعل، مؤكداً أن الوعي هو "المهمة العسيرة في صناعة الفعل". من هنا، كانت فلسفته دعوةً لتحويل الطاقة الفكرية إلى إرادة عملية، تنتقل من التحليل النظري للأزمة إلى اختراقها عملياً عبر الممارسة النقدية المستمرة. كان هدفه تحرير الفكر من أسْر "النصوص التشريحية" ليكون فكراً تأسيسياً يبني ولا يهدم فقط.

الشارع الأنطولوجي: الفعل في قلب الواقع

إذا كانت "فلسفة الفعل" هي النظرية، فإن "الشارع الأنطولوجي" كان التطبيق الأكثر جرأةً وحداثةً. استقى ربوح هذه الفكرة من حراك 2019 الجزائري، الذي رآه "منعطفاً تاريخياً" وفرصة وجودية نادرة. لم يعد الشارع مجرد مكان للاحتجاج، بل تحول في رؤيته إلى فضاء أنطولوجي (وجودي) تتحقق فيه "الكينونة الحقيقية والقادمة" للمجتمع. وهنا، انتقل ربوح من تنظيم الحوارات إلى الانخراط المباشر في الفعل التاريخي الجمعي. كان حضوره في الشارع تطبيقًا حيًا لمفهوم "الشارع الأنطولوجي"، حيث يتحول الفضاء العام إلى مدرسة للتسييس وفعل الكينونة. لم يكن متفرجًا ولا هاتفًا فقط، بل كان قارئًا وفاعلًا: يحلل شعارات الحراك بلغة هايدغر، ويدعو إلى تحويل الزخم العفوي إلى "فعل واعٍ ومسؤول" يؤسس لمرحلة جديدة. بهذا، اختصر مسارًا طويلاً: من مقاومة "القحط الثقافي" في ندوة صغيرة، إلى المشاركة في صناعة "المنعطف التاريخي" في ساحات البلاد.

لقد طبق ربوح أدواته الفلسفية ببراعة، مستخدماً مقولة هايدغر "اللغة بيت الكينونة" لتحليل لغة الحراك: شعاراته، رموزه، صوره. كان يرصد من خلالها "القطائع المختلفة التي باشرها الجيل الجديد مع الماضي بكل وجوهه". الشارع الأنطولوجي هو المكان الذي تتحول فيه الطاقة العفوية إلى فعل مؤسس، ويتحول الهم الشعبي إلى مشروع حضاري. كان ربوح يدعو المثقفين إلى "النزول إلى الشوارع الأنطولوجية"، مغادرين أبراجهم العاجية ليكونوا شركاء في صناعة التاريخ، لا مشاهدين له.

الكتلة التاريخية: من الفرديات النخبوية إلى التجمع الفاعل

كيف ننتقل من "الفرديات النخبوية" المتشرنقة إلى الفعل الجماعي المؤثر؟ قدم ربوح حلاً مستلهماً من غرامشي: بناء "كتلة تاريخية". هذه الكتلة ليست تجمعاً عشوائياً، بل هي تحالف عضوي بين النخب الملتزمة من مختلف التوجهات، تجتمع حول "رؤية ثورية" و"أسئلة كبرى" مشتركة. هدفها تحويل فاعليتها إلى مستوى أعلى من الحركة، لتشكل محركاً اجتماعياً قادراً على تفعيل المجتمع.

ركائز هذه الكتلة هي القيم التي رآها ربوح أساسية للحداثة الحقيقية: النقد، الحوار، التجاوز، التفكيك، المسؤولية، الفردية الفاعلة، الإيمان بالاختلاف، الاعتقاد في الغيرية، الانفتاح. كانت هذه القيم نقيضاً تاماً لقيم "نظام التفاهة" والاستبداد السياسي والخطاب الديني المغلق.

لقد رأى ربوح أن العائق الأول والأعمق هو انحسار الفضاء الثقافي الجاد واستبداله بمناخ من التسطيح والانتهازية. كانت استجابته العملية المباشرة هي خلق فضاءات حوار حية تتحدى هذا المناخ. فلم يكتفِ بالتنظير لـ "الكتلة التاريخية"، بل أسس نموذجها العملي الناشئ من خلال الندوات السبتية واللقاءات الرمضانية التي كان ينظمها فرع الجمعية الجزائرية للدراسات الفلسفية في رأس الوادي وبرج بوعريريج. كان يسافر ليلاً في رمضان مسافات تصل إلى 500 كلم لضمان استمرار هذه الشعلة الفكرية، مجسدًا بذلك أن "الفعل الصادق هو الذي يضعنا في قلب التاريخ". كانت هذه اللقاءات مختبرًا عمليًا لتحويل "الفرديات النخبوية" المبعثرة إلى نواة لجماعة فكرية متحاورة، تقاوم العزلة والانغلاق.

المثقف الجديد: من الانتهازية إلى المسؤولية التنويرية

كان ربوح واعيًا بأن الجامعة الجزائرية، كجزء من النظام المعطوب، قد عزلت نفسها. لذا، سعى إلى كسر حاجز العزلة بين الجامعة والجمهور. إدارته النشطة للجمعية الفلسفية لم تكن شكلاً إداريًا، بل كانت آلية لجرّ الأستاذ الجامعي من برجه العاجي إلى ساحات النقاش في المدن والقرى الصغيرة. لقد جسّد نموذج "المثقف التنويري المناضل" الذي يدعو إليه، ليس بالقول بل بالفعل: مثقف ينزل إلى الناس، ويشاركهم همومهم، ويجعل من معرفته سلاحًا للتحرر وليس لقبًا للامتياز.

في مواجهة "المثقف الانتهازي" و"النخب اليَعقُوبِيَّة" الفاشلة، قدّم ربوح نموذجاً جديداً للمثقف: المثقف التنويري المناضل. هذا المثقف لا يكتفي بالمعرفة، بل يحولها إلى وعي ثم إلى فعل. دوره ليس ترفياً بل "تنويري، نضالي، يسعى إلى إنجاز حالة الحضور الدائم في الفضاء العام". كان ربوح نفسه نموذجاً حياً لهذا المثقف: القريب من الناس في الأسواق والمقاهي، المنظم للندوات في القرى والمدن الصغيرة، المشارك بجسده وفكره في الحراك.

ان المثقف الجديد الذي دعا إليه ربوح هو من يستوعب أبعاد الفعل الأربعة: يربط قوله بفعل أخلاقي واضح، فكل فعل 'يتضمن اتهاماً، أو اعتذاراً، أو تبرئة، أو حمداً أو ذماً" ويجعل من فكره مقاومة سياسية دائمة ذلك ان "الانتفاضة لن تغير شيئاً، والكتاب لن يكتمل، والبناء لن يستمر، والاحتجاج لن يثمر ما لم يكن للإرادة شجاعة مواصلة ما استهلته."

وينخرط في الفضاء العمومي الاجتماعي "لا أحد يفعل منعزلاً، ذلك أنّ الفعل حتى وإن كان يصدر عن الفاعل الفرد فإنّه لا يصدر عنه منعزلاً" ويحمل مسؤولية وجودية تجاه تاريخه ومجتمعه. إنه المثقف الذي 'ليست مخربشاً ولا صغير كتّاب، بل عقل تتحول أفعاله إلى جزء من التاريخ البشري. "لسنا بالمخربشين ولا بصغار الكتبة، وإنّما عقول تتحول أفعالها إلى جزء من التاريخ البشري الشامل"

ولمواجهة هيمنة الخطاب التشريحي المجرد أو الخطابات الدينية والسياسية المغلقة، انخرط ربوح في صناعة خطاب نقدي بديل قادر على مخاطبة العقل العام. تحولت حواراته الصحفية والإذاعية والتلفزيونية – كمشاركته في برنامج "المعنى" – إلى منصة لتقديم الفلسفة بلغة واضحة وجريئة. من خلالها، قدم قراءات نقدية للمسيري وهايدغر وإدوارد سعيد، لا كمادة أكاديمية صرفة، بل كأدوات لفهم الواقع العربي والعلاقة المعقدة مع الغرب. لقد حوّل وسائل الإعلام، التي غالبًا ما تكون أداة في "نظام التفاهة"، إلى "شارع أنطولوجي" إعلامي، حيث يتحول الحوار الفلسفي إلى فعل تنويري عام.

وهكذا، يرحل البشير ربوح جسداً، لكنه يترك لنا إرثاً حياً يدعونا إلى فضاء 'تلتقي فيه النفوس النبيلة' من أجل التأسيس المشترك. إن مشروعه ليس مجرد تحليل، بل هو 'أفق بازغ' لحظة تاريخية حاسمة تتطلب منا 'تثوير قدراتنا المتعددة'. فكما أن 'الفعل الصادق هو الذي يضعنا في قلب التاريخ'، فإن استئناف هذا الفعل هو الضمانة الوحيدة لتحويل 'همس يتامى الدهر' إلى صوت مؤسس، ولتحمل 'نوازل الزمن' بشحنة وجودية تجعلنا 'نطمح في أفق جديد وطريف'. هنا تصبح الذاكرة فعلاً، والغياب حضوراً، والنص فلسفة تتحرك من جديد."

***

عمرون علي - أستاذ الفلسفة

إن سؤال الثقافة في العراق لا ينتمي إلى فضاء التنظير المجرد ولا إلى رفاه النقاشات المغلقة، ولا يقتصر على همّ جمالي أو نخبوية معزولة، بل يتخذ بعداً وجودياً ومصيرياً، يتشابك مع السياسة والهوية والسلطة والخوف، ويمتد أثره إلى مستقبل الدولة والمجتمع في آن واحد.

فالثقافة، في معناها العميق، ليست إنتاج نصوص ولا إقامة مهرجانات ولا تراكم ألقاب أكاديمية. إنها فعل مساءلة دائم، واشتباك مع السائد، ومحاولة مستمرة لإعادة تعريف الإنسان والعالم. وهي لذلك، بطبيعتها، في حالة توتر دائم مع كل سلطة مغلقة، سياسية كانت أم دينية أم اجتماعية.

وحين نسأل: هل يمكن للثقافة أن تنهض والمثقف أن يُبدع ويتألق في ظل الطائفية وتكالب الأحزاب؟ فإننا في الحقيقة نسأل: هل مازال للعقل مكانة في بلد تحكمه الانتماءات الضيقة وتُدار شؤونه بمنطق الغلبة لا الكفاءة؟ِ

من هنا ينبثق الإشكال العراقي: فالنظام الطائفي لا يرى في الثقافة أداة معرفة، بل عامل إرباك. إنه يحتاج إلى جمهور مطمئن إلى رواية واحدة، لا إلى مواطنين يطرحون الأسئلة. ولهذا لا تُقمع الثقافة صراحة دائماً، بل يُفرغ حضورها من محتواه، ويُعاد تدويرها بوصفها نشاطاً احتفالياً بلا أثر.

الطائفية ليست مجرد انقسام اجتماعي، بل هي منظومة تفكير تعيد تعريف الفرد بوصفه عضوًا في جماعة مغلقة، لا بوصفه مواطناً حراً. وفي ظل هذه المنظومة: يُختزل المثقف إلى "ممثل طائفي" شاء أم أبى، ويُنظر إلى الرأي بوصفه موقفاً هوياتياً لا اجتهاداً فكرياً، ويُفسر النقد باعتباره عداءً للجماعة لا محاولة إصلاح.

بهذا المعنى، تُلغى المساحة المشتركة التي تُعد شرطاً أساسياً لنهضة أي ثقافة وطنية. فالثقافة لا تزدهر في الجزر المنعزلة، بل في الحوار والتفاعل والتعدد، وكلها قيم تناقض جوهر الطائفية.

أمام هذا الواقع، وجد المثقف العراقي نفسه أمام خيارات قاسية، كلها ناقصة: الصمت بوصفه وسيلة بقاء، والتكيف بوصفه تنازلاً تدريجياً، والعزلة داخل الوطن، أو الهجرة إلى الخارج، حيث تتوافر حرية التعبير لكن يغيب التأثير المباشر.

ليس من المبالغة القول إن تاريخ الدولة العراقية الحديثة كُتب، في أحد وجوهه، على حساب مثقفيها. فقد وُضع المثقف العراقي، منذ منتصف القرن العشرين، باستمرار أمام معادلات قاسية لا تترك له سوى هامش ضيق للاختيار: إما الصمت أو القمع، إما التكيف القسري أو المنفى. وما بين ما قبل 2003 وما بعده، تغيّرت الأشكال وبقي الجوهر واحداً: سلطة معادية للعقل النقدي، ولو اختلفت لغتها وشعاراتها.

ولهذا لا تبدو ظاهرة بروز المثقفين العراقيين في الخارج مصادفة، بل نتيجة طبيعية لبيئة داخلية طاردة للعقل النقدي. أما من بقي في الداخل محافظاً على استقلاله، فقد دفع ثمناً مضاعفاً من التهميش والتشويه وربما التهديد.

قبل 2003، عاش المثقف العراقي في ظل دولة شمولية لا ترى في الثقافة سوى أداة تعبئة أو تهديداً محتملاً. كان المطلوب منه أن يتحول إلى بوق أيديولوجي، يجمّل خطاب السلطة ويمنحها شرعية رمزية. من قبل بذلك، حصل على امتيازات محدودة ومراقَبة؛ ومن رفض، واجه السجن أو الإقصاء أو التهجير أو الموت.

لم يكن المنفى خياراً رومانسياً، بل ضرورة وجودية. آلاف الكتاب والأكاديميين والفنانين غادروا العراق، لا بحثاً عن رفاه، بل هرباً من آلة أمنية لا تتسامح مع الاختلاف. أما من بقي، فقد اضطر إلى ممارسة نوع من "الرقابة الذاتية"، يكتب ما لا يقول، ويقول ما لا يؤمن به، في محاولة للبقاء.

على الرغم من هذا المشهد القاتم، فإن الحديث عن موت الإبداع في العراق يظل حكماً جائراً. فالإبداع لا يموت بسهولة، لكنه قد يُدفع إلى الظل. وما نراه اليوم هو انتقال الثقافة من المركز إلى الهامش، ومن المنابر الرسمية إلى المساحات البديلة.

ثمة نصوص تُكتب ولا تُروّج، وأعمال فنية تُنجز بلا دعم، وأصوات شابة تحاول كسر القوالب الطائفية واللغات الجاهزة. هذا الإبداع لا يملك سلطة الانتشار، لكنه يملك صدق التجربة، وغالباً ما يشكل نواة تحولات لاحقة.

الطائفية لا تُعلن الحرب على الثقافة، لكنها تفرغها من معناها. فهي لا تحاصر الكتاب مباشرة، ولا تحرق الكتب علناً، لكنها تُعيد تشكيل الوعي الجمعي بطريقة تجعل السؤال الحر فعلاً مشبوهاً، والنقد خيانة، والاختلاف تهديداً للتماسك الموهوم.

في مناخ طائفي، يُطلب من المثقف أن يُعرّف نفسه أولاً من خلال انتمائه لا من خلال فكره، وأن يُحسب على "هذه الجماعة" أو "تلك"، لا على ضمير المجتمع. وهنا تفقد الثقافة وظيفتها الأساسية: تفكيك المسلمات، وفتح أفق التفكير، وكسر السائد.

بعد عام 2003، لم تكتف الأحزاب العراقية بإدارة السلطة السياسية، بل تمددت إلى المجال الثقافي والإعلامي، وحاولت إعادة إنتاجه على صورتها. فغدت المؤسسات الثقافية ودور النشر والمنابر الإعلامية وحتى الفعاليات الفنية، خاضعة لمنطق المحاصصة والولاء.

وفي ذات العام، حيث كنتُ مديراً عاماً لتلفزيون شبكة الإعلام العراقي، (التي سميناها "العراقية" لاحقاً)، أنبرى خطيب مسجد في بغداد ليعلن رأيه دون خوف أو مواربة، ويقول: "كيف يمكن لإعلامي ليس من دين الغالبية ويحمل الجنسية الكندية أن يكون رئيساً للتلفزيون العراقي".

ومن هنا، لم يعد الدعم الثقافي يُمنح على أساس الجودة أو الإضافة الفكرية، بل على أساس القرب من هذا الحزب أو ذاك. وتحول المثقف من ناقد للسلطة إلى موظف لديها، أو عدوّ يجب تحييده. وأمام هذا الواقع، وجد المثقف نفسه محاصراً بين خيارات كلها مُرَّة: إما الصمت والانكفاء، أو التكيّف والتنازل، أو العزلة داخل وطنه، أو "المنفى الداخلي"، أو الهجرة الجغرافية. وهذا ما يفسر بروز كثير من المثقفين العراقيين في الخارج أكثر مما يُسمح لهم بالبروز في الداخل.

رغم كل هذا، فإن القول بموت الثقافة أو أنعدام الإبداع سيكون حكماً متسرعاً. فالتاريخ يعلمنا أن الإبداع كثيراً ما يولد في أحلك الظروف، وأن أعظم الأعمال الفكرية والأدبية خرجت من رحم القمع والتهميش.

لكن الفارق أن الإبداع في هذه السياقات لا يكون احتفالياً أو مدعوماً، بل فعل مقاومة لا ترفاً، وشهادة أخلاقية لا وظيفة، وصوتاً فردياً في مواجهة جوقة عالية.

في العراق اليوم، ثمة كتاب وفنانون وشعراء: يكتبون خارج القوالب الطائفية، ويرفضون الاصطفاف، ويؤمنون بأن الثقافة موقف قبل أن تكون مهنة. غير أن أغلب هؤلاء يعملون في الهامش، بلا منصات، وبلا حماية، وبلا اعتراف رسمي.

إن نهضة الثقافة لا تُصنع بقرار حكومي ولا بمهرجان موسمي، إنها عملية تراكمية طويلة تبدأ حين يتحرر المثقف من الخوف، ويستعيد المجتمع احترامه للعقل والمعرفة، وتكف الدولة عن معاداة السؤال الحر، وتُنفصل الثقافة عن دكاكين السياسة. وهذا المسار غالباً ما يبدأ من قلة عنيدة، لا من أغلبية صاخبة.

الثقافة في العراق اليوم لا تعيش زمن النهضة، بل زمن الاختبار: اختبار الضمير، والاستقلال، والقدرة على الصمود. وفي مثل هذه الأزمنة، لا يُقاس المثقف بعدد الجوائز ولا بحجم الحضور الإعلامي، بل بقدرته على قول الحقيقة، ولو وحيداً . فهؤلاء وحدهم، لا سواهم، هم بذرة أي نهضة ثقافية قادمة، مهما تأخرت.   

نعم، يمكن للمثقف أن يُبدع في ظل الطائفية وتكالب الأحزاب، لكن ذلك الإبداع سيكون مكلفاً، هشاً، ومحاصراً. ومع ذلك، فإن كل نص حر، وكل موقف مستقل، وكل رفض للانخراط في القطيع، هو لبنة صغيرة في بناء مستقبل مختلف.

فالثقافة لا تنهزم حين تُقمع، بل حين تستسلم. والمثقف الحقيقي لا يُقاس بمدى قربه من السلطة، بل بمدى اقترابه من ضمير المجتمع، حتى لو بقي وحيداً.

خاتمة

قدر المثقف العراقي، حتى الآن، أن يعيش دائماً "ضد التيار": ضد الدكتاتورية بالأمس، وضد الطائفية اليوم. وبين هذا وذاك، ظل المنفى حاضراً بوصفه حلاً فردياً لمأزق جماعي. لكن المجتمعات لا تُنقذ بالهجرة، بل بإعادة الاعتبار للعقل والمعرفة. ويبقى السؤال مفتوحاً: هل يأتي يوم يصبح فيه العراق وطناً صالحاً لمثقفيه، لا طارداً لهم؟

***

جورج منصور

لا يصدر اي عمل أو فعل انساني من فراغ، إذ تقف خلفه دائماً نية، بوصفها قصداً موجهاً ومعنى سابقاً للفعل، غير أن هذه النية لا تتشكل في فراغ أخلاقي محايد، بل تصاغ داخل بنية ثقافية واجتماعية تحدد مساراتها وتمنحها مشروعيتها، فالنية وإن بدت فطرية في ظاهرها إلا أن في حقيقتها نتاج تفاعل مع منظومات التربية، والتعليم، والدين، والايديولوجيات، والسلطة، أي أنها بناء ثقافي بامتياز. ومن هنا لا يمكن النظر إلى النية الحسنة باعتبارها قيمة أخلاقية مطلقة، بل بوصفها مفهوما نسبياً تحدده الثقافة السائدة ومصالح القوى التي تنتجها.

فالثقافة لا تحمل بُعدا أخلاقيا صافيا، بل تتضمن الحسن والسيء، ووفقاً لمعاني النية ومقاصدها، فالنية قد ترتبط بالفطرة الحسنة بمعناها العام، لكن ثقافياً فهي أيديولوجيا تتحكم بالفرد وتسعى لتوجيه حياته نحو أمر ما. لذلك تجد بوردو يربطها بالطبقة المهيمنة أو الوعي الثقافي السائد، حيث يتجلى هذا الوعي الثقافي عن طريق المدرسة والمؤسسات متعددة المهام والمراجع الثقافية والاعلام، بوصفها الأمكنة التي تملك رأس المال الثقافي وتمول المجتمع بالمعارف والمهارات والنوايا، وفي مجتمعاتنا العربية غالبا ما تتولى السلطة سياسية أو دينية دور الممول الثقافي، فتحدد ما ينبغي عده حسناً أو قيماً، وما يجب رفضه أو تهميشه.

فالمعرفة والمهارات والنوايا التي تكسبها الأسرة عن طريق المدرسة والمؤسسات وتزود بها الأبناء على أنها نوايا ثقافية حسنة أو سمات تميز الذوق الرفيع أو السليم أو الاهتمامات الخاصة سواءاً كانت هذه الميزات ذات أبعاد مدنية ام دينية ام سياسة ام ثقافية ام اجتماعية فهي تظهر كنوايا حسنة وطبيعية غير أنها في الحقيقة نوع من أنواع السيطرة التي تمارسه السلطة بشكل ناعم عبر الاقناع والتطبيع، لا عن طريق القسر المباشر.

وقد تتعدد هذه النوايا منها ما تجده هذه الأيام من نوايا ثقافية حسنة تفرض عن طريق الرفض للفن والتشكيك في الجمال والمعارض الثقافية، او المحاكمة الثقافية التي تمارس من قبل بعض المتثاقفين وأصحاب الفكر الديني أو المدني للإرث الثقافي لمجتمعهم تتمثل في نقد حياة شخصيات أو جماعات وعدم التفريق بين ما يقدمونه من معارف وفنون وحياتهم الشخصية، اذ ان الموضوعية توجب علينا النظر لهم بوصفهم بشرا ولهم مشاعر وخطايا، وليسوا ملائكة. وتاريخ الفكر الإنساني حافل بفلاسفة ومفكرين وعلماء حملوا تناقضاتهم واخطائهم، ومع ذلك شكلت أفكارهم ركائز أساسية لتقدم مجتمعاتهم، إذ أن تجاهل هذا الجانب لا يعني حماية الأخلاق، بل تكريس للعنف الرمزي ضد الثقافة والاختلاف والذات الإنسانية.

فالسلطة تهمين وتمارس عنفها الرمزي عن طريقنا، وعن طريق الجمعيات والمؤسسات والجماعات اذا ان الأمر لا يقتصر على هذا الجانب، بل حتى تصل إلى أدق التفاصيل في حياتنا اليومية فحين تدفع الاجيال الجديدة إلى ميادين وتخصصات ومسارات علمية أو سياسية أو دينية بحجة المكانة الاجتماعية أو لكونها تنسجم مع متطلبات الرقي وقيم النجاح، ما هي إلا بُعد آخر من السيطرة والعنف الرمزي الذي يمارس بحق قدرات الأبناء والجيل الجديد.

إذن النوايا الثقافية الحسنة هي منظومة متكاملة من الميول والاستعدادات لتقبل فكرة وجود أمر ما على أنه طبيعي من سلوك وأدوار ونوايا. فالفساد والمحاصصة والمحسوبية والطائفية وضياع المال العام بجميع انواعه في الدولة وما تضمه من كيانات سياسية واجتماعية وثقافية ورياضية اصبح لدينا تقبل على أنه شيء طبيعي حتى لو كانت تخدم طبقة معينة في مجتمعنا.

فالهيمنة غير المباشرة والخفية التي تمارسها الطبقة المهيمنة أو السلطة عبر فرض ثقافتها وقيمها وسلوكياتها على باقي الطبقات تجعلهم يتقبلونها كأمر طبيعي أو كفشل شخصي بدلاً من رؤيتها كأداة للقوة والسيطرة.

وعن طريق هذه النوايا يتم إعادة إنتاج النظام الاجتماعي لا عبر القمع المباشر، بل عن طريق مكافأة الامتثال تكريم الفشل الوظيفي، ودعم التملق، واسناد القرار إلى من يفتقر للكفاءة والضعيف، حيث يُعاد تعريف الفشل على انه اختيار فردي أو نقص شخصي، بدلاً من كشفه لكونه نظاماً طبقياً غير عادل.

لذا فإن أخطر أشكال الهيمنة ليست تلك التي تمارس بالقوة، بل التي تمارس باسم النية الحسنة والأخلاق والدين، حينها تتحول الثقافة إلى أداة طيعة لإدامة السيطرة، ويغدو الأفراد شركاء في إخضاع أنفسهم دون وعي.

فالنوايا الثقافية الحسنة ليست مجرد صفات فردية أو مجتمعية، بل هي ممارسات واذواق يكتسبها الأفراد وتكافأ اجتماعيا، لكنها في جوهرها أداة لترسيخ النظام الطبقي وهيمنة السلطة و الامتيازات غير المتساوية عبر آليات ثقافية خفية.

***

كاظم لفتة جبر

 

أزمة مزدوجة في قلب المنظومة الأكاديمية

في بلد يمتلك من الإرث العلمي ما يؤهله للريادة، ومن الكفاءات البحثية ما يبعث على الفخر، لا يزال البحث والنشر العلمي في العراق يعانيان من تهميش مزدوج: داخلي يتمثل في ضعف البنية المؤسسية والثقافة البحثية، وخارجي يتمثل في محدودية الحضور في المنصات والمؤتمرات العالمية. هذه المفارقة ليست قدرا، بل نتيجة تراكمات تاريخية من الاهمال وانعدام التمويل والفساد الإداري، جعلت من إصلاح منظومة البحث والنشر ضرورة وطنية واستراتيجية، لا مجرد مطلب أكاديمي.

المهمة الغائبة وسط ضجيج النشر

من المؤسف أن يختزل النشاط البحثي إلى إنتاج أوراق تستخدم لاجل الترقية أو التصنيف، دون أن ترتبط بمشكلات المجتمع أو تسهم في التنمية. هذا التصور المشوه لا يعكس جوهر المهمة الأكاديمية، ولا طموح الباحثين الحقيقيين الذين يواصلون العمل رغم غياب الحوافز وضعف الدعم وتحديات التمويل. البحث العلمي هو فعل معرفي أصيل، والنشر هو امتداده الطبيعي، لا غايته الوحيدة.

قلة من الباحثين العراقيين يسعون إلى النشر في المجلات العالمية، لا لأجل الترقية فحسب، بل مدفوعين بوازع يتجاوز الاستحقاق الوظيفي، ونحو حل مشاكل الوطن، وإحداث الأثر، وإثراء المشهد العلمي. إلا أن واقع الحال يشير إلى أن نتاجاتهم البحثية تعد غالبا مجرد بيانات كمية في سياق المنافسة على التصنيفات، بدلا من تقديرها كطروحات فكرية تعالج القضايا الوطنية العراقية.

إعادة توجيه البحث نحو التنمية

تحويل البحث والنشر إلى سباق عددي يفرغ العملية من معناها. المطلوب هو إعادة توجيه الجهد العلمي نحو خدمة المجتمع، عبر تشجيع المشاريع التي تعالج مشكلات محلية، وتنتج معرفة قابلة للتطبيق، وتسهم في التنمية الوطنية. العراق يواجه تحديات مركبة في الطاقة والمياه والتعليم والصحة والبطالة والبيئة، وكلها تحتاج إلى أبحاث تنشر وتناقش وتترجم إلى سياسات.

يجب أن تعيد الجامعات النظر في سياسات التقييم الأكاديمي، بحيث لا تكافئ الباحث على عدد الأوراق فقط، بل على أثرها، وارتباطها بالمجتمع، وقابليتها للتطبيق. ويجب أن تربط مكافآت النشر بالنتائج، لا بالأرقام، وأن تمنح الأولوية للأبحاث التي تسهم في بناء اقتصاد المعرفة وتحسين جودة الحياة وتعزيز السيادة العلمية للعراق.

المشكلة في عدم تحقيق هذه الاهداف تكمن في غياب الديمقراطية وحرية الفكر، حيث تدار السياسات التعليمية والعلمية ضمن منظومة مغلقة لا تسمح بالنقد او المشاركة المجتمعية، وفيها تقصى الكفاءات، وتهمش العقول المستقلة، ويحاصر التفكير الحر، وكما تذكر نور عبيد في المرصد الجامعي للحقوق تُدار الجامعات العربية: "بمنطق لبيك يا زعيم، حيث تصعد الجداجد إلى المنابر، والفارغون إلى مواقع القرار. تتحول الوظيفة إلى "حصة"، والدرجة العلمية إلى "غنيمة"، والبحث العلمي إلى إعلان ولاء. يُطرد المبدع لأنه يرفض الركوع، ويُهمّش الفاعل لأنه يزعج الصمت المطيع".

هكذا تتحول الجامعة من مصنع وعي إلى ثكنة للحرس القديم، من فضاء عقل إلى مكتب خدمات سياسي، ومن بيت للبحث إلى بقرة حلّابة تُوزع مقادير حليبها على الحاشية العلّامة بضروب الفساد.

البحث والنشر كمسار مزدوج وطني وعالمي

ينبغي أن ينظر إلى البحث والنشر العلمي لا كمجرد نشاط أكاديمي معزول، بل كمسار مزدوج متكامل يحمل بعدين متلازمين: بعد وطني وبعد عالمي. فالمسار الوطني يعنى بتعزيز الهوية المعرفية والثقافية، ويسهم في معالجة التحديات المحلية، ويكرس البحث كأداة لبناء المجتمع وخدمة قضاياه التنموية والاجتماعية. إنه مسار يعيد للجامعة دورها كمحرك للتغيير ومصدر للحلول، ويرسخ العلاقة بين المعرفة والواقع.

أما المسار العالمي، فهو الذي يربط الباحث العراقي بالشبكات العلمية الدولية، ويعزز حضوره في فضاء إنتاج المعرفة العالمي، ويسهم في نقل التجارب والخبرات وتبادل الرؤى والانخراط في الحوارات الكبرى التي تشكل مستقبل العلوم والمجتمعات. هذا المسار لا يعني الذوبان في الآخر، بل المشاركة الفاعلة من موقع الندية والتميز.

كلا المسارين ليسا متعارضين، بل متكاملان ومترابطان، ويجب أن يحظيا معا بالدعم المؤسسي والتربوي والتقني. فبدون بيئة حاضنة تقدر البحث ذي القيمة المجتمعية، وتشجع في الوقت ذاته على النشر الرصين في المنصات العالمية، سنظل أسرى منطق الاستهلاك الإحصائي الذي يفرغ البحث من مضمونه، ويحولّه إلى أرقام بلا أثر. المطلوب هو إعادة تعريف النجاح البحثي ليشمل الأثر المحلي والاعتراف الدولي معا، في إطار رؤية وطنية واعية ومفتوحة على العالم.

إصلاح المجلات الوطنية

تصدر الجامعات العراقية عشرات المجلات العلمية، لكن معظمها خارج التصنيفات الدولية وتعاني من ضعف التحكيم وتكرار المحتوى والتأخير في المراجعة والنشر وغياب الاستمرارية. المطلوب هو رفع معايير التحكيم واعتماد النشر المفتوح وتدريب المحررين وربط المجلات بمراكز القرار الحكومي لضمان التمويل والاستقرار. يمكن إطلاق "البرنامج الوطني لتأهيل المجلات العراقية"، بهدف تصنيف 50 مجلة خلال خمس سنوات، وتوجيه المجلات العلمية نحو التخصص الدقيق في مجالات تمثل نقاط قوة وتميز للجامعة، مع تعزيز انفتاحها على النشر المشترك مع باحثين فاعلين من خارج العراق، وذلك ضمن عدد محدود ومدروس من المجلات التي تعكس فيها الهوية البحثية للمؤسسة وتسهم في رفع مستوى التأثير العلمي والتعاون الدولي.

تمكين الباحث العراقي

يعاني الباحث العراقي من تحديات بنيوية ومعرفية تعيق قدرته على تنفيذ أبحاث رصينة ونشرها في المنصات العالمية المعتبرة. من أبرز هذه التحديات ضعف التمويل المخصص للبحث العلمي، مما يحد من إمكانية إجراء دراسات ميدانية أو تجريبية ذات جودة عالية. كما أن غياب التدريب المنهجي على مهارات البحث وأساليب الكتابة الأكاديمية وآليات النشر الدولي، يسهم في اتساع الفجوة بين الباحث العراقي ونظرائه في العالم.

يضاف إلى ذلك ارتفاع رسوم النشر في العديد من المجلات المفهرسة، والتي تطلب أجورا باهظة من الباحثين، في ظل غياب سياسات دعم واضحة من المؤسسات الأكاديمية والتي يتوجب على الجامعات تثبيط النشر فيها وبدلها يتم دعم النشر في المجلات المجانية الرصينة، التي تتيح النشر دون مقابل، وتعد خيارا مهما للباحثين في البيئات محدودة الموارد.

ولتمكين الباحث العراقي، لا يكفي تقديم حلول جزئية، بل المطلوب هو بناء منظومة دعم متكاملة تشمل تخصيص صناديق تمويل بحثي ونشري، وتوفير خدمات تحرير أكاديمي احترافية تساعد الباحث في تحسين جودة كتابته وتوافقها مع المعايير الدولية، وتنظيم ورش تدريبية مستمرة في منهجيات البحث والنشر، تستهدف مختلف مراحل المسار الأكاديمي.

كما ينبغي بناء شراكات دولية استراتيجية مع جامعات ومراكز بحثية عالمية، تتيح فرص التعاون والنشر المشترك، وتسهم في نقل المعرفة وتبادل الخبرات. ويجب أن تصمم هذه المبادرات ضمن رؤية وطنية واضحة، تدرك أن تمكين الباحث ليس ترفا، بل ضرورة لبناء مجتمع معرفي قادر على الإسهام في حل مشكلات العراق، وتعزيز حضوره في صناعة المعرفة العالمية.

تعزيز النشر باللغة العربية

في الوقت الذي يشجع فيه النشر باللغة الإنجليزية لأغراض الترقية الأكاديمية، يلاحظ تهميش متزايد للنشر باللغة العربية، حتى في التخصصات التي ترتبط مباشرة بالواقع الثقافي والاجتماعي، كالفلسفة والتربية والعلوم الإنسانية والاجتماعية والتاريخية. هذا التوجه يضعف قدرة البحث العلمي على خدمة المجتمع ويقصي جمهورا واسعا من الباحثين والطلبة عن الاستفادة من المعرفة المنتجة. من هنا، تبرز الحاجة إلى إعادة الاعتبار للنشر بالعربية من خلال تقديم حوافز أكاديمية واضحة، واحتسابه ضمن متطلبات الترقية، خاصة في التخصصات ذات الطابع المحلي. كما يتطلب الأمر دعم المجلات المحكمة التي تنشر بالعربية، وتوفير منصات رقمية مفتوحة الوصول، وتنظيم جوائز وطنية سنوية لأفضل الأبحاث المنشورة بالعربية، وتطوير أدوات تقنية متخصصة لتدقيق اللغة العلمية، تراعي الخصوصية الاصطلاحية لكل تخصص. وفي هذا السياق، يقترح تأسيس "منصة البحث والنشر العلمي العراقي" كمبادرة استراتيجية لتجميع الأبحاث المحكمة المنشورة داخل العراق، وإتاحتها مجانا للباحثين والطلبة، وربطها بالمكتبات الجامعية ومراكز التوثيق، وتخصيص قسم خاص للأبحاث المنشورة بالعربية، مدعوم بأدوات لغوية وتقنية، بما يسهم في تعزيز ثقافة القراءة والبحث، واستعادة الهوية العلمية الوطنية.

النزاهة العلمية حجر الزاوية في الاصلاح

في قلب اي اصلاح حقيقي لمنظومة البحث والنشر العلمي، تبرز النزاهة العلمية كحجر الزاوية الذي لا يمكن تجاوزه او الالتفاف عليه. فالنزاهة ليست مجرد التزام اخلاقي، بل هي شرط وجودي للثقة، ولانتاج معرفة صالحة ونافعة. في السياق العراقي، تتفاقم مظاهر الخلل الاخلاقي في البحث العلمي بشكل مقلق، حيث باتت ممارسات مثل الانتحال والاقتباس غير الموثق وشراء الاوراق الجاهزة ظواهر شبه مألوفة في بعض الاوساط الاكاديمية، لا سيما في ظل غياب الرقابة الفاعلة وتراخي المعايير وضغط الترقية والنشر الكمي. لقد تحول البحث في كثير من الحالات الى سلعة تباع وتشترى، تنتج في مكاتب تجارية او تستورد من منصات الكترونية، دون اي ارتباط حقيقي بالباحث او بالمشكلة العلمية المطروحة. هذا الانحدار لا يهدد فقط جودة الانتاج العلمي، بل يقوض ثقة المجتمع بالجامعة، ويفرغ البحث من رسالته التنموية والمعرفية.

ولمواجهة هذا التحدي البنيوي، لا بد من تبني اصلاحات جذرية تبدأ باصدار مدونة وطنية لاخلاقيات البحث والنشر، تحدد فيها المعايير الاخلاقية والسلوكية للباحثين، وتعتمد رسميا في الجامعات والمؤسسات البحثية. كما ينبغي تأسيس وحدات تحقيق مستقلة داخل الجامعات، تعنى بمتابعة الشكاوى، والتحقيق في حالات الانتحال او الغش، وتصدر توصياتها بشفافية وعدالة. ومن الضروري ايضا توفير ادوات تقنية متقدمة لكشف الانتحال، وتدريب الكوادر الاكاديمية على استخدامها، وربط تمويل المجلات والمؤتمرات العلمية بالتزامها الصارم بفحص النزاهة وتطبيق معايير التحكيم العلمي. وفي هذا الاطار، يقترح تأسيس "الهيئة العراقية للنزاهة العلمية" كجهاز وطني مستقل، يعنى بوضع السياسات، ومراقبة الالتزام، وتقديم الدعم الفني والتدريبي، بما يسهم في استعادة الثقة بالمنظومة البحثية، ويعيد الاعتبار للباحث النزيه ويحصن الجامعة من التلاعب والتزييف.

التربية على البحث والنشر

لا يمكن ان يطلب من الطالب العراقي ان ينشر بحثا علميا وهو لم يتعلم بعد كيف يكتب بطريقة اكاديمية، او كيف يحكم الاعمال العلمية، او كيف يوثق المصادر بشكل منهجي. فالنشر ليس مجرد اجراء شكلي، بل هو ثمرة لتكوين معرفي ومهاري متكامل. لذلك، يجب ادماج مهارات البحث والكتابة الاكاديمية في مناهج الدراسات العليا بشكل منهجي، وانشاء مختبرات بحثية تحاكي تجربة النشر الحقيقي، وتشجيع النشر المشترك بين مجموعات من الطلبة، وتوفير مرشدين اكاديميين متخصصين يتابعون الطلبة خطوة بخطوة. هذه الاجراءات ستسهم في بناء جيل جديد من الباحثين القادرين على الانتاج الرصين، والمتمكنين من ادوات البحث، والواعين باخلاقياته، مما يعيد الاعتبار للجامعة كمؤسسة علمية منتجة لا مجرد جهة مانحة للشهادات.

ربط البحث بالسياسات العامة

لا تزال نتائج الابحاث بعيدة عن دوائر صنع القرار، رغم الحاجة الماسة الى سياسات مبنية على الادلة. المطلوب هو الزام الوزارات بالرجوع الى الابحاث المنشورة، وانشاء قواعد بيانات تربط نتائج الابحاث بالمشكلات التنموية، وتنظيم حوارات دورية بين الباحثين وصناع القرار. وفي هذا السياق اقترح تاسيس "وحدات ترجمة البحث الى سياسة" داخل الجامعات سيكون خطوة لتحويل المعرفة الى ممارسة.

التكامل الوطني والاقليمي

تفتقر الجامعات العراقية الى منظومة وطنية موحدة للبحث والنشر العلمي، مما يؤدي الى تكرار الجهود، وتضارب المعايير، وتشتت الانتاج البحثي بين مؤسسات لا تتواصل فيما بينها بشكل فعال. ولتجاوز هذا التحدي، تبرز الحاجة الى انشاء بوابة وطنية رقمية تربط المجلات والباحثين، وتوحد معايير التحكيم والنشر، وتشجع التعاون البحثي بين الجامعات العراقية. كما ان الانفتاح على التعاون العربي والاقليمي يعد ضرورة استراتيجية، سواء عبر مشاريع بحثية مشتركة، او تبادل الخبرات، او ربط المنصات الوطنية بشبكات عربية اوسع، بما يسهم في تعزيز جودة البحث، وتكامل المعرفة، ورفع مكانة العراق العلمية في محيطه العربي.

من البحث الى الاثر

ان اصلاح منظومة البحث والنشر العلمي في العراق ليس ترفا فكريا، بل هو استثمار في السيادة المعرفية، وبناء لاقتصاد قائم على الابتكار، واستعادة لدور العراق التاريخي في انتاج المعرفة. فكل مشروع بحثي ينفذ بنزاهة، وكل ورقة تنشر باحتراف، وكل فكرة توثق وتناقش، هي لبنة في بناء عراق علمي، حر، ومؤثر في محيطه والعالم.

إن تجاوز الأزمة يتطلب إرادة سياسية وأكاديمية جادة، تعيد الاعتبار للعلم كأداة للتنمية لا كوسيلة للولاء. الإصلاح يبدأ من بناء بيئة جامعية تحترم الكفاءة وتكافئ الإبداع، وتربط البحث العلمي بحاجات المجتمع لا بمصالح النخبة الحاكمة. عندها فقط يمكن أن يتحول البحث إلى قوة إنتاجية تسهم في معالجة أزمات العراق، وتفتح الطريق أمام نهضة معرفية تعيد للجامعة دورها الريادي في بناء المستقبل.

***

ا.  د. محمد الربيعي

بروفسور متمرس ومستشار تربوي - جامعة دبلن

يبدو أن جدل العلاقة بين العقل والنص، قد ذهب في مسارات تشتت الفكرة وتعوق رؤية الهدف. وأبرزها هو المسار الذي يصور الجدل كدعوة للتخلي عن النص، بل هجر الدين كلياً، واعتماد العلم المحض في توجيه الحياة.

شهدت أوروبا دعوة كهذه في أوائل عصر النهضة، وانتهت باقتناع غالبية الأوروبيين، بأن العلم الحديث قادر على حل مشكلات العالم، ولذا لم تعد ثمة حاجة للدين أو وظيفة منتجة خارج دور العبادة.

أما في العالم العربي، فالأمر على عكس المثال الأوروبي. فالدعوات لإعادة الاعتبار للعقل والعلم، لا سيما دورهما في التشريع، يستهدف معظمها إحياء الروح الأصيلة للدين، ويشارك فيها إصلاحيون يسعون لنهضة المجتمع، ويرون أن قراءة جديدة للدين، تحترم العلم والعقل، أقرب إلى روحه وأكثر تعبيراً عن جوهره، من المنهج المتوارث في مدارس العلوم الشرعية، وهي أقرب استجابة لحاجات البشر في هذا الزمان.

من ضعف الرأي أن أتخيل أنا أو غيري، بأن كل نقاش حول مكانة العقل ودوره في التشريع، يستهدف إقصاء الدين أو النص أو الاستغناء عنهما. الواقع أن للدين دوراً في حياة البشر وأن للعلم دوراً آخر. وهما – من هذا المنظور – يشغلان مجالين مختلفين. لكنهما بمقتضى هذه الوظيفة، يتداخلان في بعض الأدوار والنطاقات، بل أستطيع القول إنهما يعملان بالتناوب في النطاق نفسه أحياناً. ومن ذلك على سبيل المثال أن العلم يتدخل في تفسير تعاليم الدين وقيمه، ومن خلال هذا التفسير يشخص موضوعاته ويحدد تطبيقاته. كما أن الدين يتدخل في تحديد أخلاقيات البحث العلمي، وقد يحجب تطبيقاته التي تعارض بشكل مباشر، ما يريد إقامته أو صونه من مصالح للإنسان والطبيعة. إن الجدل القائم حالياً حول الجوانب الأخلاقية في أبحاث الهندسة الجينية، مثال على هذا.

يمكن للدين أن يلعب دوراً واسعاً وفعالاً، في توجيه الأخلاقيات والأعراف الناظمة لحياة البشر، إذا استوعب التنوع الواسع جداً لهذه الحياة. الجدل القائم اليوم حول دور الدين، ناتج – كما أعتقد – من الفجوة الواسعة بين «زمن» التعاليم الدينية وزمن العلم. تنتمي الشريحة الأعظم من تلك التعاليم، إلى أزمنة بعيدة في عمق التاريخ. ويأبى القائمون على التعليم والتشريع، النظر في عامل الزمن بوصفه متغيراً يؤثر جوهرياً في موضوع الحكم ومفهومه، رغم أنهم يفاخرون بقبولهم لدخالة الزمان والمكان في تعيين الأحكام. نعلم أن هذه أمنية وليست التزاماً، لأنهم في نهاية المطاف سيرجعون إلى قول فقيه قديم أو رواية قديمة، قيلت في سياق مختلف، لتخدم ظرفاً قائماً، يختلف - بالضرورة - عن ظرف اليوم الذي سيتغير غداً أو بعد غد.

واقع الأمر أن هناك من يرفض الدين من حيث المبدأ. كما أن هناك من يرفض العلم من حيث المبدأ. رغم أنك لن تجد من يقول صراحة إنه يرفض الدين لأنه يدعو للخوف من الخالق، أو للتورع عن ظلم الناس أو تدمير البيئة الطبيعية. كما لن تجد من يقول صراحة إنه يرفض العلم، لأنه يفتح للبشر طريق القوة والثروة والصحة والتقدم.

في اعتقادي أن الرافضين لدور العلم/العقل في التشريع، يخشون من دوره الأوسع في الحياة الدينية.

بيان ذلك أن هؤلاء عدّوا العلم عامل تفكيك للقيم المستقرة، لأنه يفتح الأذهان ويثير الأسئلة ويعزز الشكوك. وهم يرون أن الدين منهج استمرار على إرث الآباء والأجداد، فهم يعرّفون أنفسهم بأهل «اتباع» لا أهل «ابتداع». والمقصود كما هو واضح التمييز بين الاستمرارية على الموروث أو تطوير مناهج جديدة، فكأن الدين خزانة الآباء أو متحف القدماء.

أرى أنه لا يمكن فهم الدين واستثمار طاقته الإيجابية العظيمة، من دون العلم الذي يفتح آفاق الحياة ويكشف أسرارها. الحياة من دون العلم جامدة توشك أن تموت. طريق العلم يبدأ بالشك والسؤال، وهذا هو السبب في المعضلة التي نجادل فيها اليوم.

***

د. توفيق السيف – كاتب وباحث سعودي

 

إن القطيعة والتواصل لم تعد فرضية تفترض أو إشكالية تطرح فحسب، وإنما أصبحت تمثل توجها نظريا وبحثيا يستقطب اهتمام الدارسين للمجتمع القبلي أو المعاصر على حد السواء خصوصا في ظل التحولات الاجتماعية المعاصرة المحلية والدولية سواء تعلق الأمر بالتغير الاجتماعي أو التحديث أو بمسألة الهوية الثقافية أو الخصوصية الثقافية، خاصة في ظل زحف العولمة وعولمة الثقافة. وهي إشكاليات أو مسائل أعادت النظر وحتمت مراجعة المفاهيم نفسها لمحاولة فهم البناء الاجتماعي بأكثر تعمق أو تخصص خاصة في ظل استمرار الصراعات الإثنية والعرقية والطائفية والقبلية التي لم تهدأ ولم تنحصر في الزمان والمكان، بل أصبح الإعلان عن انتهائها بداية لنشاطها. هذه النزعات التي  تمتلك القدرة على الفعل والانفعال في تأثيرها على مجريات الأحداث الداخلية والخارجية، وهي مسألة جديرة بكل اهتمام سوسيولوجي يتخلص من كل الأفكار المسبقة والمؤدلجة، لأن خطوط التقسيمات الطائفية والدينية والآثنية والقبلية تلتقي مع التمايزات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية مما يجعل الاهتمام بهذا الموضوع المتعلق بالبحث في خفايا ومظاهر هذه النزعات شديد الارتباط بالتأثيرات الثقافية (السياسية، الدينية...) لذلك فإن طرح المسألة من وجهة النظر العلمية له من المشروعية في الطرح والاهتمام بحثا عن تمثيل حقيقي للواقع وتعبيرا عنه استنادا إلى  الموضوعية (objectivité) أو ما يسميه ماكس فيبر بـ"الحياد القيمي".

ومن هذا المنطلق يمكن القول أنّ البحث السوسيولوجي لا يفصل مع التاريخ على اعتبار أن الظاهرة الاجتماعية هي تاريخية بالضرورة وليكون قادرا على تفسير الحاضر وتقديم الأجوبة العميقة للإشكاليات الراهنة، ومن ذلك استشراف المستقبل كان من المفيد الرجوع للمنهج التحليلي التاريخي.ويمكن الإشارة في هذا السياق إلى أنواع التعصب في المجتمع العربي للتدليل على أهمية ظاهرة العصبية (دينية أو قبلية أو أثنية...).2299 table

يظهر من خلال هذا الجدول أن العصبيات تحرك بنية المجتمع العربي وهي المدخل الأهم لفهم التوترات والصراعات والتناحرات والتحالفات، وكلما تفجرت الطائفية والمذهبية والقبلية إلا وظهر التفتت والتجزؤ والانقسام في المجتمع الشامل وغلبت النزعات الذاتية والأهواء وغاب الفعل العقلاني والسلوك المدني.

تطفو هذه الهويات على السطح خصوصا في فترة الأزمات سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية.

 ويتخذ هذا الصراع طابعا سياسيا من أجل الهوية والفوز بالثروة في شكل خفي لا يظهر فيه العنف في الظروف العادية وأحيانا تحدث الانفجارات الاجتماعية بسبب انحسار الأفق أمام هذه الهويات الخاصة.

إن القطيعة والتواصل كمدخل منهجي مزدوج يعرفنا على عناصر الانقطاع والتغير من جهة وعناصر التواصل والاستمرار من جهة ثانية لكن كيف يمكن تحديد ما انقطع وما تواصل في بنية المجتمع المعقدة؟ ما هي المؤشرات المحددة لذلك؟ خاصة إذا علمنا أن المؤشرات الخارجية (indices externes) لا تدل بالضرورة على التبدل أو التغير ومن ذلك الانقطاع، هذه الجدلية لا تقبل التكميم وإنما هي مسالة معقدة تتنزل في سياق معرفي يحاول التنسيق بين الفهم والتفسير لإنتاج الدلالة السوسيولوجية التي تستند للتاريخ والمعيش، فما يبدو من التاريخ ـ أو يعد ذكره تاريخا - (حسب ما يعتبره البعض) قد يظهر أمامنا في الحاضر وحتى في المستقبل في إطار عملية  إعادة إنتاج (reproduction) فالعلاقات التقليدية والتكتلات العائلية والنزعات القبلية... كلها لا تزال تتعايش وتتكيف مع كثير من المتغيرات العميقة التي عرفها المجتمع، فهي مستمرة في ظل عمليات "التحديث" و"التنمية" بعد انتصاب الدولة الحديثة، وهي رغبة في الحفاظ على التقاليد المتجذرة في المجتمع، وهي رغبة خفية أيضا ومشحونة بذهنية تغلب الانتماء الضيق، ومن هنا فان تبدل الإنسان لا يتم إلا بتغيير قيمه وثقافته، بما أن هذه الأخيرة هي الموجهة لسلوكه والحافظة لإرادته.

إن الحديث عن القطيعة وحده لا يكفي رغم حدوثها في صلب المجتمع لأن التغير المادي لا يصاحبه بالضرورة التغير الذهني والثقافي، فالتحضر لا يعني انقطاع أو انتهاء البنى التقليدية وظاهرة ترييف المدن خير دليل على استمرار وتواصل التكتلات والنزاعات بين الأحياء استنادا للانتماءات الجهوية والعروشية والقبلية لذلك يمكن القول بأن المجتمع هو في كل الأحوال في ديناميكية مستمرة بين القديم والجديد . وهذه خاصية النظام الاجتماعي،وهي نتيجة لعناصر التواصل وعناصر التغيير، وهذه المقولة تختزل المضمون المنهجي للقطيعة والتواصل.

***

د. محمد الهادي حاجي - تونس

 

إعادة تعريف الخيانة في الشرط الإنساني الراهن

في خضم التحولات الجذرية التي تعصف بالوعي البشري المعاصر، لم يعد مفهوم "الخيانة" قابلاً للاختزال في سياقاته التقليدية الضيقة، سواء تلك المتعلقة بنقض العهود الاجتماعية أو الانحرافات الأخلاقية المعيارية. إن سبر أغوار الشرط الإنساني الراهن، بعيداً عن السرديات الدينية أو اللاهوتية، يستدعي تفكيكاً وإعادة بناء جذرية لهذا المفهوم ليلامس جوهر الكينونة؛ تلك اللحظة الفارقة التي يتنكر فيها الكائن البشري لبنيته البيولوجية، وللشروط الفيزيائية التي تحكم انتظامه ضمن نسيج الكون، وللإمكانات العصبية والإدراكية التي تميز نوعه.

إنها خيانة لا تُقترف ضد "آخر"، بل ضد "الذات" في مستواها الوجودي (الأنطولوجي) الأعمق، وضد "الحياة" كصيرورة ديناميكية تتطلب التوتر الخلاق للبقاء بعيداً عن سكون الموت. ننطلق هنا من فرضية مفادها أن الإنسان المعاصر، عبر انغماسه في بيئات مصطنعة تتسم بـ "الفوضى الخلاقة" و"سعة الخيارات" و"الترهل"، يمارس تدميراً ممنهج لأسس وجوده. إن التردد في مقاربة هذه الحقائق، أو الخوف من مواجهة هذا العطب التكويني في الحضارة الحديثة، هو بحد ذاته خيانة لوجود ذات الباحث، حيث يتحول الصمت المعرفي إلى تواطؤ مع آليات الفناء.

الفيزياء الحيوية للوجود.. مقاومة العدم

لفهم "الخيانة الوجودية" كظاهرة كونية قبل أن تكون إنسانية، يتحتم علينا الانطلاق من القوانين الأساسية التي تحكم المادة والطاقة. فالإنسان، والمجتمع الذي يشكله، ليس سوى تجلٍّ معقد لأنظمة فيزيائية تخضع لصرامة القانون الثاني للديناميكا الحرارية. هذا القانون، الذي ينص على أن "الإنتروبيا" (ميل النظام نحو العشوائية والاضطراب) في أي نظام مغلق تميل دائماً إلى الزيادة، يشكل الخلفية التي يمكننا من خلالها فهم الوجود ليس كحالة ثابتة، بل كمقاومة مستمرة لجاذبية العدم.

قدم الفيزيائي والكيميائي الحائز على جائزة نوبل، إيليا بريغوجين، إطاراً ثورياً لفهم الأنظمة الحية من خلال نظريته حول "الهياكل المبددة للطاقة". وفقاً لهذا الطرح، فإن الكائنات الحية والمجتمعات البشرية هي أنظمة مفتوحة تعمل "بعيداً عن التوازن". إن البقاء على قيد الحياة، والحفاظ على التعقيد الحضاري والبيولوجي، يتطلب تدفقاً مستمراً من الطاقة والمادة والمعلومات من البيئة المحيطة، ومن ثم طرد العشوائية (الإنتروبيا) الناتجة عن العمليات الحيوية إلى الخارج.

تتجسد "الخيانة الوجودية" فيزيائياً في اللحظة التي يتوقف فيها النظام عن العمل كهيكل مبدد فعال. عندما يستسلم الكائن لما يمكن تسميته بـ "الترهل الديناميكي"، فإنه يكف عن استهلاك الطاقة اللازمة للحفاظ على تنظيمه الداخلي، ويبدأ في الانجراف نحو "التوازن الحراري". وفي لغة الفيزياء، التوازن الحراري هو مرادف للموت؛ حيث تتساوى درجات الحرارة، وتتوقف الحركة، وتتلاشى الفوارق. إذن، فإن الراحة المطلقة التي يسعى إليها الإنسان الحديث تحت شعارات الرفاهية هي، في جوهرها الفيزيائي، سعي حثيث نحو الموت الحراري، وخيانة للشرط الأساسي للحياة الذي يقتضي العمل الدائم ضد تيار الفناء.

من الديناميكا الحرارية إلى الاجتماع.. ميكانيكا التفكك

تنتقل مفاهيم الفيزياء الإحصائية بسلاسة لتفسير الظواهر السوسيولوجية عبر "نظرية الإنتروبيا الاجتماعية" التي طورها باحثون مثل كينيث بيلي. وفقاً لهذه النظرية، فإن المجتمع حالة غير طبيعية من النظام تتطلب جهداً مستمراً لصيانتها. وعليه، فإن "الترهل الاجتماعي" هو الحالة الافتراضية التي يؤول إليها المجتمع إذا تُرك لنفسه دون تدخلات تنظيمية واعية. وتتجلى "خيانة الوجود الاجتماعي" في المظاهر التالية:

تآكل المعنى: عندما تفقد الرموز الاجتماعية (اللغة، الفن، الثقافة) دقتها، وتتحول إلى ضجيج، يزداد مستوى العشوائية. المجتمعات التي تستهلك "التفاهة الإعلامية" تمارس خيانة لذاكرتها ولمستقبلها، إذ تستبدل المعلومات المنظمة ببيانات عشوائية لا تبني وعياً.

فقدان التمايز الوظيفي: تعتمد الأنظمة المعقدة على التخصص، بينما يعيد الترهل المجتمع إلى حالة من التجانس البدائي حيث يفقد الأفراد أدوارهم المميزة ويذوبون في كتلة جماهيرية غير متمايزة. هذا يسهل ظهور الأنظمة الشمولية التي تملأ الفراغ الناجم عن الفوضى بوعود زائفة عن النظام، مما يعد خدعة تسرع من عملية الانهيار بدلاً من علاجها.

العزلة والتذرّر: إن زيادة الإنتروبيا تعني تفكك الروابط بين جزيئات النظام. اجتماعياً، يعني هذا تحول المجتمع إلى أفراد مبعثرين فاقدين للقدرة على العمل الجماعي، وهو ما يمثل خيانة للطبيعة الاجتماعية للإنسان.

خيانة الطبيعة والاغتراب الجيني

إذا كانت الفيزياء تضع الإطار العام لقوانين الوجود، فإن البيولوجيا التطورية تقدم التشخيص الدقيق للمأزق البشري. إن "خيانة الوجود" هنا تأخذ بعداً مادياً ملموساً يتمثل في التنكر للتاريخ التطوري الطويل الذي صاغ أجسادنا وعقولنا، مما ينتج عنه ما يُعرف بـ "عدم التطابق التطوري"

خيانة الحركة: الجسد المصمم لقطع عشرات الكيلومترات يومياً يُجبر الآن على الجلوس خلف المكاتب لساعات طويلة. هذا ليس مجرد تغيير في العادات، بل هو إرسال إشارات كاذبة للخلايا تؤدي إلى اضطراب التمثيل الغذائي والأمراض المزمنة.

خيانة النظام الهرموني: يمثل التعرض للإضاءة الصناعية وتجاهل دورات الليل والنهار خيانة لهرمونات تنظيم الإيقاع الحيوي (مثل الميلاتونين)، مما يؤدي إلى اضطرابات النوم والاكتئاب.

فخ المحفزات الفائقة: أحد أخطر أشكال الخيانة الوجودية يتمثل في الاستسلام لما أسماه عالم سلوك الحيوان نيكولاس تينبرجن بـ "المحفزات الفائقة". لقد قام الإنسان الحديث بهندسة بيئته لتمتلئ بمحفزات صناعية تفوق الواقع (كالوجبات السريعة المهندسة لتجاوز حد الشبع، أو المواد الإباحية التي تستبدل الشريك الواقعي)، مما يؤدي إلى "اختطاف" دوائر المكافأة في الدماغ، وتوجيه الطاقة الحيوية نحو أهداف زائفة تدمر الكائن بدلاً من خدمتهز.

البالوعة السلوكية ومصير المدن

في واحدة من أكثر التجارب العلمية إثارة للجدل، قدم عالم السلوك جون كالهون نموذجاً تجريبياً لمصير المجتمعات التي تتوفر فيها كل سبل الرفاهية وتغيب فيها التحديات، فيما عُرف بتجربة "الكون 25". قام كالهون ببناء بيئة مثالية للفئران (غذاء وفير، لا أمراض، لا مفترسات). النتائج كانت مرآة قاتمة لواقع المدن الحديثة:

ظهور "الجميلون": برزت فئة من الذكور انسحبوا تماماً من المنافسة الاجتماعية والتكاثر. كان اهتمامهم الوحيد الأكل والنوم وتنظيف فرائهم، فبدوا بصحة مظهرية رائعة لكنهم ميتون اجتماعياً ووجودياً. يرى المراقبون تشابهاً مذهلاً بين هؤلاء وبين ظواهر حديثة مثل "الهيكيكوموري" (الانسحاب الاجتماعي) في اليابان، والانغماس النرجسي في ثقافة الصورة والمظهر الخارجي مع خواء داخلي تامز

التفتت والعنف العبثي: في ظل ما أسماه كالهون "البالوعة السلوكية"، انهارت الأعراف الاجتماعية؛ تخلت الأمهات عن صغارهن، وانتشر العنف العشوائي. تشير الدراسات إلى أن الاكتظاظ مع غياب الخصوصية والهدف في المدن الحديثة يعيد إنتاج ظروف هذه البالوعة، مما يجعل تراجع معدلات الخصوبة في المجتمعات المرفهة نوعاً من الاستجابة البيولوجية لبيئة لم تعد توفر الأمان الوجودي.

ويمكن ربط ذلك بما طرحه عالم الأنثروبولوجيا جوزيف تينتر حول "انهيار المجتمعات المعقدة"، حيث يجادل بأن المجتمعات تزيد من تعقيدها لحل المشاكل، حتى تصل إلى نقطة "تتناقص فيها العوائد الحدية". هنا، يصبح الحفاظ على الوضع القائم مكلفاً جداً، ويغدو "الانهيار" استراتيجية اقتصادية عقلانية للتخلص من عبء التعقيد الذي لا يطاق.

 عبء الحرية وشلل الإرادة

تعتبر "سعة الخيارات" إحدى سمات الحداثة، لكن العلم يكشف عن وجهها المظلم؛ فهي تتحول إلى عبء عصبي يؤدي إلى شلل الإرادة.

تصاعد التوقعات والندم: مع كثرة الخيارات، يرتفع سقف التوقعات نحو "الكمال". أي نقص في الخيار المُتخذ يولد ندماً مضاعفاً، مما يخلق حالة من "التعاسة المزمنة".

إرهاق القرار: في عالم يضطر فيه الفرد لاتخاذ مئات القرارات اليومية، يستنفد مخزونه من الإرادة. عندما يحين وقت القرارات الوجودية الكبرى، يكون الدماغ في حالة إنهاك، فيلجأ إلى "الوضع التلقائي" ومسار المقاومة الأقل. هنا تحدث الخيانة: ليس لأن الفرد "سيء"، بل لأنه مستنزف عصبياً.

نحو "بطولة اليأس"

بعد هذا الطواف العلمي، نعود لتأصيل المفهوم فلسفياً. إن "خيانة الوجود" ليست مجرد عطب بيولوجي، بل هي موقف وجودي يتخذه الإنسان تجاه عبثية العالم. في عالم تحكمه الصدفة التطورية، يواجه الإنسان فراغاً لا يبالي بوجوده. إن الخروج من دائرة الخيانة هذه لا يكون بالعودة المستحيلة إلى الماضي، ولا بالاستسلام للترهل الذي هو انتحار بطيء. الحل يكمن فيما يمكن تسميته "التكيف الواعي مع الفوضى" وامتلاك "شجاعة اليأس". هذا يعني الاعتراف بأننا كائنات "غير متطابقة" مع عالمنا، وأن صناعة المعنى هي فعل مقاوم للإنتروبيا. المعنى لا يُكتشف جاهزاً، بل يُبنى عبر الانخراط في "أنظمة مبددة" فعالة كالإبداع والفن والعلم. إن الوفاء للوجود هو الجهد المستمر والشاق للسباحة عكس تيار العدم، حتى وإن كان هذا التيار حتمياً في النهاية.

***

غالب المسعودي

......................

المراجع (للاستزادة والتوثيق)

Prigogine, Ilya, and Isabelle Stengers. Order Out of Chaos: Man's New Dialogue with Nature. Verso Books, 1984. (المرجع الأساسي لنظرية الهياكل المبددة والفوضى الخلاقة).

علم السلوك والاجتماع (تجربة الكون 25):

Calhoun, John B. "Death Squared: The Explosive Growth and Demise of a Mouse Population." Proceedings of the Royal Society of Medicine, vol. 66, no. 1 Pt 2, 1973, pp. 80-88.

Tainter, Joseph A. The Collapse of Complex Societies. Cambridge University Press, 1988. (المرجع الخاص بتناقص العوائد الحدية).

Schwartz, Barry. The Paradox of Choice: Why More Is Less. Ecco, 2004. (المرجع الخاص بعبء الخيارات وشلل الإرادة).

Gluckman, Peter, and Mark Hanson. Mismatch: Why Our World No Longer Fits Our Bodies. Oxford University Press, 2006. (حول نظرية عدم التطابق التطوري).

منذ بداية القرن الواحد والعشرين شاعت ظاهرة استبدال الورق بالشاشات الرقمية، وغطت الكتابة الالكترونية على الكتاب المطبوع، وتولى الإعلام الرقمي توجيه ثقافة الجيل الجديد من مستخدمي التطبيقات الذكية وبرامج الحاسوب. ففي عصر التكنلوجيا لم يعد الانسان يكتفي بالتعامل مع النص المقدّس على انه كلمات إلهية تقف قراءتها عند حدود العبادة وطلب الاستشفاء واستنزال الرزق، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فقد فرضت ظروف حياة العصر الجديدة مستجدات تتعلق بانسانية الإنسان، وبهويته، وبقدراته. فقد تمكنت تكنلوجيا المعلومات ومشاريع الذكاء الإصطناعي من التفوق على قدرات الانسان في حفظ المعلومات والأرقام والبيانات والأحداث، بل فاق الأمر تلك الميكانيكية البشرية بظهور تطبيقات ذكية آلية رقمية قادرة على جمع المعلومات وربطها ببعضها وتشكيل قوالب جديدة منحت الآلة صفة الذكاء. الأمر الذي انعكس سلباً على معنويات الانسان وهو يستخدم هذه التكنلوجيا بوفرة معلوماتها، وسرعة الوصول اليها وسرعة الحصول عليها، ودقة النتائج، وسلامة التكوين اللغوي للنص الالكتروني المعدّ بشكل كامل من قبل الآلة الذكية، مما دفع بكثيرين الى إحالة جهودهم الى التقاعد بالاعتماد على هذه التقنية الذكية التي يتوقع لها الخبراء مستقبلاً ان تتجاوز إنسانية الإنسان وانها ستزجّ به في مشاريع الإندماج بالآلة بواسطة تقنية النانو الذكية التي يمكن حقنها في دم الإنسان.

يميل العقل المعاصر الى النتائج المختبرية اكثر من قبوله بالتأويلات الفلسفية والتحليلات المنطقية، فنرى انصراف بعضهم الى الرقم والعدد في القرآن الكريم، فجاءت بحوث في دلالات الرقم ثمانية مثلاً. واحصاءات عن عدد الآيات وكم مرة ذكر لفظ "الحق" مثلاً، وهكذا. برغم التزاحم الكبير للأرقام والحسابات والمعادلات الرياضية في حياة الانسان المعاصر، تظل نفسه توّاقة محتاجة للروحانية بحكم تكوينه الفطري (المادة والروح) فيجد في قراءة القرآن الكريم جانباً من احتياجاته الروحية، لكن ينبغي ان نشير الى ان عدم إشباع الحاجة الى الطاقة الروحية من شأنه ان يعرّض منظومة الانسان الى اهتزاز يتسبب في عدم توازن شخصيته في جوانبها النفسية والأخلاقية والسلوكية والعقلية، ومفتاح إعادة توازنها يكمن في اللغة، فهي الضامن الوحيد لتفعيل البعد الروحي بعمق في حياة الانسان الى جانب بعده المادي الذي يتحرك به في حياته اليومية. وما استطيع قوله واثقاً ان ثلاثية القرآن واللغة والخاتمية هي مفتاح استقرار واستمرار الانسان في مرحلتي الوحي والوعي باتجاه يتوازن فيه طلب العلم وطلب العبادة كما أوصى نبي الرحمة في قوله (اطلبوا العلم طلباً لا يضر بالعبادة، واطلبوا العبادة طلباً لا يضر بالعلم).

ابتعاد الانسان عن لغة القرآن بسبب انبهاره بالمنجز العلمي التقني الذكي منذ بدايات القرن الحالي، وبذله الجهد الأكبر لمعرفة استخدام هذه التقنية وتطبيقاتها المتنوعة. أدّى الى هيمنة الثقافة الشعبية على لغة تفكير الجيل الجديد المتصل بالشبكة على مدار 24 ساعة يومياً، بحيث اصبح القرآن الكريم كتاباً مباركاً لا يخلو بيت او مكان عمل من وجود نسخة منه، واقتصر مكان قراءته على المساجد والمزارات الدينية وانحصر وقت القراءة في أوقات الصلاة والمناسبات الدينية والاجتماعية (مجالس الفاتحة). يرجع ذلك في اعتقادي الى الأسئلة الجديدة التي يطرحها الجيل الجديد على الدين فيما يتعلق بقضاياه المستجدة، ولأنه لم يتلق إجابات مقنعة تناسب لغة العصر واداوته، ظهرت حالات من ضعف الارتباط بالنص المقدّس، وحالات انحراف وتطرف. أما بعض المثقفين الذين امكنهم ربط التفوق العلمي في مجال الخلق ورؤية الكون، بالدين فقد جمعوا بين الإقرار بالعلم والخشوع لله، أدّى جمعهم هذا الى صياغة مهذبة لنفوسهم بعثت فيهم روح البحث عن قوالب جديدة للثقافة العربية تحفظها من التدجين والتهجين، وعلى الرغم من هذه الجهود الكبيرة، تبقى المساحة الأكبر من حصة الثقافة الشعبية التي تفتقر الى روح اللغة الفصيحة وبلاغتها وبيانها، الأمر الذي نتج عنه ثقافة نخبوية وثقافة شعبية، وهو حال لا يفضي الى انتاج مجتمع جديد يدخل عصر الآلات الذكية حاملاً القرآن في يده، وفي قلبه يحمل روح كلماته التامات، مدركاً ولو في حدود بسيطة حيوية النص المقدّس وحضور الله في كل التفاصيل (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها الا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة الا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس الا في كتاب مبين) الانعام – 59

ما لا يمكننا تجاوزه، ان عصر التقنية الرقمية المتطورة قد فرض السرعة في كل شيء، حتى في قراءة النص، فظهر جيل يميل الى قراءة ملخص كتاب، على قراءة الكتاب نفسه. ويفضل قراءة سطور معدودة على قراءة مقال أو بحث كامل. ويفضل ان يقرأ منشوراً مرفقاً معه صورة فوتوغرافية على ان يقرأ النص مجرداً. ويفضل ان يشاهد مقطع فديو على ان يقرأ نصّاً، لذا ظهرت المقاطع القصيرة المصورة، وشاعت الى الحدّ الذي تدخلت فيه بتشكيل ثقافة المتلقي عبر محتوياتها أياً كانت تلك المحتويات هادفة او هابطة. فظهرت القراءة المجتزأة وهي قراءة تضر كثيراً بفهم النص وسياقه العام الذي يستوجب التدبر والتفكير وهما – التدبر والتفكير - صفتان يفتقر اليهما المشهد الحياتي لكثير من الناس، لذا شعروا بوجود صعوبة في تفاعلهم مع القرآن الكريم، فأكتفى بعضهم بتقديسه، وانصرف نفر آخر الى تدريسه كعلم من العلوم. من شأن هذا الحال ان يقلل من الحدود الرحبة التي يتحرك بها النص المقدّس في مجالات الحياة العقلية والنفسية والاجتماعية والعلمية و... القراءة المجتزأة مع ضعف حضور روح اللغة بالإضافة الى هيمنة الشاشة على ثقافة المتلقي، تسبب ذلك كله في في ظهور القراءة الفردية والفهم الفردي، هنا يواجه المجتمع تنوعاً كبيراً ومساحات كثيرة لاحتمالات عديدة تتعلق بفهم النص المقدّس. في السابق كان حلّ هكذا مشكلة يتأتى من خلال طرح الأسئلة والمضي بالبحث عن إجابات وعرض تعددها وتنوعها على التفكير والتأمل للوصول الى نتائج منطقية عملية، أما اليوم فيتدخل الذكاء الاصطناعي في ابداء رأيه الرقمي من واقع قاعدة بياناته الواسعة التي تتيح له تكوين صورة رأي مقبولة لدى كثير من المستخدمين، حتى صرنا نسمع عبارة : هذا ما قاله الذكاء الاصطناعي. سألت الذكاء الاصطناعي فقال لي.

في خضم هذا الحديث نحن بحاجة الى تطبيق معرفي معاصر يقدم فيه علماء اللغة وعلماء التفسير بحوثاً ميسرة تقدم نتائج عملية وطاقة كبيرة تستطيع ان تحرك ثقافة العربي المسلم باتجاه وعي حاضره في ظل القرآن الكريم الذي انفرد بربط قيمة وجود الانسان بقدرته على التعلم واكتساب المعرفة وبقدرته على الابداع، فقد علمه الله سبحانه وتعالى الأسماء كلها، كما في سياق الآية الكريمة (وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال انبئوني بأسماء هؤلاء ان كنتم صادقين) سورة البقرة - 31، فجاء إقرار الملائكة بآدم إقراراً قائماً على العلم الذي أصبحت سبل اكتسابه في ظل التكنلوجيا المعاصرة ممكناً اكثر من أي وقت مضى، فإذا ربط الإنسان المعاصر تواصله مع المجتمع والعالم بثنائية الانسان والابداع، تغلب على تفوق الآلة الذكية بعمق وعيه، واللغة العربية تتيح إمكانية الوصول الى الوعي العميق عبر بلاغة النص المقدّس. 

لم يعد تعدد تفاسير القرآن يكفينا في عصر السرعة، ولم يعد يقلقنا ضعف قدرة الربط بين مضمون آية في سورة بآية أخرى في سورة أخرى، فقد وظف الذكاء الاصطناعي تقنيات تقوم بتحويل الكلمات الى ناقلات رياضية تمكن المستخدم من إظهار المعاني غير المرئية في النص المقدّس، أي إظهار معنى السياق العام للآية. فضلاً عن خدمات أخرى يقدمها الذكاء الاصطناعي منها " معالجة اللغات الطبيعية" حيت يتمكن من تحديد المعنى الأدق لكلمة تحتمل عدة معاني واختيار ما يتناسب منها مع سياق النص الذي وردت فيه. توفر التكنلوجيا عشرات التفاسير وتجعلها متاحة لمستخدميها في ثوان قليلة من الزمن، هذا الحال يجعل من المتلقي البسيط أمام تيه معرفي بسبب كثرة المعلومات وتنوع وتعدد التفاسير، مما يفقده القدرة على تكوين تصوّر واضح لحاجته من الآية فيكتفي مثلاً بحفظ سورة الفلق لأنها تبعد عنه الحسد، ويحفظ سورة الواقعة لأنها تجلب له الرزق، وقد يغيب عنه فهم معاني ما ورد من كلمات في الآية او السورة، وقد سجل أحد البرامج الإعلامية ذلك حين سأل مقدم البرنامج عدداً من الشباب: هل تحفظ سورة الإخلاص. الجواب : نعم. هل تعرف معنى " الصمد" الجواب : كلا.

التقنية الذكية ليست مجرد وسيلة رقمية متطورة، انها تتدخل في طريقة تفكير المتلقي وتحيله من مبدع الى متلقي محدود بأطر تقنية لا روح فيها إلا من حيث الصياغة الكلامية التي يفهم منها ان هناك محاولة بحث فيما هو جديد، وقد لا يكون كذلك في حقيقته. لا ننكر ان التقنية الذكية حفزت المتلقي على تجاوز الخوف من التفاعل مع النص المقدّس الى جرأة البحث والاستكشاف، لكن ينبغي ان لا نتجاوز أيضاً ان ذلك كله يحدث ضمن إطار بيانات التطبيق الذكي، وهذه البيانات أعدّت بلغة إنكليزية أهلها يحملون بشكل او بآخر عقائد معينة مرتبطة من قريب او بعيد بفكرة الإيمان، لذا علينا ان نستفيد من المزايا التقنية الذكية في مشاريعنا الثقافية المعاصرة في رحاب القرآن الكريم واللغة العربية، فهذا يكفل لنا إقامة صناعة وعي نكون قادرين بها على انتاج معنى جديد للحياة، لا يغادر سياق ومعنى الآية (فلنحيينه حياة طيبة) سورة النحل /97، كما يحفز فينا تفعيل روح الإنسانية وقدرة الإبداع، وان الإيمان ليس غيبياً بقدر ما هو منطقي وحاجة ضرورية، وهذا يتناسب مع منهج العقل العلمي المعاصر.

***

د. عدي عدنان البلداوي

 

الاشكالية في اعتقاد البعض ان ممارسة العمل السياسي او الاداري هو تكليف شرعي، ينبع من جذر فكري ميتافيزيقي للسلوك السياسي ما بعد عام 2003.

تكمن هذه المفارقة في ان الاعتقاد بالتكليف الشرعي يستلزم حضور اليقين في اداء الرسالة السماوية مقابل الممكن السياسي الذي قد يتطلب استخدام كل الوسائل المتاحة (دنيوية على الاعم الاغلب) من اجل انجاز هذا المهمة. حيث تتلازم ثنائية حضور اليقين بوجود خطر دائم يكمن في الفضاء العلماني، ويكفي تصور هذا الخطر مع عدم ضرورة وجوده فعلا من اجل بناء سياسات صراع متخيلة. ويستمد هذا التصور جذره الميتافزيقي من الاعتقاد باستحالة اجتماع الكفر والايمان (الشرع والعلمنة) في فضاء سياسي واداري على صعيد واحد.

والعقلية الشرعية في انخراطها بمسار عملية سياسية تدار في فضاء علماني تتطلب نهجا اقل ما يوصف به انه براغماتي. ومن ناحية اخرى بكونها تكتسب صفة (شرعية) فيتحتم على ذلك، انه لا يمكن تسليم الرسالة الى غير المكلف بها شرعا كواجب مقدس اي (ما ننطيها). بمعنى ان الثبات في العمل والدوام على متابعة الهدف حتى تحقيقه يتطلب ان تتماهى فيه الشرعية أي (الحق الالهي) مع الحزبية (الجوهر الايديولوجي) مع الشخصنة (الكفاءة الفردية). لذا لا يمكن تشخيص مسارات هذه العقلية في مساراتها المختلفة في اي قرار يتم اتخاذه في طريق اداء الرسالة وتحقيق الهدف (التكليف الشرعي) دون ملاحظة الثلاثية الكامنة خلفها. فقرارات هذه العقلية تتخفى خلف حصانة ذاتية لا ترى الخطأ في القرار السياسي في فضاء علماني الا بكونه عارض بسبب الشيطان الذي يمكن التحايل عليه بالعنوان الثانوي او الثالثي او غيره.

اي ان هذه المفارقة تؤدي بالعقلية الشرعية في فضاء سياسي علماني الجذر والنسق الى اعتماد "صناعة الحقيقة" بديلا عن امتلاكها، وهذا يتطلب نهجها "براغماتيا مشوها" يستند الى النجاح المؤقت ولو على حساب الخسائر الاستراتيجية بتطويع الوقائع او خسائر اخلاقية من خلال استدعاء التفسير التاريخي المأزق المعاصر. في هذه الاشكالية يختلط وعي الحقيقة مع العلم بالحقيقة كسردية تاريخية تحظى بالمقبولية في الذاكرة الجمعية الشعبية (حيث يتم القاء ضوء على الحاضر من خلال الاهتمام بالماضي، واستدعاء وهم التاريخ الرومانسي، اي الوصول الى الماضي انطلاقا من الحاضر) اي الأحياء للماضي بتصوير ازمنة اسطورية، وعصور البطولة والمظلومية، فيتم تحديد النقطة الزمنية في العصر الحديث، كوعيا تاريخيا لحقيقة مستعادة من اجل تحيينها في الحاضر.

غياب هذه التمييز واتخاذ تحيين الحقيقة التاريخية (شكل برنامج او مشروع ايديولوجي، يصطدم في اغلب الاوقات بثقل الماضي الاشد عتمة وفي الحاضر الاشد تعقيدا)، مما يؤدي الى أزمات حياتية ومعيشية يدفعهم الى التحقيب الاسطوري بتفضيل ازمان محددة، تتعلق بتواريخ ثورات او حروب وتحولات النظام السياسي، مما يثقل الذهنية والهوية الوطنية بسبب عدم الاتفاق على، او غياب الماضي المعروف والمعترف به من الجميع. فاعتمد الذاكرة الماضوية لتفسير الوقائع الحادثة في محاولة للاستحواذ على الذاكرة الجمعية العراقية الحديثة يولد تنافرا شديدا بين ماضي غير متفق عليه وواقع خطير وشديد التعقيد. وعلى الرغم ان السياسي المستند الى الشرعية الدينية يتسلح بالبراغماتية الا انها أي (البراغماتية) لم تحد من صلته مع التراث. بل ان الإسلام السياسي بنى نهجه السياسي في تجربته المريرة التي تميزت بطابع الصراع وخاصة مع الحداثة، مستندا الى فلسفة سياسية في قراءة الواقع تقوم باستحضار مقولات مأثورة من النصوص المقدسة مستعينا بارتفاع منسوب التعلق بالذاكرة الماضوية للجماعة المثقلة بهموم الهوية الملية.

لكل ذلك يتميز الفعل السياسي للعقلية الشرعية في فضاء علماني بالتباس الغاية الرسالية مستعينا بأدوات حداثوية (تحاول ان تكون كفؤة اكثر منها فاعلة) في الثبات على الهدف والاستمرار في العمل عبر تكييف الفضاء السياسي وفقا لثلاثية (الحق الإلهي، الجوهر الأيديولوجي، والكفاءة الشخصية). لذا لا يمكن ان تستقيم الامور بتشابك المسارات المتناقضة لاستراتيجيات تستند الى التكليف الشرعي والديمومة في العمل لتحقيق الهدف في فضاء علماني.

***

د. سليم جوهر

 

في الازمنة التي يعلو فيها صوت الجماعة حتى يخنق صوت الفرد يصبح الاختلاف جريمة غير مكتوبة، ويغدو التفكير الحر فعلا مريبا. يستدعي العقاب المعنوي قبل اي شيء اخر. هناك، حيث تقدس الطاعة ويكافأ التماثل، يولد القطيع بوصفه نظاما لا يرى في الإنسان سوى رقم، ولا يعترف بالذات الا بقدر ما تذوب في الجمع. في مثل هذه البيئات، لا يكون المختلف خارجا عن السرب فحسب، بل شاهدا خطيرا على زيفه، وكائنا يهدد استقرار الوهم اكثر مما يهدد اي نظام سياسي او اجتماعي معلن.

من هنا يبدا سؤال الاختلاف لا كترف فكري، بل كمعركة وجودية بين انسان يطلب حقيقته، وجماعة تخشى ان تنكشف امام مرآتها. ان تكون مختلفا ليس ترفا فكريا، بل قدرا وجوديا يلقى على كاهل من اختار ان يرى بعينين مفتوحتين. في بيئة القطيع، لا يدان المختلف لانه مخطئ، بل لانه يقوض الطمانينة الزائفة التي يستمدها الجمع من التشابه. فالتكرار يمنحهم شعورا بالامان، والامتثال يعفيهم من عناء السؤال، اما الاختلاف فهو مرآة قاسية تكشف فراغ اليقين وهشاشة المسلمات.

المختلف لا يواجه الناس وحدهم، بل يواجه الخوف بوصفه اداة ضبط جماعي. خوف مصنع بعناية، يزرع في النفس كي لا تجرا على الخروج من الصف، كي لا تسمع صوتك الحقيقي وانت تفكر خارج الاطار المرسوم. كل خطوة نحو الذات الحرة تربك النظام، لان هذا النظام لا يقوم على الحقيقة بل على العادة، ولا يحتمي بالقوة بل بعدد المطيعين له.

الفكرة الجديدة لا تخيف لانها خاطئة، بل لانها ممكنة. والامكانية هي العدو الاول لكل بنية راكدة.

حين يفكر المختلف بصوت مرتفع، يفضح ان ما بدا قدرا لم يكن سوى اختيارا مؤجلا، وان ما سمي ثوابت لم يكن الا خواء اتفق الجميع على عدم الاقتراب منه.

لذلك يعامل المختلف كخطر، لا لانه يهدم، بل لانه يكشف ان ما يدافع عنه القطيع لم يكن صلبا يوما.

لا تخش ان تكون الشرارة. فالزيف لا يحترق الا حين يلامس نورا صادقا. والخوف الذي يلقى في طريقك ليس الا صدى خوفهم هم، من ان يواجهوا انفسهم بلا اقنعة، وان يعترفوا بانهم احتموا بالجماعة هربا من مسؤولية ان يكونوا ذواتا كاملة. كن مختلفا، لا بدافع العناد، بل بدافع الوفاء للحقيقة التي ادركتها

لم يكن الاختلاف عبر التاريخ موقفا عابرا، بل كان دائما فعلا مقلقا للسلطات والجماعات، لذلك دفع الفلاسفة ثمنا باهظا لجراتهم على التفكير خارج القطيع.

ديوجين الكلبي اختار ان يعري الزيف الاجتماعي لا بالخطابة بل بالحياة نفسها، فكان وجوده صدمة دائمة لمن احتموا بالاعراف. بسخريته القاسية كشف ان القيم التي يدافع عنها الجمع ليست حقائق راسخة بل اقنعة هشة.

اما سقراط، فقد مارس الاختلاف بوصفه سؤالا لا يهدأ، فحوكم لانه ذكر المدينة بجهلها، وكان موته دليلا على ان الجماعة حين تخاف الاسئلة تفضل قتل من يطرحها على مواجهة ذاتها.

نيتشه ذهب ابعد، ففضح اخلاق القطيع نفسها، معتبرا ان ما يسمى قيما عامة ليس سوى نتاج خوف جماعي من الاستثناء، وان الكثرة لا تصنع الحقيقة بل تحاصرها

 وفي مستوى اخر، كشف سبينوزا ان الخوف هو الالة الاكثر فعالية في ضبط الجماهير، وان الانسان كلما خاف اكثر تخلى عن عقله طواعية، وهو ما يفسر عداء الجماعة لكل تفكير حر يهدد بنيتها النفسية قبل السياسية. وفي العصر الحديث، نبهت حنا ارندت الى ان اخطر اشكال الشر لا تصدر عن وحوش، بل عن بشر توقفوا عن التفكير وذابوا في منطق الامتثال، حيث يتحول القطيع الى اداة صماء تنتج العنف باسم النظام والطاعة.

ولم يكن الفكر العربي بمنأى عن هذه المعركة، فقد اشار مراد وهبة بوضوح الى ان تغييب العقل هو الشرط الاول لسيادة التطرف، وان المجتمعات التي تعادي الفلسفة انما تعادي امكان وعيها بذاتها. هكذا يظهر المختلف في تاريخ الفكر لا كمتمرد عابر، بل كضرورة وجودية، فبدونه يتكلس العقل، وتتحول الجماعة من فضاء انساني الى قطيع يخشى النور اكثر مما يخشى الظلام.

في النهاية، لا يقاس الانسان بمدى اندماجه في القطيع، بل بقدرته على مقاومة الذوبان فيه. فالسلام الذي يمنحه التشابه سلام هش، سرعان ما ينهار عند اول سؤال حقيقي. وحده المختلف يدفع ثمن الوعي، لكنه وحده ايضا يمتلك شرف المعنى.

 لا تنتظر تصفيقا من جماعة تخاف من صوتك، ولا اعترافا من نظام يقوم على اسكاتك. امض في اختلافك حتى النهاية، لان التاريخ لا يتذكر من ساروا في الصفوف، بل من كسروا المسار وفتحوا للانسان دروبا جديدة ليكون نفسه. والعالم لا يتغير بمن يشبهونه، بل بمن تجرؤوا على ان يكونوا انفسهم حين كان ذلك هو الخطر الاكبر.

***

ابتهال عبد الوهاب

حين تتحول الاستعارة إلى درجٍ خفي في مكتب الحياة، أو إلى ريشةٍ تكمّل جناح طائر، يغدو بالإمكان استدراج الحكمة من تخوم المستحيل، حيث تنمو ببطء، كما لو أنها تتعلم المشي في حضنه. فالإنسان في جوهره، لا يحتمل مواجهة الواقع عاريا.. إنه يفرّ منه حينا، ويؤوّله حينا آخر، ويستحييه غالبا، ثم لا يلتقط مآسيه إلا عند آخر حدود الرؤية.

الاستعارة ليست ترفا لغويا، بل نسقٌ من التأويل غير الفائض، يراعي هشاشتنا في الإصغاء، ويمنحنا مهلة لكتمان الحقيقة، وتذوّق الخديعة بجرعات محتملة. غير أنها رغم لطفها الظاهري، لا ترحم ضعفنا أمام الحقيقة المرة، أيًّا كان ثقل الألم الذي تحمله. فنحن نفهم الاستعارة غالبا كما لو أنها تقف ضد قناعاتنا، وضد إراداتنا، وضد محاولاتنا المتكررة لاختراع معنى للصمود في الحياة.

لكن الاستعارة في معناها العميق، ليست نقيضا للثبات، بل تفريغٌ لليقين الزائف، وتأسيسٌ لاكتمال الرؤية، وانعطافٌ واعٍ نحو الشك بوصفه أصلا للمعرفة. إنها ليست هروبا من الحقيقة، بل طريقة أخرى للاقتراب منها دون أن نسحق تحت وطأتها.

وحين قال ميلان كونديرا إن “الإمساك بجوهر الإنسان لا يتم إلا عبر الاستعارة، بواسطة الومضة الموحية”، كان يشير إلى تلك اللحظة التي يتصل فيها الإنسان بعالمه الخلفي، حيث يستعيد جوهره من الفشل، ويعيد تشكيل أحلامه انطلاقا من العدم. فهناك، في تلك المنطقة الهشة، تصبح الاستعارة قدرةً مشبعة بالصدى.. أن نصغي إلى أصواتنا الداخلية، دون أن نربك مصير انتمائنا للزمن، أو نخلخل علاقتنا بتداعياته، تلك التي كثيرا ما تتواطأ على تقويض أحلامنا نفسها.

2 ـ

لا نعادي كرة القدم.. لا ازدراءً لها ولا جفاءً للفرح الذي تعد به، فخفّة الروح قادرة على التقاط إيقاعات النصر وصوغها عبارات منسجمة مع البهجة. غير أننا نختار الابتعاد، لا نفورا بل اتقاءً لوجعٍ مألوف: وجع الاضطرار إلى تصريف خيبة غير متوقعة، وتحويلها إلى مراثٍ شعرية لا تزيد الألم إلا رسوخا.

إننا تدرك أن الهزيمة، حين تُستعاد عبر طقس التنفيس، لا تُشفى بل تُعاد كتابتها. لذلك نميل إلى ملء الفراغ بما هو يومي وبسيط، بشؤون البيت ونظامه، لا هربا من لحظة نهائية غير عادلة، بل حفاظا على توازنٍ داخلي لا تريد تعريضه لانفعالات لا طائل منها. فالوقت، وإن كان متسعا لمشاهدة مباراة حاسمة، يتسع أكثر للتأمل في جدوى المشاهدة ذاتها.

إننا نستعيد زخم اللحظة عبر أسئلة ذهنية هادئة: إلى أين يمضي هذا الفيض الصاخب من الاحتجاج على الهزيمة؟ وما معنى أن نروّع أنفسنا بما لا يمكن تبريره أو إصلاحه؟.

أسئلة لا تبحث عن إجابات جاهزة، بل تكشف عبث التعلّق بما يفلت من السيطرة.

لهذا نختار أن تتراجع خطوة عن انحياز القلب الوطني، لا خيانة له، بل إنقاذا للعقل من الاستنزاف. نعود إلى عزلتنا، لا باعتبارها انسحابا، بل بوصفها فضاءً للجدل الإيجابي، حيث يمكن استثمار الفكر والمعنى، وحيث يصبح الوجود قابلا لتأويلٍ أقل انفعالا وأكثر اتزانا.

ونبقى أوفياء لعبارة نردّدها كوصية صامتة: لندع الفراغات الموحشة لمن يتقن صناعة الأمل فيما لا يجدي. أما الحياة، فربما أجدر بنا أن نقبلها كما هي، عارية من الحقد والضغينة والاحتيال، بسيطة بما يكفي لأن تُعاش، وعميقة بما يكفي لأن تُفهم.

3 ـ

لا يحدث الانكسار إلا حين تدفعنا قوة خفية، لا نراها بقدر ما نشعر بثقلها، إلى أن نعيد امتلاك أنفسنا من بين الشظايا. ننكسر كي نلتقط جراحنا المشرعة على العراء، لا لنخفيها، بل لنفهم معناها. فالانكسار ليس سقوطا خالصا، بل وجعا مؤقتا، وانسحابا واعيا لتأجيل متاهات لم نعد قادرين على عبورها دفعة واحدة. وحين يتقاطع الألم مع التفكير، تتاح لنا فرصة نادرة لاسترجاع تلك الجذوة التي كادت تنطفئ.. حلمٌ كان هاربا نحو اللاجدوى، فيعود مترددا، ليمنح للوجود مبررا آخر للاستمرار.

4 ـ

تستبدّ بي، كلما تابعت انفعالات الجماهير وهي تلاحق أطوار منافسات كأس الأمم الإفريقية، حالةٌ من الحنين الهادئ، أقرب إلى ارتداد الذاكرة على ذاتها، حيث تمتزج صور الطفولة ببقايا الشباب، وتطلّ كرة القدم بوصفها أثرا وجوديا أكثر منها لعبة.

لم تكن آنذاك مجرد تسلية عابرة أو فرجة جماعية، بل كانت جزءا من نسيجنا النفسي والاجتماعي، عنصرا مكوِّناً لهويتنا الناشئة في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بكل ما حملته تلك المرحلة من هشاشة وصدق وبساطة، قبل أن تتحول اللعبة إلى صناعة مكتملة الأركان للمال والنجومية والتمثيل الرمزي للقوة.

كنا نلعب كرة القدم بأدوات لا تستوفي شروط اللعبة، لكنّها كانت تستوفي شروط الحلم. بالونات بلاستيكية منفوخة، أو جلد مهترئ محشو بما تيسر من مواد تالفة، وعلى أرضيات مجروحة بالحفر، مثقلة بالحجر والطوب، لا تعرف الاستواء ولا الرحمة. وما إن نغادر فضاء المدرسة، التي كانت تستهلك طاقاتنا الصغيرة وتستنزف صبرنا الغض، حتى نندفع بأجسادنا النحيلة نحو ما نسميه ملعبا، وهو في الحقيقة مساحة قاسية لا تصلح للجري ولا للاحتفال، ومع ذلك كانت قادرة على احتضان فرحنا الخام.

هناك، في تلك البقعة الترابية، كانت تتشكل علاقتنا الأولى بالعالم.. بالصراخ، بالجري، بالاحتكاك، وباللعب دون حساب للوقت أو الخسارة. كنت أتقمص كل الأدوار دفعة واحدة.. أهاجم حينا، أدافع حينا آخر، وأقف حارسا للمرمى أغلب الوقت، لا عن اختيار واعٍ، بل لأن الفريق كان يهيئني لذلك بحكم طول قامتي، وكأن الجسد نفسه كان يفرض قدَره الكروي قبل أن يفرض عليه الزمن أقداره الأخرى. كانت الحراسة، بالنسبة لي، موقعاً للمواجهة والصبر والعزلة المؤقتة، لا وظيفة تكتيكية فحسب.

هذه المشاهد لا تغادرني، بل تعود إليّ في هيئة حنين نوستالجي غريب، كلما لمحت ضوءا يشبه ضوء ذلك الزمن، أو سمعت صرخة أحد أطفالي منفعلا بمباراة ما. غير أن اللعبة اليوم لم تعد تثير فيّ الحماسة ذاتها، ولا تستنفر وجداني كما كانت تفعل. صارت فكرة أكثر منها تجربة، عرضا بصريا أكثر منها ممارسة روحية.

أحب كرة القدم، نعم، لكنّها لم تعد توقظ في داخلي ذلك الفرح البدئي، ولا تعيد إنتاج تلك العلاقة البريئة مع الخسارة والانتصار. بل إن خسارة فريقي المفضل، اليوم، لا تفتح فيّ سوى مسافة باردة بين ما كنتُه وما صرتُه، بين لعبة كانت تشبهنا، ولعبة صرنا غرباء عنها.

هكذا، تتحول كرة القدم في الذاكرة إلى استعارة كبرى عن الزمن نفسه.. عن طفولة لا تعود، وبساطة لا تُستعاد، وعالم كان أقل بهرجة، لكنه أكثر صدقاً. وفي هذا الاسترجاع، لا أبحث عن تمجيد الماضي بقدر ما أفتش عن تلك الشرارة الإنسانية الأولى، التي كانت تجعل من اللعب فعلاً للحياة، لا مجرد صناعة للفرجة والنتائج.

5 ـ

البياضات في النصّ… همسات بلا صوت، فراغات بلا حدود، تنبثق كأصداء داخل الصمت، لا يعرفها الكاتب، ولا يملكها القارئ. هي خطوط بين الظاهر والباطن، مسافات تُفلت من المنطق، تتحرك على هامش المعنى، تتسلل كظلال بين الحروف، فتفتح أبوابا لغيب لا يُرى.

في هذه المساحات، يصبح الغياب حضورا، وتتحول الإشارة إلى أيقونة. كما في السينما المشهدية، حيث الصورة تحكم المشهد، لكنها تخفي عن عينك قدراتها النصية، فتتوه بين الاستعارة والتوجس، بين المباشرة والسرّ، بين ما يُرى وما يختبئ في الظلال.

هنا، في قلب الفراغ، يولد المعنى، ليس على نحو قاطع أو محدد، بل كإشراقة تتناثر بين الكلمات، حيث يصبح الصمت خطابا، والغياب حضورا، والبياض دعوة، ليس فقط للقراءة، بل للمشي بين ضفاف النصّ، والتأمل في سحره الذي لا ينتهي، في رحلة دائمة بين السؤال والجواب، بين الرؤية والخيال، بين ما نعرف وما نغفل.

6 ـ

ما بين جناحين لا يعود للطيران معنى الحركة، بل معنى الانفصال المؤقت عن الاسم، إذ الفراشة لا تشق السماء.. إنها تُؤجِّل ثقلها كي تختبر خفة الكينونة، فتدخل الفضاء لا بوصفه علوًّا، بل باعتباره احتمالا للوجود حين يتحرر من علله.

السماء هنا مقامٌ مائيٌّ يتعلّم من الغيم كيف يكون الحضور بلا امتلاء، وكيف يصير النور فعلا بلا مركز، ينقضّ على الجاذبية لا ليهزمها، بل ليُذكِّرها بأنها ميلٌ قابل للتأويل، وأن السقوط ليس نقيض العروج، بل صورته غير المفهومة بعد.

الفراشة في عبورها، لا تعصي الأرض ولا تغادرها، بل تضعها بين قوسين، كما توضع الفكرة حين تُمحى حدودها لتُرى في أصلها، فالأرض من هذا الاتزان الدقيق بين جناحين تبدو أقل واقعية وأكثر صدقًا، كأنها حقل نعناع ميتافيزيقي، لا يُشمّ بالحواس بل بالطمأنينة، يمسح جبينه من بقايا أضواء تاهت لأنها لم تجد معنى تستقر فيه. وفي ذلك، يتصالح الحارّ والبارد لا كدرجتين حراريتين، بل كإشارتين على وحدة الضدّ، إذ الهواء يصبح فكرا معلّقا، والفكر نسيمًا لا يُمسك.

وليس ما يحدث رؤية بالمعنى البصري، بل انكشاف بلا صورة، نقطة صمتٍ تستعير فضاءها كي تقول دون لغة إن الوجود لا يبدأ من الأرض ولا من السماء، بل من تلك اللحظة التي ينسى فيها الكائن سبب وجوده، فيصير وجودا خالصا...

قصيدة لا تُكتب، لأن الكتابة سقوطٌ آخر، ولأن البداية الحقيقية ليست حركة ولا سكونًا، بل ارتجافة المعنى حين يعي أنه كان حاضرًا قبل أن يُسمّى.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

 

الحرية، والفردية، والتاريخ 

كتب: كريستوفر لينكيويتش

ترجمة: علي حمدان

***

إرادة القوة

يُشكّل مفهوم إرادة القوة جوهر "نظام" نيتشه الظاهري - إن صحّ التعبير وفقًا لمعظم المعايير. وبما أن إرادة القوة تُعدّ ركنًا أساسيًا في فلسفته، فإنها تُقدّم لنا نقطة انطلاق مُحتملة لدراسة علاقته بالسياسة والديمقراطية والآراء والمُثل الشعبية. فإرادة القوة، في جوهرها، ليست مجرد فضيلة سياسية أو اجتماعية، بل هي ضرورة بيولوجية ونفسية تُحدّد أو تُؤثّر في كل جانب من جوانب الواقع الإنساني:

ينبغي على علماء الفسيولوجيا التفكير مليًا قبل اعتبار غريزة البقاء على قيد الحياة الغريزة الأساسية للكائن الحي. فالكائن الحي يسعى قبل كل شيء إلى إطلاق طاقته - فالحياة نفسها هي إرادة قوة؛ أما البقاء على قيد الحياة فهو مجرد نتيجة غير مباشرة، بل هي الأكثر شيوعًا. (ما وراء الخير والشر، §13، ص 21).

يرى نيتشه أن إرادة القوة، في حين أنها أعمق تعبير عن حيوية جميع الكائنات الحية، فإن مهمة فهم الفيلسوف وتفسيره تستلزم مواجهة مباشرة وضرورية مع "تحيزاته" - أي ميوله وقيمه:

وقد اتضح لي تدريجيًا ماهية كل فلسفة عظيمة حتى الآن: ألا وهي اعتراف شخصي من مؤلفها، ونوع من السيرة الذاتية اللاإرادية واللاواعية؛ وأن النوايا الأخلاقية (أو اللاأخلاقية) في كل فلسفة تُشكل البذرة الحقيقية للحياة التي نبتت منها النبتة بأكملها. (ما وراء الخير والشر، §6، ص 13).

يرى نيتشه أن الأهمية القصوى لإرادة القوة تستلزم إعادة النظر جذرياً في منظور الفلاسفة. فإرادة القوة لديهم تحدد تحيزاتهم وقيمهم، بل وأحياناً أيديولوجياتهم بأكملها. تصبح الأيديولوجيا موضع شك جوهري في فلسفة نيتشه، ويُعزى ذلك على الأرجح إلى طبيعة إرادة القوة وبنيتها.

نيتشه والحكومة

لفهم علاقة نيتشه بالحكومة، وتحديدًا بالديمقراطية، نحتاج أولًا إلى فهمٍ أعمّ لمنهجه الفلسفي. ينصح نيتشه قرّاءه في عرضه بإنكار مشاعر الشفقة والقيم الديمقراطية كالمساواة، بل ويسخر منها مرارًا، رابطًا إياها بالتواضع. فهل هو إذًا من دعاة شكلٍ بديلٍ من أشكال الحكم (ربما وحشيًا أو استبداديًا)؟ يبدو أنه يترك هذا الاحتمال مفتوحًا للتأويل، لكنه يكتب بانتقادٍ لاذعٍ عن معاداة السامية في مواضع عديدة (انظر: إنساني، إنساني جدًا، الفقرة 475، ما وراء الخير والشر، الفقرة 251). عمومًا، لا يكتب نيتشه بتفاؤلٍ عن الحكومات بشكلٍ عام. (وقد خدم هو نفسه كمسعفٍ في الحرب الفرنسية البروسية بين عامي 1870 و1871).

إن هموم الحكومات تبدو تافهة ونفعية نسبيًا، مقارنةً بالسمو الروحي والمخاطر التي يواجهها الفنانون والكتاب والفلاسفة. هؤلاء هم من يُرجّح أن يستفيدوا من وصفات نيتشه الفلسفية، وعليهم تجنّب إضعاف إرادتهم للسلطة بمشاعرهم الدافئة تجاه عامة الناس. من الواضح أنه يرى نفسه مناصرًا للقيم الفردية، إذ يعتبر القدرة الإبداعية والفلسفية - وهي قيم تخدم إرادة القوة - تمثل نوعًا أسمى وأجدر وأهم من عامة الناس.

بدلاً من أن يُصوّر نفسه عدواً لدوداً للديمقراطية، يبقى احتمال أن يرى أهداف الديمقراطية مناقضةً لقيم الأرستقراطية. فحتى لو تعاطف المرء مع قضية الديمقراطية، فقد لا تُمثّل مصالحه الشخصية. تمثل الديمقراطية انحرافاً عن النبل والسمو اللذين اتسم بهما جمهور نيتشه المُختار. ليس هدف نيتشه إقامة العدل - كما يفعل السياسيون تحت مظلة الديمقراطية - بل ممارسة الحرية وإرادة القوة كما تتجلى في إرادة أسمى: الاستعداد لاستخدام المواهب والقدرات والفكر وقوة الإرادة لتحقيق الإنجاز الفردي.

هكذا تكلم زرادشت: حول الألواح القديمة والجديدة

 قد نفترض أن نيتشه كان لديه رؤية معقدة للديمقراطية، حتى يكون شديد النقد لها. لذا، قد يستفيد بحثنا من ربط نيتشه بالديمقراطية من خلال مفهومه عن الإنسان المتفوق (Übermensch). في كتابه "هكذا تكلم زرادشت"، في الفصل "حول الألواح القديمة والجديدة" §3، يكتب نيتشه: وهناك أيضاً التقطتُ كلمة "الإنسان المتفوق" [Übermensch] بالمناسبة، وأن الإنسان شيءٌ يجب التغلب عليه، وأن الإنسان جسرٌ لا نهاية له: يُعلن نفسه مباركاً في ضوء ظهيرة ومساء يومه، باعتباره الطريق إلى فجر جديد، كلمة زرادشت عن الظهيرة العظيمة، وكل ما علّقته على الإنسان كآخر ضوء قرمزي في المساء. (نيتشه المحمول، ص 310) في موضع لاحق من الفصل نفسه، في الفقرة الرابعة من كتاب "عن الألواح القديمة والجديدة"، يقول زرادشت:           

ها هو ذا لوح جديد؛ ولكن أين إخوتي ليحملوه معي إلى الوادي وإلى قلوب البشر؟ هكذا يقتضي حبي العظيم لأبعد الناس: لا ترحم جارك! الإنسان شيء يجب التغلب عليه. [...] تغلب على نفسك حتى في جارك: والحق الذي تستطيع سلبه لا تقبله كهدية. ما تفعله، لا يستطيع أحد أن يفعله بك بدوره. ها هو ذا، لا عقاب. من لا يستطيع أن يضبط نفسه فليطع. وكثيرون يستطيعون ضبط أنفسهم، ولكن لا يزال هناك الكثير مما ينقصهم قبل أن يطيعوا أنفسهم. (نيتشه المختصر، ص 311):

وأخيرًا، في الفقرة الخامسة من الفصل نفسه، يقول زرادشت: 

  هذه هي طبيعة النفوس النبيلة: لا ترغب في الحصول على شيء مجانًا، وأقلها الحياة. من ينتمي إلى العامة يريد أن يعيش بلا مقابل؛ أما نحن، الذين وهبتنا الحياة نفسها، فنفكر دائمًا فيما يمكننا تقديمه على أفضل وجه. [...] لا ينبغي للمرء أن يرغب في التمتع حيث لا يمنح الفرح. ولا ينبغي للمرء أن يرغب في التمتع أصلًا! [...] (نيتشه المختصر، ص 311).

وهكذا يبدو أن اعتراض نيتشه على الديمقراطية وقيمها ينبع من نزعةٍ نحو النبل أو الجدارة. فالديمقراطية تسعى إلى تمثيل    مواطنيها وحمايتهم. أما حكام المدينة المتخيلون في جمهورية أفلاطون، فيسعون بإخلاص إلى تحقيق مصلحة المدينة ورعاياها. ويرى نيتشه أن أهداف الحكومة لا تخدم في حد ذاتها مصالح النبلاء                                               

في القسم ٧، يتابع زرادشت:

أن تكون صادقًا - قليلون هم القادرون! وحتى هؤلاء الصادقون يفتقرون إلى الإرادة. لكن الصالحين هم الأقل قدرة على ذلك. يا لهؤلاء الصالحين! الصالحون لا ينطقون بالحق أبدًا؛ لأن الروح ترى في الصلاح مرضًا. إنهم يستسلمون، هؤلاء الصالحون؛ يضحّون بأنفسهم؛ قلوبهم تردد، وأرضهم تطيع: لكن من يطيع الأوامر لا يطيع نفسه. (نيتشه المحمول، ص 312).

وهكذا ينأى نيتشه بنفسه عن المثال (الأفلاطوني ظاهريًا) لـ"الرجال الصالحين" - وهم، كما يُفترض، أولئك الذين يحكمون أو يشرعون. ويمكننا أن نستنتج أن "الرجال الصالحين" يُقارنون بالرجال "الحقيقيين" - الذين مع ذلك يُخضع زرادشت إرادتهم للتدقيق. ويتذكر المرء تأثير وهيمنة السفسطة في أثينا القديمة - وشخصية أولئك الذين حكموا في النهاية على سقراط بالإعدام. (كما نتذكر أيضًا سيطرة الخداع والمكر والميكافيلية - باختصار، السفسطة - على السياسيين الشعبويين المعاصرين). بالنسبة لنيتشه، يبدو أن "الرجال الصالحين" أنفسهم سفسطة: فهم يعيشون ويتواجدون ضمن زمان وسياق محددين. وبالتالي، فإن إرادتهم هي إرادة المظهر، واستعداد لاستغلال المظاهر. فهل يقصد نيتشه إذًا ببساطة النصح ضد "الصلاح"؟ - أم أنه يقصد النصح ضد تصديق "الرجال الصالحين"؟

في الفقرة ١٢ من كتاب "عن الألواح القديمة والجديدة"، يقول زرادشت:

يا إخوتي، أُكرّسكم وأُوجّهكم إلى نُبلٍ جديد: ستُصبحون مُنجبين ومزارعين وزارعين للمستقبل - لا نُبلاً يُمكن شراؤه كالباعة بذهبهم، فما له ثمنٌ قليل القيمة. ليس من أين أتيتم سيُحدد شرفكم، بل إلى أين أنتم ذاهبون! إرادتكم ورغبتكم في تجاوز ذواتكم - هذا ما سيُحدد شرفكم الجديد. [...] في أبنائكم ستُعوّضون كونكم أبناء آبائكم: هكذا ستُكفّرون عن كل ما مضى. هذا اللوح الجديد أضعه فوقكم. (نيتشه المحمول، ص 315-316)

وهكذا يبدو أن نيتشه يهتم بمفهوم الأصالة. فالمستقبل يحمل مصير الحاضر. و"أبناؤكم" يمثلون إرثكم. وينصح زرادشت الأبناء بألا يبخلوا بإرث آبائهم. وفي المجال السياسي، يكتسب هذا الأمر أهمية بالغة: إلى أي مدى نحترم حقًا إرث سياسيينا، على سبيل المثال، في إثارة الحروب؟

أُحبّ الشجعان، ولكن لا يكفي أن يحمل المرء سيفًا عريضًا، بل يجب أن يعرف أيضًا ضد من. وكثيرًا ما تكون الشجاعة أعظم عندما يمتنع المرء ويمرّ، ليُوفّر نفسه للعدو الأجدر. (نيتشه المحمول، ص 321).

فيما يتعلق بالحكم والقيادة والإبداع، يبدو أن أولوية نيتشه، بدلاً من إدارة الحكم مباشرةً، هي تنمية شخصية "قوية". قد تبدو جدالاته ضد الشفقة والمساواة مناسبةً لحكومة فاشية. مع ذلك، تشير قراءة متأنية لنيتشه إلى غاية "أرستقراطية" أكثر منها سياسية مباشرة.

***

وعملية التدريب على الذوق الرفيع

مقدمة: في سياق الدراسات الاجتماعية والثقافية، يُعد مفهوم "الذوق الرفيع" أداة تحليلية قوية لفهم كيفية ترسيخ الهيكل الاجتماعي داخل الثقافة. هذه العملية ليست عفوية أو طبيعية، بل هي نتاج تدريب منهجي ومستمر يتم من خلاله نقل وتعزيز الفروقات الطبقية عبر الأجيال. يركز هذا الدراسة على النظرية الاجتماعية لبيير بورديو ( 1930-2002)، الذي طور في كتابه الشهير التمييز: نقد اجتماعي لحكم الذوق ( 1979/1984) نموذجاً يفسر كيف يصبح الذوق أداة للتمييز الاجتماعي، وكيف يساهم في ترسيخ المجتمع داخل الثقافة من خلال الرأسمال الثقافي والهابيتوس (habitus). يُعرف بورديو الذوق بأنه ليس مجرد تفضيل شخصي، بل هو نظام تصنيف يعكس موقع الفرد في الفضاء الاجتماعي. هذا الذوق يتم تدريبه من خلال عمليات التنشئة الاجتماعية، التعليم، والاستهلاك الثقافي، مما يجعل الثقافة حقل معركة رمزية حيث يتم الحفاظ على الهيمنة الطبقية. الدراسة الحالية ستستعرض هذه العملية بشكل موسع، معتمدة على تحليل نظري وأمثلة تطبيقية، لتكشف كيف يصبح الذوق الرفيع آلية لإعادة إنتاج اللامساواة الاجتماعية. سنقسم الدراسة إلى أقسام رئيسية: شرح المفاهيم الأساسية، عملية التدريب على الذوق، آليات الترسيخ الاجتماعي، والنقد والتطبيقات المعاصرة. فكيف تتشكل الثقافة كذوق رفيع في البناء الاجتماعي؟

المفاهيم الأساسية في نظرية بورديو: الرأسمال الثقافي، الهابيتوس، والذوق كأداة نقد اجتماعي

يبني بورديو نظريته على فكرة أن الثقافة ليست محايدة، بل هي مجال للصراعات الرمزية حيث يتم ترسيخ الهيكل الاجتماعي. الرأسمال الثقافي هو أحد الأشكال الرئيسية لهذا الترسيخ، وهو يتكون من ثلاثة أشكال: المجسد ( مثل المعارف والمهارات الشخصية)، الموضوعي ( مثل الكتب أو الأعمال الفنية)، والمؤسساتي ( مثل الشهادات التعليمية). هذا الرأسمال يُكتسب عبر الزمن ويُحول إلى أداة للتمييز، حيث يسمح للطبقات المهيمنة بالحفاظ على مكانتها من خلال تفضيلات تبدو "طبيعية".الهابيتوس، بدوره، هو نظام من الاستعدادات الدائمة التي تُكتسب عبر التنشئة الاجتماعية والتي توجه السلوكيات والأحكام دون وعي كامل. إنه "مبدأ مولد للممارسات المنظمة"، يجعل الذوق يعمل كـ"حاسة اجتماعية" توجه الفرد نحو ما يناسبه في الفضاء الاجتماعي. يقول بورديو: "الهابيتوس هو ضرورة داخلية تحولت إلى استعداد يولد ممارسات ذات معنى وإدراكات تمنح معنى" . هكذا، يصبح الذوق ليس مجرد تفضيل، بل "نقد اجتماعي لحكم الذوق"، حيث يصنف الذوق المصنف نفسه، مكشفاً عن موقعه الطبقي.في هذا السياق، الذوق الرفيع هو نتاج تدريب يجعل الثقافة تبدو كـ"هبة طبيعية"، بينما هي في الواقع منتج للشروط الاجتماعية. يرتبط هذا بالفروقات بين الطبقات: الطبقات العليا تفضل الفنون المجردة (مثل كاندينسكي أو موسيقى باخ)، بينما الطبقات الدنيا تفضل الواقعية أو الوظيفية (مثل لوحات المناظر الطبيعية أو موسيقى شعبية).

عملية التدريب على الذوق الرفيع: الطرق والآليات

يتم تدريب الذوق الرفيع عبر عمليات متعددة، تبدأ من الأسرة وتمتد إلى المدرسة والمجتمع.

في الأسرة (النمط المنزلي للاكتساب)، يحدث التدريب بشكل غير مباشر ومبكر، من خلال الغمر اليومي في الممارسات الثقافية مثل زيارة المتاحف أو الاستماع إلى الموسيقى الكلاسيكية. هذا يمنح "الإرث الثقافي" شعوراً بالألفة والسهولة، يُعرف بـ"اللمسة الطبيعية"، مما يجعل الذوق يبدو فطرياً. يوضح بورديو: "الطريقة التي تم اكتساب الثقافة بها تعيش في الطريقة التي يتم استخدامها بها" .

أما في المدرسة (النمط المدرسي)، فيكون التدريب أكثر تنظيماً، من خلال المناهج التي تفرض تصنيفات ثقافية (مثل التمييز بين الكلاسيكي والرومانتيكي). الشهادات تعزز هذا، مما يمنح "تأثير الاعتماد" الذي يوسع الكفاءات الثقافية. ومع ذلك، يختلف الاكتساب: المنزلي يمنح الثقة، بينما المدرسي قد يؤدي إلى "التعلم الكتابي" أو الادعاء. يمتد التدريب إلى المجتمع عبر "الأسواق الثقافية"، مثل الحفلات أو النوادي، حيث يتم تقييم الكفاءات.

أمثلة تطبيقية: في الطعام، تدرب الطبقات العليا على "الذوق الرفيع" بالتركيز على الشكل والجودة (الخضروات الطازجة، الأسماك)، بينما الطبقات الدنيا على الكمية والقوة (اللحوم الدسمة). في الرياضة، الطبقات العليا تفضل الرياضات الطقسية مثل الغولف، المكتسبة مبكراً، مقابل الرياضات الشعبية مثل الملاكمة. هذه التدريبات تعزز التمييز، حيث يصبح الذوق "حاجزاً أقوى بين الطبقات".

آليات ترسيخ المجتمع في الثقافة عبر الذوق الرفيع

يترسخ المجتمع في الثقافة من خلال الذوق الرفيع كآلية لإعادة الإنتاج الاجتماعي. أولاً، من خلال "التماثل" بين الفضاء الاجتماعي وأنماط الحياة: الرأسمال الاقتصادي يعاكس الثقافي، مما يجعل التفضيلات تعكس المواقع الطبقية. ثانياً، عبر "الصراعات الرمزية"، حيث يصبح الذوق ساحة للتنافس على الشرعية (مثل تفضيل الفنون الجديدة للطبقات الصاعدة). ثالثاً، من خلال "الإنكار" ، حيث يُنظر إلى الذوق كهبة طبيعية، مخفياً عن اللامساواة. في السياقات المعاصرة، يظهر هذا في الاستهلاك: الطبقات العليا تستهلك الثقافة "المجردة" لتعزيز الهيمنة، بينما الطبقات الوسطى تقلد بـ"الإرادة الثقافية" ، مما يؤدي إلى "الألودوكسيا" (الخطأ في التصنيف). يقول بورديو: "الذوق هو تأكيد عملي لفرق حتمي". هذا الترسيخ يمتد إلى السياسة، حيث يشكل الذوق الآراء (النخب تفوض للكفء).

مفهوم الرأسمال الثقافي

في سياق النظرية الاجتماعية لبيير بورديو، يُعد الرأسمال الثقافي مفهوماً مركزياً لفهم كيفية ترسيخ الهيكل الاجتماعي داخل الثقافة. هذا المفهوم، الذي طوره بورديو في أعماله الرئيسية مثل التمايز ( 1979) وإعادة الإنتاج (1970/1977)، يشير إلى الموارد غير المادية التي يمتلكها الأفراد أو الجماعات، والتي تمنحهم ميزة في الفضاء الاجتماعي. الرأسمال الثقافي ليس مجرد معرفة أو مهارات، بل هو أداة للتمييز الطبقي، يُكتسب عبر عمليات التنشئة الاجتماعية ويُحول إلى رأسمال اقتصادي أو اجتماعي. توجد أشكال ثلاثة للرأسمال الثقافي. يصنف بورديو الرأسمال الثقافي إلى ثلاثة أشكال رئيسية، كل منها يعكس طريقة مختلفة للتراكم والاستخدام:

الرأسمال الثقافي المجسد : هذا الشكل يتجسد في الجسم والعقل، مثل المهارات اللغوية، الذوق الفني، أو القدرة على التصرف في المواقف الاجتماعية. إنه "الحالة المجسدة" التي تتطلب وقتاً طويلاً للاكتساب، وتكون مرتبطة بالهابيتوس، أي نظام الاستعدادات الدائمة. على سبيل المثال، القدرة على تقدير لوحة فنية مجردة أو إجراء حوار أدبي يعكس هذا الرأسمال، الذي يبدو "طبيعياً" لكنه في الواقع نتاج تنشئة اجتماعية. يؤكد بورديو أن هذا الشكل غير قابل للنقل المباشر، بل يُورث عبر "الاستثمار الزمني" في الأسرة أو المجتمع.

الرأسمال الثقافي الموضوعي: يتمثل في الأشياء المادية التي تحمل قيمة ثقافية، مثل الكتب، الأعمال الفنية، أو الآلات الموسيقية. هذا الشكل قابل للشراء أو البيع، لكنه يتطلب رأسمالاً مجسداً لاستخدامه بشكل فعال. على سبيل المثال، امتلاك مجموعة من اللوحات الكلاسيكية لا يمنح قيمة إلا إذا كان الشخص قادراً على تفسيرها أو عرضها بطريقة تعكس ذوقاً رفيعاً. هنا، يصبح الرأسمال الموضوعي أداة للعرض الاجتماعي، حيث يعزز التمييز الطبقي من خلال "الاستهلاك الثقافي".

الرأسمال الثقافي المؤسساتي: يتمثل في الاعتراف الرسمي، مثل الشهادات التعليمية أو الجوائز. هذا الشكل يمنح "ضماناً" اجتماعياً، حيث تحول المؤسسات (مثل الجامعات) الرأسمال المجسد إلى رأسمال معترف به. على سبيل المثال، درجة الدكتوراه في الأدب تمنح شرعية ثقافية، مما يسهل الوصول إلى مناصب نخبوية. ينتقد بورديو هذا الشكل كآلية لإخفاء اللامساواة، إذ يبدو النجاح "مبنياً على الجدارة" بينما هو مرتبط بالخلفية الاجتماعية.

هذه الأشكال مترابطة، حيث يعزز كل منها الآخر، مما يجعل الرأسمال الثقافي نظاماً ديناميكياً للحفاظ على الهيمنة. فماهي آليات اكتساب الرأسمال الثقافي والعمليات الاجتماعية والتعليمية المستعملة في ذلك؟

يُكتسب الرأسمال الثقافي عبر مسارات متعددة، تبدأ من التنشئة الأسرية وتمتد إلى النظام التعليمي والممارسات الاجتماعية:

الاكتساب الأسري: في الأسر النخبوية، يحدث الاكتساب بشكل غير مباشر من خلال "الغمر الثقافي"، مثل قراءة الكتب الكلاسيكية أو حضور العروض المسرحية. هذا يمنح "الألفة الطبيعية"، التي تجعل الرأسمال يبدو فطرياً. دراسات بورديو في فرنسا تظهر أن أبناء الطبقات العليا يمتلكون رأسمالاً ثقافياً أعلى، مما يعزز فرصهم في التعليم.

الاكتساب التعليمي: المدرسة تعمل كـ"سوق للرأسمال الثقافي"، حيث تكافئ الطلاب ذوي الخلفيات الثقافية الغنية. على سبيل المثال، المناهج التي تركز على الأدب الكلاسيكي تفضل الطلاب الذين يعرفون بالفعل هذه النصوص. يصف بورديو هذا بـ"العنف الرمزي"، حيث يُنكر النظام التعليمي دوره في إعادة الإنتاج الطبقي.

الاكتساب الاجتماعي: عبر الشبكات الاجتماعية، مثل النوادي أو الفعاليات الثقافية، يتم تبادل الرأسمال. في السياقات المعاصرة، مثل وسائل التواصل الاجتماعي، يصبح مشاركة المحتوى الثقافي (مثل اقتباسات من كتب فلسفية) طريقة لعرض الرأسمال.

أمثلة تطبيقية: في المجتمعات العربية، مثل تونس، يظهر الرأسمال الثقافي في إتقان اللغة الفرنسية أو معرفة الأدب الفرنسي، الذي ورث من الاستعمار كأداة للتمييز الطبقي. دراسات حديثة تظهر أن الطبقات الوسطى في الدول العربية تسعى للاكتساب من خلال التعليم الخاص، مما يعزز اللامساواة.

فماهو دور الرأسمال الثقافي في إعادة الإنتاج الاجتماعي والترسيخ الطبقي؟

يُعد الرأسمال الثقافي أداة رئيسية لإعادة الإنتاج الاجتماعي، حيث يحول الثقافة إلى مجال للصراعات الرمزية:

التمييز والإنكار: يسمح الرأسمال بـ"التمييز"، حيث يصنف الأفراد بناءً على ذوقهم، مخفياً اللامساواة تحت غطاء "الذوق الطبيعي". هذا "الإنكار" يجعل الهيمنة تبدو مشروعة.

التحويل إلى رأسمال آخر: يمكن تحويل الرأسمال الثقافي إلى اقتصادي (مثل وظائف في الإعلام) أو اجتماعي (شبكات نخبوية). في الاقتصاد الرأسمالي، يصبح "الثقافي" سلعة، كما في صناعة الترفيه.

مع العولمة، يتوسع الرأسمال الثقافي ليشمل الثقافات الرقمية، مثل المهارات في البرمجة أو التصميم الرقمي. ومع ذلك، يظل مرتبطاً بالطبقات، حيث يمتلك الأغنياء وصولاً أفضل إلى التعليم الرقمي. لكن بعض الدارسين، مثل ريتشارد بيترسون، يتحدثون عن "الذوق الشامل"، حيث تختلط الثقافات العليا والشعبية، مما يقلل من دور الرأسمال كأداة تمييز. لكن بورديو يرى هذا كتكيف للهيمنة. في العصر الرقمي، يظهر الرأسمال الثقافي في المنصات مثل إنستغرام، حيث يعرض الأفراد "أنماط حياة" ثقافية لتعزيز مكانتهم. في الدول النامية، يرتبط بالاكتساب الغربي، مما يعزز "الاستعمار الثقافي"، على سبيل المثال، يلعب الرأسمال الثقافي دوراً في التنقل الاجتماعي بعد الثورة، حيث يساعد التعليم في تشكيل نخب جديدة.  النظرية متهمة بالتركيز الغربي، لكن تطبيقات في آسيا وأفريقيا تظهر صلاحيتها، مع تعديلات للثقافات المحلية. فالرأسمال الثقافي، كمفهوم متعدد الأبعاد، يكشف كيف تترسخ اللامساواة داخل الثقافة. من خلال أشكاله واكتسابه، يعمل كآلية لإعادة الإنتاج الاجتماعي، محفزاً على سياسات تعليمية متساوية لتقليل الفجوات. هذا التوسع يدعو إلى بحوث إضافية في السياقات غير الغربية لفهم ديناميكياته العالمية. رغم قوتها، تواجه نظرية بورديو نقداً: بعض الباحثين يرونها جامدة، غير قادرة على تفسير التغيرات مثل "الذوق الشامل"، حيث تختلط الثقافات العليا والشعبية . كما أنها تركز على السياق الفرنسي، مما يتطلب تكييفاً للثقافات الأخرى، مثل في تركيا حيث يلعب الرأسمال الثقافي دوراً في تشكيل الطبقات منذ القرن التاسع عشر . توسعات حديثة تربطها بالتعليم، حيث يصبح الذوق أداة للتنقل الاجتماعي، أو بالاستهلاك الرقمي، حيث يعيد الذوق الرفيع تشكيل الهويات عبر المنصات.

خاتمة

الطريقة التي يترسخ بها المجتمع في الثقافة هي عملية التدريب على الذوق الرفيع، كما يفسرها بورديو، حيث يصبح الذوق آلية لإعادة إنتاج اللامساواة. هذا التدريب، من خلال الرأسمال الثقافي والهابيتوس، يجعل الثقافة ليست مجرد تعبير، بل أداة هيمنة. يدعو هذا إلى نقد اجتماعي يفضح "الأيديولوجيا الخواريزمية" للذوق، محفزاً على سياسات تعليمية تعزز الوصول المتساوي إلى الثقافة، لتقليل الترسيخ الطبقي. فكيف يتحول الراسمال الثقافي الى رأسمال رمزي يعيد انتاج الرأسمال الاجتماعي؟

***

د. زهبر الخويلدي - كاتب فلسفي

 

مفتتح: لا يزال مشروع المفكر الجزائري مالك بن نبي (1905-1973) يعاني من "نكسة دهشة" يتعكس أزمة بنيوية في آليات استقبال الأفكار داخل الفضاء العربي الإسلامي. فالمفكر الذي جاء ليتجاوز "الذرية الفكرية" و"الأصنام الجديدة" التي صارت تعبد في جغرافية "طنجة-مسقط"، ظل هو نفسه ضحية تلك الأصنام، محاصرا بين تصنيفات إيديولوجية جاهزة تختزل منظومته الشاملة إلى "علمانية" عند السلفيين، و"إسلاموية" عند العلمانيين، و"تجديدية" عند الإصلاحيين.[1]

الإفلاس الحضاري كمأزق ثقافي:

تنطلق منظومة بن نبي الفكرية من قراءة معمقة تؤكد بأن "الإسلام من حيث الوحي والنبوة جاء للعالمين"، مما يجعل رسالته حضارية إنسانية بالضرورة، متجاوزة كل جغرافية عرقية أو ثقافية مغلقة.[2] غير أن "الإنسان مابعد الموحدين" -وهو المصطلح لمالك بن نبي لما أصاب المسلمين من تحول في البنية الذهنية- بات كيانا مناهضا للنقد والحرية والتجديد بفعل الانحطاط السياسي واغتيال العقل المبرر "دينيا"[3]، هنا يطفو على السطح الجدل المركزي: اذ تقدم النهضات العربية والإسلامية السابقة  الإصلاح السياسي أو التجديد الديني كمدخل و أساس استراتيجي، يذهب بن نبي إلى "التأسيس للإنسان الجديد" عبر منظومة أخلاقية وجمالية ومنطقية وتقنية متكاملة، تستهدف "تثوير الفكرة-المحرك" ( (l'idée-motrice بلغة أرسطو، أي إعادة بناء "الإنسان" كفاعل حضاري قبل كل شيء[4]. لهذا كان مشروعه يطالب بتحقيق "ثنائية التنوير والتحرير" التي تشكل صلب منظومته الفكرية، حيث يرى أن التحرر الحقيقي لا يتحقق بالاستقلال السياسي وحده، بل بإعادة بناء "الذات الحضارية" عبر معادلة الحضارة الشهيرة: الحضارة = الإنسان + التربة + الزمن، حيث تلعب "الفكرة الدينية" دور المحفز الحاسم (Catalyseur) في هذه المعادلة[5]. فإذا تم تهميش أحد عناصر هذه المعادلة -وخاصة "الإنسان" ككيان مبدع- أفلس مشروع الحضارة ذاتها، مهما تكدست المكتسبات المادية.

محنة فهم خطاب بن نبي:

إحدى أعقد العقبات في "بنية الخطاب" عند بن نبي، أنه لم يكتب كفيلسوف أو عالم اجتماع بالمعنى التخصصي الضيق، بل كصاحب "مشروع تأسيسي" يريد إنشاء "أنساق ومناهج جديدة"[6]. هذه البنية تختلف جذريا عن أشكال التراثيين والنهضويين، مما أدى إلى "إعجاب من دون فهم"، حيث فهم المتلقون أفكاره حسب "مدركاتهم" المعرفية السابقة لا حسب "تصورات" المؤلف[7] أي الدهشة غلبت التشاور.

تتفاقم المحنة مع أنه كتب معظم أعماله -وعددها يتجاوز الخمسة والعشرين كتابا- بالفرنسية، فتعرضت عند الترجمة إلى العربية إما للتشويه أو التبسيط أو "التكييف" مع ثقافة المترجمين وما لا "يتعارض" مع المعتمد فكريا"؛ النتيجة: فهم مشوه يصور بن نبي "علمانياً" عند السلفيين، و"إسلاموياً" عند العلمانيين، و"مجدداً" عند الإصلاحيين[8]، بينما جاء فكره ليتجاوز هذه "الأصنام الجديدة" التي صارت تعبد في جغرافية "طنجة-مسقط" [9]. فالرجل الذي كتب الظاهرة القرٱنية ( بالفرنسية سنة 1946)  شروط النهضة (الجزائر، 1949)[10]و وجهة العالم الاسلامي (1954 بالفرنسية، 1956مترجم العربية) وفكرة كومنولث إسلامي (الجزائر، 1959)[11] الصراع الفكري في البلاد المستعمرة (صدر الكتاب عام 1960، وهو أول كتاب كتبه بن نبي بالعربية مباشرة دون ترجمة، ويُعد الجزء الأول من سلسلة "مشكلات الحضارة") والمسلم في عالم الاقتصاد (الجزائر، 1964)[12] ومذكرات شاهد القرن (الجزائر، 1965-1973)[13]، لم يكن يبحث عن أدلجة لمشروعه، بل عن "منظومة فكرية" تستجيب لتحديات "القابلية للاستعمار"colonisabilité

(ظهر هذا المصطلح لأول مرة في كتابه "Les conditions de la renaissance" (شروط النهضة) الذي نُشر عام 1949 باللغة الفرنسية. وقد لاقى هذا المفهوم قبولاً واسعاً وانتقادات شديدة في آن واحد، حيث اعتبره البعض تبريراً للاستعمار بينما رآه بن نبي تشخيصاً للمشكلة الحضارية التي يعاني منها المجتمع العربي الإسلامي[14].

أي منظومة تكتشف مالك بن نبي؟

تتسم غالبية الدراسات بـ"الشرح الممل" بدلا من "النقد و الابداع التجديدي"، مما أنتج عددا هائلا من صور "مالك بن نبي" دون بناء جديد[15].  "فالتأسيس يحتاج للنقد والثورة على الأنساق"، لا "إعادة الإنتاج والتعليب الجديد"[16]. إن الانتقال من "الاندهاش العقيم" إلى "الاستيعاب الخلاق" يتطلب قراءة منظومية تفهمه بمنظومته ولغته وأنساقه، كما هو الشأن مع ابن عربي أو جلال الدين الرومي أو كانط أو نيتشه ، بعيدا عن "الاستغراق الرجعي" الذي يخرج منظومته الفكرية عن مدارها التنويري[17]. فمشروع بن نبي ليس مجرد مجموعة أفكار مبعثرة، بل "رؤية ثقافية متكاملة" تتجسد في القضية الانسانية: "الحضارة"، وتحلل عبر مفاهيم مثل "أزمة الأفكار" و"تكديس الأشياء" و"الشيئية" التي تصف الميل المرضي لمعاملة الأفكار كأشياء مادية[18]. إن الاكتشاف الحقيقي هو غير الاندهاش العقيم (الذي يوصف كونه مجرد قراءة نصوص)، بينما اكتشاف بن نبي الحقيقي يعني إعادة بناء ذاتية تستجيب لتحديات العصر بمسؤولية حضارية تتجاوز كل مركزية أو شوفينية، وتسهم في "الحضارة الإنسانية" بروح عربية إسلامية أصيلة[19].

***

مراد غريبي

.........................

[1] محمد العاصمي، "مالك بن نبي: قراءة في المشروع الفكري"، في: مجلة الفكر المعاصر، العدد 45 (2015)، ص112

[2] Malek Bennabi, Vocation de l'Islam (Paris: Éditions du Seuil, 1954),P23

[3] محمد لزرق، "مرحلة ما بعد الموحدين عند مالك بن نبي"، في: الفكر العربي المعاصر، العدد 12 (2018)، ص45

[4] Malek Bennabi, Les Conditions de la renaissance (Alger : Entreprise nationale du livre, 1949), P78.

[5]  Alwi Alatas, "Malik Bennabi on Civilization", Hoggar Institute (2010), P3 et Z. H. Subhani, "Bennabi's Thoughts on Civilization", Journal of Arabic Studies 4 (2020), P112.

[6] فضيل بومالة، "هكذا أفكر! لماذا لم نكتشف مالك بن نبي بعد؟"، موقع عبد الحميد بن باديس، 01/11/2015

[7] محمد حبش، "إشكالية اللغة في فكر مالك بن نبي"، في: مجلة كلية الآداب، جامعة دمشق، العدد 32 (2016)، ص201

[8] محمد العربي، "مشكلات الترجمة في فكر مالك بن نبي"، في: مجلة الفلسفة واللغة، العدد 18 (2017)، ص89

[9]  انظر: بومالة، المرجع السابق

[10]  Malek Bennabi, Les Conditions de la renaissance (Alger : Entreprise nationale du livre, 1949), P45.

[11] Bennabi, Idée du Commonwealth islamique (Alger: Entreprise nationale du livre, 1959) , P112.

[12]  Malek Bennabi, Le Musulman dans le monde de l'économie (Alger : Entreprise nationale du livre, 1964), P67.

[13] Malek Bennabi, Mémoires d'un témoin du siècle، (Alger : Entreprise nationale du livre 1965), P45.

[14] Malek Bennabi, Le problème des idées dans le monde musulman (Alger: Office des publications universitaires, 1970), P201.

[15] انظر: بومالة، المرجع السابق.

[16] محمد لطفي، "من التكرار إلى التجاوز: قراءة نقدية في الدراسات البنابية"، في: مجلة الفكر الإسلامي، العدد 41 (2019)، ص167.

[17] انظر: محمد العاصمي، المرجع السابق.

[18]  Malek Bennabi, Le problème des idées dans le monde musulman,P215et encore Malek Bennabi, Naissance d'une société (Alger: Entreprise nationale du livre, 1960)، P78.

[19] Malek Bennabi, Mémoires d'un témoin du siècle, Tome 1 P 67.

 

بشكل مباشر، يمكنني القول ان مفهوم الحركة الجوهرية للامم، هي ان تبدا الامم من نشاة مادية عادية وتتحول الى روحية او بقايا تراث (كل بحسب قوته الحضارية) وهو يتاثر بالمؤثرات وبالعوارض او البيئة المسلطة على تلك الحضارة، ثم تتحول الى كيان يبحث عن هويته ثم تتخلص من روحيتها الى مادية وذاتية محددة، وبعدها يفنى الجانب المادي لتحشر روح الامة بوصفها نسيج شامل وهو عرضة للحساب الاخروي، لانها شخصية معنوية (وكل امة معها سائق وشهيد).

وفي جانبها الارضي المادي تتفق بعض الامم على مبادئ تسير عليها، قد تكون العنف او التعالي او الانكار الحقيقي للخير الاقصى .

ان هذه المحايثة الفكرية، مشتقة من منهجية الفيلسوف صدر الدين الشيرازي الذي قال بنظرية الحركة الجوهرية للنفس وأيضا بنظرية الحركة الجوهرية للطبيعة.

‏و هذه الفكرة تصطدم بمجموعة من المفاهيم والاراء، منها هل يمكن وصف الانتقال بالحتمي أم بجانب اختياري، مسالة أخرى ربما نجد أن بعض الامم بدأت معنوية وانتهت مادية، مثلما نلاحظ في بدايات الانبياء سيما النبي محمد (ص) فقد بدات الحضارية بابهى الجوانب المعنوية، ثم تحولنا الى فاتحين للدول، وسرعان ما اصبح الهم هو كيفية اعادة هيكلة المساحات الجغرافية في العالم، والانتفاع من ثروات الامم،و قد لا ينطبق هذا التنظير على بعض الأمم. لكن ذلك يعني بأن الحركة الجوهرية لتلك الامة تعثرت لبعض الوقت وهي تحمل في داخلها قوة استعادة الفعل التاريخي، مثال اخر ان الامم الوحشية مثلا بدات وحشية وانتهت كذلك، وهذا يعني أن هذه الأقوام أو الدول ليست لديها القدرة على تجديد السلوك أو الفعل التاريخي أو القدرة على الوعي، وسبب ذلك هو نظام افرادها السيء وعدم وجود منهجية للتغيير، او الاصلاح .

او خذ مثلا التنوير الذي اتت به الدول الغربية مثلا والذي يمثل بداية الجانب المادي ثم تطور تكنلوجيا وعلميا وانسانيا ليقود العالم، اقول ان هذا التنوير لا يمكن عده من الجانب المعنوي، لافتقاره الى النقاء فهو ملوث، وان وصف بالمعنوي فهو بجانبه السلبي، فهذه حركة جوهرية سالبة للامم .

ويمكن بشكل مختصر القول ان نمو الدول لا يختلف عن نمو الانسان، وهذا ما قاله ابن خلدون وشبنكلر وتوينبي، افهم هذا بالتأكيد ولكن ما أريد قوله أن هذه المساحة الحيوية للأمم يمكن وصف بداياتها بالجانب المادي وقدرة تلك الأمم على الاستمرار في جانب الحضاري فإن ذلك يتحول إلى جانب معنوي .

‏وعدم قدرة الاقوام الوحشية على إنتاج المعنى الحضاري فإن ذلك يعني أنها بدأت مادية وانتهت مادية.

‏ان من أعلى الحضارات قوة روحية هي التي تبدأ بشكل طبيعي ثم تقاوم التحدي باستجابة تنتهي بها إلى درجات من الجانب المعنوي، هذه الدرجات تختلف من أقوام إلى أخرى،

‏ومفهوم الحركة جوهرية للأمم هنا تعني بأن النسيج الواحد لمجموعة حضارية أو اقوام محددة تسير باتجاه نوع من أنواع الكمال.

‏ومن دلائل ذلك الكمال مثلا هو التراث الفكري او المادي او العلمي، او الاخلاقي أو الاستمرار في الفعل التاريخي، أو تبني الفعل الأخلاقي الصحيح، أول الانصياع إلى عدم الظلم.

‏ويمكن وصف الدول المتطورة تكنولوجيا وقت تخالف قواعد الفعل الإنساني والأخلاقي بأنها تسير وفق حركة جوهرية سالبة، والعكس من ذلك فإن هذه الأمة أو الحضارات او الدول فانها تسير وافق حركة جوهرية موجبة.

***

ا. د. رحيم محمد الساعدي

بين السيادة على الذات والتحكم الخفي

في سياق الفكر الفلسفي كانت الحرية دوما موضوعا مركزيا، فالفلاسفة منذ أرسطو وكانط وهيغل ونيتشه، حاولوا تحديد طبيعة الإنسان الحر وما يعنيه أن يكون الفرد سيدا على ذاته. أرسطو يرى الحرية باعتبارها القدرة على اختيار الخير وفق العقل، وهي وظيفة تكاملية للفضيلة والحياة الفاضلة، بينما يضع كانط الحرية في قلب مشروع العقل العملي، معتبرا أن الفعل الحر هو الفعل الذي ينسجم مع القانون الأخلاقي الداخلي، أي أنه ليس مجرد القدرة على الفعل، بل على الفعل وفق ما يمليه الواجب. هذه المفاهيم الكلاسيكية التي بنَت الحرية على أساس سيادة الذات والاختيار الأخلاقي، تتعرض اليوم لتحدٍ جديد ومعقد في ظل الثورة الرقمية وانتشار البيانات الضخمة، إذ لم يعد الإنسان يعيش في فضاء مادي واجتماعي فقط، بل في فضاء رقمي تتحكم فيه الخوارزميات وتتجمع فيه بياناته وتتقرأ تحركاته، متجاوزة حدود وعيه المباشر.

يمكن النظر إلى البيانات الضخمة باعتبارها صورة جديدة لما كان ميشيل فوكو يسميه "تقنيات الذات" و"السلطة المراقبة"، مع فارق أساسي، فوكو ركّز على المؤسسات التقليدية مثل السجون والمستشفيات والمدارس، حيث يتم التحكم في الأفراد جزئيا عبر المراقبة والمعايير، بينما اليوم تتم هذه المراقبة بشكل أوسع وأكثر عمقا، فهي تتغلغل في تفاصيل حياتنا اليومية، من تفضيلاتنا على الشبكات الاجتماعية إلى تحركاتنا الشرائية، ومن اهتماماتنا الثقافية إلى اختياراتنا السياسية. الخوارزميات أيضا ليست مجرد أدوات تحليلية، بل هي أدوات إدارة تحكمية تحاكي قدرات العقل البشري في التنبؤ، لكنها تفعل ذلك بطريقة تتجاوز السيطرة الفردية، فتتوقع رغباتنا وتوجه اختياراتنا دون أن ندرك بشكل كامل أننا تحت تأثيرها.

الحرية، في سياقنا هذا لم تعد مجرد فعل مقاوم للتأثيرات الخارجية، بل أصبحت مسألة معرفة الذات وإدراك آليات السيطرة التي تمارس علينا عبر البيانات. كما يشير جان بودريار في كتابه "المجتمع الاستهلاكي"، نحن لا نختار الأشياء فقط، بل يتم إنتاج رغباتنا وتوجيهها بواسطة أنظمة رقمية قادرة على محاكاة دوافعنا الداخلية. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى، فالحرية التي كانت دائما مرتبطة بالوعي الذاتي والاختيار الأخلاقي، تتعرض الآن لتهديد غير محسوس، لا يأتي بالضغط المباشر، بل من خلال التحكم الذكي والخفي الذي يمارسه النظام الرقمي على سلوكنا النفسي والاجتماعي. إنها حرية تحت الرقابة الدقيقة، حرية مشروطة بتقنيات التنبؤ والمعالجة الضخمة للبيانات، والتي تعمل في كثير من الأحيان دون وعي الفرد نفسه.

إن زمن البيانات الضخمة يعيد تعريف الحرية باعتبارها ليس مجرد قدرة على الفعل، بل قدرة على الفهم الذاتي في مواجهة مؤثرات خارجة عن إرادتنا المباشرة. فلوك أنطونيو غرامشي أشار إلى مفهوم "السيطرة الثقافية" في صياغة الرغبات والمعتقدات، وهو ما أصبح في عصرنا معادلاً رقميا من خلال البيانات، ليست السيطرة القسرية بالمعنى التقليدي، بل السيطرة الذكية التي تصنع نوعا من الانقياد الطوعي دون استخدام القوة المباشرة. الإنسان في هذا النظام الرقمي يصبح أداة لنفسه وللخوارزمية في الوقت نفسه، يعتقد أنه يختار، بينما يُدار اختياره ضمن أنماط محددة سلفا.

هذا التفاعل بين الحرية والسيطرة الرقمية يعيدنا إلى جدلية قديمة بين الفعل والنية وبين الوعي والبرمجة. إذ يمكننا القول مع هيجل، أن الفرد يحقق حريته عندما يصبح واعيا لمحددات واقعه، لكن في زمن البيانات الضخمة، هذه المحددات تتغير بسرعة وبعمق، فهي خفية موزعة، ومعقدة إلى درجة تجعل وعي الفرد بها تحديا فلسفيا بحد ذاته. الحرية لم تعد مسألة مجرد مقاومة لقوى خارجية، بل مسألة قدرة على التحليل النقدي لنفسنا في شبكة من البيانات المتشابكة، وهو ما يتطلب أدوات معرفية جديدة وربما طرقا جديدة للتفكير الذاتي.

ولكي نفهم ذلك بشكل أعمق، علينا أن نفكر في الحرية ليس فقط كقيمة أخلاقية، بل كأفق معرفي وجودي. فالمفكرون الوجوديون مثل جان بول سارتر رأوا أن الحرية مطلقة، لكنها مطلوبة ومؤلمة، إذ الإنسان "محكوم بالحرية" ويجب أن يتحمل مسؤولية اختياراته. في عالم البيانات الضخمة، هذه المطلقية تتعرض لتجربة جديدة، الحرية مطلقة ولكنها مشروطة بطريقة غير مباشرة من قبل الهياكل الرقمية التي تحدد السلوك. هذا يعيدنا إلى سؤال أساسي، هل يمكن أن يكون الإنسان حرا إذا كانت معرفته بذاته وبتأثيرات البيئة الرقمية غير كاملة؟ وهل يمكن اعتبار أي اختيار حر إذا كان مشفّرا مسبقا ضمن أنماط البيانات؟ .

الإجابة على هذا السؤال تتطلب إعادة التفكير في طبيعة السيادة على الذات. السيادة لم تعد تتعلق فقط بالقرار الأخلاقي أو الفعل المستقل، بل تتعلق بالقدرة على إدارة المعلومات الشخصية، وفهم كيفية استغلالها، وإدراك الديناميكيات الرقمية التي تتحكم في سلوكياتنا. الفيلسوف لوك، الذي وضع قواعد الحرية الطبيعية والحقوق الأساسية للفرد، لم يتصور يوما أن الحرية قد تكون مهددة من قبل كود رقمي وخوارزميات تتنبأ برغباتنا قبل أن ندركها نحن. هنا يظهر الفرق الجوهري بين الحرية الكلاسيكية في سياق العلاقات الاجتماعية التقليدية، وبين الحرية الحديثة في زمن البيانات، إنها حرية معرفية نقدية واستراتيجية، تتجاوز مجرد الإرادة لتصبح مسألة وعي وتحليل وإعادة تشكيل للذات في مواجهة بيئة رقمية ضخمة ومعقدة.

البيانات الضخمة تشكل منظومة تفاعلية مع الإنسان، ليس باعتباره مجرد موضوع مراقب، بل باعتباره شريكا في خلق نمط سلوكي يُقرأ ويستثمر. هذه الثنائية بين المراقب والمراقب عليه تعكس رؤية فوكو للسلطة، لكنها أعمق وأكثر نفوذا، فهي سلطة تحاكي العقل وتتعلم منه وتتكيف معه، وهو ما يجعل فهم الحرية عملية مستمرة من الوعي والتفكير النقدي. الإنسان الحر في هذا العصر ليس فقط من يختار، بل من يعرف ويستطيع تحليل تأثيرات المعلومات على نفسه، ويعيد صياغة ذاته ضمن هذا الفضاء الرقمي المعقد.

في عالم يسيطر فيه التزايد الهائل للبيانات، لم تعد الحرية مجرد قضية شخصية أو أخلاقية، بل أصبحت موضوعا وجوديا ومجتمعيا. فالبيانات الضخمة لا تمثل مجرد معلومات جامدة، بل هي شبكة مترابطة من المعاني والدلالات التي تُصاغ وتُعاد صياغتها باستمرار، فتخلق واقعا رقميا يتجاوز الإرادة الفردية. كما يشير هربرت ماركوزه في تحليله للمجتمع الصناعي المتقدم، إن حرية الإنسان لا تتحقق فقط في مواجهة القهر المباشر، بل في مقاومة الهيمنة الخفية التي تفرضها البنى الاقتصادية والاجتماعية، وإذا انتقلنا إلى عصر البيانات الضخمة، فإن هذه الهيمنة تتحول من مادية واجتماعية إلى معرفية رقمية، بحيث يُعاد إنتاج رغباتنا وسلوكياتنا ضمن أنماط متوقعة مسبقا.

إن السيادة على الذات تصبح تحديا معرفيا أعمق، ليست مسألة اختيار ضمن مجال محدد، بل القدرة على فهم كيفية تشكل اختياراتنا عبر الخوارزميات، والقدرة على إعادة توجيه هذه الاختيارات بما يعكس وعيا ذاتيا متجذرا. هنا تتلاقى أفكار سارتر حول الحرية المطلقة مع تحليل فوكو للسلطة الموزعة، فالفرد حر من حيث أنه مسؤول عن اختياراته، ولكنه يعيش ضمن شبكة قوة غير متكافئة وذكية، تتحكم في سلوكه بطرق غير مرئية. إن الحرية في هذا العصر إذن، لم تعد مجرد مقاومة للضغط الخارجي، بل فن التعرف على القوى غير المرئية التي تُشكل وعينا وقراراتنا.

المفارقة الكبرى تكمن في أن البيانات الضخمة ليست مجرد وسيلة للرقابة، بل أيضا وسيلة لتعزيز الإمكانيات الفردية إذا ما تمت إدارتها بوعي. إذ يمكن للمعرفة الدقيقة بسلوكنا الرقمي أن تمنحنا أدوات لفهم أنفسنا بشكل أعمق، وتطوير مهارات اتخاذ القرار، وصياغة استراتيجيات للتصرف الحر ضمن شبكة معقدة من التأثيرات. وهنا يظهر البعد الأخلاقي للحرية، فالحرية لم تعد فقط فعلا، بل مسؤولية مستمرة تتطلب تحليلا نقديا للبيانات، ووعيا بالخوارزميات، وقدرة على اتخاذ خيارات متأملة. كما يشير هانز جورج غادامير في فلسفته التأويلية، فإن فهم الإنسان لذاته ولعالمه مشروط بالوسط الذي يعيش فيه، وبالمعرفة التي يمتلكها، ومن هنا فإن الحرية تتطلب وعيا متأملا بما يحيط بنا من بيانات وتأثيرات غير مرئية.

إذا انتقلنا إلى النظرية السياسية، فإن الحرية في زمن البيانات الضخمة تضع تحديات جديدة أمام مفهوم الديمقراطية. فالقرارات السياسية، التي كانت تعتمد تاريخيا على التفاعل البشري المباشر والمعرفة الواقعية، أصبحت اليوم تتأثر بشكل كبير بتحليلات رقمية تتنبأ بسلوك الناخبين، وتوجه حملات الدعاية والسياسة العامة وفق ما يُعتقد أنه "الأكثر احتمالا". هذه السيطرة الخفية كما يوضح نيكولاس كار، تؤدي إلى نوع من "التلاعب الطفيف" الذي يغير قرارات الأفراد دون وعيهم المباشر، وهو ما يعيدنا إلى السؤال الفلسفي القديم، هل يمكن للإنسان أن يكون حرا إذا كانت قراراته تتأثر بصورة دقيقة ومنهجية بقوى خارجية، وإن كانت غير محسوسة؟.

إن الحرية في زمن البيانات الضخمة تعيد صياغة العلاقة بين الفرد والمجتمع والوعي والاختيار، وبين المعرفة والسلطة. فالتحكم الخفي الرقمي لا يلغي الحرية بالضرورة، ولكنه يحولها إلى ممارسة متواصلة من التأمل الذاتي، وإعادة قراءة السياق الرقمي، وفهم القوى المؤثرة على اختياراتنا. الحرية هنا لا تُختزل في الإرادة، بل تتطلب معرفة دقيقة بما يحيط بنا من بيانات، وتحليلا نقديا للأنماط الرقمية، ومقاومة واعية للتوجيهات الخفية. وهي بذلك تتحول من قيمة مجردة إلى ممارسة فلسفية يومية، تتطلب الانتباه والتحليل والفهم.

إن الخطر الأكبر الذي يهدد الحرية في هذا العصر ليس الرقابة المباشرة، بل الانقياد الطوعي غير المدرك، حيث يصبح الفرد جزءا من نظام رقمي يقرأ توجهاته ويعيد توجيهها دون أن يلاحظ ذلك. هنا يأتي دور الفلسفة ليس فقط في وصف هذه الظاهرة، بل في تقديم أدوات معرفية لفهمها وتحليلها، وإعادة صياغة ممارساتنا اليومية بما يعزز السيادة الذاتية كما يشير هابرماس في نظرية الفعل التواصلي. إن القدرة على النقاش الحر والتفكير النقدي هي أساس أي حرية حقيقية، وإذا نقلنا هذا إلى العصر الرقمي، فإن القدرة على تحليل البيانات وفهم تأثيراتها، والوعي بالتوجيهات الخفية للخوارزميات تصبح شرطا لازما للحفاظ على الحرية.

بالإضافة إلى ذلك، تعيد البيانات الضخمة تحدي مفهوم الهوية الفردية، إذ لم يعد الإنسان كائنا منفصلا عن بياناته، بل هو مزيج من سلوكه الواقعي والرقمي معا. فالبيانات تصبح امتدادا للذات، ومن ثم فإن التحكم فيها أو فهمها يصبح جزءا لا يتجزأ من ممارسة الحرية. كما تشير حنة أرندت في تحليلها للحرية السياسية، فإن الحرية تتطلب مشاركة فعالة وفهما عميقا لآليات السلطة، وفي العصر الرقمي، هذا الفهم يشمل أيضا فهم الشبكات الرقمية التي تحدد اتجاهاتنا وسلوكنا. الحرية إذن، تتحول إلى ممارسة معرفية متعمقة، تتطلب إعادة التفكير في علاقتنا بالذات، وبالمجتمع، وبالتقنيات التي تشكل حياتنا.

وفي هذا الإطار، يمكننا تصور الحرية كمسار مستمر من الوعي والتأمل والتحليل النقدي، وهو مسار يتحدى الفرد ليصبح سيدا على اختياراته، حتى في عالم تتحكم فيه الخوارزميات بشكل متزايد. إن الحرية لم تعد مجرد حالة ثابتة أو قيمة أخلاقية، بل عملية مستمرة من التفاعل الواعي مع محيطنا الرقمي، واستغلال البيانات لفهم أنفسنا بشكل أفضل، وتحقيق السيادة الذاتية في مواجهة التحكم الخفي.

إن الحرية في زمن البيانات الضخمة ليست مجرد خيار، بل مسؤولية وجودية وفلسفية، تتطلب من الفرد وعيا نقديا دائما، وفهما عميقا لكيفية تأثير الخوارزميات والبيانات على حياته. الحرية هنا ليست غياب القيود فقط، بل هي القدرة على فهم القوى المؤثرة، والتفاعل معها بوعي، وصياغة حياة متكاملة تتجاوز مجرد الانقياد. إنها حرية مُعاد تعريفها لتصبح مزيجا من الوعي الذاتي والتحليل النقدي، والسيادة على الذات، في مواجهة عالم رقمي معقد ومتشابك، حيث يُعاد تشكيل رغباتنا واختياراتنا باستمرار.

انطلاقا من هذا المعنى، يمكننا النظر إلى الحرية كفعل فلسفي حي، يمارس عبر كل لحظة من حياتنا اليومية، عبر كل تفاعل رقمي، وعبر كل قرار يتأثر بالبيانات والتحليل الرقمي. إنها حرية تتجاوز حدود التقليد الكلاسيكي، لتصبح ممارسة معرفية واستراتيجية، تتطلب من الإنسان ليس فقط أن يكون واعيا بما يحيط به، بل أن يكون قادرا على إعادة تشكيل ذاته وفهم ذاته ضمن شبكة متشابكة من المعلومات والتأثيرات الخفية.

تتحقق الحرية في زمن البيانات الضخمة عبر مزيج من الوعي الذاتي والتحليل النقدي، والمقاومة الاستراتيجية للسيطرة الخفية، لتصبح ممارسة فلسفية يومية، تتجاوز مجرد الإرادة إلى ممارسة عقلية معرفية عميقة، تُعيد تأكيد السيادة على الذات في عالم تحكمه البيانات والتقنيات الرقمية.

***

د. حمزة مولخنيف

تفكيك العقد الاجتماعي المشوه وسردية "نحن أو الفوضى"

مقدمة: هندسة الخوف والعبودية

في قلب البنية السياسية للدول المستبدة وتحديدا تلك المصنفة كدول فاشلة أو التي تتأرجح على حافة الانهيار تكمن سردية مركزية تحكم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. هذه السردية لا تستمد مشروعيتها من الدستور، ولا من الإنجاز الاقتصادي، ولا حتى من الكاريزما التقليدية للزعيم، بل ترتكز على معادلة صفرية وحشية: "الذل والاستعباد مقابل وهم الأمن والأمان".

هذه المعادلة، التي يطرحها هذا التقرير للنقاش، ليست تكتيكاً سياسياً عابراً، بل هي "تقنية حكم" راسخة، تعيد تشكيل الوعي الجمعي، وتشوّه البنية الاقتصادية، وتستدعي موروثات ثقافية ونفسية عميقة لضمان ديمومتها. إن السؤال المركزي الذي يوجه هذا البحث هو: هل نحن أمام تجلٍ متطرف لنظام رأسمالي عالمي يعيد إنتاج نفسه في الأطراف عبر ما يمكن تسميته بـ "الرأسمالية الاستبدادية"، أم أننا بصدد ظاهرة بنيوية ونفسية مرتبطة بـ "شرط ما بعد الاستعمار" وسيكولوجية الشعوب المقهورة؟

للإجابة، يستدعي التقرير أدوات التحليل الفلسفي (من هوبز إلى أرندت)، والاقتصادي السياسي (من سمير أمين إلى عجم أوجلو)، وعلم الاجتماع السياسي والنفسي (من فانون وميمي إلى شرابي وغليون).

أولاً: "الأمن" كسلعة للابتزاز.. تحوّل المفهوم

 في الفلسفة السياسية الكلاسيكية، يُنظر إلى الأمن باعتباره الغاية الأولى للعقد الاجتماعي. أسس الفيلسوف توماس هوبز في كتابه المرجعي "الوحش" (أو التنين) لشرعية الدولة بناءً على قدرتها على إنهاء حالة "حرب الكل ضد الكل".

ومع ذلك، فإن ما تقدمه الأنظمة الديكتاتورية يختلف جذرياً عن الأمن الهوبزي. فبدلاً من أن تكون الدولة هي "الحارس" الذي يمنع العنف، تصبح هي "المحتكر للعنف" الذي تهدد به المجتمع. الأمن هنا ليس حقاً عاماً، بل "منحة" مشروطة بالخضوع التام. وكما يشير المفكر برهان غليون في تحليله للدولة الأمنية العربية، فإن هذه الأنظمة أدخلت المجتمعات في حالة من "الموت السريري"، حيث تتم مقايضة الحقوق السياسية والمدنية ليس بأمن حقيقي، بل بـ "وهم الأمن". هذا الوهم يعني غياب الحرب الأهلية الشاملة مؤقتاً، لكن مع استمرار العنف البنيوي المتمثل في الفقر، والاعتقال، والإذلال اليومي. إنها معادلة تضع المواطن أمام خيارين: إما "الاستقرار في القبور" (السجون والمنافي) أو "الفوضى المتوحشة" التي يتم التلويح بها كفزاعة دائمة.

ثانياً: جدلية "الذل" والعبودية الطوعية

لماذا تقبل الشعوب بهذه المعادلة؟ هل هو القهر المادي فقط؟ هنا نستحضر أطروحة إتيان دو لا بويسي حول "العبودية الطوعية"، حيث يجادل بأن الطغاة لا يملكون قوة ذاتية لقهر الملايين، بل يستمدون قوتهم من قبول الشعوب لخدمتهم؛ إذ يقول: "إنه لا يملك عينين إلا عيونكم، ولا يملك يدين إلا أيديكم".

في الأنظمة الفاشلة، يتحول "الذل" من حالة طارئة إلى "مؤسسة"، ومن شعور بالألم إلى "استراتيجية بقاء". يصبح الذل جزءاً من نسيج الحياة اليومية: في طوابير الخبز، والحواجز الأمنية، والدوائر الحكومية. هذا "الإذلال الممنهج" ليس عبثياً، بل هو أداة لكسر "العمود الفقري الأخلاقي" للفرد، ودفعه للتركيز فقط على "النجاة البيولوجية" بدلاً من "العيش الكريم" وفق توصيف حنة أرندت.

ثالثاً: المقاربة الفلسفية.. تفكيك بنية الرعب

لفهم عمق المعادلة، يجب الغوص في الأسس الفلسفية التي تبرر الاستعباد بدعوى الأمن:

العقد الاجتماعي المغدور (هوبز ولوك): تستعير الأنظمة المستبدة لغة هوبز لتبرير بطشها، مدعية أن الطبيعة البشرية شريرة وأن "السيف" هو الضامن الوحيد للنظام. لكن جون لوك ينقض هذه المعادلة، مؤكداً أن الأمن بلا حرية وتملك هو "سجن"، وأن الحكومة التي تنتهك هذه الحقوق تفقد مبرر وجودها. في دولنا، نجد تبنياً انتقائياً ومشوهًا لهذه النظريات.

حنة أرندت وإلغاء الإنسانية: ترى أرندت أن الخطر في الأنظمة الشمولية ليس فقط قمع الحرية، بل في "تدمير العفوية" وإلغاء التفرد الإنساني. تقدم الدعاية الشمولية الأمن كبديل مغرٍ للجماهير المعزولة، قائلة: "تنازلوا عن تفكيركم وتحملوا المسؤولية، ونحن نضمن لكم مكاناً في حركة التاريخ". يعمل الذل هنا كأداة عزل؛ إذ ينكفئ الفرد على ذاته خجلاً من عجزه، مما يمنع تشكل أي فعل سياسي تشاركي.

أفيشاي مارغليت والمجتمع اللائق: في كتابه "المجتمع اللائق"، يطرح مارغليت معياراً جوهرياً: المجتمع اللائق هو الذي لا تهين مؤسساته الناس. في الديكتاتوريات، الإذلال هو "بنية مؤسسية" مصممة لإشعار المواطن بالعجز وأنه مجرد "موضوع" للسلطة، وكتلة بيولوجية تُدار بالحد الأدنى دون اعتراف بحقوقها.

رابعاً: الاقتصاد السياسي للقمع.. من "النيوليبرالية" إلى رأسمالية المحاسيب

تشير الأدبيات الحديثة إلى صعود نموذج "الرأسمالية الاستبدادية". في العالم العربي ودول الجنوب، لم يؤدِ الانفتاح الاقتصادي إلى الديمقراطية، بل أعاد تشكيل الاستبداد:

الانفتاح كأداة قمع: تزامنت سياسات السوق المنفلتة مع "تغول أمني". انسحبت الدولة من خدمات الرعاية الصحة والتعليم، مما كسر العقد الاجتماعي الرعوي، وعوضت فقدان الشرعية بـ "فائض القوة" الأمنية.

رأسمالية المحاسيب: البنية الاقتصادية ليست تنافسية، بل شبكة مصالح زبائنية بين النخبة الحاكمة ورجال الأعمال المقربين. وظيفة الأمن هنا حماية الاحتكارات ومنع المنافسة التي قد تهدد تدفق الريع.

الدولة الريعية وفخ "اللا تمثيل": في الدول المعتمدة على النفط أو المساعدات الخارجية، تستغني الدولة عن ضرائب المواطنين، وبالتالي عن تمثيلهم سياسياً. وحين يتراجع الريع، يتحول شراء الولاء بالمال إلى فرض الصمت بالخوف.

خامساً: المركز والأطراف.. جذور التبعية

من منظور الماركسية الجديدة، يرى الاقتصادي سمير أمين أن هذه الأنظمة نتاج "رأسمالية طرفية". هذه الدول ممنوعة بنيوياً من التطور المستقل، حيث تلعب النخب الحاكمة دور "الوسيط التابع" (بدلاً من مصطلح الكومبرادور) الذي يسهل نهب الموارد لصالح الشركات العالمية مقابل حماية عروشه. "الذل" هنا ضرورة اقتصادية للحفاظ على أجور منخفضة. كما أن مشاريع التنمية غالباً ما تكون "وهمية" تخدم الاستهلاك النخبوي وتترك الأغلبية في حالة فقر يسهل معه ضبطهم أمنياً.

ويتفق ذلك مع طرح عجم أوجلو وروبنسون حول "المؤسسات الاستحواذية" التي تنتزع الثروة من الأغلبية، وتفضل "الركود مع الأمن" على "النمو مع الحرية" خشية أن يزعزع الابتكار توازنات القوة.

سادساً: سيكولوجية القهر.. من الاستعمار إلى الاستبداد الوطني

الذل ليس صفة أصيلة في الشعوب، بل "تشوه بنيوي" تاريخي

فرانتز فانون وتذويب الدونية: الاستعمار لا يحتل الأرض فحسب، بل يستعمر العقل زارعاً شعوراً بالنقص. بعد الاستقلال، ورث الحاكم الوطني (الديكتاتور) "كرسي المستعمر"، ومارس نفس الدور الأبوي القمعي على شعب لم يتحرر نفسياً بعد.

ألبير ميمي واعتمادية الضحية: تنشأ علاقة اعتمادية تجعل المواطن يشعر بالعجز دون "الدولة/الأب" حتى لو كانت تذله. يصبح الذل مرادفاً للواقعية، ومحاولة التغيير ضرباً من الجنون.

استمرارية الدولة الكولونيالية: لم تنشأ الدولة العربية الحديثة كعقد اجتماعي، بل كجهاز سيطرة ورثته الأنظمة الوطنية وقامت بـ "تبيئته" دون تفكيك وظيفته القمعية.

سابعاً: الثقافة كأداة هيمنة.. "الأبوية المستحدثة"

لا يمكن إغفال دور الثقافة كأداة يتم التلاعب بها:

الأبوية المستحدثة (هشام شرابي): لم تحقق مجتمعاتنا الحداثة، بل أنتجت مسخاً يجمع قشرة الحداثة (تكنولوجيا) وجوهراً تقليدياً (عشائرياً). الحاكم هنا هو "أب" العائلة، ونقده "عقوق"، مما يضفي شرعية دينية وثقافية على الذل.

الهيمنة الثقافية: يتم استخدام التعليم والإعلام لترسيخ فكرة أن الوضع القائم هو القدر المحتوم، وتصوير الحرية كـ "مؤامرة".

توظيف الانقسامات: يتم التلاعب بالطائفية والقبلية لإخافة المكونات الاجتماعية من بعضها، ليلجأ الجميع للاحتماء بعباءة المستبد.

ثامناً: الخاتمة والمسار المستقبلي

يخلص التقرير إلى أن معادلة "الذل مقابل وهم الأمن" بنية مركبة تتضافر فيها عوامل الاقتصاد السياسي، والتاريخ الاستعماري، والثقافة الأبوية. اقتصادياً، هي رأسمالية استحواذية؛ وتاريخياً، هي استمرار للدولة ما بعد الاستعمارية؛ وثقافياً، هي نظام أبوي يُشرعن الطاعة.

إلا أن هذه المعادلة محكوم عليها بالفشل الحتمي. فـ "اقتصاديات القمع" تستنزف الموارد (الإنفاق العسكري الهائل على حساب التعليم والصحة)، و"سياسات الإذلال" تخلق مخزوناً هائلاً من الغضب. لقد أثبتت الكوارث والأزمات (كزلزال 2023) أن هذا الأمن هش وأن الدولة "نمر من ورق". المخرج الوحيد يكمن في استبدال هذه المعادلة بـ "عقد اجتماعي جديد" يقوم على الكرامة كقيمة تأسيسية، حيث الأمن نتاج للعدالة وليس نقيضاً لها.

***

غالب المسعودي

.............................

المراجع المقترحة

أمين، سمير. (1974). التطور اللامتكافئ: دراسة في تشكيلات الرأسمالية المحيطية. بيروت: دار الطليعة

أوجلو، دارون، وروبنسون، جيمس. (2012). لماذا تفشل الأمم: أصول السلطة والازدهار والفقر. ترجمة مروان سعد الدين

أرندت، حنة. (1951). أسس التوتاليتارية. (يُشار هنا إلى تحليلاتها حول الشمولية والعزلة)

بشارة، عزمي. (2012). في الثورة والقابلية للثورة. بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات

شرابي، هشام. (1988). البنية البطركية: بحث في المجتمع العربي المعاصر. بيروت: دار الطليعة

غليون، برهان. (1991). نقد السياسة: الدولة والدين. بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر

فانون، فرانتز. (1961). معذبو الأرض. بيروت: دار الفارابي

مارغليت، أفيشاي. (1996). المجتمع اللائق. (ترجمة ومناقشة للمفهوم في السياق السياسي)

ميمي، ألبير. (1957). صورة المستعمر والمستعمر

هوبز، توماس. (1651). الليفياثان: الأصول الطبيعية والسياسية لسلطة الدولة

لا بويسي، إتيان دو. (1576). مقالة في العبودية المختارة

 

" إن الحروف هي مفاتيح الكائنات وبها ظهر الأمر الإلهي في العالم، وإن كل موجود إنما قام على حرف أو أكثر، فمن عرف مراتب الحروف عرف مراتب الخلق، ومن جهلها بقي محجوبا عن أسرار التكوين... أن الحرف لا يعمل بذاته، بل بأخلاق حامله واستعداده.... إن الحروف لا تفتح أبوابها إلا لمن طهّر قلبه وزكّى نفسه، أما من طلب بها الغلبة أو الدنيا فإنها تنقلب عليه حجابا وظلمة، لأن الحرف نور، ولا يسكن النور قلبا ملوّثا.... إنّ الأعداد أصول المقادير، وإن الله أقام العالم على ميزان عدد معلوم، فلا زيادة ولا نقصان إلا بحكمة، وكل عدد له روح ومعنى، ومن أدرك معاني الأعداد أدرك انتظام الكون وسرّ التقدير فيه... والعدد ليس مجرد كمية رياضية، بل دلالة أخلاقية وروحية، فمن استعمل الأعداد بغير حقّها، ومن غير طهارة نية، فقد استعمل ميزان الله في غير موضعه، ومن خان الميزان فقد خان العهد، ومن خان العهد انقلب علمه وبالا عليه...الحروف أعداد ناطقة، و الأعداد حروف صامتة، و الجمع بينهما هو سرّ التأثير، لكن هذا السرّ لا يُؤتى إلا لمن جمع بين العلم والعمل، وبين المعرفة والتقوى، لأن الله لا يسلّم مفاتيح خزائنه لمن لا يؤتمن عليها....."

نصّ مقتبس من كتاب "شمس المعارف الكبرى"

يشكّل أحمد بن علي البوني المتوفى نحو سنة 622هـ أحد أكثر العقول إشكالية وعمقا في تاريخ التصوف الإسلامي الغربي، وهو ابن مدينة بونة( عنابة اليوم)، التي ستغدو لاحقا مسرحا لتقاطعات معرفية مدهشة بين التراث العرفاني والعلوم الحديثة. لم يكن البوني فقيها تقليديا ولا متكلّما عقلانيا، بل عارفا يرى أن الوجود يُقرأ لا بالعقل المجرد وحده بل بالرمز والكشف والتزكية، وأنّ اللغة القرآنية ليست أداة وصف بل بنية كونية خالقة. في هذا السياق يظهر كتابه" شمس المعارف الكبرى ولطائف العوارف" نصّا مركزيا كونه مشروع ميتافيزيقي جريء يربط بين الحرف والعدد والاسم والكون والإنسان ضمن رؤية شمولية تجعل المعرفة مسؤولية أخلاقية قبل أن تكون قدرة تقنية. ممّا يدعو إلى ضرورة تغيير نظرة النقاد والفقهاء حول الكتاب باعتباره كتاب سحر كما شاع.

يقيم البوني تصوره للوجود على علم الحروف، حيث لا تُفهم الحروف بوصفها أصواتا لغوية بقدر ماهي كيانات وجودية فاعلة، لكل حرف موقعه في نظام الخلق وعلاقته بالعناصر والكواكب والمراتب الروحية. العالم عنده مكتوب قبل أن يكون مرئيا، والقرآن هو الخريطة الكبرى التي تتوزّع فيها الحروف كوسائط للتجلّي الإلهي. بهذا المعنى تصبح المادة أثرا لاحقا للّغة، ويغدو الكون نصّا قابلا للقراءة بالبصيرة. هذه الرؤية تضع البوني في تماس فلسفي غير مباشر مع مفاهيم معاصرة ترى العالم شبكة معلومات وأنماطا قبل أن يكون كتلة مادية، وهو ما يجعل فكره لا ينحصر في الطقوسية كما روّج له بل قابلا للتحديث . ومن الحروف ينتقل البوني إلى الأسماء الحسنى، حيث يؤكد أن الاسم ليس لفظا للترديد بل حضورا وجوديا يتحقّق بالنّية والانسجام الأخلاقي. فالاسم عنده ليس تقنية للسيطرة بل علاقة، ولا يعمل إلا بقدر ما يعمل الإنسان على تهذيب ذاته. الذكر اللّساني بلا تزكية لا يولد أثرا، والاسم بلا أخلاق يتحوّل إلى فتنة. هنا تتجلّى فلسفة دقيقة تفصل بين المعرفة كقوة والمعرفة كمسؤولية، وتربط التأثير بالاستعداد الداخلي لا بالصيغة الخارجية.

أما الأعداد والأوفاق والطلاسم، وهي أكثر أجزاء الكتاب إثارة للريبة، فيقدمها البوني ضمن نظام تحذيري صارم. العدد ليس كمية محايدة بل دلالة كونية، ونمط رياضي يعكس انتظام الوجود. لكنه يشدد على أن العبث بهذه الأنظمة دون طهارة نية يقود إلى الانحراف لا إلى الكشف. فالأوفاق ليست أدوات هيمنة بل خرائط رمزية لفهم العلاقات الخفية بين الإنسان والكون، ويظلّ البعد الأخلاقي هو الضامن الوحيد لسلامة هذا الفهم.

في قلب هذا المشروع يقف الإنسان بوصفه الكائن الوسيط، نقطة التقاء بين العالم السفلي والعالم العلوي، قادرا على الترقي أو السقوط بحسب وعيه وأخلاقه. المعرفة لا تهدف إلى تغيير العالم الخارجي بل إلى إعادة تشكيل الداخل، ولا قيمة لأي كشف لا يقود إلى التزكية. هكذا يضع البوني حدّا فاصلا بين العرفان الحقيقي والاستغلال النفعي للرمز، ويجعل الغاية القصوى للمعرفة هي الانسجام مع النظام الكوني لا السيطرة عليه.

ورغم التحريم التاريخي وسوء التلقّي الشعبي، ترك شمس المعارف أثرا عميقا في المخيال العرفاني والفلسفي، إذ رّسخ فكرة أن الكون نظام مترابط قابل للقراءة، وأن اللغة والعدد والاسم مفاتيح لفهمه، وأن المعرفة المنفصلة عن الأخلاق تتحوّل إلى خطر. هذه الأفكار، وإن وُلدت في سياق صوفي، تجد اليوم صدى غير متوقع في عصر الذكاء الاصطناعي والميتافيرس.

في العالم الرقمي المعاصر لم يعد الإنسان يتعامل مع مادة صماء بل مع رموز وبيانات وخوارزميات، أي مع عالم مكتوب بلغة جديدة. هنا يمكن إعادة قراءة شمس المعارف بوصفه نصا استباقيا، إذ تتحول الحروف والأعداد إلى عناصر تفاعلية، وتصبح البيئات الافتراضية أنظمة رمزية تستجيب لتصرّفات المستخدم. المتافيرس ليس فضاء للترفيه فقط، بل كونا قابلا للبرمجة والمعنى، حيث كل فعل رقمي يعيد تشكيل البيئة، تماما كما رأى البوني أن كل نية تعيد تشكيل الأثر.

في هذا السياق يبرز تقاطع لافت بين البوني وأحد أبناء عنابة المعاصرين، عثمان بوقطاية، المختص في علوم البيانات وData Things. فكما اشتغل البوني على أنماط الحروف والأعداد لفهم النظام الكوني والتفاعل معه أخلاقيا، يعمل بوقطاية على تحليل أنماط البيانات والتفاعلات الرقمية التي تشكل العوالم الافتراضية الحديثة. كلاهما يشتغل على القراءة العميقة للأنظمة غير المرئية، وكلاهما يدرك أن المعنى لا ينتج من الكم وحده بل من العلاقة والسياق والتأثير. الفرق أن البوني استخدم لغة الرمز الصوفي، بينما يستخدم بوقطاية لغة الخوارزمية والبيانات، لكن الجوهر واحد وهو البحث عن منطق خفي يحكم التفاعل بين الإنسان والنظام.

بهذا المعنى تصبح عنابة نقطة التقاء رمزية بين زمنين، زمن العرفان وزمن البيانات، حيث يتجسّد الانتقال من الأوفاق إلى الخوارزميات، ومن الحرف الكوني إلى الكود الرقمي، دون أن يُلغى السؤال الأخلاقي. فكما حذر البوني من المعرفة بلا تزكية، يفرض عصر الذكاء الاصطناعي السؤال ذاته: هل نملك القدرة على توجيه التقنية أخلاقيا أم سنتركها تتحوّل إلى قوة عمياء.

إن شمس المعارف الكبرى ليس كتابا عن الماضي بل مرآة للمستقبل، نصا يضعنا أمام سؤال جوهري يتجاوز التصوّف والتكنولوجيا معا، هل المعرفة سيطرة أم مسؤولية. وفي زمن الميتافيرس والتواصل الافتراضي يمكن أن يصبح هذا الكتاب خارطة فلسفية لتصميم عوالم رقمية واعية، حيث تُترجم النية إلى أثر، والرمز إلى تجربة، والتكنولوجيا إلى وعي. هكذا يظل شمس المعارف وثيقة فكرية عابرة للزمن، تصل بين التصوف الإسلامي والميتافيزيقا الرقمية، وتؤكد أن جوهر المعرفة واحد مهما تغيرت لغتها.

***

ليلى تبّاني ـ الجزائر

في المثقف اليوم